{"pages":[{"id":1,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\rالكتاب: حاشية الجمل على الجلالين المسماة الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية\rالمؤلف: سليمان بن عمر الجمل\rتاريخ وفاة المؤلف: 1204 ه. ق\rالمصحح: شمس الدين، إبراهيم\rالموضوع: أدبي\rاللغة: عربي\rعدد المجلدات: 8\rالناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون\rمكان الطبع: بيروت\rتاريخ الطبع: 1427 ه. ق\rالطبعة: الأولى\r[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\rالمصدر:الشاملة الذهبية\r[تنبيه]\rالكتاب ينقصه المجلد الثالث والثامن\r* * *","part":1,"page":2},{"id":2,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 3\rالمجلد الأول\rتحميد\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه على أفضاله. والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وصحبه وآله وبعد، فيقول العبد الفقير سليمان الجمل خادم الفقراء: هذه حواش تتعلق بتفسير الإمامين الجليلين، الإمام المحقق محمد بن أحمد المحلي الشافعي، والإمام عبد الرحمن جلال الدين السيوطي الشافعي رحمهما اللّه تعالى وأعاد علينا من بركاتهما آمين، ينتفع بها المبتدئ إن شاء اللّه تعالى جمعتها من التفاسير وقواعد المعقول أسأل اللّه أن ينفع بها كما نفع بأصلها آمين. وسميتها: الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، وعلى اللّه الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، فأقول وباللّه التوفيق:\rمقدمة:\rينبغي للشارع في كل علم قبل الشروع فيه معرفة ماهيته وموضوعه ليكون على بصيرة، والغرض منه لئلا يعد سعيه عبثا ودليله واستمداده ليعينه على تحصيله فنقول: أصل التفسير:\rالكشف والإبانة، وأصل التأويل: الرجوع والكشف، وعلم التفسير يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد اللّه تعالى بحسب الطاقة البشرية. ثم هو قسمان:\rتفسير، وهو ما لا يدرك إلا بالنقل كأسباب النزول.\rوتأويل، وهو ما يمكن ادراكه بالقواعد العربية، فهو مما يتعلق بالدراية والسر في جواز التأويل بالرأي بشروطه دون التفسير. أن التفسير كشهادة على اللّه وقطع بأنه عني بهذا اللفظ هذا المعنى ولا يجوز إلا بتوقيف، ولذا جزم الحاكم بأن تفسير الصحابي مطلقا في حكم المرفوع.\rوالتأويل ترجيح لأحد المحتملات بلا قطع فاغتفر، وموضوعه القرآن من الحيثية المذكورة.\rوالقرآن الكلام العربي المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المتحدّي بأقصر سورة منه المنقول تواترا، ودليله الكتاب والسنة ولفظ العرب العرباء، واستمداده من علمي أصول الدين والفقه، والغرض منه معرفة الأحكام الشرعية العملية، وقد استفدت ذلك من سيدنا ومولانا شيخنا الشهاب الرملي وممن عاصره ممن ترددت إليه من الأئمة الأعلام كشيخ الإسلام شمس الدين محمد بن إبراهيم","part":1,"page":3},{"id":3,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 4\rالتتائي المالكي، والشيخ المحقق المدقق نصر الدين اللقاني المالكي، والشيخ المقري المالكي، والشيخ الإمام شهاب الدين أحمد التونسي المغربي المالكي، والشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي، والشيخ عبد الحميد الشافعي، والشيخ ملا صادق الشيرواني الشافعي، ومولانا الشيخ شهاب الدين بن عبد الحق السنباطي الشافعي، والشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ أبي بكر الشافعي السعودي خليفة العارف باللّه تعالى أبي السعود الجارحي، والشيخ شرمنت بن جماعة، والشيخ الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي، والشيخ أمين الدين بن عبد العال الحنفي شيخ شيوخ الخانقاه الشيخونية، وشيخ الإسلام شمس الدين محمد السموسي الحنفي، والشيخ سراج الدين العراقي، والشيخ نور الدين الطندتائي، وملا نعمان البسطامي رحمة اللّه عليهم أجمعين اهـ. من الكرخي.\rفائدة:\rاعلم أن اللّه تعالى أنزل القرآن المجيد من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى سماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر، ثم كان ينزله مفرقا على لسان جبريل عليه السّلام إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مدة رسالته نجوما عند الحاجة، وبحدوث ما يحدث على ما يشاء اللّه، وترتيب نزول القرآن غير ترتيبه في التلاوة والمصحف فأما ترتيب نزوله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فأول ما نزل من القرآن بمكة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثم ن وَالْقَلَمِ ثم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ثم الْمُدَّثِّرُ ثم تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ثم إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ثم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ثم وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ثم وَالْفَجْرِ ثم وَالضُّحى ثم أَلَمْ نَشْرَحْ ثم وَالْعَصْرِ ثم وَالْعادِياتِ ثم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ثم أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ثم أَرَأَيْتَ* ثم قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ثم الْفِيلِ ثم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم والنجم، ثم عبس، ثم سورة القدر، ثم البروج، ثم التين، ثم لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ثم الْقارِعَةُ* ثم الْقِيامَةِ* ثم الهمزة، ثم المرسلات، ثم ق، ثم سورة البلد، ثم الطارق، ثم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ثم ص، ثم الأعراف، ثم الجن، ثم يس، ثم الفرقان، ثم فاطر، ثم مريم، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم بني إسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنون، ثم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم الملك، ثم الحاقة، ثم سأل سائل، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ثم إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ثم الروم، ثم العنكبوت. واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس: العنكبوت، وقال الضحاك وعطاء: المؤمنون وقال مجاهد: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. فهذا","part":1,"page":4},{"id":4,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 5\rترتيب ما نزل من القرآن بمكة فذلك ثلاث وثمانون سورة على ما استقرت عليه روايات الثقات.\rوأما ما نزل بالمدينة فإحدى وثلاثون سورة، فأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، ثم الحديد، ثم سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم الرعد، ثم سورة الرحمن، ثم هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ، ثم الطلاق، ثم لَمْ يَكُنْ،* ثم الحشر، ثم الفلق، ثم الناس، ثم إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الصف، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الفتح، ثم التوبة، ثم المائدة. ومنهم من يقدم المائدة، على التوبة، فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بالمدينة.\rوأما الفاتحة فقيل: نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة، واختلفوا في سور فقيل:\rنزلت بمكة، وقيل نزلت بالمدينة، وسنذكر ذلك في مواضعه إن شاء اللّه تعالى اهـ. خازن.\rفائدة: قال صلّى اللّه عليه وسلّم: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه\" اهـ.\rواختلفوا في المراد بالسبعة أحرف على أقوال: والصحيح منها أن المراد بها القراءات السبع، لأنها التي ظهرت واستفاضت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. ضبطها عنه الصحابة وأثبتها عثمان والجماعة في المصاحف وأخبروا بصحتها، وحذفوا منها ما لم يثبت متواترا، وأن هذه الأحرف مختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، وليست متضادة، ولا متباينة.\rروى الشيخان عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: \"اقرأني جبريل على حرف فراجعته فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف\".\rومعنى الحديث لم أزل أطلب من جبريل أن يطلب من اللّه عز وجل الزيادة في الأحرف والتوسعة والتخفيف ويسأل جبريل ربه عز وجل فيزيده حتى انتهى إلى السبعة اهـ خازن.\rفائدة: السور باعتبار الناسخ والمنسوخ أربعة أقسام\rقسم ليس فيه منسوخ ولا ناسخ وهو ثلاث وأربعون: الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، والنبأ، والنازعات، والانفطار، والمطففين، والانشقاق، والبروج، والفجر، والبلد، والشمس، والليل، والضحى، وألم نشرح، والقلم، والقدر، والقيامة، والزلزلة، والعاديات، والقارعة،","part":1,"page":5},{"id":5,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 6\rوالتكاثر، والهمزة، والفيل، وقريش، وأ رأيت، والكوثر، والنصر، وتبت، والإخلاص، والفلق، والناس.\rوقسم فيه منسوخ وناسخ وهو خمس وعشرون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والانفال، والتوبة، وإبراهيم، ومريم، والأنبياء، والحج، والنور، والفرقان، والشعراء، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والمجادلة، والواقعة، والمزمل، والمدثر، والتكوير، والعصر.\rوقسم فيه منسوخ فقط وهو أربعون: الأنعام، والأعراف، ويونس، وهود، والرعد، والحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، وطه، والمؤمنون، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وآلم السجدة، وفاطر، والصافات، والزمر، وحم السجدة، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، ومحمد، وق، والنجم، والقمر، والامتحان، والمعارج، والقيامة، والإنسان، وعبس، والطارق، والغاشية، والتين، والكافرون.\rوقسم فيه ناسخ فقط وهو ستة: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى اهـ. من أسباب النزول.\rفائدة: قد نظم بعضهم كلا الواردة في القرآن التي يجوز الوقف عليها والتي لا يجوز فقال:\rثلاثون كلا أتبعت بثلاثة ... جمع الذي في الذكر منها تنزلا\r\rومجموعها في خمس عشرة سورة ... ولا شيء منها جاء في النصف أولا\r\rفخمس عليها قف تماما بمريم ... وفي الشعرا اعدده وفي سباجلا\r\rوفي تسعة خير قد أفلح سائل ... ومدثر بدء وثالثه حلا\r\rوأول حرف في القيامة قد أتى ... ومطفف ثان وفي الفجر أولا\r\rوفي عمد حرف ولا وقف عندهم ... على ما سوى هذا لمن قد تأملا\r\rوعند إمام النحو في فرقة سموا ... عليها يكون الوقف فيما تحصلا\r\rوليس لها معنى سوى الردع عندهم ... وان أوهمت شيئا سواه تؤولا\r\rوقال سواهم إنما الردع غالب ... وتأتي لمعنى غير ذاك محصلا\r\rكحقا ومعنى سوف في نادر أتت ... ومثل نعم أيضا ومشبهة ألا\r\rفقف إن أتت للردع وابدأ بها إذا ... أتت لسوى هذا على ما تفصلا\r\rومهما عليه كان وقفك دائما ... تجد به سندا من سيبويه ومعقلا","part":1,"page":6},{"id":6,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 7\rوستكون عودة لذلك في سورة مريم.\rفائدة: في تفصيل حروف القرآن ذكرها الإمام النسفي في كتابه مجموع العلوم ومطلع النجوم.\rالألف: ثمانية وأربعون ألفا وسبعمائة وأربعون. الباء: أحد عشر ألفا وأربعمائة وعشرون. التاء: ألف وأربعمائة وأربعة. الثاء: عشرة آلاف وأربعمائة وثمانون. الجيم: ثلاثة آلاف وثلاثمائة واثنان وعشرون. الحاء: أربعة آلاف ومائة وثمانية وثلاثون. الخاء: ألفان وخمسمائة وثلاثة. الدال: خمسة آلاف وتسعمائة وثمانية وتسعون. الذال: أربعة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون. الراء: ألفان ومائتان وستة. الزاي: ألف وستمائة وثمانون.\rالسين: خمسة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون. الشين: ألفان ومائة وخمسة عشر. الصاد:\rألفان وسبعمائة وثمانون. الضاد: ألف وثمانمائة واثنان وثمانون. الطاء: ألف ومائتان وأربعة. الظاء: ثمانمائة واثنان وأربعون. العين: تسعة آلاف وأربعمائة وسبعون. الغين: ألف ومائتان وتسعة وعشرون. الفاء: تسعة آلاف وثمانمائة وثلاثة عشر. القاف: ثمانية آلاف وتسعة وتسعون. الكاف: ثمانية آلاف واثنان وعشرون. اللام: ثلاثة وثلاثون ألفا وتسعمائة واثنان وعشرون. الميم: ثمانية وعشرون ألفا وتسعمائة واثنان وعشرون. النون: سبعة عشر ألفا. الهاء: ستة وعشرون ألفا وتسعمائة وخمسة وعشرون. الواو: خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة وستة. لام ألف: أربعة عشر ألفا وسبعمائة وسبعة. الياء: خمسة وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة عشر اهـ.\rوأما جملة حروفه فهي ألف ألف وسبعة وعشرون ألفا بإدخال حروف الآيات المنسوخة ونصفه الأول باعتبارها ينتهي بالنون من قوله في سورة الكهف: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً والكاف أول النصف الثاني، وعدد درجات الجنة بعدد حروف القرآن، وبين كل درجتين قدر ما بين السماء والأرض.\rوأما جملة عدد آياته فهي ستة آلاف وخمسمائة نصفها الأول ينتهي بقوله في سورة الشعراء: فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ.\rوعدد جلالات القرآن ألفان وستمائة وأربعة وستون اهـ.\rومصنف هذه التكملة هو الإمام العلامة حافظ العصر ومجتهده سيدنا ومولانا جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي فسح اللّه في قبره ونفعنا والمسلمين ببركته بمحمد وآله، والسيوطي بضم السين ويقال: أسيوطي بضم الهمزة، وفي القاموس يقال: سيوط وأسيوط بالضم فيهما مدينة بالصعيد اهـ.","part":1,"page":7},{"id":7,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 8\r\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rالحمد للّه حمدا موافيا لنعمه، مكافئا لمزيده، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وجنوده. هذا ما اشتدت إليه حاجة الراغبين في تكملة تفسير القرآن الكريم الذي ألفه بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (الحمد للّه الخ) افتتح رحمه اللّه تعالى كتابه بهذه الصيغة، لأنها أفضل المحامد كما صرحوا به فيما لو نذر أن يحمد اللّه بأفضل المحامد، أو حلف ليحمدن اللّه تعالى بجميع المحامد أو بأجلّ التحاميد، فطريقه أن يقول الحمد للّه حمدا الخ اهـ. كرخي. وهذه الصيغة مقتبسة من الحديث وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: \"الحمد للّه حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده\"، وقد غير المصنف الحديث بعض تغيير، والتغير اليسير مغتفر في الاقتباس: قوله: (موافيا لنعمه) أي مقابلا لها بحيث يكون بقدرها، فلا تقع نعمة إلا مقابلة بهذا الحمد، بحيث يكون الحمد بإزاء جميع النعم، وهذا على سبيل المبالغة بحسب ما ترجاه، وإلا فكل نعمة تحتاج لحمد مستقل. قوله: (مكافئا لمزيده) أي مماثلا ومساويا له، والمزيد مصدر ميمي من زاده اللّه النعم، وفي المختار والزيادة النمو وبابه باع وزيادة أيضا، وزاده اللّه خيرا، قلت: يقال: زاد الشيء وزاد غيره، فهو لازم ومتعد إلى مفعولين، والمعنى: أنه يترجى أن يكون الحمد الذي أتى به موفيا بحق النعم الحاصلة بالفعل، وما يزيد، منها في المستقبل تأمل. قوله: (على محمد) في نسخة على سيدنا محمد وعليها فعطف، وآله وما بعده على سيدنا لا على محمد لما يلزم عليه من إبدال محمد وآله وصحبه وجنوده من السيد، وهو في نفس الأمر محمد فقط اهـ شيخنا. قوله:\r(وجنوده) جمع جند، وهو اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالياء على خلاف الغالب، فالذي بالياء هو الواحد، والذي بدونها هو الجمع، والمراد بجنده صلّى اللّه عليه وسلّم كل من يعين على الدين وعلى إظهاره بالقتال في سبيل اللّه، أو بتقرير العلم أو بتأليفه وضبطه، أو بتعمير المساجد، أو بغير ذلك من عصره صلّى اللّه عليه وسلّم إلى آخر الزمان، تأمل.\rقوله: (هذا) هي بمنزلة أما بعد، وبمنزلة أيضا في أن كلا منهما اقتضاب مشوب بتخلص، والإشارة إلى العبارات الذهنية التي استحضرها في ذهنه ليحصل لها تكميل تفسير المحلي، فما في قوله: (ما اشتدت) واقعة على عبارات ذهنية وعبر باشتدت دون دعت، إشارة إلى أن حاجتهم بلغت حد الضرورة لمزيد احتياجهم إلى هذه التكملة، وذلك لأن تفسير النصف الثاني قد احتوى على المعنى العزيز وانطوى على اللفظ الوجيز، وأبدع فيما رقم وأنق وغاص بفكره على جواهر الدرر، فسطع نورها","part":1,"page":8},{"id":8,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 9\rوأشرق، فلذا أعجز من بعده عن الارتقاء إلى مدارج كماله والنسخ على منواله، فتمت المناسبة اهـ كرخي.\rقوله: (حاجة الراغبين) أي المحبين والمريدين لتكميل هذا الكتاب بالتأليف، وفي المصباح:\rرغبت في الشيء ورغبته يتعدى بنفسه أيضا إذا رغبا، بفتح الغين وسكونها، ورغبت عنه إذا لم ترده، والرغبة بالهاء لتأنيث المصدر اهـ. وفي المختار: رغب في الشيء: أراده، وبابه طرب، ورغب عنه: لم يرده اهـ.\rقوله: (في تكملة تفسير القرآن) أي تكميله وتتميمه، والقرآن: اللفظ المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته، ووصفه بالكريم من حيث ما فيه من الخيرات والمنافع الكثيرة، والتفسير: التبيين والتوضيح. ففي المصباح: فسرت الشيء فسرا من باب ضرب بينته وأوضحته، والتثقيل مبالغة اهـ.\rوالفرق بين التفسير والتأويل أن التفسير تعيين معنى اللفظ بواسطة نقل من قرآن أو سنة أو أثر، أو بواسطة التخريج على القواعد الأدبية، وأن التأويل حمل اللفظ المحتمل لمعان على بعضها بواسطة القواعد العقلية الصحيحة، والمراد هنا بالتفسير ما يعم الأمرين اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي ما نصه: واعلم أن المدرسين وإن تباينت مراتبهم في العلم، وتفاوتت منازلهم في الفهم أصناف ثلاثة لا رابع لها، الأول: من إذا درّس آية اقتصر على ما فيها من المنقول وأقوال المفسرين وأسباب النزول والمناسبة ووجوه الإعراب ومعاني الحروف ونحو ذلك، وهذا لا حظ له عند المحققين ولا نصيب له بين فرسان الفهوم. والثاني: من يأخذ في وجوه الاستنباط منها، ويستعمل فكره بمقدار ما آتاه اللّه تعالى من الفهم، ولا يشتغل بأقوال السابقين وتصرفات الماضين، علما منه أن ذلك أمره موجود في بطون الأوراق لا معنى لإعادته. والثالث: من يرى الجمع بين الأمرين والتحلي بالوصفين ولا يخفى أنه أرفع الأصناف، ومن هذا الصنف الجلال المحلي والجلال السيوطي كصاحب الكشاف والكواشي والقاضي والفخر الرازي رضي اللّه تعالى عنهم اهـ.\rوقال أبو حيان في البحر ما نصه: ومن أحاط بمعرفة مدلول الكلمة وأحكامها قبل التركيب، وعلم كيفية تركيبها في تلك اللغة وارتقى إلى تمييز حسن تركيبها وقبحه، فلا يحتاج في فهم ما تركب من تلك الألفاظ إلى مفهم ولا معلم، وإنما تفاوت الناس في إدراك هذا الذي ذكرناه، فلذلك اختلفت أفهامهم، وتباينت أقوالهم، وقد جربنا الكلام يوما مع بعض من عاصرنا، فكان يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تراكيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم، وأن فهم الآيات متوقف على ذلك، والعجب له أنه يرى أقوال هؤلاء كثيرة الاختلاف متباينة الأوصاف متعارضة يناقض بعضها بعضا، وكان هذا المعاصر يزعم أن كل آية قد نقل فيها التفسير خلفا عن سلف بالسند، إلى أن وصل ذلك إلى الصحابة، ومن كلامه: أن الصحابة سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن تفسيرها هذا، وهم العرب الفصحاء الذين نزل القرآن بلسانهم. وقد روي عن علي كرّم اللّه وجهه وقد سئل: هل خصكم يا","part":1,"page":9},{"id":9,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 10\rالإمام العلامة المحقق جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي رحمه اللّه، وتتميم ما فاته وهو من أول سورة البقرة إلى آخر الإسراء بتتمة على نمطه من ذكر ما يفهم به كلام اللّه تعالى والاعتماد على أرجح الأقوال وإعراب ما يحتاج إليه وتنبيه على القراءات المختلفة المشهورة أهل البيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل في كتاب اللّه تعالى، وقول هذا المعاصر يخالف قول علي رضي اللّه تعالى عنه، وعلى قول هذا المعاصر يكون ما استخرجه الناس بعد التابعين من علوم التفسير ومعانيه ودقائقه وإظهار ما احتوى عليه من علم الفصاحة والبيان والإعجاز لا يكون تفسيرا حتى ينقل بالسند إلى مجاهد ونحوه، وهذا كلام ساقط اهـ.\rقوله: (المحلي) بفتح الحاء نسبة للمحلة الكبرى مدينة من مدن مصر. قوله: (و تتميم ما فاته) بالرفع عطفا على ما في قوله: ما اشتدت إليه حاجة الراغبين، أو بالجر عطفا على قوله: في تكملة تفسير القرآن، وعلى الأول هو مساو في المعنى للمعطوف عليه، وكذا على الثاني فذكره من قبيل الإطناب، كأنه ذكره توطئة للأوصاف التي ذكرها بقوله: على نمطه الخ، وفي هذا التعبير تسمح من حيث أن ما أتى به السيوطي تتميم لما أتى به المحلي لا لما فاته، إذا الذي فاته هو نفس ما أتى به السيوطي. وقوله: (و هو من أول) الخ، الضمير راجع لما فاته أو للتتميم لما عرفت أن ما فاته والتتميم مصدوقهما واحد وهو تفسير السيوطي، وقوله: (من أول سورة البقرة) الخ أي: وأما الفاتحة ففسرها المحلي فجعلها السيوطي في آخر تفسير المحلي لتكون متضمنة لتفسيره وابتدأ هو من أول البقرة اهـ شيخنا.\rوسيأتي له في آخر الإسراء أنه فسر هذا النصف في مقدار ميعاد الكليم، أي في أربعين يوما بل في أقل منها، وكان عمره إذ ذاك اثنتين وعشرين سنة أو أقل منها بشهور، فكأن هذه التكملة أول تفاسيره وقد ابتدأها يوم الأربعاء مستهل رمضان سنة سبعين وثمانمائة، وفرغ منها عاشر شوال من السنة المذكورة، وكان ابتداء تأليف هذه التكملة بعد وفاة المحلي بست سنين. وكان مولده أي السيوطي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع بتقديم التاء الفوقية وأربعين وثمانمائة، وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة وتسعمائة، فجملة عمره أربع وستون سنة.\rوأما المحلي رضي اللّه تعالى عنه فكان مولده سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ومات من أول يوم سنة أربع وستين وثمانمائة، فعمره نحو أربع وسبعين سنة اهـ.\rقوله: (بتتمة) متعلق بقوله وتتميم، والباء بمعنى: مع، أي هذا التتميم الذي أتى به السيوطي تفسيرا للنصف الأول مصاحب للتتمة، والمراد بها ما ذكره بعد فراغه من سورة الإسراء بقوله: هذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم الخ. قوله: (على نمطه) حال من التتميم، أي حال كون هذا التتميم كائنا على نمطه، أي نمط تفسير المحلي أي على طريقته وأسلوبه. وفي القاموس: أن النمط يقال بمعنى الطريقة. وقوله: (من ذكر ما يفهم به الخ) بيان لنمط، وطريق تفسير المحلي الذي تبعه فيه السيوطي؛ وقد بين ذلك النمط بأمور أربعة. قوله: (من ذكر ما يفهم به كلام اللّه) ما عبارة عن المعاني التفسيرية أو العبارات الذهنية الدالة عليها. قوله: (و الاعتماد) بالجر عطفا على ذكر: أي، والاقتصار على أرجح الأقوال، وكذا قوله: (و إعراب). وقوله: (و تنبيه) الخ. ونكر هذا المصدر دون ما قبله","part":1,"page":10},{"id":10,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 11\rعلى وجه لطيف وتعبير وجيز وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، واللّه أسأل النفع به في الدنيا وأحسن الجزاء عليه في العقبى بمنه وكرمه.\rإشارة إلى قلة التنبيه المذكور، وأنه لم ينبه على جميع القراءات المختلفة. وقوله: (المختلفة) أي المتنوعة، وتنوعها من سبعة أوجه، لأنه إما من حيث الشكل فقط كالبخل والبخل فقد قرئ بهما والمعنى فيهما واحد، وإما من حيث المعنى فقط نحو: فتلقى آدم من ربّه كلمات برفع آدم ونصب كلمات وبالعكس، وقد قرئ بهما، وإما من حيث اللفظ والمعنى وصورة الحرف واحدة نحو تبلو كل نفس وتتلو فقد قرئ بهما، وصورة الباء والتاء واحدة. وأما النقط فحادث، وإما أن يكون الاختلاف في صورة الحرف لا في المعنى كسراط وصراط. وإما من حيث اللفظ والمعنى وصورة الحرف نحو:\rفاسعوا وامضوا، فقد قرئ بهما. وإما من حيث الزيادة والنقص كأوصى ووصى، وإما من حيث التقديم والتأخير كيقتلون ويقتلون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول وبالعكس اهـ. من كتاب التحبير في علم التفسير. وقوله: (المشهورة)، أي بالمعنى اللغوي يعني الواضحة، فلا ينافي أن القراءات السبع كلها متواترة، وأن المشهور عندهم رتبة دون رتبة المتواتر اهـ.\rقوله: (على وجه لطيف) متعلق بالمصادر الأربعة قبله، والمراد باللطيف هنا القصير، فعطف قوله: وتعبير وجيز عطف تفسير. وفي المصباح لطف الشيء فهو لطيف من باب قرب صغر جسمه وهو ضد الضخامة، والاسم اللطافة بالفتح اهـ.\rقوله: (و ترك التطويل) معطوف على وجه لطيف، وهو تصريح بما علم من قوله، وتعبير وجيز إذ يلزم من كونه وجيزا أن لا يكون طويلا وقوله بذكر أقوال متعلق بتطويل وقوله: (غير مرضية)، أي عند المفسرين، قوله: (و أعاريب) معطوف على أقوال. قوله: (و اللّه أسأل النفع به) أي بالتتميم المذكور وقوله: (بمنه وكرمه)، الباء فيه للتوسل أي أتوسل إليه في قبول هذا الدعاء بصفتيه العظيمتين وهما منه وتفضله على عباده بالعطايا وكرمه، أي إيصال فضله للبار والفاجر سواء سئل فيه أو لم يسأل.","part":1,"page":11},{"id":11,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 12\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البقرة مدنية وهي مائتان وست أو سبع وثمانون آية\rقوله: (سورة البقرة) الخ مبتدأ ومدنية خبر أول، ومائتان الخ خبر ثان، ويؤخذ من هذا أن تسميتها بما ذلك غير مكروهة خلافا لمن قال بذلك، وقال: لا يقال ذلك لما فيه من نوع تنقيص، وإنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة قد يكون لها اسم واحد وقد يكون لها اسمان أو أكثر.\rوأسماء السور توقيفية، أي تتوقف على نقلها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وكذا ترتيب السور، فكان إذا تمت السورة يقول جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: اجعل هذه السورة عقب سورة كذا وقبل سورة كذا. وكذا ترتيب الآيات توقيفي، فكان جبريل يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: اجعل هذه الآية عقب آية كذا وقبل آية كذا. والسورة مأخوذة من سور البلد لارتفاع رتبتها كارتفاعه، وهي طائفة من القرآن لها أول وآخر وترجمة باسم خاص بها بتوقيف كما سبق، وكون ترتيب الآيات والسور توقيفيا إنما هو على الراجح. وقيل: إنه ثبت باجتهاد الصحابة وعبارة المفسر في التحبير اختلف هل ترتيب الآية والسور على النظم الذي هو الآن عليه بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أو باجتهاد من الصحابة، فذهب قوم إلى الثاني واختار مكي وغيره أن ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وترتيب السور منه لا باجتهاد الصحابة، والمختار أن الكل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ. وعلى كل من القولين فأسماء السور في المصاحف لم يثبتها الصحابه في مصاحفهم وإنما هو شيء ابتدعه الحجاج كما ابتدع اثبات الأعشار والأسباع كما ذكره الخطيب، فإثبات أسماء السور ظاهر كما فعل المفسرون، وإثبات الأعشار بأن جزأ الحجاج القرآن عشرة أجزاء وكتب عند أول كل عشر بهامش المصحف عشر بضم العين، وكذلك كتب الأسباع فآخر السبع والأول الدال من قوله في النساء: وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ [النساء: 55] وآخر السبع الثاني التاء من قوله في الأعراف: أُولئِكَ حَبِطَتْ [التوبة: 17، 69] وآخر الثالث الألف من أكلها في قوله في الرعد: أُكُلُها دائِمٌ [الرعد:\r35] وآخر الرابع الألف من جعلنا في قوله في الحج وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً [الحج: 34] وآخر الخامس التاء من قوله في الأحزاب: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الأحزاب: 36] وآخر السادس الواو من قوله في الفتح الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ [الفتح: 6] وآخر السابع ما بقي من القرآن كما ذكره القرطبي.\rوذكر أيضا أن الحجاج كان يقرأ كل لية ربعا فأول خاتمة الأنعام والربع الثاني في الكهف","part":1,"page":12},{"id":12,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 13\rوليتلطف والربع الثالث خاتمة الزمر والربع الرابع ما بقي من القرآن. وقيل غير ذلك والخلاف مذكور في كتاب البيان لأبي عمرو الداني.\rوقوله: (مدنية) في المكي والمدني خلاف كثير، وأرجحة أن المكي ما نزل بعد قبل الهجرة ولو في غير مكة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة أو عرفة، وحاصل ما في الجلالين الجزم بمدنية عشرين سورة، وحكاية خلاف في سبع عشرة والجزم بمكية سبع وسبعين، ومكية أو مدنية جملة السورة لا ينافي أن بعضها ليس كذلك كما سيأتي التنبيه على ذلك كله في هذا التفسير. وقوله: (و ست أو سبع) الخ. منشأ هذا الخلاف، اختلاف المصحف الكوفي وغيره في رؤوس بعض الآي اهـ شيخنا.\rوقال المصنف في التحبير ما نصه: وكون أسماء السور توقيفية إنما هو بالنسبة للاسم الذي تذكر به السورة وتشتهر، وإلا فقد سمى جماعة من الصحابة والتابعين سورا بأسماء من عندهم كما سمى حذيفة التوبة بالفاضحة وسورة العذاب، وسمى خالد بن معدان البقرة فسطاط القرآن. وسمى سفيان بن عيينة سورة الفاتحة الوافية وسماها يحيى بن كثير الكافية لأنها تكفي عما عداها ومن السور ما له اسمان فأكثر، فالفاتحة تسمى أم القرآن وأم الكتاب وسورة الحمد وسورة الصلاة والشفاء والسبع المثاني والرقية والنور والدعاء والمناجاة والشافية والكافية والكنز والأساس، وبراءة تسمى التوبة والفاضحة وسورة العذاب، ويونس تسمى السابعة لأنها سابعة السبع الطوال، والإسراء تسمى سورة بني إسرائيل، والسجدة تسمى المضاجع، وفاطر تسمى سورة الملائكة وغافر تسمى المؤمن، وفصلت تسمى السجدة، والجاثية تسمى الشريعة، وسورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تسمى القتال، والطلاق تسمى النساء القصري. وقد يوضع اسم لجملة من السور كالزهراوين للبقرة وآل عمران والسبع الطوال وهي البقرة وما بعدها إلى الأعراف، والسابعة يونس كذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد والمفصل، والأصح أنه من الحجرات إلى آخر القرآن لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة والمعوذات للإخلاص والفلق والناس اهـ بحروفه.\rفائدة: قال ابن العربي: سورة البقرة فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر أخذها بركة وتركها حسرة، لا تستطيعها البطلة وهم السحرة سموا بذلك لمجيئهم بالباطل، إذا قرئت في بيت لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام اهـ. دميري.\rوروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة. وعنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي، أخرجه الترمذي وقال حديث غريب اهـ خازن.\rفائدة: في الكلام على الاستعاذة ولفظها المختار أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم وعليه الشافعي وأبو حنيفة وهو الموافق لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل:\r98]. وقال أحمد: الأولى أن يقول أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم جمعا بين هذه الآية","part":1,"page":13},{"id":13,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 14\rوبين قوله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 36]. وقال الثوري والأوزاعي الأولى أن يقول أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إن اللّه هو السميع العليم. وقد اتفق الجمهور على أن الاستعاذة سنة في الصلاة فلو تركها لم تبطل صلاته سواء تركها عمدا أو سهوا، ويستحب لقارىء القرآن خارج الصلاة أن يتعوذ أيضا. وحكي عن عطاء وجوبها سواء كانت في الصلاة أو غيرها، وقال ابن سيرين: إذا تعوذ الرجل في عمره مرة واحدة كفي في إسقاط الوجوب. ووقت الاستعاذة قبل القراءة عند الجمهور سواء في الصلاة أو خارجها. وحكي عن النخعي أنه بعد القراءة، وهو قول داود، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين ومعنى أعوذ باللّه ألتجىء إليه وأمتنع مما أخشاه من عاذ يعوذ من باب قال: والشيطان أصله من شطن أي تباعد من الرحمة، وقيل: من شاط يشيط إذا هلك واحترق، والشيطان اسم لكل عات من الجن والإنس وشيطان الجن مخلوق من قوة النار، فلذلك كان فيه القوة الغضبية. والرحيم فعيل بمعنى فاعل أي يرجم بالوسوسة والشر وقيل بمعنى مفعول أي مرجوم بالشهب عند استراق السمع، وقيل مرجوم بالعذاب، وقيل مرجوم بمعنى مطرود عن الرحمة وعن الخيرات وعن منازل الملأ الأعلى. وبالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل شيء مشغل عن اللّه تعالى، ومن لطائف الاستعاذة أن قوله أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إقرار من العبد بالعجز والضعف واعتراف من العبد بقدرة الباري عزّ وجل، وأنه الغني القادر على دفع جميع المضرات والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأن الشيطان عدو مبين. ففي الاستعاذة اللجأ إلى اللّه تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغوي الفاجر، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا اللّه تعالى واللّه أعلم اهـ. خازن.\rفائدة: اختلف الأئمة في كون البسملة من الفاتحة وغيرها من السور سوى سورة براءة، فذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ذكرت في أولها سوى سورة براءة، وهو قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وإسحاق. ونقل البيهقي هذا القول عن علي بن أبي طالب والزهري والثوري ومحمد بن كعب. وذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن البسملة ليست آية من الفاتحة، زاد أبو داود: ولا من غيرها من السور وإنما هي بعض آية في سورة النمل، وإنما كتبت للفصل والتبرك. قال مالك: ولا يستفتح بها في الصلاة المفروضة. وللشافعي قول إنها ليست من أوائل السور مع القطع بأنها من الفاتحة اهـ. خازن.\rوالأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا قولوا لأن هذا المقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الربّ تعالى اهـ.\rقوله: (و ثمانون آية) قيل: أصلها أيية كتمرة قلبت عينها ألفا على غير قياس. وقيل آئية كقائلة حذفت الهمزة تخفيفا، وقيل غير ذلك وهي في العرف طائفة من كلمات القرآن متميزة بفصل والفصل هو آخر الآية، وقد تكون كلمة مثل: الْفَجْرِ* والضُّحى والْعَصْرِ وكذا الم* وطه ويس ونحوها عند الكوفيين وغيرهم لا يسميها آيات بل يقول هي فواتح السور عن أبي عمرو الداني لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى: مُدْهامَّتانِ [الرحمن: 64] اهـ. من التحبير.","part":1,"page":14},{"id":14,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 15\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rالم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك،\rذلِكَ أي هذا الْكِتابُ الذي يقرؤه محمد لا قوله: الم اعلم أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا: وهي نصف حروف الهجاء وقد تفرقت في تسع وعشرين سورة المبدوء بالألف واللام. منها ثلاثة عشر، وبالحاء والميم سبعة، وبالطاء أربعة، وبالكاف واحدة، وبالصاد واحدة، وبالقاف واحدة، وبالنون واحدة، وبعض هذه الحروف المبدوء بها أحادي، وبعضها ثنائي، وبعضها ثلاثي، وبعضها رباعي، وبعضها خماسي، ولا تزيد اهـ. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) أشار بهذا إلى أرجح الأقوال في هذه الأحرف التي ابتدئ بها كثير من السور سواء كانت أحادية كق وص، ون، أو ثنائية كما سيأتي وهو أنها من المتشابه، وأنه جرى على مذهب السلف القائلين باختصاص اللّه تعالى بعلم المراد منها، وعلى هذا القول فلا محل لها من الإعراب، لأنه فرع إدراك المعنى ولم ندركه فهي غير معربة وغير مبنية لعدم موجب بنائها وغير مركبة مع عامل، وعلى هذا فهي آية مستقلة يوقف عليها وقفا تاما، وقد قيل فيها أقوال أخر غير هذا القول، فقيل إنها أسماء للسور التي ابتدئت بها، وقيل أسماء للقرآن، وقيل للّه تعالى، وقيل كل حرف منها مفتاح اسم من أسماء اللّه تعالى، أي أن كل حرف منها اسم مدلوله حرف من حروف المباني، وذلك الحرف جزء من اسم من أسماء اللّه تعالى، فألف اسم مدلوله اهـ من اللّه، واللام اسم مدلوله من لطيف، والميم اسم مدلوله مه من مجيد، وقيل كل حرف منها يشير إلى نعمة من نعم اللّه، وقيل إلى ملك وقيل إلى نبي، وقيل الألف تشير إلى آلاء اللّه، واللام تشير إلى لطف اللّه والميم تشير إلى ملك اللّه، وعلى هذه الأقوال فلها محل من الإعراب، فقيل الرفع وقيل النصب وقيل الجر، وبقي قول آخر هي عليه لا محل لها من الإعراب كالقول الأول المعتمد ونص عبارة السمين إن قيل إن الحروف المقطعة وفي أوائل السور أسماء حروف التهجي بمعنى أن الميم اسم لمه، والعين اسم لعه، وإن فائدتها اعلامهم بأن هذا القرآن منتظم من جنس ما تنظمون منه كلامكم، ولكن عجزتم عنه فلا محل لها حينئذ من الإعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدة فألغيت كأسماء الأعداد نحو: واحد اثنان، وهذا أصح الأقوال الثلاثة في الأسماء التي لم يقصد الإخبار عنها ولا بها، وإن قيل إنها أسماء السورة المفتتحة بها، أو إنها بعض أسماء اللّه تعالى حذف بعضها وبقي منها هذه الحروف دالة عليها، وهذا رأي ابن عباس لقوله: الميم من عليم والصاد من صادق، فلها محل من الإعراب حينئذ ويحتمل الرفع والنصب والجر، فالرفع على أحد وجهين إما بكونها مبتدأ وإما بكونها خبرا كما سيأتي بيانه مفصلا، والنصب على أحد وجهين أيضا بإضمار فعل لائق تقديره اقرؤوا الم وإما بإسقاط حرف القسم كقوله:\rإذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة اللّه الثريد\r\rيريد وأمانة اللّه، وكذلك هذه الحروف أقسم اللّه تعالى بها والجر واحد وهو أنها مقسم بها حذف حرف القسم، وبقي عمله كقولهم: للّه لأفعلن، أجاز ذلك الزمخشري وأبو البقاء، وهذا ضعيف لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لا يشركها فيه غيرها فتلخص مما تقدم أن في الم ونحوها ستة أوجه وهي أنها لا محل لها من الإعراب، أو لها محل وهو الرفع بالابتداء أو الخبر والنصب باضمار","part":1,"page":15},{"id":15,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 16\rرَيْبَ لا شك فِيهِ أنه من عند اللّه وجملة النفي خبر مبتدؤه ذلك والإشارة به للتعظيم فعل أو حذف حرف القسم والجر باضمار حرف القسم. وأما ذلك الكتاب فيجوز في ذلك أن يكون مبتدأ ثانيا والكتاب خبره والجملة خبر الم وأغنى الربط باسم الإشارة، ويجوز أن يكون الم مبتدأ وذلك خبره والكتاب صفة لذلك أو بدل منه أو عطف بيان وأن يكون الم مبتدأ أول وذلك مبتدأ ثان والكتاب إما صفة له أو بدل منه أو عطف بيان. ولا ريب فيه خبر عن المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر عن الأول ويجوز أن يكون الم خبر مبتدأ مضمر تقديره هذه الم فتكون جملة مستقلة بنفسها ويكون ذلك مبتدأ والكتاب خبره، ويجوز أن يكون صفة له أو بدلا أو بيانا ولا ريب فيه هو الخبر عن ذلك أو يكون الكتاب خبرا لذلك ولا ريب فيه خبر ثان اهـ.\rفائدة: هذا الربع من هذه السورة ينقسم أربعة أقسام: قسم يتعلق بالمؤمنين ظاهرا وباطنا وهو الآيات الأول الأربع إلى المفلحون، وقسم يتعلق بالكافرين كذلك وهو الآيتان بعد ذلك، وقسم يتعلق بالمؤمنين ظاهرا لا باطنا وهو ثلاث عشرة آية من قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ [البقرة: 8] إلى قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة: 21]، وقسم يتعلق بالفرق الثلاث وهو من قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ إلى آخر الربع اهـ. شيخنا.\rقوله: ذلِكَ الْكِتابُ ذا اسم إشارة واللام غماد جيء به للدلالة على بعد المشار إليه والكاف للخطاب والمشار إليه هو المسمى فإنه منزل منزلة المشاهد بالحس البصري، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القاصية من الفضل والشرف أثر تنويهه بذكر اسمه اهـ. أبو السعود. قوله: (أي هذا) بيان لحاله في نفس الأمر وأنه قريب لحضوره، وهذا لا ينافي بعده رتبة كما سيشير إليه بقوله والإشارة به للتعظيم اهـ. شيخنا.\rقوله: (الذي يقرؤه محمد) أي لا الذي يقرؤه غيره من الأنبياء كالتوراة والإنجيل اهـ. شيخنا.\rوالكتاب في الأصل مصدر، قال اللّه تعالى كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: 24] وقد يراد به المكتوب، وأصل هذه المادة الدلالة على الجمع ومنه كتيبة الجيش والكتابة عرفا ضم بعض حروف الهجاء إلى بعض اهـ. سمين.\rقوله: لا رَيْبَ فِيهِ الريب الشك مع تهمة، وحقيقته على ما قاله الزمخشري قلق النفس واضطرابها ومنه الحديث \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" وليس قول من قال: الريب الشك مطلقا بجيد بل هو أخص من الشك كما تقدم وقال بعضهم: في الريب ثلاث معان أحدها الشك وثانيها التهمة وثالثها الحاجة اهـ. سمين.\rثم قال فإن قيل قد وجد الريب من كثير من الناس في القرآن. وقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ ينفي ذلك فالجواب من ثلاثة أوجه، أحدها: أن المنفي كونه متعلقا للريب ومحلا له بمعنى أن معه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه ولا اعتبار بريب من وجد منه الريب لأنه لم ينظر حق النظر فريبه غير معتد به، والثاني: أنه مخصوص والمعنى لا ريب فيه عند المؤمنين، والثالث: أنه خبر معناه النهي والأول أحسن اهـ.","part":1,"page":16},{"id":16,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 17\rهُدىً خبر ثان أي هاد لِلْمُتَّقِينَ (2) الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار\rالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ يصدقون بِالْغَيْبِ بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار قوله: (أنه من عند اللّه) بدل من الضمير في فيه. قوله: (و الإشارة به) أي بذلك للتعظيم أي تعظيم المشار إليه لما فيه من لام البعد الدالة على بعد مرتبته وعلوها في الشرف. قوله: هُدىً أي رشاد وبيان فهو مصدر من هداه كالسرى والبكى اهـ. أبو السعود.\rوفي السمين أنه يذكر وهو الكثير وبعضهم يؤنثه فيقول: هذه هدى اهـ.\rقوله: لِلْمُتَّقِينَ جمع متق وأصله متقيين بباءين الأولى لام الكلمة والثانية علامة الجمع فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة وهي الياء الأولى فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت احداهما وهي الأولى ومتق اسم فاعل من الوقاية أي المتخذ له وقاية من النار وتخصيص الهدى بالمتقين لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره وإن كانت هدايته شاملة لكل ناظر من مؤمن وكافر ولذلك أطلقت الهداية في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ [البقرة: 185] تأمل اهـ من أبي السعود.\rقوله: (الصائرين إلى التقوى) أي ففيه مجاز الأول وذلك لأنهم لم يتصفوا بالتقوى إلا بعد هدايته وإرشاده لهم قوله: (بامتثال الأوامر) الباء لتصوير التقوى أو للسببية متعلقة بالصائرين اهـ. شيخنا.\rوهذه تقوى الخواص وفوقها تقوى خواص الخواص وهي اتقاء ما يشغل عن اللّه ودونهما تقوى العوام وهي اتقاء الكفر بالإيمان، والآية يصح أن يراد منها الأقسام الثلاثة. قوله: (لاتقائهم) تعليل لتسميتهم متقين وإشارة إلى تقدير المفعول وقوله بذلك أي الامتثال والاجتناب اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إما موصول بالمتقين ومحله الجر على أنه صفة مقيدة له إن فسرت التقوى بترك المعاصي فقط مرتبة عليه ترتيب التحلية على التخلية أو موضحة ان فسرت التقوى بما هو المتعارف شرعا والمتبادر عرفا من فعل الطاعات وترك السيئات معا، لأنها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم الموصول اجمالا أو مادحة للموصوفين بالتقوى المفسرة بما مر من فعل الطاعات وترك السيئات، وتخصيص ما ذكر من الخصال الثلاث بالذكر لإظهار شرفها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسم التقوى من الحسنات، أو النصب على المدح بتقدير أعني أو الرفع عليه بتقدير هم، وإما مفصول عنه مرفوع بالابتداء خبره الجملة المصدرة باسم الإشارة كما سيأتي بيانه. فالوقف على المتقين حينئذ وقف تام لأنه وقف على مستقل وما بعده أيضا مستقل، وأما على الوجوه الأول فالوقف حسن غير تام لتعلق ما بعده به وتبعيته له اهـ أبو السعود.\rقوله: (بما غاب عنهم) أشار به إلى المصدر بمعنى اسم الفاعل. قال أبو السعود: والغيب إما مصدر وصف به الغائب مبالغة كالشهادة في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الانعام: 73 والتغابن: 18] أي ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو المراد من قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الأنعام: 59] وقسم قامت عليه البراهين كالصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع واليوم الآخر وأحواله من البعث والنشر والحساب والجزاء، وهو المراد ههنا، فالباء صلة","part":1,"page":17},{"id":17,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 18\rوَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يأتون بها بحقوقها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم يُنْفِقُونَ (3) في طاعة اللّه\rوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي التوراة والإنجيل للإيمان أما بتضمينه معنى الاعتراف أو يجعله مجازا عن الوثوق وهو واقع موقع المفعول به، وإما مصدر على حاله كالغيبة فالباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [الأنبياء: 49]. أي يؤمنون ملتبسين بالغيبة، إما عن المؤمن به أي غائبين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غير مشاهدين لما معه من شواهد النبوة، وإما عن الناس أي غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، وقيل: المراد بالغيب القلب لأنه مستور، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فالباء حينئذ للاله وترك ذكر المؤمن به على التقادير الثلاثة إيماء للقصد إلى إحداث نفس الفعل كما في قولهم: فلان يعطي ويمنع، أي يفعلون الإيمان. وإما للاكتفاء بما سيجيء فإن الكتب الإلهية ناطقة بتفاصيل ما يجب الإيمان به اهـ.\rقوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أصله يؤقومون حذفت همزة أفعل لوقوعها بعد حرف المضارعة فصار يقومون بوزن يكرمون فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى القاف ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اهـ. سمين.\rواقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع في شيء من فرائضها وسننها وآدابها خلل من أقام العود إذا قومه وعدله، وقيل: عبارة عن المواظبة عليها مأخوذ من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة، فإنها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب فيه، وقيل: عبارة عن التشمير لأدائها من غير فتور ولا توان من قولهم: قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه واجتهد، وقيل: عبارة عن أدائها عبر عنه بالإقامة لاشتماله على القيام كما عبر عنه بالقنوت الذي هو القيام، وبالركوع والسجود والتسبيح، والأول هو الأظهر لأنه أشهر وإلى الحقيقة أقرب، والصلاة فعلة من صلى إذا دعا كالزكاة من زكى، وإنما كتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخم، وإنما سمي الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء اهـ أبو السعود.\rقوله: (بحقوقها) أي حال كونها ملتبسة بحقوقها يعني الظاهرة وهي الأركان والشروط والمندوبات وترك المفسدات والمكروهات، والباطنة كالخشوع وحضور القلب اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ بإسقاط نون من الجارة خطأ كسقوطها لفظا وهي تبعيضية وما موصولة، والعائد ضمير منصوب فيقدر متصلا أو منفصلا على حد قوله وصل أو افصل هاء سلنيه. وقوله:\rرَزَقْناهُمْ يرسم بدون ألف كما في الخط العثماني وقوله: (أعطيناهم) أي ملكناهم قوله: يُنْفِقُونَ أي إنفاقا واجبا كالزكاة ونفقة الأهل أو مندوبا وهو صدقة التطوع اهـ. شيخنا.\rقوله: (في طاعة اللّه) تعليلية.\rقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ معطوف على الموصول الأول على تقدير وصله بما قبله، وفصله عنه مندرج معه في زمرة المتقين من حيث الصورة والمعنى معا، أو من حيث المعنى فقط","part":1,"page":18},{"id":18,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 19\rوغيرهما وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) يعلمون\rأُولئِكَ الموصوفون بما ذكر عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ اندراج خاصين تحت عام إذ المراد بالأولين الذين آمنوا بعد الشرك والغفلة عن جميع الشرائع كما يؤذن به التعبير عن المؤمن به بالغيب وبالآخرين الذين آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزلة قبل كعبد اللّه ابن سلام وأضرابه، والمراد بما أنزل إليك هو القرآن بأسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما فيه قوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: 30] مع أن الجن ما كانوا سمعوا الكتب جميعا، ولا كان الجميع إذ ذاك نازلا، وبما أنزل من قبلك التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة، وعدم التعرض لذكر ما أنزل إليه من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لقصد الإيجاز مع عدم تعلق الغرض بالتفصيل حسب تعلقه به في قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [البقرة: 136] الآية. والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلا من حيث أنا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية، فإن في وجوبه على الكل عينا حرجا بينا وإخلالا بأمر المعاش وبناء الفعلين للمفعول للإيذان بتعيين الفاعل، وقد قرئا على البناء للفاعل اهـ أبو السعود.\rقوله: وَبِالْآخِرَةِ أي بما فيها من الجزاء والحساب وغيرهما وبالآخرة متعلق بيوقنون ويوقنون خبر عن هم، وقدم المجرور للاهتمام به، كما قدم المنفق في قوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لذلك، وهذه جملة اسمية عطفت على الجملة الفعلية قبلها فهي صلة أيضا ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لأن وصفهم بالإيقان بالآخرة أوقع من وصفهم بالإنفاق من الرزق، فناسب التأكيد بمجيء الجملة الاسمية أو لئلا يتكرر اللفظ لو قيل وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ اهـ. سمين.\rوالإيقان اتقان العلم بالشيء بنفي الشك والشبهة عنه، ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا أي يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان أهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وإن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا، وهل هو دائم أو لا، وفي تقديم الصلة وبناء يُوقِنُونَ على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب فإن اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين، والآخرة تأنيث الآخر كما أن الدنيا تأنيث الأدنى غلبتا على الدارين فجرتا مجرى الأسماء اهـ أبو السعود.\rقوله: أُولئِكَ إشارة إلى الذين حكيت خصالهم الحميدة من حيث اتصافهم بها، وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز، منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد مرتبتهم في الفضل هو مبتدأ. وقوله: عَلى هُدىً خبره وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمه، كأنه قيل على هدى أي هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره وإيراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يعلو الشيء ويستولي عليه، بحيث يتصرف فيه كيفما يريد، أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية","part":1,"page":19},{"id":19,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 20\rوَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) الفائزون بالجنة الناجون من النار\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. كأبي جهل متفرعة على تشبيهه باستعلاء الراكب واستوائه على مركوبه، والجملة على تقدير كون الموصولين موصولين بالمتقين مستقلة لا محل له من الإعراب مقررة لمضمون قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ مع زيادة تأكيد له وتحقيق اهـ أبو السعود. قوله: مِنْ رَبِّهِمْ أي كائن من ربهم وهو شامل لجميع أنواع هدايته تعالى وفنون توفيقه اهـ السعود. قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تكرير اسم الإشارة لاظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم وللتنبيه على إن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي نيل كل واحدة من تينك الخصلتين وأن كلا منهما كاف في تميزهم عما عداهم، ويؤيده توسيط العاطف بين الجملتين بخلاف قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف: 179] فإن التسجيل عليهم بكمال الغفلة عبارة عما يفيده تشبيههم بالبهائم فتكون الجملة الثانية مقررة للأولى، وأما الإفلاح الذي هو عبارة عن الفوز بالمطلوب، فلما كان مغايرا للهدى نتيجة له، وكان كل منهما في نفسه أعز مرام يتنافس فيه المتنافسون عطف عليه وهم ضمير فصل يفصل بين الخبر والصفة، أي يميز ويفرق بين كون اللفظ خيرا أو صفة للمبتدأ ويؤكد النسبة ويقيد اختصاص المسند بالمنسد إليه، أو مبتدأ خبره المفلحون، والجملة خبر لأولئك اهـ أو السعود.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هذه الآية نزلت فيمن علم اللّه عدم إيمانه من الكفار إما مطلقا وإما في طائفة مخصوصة، وإن حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، والذي كفروا اسمها، وكفروا صلة وعائد ولا يؤمنون خبرها وما بينهما اعتراض، وسواء مبتدأ وأأنذرتهم وما بعده في قوة التأويل بمفرد هو الخبر والتقدير سواء عليهم الإنذار وعدمه، ولم يحتج هنا إلى رابط لأن الخبر نفس المبتدأ ويجوز أن يكون سواء خبرا مقدما وأأنذرتهم بالتأويل المذكور مبتدأ مؤخرا تقديره الإنذار وعدمه سواء، وهذه الجملة يجوز فيها أن تكون معترضة بين اسم إن وخبرها وهو لا يؤمنون كما تقدم، ويجوز أن تكون هي نفسها خبرا لأن وجملة لا يؤمنون في محل نصب على الحال أو مستأنفة أو تكون دعاء عليهم بعدم الإيمان وهو بعيد، أو تكون خبرا بعد خبر على رأي من يجوز ذلك، ويجوز أن يكون سواء وحده خبر إن، وأأنذرتهم وما بعده بالتأويل المذكور في محل رفع فاعل له والتقدير استوى عندهم الإنذار وعدمه ولا يؤمنون على ما تقدم من الأوجه أعني الحال والاستئناف والدعاء والخبرية والهمزة في أأنذرتهم الأصل فيها الاستفهام وهو هنا غير مراد، إذ المراد التسوية وأأنذرتهم فعل وفاعل ومفعول وأم هنا عاطفة وتسمى متصلة ولكونها متصلة شرطان أحدهما: أن يتقدمها همزة استفهام أو تسوية لفظا أو تقديرا، والثاني: أن يكون ما بعدها مفردا أو مؤولا بمفرد كهذه الآية: فإن الجملة فيها في تأويل مفرد كما تقدم وجوابها أحد الشيئين أو الأشياء ولا تجاب بنعم ولا بلا، فإن فقد شرط سميت منقطعة ومنفصلة وتتقدر ببل والهمزة وجوابها نعم أو لا ولها أحكام أخر ولم حرف جزم معناه نفي الماضي مطلقا وسواء اسم بمعنى الاستواء فهو اسم مصدر ويوصف به على أنه بمعنى مستو فيتحمل حينئذ ضميرا ويرفع الظاهر، ومنه قوله مررت برجل سواء والعدم برفع العدم على أنه معطوف على الضمير المستكن في سواء ولا يثنى ولا يجمع إما لكونه في الأصل مصدرا وإما للاستغناء عن تثنية نظيره وهو سي بمعنى مثل تقول هما سيان أي مثلان وليس هو الظرف الذي يستثنى به في قولك قاموا سواء زيد وإن شاركه لفظا وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدرة بالهمزة المعادلة بأم كهذه الآية وقد تحذف","part":1,"page":20},{"id":20,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 21\rوأبي لهب ونحوهما سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) لعلم اللّه منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم، والإنذار إعلام مع تخويف\rخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ طبع عليها واستوثق فلا للدلالة كقوله تعالى فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ [الطور: 16] أي أصبرتم أم لم تصبروا اهـ سمين. قوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ الإنذار يتعدى لاثنين، قال تعالى: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً [النبأ: 40] أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: 13] فيكون الثاني في هذه الآية محذوفا تقديره أأنذرتهم العذاب أم لم تنذرهم إياه، والأحسن أن لا يقدر له مفعول كما تقدم في نظائره اهـ سمين. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي مع ادخال ألف بينهما بقدر المد الطبيعي وتركه، هاتان قراءتان، وقوله: (و إبدال الثانية) ألفا أي ممدودة مدا لازما بقدر ثلاث ألفات ثالثة، وقوله: (و تسهيلها الخ) رابعة وخامسة فجملة القراءات في هذا المقام خمسة، وقوله: (و ادخال ألف الخ) بمعنى: مع، وهو قيد في قوله: (و تسهيلها)، فالحاصل أن التسهيل فيه وجهان وكذا التحقيق والإبدال وجه واحد، قال العلامة البيضاوي تبعا للزمخشري وقراءة الإبدال لحن وعلله بوجهين الأول إن الهمزة المتحركة لا تقلب، الثاني أنه يؤدي إلى جمع الساكنين على غير حده ورد عليه القارئ بأن ما قاله خطأ. أما الوجه الأول فلأن قولهم المتحركة لا تقلب محله في القلب القياسي وأما السماعي فتقلب فيه المتحركة وهو كثير كسأل سائل وكمنسأته وأما الوجه الثاني فلأن جمع الساكنين على غير حده إنما هو ممتنع قياسا وأما إذا سمع تواترا كما هنا فيستشهد به ويحتج به فكيف يرد المتواتر عن النبي وهو أفصح العرب وأيضا فجمع الساكنين على غير حده أجازه الكوفيون اهـ شيخنا.\rونص عبارة البيضاوي: وهذا الإبدال لحن لأن المتحركة لا تقلب ولأنه يؤدي إلى جمع الساكنين على غير حده اهـ.\rقال ملا علي قاري: وأما قول البيضاوي وقلب الثانية ألفا لحن فهو خطأ نشأ من تقليده الكشاف لأن القراءة به متواترة عن النبي فإنكارها كفر فأما تعليلهم بأن المتحركة لا تقلب فممنوع لأنها قد تقلب كما ثبت في منسأته عند القراء ونقل في كلام الفصحاء. قال الجعبري: وجه البدل المبالغة في التخفيف إذ في التسهيل قسط همز. قال قطرب: هي قرشية وليست قياسية لكنها كثرت حتى اطردت وأما تعليلهم بأنه يؤدي إلى حمع الساكنين على غير حده فمدفوع بأن من يقلبها ألفا يشبع الألف إشباعا زائدا على مقدار الألف بحيث يصير المد لازما ليكون فاصلا بين الساكنين ويقوم قيام الحركة كما في محياي بإسكان الياء لنافع وصلا ويسمى هذا حاجزا وقد أجمع القراء وأهل العربية على إبدال الهمزة المتحركة الثانية في نحو الآن، ثم اعلم أن موافقة العربية إنما هي شرط لصحة القراءة إذا كانت بطريق الآحاد وأما إذا ثبتت متواترة فيستشهد بها لا لها وإنما ذكرنا ما ذكر تفهيما للقاعدة وتتميما للفائدة اهـ.\rقوله: (فلا تطمع في إيمانهم) أي فالقصد من هذه الآية تيئيسه صلّى اللّه عليه وسلّم من إيمانهم وإراحته من إنذارهم وعلاجهم. قوله: (مع تخويف) قال بعضهم: ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه الاحتراز من المخوف به فإن لم يسع زمانه الاحتراز فهو إشعار وإعلام وإخبار لا إنذار اهـ سمين وأبو حيان.\rقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ استئناف تعليلي لما سبق من الحكم وهو عدم إيمانهم وحيث","part":1,"page":21},{"id":21,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 22\rيدخلها خير وَعَلى سَمْعِهِمْ أي مواضعه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحق وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ غطاء فلا يبصرون الحق وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) قوي دائم. ونزل في المنافقين\rوَمِنَ أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل فإنه للبهائم وللأموات بل المراد به معنى آخر يسمى بالقلب أيضا وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني قيام العرض بمحله أو قيام الحرارة بالفحم وهذا القلب الذي يحصل منه الإدراك وترتسم فيه العلوم والمعارف اهـ. قوله: (طبع عليها الخ) هذا بيان لمعنى الختم في الأصل وهو وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه صيانة لما فيه وليس هذا المعنى مرادا هنا بل المراد بالختم هنا عدم وصول الحق إلى قلوبهم وعدم نفوذه واستقراره فيها فشبه هذا المعنى بضرب الخاتم على الشيء تشبيه معقول بمحسوس والجامع انتفاء القبول لمانع منه وكذا يقال في الختم على الاسماع وجعل الغشاوة على الأبصار. قوله: وَعَلى سَمْعِهِمْ معطوف على قلوبهم فالوقف عليه تام وما بعده جملة اسمية بدليل أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الجاثية: 23] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (أي مواضعه) جواب ما يقال كيف وحد السمع وجمع ما قبله وما بعده وإيضاح ذلك أنه مصدر حذف ما أضيف إليه لدلالة المعنى أي مواضع سمعهم أو يقال وحد السمع لوحدة المسموع وهو الصوت دونهما أو للمصدرية والمصادر لا تجمع وقرئ شاذا وعلى أسماعهم اهـ كرخي.\rقوله: (غطاء) أي عظيم وإنما خص اللّه تعالى هذه الأعضاء بالذكر لأنها طرق العلم فالقلب محل العلم وطريقه إما السماع وإما الرؤية اهـ كرخي.\rقوله: (وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) العذاب إيصال الألم إلى حي هوانا وذلا فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب اهـ كرخي.\rقوله: عَظِيمٌ هو ضد الحقير وأصله أن توصف به الاجرام وقد توصف به المعاني كما هنا، ولهذا قال الشارح: قوي دائم اهـ كرخي.\rوهل العظيم والكبير بمعنى واحد أو هو فوق الكبير لأن العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير والحقير دون الصغير قولان وفعيل له معان كثيرة يكون اسما وصفة والإسم مفرد وجمع والمفرد اسم معنى واسم عين نحو قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كلب ويكون اسم فاعل من فعل نحو عظيم من عظم كما تقدم ومبالغة في فاعل نحو عليم في عالم وبمعنى مفعول كجريح بمعنى مجروح ومفعل كسميع بمعنى مسمع ومفاعل كجليس بمعنى مجالس ومفتعل كبديع بمعنى مبتدع ومنفعل كسعير بمعنى منسعر وفعل كعجيب بمعنى عجب وفعال كصحيح بمعنى صحاح وبمعنى الفاعل والمفعول كصريخ بمعنى صارخ أو مصروخ وبمعنى الواحد والجمع نحو خليط وجمع فاعل كغريب جمع غارب اهـ سمين.\rقوله: (و نزل في المنافقين) أي في بيان حالهم الباطنة والظاهرة، وفي بيان عاقبتهم وفي تجهيلهم والاستهزاء بهم، وغير ذلك من أحوالهم المذكورة في الآيات الثلاث عشرة وانتهاؤها قوله: إِنَّ اللَّهَ","part":1,"page":22},{"id":22,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 23\rالنَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) روعي فيه معنى من وفي ضمير يقول لفظها\rيُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الطلاق: 12] اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ خبر مقدم، ومن يقول مبتدأ مؤخر، ومن يحتمل أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة أي الذي يقول أو فريق يقول، فجملة يقول على الأول لا محل لها من الإعراب لكونها صلة، وعلى الثاني محلها الرفع لكونها صفة للمبتدأ اهـ سمين. ورد هذا أبو السعود ونصه: ومحل الظرف الرفع على أنه مبتدأ باعتبار مضمونه، أو نعت لمقدر هو المبتدأ كما في قوله: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [الجن: 11] أي وجمع منا الخ. ومن في قوله: مَنْ يَقُولُ موصولة أو موصوفة ومحلها الرفع على الخبرية، والمعنى، وبعض الناس أو وبعض من الناس الذي يقول كقوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ [التوبة: 61] الخ أو فريق يقول كقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا [الأحزاب: 23] الخ، على أن يكون مناط الإفادة والمقصود بالأصالة اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة وما يتعلق به من الصفات جميعا لا كونهم ذوات أولئك المذكورين، وأما جعل الظرف خبرا كما هو الشائع في موارد الاستعمال فيأباه جزالة المعنى لأن كونهم من الناس ظاهر. فالإخبار به عار عن الفائدة اهـ.\rوالناس اسم جمع لا واحد له من لفظه ويرادفه أناس جمع إنسان أو إنسان أو إنسي وهو حقيقة في الآدمين ويطلق على الجن مجازا اهـ سمين.\rوفي أبي السعود ما نصه: وأصل ناس أناس كما يشهد له إنسان وأناسي، وانس حذفت همزته تخفيفا وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يجمع بينهما سموا بذلك لظهورهم وتعلق الإيناس بهم كما سمي الجن جنا لا جتنانهم، وذهب بعضهم إلى أن أصله النوس وهو الحركة انقلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ من نسي نقلت لامه إلى موضع العين فصار نيس ثم قلبت ألفا سموا بذلك لنسيانهم اهـ.\rقوله: (لأنه آخر الأيام) فيه أن اليوم عرفا هو زمان من طلوع الشمس إلى غروبها، وشرعا من طلوع الفجر إلى غروبها وكل منهما لا تصح إرادته هنا فيكون المراد به الوقت، وهو إما محدود أو غير محدود، الأول آخر الأوقات المحدودة وهو وقت النشور والحساب إلى دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، والثاني ما لا ينتهي وهو الأبد الدائم الذي لا انقطاع له ويؤخذ من كلام القاضي وغيره ترجيح الثاني اهـ كرخي.\rقوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ رد لما ادعوه على أكمل وجه، فالجملة الاسمية تفيد انتفاء الإيمان عنهم في جميع الأزمنة، بخلاف الفعلية الموافقة لدعواهم فلا تفيد إلا نفيه في الماضي اهـ أبو السعود.\rقوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ الآية. هذه الجملة الفعلية تحتمل أن تكون مستأنفة جوابا لسؤال مقدر وهو ما بالهم قالوا: آمنا وما هم بمؤمنين فقيل: يخادعون اللّه، وتحتمل أن تكون بدلا من الجملة الواقعة صلة لمن وهو يقول، ويكون هذا من بدل الاشتمال لأن قولهم كذا مشتمل على الخداع وأصل الخداع الاخفاء ومنه الأخدعان عرقان مستبطنان في العنق ومنه مخدع البيت اهـ سمين.","part":1,"page":23},{"id":23,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 24\rليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع اللّه نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة وَما يَشْعُرُونَ (9) يعلمون أن خداعهم لأنفسهم والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر اللّه فيها تحسين وفي والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعه فيه من حيث لا يشعر، أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر بذلك، وكلا المعنيين مناسب للمقام فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطلعوا على أسرار المؤمنين فيذيعوها إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة اهـ أبو السعود.\rوحاصله أنه بمنزلة النفاق والرياء في الأفعال الحسية. قال الطيبي: وقد يكون الخداع حسنا إذا كان الغرض منه استدراج الغير من الضلال إلى الرشد ومن ذلك استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم اهـ. كرخي.\rقوله: (ليدفعوا عنهم أحكامه) أشار به إلى بيان الغرض من الخداع، قوله: (الدنيوية) كالقتل والأسر وضرب الجزية، وكدخولهم في سلك المؤمنين في الإكرام والإعظام، إلى غير ذلك من الأغراض اهـ كرخي.\rقوله: (لأن وبال خداعهم) الوبال هو الوخامة والثقل اهـ.\rقوله: وَما يَشْعُرُونَ هذه الجملة الفعلية يحتمل أن لا يكون لها محل من الإعراب وأن يكون لها محل وهو النصب على الحال من فاعل يخدعون، والمعنى وما يرجع وبال خداعهم إلا على أنفسهم غير شاعرين بذلك، ومفعول يشعرون محذوف للعلم به تقديره وما يشعرون أن وبال خداعهم راجع على أنفسهم أو اطلاع اللّه عليهم والأحسن أن لا يقدر له مفعول، لأن الغرض نفي الشعور عنهم البتة من غير نظر إلى متعلقة، والأول يسمى حذف الاختصار ومعناه حذف الشيء لدليل والشعور إدراك الشيء من وجه يدق ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وقيل: هو الإدراك بالحاسة مشتق من الشعار وهو ثوب على الجسد ومنه مشاعر الإنسان أي حواسه الخمس التي يشعر بها اهـ سمين.\rوفي القاموس شعر به كنصر وكرم شعرا وشعورا علم به وفطن له وعقله وأشعره الأمر وبه أعلمه والشعر غلب على منظوم القول لشرفه بالوزن والقافية وإن كان كل علم شعر أو شعر كنصر وكرم شعرا قاله أو شعر بالفتح قاله وبالضم أجاده اهـ.\rقوله: (أن خداعهم لأنفسهم) أشار به إلى مفعول يشعرون محذوف للعلم به أو تقديره أن اللّه يطلع نبيه على كذبهم اهـ كرخي.\rقوله: (و المخادعة الخ) أشار به إلى جواب سؤال، ومحصله أن الخديعة الحيلة والمكر وإظهار خلاف الباطن فهي بمنزلة النفاق وهي مستحيلة في حق اللّه وصيغة المفاعلة تقتضي المشاركة فأشار إلى جوابه بما ذكر ومحصله أنها هنا ليست على بابها. وقوله: (و ذكر اللّه الخ) جواب سؤال آخر تقديره كيف يخادع اللّه أي يحتال عليه وهو يعلم الضمائر، فكيف قيل يخادعون اللّه فأجاب عنه بما ذكر ومحصله أن الآية من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم في معاملتهم للّه بحال المخادع مع","part":1,"page":24},{"id":24,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 25\rقراءة وما يخدعون\rفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق فهو يمرض قلوبهم أي يضعفها فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بما أنزله من القرآن لكفرهم به وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) بالتشديد صاحبه من حيث القبح أو من باب المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية وأصل التركيب يخادعون رسول اللّه أو من باب التورية حيث ذكر معاملتهم للّه بلفظ الخداع اهـ من أبي السعود وغيره.\rقوله: (و ذكر اللّه فيها تحسين) أي للكلام بطريق المجاز المركب أو العقلي أو التورية فكل من الثلاثة يحسن الكلام اهـ شيخنا.\rقوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هذه الجملة مقررة لما يفيده قوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ من استمرار عدم إيمانهم أو تعليل له، كأنه قيل: ما لهم لا يؤمنون، فقيل: في قلوبهم مرض يمنعه، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت. استعير هنا لما في قلوبهم من الجهل وسوء العقيدة، وعداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وغير ذلك من فنون الكفر المؤدية إلى الهلاك الروحاني والآية تحتملهما، فإن قلوبهم كانت متألمة تحرقا على ما فاتهم من الرئاسة، وحسدا على ما يرون من ثبات أمر الرسول واستعلاء شأنه يوما فيوما، والتنكير للدلالة على كونه نوعا مهما غير ما يتعارفه الناس من الأمراض اهـ. من البيضاوي وأبي السعود.\rوالمراد بكون الآية تحتملهما أنها تحمل عليهما معا جمعا بين الحقيقة والمجاز، وقد إشار إلى هذا الجلال بقوله (شك ونفاق) هذا إشارة إلى المعنى المجازي. وبقوله: (فهو يمرض قلوبهم الخ) هذه إشارة إلى المعنى الحقيقي.\rقوله: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بأن طبع على قلوبهم لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير والإنذار، وقيل زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشرعية لأنهم كانوا كلما ازدادت التكاليف بنزول الوحي يزدادون كفرا اهـ أبو السعود.\rوقد أشار الجلال للثاني بقوله بما أنزله من القرآن الخ وزاد يستعمل لازما ومتعديا لاثنين ثانيهما غير الأول، كأعطى وكسا فيجوز حذف مفعوليه وأحدهما اختصارا واقتصارا. تقول زاد المال، فهذا لازم وزدت زيدا خيرا ومنه وزدناهم هدى فزادهم اللّه مرضا. وزدت زيدا ولا تذكر ما زدته وزدت مالا ولا تذكر من زدته وألف زاد منقلبة عن ياء لقولهم يزيد اهـ سمين.\rقوله: (مؤلم) بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، يقال: ألم من باب طرب فهو أليم كوجع فهو وجيع أي متألم ومتوجع ولا يقال أنه بكسر اللام اسم فاعل على طريق الإسناد الحقيقي كسميع بمعنى مسمع لخلوه عن دعوى المبالغة الحاصلة على كونه بفتح اللام، حيث يقتضي أن العذاب لشدة إيلامه للمعذبين صار هو كأنه مؤلم أي معذب فهو على حد جد جدّه اهـ من حواشي البيضاوي.\rقوله: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ الباء: سببية وما: يجوز أن تكون مصدرية أي بكونهم يكذبون وهذا","part":1,"page":25},{"id":25,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 26\rأي نبي اللّه وبالتخفيف أي في قولهم آمنا\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والتعويق عن الإيمان قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) وليس ما نحن فيه بفساد قال اللّه تعالى ردا على القول بأن كان لها مصدر، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قوله:\rببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير\r\rفقد صرح بالكون، وعلى هذا فلا حاجة إلى ضمير عائد على \"ما\" لأنها حرف مصدري على الصحيح خلافا للأخفش وابن السراج في جعل المصدرية اسما، ويجوز أن تكون \"ما\" بمعنى \"الذي\" وحينئذ فلا بد من تقدير عائد أي بالذي كانوا يكذبونه وجاز حذف العائد لا ستكمال الشروط وهو كونه متصلا منصوبا بفعل وليس ثم عائد آخر اهـ سمين.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ شروع في تعديد بعض قبائحهم. قوله: (أي لهؤلاء) أي المنافقين وهذا استئناف. وقيل: إنه معطوف على \"يكذبون\" الواقع خبرا لكان. وقيل:\rمعطوف على يقول الواقع صلة من، وإذا ظرف زمان مستقبل يلزمها معنى الشرط غالبا. وقيل: أصله قول كضرب فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد سلب حركتها فسكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء. وهذه أفصح اللغات وقائل هذا القول اللّه تعالى أو الرسول أو بعض المؤمنين واللام متعلقة بقيل ومعناها الإنهاء والتبليغ والقائم مقام الفاعل جملة لا تفسدوا، على أن المراد بها اللفظ. وقيل:\rهو مضمر يفسره المذكور والفساد خروج الشيء عن الحالة اللائقة والصلاح مقابله والفساد في الأرض تهييج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلال أمر المعاش والمعاد والمراد بما نهوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار وإغرائهم عليهم وغير ذلك من فنون الشرور، كما يقال للرجل: لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار إذا قدم على ما تلك عاقبته. قوله: قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ جواب، \"إذا\" وهو العامل فيها أي نحن مقصورون على الإصلاح المحض بحيث لا يتعلق به شائبة والفساد، وهذا الجواب منهم رد للناصح على أبلغ وجه، والمعنى أنه لا تصح مخاطبتنا بذلك، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد قصر ما دخلته على ما بعدها مثل: إنما زيد منطلق، وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر: 8]. قوله: (ردا عليهم) عبارة السمين والتأكيد بأن وبضمير الفصل وتعريف الخبر للمبالغة في الرد عليهم لما ادعوه من قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لأنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكدة بإنما ليدلوا بذلك على ثبوت الوصف لهم فرد اللّه عليهم بأبلغ وأوكد مما ادعوه، انتهت.\rقوله: (للتنبيه) أي تنبيه المخاطب للحكم الذي يلقى بعدها اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين (ألا) حرف تنبيه واستفتاح، وليست مركبة من همزة الاستفهام، ولا النافية بل هي بسيطة، ولكنها لفظ مشترك بين التنبيه والاستفتاح فتدخل على الجملة اسمية كانت أو فعلية وبين العرض والتحضيض فتختص بالأفعال لفظا أو تقديرا اهـ.","part":1,"page":26},{"id":26,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 27\rعليهم إِلَّا للتنبيه\rإِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) بذلك\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أصحاب النبي قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ الجهال أي لا نفعل كفعلهم. قال تعالى ردا عليهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) ذلك\rوَإِذا لَقُوا أصله لقيوا حذفت الضمة قوله: (بذلك) أي أن ما فعلوه فساد لإصلاح أو أن اللّه تعالى يطلع نبيه على فسادهم اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا أي قيل لهم من قبل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثر نهيهم عن المنكر إتماما للنصح وإكمالا للإرشاد اهـ. أبو السعود.\rيعني أن المؤمنين نصحوا المنافقين من وجهين، أحدهما: النهي عن الإفساد، وهو عبارة عن التخلي عن الرذائل، وثانيهما: الأمر بالإيمان وهو عبارة عن التحلي بالفضائل اهـ صادقي.\rقوله: كَما آمَنَ النَّاسُ الكاف في محل نصب، وأكثر المعربين يجعلون ذلك نعتا لمصدر محذوف، والتقدير آمنوا إيمانا كإيمان الناس، وهذا ليس مذهب سيبويه إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أن حذف الموصوف وأقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة ليس هذا منها اهـ سمين.\rواللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل، فإن اسم الجنس كما يستعمل في مسماه مطلقا أي غير اعتبار قيد مع المسمى يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة والمقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره، فيقال زيد ليس بإنسان، ومن هذا الباب قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: 18 و171] ونحوه أو للعهد الخارجي العلمي، والمراد به الرسول ومن معه والمعنى آمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص متمحضا عن شوائب النفاق مماثلا لإيمانهم اهـ بيضاوي.\rوقد أشار الجلال إلى الاحتمال الثاني بقوله: أصحاب النبي اهـ.\rقوله: كَما آمَنَ السُّفَهاءُ مرادهم بهم الصحابة، وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم أو لتحقير شأنهم فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء، ومنهم موال، كصهيب وبلال والمراد أنهم قالوا ذلك فيما بينهم لا بحضرة المسلمين، لأن الفرض أنهم مسلمون ظاهرا ومخالطون للمسلمين، فلا يمكنهم أن ينسبوهم للسفه وإلا لظهرت حالهم وهم يخفونها اهـ شيخنا.\rأي فأخبر اللّه تعالى نبيه عليه السّلام والمؤمنون بما قالوه فيما بينهم.\rقوله: (الجهال) فسر السفه بالجهل أخذا من مقابلته بالعلم، وفسره غيره بنقص العقل لأن السفه خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل والحلم يقابله اهـ كرخي.\rوأشار بقوله: أي لا نفعل كفعلهم إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ عبر هنا بنفي العلم، وثم بنفي الشعور، لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد وهو مما يدرك بأدنى تأمل لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فكر كبير، فنفى عنهم ما يدرك بالحواس مبالغة في تجهيلهم وهو أن الشعور الذي قد ثبت للبهائم منفي عنهم والمثبت هنا هو السفه والمصدر به هو الأمر بالإيمان وذلك","part":1,"page":27},{"id":27,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 28\rللاستثقال ثم الياء لالتقائها ساكنة مع الواو الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا منهم ورجعوا إِلى شَياطِينِهِمْ رؤسائهم قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ في الدين إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) بهم بإظهار الايمان\rاللَّهُ مما يحتاج إلى إمعان فكر ونظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق، ولم يقع منهم المأمور به وهو الإيمان فناسب ذكر نفي العلم عنهم اهـ سمين.\rقوله: (ذلك) أي أنهم سفهاء. قوله: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الخ بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار، وأما ما صدرت به القصة من قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا الخ فالقصد به بيان مذهبهم ونفاقهم في الواقع ونفس الأمر فليس تكرارا. وسبب نزول هذه الآية ما روي أن ابن أبيّ وأصحابه جاءهم نفر من الصحابة لينصحوهم فقال لقومه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد أبي بكر الصديق وقال: مرحبا بالصديق وشيخ الإسلام، ثم أخذ بيد عمر وقال: مرحبا بالفاروق القوي في دينه، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم النبي وسيد بني هاشم فقال له علي: يا عبد اللّه اتق اللّه ولا تنافق، فقال له: مهلا يا أبا الحسن إني لا أقول هذا واللّه إلا لأن إيماننا كإيمانكم ثم افترقوا، فقال ابن أبي لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت فأثنوا عليه وقالوا: لم نزل بخير ما عشت فينا، فرجع المسلمون إلى النبي وأخبروه بذلك فنزلت اهـ خازن.\rوإذا منصوب يقالوا وهو جواب لها اهـ سمين.\rواللقاء المصادفة يقال لقيته ولاقيته إذا صادفته واستقبلته ومنه ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته بحيث يلقي اهـ بيضاوي.\rقوله: (أصله لقيوا) بوزن شربوا قوله: ثم الياء أي التي هي لام الكلمة يعني وبعد حذفها قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو فصار وزنه فعوا اهـ.\rقوله: قالُوا آمَنَّا أي قالوا قولا يؤدي معنى هذا من خداعهم المؤمنين وإظهارهم الإسلام عندهم اهـ.\rقوله: وَإِذا خَلَوْا أصل خلوا خلووا فقلبت الواو الأولى التي هي لام الكلمة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فبقيت ساكنة بعدها واو الضمير ساكنة فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الألف وبقيت الفتحة دالة عليها اهـ سمين.\rقوله: وَإِذا خَلَوْا (منهم) أي عنهم أي انفردوا عنهم أي المؤمنون وقوله: إِلى شَياطِينِهِمْ متعلق بمحذوف كما قدره، فحاصل صنيعه أن خلوا بمعنى انفردوا وفي البيضاوي تفسير آخر محصله أن إلى بمعنى مع، ولا حذف في الكلام ونصه من خلوت بفلان، وإليه إذا انفردت معه اهـ.\rقوله: (رؤسائهم) عبارة الخازن المراد بشياطينهم رؤساؤهم وكهنتهم. قال ابن عباس: وهم خمسة: كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف ابن عامر في بني أسد، وعبد اللّه بن الأسود بالشام، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له، وقيل هم رؤساؤهم الذين شابهوا الشياطين في تمردهم، انتهت.\rوفي أبي السعود ما نصه: والمراد بشياطينهم المماثلون منهم للشياطين في التمرد والعناد","part":1,"page":28},{"id":28,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 29\rيَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم باستهزائهم وَيَمُدُّهُمْ يمهلهم فِي طُغْيانِهِمْ بتجاوزهم الحد بالكفر يَعْمَهُونَ (15) يترددون تحيرا. حال\rأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي استبدلوها به فَما المظهرون لكفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم اهـ.\rقوله: إِنَّما نَحْنُ أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين مستهزئون بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة وهو استئناف مبني على سؤال نشأ من ادعاء المعية كأنه قيل لهم عند قولهم: إِنَّا مَعَكُمْ فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الإيمان فقالوا: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بهم فلا يقدح ذلك في كوننا معكم بل يؤكده وقد ضمنوا جوابهم أنهم يهينون المؤمنين ويعدون ذلك نصرة لدينهم أو تأكيد لما قبله، فإن المستهزئ بالشيء مصر على خلافه أو بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، والاستهزاء بالشيء السخرية منه يقال: هزأت واستهزأت بمعنى، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ مات فجأة وتهزأ به ناقته أي تسرع به وتخف اهـ أبو السعود.\rقوله: (بإظهار الإيمان) أي لنأمن من شرهم ونقف على شرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم اهـ كرخي.\rقوله: (يجازيهم باستهزائهم) أي عليه، وهذا جواب عما يقال كيف وصف اللّه تعالى بأنه يستهزئ، وقد ثبت أن الاستهزاء من باب العبث والسخرية، وذلك قبيح على اللّه تعالى ومنزه عنه، وإيضاحه أنه سمى جزاء الاستهزاء استهزاء مشاكلة في اللفظ ومنه: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة: 194] ولم يقل اللّه مستهزئ بهم قصدا إلى استمرار الاستهزاء وتجدده وقتا فوقتا، كما كانت نكايات اللّه فيهم، ومنه أو لا يرون أنهم يفتنون اهـ كرخي.\rقوله: (يمهلهم) أشار به إلى أنه من المد أي التطويل في العمر، وفي البيضاوي (و يمدهم) من مد الجيش من باب رد وأمده إذا زاده وقواه، ومنه مددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد اهـ.\rوفي السمين: والمشهور فتح الياء من يمدهم، وقرئ شاذا بضمها فقيل الثلاثي والرباعي بمعنى واحد تقول مده وأمده بكذا وقيل مده إذا زاده من جنسه وأمده زاده من غير جنسه وقيل مده في الشر، كقوله تعالى: وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا [مريم: 79] وأمدّه في الخير كقوله: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [نوح: 12] وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ [الطور: 22] أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ [آل عمران: 124] اهـ.\rقوله: فِي طُغْيانِهِمْ الطغيان مصدر طغى يطغي طغيانا وطغيانا بكسر الطاء وضمها ولام طغى قيل ياء وقيل واو، يقال طغيت وطغوت وأصل المادة مجاوزة الحد ومنه إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [الحاقة:\r11] والعمه يَعْمَهُونَ التردد والتحير وهو قريب من العمى إلا أن بينهما عموما وخصوصا، لأن العمى يطلق على ذهاب ضوء العين وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي.\rيقال: عمه يعمه من باب طرب عمها وعمهانا فهو عمه وأعمه اهـ سمين.\rقوله: (يترددون) أي في البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان قوله: (تحيرا) مفعول لأجله أو حال","part":1,"page":29},{"id":29,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 30\rرَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي ما ربحوا فيها بل خسروا لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) فيما فعلوا\rمَثَلُهُمْ صفتهم في نفاقهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ أوقد ناراً في مؤكدة ليترددون، وقوله: (حال) أي أن جملة يعمهون في محل نصب على الحال إما من الضمير في يمدهم، أو من الضمير في طغيانهم، وجاءت الحال من المضاف إليه لأن المضاف مصدر، وترددهم في الكفر لا ينافي كونهم في الباطن عليه المقتضى لجزمهم به لأن بعضهم كان شاكا في حقية الإسلام وباقيهم كان عليه أمارة الشك لما يشاهده من الآية الباهرة، ثهم وإن أصروا على الكفر إنما إصرارهم تجلد وعناد اهـ شيخنا.\rقول: أُولئِكَ أي الموصوفون بالصفات السابقة من قوله: ومن الناس من يقول إلى هنا.\rوأولئك: مبتدأ والذين وصلته خبره، والضلالة الجور عن القصد والهدى التوجه إليه، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين، والثاني للاستقامة عليه وقوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة وهي اشْتَرَوُا ضم واو اشتروا لالتقاء الساكنين وإنما ضمت تشبيها بتاء الفاعل، وقيل،: للفرق بين واو الجمع والواو الأصلية نحو لو استطعنا. وقيل لأن الضمة أخف من الكسرة، لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، فإن الأصل اشتريوا كما سيأتي وقرئ بكسرها على أصل التقاء الساكنين وبفتحها لأنه أخف وأصل اشتروا اشتريوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة دالة عليه اهـ سمين.\rقوله: بِالْهُدى أي الذي كان في وسعهم لتمكنهم منه خصوصا، وقد جعله اللّه لهم بمقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها. هذاهو المراد، وليس المراد أنه كان عندهم هدى بالفعل، واستبدلوا به الضلالة، والباء هنا للعوض المقابلة وهي تدخل على المتروك أبدا كما هنا.\rقوله: (أي استبدلوها به) أشار بهذا إلى أن الشراء هنا مجاز المراد به الاستبدال، وعبارة السمين: والشراء هنا مجاز عن الاستبدال بمعنى: أنهما لما تركوا الهدى وآثروا الضلالة جعلوا بمنزلة المشترين لها بالهدى، ثم رشح هذا المجاز بقوله فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فأسند الربح إلى التجارة والمعنى: فما ربحوا في تجارتهم انتهت والتجارة صناعة التجار وهي التصدي للبيع والشراء لتحصيل الربح، وهو الفضل على رأس المال يقال: ربح فلان في تجارته أي أصاب الربح، فإسناد عدمه الذي هو عبارة عن الخسران إليها هو لأربابها بناء على التوسع. قوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي لطرق التجارة، فإن المقصود منها سلامة المال والربح وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لأن رأس مالهم كالفطرة السليمة والعقل الصرف، فما اعتقدواهذه الضلالات بطل استعدادهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوصلون به إلى إدراك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل اهـ بيضاوي.\rقوله: (فيما فعلوا) أي من الاستبدال المذكور. قوله: مَثَلُهُمْ الخ لما بين حقيقة حالهم عقبها بضرب المثل زيادة في التوضيح والتقرير والتشنيع ومثلهم: مبتدأ، وكمثل جار ومجرور خبره فيتعلق بمحذوف على قاعدة الباب، وأجاز أبو البقاء وابن عطية أن تكون الكاف اسما هي الخبر، وهذا مذهب","part":1,"page":30},{"id":30,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 31\rظلمة فَلَمَّا أَضاءَتْ أنارت ما حَوْلَهُ فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ الأخفش، فإنه يجوز أن تكون الكاف اسما مطلقا، وأما مذهب سيبويه فلا يجيز ذلك إلا في الشعر، والذي ينبغي أن يقال إن كاف التشبيه لها ثلاثة أحوال: حال يتعين أن تكون فيها اسما وهي ما إذا كانت فاعلا أو مجرورة بحرف أو إضافة، وحال يتعين فيها أن تكون حرفا وهي الواقعة صلة نحو جاء الذي كزيد، لأن جعلها اسما يستلزم حذف عائد المبتدأ من غير طول الصلة وهو ممتنع عند البصريين، وحال يجوز فيها الأمران وهي ما عدا ما ذكر: نحو زيد كعمرو. والوجه أن المثل هنا بمعنى القصة، والتقدير صفتهم وقصتهم كقصة المستوقد فليست زائدة على هذا التأويل، والمثل بالفتح في الأصل بمعنى مثل ومثيل نحو شبه وشبه، وقيل بل هو في الأصل الصفة، وأما المثل في قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا [إبراهيم: 24] فهو القول السائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه، ولذلك حوفظ على لفظه فلم يغير فيقال لكل من فرط في أمر عسر مدركه: الصيف ضيعت اللبن سواء كان المخاطب به مفردا أو مثنى أو مجموعا أو مذكرا أو مؤنثا، والذي في محل خفض بالإضافة وهو موصول للمفرد المذكر، ولكن المراد به هنا الجمع، ولذلك روعي معناه في قوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فأعاد الضمير عليه جمعا اهـ سمين.\rقوله: (في نفاقهم) أي في حال نفاقهم. قوله: اسْتَوْقَدَ السين والتاء فيه زائدتان ولذلك قال:\rأوقد. قوله: (أنارت) أشار به إلى الفعل متعد ففاعله ضمير مستتر، و\"ما\" الموصولة مفعولة أي أضاءت النار المكان الذي حوله فما بمعنى المكان اهـ.\rوفي أبي السعود ما نصه الإضاءة فرط الإنارة، كما يعرب عنه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس: 5] وتجيء متعدية ولازمة والفاء للدلالة على ترتبها على الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد، أو فلما أضاء ما حوله، والتأنيث لكونه عبارة عن الأماكن والأشياء أو أضاءت النار نفسها فيما حوله على أن ذلك طرف لإشراق النار المنزل منزلتها لا لنفسها أما ما مزيدة وحوله ظرف اهـ.\rقوله: (و استدفأ) في المصباح: دفئ البيت يدفأ مهموز من باب تعب، قالوا: ولا يقال في اسم الفاعل دفئ وزان كريم بل وزان تعب ودفئ الشخص، فالذكر دفآن والأنثى دفأى مثل غضبان وغضبي إذا لبس ما يدفئه ودفؤ اليوم مثال قرب والدفء وزان حمل خلاف البرد اهـ.\rوفي المختار: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها. قال اللّه تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: 5] وفي الحديث: \"لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق\" وهو أيضا السخونة من دفئ الرجل من باب سلم وطرب وهو أيضا ما يدفئ ورجل دفئ بالقصر ودفئ بالمد ودفآن، والمرأة دفأى ويوم دفئ بالمد وبابه ظرف وليلة دفيئة أيضا وكذا الثوب والبيت اهـ.\rقوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي المقصود بالإيقاد فبقوا في ظلمة وخوف، وإليه أشار الشيخ المصنف في التقرير، وعدل عن ضوئهم الذي هو مقتضى اللفظ لئلا يحتمل إذهاب ما في الضوء من الزيادة وإبقاء ما يسمى نورا، فإن الغرض إذهاب النور عنهم بالكلية، وحاصله أن الضوء أبلغ من النور كما يدل له ما تقدم اهـ. كرخي.","part":1,"page":31},{"id":31,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 32\rأطفأه وجمع الضمير مراعاة لمعنى الذي وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فكذلك هؤلاء أمنوا بإظهار كلمة الإيمان فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب هم\rصُمٌ عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول بُكْمٌ خرس عن الخير فلا يقولونه عُمْيٌ عن والباء فيه للتعدية وهي مرادفه للهمزة في التعدية، هذا مذهب الجمهور، وزعم المبرد أن بينهما فرقا وهو أن الباء يلزم فيها مصاحبة الفعل للمفعول في ذلك الفعل، والهمزة لا يلزم فيها ذلك فإذا قلت ذهبت بزيد فلا بدّ أن تكون قد صاحبته في الذهاب، فذهبت معه، وإذا قلت أذهبته جاز أن تكون قد صحبته وأن لا تكون قد صحبته، وردّ الجمهور على المبرد بهذه الآية لأن مصاحبته تعالى لهم في الذهاب مستحيلة اهـ سمين.\rوالنور ضوء كل نير واشتقاقه من النار أي أطفأ اللّه نارهم التي هي مدار نورهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (مراعاة لمعنى الذي) أي بعد جعلها بمعنى الذي كما في قوله تعالى: وَخُضْتُمْ [التوبة:\r69] كالذي خاضوا. قوله: وَتَرَكَهُمْ ترك في الأصل بمعنى طرح وخلى فيتعدى لواحد، وقد يضمن معنى التصيير فيتعدى لاثنين، فإن جعل متعديا لواحد فهو الضمير البارز، وفي ظلمات ولا يبصرون حالان، وإن جعل متعديا لاثنين فالثاني في ظلمات ولا يبصرون حال وهي مؤكدة لأن من كان في الظلمة لا يبصر اهـ. من السمين.\rومفعول يبصرون محذوف قدره بقوله ما حولهم. قوله: فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ جمع الظلمة باعتبار ظلمة الليل وظلمة تراكم الغمام فيه وظلمة انطفاء النار اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وظلماتهم ظلمة الكفر وظلمة النفاق وظلمة يوم القيامة ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، أو ظلمة الضلال، وظلمة سخط اللّه، وظلمة العقاب السرمدي، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة اهـ.\rوهذا منه يقتضي أن الضمير في وتركهم راجع للمنافقين المشبهين بالذين أوقدوا النار، وهذا ليس بالجيد بل الأولى أنه راجع لأصحاب المثل المستوقدين، وإلى هذا يشير قول الجلال: فكذلك هؤلاء الخ أي هؤلاء المنافقين المشبهين بأصحاب المثل. قوله: (فكذلك هؤلاء آمنوا) بالقصر أي على أنفسهم، وأولادهم، وأموالهم بإظهار كلمة الإيمان أي بسبب إظهارها. قوله: صُمٌ الخ هذا ما عليه الأكثرون من أن رفع الثلاثة على إضمار مبتدأ وهي أخبار متباينة لفظا ومعنى، لكنها في معنى خبر واحد لأن مآلها إلى عدم قبول الحق مع كونهم سمع الآذان، فصحاء الألسن، بصراء الأعين. فليس المراد نفي الحواس الظاهرة، كما أشار إليه في التقرير، والجملة خبرية على بابها اهـ كرخي.\rوفي المصباح: صمت الأذن صمما من باب تعب بطل سمعها. هكذا فسره الأزهري وغيره، ويسند الفعل إلى الشخص أيضا، فيقال: صم زيد يصم صمما، فالذكر أصم والأنثى صماء والجمع صم مثل أحمر وحمراء وحمر اهـ.\rوفيه أيضا: بكم يبكم من باب تعب فهو أبكم أي أخرس، وقيل: الأخرس الذي خلق ولا نطق له، والأبكم الذي له نطق ولا يعقل الجواب، والجمع بكم اهـ.","part":1,"page":32},{"id":32,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 33\rطريق الهدى فلا يرونه فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) عن الضلالة\rأَوْ مثلهم كَصَيِّبٍ أي كأصحاب مطر وأصله صيوب من صاب يصوب أي ينزل مِنَ السَّماءِ السحاب فِيهِ أي السحاب ظَلَمَتْ متكاثفة وَرَعْدٌ هو الملك الموكل به وقيل صوته وَبَرْقٌ لمعان سوطه الذي يزجره وفيه أيضا عمي من باب صدى فقد بصره فهو أعمى، والمرأة عمياء، والجمع عمي من باب أحمر وعميان أيضا اهـ.\rقوله: (فلا يقولونه) الظاهر أن يقيد هذا النفي بأن يقال أي قولا مطابقا للواقع لما سبق أنهم مؤمنون ظاهرا، وكذا يقال في قوله: فلا يرونه أي رؤية نافعة اهـ شيخنا.\rقوله: (عن الضلالة) أشار إلى أن الفعل لازم، وقيل إنه متعد مفعوله محذوف تقديره لا يَرْجِعُونَ جوابا أي لا يردونه والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم اهـ كرخي.\rقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ في \"أو\" خمسة أقوال: أظهرها أنها للتفصيل بمعنى أن الناظرين في حال هؤلاء منهم من يشبههم بحال المستوقد الذي هذه صفته، ومنهم من يشبههم بأصحاب صيب هذه صفته، والثاني: أنها للإبهام أي أن اللّه أبهم على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء. الثالث: أنها للشك بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم. الرابع: أنها للإباحة. الخامس: أنها للتخيير أي أبيح للناس أن يشبهوههم بكذا أو بكذا أو خيروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين: أحدهما كونها بمعنى \"الواو\" والثاني كونها بمعنى \"بل\" والصيب: المطر، سمي بذلك لنزوله يقال: صاب يصوب من باب قال: إذا نزل والسماء كل ما علاك من سقف ونحوه مشتقه من السمو وهو الارتفاع والأصل سما وو إنما قلبت الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة وهو بدل مطرد نحو كساء ورداء بخلاف نحو سقاية وسقاوة لعدم تطرف حرف العلة، ولذلك لما دخل عليه تاء التأنيث صحت نحو سماوة اهـ سمين.\rقوله: (أي كأصحاب) أخذ تقرير هذا المضاف من الواو في يجعلون أصابعهم وبقي الاحتياج إلى مضاف آخر لم يذكره وهو مثل، ودليله كمثل فيما سبق اهـ شيخنا.\rقوله: (و أصله صيوب) أي فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. قوله: (من السماء) ظرف لغو متعلق بصيب لأنه بمعنى نازل أو نعت لصيب، ومن ابتدائية عليهما، ويجوز أن تكون تبعيضية على الثاني على حذف مضاف تقديره: من أمطار السماء اهـ شيخنا.\rقوله: فِيهِ ظُلُماتٌ المتبادر من ظاهر النظم أن الضمير راجع للصيب وقد أعاده عليه غير الجلال من المفسرين، وأما هو فقد أعاده على السحاب الذي هو مدلول السماء وهو خلاف ظاهر نظم الآية \"و في\" بمعنى \"مع\". قوله: (متكاثفة) أي مجتمعة من ثلاث ظلمات: ظلمة السحاب، وظلمة المطر، وظلمة الليل اهـ. شيخنا.\rقوله: وَرَعْدٌ أي شديد عظيم فالتنوين للتعظيم وحينئذ فهو صاعقة لما يأتي أنها شدة صوت الرعد، فالتعبير بالرعد تارة وبالصاعقة أخرى للتفنن اهـ شيخنا.","part":1,"page":33},{"id":33,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 34\rبه يَجْعَلُونَ أي أصحاب الصيب أَصابِعَهُمْ أي أناملهم فِي آذانِهِمْ مِنَ أجل الصَّواعِقِ شدة صوت الرعد لئلا يسمعوها حَذَرَ خوف الْمَوْتِ من سماعها، كذلك هؤلاء إذا نزل القرآن قوله: (لمعان سوطه) وسوته آلة من نار يزجر بها السحاب، ويزجر بضم الجيم من باب نصر أي يسوقه كما في المختار. قوله: يَجْعَلُونَ الخ الضمير لأصحاب الصيب، وهو وإن حذف لفظه وأقيم الصيب مقامه، لكن معناه باق، فيجوز أن يعود عليه، والجملة استئناف فكأنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول قيل: فكيف حالهم مع ذلك، فأجاب بها وإنما أطلق الأصابع على الأنامل للمبالغة اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي أناملهم) أشار إلى أنه من أنواع المجاز اللغوي، وهو إطلاق الكل على الجزء ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة في القرار من شدة الصوت فكأنهم جعلوا الأصابع جميعها اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الصَّواعِقِ أل للعهد الذكري لأنها ذكرت بعنوان الرعد بواسطة التنوين ولا يضر في العهد الذكري اختلاف العنوان كما قرر في محله اهـ شيخنا. قوله: (شدة صوت الرعد) أي الملك، كما روي أنه إذا اشتد غضبه على السحاب طارت من فيه النار فتضطرب أجرام السحاب وترتعد اهـ كرخي.\rفهذا التركيب ظاهر على القول بأن الرعد هو الملك، وعلى القول بأنه صوته تكون الإضافة بيانية أي شدة صوت هو الرعد، وفي السمين: والصواعق جمع صاعقة وهي الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها القطعة من النار، ويقال: ساعقة بالسين وصاقعة بتقديم القاف اهـ وفسرها الجلال في سورة الرعد بأنها نار تخرج من السحاب اهـ. قوله: (لئلا يسمعوها) علة لمجموع المعلل الذي هو الجعل مع علته التي هي من الصواعق اهـ.\rقوله: (حذر الموت) فيه وجهان: أظهرهما أنه مفعول من أجله ناصبة يجعلون، ولا يضر تعدد المفعول من أجله، لأن الفعل يعلل بعلل، الثاني أنه منصوب على المصدر وعامله محذوف تقديره ويحذرون حذرا مثل حذر الموت اهـ سمين.\rقوله: (كذلك هؤلاء الخ) هذا شروع في بيان حال المشبه بعد بيان حال المشبه به وهذا التوزيع في كلامه يقتضي أن الآية من قبيل التشبيهات المفردة، وحاصلهما ثمانية خمسة هنا. وإن كان في أولها اختصار وهو قوله: إذا نزل القرآن الخ، وكان عليه أن يقول المشبه بالمطر أي في أن كلّا مادة الحياة والثلاثة ظاهرة من كلامه والخامس يؤخذ من قوله يسدون آذانهم الخ والثلاثة الباقية تأتي في قوله تمثيل لإزعاج ما في القرآن الخ، هذا والأقرب أن لفظ الآية من قبيل التشبيه المركب، ولذلك قال البيضاوي:\rالظاهر أن التمثيلين من جملة من التمثيلات المؤلفة، وهو أن تشبه كيفية منتزعة من مجموع تضامت أجزاؤه وتلاصقت حتى صارت شيئا واحدا بأخرى مثلها، فالغرض تمثيل حال المنافقين الخ اهـ شيخنا.","part":1,"page":34},{"id":34,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 35\rوفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات والوعيد عليه المشبه بالرعد والحجج البينة المشبهة بالبرق يسدون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) علما وقدرة فلا يفوتونه\rيَكادُ يقرب الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ يأخذها بسرعة كُلَّما قوله: (المشبه بالظلمات) أي في عدم الاهتداء للحجة وفي الحيرة في الدين والدنيا، وهو بالرفع نعت لذكر الكفر، وكذا قوله: المشبه بالرعد أي في إزعاجه وإرهابه، وقوله: المشبهة بالبرق أي في ظهوره اهـ كرخي.\rفرفع الثلاثة أنسب لكون المطر فيه الثلاثة المذكورة فيكون شبيهه وهو القرآن فيه ثلاثة تشابه تلك الثلاثة. قوله: (يسدون آذانهم) بيان لحالة المشبهين الشبيهة بجعل أصحاب الصيب أصابعهم في آذانهم. وقوله: (لئلا يسمعوه الخ) نظير قوله في جانب المشبه به من الصواعق حذر الموت، فكذلك هؤلاء يسدون آذانهم من سماع القرآن حذر الميل إلى الإيمان الذي هو بمنزلة الموت عندهم. قوله:\r(و هو عندهم) أي ترك دينهم (موت) أي لأنه كفر اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ هذه جملة من مبتدأ وخبر، وأصل محيط محوط لأنه من حاط يحوط، فأعلّ اعلال نستعين بأن نقلت كسرة الواو إلى الساكن قبلها، ثم قلبت ياء لسكونها إثر كسرة والإحاطة خاصة بالمحسوسات فشبه شمول القدرة لهم بإحاطة السور واستعيرت الإحاطة للشمول، واشتق منها الوصف. وعبارة السمين: والإحاطة حصر الشيء من جميع جهاته وهي هنا عبارة عن كونهم تحت قهره يفوتونه. وقيل: ثم مضاف محذوف أي عقابه محيط بهم، وهذه الجملة قال الزمخشري: اعتراض لا محل لها من الإعراب، كأنه يعني بذلك أن جملة قوله يجعلون أصابعهم وجملة قوله يكاد البرق شيء واحد لأنهما من قصة واحدة فكان ما بينهما اعتراضا. قوله: (علما وقدرة) منصوبان على التمييز المحول عن المبتدأ والأصل وعلم اللّه وقدرته محيطان بهم اهـ.\rقوله: (فلا يفوتونه) أي لأن المحاط لا يفوت المحيط وفيه إشارة إلى أنه شبه شمول قدرته تعالى إياهم بإحاطة المحيط ما أحاط به امتناع الفوات فهي استعارة تبعية في الصفة سارية إليها من مصدرها، كما قاله العلامة الشريف اهـ كرخي.\rقوله: يَكادُ الْبَرْقُ واويّ العين فوزنه يكود كيعلم نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها، ثم يقال تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بحسب الآن فقلبت ألفا فصار يكاد بوزن يخاف، وماضيه كود بكسر العين كخوف ومصدره الكود كالخوف وهذا في كاد الناقصة، وأما كاد التامة فهي يائية العين المفتوحة في الماضي كباع، ومصدره الكيد كالبيع، ولذلك جاء المضارع في القرآن مختلفا يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ [النور: 35] فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [يوسف: 5] ومعنى التامة المكر ومعنى الناقصة المقاربة اهـ شيخنا.\rقوله: يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ خبر يكاد، وفي المصباح: خطفه يخطفه من باب فهم اجتذبه بسرعة وخطفه خطفا من باب ضرب لغة اهـ. قوله: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ كل نصب على الظرف، وما مصدرية، والزمان محذوف أي كل زمان إضاءة. وقيل \"ما\" نكرة موصوفة، ومعناه الوقت والعائد","part":1,"page":35},{"id":35,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 36\rأَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أي في ضوئه وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وقفوا تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجب قلوبهم وتصديقهم لما سمعوا فيه مما يحبون ووقوفهم عما يكرهون وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ بمعنى أسماعهم وَأَبْصِرْهُمْ الظاهرة كما ذهب بالباطنة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شاءه محذوف تقديره كل وقت أضاء لهم فيه، فأضاء في الأول لا محل له لكونه صلة ومحله الجر على الثاني، والعامل في \"كلما\" جوابها وهو مشوا وأضاء يجوز أن يكون لازما. وقال المبرد: هو متعد ومفعوله محذوف أي أضاء لهم البرق الطريق. فالهاء في فيه تعود على البرق في قول الجمهور، وعلى الطريق المحذوف في قول المبرد، وفيه متعلق بمشوا وفي على بابها أي أنه محيط بهم، وقيل بمعنى الباء ولا بد من حذف على القولين أي مشوا في ضوئه أو بضوئه اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: وأضاء إما متعد والمفعول محذوف بمعنى كلما نور لهم ممشى أخذوه أو لازم بمعنى كلما لمع لهم مشوا في موضع نوره اهـ.\rقوله: (أي في ضوئه) لا حاجة لهذا المضاف بعد تفسير البرق بكونه لمعان السوط. قوله:\r(تمثيل لإزعاج الخ) أي فهو من قبيل تشبيه المفردات بمفردات، والمعنى أنه تمثيل لهؤلاء المنافقين بأنهم كلما سمعوا من القرآن ما فيه من الحجج أزعج قلوبهم لظهورها لهم، وصدقوا به إن كان مما يحبون من عصمة الدماء والأموال والغنيمة ونحوها وإن كان مما يكرهون من التكاليف الشاقة عليهم كالصلاة والصوم وقفوا متحيرين اهـ كرخي.\rقوله: (تمثيل لإزعاج ما في القرآن الخ) أي باختطاف البرق لأبصارهم، وقوله: (و تصديقم الخ) أي بمشيهم في البرق، وقوله: (و وقوفهم الخ) أي بوقوفهم في الظلمة اهـ. شيخنا.\rقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الخ يعني أن امتناع إزالة اللّه لأسماعهم وأبصارهم سببه عدم مشيئته ذلك، فعدم تعلق القدرة بالإزالة سببه عدم تعلق الإرادة بها اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أي لو شاء أن يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق لذهب بهما، فحذف المفعول لدلالة الجواب عليه اهـ.\rوفي السمين ما نصه: وشاء أصله شيء على فعل بكسر العين من باب قال، وإنما قلبت الياء ألفا للقاعدة المشهورة ومفعوله محذوف تقديره: ولو شاء اللّه إذهاب سمعهم، وكثر حذف مفعوله ومفعول أراد حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب اهـ.\rوقوله: المشهورة وهي أنه إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها تقلب ألفا. قوله: (بمعنى أسماعهم) إشارة إلى أن المفرد بمعنى الجمع بقرينة وأبصارهم، والمعنى ولو شاء اللّه لأذهب الظاهرة من ذلك، كما أذهب الباطنة في قوله سابقا صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ولكن المانع عدم مشيئته، وذلك لأنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه ليتمادوا في الغي والفساد، فيكون عذابهم أشد اهـ كرخي.\rقوله: (الظاهرة) قيد في الأبصار. قوله: (كما ذهب بالباطنة) أي كما ذهب بأبصارهم الباطنة وهي القلوب أي أعماها، ومنع إدراكها للحق. وهذا يدل على أن قوله: ولو شاء اللّه الخ، راجع","part":1,"page":36},{"id":36,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 37\rقَدِيرٌ (20) ومنه إذهاب ما ذكر\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اعْبُدُوا وحدوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أنشأكم ولم تكونوا شيئا وَخلق وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) بعبادته عقابه، للمنافقين لأنهم الذين عميت بصائرهم وقلوبهم بالكفر لا لأصحاب الصيب لأن بصائرهم لم تعم، لأن ظلمات الليل والرعد والبرق لا تقتضي عمى قلوبهم، هذا والذي عليه البيضاوي وأبو حيان في البحر أنه راجع لأصحاب الصيب ونص عبارة الأول وفائدة هذه الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئته انتهت، وبين حواشيه المقتضي بالظلمات والرعد والبرق ونص عبارة الثاني، وظاهر الكلام أن هذا كله مما يتعلق بذوي صيب فصرف ظاهره إلى أنه مما يتعلق بالمنافقين غير ظاهر، وإنما هذا مبالغة في تحير هؤلاء المسافرين وشدة ما أصابهم من الصيب الذي اشتمل على ظلمات ورعد وبرق حيث تكاد الصواعق تصمهم والبرق يعميهم، ثم ذكر أنه لو سبقت المشيئة بذهاب سمعهم وأبصارهم لذهبت، وكما اخترنا في قوله ذهب اللّه بنورهم الخ أنه مبالغة في حال المستوقد، كذلك اخترنا هنا أن هذا مبالغة في حال السفرة وشدة المبالغة في حال المشبه به تقتضي المبالغة في حال المشبه اهـ بحروفه.\rقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ شاءه قيد بذلك لإخراج الواجب وهو ذاته وصفاته فإنهما من جملة الشيء إذ هو الموجود لكنهما ليسا من متعلقات الإرادة، فالمراد بقوله شاءه أن من شأنه أن يشاءه، وذلك هو الممكن اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ لم يقع النداء في القرآن بغير \"يا\" من الأدوات، والنداء في الأصل طلب الإقبال والمراد به هنا التنبيه و\"أي\" مبني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه والناس نعت لأي على اللفظ، وحركته إعرابية، وحركة أي بنائية، واستشكل رفع التابع مع عدم عامل الرفع وقوله: أي أهل مكة وقوله وحدوا تبع فيه ابن عباس، والراجح قول غيره وهو تعميم للناس لكل المكلفين وتعميم العبادة للتوحيد وغيره، وأهل يجوز نصبه ورفعه فنصبه على أنه تفسير للناس اعتبار محله والرفع على أنه تفسير له باعتبار لفظه والناس أصله أناس فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة وعوض عنها أل فلا يجمع بينهما اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أهل مكة) يرد على هذا ما اشتهر أن يا أيها الناس أينما وقع في القرآن فهو مكي، كما أن يا أيها الذين آمنوا مدني، وسورة البقرة والنساء والحجرات مدنيات باتفاق، وقد قال في كل منها يا أيها الناس، وقد يقال إن ذلك أكثري لا كلي.\rواعلم؛ أن النداء على سبع مراتب: نداء مدح، ونداء ذم، ونداء تنبيه، ونداء إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية، ونداء تعنيف، فالأول كقوله: يا أيها النبي يا أيها الرسول، والثاني كقوله يا أيها الذين هادوا يا أيها الذين كفروا، والثالث كقوله يا أيها الإنسان يا أيها الناس، والرابع كقوله يا عبادي، والخامس كقوله يا بني آدم يا بني إسرائيل، والسادس كقوله يا داود يا إبراهيم، والسابع كقوله يا أهل الكتاب اهـ كرخي.\rقوله: (للترجي) أي الطمع في المحبوب وعبر عنه قوم بالتوقع وذلك لا يكون إلا مع الجهل","part":1,"page":37},{"id":37,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 38\rولعل في الأصل للترجي وفي كلامه تعالى للتحقيق\rالَّذِي جَعَلَ خلق لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً حال، بساطا يفترش لا غاية في الصلابة أو الليونة فلا يمكن الاستقرار عليها وَالسَّماءَ بِناءً سقفا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ من أنواع مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ تأكلونه وتعلفون به دوابكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً شركاء في العبادة وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) أنه الخالق ولا يخلقون ولا يكون بالعاقبة وهو محال في حقه تعالى، فيجب تأويله كما أشار إلى ذلك بقوله، وفي كلامه تعالى للتحقيق أي لتحقيق الوقوع، لأن الكريم لا يطمع إلا فيما يفعله، والمنقول عن سيبويه أن عسى أيضا في كلامه تعالى للتحقيق. قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: إلا في قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَ [التحريم: 5] اهـ كرخي.\rقوله: (للتحقيق) أي تحقيق وقوع مضمون جملتها، وهو هنا حصول الوقاية من العقاب، فالمراد بالتحقيق الجزم والاخبار بحصول الوقاية، وهذا المعنى ومن حيث ترتبه على العبادة حقه أن يفاد بقاء السببية \"فلعل\" مستعملة في السببية لعلاقة الضدية لاقتضاء السببية تحقق المسبب عند وجود سببه، واقتضاءالترجي عدم تحقق حصول المترجى هذا هو الملائم لكلام الشارح، وأما ما قرره بعضهم من أن \"لعل\" مستعارة للطلب فلا يناسب هنا إذا علمت هذا علمت أن جملة لعل لا محل لها من الإعراب، وأن موقعها مما قبلها موقع الجزاء من الشرط، وجعلها حالية مبني على أن لعل مستعمله في الترجي أي حال كونكم مترجين للتقوى طامعين فيها تأمل اهـ شيخنا.\rوفي السمين ما نصه: وإذا ورد لعل في كلام اللّه تعالى فللناس فيه ثلاثة أقوال، أحدهما: أن لعل على بابها من الترجي والأطماع ولكن بالنسبة إلى المخاطبين أي لعلكم تتقون على رجائكم وطمعكم وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ [طه: 44] أي اذهبا على رجائكما. والثاني: أنها للتعليل أي اعبدوا ربكم لكي تتقوا وبه قال قطرب والطبري وغيرهما. والثالث: أنها للتعرض للشيء كأنه قيل افعلوا ذلك متعرضين لأن تتقوا، وهذه الجملة على كل قول متعلقة من جهة المعنى باعبدوا أي اعبدوه على رجائكم التقوى أو لتتقوا أو متعرضين للتقوى وإليه مال المهدوي وأبو البقاء اهـ.\rقوله: (حال) أي من الأرض وهذا بناء على ما جرى عليه من أن جعل بمعنى خلق المتعدي لواحد وهو الأرض وجرى غيره على أنه بمعنى صير وأن فراشا المفعول الثاني اهـ كرخي.\rقوله: (فلا يمكن الاستقرار عليها) تفريع على المنفي. قوله: (سقفا) جاء التعبير به في آية أخرى فعبر عنه هنا بالبناء إشارة إلى أحكامه اهـ شيخنا.\rوالبناء مصدر بنيت، وإنما قلبت الياء همزة لتطرفها بعد ألف زائدة وقد يراد به المفعول اهـ سمين.\rقوله: مِنَ السَّماءِ أي السحاب. قوله: (و تعلفون به دوابكم) إشارة إلى المراد بالثمرات جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض كما قال المفسرون اهـ كرخي.\rقوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً الفاء للتسبب أي تسبب عن إيجاد هذه الآيات الباهرة النهي عن اتخاذكم الأنداد ولا ناهية. وتجعلوا: مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون وهي هنا بمعنى تصيروا.","part":1,"page":38},{"id":38,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 39\rإلها إلا من يخلق\rوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد من القرآن أنه من عند اللّه وأجاز أبو البقاء أن تكون بمعنى تسموا، وعلى القولين فتتعدى لاثنين أولهما أندادا وثانيهما الجار والمجرور قبله وهو واجب التقديم. وأندادا: جمع ند. وقال أبو البقاء: أنداد جمع ند ونديد وفي جعله جمع نديد نظر لأن أفعالا يحفظ في فعيل بمعنى فاعل نحو شريف وأشراف ولا يقاس عليه، والند المقاوم المضاهي سواء كان مثلا أو ضدا أو خلافا. وقيل: هو الضد. وقيل: الكفء والمثل اهـ سمين.\rقوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال اهـ سمين.\rقوله: (أنه الخالق الخ) أي وإن الأنداد لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء فعلى هذا أي على كون وأنتم تعلمون حالا، فالمقصود منه التوبيخ سواء جعل مفعول تعلمون مطروحا أو منويا وإن كان آكد كما صرح به الكشاف لا تقييد الحكم وهو النهي عن جعله للّه أندادا بحال علمهم، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف فلا يرد أن يقال المشركون لم يكونوا عالمين بذلك، بل كانوا يعتقدون له أندادا، أو المراد وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد اهـ كرخي.\rقوله: (و لا يخلقون) أي وأنهم لا يخلقون. قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ الخ فيه ثلاثة أمور.\rالأول: أن إن تقلب الماضي إلى الاستقبال حتى كان عند الجمهور، والشك هنا واقع لا مستقبل وجوابه أن المراد وإن دمتم على الشك والدوام مستقبل. الثاني: أن إن لغير المحقق والشك هنا واقع محقق وجوابه أنها مستعملة في المحقق على خلاف الأصل فيها توبيخا لهم، وإشارة إلى أن الشك لا ينبغي أن يقع بالفعل. الثالث: أن قوله وإن كنتم إلخ يقتضي أنهم شاكون، وقوله الآتي: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يشعر بأنهم جازمون بأنه من عند محمد وجوابه أن حالهم التي هم عليها في نفس الأمر الشك والتي يظهرونها ويعبرون عنها أنه من عند محمد إغاظة له، فأول الآية ناظر للواقع وآخرها ناظر لما يظهرونه تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: فِي رَيْبٍ خبر كان فيتعلق بمحذوف ومحل كان الجزم، وهي وإن كانت ماضية لفظا فهي مستقبلة معنى. وزعم المبرد أن لكان الناقصة حكما مع أن ليس لغيرها من الأفعال، فزعم أن كان لقوتها وتوغلها في الماضي لا تقلبها أن الشرطية للاستقبال، بل تبقى على معناها من المضي، وتبعه في ذلك أبو البقاء وعلل ذلك بأن أكثر استعمالاتها غير دال على حدث، وهذا مردود عند الجمهور لأن التعليق إنما يكون في المستقبل وتأولوا ما ظاهره غير ذلك. نحو: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ [يوسف: 26 و27] إما بإضمار يكن بعد إن، وإما على التبيين والتقدير إن يكن كان قميصه، أو إن تبين كون قميصه، ولما خفي هذا المعنى على بعضهم جعل إن هنا بمنزلة إذ. قوله: فِي رَيْبٍ مجاز من حيث أنه جعل الريب ظرفا محيطا بهم بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم، ومما يتعلق بمحذوف لأنه صفة لريب، فهو في محل جر. ومن: للسببية أو ابتداء الغاية ولا يجوز أن تكون للتبعيض، ويجز أن تتعلق بريب. أي أن ارتبتم من أجل، فمن هنا للسببية وما موصولة أو نكرة موصوفة والعائد على كلا القولين محذوف. أي نزلناه، والتضعيف في نزلنا للتعدية مرادفا لهمزة التعدية ويدل عليه قراءة أنزلنا بالهمزة، وجعل","part":1,"page":39},{"id":39,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 40\rفَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أي المنزل ومن للبيان أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الزمخشري التضعيف هنا دالا على نزوله منجما في أوقات مختلفة، وفي قوله نزلنا التفات من الغيبة إلى التكلم، لأن قبله اعبدوا ربكم. فلو جاء الكلام على ظاهره لقيل مما نزل على عبده، ولكنه التفت للتفخيم وعلى عبدنا متعلق بنزلنا، وعدي بعلى لإفادتها الاستعلاء، كأن المنزل تمكن من المنزل عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدي بها دون إلى، فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط والإضافة في عبدنا تفيد التشريف وقرئ عبادنا، فقيل: المراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته لأن جدوى المنزل وفائدته حاصلة لهم، وقيل: المراد لهم جميع الأنبياء عليهم السّلام اهـ سمين.\rقوله: (من القرآن) بيان لما. وقوله: (أنه من عند اللّه) أي في أنه من عند اللّه أي أو فى أنه من عند نفسه اهـ.\rقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ جواب الشرط. والفاء هنا واجبة لأن ما بعدها لا يصلح أن يكون شرطا، وأصل ائتوا ائتيوا مثل اضربوا، فالهمزة الأولى همزة وصل أتى بها للابتداء بالساكن، والثانية فاء الكلمة اجتمع همزتان قلبت ثانيتهما ياء على حد إيمان وبابه واستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فحذفت فسكنت الياء وبعدها واو الضمير ساكنة فحذفت الياء لالتقاء الساكنين وضمت التاء قبلها للتجانس، فوزن ائتوا افعوا، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداء إما في الدرج فإنه يستغنى عنها وتعود الهمزة التي هي فاء الكلمة لأنها إنما قلبت لأجل الكسر الذي كان قبلها وقد زال اهـ سمين.\rقوله: (للبيان) بناء على ما جرى عليه من عود الضمير للمنزل، وهو وإن كان الراجح كما سيأتي لا يتعين بل يصح كما جرى عليه البيضاوي وغيره كونها تبعيضية أي بسورة أي بمقدارها كائنة من مثل المنزل في فصاحته وإخباره بالغيوب وغير ذلك. لكن فيه إيهام أن للمنزل مثلا عجزوا عن الإتيان ببعضه ومن أعاد الضمير على عبدنا جعل من ابتدائية أي بسورة كائنة ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم. قالوا: وعوده للمنزل أوجه لأنه الظاهر المطابق لقوله في سورة يونس: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: 38] وليست السورة مثل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولأن الكلام في المنزل عليه كقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فحقه أن لا ينفك عنه ليتسق الترتيب والنظم. إذ المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند اللّه فأتوا بشيء مما يماثله، ولو كان الضمير للمنزل عليه لكان حقه أن يقال، وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فأتوا بقرآن من مثله اهـ كرخي.\rوفي السمين قوله: من مثله في الهاء ثلاثة أقوال، أحدها: أنها تعود على ما نزل فيكون من مثله صفة لسورة، ويتعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثل المنزل في فصاحته وإخباره بالغيوب وغير ذلك ويكون معنى من التبعيض، واختار ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان، وأجاز أبو البقاء أن تكون زائدة ولا يجيء إلا على قول الأخفش. والثاني: أنها تعود على عبدنا فيتعلق من مثله بائتوا ويكون معنى من ابتداء الغاية ويجوز على هذا الوجه أيضا أن تكون صفة لسورة أي بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا. الثالث: قال أبو البقاء إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل: 66] قلت: ولا حاجة تدعو إلى ذلك والمعنى يأباه أيضا اهـ.","part":1,"page":40},{"id":40,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 41\rالغيب والسورة قطعة لها أول وآخر أقلها ثلاث آيات وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ آلهتكم التي تعبدونها مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره لتعينكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) في أن محمدا قاله من عند نفسه فافعلوا قوله: (و السورة قطعة الخ) والآية طائفة من السورة متميزة بفصل يسمى الفاصلة اهـ كرخي.\rقوله: (أقلها ثلاث آيات) بيان لحالها في الواقع وليس من التعريف وإلا لما صدق على شيء من السور كما لا يخفى، ثم رأيت في حواشي البيضاوي ما نصه قوله: أقلها الخ تنبيه على أن أقل ما تتألف منه السورة ثلاث آيات لا قيد في العريف إذ لا يصدق على شيء من السور أنها طائفة مترجمة أقلها ثلاث آيات تأمل، قاله السعد. وفي البيضاوي والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات وهي أن جعلت واوها أصلية منقولة من سور المدينة لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها أو محتوية على أنواع من العلم احتواء سور المدينة على ما فيها أو من السورة التي هي الرتبة لأن السور كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارىء أولها مراتب في الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة، وإن جعلت مبدلة من الهمزة، فمن السؤرة التي هي البقية والقطعة من الشيء والحكمة في تقطيع القرآن سورا إفراد الأنواع، وتلاحق الأشكال، وتناسب النظم، وتنشيط القارىء، وتسهيل الحفظ والترغيب فيه، فإنه إذا ختم سورة نفس ذلك عنه بعض كربه، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى بريدا، والحافظ متى حفظها اعتقد أنه أخذ من القرآن حظا تاما وفاز بطائفة محدودة مستقلة فعظم ذلك عنده وابتهج به إلى غير ذلك من الفوائد. قوله: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ هذه جملة أمر معطوفة على الأمر قبلها، فهي في محل جزم أيضا، ووزن ادعوا افعوا لأن لام الكلمة محذوفة اهـ سمين.\rأي فأصله ادعووا بواوين الأولى مضمومة وهي لام الكلمة والثانية ساكنة وهي واو الجماعة، فاستثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت الضمة فاجتمع ساكنان فحذفت الواو الأولى التي هي لام الكلمة. قوله: (آلهتكم) سموا شهداء لأنهم يشهدون لهم بين يدي اللّه في القيامة بصحة عبادتهم إياهم على زعمهم الفاسد. وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ وصف للشهداء أو حال منهم، والمعنى على زيادة من إذ تقديره شهداءكم التي هي غير اللّه أو حال كونها مغايرة للّه اهـ.\rوفي البيضاوي الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمي به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور ومعنى دون أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأن إدناء البعض من البعض ودونك هذا أي خذه من أدنى منك، ثم استعير التفاوت في الرتب، فقيل: زيد دون عمرو أي في الشرف، ومنه الشيء الدون ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى أمر. قال اللّه تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 28] أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين ومن متعلقة بادعوا، والمعنى وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير اللّه فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا اللّه أو ادعوا من دون اللّه شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله ولا تستشهدوا باللّه، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون اللّه أولياء أو آلهة، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة أو الذين يشهدون لكم بين يديد اللّه تعالى على زعمكم اهـ.","part":1,"page":41},{"id":41,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 42\rذلك فإنكم عربيون فصحاء مثله ولما عجزوا عن ذلك قال تعالى\rفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما ذكر لعجزكم وَلَنْ تَفْعَلُوا ذلك أبدا لظهور إعجازه اعتراض فَاتَّقُوا بالإيمان باللّه وأنه ليس من كلام البشر النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ الكفار وَالْحِجارَةُ كأصنامهم منها يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه أُعِدَّتْ هيئت لِلْكافِرِينَ (24) يعذبون بها جملة قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ شرط حذف جوابه كما قدره المفسر بقوله: فافعلوا ذلك أي الإتيان والدعاء وكذلك نص غيره كالسمين والبيضاوي على أنه شرط حذف جوابه، لكن يعكر عليه القاعدة المشهورة من أنه إذا اجتمع شرطان وتوسط الجزاء بينهما يكون الأول قيدا في الثاني، ويكون الجواب المذكور جوابا عنه، وسيذكر هذه القاعدة عند قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً [البقرة: 94]. وكذلك ذكرها الجلال المحلي في سورة الجمعة تأمل. قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا إن الشرطية داخلة على جملة لم تفعلوا وتفعلوا مجزوم بلم كما تدخل إن الشرطية على الفعل المنفي بلا نحو إلا تفعلون، فيكون لم تفعلوا في محل جزم بها. وقوله: فَاتَّقُوا جواب الشرط. ويكون قوله ولن تفعلوا جملة معترضة بين الشرط وجزائه اهـ سمين.\rقوله: (أبدا) أخذه من المقام والسياق، لا من مقتضى لن على الراجح فيها. قوله: (اعتراض) أي جملة ولن تفعلوا معترضة بين الشرط وجوابه وواوها ليست عاطفة بل للاستئناف، فلا محل لها من الإعراب لأنها لم تقع موقع المفرد ولا يصح كونها حالا، لأن واو الحال لا تدخل على جملة مستأنفة، ومعنى الاعتراض في الغالب التوكيد ويجيء لغيره بحسب المقام، وعبر بلن دون لا لأنها أبلغ منها في نفي المستقبل واستمراره. قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ جواب الشرط على أن اتقاء النار كناية عن الاحتراز من الفساد إذ بذلك يتحقق تسبه عنه وترتبه عليه كأنه قيل: فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله كما هو المقرر فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند اللّه سبحانه، فإنه مستوجب العقاب بالنار اهـ أبو السعود، واتقوا: أصله اتقيوا استثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء ثم ضم ما قبلها لمناسبة الواو. وفي الكرخي ما نصه: وعرف النار هنا ونكرها في التحريم لأن الخطاب في هذه مع المنافقين وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعرفت بلام الاستغراق أو العهد الذهني وفي تلك مع المؤمنين والذي يعذب من عصاتهم بالنار يكون في جزء من أعلاها فناسب تنكيرها لتقليلها اهـ.\rقوله: الَّتِي وَقُودُهَا بفتح الواو أي ما توقد به، وأما بضمها فهو المصدر هذه التفرقة على المشهور في أن المفتوح اسم للآلة والمضموم مصدر، وبعضهم قال؛ كل من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر فما توقد به النار يقال له وقود بالفتح والضم وإيقادها كذلك، وكذا يقال في الوضوء والسحور والطهور ونحو ذلك اهـ من السمين.\rقوله: (منها) حال من أصنامهم أي حال كونها من الحجارة، وقيد بذلك ليصح كون الأصنام مثالا للحجارة احترازا عما إذا كانت من غيرها، والحجارة جمع حجر كجماله جمع جمل وهو قليل غير منقاس اهـ بيضاوي.\rقوله: (هيئت) بين به معنى أعدت. يقال أعدّ له كذاهيأه له، فدل على أنها مخلوقة إذ الأخبار","part":1,"page":42},{"id":42,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 43\rمستأنفة أو حال لازمة\rوَبَشِّرِ أخبر الَّذِينَ آمَنُوا صدقوا باللّه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفروض والنوافل أَنَ أي بأن لَهُمْ جَنَّاتٍ حدائق ذات أشجار ومساكن تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي تحت أشجارها وقصورها الْأَنْهارُ أي المياه فيها والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء لأن عن اعدادها للكافرين بلفظ الماضي دليل على وجودها وإلّا لزم الكذب في خبر اللّه تعالى، فما زعمته المعتزلة من أنها تخلق يوم الجزاء قالوا لأن خلقها قبله عبث لا فائدة فيه فلا يليق بالحكيم مردود لما تقرر من بطلان القول بتعليل أفعاله تعالى بالفوائد، لا يسأل عما يفعل سبحانه، وتأويلهم بأنه يعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق الوقوع ومثله كثير في القرآن مدفوع بأنه خلاف الظاهر ولا يصار إليه إلا بقرينة ذكره في شرح المقاصد اهـ كرخي.\rقوله: (أو حال) أي من النار، ولا يصح أن تكون حالا من الضمير في وقودها لأنه مضاف إليه، ولأن المضاف اسم بمعنى العين كالحطب فهو جامد لا يعمل اهـ من السمين.\rقوله: (لازمة) دفع لما قيل هي معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا فمن ثم قال: لازمه اهـ كرخي.\rقوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا الخ عطف على مضمون آية فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا الخ، والبشارة أول خبر من خير أو شر. قالوا: لأن أثرها يظهره في البشرة وهي ظاهر جلد الإنسان، وهذا رأي سيبويه، إلا أن الأكثر استعمالها في الخير وإن استعملت في الشر فتقيد كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ* وإن أطلقت كانت للخير، وظاهر كلام الزمخشري أنها تختص بالخير، والباشرة أيضا الجمال والبشير الجميل وتباشير الفجر أوائله، وفاعل بشر إما ضمير الرسول عليه الصلاة والسّلام وهو الواضح وإما كل من تصح منه البشارة اهـ سمين: كعلماء المسلمين.\rقوله: الصَّالِحاتِ جمع صالحة وهي من الصفات التي جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل اهـ سمين.\rقوله: تَجْرِي الخ صفة لجنات قوله: كُلَّما رُزِقُوا صفة ثانية وقوله: وَلَهُمْ فِيها صفة ثالثة وقوله: وَهُمْ فِيها الخ صفة رابعة، وأما قوله وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً فهو اعتراض مقرر لما قبله، وقوله تَجْرِي أي على ظهر الأرض من غير حفيرة، بل هي متماسكة بقدرة اللّه تعالى وقوله الْأَنْهارُ أي جنسها أو المعهود، في آية القتال مثل الجنة التي وعد المتقون الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي عن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود، واللام في الأنهار للجنس كما في قولك: لفلان بستان فيه الماء الجاري، أو للعهد والمعهود هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى:\rفِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: 15] الآية، والنهر: بالفتح والسكون المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات، انتهت.\rقوله: (و قصورها) أي: المعبر عنها أولا بمساكنها ففيه تفنن. قوله: (و النهر الموضع الخ) النهر يجوز فيه فتح الهاء وسكونها، وكذا كل ما عينه حرف حلقي، لكن الساكن الهاء يجمع على أنهر ومفتوحها يجمع على أنهار على حد قوله لفعل اسما صحّ عينا أفعل. وقوله:","part":1,"page":43},{"id":43,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 44\rالماء ينهره أي يحفره وإسناد الجري إليه مجاز كُلَّما رُزِقُوا مِنْها أطعموا من تلك الجنات مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي أي مثل ما رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها بقرينة\rوغير ما أفعل فيه مطرد ... من الثلاثي اسما بأفعال يرد\r\rوينبغي أن يضبط في الشرح بفتح الهاء لأن غرضه أن يبين مفرد الجمع الذي في الآية وهو بالفتح لا غير اهـ شيخنا.\rوفي السمين: الأنهار جمع نهر بالفتح وهي اللغة العالية وفيه تسكين الهاء، ولكن أفعال لا ينقاس في فعل الساكن العين، بل يحفظ نحو أفراح وأزناد وأفراد، والنهر دون البحر وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماء أو الماء الجاري نفسه. الأول أظهر لأنه مشتق من نهرت أي وسعت، ومنه النهار لا تساع ضوئه، وإنما أطلق على الماء مجازا إطلاقا للمحل على الحال اهـ.\rوفي المختار: ونهر النهر حفره، ونهر الماء جرى في الأرض وجعل لنفسه نهرا وبابهما قطع، وكل كثير جرى فقد نهر واستنهر، اهـ.\rقوله: رِزْقاً أي مرزوقا مفعول ثان، والأول واو الضمير القائمة مقام الفاعل وكونه مصدرا بعيد لقوله: هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها والمصدر لا يؤتى به متشابها إنما يؤتى بالمرزوق كذلك، وتقدير الكلام ومعناه كل حين رزقوا مرزوقا مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة أي لأنها بدل من قوله منها بدل اشتمال بإعادة العامل، وإنما قلنا إنه بدل اشتماله لأنه لا يتعلق حرفان بمعنى واحد بعامل واحد إلا على سبيل البدلية أو العطف، وإنما احتيج إلى تقدير مثل، لأن هذا إذا لم يذكر معه الوصف كان إشارة إلى المحسوس الحاضر وهو الذات الجزئية لا الماهية الكلية، وأما إذا قيل: هذا النوع كذا فلا يلزم ذلك فهم لم يريدوا بقولهم المذكور نفس ما أكلوه لأن الحاضر بين أيديهم في ذلك الوقت يستحيل أن يكون عين الذي تقدم، ولكن أرادواهذا من نوع ما رزقنا من قبل. والحاصل: أن المراد بثمرة النوع لا الفرد إذ لا معنى لابتداء الرزق من البستان من تفاحة واحدة. قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني وأطال الكلام في تقريره اهـ كرخي.\rقوله: قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ قالوا: هو العامل في كلما كما تقدم، وهذَا الَّذِي رُزِقْنا مبتدأ وخبر في محل نصب بالقول وعائد الموصول محذوف لاستكماله الشروط أي رزقناه ومِنْ قَبْلُ متعلق به ومن لابتداء الغاية ولما قطعت قبل بنيت وإنما بنيت على الضمة لأنها حركة لم تكن لها حال إعرابها اهـ سمين.\rقوله: هُوَ الَّذِي الخ هذا: مبتدأ، والذي بصلته خبره، فيقتضي التركيب أن الذي أحضر إليهم وأرادوا أكله هو عين الذي أكلوه من قبل وهو لا يستقيم، فذلك جعل المفسر الكلام على حذف مضاف في جانب الخبر، فقال: أي مثل ما وما هي المذكورة بلفظ الذي، ولو قال أي مثل الذي لكان أوضح، وقوله: أي قبله أي قبل هذا الذي أحضر إلينا، وقوله: (لتشابه ثمارها) علة لتقدير المضاف، وقوله:\r(بقرينة) وأُتُوا الخ متعلق بقوله أي قبله في الجنة فهو تعليل لهذا التقييد، وغرضه به الرد على من لم يقيد القبلية بالجنة، بل جعلها شاملة لها وللدنيا. وعبارة الكرخي قوله: أي قبله في الجنة نبه به على أن","part":1,"page":44},{"id":44,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 45\rوَأُتُوا بِهِ أي جيئوا بالرزق مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا لونا ويختلف طعما وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ من الحور وغيرها مُطَهَّرَةٌ من الحيض وكل قذر وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) ماكثون هذا إشارة إل المرزوق في الآخرة فقط لا أنه يعود إلى المرزوق في الدنيا والآخرة كما قاله الزمخشري قال: لأن قوله الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين اهـ.\rويعني بقوله: انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين أنه لما كان التقدير مثل الذي رزقناه كان قد انطوى على المرزوقين معا، وما جرى عليه الشيخ المصنف تبع فيه أبا حيان، قال: لأن ظاهر الآية أنه راجع إلى مرزوقهم في الآخر فقط لأنه المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل، ولأن الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة وأحوالها كما في الحديث وكلما عرفي أكثري فلا يشكل بالكرة الأولى، لكن ما قاله الزمخشري أدق نظرا لا أن قوله كلما على ما قاله حقيقي اهـ.\rقوله: وَأُتُوا بِهِ أي أتتهم الملائكة والولدان وأصل أتوا أتيوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء ثم ضم ما قبلها لمناسبة الواو فوزنه فعوا اهـ.\rقوله: (أي جيئوا بالرزق) أي رزق الجنة، فالضمير عائد على رزقا في قوله مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً وقوله مُتَشابِهاً حال من الضمير في به. قوله: (لونا) من المعلوم أن التشابه في اللون لا مزية فيه، وإنما المزية في تشابه الطعم إلا أن يقال اختلاف الطعم مع اتفاق اللون غريب في العادة فكان ذلك مدحا لطعام الجنة، ولذا روي عن الحسن أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى، فيقول: هذا الذي رزقنا من قبل. فتقول له الملائكة: اللون واحد والطعم مختلف، وروي أنه عليه الصلاة والسّلام قال: \"و الذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة يتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل اللّه مكانها مثلها\". وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عاد مكانها أخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا اهـ من الخطيب.\rوروى مسلم عن جابر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: \"أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغطون ولا يتمخطون ولا يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء ورشحهم كرشح المسك\"، وفي رواية \"ورشحهم المسك\" وقوله: \"يلهمون التسبيح\" أي يجري على ألسنتهم كما يجري النفس فلا يشغلهم عن شيء، كما أن النفس لا يشغل عن شيء وقوله: \"طعامهم جشاء\" أي أن فضل طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة. والرشح العرق اهـ خازن.\rقوله: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ جمع زوج والزوج ما يكون معه آخر، فيقال: زوج للرجل والمرأة، وأما زوجة بالتاء فقليل. ونقل الفراء أنها لغة تميم، والزوج أيضا الصنف والتثنية زوجان والطهارة النظافة والفعل منها طهر بالفتح من باب قتل ويقل الضم من باب قرب، واسم الفاعل طاهر فهو على الفتح شاذ على الضم كخاثر وحامض من خثر اللبن وحمض بضم العين اهـ سمين.\rقوله: (و غيرها) وهن الآدميات. قوله: (و كل قذر) أي كل ما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن بمعنى أنهن منزهات عن ذلك مبرآت منه بحيث لا يعرض ذلك لهن، وليس المراد التطهير","part":1,"page":45},{"id":45,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 46\rأبدا لا يفنون ولا يخرجون. ونزل ردا لقول اليهود لما ضرب اللّه المثل بالذباب في قوله\rوَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً والعنكبوت في قوله كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ما أراد اللّه بذكر هذه الأشياء الخسيسة. إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ يجعل مَثَلًا مفعول أول مِمَّا نكرة موصوفة الشرعي بمعنى إزالة النجس الحسي أو الحكمي كما في الغسل عن الحيض وغسل النجاسة، قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني، وشمل كلام الشيخ المصنف دنس الطبع وسوء الخلق، فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال اهـ كرخي.\rقوله: (ماكثون أبدا) أفاد به أن المراد بالخلود الدوام ههنا لما يشهد له من الآيات والأحاديث، وأصله ثبات طويل المدة دام أو لم يدم ولذا يوصف بالأبدية اهـ كرخي.\rقوله: (لا يفنون) أي لأنه تعالى يعيد أبدانهم على كيفية تصان من الاستحالة لأنه قادر على حفظ البدن، وإن كان بعض العناصر أقوى من البعض إذ ليس لغير اللّه تأثير في شيء على طريقة أهل السنة، بل الكل من اللّه لا دخل لغيره في شيء فلا يرد ما قيل الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية معرضة للاستحالة المؤيدة إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل خلودها في الجنان. قوله: (و لا يخرجون) أي بفضل اللّه لأن تمام النعمة بالبقاء هناك اهـ كرخي. فإن قيل: فائدة المطعوم هي التغذي ودفع ضرر الجوع، وفائدة المنكوح التوالد وحفظ النوع وهي مستغنى عنها في الجنة. قلت: مطاعم الجنة ومناكحها وسائر اجزائها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات، وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثل ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم وتفيد عين فائدتها اهـ بيضاوي.\rقوله: (و نزل ردا الخ) نزل: فعل ماض، وفاعله: إن اللّه لا يستحيي. قوله: (ما أراد اللّه الخ) مقول القول ولما حينية ظرف للقول والمراد برده جوابه، وهذا السؤال أخذه المفسر من قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا الخ وسيأتي شرحه هناك، وجواب هذا السؤال هو قوله الآتي: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً الخ، وأما قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي الخ. فجواب مقاله أخرى نقلت عنهم إذا قالوا: أي قدر للذباب ونحوه حتى يمثل اللّه به واللّه عظيم، والعظيم لا يذكر الحقير، فضرب الأمثال بالذباب ونحو ليس من اللّه، فالقرآن من عند محمد لاشتماله على ما لا يصدر عن اللّه، وعبارة أبي السعود هذا شروع في تنزيه ساحة التنزيل عن تعلق ريب خاص اعتراهم من جهة ما وقع فيه من ضرب الأمثال وبيان لحكمته وتحقيق للحق أثر تنزيهها عما اعتراهما من مطلق الريب، روى أبو صالح عن ابن عباس أنه لما ضرب اللّه المثل بالذباب والعنكبوت قالت اليهود: أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب اللّه المثل بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونه من عند اللّه، انتهت.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي بياءين أولاهما عين الكلمة والثانية لامها والحاء فاؤها اهـ. وفي السمين:\rواستفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد أي أنه موافق له، فإنه قد ورد حيي واستحيا بمعنى واحد، والمشهور استحيا يستحيي فهو مستحي ومستحي منه من غير حذف، وقد، جاء استحى يستحي","part":1,"page":46},{"id":46,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 47\rبما بعدها مفعول ثان أي أي مثل كان أو زائدة لتأكيد الخسة فما بعدها المفعول الثاني بَعُوضَةً مفرد البعوض وهو صغار البق فَما فَوْقَها أي أكبر منها أي لا يترك بيانه لما فهو مستح مثل استقى يستقي فقد قرئ به. ويروى عن ابن كثير، واختلف في المحذوف فقيل عين الكلمة، فوزنه يستفل. وقيل لامها فوزنه يستفع، ثم نقلت حركة اللام على القول الأول وحركة العين على القول الثاني إلى الفاء وهي الحاء، والحياء لغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قاله الزمخشري نقصت حياته واعتلت مجازا واستعماله هنا في حق اللّه تعالى عن الترك، وجعله الزمخشري من باب المقابلة يعني أن الكفار لما قالوا: أما يستحي رب محمد أن يضرب المثل بالمحقرات قوبل قولهم ذلك بقوله: إن اللّه لا يستحيي أن يضرب، ويضرب معناه يبين فيتعدى لواحد. وقيل: معناه التصبير فيتعدى لاثنين نحو ضربت الطين لبنا وقال بعضهم: لا يتعدى لاثنين إلا مع المثل خاصة، فعلى القول الأول يكون مثلا مفعولا، وما زائدة أو صفة للنكرة قبلها لتزداد النكرة شيوعا. وقيل بعوضة هو المفعول ومثلا نصب على الحال قدم على النكرة، وقيل نصب على إسقاط الخافض التقدير ما بين بعوضه فلما حذفت بين أعربت بعوضه بإعرابها وتكون الفاء في قوله فما فوقها بمعنى إلى أي إلى ما فوقها ويعزى هذا للكسائي والفرا وغيرهما من الكوفيين، وقيل بعوضة هي المفعول الأول مثلا هو الثاني ولكنه قدم اهـ.\rقوله: (أي أي مثل كان) تفسير لما مع صفتها ومعنى الكلام على هذا لا يستحي أن يجعل المثل شيئا حقيرا، فشيئا هو معنى ما وحقيراهو صفتها اهـ شيخنا.\rقوله: (لتأكيد الخسة) أي خسة الممثل به وهو البعوض وغيره، وأراد بهذا دفع ما يقال القرآن مصون عن الحشو والزائد حشو. وعبارة ابن السبكي، ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافا للحشوية، ومحصل جوابه أن زيادتها لفائدة وهي التأكيد، فليست حشوا محضا وعبارة البيضاوي ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضع ليذكر مع غيره فيفيد الكلام وثاقة وقوة وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه، انتهت.\rقوله: (و هو صغار البق) لفظ البق يطلق بالاشتراك على شيئين أحدهما؛ البق المعروف بمصر وهو حيوان صغير شديد اللسع منتن الرائحة، والآخر الناموس الذي يطير، وعبارة القاموس البقة البعوضة ودويبة حمراء منتنة هو المراد به هنا الناموس كما ذكره المفسرون، وعبارة الخازن والبعوض صغار البق وهو من عجيب خلق اللّه تعالى، فإنه في غاية الصغر وله ستة أرجل وأربعة أجنحة وذنب وخرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوض خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية حتى أن الجمل يموت من قرصته، انتهت.\rقوله: فَما فَوْقَها أي في الجثة كالذباب والعنكبوت أو في الغرض المقصود من التمثيل بها كجناحها، فقد وقع التمثيل به في الحديث، قوله: (أي أكبر منها) متناول للأمرين. وقد صرح في القاموس بأن الكبر يكون في المعاني كما يكون في الدواب اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لا يترك بيانه الخ) أشار بهذا إلى أن الحياء في حق اللّه تعالى بمعنى غايته لا مبدئه لاستحالته عليه، وعبارة الخازن: الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم عليه،","part":1,"page":47},{"id":47,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 48\rفيه من الحكم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي المثل الْحَقُ الثابت الواقع موقعه مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا تمييز أي بهذا المثل، وما استفهام إنكار مبتدأ وذا بمعنى الذي بصلته خبره أي أي فائدة فيه قال تعالى في جوابهم وقيل: هو انقباض النفس عن القبائح هذا أصله في وصف الإنسان واللّه تعالى منزه عن ذلك كله، فإذا وصف اللّه تعالى به يكون معناه الترك، وذلك لأن لكل فعل بداية ونهاية فبداية الحياء هو التغير الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إليه ذلك الفعل القبيح ونهايته ترك ذلك الفعل القبيح، فإذا ورد وصف الحياء في حق اللّه تعالى فليس المراد منه بدايته وهي التغير والخوف بل المراد منه ترك الفعل الذي هو نهاية الحياء في حق اللّه تعالى، فيكون معنى إن اللّه لا يستحي أن يضرب مثلا أي لا يترك المثل لقول الكفار واليهود، انتهت.\rقوله: (الثابت الواقع موقعه) تفسير للحق ومنه حق الأمر ثبت، وهو كما قال البيضاوي: يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة اهـ كرخي.\rوالمراد بكونه واقعا أنه ليس عبثا بل هو مشتمل على الحكم والأسرار والفوائد.\rقوله: مِنْ رَبِّهِمْ من: لابتداء الغاية المجازية وعاملها محذوف وقع حالا من الضمير المستكن في الحق أي كائنا أو صادرا من ربهم والتعرض لعنوان الربوبيه مع الإضافة إلى ضميرهم للإيذان بأن ضرب المثل بتنبيه لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم، فهو من جملة التربية والجملة سادة مسد مفعولي يعلمون اهـ كرخي.\rقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ كان من حقه، وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليطابق قرينة ويقابل قسيمة، لكن لما كان قولهم هذا دليلا واضحا على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان اهـ بيضاوي.\rقوله: (تمييز) أي من اسم الإشارة تمييز نسبة وهي نسبة التعجب والإنكار إلى المشار إليه، والمثل كل شيء حاكيت به شيئا، ومنه قيل للصور المنقوشة تماثيل وهي جمع تمثال، ويطلق المثل بكسر الميم وسكون الثاء وعلى القول السائر وعلى النعت، ومنه كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة:\r17] وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: 60] اهـ كرخي.\rقوله: (بصلته) أي مع صلته وهي أراد العائد محذوف لاستكمال شروطه تقديره أراده اللّه، والجملة في محل رفع وقوله خبره أي المبتدأ وإن وقع نكرة والخبر معرفة على ما جوزه سيبويه، والإرادة نزوع أي اشتياق النفس وميلها إلى فعل بحيث يحملها عليه أو هي قوة هي مبدأ النزول، والأول مع الفعل والثاني قبله، وكلاهما مما لا يتصور في حقه تعالى وإرادته تعالى ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بالإيقاع أو معنى يوجب هذا الترجيح بخلاف القدرة، فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجود بل هي موجدة للفعل مطلقا، ومعلوم أن الإرادة صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم اهـ كرخي.\rقوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً الباء في به للسببية، وكذلك في يهدي به، وهاتان الجملتان لا محلّ لهما لأنهما كالبيان للجملتين قبلهما المصدرتين بأما وهما من كلام اللّه تعالى، وقيل: نصب لأنهما صفتان","part":1,"page":48},{"id":48,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 49\rيُضِلُّ بِهِ أي بهذا المثل كَثِيراً عن الحق لكفرهم به وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً من المؤمنين لتصديقهم به وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الخارجين عن طاعته\rالَّذِينَ نعت يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ لمثلا أي مثلا يفترق الناس به إلى ضالين ومهتدين وهما على هذا من كلام الكفار، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من اسم اللّه مضلا به كثيرا وهاديا به، وجوز ابن عطية أن تكون جملة قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً من كلام الكفار. وجملة قوله وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً من كلام الباري تعالى، وهذا ليس بظاهر لأنه إلباس في التركيب اهـ سمين.\rقوله: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الفاسقين مفعول ليضل وهو استثناء مفرغ ويجوز عند الفراء أن يكون منصوبا على الاستثناء، والمستثنى منه محذوف تقديره وما يضل به أحد إلا الفاسقين اهـ سمين.\rوفي المصباح فسق فسوقا من باب قعد خرج عن الطاعة، والاسم الفسق وفسق يفسق بالكسر من باب جلس لغة حكاها الأخفش فهو فاسق والجمع فساق وفسقه اهـ.\rقوله: (الخارجين عن طاعته) أي بارتكاب الكبيرة وله ثلاث درجات. الأول: يرتكبها أحيانا مستقبحا لها. الثاني: الانهماك فيها بلا مبالاة بها. الثالث: الجحود بأن يرتكبها مستصوبا لها فهو كافر خارج عن إيمان كما نحن فيه، وعند المعتزلة مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن والنصوص تردهم اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ صفة للفاسقين للذم وتقرير للفسق، والنقض فك التركيب، وأصله فك طاقات الحبل واستعماله في إبطال العهد من حيث إن العهد يستعار له الحبل لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر، فإن أطلق مع لفظ الحبل كان ترشيحا للمجاز، وإن ذكر مع العهد كان رمزا إلى شيء وهو من روافه وهو أن العهد حبل في ثبات الوصلة بين المتعاهدين والعهد الموثق، ووضعه، لما من شأنه أن يراعى ويتعهد كالوصية واليمين، ويقال للدار من حيث إنها تراعى بالرجوع إليها، والتاريخ لأنه يحفظ وهذا العهد إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجج القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسله، وعليه حمل قوله: وأشهدهم على أنفسهم، أو المأخوذ من الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه، وإليه أشار بقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [آل عمران: 178] ونظائره. وقيل: عهود اللّه ثلاثة، عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذ على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه اهـ كرخي.\rقوله: (نعت) أي صفة للفاسقين للذم، فيكون في موضع نصب لأن الفاسقين مفعول يضل اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ متعلق بينقضون، ومن لابتداء الغاية، وقيل زائدة وليس بشيء، وميثاقه","part":1,"page":49},{"id":49,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 50\rتوكيده عليهم وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان بالنبي والرحم وغير ذلك، وأن بدل من ضمير به وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي والتعويق عن الإيمان أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر هُمُ الْخاسِرُونَ (27) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم\rكَيْفَ تَكْفُرُونَ يا أهل مكة بِاللَّهِ وقد وَكُنْتُمْ أَمْواتاً نطفا في الأصلاب فَأَحْياكُمْ الضمير فيه يجوز أن يعود على العهد وأن يعود على اسم اللّه تعالى فهو على الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل اهـ سمين.\rوعبارة البيضاوي من بعد ميثاقه الضمير للعهد، والميثاق اسم لما تقع به الوثاقة وهي الأحكام، والمراد به ما وثق اللّه به أي قوي به عهده من الآيات والكتب، أو ما وثقوه به من الالتزام والقبول، ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر، ومن للابتداء فإن ابتداء النقض بعد الميثاق اهـ.\rقوله: (و غير ذلك) كموالاة المؤمنين وعدم التفرقة بين الرسل، وفي البيضاوي ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل أي من كل قطيعة لا يرضاها اللّه، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السّلام، والكتب في التصديق، وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر فإنه يقطع الوصلة بين اللّه وبين العبد المقصود بالذات من كل وصل وفصل، والأمر هو القول الطالب للفعل، وقيل مع العلو، وقيل: مع الاستعلاء، وبه سمي الأمر الذي هو أحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر، فإنه مما أمر به أن يوصل يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من ما أو ضميره والثاني أحسن لفظا ومعنى هو قوله أحسن لفظا أي لقربه ومعنى لأن قطع ما أمر اللّه بوصله أبلغ من قطع وصل ما أمر اللّه به نفسه اهـ شهاب، أي لأنه على الأول يصير المعنى ويقطعون وصل ما أمر اللّه به اهـ.\rقوله: (الموصوفون بما ذكر) أي من قوله الذين ينقضون الخ. وأولئك: مبتدأ. وهم مبتدأ ثان أو فصل والخاسرون خبر اهـ كرخي.\rقوله: (لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم) أي بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، والخاسر من خسر أحد أمور ثلاثة المال والبدن والعقل، وهؤلاء من الثالث اهـ كرخي.\rوفي القاموس خسر كفرح وضرب خسرا وخسرا وخسرا وخسرانا وخسارة وخسارا أضل فهو خاسر وخسير والتاجر غبن في تجارته والخسر النقص كالإخسار والخسران والخسران اهـ.\rقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ كيف: للسؤال عن الأحوال، والمراد هنا الأحوال التي يقع عليها الكفر من العسر واليسر والسفر والإقامة والكبر والصغر والعز والذل وغير ذلك، والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار، فكأنه قال: لا ينبغي أن توجد فيكم تلك الصفات التي يقع عليها الكفر، فلا ينبغي أن يصدر منكم الكفر لأن صفات الكفر لازمة له، ونفي اللازم يوجب نفي الملزوم، فهذا استدلال على نفي الكفر أي نفي لياقته وانبغائه بنفي لازمه لأن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم اهـ شيخنا.\rقوله: (و قد) كُنْتُمْ أشار به إلى أن جملة وكنتم إلى قوله ثم إليه ترجعون في محل نصب على الحال، وأن قد مضمرة بعد الواو جريا على القاعدة المقررة عند الجمهور أن الفعل الماضي إذا وقع","part":1,"page":50},{"id":50,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 51\rفي الأرحام والدنيا بنفخ الروم فيكم، والاستفهام للتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيخ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) تردون بعد البعث فيجازيكم بأعمالكم. وقال دليلا على البعث لما أنكروه\rهُوَ الَّذِي خَلَقَ حالا فلا بد من قد ظاهرة أو مقدرة اهـ كرخي.\rقوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً لا بد من التأويل على ما فسره، أي وكانت مواد أبدانكم أو أجزائها أمواتا، هذا، والظاهر الحمل على التشبيه لأن طرفيه مذكوران، فيكون المعنى كنتم كالأموات فلا يرد السؤال كيف قيل أمواتا في حال كونهم جمادا وإنما يقال: ميت فيما تصح فيه الحياة من البنية اهـ كرخي.\rقوله: (نطفا) أي وعلقا ومضغا. قوله: (بنفخ الروح) من المعلوم أن نفخ الروح إنما هو في الرحم، فالظرف متعلق بقوله في الأرحام فقط اهـ.\rقوله: (و الاستفهام) للتعجيب، أي إيقاعهم في الأمر العجيب أو حمل المخاطب على التعجب والاستغراب. قوله: (مع قيام البرهان) هذا هو منشأ التعجيب، لأن الكفر أي الإشراك باللّه مع قيام برهان الوحدانية مستغرب فيتعجب منه، وأما الكفر في حد ذاته فلا غرابة فيه، والمراد بالبرهان هو المذكور بقوله وَكُنْتُمْ أَمْواتاً الخ يعني فالمحيي والمميت ينبغي أن يكون هو الإله وغيره من الأصنام لا يصلح للألوهية لعدم قدرته على ما ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عبّر بثمّ لتخلل مدة العمر بين نفخ الروح والإماتة. وقوله: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ عبر بها لتخلل مدة البرزخ. وقوله ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عبّر بها لتخلل مدة الحشر والحساب اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: والفاء في قوله: فأحياكم على بابها من التعقيب، وثم على بابها من التراخي، لأن المراد بالموت الأول العدم السابق وبالحياة الأولى الخلق وبالموت الثاني الموت المعهود وبالحياة الثانية الحياة للبعث فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخي على هذا التفسير وهو أحسن الأقوال. ويعزى لابن عباس، وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن البعث، انتهت.\rقوله: (بأعمالكم) أي عليها. قوله: (و قال دليلا على البعث) يعني أن الدليل السابق لما كان بعض مقدماته وهو قوله: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ منكرا عندهم ناسب إثباته بالدليل اهـ شيخنا.\rودليلا منصوب على المفعول من أجله أي لأجل الدليل أي لأجل الاستدلال. قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ الخ لكم: متعلق بخلق ومعناها التعليل أي لأجلكم، وقيل للملك والإباحة فيكون تمليكا خاصا لما ينتفع به، وقيل للاختصاص وما موصولة وفي الأرض صلتها وهي في محل نصب مفعول بها، وجميعا: حال من المفعول الذي هو ما وهي بمعنى كل، ولا دلالة لها على الاجتماع في الزمان، وهذاهو الفارق بين قولك جاؤوا جميعا وجاؤوا معا، فإن مع تقتضي المصاحبة في الزمان بخلاف جميع. قيل: وهي هنا حال مؤكدة لأن قوله ما في الأرض عام اهـ سمين.\rلكن يرد على هذا العموم أن كثيرا مما في الأرض ضار كالسباع والحشرات وبعضها لا فائدة له","part":1,"page":51},{"id":51,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 52\rلَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي الأرض وما فيها جَمِيعاً لتنتفعوا به وتعتبروا ثُمَّ اسْتَوى بعد خلق أصلا كالهوام، ويجاب بأنها كلها نافعة إما بالذات كالمأكول والمركوب أبو بواسطة ألا ترى أن السباع الضارية أهلكت كثيرا من الحيوانات التي لو بقيت أهلكت الحرث والنسل والحيات يتخذ منها الترياق اهـ شهاب.\rقوله: (أي الأرض وما فيها) أي بأن يراد بالأرض جهة السفل فتصدق بها نفسها وبما فيها من الحيوانات والنبات وغير ذلك. وقوله: (و تعتبروا) عطف خاص على عام لأن الانتفاع صادق بالدنيوي وبالأخروي وهو الاعتبار اهـ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: وتعتبروا أي تعتبروا به كالسباع والعقارب والحيات، فإن فيها عبرة وتخويفا، فإنه إذا رأى طرفا من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية، وأما خلق السم القاتل ففيه نفع لأجل دفع الحيوانات المؤذية وقتلها، فلا يرد السؤال بأنه لا يقع فيه، فكيف قيل خلق لكم ما في الأرض جميعا. انتهت.\rقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ اصل، ثم أن تقتضي تراخيا زمانيا ولا زمان هنا، فقيل هي إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء، وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال أخر من جعل الجبال رواسي وتقدير الأقوات كما أشار إليه في الآية الأخرى عطف بثم، إذ بين خلق الأرض والاستواء إلى السماء تراخ. واستوى: معناه لغة استقام واعتدل من استوى العود، وقيل علا وارتفع قال تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [المؤمنون: 28] ومعناه هنا قصد وعمد، وفاعل استوى ضمير يعود على اللّه والقصد في حق اللّه تعالى معناه تعلّق إرادته التنجيزي الحادث أي ثم تعلقت إرادته تعلقا حادثا بخلق السموات أي بترجيح وجودها على عدمها فتعلقت القدرة بإيجادها اهـ.\rقوله: (بعد خلق الأرض) أي غير مدحوة أي مبسوطة ولم يقل وما فيها كما هو مقتضى السياق إشارة إلى أن خلق ما في الأرض ليس سابقا على خلق السموات بل متأخر عنه، وحاصل المقام أن اللّه تعالى خلق الأرض أي جرمها من غير دحو وبسط في يومين، ثم خلق السموات السبع مبسوطة في يومين، ثم خلق ما في الأرض مما ينتفع به في يومين، وإلى هذا أشار القرطبي في سورة الأنبياء في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء: 21] ونص عبارته هنا ثم استوى للترتيب الاخباري لا الزماني، وذلك لأن خلق ما في الأرض متأخر عن خلق السماء، والاستواء في اللغة والارتفاع والعلو على الشيء قال اللّه تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [المؤمنون: 28] وقال لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [الزخرف: 13] وهذه الآية من المشكلات والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه. قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وإليه ذهب كثير من الأئمة. وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة، وقال بعضهم: نؤولها ونحيل حملها على ظاهرها. وقال الفراء: الاستواء في كلام العرب وجهين، أحدهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أي يستوي من اعوجاج فهذان وجهان، وقال البيهقي أبو بكر محمد بن علي بن الحسين: وجعل الاستواء بمعنى الإقبال صحيح لأن الإقبال هو القصد إلى","part":1,"page":52},{"id":52,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 53\rالأرض أي قصد إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَ الضمير يرجع إلى السماء لأنها في معنى الجمع خلق السموات، والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات اللّه تعالى. وقال سفيان بن عيينة، وابن كيسان في قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: أي قصد إليها أي بخلقه واختراعه، فهذا قول. علا دون تكييف ولا تحديد، واختاره الطبري ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه قال: استوى بمعنى أنه ارتفع. قال البيهقي: ومراده من ذلك واللّه أعلم ارتفاع أمره وهو بخار الماء الذي خلق منه السماء، ويظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في حم السجدة. وقال في النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها [النازعات: 27] فوصف خلقها ثم قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض. وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 1] وهذا قول قتادة أن السماء خلقت أو حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد والطبري وغيره من المفسرين: أنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل السماء، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك وكانت إذ خلقها غير مدحوة. قلت: وقول قتادة صحيح إن شاء اللّه وهو أن اللّه تعالى خلق أولا دخانا للسماء، ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ. قال:\rإن اللّه تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سع أرضين في يومين، في الأحد والاثنين فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكره اللّه بقوله: ن وَالْقَلَمِ [القلم: 1]، والحوت في الماء على صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على الصخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان أنها ليست في الأرض ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب فتزلزت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت، فالجبال تفتخر على الأرض وذلك قوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15]. وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول:\rأَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: 10] يقول: أقواتها لأهلها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت: 10] وقوله: فسواهن سبع سموات، ذكر تعالى أن السموات سبع، ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ [الطلاق: 12]، وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الأرض مثلهن أي في العدد لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والإخبار، فتعين العدد، وقيل: ومن الأرض مثلهن أي في الغلظ وما بينهن، وقيل هي سبع أنه لم يفتق بعضها من بعض، قاله الماوردي، والصحيح الأول، وأنها سبع كالسموات اهـ.\rوعبارته في سورة الطلاق قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين متفاصلة بعضها فوق بعض تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا يلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل","part":1,"page":53},{"id":53,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 54\rالآيلة إليه أي صيرها كما في آية أخرى فقضاهن سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) مجملا ومفصلا أفلا تعتبرون أن القادر على خلق ذلك ابتداء وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم وَاذكر يا محمد\rوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يخلفني في تنفيذ من خلق مميز وفي مشاهدتهم السماء، واستمدادهم للضوء منها قولان، أحدهما: أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والقول الثاني: أنهم لا يشاهدون السماء فإن اللّه تعالى خلق لهم ضياء يستمدون منه، وهذا قول من جعل الأرض كروية، وفي الآية قول ثالث حكاه الطيبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أنها سبع ارضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض تفرق بينها البحار وتظل جميعها السماء اهـ.\rوفيه هناك مزيد بسيط على هذا فتأمل.\rقوله: (لأنها في معنى الجمع) أي أل جنسية وقوله الآيلة إليه أي الصائرة بعد خلقها بالفعل سبعا، والجمع هو السموات السبع، وقوله: أي صيرها تفسير لقوله فَسَوَّاهُنَ وقوله فقضاهن بدل من آية آخرى، وقوله: سَبْعَ سَماواتٍ مفعول ثان لسواهن لا لقضى كما قد يتواهم اهـ شيخنا.\rقوله: (أفلا تعتبرون) أي تفهمون وتعلمون، وقوله على خلق ذلك أي ما ذكر من الأرض وما بعدها.\rقوله: (و اذكر الخ) أشار به إلى أن إذ في محل نصب وأن العامل فيها اذكر مقدرا، وضعف هذا بأنها لا تتصرف إلا بإضافة الزمان إليها، والأحسن جعله منصوبا بقالوا أتجعل أي قالوا ذلك القول وقت قول اللّه عز وجل لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لأنه أسهل الأوجه اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أي لكل الملائكة أو لنوع مخصوص منهم، وهو الطائفة التي أرسلها اللّه على الجن فطردتهم من الأرض إلى الجزائر والجبال، وتلك الطائفة جند يقال لهم الجان ورئيسهم إبليس وهم خزان الجنان أنزلهم اللّه من السماء إلى الأرض فطردوا الجن وسكنوا الأرض، فخفف اللّه عنهم العبادة، وكان إبليس يعبد اللّه تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فدخله العجب وقال في نفسه: ما أعطاني اللّه هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال له ولجنده: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يعني بدلا منكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة اهـ من الخازن.\rقوله: أيضا إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أي تعليما للمشاورة وتعظيما لآدم وبيانا لكون الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره على شره، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير اهـ كرخي.\rقوله: لِلْمَلائِكَةِ جمع ملاك الذي مخففة ملك، والراجح أنه من الملك لا من الألوكة بمعنى الرسالة، والملك جسم لطيف قادر على التشكل بأشكال مختلفة بدليل أن الرسل كانوا يرونهم كذلك، فمنهم المقربون المستغرقون في معرفة الحق كما وصفهم في محكم تنزيله وقال: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20]، ومنهم السماويون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به بقضاء وجرى به القلم الإلهي، ومنهم الأرضيون. قال أبو حيان في تفسيره واللام في للملائكة","part":1,"page":54},{"id":54,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 55\rأحكامي فيها وهو آدم قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي وَيَسْفِكُ الدِّماءَ يرفعها بالقتل كما فعل بنو الجان وكانوا فيها فلما أفسدوا أرسل اللّه عليهم الملائكة فطردوهم إلى للتبليغ وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام اهـ كرخي.\rقوله: إِنِّي جاعِلٌ أي خالق أو مصور، ولم يذكر الزمخشري غيره وقوله: خَلِيفَةً مفعول به على الأول وعلى الثاني هو المفعول الأول، وفي الأرض هو الثاني قدم عليه اهـ كرخي، وصيغة اسم الفاعل بمعنى المستقبل اهـ أبو السعود.\rقوله: (يخلفني في تنفيذ أحكامي الخ) عبارة أبي السعود: والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه فعيل بمعنى فاعل والتاء للمبالغة، والمراد بالخلافة الخلافة من جهته سبحانه في إجراء أحكامه وتنفيذ أوامره بين الناس وسياسة الخلق، لكن لا حاجة به تعالى إلى ذلك بل لقصور استعداد المستخلف عليهم وعدم لياقتهم لتلقي الأحكام والعلوم من الذات العيلة بلا واسطة، انتهت وخلف من باب كتب كما في القاموس.\rقوله: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها الخ إنما قالوا ذلك استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت أي غلبت تلك المفاسد وألغتها وليس باعتراض على اللّه تعالى، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم على من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26] الآية. وإنما عرفوا ذلك بأخبار من اللّه أو تلق من اللوح أو قياس لأحد الثقلين على الآخر كما يؤخذ من كلام الشيخ المصنف، وإلّا فهم كانوا لا يعلمون الغيب اهـ كرخي.\rقوله: مَنْ يُفْسِدُ فِيها أي بمقتضى القوة الشهوانية. وقوله: وَيَسْفِكُ الدِّماءَ أي بمقتضى القوة الغضبية، وذلك أن في كل إنسان ثلاث قوى شهوانية وغضبية وعقلية، فبالأولين يحصل النقص وبالأخيرة يحصل الكمال والفضل، فنظروا لمقتضى الأولين غفلوا عن مقتضى الأخرى اهـ شيخنا.\rقوله: (المعاصي) من الحسد والبغي وقتل بضعهم بعضا، وانظر تسمية هذا معصية مع أنه قيل بعثه الرسل من البشر هل لأنهم كانوا مكلفين بواسطة رسل منهم، أو أن تسميته معصية باعتبار الصورة اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَسْفِكُ الدِّماءَ المشهور يسفك بكسر الفاء، وقرئ بضمها، وقرئ إيضا بضم حرف المضارعة من أسفك، وقرئ أيضا مشددا للتكثير، والسفك هو الصب ولا يستعمل إلا في الدم. وقال ابن فارس والجوهري: يستعمل أيضا في الدمع، وقال المهدوي: لا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في نثر الكلام. يقال: سفك الكلام أي نثره اهـ سمين. وفي المصباح: وسفك الدم أراقه وبابه ضرب وفي لغة من باب قتل اهـ.\rقوله: (بنو الجان) الجان في الجن بمنزلة آدم في البشر فهو أبوهم وأصلهم، كما أن آدم أبو البشر، وذلك الأب قيل هو إبليس. وقيل مخلوق آخر هو أبو الجن، وإن إبليس أبو الشياطين كما سيأتي في صورة الحجر اهـ.","part":1,"page":55},{"id":55,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 56\rالجزائر والجبال وَنَحْنُ نُسَبِّحُ متلبسين بِحَمْدِكَ أي نقول سبحان اللّه وبحمده وَنُقَدِّسُ لَكَ ننزهك عما لا يليق بك، فاللام زائدة والجملة حال أي فنحن أحق بالاستخلاف قالَ تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) من المصلحة في استخلاف آدم وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، فقالوا لن يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم لسبقنا له ورؤيتنا ما لم يره، فخلق تعالى آدم من أديم الأرض أي وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها وعجنت بالمياه المختلفة وسواه ونفخ فيه الروح فصار حيوانا حساسا بعد أن كان جمادا\rوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ أي أسماء المسميات كُلَّها حتى القصعة والجان: أيضا اسم لطائفة من الملائكة كما في الخازن اهـ.\rقوله: (متلبسين) فيه إشارة إلى أن بحمدك في موضع الحال المتداخلة لأنها حال في حال أي تسبيحا هو مقيد بحمدك ومتلبس به اهـ كرخي.\rقوله: (فاللام زائدة) أي والكاف مفعول نقدس أي نقدسك. وقال البيضاوي: إن اللام للتعليل، وقال أبو حيان: والأحسن أن تكون متعدية للفعل، كهي في يسبح للّه اهـ كرخي.\rقوله: (و الجملة) أي جملة قوله: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ حال. والمقصود منها الاستفسار عن ترجيحهم مع ما هو متوقع منهم أي من بني آدم من الفساد على الملائكة المعصومين في الاستخلاف لا العجب والتفاخر، وفائدة الجمع بين التسبيح والتقديس، وإن كان ظاهر كلامهم ترادفهما أن التسبيح بالطاعات والعبادات والتقديس بالمعارف في ذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله أي التفكر في ذلك كما هو مبسوط في الاحياء اهـ كرخي.\rقوله: (أي فنحن أحق الخ) هذا بيان لغرضهم من قولهم المذكور. قوله: (و إن ذريته) أي ومن أن ذريته الخ، وقوله: (فيظهر) أي آدم العدل. قوله: (فقالوا لن يخلق ربنا الخ) أي قالوا ذلك سرا فيما بينهم لقوله الآتي: وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ حيث فسره الشارح هناك بهذا القول اهـ.\rقوله: (لسبقنا له) أي عليه أي على ذلك الخلق أي المخلوق، وهذا رجع لقوله: كرم عليه منا، وقوله ورؤيتنا ما لم يره كاللوح المحفوظ راجع لقوله ولا أعلم. قوله: (فخلق تعالى آدم الخ) وعاش من العمر تسعمائة سنة وستين سنة. قاله السيوطي في التحبير في علم التفسير. قوله: (أي وجهها) وفي القاموس: والأديم من السحاب والأرض ما ظهر منها اهـ. وفي المختار: وربما سمي وجه الأرض أديما اهـ.\rقوله: (بأن قبض منها قبضة) أي بواسطة عزرائيل، قال وهب بن منبه: لما أراد اللّه تعالى أن يخلق آدم أوحى إلى الأرض أني خالق منك خلقا منهم من يطيعني ومنهم من يعصيني، فمن أطاعني أدخلته الجنة ومن عصاني أدخلته النار، قالت الأرض: تخلق مني خلقا يكون للنار؟ قال: نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة إلى آخر القصة اهـ من الخازن.\rقوله: (من جميع ألوانها) وكانت ستين لونا. وقوله: (و سوّاه) أي صوره. قوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ أي بجميع اللغات لكن بنوه تفرقوا في اللغات، فحفظ بعضهم العربية ونسي غيرها،","part":1,"page":56},{"id":56,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 57\rوالقصيعة والفسوة والفسية والمغرفة بأن ألقى في قلبه علمها ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي المسميات وفيه تغليب العقلاء عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ لهم تبكيتا أَنْبِئُونِي أخبروني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ وبعضهم التركية ونسي غيرها وهكذا اهـ شيخنا.\rقوله: (الأسماء) أي لفظا ومعنى مفردا ومركبا، كأصول العلم، فإن الاسم باعتبار الاشتقاق علامة للشيء، ودليله الذي يرفعه إلى الذهن أي يوصله إلى الفطنة، والمراد بالاسم ما يدل على معنى ولو كان ذاتا وجرما فهو أعم من الاسم والفعل والحرف اهـ كرخي.\rقوله: (حتى القصعة الخ) أي حتى الوضيع والحقير وحتى الذوات والمعاني، فإن الفسوة المرة من الفسو على حد قوله: وفعله لمرة كجلسة. فهي عبارة عن المرة من إخراج الريح اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: فسا يفسو من باب عدا والاسم الفساء بالمد، وهو ريح يخرج من الدبر من غير صوت يسمع اهـ.\rوفيه أيضا ضرط يضرط من باب تعب وضرط ضرطا من باب ضرب لغة، والاسم الضراط اهـ.\rقوله: (بأن ألقى في قلبه علمها) أي علم الأسماء يعني وعرض عليه المسميات أيضا كما عرضها على الملائكة، فعلم المسميات مشترك بينه وبينهم واختصاصه عنهم إنما هو بالأسماء فكان يعرف أن هذا الجرم يسمى بكذا وهم يعرفون الجرم ولا يعرفون اسمه اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمنا إذ التقدير أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالة عليه وعوض عنه اللام، كقوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: 4] لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات، فلا يكون المعروض نفس الأسماء لا سيما إن أريد بها الألفاظ، والمراد بها ذوات الأشياء أو مدلولات الألفاظ اهـ بيضاوي.\rقوله: (و فيه) أي في الضمير في عرضهم الذي هو جمع مذكر تغليب العقلاء، وهم الجن والإنس والملائكة على غير العقلاء، والجمادات حيث لم يقل عرضها، وقرئ عرضهن وعرضها وكلامه شامل للتذكير أيضا حيث كنى عن الإناث بلفظ الذكور، وكيفية العرض على الملائكة بأن خلق تعالى معاني الأسماء التي علمها آدم حتى شاهدتها الملائكة، أو صور الأشياء في قلوبهم، فصارت كأنهم شاهدوها، وفي الحديث أنه تعالى عرضهم أمثال الذر، ولعله عز وجل عرض عليهم من أفراد كل نوع ما يصلح أن يكون أنموذجا يتعرف منه أحوال البقية وأحكامها اهـ كرخي. وهذا ظاهر في المسميات التي هي ذوات، وما التي هي معان كالفرح والسرور والعلم والجهل والقدرة والإرادة، فمعنى عرضها أن اللّه تعالى ألقاها في قلب آدم ففهمها وأدركها وعلمه تعالى أسماءها، وكذا يقال في عرضها على الملائكة تأمل. قوله: (تبكيتا) أي توبيخا وإسكاتا. وفي المختار: التبكيت كالتفريع والتعنيف والتوبيخ وبكته بالحجة تبكيتا غلبه اهـ.\rيقال بكته بكذا وبكته عليه أي قرعه عليه، وألزمه حتى عجز عن الجواب اهـ زكريا. قوله:\rأَنْبِئُونِي أمر تعجيز والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة سواء حصل علما أو غلبة ظن، فإيثاره على الإخبار للإيذان برفعه شأن الأسماء وعظم خطرها فإن النبأ إنما يطلق على الخبر تقديره الخطير والأمر العظيم","part":1,"page":57},{"id":57,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 58\rالمسميات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) في أني لا أخلق أعلم منكم أو أنكم أحق بالخلافة، وجواب الشرط دلّ عليه ما قبله\rقالُوا سُبْحانَكَ تنزيها لك عن الاعتراض عليك لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إياه إِنَّكَ أَنْتَ تأكيد للكاف الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) الذي لا يخرج شيء عن علمه وحكمته\rقالَ تعالى يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ أي الملائكة بِأَسْمائِهِمْ أي المسميات فسمى كل شيء باسمه وذكر حكمته التي خلق لها فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ تعالى لهم توبيخا أَلَمْ أَقُلْ اهـ كرخي. قوله: (و جواب الشرط) وهو إن كنتم محذوف تقديره فأنبئوني دل عليه ما قبله أي أنبئوني السابق، وأشار بما ذكره إلى الرد على ابن عطية وغيره في قولهم أن الجواب أنبئوني السابق، وأنه يجوز تقديم الجواب على الشرط على مذهب سيبويه، وقد نبه أبو حيان على ردّ ذلك اهـ كرخي.\rقوله: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا الخ اعتراف بالعجز والقصور وإشعار بأن سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان، والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم لهم ما اشتبه عليهم ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه، وسبحان مصدر كغفران ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، كمعاذ اللّه وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة. فقال موسى صوات اللّه عليه:\rسُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: 143]، وقال يونس عليه السّلام سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أنت يحتمل ثلاثة أوجه أن يكون توكيدا لاسم إن فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن، وأن يكون فصلا، وفيه الخلاف المشهور هل له محل من الإعراب أم لا. وإذا قيل: إن له محلا فهل بإعراب ما قبله كقوله القراء فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع، كقول الكسائي والحكيم خبر ثان أو صفة للعليم، وهما فعيل بمعنى فاعل، وفيهما من المبالغة ما ليس فيه، والحكمة لغة الإتقان والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حكمة الدابة وقدم العليم على الحكيم لأنه هو المفضل به في قوله: وعلم وقوله: لا علم لنا فناسب اتصاله به، ولأن الحكمة ناشئة عن العلم وأثر له، وكثيرا ما تقدم صفة العلم عليها. والحكيم صفة ذات إن فسر بذي الحكمة وصفة فعل إن فسّر بأنه المحكم لصنعته اهـ سمين.\rقوله: قالَ (تعالى) يا آدَمُ أراد تعالى بهذا إظهار مزية آدم عليه السّلام على الملائكة، وآدم اسم أعجمي لا اشتقاق له ولا يتصرف، ولذا قال السمين بعد كلام طويل: والحاصل أن ادعاء الاشتقاق فيه بعيد، لأن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف اهـ.\rقوله: (فسمى كل شيء باسمه الخ) أي بأن قال لهم هذا الجرم يسمى القصعة، وحكمته وضع الطعام فيه وهكذا. قوله: (قال تعالى لهم موبخا) أي مقرعا على ترك الأولى، إذ كان الأولى لهم أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم ولا يتجرؤوا على السؤال بطريق ظاهره الإعتراض، والطعن في بني آدم، وأفهمت الآية أنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها لأنه أخبر عن علمه تعلى بأسماء المسميات جميعها، ولم تكن موجودة قبل الاخبار اهـ كرخي.","part":1,"page":58},{"id":58,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 59\rلَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما غاب فيهما وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون من قولكم أتجعل فيها الخ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) تسرون من قولكم لن يخلق اللّه أكرم عليه منا ولا أعلم\rوَاذكر وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية بالانحناء فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ هو أبو قوله: ما تُبْدُونَ وزنه تفعون لأن أصله تبدوون مثل تخرجون، فأعل بحذف الواو بعد سكونها والإبداء الإظهار والكتم الإخفاء يقال بدا يبدو بدوا وقوله: ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ما عطف على ما الأولى بحسب ما تكون عليه من الإعراب اهـ سمين.\rقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أي الملائكة الذي أنزلهم اللّه الأرض لطرد الجن، أو جميع الملائكة وهو الظاهر من قوله: فسجد الملائكة كلهم أجمعون، وهذا السجود كان قبل دخول آدم الجنة اهـ شيخنا.\rوهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور: في هذه السورة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص. ولعل في تكريرها تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانة، فكأنه تعالى يقول: ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم عليه السّلام، ثم إنه كان في محنة عظيمة للخلق اهـ من الخطيب في سورة الإسراء. قوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ السجود في الأصل تذلل مع تطامن، وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة والمأمور به، أما المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو اللّه تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة للّه، فمعنى اسجدوا له أي إليه، وأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيم له كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يوسف: 100] فلم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض إنما كان الانحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام اهـ خطيب.\rوعن جعفر الصادق أنه قال: أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر اهـ من المواهب.\rوقيل: بقيت الملائكة المقربون في سجودهم مائة سنة وقيل خمسمائة سنة اهـ ع ش عليه.\rقوله: (سجود تحية) أي سجود تعظيم لآدم، ثم نسخ الإسلام هذه التحية وجعل التحية هي السّلام، وقوله: (بالانحناء) أي من غير وضع الجبهة على الأرض، وهذا أصح القولين في المقام اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: وحيا تحية أصله الدعاء بالحياة ومنه التحيات للّه أي البقاء، وقيل الملك ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء ثم استعمله الشرع في دعاء مخصوص وهو السّلام عليك اهـ.\rقوله: إِلَّا إِبْلِيسَ في المصباح: وأبلس إبلاسا إذا سكت غما، وأبلس أيس، وفي التنزيل فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 44] وإبليس أعجمي، ولهذا لا ينصرف للعجمة والعلمية. وقيل: عربي مشتق من الإبلاس وهو اليأس ورد بأنه لو كان عربيا لا نصرف كما تنصرف نظائره اهـ من السمين.\rقوله: (هو أبو الجن) أي المسمى فيما سبق بالجان قوله، كما فعل بنو الجان فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا وهو أصح القولين اهـ شيخنا.","part":1,"page":59},{"id":59,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 60\rالجن كان بين الملائكة أَبى امتنع من السجود وَاسْتَكْبَرَ تكبر وقال أنا خير منه وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) في علم اللّه\rوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه قوله: (كان بين الملائكة) هكذا في خط الشيخ المصنف بين الملائكة، وهو تابع في ذلك للشيخ في سورة طه وغيرها وقضية كلامهما أنه ليس من الملائكة وصرّح بذلك في الكشاف، فقال: كان جنيا واحدا بين أظهر ألوف من الملائكة مغمورا بينهم فغلبوا عليه في قوله فسجدوا، لكن أكثر المفسرين كالبغوي والواحدي والقاضي على أنه كان من الملائكة، وإلّا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم. قالوا: ولا يرد على ذلك قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ [الكهف: 50] لجواز أن يقال كان من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا أو لأن الملائكة قد يسمون جنا لاختفائهم.\rوالحاصل: إن ما ذكروه محاولة على جعل الاستثناء متصلا وهو الأصل، وما ذكره الشيخان محاولة على أنه منقطع فلا حاجة إلى التأويل لكنه خلاف الأصل اهـ كرخي.\rقوله: (تكبر) أفاد به أن السين للمبالغة لا للطلب، وإنما قدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الترتيب لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه من أفعال القلوب واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاء به وفي سورة الحجر على ذكر الإباء حيث قال: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الحجر: 31] اهـ كرخي.\rقوله: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي قبل هذا التكبر، وأورد عليه أنه كان قبله عابدا طائعا، وأجاب عنه الشارح بقوله: (في علم اللّه) يعني أن علم اللّه الأزلي تعلق بأنه يكفر فيما لا يزال بسبب هذا التكبر اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب ما نصه: وإنما أولت الآية بما ذكر لأنه لم يحكم بكفره قبل ذلك ولم يصدر منه ما يقتضيه، فأما أن يكون التعبير بكان باعتبار ما سبق في علم اللّه من كفره وتقديره ذلك وقيل إن كان بمعنى صار اهـ.\rوعبارة الكرخي: قوله (في علم اللّه) إشارة إلى أن الأظهر كان على بابها قال البيضاوي أو صار منهم باستقباحه أمر اللّه بالسجود لآدم لاعتقاده أنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به، كما أشعر به قوله: (أنا خير منه) والجملة على الأول اعتراضية مقررة لما سبق من الإباء والاستكبار، وإيثار الواو على الفاء للدلالة على أن محض الإباء والاستكبار كفر لا أنهما سببان له كما تفيده الفاء. وأفادت الآية استقباح التكبر والخوض في سر اللّه تعالى وأن الأمر للوجوب انتهت.\rفائدة: قال كعب الأحبار رضي اللّه تعالى عنه: إن إبليس اللعين كان خازن الجنة أربعين ألف سنة، ومع الملائكة ثمانين ألف سنة، ووعظ الملائكة عشرين ألف سنة، وسيد الكروبيين ثلاثين ألف سنة، وسيد الروحانيين ألف سنة، وطاف حول العرش أربعة عشر ألف سنة، وكان اسمه في سماه الدنيا العابد، وفي السماء الثانية الزاهد، وفي السماء الثالث العارف، وفي الرابعة الولي، وفي الخامسة التقي، وفي السادسة الخازن، وفي السابعة عزازيل، وفي اللوح المحفوظ إبليس وهو غافل عن عاقبة","part":1,"page":60},{"id":60,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 61\rوَزَوْجُكَ حواء بالمد وكان خلقها من ضلعه الأيسر الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها أكلا رَغَداً واسعا لا حجر فيه حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ بالأكل منها وهي الحنطة أو الكرم أو غيرهما أمره اهـ من كشف البيان للسمرقندي.\rقوله: وَقُلْنا يا آدَمُ الخ هذه الجملة معطوفة على جملة إذ قلنا لا على قلنا وحده لاختلاف زمانيهما وهو من خطاب الأكابر والعظماء، فأخبر اللّه تعالى عن نفسه بصيغة الجمع لأنه ملك الملوك اهـ كرخي. ومثله في السمين، لكن قوله لاختلاف زمانيهما لا يصلح علة مانعة من عطف الفعل على الفعل، وقد عرّفت أن إذ مفعول به لفعل محذوف، فالحق أن العطف على الفعل وحده صحيح. إذا التقدير واذكر وقت قولنا للملائكة اسجدوا، وقولنا لآدم اسكن أي اذكر الوقتين وما وقع فيهما من القصير تأمل. قوله: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا إن قلت لم قال هنا وَكُلا بالواو وفي الأعراف فكلا بالفاء. قلت لأن اسكن هنا معناه استقر لكون آدم وحواء كانا في الجنة، والأكل بجامع الاستقرار غالبا، فلهذا عطف بالواو الدالة على الجمع والمعنى اجمعا بين الاستقرار والأكل. وفي الأعراف معناه داخل لكونهما كانا خارجين عنها، والأكل لا يجامع الدخول عادة بل عقبه، فلهذا عطف بالفاء الدالة على التعقيب. وقد بسطت الكلام على ذلك في الفتاوي اهـ شيخ الإسلام في متشابهات القرآن.\rوهذه التفرقة لا دليل عليها، بل الظاهر أن الأمر في الأعراف بالسكنى المراد به الدخول، لأن قصة السجود كانت قبل دخوله الجنة ثم لما فرغ منها أمره الحق بدخول الجنة، فقال: ويا آدم اسكن الخ. واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه. قوله: (ليعطف عليه الخ) وإنما صح العطف عليه مع أن المعطوف لا يباشر فعل الأمر لأنه تابع ويغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع اهـ زكريا.\rقوله: (من ضلعه الأيسر) فلذا كان كل إنسان ناقصا ضلعا من الجانب الأيسر، فجهة اليمين أضلاعها ثمانية عشر، وجهة اليسار أضلاعها سبعة عشر.\rوقصة خلقها أن اللّه تعالى ألقى النوم على آدم ثم نزع ضلعا من أضلاع جنبه الأيسر وهو الأقصر، فخلق منه حواء، وخلق مكان الضلع لحما من غير أن يحس آدم بذلك ولم يجد ألما، ولو وجد ألما لما عطف رجل على امرأة قط اهـ من الخازن.\rولا يرد أنه لا تكليف فيها ولا خروج منها لأنهما ممتنعان لمن دخلها جزاء اهـ كرخي.\rقوله: (رغدا) في المصباح: رغد العيش بالضم رغادة من باب ظرف اتسع ولان فهو رغيد، ورغد رغدا، من باب تعب لغة فهو راغد، من العيش أي رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا والرغيدة الزبد اهـ.\rحَيْثُ شِئْتُما أي في أي مكان من الجنة شئتما وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر اهـ.\rقوله: (و لا تقربا) في المصباح قرب الشيء منا قربا وقرابة وقربة وقربى أي دنا. وقربت الأمر","part":1,"page":61},{"id":61,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 62\rفَتَكُونا فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) العاصين\rفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ إبليس أذهبهما وفي قراءة فأزالهما نحاهما عَنْها أي الجنة بأن قال لهما هل أدلكما على شجرة الخلد وقاسمهما باللّه إنه لهما لمن الناصحين فأكلا منها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم وَقُلْنَا اهْبِطُوا إلى أقربه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل قربانا بالكسر فعلته أو دانيته، ومن الأول: ولا تقربوا الزنا، ومن الثاني: لا تقرب الحمى أي لا تدن منه. اهـ.\rقوله: (أو غيرهما) كالأترج أو النخلة أو التين، وأشار كما قال القاضي إلى أن الأولى أن لا تعين من غير دليل قاطع بل أو ظاهر اهـ.\rقوله: فَتَكُونا إما مجزوم بالعطف على تقربا أو منصوب في جواب النهي، ولا يدل العطف على السببية بخلاف النصب قوله: مِنَ الظَّالِمِينَ أي الذين وضعوا أمر اللّه تعالى في غير موضعه، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه اهـ كرخي.\rقوله: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي أصدر زلتهما أي أزلقهما وحملهما على الزلة بسببها ونظير عن هذه ما في قوله تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: 82]، أو أزلهما عن الجنة بمعنى:\rأذهبهما وأبعدهما عنها، يقال: زل عن كذا إذا ذهب عنك، ويعضده قراءة أزلهما وهما متقاربان في المعنى، فإن الإزلال أي الإزلاق يقتضي زوال المذال عن موضعة البتة، وإزلاله قوله لهما: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: 120] وقوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الأعراف: 20] ومقاسمته لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 21] اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: زلّ عن مكانه زلا من باب ضرب فنحى عنه، وزل زللا من باب تعب لغة، وزل في منطقة أو فعله يزل من باب ضرب زلة أخطأ اهـ.\rلكن يرد هنا ما يقال إن قصة إبليس بالوسوسة لآدم كانت بعد طرده وإخراجه من الجنة، وكان آدم وحواء إذ ذاك فيها، وذلك لأن قصة السجود كانت قبل دخول آدم الجنة، فلما امتنع اللعين من السجود طرده اللّه تعالى وأخرجه من الجنة، ثم أمر آدم وحواء بدخول الجنة وسكناها، فلما سكناها ازداد اللعين غيظا وحسدا، وأحب أن يتسبب في أخراجهما من الجنة كما أخرج هو منها بسببهما. وأجيب بوجوه منها أن آدم وحواء داروا في الجنة للتمتع بها فقربا من بابها، وكان إبليس إذ ذاك واقفا خارجه فتكلم معهما بما كان سببا في إخراجهما، ومنه أنه تصور في صورة دابة من دواب الجنة، فدخل ولم تعرفه الخزنة، ومنها أنه دخل في فم الحية اهـ من البيضاوي هنا.\rوفي الخازن في سورة الأعراف أنه وسوس إليهما وهو في الأرض، فوصلت وسوسته إليهما وهما في الجنة بالقوة القوية التي جعلها اللّه اهـ.\rقوله: (و قاسمهما) أي أقسم لهما فالمفاعلة ليست على بابها للمبالغة اهـ أبو السعود من سورة الأعراف.\rقوله: (فأكلا منها) أشار به إلى أن قوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما معطوف على مقدر وأورد عليه أن","part":1,"page":62},{"id":62,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 63\rالأرض أي أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما بَعْضُكُمْ بعض الذرية لِبَعْضٍ عَدُوٌّ من ظلم بعضهم بعضا وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ موضع قرار وَمَتاعٌ ما تتمتعون به من نباتها إِلى حِينٍ (36) وقت انقضاء آجالكم\rفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ألهمه إياها وفي قراءة بنصب آدم ورفع كلمات أي جاءه وهي رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية فدعا بها فَتابَ عَلَيْهِ قبل توبته إِنَّهُ هُوَ آدم معصوم، فكيف يخالف النهي، وأجيب بوجوه. منها: أنه اعتقد أن النهي للتنزيه لا للتحريم، ومنها: أنه نسي النهي، ومنها: أنه اعتقد نسخه بسبب مقاسمة إبليس له أنه لمن الناصحين، فاعتقد أنه لا يحلف أحد باللّه كاذبا اهـ شيخنا.\rقوله: مِمَّا كانا فِيهِ ما يجوز أن تكون موصولة اسمية، وأن تكون نكرة موصوفة أي من المكان أو التعليم الذي كانا فيه، أو من مكان أو نعيم كانا فيه، فالجملة من كان واسمها وخبرها لا محل لها على الأول، ومحلها الجر على الثاني، ومن لابتداء الغاية اهـ سمين.\rقوله: (إلى الأرض) فهبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له (نود)، وهبطت حواء بجدة، وإبليس بالأبلة من أعمال البصرة، والحية بأصبهان اهـ من الخازن.\rقوله: (أي أنتما الخ) تصحيح لضمير الجمع مع أن المخاطب آدم وحواء، وأجاب بعضهم بأن الخطاب لهما ولإبليس والحية، وقوله: (بما اشتملتما) أي مع ما اشتملتما عليه، وقوله: (من ذريتكما) أي التي في الأصلاب فكانت في ظهر آدم اهـ شيخنا.\rقوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ هذه جملة من مبتدأ وخبر وفيها قولان. أصحهما أنها في محل نصب على الحال أي اهبطوا متعادين، والثاني أنها لا محل لها لأنها مستأنفة إخبار بالعداوة وأفرد لفظ عدو، وإن كان المراد به جمعا لأحد وجهين إما اعتبارا بلفظ بعض فإنه مفرد، وإما لأن عدوا أشبه المصادر في الوزن كالقبول ونحوه، وقد صرح أبو البقاء بأن بعضهم جعل عدوا مصدرا اهـ سمين.\rقوله: (و في قراءة) أي لابن كثير بنصب آدم ورفع كلمات على أنها فاعل وآدم مفعول، وقرأ الباقون برفع آدم مع نصب كلمات إسناد الفعل لآدم وإيقاعه على كلمات، ووجه الاختلاف في ذلك أن ما تلقيته فقد تلقاك وما تلقاك فقد تلقيته، فمعنى تلقي آدم للكلمات استقبالها بالقبول والعمل بها حين علمها، ومعنى تلقي الكلمات لآدم استقبالها إياه بأن تلقته واتصلت به، وكلامهما استعمال مجازي لأن حقيقة التلقي استقبال من جاء من بعد، وقد أشار إلى ذلك الشيخ المصنف في تقريره، ولم يؤنث الفعل على القراءة الأولى وإن كان الفاعل مؤنثا لأنه غير حقيقي وللفصل أيضا، واقتصر على ذكر آدم عليه السّلام مع أن حواء شاركته في التوسل بهذه الكلمة، كما سيأتي في سورة الأعراف في قوله تعالى:\rقالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] الآية وذلك لأن حواء تبع لآدم في الحكم، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر مواقع الكتاب والسنة اهـ كرخي.\rقوله: وهي رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الخ أي على أصح الأقوال وقيل: هي سبحانك اللهم بحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت اهـ بيضاوي.","part":1,"page":63},{"id":63,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 64\rالتَّوَّابُ على عباده الرَّحِيمُ (37) بهم\rقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها من الجنة جَمِيعاً كرره ليعطف عليه فَأَمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً كتاب ورسول فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فآمن بي وعمل بطاعتي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) في الآخرة بأن يدخلوا الجنة فَتابَ عَلَيْهِ أي مما يليق بمقامه الشريف، فإن الأكل وإن كان جائزا لأحد الوجوه السابقة لكنه غير لائق به صلّى اللّه عليه وسلّم فسمي معصية صورة وعوقب عليه بخروجه من الجنة على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل إن آدم لما نزل الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من اللّه تعالى، وقد قيل لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع داود أكثر، ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمع لكانت دموع آدم أكثر، من الخازن قوله: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي كثير قبول التوبة أو الرجوع على عباده بالرحمة، ووصف العبد بها ظاهر لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة، وأصل التوبة الرجوع وهي في العبد الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه، ورد المظالم إن كانت، وفيه تعالى الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة اهـ كرخي.\rولا يطلق عليه تعالى تائب، وإن صح معناه في حقه، وصح إسناد فعله إليه كما في قوله: فَتابَ عَلَيْهِ وذلك لأن اسماءه تعالى توقيفية اهـ.\rقوله: جَمِيعاً حال من فاعل اهبطوا أي مجتمعين إما في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة لأن المراد الاشتراك في أصل الفعل وهذاهو الفرق بين جاؤوا جميعا وجاؤوا معا فإن قولك مما يستلزم مجيئهم جميعا في زمن واحد لما دلت عليه من الاصطحاب بخلاف جميعا فإنها إنما تفيد أنه لم يتخلف أحد منهم عن المجيء من غير تعرض لاتحاد الزمان اهـ سمين.\rقوله: (كرره ليعطف عليه إلخ) غرضه بهذا أن التكرير للتأكيد وتوطئة لما بعده وهو أحد قولين، وقيل إن الثاني غير الأول باعتبار المتعلق، والغرض المقصود من الأمرين، وعبارة البيضاوي: كرر للتأكيد أو لاختلاف المقصود، فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا، ومن ضله هلك. وقيل: الأول من الجنة إلى سماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، انتهت.\rقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ الخ فيه تنبيه على عظم نعم اللّه عليهما كأنه قال: وإن أهبطتكما من الجنة فقد أنعمت عليكما بهدايتي المؤدية إلى الجنة مرة أخرى على الدوام الذي لا ينقطع اهـ من الخازن.\rقوله: (فيه إدغام إن نون الخ) إيضاحه إن إما هي إن الشرطية زيدت عليها ما للتأكيد ولأجل التأكيد المذكور حسن تأكيد الفعل بالنون، وإن لم يكن فيه معنى الطلب وجواب هذا الشرط هو مجموع الجملتين بعده الشرطية وهي قوله فمن تبع الخ، والجملية وهو قوله والذين كفروا الخ، وإنما جيء بحرف الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلا أي العقل لم يستقل بالعلم بوقوعه، بل لا بد أن يسمع من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فاستعمال إن في الآية مجاز اهـ. كرخي.\rقوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ الخ بقي قسم ثالث، وهو من آمن ولم يعمل الطاعات فليس داخلا في الآيتين على تفسير الشارح اهـ شيخنا.","part":1,"page":64},{"id":64,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 65\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كتبنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون\rيا بَنِي إِسْرائِيلَ أولاد يعقوب اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي على آبائكم من الإنجاء قوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي عند الفزع الأكبر. وقوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ففي الآخرة أي على ما فاتهم من الدنيا، والخوف غم يلحق الإنسان من توقع أمر في المستقبل، والحزن غم يلحقه من فوات أمر في الماضي، وأما الخوف المثبت لهم في بعض الآيات فهو في الدنيا اهـ كرخي.\rقوله: (في الآخرة) متعلق بهما. وقوله: (بأن يدخلوا الجنة) متعلق بالنفي أي انتفى عنهم الأمران بسبب الخ اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا الخ عطف على فمن تبع الخ قسم له كأنه قال: ومن لم يتبع بل كفروا باللّه وكذبوا بآياته أو كفروا بالآيات جنانا وكذبوا بها لسانا، فيكون الفعلان متوجهين إلى الجار والمجرور، والآية في الأصل العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات من حيث أنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، ولكل طائفة من كلمات القرآن اهـ بيضاوي.\rقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قال ابن جزيء الكلبي في تفسيره: لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [البقرة: 142] فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم وذكر عقوباتهم التي عاقبهم بها. فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء وهي: إذ نجيناكم من آل فرعون، وإذ فرقنا بكم البحر وبعثناكم من بعد موتكم، وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المن والسلوى، وعفونا عنكم ونغفر لكم خطاياكم، وآتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون، وانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء:\rقولهم سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل أرنا اللّه جهرة، وبدل الذين ظلموا، ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفون الكلم، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم وكفرهم بآيات اللّه، وقتلهم الأنبياء بغير حق. وذكر من عقوبتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من اللّه، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزا من السماء، وأخذتكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. هذا كله جرى لآبائهم المتقدمين وخوطب به المعاصرون لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ اللّه المعاصرين لمحمد، صلّى اللّه عليه وسلّم بتوبيخات أخرى وهي عشرة: كتمانهم أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مع معرفتهم به، ويحرفون الكلم ويقولون: هذا من عند اللّه، وتقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم وحرصهم على الحياة وعدواتهم لجبريل واتباعهم السحر، وقولهم: نحن أبناء اللّه، وقولهم: يد اللّه مغلولة اهـ بحروقة.\rوبني: منادى وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم وحذفت نونه للإضافة وهو شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب بعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا في فعله المستند إليه تاء التأنيث. نحو: قالت بنو فلان، وهل لامه ياء لأنه مشتق من البناء لأن الابن فرع الأب ومبني عليه أو واو لقولهم البنوة كالأبوة والأخوة قولان الصحيح الأول، وأما البنوة فلا دلالة فيها لأنهم قد قالوا الفتوة، ولا خلاف فى أنها من ذوات الياء، إلا أن الأخفش رجح الثاني بأن حذف الواو أكثر. واختلف","part":1,"page":65},{"id":65,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 66\rمن فرعون، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وغير ذلك بأن تشكروها بطاعتي وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الذي في وزنه فقيل: هو بفتح العين وقيل بسكونها وهو أحد الأسماء العشرة التي سكنت فاؤها، وعوض من لامها همزة الوصل، وإسرائيل خفض بالإضافة ولا ينصرف للعلمية والعجمة وهو مركب تركيب الإضافة مثل عبد اللّه فإن إسرا بالعبرانية هو العبد، وإيل هو اللّه. وقيل: إسرا مشتق من الأسر وهو القوة، فكان معناه الذي قواه اللّه، وقيل لأنه أسرى بالليل مهاجرا إلى اللّه تعالى. وقيل: لأنه أسر جنيا كان يطفىء سراج بيت المقدس. قال بعضهم: فعلى هذا بعض اسم يكون عربيا وبعضه عجميا، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن وهي قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر والأعمش إسرائيل بياء بعد الألف من غير همز، وروي عن ورش إسرائيل بهمزة بعد الألف دون ياء، وأسرأل بهمزة مفتوحة بين الراء واللام، وأسرإل بهمزة مكسورد بين الراء واللام، واسرال بألف محضة بين الراء واللام، وتروى قراءة عن نافع واسرائين أبدلوا من اللام نونا كأصيلان في أصيلال، ويجمع على أساريل، وأجاز الكوفيون أسارل كأنهم يجيزون التعويض بالباء قال الصفار: ولا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله اهـ سمين.\rقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الذكر والذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد يكونان باللسان وبالجنان. وقال الكسائي: هو بالكسر للسان وبالضم للقلب، فضد المسكور الصمت وضد المضموم النسيان، والجملة؛ فالذكر الذي محله القلب ضد النسيان، والذي محله اللسان ضد الصمت سواء قيل إنها بمعنى واحد أم لا.\rوالنعمة اسم لما ينعم به وهي شبيهة بفعل مفعول نحو ذبح ورعى، والمراد هنا الجمع لأنها اسم جنس. قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ابراهيم: 34] والَّتِي أَنْعَمْتُ [البقرة: 47 و122] صفتها والعائد محذوف فإن قيل: من شرط حذف عائد الموصول إذا كان مجرورا أن يجر الموصول بمثل ذلك الحرف، وأن يتحد متعلقها، وهنا قد فقد الشرطان، فإن الأصل التي أنعمت بها.\rفالجواب: أنه إنما حذف بعد أن صار منصوبا بحذف حرف الجر فبقي أنعمتها وهو نظير كالذي خاضوا في أحد الأوجه وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى، وعليكم متعلق به، وأتى \"بعلى\" دلالة على شمول النعمة لهم اهـ سمين.\rقوله: (و غير ذلك) أي مما سيأتي تعداده قريبا في قوله: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:\r49] الآيات.\rقوله: (بأن تشكروها) تصوير للذكر، وفيه نوع مسامحة لأن الذكر هو الإخطار بالبال ففسره بالشكر المشتمل عليه، لأن الشكر فعل ينبىء عن تعظيم النعم من حيث إنه منعم، فكأنه قال: أطيعوني وعظموني من حيث إن منعم على آبائكم، فاستعمال الذكر في الشكر يشبه استعمال الجزء في الكل اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: (بأن تشكروها) جواب عما قيل: اليهود أبدا يذكرون هذه النعمة فلم ذكروا ما لم ينسوه، وحاصل الجواب مع الإيضاح أن المراد بذكر النعمة شكرها وإذ لم يشكروها حق شكرها، فكأنهم نسوها وإن أكثروا ذكرها اهـ كرخي.","part":1,"page":66},{"id":66,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 67\rعهدته إليكم من الإيمان بمحمد أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الذي عهدت إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) خافون في ترك الوفاء به دون غيري\rوَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوة وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من أهل قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ هذه جملة أمرية عطف على الأمر به قبلها، ويقال أوفى ووفى ووفّى مشددا ومخففا ثلاث لغات بمعنى، وقيل يقال وفيت ووفيت بالعهد وأوفيت بالكيل لا غير، وعن بعضهم أن اللغات الثلاث واردة في القرآن. أما أوفى فكهذه الآية، وأما وفى الذي بالتشديد فكقوله وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: 37] وأما وفى بالتخفيف فلم يصرح به، وإنما أخذ من قوله تعالى: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة: 111] وذلك أن أفعل التفضيل لا يبنى إلا من الثلاثي كالتعجب هذا هو المشهور، وإن كان في المسألة كلام كثير، ويحكى أن المستنبط لذلك أبو القاسم الشاطبي اهـ سمين، وتفصيل العهدين يأتي في سورة المائدة في قوله وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ [المائدة: 12] اهـ بيضاوي.\rقوله: (دون غيري) إشارة إلى أن تقديم الضمير هنا مشعر بتخصيصه سبحانه بذلك وهو مناسب لتخصيصه بالإقبال عليه وعدم الالتفات إلى غيره، وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد لأن إياك منصوب بنعبد، فمجموعهما جملة واحدة وهنا منصوب بارهبوا مقدرا لاستيفاء فارهبوا مفعوله وهو الياء الثابتة في بعض القراءات، فهما جملتان والتقدير: وإياي ارهبون فيكون الأمر بالرهبة متكررا اهـ كرخي.\rوالفاء في فَارْهَبُونِ فيها قولان للنحويين. أحدهما: أنها جواب أمر مقدر تقديره تنبهوا فارهبون وهو نظير قولهم زيدا فاضرب أي تنبه فاضرب زيدا، ثم حذف تنبه فصار فاضرب زيدا ثم قدم المفعول إصلاحا للفظ لئلا تقع ألفا صدرا وإنما دخلت الفاء لتربط هاتين الجملتين. والقول الثاني في هذه الفاء أنها زائدة اهـ سمين.\rقوله: مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي من حيث أنه نازل حسب ما نعت في الكتب الإلهية أو مطابق لها في القصص والمواعيد، والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيات لأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث أن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها، حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه. ولذلك قال عليه السّلام: \"لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي\" تنبيها على أن اتباعها لا ينافي الإيمان به، بل يوجبه، ولذلك عرض بقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ بأن الواجب أن تكونوا أول من آمن به لأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته، والعلم بشأنه، والمستفتحين به، والمبشرين بزمانه اهـ شيخنا.\rقوله: (من التوراة) أي والإنجيل واقتصر عليها لأن الإنجيل موافق لها في معظم أحكامها.\rقوله: (بموافقته) الباء سببية وقوله: (في التوحيد والنبوة) أي وفي كثير وفي كثير من الأعمال الفرعية اهـ شيخنا.","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 68\rالكتاب لأن خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم وَلا تَشْتَرُوا تستبدلوا بِآياتِي التي في كتابكم من نعت محمد ثَمَناً قَلِيلًا عوضا يسيرا من الدنيا أي لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) خافون في ذلك دون غيري\rوَلا تَلْبِسُوا تخلطوا الْحَقَ الذي قوله: أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ مفهوم الصفة غير مراد هنا فلا يرد ما يقال إن المعنى ولا تكونوا أول كافر بل آخر كافر، وإنما ذكرت الأولية لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر، أي بل يجب أن تكونوا أول فوج مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه، وكافر لفظه واحد وهو في معنى الجمع أي أول الكفار أو هو نعت لمحذوف تقديره أول فريق كافر، ولذلك أتى بلفظ التوحيد والخطاب لجماعة كما مرت الإشارة إليه اهـ كرخي.\rقوله: (من أهل الكتاب) دفع به ما يقال إن أول من كفر به مشركو العرب بمكة قبل كفر اليهود به بالمدينة، فكيف تنهى اليهود والنصارى عن أن يكونوا أولا؛ فأجاب بأن الأولية نسبية أي بالنسبة لأهل الكتاب ومفهوم الأولية معطل كما تقدم، ومعنى الآية لا تكفروا به فتكونوا أولا بالنسبة لمن بعدكم من ذريتكم فتبوءوا بإثمكم وإثمهم، فهذا أبلغ من قوله: ولا تكفروا به لأن فيه إثما واحدا اهـ شيخنا.\rقوله: (تستبدلوا) دفع به ما يقال الباء في حيز الشراء تدخل على المأخوذ، وهنا دخلت على المتروك، فأجاب بأن الشراء بمعنى الاستبدال وهي في حيزه تدخل على المتروك، وفي الكرخي: وهي في حيزه تدخل على العوضين اهـ.\rقوله: (خوف فوات ما تأخذونه الخ). وذلك أن كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود وعلماءهم كانوا يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالهم، وكانوا يأخذون منهم في كل سنة شيئا معلوما من زرعهم وثمارهم ونقودهم، فخافوا أنهم إن بينوا صفة محمد وتبعوه تفوتهم تلك الفوائد، فغيروا نعته بالكتابة فكتبوا في التوراة بدل أوصافه أضدادها وكانوا إذا سئلوا عن أوصافه كتموها ولم يذكروها، فأشار إلى التغيير بالكتابة بقوله ولا تشتروا وبقوله ولا تلبسوا وإلى الكتمان بقوله وتكتموا الحق اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَ أي لا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل وقوله: (تخلطوا) أشار به إلى أن اللبس بالفتح مصدر لبس بفتح مصدر لبس بفتح الباء أي خلط، والباء للإلصاق كقولك: خلطت الماء باللبن فلا يتميز. زاد القاضي: وقد يلزمه جعل الشيء مشتبها بغيره وإشارة إلى جواب عن سؤال، وهو أنهم لم يخلطوا الحق بالباطل، بل جعلوا الباطل موضع الحق وجعلوه مشتبها به، فالباء للاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم. قال أبو حيان: وفي جعلها للاستعانة بعد وصرف عن الظاهر من غير ضرورة قال السمين: ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحسن، وأما اللبس بالضم فمصدر لبس بكسر الباء من لبس الثوب، وأما بالكسر فهو اللباس، قاله الجوهري اهـ كرخي.\rوفي المصباح: لبس الثوب من باب تعب لبسا بضم اللام، واللبس بالكسر واللباس ما يلبس ولبست عليه الأمر لبسا من باب ضرب خلطته. وفي التنزيل: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: 9]","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 69\rأنزل عليكم بِالْباطِلِ الذي تفترونه وَلا وَتَكْتُمُوا الْحَقَ نعت محمد وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) أنه حق\rوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) صلوا مع المصلين محمد وأصحابه. ونزل في علمائهم وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين اثبتوا على دين محمد فإنه حق\rأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ بالإيمان بمحمد وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها فلا تأمرونها به وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ والتشديد مبالغة في الأمر من لبس بالضم ولبسة أيضا أي إشكال، والتبس الأمر اشكل ولا بسته بمعنى خالطته اهـ.\rقوله: (الذي تفترونه) أي تخترعونه كما عبر به البيضاوي. قوله: وَلا تَكْتُمُوا الْحَقَ أتى بلا ليفيد أن الأولى والأرجح والأظهر أنه مجزوم عطفا على تلبسوا. نهاهم عن كل فعل على حدته أي لا تفعلواهذا ولا هذا، وجوز البيضاوي وغيره فيه النصب على النهي بإضمار أن والواو للجمع لا يقال يلزم عليه جواز تلبيسهم دون الكتمان وعكسه، كما في لا تأكل السمك وتشرب اللبن لأنا نمنع ذلك.\rإذ النهي عن الجمع لا يدل على جواز البعض ولا على عدمه، وإنما يدل عليه دليل آخر أما في مسألة السمك فللطلب، وأما في الآية فلقبح كل منهما، وفائدة الجمع المبالغة في النعي عليهم وإظهار قبح أفعالهم من كونهم جامعين بين اللذين إن انفرد كل منهما عن صاحبه كان قبيحا، وقراءة الجزم وإن دلت على المبالغة، لكن تفوت فائدة النعي عليهم اهـ كرخي.\rقوله: (نعت محمد) فيه إشارة إلى جواب عن سؤال، وهو أن قوله: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق لا تغاير بينهما فكيف عطف أحدهما على الآخر. وحاصله؛ أنهما متغايران لفظا ومعنى اهـ كرخي.\rقوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (أنه حق) أي فهذا أقبح إذا الجاهل قد يعذر بخلاف العالم، والمعنى على الحال أي عالمين اهـ كرخي.\rقوله: (صلوا مع المصلين الخ) أي صلوا صلاة الجماعة فلا تكرار، وعبّر عن الصلاة بالركوع ردا على اليهود من حيث إن صلاتهم لا ركوع فيها، فكأنه قال: صلوا الصلاة ذات الركوع في جماعة اهـ شيخنا.\rقوله: (و كانوا يقولون لأقربائهم) أي يقولون لهم ذلك سرا. ففي البيضاوي وكانوا يأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد ولا يتبعونه اهـ.\rقوله: بِالْبِرِّ هو اسم جامع لجميع أنواع الخير والطاعات وتفسيره بالإيمان بمحمد، لأنه المراد في هذا المقام، ولأن الإيمان بمحمد أصل كل بر اهـ. شيخنا. وفي السمين. والبر: سعة الخير من الصلة والطاعة والفعل منه برّ كعلم يعلم، والبر بالفتح الإجلال والتعظيم، ومن ولد بر بوالديه أي يعظمهما واللّه تعالى بر لسعة خيره على خلقه اهـ.\rوفي البيضاوي البر؛ وبالكسر التوسع في الخير مأخوذ من البر بالفتح، وهو الفضاء الواسع، والبر بالكسر ثلاثة أقسام: بر في عبادة اللّه، وبر في مراعاة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب اهـ.\rقوله: (تتركونها) عبر عن الترك بالنسيان، لأن نسيان الشيء يلزمه تركه فهو من استعمال الملزوم","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 70\rالتوراة وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) سوء فعلكم فترجعون، فجملة النسيان محل الاستفهام الإنكاري\rوَاسْتَعِينُوا اطلبوا المعونة على أموركم بِالصَّبْرِ الحبس للنفس على ما تكره وَالصَّلاةِ أفردها بالذكر تعظيما لشأنها وفي الحديث كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر في اللازم، أو السبب في المسبب، وسر هذا التجوز الإشارة إلى أن ترك ما ذكر لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إلا نسيانا اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ حال. والعامل فيها تنسون تبكين وتقريع وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ اهـ كرخي.\rقوله: (و فيها الوعيد) الواو للحال.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ المعنى: لا ينبغي أن ينتفي عنكم العقل أي لا ينبغي أن تنتفي عنكم ثمراته. وفي السمين: الهمزة للإنكار أيضا وهي في نية التأخير عن الفاء، لأنها حرف عطف، وكذا تقدم أيضا على الواو، وثم نحو: أو لا يعلمون أثم إذا ما وقع، والنية بها التأخير، وما عدا ذلك من حروف العطف لا تتقدم عليه هذا مذهب الجمهور. وذهب الزمخشري إلى أن الهمزة في موضعها غير منوي بها التأخير ويقدر قبل الفاء، والواو وثم فعل محذوف عطف عليه ما بعدها فيقدر هنا أتغفلون، وكذا أفلم يروا أي أعموا فلم يروا وقد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع يأتي التنبيه عليها اهـ.\rقوله: (محل الاستفهام الإنكاري) أي الداخل على تأمرون المتضمن التوبيخ والتقريع، فالآية ناعية على من يعظ غيره ولا يعظ نفسه بسوء صنعه وخبث نفسه، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل، فإن الجامع بين العلم والعقل تأبى نفسه عن كونه واعظا غير متعظ، بل عليه تزكية نفسه والإقبال عليها بتكميلها ليقوم نفسه فيقوم غيره اهـ كرخي.\rقوله: وَاسْتَعِينُوا الخطاب للمسلمين لا للكفار لأن من ينكر الصلاة والصبر على دين محمد لا يقال له استعن بالصبر والصلاة، فوجب صرفه إلى من صدق محمدا وسيأتي مقابله بقوله، وقيل الخ والثاني أنسب بسوق النظم فإن في الأول تفكيكا له اهـ شيخنا.\rقوله: (الحبس للنفس على ما تكره) كالاجتهاد في العبادة، وكظم الغيظ، والحلم، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن المعاصي، وبما تقرر علم أن الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على الشدة والمصيبة، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأجره أكثر منه، وصبر عن المعصية وهو أشد من الأول والثاني وأجره أكثر منها اهـ كرخي.\rقوله: وَالصَّلاةِ أي الناهية عن الفحشاء والمنكر وقدّم الصبر عليها لأنه مقدمة الصلاة فإن من لا صبر له لا يقدر على إمساك النفس عن الملاهي حتى يشتغل بالصلاة فلا يمكن حصولها كاملة إلا به اهـ كرخي.\rقوله: (أفردها بالذكر تعظيما لشأنها) أي لأنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 71\rبادر إلى الصلاة وقيل الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة فأمروا بالصبر وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وَإِنَّها أي الصلاة لَكَبِيرَةٌ ثقيلة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الساكنين إلى الطاعة\rالَّذِينَ يَظُنُّونَ يوقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الحق وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن شهوتي الفرج والبطن اهـ كرخي.\rقوله: (و في الحديث) استدلال على عظم شأنها أو على أنها يستعان بها. قوله: (إذا حزبه أمر) حزبه بحاء مهملة وزاي وباء موحدة أي أهمه ونزل به، وضبطه الطيبي بالنون وحكى الموحدة عن ضبط النهاية اهـ كرخي.\rوفي القاموس حزبه الأمر من باب كتب اشتد عليه أو ضغطه، والاسم الحزابة بالضم اهـ.\rوفيه أيضا في باب النون وحزنه الأمر من باب كتب حزنا بالضم وأحزنه جعله حزينا اهـ وقوله بادر إلى الصلاة. وفي رواية: فزع إلى الصلاة أي لجأ إليها اهـ كرخي.\rقوله: (و قيل الخطاب لليهود) إشارة إلى أنه متصل بما قبله، لأن ما تقدم على الآية وما تأخر عنها خطاب لبني إسرائيل اهـ كرخي.\rقوله: (الشره) أي الحرص، وفي نسخة الشهوة بدل الشره اهـ.\rقوله: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ الجملة حالية أو اعتراضية في آخر الكلام على رأي من يجوزه. قوله:\r(أي الصلاة) هذاهو الظاهر الجاري على قاعدة كون الضمير للأقرب، وقيل للاستعانة المفهومة من استعينوا وقدمه القاضي على ما قبله وقيل للأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إلى قوله وَاسْتَعِينُوا اهـ كرخي.\rقوله: (ثقيلة) أي شاقة كقوله: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه اهـ كرخي. وإنما لم تثقل على الخاشعين ثقلها على غيرهم لأن نفوسهم مرتاضه بأمثالها متوقعة في مقابلتها الثواب الذي يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها، ومن ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «و جعلت قرة عيني في الصلاة» اهـ بيضاوي.\rقوله: إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ. استثناء مفرغ وشرطه أن يسبق بنفي فيؤول الكلام هنا بالنفي. أي وإنها لا تخف ولا تسهل إلا على الخاشعين، والخشوع حضور القلب وسكون الجوارح اهـ شيخنا.\rقوله: (الساكنين) أي المائلين. قوله: (يوقنون) إشارة إلى أن الظن هنا بمعنى اليقين، ومثله أني ظننت أني ملاق حسابيه فاستعمل الظن استعمال اليقين مجازا كما استعمل العلم استعمال الظن، كقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ [الممتحنة: 10] اهـ كرخي.\rقوله: مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي مجتمعون عليه برؤيتهم له أي يوقنون أنهم يرونه، وقوله: (بالبعث) أي بسببه، وهو الإحياء من القبور فهو سبب للرؤية فمفاد هذه الجملة غير مفاد التي بعدها اهـ شيخنا.","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 72\rرَبِّهِمْ بالبعث وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) في الآخرة فيجازيهم.\rيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بالشكر عليها بطاعتي وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ أي آباءكم عَلَى الْعالَمِينَ (47) عالمي زمانهم\rوَاتَّقُوا قوله: (بالبعث) أشار إلى أن لقاء اللّه على الحقيقة ممتنع لكن المجوزون لرؤية اللّه تعالى، كما ورد بها الحديث متواترا فسروا الملاقاة واللقاء بالرؤية مجازا والمانعون لها يفسرونها بما يناسب المقام كلقاء ثوابه أو الجزاء مطلقا أو العلم المحقق الشبيه بالمشاهدة والمعاينة، وعليه يحمل إطلاق الملاقاة على العلم بها الموافق لقراءة ابن مسعود يعلمون بدل يظنون، وقد أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير وترد الملاقاة بمعنى الاجتماع والمصير. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [يونس: 7] أي لا يخافون المصير إلينا وقال: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: 8] أي إنه مجتمع معكم وصائر إليكم اهـ كرخي.\rقوله: (فيجازيهم) يؤخذ منه مع ما قبله جواب سؤال تقديره ما فائدة ذكر الثاني مع أن ما قبله يغني عنه وإيضاحه لا يغني عنه لأن المراد بالأول أنهم ملاقو ثواب ربهم على الصبر والصلاة، والثاني أنهم يوقنون بالبعث وبحصول الثواب على ما ذكر اهـ كرخي.\rقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا كررره للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديد به اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أن وما في حيزها في محل نصب لعطفها على المنصوب في قوله اذكروا نعمتي أي اذكروا نعمتي وتفضيلي آباءكم، والجار متعلق به، وهذا من باب عطف الخاص على العام، والتفضيل الزيادة في الخير وفعله فضل بالفتح يفضل بالضم كقتل يقتل، وأما الذي معناه الفضلة من الشيء وهي البقية ففعله أيضا كما تقدم، ويقال فيه أيضا: فضل بالكسر يفضل بالفتح كعلم يعلم. ومنهم من يكسرها في الماضي ويضمها في المضارع، وهو من التداخل بين اللغتين اهـ سمين.\rقوله: (عالمي زمانهم) يعني لا جميع ما سوى اللّه لئلا يلزم تفضيلهم عن جميع الناس، ولئلا يلزم تفضيلهم على نبينا وأمته صلّى اللّه عليه وسلّم، ووجه ذلك أن العالم اسم لكل موجود سوى البارىء فيحمل على الموجود في زمانهم بالفعل، فلا يتناول من مضى ولا من يوجد بعدهم على أنه لو سلم العموم في العالمين فلا دلالة فيه على التفضيل من كل وجه، فلا ينافي كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110] وإيضا فمعنى تفضيلهم على جميع العوالم أن اللّه تعالى بعث منهم رسلا كثيرة لم يبعثهم من أمه غيرهم، ففضلوا لهذا النوع من التفضيل على سائر الأمم. قاله شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في حاشيته على البيضاوي، ويؤيده أن ما فضلوا به قد ذكر في سورة المائدة وهو خاص بهم، وذلك في قوله تعالى:\rوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [المائدة: 20]. قال الجلال: هناك من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك يعني كتظليل الغمام وقبول توبتهم وغير ذلك من بقية الأمور المذكورة في هذا السياق هنا وهذا كله خاص بهم اهـ.\rقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً يوما مفعول به على حذف المضاف أي اتقوا عظائمه وأهواله وأصله اوتقوا","part":1,"page":72},{"id":74,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 73\rخافوا يَوْماً لا تَجْزِي فيه نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً هو يوم القيامة وَلا يُقْبَلُ بالتاء والياء مِنْها شَفاعَةٌ أي ليس لها شفاعة فتقبل فما لنا من شافعين وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ فداء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) يمنعون من عذاب اللّه\rوَاذكروا وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ أي آباءكم والخطاب به وبما بعده لأنه من الوقاية قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء، كما هو القاعدة اهـ سمين.\rقوله: لا تَجْزِي نَفْسٌ أي لا تغني اهـ من الشارح في آخر ما ننسخ، والجملة في محل نصب صفة ليوما والعائد محذوف والتقدير لا تجزي فيه، ثم حذف الجار والمجرور لأن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها، وهذا مذهب سيبويه. وقيل: إنما حذف الضمير بعد حذف حرف الجر واتصال الضمير بالفعل فصار لا تجزيه فصار الضمير منصوبا، ثم حذف أو عن نفس متعلق بتجزي، فهو في محل نصب به والإجزاء الإغناء والكفاية يقال أجزأني كذا أي كفاني، وكذا الجزاء تقول جزيته وأجزيته بمعنى اهـ سمين.\rوالنفس الأولى هي المؤمنة والثانية هي الكافرة.\rقوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ هذه الجملة عطف على ما قبلها فهي صفة أيضا ليوما، والعائد منها عليه محذوف كما تقدم أي ولا تقبل منها فيه شفاعة. وشفاعة مفعول ما لم يسم فاعله، فلذلك رفعت والضميران في لا يقبل منها ولا يؤخذ منها يعودان على النفس الثانية لأنها أقرب مذكور، ولأجل أن تكون الضمائر الثلاثة على نسق واحد، ويجوز أن يعود الضمير الأول على الأولى وهي النفس الجازية، والثاني على الثانية وهي المجزي عنها وهذاهو المناسب اهـ من السمين.\rوالذي يتبادر من كلام الجلال وهو الاحتمال الأول لأن قوله: (أي ليس لها شفاعة فتقبل) معناه أن النفس الكافرة ليس لها شفاعة أصلا فضلا عن قبولها، ويحتمل أن معناه أن النفس المؤمنة ليس لها شفاعة في الكافرة اهـ.\rقوله: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ العدل بالفتح الفداء، وبالكسر المثل. يقال عدل وعديل وقيل عدل بالفتح المساوي للشيء قيمة وقدرا، وإن لم يكن من جنسه وبالكسر المساوي له في جنسه وجرمه. وحكى الطبري أن من العرب من يكسر الذي بمعنى الفداء، والأول أشهر، وأما العدل واحد الأعدال فهو بالكسر لا غير اهـ سمين.\rقوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على ما قبلها وإنما أتى هنا بالجملة مصدرة بالمبتدأ مخبرا عنه بالمضارع تنبيها على المبالغة والتأكيد في عدم النصرة، والضمير في قوله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعود على النفس لأن المراد بها جنس الأنفس، وإنما عاد الضمير مذكر أو إن كانت النفس مؤنثة لأن المراد بها العباد والاناسي، والنصر العون، والأنصار الأعوان ومنه مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: 52 والصف: 14] والنصر أيضا الانتقام يقال انتصر زيد لنفسه من خصمه أي انتقم منه لها، والنصر أيضا الإتيان يقال: نصرت أرض بني فلان أي أتيتها اهـ سمين.\rقوله: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ شروع في تفصيل نعمة اللّه عليهم. وفصلت بعشرة أمور تنتهي بقوله:","part":1,"page":73},{"id":75,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 74\rللموجودين في زمن نبينا بما أنعم على آبائهم تذكيرا لهم بنعمة اللّه تعالى ليؤمنوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ يذيقونكم سُوءَ الْعَذابِ أشده، والجملة حال من ضمير أنجيناكم يُذَبِّحُونَ بيان لما وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى [البقرة: 60] وآل فرعون أتباعه وأهل دينه، واسمه الوليد بن مصعب بن ريان، وعمره أكثر من أربعمائة سنة وأما موسى عليه السّلام فعاش مائة وعشرين سنة اهـ من الشروح. وأصل الإنجاء والنجاة الإلقاء على نجوة من الأرض وهي المرتفع منها ليسلم من الآفات، ثم أطلق الإنجاء على كل فائز وخارج من ضيق إلى سعة وإن لم يلق على نجوة اهـ سمين.\rقوله: وَ(اذكروا) إِذْ نَجَّيْناكُمْ أفاد به أن في موضع نصب عطفا على اذكروا نعمتى وكذلك الظروف التي بعده، كما أشار إليه فيما يأتي، وقيل: إنها معطوفة على نعمتي أي اذكروا نعمتي وتفضيلي وقت نجيتكم أي آباءكم، وتكون جملة واتقوا يوما اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه تذكيرا لهم بنعمة اللّه على آبائهم لأنهم نجوا بنجاتهم اهـ كرخي. وقوله: وكذلك الظروف التي بعده وهي ستة، وإذا فرقنا، وإذا واعدنا، وإذ آتينا موسى الكتاب، وإذا قال موسى لقومه، وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك، وإذ قلنا ادخلواهذه القرية، فيقدر في الكل اذكروا كذا وكذا، والتقدير الواضح أن يقال يا بني إسرائيل اذكروا إذ نجيناكم، واذكروا إذ فرقنا، واذكروا إذا واعدنا، واذكروا إذ آتينا موسى الكتاب، واذكروا إذ قال موسى لقومه، واذكروا إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك، واذكروا إذ قلنا ادخلوا هذه القرية الخ، وكونها ستة إنما هو بالنظر لظاهر صنيع الجلال حيث قدر في قوله: وإذا استسقى واذكر المتبادر في أنه خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأن تذكير بني إسرائيل قد انقضى وسيأتي هناك الاعتراض على الجلال، وأن الأولى ما سلكه غيره من أن هذا من جملة تذكير بني إسرائيل وأن التقدير فيه واذكروا إذا استسقى الخ وعلى هذا تكون الظروف المتعاطفات هنا أكثر من ستة إذ منها وإذ استسقى وإذ قلتم يا موسى لن نصبر وإذا أخذنا ميثاقكم وإذ قال موسى لقومه إن اللّه يأمركم الخ وكذا ما بعده من الظروف الآتية في الكلام المتعلق ببني إسرائيل، وتقدم أنه ينقضي عند قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ الخ [البقرة: 142] قوله: (و الخطاب به) نبه على أنه لا بد من حذف مضاف كما قدره نحو حملناكم في الجارية أو لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء. قوله: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أتباعه وأهل دينه وخص أل بالإضافة إل أولي القدر والشرف كالأنبياء والملوك، وإنما قيل آل فرعون لتصوره بصورة الأشراف أو لشرفه في قومه عندهم، وفرعون اسم ملك العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، ككسرى وقيصر لملكي الفرس والروم، وعمر فرعون أكثر من أربعمائة سنة وهو الوليد بن مصعب بن ريان كما عليه أكثر المفسرين وهو الأشهر اهـ كرخي.\rقال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير بالعربية، وظاهر كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والعتاة الفراعنة وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة أي دهاء ومكر اهـ سمين.\rقوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ هذه الجملة في محل نصب على الحال من آل أي حال كونهم سائمين، ويجوز أن تكون مستأنفة لمجرد الإخبار بذلك، وتكون حكاية حال ماضية. قال معناه ابن عطية وليس بظاهر، وقيل هي خبر لمبتدأ محذوف أي هم يسومونكم ولا حاجة إليه أيضا، والكاف","part":1,"page":74},{"id":76,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 75\rقبله أَبْناءَكُمْ المولودين وَيَسْتَحْيُونَ يستبقون نِساءَكُمْ لقول بعض الكهنة له إن مولودا مفعول أول، وسوء مفعول ثان لأن سام يتعدى لاثنين كأعطى ومعناه أولاه كذا، وألزمه إياه كلفه إياه.\rقال الزمخشري: وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغون أي يطلبون لكم سوء العذاب، وقيل: أصل السوم الدوام. ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي، والمعنى يديمون تعذيبكم، وسوء العذاب أشده وأفظعه وإن كان كله سيئا لأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره، والسوء كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي أو أخروي، وهو في الأصل مصدر ويؤنث بالألف، قال تعالى: أَساؤُا السُّواى [الروم:\r10] اهـ سمين.\rقال وهب بن منبه: كان بنو إسرائيل أصنافا في أعمال فرعون، فالقوي يقطع الحجر من الجبال هذا صنف، وصنف ينقل الحجارة والطين لبناء قصوره، وصنف يضرب اللبن ويطبخ الآجر، وصنف نجار، وآخر حداد، والضعفاء منهم يضرب عليهم الجزية، والنساء يغزلن الكتان وينسجنه، فقول الجلال بيان لما قبله يعني بعض بيان.\rقوله: (أشده) أي أفظعه وأقبحه، وإن كان كله شيئا لأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره، وهذا جواب سؤال وهو أن العذاب كله سوء، فما معنى قوله: سوء العذاب؟ فأجاب بأنه أشده كرخي.\rقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ فذبحوا منهم اثني عشر ألفا. وقيل: سبعين ألفا اهـ من الخازن.\rقوله: (بيان لما قبله) أي بيان معنوي أي تفسير لا بيان نحوي لأن عطف البيان لا يكون في الأفعال ولا في الجمل على ما أطلقه ابن هشام كغيره، وجوز في ذلك أن يكون حالا أو استئنافا أو بدلا، واستشكل كونه بيانا وتفسيرا ليسومونكم بعطفه عليه في سورة إبراهيم، والعطف يقتضي المغايرة. وأجيب بأن ما هنا من كلام اللّه فوقع تفسيرا لما قبله وما هناك من كلام موسى، وكان مأمورا بتعداد المحن في قوله: وذكرهم بأيام اللّه فعدد المحن عليهم فناسب ذكر العاطف. وأجيب أيضا بأن ما هنا تفسير لصفات العذاب وما هناك مبين أنه قد متسهم عذاب غير الذبح اهـ كرخي.\rقوله: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ عطف على ما قبله وأصله يستحييون بياءين الأولى عين الكلمة، والثانية لامها، فقيل حذفت الأولى فصار وزنه يستفلون وقيل الثانية فصار وزنه يستفعون وطريق الحذف على الأول أن يقال استثقلت الكسرة على الياء الأولى، فحذفت فالتقى ساكنان الياء الأولى مع الحاء فحذفت الياء وطريق الحذف على الثاني أن يقال حذفت الياء الثانية اعتباطا وتخفيفا، ثم ضمت الأولى لمناسبة الواو، والمراد بالنساء الأطفال، وإنما عبر عنهن بالنساء لمآلهن إلى ذلك، وقيل:\rالمراد غير الأطفال، كما قيل في الأبناء ولام النساء الظاهر أنها منقلبة واوا لظهورها في مرادفه، وهو نسوة ونسوان. قال أبو البقاء: وهل نساء جمع نسوة أو جمع امرأة؟ من حيث المعنى قولان اهـ من السمين.\rقوله: (لقول بعض الكهنة) أي في جواب سؤاله لما سألهم عما رآه في النوم وهو أن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل، فشق عليه ذلك وسأل الكهنة عن هذه لرؤيا فقالوا له ما ذكر، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل حتى قتل","part":1,"page":75},{"id":77,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 76\rيولد في بني إسرائيل يكون سببا لذهاب ملكك وَفِي ذلِكُمْ العذاب أو الإنجاء بَلاءٌ ابتلاء أو إنعام مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) اذكروا\rوَإِذْ فَرَقْنا فلقنا بِكُمُ بسببكم الْبَحْرَ حتى دخلتموه هاربين من عدوكم فَأَنْجَيْناكُمْ من الغرق وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ قومه معه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) من أولادهم اثني عشر ألفا، وأسرع الموت في شيوخهم فجاء رؤساء القبط إلى فرعوه، وقالوا له: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل تذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هرون في السنة التي لا يذبح فيها، وولد موسى في السنة التي فيها الذبح اهـ من الخازن.\rقوله: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ الجار خبر مقدم وبلاء مبتدأ مؤخر ولامه واو لظهورها في الفعل نحو بلوته أبلوه ولنبلونكم، فأبدلت همزة، والبلاء يكون في الخير والشر.\rقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً لأن الابتلاء امتحان فيمتحن اللّه تعالى عبده بالخير ليشكروا وبالشر ليصبروا. وقال ابن كيسان: أبلاه وبلاه في الخير والشر، وقيل الأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته وفي الاختبار ابتليته وبلونه. قال النحاس: فاسم الإشارة من قوله وفي ذلكم يجوز أن يكون إشارة إلى الإنجاء وهو خير محبوب، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذبح وهو شر مكروه. قال الزمخشري: والبلاء المحنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون والنعمة أن أشير به إلى الإنجاء وهو حسن، وقال ابن عطية ذلك إشارة إلى مجموع الامرين من الإنجاء والذبح اهـ سمين.\rقوله: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ الفرق والفلق واحد وهو الفصل والتمييز، ومنه قوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [الإسراء: 106] أي فصلناه وميزناه بالبيان اهـ سمين.\rوفي المصباح: فرقت بين الشيئين فرقا من باب قتل فصلت أبعاضه، وفرقت بين الحق والباطل فصلت أيضا هذه هي اللغة العالية، وفي لغة من باب ضرب اهـ وفيه فلقته فلقا من باب ضرب شققته فانفلق اهـ.\rقوله: (بسبيكم) أي لأجلكم أي لأجل أن يتيسر لكم سلوكه. قوله: الْبَحْرَ في القاموس البحر الماء الكثير أو الملح والجمع بحور وبحار وأبحر اهـ.\rقوله: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ الغرق الرسوب في الماء وتجوز به عن المداخلة في الشيء تقول:\rغرق فلان في اللهو فهو غرق اهـ سمين.\r(قومه معه) يعني أنه كنى بآل فرعون عن فرعون وآله، كما يقال بنو هاشم، وقال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70] يعني هذا الجنس الشامل لآدم اهـ شهاب.\rفائدة: كان بنو إسرائيل في ذلك الوقت ستمائة وعشرين ألفا ليس منهم ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة، مع أن بين يعقوب وموسى أربعمائة سنة، فانظر كيف تناسلوا وكثروا في هذه المدة هذه الكثرة بقطع النظر عمن مات وعمن ذبحه فرعون، وكان آل فرعون إذ ذاك ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفا","part":1,"page":76},{"id":78,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 77\rإلى انطباق البحر عليهم\rوَإِذْ واعَدْنا بألف ودونها مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً نعطيه عند انقضائها التوراة لتعملوا بها ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الذي صاغه لكم السامري إلها مِنْ بَعْدِهِ أي بعد ذهابه إلى من دهم الخيل اهـ من الخازن.\rقوله: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى الخ عبارة البيضاوي: لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وعد اللّه تعالى موسى أن يعطيه التوراة، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبّر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور، وقرى ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: واعدنا، لأنه تعالى وعده إعطاء التوراة، ووعده موسى المجيء للميقات إلى الطور اهـ.\rوقوله: وضرب له ميقاتا الخ أي أمره أن يجيء إلى الطور ويصوم فيه ذا القعدة وعشر ذي الحجة، فذهب واستخلف هرون على بني إسرائيل، ومكث في الطور أربعين ليلة، وأنزلت عليه التوراة في ألواح من زبرجد، وكانت المواعدة ثلاثين ليلة، ثم تمت بعشر كما في صورة الأعراف اهـ شهاب.\rوموسى؛ اسم أعجمي غير منصرف وهو في الأصل مركب، والأصل موشى بالشين لأن الماء بالعبرانية يقال له مو والشجر يقال له شا، فعربته العرب وقالوا موسى. قالوا: وقد أخذه فرعون من الماء بين الأشجار لما وضعته أمه في الصندوق كما سيأتي في سورة القصص، واختلافهم في موسى هل هو مشتق من أوسيت رأسه إذا حلقته فهو موسى كأعطيته فهو معطى أو هو فعلى مشتق من ماس يميس أي تبختر في مشيته وتحرك، فقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها كموقن من اليقين إنما هو في موسى الحديد التي هي آلة الحلق لأنها تتحرك وتضطرب عند الحلق بها وليس لموسى اسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اشتقاق لأنه أعجمي. وقوله: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مفعول ثان، ولا بد من حذف مضاف أي تمام أربعين، ولا يجوز أن ينتصب على الظرف لفساد المعنى، وعلامة نصبه الياء لأنه جار مجرى المذكر السالم وهو في الأصل مفردا اسم جمع سمي به هذا العقد من العدد، ولذلك أعربه بعضهم بالحركات اهـ سمين.\rقوله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ اتخذ: يتعدى لاثنين والمعفول الثاني محذوف أي اتخذتم العجل إلها، وقد يتعدى لمفعول واحد إذا كان معناه عمل، وجعل نحو: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة:\r116] وقال بعضهم: تخذ واتخذ يتعديان لاثنين ما لم يفهما كسبا فيتعديا لواحد. واختلف في اتخذ فقيل هو افتعل من الأخذ والأصل أأتخذ بهمزتين الأولى همزة وصل والثانية فاء الكلمة، فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة فوجب قلبها ياء فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال فأبدلت تاء وأدغمت في تاء الافتعال اهـ سمين.\rوفي المصباح: والاتخاذ افتعال من الأخذ ويستعمل بمعنى جعل، ولما كثر استعماله توهموا أصالة التاء فبنوا منه وقالوا: تخذ يتخذ من باب تعب تخذا بفتح الخاء وسكونها، وتخذته صديقا جعلته وتخذت مالا كسبته اهـ.\rقوله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ والذي عبده منهم ثمانية آلاف، وقيل كلهم إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح اهـ من الخازن.\rقوله: (السامري) واسمه موسى، وكان من بني إسرائيل وكان منافقا اهـ.","part":1,"page":77},{"id":79,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 78\rميعادنا وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها\rثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ محونا ذنوبكم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الاتخاذ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) نعمتنا عليكم\rوَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَالْفُرْقانَ عطف تفسير أي الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) به من الضلال\rوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الذين عبدوا العجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلها فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ خالقكم من عبادته فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي ليقتل قوله: (محونا ذنوبكم) أي بعد شرككم لما تبتم فعفو اللّه تعالى معناه محو الذنوب عن العبيد، والمراد بالعفو ههنا قبوله التوبة من عبدة العجل، وأمره برفع السيف عنهم والفرق بين العفو والمغفرة أن العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة فيجتمع معها، وأما الغفران فلا يكون مع عقوبة وهو من الأضداد يقال: عفت الريح الأثر أي أذهبته، وعفا الشيء أي كثر ومنه حتى عفوا اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لعل تعليلية. أي لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة اهـ أبو السعود.\rقوله: (عطف تفسير) فيه إشارة إلى أنه من باب عطف الصفات المشروط فيها أن تكون مختلفة المعاني كما قاله في الكشاف أي الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا، فدخلت الواو بين الصفتين للاعلام باستقلال كل منهما اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لعل تعليلية. أي لكي تهتدوا للتدبر فيه والعلم بما يحويه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ هذا شروع في بيان وقوع كيفية العفو المذكور اهـ أبو السعود.\rقوله: يا قَوْمِ القوم اسم جمع لأنه دال على أكثر من اثنين وليس له واحد من لفظه ومفرده رجل واشتقاقه من قام بالأمر يقوم به. قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [النساء: 34] والأصل إطلاقه على الرجال، ولذلك قوبل النساء في قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [الحجرات: 11] وأما قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ [الشعراء: 105] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ [الشعراء: 160] والمكذبون رجال ونساء، فإنما من باب التغليب، ولا يجوز أن يطلق على النساء وحدهن البتة، وإن كانت عبارة بعضهم توهم ذلك اهـ سمين.\rقوله: (إلها) مفعول ثان، والمصدر هنا مضاف للفاعل وهو أحسن الوجهين، فإن المصدر إذا اجتمع فاعله ومفعوله فالأولى إضافته إلى الفاعل لأن رتبته التقديم اهـ كرخي.\rقوله: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ قيل: معناه فاعزموا وصمموا على التوبة ويكون قوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بيانا لنفس التوبة، وقيل معناه فحققوا التوبة وأوجدوها، وهذا فيه إجمال فيكون قوله فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ تفصيلا وبيانا لإجماله يرجع في المعنى إلى أن العطف للتفسير اهـ.\rقوله: إِلى بارِئِكُمْ البارىء هو الخالق يقال برأ اللّه الخلق أي خلقهم، وقد فرق بعضهم بين البارىء والخالق بأن البارىء هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال، وأصل","part":1,"page":78},{"id":80,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 79\rالبريء منكم المجرم ذلِكُمْ القتل خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابة سوداء لئلا يبصر بعضكم بعضا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفا فَتابَ عَلَيْكُمْ هذه المادة أي مادة وبرىء يدل على انفصال شيء عن شيء وتميزة عنه يقال برىء المريض من مرضه إذا زال عنه المرض وانفصل وبرىء المدين من دينه إذا زال عنه الدين وسقط عنه، ومنه البارىء، في أوصاف اللّه تعالى لأن معناه الذي أخرج الخلق من العدم وفصلهم عنه إلى الوجود، ومنه البرية أي الخليقة لانفصالهم من العدم إلى الوجود اهـ من السمين.\rوفي المختار أن برىء المريض من بابي سلم وقطع، وإن برأ اللّه الخلق من باب قطع لا غير اهـ.\rقوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي سلموها للقتل وارضوا به، فليس المراد به ظاهره من الأمر بقتل الإنسان لنفسه، لأن هذا لم يقل به أحد ولم يفعله أحد من بني إسرائيل فقول الجلال أي ليقتل البريء منكم المجرم تفسير للمعنى بحسب المآل.\rقوله: (أي ليقتل البريء منكم) قد عرفت أنهم كانوا اثني عشر ألفا فلما أمر موسى المجرمين بالقتل قالوا نصبر لأمر اللّه فجلسوا محتبين، وقال لهم: من حل حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، فأخرجت الخناجر والسيوف وأقبلوا عليهم للقتل، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له ولا يمكنه أن يقتله، فقالوا: يا موسى كيف نفعل، فأرسل اللّه عليهم سحابة سوداء تغشي الأرض كالدخان لئلا يعرف القاتل المقتول، فشرعوا يقتلون من الغداة إلى العشي حتى قتلوا سبعين ألفا، واشتد الكرب فبكى موسى وهارون فتضرعا إلى اللّه تعالى فانكشفت السحابة ونزلت التوبة، وأوحى اللّه إلى موسى أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مغفورا له خطيئته اهـ من الخازن.\rقوله: ذلِكُمْ (القتل) يعني أن الإشارة إلى المصدر المفهوم من فاقتلوا، ومقتضاه أن فاتقلوا أنفسكم تفسير للتوبة، وجرى عليه قوم ولا يلزم منه تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر من جهة الإجمال وغيره من جهة التفصيل وحينئذ فتسمى هذه الفاء فاء التفسير وفاء التفصيل لما في مضمونها من بيان الاجمال فيما قبلها اهـ كرخي.\rقوله: (فوفقكم لفعل ذلك) أي للقتل بأن رضي المجرمون واستسلموا وامتثل البريئون وقتلوا، وأشار المفسر بهذا إلى أن قوله تعالى فَتابَ عَلَيْكُمْ معطوف على مقدر، وعلى هذا يكون قوله فتاب عليكم من كلام اللّه تعالى خاطبهم به على طريق الالتفات من التكلم الذي يقتضيه السياق إلى الغيبة، إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال فوفقتكم فتبت عليكم، وعبارة أبي السعود قوله: فتاب عليكم وعطف على محذوف على أنه خطاب من اللّه سبحانه على سبيل الالتفات من التكلم الذي يقتضيه سياق النظم الكريم، وسياقه فإن مبنى الجميع على التكلم إلى الغيبة، وجوز بعضهم أن يكون فَتابَ عَلَيْكُمْ من جملة كلام موسى لقومه وأنه جواب لشرط محذوف تقديره: إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزل من اللياقة بجلالة شأن التنزيل لأنه على هذا يكون حكاية لوعد موسى عليه السّلام قومه بقبول توبتهم وقد عرفت أن الآية الكريمة تفصيل لكيفية القبول المحكي فيما قبل وأن المراد تذكير","part":1,"page":79},{"id":81,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 80\rقبل توبتكم إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)\rوَإِذْ قُلْتُمْ وقد خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى اللّه من عبادة العجل وسمعتم كلامه يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً عيانا فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ الصيحة فمتم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ما حلّ بكم\rثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ المخاطبين بتلك النعمة اهـ.\rقوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ أي قبل توبة من قتل منكم وغفر لمن لم يقتل من بقية المجرمين، وعفا عنهم من غير قتل. قوله: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تعليل لما قبله أي الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ في قبولها منهم وفي الأنعام عليهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى الخ قد عرفت أن هذا معطوف على الظروف المتقدمة، وأن التقدير فيه واذكروا إذ قلتم يا موسى الخ. والقائلون هذا القول سبعون رجلا من خيارهم، كما قال تعالى:\rوَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا [الأعراف: 155] الآية، وذلك أن اللّه أمر موسى أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا وخرج بهم إلى طور سيناء، فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا فأسمعهم اللّه أني أنا اللّه لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري اهـ من الخازن.\rوهؤلاء السبعون ممن لم يعبدوا العجل ذهبوا للاعتذار عن قومهم الذين عبدوه، وعبارة الجلال في سورة الأعراف، واختار موسى قومه أي من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل بأمره تعالى لميقاتنا أي للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل فخرج بهم، فلما أخذتم الرجفة الزلزلة الشديدة. قال ابن عباس: لأنهم لم يزايلوا أي لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل. قال: وهم غير الذين سألوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة، انتهت.\rقوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لن نصدق لك بأن ما نسمعه كلام اللّه اهـ كرخي.\rوأورد عليه أن الإيمان إنما يعدى بنفسه أو بالباء لا باللام. وأجيب؛ بأن اللام للتعليل لا التعدية أي لن نؤمن لأجل قولك، أو بأن نؤمن ضمن معنى نقر والمؤمن به إعطاء اللّه إياه التوراة أو تكليمه إياه أو أنه نبي، أو أنه تعالى جعل توبتهم بقتلهم أنفسهم اهـ من أبي السعود.\rقوله: (عيانا) أشار به إلى أن جهرة مفعول مطلق لأنها نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله في المعنى. قوله: (الصيحة) وهي صوت هائل سمعوه من جهة السماء، وقيل: الصاعقة التي أخذتهم نار نزلت من السماء فأحرقتهم، وسيأتي في الأعراف أنهم ماتوا بالرجفة أي الزلزلة، ويمكن الجمع بأنهم حصل لهم الجميع، تأمل. قوله: (فمتم) أي موتا حقيقيا. قوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت وكيف يحيا فمكثوا ميتين يوما وليلة اهـ شيخنا.\rقوله: (أحييناكم) أي لأنهم لما ماتوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول يا رب إنهم قد خرجوا معي وهم أحياء لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم اللّه تعالى رجلا بعد رجل بعدما مكثوا ميتين يوما وليلة، وذلك لإظهار آثار القدرة وليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، ولو","part":1,"page":80},{"id":82,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 81\rتَشْكُرُونَ (56) نعمتنا بذلك\rوَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في ماتوا بآجالهم لم يحيوا إلى يوم القيامة اهـ كرخي.\rقوله: (نعمتنا بذلك) أي إنعامنا بذلك أي بالبعث بعد الموت اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالسحاب الرقيق) وكان يسير بسيرهم وكانوا يسيرون ليلا ونهارا وينزل عليهم بالليل عمود من نور يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى اهـ أبو السعود.\rقوله: (في التيه) وهو واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج منه، وسبب ذلك مخالفتهم أمر اللّه تعالى بقتال الجبارين الذين كانوا بالشام حيث امتنعوا من القتال، وقالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: 24] كما سيأتي بسطه في سورة المائدة في قوله تعالى: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة: 21] الآيات، وكان عدد بني إسرائيل الذين تاهوا فيه ستمائة ألف وماتوا كلهم في التيه إلا من لم يبلغ العشرين، ومات فيه موسى وهارون وكان موت موسى بعد موت هارون بسنة، ونبيء يوشع وأمر بقتال الجبارين فسار بمن معه من بني إسرائيل فقاتلهم اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود في سورة المائدة قيل: كان طول الوادي الذي تاهوا فيه تسعين فرسخا وقيل:\rتاهوا في ستة فراسخ أو تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا، وقيل: في ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا، انتهت.\rوعبارة الخطيب هناك قال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موسى وكانا خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا: قتله لحبنا إياه وكان محببا في بني إسرائيل، فتضرع موسى إلى ربه فأوحى اللّه تعالى إليه أن انطلق بهم إلى هارون فإني باعثه، فانطلق بهم إلى قبره فناداه يا هرون فخرج من قبره ينفض رأسه. قال: أنا قتلتك؟ قال: لا، ولكن مت. قال:\rفعد إلى مضجعك وانصرفوا، وعاش موسى صلّى اللّه عليه وسلّم بعده سنة.\rروي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فقال ملك الموت: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال: فرد اللّه تعالى عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل له الحياة تريد، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بعدده سنين. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تموت. قال: الآن من قريب. قال: رب أدنني من الأرض المقدسة رمية حجر». قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر».\rقال وهب: خرج موسى ليقضي حاجة. فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا أحسن منه، ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة اللّه لمن تحفرون هذا القبر؟\rفقالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبد لمن اللّه بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعا، فقالت الملائكة: يا صفي اللّه أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فانزل فاضجطع فيه وتوجه إلى ربك. قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل نفس فقبض اللّه تعالى روحه، ثم سوت عليه","part":1,"page":81},{"id":83,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 82\rالتيه وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ فيه الْمَنَّ وَالسَّلْوى هما الترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر وقلنا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ولا تدخروا فكفروا النعمة وادخروا فقطع عنهم وَما ظَلَمُونا بذلك وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) لأن وباله عليهم\rوَإِذْ قُلْنَا لهم بعد خروجهم من التيه الملائكة وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض اللّه تعالى روحه. قوله: الْمَنَّ وَالسَّلْوى كان المن ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع وتبعث الجنوب عليهم السماني فيذبح الرجل منه ما يكفيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (و الطير السماني) أي المعروف بعينه أو يشبه السماني، وقدم عليه المن مع أنه غذاء والمن حلوى، والعادة تقديم الغذاء على الحلوى، لأن نزول المن من السماء أمر مخالف للعادة فقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة اهـ كرخي.\rوفي الخطيب في سورة الأعراف قال ابن يحيى: السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية، يموت إذا سمع صوت الرعد، كما أن الخطاف يقتله البرد فيلهمه اللّه تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض اهـ.\rقوله: (و قلنا) كُلُوا فيه إشارة إلى أنه على إرادة القول، وأن فيه اختصارا اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ طَيِّباتِ أي مستلذات ما رزقناكم يجوز في ما أن تكون بمعنى الذي وما بعدها صلة لها، والعائد محذوف أي رزقناكموه، وأن تكون نكرة موصوفة فالجملة لا محل لها على الأول، ومحلها الجر على الثاني، والكلام في العائد كما تقدم، وأن تكون مصدرية والجملة صلتها ولم يحتج إلى عائد على ما عرف قبل ذلك، ويكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول أي من طيبات مرزوقنا اهـ سمين.\rقوله: (فقطع عنهم) أي ردوه وفسد ما ادخروه اهـ خطيب، وانظر بأي شيء كانوا يقتاتون بعد انقطاعه عنهم، وهذا بظاهره يخالف ما يأتي في قوله: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [البقرة: 61] الآية لاقتضاء ذلك أنهم سئموه مع بقائه فليحرر. قوله: وَما ظَلَمُونا كلام عدل له عن نهج الخطاب السابق للإيذان باقتضاء جنايات المخاطبين للاعراض عنهم وتعداد قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة معطوفة على مضمر قد حذف للإيجاز والاشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا أنفسهم بأن كفروا تلك النعمة الجليلة وَما ظَلَمُونا (بذلك) وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفران إذ لا يتخطاهم ضرره وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق وفيه ضرب تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر اهـ أبو السعود.\rإن قلت: ما الحكمة في ذكر كانواهنا وفي الأعراف وحذفها في آل عمران؟ فالجواب أن ما في السورتين إخبار عن قوم انقرضوا وما في آل عمران مثل منبه عليه بقوله مثل ما ينفقون الخ اهـ كرخي.\rقوله: (بذلك) أي بفعل شيء مما قابلوا فيه الإحسان بالكفران اهـ خطيب في سورة الأعراف.","part":1,"page":82},{"id":84,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 83\rادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس أو أريحا فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا لا حجر فيه وَادْخُلُوا الْبابَ أي بابها سُجَّداً منحنين وَقُولُوا مسألتنا حِطَّةٌ أي أن تحط عنا خطايانا نَغْفِرْ وفي براءة بالياء والتاء مبنيا للمفعول فيهما لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) بالطاعة قوله: (لأن وباله عليهم) وهو نقص أنفسهم حظها من نعيم الآخرة اهـ كرخي.\rقوله: هذِهِ الْقَرْيَةَ هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، والقرية نعت لهذه أو عطف بيان، والقرية مشتقة من قريب أي جمعت لجمعها لأهلها. تقول: قريت الماء في الحوض أي جمعته، واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف، والقرية في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، قد تطلق عليهم مجازا وقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يحتمل الوجهين اهـ سمين.\rقوله: (بيت المقدس) هو قول مجاهد، وقوله: (أو أريحا) هو قول ابن عباس وهي بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة قرية بالغور قريبة من بيت المقدس قاله ابن الأثير، وجزم القاضي وغيره بالأول، ورجح الثاني بأن الباء في فبدل تقتضي التعقيب فيكون واقعا عقب هذا الأمر في حياة موسى عليه السّلام، وموسى توفي في التيه ولم يدخل بيت المقدس: قاله الرازي اهـ كرخي.\rوفي القاموس: الغور بغين معجمة مكان منخفض بين القدس وحوران مسيرة ثلاثة أيام في عرض فرسخ، وعبارة الخازن: قال ابن عباس: القرية هي أريحا قرية الجبارين. قيل، كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة، ورأسهم عوج بن عنق، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون لأنه الذي فتح أريحا بعد موسى لأن موسى مات في التيه، وقيل هي بيت المقدس، وعلى هذا فيكون القائل موسى، والمعنى: إذا خرجتم بعد مضي الأربعين سنة فادخلوا بيت المقدس اهـ.\rوقوله: لأنه الذي فتح أريحا بعد موسى الخ يخالفه ما ذكره البيضاوي في سورة المائدة، ومثله أبو السعود. ونص الأول روي أن موسى عليه السّلام سار بعد انقضاء الأربعين سنة بمن بقي من بني إسرائيل ففتح أريحا، وأقام فيها ما شاء اللّه تعالى، ثم قبض فيها. وقيل إنه قبض في التيه، ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي، وأن اللّه تعالى أمره بقتال الجبابرة فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة، وصار الشام كله لبني إسرائيل اهـ.\rقوله: وَادْخُلُوا الْبابَ من قال إن القرية أريحا قال: المعنى ادخلوا من أي باب كان من أبوابها، وكان لها سبعة أبواب. ومن قال: إن القرية هي بيت المقدس، قال: المعنى من باب هو باب حطة اهـ خازن.\rقوله: (منحنين) أشار إلى أن سجدا نصبه على الحال أي متواضعين اهـ كرخي.\rوعبارة الخازن سجدا منحنين متواضعين كالراكع، ولم يرد به نفس السجود. انتهت.\rقوله: (مسألتنا) أي الذي نسأله حطة، والحطة في الأصل اسم للهيئة من الحط كالجلسة والقعدة وقيل: هي لفظة أمروا بها ولا يدري معناها، وقيل هي التوبة اهـ سمين.\rقوله: خَطاياكُمْ جمع خطيئة وأصله خطايىء بياء قبل الهمزة، تلك الياء همزة مكسورة","part":1,"page":83},{"id":85,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 84\rثوابا\rفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح شأنهم رِجْزاً عذابا طاعونا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) بسبب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة فهلك منهم في ساعة سبعون ألفا أو أقل\rوَاذكر* وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى أي طلب السقيا فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل من نفسه وهو الهمزة الأولى، فقلبت فتحة ثم يقال تحركت الياء التي بعد الهمزة وانفتح ما قبلها وهو الهمزة فقلبت ألفا على القاعدة، فصار خطاءا بألفين بينهما همزة، فاستثقل ذلك لأن الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات متواليات فقلبت الهمزة ياء للخفة فصار خطايا بوزن فعالى، ففيه خمسة أعمال قلب الياء التي قبل الهمزة همزة، ثم قلب الثانية ياء، ثم قلب كسرة الأولى فتحة، ثم قلب الثانية ألفا، ثم قلب الأولى ياء تأمل. قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا أي وبدلوا الفعل أيضا بدليل قوله: قوله: (و دخلوا يزحفون الخ) اهـ.\rقوله: (فقالوا حبة في شعرة)، وفي رواية في شعيرة. وقالوا ذلك استهزاء بدل قوله حطة فغيروا القول بقول آخر. وقوله: (و دخلوا يزحفون الخ) أي على سبيل الاستهزاء بدل دخول الباب سجدا فغيروا الفعل بفعل آخر قبيح. وقوله: (على أستاههم) جمع سته وهو الدبر. وفي المصباح: الاست العجيزة، ويراد به حلقة الدبر، والأصل سته بالتحريك، ولهذا يجمع على أستاه مثل سبب وأسباب ويصغر على ستيهة، وقد يقال سه بالهاء وست بالتاء فيعرب إعراب يدوم، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء على قياس هاء التأنيث اهـ.\rقوله: (مبالغة في تقبيح شأنهم) أشار به إلى أن وضع الظاهر موضع الضمير يكون لفوائد، ويقدر في كل محل بما يناسبه تعظيما كقوله: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ [المجادلة: 22] أو تحقيرا كقوله: أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ [المجادلة: 19] أو إزالة لبس أو غير ذلك كما هو مبسوط في الاتقاء في علوم القرآن للشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: (طاعونا) من المعلوم أنه ضرب الجن للإنس فهو أرضي لا سماوي، وإنما قيل فيه من السماء من حيث إن تقديره، والفضاء به يقع فيها كسائر التقديرات. قوله: (بسبب فسقهم) أشار به إلى أن الياء سببية، وما مصدرية. وهو الظاهر وقال في سورة الأعراف يَظْلِمُونَ [الأعراف: 9] تنبيها على أنهم جامعون بين هذين الوصفين القبيحين، كما أشار إليه الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: (فهلك منهم الخ) أي في القرية التي دخلوها، فهذا الوباء غير الذي حل بهم في التية اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذِ اسْتَسْقى الخ هذا التقدير يقتضي أن الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويبعده سياق الكلام، فإنه كله في تذكير بني إسرائيل، فكان الأولى أن يقول: واذكروا إذ استسقى، ولذلك قال أبو السعود: هذا تذكير لنعمة أخرى كفروها اهـ.\rقوله: (طلب السقيا) أي على وجه الدعاء، أي سأل لهم السقيا، فالسين للطلب، وهذا أحد","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 85\rلِقَوْمِهِ وقد عطشوا في التيه فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وهو الذي فرّ بثوبه خفيف مربع كرأس الرجل رخام أو كذان فضربه فَانْفَجَرَتْ انشقت وسالت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً بعدد الأسباط قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ سبط منهم مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم فلا يشركهم فيه غيرهم معاني استفعل، وألفه منقلبة عن ياء، لأنه من السقي، ومفعوله وهو المستسقى منه محذوف اهـ كرخي. والسقيا: بالضم اه، اسم مصدر بمعنى تحصيل الماء، وفي المختار وسقاه اللّه الغيث وأسقاء، والاسم السقيا بالضم اهـ.\rقوله: (و قد عطشوا في التيه) يشير بهذه الجملة الحالية إلى أن الكلام رجع إلى قصة موسى، حيث كانوا في التيه، وأصابهم العطش اهـ كرخي.\rوقوله: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها لموسى.\rقوله: الْحَجَرَ قال أبو وهب: لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب إي حجر كان فينفجر عيونا، وقيل: كان حجرا معينا كان موسى يضعه في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه فينفجر الماء، فإذا أخذوا كفايتهم منه ضربه فيمسك الماء. وقوله: (و هو الذي فر بثوبه) فلما فر به أتاه جبريل وقال: إن اللّه يأمرك أن ترفع هذا الحجر معك فوضعه في مخلاته، فلما سألوه السقيا ضربه اهـ من الخازن.\rقوله: (و هو الذي فر) أي هرب، وقوله: (مربع) أي له أربعة أوجه أي جوانب، وكان ذراعا في ذراع اهـ.\rقوله: (و كذان) في القاموس الكذان ككتان حجارة رخوة كالمدر اهـ.\rوذكر في المصباح في مادة الكاف مع الذال المعجمة أن كذانا بالفتح والتثقيل الحجر الرخو كأنه مدر الواحدة كذانة اهـ.\rقوله: (فضربه) أشار به إلى أن قوله فانفجرت جملة معطوفة بالفاء الفصيحة على جملة أي، فامتثل الأمر فضربه ويدل عليها وجود الانفجاء مرتبا على ضربه، إذ لو كان ينفجر بدون ضرب لم يكن للأمر فائدة اهـ كرخي.\rوالانفجار: الانشقاق والتفتح، ومنه الفجر لانشقاقه بالضوء، وفي الأعراف: فانبجست. فقيل:\rهما بمعنى، وقيل: الانبجاس أضيق لأنه يكون ترشحا في الأول، والانفجار ثانيا اهـ سمين.\rقوله: اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً كل عين تسيل في قناة إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا، وكان الحجر أهبطه اللّه مع آدم من الجنة ووصل لشعيب فأعطاه لموسى. وقوله: (بعدد الأسباط) أي القبائل وسبب تفرقهم اثني عشر أن أولاد يعقوب كانوا كذلك، فكل سبط ينتمي لواحد منهم اهـ شيخنا.\rقوله: مَشْرَبَهُمْ مفعول لعلم بمعنى عرف، والمشرب هنا موضع الشرب، لأنه روي أنه كان","part":1,"page":85},{"id":87,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 86\rوقلنا لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) حال مؤكدة لعاملها من عثي بكسر المثلثة أفسد\rوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ أي نوع منه واحِدٍ وهو المن والسلوى فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا شيئا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ للبيان بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها حنطتها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ لهم موسى أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى أخس بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أشرف لكل سبط عين من اثنتي عشرة عينا لا يشركه فيها غيره، وقيل: هو نفس المشروب فيكون مصدرا واقعا موقع المفعول به اهـ سمين.\rقوله: مِنْ رِزْقِ اللَّهِ من للابتداء أو التبعيض، ولما كان من غير تعب أضيف إلى اللّه ومن متعلقة بكلوا واشربوا من باب التنازع على إعمال الثاني، كما هو مذهب البصريين، والرزق هو المن والسلوى، والمشروب هو ماء العيون اهـ كرخي.\rقوله: (حال مؤكدة لعاملها) أي لأن معناها قد فهم من عاملها وحسن ذلك اختلاف اللفظين كما في قوله: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: 25] اهـ كرخي.\rقوله: (من عثى) في المصباح عثا يعثو وعثي يعثى من بابي قال وتعب أفسد فهو عاث اهـ.\rقوله: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى معمول لمحذوف. تقديره واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلتم أي قال أسلافكم لن نصبر الخ، وعبارة أبي مسعود: هذا تذكير لجناية أخرى صدرت من أسلافهم، وإسناد القول المذكور إلى فروعهم وتوجيه التوبيخ إليهما لما بينهم وبين أصولهم من الاتحاد اهـ.\rقوله: (أي نوع منه) جواب عما يقال إن الطعام كان قسمين فكيف وصفه بالوحدة. وحاصله؛ أنه وصف بها باعتبار كونه نوعا واحدا داخلا تحت جنس الطعام ونوعيته باعتبار أنه مستلذ جدا على خلف العادة ونوعيته بهذا الاعتبار لا تنافي أن له فردين اهـ شخينا.\rقوله: (شيئا) مفعول يخرج ولا يجوز جعل ما مصدرية، لأن المفعول المحذوف لا يوصف بالإنبات لأن الإنبات مصدر والمخرج جوهر اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ بَقْلِها يجوز فيها وجهان. أحدهما: أن يكون بدلا من ما بإعادة العامل ومن لبيان الجنس، والثاني أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير المحذوف العائد على ما أي مما تنبته الأرض في حال كونه من بقلها، ومن أيضا للبيان، والبقل كل ما تنبته الأرض من النجم أي مما لا ساق له، وجمعه بقول. والقثاء: معروف الواحدة قثاءة وفيها لغتان المشهور منها كسر القاف، وقرئ بضمها والهمزة أصل بنفسها لثبوتها في قولهم أقثأت الأرض أي كثر قثاؤها ووزنها فعال اهـ سمين.\rقوله: (حنطتها) في المصباح الفوم الثوم ويقال الحنطة، وفسر قوله تعالى وَفُومِها بالقولين اهـ. وفي السمين والثاء المثلثة وتقلب فاء ولكنه غير قياس اهـ.\rقوله: (قال لهم موسى) أي أو اللّه تعالى وقدمه القاضي على ما قبله اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِي هُوَ أَدْنى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الظاهر، وهو قول أبي إسحاق الزجاج أن أصله أدنو من الدنو وهو القرب، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدنو في ذلك","part":1,"page":86},{"id":88,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 87\rأي أتأخذونه بدله والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا اللّه تعالى فقال تعالى اهْبِطُوا انزلوا مِصْراً من الأمصار فَإِنَّ لَكُمْ فيه ما سَأَلْتُمْ من النبات وَضُرِبَتْ جعلت عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ الذل والهوان وَالْمَسْكَنَةُ أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة لهم وإن القرب لأنه أقرب وأسهل تحصيلا من غيره لخساسته وقلة قيمته. والثاني: أصله أدنأ مهموز من دنأ يدنأ دناءة إلا أنه خففت همزته بقلبها ألفا. والثالث: أن أصله أدون مأخوذ من الشيء الدون أي الرديء نقلت الواو التي هي عين الكلمة إلى ما بعد النون التي هي لامها، فصار أدنو بوزن أقلع، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا اهـ من السمين.\rقوله: (أي أتأخذونه بدله) أشار به إلى أن الباء مع الإبدال تدخل على المتروك على المأتي به اهـ كرخي.\rقوله: (و الهمزة للإنكار) أي مع التوبيخ أي لا ينبغي منكم ذلك ولا يليق. قوله: فدعا اللّه تعالى أشار به إلى أن قوله: اهْبِطُوا الخ مرتب على هذا المقدر اهـ.\rقوله: (انزلوا) أي انتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر فيه ما تطلبون، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل، بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقا اهـ من الشهاب، وفي المصباح: وهبطت من موضع إلى موضع من بابي ضرب وقعد انتقلت وهبطت الوادي هبوطا نزلته اهـ.\rوهذا الأمر للتعجيز والإهانة على حد كونوا حجارة، لأنهم لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم، إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطريق. قوله:\rمِصْراً قرأه الجمهور منونا وهو خط المصحف، فقيل إنهم أمروا بهبوط مصر من الأمصار، فلذلك صرف، وقيل أمروا بمصر بعينه وهي مصر موسى وفرعون، وإنما صرف لخفته بسكون وسطه كهند ودعد، وقرأه الحسن وغيره مصر بلا تنوين، وكذلك هو في بعض مصاحف عثمان ومصحف أبيّ كأنهم عنوا مكانا بعينه والمصر في أصل اللغة الحد الفاصل بين الشيئين، وحكي عن أهل هجر أنهم إذا كتبوا بيع دار قالوا اشترى فلان الدار بمصورها أي حدودها اهـ سمين.\rوفي الخطيب: والمصر البلد العظيمة.\rقوله: ما سَأَلْتُمْ ما: في محل نصب اسم لأن، والخبر الجار والمجرور قبله، وما بمعنى الذي والعائد محذوف أي الذي سألتموه اهـ سمين.\rقوله: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أي ضربت على فروع بني إسرائيل وأخلافهم خصوصا من بعد قتل عيسى، فهذا الذل الذي أصابهم إنما هو بسبب قتلهم عيسى في زعمهم، فهذا الكلام أي قوله:\rضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ إلى قوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: 13] معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسائيل الذين كانوا في عهد موسى يدل على هذا قوله:\rذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم، وضرب مبني للمفعول، والذلة قائم مقام الفاعل، ومعنى ضربت ألزموها وقضي عليهم بها والذلة","part":1,"page":87},{"id":89,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 88\rكانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته وَباؤُ رجعوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ أي الضرب والغضب بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ كزكريا ويحيى بِغَيْرِ الْحَقِ أي ظلما ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) يتجاوزون الحد في المعاصي وكرره بالكسر الصغار والهوان والحقارة، والذل بالضم ضد العز. قوله: وَالْمَسْكَنَةُ مفعلة من السكون لأن المسكين قليل الحركة والنهوض لما به من الفقر والمسكين مفعيل منه اهـ من السمين.\rقوله: (من السكون والخزي) بيان لأثر الفقر. قوله: (و إن كانوا أغنياء) ولذلك ترى اليهود وإن كانوا أغنياء كأنهم فقراء ولا يوجد يهودي غني النفس، ولا ترى أحدا من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود اهـ من الخازن.\rقوله: (لزوم الدرهم المضروب لسكته) هذه العبارة مقلوبة وحقها أن يقول لزوم السكة للدرهم المضروب. والكلام على حذف المضاف أي لزوم أثر السكة، وأثرها هو النقش الحاصل من طبعها على الدراهم. وفي المصباح: والسكة بالكسر حديدة منقوشة تطبع بها الدارهم والدنانير، والجمع سكك مثل سدرة وسدر. اهـ.\rقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ ألف باء منقلبة عن واو لقولهم باء يبوء مثل قال يقول، وقال عليه السّلام: «أبوء بنعمتك» والمصدر البواء ومعناه الرجوع اهـ سمين.\rوفي الشهاب قال أبو عبيدة والزجاج: باؤوا بغضب احتملوه وقيل: استحقوه وقيل: أقروا به، وقيل: لازموه وهو الأوجه. يقال: بوأته منزلا فتبوأه أي ألزمته فلزمه اهـ.\rقوله: (يغضب) في موضع الحال من فاعل باؤوا، والباء للملابسة أي رجعوا مغضوبا عليهم وليس مفعولا به كمررت بزيد اهـ سمين.\rقوله: مِنَ اللَّهِ الظاهر أنه في محل جر صفة لغضب، ومن لابتداء الغاية مجازا وغضب اللّه تعالى ذمه إياهم في الدنيا وعقوبته لهم في الآخرة اهـ كرخي.\rقوله: بِآياتِ اللَّهِ أي بصفة محمد وآية الرجم التي في التوراة والإنجيل والقرآن اهـ خازن.\rقوله: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ الخ. روي أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار، ولم يبالوا، ولم يغتموا حتى قاموا في آخر النهار يتسوقون مصالحهم، وقتلوا زكريا ويحيى وشعياء وغيرهم من الأنبياء اهـ خازن.\rقوله: بِغَيْرِ الْحَقِ فائدة هذا القيد مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك الإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق. إذ لم يكن أحد منهم معتقدا حقيقة قتل نبي، وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى كما يفصح عنه قوله تعالى: ذلِكَ بِما عَصَوْا الخ اهـ من أبي السعود.\rقوله: (و كرره) أي كرر اسم الإشارة وهو لفظ وعبارة السمين، وفي تكرير الإشارة قولان.\rأحدهما: أنه مشار به إلى ما أشير إليه بالأول على سبيل التأكيد، والثاني: ما قاله الزمخشري وهو أن يشار به إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، لأنهم انهمكوا فيها.","part":1,"page":88},{"id":90,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 89\rللتأكيد\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالأنبياء من قبل وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ طائفة من اليهود أو النصارى مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في زمن نبينا وَعَمِلَ صالِحاً بشريعته فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ أي ثواب أعمالهم عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) روعي في وما مصدرية والباء للسببية أي بسبب عصيانهم، فلا محل لعصوا لوقوعه صلة، وأصل عصوا عصيوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فالتقى ساكنان هي والواو، فحذفت لكونها أول الساكنين، وبقيت الفتحة تدل عليها. وَكانُوا يَعْتَدُونَ في محل نصب خبر لكان، وكان وما بعدها عطف على صلة ما المصدرية وأصل العصيان الشدة يقال اعتصت النواة اشتدت، والاعتداء المجاوزة من عدا يعدو فهو افتعال منه، ولم يذكر متعلق العصيان والاعتداء ليعم كل ما يعصى ويتعدى فيه، وأصل يعتدون يتعديون ففعل به ما فعل بيتقون من الحذف والإعلال، فوزنه يفتعون واو من عصوا واجبة الإدغام ومثله فقد اهتدوا وإن تولوا، وهذا بخلاف ما إذا انضم ما قبل الواو فإن المد يقوم مقام الحاجز بين المثلين فيجب الإظهار نحو آمنوا وعملوا مثله الذي يوسوس اهـ سمين.\rقوله: (من قبل) أي قبل بعثة محمد قوله: وَالَّذِينَ هادُوا أي تهودوا يقال: هاد وتهود إذا دخل في اليهودية، ويهود إما عربي من هاد إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه السّلام اهـ بيضاوي.\rقوله: وَالنَّصارى جمع نصران كالندامى، والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة، فسموا باسمها أو باسم من أسسها اهـ بيضاوي.\rقوله: وَالصَّابِئِينَ جمع صابئ قوله: قوله: (طائفة من اليهود أو النصارى) أي قيل إنهم من اليهود، وقيل إنهم من النصارى، ولكنهم عبدوا الملائكة، وقيل؛ عبدوا الكواكب. وفي البيضاوي أنهم قوم بين اليهود والمجوس اهـ. وفي السمين والصابئ: التارك لدينه اهـ وفي المصباح وصبا صبوا من باب قعد وصبوة أيضا مثل شهوة مال وصبأ من دين إلى دين يصبأ مهموز بفتحتين خرج فهو صابئ ثم جعل هذا اللقب علما على طائفة من الكفار يقال إنها تعبد الكواكب في الباطن وتنسب إلى النصرانية في الظاهر وهم الصابئة والصابئون ويدعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم ويجوز التخفيف فيقال الصابون وقرأ به نافع اهـ.\rقوله: مَنْ آمَنَ (منهم الخ) من: إما في محل رفع الابتداء، وهي حينئذ إما شرطية أو موصولة، فعلى الأول خبرها فيه الخلاف المعلوم، وعلى الثاني خبرها قوله فلهم الخ، وقرن بالفاء لعموم المبتدأ، وإما في محل نصب على البدل من اسم أن وما عطف عليه، وحينئذ فخبر أن قوله:\rفَلَهُمْ أَجْرُهُمْ اهـ من أبي السعود.\rقوله: (في نبينا) جواب عما يقال كيف قال في أول الآية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وقال في آخرها مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فما وجه التعميم ثم التخصيص، ومحصل الجواب أنه أراد إن الذين آمنوا على التحقيق في زمن الفترة مثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبحيرا الراهب، وأبي ذر الغفاري، وسلمان","part":1,"page":89},{"id":91,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 90\rضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها\rوَاذكر وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ عهدكم بالعمل بما في التوراة وَقد وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا الفارسي، فمنهم من أدرك النبي وتابعه، ومنهم من لم يدركه كأنه قال: إن الذين آمنوا قبل بعثة محمد والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم باللّه واليوم الآخر وبمحمد، فلهم أجرهم الخ اهـ من الخازن.\rقوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ الأجر في الأصل مصدر. يقال أجره اللّه بأجره أجرا من بابي ضرب وقتل وقد يعبر به عن نفس الشيء المجازى به والآية الكريمة تحتمل المعنيين اهـ سمين.\rقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ عند: ظرف مكان لازم للإضافة لفظا ومعنى، والعامل فيه الاستقرار الذي تضمنه لهم، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من أجرهم فيتعلق بمحذوف تقديره: فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم، والعندية مجاز لتعاليه عن الجهة، وقد تخرج إلى ظرف الزمان إذا كان مظروفها معنى. ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» والمشهور كسر عينها وقد تفتح وقد تضم اهـ سمين.\rقوله: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب اهـ بيضاوي.\rقوله: (و العمل بما في التوراة) ومنه الإيمان بموسى. قوله: وَ(قد) رَفَعْنا أشار إلى أن الجملة في محل نصب على الحالية اهـ كرخي.\rوالطور: يطلق على أي جبل كان كما في القاموس، وصرح به السمين. ويطلق أيضا على جبال مخصوصة بأعيانها، وهذا الجبل الذي رفع فوقهم كان من جبال فلسطين كما في الخازن عن ابن عباس اهـ كرخي.\rقوله: فَوْقَكُمُ ظرف مكان ناصبه رفعنا، وحكم فوق مثل حكم تحت وقد تقدم الكلام عليه اهـ سمين.\rقوله: (اقتلعناه) أي اقتلعه جبريل، وكان على قدر عسكرهم، وكان قدره فرسخا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم قدر قامتهم كالظلة، وقيل لهم: إن لم تقبلوا التوراة وإلا أنزلته عليكم ورضخت رؤوسكم به، فقبلوا وسجود على أنصاف وجوههم اليسرى وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى وهم سجود، فصار ذلك سنة في سجود اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، فلما رفع عنهم رجعوا عن القبول إلى الامتناع، فذلك قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ الخ اهـ خازن.\rقيل: فكأنه حصل لهم بعد هذا القسر والإلجاء قبول وإذعان اختياري، أو كان يكفي في الأمم السابقة مثل هذا الإيمان اهـ.\rويرده ما في التيسير عن القفال: أنه ليس إجبارا على الإسلام لأن الجبر ما سلب الاختيار ولا يصح معه الإسلام، بل كان إكراها وهو جائز ولا يسلب كالمحاربة مع الكفار، فأما قوله: لا إِكْراهَ فِي","part":1,"page":90},{"id":92,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 91\rخُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) النار أو المعاصي\rثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الميثاق عن الطاعة فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لكم بالتوبة أو تأخير العذاب لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) الهالكين\rوَلَقَدْ لام قسم الدِّينِ [البقرة: 256] وقوله: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ اهـ شهاب.\rقوله: (و قلنا) خُذُوا الخ أشار إلى أن خذوا في محل نصب بالقول المضمر، والقول المضمر في محل نصب على الحال من فاعل رفعنا، والتقدير ورفعنا الطور قائلين وما آتَيْناكُمْ مفعول خذوا، وقوله بِقُوَّةٍ حال مقدرة، والمعنى خذوا الذي آتيناكموه حال كونهم عازمين على الجد بالعمل به اهـ كرخي.\rقوله: (بالعمل به) عبارة البيضاوي: وَاذْكُرُوا ما فِيهِ احفظه ولا تنسوه أو تفكروا فيه، فإن التفكر ذكر بالقلب أو اعملوا به انتهت.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لعل تعليلية أي لكي تتقوا المعاصي أو رجاء منكم أن تكونوا متقين اهـ بيضاوي.\rقوله: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ الخ ثم للتراخي، فدلت على أنهم امتثلوا الأمر مدة ثم اعرضوا وتولوا اهـ شهاب.\rقوله: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ التولي تفعل من الولي وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الأعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا اخ سمين.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فسر الشارح الإشارة بالميثاق، وفسره غيره برفع الطور إيتاء التوراة اهـ.\rقوله: فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ لولا: حرف امتناع لوجود تختص بالجمل الاسمية، والاسم الواقع بعدها مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه، وسد جواب لو لا مسده في حصول الفائدة اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالتوبة) متعلق بكل من المصدرين من حيث المعنى، والمعنى أنه وفقهم ورحمهم بتوفيقهم لها اهـ.\rقوله: لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ اللام في جواب لو لا. واعلم أن جوابها إن كان مثبتا فالكثير دخول اللام كهذه الآية ونظائرها ويقل حذفها، وإن كان منفيا فلا يخلو إما أن يكون حرف النفي ما أو غيرها فإن كان غيرها فترك اللام واجب. نحوه لو لا زيد لم أقم أو أن أقوم لئلا يتوالى لامان، وإن كان ما فالكثير الحذف ويقل الإتيان بها. وهكذا حكم جواب لو الامتناعية. وقد تقدم عند قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [البقرة: 20] ولا محل لجوابها من الإعراب ومِنَ الْخاسِرِينَ في محل نصب خبر كان ومن للتبعيض اهـ سمين.\rقوله: (الهالكين) أي بسبب الانهماك في المعاصي اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ علمتم بمعنى عرفتم فيتعدى لواحد فقط، والفرق بين العلم والمعرفة أن","part":1,"page":91},{"id":93,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 92\rعَلِمْتُمُ عرفتم الَّذِينَ اعْتَدَوْا تجاوزوا الحد مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم أهل أيلة فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) مبعدين فكانوها وهلكوا بعد ثلاثة أيام فَجَعَلْناها أي تلك العقوبة نَكالًا عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما عملوا\rلِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي العلم يستدعي معرفة الذات وما هي عليه من الأحوال نحو علمت زيدا قائما أو ضاحكا، والمعرفة تستدعي معرفة الذات أو الفرق أن المعرفة يسبقها جهل، والعلم قد لا يسبقه جهل، ولذلك لا يجوز إطلاق المعرفة عليه سبحانه، والذين اعتدوا الموصول وصلته في محل النصب مفعولا به ولا حاجة إلى حذف مضاف كما قدره بعضهم أي أحكام الذين اعتدوا لأن المعنى عرفتم أشخاصهم وأعيانهم، وأصل اعتدوا اعتديوا فأعل بالحذف، ووزنه افتعوا، وقد عرفت تصريفه ومعناه اهـ سمين.\rقوله: مِنْكُمْ في محل نصب على الحال من الضمير في اعتدوا، والسبت في الأصل مصدر سبت أي قطع العمل. وقال ابن عطية: والسبت إما مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من السبت وهو القطع لأن الأشياء فيه سبتت وتم خلقها. ومنه قولهم: سبت رأسه أي حلقه. وقال الزمخشري: والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وفيه نظر، فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك. اللهم إلا أن يراد هذا السبت الخاص المذكور في هذه الآية، والأصل فيه المصدر كما ذكر، ثم سمي به هذا اليوم من الأسبوع لاتفاق وقوعه فيه كما تقدم اهـ سمين.\rوكانت هذه القصة في زمن داود عليه السّلام بقرية بأرض أيلة فلما عملوا الحيلة واصطادوا صاروا ثلاثة أصناف، وكانوا نحو سبعين ألفا: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انهمكوا في الذنب وهتكوا الحرمة، وكان الصنف الناهي اثني عشر ألفا فمسخ المجرمون قردة لهم أذناب ويتعاوون، وقيل صار الشبان منهم قردة والشيوخ خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يمكث مسيخ فوق ثلاثة ولم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتوالدوا اهـ الخازن. ونجا الفريقان الآخران الناهون والساكتون، وفي الخطيب في سورة الأعراف في قوله: وجعل منهم القردة والخنازير فمسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير، وهم كفار مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير اهـ.\rقوله: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً هذا أمر تسخير وتكوين فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة. وقوله: خاسِئِينَ حال من الضمير في كونوا، وقوله (مبعدين) أي عن الرحمة والشرف. وفي المختار خسأ الكلب طرده من باب قطع وخسأ هو بنفسه خضع وانخسأ أيضا، وخسأ البصر حسر من باب قطع وخضع اهـ.\rقوله: نَكالًا مفعول ثال لجعل التي بمعنى صير، والأول هو الضمير، والنكال المنع ومنه النكل. والنكل اسم للقيد من الحديد واللجام لأنه يمنع به وسمي العقاب نكالا لأنه يمنع به غير المعاقب أن يفعل فعله ويمنع المعاقب أن يعود إلى فعله الأول، والتنكيل إصابة الغير بالنكال ليرتدع غيره ونكل عن كذا ينكل نكولا امتنع اهـ سمين.","part":1,"page":92},{"id":94,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 93\rللأمم التي في زمانها وبعدها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) اللّه، خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم وَاذكر\rوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ وقد قتل لهم قتيل لا يدري قاتله وسألوه أن يدعو اللّه أن يبينه لهم فدعاه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً مهزوءا بنا حيث تجيبنا قوله: (و بعدها) أي إلى يوم القيامة، كما قاله ابن عباس اهـ كرخي.\rقوله: لِلْمُتَّقِينَ (اللّه) أي من قومهم أو لكل متق سمعها اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الخ توبيخ آخر لأخلاف بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم، أي: واذكروا وقت قول موسى عليه السّلام لأصولكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (و قد قتل لهم قتيل الخ) هذاهو أول القصة الآتي في قوله: وإذ قتلتم نفسا كما سيذكره المصنف بقوله: وهو أول القصة فحق ترتيبها أن يقال: إذ قتلتم نفسا الخ، إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة الخ. فقلنا: اضربوه ببعضها. فإن قلت: إذا كان حق الترتيب هكذا فمات وجد عدول التنزيل عنه.\rقلت: وجهه أنه لما ذكر سابقا خبائثهم وجناياتهم ووبخوا عليها ناسب أن يقدم في هذه القصة ما هو من قبائحهم وهو تعنتهم على موسى لتتصل قبائحهم بعضها ببعض اهـ من الخازن. وعبارة الكرخي فيما سيأتي يقوله، وهو أول القصة أي، وإن كان مؤخرا في التلاوة، وإنما أخر أول القصة تقديما لذكر مساوئهم وتعديدا لها يكون أبلغ في توبيخهم على القتل اهـ.\rقوله: (قتيل) اسمه عاميل. قوله: بَقَرَةً البقرة واحد البقر تقع على الذكر، والأنثى نحو حمامة. والصفة تميز الذكر من الأنثى تقول بقرة ذكر وبقرة أنثى. وقيل بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس والذكر الثور نحو ناقة وجمل وأتان وحمار، وسمي هذا الجنس بذلك لأنه يبقر الأرض اي يشقها بالحرث ومنه بقر بطنه اهـ. وفي المصباح وبقرت الشيء بقرا من باب قتل شققته وبقرته فتحته، والمراد بقرة مبهمة كما هو ظاهر النظم فكانوا يخرجون من العهدة بذبح أي بقرة كانت كما في الحديث الآتي: لكن ترتب على تعنتهم فسخ الحكم الأول وبالثاني والثاني بالثالث تشديدا عليهم، لكن لا على وجه ارتفاع حكم المطلق بالكلية، بل على طريقة تقييده وتخصيصه شيئا فشيئا ولا يصح أن يكون المراد من أول الأمر بقرة معينة كما قيل: إذ لو كان كذلك لما عدت مراجعتهم المحكية من قبيل الجنايات، بل كانت تعد من قبيل العبادات، فإن الامتثال للأمر بدون الوقوف على المأمورية مما لا يتيسر اهـ من أبي السعود.\rوالمراد من قوله: أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أن تذبحوها وتأخذوا بعضها وتضربوا به القتيل فيحيا ويخبركم بقاتله، ففي الكلام هنا اختصار يدل عليه ما يأتي اهـ.\rقوله: قالُوا أَتَتَّخِذُنا أي تصيرنا هزوا. وهزوا مفعول ثان لتتخذنا، وفي وقوعه مفعولا ثلاثة أقوال. أحدها: على حذف مضاف أي ذوي هزؤ. والثاني: أنه مصدر واقع موقع المفعول أي مهزوا بنا. الثالث: أنهم جعلوا نفس الهزوء مبالغة وهذا أولى اهـ سمين.\rفقول الجلال مهزوا بنا إشارة إلى أن المصدر بمعنى اسم المفعول وتسمية الهزؤ مصدرا تسمح،","part":1,"page":93},{"id":95,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 94\rبمثل ذلك قالَ أَعُوذُ أمتنع بِاللَّهِ من أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) المستهزئين فلما علموا أنه عزم\rقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أي ما سنها قالَ موسى إِنَّهُ أي اللّه يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ مسنة وَلا بِكْرٌ صغيرة عَوانٌ نصف بَيْنَ ذلِكَ المذكور من السنين فَافْعَلُوا ما فإنه اسم مصدر وفي المصباح هزأت به أهزأ مهموزا من باب تعب، وفي لغة من باب نفع سخرت منه، والاسم الهزؤ بضم الزاي وسكونها للتخفيف وقرئ بهما في السبع اهـ.\rقوله: (بمثل ذلك) أي لأن سؤالنا عن أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح بقرة. وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يعلموا أن الحكمة هي حياته بضربه ببعضها فيخبر بقاتله اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْجاهِلِينَ هو أبلغ من قولك أن أكون جاهلا، فإن المعنى أن أنتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل، وقوله المستهزئين أي لأن الهزء في أثناء تبليغ أمر اللّه سبحانه جهل وسفه اهـ كرخي.\rقوله: (فلما علموا أنه) أي الأمر بالذبح وقوله: عزم أي حق. وفي القاموس: وعزمه من عزمات اللّه حق من حقوقه أي واجب مما أوجبه اللّه وعزائم اللّه فرائضه التي أوجبها. قوله: (ما سنّها) أي حالتها وصفتها، وفيه إشارة إلى أن ما يسأل بها عن الجنس والحقيقة غالبا تقول ما عندك. أي أي أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه كتاب أو نحوه أو الوصف تقول: ما زيد؟ وجوابه: فاضل أو كريم، والمراد هنا السؤال عن صفة البقرة لا عن حقيقتها، فلا يسأل عنها، لأن حقيقة البقرة معروفة اهـ.\rقوله: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ لا: نافية وفارض صفة البقرة واعترض بلا بين الصفة والموصوف نحو: مررت برجل لا طويل ولا قصير، وأجاز أبو البقاء أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي لا هي فارض. وقوله: ولا بكر مثل ما تقدم وتكررت، لا لأنها متى وقعت قبل خبر أو نعت أو حال وجب تكريرها. تقول: زيد لا قائم ولا قاعد، ومررت به لا ضاحكا ولا باكيا، ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافا للمبرد وابن كيسان، والفارض المسنة الهرمة. قال الزمخشري: كأنها سميت بذلك لأنها فرضت سنّها أي قطعته وبلغت آخره اهـ سمين.\rقوله: (مسنة) أي جدا بحيث لا تلد. وقوله: صغيرة أي جدا بحيث لا تلد. هذا معنى الفارض والبكر كما في الخازن اهـ.\rوفي المختار: وفرضت البقرة طعنت في السن، ومنه وقوله تعالى: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ وبابه جلس وظرف اهـ. فالمصدر فراضة وفروضا كما في القاموس اهـ.\rقوله: عَوانٌ في المصباح، العوان النصف في السن من النساء والبهائم،، والجمع عون بضم العين وسكون الواو، والأصل الواو لكن سكن تخفيفا اهـ.\rقوله: (المذكور من السنين) أشار به إلى جواب ما يقال بين تقتضي شيئين فصاعدا، فكيف جاز دخوله على ذلك وهو مفرد، وإيضاحه أن ذلك يشار به إلى المفرد والمثنى والمجموع، ومنه قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: 58]. وقوله؛ زُيِّنَ لِلنَّاسِ إلى قوله:\rذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [آل عمران: 14] فمعناه بين الفارض والبكر اهـ كرخي.","part":1,"page":94},{"id":96,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 95\rتُؤْمَرُونَ (68) به من ذبحها\rقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها شديدة الصفرة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) إليها بحسنها أي تعجبهم\rقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أسائمة أم عاملة إِنَّ الْبَقَرَ أي جنسه المنعوت بما ذكر تَشابَهَ عَلَيْنا لكثرته فلم نهتد إلى المقصودة وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) إليها في الحديث لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد قوله: ما تُؤْمَرُونَ ما: موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره تؤمرون به فحذفت الباء وهو حذف مطرد فاتصل الضمير فحذفت، وليس نظير كالذي خاضوا فإن الحذف هناك غير مقيس، ويضعف أن تكون نكرة موصوفة، لأن المعنى على العموم وهو الذي أشبه اهـ سمين.\rقوله: فاقِعٌ لَوْنُها الفقوع بضم الفاء نصوع الصفرة وخلوصها، فالفاقع شديد الصفرة وقد فقع لونه من بابي خضع ودخل اهـ مختار، ويجوز أن يكون فاقع صفة ولونها فاعل به، وأن يكون خبرا مقدما ولونها مبتدأ مؤخرا والجملة صفة ذكرهما أبو البقاء. وفي الوجه الأول نظر، وذلك أن بعضهم نقل أن هذه التوابع للألوان لا تعمل عمل الأفعال، ويجوز أن يكون لونها مبتدأ وتسر خبره، وإنما أنّث الفعل لاكتساب المبتدأ التأنيث من المضاف إليه، ويقال في التأكيد أصفر فاقع أي شديد الصفرة وأبيض ناصع أي شديد البياض، وأحمر قان أي شديد الحمرة، وأسود حالك أي شديد اسواد اهـ سمين.\rوقوله؛ ذكرهما أبو البقاء أي وصنيع الجلال يحتملها، ويبعد احتماله للوجه الثالث كما لا يخفى اهـ.\rقوله: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ جملة في محل رفع صفة لبقرة أيضا، وقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا عن لونها، والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه، ومنه السرير الذي يجلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت له به في الصورة وتفاؤلا بذلك اهـ سمين.\rقوله: (بحسنها) أي بسببه. قوله: (أي تعجبهم) أي تحملهم على التعجب من شدة صفرتها لغرابتها وخروجها عن المعتاد اهـ.\rقوله: (أسائمة) أي غير عاملة بدليل المقابلة، وبدليل أن العاملة تعلف، وأن السائمة لا تستعمل، وعلى هذا التقرير فليس هذا السؤال تكريرا للسؤال الأول كما ادعاه بعضهم اهـ خطيب.\rقوله: (بما ذكر) أي بالوصفين المذكورين وهما كونها عوانا أي وسطا وكونها صفراء اهـ.\rوقوله: (لكثرته) أي كثرة البقر الموصوف بهذين الوصفين، فنحتاج إلى وصف آخر يعين البقرة التي أمرنا بذبحها. وقوله: (إلى المقصودة) أي المرادة للّه أي التي أراد اللّه تعالى ذبحها وأمرنا به.\rوقوله: لَمُهْتَدُونَ إليها قالوا: هذا على سبيل الترجي فترجو من اللّه تعالى أن يهديهم إليها بيان وصفها المعين لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة إن وما في خبرها عليه، والتقدير إن شاء اللّه هدايتنا للبقرة اهتدينا، وقوله: لمهتدون خبر إن واللام للابتداء زحلقت إلى الخبر.\rقوله: (لو لم يستثنوا) المراد بالاستثناء التعليق بالمشيئة وسمى التعليق بها استثناء لصرفه االكلام عن الجزم وعن الثبوت في الحال من حيث التعليق بما لا يعلمه إلا اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: (آخر الأبد) بالنصب وهو على سبيل المبالغة وإلّا فالأبد لا آخر له اهـ كرخي.","part":1,"page":95},{"id":97,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 96\rقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ غير مذللة بالعمل تُثِيرُ الْأَرْضَ تقلبها للزراعة والجملة صفة ذلول داخلة في النفي وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ الأرض المهيأة للزراعة مُسَلَّمَةٌ من العيوب وآثار العمل لا شِيَةَ لون فِيها غير لونها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ نطقت بالبيان التام فطلبوها فوجدوها قوله: لا ذَلُولٌ الذل بالكسر ضد الصعوبة وبالضم ضد العز، والمراد هنا الأول أي لا هينة سهلة الانقياد، بل صعبته لأنها غير عاملة، وشأن غير العاملة الصعوبة فتكون كأنها وحشية اهـ شيخنا.\rقوله: (غير مذللة) بين به أن لا بمعنى غير فهي اسم لكن لكونها على صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها اهـ كرخي، وفي السمين.\rقوله: لا ذَلُولٌ الذلول التي ذللت بالفعل يقال بقرة ذلول بينة الذل بكسر الذال ورجل ذليل بين الذل بضمها اهـ.\rقوله: (صفة ذلول) وهي في المعنى مفسرة لكونها ذلولا، فإن الذلول هي المذللة بالعمل، ومن جملته إثارة الأرض وقوله داخلة في النفي أي فالنفي مسلط على الموصوف وصفته أي أنها بقرة انتفى عنها التذليل وإثارة الأرض وانتفى عنها أيضا سقي الحرث على ما سيأتي. قوله: وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ. لا: هذه مزيدة لتأكيد الأولى والجملة بعدها صفة ثانية لذلول، فكأنه قيل لا ذلول صفتها أنها مثيرة وساقية فالنفي مسلط على الموصوف مع صفتيه اهـ.\rقوله: (الأرض المهيأة للزراعة) كان الأولى تفسير الحرث بالزرع، أي المزروع، ففي المختار والحرث المزروع وبابه نصر وكتب والحراث الزراع اهـ.\rقوله: لا شِيَةَ فِيها الشية في الأصل مصدر وشى من باب وعد وشيا وشية إذا خلط لونا بلون آخر، والمراد هنا نفس اللون والتصرف فيها كالتصرف في عدة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وشية مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا وشية فحذفت فاؤها لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع، ثم حمل ما في الباب عليها ووزنها علة ومثلها صلة وعدة وزنة، ومنه ثوب موشى أي منسوج بلونين فأكثر، وثور موشى القوائم أي أبلقها، ويقال ثور أشيه وفرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وغراب أبقع كل ذلك بمعنى أبلق اهـ.\rقوله: الْآنَ منصوب بجئت وهو ظرف زمان يقتضي الحال، ويخلص المضارع له عند جمهور النحويين وهو لازم للظرفية لا يتصرف غالبا بني لتضمنه معنى حرف الإشارة، كأنك قلت هذا الوقت.\rواختلف في أل التي فيه فقيل للتعريف الحضوري، وقيل زائدة لازمة اهـ كرخي.\rقوله: جِئْتَ بِالْحَقِ هذا لا يتم إلا لو كانوا يعلمون البقرة الموصوفة بهذه الصفات، وكانوا قد رأوها خارجا، وإلا فالصفات المذكورة لم تنف أصل الاشتراك، وعبارة أبي السعود جئت بالحق أي بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما عداها، ولم يبق في شأنها اشتباه أصلا بخلاف المرتين الأوليين، فإن ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة، ولعلهم كانوا قبل ذلك قد رأوها ووجدوها جامعة لجميع ما فصل من الأوصاف المشروحة في المرات الثلاث من غير مشارك لها فيما","part":1,"page":96},{"id":98,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 97\rعند الفتى البار بأمه فاشتروها بملء مسكها ذهبا فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) لغلاء ثمنها، وفي الحديث «لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم»\rوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فيه إدغام التاء في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مظهر عد في المرة الآخيرة، وإلّا فمن أين عرفوا اختصاص النعوت الأخيرة بها دون غيرها اهـ. وفي الخازن، بعد أن ذكر أن الفتى البار بأمه قد ذهب بها إلى السوق ثلاث مرات للبيع، ما نصه: فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعيها إلا بملء مسكها ذهبا اهـ.\rقوله: (نطقت بالبيان التام) بين بهذا أنه ليس مرادهم بالحق ضد الباطل المقتضي بطريق المفهوم أن ما ذكره في المرتين الأوليين باطل، بل أرادوا أنك الآن نطقت بالبيان المحقق، والمعين لنا البقرة المطلقة وإلا لكفروا بمقتضى مفهوم ذلك. قاله الشيخ المصنف في الإتقان، وأفاد كلامه أن بالحق في محل نصب على الحال من فاعل جئت أي جئت ملتبسا بالحق أو معك الحق اهـ كرخي.\rقوله: (فطلبوها) إشارة إلى أن قوله فذبحوها مرتب على هذا المقدر أي بحثوا عنها وفتشوا عليها.\rقوله: (بملء مسكها)، بفتح الميم الجلد وكانت قيمة البقرة غير هذه في ذلك الوقت ثلاثة دنانير اهـ بيضاوي. وفي البيضاوي: والمسك الجلد والجمع مسوك مثل فلس وفلوس اهـ.\rقوله: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ أي ما قاربوا، الذبح يعني قبل زمن الذبح. فانتفاء المقاربة في زمن التفتيش عليها وتوقف أم الفتى في بيعها لأجل الزيادة في ثمنها الخارجة عن العادة اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وما كادوا يفعلون لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل أو لغلاء ثمنها، ولا ينافي قوله: وما كادوا يفعلون قوله فذبحوها لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل اهـ.\rوجملة وما كادوا في محل الحال ومفعول يفعلون محذوف، والمعنى فذبحوها في حال انتفاء مقاربتهم للفعل أي الذبح وذلك الانتفاء كان قبل زمان الذبح.\rقوله: وَإِذْ قَتَلْتُمْ أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا أي اذكروا وقت قتل هذه النفس وما وقع فيه من القصة والخطاب لليهود المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإسناد القتل والتدارؤ إليهم لأن ما يصدر من الأسلاف ينسب للأخلاف توبيخا وتقريعا اهـ من أبي السعود.\rقال علماء السير والأخبار: أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى وألقاه على بابها، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بأناس إلى موسى يدعي عليهم بالقتل فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، فسألوا موسى أن يدعو اللّه ليبين لهم ما شكل عليهم، فسأل موسى ربه في ذلك فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ببعضها. فقال لهم: إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة الخ اهـ خازن.","part":1,"page":97},{"id":99,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 98\rما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) من أمرها وهذا اعتراض وهو أول القصة\rفَقُلْنا اضْرِبُوهُ أي القتيل بِبَعْضِها فضرب بلسانها أو عجب ذنبها فحيي وقال قتلني فلان وفلان لابني عمه ومات فحرما الميراث وقتلا. قال تعالى كَذلِكَ الإحياء يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ دلائل قدرته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون\rثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ أيها اليهود صلبت عن قبول الحق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ المذكور من قوله: فَادَّارَأْتُمْ عبارة السمين: أصل ادارأتم تفاعلتم من الدرء وهو الدفع، فاجتمعت التاء مع الدال وهما متقاربان في المخرج فأريد الإدغام فقلبت التاء دالا وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها فبقي اددارأتم فأدغم. قوله: (و تدافعتم) عبّر بالتفاعل لأن كل واحد من المتخاصمين يدفع القتل عن نفسه ويجعله على خصمه. وقوله: فِيها أي في شأنها اهـ.\rقوله: ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ما: موصولة أي الذي كنتم من أمر القتيل اهـ.\rقوله: (و هذا) أي قوله واللّه مخرج اعتراض أي بين العاطف والمعطوف، وهما فادرأتم، فقلنا اضربوه. قوله: وهو أي قوله: وإذ قتلتم نفسا اهـ كرخي. لكن في صنيعه تساهل، لأن هذا الضمير أي قوله، وهو أول القصة لم يتقدم له في كلامه اهـ.\rقوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ الخ معطوف على قوله فَادَّارَأْتُمْ فِيها قوله: (فحيى) أي وقام وأوداجه تشخب دما فقال: قتلني فلان وفلان ثم مات حالا في مكانه اهـ خطيب.\rقوله: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى كذلك في محل نصب لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره يحيي اللّه الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء، فيتعلق بمحذوف أي إحياء الدنيا، فلا فرق بينهما في الجواز والامكان، فالغرض من هذا الرد عليهم في إنكار البعث اهـ شيخنا.\rوهذا يقتضي أن هذا الخطاب مع منكري البعث وهم العرب لا مع اليهود لأنهم أهل الكتاب يقرون بالبعث والجزاء، فعلى هذا يكون قوله كذلك يحيي اللّه الموتى الخ معترضا في خلال الكلام المسوق في شأن بني إسرائيل تأمل. قوله: وَيُرِيكُمْ آياتِهِ الرؤية هنا بصرية، فالهمزة للتعدية أكسبت الفعل مفعولا ثانيا وهو آياته، والمعنى يجعلكم مبصرين آياته والكاف هو المفعول الأول اهـ سمين.\rقوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ثم موضوعة للتراخي في الزمان، ولا تراخي هنا إذ قسوة قلوبهم في الحال لا بعد زمان فهي محمولة على الاستبعاد مجازا. أي يبعد من العاقل القسوة بعد تلك الآيات، وقوله من بعد ذلك مؤكد للاستبعاد أشد تأكيد اهـ شهاب.\rقوله: (صلبت عن قبول الحق) أشار إلى أن في لفظ قست استعارة تبعية تمثيلية تشبيها لحال القلوب في عدم الاعتبار والاتعاظ بالقسوة ولاعتبار هذه الاستعارة حسن التفريع وللتعقيب بقوله: فهي كالحجارة اهـ كرخي، وصلب من باب ظرف وسمع اهـ.","part":1,"page":98},{"id":100,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 99\rإحياء القتيل وما قبله من الآيات فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في القسوة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً منها وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فيه إدغام التاء في الأصل في الشين فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ينزل من علو إلى أسفل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن قوله: (من الآيات) كفلق البحر وانفجار العيون من الحجر، فإنها مما يوجب لين مقلوب اهـ كرخي.\rقوله: (منها) إشارة إلى قسوة منصوب على التمييز، لأن الإبهام حصل في نسبة التفضيل إليها والمفضل عليه محذوف للدلالة عليه وأو للتخيير بالنسبة إلينا أو بمعنى، بل واختار أبو حيان أنها للتنويع بمعنى أن قلوبهم على قسمين كالحجارة قسوة وقلوب أشد قسوة وقلوب أشد منها، ولم تشبه بالحديد وإن كان أصلب لأنه قابل للتليين وقد لان لداود عليه السّلام، وعلل الأشدية بقوله: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ الخ اهـ كرخي.\rقوله؛ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ لام الابتداء دخلت على اسم إن لتقدم الخبر وهو من الحجارة، وما بمعنى الذي في محل النصب، ولو لم يتقدم الخبر لم يجز دخول اللام على الاسم لئلا يتوالى حرفا تأكيد، وإن كان الأصل يقتضي ذلك والضمير في منه يعود على ما حملا على اللفظ. قال أبو البقاء:\rولو كان في غير القرآن لجاز منها على المعنى اهـ سمين.\rقوله؛ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ قيل: أراد به جميع الحجارة، وقيل أراد به الحجر الذي كان يضربه موسى لسقي الأسباط والتفجر التفتح بالسعة والكثرة، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء يعني بالعيون الصغار التي هي دون الأنهار، وإن منها لما يهبط من خشية اللّه أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله، وخشيتها عبارة عن انقيادها لأمر اللّه وأنها لا تمتنع عما يريد منها، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع، فإن قلت الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف يخشى؟ قلت: إن اللّه تعالى قادر على إفهام الحجر والجمادات فتعقل وتخشى بإلهامه، ومذهب أهل السنة أن للّه تعالى في الجمادات والحيوانات علما وحكمة لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وقال تعالى: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [النور: 41] فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى اللّه اهـ خازن.\rقوله: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ أي كجبل الطور لما خرّ دكا من هيبة اللّه تعالى، وقد قال مجاهد: ما ينزل حجر إلى أسفل إلا من خشية اللّه اهـ خازن.\rقوله؛ (و قلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع) فيه إشارة إلى أن الخشية مجاز عن الانقياد إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم، أو أنها حقيقة بمعنى أنه تعالى خلق للحجارة حياة وتمييزا ذكره النسفي وغيره، واختاره ابن عطية وعليه قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21] الآية كما سيأتي إيضاحه اهـ كرخي.\rقوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيه وعيد وتهديد، والمعنى أن اللّه تعالى بالمرصاد لهؤلاء","part":1,"page":99},{"id":101,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 100\rالخطاب\r* أَفَتَطْمَعُونَ أيها المؤمنون أَنْ يُؤْمِنُوا أي اليهود لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ طائفة مِنْهُمْ أحبارهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ في التوراة ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ يغيرونه مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ فهموه وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) أنهم مفترون والهمزة للإنكار أي لا تطمعوا فلهم سابقة في الكفر القاسية قلوبهم محافظ لأعمالهم حتى يجازيهم بها في الآخرة اهـ خازن.\rقوله: أَفَتَطْمَعُونَ الهمزة للاستفهام، وتدخل على ثلاثة من حروف العطف الفاء كما هنا، والواو كقوله الآتي أو لا يعلمون، وثم كقوله: أثم إذا ما وقع آمنتم به، واختلف في مثل هذه التراكيب، فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدمة من تأخير لأن لها الصدر ولا حذف في الكلام، والتقدير فأتطمعون، وألا يعلمون، وثم إذا ما وقع. وذهب الزمخشري إلى أنها داخلة على محذوف دل عليه سياق الكلام والتقدير هنا أتسمعون أخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطعمون اهـ من أبي السعود.\rقوله: (أيها المؤمنون) يعني النبي وأصحابه، وقيل الخطاب للنبي وحده والجمع للتعظيم.\rقوله: أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ضمنه معنى ينقادوا أو اللام زائدة. قوله: (أي اليهود) يعني الموجودين في زمن النبي والاستفهام للإنكار، كما يأتي، والمراد الإنكار الاستبعادي يعني أن طمعكم في إيمانهم بعيد لأنهم أربع فرق في كل منهم وصف يحسم مادة الطمع في إيمانه، فأشار إلى الأول بقوله وقد كان الخ، ولا يقدح في كون المراد الموجودين في زمن النبي التعبير بكان لأن المضي بالنسبة لزمن نزول الآية، وأشار إلى الثاني: بقوله: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، وإلى الثالث بقوله: وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ [البقرة: 76] وإلى الرابع بقوله: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة: 78] الخ اهـ أبو السعود.\rقوله؛ وَقَدْ كانَ الواو للحال والتقدير أفتطمعون في إيمانهم، والحال أنهم كاذبون محرفون لكلام اللّه تعالى، وقد مقربة للماضي من الاستقبال سوغت وقوعه حالا ويسمعون خبر كان، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط وقوم اهـ سمين.\rقوله؛ (أحبارهم) في المصباح الحبر بالكسر العالم والجمع أحبار مثل حمل وأحمال والحبر بالفتح لغة فيه وجمعه حبور مثل فلس وفلوس اهـ.\rقوله: (في التوراة) أي حال كونه في التوراة، وذلك كنعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وآية الرجم اهـ بيضاوي، فيكتبون بدل أكحل العين ربعة جعد الشعر حسن الوجه طويلا أزرق العين سبط الشعر اهـ زكريا.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ متعلق بيحرفونه، والتحريف الإمالة والتحويل وثم التراخي إما في الزمان أو في الرتبة وما يجوز أن تكون موصولة اسمية أي ثم يحرفون الكلام من بعد المعنى الذي فهموه وعرفوه، ويجوز أن تكون مصدرية والضمير في عقلوه يعود حينئذ على الكلام أي من بعد تعقلهم إياه اهـ سمين.\rقوله: (فهموه) أي بعقولهم ولم يبق لهم في مضمونه ولا في كونه كلام رب العزة ريبة أصلا اهـ كرخي.\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ جملة حالية، وفي العامل فيها قولان: أحدهما عقلوه ولكن يلزم منه أن\rمن صفحة 101 إلى 205\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 192","part":1,"page":100},{"id":102,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 101\rوَإِذا لَقُوا. أي منافقو اليهود الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا بأن محمدا نبي وهو المبشر به في كتابنا وَإِذا خَلا رجع بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أي رؤساؤهم الذين لم ينافقوا لمن نافق أَتُحَدِّثُونَهُمْ أي المؤمنين بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي عرفكم في التوراة من نعت محمد لِيُحَاجُّوكُمْ ليخاصموكم واللام للصيرورة بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ في الآخرة ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أنهم يحاجونكم إذا حدثتموهم فتنتهوا قال تعالى:\rأَوَلا تكون حالا مؤكدة لأن معناها قد فهم من قوله عقلوه، والثاني: وهو الظاهر أن يحرفونه أي يحرفونه حال علمهم بذلك اهـ سمين.\rقوله؛ (و الهمزة للإنكار) أي الاستبعاد على حد أنى لهم الذكرى الخ، وقوله فلهم سابقة في الكفر أي لهم كفر سابق على الكفر بمحمد، وهو تحريف التوراة. يعني فحينئذ إيمانهم مستبعد غاية الاستبعاد اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الخ معطوف على جملة الحال فهي حال أخرى، والمراد أن من كل هذا شأنه فإيمانه بعيد جدا فلا تطمعوا فيه، وفي السمين: وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين.\rأحدهما: أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود والمنافقين، والثاني: أن تكون في محل نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها، وهي وقد كان فريق والتقدير كيف تطعمون في إيمانهم وحالهم كيت وكيت اهـ.\rقوله: قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ الخ أي البعض الساكتون الذين لم ينافقوا. قالوا للمنافقين موبخين لهم على ما صنعوا اهـ أبو السعود.\rقوله: بِما فَتَحَ اللَّهُ متعلق بالتحديث قبله، وما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي فتحه اللّه، والجملة من قوله أتحدثونهم في محل نصب بالقول والفتح هنا معناه الحكم والقضاء. وقيل الفتاح القاضي بلغة اليمن، وقيل الإنزال، وقيل الإعلام أو التبيين بمعنى أنه بين لكم صفة محمد عليه الصلاة والسّلام، أو المن بمعنى ما منّ عليكم من نصركم على عدوكم وكل هذه أقوال مذكورة في التفاسير اهـ سمين.\rقوله: (من نعت محمد) والتعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سر مكنون وباب مغلق لا يقف عليه أحد اهـ. من أبي السعود.\rقوله: (للصيروة) أي للعاقبة والمآل للعلة الباعثة ومع كونها للصيرورة المضارع منصوب بعدها بأن مضمرة هي متعلقة بتحدثونهم. وقوله: عِنْدَ رَبِّكُمْ ظرف معمول لقوله ليحاجوكم بمعنى ليحاجوكم يوم القيامة، فكنى عنه بقوله عند ربكم وقيل عند بمعنى في أي ليحاجوكم في ربكم أي فيكونون أحق به منكم، وقيل ثم مضاف محذوف أي عند ذكر ربكم. قوله: (مع علمكم) الأولى مع إقراركم كما في الخازن، لأن هذاهو الذي يخص المنافقين، وأما العلم بصدقه فقدر مشترك بينهم وبين الموبخين لهم اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ من تمام مقولهم. قوله: أَوَلا يَعْلَمُونَ أي اليهود الموبخون","part":1,"page":101},{"id":103,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 102\rيَعْلَمُونَ الاستفهام للتقرير والواو الداخل عليها للعطف أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) ما يخفون وما يظهرون من ذلك وغيره فيرعووا عن ذلك\rوَمِنْهُمْ أي اليهود أُمِّيُّونَ عوام لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ التوراة إِلَّا لكن أَمانِيَ أكاذيب تلقوها من رؤسائهم فاعتمدوها وَإِنْ للمنافقين. قوله: (الاستفهام للتقرير) وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده مع التوبيخ اهـ كرخي.\rوقوله: (و الواو الداخل عليها) الضمير المستكن في الداخل راجع للاستفهام، والضمير في عليها للواو، فالصفة قد جرت على غير من هي له فكان عليه أن يبرز بأن يقول: والواو الداخل هو أي الاستفهام عليها للعطف أي على محذوف تقديره أيلومونهم على التحديث بما ذكر ولا يعلمون الخ.\rوعبارة السمين: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ تقدم أن مذهب الجمهور أن النية بالواو التقديم على الهمزة لأنها عاطفة، وإنما أخرت عنها لقوة همزة الإستفهام، وأن مذهب الزمخشري تقدير فعل بعد الهمزة ولا للنفي، وأن اللّه يعلم في محل نصب وفيها حينئذ احتمالان: أحدهما: أنها سادة مسد مفرد إن جعلنا علم بمعنى عرف، والثاني: أنها سادة مسد مفعولين إن جعلناها متعدية بالاثنين كظننت، وقد تقدم أن هذا مذهب سيبويه، وأن الأخفش يدعي أنها سادة مسد الأولى والثاني محذوف، وما يجوز أن تكون بمعنى الذي وعائدها محذوف أي يسرونه ويعلنونه، وأن تكون مصدرية أي يعلم سرهم وعلنهم والسر والعلانية متقابلان انتهت.\rقوله: ما يُسِرُّونَ أي اليهود الموبخون. في البيضاوي: أَوَلا يَعْلَمُونَ يعني هؤلاء المنافقين أو اللائمين أو كليهما أو إياهم والمحرفين أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ومن جملته إسرارهم الكفر وإظهارهم الإيمان وتحريف الكلم عن مواضعه ومعانيه اهـ.\rقوله: (من ذلك) أي نعت محمد، وقوله: (فيرعووا) أي يرجعوا عن ذلك. وفي المصباح:\rارعوى عن الأمر رجع عنه اهـ.\rقوله؛ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ الجملة معطوفة على الجمل الثلاث الحالية لمشاركتها لهن، فإن مضمونها مناف لرجاء الخير منهم، وإن لم يكن فيها ما يحسم مادة الطمع في إيمانهم كما هو مضمون الجمل الثلاثة، فإن الجهل بالكتاب في منافاة الإيمان ليس بمثابة تحريف كلام اللّه ولا بمثابة النفاق ولا بمثابة النهي عن إظهار ما في التوراة اهـ من أبي السعود. والأميون جمع أمي: وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب منسوب إلى الأم كأنه باق على أصل الخلقة اهـ كرخي.\rقوله: أُمِّيُّونَ (عوام) أي ومن هذا شأنه لا يطمع في إيمانه. قوله: لا يَعْلَمُونَ جملة فعلية في محل رفع صفة لأميون، كأنه قيل أميون غير عالمين اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا أَمانِيَ استثناء منقطع كما أشار له بتفسيره بلكن على عادته في أن يشير للمنقطع بتفسير إلا بلكن لأن الأماني ليست من جنس الكتاب، ولا مندرجة تحت مدلوله، ولا يصح أن تكون منصوبة بيعلمون لأن إدراك الأماني أي الأكاذيب ليس علما بل هو جهل مركب أو اعتقاد ناشىء عن تقليد، فحينئذ الناصب لها محذوف كما أشار له البيضاوي في الحل تقديره، لكن يعتقدون أماني أو","part":1,"page":102},{"id":104,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 103\rما هُمْ في جحد نبوة النبي وغيره مما يختلقونه إِلَّا يَظُنُّونَ (78) ظنا ولا علم لهم\rفَوَيْلٌ شدة عذاب لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ أي مختلقا من عندهم ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا وهم اليهود غيروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرهما ركون أماني أو نحو ذلك، والأماني جمع أمنية بتشديد الياء فيهما وبتخفيفها فيهما، وهي في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ، والمعنى:\rولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدا من المحرفين أو مواعيد فارغة سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، وقيل إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى اهـ من البيضاوي والسمين مع زيادة لغيرهما.\rقوله: وَإِنْ (ما) هُمْ نبه به على أن إن نافية بمعنى ما ولكن لا تعمل عملها وأكثر ما تأتي بمعناها إذا انتقض بإلّا وقد جاءت وليس معها إلا كما سيجيء في موضعه اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: إن نافية بمعنى ما إذا كانت نافية، فالمشهور لا أنها تعمل عمل ما الحجازية، وأجاز بعضهم ذلك، ونسبه لسيبويه، وهم في محل رفع بالابتداء لا اسم إن لأنها غير عاملة على المشهور، وإلا للاستثناء المفرغ ويَظُنُّونَ في محل الرفع خبر لقوله هم وحذف مفعولي الظن للعلم بهما أو اقتصارا اهـ.\rقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ويل: مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأنه دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات سواء كادعاء له نحو سلام عليك أو عليه كهذه الآية، والجار وهو الخبر فيتعلق بمحذوف اهـ سمين.\rقوله: (شدة عذاب) أي أو هو واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لانماعت ولذابت من حرّه كما رواه الترمذي وغيره مرفوعا وابن المنذر موقوفا على ابن مسعود اهـ كرخي.\rقوله: بِأَيْدِيهِمْ متعلق بيكتبون ويبعد جعله حالا من الكتاب، وفائدة ذكر اليد مع أن الكتابة لا تكون إلا بها تحقيق مباشرتهم ما حرفوه بأنفسهم زيادة في تقبيح فعلهم، قال تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: 38] يقولون بأفواههم اهـ كرخي.\rوالكتاب هنا بمعنى المكتوب، فنصبه على المفعول به ويبعد جعله مصدرا على بابه، والأيدي جمع يد، وأصل أيدي بضم الدال كفلس وأفلس في القلة، فاستثقلت الضمة قبل الياء فقلبت كسرة للتجانس ثم حذفت ضمة الياء للتخفيف اهـ سمين.\rقوله؛ (مختلفا من عندهم) أشار به إلى أن قوله بأيديهم في محل الحال، والمعنى يكتبون الكتاب أي اللفظ المكتوب أي الذي يكتب حال كونه كائنا بأيديهم، وكونه بأيديهم كناية عن كونه مختلفا ومكذوبا وعبارة السمين. وقال ابن السراج: ذكر الأيدي كناية عن أنهم اختلقوا ذلك من تلقائهم ومن عند أنفسهم اهـ.\rقوله: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا روي أن أحبار اليهود خافوا ذهاب ملكهم، وزوال رئاستهم حين","part":1,"page":103},{"id":105,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 104\rوكتبوها على خلاف ما أنزل فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المختلق وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) من الرشا\rوَقالُوا لما وعدهم النبي النار لَنْ تَمَسَّنَا تصيبنا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قليلة أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول قُلْ لهم يا محمد أَتَّخَذْتُمْ حذفت منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً ميثاقا منه بذلك فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ به لا أَمْ بل تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بَلى (80) تمسكم وتخلدون فيها\rمَنْ قدم النبي المدينة، فاحتالوا في تعويق أسافلهم عن الإيمان بمحمد مخافة أن يقطعوا عنهم ما يأخذونه منهم فعمدوا إلى صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة، وكانت هي فيها حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة فغيّروا ذلك، وكتبوا مكانه طويل أزرق العينين سبط الشعر، فإذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرؤوا عليهم ما كتبوه، فيجدونه مخالفا لصفة النبي فيكذبونه اهـ من أبي السعود.\rقوله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ تأكيد لقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ومع ذلك فيه نوع مغايرة لأن قوله: مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وقع تعليلا فهو مقصود وقوله فيما سلف يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ وقع صلة فهو غير مقصود. وقوله: وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ الكلام فيه كالذي فيما قبله من جهة أن التكرير للتأكيد اهـ من أبي السعود.\rقوله: (من الرشا) أي أو من المعاصي، وقوله كالزمخشري هنا من الرشا وفيما قبله من المختلق يشعر بأن كلمة ما في الموضعين موصولة لكن المصدرية أرجح لفظا ومعنى، كما لا يخفى قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني، وإنما كرر الويل ليفيد أن الهلاك مرتب على كل واحد من الفعلين على حدته لا على مجموع الأمرين وأخر يكسبون، لأن الكتابة مقدمة ونتيجتها كسب المال، فالكتب سبب، والكسب مسبب، فجاء النظم على هذا الترتيب اهـ كرخي.\rوالرشا: بضم الراء وكسرها جمع رشوة بتثليثها وهي ما يدفع إلى الحاكم ليحكم بحق أو ليمتنع من ظلم اهـ زاده.\rقوله: إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً هذا استثناء مفرغ وأياما منصوب على الظرف بالفعل قبله، والتقدير لن تمسنا النار أبدا إلا في أيام قلائل يحصرها العد، لأن العد يحصر القليل، وأصل أيام أيوام لأنه جمع يوم نحو قوم وأقوام فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون فوجب قلب الواو ياء وإدغام الياء في الياء مثل هين وميت اهـ سمين.\rقوله؛ مَعْدُودَةً أي يضبطها العد يلزمها في العادة القلة، فقوله: قليلة الخ تفسير باللام اهـ شيخنا.\rقوله: (حذفت منه همزة الوصل) أي لاستثقال اجتماع همزتين كما مر اهـ كرخي.\rقوله: (ميثاقا منه) أي خبرا ووعدا بما تزعمون اهـ بيضاوي.\rقوله: فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله: أَتَّخَذْتُمْ وهل هذا بطريق تضمين الاستفهام معنى الشرط أو بطريق إضمار الشرط بعد الاستفهام وأخواته قولان تقدم","part":1,"page":104},{"id":106,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 105\rكَسَبَ سَيِّئَةً شركا وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ بالإفراد والجمع أي استولت عليه وأحدقت به من تحقيقهما، واختار الزمخشري القول الثاني، فإنه قال: لن يختلف متعلق بمحذوف تقديره إن اتخذتم عند اللّه عهدا فلن يخلف اللّه عهده، وقال ابن عطية: فلن يخلف اللّه عهده اعتراض بين أثناء الكلام كأنه يعني بذلك أن قوله: أم تقولون معادل لقوله اتخذتم، فوقعت هذه الجملة بين المتعادلين معترضة، والتقدير أي هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم بغير علم، فعلى هذا لا محل لها من الإعراب، وعلى الأول محلها الجزم اهـ سمين.\rقوله: أَمْ تَقُولُونَ أم هنا يحتمل أن تكون متصلة وهي التي يطلب بها وبالهمزة التعيين، وحينئذ فالاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلم بالشق الأخير كأنه قيل: أم لم تتخذوه، بل تقولون الخ. ويحتمل أن تكون منقطعة وهي التي بمعنى بل والاستفهام لإنكار الاتخاذ ونفيه ومعنى بل الاضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على اتخاذ العهد إلى ما تفيده همزتها من التوبيخ على القول اهـ من أبي السعود.\rوالجلال جرى على الثاني حيث قدر جواب الهمزة بلا النافية، وفسّر أم ببل وهي للإضراب الانتقالي، وبعد ذلك فأم المنقطعة تفسر ببل وحدهها أو ببل مع الهمزة خلاف بينهم، والشارح جرى على الأول فيكون المعنى على نفي ما في حيز الهمزة، وإثبات ما في حيز أم، ويكون الكلام في الحقيقة من قبيل الخبر بخلافه على كونها متصلة فهو من قبيل الإنشاء اهـ شيخنا.\rقوله: بَلى حرف جواب كنعم وجير وأجل وإي إلا أن بلى جواب لنفي متقدم أي إبطال ونقض وإيجاب له سواء دخله استفهام أم لا فتكون إيجابا له نحو قول القائل؛ ما قام زيد. فتقول: بلى أي قد قام، وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى أي هو قائم. قال تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172]، ويروى عن ابن عباس أنهم لو قالوا نعم لكفروا اهـ سمين.\rقوله: (تمسكم وتخلدون) أشار به إلى أن بلى جواب وإثبات لما نفوه من مس النار لهم إلّا أياما معدودة أي بدليل ما بعده يريد أن الخلود في مقابلة قولهم إلا أياما معدودة وهو تقرير حسن اهـ كرخي.\rقوله: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً في معنى التعليل لما أفادته بل، ومن تحتمل الشرطية والموصولية والأنسب بقوله والذين آمنوا إلخ هو الثاني وأتى بالفاء في الشق الأول دون الثاني أيذانا بتسبب الخلود في النار عن الشرك وعدم تسبب الخلود في الجنة عن الإيمان، بل هو بمحض فضل اللّه تعالى اه؛ شيخنا.\rوأصل سيئة سيوئة لأنها من ساء يسوء فوزنها فيعلة فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء كما في سيد وميت اهـ.\rقوله: سَيِّئَةً (شركا) أخذه مما بعده كما أشار إليه في تقريره، وهذا ما عليه إجماع المفسرين كما قاله الواحدي اهـ كرخي.\rقوله: (بالإفراد) على أي أن المراد بها الشرك وهو واحد، وقوله والجمع أي جمع التصحيح خطيئاته على أن المراد بالخطيئات أنواع الكفر المتجددة في كل وقت وأوان اهـ كرخي.","part":1,"page":105},{"id":107,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 106\rكل جانب بأن مات مشركا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) روعي فيه معنى من\rوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) اذكر\rوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ في التوراة وقلنا لا تَعْبُدُونَ بالتاء والياء إِلَّا اللَّهَ خبر بمعنى النهي وقرئ لا تعبدوا وَأحسنوا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برا وَذِي الْقُرْبى القرابة عطف على الولدين قوله: (من كل جانب) أي فلا تبقى له حسنة. (بأن مات مشركا) أي لأن غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه لم تحط الخطيئة به أي لم تسد عليه جميع طرق الجنة بخلاف الكفر فإنه يسد على صاحبه جميع طرقها.\rقوله: (إذ أخذنا إلى إلخ) هذا التقرير يقتضي أن الخطاب مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو وإن كان صحيحا لكنه ليس مناسبا للسياق، وهو تذكير اليهود المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما وقع لأسلافهم، فالأولى الاحتمال الآخر وهو أن يكون الخطاب مع بني إسرائيل وهم اليهود المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما وقع من أسلافهم، وعلى هذا يقدر العامل اذكروا عبارة أبي السعود وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي بعدم إيمان أخلافهم، وكلمة إذ نصب بإضمار فعل خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون ليحملهم التأمل والنظر في أحوالهم على قطع الطمع في إيمانهم، أو خوطب به اليهود الموجودون في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم توبيخا لهم بسوء صنيع أسلافهم، أي اذكروا إذا أخذنا ميثاقهم الخ انتهت.\rقوله: مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي الذين كانوا في زمن موسى.\rقوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فيه التفات عن التعبير بالغيبة في بني إسرائيل، وهذا إذا لم يقدروا وقلنا كما صنعه الشارح، فإن قدر فلا التفات اهـ من السمين.\rقوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ جعله الشارح معمولا لقول محذوف، وهذا القول يحتمل أنه في محل الحال، ويحتمل أن هذا القول المقدر ليس في محل اللحال، بل هو مجرد إخبار، وهو المتبادر من قول الجلال خبر بمعنى النهي، ويحتمل أن جملة لا تعبدون مفسرة لأخذ الميثاق، وذلك أنه لما ذكر اللّه تعالى أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إبهام للميثاق ما هو، فأتى بهذه الجملة مفسرة له ولا محل لها حينئذ من الإعراب اهـ من السمين.\rقوله: (خبر بمعنى النهي) وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من الاعتناء بشأن المنهي وتأكد طلب امتثاله حتى كأنه امتثل وأخبر عنه اهـ زكريا.\rوعبارة أبي السعود، وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إبهام أن المنهي عنه حقه أن يسارع إلى الانتهاء عما نهي عنه، فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهي انتهت.\rقوله: (قرئ لا تعبدوا) أي بصريح النهي، وهذه القراءة شاذة اهـ كرخي.\rوفيه الشارح على شذوذها بقوله: وقرئ على قاعدته أنه يشير للسبعية بقوله وفي قراءة، وللشاذة بقوله وقرئ، وهذه القاعدة أغلبية في كلامه وسيأتي أنه يخالفها في مواضع قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ","part":1,"page":106},{"id":108,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 107\rوَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ قولا حُسْناً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد والرفق بهم وفي قراءة بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فقبلتم ذلك ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الوفاء به فيه التفات عن الغيبة والمراد آباؤهم إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) عنه كآبائكم\rوَإِذْ أَخَذْنا متعلق بمحذوف كما قدره الشارح وإنما عطف بر الوالدين على الأمر بعبادة اللّه، لأن شكر المنعم واجب، وللّه على عبده أعظم النعم لأنه أوجده بعد العدم، فيجب تقديم شكره على شكر غيره، ثم إن للوالدين على الولد نعمة عظيمة لأنهما السبب في وجوده، ولهما عليه حق التربية فحقهما يلي حق المنعم بالوجود الحقيقي وعطف على برهما بر ذوي القربى، لأن حق القرابة تابع لحق الوالدين، والإحسان إليهم إنما هو بواسطة الوالدين اهـ من الخازن.\rقوله: (مصدر) في القاموس الحسن بالضم الجمال والجمع محاسن على غير قياس وقياسه أن يكون جمعا لمحسن كمسجد وحسن ككرم ونصر فهو حاسن وحسن بفتحتين وحسين كأمير وحسان كغراب وحسان كرمان اهـ.\rوأما حسن بفتحتين على قراءة حمزة والكسائي فهو صفة مشبهة لا مصدر كما فهم من عبارة القاموس فسقط ما للكرخي هنا.\rقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ يريد بهما ما فرض عليهم في ملتهم اهـ كرخي.\rقوله: (فقبلتم ذلك) أي الميثاق المذكور وقدر هذا ليعطف عليه قوله؛ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ اهـ.\rقوله؛ (فيه التفات عن الغيبة) أي إلى الخطاب لأن ذكر بني إسرائيل إنما وقع بطريق الغيبة، وهذا الذي ذكره الزمخشري إنما يجيء على قراءة لا يعبدون بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب فلا التفات البتة، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج عن خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاب الحاضرين في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد قيل بذلك فيكون التفاتا على القراءتين، ومن فوائد الالتفات تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والإملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومن أسلم منهم كعبد اللّه ابن سلام وأضرابه اهـ كرخي.\rقوله: (كآبائكم) وعلى هذا يكون العطف للمغايرة، لأن قوله ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ خطاب والمراد آباؤهم وقوله: وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ خطاب لهم مع كونهم مرادين بأنفسهم فكأنه قال: ثم تولى آباؤكم وتوليتم تبعا لهم اهـ شيخنا. والسمين.\rوقال أبو البقاء: ثم توليتم يعني آباؤهم وأنتم معرضون يعني أنفسهم، كما قال: وإذ نجيناكم من آل فرعون أي آباءكم اه، وهذا يؤدي إلى أن جملة قوله وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ لا تكون حالا لأن فاعل التولي في الحقيقة ليس هو صاحب الحال واللّه أعلم اهـ.","part":1,"page":107},{"id":109,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 108\rمِيثاقَكُمْ وقلنا لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ تريقونها بقتل بعضكم بعضا وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ لا يخرج بعضكم بعضا من داره ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ قبلتم ذلك الميثاق وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) على أنفسكم\rثُمَّ أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ بقتل بعضكم بعضا وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ فيه إدغام التاء في الأصل في الظاء وفي قراءة بالتخفيف على حذفها قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ خطاب لليهود المعاصرين له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد أسلافهم المعاصرون لموسى على سنن التذكيرات السابقة أي واذكروا يا أيها اليهود المعاصرون لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقت أن أخذنا ميثاقكم أي ميثاق آبائكم أي الميثاق عليهم في التوراة، وهذا شروع في بيان ما فعلوا بالعهد المتعلق بحقوق العباد بعد بيان ما فعلوا بالعهد المتعلق بحقوق اللّه وما يجري مجراها.\rوقوله: لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ الخ جعله الشارح معمولا لقول محذوف فيكون في محل نصب، ويحتمل أنه تفسير لأخذ الميثاق فيكون لا محل له من الإعراب على قياس ما تقدم قوله: لا تَسْفِكُونَ. في المصباح سفكت الدمع والدم سفكا من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل أرقته، والفاعل سافك وسفاك مبالغة اهـ وفي السمين. وقرئ لا تسفكون بضم الفاء وتسفكون من أسفك الرباعي اهـ.\rقوله: (بقتل بعضكم بعضا) أي لأن من أراق دم غيره، فكأنما أراق دم نفسه فهو من باب المجاز بأدنى ملابسة، أو لأنه يوجبه قصاصا فهو من باب إطلاق السبب على المسبب اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ فيه حذف حال مقدر يدل عليها ما يأتي من قوله وتخرجون فريقا الخ، والتقدير ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم متظاهرين عليهم بالإثم والعدوان، وذلك لأن العهود المأخوذة عليهم هنا أربعة، كما يؤخذ من كلام الشارح ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، ونفس الفداء اهـ.\rقوله: مِنْ دِيارِكُمْ متعلق بتخرجون. ومن لابتداء الغاية وديار جمعه دار، والأصل دوار لأنها من دار يدور، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها واعتلالها في الواحد اهـ سمين.\rقوله: (قبلتم ذلك الميثاق) أشار به إلى أن المراد هنا الإقرار الذي هو الرضا بالأمر والصبر عليه، فيكون ذلك الإقرار مجازا اهـ كرخي.\rقوله: (على أنفسكم) وشهادة المرء على نفسه مفسر بالإقرار فيكون العطف للتأكيد، وبعضهم جعله للتأسيس بحمل، ثم أقررتم على الإقرار من آبائهم وحمل وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ على شهادتهم على آبائهم اهـ.\rوعبارة البيضاوي وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ تأكيد كقولك أقر فلان شاهدا على نفسه، وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا انتهت.\rقوله: ثُمَّ أَنْتُمْ الخ أنتم مبتدأ وتقولون خبره، والنداء اعتراض بينهما اهـ شيخنا.\rقوله: (فيه إدغام التاء في الأصل) أي قبل قلبها ظاء، والأصل تتظاهرون بتاءين. الأولى: حرف","part":1,"page":108},{"id":110,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 109\rتتعاونون عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ بالمعصية وَالْعُدْوانِ الظلم وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى وفي قراءة أسرى تُفادُوهُمْ وفي قراءة تفادوهم تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره وهو مما عهد إليهم المضارعة، والثانية: تاء التفاعل فاجتمع مثلان واجتماعهما ثقيل، فخف بإدغام الثانية في الظاء، فصار اللفظ بظاء مشددة، واختير الإدغام على الحذف لقرب المخرجين، ولكون الثاني أقوى من الأول اهـ كرخي.\rقوله: (على حذفها) أي التاء الثانية وفي السمين، وهل المحذوف الثانية، وهو الأولى لحصول الثقل بها، ولعدم دلالتها على معنى المضارعة أو الأولى كما زعم هشام اهـ.\rوجملة تظاهرون حال في الواو في تخرجون أو من فريقا أو منهما اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ الباء للملابسة وصلة الفعل محذوفة، والمعنى تتظاهرون عليهم بحلفائكم من العرب حال كونكم ملتبسين بالإثم والعدوان اهـ شيخنا.\rوالإثم في الأصل الذنب وجمعه آثام، ويطلق على الفعل الذي يستحق به صاحبه الذم واللوم، وقيل: هو ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، فالإثم في الآية يحتمل أن يكون مرادا به ما ذكرت من هذه المعاني، ويحتمل أن تتجوز به عما يوجب الاسم إقامة السبب مقام المسبب، والعدوان التجاوز في الظلم، وقد تقدم في تعتدوا وهو مصدر كالكفران والغفران والمشهور ضم فائه وفيه لغة بالكسر اهـ سمين.\rقوله: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ الواو واقعة على الفريق أي وإن يأتكم ذلك الفريق الذي تخرجون من دياره وقت الحرب حال كونه أسر تفدوه، ومعنى إتيانه لهم أنه يقع في يد حلفائهم فيتمكنون من افتدائه منهم، فإذا وقع نضيري في يد الأوس يقال إنه أتى قريظة من حيث إنه وقع أيدي حلفائهم فكأنه في أيديهم تأمل.\rقوله: (و في قراءة أسرى) أي في قراءة حمزة، لكن مع الإمالة ومع كون الفعل تفدوهم، وقوله تفادوهم يعني مع أسارى بالإمالة وعدمها وكذلك تفدوهم عند غير حمزة مع أسارى بالإمالة وعدمها، فالقراءات خمسة أسرى بالإمالة مع تفدوهم، وأسارى بالإمالة وعدمها مع تفدوهم وتفادوهم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح أن كلا من أسرى وأسارى جميع أسير، وفي السمين يحتمل أن أسارى جمع أسرى، وأسرى جمع أسير اهـ.\rقوله: (تنقذوهم) تفسير بالازم ففي المختار فداه وفاداه أعطى فداءه فأنفده اهـ.\rوقوله: (أو غيره) كالرجال.\rوقوله: (و هو مما عهد إليهم) أي قوله وإن يأتوكم أسارى الخ من جملة الميثاق المأخوذ عليهم، فهو معطوف في المعنى على وقوله لا تسفكون دماءكم، لكنه الآن اعتراض بين المتعاطفين لأن قوله وهو محرم الخ حال معطوفة على الحال أعني تظاهرون الخ اهـ شيخنا.","part":1,"page":109},{"id":111,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 110\rوَهُوَ أي الشأن مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ متصل بقوله وتخرجون والجملة بينهما اعتراض أي كما حرم تلك الفداء وكانت قريظة حالفوا الأوس والنضير الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم وكانوا إذا سئلوا لم تقاتلونهم وتفدونهم قوله: (أي الشأن) أي هو ضمير الشأن ويسمى ضمير القصة، ولا يرجع إلا على ما بعده إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم هي ولا شيء منها عليها، وفائدته الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه، وهذاهو الظاهر من الوجوه المنقولة فيه، فيكون في محل رفع بالابتداء. قال في المغني:\rخالف القياس في خمسة أوجه. أحدها: عوده على ما بعده لزوما إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم عليه ولا شيء منها، الثاني: أن مفسره لا يكون إلا جملة، والثالث: أن لا يتبع بتابع يؤكد ولا يعطف عليه ولا يبدل منه. الرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء أو ناسخ. الخامس: أنه ملازم للافراد، ومن أمثلته: قل هو اللّه أحد، فإذاهي شاخصة أبصار الذين كفروا فإنها لا تعمى الأبصار اهـ كرخي.\rقوله: مُحَرَّمٌ خبر مقدم وفيه ضمير قائم مقام الفاعل، وإخراجهم: مبتدأ مؤخر. والجملة في محل رفع خبر لضمير الشأن ولم يحتج هنا إلى عائد على المبتدأ لأن الخبر نفس المبتدأ وعينه اهـ كرخي.\rقوله: (متصل بقوله وتخرجون) أي على أنه حال من فاعله أو مفعوله أو منهما، وذلك لأنه معطوف على تظاهرون الواقع حالا مما ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: (و الجملة بينهما) الجملة هي قوله: وإن يأتوكم أسارى تفدوهم، وقوله: بينهما أي بين المعطوف وهو قوله وهو محرم الخ والمعطوف عليه وهو جملة تظاهرون لأنها حال كما عرفت قوله:\r(فكان كل فريق الخ) فقريظة يقاتلون مع الأوس والنضير مع الخزرج، فإذا انتصب الحرب بين الأوس والخزرج صارت قريظة والنضير يتقاتلان تبعا لحلفائهم، فقد نقضوا الميثاق المأخوذ عليهم بعدم قتل بعضهم بعضا اهـ شيخنا.\rقوله: (و يخرب ديارهم) الضمير عائد على ما يفهم من السياق أي يخرب الفريق المقاتل بكسر التاء ديارهم أي ديار الفريق المقاتل بفتحها، فتخرب قريظة ديار النضير إذا قاتلوهم مع الأوس، وتخرب النضير ديار قريظة إذا قاتلوهم مع الخزرج.\rوقوله: (و يخرجهم) أي يخرج المقاتل بكسر التاء المقاتلين بفتحها. وقوله: (فإذا أسروا) أي أسر واحد المقاتلين بفتح التاء، ووقع في يد حلفاء المقاتلين بكسرها. وقوله: (فدوهم) أي فدى المقاتلون بكسر التاء الأسارى مثلا إذا أسر واحد من النضير ووقع في يد الأوس افتدته قريظة منهم بالمال مع أنهم لو أمكنهم قتل ذلك الأسير في وقت الحرب لقتلوه، لأنه كان يقاتلهم مع الخزرج، وهكذا يقال في عكسه. وعبارة أبي السعود، قال السعدي: إن اللّه تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه، وكانت قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشنآن، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، ثم","part":1,"page":110},{"id":112,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 111\rقالوا أمرنا بالفداء فيقال فلم تقاتلونهم فيقولون حياء أن تستذل حلفاؤنا، قال تعالى:\rأَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو الفداء وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ هوان وذل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له مالا فيفدونهم فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلوهم ثم تفدونهم؟\rفيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحيي أن تذل حلفاؤنا، فذمهم اللّه تعالى على المناقضة انتهت.\rقوله: (قالوا أمرنا بالفداء) أي فنفعله وفاء بالعهد وهو واحد من أربعة، واعتذروا عن عدم العمل بالثلاثة الباقية بقولهم حياء أن يستذل حلفاؤنا يعني أن القتل والإخراج والمظاهرة لما كان في تركها ذلّ حلفائنا فعلناها، وإن انتقض الميثاق، وأما الفداء فليس منه ذل لهم فوفينا به اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ كأن المراد بالإيمان لازمه الشرعي وهو فعل الواجبات وترك المحرمات، وقد فعلوا بعض الواجبات وهو الفداء ولم يتركوا المحرم وهو القتال والإخراج والمعاونة، بل فعلوه، وعبارة أبي السعود أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ أي التوراة التي أخذ فيها الميثاق المذكور والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وهو المفاداة، وتكفرون ببعض وهو حرمة القتال والإخراج، مع أن من قضية الإيمان ببعضه الإيمان بالباقي، لكون الكل من عند اللّه تعالى داخلا في الميثاق، فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيب النظم الكريم. وقوله: إِلَّا خِزْيٌ خبره وهو استثناء مفرغ، وبطل عمل ما عند الحجازيين لانتقاض النفي بإلا، وفي ذلك خلاف طويل محله كتب العربية اهـ كرخي.\rقوله: فَما جَزاءُ ما: نافية. وجزاء: مبتدأ ومنكم حال من فاعل يفعل أي يفعل ذلك حال كونه منكم.\rقوله: (و قد خزوا) بفتح فضم، والأصل خزيوا بكسر الزاي وضم الياء فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان الياء والواو فحذفت الياء، ثم ضمت الزاي لمناسبة الواو، وفي المصباح خزي خزيا من باب علم ذلّ وهان، وأخزاه اللّه أذله وأهانه، وخزى خزانة بالفتح وهو الاستحياء فهو خزيان اهـ.\rقوله: (بقتل قريظة) وكانت وقعتهم في السنة الثالثة عقب وقعة الأحزاب قتل صلّى اللّه عليه وسلّم منهم سبعمائة في يوم واحد. وقوله: (و نفى النضير) وكان ذلك قبل وقعة قريظة، وقوله: (و ضرب الجزية) أي على النضير في الشأم وعلى من بقي من قريظة الذين سكنوا خيبر اهـ.\rقوله: (بالياء والتاء) يمكن رجوعه لكل من يردون ويعملون لكن كل من القراءتين في يعملون سبعية وأما في يردون فالسبعية بالياء التحتانية وبالفوقانية شاذة وعبارة السمين، ويردون بالغيبة على المشهور وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون التفاتا فيكون راجعا إلى قوله أفتؤمنون، فخرج من ضمير","part":1,"page":111},{"id":113,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 112\rعَمَّا تَعْمَلُونَ (85) بالياء والتاء\rأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ بأن آثروها عليها فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) يمنعون منه\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أتبعناهم رسولا في أثر رسول وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ المعجزات كإحياء الخطاب إلى ضمير الغيبة. والثاني: أنه لا التفات فيه بل هو راجع إلى قوله: من يفعل، وقرأ الحسن تردون بالخطاب وفيه الوجهان المتقدمان فالالتفات نظرا لقوله من يفعل، وعدم الالتفات نظرا لقوله:\rأفتؤمنون وكذلك وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 74] قرئ في المشهور بالغيبة والخطاب والكلام فيها كما تقدم انتهت.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ والموصول بصلته خبره. وقوله: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الخ خبر آخر.\rوقوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ من عطف الاسمية على الفعلية.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به، والمراد بالكتاب التوراة.\rروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن التوراة لما نزلت جملة واحدة أمر اللّه عز وجل موسى عليه السّلام بحملها، فلم يطق ذلك، فبعث اللّه تعالى بكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها، فخففها اللّه تعالى لموسى عليه السّلام فحملها اهـ من أبي السعود.\rقوله: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ قفى: يتعدى لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بالباء الداخلة على التابع، فكان مقتضى الظاهر أن يقال وقفيناه بالرسل، لكنه أقام الظرف مقام المفعول، وقول الشارح أي أتبعناهم مفعوله محذوف أي أياه.\rقوله: (رسولا) الخ حال أي مترتبين اهـ. وفي السمين:\rوقفينا من بعده بالرسل، التضعيف في قفينا ليس للتعدية إذ لو كان كذلك لتعدى إلى اثنين، لأنه قبل التضعيف يتعدى لواحد نحو: قفوا زيدا، ولكنه ضمن معنى جئنا، كأنه قيل وجئنا من بعده بالرسل، فإن قيل: يجوز أن يكون متعديا لاثنين على معنى أن الأول محذوف والثاني بالرسل والباء فيه زائدة تقديره وقفينا من بعده الرسل. فالجواب: أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك تبعد هذا التقدير، وسيأتي لذلك مزيد بيان في المائدة إن شاء اللّه تعالى، وقفينا أصله قفونا، ولكن لما وقعت الواو رابعة قلبت ياء واشتقاقه من قفوته إذا اتبعت قفاه، ثم اتسع فيه فأطلق على كل تابع وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع، والقفا مؤخر العنق، ويقال له القافية أيضا ومن قافية الشعر، ومن بعده متعلق بقفينا، وكذلك بالرسل وهو جمع رسول بمعنى مرسل وفعل غير مقيس في فعول بمعنى مفعول اهـ.\rقوله: بِالرُّسُلِ وهو يوشع وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم السّلام اهـ أبو السعود.\rوقد قيل: إن عدد الأنبياء بين موسى وعيسى سبعون ألفا، وقيل أربعة آلاف، وكانوا جميعا على شريعة موسى، فكانوا مأمورين بالعمل بالتوراة وتبليغها إلى أممهم، وذكر السيوطي في التحبير أن مدة","part":1,"page":112},{"id":114,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 113\rالموتى وإبراء الأكمه والأبرص وَأَيَّدْناهُ قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار فلم تستقيموا أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا ما بين موسى وعيسى ألف وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة اهـ.\rقوله: (في أثر رسول) في المصباح جئت في أثره بفتحتين، وفي إثره بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي تبعته عن قرب اهـ.\rوكون بعضهم في أثر بعض ليس من لفظ الآية وإنما أخذه الجلال من السياق والمقام، وهذا يفيد عدم اجتماع رسولين في زمن واحد، فإن كان المراد بالرسل خصوص من أمروا بالتبليغ أمكنت صحته، وإن كان المراد بهم مطلق الأنبياء بعد كل البعد، لأن من المعلوم أنهم قتلوا سبعين نبيا في يوم واحد فانظر اجتماع هذا العدد في وقت واحد اهـ شيخنا.\rقوله: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ خصه بالذكر من بين الرسل عليهم الصلاة والسّلام، ووصفه بما ذكر من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس لما أن بعثتهم كانت لتنفيذ أحكام التوراة وتقريرها، وأما عيسى عليه السّلام، فقد نسخ بشرعه كثيرا من أحكامها ولحسم مادة اعتقادهم الباطل في حقه عليه السّلام، ببيان حقيقته، وإظهار كمال قبح ما فعلوه به عليه السّلام اهـ أبو السعود.\rومريم: أصله بالسريانية صفة بمعنى الخادم ثم سمي به فذلك لم ينصرف، وفي لسان العرب وهي المرأة التي تكره مخالطة الرجال اهـ سمين.\rقوله: (و إبراء الأكمة) أي الأعمى سواء كان عماه خلقيا أو طارئا. وفي المصباح: كمه كمها من باب تعب فهو أكمه والمرأة كمهاء. مثل: أحمر وحمراء، وهو العمى يولد عليه الإنسان وربما كان من عرض اهـ.\rقوله: وَأَيَّدْناهُ معطوف على قوله: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اهـ.\rوفي المختار: آد الرجل اشتد وقوي وبابه باع والايد والآد بالمد القوة تقول أيده تأييدا، والفاعل منه مؤيد بوزن مكرم وتأيد الشيء تقوى ورجل أيد بوزن جيد أي قوي اهـ.\rقوله: (جبريل) وتسميته روحا على سبيل الاستعارة لمشابهة الروح الحقيقي في أن كلا جسم لطيف نوراني، وأن كلا مادة الحياة فجبريل تحيا به القلوب والأرواح من حيث إتيانه بالوحي والعلوم والروح تحيا به الأبدان ولأجساد. وقوله: (لطهارته) أي عن مخالفة اللّه تعالى في شيء ما لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ [التحريم: 6] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (يسير معه الخ) فلم يفارقه حتى صعد به إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وهذا بيان لوجه تأييده به أه شيخنا.\rقوله: (فلم تستقيموا) هذاهو المقصود بسياق الكلام من قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الخ، وهذا كناية عن التكذيب والقتل وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم اهـ كرخي.\rوأيضا أشار به إلى أن قوله: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ الخ معطوف على هذا المقدر، فكأنه قيل","part":1,"page":113},{"id":115,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 114\rتَهْوى تحب أَنْفُسُكُمُ من الحق اسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن اتباعه جواب كلما وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ فَفَرِيقاً منهم كَذَّبْتُمْ كعيسى وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) المضارع لحكاية الحال الماضية أي قتلتم كزكريا ويحيى\rوَقالُوا للنبي استهزاء قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع أغلف أي مغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول قال تعالى: بَلْ للإضراب لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم عن فلم تستقيموا فاستكبرتم كلما جاءكم رسول الخ وتوسيط الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لأجل توبيخهم على تعقيبهم النعم التي عددت عليهم باستكبارهم المذكور اهـ.\rقوله: بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ متعلق بقوله جاءكم، وجاء يتعدى بنفسه تارة كهذه الآية وبحرف الجر أخرى نحو جئت إليهم، وما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف لاستكماله الشروط والتقدير بما لا تهواه اهـ سمين.\rوتهوى مضارع هوي بالكسر إذا مال وأحب، وفي المختار هوي أحب وبابه صدي، ويقال هوى يهوي كرمى يرمي هويا بالفتح إذا سقط اهـ.\rوهويا بضم الهاء وفتحهما اهـ مصباح.\rوقوله: (من الحق) بيان لما وأشار به إلى أن ما موصولة وعائدها محذوف كما تقدم.\rقوله: (تكبرتم) أي فالسين زائدة للمبالغة اهـ.\rقوله: (و هو محل الاستفهام) أي فالتقدير استكبرتم كلما جاءكم رسول الخ، ومعنى كونه محل الاستفهام أنه هو المستفهم عنه والموبخ عليه والمعير به.\rقوله: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ الفاء عاطفة جملة كذبتم على استكبرتم وفريقا مفعول مقدم قدم لتتسق رؤوس الآي وكذا وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ولا بد من محذوف أي فريقا منهم، والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرتهم لفريق من الرسل بالتكذيب ومبادرتهم لآخرين بالقتل، وقدم التكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر لأنه مشترك بين المقتول وغيره، فإن المقتولين قد كذبوهم أيضا، وإنما لم يصرح به لأنه ذكر أقبح منه في الفعل اهـ سمين.\rقوله: (لحكاية الحال الماضية) وصورتها: أن يقدر ويفرض الواقع في الماضي واقعا وقت التكلم ويجبر عنه بالمضارع الدال على الحال.\rقوله: وَقالُوا (للنبي استهزاء) أشار به إلى أن هذا القول صدر من فريق آخر وذلك الفريق هم المعاصرون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: (أي مغشاة بأغطية) ينبغي حملها على الحسية ليصح كون القول استهزاء، وإلا فلا شك أنها مغطاة بالأغطية المعنوية كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: 14] الآية وليصح إبطال هذا القيل بالإضراب المذكور، وإلا لو كان المراد المعنوية لم يصح إبطاله لأنها حاصلة وثابتة لهم اهـ شيخنا. وفي السمين. غُلْفٌ بسكون اللام جمع أغلف كأحمر وحمر وأصفر وصفر، والمعنى على","part":1,"page":114},{"id":116,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 115\rرحمته وخذلهم عن القبول بِكُفْرِهِمْ وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88) ما زائدة لتأكيد القلة أي إيمانهم قليل جدا\rوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة هو القرآن وَكانُوا مِنْ قَبْلُ قبل مجيئه يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الحق وهو بعثة النبي كَفَرُوا بِهِ حسدا وخوفا على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب الثانية فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89)\rبِئْسَمَا اشْتَرَوْا باعوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي حظها من هذا أنها خلقت وجبلت مغشاة لا يصل إليها الحق استعارة من الأغلف الذي لم يختتن اهـ.\rقوله: (بل للإضراب) أي الإبطالي: قوله: (و ليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم) أي كما ادعوا من أنها مغطاة، فهذا هو الخلل اهـ شيخنا.\rقوله: (أي إيمانهم قليل جدا) قلته باعتبار قلة المؤمن به وهو الظاهر أو باعتبار قلة الأفراد المؤمنين منهم اهـ شيخنا.\rوقليلا منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أي فيؤمنون إيمانا قليلا. هذاهو المتبادر من صنيع الجلال، ويحتمل أنه صفة لزمان محذوف أي فزمانا قليلا يؤمنون فهو على حد قوله آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: 72] اهـ سمين.\rقوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ أي جاء اليهود المعاصرين له صلّى اللّه عليه وسلّم فهذا راجع لقوله: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ وسيأتي أن جواب لما هذه محذوف، وحينئذ فيقدر قبل قوله: وكانوا الخ ويكون هذا المعطوف معطوفا على الشرطية الأولى بتمامها من الشرط والجواب وتكون الشرطية الأولى إشارة إلى قصة، والمعطوف مع ما بعده إشارة إلى قصة أخرى، فالأول إشارة إلى كفرهم بالقرآن، والثاني إشارة إلى كفرهم بالنبي، وهذا أحسن ما قيل هنا من الأعاريب، فالمعنى ولما جاءهم كتاب مصدق لكتابهم كذبوه، وكانوا من قبل مجيئه يستفتحون بمن أنزل عليه ذلك الكتاب، فلما جاءهم ذلك النبي الذي عرفوه كفروا به اهـ شيخنا.\rقوله: (من التوراة) بيان لما. قوله: (يقولون اللهم انصرنا الخ) عبارة الخازن يستفتحون يستنصرون به على الذين كفروا يعني مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا إذا حزبهم أمر، ودهمهم عدو يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم انتهت.\rوفي المصباح: فتح اللّه على نبيه نصره واستفتحت استنصرت اهـ.\rوفي المختار: والاستفتاح الاستنصار والفتح النصر اهـ.\rقوله: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ جملة من مبتدأ وخبر متسببه عما تقدم، والمصدر هنا مضاف للفاعل وأتى بعلى تنبيها على أن اللعنة قد استعلت عليهم وشملتهم، وقال على الكافرين ولم يقل","part":1,"page":115},{"id":117,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 116\rالثواب وما نكرة بمعنى شيئا تمييز لفاعل بئس والمخصوص بالذم أَنْ يَكْفُرُوا أي كفرهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن بَغْياً مفعول له ليكفروا أي حسدا على أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف والتشديد مِنْ فَضْلِهِ الوحي عَلى مَنْ يَشاءُ للرسالة مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ رجعوا بِغَضَبٍ من اللّه بكفرهم بما أنزل والتنكير للتعظيم عَلى غَضَبٍ استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) ذو إهانة\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ القرآن وغيره قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي التوراة، قال تعالى وَيَكْفُرُونَ الواو للحال بِما وَراءَهُ سواه عليهم إقامة للظاهر مقام المضمر لينبه على السبب المقتضي لذلك وهو الكفر اهـ سمين.\rقوله: (باعوا) أي استبدلوا والباء في به داخلة على المأخوذ. قوله (تمييز لفاعل بئس) أي المستكن على معنى بئس الشيء شيئا واشتروا به أنفسهم صفة ما اهـ كرخي.\rقوله: (و المخصوص بالذم أن يكفروا) إشارة إلى أنه في تأويل مصدر كما اقتضاه السياق لظهور أن ما باعوا به أنفسهم في الماضي ليس هو أن يكفروا في المستقبل، وإنما عبر عنهم بالمضارع حكاية للحال الماضية، واستحضار لفعلهم الشنيع اهـ كرخي.\rقوله: (مفعول له ليكفروا) هذا ما استظهره السفاقسي، وهو مقتضى تفسير القاضي، لأنه قال وهو علة يكفروا دون اشتروا، وفيه رد لما قاله صاحب الكشاف من أنه علة اشتروا به اهـ كرخي.\rقوله: (على) أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ قدر على ليفيد أنه على إسقاط الخافض لا أنه مفعول من أجله اهـ كرخي.\rقوله: (الوحي) مفعول ينزل، فأشار إلى أنه محذوف، وأن إنزاله بفضل اللّه وليس بواجب عليه، وعبارة الكرخي قوله: الوحي إشارة إلى أن من فضله صفة لموصوف محذوف وهو مفعول ينزل اهـ.\rقوله: (بكفرهم) الباء سببية: قوله: (بما أنزل) هو القرآن وقوله: عَلى غَضَبٍ على بمعنى مع وقوله: (بتضييع التوراة) سببية. قوله: مُهِينٌ صفة لعذاب وأصله مهون، لأنه من الهوان وهو اسم فاعل من أهان يهين إهانة، مثل أقام يقيم فنقلت كسرة الواو إلى الساكن قبلها فسكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء، والإهانة الإذلال والخزي. وقال: وَلِلْكافِرِينَ ولم يقل ولهم تنبيها على العين المقتضية للعذاب المهين اهـ سمين.\rوقوله: (ذو إهانة) أي وإذلال لهم لما أن كفرهم بما أنزل اللّه تعالى كان مبنيا على الحسد المبني على طمع النزول عليهم، وادعاء الفضل على الناس والاستهانة لما أنزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم بخلاف عذاب العاصي إذ هو مطهر له فقط اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا الخ شروع في بيان ما يلزمهم في كفرهم بكتابهم الذي ادعوا الإيمان به وبيان اللزوم ان قتلهم الأنبياء يقتضي كفرهم بالتوراة، لأن فيها تحريم ذلك فلو آمنوا بها لما فعلوه، فآل أمرهم إلى كفرهم بجميع ما أنزل اللّه تعالى لا بالبعض كما ادعوا اهـ شيخنا.\rقوله: بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بجميع ما أنزل اللّه. قوله: قالُوا نُؤْمِنُ بِما أي قالوا في جواب هذا","part":1,"page":116},{"id":118,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 117\rأو بعده من القرآن وَهُوَ الْحَقُ حال مُصَدِّقاً حال ثانية مؤكدة لِما مَعَهُمْ قُلْ لهم فَلِمَ تَقْتُلُونَ أي قتلتم أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم، القيل. يعني قالوا نفرق في الإيمان بما أنزل اللّه فنؤمن بما أنزل على أنبيائنا، ونكفر بما أنزل على محمد اهـ.\rقوله: (الواو للحال) أي قالوا أنؤمن حال كونهم كافرين بكذا، ولم تجعل هذه الجملة استئنافية استؤنفت للأخبار لأنهم يكفرون بما عدا التوراة لأن الحال ادخل في رد مقالتهم أي قالوا ذلك مقارنا لشاهد على بطلانه اهـ كرخي.\rقوله: بِما وَراءَهُ متعلق بيكفرون، وما موصولة، والظرف صلتها فمتعلقة فعل ليس إلا والهاء في وراء تعود على ما في قوله نؤمن بما أنزل علينا ووراء من الظروف المتوسطة التصرف وهو ظرف مكان، والمشهور أنه بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى أمام فهو من الأضداد، وفسره الفراء هنا بمعنى سوى التي بمعنى غير، وفسره أبو عبيدة وقتادة بمعنى بعد، وفي همزته قولان. أحدهما: أنها أصل بنفسها، وإليه ذهب ابن جني مستدلا بثبوتها في التصغير في قولهم وريئة. والثاني: أنها بدل من ياء لقولهم تواريت. قال أبو البقاء: وفيه نظر ولا يجوز أن تكون الهمزة بدلا من واو لأن ما فاؤه واو لا يكون لامه واوا إلا نذورا اهـ سمين.\rقوله: (حال) من ما والعامل فيها يكفرون.\rقوله: (مصدقا) حال ثانية مؤكدة، أي لأن قوله وهو الحق قد تضمن معناها، والحال المؤكدة إما أن تؤكد عاملها نحو: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60]، وإما أن تؤكد مضمون جملة، فإن كان الثاني التزم إضمار عاملها وتأخيرها عن الجملة والتقدير وهو الحق أحقه مصدقا اهـ سمين، وفي أبي السعود (مصدقا) حال مؤكدة لمضمون الجملة وصاحبها إما ضمير الحق وعاملها ما فيه من معنى الفعل، قاله أبو البقاء، وإما ضمير دل عليه الكلام وعاملها فعل مضمر أي أحقه مصدقا اهـ.\rقوله: قُلْ (لهم) أي إلزاما وبيانا لكفرهم بالتوراة التي ادعوا الإيمان بها اهـ شيخنا.\rقوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ الفاء جواب شرط مقدر إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم قتلتموهم وهذا تكذيب لهم لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه ولم جار ومجرور اللام حرف جر وما استفهامية في محل جر أي لأي شيء، ولكن حذفت ألفها فرقا بينها وبين ما الخبرية وقد تحمل الاستفهامية على الخبرية، فتثبت ألفها. وقد تحمل الخبرية على الاستفهامية فتحذف ألفها اهـ سمين.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في إن قولان. أحدهما: أنها شرطية وجوابها محذوف تقديره إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلم فعلتم ذلك، ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرتين فحذف الشرط من الجملة الأولى، وبقي جوابها وهو فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثانية وبقي شرطه فقد حذف من كل واحدة ما أثبت في الأخرى. وقال ابن عطية: جوابها متقدم وهو قوله: فلم، وهذا إنما يتأتى على قول الكوفيين وأبي زيد. والثاني: أن إن نافية بمعنى ما أي ما كنتم مؤمنين لمنافاة ما صدر منكم للإيمان اهـ سمين.","part":1,"page":117},{"id":119,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 118\rوالخطاب للموجودين في زمن نبينا بما فعل آباؤهم لرضاهم به\rوَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات كالعصا واليد وفلق البحر ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ إلها مِنْ بَعْدِهِ من بعد ذهابه إلى الميقات وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) باتخاذه\rوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ على العمل بما في التوراة وَقد وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي خالط حبه قلوبهم كما يخالط الشراب قوله: (لرضاهم به) أي وعزمهم عليه. وفي الآية دليل على أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى الخ هذا داخل تحت الأمر السابق. أي وقل لهم لقد جاءكم موسى الخ، فالغرض منه بيان كذبهم في قولهم نؤمن بما أنزل علينا أي: لو آمنتم بالتوراة كما ادعيتم لما عبدتم العجل لتحريم التوراة لعبادته، لكنكم عبدتموه فلم تؤمنوا بها، هكذا أفاده البيضاوي، وكثير من المفسرين، وفيه: أنه لا يظهر إلا لو كانت عبادتهم العجل بعد نزول التوراة حتى يلزم مخالفتهم لما فيها، والواقع ليس كذلك، لأن عبادة العجل كانت حين غيبة موسى للإتيان بالتوراة، ففي وقت عبادتهم لم تحصل مخالفتهم للتوراة فليتأمل اهـ شيخنا. وهذا التعقب أشار له أبو السعود.\rقوله: بِالْبَيِّناتِ في محل الحال من موسى على أن الباء للملابسة أو المصاحبة. أي جاءكم ذا بينات وحجج أو معه البينات اهـ سمين.\rقوله: (كالعصا واليد) أي وكالخمسة المذكورة في الأعراف فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ [الأعراف: 133] الآية (و كتظليل الغمام) و(إنزال المن والسلوى) وانفجار الماء من الحجر اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ثم للتراخي في الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما صنعوا اهـ أبو السعود.\rقوله: (من بعد ذهابه إلى الميقات) أي ليأتي بالتوراة. وقوله: (و أنتم ظالمون) حال. أي اتخذتم العجل حال كونكم ظالمين، أي كافرين بعبادته. وهذا الآية توبيخ لليهود على كفرهم وعبادتهم العجل بعدما رأوا آيات موسى، وبيان أنهم كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فليس بأعجب من كفرهم في زمان موسى اهـ سمين.\rقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ توبيخ من جهة اللّه تعالى وتكذيب لهم في ادعائهم الايمان بما أنزل عليهم بتذكير جناياتهم الناطقة بتكذيبهم، أي واذكروا حين أخذنا ميثاقكم الخ أبو السعود. قوله:\rوَرَفَعْنا أي والحال. قوله: قالُوا سَمِعْنا أي بآذاننا وَعَصَيْنا أي بقلوبنا وغيرها اهـ زكريا.\rقوله: وَأُشْرِبُوا يجوز أن يكون معطوفا على قوله: قالُوا سَمِعْنا ويجوز أن يكون حالا من فاعل قالوا أي قالوا ذلك وقد أشربوا، ولا بد من إضمار قد لتقرب الماضي إلى الحال خلافا للكوفيين","part":1,"page":118},{"id":120,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 119\rبِكُفْرِهِمْ قُلْ لهم بِئْسَما شيئا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتوراة عبادة العجل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) بها كما زعمتم. المعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل حيث قالوا لا يحتاج إليها، ويجوز أن يكون مستأنفا لمجرد الإخبار بذلك، واستضعفه أبو البقاء قال:\rلأنه قال بعد ذلك: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ فهو جواب قوله سَمِعْنا وَعَصَيْنا فأولى أن لا يكون بينهما أجنبي، والواو في أشربواهي المفعول الأول قامت مقام الفاعل، والثاني هو العجل لأن شرب يتعدى بنفسه، فأكسبته الهمزة مفعولا آخر اهـ كرخي.\rوالإشراب مخالطة المائع للجامد، ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو أشرب بياضه حمرة، والمعنى أنهم داخلهم حب عبادة العجل، كما دخل الصبغ الثوب، وعبر بالشرب دون الأكل، لأن المشروب يتغلغل في باطن الشيء بخلاف المأكول فإنه يجاوره اهـ سمين.\rقوله: (خالط حبه) أي حب عبادته وحسن حذف هذين المضافين للمبالغة في ذلك، حتى كأنه تصور بأشربوا ذات العجل اهـ كرخي.\rقوله: (كما يخالط الشراب) مفعوله محذوف، وقد ذكره غيره بقوله أعماق البدن أي أجزاءه الباطنة. قوله: بِكُفْرِهِمْ الباء للسببية متعلقة بأشربوا، أي أشربوا بسبب كفرهم السابق اهـ سمين.\rقوله: (قل لهم) أي توبيخا لحاضري اليهود إثر ما بين أحوال رؤسائهم الذين يقتدون بهم في كل ما يأتونه وما يذرون اهـ أبو السعود.\rقوله: بِئْسَما فعل ماض وفاعله مستتر فيه يعود على عبادة العجل وما تمييز للفاعل المضمر.\rوقوله: يَأْمُرُكُمْ جملة وقعت نعتا لما التي هي بمعنى شيئا. وقوله: (بالتوراة) متعلق بإيماكم.\rوقوله: (عبادة العجل) بيان للمخصوص بالذم المحذوف اهـ. وعبارة الكرخي: وإسناد الأمر إلى إيمانهم تهكم، وذلك، وكذلك إضافة الإيمان إليهم. أما الثاني، فظاهر كما في قوله: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون تحقيرا ودلالة على أن مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانا إلا بالإضافة إليكم، وأما الأول: فلأن الإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادة من هو في غاية العلم والحكمة، فالاخبار بأن إيمانهم يأمر بعبادة ما هو في غاية البلادة وغاية التهكم والاستهزاء. سواء جعل يأمر به معنى يدعو إليه أم لا انتهت.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يجوز فيها الوجهان السابقان من كونها نافية وشرطية، وجوابها محذوف تقديره فبئسما يأمركم. وقيل: تقديره فلا تقتلوا أنبياء اللّه، ولا تكذبوا الرسل، ولا تكتموا الحق، وأسند الإيمان إليهم تهكما بهم ولا حاجة إلى حذف صفة أي إيمانكم الباطل، أو حذف مضاف، أي صاحب إيمانكم اهـ سمين.\rقوله: (المعنى لستم بمؤمنين الخ) إشارة لما قرره غيره من أن هذا من قبيل القياس الاستثنائي وتقريره هكذا لو كنتم مؤمنين لم يأمركم إيمانكم بعبادة العجل لكنه أمركم بها فلستم بمؤمنين فقوله:\r(لستم بؤمنين) هو النتيجة، وقوله: (لأن الإيمان الخ) إشارة إلى مقدم الشرطية وقوله: (لا يأمر الخ) إشارة إلى تاليها. هكذا وجه التطبيق بين كلامه وكلام غيره، وبعد ففي المقام وقفة من جهة كذب","part":1,"page":119},{"id":121,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 120\rوالمراد آباؤهم أي فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمدا والإيمان بها لا يأمركم بتكذيبه\rقُلْ لهم إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي الجنة عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً خاصة مِنْ دُونِ النَّاسِ كما زعمتم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) تعلق بتمنيه الشرطان على أن الأول قيد في الثاني أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه\rوَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ الاستثنائية حيث قالوا في بيانها لكنه أمركم بعبادة العجل فصغرى القياس كاذبة، وحينئذ لا ينتج إنتاجا صحيحا، ولذلك قرر البيضاوي الاستثنائية بقوله: لكنه لم يأمركم بما ذكر كأنه فر بهذا مما ذكر، وإن وقع في خطأ آخر وهو أنه استثنى عين التالي وهو لا ينتج اهـ.\rقوله: قُلْ إِنْ كانَتْ الخ كرر الأمر مع قرب العهد بالأمر السابق لما أنه أمر بتبكيتهم وإظهار كذبهم في فن آخر من أباطيلهم، لكنه لم يحك عنه قبل الأمر بإبطالة، بل اكتفى بالإشارة إليه في تضعيف الكلام اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ شرط جوابه فَتَمَنَّوُا والدار: اسم كان وهي الجنة، والأولى أن يقدر حذف مضاف أي نعيم الدار، لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا وهي للفريقين، واختلفوا في خبر كان على ثلاثة أقوال. أحدها: أنه خالصة فيكون عند ظرفا لخالصة وللاستقرار الذي في لكم. والثاني: أن الخبر لكم فيتعلق بمحذوف ونصب خالصة حينئذ على الحال.\rوالثالث: أن الخبر هو الظرف وخالصة حال أيضا اهـ سمين.\rقوله: خالِصَةً أشار إلى أن خالصة مصدر جاء على فاعلة كالعافية والعاقبة وهو بمعنى الخلوص اهـ كرخي.\rوقوله: مِنْ دُونِ النَّاسِ مؤكد له لأن دون تستعمل للاختصاص. يقال: هذا إلى دونك أي من دونك أي لا حق لك فيه اهـ شهاب.\rقوله: (كما زعمتم) أي حيث قلتم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا اهـ بيضاوي.\rقوله: (تعلق بتمنيه الخ) الأظهر تعلق تمنيه بالشرطين وقوله: (على أن الأول الخ) غير ظاهر لأن الأول هو تمام معنى الثاني، فلا يتحقق معنى الثاني بدونه، وشأن القيد واستقلال المقيد بدونه اهـ شيخنا.\rوجعل بعضهم الجواب المذكور جوابا عن الأول، وجعل جواب الثاني محذوفا. وعبارة أبي السعود إن كنتم صادقين جوابه محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه أي إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فتمنوه انتهت.\rقوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً هذا في المعنى إشارة إلى استثناء نقيض التالي، وقوله: (المستلزم لكذبهم) إشارة إلى النتيجة التي هي نقيض المقدم اهـ شيخنا.\rوهذا كلام مستأنف غير داخل تحت الأمر سبق من جهته تعالى لبيان ما يكون منهم من الإحجام","part":1,"page":120},{"id":122,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 121\rبِالظَّالِمِينَ (95) الكافرين فيجازيهم\rوَلَتَجِدَنَّهُمْ لام قسم أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ أحرص وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا المنكرين للبعث عليها لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم عما دعوا إليه اهـ كرخي، وأبدا: منصوب بيتمنوه وهو ظرف زمان يصدق بالماضي والمستقبل تقول ما فعلت أبدا اهـ سمين.\rوقال: هنا لن. وفي الجمعة لا لأن لن أبلغ في النفي من لا حتى قيل إنها لتأييد النفي، ودعواهم هنا بالغة قاطعة، وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص، ولأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية، لأن الثانية تراد لحصول الأولى فناسب ذكر لن فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرة مردودة، وهي زعمهم أنهم أولياء للّه فناسب ذكر لا فيها اهـ كرخي.\rقوله: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ متعلق بيتمنوه، والباء للسببية أي بسبب ما عملوا من المعاصي وما يجوز، فيها ثلاثة أوجه. أظهرها: كونها موصولة بمعنى الذي، والثاني: أنها نكرة موصوفة والعائد على كلا القولين محذوف أي قدمته، فالجملة لا محل لها على الأول، وحملها الجر على الثاني والثالث أنها مصدرية أي بتقديم أيديهم اهـ سمين.\rقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ الخ هذا أبلغ من قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً يعني أنهم أشد الناس حرصا على الحياة زيادة عن عدم تمني الموت اهـ شيخنا.\rوهذه اللام جواب قسم محذوف، والنون للتوكيد تقديره: واللّه لتجدنهم ووجد ههنا متعدية لمفعولين: أولهما الضمير، والثاني أحرص، وإذا تعدت لاثنين كانت كعلم في المعنى نحو: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ [الأعراف: 102] ويجوز أن تكون متعدية لواحد ومعناها معنى صادف وأصاب وينتصب أحرص على الحال اهـ سمين.\rقوله: أَحْرَصَ النَّاسِ في المصباح وحرص عليه حرصا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحرص بالكسر وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضا، وحرص حرصا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة اهـ.\rقوله: عَلى حَياةٍ متعلق بأحرص، لأن هذا الفعل يتعدى بعلى. تقول حرصت عليه والتنكير في حياة للتنبيه على أنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي على الحياة بالتعريف، وقيل: إن ذلك على حذف مضاف تقديره على طول حياة، وأصل حياة حيية تحركت الياء الثانية وانفتح ما قبلها ألفا اهـ سمين.\rقوله: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، وذكر الشارح هذا المحذوف بقوله: وأحرص من الذين أشركوا. وفي السمين: وهذا العطف محمول على المعنى، لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس، فكأنه قيل أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، ويحتمل أنه حذف من الثاني لدلالة الأول عليه،، والتقدير وأحرص من الذين أشركوا اهـ بنوع تصرف في اللفظ.\rفإن قلت: الذين أشركوا قد دخلوا تحت الناس في قوله: أَحْرَصَ النَّاسِ فلم أفردهم بالذكر.","part":1,"page":121},{"id":123,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 122\rله يَوَدُّ يتمنى أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لو مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول يود وَما هُوَ أي أحدهم بِمُزَحْزِحِهِ مبعده مِنَ الْعَذابِ النار أَنْ يُعَمَّرَ فاعل مزحزحه أي تعميره وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) بالياء والتاء فيجازيهم وسأل ابن صوريا النبي قلت: أفردهم بالذكر لشدة حرصهم له، وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين لا يؤمنون بالمعاد ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا لا يستبعد حرصهم عليها، فإذا زاد أهل الكتاب عليهم في الحرص وهم مقرون بالبعث والجزاء كانوا أحقاء بالتوبيخ العظيم اهـ خازن.\rقوله: (عليها) متعلق بأحرص المقدرة في كلام الشارح، والضمير للحياة. قوله: (لعلمهم الخ) بيان لنكتة عطف هذا الخاص على العام، وقوله: (بأن مصيرهم الخ) أي فيحبون الحياة فرارا من هذا المصير، وقوله: (له) أي لهذا المصير اهـ شيخنا.\rقوله: أَلْفَ سَنَةٍ كناية عن الكثرة، فليس المراد خصوص هذا العدد، وفي سنة قولان.\rأحدهما: أن أصلها سنو لقولهم سنوات وسنية وسانيت، والثاني: أن أصلها سنهة لقولهم سنهات وسنيهة وسانهت، واللغتان ثابتتان عن العرب اهـ سمين.\rقوله: (مصدرية) أي لكنها لا تنصب ولا جواب لها اهـ.\rقوله: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ الخ في هذا الضمير أقوال. أحدها: أنه عائد على أحدكما جرى عليه الجلال، وما إما تميمية وهو مبتدأ خبره بمزحزحه على زيادة الباء في الخبر، وأن يعمر فاعل باسم الفاعل الذي هو مزحزح، وإما حجازية وهو اسمها وبمزحزحه خبرها على زيادة الباء إلى آخر ما تقدم.\rوالثاني: أنه تميز الأمر والشأن واليه نحا الفارسي في الحلبيات موافقة للكوفيين، فإنهم يجرون تفسير ضمير الشأن بمفرد إذا انتظم من ذلك إسناد معنوي، وعلى هذا فهو مبتدأ خبره بمزحزحه على زيادة الباء في الخبر، وأن يعمر: فاعل بالخبر، والبصريون يأبون تفسيره بالمفرد، بل لا بد من جملة مصرح بجزأيها سالمة من حرف جر إلى آخر ما في السمين.\rقوله: مِنَ الْعَذابِ من: بمعنى عن ويستعمل زحزح متعديا كما هنا ولازما كقول الشاعر:\rخليلي ما بال الدجى ولا يزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح\r\rاه سمين.\rقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ البصير في كلام العرب العالم بكنه الشيء الخبير به، ومنه قولهم: فلان بصير بالفقه. أي اللّه عليم بخفيات أعمالهم فهو مجازيهم لا محالة اهـ. أبو السعود.\rقوله: (بالياء والتاء) أي قرأ يعقوب بالياء على الخطاب لأنه خطاب للحاضرين وتذكير لهم، والباقون بالياء على الغيب لأنه حكاية عن الغائبين، وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه محيطا بأعمالهم السالفة مراعاة لرؤوس الآي، وختم الفواصل اهـ كرخي.\rقوله: (بالياء والتاء) الأولى: وهي قراءة الياء التحتية قراءة الجمهور، والثانية: وهي قراءة الفوقية قراءة يعقوب من العشرة، والخلاف فيما زاد على السبعة في أنه شاذ أو غير شاذ مشهور، وعبارة","part":1,"page":122},{"id":124,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 123\rأو عمر عمن يأتي بالوحي من الملائكة فقال جبريل فقال هو عدونا يأتي بالعذاب ولو كان ميكائيل لآمنّا لأنه يأتي بالخصب والسلم فنزل\rقُلْ لهم مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فليمت غيظا ابن السبكي: ولا تجوز القراءة بالشاذ، والصحيح أنه ما وراء العشرة وفاقا للبغوي والشيخ الإمام، وقيل: ما وراء السبعة انتهت.\rقوله: (و سأل ابن صوريا النبي الخ) عبارة الخازن: قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن عبد اللّه بن صوريا حبر من أحبار اليهود قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي ملك يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، قال: ذاك عدونا ولو كان ميكائيل لآمنا بك إن جبريل ينزل بالعذاب والشدة والخسف وإنه عادانا مرارا. وقيل، إن عمر بن الخطاب كان له أرض بأعلى المدينة وكان ممره إليها على مداس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا يوما: ما في أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أحب إلينا منك وإنا لنطمع فيك. فقال عمر:\rواللّه ما أتيتكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأرى آثاره في كتابكم، فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل. قالوا:\rذاك عدونا يطلع محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على سرنا، وهو صاحب عذاب وخسف وشدة، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلامة الخ انتهت.\rوفي البيضاوي أن عمر هو الذي سأل اليهود ونصه وقيل: دخل عمر مدارس اليهود يوما فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب الخ اهـ.\rقوله: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ من شرطية في محل رفع الابتداء، وكان خبره على ما هو الصحيح كما تقدم، وجوابه محذوف تقديره: من كان عدوا لجبريل فلا وجه لعداوته، أو فليمت غيظا.\rولا جائز أن يكون، فإنه نزله جوابا للشرط لوجهين. أحدهما: من جهة المعنى، والثاني: من جهة الصناعة. أما الأول: فلأن فعل التنزيل متحقق المضي والجزاء لا يكون إلا مستقبلا، وأما الثاني: فلأن لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، فلا يجوز من يقيم فزيد منطلق ولا ضمير في قوله، فإنه نزله يعود على «من» فلا يكون جوابا للشرط، وقد جاءت مواضع كثيرة من ذلك، ولكنهم أولوها على حذف العائد، ولجبريل يجوز أن يكون صفة لعدوا فيتعلق بمحذوف، وأن تكون اللام مقوية لتعدية عدوا إليه، وجبريل اسم ملك وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف. وقول من قال إنه مشتق من جبروت اللّه بعيد، لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال أنه مركب تركيب الإضافة، وإن جبريل معناه عبد، وأيل اسم من أسماء اللّه تعالى فهو بمنزلة عبد اللّه، لأنه كان ينبغي أن يجري الأول بوجوه الإعراب، وأن ينصرف الثاني، وكذا قول المهدوي: إنه مركب تركيب مزج نحو حضرموت، لأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلا، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت بثلاث عشرة لغة أشهرها وأفصحها جبريل بزنة قنديل وهي قراءة أبي عمرو، ونافع، وابن عمر، وحفص عن عاصم، وهي لغة الحجاز، الثانية كذلك إلا أنها بفتح الجيم وهي قراءة ابن كثير، والحسن. الثالثة جبرئيل كسلسبيل وهي لغة قريش وتميم، وبها قرأ حمزة والكسائي. الرابعة كذلك إلا أنه لا ياء بعد الهمزة، وتروى عن عاصم، ويحيى بن يعمر. الخامسة","part":1,"page":123},{"id":125,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 124\rفَإِنَّهُ نَزَّلَهُ أي القرآن عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ بأمر اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَهُدىً من الضلالة وَبُشْرى بالجنة لِلْمُؤْمِنِينَ (97)\rمَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ كذلك إلا أن اللام مشددة وتروى أيضا عن عاصم، ويحيى بن يعمر أيضا. قالوا: وال بالتشديد اسم من أسماء اللّه تعالى، وفي بعض التفاسير لا يرقبون في مؤمن إلا قيل معناه اللّه. السادسة جبرائيل بألف بعد الراء وهمزة مكسورة بعد الألف، وبها قرأ عكرمة. السابعة مثلها إلا أنها بياء بعد الهمزة. الثامنة جبراييل بياءين بعد الألف من غير همزة وبها قرأ الأعمش، ويحيى أيضا. التاسعة جبرال. العاشرة:\rجبريل بالياء والقصر وهي قراءة طلحة بن مصرف. الحادية عشرة جبرين بفتح الجيم والنون. الثانية عشرة كذلك إلا أنها بكسر الجيم. الثالثة عشرة جبرائين اهـ سمين.\rقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ أي بسبب نزوله بالقرآن المشتمل على سبهم وتكذيبهم اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى قَلْبِكَ خصه بالذكر لأنه خزانة الحفظ وبيت الرب وأضافه إلى ضمير المخاطب دون ياء المتكلم، وإن كان ظاهر الكلام يقتضي أن يكون على قلبي إما مراعاة لحال الآمر بالقول، فيرد لفظه بالخطاب، وإما لأن ثم قولا آخر مضمرا بعد قل ودل، والتقدير قل يا محمد قال اللّه من كان عدوا لجبريل اهـ سمين.\rقوله: بِإِذْنِ (بأمر) اللَّهِ فيه تلويح بكمال توجه جبريل عليه السّلام إلى تنزيله وصدق عزيمته عليه وهو حال من فاعل نزله. قال ابن الخطيب: تفسير الاذن هنا بالأمر أي بأمر اللّه أولى من تفسيره بالعلم، لأن الاذن حقيقة من الأمر مجاز في العلم، ويجب الحمل على الحقيقة ما أمكن اهـ كرخي.\rقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ أي وإذا كان نزوله بإذن اللّه تعالى فلا وجه للعداوة، وإنما كان لها وجه لو كان النزول برأيه اهـ شيخنا.\rقوله: مُصَدِّقاً الخ أحوال من مفعول نزله، وفي ذكر الأخريين تنبيه على أن القرآن مشتمل على بيان ما وقع به التكليف من أفعال القلوب والجوارح، فمن الأول هدى. ومن الثاني بشرى، والأول مقدم على الثاني وجودا فقدم عليه لفظا اهـ كرخي.\rقوله: وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي وهو عذابا وشدة على الكافرين اهـ كرخي، والجار والمجرور متعلق بكل من المصدرين عليه لفظا اهـ كرخي.\rقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ الخ لما بين في الآية الأولى أن من كان عدوا لجبريل لأجل أنه نزل بالقرآن على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقد خلع ربقة الإنصاف. بيّن في هذه الآية أن كل من كان عدوا لواحد من هؤلاء، فإنه كان عدوا لجميعهم، وبيّن أن اللّه عدو له بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ اهـ خازن.\rوعبارة البيضاوي وأفرد الملكان بالذكر للتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر، واستجلاب العداوة من اللّه تعالى، وأن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع. إذ الموجب لمحبتهم","part":1,"page":124},{"id":126,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 125\rوَجِبْرِيلَ بكسر الجيم وفتحها بلا همز وبه بياء ودونها وَمِيكالَ عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام وفي قراءة ميكائيل بهمز وياء، وفي أخرى بلا ياء فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) أوقعه موقع لهم بيانا لحالهم\rوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد آياتٍ بَيِّناتٍ أي وعداوتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما انتهت.\rقوله: (بكسر الجيم) كقنديل، وقوله وفتحها كشمويل، وقوله بلا همز راجع لهما. قوله: (و به إلخ) راجع للمفتوح فقط، فالقراءات أربع، واحدة في مكسور الجيم، وثلاثة في مفتوحها وكلها سبعية، والثالثة بوزن سلسبيل والرابعة بوزن جحوش اهـ.\rقوله: وَمِيكالَ اسم أعجمي. والكلام فيه كالكلام في جبريل من كونه مشتقا من ملكوت اللّه، أو أن ميك عبد، وايل اللّه، وأن تركيبه تركيب إضافة أو تركيب مزج فيه سبع لغات. ميكال بوزن مفعال وهي لغة الحجاز، وبها قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم. الثانية كذلك إلا أن بعد الألف همزة، وبها قرأ نافع. الثالثة كذلك إلا أنه بزيادة ياء بعد الهمزة وهي قراءة الباقين. الرابعة ميكئيل مثل ميكعيل وبها قرأ ابن محيصن. الخامسة كذلك إلا أنه لا ياء بعد الهمزة فهو مثل ميكعل وقرئ بها. السادسة ميكاييل بياءين بعد الألف وبها قرأ الأعمش. السابعة ميكاءل بهمزة مفتوحة بعد الألف كما يقال اسراءل.\rوحكى الماوردي عن ابن عباس أن جبر بمعنى عبد بالتكبير وميكا بمعنى عبيد بالتصغير، فمعنى جبريل عبد اللّه، ومعنى ميكائيل عبيد اللّه. قال؛ ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفا اهـ سمين.\rقوله: (عطف الخاص على العام) أي عطف لجبريل وميكال كما في الخازن.\rقوله: (من عطف الخاص على العام) أي لدخولهما في الملائكة. قالوا: وفائدة هذا العطف التنبيه على فضلهما على غيرهما من الملائكة كأنهما من جنس آخر، لأن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. قال الكرماني في العجائب: وخص بالذكر ردا على اليهود في دعوى عداوته، وضم إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد، كما أن جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح، وقدم جبريل لشرفه، وقدم الملائكة على الرسل كما قدم اللّه على الجميع، لأن عداوته الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر اللّه، فذكر اللّه ومن بعده على هذا التريب اهـ كرخي.\rقوله: (و في أخرى بلاياء) أي والقراءات الثلاث كلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (بيانا لحالهم) فيه إشارة إلى أن فائدة الوقوع الدلالة على أنهم كافرون بهذه العداوة، لأن الجزاء مترتب على كل واحد من المذكورين في الشرط لا على المجموع، والمراد بمعاداة اللّه تعالى مخالفة أمره عنادا والخروج عن طاعته مكابرة، أو معاداة المقربين من عباده وصدور الكلام بذكره الجليل تفخيما لشأنهم العداوة على الحقيقة الاضطرار بالعدو بغضا له، وذلك محال على اللّه ويؤخذ منه أن جواب من هنا قوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ والرابط كما أشار إليه من وجهين. أحدهما: أن الاسم الظاهر قام مقام المضمر، والثاني: أن يراد بالكافرين العموم، والعموم من الروابط لاندراج الأول تحته، ويجوز أن يكون محذوفا أي فهو كافرا اهـ كرخي.","part":1,"page":125},{"id":127,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 126\rواضحات حال رد لقول ابن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (99)\rأَكفروا بها وَكُلَّما عاهَدُوا اللّه عَهْداً على الإيمان بالنبي إن خرج أو النبي أن لا يعاونوا عليه المشركين نَبَذَهُ طرحه فَرِيقٌ مِنْهُمْ بنقضه جواب كلما وهو محل الاستفهام الإنكاري بَلْ للانتقال أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 100\rوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مُصَدِّقٌ لِما قوله: (واضحات) أي واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: (ما جئتنا بشيء) أي بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك اهـ بيضاوي.\rقوله: إِلَّا الْفاسِقُونَ اللام للعهد أي الفاسقون المعهودون، وهم أهل الكتاب المحرفون لكتابهم الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا اهـ كرخي.\rقوله: أَوَكُلَّما عاهَدُوا الخ قال ابن عباس لما ذكرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما أخذ اللّه عليهم من العهود في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يؤمنوا به قال مالك بن الصيف: واللّه ما عهد إلينا في محمد عهد فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: (كفروا بها) أي الآيات وَكُلَّما الخ أشار إلى أن الواو للعطف والهمزة قبلها للاستفهام على معنى الإنكار، والعطف على المحذوف الذي قدره وهو تابع في ذلك للكشاف لقول الأخفش، أن الهمزة للاستفهام والواو زائدة جار على رأيه في جواز زيادتها اهـ كرخي.\rقوله: عاهَدُوا (اللّه) قدره ليفيد أن عهدا منصوب على المفعول به، وعاهدوا ضمن معنى أعطوا ويكون المفعول الأول محذوفا اهـ كرخي.\rقوله: (و هو محل الاستفهام الإنكاري) أي المقصود به، فهو في المعنى مسلط عليه، والمعنى على إنكار اللياقة والمناسبة أي لا ينبغي ولا يليق منهم نبذ العهد كلما عقدوه اهـ.\rقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ هذا فيه قولان. أحدهما: أنه من باب عطف الجمل وهو الظاهر، وتكون بل للإضراب الانتقالي لا الإبطالي، وقد عرفت أن بل لا تسمى عاطفة حقيقة إلا في المفردات. والثاني: أن يكون من عطف المفردات ويكون أكثرهم معطوفا على فريق، ولا يؤمنون جملة في محل نصب على الحال من أكثرهم، وقال ابن عطية: من الضمير في أكثرهم وهذا الذي قاله جائز. لا يقال قد جاءت الحال من المضاف إليه، لأنا نقول هو جائز إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه كما هنا، وفائدة هذا الإضراب على هذا القول أنه لما كان الفريق يطلق على القليل والكثير وأسند النبذ إليه وكان فيما يتبادر إليه الذهن أنه يحتمل أن النابذين للعهد قليل بيّن أن النابذين الأكثر دفعا للاحتمال المذكور، والنبذ الطرح وهو حقيقة في الإجرام وإسناده إلى العهد مجاز اهـ سمين.\rقوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ الخ هذا أشنع عليهم مما قبله حيث أنهم نبذوا كتابهم الذي كانوا قبلوه، وقال السدي: لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ الخ اهـ شيخنا.","part":1,"page":126},{"id":128,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 127\rمَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ أي التوراة وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب اللّه\rوَاتَّبَعُوا عطف على نبذ ما تَتْلُوا أي تلت الشَّياطِينُ عَلى عهد مُلْكِ سُلَيْمانَ من السحر قوله: مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي التوراة من حيث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قرر صحتها وحقق حقيقة نبوة موسى صلّى اللّه عليه وسلّم بما أنزل عليه أو من حيث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء على وفق ما نعت له فيها اهـ كرخي.\rقوله: الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ الكتاب مفعول ثان لأتوا لأنه يتعدى في الأصل إلى اثنين، فأقيم الأول مقام الفاعل وهو الواو، وبقي الثاني منصوبا، وقد تقدم أنه عند السهيلي مفعول أول، وكتاب اللّه مفعول نبذوا، ووراء منصوب على الظرفية وناصبه نبذوا هذا مثل لإهمالهم التوراة بقول العرب جعل هذا الأمر وراء ظهره وخلف أذنه أي أهمله اهـ سمين.\rقوله: (أي التوراة) إنما حمله على هذا لأن النبذ لا يكون إلا بعد التمسك والقبول، ولم يتمسكوا بالقرآن. فهذا أولى من حمل الكتاب على القرآن اهـ في الخازن.\rقوله: (أي لم يعملوا بما فيه) الخ أشار إلى أنه مجاز عن عدم الالتفات إليه أي الكتاب والاعتناء به، لأن النبذ الحقيقي لم يحصل منهم لأنه بين أيديهم يقرؤونه، وقال سفيان بن عيينة: أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه، فذلك النبذ وإنما عبّر عنها بكتاب اللّه تشريفا لها وتعظيما لحقها عليهم وتهويلا لما اجترؤوا عليه من الكفر بها اهـ كرخي.\rقوله: كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ جملة في محل نصب على الحال، وصاحبها فريق وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف، والعامل فيها نبذوا التقدير مشبهين بالجهال، ومتعلق العلم محذوف تقديره: أنه كتاب اللّه مع أنهم لا يداخلهم فيه شك، والمعنى أنهم كفروا عنادا اهـ سمين.\rواعلم أنه تعالى دلّ على أن جل اليهود أربع فرق. فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون والمدلول عليهم بمفهوم قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله: نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجلهم وهم الأكثرون المدلول عليهم بمنطوق قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية عالمين بالحال بغيا وعنادا وهم المتجاهلون المدلول عليهم بقوله: كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ اهـ بيضاوي.\rقوله: (عطف على نبذ) أي نبذوا كتاب اللّه واتبعوا كتب السحر، والأولى أن تكون هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ إلى آخرها لأن عطفها على نبذ يقتضي كونها جوابا لقوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ واتباعهم لما تتلو الشياطين ليس مترتبا على مجيء الرسول بل كان اتباعهم لذلك قبله وما موصولة وعائدها محذوف والتقدير تتلوه اهـ كرخي.\rقوله: (أي تلت) أي قرأت أو اقترت وكذبت اهـ.\rقوله: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فيه قولان. أحدهما: أن على بمعنى في أي زمن ملكه. والثاني: أن","part":1,"page":127},{"id":129,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 128\rوكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه أو كانت تسترق السمع وتضم إليه أكاذيب وتلقيه إلى الكهنة فيدونونه وفشا ذلك وشاع أن الجن تعلم الغيب فجمع سليمان الكتب ودفنها فلما مات دلت الشياطين عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر فقالوا إنما ملككم بهذا فتعلموه يضمن تتلو معنى تتقول أي فتتقول على ملك سليمان، وتقول يتعدى بعلى. قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: 44] وهذا الثاني أولى فإن التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف وهو مذهب البصريين كما مرّ غير مرة، وإنما أحوج إلى هذين التأويلين أن تلا إذ تعدى بعلى كان المجرور بعلى شيئا يصح أن يتلى عليه نحو: تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك، والتلاوة الاتباع أو القراءة وهو قربت منه، وسليمان علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقال أبو البقاء:\rفيه ثلاث أسباب العجمة والتعريف والألف والنون، وهذا إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، والتصريف حتى تعرف بعد زيادتهما وقد تقدم أنهما لا يدخلان في الأسماء الأعجمية وقرر قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ فذكره ظاهرا تفخيما له وتعظيما اهـ. سمين.\rقوله: (لما نزع ملكه) ومدة نزعه أربعون يوما. وسبب ذلك أن إحدى زوجاته عبدت صنما أربعين يوما وهو لا يشعر بها فعاتبه اللّه بمقتضى مقامه الكريم بنزع ملكه أربعين يوما قدر المدة المذكورة، وذلك أن ملكه كان في خاتمه لأنه كان من الجنة، وكان إذا دخل بيت الخلاء نزعه ووضعه عند زوجة له تسمى الأمينة، ففعل ذلك يوما فجاء جني اسمه صخر المارد وتصور بصورة سليمان ودخل على الأمينة وقال: أعطني خاتمي فدفعته له، فسخرت له الجن والإنس والطير والريح وجلس على كرسي سليمان، فجاء سليمان للأمينة وطلب الخاتم فرأت صورته غير الصورة التي تعرفها منه، فقالت له: ما أنت سليمان وسليمان قد أخذ الخاتم، فلما تمت الأربعون طار الجني من فوق الكرسي ومر على البحر وألقى الخاتم فيه فابتلعته سمكة فوقعت في يد سليمان فأخذه من بطنها ولبسه ورجع له الملك، فأمر بإحضار صخر المارد فأتوا به فحبسه في صخرة وسد عليه بالرصاص والحديد ورماها في قعر البحر اهـ من الخازن في سورة ص.\rقوله: (أو كانت تسترق السمع الخ) هذاهو في المعنى معطوف على قوله من السحر وأو لتنويع الخلاف يعني أن الذي تلته الشياطين قيل هو السحر، وقيل ما أخذته الكهنة من الشياطين وما ضموه له من الأكاذيب، وعبارة الخطيب وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ من السحر، وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه فلم يشعر بذلك سليمان، فلما مات استخرجوه وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه. أما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا معاذ اللّه أن يكون هذا من علم سليمان عليه الصلاة والسّلام، وأما سفلاؤهم فقالوا هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم وفشت الملامة على سليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأنزل اللّه عليه براءة سليمان، هذا قول الكبي.\rوقال السدي: وكانت الشياطين تسترق السمع فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها، فاكتتب","part":1,"page":128},{"id":130,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 129\rورفضوا كتب أنبيائهم، قال تعالى تبرئة لسليمان وردا على اليهود في قولهم انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرا وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي لم يعمل السحر لأنه كفر وَلكِنَ بالتشديد والتخفيف الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ الجملة حال من ضمير الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيه وقال: لا أسمع أن أحدا يقول إن الجن تعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف. تمثل لهم شيطان في صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وأقام في ناحية.\rفقالوا: ادن. فقال: لا ولكني ههنا فإن لم تجدوه فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب، فقال الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطيور ويحكم فيهم بهذا، ثم طار الشيطان وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك كان أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم برأ اللّه سليمان من ذلك وأنزل تكذيبا لمن زعم ذلك وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ الخ اهـ.\rقوله: (لأنه كفر) أي من غير تفصيل، وذلك في شريعته، وأما في شرعنا ففيه بين الاستحلال وعدمه، فالأول مكفر دون الثاني اهـ شيخنا.\rوفي زكريا على البيضاوي ما نصه: ومحل كون السحر مكفرا إذا اعتقد فاعله حل استعماله، وأما تعلمه فقيل حرام وقيل مكروه وقيل مباح، والأوجه أنه إن تعلمه ليعمل به فحرام، أو ليتوقاه فمباح أو لا ولا فمكروه اهـ.\rوذهب الإمام أحمد إلى أن السحر مكفر مطلقا أي سواء اعتقد فاعله حله أو لم يعتقد اهـ خطيب.\rقوله؛ وَلكِنَ (بالتشديد) أي للنون مفتوحة ونصب تاليها وجوابا إشارة إلى قراءة غير ابن عامر وحمزة والكسائي.\rقوله: (و التخفيف) إشارة إلى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي، ورفع تاليها مبتدأ، فمن شدد أعملها، ومن خفف أهملها اهـ كرخي.\rقوله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ الناس: مفعول أول، والسحر مفعول ثان. واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال. أحدها: أنها حال من فاعل كفروا أي كفروا معلمين. والثاني: أنها حال من الشياطين ورده أبو البقاء بأن لكن لا تعمل في الحال وليس بشيء، فإن لكن فيها رائحة الفعل. الثالث:\rأنها في محل رفع على أنها خبر ثان للشياطين. الرابع: أنها بدل من كفروا أبدل الفعل من الفعل.\rالخامس: أنها استئنافية أخبر عنهم بذلك هذا إذا أعدنا للضمير من يعلمون على الشياطين، أما إذا أعدناه على الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين، فتكون حالا من فاعل اتبعوا أو استئنافية فقط، والسحر كل","part":1,"page":129},{"id":131,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 130\rكفروا وَيعلمونهم وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أي ألهماه من السحر، وقرئ بكسر اللام الكائنين بِبابِلَ بلد في سواد العراق هارُوتَ وَمارُوتَ بدل أو عطف بيان للملكين قال ابن عباس هما ساحران كانا يعلمان السحر وقيل ملكان أنزلا لتعليمه ابتلاء من اللّه للناس وَما ما لطف ودق. يقال: سحره إذا أبدى له أمرا يدق عليه ويخفى، وهو في الأصل مصدر يقال سحره سحرا، ولم يجىء مصدر لفعل يفعل على فعل إلى سحرا وفعلا اهـ سمين.\rوقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء اللّه العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور اهـ.\rقوله: (و يعلمونهم ما أنزل) أشار به إلى أن ما الموصولة في محل نصب عطفا على السحر وسوغ عطفه عليه تغايرهما لفظا، أو المراد بما أنزل على الملكين نوع أقوى من السحر، فالتغاير بالحقيقة لا بالاعتبار اهـ كرخي.\rقوله: (و قرئ بكسر اللام) أي شاذا، وأشار به إلى تأييد القول بأن المنزل عليهما علم السحر كانا رجلين سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ووجه التأييد أنهم أجروا الشاذ مجرى أخبار الآحاد في الاحتجاج لأنه مقول عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يلزم من انتفاء قرآنيته انتفاء عموم خبريته اهـ كرخي.\rقوله: بِبابِلَ متعلق بأنزل، والباء بمعنى في أي في بابل، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الملكين، أو من الضمير في أنزل فيتعلق بمحذف، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وبابل لا ينصرف للعجمة والعلمية فإنها اسم أرض، وإن شئت قلت للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك لتبلبل ألسنة الخلائق بها، وذلك أن اللّه تعالى أمر ريحا فحشرتهم لهذه الأرض، فلم يدر أحد ما يقول الآخر، ثم فرقتهم الريح في البلاد يتكلم كل واحد بلغة، والبلبلة التفرقة. وقيل: لما أهبط نوح عليه السّلام نزل فبنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبت ألسنتهم على ثمانين لغة. وقيل: لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمروذ اهـ سمين.\rقوله: هارُوتَ وَمارُوتَ الجمهور على فتح تائهما وهما غير منصرفين للعلمية والعجمة لأنهما سريانيان، ويجمعان على هواريت ومواريت هوارية وموارية، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا اهـ من السمين وغيره.\rقوله: (ابتلاء من اللّه للناس) أي امتحانا واختبارا لهم هل يتعلمونه أو لا؟ كما ابتلى قوم طالوت بالشرب من النهر، وقيل: إنما أنزل لتعليمه للتمييز والفرق بينه وبين المعجزة لئلا يغتر به الناس، وذلك أن السحرة كثروا في ذلك الزمان، واستنبطوا أبوابا غريبة من السحر، وكانوا يدعون النبوة فبعث اللّه","part":1,"page":130},{"id":132,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 131\rيُعَلِّمانِ مِنْ زائدة أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا له نصحا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ بلية من اللّه للناس ليمتحنهم تعالى هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر، حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار أمرهم على الناس، وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السّلام لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيّروهم، وقالوا للّه سبحانه: هؤلاء الذين اخترتهم لخلافة الأرض يعصونك، فقال عز وجل: لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم لعصيتموني. قالوا: سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك. قال تعالى: فاختاروا من خياركم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم وأعبدهم فأهبطا إلى الأرض بعد ما ركّب فيهما ما ركّب من البشر من الشهوة وغيرها من القوى ليقضيا بين الناس نهارا، ويعرجا إلى السماء مساء، وقد نهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان بينهم نهارا، فإذا أمسيا ذكرا اسم اللّه الأعظم فصعدا إلى السماء، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة من أجمل النساء تسمى زهرة وكانت من لخم، وقيل: كانت من أهل فارس ملكة في بلدها، وكانت خصومتها مع زوجها، فلما رأياها افتتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها، فقالت: لا إلا أن تقضيا لي على خصمي ففعلا ثم سألاها ما سألا، فقالت: لا إلا أن تقتلاه ففعلا، ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تشربا الخمر وتسجدا للصنم ففعلا كل ذلك، ثم سألاها ما سألا فقالت: لا إلا أن تعلماني ما تصعدان به إلى السماء فعلماها الاسم الأعظم فدعت به وصعدت السماء فمسخها اللّه سبحانه كوكبا، فهمّا بالعروج على حسب عادتهما فلم تطعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما، وكان ذلك في عهد إدريس عليه الصلاة والسّلام فالتجآ إليه ليشفع لهما ففعل، فخيّرهما اللّه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختار الأول لانقطاعه عما قيل، فهما معذبان ببابل. قيل: معلقان بشعورهما وقيل منكوسان يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة، فمما لا تعويل عليه لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل اهـ أبو السعود، ومثله في الخازن.\rثم قال؛ وقيل أن رجلا من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قصدهما ليتعلم السحر منهما فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله، فقال: لا إله إلا اللّه، فلما سمعا كلامه قالا: لا إله إلا اللّه من أنت؟ قال: أنا رجل من الناس، فقالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قالا: أو قد بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: نعم، فقالا: الحمد للّه وأظهرا الاستبشار، فقال الرجل: مم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا اهـ.\rوقول أبي السعود لما أن مداره رواية اليهود يقتضي أن هذه القصة غير صحيحة، وأنها لم تثبت بنقل معتبر، وتبع في ذلك البيضاوي التابع في ذلك الفخر الرازي والسعد التفتازاني وغيرهما ممن أطال في ردها، لكن قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: الحق كما أفاده شيخنا حافظ عصره الشهاب ابن حجر أن لها طرقا تفيد العلم بصحتها، فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد، وابن حبان، والبيهقي وغيرهم، وموقوفة على علي، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة، والبيضاوي لما استبعد هذا المنقول ولم يطلع عليه قال: إنه محكي على اليهود، ولعله من رموز الأولين الخ اهـ خطيب.\rقوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ هذه الجملة عطف على ما قبلها، والضمير في يعلمان فيه قولان،","part":1,"page":131},{"id":133,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 132\rبتعليمه فمن تعلمه كفر ومن تركه فهو مؤمن فَلا تَكْفُرْ بتعلمه، فإن أبى إلا التعليم علماه فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بأن يبغض كلّا إلى الآخر وَما هُمْ أي السحرة بِضارِّينَ بِهِ بالسحر مِنْ زائدة أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ في أحدهما: أنه يعود على هاروت وماروت، والثاني: أنه عائد على الملكين ويؤيده قراءة أبيّ بإظهار الفاعل وما يعلم الملكان، والأول هو الأصح، وذلك أن الاعتماد إنما على هو البدل دون المبدل منه، فإنه في حكم الطرح فمراعاته أولى وأحد هنا الظاهر أنه الملازم للنفي، وأنه الذي همزته أصل بنفسها، وأجاز أبو البقاء أن يكون بمعنى أحد فتكون همزته بدلا من واو اهـ سمين.\rقوله: حَتَّى يَقُولا حتى: حرف غاية وهي هنا بمعنى إلى أن، والفعل بعدها منصوب بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها، وعلامة النصب حذف النون، والتقدير إلى أن يقولا. وأجاز أبو البقاء أن تكون حتى بمعنى إلا أن. قال والمعنى، وما يعلمان من أحد إلا أن يقولا. والجملة في محل نصب بالقول وكذلك فلا تكفر اهـ مسن.\rقوله: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ الفتنة: الاختبار والامتحان، وإفرادها مع تعددهما لكونها مصدرا وحملها عليهما حمل مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة، والقصر لبيان أنهما ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه أي وما يعلمان ما أنزل عليهم من السحر أحدا من طالبيه حتى ينصحاه قبل التعليم، ويقولان له: إنما نحن فتنة وابتلاء من اللّه عز وجل، فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيقته كفر، ومن توقى عن العمل به أو اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان فلا تكفر باعتقاد حقيقته وجواز العمل به اهـ أبو السعود.\rقوله: فَلا تَكْفُرْ بتعلمه أي مع العمل به. قوله: فَيَتَعَلَّمُونَ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على قوله وما يعلمان، والضمير في فيتعلمون عام على أحد وجمع حملا على معنى نحو قول: فما منكم من أحد عنه حاجزين. فإن قيل: المعطوف عليه منفي فيلزم أن يكون فيتعلمون منفيا أيضا لعطفه عليه، وحينئذ ينعكس المعنى، فالجواب: ما قالوه وهو أن ما يعلمان من أحد حتى يقولا وإن كان منفيا لفظا فهو موجب معنى، لأن المعنى يعلمان الناس السحر بعد قولهما إنما نحن فتنة، هذا الوجه ذكره الزجاج وغيره. الثاني: قال أبو البقاء: هو مستأنف، وهذا يحتمل أن يريد أنه خبر مبتدأ مضمر وأن يكون مستقلا بنفسه غير محمول على شيء قبله وهو ظاهر كلامه. وقوله:\rمِنْهُما متعلق بيتعلمون، ومن لابتداء الغاية وفي الضمير ثلاثة أقوال، أظهرها: عوده على الملكين سواء قرئ بكسر اللام أو فتحها، والثاني: أنه يعود على السحر وعلى المنزل على الملكين، والثالث:\rأنه يعود على الفتنة وعلى الكفر المفهوم من وقوله فلا تكفر، وهو قول أبي مسلم اهـ سمين.\rقوله: ما يُفَرِّقُونَ الظاهر في ما أنها موصولة اسمية، وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة وليس بواضح لا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير في به عليها، والمصدرية حرف عند جمهور النحويين كما تقدم غير مرة، والباء سببية أي بسبب استعماله اهـ من السمين وأبي السعود.\rقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ يجوز في ما وجهان أحدهما: أن تكون الحجازية فيكون","part":1,"page":132},{"id":134,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 133\rالآخرة وَلا يَنْفَعُهُمْ وهو السحر وَلَقَدْ لام قسم عَلِمُوا أي اليهود لَمَنِ لام ابتداء معلقة لما قبلها ومن موصولة اشْتَراهُ اختاره أو استبدله بكتاب اللّه ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نصيب في الجنة وَلَبِئْسَ ما شيئا شَرَوْا باعوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي الشارين أي هم اسمها وبضارين خبرها، والباء زائدة فهو في محل نصب، والثاني: أن تكون التميمية فيكون هم مبتدأ وبضارين خبره والباء زائدة أيضا فهي في محل رفع، والضمير فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه عائد على السحرة العائد عليهم ضمير فيتعلمون. الثاني: يعود على اليهود العائد عليهم ضمير اتبعوا.\rالثالث: يعود على الشياطين والضمير في به يعود على ما في قوله ما يفرقون به أي بما تعلموه واستعملوه من السحر اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ هذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال، فهو في محل نصب على الحال، فيتعلق بمحذوف، وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه، أحدها: أنه الفاعل المستكن في بضارين.\rالثاني: أنه المفعول وهو أحد وجاءت الحال من النكرة لاعتمادها على النفي، والثالث: أنه الهاء في به أي السحر، والتقدير وما يضرون أحدا بالسحر إلا ومعه علم اللّه أو مقرونا بإذن اللّه ونحو ذلك.\rوالرابع: أنه المصدر المعرف وهو الضرر إلا أنه حذف للدلالة عليه اهـ سمين.\rقوله: وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ أي لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبا وقوله: وَلا يَنْفَعُهُمْ صرح بذلك إيذانا بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر، بل هو شر محض لأنهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار بفعل من يدعي النبوة من السحرة أو تخليص الناس منه، حتى يكون فيه نفع في الجملة، وفيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا راجع في المعنى لقوله؛ واتبعوا فهو معطوف عليه، والضمير في علموا فيه خمسة أقوال، أحدها: أنه ضمير اليهود الذين في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. الثاني: أنه ضمير اليهود الذين في عهد سليمان عليه السّلام. الثالث: أنه ضمير جميع اليهود. الرابع: أنه ضمير الشياطين. الخامس: أنه ضمير الملكين عند من يرى أن الاثنين جمع اهـ من السمين.\rقوله: (و من موصولة) أي في محل رفع بالابتداء، واشتراه صلتها. وقوله: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ جملة من مبتدأ وخبر. ومن مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا منه، ولو أخر عنه لكان صفة له، والتقدير ما له خلاق في الآخرة، وهذه الجملة في محل الرفع على أنها خبر للموصول، والجملة في حيز النصب سادة مسد مفعولي علموا إن جعل متعديا إلى اثنين أو مفعوله الواحد إن جعل متعديا لواحد اهـ أبو السعود.\rقوله: (بكتاب اللّه) وهو التوراة قوله: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ والمخصوص بالذم محذوف أي واللّه لبئس ما باعوا به أنفسهم السحر أو الكفر وفيه أيذان بأنهم حيث نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم، فقد عرضوا أنفسهم للهلاك وباعوها بما لا يزيدهم إلا تبارا اهـ أبو السعود.","part":1,"page":133},{"id":135,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 134\rحظها من الآخرة إن تعلموه حيث أوجب لهم النار لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلموه\rوَلَوْ أَنَّهُمْ أي اليهود آمَنُوا بالنبي والقرآن وَاتَّقَوْا عقاب اللّه بترك معاصيه كالسحر، وجواب لو محذوف أي لأثيبوا دل عليه لَمَثُوبَةٌ ثواب وهو مبتدأ واللام فيه للقسم مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ خبره مما شروا به أنفسهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) أنه خير لما آثروه عليه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا للنبي راعِنا أمر من قوله: (إن تعلموه) أن مصدرية والمصدر المأخوذ منها ومن صلتها هو المخصوص بالذم، وحيث تعليلية لذمهم اهـ.\rقوله: (حقيقة ما يصيرون إليه الخ) قصد بهذا دفع التنافي في الآية، حيث أثبتت لهم العلم أولا في قوله ولقد علموا لمن اشتراه، ونفثه عنهم ثانيا بمقتضى لو الامتناعية أو حاصل الدفع أن المثبت لهم علم عدم الثواب والمنفي عنهم ثانيا علم خصوص العذاب أو أن المثبت العلم الإجمالي والمنفي العلم التفصيلي على التحقيق والتعيين اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا أن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع، واختلف في ذلك على قولين، أحدهما: وهو قول سيبويه أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره ولو إيمانهم ثابت. والثاني: وهو قول المبرد أنه في محل رفع بالفاعلية رافعة محذوف تقديره ولو ثبت إيمانهم اهـ سمين.\rقوله: (المثوبة) فيهما قولان، أحدهما: أن وزنها مفعولة، والأصل مثووبة بواوين فنقلت الضمة على الواو الأولى فنقلت إلى الساكن قبلها فالتقى ساكنان، فحذف أولهما الذي هو عين الكلمة، فصار مثوبة على وزن مقولة ومحوزة ومصونة ومشوبة وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقود فهي مصدر. نقل ذلك الواحدي. والثاني؛ أنها مفعلة بضم العين، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء، وقرأ أبو السمال وقتادة مثوبة كمشورة ومتربة، وكان من حقها الإعلال فيقال: مثابة كمقالة إلا أنهم صححوها اهـ سمين.\rقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في محل صفة رفع لمثوبة فيتعلق بمحذوف أي لمثوبة كائنة من عند اللّه والعند هنا مجاز كما تقدم في نظائره. قال الشيخ: وهذا الوصف هو المسوغ لجواز الابتداء بالنكرة وقوله: خَيْرٌ خبر لمثوبة، وليس هنا بمعنى أفعل التفضيل، بل هو لبيان أنها فاضلة، كقول أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا، أفمن يلقى في النار خير اهـ سمين.\rوقد جرى الجلال على أنها صيغة تفضيل حيث قدر المفضل عليه بقوله: ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. لكن هذا بالنظر لزعمهم وإلّا فلا مشاركة أصلا اهـ.\rقوله: (إنه خير) الضمير في أنه للثواب المعبر عنه بالمثوبة وقوله: (لما آثروه) الضمير لما اشتروا به أنفسهم وهو السحر، والضمير عليه للثواب. قوله: (أمر من المراعاة) وهي المبالغة في الرعي، وهو","part":1,"page":134},{"id":136,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 135\rالمراعاة وكانوا يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من الرعونة فسروا بذلك وخاطبوا بها النبيّ فنهي المؤمنون عنها وَقُولُوا بدلها انْظُرْنا أي انظر إليها وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) مؤلم هو النار\rما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ حفظ الغير وتدبير أموره وتدارك مصالحه اهـ أبو السعود.\rقوله: (و كانوا) أي المسلمون يقولون له ذلك أي إذا ألقى عليهم شيئا من العلم يقولون: راعنا يا رسول اللّه. أي راقبنا وانتظرنا وتأن بنا، حتى نفهم كلامك ونحفظه، وكانت لليهود كلمة عبرانية أو سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهي راعينا. قيل: معناها اسمع لا سمعت، فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترضوه واتخذوه ذريعة إلى مقصدهم، فجعلوا يخاطبون به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعنون به تلك المسبة أو نسبته عليه الصلاة السّلام إلى الرعن وهو الحمق والهوج. روي أن سعد بن معاذ رضي اللّه عنه سمعها منهم وكان يعرف لغتهم، فقال: يا أعداء اللّه عليكم لعنة اللّه، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأضربن عنقه. قالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهى فيها المؤمنين عن ذلك قطعا لألسنة اليهود عن التدليس، وأمروا بما في معناها ولا يقتل التلبيس فقيل: وقولوا انظرنا اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هي بلغة اليهود الخ) في معنى التعليل للنهي المذكور، قوله: (سب من الرعونة) أي سب مأخوذ من هذا لمعنى يعني لا من قولهم أسمع لا سمعت، فإن هذه العبارة كان لها عند اليهود هذان المعنيان فالشارح للأول وغيره للثاني هذا. وهي بالمعنى الأول المذكور في الشرح عربية، وبالثاني المذكور في غيره عبرانية أو سريانية اهـ شيخنا.\rقوله: انْظُرْنا أي أمهلنا حتى نحفظ. وقوله: (أي انظر إلينا) أي فهو من باب الحذف والإيصال اهـ أبو السعود.\rقوله: (ما تؤمرون به) أوضح من هذا ما قاله أبو السعود، لأنه أمس بالسياق، ونصه واسمعوا أي وأحسنوا سماع ما يكلمكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعاذة وطلب المراعاة، أو واسمعوا ما كلفتموه من النهي والأمر بجد واعتناء حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه أو اسمعوا سماع طاعة وقبول، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا اهـ.\rقوله: وَلِلْكافِرِينَ يأي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم وجعلوه سببا للتهاون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقالوا له ما قالوا اهـ أبو السعود.\rقوله: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ نزلت تكذيبا لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير. والود: محبة الشيء مع تمنيه، ولذلك يستعمل في كل منهما ومن للتبيين كما في قوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: 1] اهـ بيضاوي.\rقوله: والْمُشْرِكِينَ عطف على أهل المجرور بمن ولا زائدة وتوكيد، لأن المعنى ما يود الذين","part":1,"page":135},{"id":137,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 136\rوَلَا الْمُشْرِكِينَ من العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ زائدة خَيْرٍ وحي مِنْ رَبِّكُمْ حسدا لكم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ نبوته مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا إن محمدا يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غدا نزل:\rما شرطية نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي نزل حكمها إما مع لفظها أو لا، وفي قراءة بضم كفروا من أهل الكتاب والمشركين بغير زيادة لا اهـ سمين.\rقوله: أَنْ يُنَزَّلَ ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول بيود. أي: ما يودون إنزال خير، وبني الفعل للمفعول للعلم بالفاعل وللتصريح به في قوله: مِنْ رَبِّكُمْ وأتى بما في النفي دون غيرها لأنها لنفي الحال وهم كانوا متلبسين بذلك اهـ سمين.\rقوله: مِنْ خَيْرٍ هذاهو القائم مقام الفاعل: ومن زائدة أي أن ينزل خير من ربكم وحسن زيادتها هنا، وإن كان ينزل لم يباشره حرف النفي انسحاب النفي عليه من حيث المعنى، لأنه إذا نفيت الودادة انتفى متعلقها، وهذا له نظائر في كلامهم نحو: ما أظن أحدا يقول ذلك إلا زيد برفع زيد بدل من فاعل يقول: وإن لم يباشر النفي لكنه في قوة ما يقول أحد ذلك إلا زيد، وهذا على رأس سيبويه وأتباعه، وأما الكوفيون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا اهـ سمين.\rقوله: مِنْ رَبِّكُمْ من لابتداء الغاية فتتعلق بينزل اهـ سمين.\rقوله: (حسدا لكم) تعليل للنفي وحسد اليهود بسبب زعمهم أن النبوة لا تليق إلا بهم، لكونهم أبناء الأنبياء، وحسد العرب بسبب ما عندهم من الرئاسة ونفاذ الكلمة والغنى والفخر، فقالوا: لا تليق النبوة إلّا بنا اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ يَخْتَصُ يستعمل متعديا ولازما، فعلى الأول فاعله ضمير مستتر فيه والموصول بصلته محل النصب على المفعولية، والمعنى واللّه يخص الخ، وعلى الثاني الفاعل هو الموصول بصلته والمعنى واللّه يتميز برحمته من يشاء اللّه تميزه اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني أن كل خير يناله عباده في دينهم ودنياهم فإنه منه تفضلا عليهم من غير استحقاق منهم لذلك، بل له الفضل والمنة على خلقه اهـ خازن.\rقوله: (و لما طعن الكفار) قيل: هم المشركون، وقيل: هم اليهود. وقوله: (يأمر أصحابه اليوم الخ) المراد منه ومن قوله غدا مطلق الزمان لا خصوص معناهما المعلوم اهـ شيخنا. وفي الخازن:\rوسبب نزول هذه الآية على المشركين أو اليهود قالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع فيه غدا ما يقوله إلا من تلقاء نفسه، كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله: وإذا بدلنا آية مكان آية واللّه أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر وأنزل ما نسخ من آية فبين بهذه الآية وجه الحكمة في النسخ وأنه من عنده لا من عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ لما حرم اللّه سبحانه قولهم راعنا بعد حلّه، وكان ذلك من باب النسخ.\rقال: ما ننسخ بغير عطف لشدة ارتباطه بما قبله اهـ من البهنسي.","part":1,"page":136},{"id":138,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 137\rالنون من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها أَوْ نُنْسِها نؤخرها فلا نزل حكمها ونرفع تلاوتها وفي أبي السعود ما نصه: وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه أثر تحقيق حقية الوحي، ورد كلام الكارهين له رأسا، والنسخ في اللغة الإزالة والنقل. يقال: نسخت الريح الأثر أي أزالته، ونسخت الكتاب أي نقلته، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما جميعا، وإنساؤها إذهابها من القلوب، والمعنى أن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل نأت بخير منها أي نوح إليك غيرها هي خير للعباد بحسب الحال في النفع والثواب من الذاهبة اهـ. وما مفعول مقدم على ننسخ وهي شرطية جازمة له، والتقدير أي شيء ننسخ مثل قوله أَيًّا ما تَدْعُوا [الإسراء: 110] وقوله مِنْ آيَةٍ من للتبعيض فهي متعلقة بمحذوف لأنها صفة لاسم الشرط ويضعف جعلها حالا. والمعنى أي شيء ننسخ من الآيات، فإنه مفرد وقع موقع الجمع، وعلى هذا يخرج كل ما جاء من هذا التركيب كقوله: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ [فاطر: 2] وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53] وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط وذلك أن فيه إبهاما من جهة عمومه اهـ سمين.\rقوله: (إما مع لفظها) كنسخ عشر رضعات معلومات يحرمن، وقوله: أو لا كنسخ آية العدة المقدرة بالحول، وبقي نسخ التلاوة دون الحكم، وسيذكره في قوله أو ننسأها اهـ شيخنا.\rوفي الخازن ما نصه: ثم النسخ الواقع في القرآن على ثلاثة وجوه، أحدها: ما رفع حكمه وتلاوته، كما روي عن أبي أمامة بن سهل أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرأوا سورة، فلم يدركوا فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم، فعدوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: تلك السورة رفعت بتلاوتها وحكمها. أخرجه البغوي، وقيل إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة فرفع بعضها تلاوة وحكما. الوجه الثاني: ما رفع تلاوته وبقي حكمه مثل آية الرجم. وروي عن ابن عباس قال: قال عمر ابن الخطاب وهو جالس على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن اللّه بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول اللّه ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب اللّه تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه تعالى، وإن الرجم في كتاب اللّه تعالى حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة، أو كان الحمل أو الاعتراف. أخرجه مسلم وللبخاري نحوه. الوجه الثالث: ما رفع حكمه وثبت خطه وتلاوته، وهو كثير في القرآن مثل آية الوصية للأقربين نسخت بآية الميراث عند الشافعي، وبالسّنة عند غيره، وآية عدة الوفاء بالحول بآية أربعة عشر، وآية القتال وهي قوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: 65] الآية نسخت بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [الأنفال: 66] الآية ومثل هذا كثير في القرآن اهـ.\rقوله: (بضم النون) أي من الرباعي المتعدي بالهمزة إلى اثنين فتقدير ماضيه أنسخ اللّه جبريل أو النبي الآية. أي أمره بنسخها أي بالإعلام بنسخها، فقوله: (نأمرك الخ) للكاف ومعطوفها المفعول","part":1,"page":137},{"id":139,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 138\rأو نؤخرها في اللوح المحفوظ وفي قراءة بلا همز من النسيان أي ننسكها أي نمحها من قلبك وجواب الشرط نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر أَوْ مِثْلِها في التكليف والثواب أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) ومنه النسخ والتبديل والاستفهام للتقرير\rأَلَمْ تَعْلَمْ الأول وبنسخها المفعول الثاني، وكون أنسخ بمعنى أمر بالنسخ مع أن أصله الثلاثي معناه النسخ نفسه بعيد، وقد أطال في ذلك السمين اهـ شيخنا.\rقوله: (بنسخها) أي بالإعلام به. قوله: أَوْ نُنْسِها من النسء وهو التأخير والمراد تأخير الحكم عن النسخ، أي إبقاؤه مع نسخ التلاوة هو الاحتمال الأول في الشارح، أو تأخيرها في اللوح عن الإنزال إلى وقت يريد اللّه تعالى إنزالها فيه، وهو الاحتمال الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا نزل حكمها) أي بل نبقيه، وقوله: (نرفع تلاوتها) مرفوع عطفا على النفي لا المنفي، فهذا إشارة إلى ثالث أقسام النسخ، وهو نسخ التلاوة دون الحكم، كنسخ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة بلا همز) الأولى أن يقول وفي قراءة بضم النون وكسر السين ليكون تنصيصا على المراد،، لأن عبارته تحتمل غير هذا الضبط وهو ننسها بفتح النون والسبت، وهو فاسد لفظا ومعنى، الأول: لأنه خلاف القراءة. والثاني: لأنه يقتضي صدور النسيان من اللّه، قوله: (من النسيان) الأولى من الإنساء، لأن هذاهو مصدر الرباعي الذي الكلام فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي نمحها من قلبك) ولا يمحو اللّه سبحانه وتعالى من قلبه إلا ما نسخه قبل ذلك، كما سيصرح به الشارح في قوله سبحانه وتعالى: فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: 6 و7] اهـ شيخنا.\rقوله: (في السهولة] كنسخ وجوب مصابرة الواحد لعشرة بوجوب مصابرته لاثنين، وقوله أو كثرة الأجر كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم، فالأول في النسخ بالبدل الأخف، والثاني في النسخ بالبدل الأثقل،، وقوله: أَوْ مِثْلِها كنسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة فهما متساويان في الأجر اهـ شيخنا.\rقوله؛ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ استدلال على جواز النسخ، كما أشار له الشارح.\rوقوله: ألم تعلم إلخ استدلال على هذا الدليل اهـ شيخنا.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) والمراد بهذا التقرير الاستشهاد بعلمه بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ، وعلى الإتيان بما هو خير من المنسوخ وبما هو مثله، لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه، فمن علم شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعا والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة والإشعار بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية اهـ أبو السعود.\rقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ الخطاب للنبي، والمراد هو وأمته لقوله: وما لكم، وإنما أفرده لأنه أعلمهم ومبدأ أعلمهم اهـ بيضاوي.","part":1,"page":138},{"id":140,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 139\rأَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يفعل فيهما يشاء وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ زائدة وَلِيٍ يحفظكم وَلا نَصِيرٍ (107) يمنع عذابه عنكم إن أتاكم ونزل لما سأله أهل مكة أن يوسعها ويجعل الصفا ذهبا\rأَمْ بل أتُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى أي سأله قومه قوله: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ يجوز في ما وجهان، أحدهما: كونها تميمية فلا عمل لها فيكون لكم خبرا مقدما. ومن ولي مبتدأ مؤخرا زيدت فيه من فلا تعلق لها بشيء، والثاني: أن تكون حجازية وذلك عند من يجيز تقديم خبرها ظرفا أو حرف جر، فيكون لكم في محل نصب خبرا مقدما ومن ولي اسمها مؤخرا ومن فيه زائدة أيضا، ومن دون اللّه فيها وجهان، أحدهما: أنه متعلق بما تعلق به لكم من استقرار المقدر ومن لابتداء الغاية، والثاني: أنه في محل نصب على الحال من قوله: من ولي ولا نصير، لأنه في الأصل صفة للنكرة، فلما قدم عليها انتصب حالا، قاله أبو البقاء وأتى بصيغة فعيل في ولي ونصير لأنها أبلغ من فاعل، ولأن وليا أكثر استعمالا من وال، ولهذا لم يجئ في القرآن إلا في سورة الرعد، وأيضا لتواخي الفواصل وأواخر الآي اهـ سمين.\rقوله: مِنْ وَلِيٍ مبتدأ مؤخر ولكم خبر مقدم، والفرق بين الولي والنصير أن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه، وهذه معطوفة على الجملة الواقعة خبرا لأنها داخلة معها تحت تعلق العلم، وفيه إشارة إلى تعلق الخطأ بين السابقين بالأمة أيضا وإنما أفرده صلّى اللّه عليه وسلّم بهما لما أن علومهم مستندة إلى علمه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما مرت الإشارة إليه اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل لما سأله أهل مكة إلخ) يرد على هذا أن السورة مدنية، وأيضا سياق الكلام سابقا ولاحقا في شأن اليهود، وأيضا تقدير أم ببل التي للإضراب الانتقالي مما يبعد هذا، فإنه لم يتقدم كلام مع أهل مكة حتى ينتقل منه إلى كلام الآخر معهم، فالأظهر إنما هو القول الآخر، وهو أنها في شأن اليهود، وعبارة الخازن نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، وقيل انهم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي باللّه والملائكة قبيلا، كما سأل قوم موسى فقالوا: أرنا اللّه جهرة، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية اهـ.\rقوله: (أن يوسعها) أي بأن يزيل عنها الجبلين اللذين هي بينهما لتكون أشرح وأنزه اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ (بل أ) تُرِيدُونَ أشار به إلى أن أم هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة وهو الظاهر، ويكون إضراب انتقال من قصة لا إضراب إبطال، ولم تجعل أم متصلة لفقد شرطها وهو تقدم همزة الاستفهام أو التسوية، وليس هي معادلة للهمزة المذكورة في قوله: ألم تعلم كما لا يخفى مما مرّ من التقرير اهـ كرخي. وأصل تريدون ترودون لأنه من راد يريد، فنقلت حركة الواو على الراء فسكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء اهـ سمين.\rقوله: أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ناصب ومنصوب في محل نصب مفعول به لقوله تريدون أي أتريدون سؤال رسولكم اهـ سمين.\rقوله: كَما سُئِلَ مُوسى الكاف منصوبة محلا صفة مصدر محذوف وما مصدرية، وكما في","part":1,"page":139},{"id":141,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 140\rمِنْ قَبْلُ من قولهم أرنا اللّه جهرة وغير ذلك وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ أي يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) أخطأ الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط\rوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ مصدرية يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً موضع المفعول المطلق أي سؤالا مثل سؤال موسى اهـ كرخي.\rقوله: (أي سأله قومه) إشارة إلى أن حذف الفاعل للعلم به جائزا اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ قَبْلُ أي من قبل رسولكم ومن قبل زمانكم. قوله: (و غير ذلك) بالنصب على أنه من مقول القول، ومن جملة قولهم أنهم قالوا لموسى فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ [البقرة: 61] الآية وقولهم: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138] إلى غير ذلك.\rقوله: (أي يأخذه بدله) إشارة إلى أن الباء للعوض وهو ما استظهره السفاقسي لا للسبب كما قال به أبو البقاء اهـ كرخي.\rقوله: (و اقتراح غيرها) أي طلب غيرها تعنتا وتحكما. وفي القاموس والاقتراح التحكم اهـ.\rوفي المختار اقترح عليه كذا سأله إياه من غير روية اهـ.\rقوله: فَقَدْ ضَلَ في محل جزم، لأنها جزاء الشرط والفاء واجبة هنا لعدم صلاحيته شرطا اهـ كرخي.\rقوله: سَواءَ السَّبِيلِ من إضافة الصفة للموصوف كما ذكره الشارح أي الطريق المستوي أي المعتدل أي الحق اهـ شيخنا.\rقوله: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت هذه الآية في نفر من أحبار اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم ولا نزل بكم ما أصابكم، فارجعا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا. فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: أمر شديد عظيم. قال: إني عاهدت اللّه تعالى أن لا أكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما عشت، فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت باللّه ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. ثم إنهما أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبراه بذلك، فقال: أصبتما الخير وأفلحتما، فأنزل اللّه تعالى: وَدَّ أي تمنى كثير من أهل الكتاب يعني اليهود اهـ خازن.\rقوله: لَوْ يَرُدُّونَكُمْ الكلام في لو كالكلام فيها عند قوله: يود أحدهم لو يعمر، فمن جعلها مصدرية هنا جعلها كذلك هنا. وقال هي مفعول لود أي: ود كثير ردكم، ومن أبى ذلك جعل جوابها محذوفا تقدير لو يردونكم كفارا لسرّوا وفرحوا بذلك، ويرد هنا فيه قولان، أحدهما: وهو الواضح أنها المتعدية لمفعولين بمعنى صير فضمير المخاطبين مفعول أو كفارا مفعول ثان، وأبو البقاء حالا من ضمير المفعول على أنها المتعدية لواحد وهو ضعيف، لأن الحال يستغني عنها غالبا، والأول أدخل لما فيه من الدلالة صريحا على كون الكفر والمفروض بطريق القسر اهـ من السمين وغيره.\rقوله: حَسَداً نصب على المفعول له وفيه الشروط المجوزة لنصبه والعامل فيه، ودّ أي","part":1,"page":140},{"id":142,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 141\rحَسَداً مفعول له كائنا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أي حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ في التوراة الْحَقُ في شأن النبي فَاعْفُوا عنهم أي اتركوهم وَاصْفَحُوا أعرضوا فلا تجازوهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فيهم من القتال إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)\rوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ طاعة كصلة وصدقة تَجِدُوهُ أي ثوابه عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما الحامل على ودادتهم ردكم كفارا حسدهم لكم اهـ سمين.\rقوله: (أي حملتهم على أنفسهم) فهو بمجرد تشهيهم من غير سبب ولا موجب يقتضيه. قوله:\rمِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ متعلق بودّ ومن لابتداء الغاية أي أن ودادتهم ذلك ابتدئت من حين وضوح الحق وتبينه لهم فكفرهم عناد، وما مصدرية أي من بعد تبين الحق والحسد تمنى زوال نعمة الإنسان. قوله:\rمِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة اهـ بيضاوي.\rقوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا العفو والصفح متقاربان، ففي المصباح عفا اللّه عنك أي محا ذنوبك، وعفوت عن الحق أسقطته، كأنك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه اللّه محا عنه الأسقام اهـ وفيه أيضا صفحت عن الذنب صفحا من باب نفع عفوت عنه، وصفحت عن الأمر أعرضت عنه، تركته اه، فعلى هذا يكون العطف في الآية للتأكيد وحسنه تغاير اللفظين اهـ.\rوقال بعضهم: العفو ترك العقوبة على الذنب، والصفح ترك اللوم والعتاب عليه اهـ.\rقوله: (من القتال) على حذف مضاف أي من الإذن والأمر هذا بيان للأمر ولو قال حتى يأتي اللّه بأمره بقتالهم لكان أوضح وعبارة البيضاوي حتى يأتي اللّه بأمره الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم، أو قتل قريظة وإجلاء بني النضير انتهت.\rوهذا كله يقتضي أن هذه الآيات نزلت قبل الأمر بالقتال، وينافيه ما تقدم عن الخازن وغيره في سبب نزولها من أنها نزلت بعد أحد، وقد كان الأمر بالقتال قد نزل وحصل القتال بالفعل إلا أن يقال الإذن في القتال الذي كان قد حصل إنما كان في قتال العرب، واما قتال بني إسرائيل من اليهود والنصارى، فقد تأخر الأمر به والإذن فيه عن غزوة الأحزاب أو قبلها بيسير تأمل.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيه وعيد وتهديد لهم اهـ خازن.\rقوله: وَما تُقَدِّمُوا الخ لما أمر المؤمنين بالعفو والصفح أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم، فقال:\rوَأَقِيمُوا الخ اهـ خازن.\rقوله: وَما تُقَدِّمُوا الخ فيه ترغيب في الطاعات وأعمال البر وزجر عن المعاصي اهـ.\rقوله: (أي ثوابه) بين به المراد لأن الخبر المتقدم سبب منقض لا يوجد إنما يوجد ثوابه أي تجدوا ثوابه عند رجوعكم إلى اللّه اهـ كرخي.\rقوله: عِنْدَ اللَّهِ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بتجدوه، والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي تجدوا ثوابه مدخرا معدا عند اللّه، والظرفية هنا جاز نحو لك عند فلان يد اهـ سمين.","part":1,"page":141},{"id":143,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 142\rتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) فيجازيكم به\rوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً جمع هائد أَوْ نَصارى قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي قال اليهود لن يدخلها إلا اليهود وقال النصارى لن يدخلها إلا النصارى تِلْكَ القولة أَمانِيُّهُمْ شهواتهم قوله: وَقالُوا عطف على ود، والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى اهـ بيضاوي.\rقوله: إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى من: فاعل يدخل وهو استثناء مفرغ، فإن ما قبل إلا مفتقر لما بعدها والتقدير لن يدخل الجنة أحد اهـ سمين.\rقوله: (جمع هائد) أي على أظهر القولين نحو بازل وبزل وعائذ وعوذ وحائل وحول وبائر وبور، وهائد من الأوصاف الفارق بين مذكرها ومؤنثها تاء التأنيث اهـ سمين.\rوالعوذ بالذال المعجمة قال الجوهري: الحديثان النتاج من الظباء والإبل والخيل واحدها عائذ اهـ زكريا.\rوفي المختار: هاد تاب ورجع وبابه قال فهو هائد وقوم هود. قال أبو عبيدة: التهود التوبة والعمل الصالح، ويقال أيضا؛ هاد وتهود أي صار يهوديا، والهود بوزن العود اليهود اهـ.\rقوله: أَوْ نَصارى في المختار: النصارى جمع نصران ونصرانة كالندامى جمع ندمان وندمانة، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب اهـ.\rوفي المصباح: والنصارى جمع نصرى كمهرى ومهارى اه، فتلخص أن نصارى له مفردان نصرى ونصران. قوله: (قال ذلك يهود المدينة الخ) عبارة الخطيب نزلت لما قدم نصارى نجران على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت النصارى لليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى والتوراة انتهت.\rقوله: (أي قال اليهود لم يدخلها) بيان الحاصل المعنى، فلفق بين كلام الفريقين أي جمع بينهما ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الالباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه ونحوه وَقالُوا كُونُوا هُوداً [البقرة: 135] وقدمت اليهود على النصارى لفظا لتقدمهم زمانا اهـ كرخي.\rقوله: (أي قال اليهود) أي قالوا ذلك، وقالوا ولا دين إلا دين اليهود، وقوله: (و قال النصارى) أي قالوا ذلك وقالوا لا دين إلا النصرانية اهـ من الخازن.\rقوله: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ تلك مبتدأ، وأمانيهم خبره ولا محل لهذه الجملة لكونها اعتراضا بين قوله، وقالوا وبين قوله قل هاتوا برهانكم، فهي اعتراض بين الدعوى ودليلها. قوله: (القولة) أي المفهومة من قالوا لن يدخل الجنة، وأفرد المبتدأ لفظا لأنه كما ذكر كناية عن القولة، وهي مصدر يصلح للقليل والكثير وأريد بها هنا الكثير باعتبار القائلين، ولذلك جمع الخبر وهو قوله أمانيهم، فطابق من حيث المعنى في الجمعة اهـ كرخي، والأماني جمع أمنية وتقدم بسط الكلام عليها في قوله: وَمِنْهُمْ","part":1,"page":142},{"id":144,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 143\rالباطلة قُلْ لهم هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجتكم على ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) فيه\rبَلى يدخل الجنة غيرهم مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي انقاد لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى وَهُوَ مُحْسِنٌ موحد فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي ثواب عمله الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) في الآخرة\rوَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ معتد به وكفرت بعيسى وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ معتد به وكفرت بموسى وَهُمْ أي الفريقان يَتْلُونَ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ [البقرة: 78] اهـ.\rقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذه الجملة في محل نصب بالقول، واختلف في هات على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه فعل أمر وهذاهو الصحيح لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة نحو: هاتوا، هاتي هاتيا هاتين. الثاني: أنه اسم فعل بمعنى احضروا، والثالث: وبه قال الزمخشري أنه اسم صوت بمعنى ها التي بمعنى أحضروا اهـ سمين.\rقوله: بُرْهانَكُمْ مفعول به، واختلف فيه عى قولين، أحدهما: أنه مشتق من البره وهو القطع وذلك أنه دليل يفيد العلم القطعي ومنه برهة الزمان أي القطعة منه فوزنه فعلان، والثاني: أن نونه أصلية لثبوتها في برهن يبرهن برهنة والبرهنة البيان فبرهن فعلل لا فعلن لأن فعلن غير موجود في أبنيتهم، فوزنه فعلان، وعلى هذين القولين يترتب الخلاف في صرف برهان وعدمه إذا سمي به اهـ سمين.\rقوله: بَلى (يدخل الجنة غيرهم) إشارة إلى إثبات ما نفوه وإن ذلك مستفاد من بلى فإن معناها إيجاب النفي اهـ كرخي.\rقوله: (و خص الوجه لأنه أشرف الأعضاء) أي الظاهرة، ولأن فيه أكثر الحواس، ولأنه مجمع المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخضوع الذي هو أخص خصائص الإخلاص اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ جملة في محل نصب الحال، والعامل فيها أسلم، وهذه الحال حال مؤكدة لأن من أسلم وجهه للّه فهو محسن اهـ سمين.\rقوله: (موحد) أي أو متبع أمر اللّه اهـ كرخي.\rقوله: فَلَهُ أَجْرُهُ الفاء جواب شرط. إن قيل بأن من شرطية أو زائدة في الخبر إن قيل بأنها موصولة، وقد تقدم تحقيق القولين عند قوله: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة: 81] وهذه نظير تلك فليلتفت اليه اهـ سمين.\rقوله: (الجنة) بدل من الثواب. وقوله: (في الآخرة) أي أما في الدنيا فالمؤمنون أشد خوفا وحزنا من غيرهم من أجل خوفهم من العاقبة اهـ كرخي.\rوقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم اهـ أبو السعود.\rقوله: (معتد به) أي في الدين، وفيه تلويح إلى أنه على حذف الصفة، كقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: 46] أي أهلك الناجين اهـ كرخي، وليس فعل ماضي ناقص أبدا من أخوات كان ولا","part":1,"page":143},{"id":145,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 144\rالْكِتابَ المنزل عليهم وفي كتاب اليهود تصديق عيسى وفي كتاب النصارى تصديق موسى والجملة حال كَذلِكَ كما قال هؤلاء قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي المشركون من العرب وغيرهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ بيان لمعنى ذلك أي قالوا لكل ذي دين ليسوا على شيء فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) من أمر الدين فيدخل المحق الجنة والمبطل النار\rوَمَنْ أَظْلَمُ أي لا يتصرف ووزنه على فعل بكسر العين اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ أي فكان كل منهم ان يعترف بحقية دين صاحبه حسما ينطق كتابه، فإن كتب اللّه تعالى متصادقة أه أبو السعود. واللام في الكتاب للجنس اهـ.\rقوله: كَذلِكَ أي مثل الذي سمعت به، والكاف في محل نصب إما على أنها نعت لمصدر محذوف قدم على عامله لإفادة الحصر أي قولا مثل ذلك القول بعينه لا قولا مغايرا له اهـ سمين. أبو السعود.\rقوله: (غيرهم) بالرفع أي غير المشركين من الكفار. قوله: (بيان لمعنى ذلك) أي على أنه بدل منه وعبارة غيره بيان لمعنى كذلك يعني أن لفظ مثل بيان للكاف، ولفظ قولهم بيان لاسم الإشارة اهـ شيخنا.\rقوله: (ليسوا) الضمير راجع لكل باعتبار معناه أي ليس أصحاب الدين على شيء أي شيء يعتدّ به. قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ رجع في الكشاف الضمير إلى الفريقين وتبعه البيضاوي وقضية اللفظ أن يقال بين الفرق أي اليهود والنصارى، والذين لا يعلمون لكنه خص الأولين بالذكر، لأن المراد توبيخهما حيث نظما أنفسهما مع علمهما في سلك من لا يعلم شيئا، ورجعه البغوي الى المبطل والمحقق وهو شامل للفرق المذكورة، وكلام الشيخ المصنف محتمل لرجوعه إلى الفريقين اللذين قدرهما في عود ضمير وهم يتلون الكتاب وإلى الفرق الثلاث اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ من استفهام في محل رفع بالابتداء وأظلم أفعل تفضيل خبره، ومعنى الاستفهام هنا النفي أي لا أحد أظلم منه، ولما كان المعنى على ذلك أورد بعض الناس سؤالا وهو أن هذه الصيغة قد تكررت في القرآن، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى [الأنعام: 21]. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ [الكهف: 57] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [الزمر: 32] وكل واحدة منها تقتضي أن المذكور فيها لا يكون أحد أظلم منه، فكيف يوصف غيره بذلك، وفي ذلك جوابان، أحدهما: أن يخص كل واحد بمعنى صلته كأنه قال: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد اللّه، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللّه، ولا أحد من الكذابين أظلم ممن كذب على اللّه سبحانه وتعالى، وهكذا كل ما جاء منه الثاني أن هذا نفي الظالمية ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية لأن نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق، وإذا لم يدل على نفي الظالمية لا يكون تناقضا لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية، وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر لأنهم متساوون في ذلك، وصار المعنى ولا أحد أظلم ممن منع وممن أفترى وممن ذكر ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدل على أن أحد هؤلاء يزيد على الآخر في الظل، كما أنك إذا قلت لا","part":1,"page":144},{"id":146,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 145\rأحد أظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالصلاة والتسبيح وَسَعى فِي خَرابِها بالهدم أو التعطيل. نزلت إخبارا عن الروم الذين خربوا بيت المقدس أو في المشركين لما صدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عام الحديبية عن البيت أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ خبر بمعنى الأمر أي أحد أفقه من زيد وبكر وخالد، لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفيت أن يكون واحد أفقه منهم، ومن يجوز أن تكون موصولة، فلا محل للجملة بعدها، وأن تكون موصوفة فتكون الجملة في محل جر صفة لها، ومساجد مفعول أول لمنع وهي جمع مسجد، وهو اسم مكان السجود، وكان من حقه أن يأتي على مفعل بالفتح لانضمام عين مضارعة ولكنه شذّ كسره كما شذّت ألفاظ يأتي ذكرها، وقد سمع مسجد بالفتح على الأصل وقد تبدل جيمه ياء ومنه المسيد في لغة اهـ سمين.\rقوله: مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ الممنوع في الحقيقة هو الناس، وإنما أوقع المنع على مساجد لما أن فعلهم من طرح الأذى والتخريب ونحوهما متعلق بالمسجد لا بالناس اهـ أبو السعود.\rقوله: مَساجِدَ اللَّهِ فيها أن الممنوع بيت المقدس على قول أو المسجد الحرام على قول ما ذكره الشارح، فكيف التعبير بالجمع. وأجيب بأن من خرب مسجدا من هذين فقد خرب مساجد كثيرة بالقوة لأنهما أفضل المساجد وغيرهما اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ناصب ومنصوب وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مفعول ثان لمنع تقول منعته كذا. والثاني: أنه مفعول من أجله أي كراهة أن يذكر، قال الشيخ يتعين حذف مضاف أي دخول مساجد اللّه وما أشبهه. والثالث: أنه بدل اشتمال من مساجد اللّه أي منع ذكر اسمه فيها.\rوالرابع: أنه على إسقاط حرف الجر والأصل من أن يذكر اهـ سمين.\rقوله: (بالهدم) مبني على أن المراد بيت المقدس، وقوله: (أو التعطيل) مبني على أن المراد المسجد الحرام، فأو لتنويع الخلاف كما ذكره بعد اهـ شيخنا.\rواختلف في خراب، فقال أبو البقاء: هو اسم مصدر بمعنى التخريب كالسلام بمعنى التسليم، وأضيف اسم المصدر لمفعوله لأنه يعمل عمل الفعل، وهذا على أحد القولين في اسم المصدر هل يعمل أم لا. وقال غيره: هو مصدر خرب المكان يخرب خرابا، فالمعنى سعى في أن تخرب هي بنفسها بعدم تعاهدها بالعمارة، ويقال منزل خرب وخراب اهـ سمين.\rقوله: (الذين خربوا بيت المقدس) فقد روي أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلّوا فيه، وأن الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة، وقتلوا وسبوا، وقد نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن فلطيوس الرومي ملك النصارى وأصحابه غزوا بني إسرائيل، وقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وأحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير، ولم يزل خربا حتى بناه المسلمون في عهد عمر رضي اللّه تعالى عنه اهـ أبو السعود.\rقوله: أُولئِكَ أي المانعون ما كان لهم الخ فيه تبشير للمؤمنين كأن اللّه يقول سأفتحها عليكم أيها المسلمون وتكونوا أولى بها منهم، وهم يخافونكم فلا يدخلوها، وكان كذلك اهـ خازن.","part":1,"page":145},{"id":147,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 146\rأخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمنا لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هوان بالقتل والسبي والجزية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) هو النار، ونزل لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت\rوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الأرض كلها لأنهما قوله: ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها لهم خبر كان مقدم على اسمها واسمها أن يدخلوها لأنه في تأويل المصدر أي ما كان لهم الدخول، فالجملة المنفية في محل رفع خبر عن أولئك اهـ سمين.\rقوله: ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها الخ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخشوع فضلا أن يجترئوا على تخريبها، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم اللّه تعالى وقضائه، فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة، واستخلاص المساجد منهم وقد أنجز وعده اهـ بيضاوي، وقوله: ما كان ينبغي لهم الخ، دفع لما يتوهم من أن اللّه أخبر بأنهم لا يدخلونها إلا خائفين، وقد دخلوها آمنين، وقد بقي في أيديهم أكثر من مائة سنة لا يدخله مسلم إلا خائفا حتى استخلصه السلطان صلاح الدين اهـ شهاب.\rقوله: إِلَّا خائِفِينَ حال من فاعل يدخلونها، وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال لأن التقدير ما كان لهم الدخول في جميع الأحوال إلا في حالة الخوف اهـ سمين.\rقوله: (خبر بمعنى الأمر) فيه بعد جدا خصوصا مع التعبير بكان، وقد رأيت استبعاده منقولا عن العصام اهـ شيخنا، وعبارة البيضاوي.\rوقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المسجد، واختلف الأئمة فيه، فجوزه أبو حنيفة مطلقا، ومنعه مالك مطلقا، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام، فمنعه فيه مطلقا، وغيره فجوزه بشرط إذن مسلم فيه أي وبشرط أن يكون في دخوله حاجة، انتهت بزيادة.\rقوله: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هذه الجملة وما بعدها لا محل لها لاستئنافها عما قبلها، ولا يجوز أن تكون حالا لأن خزيهم ثابت على كل حال لا يتقيد بحال دخول المساجد خاصة اهـ سمين.\rقوله: (أو في صلاة النافلة الخ) معطوف على لما على قوله في نسخ وأو لتنويع الخلاف، يعني أنه قيل نزلت لما طعن اليهود، وقيل نزلت في شأن صلاة النافلة في السفر. والقولان محكيان في الخازن، ونصه روى الشيخان عن ابن عمر قال: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومىء، وكان ابن عمر يفعله، وفي رواية لمسلم كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت، وفيه نزلت فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ الآية. وقيل: نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة، وذلك أن اليهود عبرت المؤمنين، وقالوا: ليس لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة يستقبلون هكذا فأنزل اللّه هذه الآية اهـ.\rقوله: الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ جملة مرتبطة بقوله منع مساجد اللّه وسعى في خرابها يعني أنه إن سعى ساع في المنع من ذكره تعالى وفي خراب بيوته، فليس ذلك مانعا من أداء العبادة في غيرها، لأن المشرق والمغرب وما بينهما له تعالى والتنصيص على ذكر المشرق والمغرب دون غيرهما لوجهين،","part":1,"page":146},{"id":148,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 147\rناحيتاها فَأَيْنَما تُوَلُّوا وجوهكم في الصلاة بأمره فَثَمَ هناك وَجْهُ اللَّهِ قبلته التي رضيها إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ يسع فضله كل شيء عَلِيمٌ (115) بتدبير خلقه\rوَقالُوا بواو ودونها أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات اللّه اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً قال تعالى سُبْحانَهُ تنزيها أحدهما: لشرفهما حيث جعلا للّه تعالى، والثاني: أن يكون من حذف المعطوف للعلم به أي للّه المشرق والمغرب وما بينهما، كقوله: تقيكم الحر أي البرد، وفي المشرق والمغرب قولان، أحدهما:\rأنهما اسما مكان الشروق والغروب، والثاني: أنهما اسما مصدر أي الإشراق والإغراب، والمعنى للّه تولي إشراق الشمس من مشرقها وإغرابها من مغربها، وجاء المشارق والمغارب باعتبار وقوعهما في كل يوم، والمشرقين والمغربين مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما، وكان من حقهما فتح العين كما تقدم من أنه إذا لم تكسر عين المضارع فحق اسم المصدر والزمان والمكان فتح العين ونحو ذلك قياسا لا تلاوة اهـ سمين.\rقوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا أين هنا اسم شرط بمعنى أن وما مزيدها عليها، وتولوا مجزوم بها وزيادة ما ليس لازمة لها وهي ظرف مكان، والناصب لها وما بعدها، وتكون اسم استفهام أيضا فهي لفظ مشترك بين الشرط والاستفهام كمن وما، وزعم بعضهم أن أصلها السؤال عن الأمكنة وهي مبنية على الفتح لتضمنه معنى حرف الشرط أو الاستفهام، وأصل تولوا توليوا فأعل بالحذف اهـ سمين.\rقوله: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ الفاء وما بعدها جواب الشرط، فالجملة في محل جزم، وثم خبر مقدم، ووجه اللّه رفع بالابتداء، وثم اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل هنا وهنا بتشديد النون، وهو مبني لتضمنه معنى حرف الإشارة أو حرف الخطاب. قال أبو البقاء: لأنك تقول في الحاضر هنا وفي الغائب هناك، وثم نائب عن هناك وهذا ليس بشيء، وقيل بني لشبهه بالحرف في الافتقار فإنه يفتقر إلى مشار إليه ولا يتصرف بأكثر من جره بمن اهـ سمين.\rقوله: (قبلته التي رضيها) عبارة غيره فثم وجه اللّه جهته التي ارتضاها قبلة وأمر بالتوجه نحوها اهـ. وفي المختار: الوجه والجهة بمعنى والهاء عوض من الواو اهـ.\rقوله: (قبلته التي رضيها) وذلك لأن المتحير قبلته الجهة التي اعتقدها قبلة اهـ شيخنا.\rقوله: (بواو) أي عطفا على سابقه أي على مفهوم قوله، ومن أظلم أي على معاه، وكأنه قيل لا أحد أظلم ممن منع مساجد اللّه، ولا ممن قال اتخذ اللّه ولدا، وإن كان الثاني أظلم من الأول، وقوله ودونها أي على الاستئناف، وأشار بالأول إلى قراءة غير ابن عامر، وبالثاني إلى قراءته، واتفق على حذف الواو في موضع في يونس لأن ابتداء كلام خرج مخرج التعجب من عظيم جراءتهم وليس في سابقه ما يتسق عليه اهـ كرخي.\rقوله: (أي اليهود والنصارى) أي قالت اليهود: عزير ابن اللّه، وقالت النصارى: المسيح ابن اللّه.\rوقوله: (من زعم الخ) معطوف على الفاعل أي قال من زعم الخ ويجعلون للّه البنات سبحانه، فقوله:\rولداهو العزير على قول، والمسيح على آخر، الملائكة على آخر اهـ شيخنا.\rقوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً بمعنى صنع فيتعدى لواحد، أو بمعنى صير، والمفعول الأول محذوف","part":1,"page":147},{"id":149,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 148\rله عنه بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا والملكية تنافي الولادة وعبر بما تغليبا لما لا يعقل كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) مطيعون كل بما يراد منه وفيه تغليب العاقل\rبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ موجدهما لا على مثال سبق وَإِذا قَضى أراد أَمْراً أي إيجاده فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ أي صير بعض مخلوقاته ولدا إلا أنه مع كثرة ورود هذا التركيب لم يذكر معه إلا مفعول واحد، قالوا:\rاتخذ الرحمن ولدا، وما اتخذ اللّه من ولد، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا اهـ كرخي.\rقوله: (تنزيها له عنه) أي عن الاتخاذ لأن اتخاذ الولد لبقاء النوع واللّه منزه عن الفناء والزوال اهـ كرخي.\rقوله: (و عبر بما) أي التي لغير أولي العلم مع قوله قانتون تغليبا لما لا يعقل، أي للاعلام بأنهم في غاية من القصور عن فهم معنى الربوبية وفي نهاية النزول إلى معنى العبودية إهانة بهم وتنبيها على إثبات مجانستهم بالمخلوقات المنافية للألوهية اهـ كرخي.\rقوله: كُلٌ التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل ما فيهما كائنا ما كان من أولي العلم وغيرهم له قانتون ينقادون لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته اهـ أبو السعود.\rوجمع قانتون حملا على المعني لما تقدم من أن كلا إذا قطعت عن الإضافة جاز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، وهو الأكثر نحو كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33] وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [النمل: 87] ومن مراعة اللفظ: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [الإسراء: 84] فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: 40] والقنوت الطاعة والانقياد أو طول القيام أو الصمت أو الدعاء اهـ سمين.\rقوله: (مطيعون) أي طاعة تسخير وقهر، فالجماد مسخر لما أراد اللّه منه فالطاعة هنا طاعة الإرادة والمشيئة لا طاعة العبادة قاله الرازي اهـ كرخي.\rقوله: (كل بما يراد منه) أي كل فرد من أفراد المخلوقات مطلوب لما يراد منه فالباء بمعنى اللام، قوله: (و فيه) أي في التعبير بصيغة جمع العقلاء تغليب العاقل أي إيذانا بأن الأشياء كلها من التسخير والانقياد بمنزلة العقل المطيع المنقاد الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف عن الأمر، ولا يمتنع عن الإرادة اهـ كرخي.\rقوله: بَدِيعُ السَّماواتِ المشهور رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع، وقرئ بالجر على أنه بدل من الضمير في له وفيه الخلاف المشهور، وقرئ بالنصب على المدح وبديع السموات من باب الصفة المشبهة أضيفت إلى منصوبها الذي كان فاعلا في الأصل، والأصل بديع سمواته أي بدعت لمجيئها على شكل فائق حسن غريب، ثم شبهت هذه الصفة باسم الفاعل فنصبت ما كان فاعلا، ثم أضيفت إليه تخفيفا، وهكذا كل ما جاء من نظائره بالإضافة لا بد وأن تكون من نصب لئلا يلزم إضافة الصفة إلى فاعلها، وهو لا يجوز في اسم الفاعل الذي هو الأصل اهـ سمين. وفي القاموس وبدع ككرم بداعة وبدوعا اهـ.\rقوله: وَإِذا قَضى أَمْراً العامل في إذا محذوف يدل عليه الجواب من قوله: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ","part":1,"page":148},{"id":150,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 149\rفَيَكُونُ (117) أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب جوابا للأمر\rوَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي كفار مكة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لَوْ لا هلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ بأنك رسوله أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ مما اقترحناه على صدقك والتقدير ذا قضى أمرا يكون ويحصل، فلفظ يكون المقدر وهو العامل في إذا، وقوله أراد فيه إشارة إلى بيان المراد بالقضاء هنا، فإن القضاء له معان كثيرة مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، فيكون بمعنى خلق نحو: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [فصلت: 12]، وبمعنى أعلم: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [الإسراء: 4]، وبمعنى أمر: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23]، وبمعنى وفي: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص: 29]، وبمعنى الزم: وقضى القاضي بكذا، وبمعنى أراد: وإذا قضى امرا، وبمعنى قدر: وأمضى تقول قضى يقضي قضاء اهـ من السمين.\rقوله: فَيَكُونُ الجمهور على رفعه فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مستأنفا أي خبر المبتدأ محذوف، أي فهو يكون، ويعزى لسيبويه، الثاني: أن يكون معطوفا على يقول وهو قول الزجاج، والطبري، والثالث: أن يكون معطوفا على كن من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. وقرأ ابن عامر بالنصب هنا، وفي الأولى من آل عمران، وهي كن فيكون، ونعلمه تحرزا من قوله كن فيكون الحق من ربك، وفي مريم كن فيكون، وإن اللّه ربي وربكم، وفي غافر كن فيكون. ألم تر إلى الذين يجادلون، ووافقه الكسائي على ما في النحل ويس، وهي أن يقول له كن فيكون اهـ سمين. ويكون من كان التامة بمعنى أحدث فيحدث وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال، بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف اهـ بيضاوي.\rقوله: (بل تمثيل حصول الخ) بأن شبهت الحال التي تتصور من تعلق إرادته تعالى بشيء من المكونات، وسرعة إيجاده إياه بحالة أمر الآمر النافذ تصرفه في المأمور المطيع الذي لا يتوقف في الامتثال، فأطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك من غير أن يكون هناك أمر وقول اهـ شهاب.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هذا حكاية لنوع آخر من قبائحهم وهو قدحهم في أمر النبوة بعد حكاية قدحهم في شأن التوحيد، بنسبة الولد إليه سبحانه وتعالى. واختلف في هؤلاء القائلين، فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: هم اليهود، وقال مجاهد: هم النصارى، ووصفهم بعدم العلم لعدم علمهم بالتوحيد والنبوة، كما ينبغي، أو لعدم علمهم بموجب علمهم أو لأن ما يحكى عنهم لا يصدر عمن له شائبة علم أصلا. وقال قتادة: وأكثر أهل التفسير هم مشركوا العرب لقوله تعالى: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الأنبياء: 5]، لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [الفرقان: 21] اهـ أبو السعود.\rقوله: (هلا) أشار إلى أن لو لا هنا حرف تخصيص كهلا وما نقل عن الخليل أن لو لا الواقعة في جميع القرآن بمعنى هلا إلا فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصافات: 143] فمعناه لو لم يكن متعقب بآيات منها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف: 24] فإنها امتناعه وجوابها لهم بها اهـ كرخي.\rقوله: يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي مشافهة من غير واسطة أو بواسطة الوحي إلينا لا إليك اهـ شيخنا. وهذا منهم استكبار وتعنت.\rوقوله: أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ الخ هذا منهم جحود وإنكار لكون ما أنزل عليهم آيات استهانة به وعنادا اهـ من البيضاوي.","part":1,"page":149},{"id":151,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 150\rكَذلِكَ كما قال هؤلاء قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ من التعنت وطلب الآيات تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ في الكفر والعناد فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) يعلمون أنها آيات فيؤمنون فاقتراح آية معها تعنت\rإِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد بِالْحَقِ بالهدى بَشِيراً من أجاب إليه الجنة وَنَذِيراً من لم يجب إليه بالنار وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) النار أي الكفار ما لهم لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ وفي قراءة بجزم تسأل نهيا\rوَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ دينهم قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ أي قوله: (مما اقترحناه) قال في الصحاح: اقترحت عليه شيئا إذا سألته إياه من غير روية، واقتراح الكلام ارتجاله، زاد في القاموس. واستنباط الشيء من غير سماع اهـ كرخي.\rقوله: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153]، وقالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [البقرة: 61] الآية. وقالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ [المائدة: 112] الخ وقالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً [الأعراف: 138] الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (من التعنت) أي التشديد والتحكم اهـ.\rقوله: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أي قلوب هؤلاء وأولئك في العمى والعناد، وإلا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيه) أي في قوله كذلك قال الذين الخ.\rقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ أي نزلناها بيّنة بأن جعلناها كذلك في أنفسها، كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بيّنة اهـ كرخي.\rقوله: بِالْحَقِ أي ملتبسا ومصاحبا له أو بسببه أي سبب إقامته والمراد بالهدى دين الإسلام بدليل قوله الآتي: إن هدى اللّه أي الإسلام اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ بالبناء للمفعول ورفع الفعل على أن لا نافية وفي هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها حال فتكون معطوفة على الحال قبلها كأنه قيل بشيرا ونذيرا وغير مسؤول. والثاني: أن تكون مستأنفة اهـ سمين. وفي القاموس: والجحيم النار الشديدة التأجج، وكل نار بعضها فوق بعض وحجمها كمنعها أوقدها، فجحمت ككرمت جحوما، وجحمت كفرح جحما وجحما وجحوما اضطرمت، والجاحم الجمر الشديد الاشتغال ومن الحرب معظمها اهـ.\rقوله: (وما لهم لم يؤمنوا) هذا صورة السؤال المنفي أي لا يقال لك في القيامة هذا القول، قوله:\r(إنما عليك الخ) تعليل للنفي المذكور اهـ.\rمن صفحة 150\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 196\r\rوقوله: (و في قراءة بجزم تسأل) على صيغة الفاعل. قوله: (نهيا) أي نهيا من اللّه سبحانه وتعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي لا تسأل عن حالهم التي تكون لهم في القيامة، فإنها شنيعة ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها وهذا فيه تخويف لهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَنْ تَرْضى الخ هذا حكاية لما وقع منهم، فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لن نرضى عنك حتى تتبع ديننا، فلما حكى اللّه عنهم ذلك علمه الرد عليهم بقوله: إن هدى اللّه الخ اهـ شيخنا.","part":1,"page":150},{"id":152,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 151\rالإسلام هُوَ الْهُدى وما عداه ضلال وَلَئِنِ لام قسم اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها فرضا بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الوحي من اللّه ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ يحفظك وَلا نَصِيرٍ (120) يمنعك منه\rالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مبتدأ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرؤونه كما أنزل والجملة حال والرضا ضد الغضب، وهو من ذوات الواو لقولهم: الرضوان والمصدر رضا ورضا بالقصر والمد ورضوان بكسر الراء وضمها، وقد يضمن معنى عطف فيتعدى بعلى، كقوله: إذا رضيت عليّ بنو قشير اهـ سمين.\rقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ هذه تسمى اللام الموطئة للقسم وعلامتها اهـ. تقع قبل أدوات الشرط وأكثر مجيئها مع أن، وقد تأتي مع غيرها نحو لما آتيتكم من كتاب لمن تبعك منهم، وسيأتي بيانه ولكونها مؤذنة بالقسم اعتبر سبقها، فأجيب القسم دون الشرط بقوله: ما لك من اللّه من ولي، وحذف جواب الشرط، ولو أجيب الشرط لوجبت الفاء، وقد تحذف هذه اللام ويعمل بمقتضاها فيجاب القسم نحو قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَ [المائدة: 73] اهـ سمين.\rقوله: (لام قسم) أي دالة على قسم مقدر. قوله: أَهْواءَهُمْ هي المعبر عنها أولا بقوله ملتهم، وقوله فرضا أي على سبيل الفرض والتقدير، وإلّا فاتباعه لهم محال اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْعِلْمِ في محل نصب على الحال من فاعل جاءك، ومن للتبعيض أي جاءك حال كونه بعض العلم اهـ سمين.\rقوله: ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ الخ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه هذا المذكور تقديره فما لك من اللّه الخ، وذلك لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم محذوف جواب المتأخر منهما كما قال ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rاه شيخنا.\rقوله: (يحفظك) عبارة الخازن ما لك من اللّه من ولي أمرك ويقوم بك، ولا نصير ينصرك ويمنعك من عقابه اهـ.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ رفع بالابتداء وفي خبره قولان، أحدهما: يتلونه وتكون الجملة من قوله إما مستأنفة وهو الصحيح وإما حالا على قول ضعيف تقدم مثله أول السورة، الثاني: أن الخبر هو الجملة من قوله: أولئك يؤمنون ويكون يتلونه في محل نصب على الحال إما من المفعول في آتيناهم، وإما من الكتاب، وعلى كلا القولين فهي حال مقدرة لأن وقت الإتيان لم يكونوا تالين ولا كان الكتاب متلوا، وجوز الجرمي أن يكون يتلونه خبرا، وأولئك يؤمنون خبرا بعد خبر، قال مثل قولهم هذا حلو حامض كأنه يريد جعل الخبرين بمعنى خبر واحد، هذا إن أريد بالذين قوم مخصوصون، وإن أريد به العموم كان أولئك يؤمنون هو الخبر. قال جماعة منهم ابن عطية وغيره: ويتلونه حالا لا يستغني عنها وفيها الفائدة اهـ سمين.\rقوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرأونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرفونه ولا يبدلون ما فيه من","part":1,"page":151},{"id":153,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 152\rوحق نصب على المصدر والخبر أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالكتاب المؤتى بأن يحرفه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم\rيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) تقدم مثله\rوَاتَّقُوا خافوا يَوْماً لا تَجْزِي تغني نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ فيه شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فداء وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) يمنعون من عذب اللّه\rوَاذكر وَإِذِ ابْتَلى اختبر إِبْراهِيمَ وفي قراءة نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل: معناه يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمشابهه، ويقفون عنه، ويكلون علمه إلى اللّه تعالى، وقيل: معناه يتدبرونه حق تدبره، ويتفكرون في معانيه وحقائقه وأسراره اهـ خازن.\rقوله: (نزلت في جماعة) عبارة الخازن. قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية من رهبان الشأم، منهم بحيرا الراهب، وقيل هم مؤمنو أهل الكتاب مثل: عبد اللّه بن سلام وأصحابه، وقيل هم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة، وقيل هم المؤمنون عامة اهـ.\rقوله: (أي بالكتاب المؤتى) اسم مفعول من آتى الرباعي بوزن أكره اهـ.\rوقوله: (بأن يحرفه) أي يغيره كتغيير النصارى واليهود لكتابيهما اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ معطوف على نعمتي. قوله: (تقدم مثله) عبارة الخازن، وفي هذه الآية عظة لليهود الذين كانوا في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكررها في أول السورة، وهنا للتوكيد وتذكير النعم اهـ.\rقوله: (خافوا) يَوْماً على حذف مضاف أي خافوا عذابه. قوله: لا تَجْزِي نَفْسٌ أي مؤمنة عن نفس كافر. وقوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْها أي النفس الكافرة، وكذا بقية الضمائر اهـ.\rوالجملة صفة ليوما والرابط محذوف قدره بقوله فيه وقوله: شَيْئاً أي شيئا من الاغناء أو شيئا من الجزاء.\rتنبيه: اتفق القراء على قراءة يقبل هنا بالياء على التذكير اهـ خطيب.\rقوله: وَ(اذكر) إِذِ ابْتَلى الخ الخطاب بهذا المقدر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويصح أن يقدر واذكروا خطابا لبني إسرائيل، وعبارة أبي السعود، وإذا منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي عليه الصلاة السّلام أي: واذكر لهم وقت ابتلائه عليه السّلام ليتذكروا ما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم فيه من الباطل، ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذكروا خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى عمن ينتسيون إلى ملته من إبراهيم وأبنائه من الأفعال والأقوال فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم اهـ.\rوالغرض من هذا التذكير توبيخ أهل الملل المخالفين، وذلك لأن إبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديما وحديثا، فحكى اللّه تعالى عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى","part":1,"page":152},{"id":154,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 153\rإبراهام رَبُّهُ بِكَلِماتٍ بأوامر ونواه كلفه بها قيل هي مناسك الحج وقيل المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء فَأَتَمَّهُنَ أداهن تامات قالَ تعالى له إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قدوة في الدين قالَ قبول قول محمد، لأن ما أوجبه اللّه تعالى على إبراهيم جاء به محمد، وفي ذلك حجة عليهم اهـ خازن.\rقوله؛ (اختبر) اختبار اللّه تعالى عنده مجاز، لأن حقيقة الابتلاء والامتحان لاستفادة علم خفي على المختبر، وذلك غير جائز في حق اللّه تعالى، لأنه تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد، فهو استعارة تبعية واقعة على طريق التمثيل أي فعل معه فعلا مثل فعل المختبر اهـ كرخي.\rقوله: إِبْراهِيمَ مفعول مقدم، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة لأنه متى اتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة اهـ كرخي.\rوابراهيم اسم أعجمي ومعناه أب رحيم وهو ابن تارخ ابن آزر بن تاخور بن شاروخ بن أرغو بن فالغ بن عابن بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السّلام اهـ من الخازن.\rوفي إبراهيم لغات سبع، أشهرها: ابراهيم بألف وياء، وإبراهام بألفين، والثالثة ابراهم بألف الراء وكسر الهاء دون ياء، الرابعة: كذلك إلا أنه بفتح الهاء، الخامسة كذلك إلا أنه بضم الهاء، السادسة أبرهم بفتح الهاء من غير ألف وياء، السابعة ابراهوم بالواو اهـ سمين.\rقوله: (بأوامر ونواه الخ) عبارة الخطيب، واختلف في الكلمات التي ابتلى اللّه تعالى بها إبراهيم عليه الصلاة والسّلام، فقال عكرمة: عن ابن عباس هي ثلاثون من شرائع الإسلام، عشر في براءة التائبون العابدون الخ، وعشر في الأحزاب ان المسلمين والمسلمات الخ، وعشر في المؤمنين إلى قوله والذين هم على صلواتهم يحافظون، وفي سأل والذين هم بشهادتهم قائمون: وقال طاوس، عن ابن عباس: ابتلاه اللّه بعشرة أشياء هي الفطرة خمس في الرأس الشامل للوجه قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في الجسد تقليم الأظافر ونتف الأبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء. وفي الخبر أن إبراهيم أول من قص الشارب، وأول من اختتن، وأول من قلم الأظافر، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال يا رب ما هذا؟ قال: الوقار. قال: يا رب زدني وقارا.\rقال قتادة: هي مناسك الحج أي فرائضه وسننه كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهن، وقال الحسن: ابتلاه اللّه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه قائم لا يزول، وبالنار فصبر عليها، وبالختان، وبذبح ولده، وبالهجرة فصبر عليها. وقال مجاهد: هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً إلى آخر القصة اهـ.\rقوله: (كلفه بها) هذا تفسير لقوله اختبر الواقع تفسيرا لابتلى، والمراد التكليف على سبيل الوجوب، فقد كانت هذا العشرة واجبة عليه، وأما في حقنا فبعضها سنّة وبعضها واجب. قوله: (و فرق الرأس) أي فرق شعره إلى الجانب الأيمن والجانب الأيسر. قوله: (و الاستنجاء) أي بالماء، وأما","part":1,"page":153},{"id":155,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 154\rوَمِنْ ذُرِّيَّتِي أولادي اجعل أئمة قالَ لا يَنالُ عَهْدِي بالإمامة الظَّالِمِينَ (124) الكافرين منهم دلّ على أنه ينال غير الظالم\rوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ الكعبة مَثابَةً لِلنَّاسِ مرجعا يثوبون إليه من كل جانب بالحجر فهو من خصائص هذه الأمة اهـ.\rقوله: قالَ إِنِّي هذه الجملة القولية يجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها إذا قلنا بأنها عاملة في إذ لأن التقدير، قال إني جاعلك إذا ابتلى، ويجوز أن تكون استئنافا إذا قلنا إن العامل في إذ مضمر كأنه قيل، فماذا قال ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: قال إني جاعلك، ويجوز فيها أيضا على هذا القول أن تكون بيانا لقوله ابتلى، وتفسيرا له فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع القواعد وما بعدها نقل ذلك الزمخشري اهـ كرخي.\rقوله: جاعِلُكَ هو اسم فاعل من جعل، بمعنى صيّر فيتعدى لاثنين، أحدهما: الكاف وفيها الخلاف المشهور وهل هي في محل نصب أو جر، وذلك أن الضمير المتصل باسم الفاعل العامل فيه قولان أحدهما أنه في محل جر بالإضافة. والثاني: أنه في محل نصب، وإنما حذف التنوين لشدة اتصال الضمير والمفعول الثاني إماما اهـ سمين.\rقوله: لِلنَّاسِ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بجاعل أي لأجل الناس، والثاني: أنه حال من إماما فإنه صفة نكرة قدم عليها، فيكون حالا منها، والأصل إماما للناس، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، والإمام اسم ما يؤتم به أي يقصد ويتبع كالإزار اسم لما يؤتزر به ومنه قيل لخيط البناء إمام اهـ سمين.\rقوله: (قدوة في الدين) أي إلى يوم القيامة إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباعه في الجملة اهـ كرخي.\rقوله: قالَ وَمِنْ أي واجعل من بعض ذريتي، وهذا كعطف التلقين، كما يقال لك سأكرمك فتقول وزيدا، وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة إمامة الكل وإن كانوا على الحق اهـ.\rقوله: قالَ لا يَنالُ أي لا يصيب عَهْدِي الظَّالِمِينَ الجمهور على نصب الظالمين مفعولا به، وعهدي فاعل أي لا يصل عهدي إلى الظالمين، فيدركهم. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء الظالمون رفعا بالفاعلية وعهدي مفعول به والقراءتان ظاهرتان إذ الفعل تصح نسبته إلى كل منهما، فإن من نالك لقد نلته والنيل الإدراك وهو العطاء اهـ سمين.\rوالعهد فسره غيره بالنبوة أو الإمامة فالباء في كلام الشارح للتصوير أي عهدي المصور بالإمامة أي الذي هو الإمامة. قوله: وَإِذْ جَعَلْنَا إذ عطف على إذ قبلها، وقد تقدم الكلام فيها، وجعلنا يحتمل أن يكون بمعنى خلق ووضع فيتعدى لواحد وهو البيت، ويكون مثابة نصبا على الحال وأن يكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين فيكون مثابة المفعول الثاني، والأصل في مثابة مثوبة فأعل بالنقل والقلب، وهل هو مصدر أو اسم مكان قولان. وهل الهاء فيه للمبالغة كعلامة ونسابة لكثرة من يثوب إليه أي يرجع، أو لتأنيث المصدر كمقامة أو لتأنيث البقعة ثلاثة أقوال، وقد جاء حذف هذه الهاء وهل","part":1,"page":154},{"id":156,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 155\rوَأَمْناً مأمنا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره كان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه وَاتَّخِذُوا أيها الناس مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت مُصَلًّى مكان معناه من ثاب يثوب أي رجع أو من الثواب الذي هو الجزاء قولان أظهرهما أولهما وقرأ الأعمش وطلحة مثابات جمعا، ووجهه أنه مثابة كل واحد من الناس اهـ سمين.\rقوله: (الكعبة) ويدخل في البيت جميع الحرم، فإن اللّه تعالى وصفه بكونه آمنا وهذا صفة جميع الحرم اهـ خازن.\rقوله: لِلنَّاسِ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة لمثابة وحملة النصب، والثاني: أنه متعلق بجعلنا أي لأجل الناس أي لأجل مناسكهم اهـ سمين.\rقوله: (مرجعا) بكسر الجيم وإن كان خلاف القياس، إذ القياس الفتح. وقوله: يثوبون إليه أي يرجعون إليه، لكن هذا لا يصدق إلا بمن حج ثم رجع، وأما من أتاه ابتداء فلم يدخل في ظاهر العبارة، ثم رأيت في الشهاب قوله مرجعا الخ يعني أن الزائرين يثوبون إليه بأعيانهم أو بأمثالهم وأشباههم لظهور أن الزائر ربما لا يثوب، لكن صح إسناده إلى الكل لاتحادهم في القصد اهـ. ومحصله أن المراد بالمرجع مطلق الإتيان سواء كان ابتداء أو مسبوقا بإتيان آخر. قوله: (مأمنا لهم) يعني أن أمنا المصدر بمعنى موضع أمن لمن يسكنه ويلجأ إليه أو على حذف مضاف أي ذا أمن وهو أظهر من جعله بمعنى اسم الفاعل أي آمنا على سبيل المجاز كقوله: حرما آمنا لأن الآمن هو الساكن والملتجىء، فإن الأول لا مجاز فيه اهـ كرخي.\rقوله: (فلا يهيجه) أي فلا يزعجه لحرمة الحرم، قوله: وَاتَّخِذُوا قرأ نافع، وابن عامر اتخذوا فعلا ماضيا على لفظ الخبر، والباقون على لفظ الأمر، فأما قراءة الخبر ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه معطوف على جعلنا المخفوض بإذ تتقديرا فيكون الكلام جملة واحدة، الثاني: أنه معطوف على مجموع قوله، وإذ جعلنا فيحتاج إلى تقدير إذ أي واذ اتخذوا، ويكون الكلام جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكون معطوفا على محذوف تقديره فثابوا واتخذوا وأما قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه، أحدها: أنها عطف على اذكروا إذ قيل ان الخطاب هنا لبني إسرائيل أي اذكروا نعمتي واتخذوا.\rالثاني: أنها عطف على تضمنه قوله مثابة، كأن قال: ثوبوا واتخذوا ذكر هذين الوجهين المهدوي.\rالثالث: أنه معمول لقول محذوف أي، وقلنا اتخذوا بأن قيل إن الخطاب لإبراهيم وذريته أو لمحمد عليه الصلاة والسّلام وأمته. الرابع: أن يكون مستأنفا اهـ سمين.\rقوله: مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ في من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها تبعيضية وهذاهو الظاهر. الثاني:\rالأمر الذي أنها بمعنى في. الثالث: أنها زائدة على قول الأخفش وليسا بشيء والمقام هنا مكان القيام وهو يصلح للزمان، والمصدر أيضا وأصله مقوم فأعل بنقل حركة الواو إلى الساكن قبلها وقلبها ألفا، ويعبر به عن الجماعة مجازا كما يعبر عنهم بالمجلس اهـ سمين.\rوهذه المعاني الثلاثة لمن لا يظهر منها شيء هنا وإن استظهر هو الأول، وإنما الذي يظهر أنها","part":1,"page":155},{"id":157,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 156\rصلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف وفي قراءة بفتح الخاء خبر وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أمرناهما أَنْ أي بأن طَهِّرا بَيْتِيَ من الأوثان لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ المقيمين فيه وَالرُّكَّعِ بمعنى عند، ويكون المعنى واتخذوا مصلى كائنا عند مقام إبراهيم، والعندية تصدق بجهاته الأربع، والتخصيص يكون المصلى خلفه إنما استفيد من فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة بعده، فقول الشارح بأن تصلوا خلفه بيان لمآل المعنى. وحاصله؛ وبعد ذلك يقال في التعبير بالخلف نظر لأن الحجر مربع متساوي الجهات في نحو ذراع طولا وعرضا وسمكا فلعل التعبير بالخلف بالنظر لما أحدث هناك من شباك حديد دائر به له باب يقابل المصلى الذي يقف هناك، وقد ذكر القليوبي على الجلال أن هذا الباب كان أولا من جهة الكعبة، فيكون وقوف المصلي خلف ذلك الباب وإن كان الآن يصير مقابلا له فليتأمل. قوله: (الذي قام عليه) أي الذي وقف عليه أي كان يقف عليه عند البناء، وأصله من الجنة كالحجر اسود، وفي الخبر: الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، ولو لا ما مسهما من أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب اهـ خطيب.\rقوله: (عند بناء البيت) وبناؤه كان متأخرا عن بناء مكة وكل منهما في زمن إبراهيم، أما الأول فبناء إبراهيم، وأما الثاني فبناء طائفة من جرهم، وذلك أن إبراهيم لما جاء بأم إسماعيل وابنها إسماعيل وهي ترضعه وضعهما عند مكان البيت، وليس هناك يومئذ بناء ولا أحد، فلما عطشت واشتد عليها الأمر جاءها الملك فبحث بعقبه أو يجناحه في موضع زمزم حتى ظهر الماء فصارت تشرب منه فاستمرت كذلك هي وولدها حتى مرت بهما طائفة من جرهم، فقالوا: عهدنا بهذا الوادي ما فيه ماء، فأتوا أم إسماعيل فقالوا لها: أتأذنين أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، لكن لا حق لكم في الماء. قالوا؛ نعم، فنزلوا عندها وأرسلوا إلى أهلهم فبنوا هناك أبياتا فلما شب إسماعيل وأعجبهم زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل اهـ من الخازن. قوله: مُصَلًّى مفعول اتخذوا وهو هنا اسم مكان أيضا، وجاء في التفسير بمعنى قبلة، وقيل هو مصدر، فلا بد من حذف مضاف أي مكان صلاة وألفه منقلبة عن واو الأصل مصلو، لأن الصلاة من ذوات الواو كما تقدم أول الكتاب اهـ سمين.\rقوله: وَإِسْماعِيلَ هو علم أعجمي، وفيه لغتان اللام والنون، ويجمع على سماعلة وسماعيل وأساميع، ومن أغرب ما نقل في التسمية أن إبراهيم عليه السّلام لما دعا اللّه تعالى أن يرزقه ولدا كان يقول اسمع إيل اسمع إيل وإيل هو اللّه تعالى، فسمى ولده بذلك اهـ سمين.\rقوله: (أمرناهما) أي أمرا مؤكدا اهـ أبو السعود، وعبارة الخازن أي أمرناهما وألزمناهما وأوجبنا عليهما اهـ.\rقوله: أَنْ طَهِّرا يجوز في أن وجهان، أحدهما: أنها تفسيرية لجملة قوله، وعهدنا فإنه يتضمن معنى القول لأنه بمعنى أمرنا أو وصينا فهي بمنزلة أي التي للتفسير، وشرط أن التفسيرية أن تقع بعد ما هو بمعنى القول لا حروفه، وقال أبو البقاء: أن التفسيرية تقع بعد القول، وما كان في معناه، وقد غلط في ذلك، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب. والثاني: أن تكون مصدرية، وخرجت عن نظائرها في جواز وصلها بالجملة الأمرية. قالوا: كتبت إليه بأن قم وفيها بحث ليس هذا موضعه، والأصل بأن","part":1,"page":156},{"id":158,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 157\rالسُّجُودِ (125) جمع راكع وساجد المصلين\rوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا المكان بَلَداً آمِناً ذا أمن وقد أجاب اللّه دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا طهرا، ثم حذفت الباء فجيء فيها الخلاف المشهور من كونها في محل نصب أو خفض وبيتي مفعول به أضيف إليه تعالى للتشريف، والطائف اسم فاعل من طاف يطوف، ويقال أطاف رباعيا وهذا من باب فعل أفعل بمعنى، والعكوف لغة اللزوم، واللبث يقال عكف يعكف ويعكف بالفتح في الماضي والضم والكسر في المضارع، وقد قرئ بهما، والسجود يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه جمع ساجد نحو قاعد وقعود وهو ممناسب لما قبله. والثاني: أنه مصدر نحو الدخول والقعود، فعلى هذا لا بد من حذف مضاف أي ذوي السجود ذكره أبو البقاء، وعطف أحد الوصفين على الآخر في قوله للطائفين والعاكفين لتباين ما بينهما، ولم تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في قوله الركع السجود، لأن المراد بهما شيء واحد وهو الصلاة إذ لو عطف لتوهم أن كلّا منهما عبادة على حيالها، وجمع صفتين جمع سلامة وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة، وهو نوع من الفصاحة وأخر صيغة فعول على فعل لأنها فاصلة اهـ سمين.\rقوله: (من الأوثان) فيه أنه لم يكن هناك إذ ذاك أوثان عند البيت حتى يطهر منها إلا أن يقال المراد أديما طهارته منها أي امنعا أن تعبد هي عنده لو طلب بعض المشركين أن يفعل ذلك. قوله:\r(المقيمين فيه) فسر به العاكفين ليطابق ما في سورة الحج من قوله: وَالْقائِمِينَ [الحج: 26] إذ المراد منه المقيمون وغاير بينهما لفظا جريا على عادة العرب من تفننهم في الكلام اهـ كرخي.\rقوله: (هذا المكان) أي الأقفر الذي ليس فيه زرع ولا ماء ولا بناء، فهذا من الشارح مبني على أن الدعاء قبل بناء مكة اهـ شيخنا، وعبارة الكرخي، ونكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلدا، فطلب من اللّه تعالى أن يجعل ويحصل بلدا آمنا، وثم كانت بعد جعله بلدا اهـ.\rقوله: (ذا أمن) أشار به إلى أن آمنا صيغة نسب على حدّ قوله:\rومع فاعل وفعال فعل ... في نسب أغنى عن اليا فقبل\r\rوعبارة الكرخي قوله: ذا أمن أشار به إلى أن آمن صفة كعيشة راضية، بمعنى ذات رضا لا بمعنى مرضية من إسناد ما للمفعول للفاعل، ويجوز أن يكون إسناد إلى المكان مجازا كما في ليل نائم نسبة إلى الزمان أي نائم فيه قاله السعد التفتازاني، فعلى هذا آمنا إلى الحرم على سبيل المجاز لأن المقصود آمن الملتجىء إليه، فأسند إليه مبالغة اهـ.\rقوله: (لا يسفك فيه دم إنسان) أي ولو قصاصا على مذهب أبي حنيفة، فلا ينقص منه فيه عنده، بل يضيق عليه بمنع الأكل والشرب حتى يخرج منه ويقتص منه خارجه، وعند الشافعي يقتص منه فيه، والخلاف بينهما فيما إذا قتل خارج الحرم ثم دخله ملتجئا إليه، أما إذا قتل فيه، فإنه يقتص منه فيه اتفاقا. وقوله: (و لا يظلم فيه أحد) أي من حيث كون الظلم فيه معصية زيادة على كونه معصية في","part":1,"page":157},{"id":159,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 158\rيختلى خلاه وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ وقد فعل بنقل الطائف من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من أهله وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قالَ تعالى وَارزق مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بالتشديد والتخفيف في الدنيا بالرزق قَلِيلًا مدة حياته ثُمَّ أَضْطَرُّهُ ألجئه في الآخرة إِلى عَذابِ النَّارِ فلا يجد عنها محيصا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) المرجع هي\rوَاذكر وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ الأسس أو الجدر مِنَ الْبَيْتِ يبنيه نفسه، وهذا يشهد لقول ابن عباس السيئات تضاعف فيه كالحسنات، وقوله: (لا يختلى خلاه) أي لا يقطع ولا يأخذ خلاه بالقصر أي حشيشه الرطب اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الثَّمَراتِ أي بعض الثمرات، ولم يقل من الحبوب لما في تحصيلها من الذل الحاصل بالحرث وغيره، فاقتصار على الثمرات لتشريفهم اهـ شيخنا.\rوقيل: من للبيان وليس بشيء إذ لم يتقدم مبهم يبين بها فإن قيل، ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام رب اجعل هذا بلدا آمنا، وقد أخبر اللّه تعالى عنه قبل ذلك بقوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا؟. فالجواب: أن المراد من الأمن المذكور في قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا هو الأمن من الأعداء والخسف والمسخ، والمراد من الأمن في دعاء إبراهيم هو الأمن من القحط، ولهذا قال: وارزق أهله من الثمرات اهـ كرخي.\rقوله: (إليه) أي إلى قربه بنحو مرحلتين. وقوله: (و كان) أي المكان اهـ.\rقوله: (موافقة لقوله) أي فلما أدبه اللّه تعالى علمه الدعاء حيث لامه على التعميم في سؤال الإمامية تأدب في سؤال الرزق فخصه بالمؤمنين قياسا على تخصيص اللّه الإمامية بهم، فقيل له من جانب الحق فرق بين الرزق والإمامة، فالرزق يعم المؤمن والكافر دون الإمامة، فلذلك قال: وارزق من كفر اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ كَفَرَ قدره ليفيد أن ومن كفر معطوف على من آمن عطف تلقين كأنه قيل: وارزق من كفر، وأن محل من نصب بفعل محذوف دل الكلام عليه أي لأن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم في الدين، ويجوز أن تكون من مبتدأ موصولة أو شرطية، وقوله:\rفَأُمَتِّعُهُ خبره أو جوابه اهـ كرخي.\rقوله: (ألجئه) إشارة إلى أن فيه معنى الاستعارة حيث شبه حال الكافر المذكور بحالة من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه، فاستعمل في المشبه من استعمل في المشبه به، وعبارة القاضي أن ألزه إليه لزّ المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم اهـ كرخي.\rقوله: (هي) أي النار، فالمخصوص بالذم محذوف، والواو فيه ليست للعطف وإلا لزم عطف الإنشاء على الاخبار، بل الواو للاستئناف كما قال صاحب المغني. في قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282] أن واو يعلمكم اللّه للاستئناف لا للعطف للزوم عطف الخبر على الأمر اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الخ صيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة رفع","part":1,"page":158},{"id":160,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 159\r............\rالقواعد العجيبة اهـ أبو السعود. وقصة بناء البيت أن اللّه تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، فكان زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض من تحتها، فلما أهبط اللّه آدم إلى الأرض استوحش، فشكا إلى اللّه فأنزل اللّه عز وجل البيت المعمور وهو ياقوته من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي وباب غربي، فوضعه على موضع البيت، وقال: يا آدم إني أهبطت إليك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، وأنزل اللّه تعالى عليه الحجر الأسود فتوجه آدم من الهند ماشيا، فأرسل اللّه إليه ملكا يدله على البيت، فحج آدم البيت، فلما فرغ قالت الملائكة: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال ابن عباس: حجه آدم أربعين حجة من الهند ماشيا على رجليه، وبقى هذا البيت إلى زمن الطوفان، فرفعه اللّه تعالى إلى السماء الرابعة وهو البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وبعث اللّه تعالى جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم، ثم إن اللّه تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد إسماعيل وإسحاق ببناء بيت، فسأل اللّه تعالى أن يبين له موضعه، فدل عليه وعلى الحجر الأسود الذي كان قد خبأه جبريل، فبنى البيت هو وإسماعيل اهـ من الخازن.\rوفي القسطلاني على البخاري ما نصه: وبنيت الكعبة عشر مرات، الأول: بناء الملائكة. روي أن اللّه تعالى أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتا، وفي كل أرض بيتا. قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتا.\rوروي أن الملائكة حين اسست الكعبة انشقت الأرض إلى منتهاها وقذفت الملائكة فيها حجارة كأمثال الإبل فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل بناءهما. الثاني: بناء آدم. روي أنه قيل له أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس. الثالث: بناء ابنه شيث بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا به وبأولاده ومن بعدهم حتى كان زمن نوح فأغرقه الطوفان وغيّر مكانه. الرابع: بناء إبراهيم وقد كان المبلغ له بنائه جبريل عن الملك الجليل، ومن ثم قيل ليس ثم في هذا العالم. أشرف من الكعبة، لأن الآمر ببنائها الملك الجليل، والمبلغ والمهندس جبريل، والباني الخليل والمعين إسماعيل. الخامس: بناء العمالقة. السادس: بناء جرهم والذي بناه منهم هو الحرث بن مضاض الأصغر. السابع: بناء قصي خامس جد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. الثامن: بناء قريش وحضره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن خمس وثلاثين سنة. التاسع: بناء عبد اللّه بن الزبير وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير بمكة في أوائل سنة أربع وستين بمعاندة يزيد بن معاوية، فهدمها بعد أن استخار واستشار، وكان يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين، وبلغ بالهدم قامة ونصفا حتى وصل قواعد إبراهيم فوجدها كالإبل المسنمة، وبعضها متصل ببعض حتى أن من ضرب بالمعول طرف البناء تحرك طرفه الآخر، فبناهاه على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ما أخرجته منها قريش من الحجر بكسر الحاء وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود الآن والآخر المقابل له المسدود، كان ابتداء البناء في جمادى الآخرة وختمه في رجب سنة خمس وستين، ثم ذبح مائة بدنة للفقراء وكساهم. العاشر: بناء الحجاج، وكان بناؤه للجدار الذي من جهة الحجر بكسر الحاء، والباب الغربي المسدود عند الركن اليماني، وما تحت عتبة الباب الشرقي وهو أربعة أذرع وشبر وترك بقية","part":1,"page":159},{"id":161,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 160\rمتعلق بيرفع وَإِسْماعِيلُ عطف على إبراهيم يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا بناءنا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (127) بالفعل\rرَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ منقادين لَكَ اجعل وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أولادنا أُمَّةً جماعة مُسْلِمَةً لَكَ ومن للتبعيض وأتى به لتقدم قوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ الكعبة على بناء ابن الزبير، واستمر بناء الحجاج إلى الآن اهـ ملخصا. وهذا بحسب ما اطلع عليه رحمه اللّه تعالى وإلّا فقد بناه بعد ذلك بعض الملوك سنة ألف وتسع وثلاثين كما نقله بعض المؤرخين اهـ وقد نظم العشرة الأولى بعضهم فقال:\rبنى بيت رب العرش عشر فخذهم ... ملائكة اللّه الكرام وآدم\r\rفشيت فإبراهيم ثم عمالق ... قصي قريش قبل هذين جرهم\r\rوعبد الإله بن الزبير بنى كذا ... بناء الحجاج وهذا متمم\r\rفائدة: قال ابن عباس: بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل. من طور سينا، وطور زيتا، ولبنان جبل بالشام، والجودي جبل بالجزيرة، وبنى القواعد من حراء جبل بمكة اهـ.\rوقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ المراد برفعها البناء عليها، فإنها كانت موجودة مبنية من قبل بنائه غائصة في الأرض إلى منتهاها، وإنما بنى عليها ورفع البناء فوقها، فقوله: (يبنيه) تفسير ليرفع، وقوله: مِنَ الْبَيْتِ نعت للقواعد التي هي من البيت أي التي هي بعضه المستتر في الأرض، وهذا أوضح من قول الجلال متعلق بيرفع. وقوله: (الأسس) بضمتين جمع أساس بفتح الهمزة كعناق وعنق، وأساس البناء أصله الثابت في الأرض، وقوله: (أو الجدر) جمع جدار ككتاب وكتب والجدار الحائط، وفي المصباح أس الحائط بالضم أصله وجمعه آساس مثل قفل وأقفال، وربما قيل أساس كعش وعشاش والأساس بالفتح مثله وجمعه اسس. مثله عناق وعنق وأسسته تأسيسا جعلت له أساسا اهـ.\rقوله: (يقولان) قدره لتصحيح وقوع الجملة الطلبية حالا فإنه يتوقف على تصييرها خبرية بتقدير القول اهـ شيخنا.\rقوله: (منقادين) المراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان أو الثبات عليه، لأن الأصل حاصل، وإنما لم يحمل الإسلام الحقيقة، أعنى إحداثه لأن الأنبياء معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها، لا يتصور الوحي والاستنباء قبل الإسلام اهـ كرخي.\rقوله: أُمَّةً جماعة أفاد أن الأمة هنا جماعة وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، قال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [النحل: 120] وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى ومنه قوله تعالى:\rإِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: 23] أي على دين وملة اهـ كرخي.\rقوله: (و أتى به) أي بالتبعيض أي بدا له وهو من يعني ولم يعمم، فيقول: واجعل ذريتنا اهـ شيخنا.","part":1,"page":160},{"id":162,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 161\rوَأَرِنا علمنا مَناسِكَنا شرائع عبادتنا أو حجنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعا وتعليما لذريتهما\rرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ أي أهل البيت رَسُولًا مِنْهُمْ من أنفسهم وقد أجاب اللّه دعاءه بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ القرآن وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ أي ما فيه من الأحكام وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الشرك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب الْحَكِيمُ (129) في صنعه\rوَمَنْ أي يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ فيتركها إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ قوله: أَرِنا أصله أرئينا فالهمزة الثانية عين الكلمة والياء لامها، فحذفت الياء لأجل بناء الفعل ونقلت حركة الهمزة إلى الراء الساكنة قبلها وهي فاء الكلمة، ثم حذفت الهمزة وحينئذ فوزنه افتا، وقوله: علمنا يعني عرفنا فهي عرفانية تتعدى لواحد وتتعدى للثاني بواسطة همزة النقل اهـ شيخنا.\rوالمناسك: واحدها منسك بفتح السين وكسرها، وقد قرئ بهما والمفتوح هو المقيس لانضمام عين مضارعة اهـ سمين.\rقوله: (شرائع عبادتنا أو حجنا) قدم الأول لأن النسك الأصل غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العبادة اهـ كرخي.\rقوله: (أي أهل البيت) أي بيت إبراهيم، وهم ذريته وعبّر عنهم أولا بالذرية وثانيا بأهل البيت، والمراد منهما واحد أو المراد ذرية إبراهيم وإسماعيل معا ولم يأت من ذريتهما معا نبي إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما جملة الأنبياء بعد إبراهيم فمن ذريته هو وإسحاق اهـ شيخنا.\rقوله: (أيضا) أي أهل البيت أفاد به أن الضمير عائد على الذرية بمعنى الأمة إذ لو أعاده على لفظها لقال فيها اهـ كرخي.\rقوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ في محل صفة ثانية لرسولا، وجاء هذا على الترتيب الأحسن حيث تقدم ما هو شبيه بالمفرد وهو الجار والمجرور على الجملة، أو نصب على الحال من رسولا لأنه لما وصف تخصيص اهـ كرخي.\rقوله: الْكِتابَ أي معانيه، فالكلام على حذف المضاف، وقد صرح به الخازن وفسر الحكمة بإنها الإصابة في القول والعمل ووضع كل شيء موضعه اهـ كرخي.\rقوله: وَالْحِكْمَةَ أي ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام. وقال ابن قتيبة: هي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتكم عن قبيح فهي حكمة، وقيل هي فهم القرآن، وقيل هي الفقه في الدين، وقيل هي السنّة اهـ.\rقوله: (من الأحكام) الشريعة فهو أخص مما قبله اهـ شيخنا.\rقوله: (الغالب) فهو صفة ذات، وقوله: (في صنعه) فهو صفة فعل. قوله: وَمَنْ يَرْغَبُ الخ سبب نزولها أن عبد اللّه بن سلام وكان من أحبار اليهود، وقد أسلم دعا ابني أخيه إلى الإسلام وهما","part":1,"page":161},{"id":163,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 162\rجهل أنها مخلوقة للّه يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنها وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ اخترناه فِي الدُّنْيا بالرسالة والخلة وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) الذين لهم الدرجات العلى واذكر\rإِذْ مهاجر وسلمة، فقال لهما: قد علمنا أن اللّه تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وامتنع مهاجر من الإسلام، فنزلت هذه الآية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهو تعريض وتوبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب، إلا أن اليهود والنصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم، لأنهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم، والعرب يفتخرون به لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وإذا كان كذلك وكان إبراهيم هو الذي طلب بعثة هذا الرسول في آخر الزمان فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم اهـ في الخازن.\rقولهه: (أي لا يرغب) إشارة إلى أن من اسم استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ فهو نفي في المعنى، ولذلك جاءت هذه بعده إلى التي للإيجاب ومحلة الابتداء، ويرغب خبره وفيه ضمير يعود عليه، وقوله فيتركها أي مع ظهورها ووضوحها اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا مَنْ سَفِهَ في من وجهان، أحدهما: أنها في محل رفع على البدل من الضمير في يرغب، وهو المختار لأن الكلام غير موجب. والكوفيون يجعلون هذا باب العطف نحو قام القوم إلا زيد. قالا: عندهم حرف عطف وزيد معطوف على القوم، وتحقيق هذا مذكور في كتب النحو. الثاني:\rأنها في محل نصب على الاستثناء، ومن يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون نكرة موصوفة. فالجملة بعدها لا محل لها على الأول ومحلها الرفع أو النصب على الثاني اهـ سمين.\rقوله: (جهل أنها مخلوقة للّه) أشار بهذا إلى أن سفه مضمن معنى جهل، وقوله أو استخف بها أشار به إلى أنه معتد بنفسه من غير تضمين وهما وجهان. وحكاهما السمين ونصه، قوله: نفسه في نصبه وجهان، أحدهما: وهو المختار أن يكون مفعولا به لأن ثعلبا والمبرد حكيا أن سفه بكسر، فيتعدى بنفسه كما يتعدى سفه بفتح الفاء والتشديد، وحكي عن أبي الخطاب أنها لغة وهو اختيار الزمخشري، فإنه قال سفه نفسه امتهنها واستخف بها. والثاني: أنه مفعول به، ولكن على تضمين سفه معنى فعل يتعدى، فقدره الزجاج وابن جني بمعنى جهل، وقدره أبو عبيدة بمعنى أهلك اهـ.\rقوله: (جهل أنها مخلوقة) أي لم يستدل بما فيها من آثار الصنعة على الوحدانية، وعلى نبوة نبينا بالمعجزات، والعرب تضع سفه موضع جهل لأن من عبد حجرا أو قمرا أو شمسا أو صنما فقد جهل نفسه لأنه لم يعلم خالقها. قوله: (أو استخف بها وامتهنها) أي لأن أصل السفه الخفة، فمن رغب عما لا يرغب فيه فقد بالغ في إذلال نفسه وإهانتها اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ تعليل قبله للحصد واللام جواب قسم محذوف، والمقصود منه الحجة والبيان لقوله: ومن يرغب الخ اهـ كرخي، وأكد جملة الاصطفاء باللام والثانية بأن، واللام لأن الثانية محتاجة لمزيد تأكيد، وذلك أن كونه في الآخرة من الصالحين أمر مغيب، فاحتاج الاخبار به أو فضل تأكيد، وأما اصطفاه اللّه تعالى له فقد شاهدوه ونقله جيل بعد جيل اهـ كرخي.\rقوله: (بالرسالة) الباء سببية أو بمعنى اللام. قوله: (بالملة) أي باتباعها وأعاد الضمير لها لأنه قد","part":1,"page":162},{"id":164,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 163\rقالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ انقد للّه وأخلص له دينك قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131)\rوَوَصَّى وفي قراءة وأوصى بِها بالملة إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ بنيه قال يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ دين الإسلام فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) نهي عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت.\rجرى ذكرها. وقال الزمخشري: والضمير في بها لقوله: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ على تأويل الكلمة والجملة اهـ كرخي.\rقوله: إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وكانوا ثمانية: إسماعيل وهو أول أولاده وأمه هاجر القبطية، وإسحاق وأمه سارة. البقية أمه قنطوراء بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة، وقيل: كان أولاده أربعة عشر. وأولاد يعقوب اثني عشر، وبين بضم الراء وبالنون، وروي باللام وشمعون ولاوي ويهوذا ويشبوخون وزيولون ودون وبتيون وكودا وأشيز وبنيامين ويوسف اهـ من البيضاوي والخازن.\rقوله: وَيَعْقُوبُ بنيه نبه به على أن ويعقوب بالرفع عطفا على إبراهيم كما هو الأظهر، والمفعول محذوف أي: ووصى يعقوب بنيه أيضا، ويجوز أن يكون مبتدأ حذف خبره تقديره ويعقوب قال: يا بني إن اللّه اصطفى اهـ كرخي. قوله: يا بَنِيَ فيها وجهان، أحدهما: أنه من مقول إبراهيم، وذلك على القول بعطف يعقوب على إبراهيم. والثاني: أنه من مقول يعقوب إن قلنا رفعه بالابتداء، أو يكون قد حذف مقول إبراهيم للدلالة عليه تقديره: ووصى إبراهيم بنيه يا بني، وعلى كل تقدير فالجملة من قوله يا بني وما بعدها منصوب بقول محذوف على رأي البصريين أي فقال: يا بني وبفعل الوصية لأنها في معنى القول على رأي الكوفيين اهـ سمين.\rقوله: (دين الإسلام) أي فالألف واللام للعهد لأنهم كانوا قد عرفوه اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تموتوا على حالة غير حالة الإسلام، فليس فيه نهي عن الموت الذي هو قهري، ولذلك قال الشارح: نهي عن ترك الإسلام اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، كأنه قال: لا تموتن على حال إلا على هذه الحال، والعامل فيها ما قبل إلا اهـ سمين.\rقوله: (نهى عن ترك الإسلام) جواب عن سؤال وهو أن الموت ليس في قدرة الإنسان حتى ينهى عنه، فأجاب بأن النهي في الحقيقة إنما هو عن عدم إسلامهم حال موتهم، كقولك لا تصل إلا وأنت خاشع إذ النهي فيه إنما هو عن تركه الخشوع حال صلاته لا عن الصلاة اهـ كرخي. والنكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة، وهي غير منهي عنها هي إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة كأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة، وكذلك المعنى في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حق هذا الموت أن لا يحصل فيهم، وأصل تموتن تموتون الأولى علامة الرفع والثانية المشددة للتوكيد، فاجتمع ثلاثة أمثال فخذفت نون الرفع لأن نون التوكيد أولى بالبقاء لدلالتها على معنى مستقل، فالتقى ساكنان الواو والنون الأولى المدغمة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين وبقيت الضمة تدل عليها، وهكذا كل ما جاء من نظائره اهـ سمين.","part":1,"page":163},{"id":165,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 164\rولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل\rأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حضورا إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ بدل من إذ قبله قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي بعد موتي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عد إسماعيل من الآباء تغليب ولأن العم بمنزلة الأب إِلهاً واحِداً بدل من إلهك وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) وأم بمعنى همزة الانكار أي لم قوله: (ألست تعلم) أي أنت تعلم. قوله: (باليهودية) أي باتباعها والتمسك بها، وهي ملة موسى. قوله: (نزل الخ) أي نزل تكذيبهم ببيان ما قاله في ذلك الوقت وهو قوله: ما تعبدون من بعدي هو الذي قاله؛ ومما يكذبهم أيضا أن اليهودية إنما كانت من بعد موسى اهـ شيخنا.\rقوله: شُهَداءَ جمع شاهد أو شهيد اهـ سمين.\rقوله: إِذْ حَضَرَ إذ: منصوب بشهداء على أنه ظرف لا مفعول به. أي شهداء وقت حضور الموت إياه، وحضور الموت كناية عن حضور أسبابه ومقدماته اهـ سمين.\rقوله: يَعْقُوبَ سمي بذلك لأنه هو وأخوه العيص كانا توأمين في بطن واحد، فتقدم العيص وقت الولادة في الخروج مسابقة ليعقوب، فتأخر يعقوب عنه ونزل على أثره وعقبه في الخروج اهـ من الخازن.\rقوله: (بدل من إذ) أي بدل اشتمال. قوله: ما تَعْبُدُونَ ما: اسم استفهام في محل نصب لأنه مفعول مقدم لتعبدون، وهو واجب التقديم، لأن له صدر الكلام أي: أي شيء تعبدونه؟ وأتى بما دون من لأن المعبودات ذلك الوقت كانت غير عقلاء كالأوثان والأصنام والشمس والقمر، فاستفهم بما التي لغير العاقل فعرف بنوه ما أراد، فأجابوه بالحق إذ الجواب على وفق السؤال اهـ كرخي.\rقوله: وَإِلهَ آبائِكَ إنما أعاد المضاف لأجل صحة العطف على حد قوله:\rوعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا\r\rولما كان ربما يتوهم من ظاهر هذا العطف تعدد الاله أتى بالبدل وقوله: إِلهاً واحِداً لدفع هذا التوهم اهـ شيخنا.\rقوله: (عدا إسماعيل الخ) أي مع أنه عم يعقوب، وقد أجاب عن هذا بجوابين، وبقي أن يقال لم قدم إسماعيل على أسحاق في الذكر مع أن إسحاق هو الأب حقيقة، وجوابه أن تقديمه لشرفه على إسحاق من وجهين،، الأول: أنه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة. الثاني: أنه جد نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: (لأن العم بمنزلة الأب) أي ففي الصحيحين «عم الرجل صنو أبيه» أي مثله في أن أصلهما واحد اهـ كرخي.\rقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ هذه الجملة معطوفة على قوله نعبد، يعني أنها من تتمة جوابهم له فأجابوه بزيادة أو حال من فاعل نعبد أو مفعوله أي: ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد. قال أبو حيان: الأول أبلغ اهـ كرخي.","part":1,"page":164},{"id":166,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 165\rتحضروه وقت موته فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به\rتِلْكَ مبتدأ والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما وأنث لتأنيث خبره أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ سلفت لَها ما كَسَبَتْ من العمل أي جزاؤه استئناف وَلَكُمْ الخطاب لليهود ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) كما لا يسألون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها\rوَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا أو للتفصيل وقائل الأول يهود المدينة والثاني نصارى نجران قُلْ لهم بَلْ نتبع مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً حال من إبراهيم مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)\rقُولُوا خطاب للمؤمنين قوله: (و أم بمعنى همزة الإنكار) أي وحدها، وهذا أحد وجوه ثلاثة، فإنه يجوز في أم أن تقدر بالهمزة وببل وحدها وبهما معا، والغالب في كلامه أن يقدرها بهما معا، وعبارة السمين في أم هذه ثلاثة أقوال، أحدها: وهو المشهور أنها منقطعة والمنقطعة تقدر ببل وهمزة الاستفهام، وبعضهم يقدرها ببل وحدها، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال له، ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيؤول معناه إلى النفي أي بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا. الثاني: أنها بمعنى همزة الاستفهام وهو قول ابن عطية والطبري الخ، انتهت.\rقوله: (و أنت) أي أتى به اسم إشارة مؤنثا مع أن الظاهر أن يقال هؤلاء أمة اهـ شيخنا.\rقوله: ما كَسَبَتْ على حذف مضاف كما قدره بقوله أي جزاؤه. قوله: (استئناف) أي أو صفة أخرى لأمة أو حال من الضمير في خلت، والأول أظهر اهـ كرخي.\rقوله: (و الجملة) أي جملة وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وقوله تأكيد لما قبلها أي لجملة لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ لأنها أفادت أن أحدا لا ينفعه كسب أحد، بل هو مختص به إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذا حاصل بدون الجملة المذكورة اهـ كرخي.\rقوله: وَقالُوا كُونُوا هُوداً الخ معطوف في المعنى على قوله: وقالوا لن يدخل الجنة الخ وهذا شروع لا بيان فن آخر من فنون كفرهم وإضلالهم لغيرهم إثر بيان ضلالتهم في نفسهم، والضمير في قالوا لأهل الكتابين يعني قالوا للمؤمنين ما ذكر، لكن على التوزيع كما أشار له الشارح يعني قالت اليهود للمؤمنين كونوا هودا، وقالت النصارى للمؤمنين كونوا نصارى، ومعنى كونواهودا وكونوا نصارى اتبعوا اليهودية واتبعوا النصرانية، وقول الشارح أو للتفصيل أي التقسيم أي تفصيل القول المجمل بقوله: وقالوا الخ أي أن قولهم قسمان اهـ شيخنا.\rقوله: تَهْتَدُوا أي تصلوا إلى الخير وتظفروا به. قوله: (قل لهم بل نتبع إلخ) أي قل لهم في الرد عليهم لا نكون كما قلتم بل نكون على ملة إبراهيم اهـ شيخنا.\rقوله: (بل نتبع) قدره ليفيد أن ملة مفعول فعل مضمر لأن معنى كونواهودا أو نصارى اتبعوا اليهودية أو النصرانية، وقال الكشاف: نصبه على الإغراء أي الزموا ملة، وهو قول أبي عبيدة، وهذا كالوجه الأول في أنه مفعول به وإن اختلف العامل اهـ كرخي.\rقوله: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض باليهود والنصارى ومشركي العرب حيث ادعوا أنهم","part":1,"page":165},{"id":167,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 166\rآمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا من القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ من الصحف العشر وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ أولاده وَما أُوتِيَ مُوسى من التوراة وَعِيسى من الإنجيل وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ من الكتب والآيات لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود على ملة إبراهيم، مع أنه لم يكن مشركا وهم مشركون اهـ شيخنا، فالمراد بالإشراك مطلق الكفر.\rقوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الخ أي قولوا لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وهذا في المعنى إيضاح لقوله قل بل نتبع اهـ شيخنا.\rقوله: (خطاب للمؤمنين) أي لقوله فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به اهـ كرخي.\rوقيل إنه خطاب للقائلين كونواهودا أو نصارى، والمراد بالمنزل عليهم إما القرآن وإما التوراة والإنجيل اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ أعاد الموصول لئلا يتوهم من إسقاطه اتحاد المنزل، مع أنه ليس كذلك، كما أشار له الشارح، وذكر إسماعيل وما بعده لكونهم مروجين ومقررين، لما أنزل اللّه على إبراهيم، فكأنه منزل عليهم أيضا، وإلا فليسوا منزلا عليهم في الحقيقة. قوله: وَما أُوتِيَ الخ عبر بالإتيان دون الإنزال كسابقه فرارا من التكرار الصوري الموجب للثقل في العبارة، وقوله عيسى وموسى لم يعد الموصول بأن يقول ما أوتي عيسى إشارة إلى اتحاد المنزل عليه مع المنزل على موسى، فإن الإنجيل مقرر للتوراة ولم يخالفها إلا في قدر يسير فيه تسهيل، كما قال: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم اهـ شيخنا.\rقوله: (أولاده) أي أولاد يعقوب. قيل: المراد لصلبه وحينئذ فتسميتهم أسباطا بالنظر لكونهم أولاد أولاد إسحاق وإبراهيم، وقيل: المراد أولاد أولاده، وتسميتهم أولادا ظاهرة، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل، فأسباط بني إسرائيل هم قبائلهم، وهذا كله بالنظر إلى أصل اللغة إطلاق السبط على ولد الولد مطلقا، وإلّا فالعرف الطارىء خصص السبط بولد البنت والحفيد بولد الابن اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ أي المذكورون وغير المذكورين ذكر ما أوتي هنا وحذفه في آل عمران اختصارا، كما هو الأنسب بالآخر، ولأن الخطاب هنا عام كما مرّ، وثم خاص فكان الأنسب ذكره في الأول وحذفه في الثاني، وقال هنا أوتي موسى ولم يقل وما أنزل إلى موسى، كما قال قبل وما أنزل إلى إبراهيم للاحتراز عن كثرة التكرار اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ رَبِّهِمْ في محل نصب، وهو الظاهر. ومن لابتداء الغاية وتتعلق بأوتي الثانية إن أعدنا الضمير على النبيين فقط دون موسى وعيسى، أو بأوتي الأولى وتكون الثانية تكرارا لسقوطها في آل عمران إن أعدنا الضمير على موسى وعيسى والنبيين اهـ كرخي.\rقوله: لا نُفَرِّقُ الخ أي في الإيمان كما أشار له الشارح بقوله فنؤمن الخ، وإلّا فنحن نفرق بينهم في الأفضلية اهـ.","part":1,"page":166},{"id":168,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 167\rوالنصارى وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)\rفَإِنْ آمَنُوا أي اليهود والنصارى بِمِثْلِ مثل زائدة ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان به فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ خلاف معكم فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يا محمد شقاقهم وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ (137) بأحوالهم وقد كفاه إياهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم\rصِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر أي صبغنا اللّه والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب وَمَنْ أي قوله: (فنؤمن ببعض ونكفر ببعض) أي بل نؤمن بجميعهم لأن تصديق الكل واجب، ونؤمن منصوب لأنه مفرغ على المنفي على حد قوله لا يقضي عليهم فيموتوا، ولفظ أحد لوقوعه في سياق النفي عام فساغ أن يضاف إليه بين من غير تقدير معطوف نحو المال بين الناس، ووجهه الكشاف بقوله واحد في معنى الجماعة بحسب الوضع، وعلله الشيخ سعد الدين التفتازاني بقوله: لأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع، ويشترط أن يكون استعماله مع كل أو في كلام غير بموجب، وهذا غير الأحد الذي هو أول العد في مثل: قل هو اللّه أحد، وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي على ما سبق الى كثير من الأذهان. ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرق بين رسول من الرسل إلا بتقدير العطف أي رسول ورسول اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنْ آمَنُوا الخ مرتب على قوله قولوا آمنا باللّه الخ أي: وإذا قلتم ما ذكر فحال اليهود والنصارى، إما مساواتكم فيما ذكر أو مخالفتكم فيه وقوله: بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ وهو المذكور في قوله آمنا باللّه وقول مثل زائد لئلا يلزم ثبوت المثل للّه وللقرآن اهـ شيخنا.\rقوله: (خلاف معكم) أي لأن كل واحد من المتشاققين يكون في شق غير شق صاحبه أي في ناحية، وفيه إشارة إلى بيان المراد بالشقاق هنا لأن له في اللغة ثلاث معان، أحدهما: الخلاف ومنه وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما [النساء: 35]. والثاني: العداوة مثل قوله: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي [هود:\r89]. والثالث: الضلال مثل وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [الحج: 53] اهـ كرخي.\rقوله: (و نصبه بفعل) مقدر، وقيل: نصبه بالفعل المذكور لملاقاته له في المعنى. وفي المصباح: صبغت الثوب صبغا من بابي نفع وقتل، في لغة من باب ضرب اهـ.\rقوله: (لظهوره) توجبه لإطلاق الصبغة على الدين، أي بطريق الاستعارة التصريحية. قال البغوي: ثم إن إطلاق مادة لفظ الصبغ على التطهير مجاز تشبيهي، وذلك أن شبّه التطهير من الكفر بالإيمان بصبغ المغموس في الصبغ الحسي، ووجه الشبه ظهور أثر كل منهما على ظاهر صاحبه، فيظهر أثر التطهير على المؤمن حسا ومعنى بالعمل الصالح والأخلاق الطيبة، كما يطهر أثر الصبغ على الثواب، ولا ينافي ذلك كونه مشاكلة اهـ. وتقرير المشاكلة هنا مبسوط في التلخيص وشرحه للسعد، ونصهما: والثاني من قسمين المشاكلة وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تقديرا، نحو قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا إلى قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ وهو- أي قوله: صبغة اللّه- مصدر لأنه فعله من صبغ كالجلسة من جلس،، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ مؤكد لآمنا باللّه أي تطهير اللّه من دنس الكفر، لأن الإيمان يطهر النفوس، فيكون آمنا","part":1,"page":167},{"id":169,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 168\rلا أحد أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً تمييز وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قال اليهود للمسلمين نحن أهل الكتاب الأول وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ولو كان محمد نبيا لكان منا فنزل\rقُلْ لهم أَتُحَاجُّونَنا تخاصموننا فِي اللَّهِ أن اصطفى نبيا من العرب وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فله أن مشتملا على تطهير اللّه لنفوس المؤمنين ودالا عليه، فيكون صبغة اللّه بمعنى تطهير اللّه مؤكدا لمضمون قوله: آمنا باللّه، ثم أشار إلى وقوع تطهير اللّه في صحبة ما يعبر عنه بالصبغ تقديرا بقوله، والأصل فيه أي في هذا المعنى، وهو ذكر التطهير بلفظ الصبغ، أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون انه- أي الغمس- في ذلك الماء تطهير لهم، فإذا فعل الواحد منهم ذلك بولده قال: الآن صار نصرانيا حقا، فأمر المسلمون بأن يقولوا للنصارى: قولوا آمنا باللّه وصبغنا اللّه بالإيمان صبغة. وهذاهو المذكور في الآية لا مثل صبغتنا هذاهو المقدر، وطهرنا به تطهيرنا لا مثل تطهيرنا هذا إذا كان الخطاب في قوله: قولوا آمنا باللّه للكافرين، وإن كان الخطاب للمسلمين، فالمعنى أن المسلمين أمروا بأن يقولوا صبغنا اللّه بالإيمان هذاهو المذكور في الآية صبغة ولم نصبغ صبغتكم أيها النصارى هذاهو المقدر فعبّر عن الإيمان باللّه بصبغة اللّه للمشاكلة بوقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا بهذا القرينة الحالية التي هي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر، وإن لم يذكر ذلك لفظا اهـ بحروفه. قوله: (فعبر بالإيمان الخ). حاصله أن الصبغ ليس بمذكور لا في كلام النصارى، ولكن غمسهم الأولاد عبارة عن الصبغ وإن لم يتكلموا به، والآية نازلة في سياق هذا، فكأن لفظ الصبغ مذكور اهـ سمين.\rقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مبتدأ وخبر. وهذا استفهام معناه النفي أي لا أحد وأحسن هنا فيها احتمالان، أحدهما: أنها ليست للتفضيل إذ صبغة غير اللّه منتف عنها الحسن. الثاني: أن يراد التفضيل باعتبار من يبصر أن في صبغة غير اللّه حسنا لا. إن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء ومن اللّه متعلق بأحسن، فهو في محل نصب وصبغة نصب على التمييز من أحسن، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ. والتقدير ومن صبغته أحسن من صبغة اللّه فالتفضيل إنما يجري بين الصبغتين لا بين الصابغين، وهذا غريب. أعني كون التمييز منقولا من المبتدأ اهـ سمين.\rقوله: وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ معطوف على آمنا، فهو داخل معه تحت الأمر، أي: وقولوا نحن الخ اهـ شيخنا. وقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ الخ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه اهـ أبو السعود. قوله:\r(الكتاب الأول) أي التوراة وأوليته بالنسبة للقرآن وإلّا فقلبه كتب، وقوله: (و قبلتنا) أي بيت المقدس.\rقوله: أَتُحَاجُّونَنا هذه الجملة في محل نصب بالقول قبلها، والضمير في قل يحتمل أن يكون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أو لكل من يصلح للخطاب، والضمير المرفوع في أتحاجوننا لليهود والنصارى أو لمشركي العرب، والمحاجة مفاعلة من حجة يحجه، قوله: فِي اللَّهِ لا بد من حذف مضاف أيّ في شأن اللّه، وفي دين اللّه اهـ سمين. أي أتخاصموننا في اصطفاء اللّه نبيا منا ولا ينبغي هذا منكم، والحال أنه ربنا وربكم، فله أن يجعل النبوة فيمن شاء يمحض الفضل، وإن توهمتم أن النبوة مرتبة عن العمل، فلا ينبغي أيضا منكم ما ذكر لأن لنا عملا كما لكم عملا، فللّه أن يرتب النبوة على عملنا، كما له أن يرتبها على عملكم، بل أن نحن أولى منكم بها لأنا مخلصون في عملنا دونكم اهـ شيخنا.","part":1,"page":168},{"id":170,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 169\rيصطفي من عباده من يشاء وَلَنا أَعْمالُنا نجازي بها وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ تجازون بها فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الاكرام وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء والهمزة للإنكار والجمل الثلاث أحوال\rأَمْ بل تَقُولُونَ بالياء والتاء إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ لهم أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ أي اللّه أعلم وقد برأ منهما إبراهيم بقوله ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا والمذكورون معه تبع له وَمَنْ قوله: (فله أن يصطفي) أي بمحض الفضل. قوله: (ما نستحق به الإكرام) أي عمل نستحق الإكرام بسببه بأن يرتب عليه النبوة، فكأنه ألزمهم على كل مذهب يقصدونه ويقيمون عليه إفحاما وتبكيتا، فإن كرامة النبوة إما تفضل من اللّه تعالى على من يشاء من عباده، والكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص، فكما أن لكم أعمالا ربما يعتبرها اللّه في إعطائها فلنا أيضا أعمال اهـ بيضاوي.\rقوله: (دونكم) أي لم تخلصوا له بل جعلتم له شركاء، ففي الآية إضمار اهـ كرخي.\rقوله: (فنحن أولى بالاصطفاء) أي الاختيار للنبوة أي اختيار كونها فينا. قوله: (و الهمزة) أي في قوله أتحاجوننا، وقوله والجمل الثلاث ألخ أولاها قوله: وهو ربنا وربكم. الثانية: ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم. الثالثة: ونحن له مخلصون اهـ شيخنا.\rوقوله: (أحوال) من الواو في أتحاجوننا والعامل فيها أتحاجوننا اهـ.\rقوله: تَقُولُونَ الهمزة للإنكار أيضا أي لا ينبغي لهم أن يقولوا ما ذكر، لأن اليهودية والنصرانية إنما هي من وقت موسى وعيسى وإبراهيم، ومن ذكر معه قبلهما، فكيف يقال فيهم انهم كانواهودا أو نصارى، كما سيأتي في قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [آل عمران: 65] اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: والاستفهام للإنكار والتوبيخ ايضا، فيكون قد انتقل عن قوله: أتحاجوننا وأخذ في الاستفهام عن قضية أخرى، والمعنى على إنكار نسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم ومن ذكر معه انتهت.\rقوله: أَمِ اللَّهُ أم متصلة، ولفظ الجلالة عطف على أنتم، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه وهو أحسن الاستعمالات الثلاثة، وذلك أنه يجوز في مثل هذا التركيب ثلاثة أوجه، تقدم المسؤول عنه نحو: أأعلم أنتم أم اللّه، وتوسطه نحو: أأنتم أعلم أم اللّه، وتأخره نحو: أأنتم أم اللّه أعلم. وقال أبو البقاء: أم اللّه مبتدأ والخبر محذوف أي أم اللّه أعلم وأم ههنا المتصلة أي أيكم أعلم، والتفضيل في قوله أعلم على سبيل الاستهزاء أو على تقدير أن يظن بهم علم في الجملة وإلّا فلا مشاركة اهـ سمين.\rقوله: (أي اللّه أعلم) أشار به إلى بيان جواب الاستفهام. قوله: (و قد برأ منهما) أي اليهودية والنصرانية. قوله: (و المذكورون معه) وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط تبع له أي في الدين اهـ كرخي.","part":1,"page":169},{"id":171,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 170\rأَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ أخفى الناس شَهادَةً عِنْدَهُ كائنة مِنَ اللَّهِ أي لا أحد أظلم وهم اليهود كتموا شهادة اللّه في التوراة لإبراهيم بالحنيفية وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تهديد لهم\rتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) تقدم مثله\r* سَيَقُولُ السُّفَهاءُ الجهال مِنَ النَّاسِ اليهود والمشركين ما وَلَّاهُمْ أي شيء صرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله: (كائنة) قدره ليفيد أنه صفة لشهادة بعد صفة، لأن عنده صفة أولى لشهادة اهـ كرخي، ويحتمل أنه متعلق بكتم، وأن الكلام على حذف مضاف تقديره كتمها من عباد اللّه، وعبارة السمين قوله: من اللّه في من وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بكتم، وذلك على حذف مضاف أي من كتم من عباد اللّه شهادة عنده. والثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لشهادة بعد صفة لأن عنده صفة لشهادة وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: ومن في قوله شهادة عنده من اللّه مثلها. في قولك هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له، ومثله براءة من اللّه ورسوله اهـ.\rقوله: (أي لا أحد أظلم الخ) عبارة البيضاوي: المعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب، لأنهم كتمواهذه الشهادة، أو لا أحد أظلم منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللّه لمحمد بالنبوة في كتبهم وغيرها اهـ.\rقوله: (و هم اليهود) تفسير لمن كتم. قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تهديد وإعلام بأنه لا يترك أمرهم سدى، وأنه مجازيهم على أعمالهم، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه مأخوذ من الأرض الغفل، وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة، وقال الكسائي: أرض غفل لم تمطر. فإن قيل: ما الحكمة في عدوله عن قوله واللّه عليم إلى قوله وما اللّه بغافل؟ فالجواب: أن نفي النقائض عن صفات اللّه تعالى أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها فإن نفي النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض، لأن العليم قد يغفل عن النقيض، فلما قال تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 74] دل ذلك على أنه عالم، وأنّه غير غافل، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية فإن قيل، قد قال تعالى في موضع آخر: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ [يوسف: 19] فالجواب: أن ذلك سبق لمجرد الإعلام بالقصة لا للزجر بخلاف هذه الآية، فإن المقصود بها الزجر والتهديد اهـ كرخي.\rقوله: (تقدم مثله) أي: وكرر تأكيدا وزجرا عما هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على أعمالهم، أو لأن الأمة في الآية الأولى للأنبياء، وفي الثانية لأسلاف اليهود والنصارى، أو لأن الخطاب في تلك الآية لهم، وفي هذه الآية لنا اهـ كرخي.\rقوله: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ أتى بالسين مع مضي القول المذكور لاستمرارهم عليه بناء على أن الآية متقدمة في نظم القرآن متأخرة في النزول عن آية قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة:\r144] كما ذكره ابن عباس وغيره، فمعنى سيقول السفهاء انهم يستمرون على هذا القول إن كانوا قد قالوه، وحكمة الاستقبال أنهم كما قالوا ذلك في الماضي منهم أيضا من يقوله في المستقبل، وقول الشيخ المصنف كالقاضي البيضاوي تبعا لما في الكشاف والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الاخبار بالغيب هو ما عليه أكثر المفسرين. وفائدة تقديم الاخبار به أي على المخبر عنه توطين النفس وإعداد الجواب، فلا يرد السؤال وهو أي فائدة في الإخبار به قبل وقوعه أو فائدته أن مفاجأة المكروه","part":1,"page":170},{"id":172,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 171\rوالمؤمنين عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الاخبار بالغيب قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه أي إلى جهة شاء لا اعتراض عليه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (142) دين الإسلام أي ومنهم أنتم دل على هذا\rوَكَذلِكَ كما هديناكم إليه جَعَلْناكُمْ يا أمة محمد أُمَّةً وَسَطاً خيارا عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة أن أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع، فيكون أرد للخصم وأفظع لشنعته، وقوله:\r(اليهود والمشركين) أي والمنافقين، فإن السفيه من لا يميز ما له وما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا، فيكون أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه. قوله: مِنَ النَّاسِ في محل نصب على الحال من السفهاء، والعامل فيها سيقول وهي حال مبينة، فإن السفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الحيوان والجماد، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازا، فرفع المجاز بقوله من الناس، ذكره ابن عطية وغيره اهـ سمين.\rقوله: (اليهود) ومدار إنكارهم كراهتهم للتحول عنها، وزعمهم أنه خطأ وقوله: (و المشركين) ومدار إنكارهم مجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه، وإظهار أن كلّا من التوجه إليها والانصراف عنها واقع بغير داع لا لكراهتهم الانصراف عنها والتوجه إلى مكة اهـ من أبي السعود.\rقوله: (أي شيء الخ) أشار به إلى أن ما استفهامية، والجملة بعدها خبرها، وهي مع خبرها في محل نصب بالقول، والاستفهام للإنكار أي أي شيء وأي سبب اقتضى انصرافهم عن قبلتهم التي كانوا عليها أي لا سبب يقتضي ذلك، وإنما هو من تشهيهم وتصرفهم برأيهم، ومحصل الجواب المذكور بقوله: قل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ إلخ بيان السبب المقتضي لذلك، وهو إرادة المالك المختار تأمل. قوله:\r(على استقبالها) أي أو اعتقادها فلا بد من حذف مضاف، والاستفهام في محل نصب بالقول، والاستعلاء في قوله عليها مجاز نزل مواظبتهم على المحافظة عليها منزلة من استعلى على الشيء اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود التي كانوا عليها أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيقتها انتهت.\rقوله: (فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء) أي لا يختص به مكان دون مكان لخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره أي امتثاله لا بخصوص المكان وتخصيص هاتين الجهتين بالذكر لمزيد ظهورهما، حيث كان أحدهما مطالع الأنوار والأصباح، والآخر مغربها، ولكثرة توجه الناس إليهما لتحقق الأوقات لتحصل المقاصد والمهمات اهـ كرخي.\rقوله: (أي ومنهم أنتم) أي وممن هداهم اللّه أنتم أيها المؤمنون، وقوله دل على هذا أي على قوله، ومنهم: أنتم أي على كون المؤمنين مهديين، وقوله كما هديناكم بيان لاسم الإشارة فهي واقعة على هداية المؤمنين أي جعلناكم أمة وسطا مثل ما هدايناكم اهـ شيخنا.\rقوله: (خيارا عدولا) أي مزكين بالعلم والعمل، كما قاله القاضي كالكشاف أي ممدوحين بهما","part":1,"page":171},{"id":173,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 172\rرسلهم بلغتهم وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أنه بلغكم وَما جَعَلْنَا صيرنا الْقِبْلَةَ لك الآن الجهة الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أولا وهي الكعبة وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي إليها فلما هاجر أمر باستقبال بيت من قولك زكى نفسه أي مدحها. قاله الجوهري: أي فالوسط مستلزم للخيار، والعدول كما أشار إليه الشيخ المصنف فأطلق الملزوم وأرد اللازم فيكونان استعارة، وأصل الوسط مكان تستوي إليه المساحة من سائر الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة، ثم أطلق على المتصف بها، والآية دلت على أن الإجماع حجة. إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم أي اختلت اهـ كرخي.\rقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ الخ وذلك أن اللّه تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير؟ فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فسأل اللّه الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا قد بلغنا فيسألهم البيّنة وهو أعلم بهم إقامة للحجة، فيقولون: أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد عليه الصلاة والسّلام، فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية من أين علموا، وإنما كانوا بعدنا. فيسأل اللّه تعالى هذه الأمة، فيقولون: أرسلت إلينا رسولا وأنزلت علينا كتابا أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم اهـ من الخازن.\rقوله: لِتَكُونُوا يجوز في هذه اللام وجهان، أحدهما: أن تكون لام كي فتفيد العلية. والثاني:\rأن تكون لام الصيرورة، وعلى كلا التقديرين فهي حرف جر وبعدها أن مضمرة هي وما بعدها في محل جر، وأتى بشهداء جمع شهيد لأنه يدل على المبالغة دون شاهدين وشهود جمعي شاهد، وفي على قولان، أحدهما: أنها على بابها وهو الظاهر. والثاني: أنها بمعنى اللام بمعنى أنكم تنقلون إليهم ما علمتموه من الوحي والدين، كما نقل الرسول عليه الصلاة والسّلام، وكذلك القولان في على الأخيرة بمعنى أن الشهادة بمعنى التزكية منه عليه السّلام لهم، وإنما قدم متعلق الشهادة آخرا وأخر أولا لوجهين، أحدهما: وهو ما ذكره الزمخشري أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسلو شهيدا عليهم. والثاني: أن شهيدا أشبه بالفواصل والمقاطع من عليكم، فكان قوله شهيدا تمام الجملة ومقطعها دون عليكم، وهذا الوجه قاله الشيخ مختارا له رادا على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص، وقد تقدم ذلك اهـ سمين.\rقوله: (أنه بلغكم) هو أحد القولين بقوله عليكم شهيدا، ومحصلة أنه إذا ادعى على أمته أنه بلغهم تقبل منه هذه الدعوى، ولا يطالب بشهيد يشهد له، فسميت دعواه شهادة من حيث قبولها وعدم توقفها على شيء آخر بخلاف سائر الأنبياء لا تقبل دعواهم على أممهم إلا بشهادة الشهود وهم هذه الأمة. والثاني: أن المراد به أن الرسول يزكيكم في شهادتكم على الأمم السابقة أن أنبياءهم بلغوهم، وعلى هذا تكون على بمعنى اللام أي يكون شاهدا لكم أي مزكيا لكم شاهدا بعدالتكم اهـ كرخي ببعض تصرف.\rقوله: الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها فيه أعاريب خمسة، أحسنها ما سلكه الجلال، وهو أن القبلة المفعول الثاني مقدما والتي نعت لمحذوف أي الجهة التي كنت عليها. وهذاهو المفعول الأول قد","part":1,"page":172},{"id":174,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 173\rالمقدس تألفا لليهود فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حول إِلَّا لِنَعْلَمَ على ظهور مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فيصدقه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حيرة من أمره وقد ارتد لذلك جماعة وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أخروا التقدير وما صيرنا الجهة التي كنت عليها أولا. يعني قبل الهجرة القبلة لك الآن أي بعد نسخ استقبال بيت المقدس أي، وما جعلنا قبلتك الأولى قبلة لك ثانيا أي ما حولناك ورجعناك إليها إلا لنعلم الخ اهـ شيخنا وعبارة السمين في هذه الآية خمسة أوجه، أحدها: أن القبلة مفعول أول والتي كنت عليها مفعول ثان، وأن الجعل بمعنى التصيير وهذا ما جزم به الزمخشري. الثاني: أن القبلة هي المفعول الثاني والتي كنت عليها هو الاول، وهذا ما اختاره الشيخ محتجا له بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال، فالتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، ألا ترى أنك تقول جعلت الطين خزفا وجعلت الجاهل عالما، ثم ذكر بقية الأوجه فراجعه إن شئت. قوله: (ثم حول) أي أمر بالتحول إلى الكعبة. قوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ استثناء مفرغ من أعم العلل أي وما جعلنا ذلك لشيء من الأشياء إلا لنمتحن الناس أي نعاملهم معاملة من يمتحنهم، فنعلم حينئذ من يتبع الرسول في التوجه إلى ما أمر به من الدين أو القبلة، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده عليه الصلاة والسّلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباع اهـ أبو السعود.\rقوله: (علم ظهور) جواب عما يفهم من الآية من حدوث العلم فأجاب بأن المراد إلا ليظهر علمنا من يتبع الخ،، فالذي يتجدد ويحدث ظهور العلم لا نفسه مراد الشارح، وفي الحقيقة الذي يحدث متعلق العلم وهو إيمان بعض وكفر بعض اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ من: موصولة وهي مع صلتها مفعول لنعلم على تضمينه معنى التمييز، والمعنى إلا لتميز الثابت من المتزلزل، كقوله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال: 37]. فوضع العلم موضع التمييز الذي هو مسبب عنه ويشهد له قراءة ليعلم على بناء المجهول مع صيغة الغيبة اهـ من أبي السعود.\rقوله: (فيصدقه) بالرفع عطفا على يتبع لأنه لم يسبقه نفي ولا طلب. قوله: عَلى عَقِبَيْهِ في محل نصب على الحال أي ينقلب مرتدا وراجعا على عقبيه، وهذا مجاز، وقرئ على عقبيه بسكون القاف وهي لغة تميم اهـ سمين.\rقوله: (أي يرجع إلى الكفر) إشارة إلى أنه مجاز، فلا يرد كيف يتصور حقيقة انقلاب الإنسان على عقبه اهـ كرخي.\rقوله: (في حيرة) بفتح الحاء المهملة أي تحير، وقوله: (من أمره) أي شأن نفسه، وقوله؛ (و قد ارتد لذلك) أي للظن المذكور.\rقوله: (مخففة من الثقيلة) أي واللام في لكبيرة فارقة بينها وبين النافية لا بين الثقيلة والمخففة، كما وقع في تفسير الكواشي نبه عليه السعد التفتازاني اهـ كرخي.","part":1,"page":173},{"id":175,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 174\rوإنها كانَتْ أي التولية إليها لَكَبِيرَةً شاقة على الناس إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ منهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ المؤمنين لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) في عدم إضاعة أعمالهم قوله: (أي التولية) أي المفهومة من قوله ما ولا هم عن قبلتهم. قوله: (إليها) أي الكعبة. وقوله:\rإِلَّا عَلَى الَّذِينَ متعلق بكبيرة وهو استثناء مفرغ، فإن قيل. لم يتقدم هنا نفي ولا شبهة وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك. فالجواب: أن الكلام وإن كان موجبا لفظا فإنه في معنى النفي إذ المعنى أنها لا تخف ولا تسهل إلا على الذين، وهذا التأويل بعينه قد ذكره في قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: 45] وقال الشيخ: هو استثناء من مستثنى منه محذوف تقديره:\rوإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الذين، وليس استثناء مفرغا لأنه لم يتقدمه نفي ولا شبهة، وقد تقدم جواب ذلك اهـ سمين. وتقرير الجلال يحتمل كلا من الوجهين.\rقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ في هذا التركيب وما أشبهه مما ورد في القرآن غيره نحو: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ [آل عمران: 179] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ [يس: 70] قولان، أحدهما: قول البصريين، وهو أن خبر كان محذوف وهذه اللام تسمى لام الجحود ينتصب الفعل بعدها بإضمار أن وجوبا فينسبك منها. ومن الفعل مصدر منجر بهذه اللام، وتتعلق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف، والتقدير وما كان اللّه مريدا لإضاعة إيمانكم وشرط لام الجحود عندهم أن يتقدمها كون منفي، واشترط بعضهم مع ذلك أن يكون كونا ماضيا، ويفرق بينها وبين لام الجحود كي ما ذكرنا من اشتراط تقدم كون منفي، يدل على مذهب البصريين التصريح بالخبر المحذوف في قوله؛ سموت ولم تكن أهلا لتسمو. والقول الثاني:\rللكوفيين وهو أن اللام وما بعدها في محل الخبر ولا يقدروا شيئا وأن اللام للتأكيد اهـ سمين.\rقوله: (لأن سبب نزولها الخ) عبارة الخازن، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد دنتم اللّه بها مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة. فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر اللّه به والضلالة فيما نهى اللّه عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وقد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، وكانا من النقباء ورجال آخرون، فانطلق عشائرهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا يا رسول اللّه، قد صرفك اللّه إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل اللّه تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ يعني صلاتكم إلى بيت المقدس اهـ.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ تعليل لما قبله. قوله: لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ بالمد أي زيادة واو بعد الهمزة، والقصر أي حذف تلك الواو والقراءتان سبعيتان وهما يجريان من هذه الكلمة حيثما وقعت من القرآن.\rقوله: (في عدم إضاعة أعمالهم) في سببية أي أنه رؤوف رحيم بسبب عدم إضاعته أعمالهم من أجل ذلك.","part":1,"page":174},{"id":176,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 175\rوالرأفة شدة الرحمة وقدم الأبلغ للفاصلة\rقَدْ للتحقيق نَرى تَقَلُّبَ تصرف وَجْهِكَ فِي جهة السَّماءِ متطلعا إلى الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنها قبلة قوله: (و قدم الأبلغ) أي مع أن العادة العكس ليكون للأبلغ بعد غيره فائدة، فيقال عالم نحرير ولا يقال نحرير عالم اهـ شيخنا.\rوقوله: (للفاصلة) أي لأنها على الميم والفاصلة هي الكلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع، وإنما عبر بالفاصلة دون السجع أخذا من قوله تعالى: فُصِّلَتْ آياتُهُ [فصلت: 3 و44] وهي هنا قوله سابقا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: 39] وهنا لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ اهـ كرخي.\rقوله: قَدْ نَرى الخ هذا في المعنى علة ثانية لقوله: وما جعلنا القبلة إلخ، أي إنما حولنا القبلة لنعلم إلخ. ولأنا نرى إلخ اهـ شيخنا.\rوسبب نزول هذه الآية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما هاجر أمر باستقبال بيت المقدس تأليفا لليهود فرضي وأحب وامتثل وصلى مدة، ومع ذلك كان يحب بطبعه أن يستقبل الكعبة، وقال لجبريل، وددت لو حولني اللّه إلى الكعبة، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك ثم عرج جبريل وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة، فأنزل اللّه: قَدْ نَرى الآية اهـ خازن، وفي البيضاوي، وروي أنه عليه الصلاة والسّلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين قد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين اهـ.\rوفي المواهب ما نصه: قال الحربي: قدم عليه الصلاة والسّلام المدينة في ربيع الأول فصلى إلى بيت المقدس تمام السنة، وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حولت القبلة، وقيل: كان تحويلها في جمادى، وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان، وقيل: يوم الاثنين نصف رجب، وظاهر حديث البراء في البخاري أنها كانت صلاة العصر، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال انه عليه الصلاة والسّلام زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة بكسر اللام، فصنعت له طعاما وكانت الظهر، فصلى عليه الصلاة بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستداروا إلى الكعبة واستقبلوا الميزاب فسمي مسجد القبلتين اهـ. وقوله: فاستداروا إلى الكعبة بأن تحول الإمام من مكانه الذي كان يصلي فيه إلى مؤخر المسجد، فتحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، ولا يشكل بأنه عمل كثير لاحتمال أنه قبل تحريمه فيها كالكلام أن اغتفر هذا العمل للمصلحة أو لم تتوال الخطا عند التحول، بل وقعت متفرقة اهـ شارحه.\rقوله: (قد للتحقيق) أي كما في قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: 64] لكن صنيع الكشاف يقتضي موافقة ما ذكره سيبويه في الآية من أنها للتكثير بقرينة ذكر التقلب، والتكثير بالنسبة إلى المرئي وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا إلى الرائي وهو اللّه تعالى، لأنه منزه عن ذلك فلا يرد أنها إذا كانت للتكثير","part":1,"page":175},{"id":177,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 176\rإبراهيم ولأنها أدعى إلى إسلام العرب فَلَنُوَلِّيَنَّكَ نحولنك قِبْلَةً تَرْضاها تحبها فَوَلِّ وَجْهَكَ استقبل في الصلاة شَطْرَ نحو الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطاب للأمة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي التولي إلى يلزم أن أفعاله تعالى توصف بالقلة والكثرة، وهو باطل كما هو مقرر في كتب الأصول اهـ كرخي.\rقوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ الخ هذه بشارة من اللّه تعالى له صلّى اللّه عليه وسلّم بما يحب وقوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ انجاز بما بشره به اهـ شيخنا.\rوالفاء هنا للتسبب وهو واضح، وهذا جواب قسم محذوف أي: فو اللّه لنولينك وولى يتعدى لاثنين فالأول هنا الكاف، والثاني قبلة، وترضاها الجملة في محل نصب صفة لقبلة. قال الشيخ: وهذا يعني فلنولينك يدل على أن في الجملة السابقة حالا محذوفة تقديره قد نرى تقلب وجهك في السماء طالب قبلة غير التي أنت مستقبلها اهـ سمين.\rقوله: (نحولنك) يقتضي أن قبلة منصوب بنزع الخافض أي إلى قبلة، وبالنظر للفظ القرآن يصح أن يكون مفعولا ثانيا، وقوله: تحبها أي محبة طبيعية لأنها قبلة إبراهيم وقبلته هو أيضا قبل الهجرة، وإن كان يحب بيت المقدس أيضا من حيث امتثال الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِ الخ الشطر يكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ويكون بمعنى الجهة والنحو، ويقال شطر بعد ومنه الشاطر وهو الشاب البعيد من الجيران الغائب عن منزله. يقال شطر شطورا، والشطير البعيد، ومنه منزل شطير، وشطر إليه أي أقبل، وقال الراغب: وصار يعبر بالشاطر عن البعيد وجمعه شطر والشاطر أيضا من يتباعد عن الحق وجمعه شطار اهـ سمين.\rقوله: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أي من بر أو بحر مشرق أو مغرب اهـ خازن.\rوفي حيثما هنا وجهان أظهرهما: أنها شرطية وشرط كونها كذلك زيادة ما بعدها خلافا للفراء، وكنتم: في محل جزم بها، وفولوا جوابها وتكون هي منصوبة على الظرف بكنتم فتكون عاملة فيه الجزم وهو عامل فيها النصب نحو أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: 110] واعلم أن حيث من الأسماء اللازمة للإضافة، فالجملة التي بعدها كان القياس يقتضي أن تكون في محل خفض بها، ولكن منع من ذلك مانع، وهو كونها صارت من عوامل الأفعال. قال الشيخ: وحيث هي ظرف مكان مضافة إلى الجملة فهي مقتضية للخفض بعدها، وما اقتضى الخفض لا يقتضي الجزم لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال والإضافة موضحة لما أضيف، كما أن الصلة موضحة فينا في اسم الشرط لأن اسم الشرط مبهم، فإذا وصلت بما زال منها معنى الإضافة وضمنت معنى الشرط وجوزي بها وصارت من عوامل الأفعال. والثاني: أنها ظرف غير مضمن معنى الشرط والناصب له قوله: فولوا.\rقاله أبو البقاء. وليس بشيء لأنه متى زيدت عليها ما وجبت تضمنها معنى الشرط وأصل ولوا وليو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الياء وضم ما قبله لتجانس الضمير فوزنه فعوا اهـ سمين.\rقوله: (خطاب للأمة) أي فهو أمر لهم بعد أمر رسولهم فلا تكرار فيه اهـ كرخي.","part":1,"page":176},{"id":178,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 177\rالكعبة الْحَقُ الثابت مِنْ رَبِّهِمْ لما في كتبهم من نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أنه يتحول إليها وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) بالتاء أيها المؤمنون من امتثال أمره وبالياء أي اليهود من إنكار أمر القبلة\rوَلَئِنْ لام قسم أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ على صدقك في أمر القبلة ما تَبِعُوا أي يتبعون قِبْلَتَكَ عنادا وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قطع لطعمه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال السدي: هم اليهود خاصة والكتاب التوراة، وقال غيره:\rأحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ والكتاب والإنجيل اهـ كرخي.\rقوله: أَنَّهُ الْحَقُ يحتمل أن تكون أن واسمها وخبرها سادة مسد المفعولين ليعلمون عند الجمهور، ومسد أحدهما عند الأخفش، والثاني محذوف على أنه يتعدى لأثنيت، وأن تكون سادة مسد مفعول واحد على أنها بمعنى العرفان، وفي الضمير ثلاثة أقوال، أحدها: يعود على التولي المدلول عليه بقوله فولوا. والثاني: على الشطر. والثالث: على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويكون على هذا التفاتا من خطابه بقوله فلنولينك إلى الغيبة اهـ سمين.\rقوله: مِنْ رَبِّهِمْ متعلق بمحذوف على أنه حال من الحق أي الحق كائنا من ربهم اهـ سمين.\rقوله: (لما في كتبهم الخ) عله لقوله يعلمون وقوله من أنه يتحول إليها بدل اشتمال من نعت النبي وبيان له. قوله: (لام قسم) أي وإن شرطية فقد اجتمع شرط وقسم وسبق القسم، فالجواب له، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده، ولذلك جاء فعل الشرط ماضيا لأنه متى حذف الجواب وجب كون فعل الشرط ماضيا إلا في ضرورة كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.\rقوله: أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود والنصارى. قوله: (في أمر القبلة) أي في أن تحولك بأمر من اللّه. قوله: (أي يتبعون) أي ما يتبعون، وإنما فسره بذلك لوقوعه جوابا للشرط المقتضي لاستقبال كل من الشرط والجواب، وهو في الحقيقة جواب القسم وجواب الشرط محذوف على حد قوله: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم البيت اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي أن يتبعون، نبه به على أن اتبعوا وإن كان ماضيا لفظا فهو مستقبل معنى، لأن الشرط قيد في الجملة، والشرط مستقبل، فوجب أن يكون مضمون الجملة مستقبلا ضرورة أن المستقبل لا يكون شرطا في الماضي اهـ.\rقوله: أي لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة اهـ كرخي.\rقوله: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ما تحتمل وجهين، أعني كونها حجازية أو تميمة، فعلى الأولى يكون أنت مرفوعا بها وبتابع في محل نصب، وعلى الثاني يكون مرفوعا بالابتداء وبتابع في محل رفع، وهذه الجملة معطوفة على جملة الشرط، وجوابه لا على الجواب وحده إذ لا تحل محله لأن نفي تبعيتهم مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيدا في نفي تبعيتهم قبلتهم، وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله ما تبعوا قبلتك من وجوه كونها اسمية تكرر فيها الاسم مؤكدا نفيها بالباء ووحد القبلة، وإن كانت مثناة لأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى لأحد وجهين، إما لاشتراكهما في البطلان فصارا قبلة واحدة،","part":1,"page":177},{"id":179,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 178\rوَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الوحي إِنَّكَ إِذاً إن اتبعتم فرضا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)\rالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أي محمدا كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ بنعته في كتبهم، وإما لأجل المقابلة في اللفظ لأن قبله ما تبعوا قبلتك وقرئ بتابع قبلتهم بالإضافة تخفيفا لأن اسم الفاعل المستكمل لشروط العمل يجوز فيه الوجهان، واختلف في هذه الجملة هل المراد بها النهي أن لا نتبع قبلتهم، ومعناه الدوام على ما أنت عليه لأنه معصوم من اتباع قبلتهم أو الإخبار المحض بنفي الاتباع، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير منسوخة أو قطع رجاء أهل الكتاب أن يعودوا إلى قبلتهم قولان مشهوران اهـ سمين.\rقوله: (قطع لطمعه الخ) يعني أن هذا على التوزيع فقوله قطع لطمعه راجع لقوله ما تبعوا قبلتك.\rوقوله: (و طمعهم الخ) راجع لقوله: وما أنت بتابع قبلتهم فهو لف ونشر مرتب اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وما أنت بتابع قبلتهم قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريرا له وطمعا في رجوعه وقبلتهم، وإن تعددت لكنها متحدة في البطلان ومخالفة الحق اهـ.\rقوله: (أي اليهود قبلة النصارى) وكانت مطلع الشمس وكانوا يستقبلونها وقبلة اليهود هي بيت المقدس وقبلة النبي هي الكعبة اهـ أبو السعود، لكن ينظر هل كون قبلة النصارى بمطلع الشمس من عند أنفسهم أو بتبعيتهم لعيسى فيه اهـ شيخنا.\rثم رأيت في الشهاب ما نصه: ثم إن كون قبلة النصارى مطلع الشمس صرحوا به، لكن وقع في بعض كتب القصص أن قبلة عيسى عليه السّلام كانت بيت المقدس، وبعد رفعه ظهر بولس ودس في دينهم دسائس منها أنه قال: لقيت عيسى عليه الصلاة والسّلام فقال لي: إن الشمس كوكب أحبه يبلغ سلامي في كل يوم، فمر قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم ففعلوا ذلك. وفي بدائع العوائد لابن القيم:\rقبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من اللّه، بل بمشورة واجتهاد منهم، أما النصارى فلا ريب أن اللّه لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق، وهم يقرون بأن قبلة المسيح عليه الصلاة والسّلام قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح عليه الصلاة والسّلام فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام، وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء، فهم مع اليهود متفقون على أن اللّه تعالى لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدا والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر، وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر استقبال بيت المقدس الصخرة البتة، وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة اهـ.\rقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي الأمور التي يهوونها ويحبونها منك ومنها رجوعك إلى قبلتهم. قوله: (الوحي) أي في أمر القبلة بأنك لا تعود إلى قبلتهم. قوله: (فرضا) أي سبيل الفرض وتقدير المحال المستحيل وقوعه، كقوله وممن يقل منهم إني إله اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ هم اليهود والنصارى. قوله: (أي محمدا) هذاهو الصحيح من","part":1,"page":178},{"id":180,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 179\rقال ابن سلام لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي لمحمد أشد وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَ نعته وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) هذا الذي أنت عليه\rالْحَقُ كائن مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ أن الضمير لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يسبق له ذكر لدلالة الكلام عليه وعدم اللبس، ذكره القاضي، ويقال عليه بل سبق ذكره بلفظ الرسول مرتين اهـ كرخي.\rقوله: كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ أي يعرفون أنهم منهم من نسلهم اهـ شيخنا.\rوالكاف في محل نصب إما على كونها نعتا لمصدر محذوف أي معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم، أو في موضع نصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المعرفة المحذوف والتقدير يعرفونه المعرفة مماثلة لعرفانهم أبناءهم، وهذا مذهب سيبويه وتقدم تحقيق هذا، وما مصدرية لأنه ينسبك منها، ومما بعدها مصدر كما تقدم تحقيقه اهـ سمين. أي والتقدير كمعرفتهم أبناءهم. قوله: (بنعته) متعلق بيعرفون الأول. قوله: (قال ابن سلام) كان من أحبار اليهود فحسن إسلامه، وقال ذلك لما سأله عمر بن الخطاب قال له: إن اللّه تعالى أنزل على نبيه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الآية، فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد اللّه يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: فكيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول اللّه حقا وقد نعته اللّه تعالى في كتابنا، ولا أدري ما تصنع النساء. فقبل عمر رأسه وقال: وفقك اللّه يا ابن سلام فقد صدقت اهـ خازن.\rقوله: (و معرفتي لمحمد أشد) أي من معرفتي لابني لأني لست أشك في محمد أنه نبي، وأما ولدي فلعل والدته خانت، وخص الأبناء، دون البنات أو الأولاد لأن الذكور أعرف وأشهر وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق، والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث ذاته، ونسبه الزاهر بل من حيث كونه مسطورا في الكتاب منعوتا بالنعوت التي من جملتها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي إلى القبلتين كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وبهذا تظهر جزالة النظم الكريم اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي من أهل الكتاب. قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي يعلمون أن كتمان الحق معصية، وأن صفة محمد مكتوبة في التوراة والإنجيل وهم مع ذلك يكتمونه اهـ خازن.\rوالجملة اسمية في محل نصب على الحال من فاعل يكتمون، والأقرب فيها أن تكون حالا مؤكدة لأن لفظ يكتمون الحق يدل على علمه إذ الكتم إخفاء ما يعلم، وقيل متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب أي وهم يعلمون المرتب على كاتم الحق فتكون إذ ذاك حالا مبنية اهـ سمين.\rقوله: (هذا الذي الخ) مبتدأ وقوله الحق خبر عنه فهو خبر عن هذا المقدر، وقوله كائنا أشار به إلى أن من ربك حال، وعبارة السمين قوله الحق من ربك فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، وفي الألف واللام حينئذ وجهان، أن كون للعهد والإشارة للحق الذي عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو إلى الحق الذي في قوله يكتمون الحق أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وان تكن للجنس على معنى أن جنس الحق من اللّه لا من غيره. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق من ربك، والضمير يعود على الحق المكتوم أي ما كتموه هو الحق. الثالث: أنه مبتدأ والخبر محذوف","part":1,"page":179},{"id":181,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 180\rالْمُمْتَرِينَ (147) الشاكين فيه أي من هذا النوع فهو أبلغ من لا تمتر\rوَلِكُلٍ من الأمم وِجْهَةٌ قبلة هُوَ مُوَلِّيها وجهه في صلاته وفي قراءة مولاها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ بادروا إلى الطاعات تقديره الحق من ربك يعرفونه والجار والمجرور على هذين القولين في محل نصب على الحال من الحق انتهت.\rقوله: (فيه) متعلق بالممترين أي في أنه الحق من ربك وقوله: (أي من هذا النوع) تفسير لقوله:\rمِنَ الْمُمْتَرِينَ فالمراد بالنوع من اتصف بالامتراء، وقوله: (فهو أبلغ) أي لأنه يفيد النهي عن الامتراء بطريق اللازم فهو كناية وهي أبلغ من الصريح اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هذا في المعنى نتيجة قوله سابقا ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب الخ، والجار والمجرور خبر مقدم، ووجهة: مبتدأ مؤخر وجاء على خلاف القياس إذ القياس جهة على حد قوله:\rفا أمر أو مضارع من كوعد ... احذف وفي كعدة ذاك اطرد\r\rاه شيخنا. وعبارة السمين وفي وجهة قولان. أحدهما: انها اسم للمكان المتوجه إليه كالكعبة، وعلى هذا يكون إثبات الواو قياسا إذ هي مصدر. الثاني: أنها مصدر، وعلى هذا يكون ثبوت الواو شاذا منبها على الأصل المتروك في عدة ونحوها انتهت.\rقوله: (من الأمم) أي المسلمين واليهود والنصارى فقبلة المسلمين الكعبة، وقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النصارى مطلع الشمس اهـ شيخنا.\rقوله: (هو موليها) بكسر اللام في قراءة غير ابن عامر على أن الفاعل مستتر عائد على هو، وهو عائد على كل، والمعنى كما أشار إليه الشيخ المصنف، ولكل فريق وجهة. ذلك الفريق موليها نفسه، فالمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى اهـ كرخي.\rقوله: (وجهه) هذاهو المفعول الثاني لاسم الفاعل وهو موليها والأول الضمير. وقوله: (و في قراءة الخ) وعليها فهو اسم مفعول أي مصروف ومحول إليها، وفيه ضمير مستتر نائب فاعل هو المفعول الأول والهاء المفعول الثاني، وهو في محل جر بالإضافة، وفي محل نصب بالمفعولية على حد قوله: وانتصب بذي الاعمال تلوا واخفض إلى أن قال وكل ما قرر لاسم فاعل الخ اهـ شيخنا.\rقوله: الْخَيْراتِ منصوب بنزع الخافض، كما أشار له المفسر اهـ شيخنا. والخيرات جمع خيرة، وفيها احتمالان، أحدهما: أن تكون مخففة من خيرة بالتشديد بوزن فيعلة نحو ميت في ميت.\rوالثاني: أن تكون غير مخففة من خيرة، بل ثبتت على فعلة بوزن جفنة يقال: رجل خير وامرأة خيرة، وعلى كلا التقديرين فليستا للتفضيل والسبق الوصول إلى الشيء أولا وأصله التقدم في السير، ثم تجوز به في كل تقديم اهـ سمين.\rقوله: (و قبولها) أي قبول أوامرها اهـ.","part":1,"page":180},{"id":182,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 181\rوقبولها أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)\rوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ لسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) بالتاء والياء تقدم مثله وكرره لبيان تساوي حكم وغيره\rوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ كرره للتأكيد لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ قوله: أَيْنَما تَكُونُوا أي في أي موضع تكونوا. وأين؟ اسم شرط يجزم فعلين وما مزيدة عليها على سبيل الجواز، وهي ظرف مكان وهي هنا في محل نصب خبر لكان وتقديمها واجب لتضمنها معنى ما له صدر الكلام، وتكون مجزوم بها على الشرط وهو الناصب لها ويأت جوابها، وتكون ايضا استفهاما فلا تعمل شيئا وهي مبنية على الفتح لتضمن معنى حرف الشرط أو الاستفهام اهـ سكين.\rقوله: (فيجازيكم بأعمالكم) بالرفع والنصب على حد قوله:\rوالفعل من بعد الجزا إن يقترن ... بالفا أو الواو بتثليث قمن\r\rأي حقيق، وكان القياس جواز الجزم أيضا لكن الرسم منع منه اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ في معنى التعليل لما قبله وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومنه جمعكم في المحشر اهـ.\rقوله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ من حيث متعلق بقوله فول وخرجت في محل جر بإضافة حيث إليها، والظاهر أن من ابتدائية أي فول وجهك مبتدئا من أي مكان خرجت إليه للسفر، ويصح أن تكون بمعنى في، بل هو الأقرب أي فول وجهك إلى الكعبة في أي مكان سافرت فيه، ولا تكون هنا شرطية لعدم زيادة ما، والهاء في قوله: (و إنه للحق) الكلام فيها كالكلام عليها فيما تقدم وقرئ يعملون بالياء والتاء وهما واضحتان كما تقدم اهـ سمين.\rوفي زكريا على البيضاوي ما نصه: قوله: ومن حيث خرجت الخ قد جوزوا إعمال ما بعد الفاء فيما قبلها فيكون من حيث متعلقا بولّ لكن لا مساغ لاجتماع الواو والفاء، فالوجه أنه متعلق بمحذوف عطف عليه، فولّ أي ومن حيث خرجت أفعل ما أمرت به فولّ، ويجوز أن يجعل من حيث خرجت في معنى الشرط أي أينما كنت وتوجهت فالفاء للجزاء ذكره السعد اهـ.\rقوله: وَإِنَّهُ أي التولي للحق. وقوله: (تقدم مثله) أي مثل هذا القول وهو قوله سابقا فلنولينك قبلة ترضاها، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وقوله وكرره أي هذا القول المذكور، فالضمير ان له، وبعضهم قال الأول منهما راجع لكونه بالتاء والياء، والثاني للقول المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ أي ومن أي مكان خرجت للسفر اهـ بيضاوي.\rقوله: (كرره للتأكيد) عبارة الخازن. فإن قلت: هل في التكرار فائدة؟ قلت: فيه فائدة عظيمة وهي أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر فيها النسخ في شرعنا، فأول ما نسخ هو القبلة فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وأزالة الشبهة. قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ الخ اللام لام كي وأن هي المصدرية ولا نافية. وللناس خبر يكون مقدم. وحجة: اسمها وعليكم: حال من حجة أي لأجل أن","part":1,"page":181},{"id":183,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 182\rاليهود أو المشركين عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي مجادلة في التولي إلى غيره أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود يجحد ديننا ويتبع قبلتنا وقول المشركين يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالعناد فإنهم يقولون ما تحول إليها إلا ميلا إلى دين آبائه والاستثناء متصل والمعنى لا يكون لأحد عليكم كلام إلى كلام هؤلاء فَلا تَخْشَوْهُمْ تخافوا جدالهم في التولي إليها وَاخْشَوْنِي بامتثال أمري وَلِأُتِمَ عطف على لئلا يكون نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بالهداية إلى معالم دينكم وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) إلى الحق\rكَما أَرْسَلْنا متعلق بأتم أي إتماما كإتمامهم بإرسالنا ينتفي احتجاجهم عليكم يعني لو استقبلتم بيت المقدس، فلو استقبلتموه لاحتجوا عليكم بما ذكر في الشارح، ولما تحولتم إلى الكعبة بطل احتجاجكم المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: (اليهود أو المشركين) أشار به إلى أن اللام للعهد، وأشار في الكشاف إلى أن حكم النفي متعلق بكل فرد منهم، لا بكل جمع، وأنه لعموم النفي لا لنفي العموم، وأن حجة اسم كان خبره للناس وعليكم متعلق بهما وحال من الحجة على أنه في الأصل صفة اهـ كرخي.\rقوله: حُجَّةٌ أي في استقبالكم بيت المقدس.\rقوله: (أي لتنتفي مجادلتهم) أي باستقبالكم الكعبة. قوله: مِنْهُمْ أي من كل من اليهود والمشركين، والجار والمجرور في محل نصب على الحال، فيتعلق بمحذوف. ويحتمل أن تكون من للتبعيض، وأن تكون للبيان اهـ كرخي.\rقوله: (فإنهم يقولون ما تحول الخ) هذه مقالة المعاندين من اليهود، وترك الشارح مقالة المعاندين من المشركين، وهي قولهم: إن محمدا في حيرة من أمره، فلم يهتد إلى قبلة يثبت عليها، فكل من هاتين المقالتين لم يبطل باستقبال الكعبة بخلاف المقالتين السابقتين اهـ شيخنا.\rقوله: (و المعنى لا يكون لأحد الخ) إشارة إلى أن المراد بالحجة الاعتراض والمجادلة، لا الحجة حقيقة، والمجادلة الباطلة قد تسمى حجة، كقوله: حجتهم داحضة عند ربهم لشبهها لها صورة، فلا يرد كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين، أو المراد نفي الحجة للعلم بأن الظالم لا حجة له اهـ كرخي.\rقوله: (عطف على لئلا يكون) أي فهو علة ثانية، وكأن المعنى عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ولإتمام النعمة، فيكون التعريف معللا بهاتين العلتين، والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل. إذ هو من متعلق العلة الأولى. فإن قيل: انه تعالى أنزل عند قرب وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: 3] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم. فكيف قال قبل ذلك بسنين كثيرة في هذه الآية وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ قلنا: تمام النعمة في كل وقت بما يليق به. وفي الحديث: «تمام النعمة دخول الجنة» وعن علي رضي اللّه عنه: «تمام النعمة الموت على الإسلام» اهـ كرخي.\rقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا فهو علة ثالثة. قوله: كَما أَرْسَلْنا الخ كاف التشبيه","part":1,"page":182},{"id":184,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 183\rفِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا القرآن وَيُزَكِّيكُمْ يطهركم من الشرك وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ ما فيه من الأحكام وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)\rفَاذْكُرُونِي بالصلاة والتسبيح ونحوه أَذْكُرْكُمْ قيل معناه أجازكم، وفي الحديث عن اللّه «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» وَاشْكُرُوا تحتاج إلى شيء ترجع إليه، كما أشار له الشارح بقوله متعلق بأتم اهـ شيخنا.\rقوله: (كاتمامها الخ) أي بجامع التحقق في كل وعبارة الكرخي أي إتماما كإتمامها بإرسالنا إشارة إلى أن ما مصدرية. والكاف للتشبيه وتشبيه الهداية بالإرسال في التحقيق والثبوت اه، والتعبير بصيغة التكلم الدالة على العظمة بعد التعبير بالصيغة التي لا دلالة لها عليه من قبيل التفنن وجريا على سنن الكبراء أفاده أبو السعود اهـ.\rقوله: مِنْكُمْ أي معشر العرب، ولم يكن ملكا لئلا تنفروا منه لعدم الإلفة بينكم وبين الملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أي وذلك من أعظم النعم لأنه معجزة على الدوام اهـ شيخنا.\rقوله: (يطهركم من الشرك) أي ومن باقي الذنوب اهـ خازن.\rقوله: (القرآن) أي معانيه اهـ خازن.\rقوله: وَالْحِكْمَةَ أي السنّة، وعلى ما جرى عليه الشيخ والمصنف يكون من ذكر الخاص بعد العام، وهو كثير بخلاف عكسه اهـ كرخي.\rقوله: ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أي تستقلون بعلمه بعقولكم يعني يعلمكم أخبار الأمم الماضية وقصص الأنبياء وأخبار الحوادث المستقبلة اهـ خازن.\rقوله: فَاذْكُرُونِي أي باللسان والقلب والجوارح، فالصلاة مشتملة على الثلاثة، فالأول كالتسبيح والتكبير، والثاني كالخشوع وتدبر القراءة، والثالث كالركوع ولسجود اهـ شيخنا.\rقوله: (و نحوه) كالتحميد والتهليل. قوله: (أجازيكم) وفي نسخة أجازكم اي أجازيكم بالثواب على ذكركم، ومقابل هذا القيل أن معنى أذكركم أعينكم، وقيل: معناه أغفر لكم كما يؤخذ من الخطيب اهـ.\rقوله: (من ذكرني في نفسه) أي خاليا عن الخلق ولو جهرا. وقوله: (في نفسي) أي بحيث لا يطلع عليه أحد والمراد بذكر اللّه للعبد الإثابة والمجازاة اهـ خازن.\rقوله: (في ملأ) أي أشراف الناس وعظمائهم الذين يرجع إلى رأيهم اهـ.\rوفي المصباح: والملأ مهموز أشراف القوم سموا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي، أو لأنهم يملؤون العيون أبهة والصدور هيبة، والجمع أملاء مثل سبب وأسباب اهـ.","part":1,"page":183},{"id":185,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 184\rلِي نعمتي بالطاعة وَلا تَكْفُرُونِ (152) بالمعصية\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا على الآخرة بِالصَّبْرِ على الطاعة والبلاء وَالصَّلاةِ خصها بالذكر لتكررها وعظمها إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) بالعون\rوَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هم أَمْواتٌ بَلْ هم أَحْياءٌ أرواحهم في حواصل طيور وفي القاموس: أن الملأ جمع مليء اهـ.\rقوله: وَاشْكُرُوا لِي تقدم أن شكر يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر على حد سواء على الصحيح، وقال بعضهم: إذا قلت شكرت لزيد، فمعناه شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه متعديا لاثنين، أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر، ولذلك فسّر الزمخشري هذا الموضع بقوله: واشكروا لي ما أنعمت عليكم. وقال ابن عطية: واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد، ولي أفصح وأشهر مع الشكر ومعناه اشكروا نعمتي وأيادي، وكذلك إذا قلت: شكرت فالمعنى شكرت لك صنيعك وذكرته فحذف المضاف. إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معا، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف اهـ سمين.\rقوله: (بالمعصية) أي لأن من أطاع اللّه فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره، وعلى هذا لا يغني ذكر أحدهما عن الآخر، وهذا جواب ما فائدة ذكر الثاني مع أن الأول يقتضيه اهـ كرخي.\rقوله: (بالصبر على الطاعة) أي فعلا وتركا، فيشمل الصبر على ترك المعاصي فهو طاعة اهـ شيخنا.\rقوله: (لتكررها وعظمها) لأنها أم العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة رب العالمين اهـ كرخي.\rقوله: (بالعون) أي لأن المعية على قسمين، أحدهما: معية عامة وهي المعية بالعلم والقدرة، وهذه عامة في حل كل أحد .. والثاني: معية خاصة وهي المعية بالعون والنصر، وهذه خاصة بالمتقين والمحسنين والصابرين، ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128] وقال هنا: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وعلى هذا يكونو التعليل للأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، لكن ذكر الصبر بالمنطوق، وذكرت الصلاة بمفهوم الأولى .. وفي تفسير أبي السعود ما يقتضي أن التعليل للأمر بالاستعانة واصبر خاصة، ونصه: إن اللّه مع الصابرين تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاج إلى التعليل، وأما الصلاة فحيث كانت عند المؤمنين أجلّ المطالب كل ينبىء عنه قوله عليه الصلاة والسّلام: «و جعلت قرة عيني في الصلاة» لم يفتقر الأمر بالاستعانة بها إلى التعليل اهـ.\rقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ الآية. نزلت فيمن قتل ببدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل اللّه: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقيل: أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم ظلما لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية. وأخبر فيها من قتل في سبيل اللّه إنه حي بقوله تعالى: بَلْ أَحْياءٌ وإنما أحياهم اللّه عز وجل لإيصال الثواب إليهم.\rوعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند اللّه تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم، ويصل إليهم الروح والريحان والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيا، فيصل إليهم الألم","part":1,"page":184},{"id":186,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 185\rخضر تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) تعلمون ما هم فيه\rوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ للعدو وَالْجُوعِ القحط وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بالهلاك وَالْأَنْفُسِ والوجع، ففيه دليل على أن المطيعين للّه يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ، وكذا العصاة يعذبون في قبورهم. فإن قلت: نحن نراهم موتى فما معنى قوله بل أحياء، وما وجه النهي في قوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات؟ قلت: معناه لا تقولوا أموات بمنزلة غيرهم من الأموات، بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان، كما ورد «أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة» فهو أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الروح من أجسادهم، وجواب آخر: وهو أنهم أحياء عند اللّه تعالى في عالم الغيب لأنهم صاروا إلى الآخرة، فنحن لا نشاهدهم كذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أي لا ترونهم أحياء فتعلموا ذلك حقيقة، وإنما تعلمون باخباري إياكم به. فإن قلت: أليس ذلك سائر المطيعين من المسلمين للّه يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم، فلم خص الشهداء بالذكر. قلت: إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على غيرهم بمزيد النعيم، وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومأكلها، وغيرهم ينعمون بما دون ذلك. وجواب آخر: وهو أنه ردّ لقول من قال: من قتل في سبيل اللّه قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأخبر اللّه تعالى بقوله:\rبَلْ أَحْياءٌ فإنهم في نعيم دائم اهـ خازن.\rقوله: (أرواحهم في حواصل طيور الخ) بمعنى أن الطيور للأرواح كالهوادج للجالس فيها اهـ شيخنا.\rقوله: (تعلمون ما هم فيه) أي من الكرامة والنعيم وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك إلا بالكشف والوحي. هذا ما عليه أكثر المفسرين. قال ابن عادل: يحتمل أن حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد، وأيده بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق، فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره، ولم يكن له مزية.\rوسيأتي لهذا مزيد بيان في آل عمران اهـ كرخي.\rقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا وجب قرنه باللام وإحدى النونين خلافا للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يجيز البصريون وذلك إلا في ضرورة وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من الخلاف اهـ سمين.\rقوله: (للعدو) اللام زائدة أو بمعنى من. وقوله: (القحط) تفسير بالسبب فإن القحط احتباس المطر وهو سبب للجوع اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْأَمْوالِ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون متعلقا بنقص لأنه مصدر نقص. الثاني:\rأن يكون في محل نصب صفة لمفعول محذوف نصب بهذا المصدر المنون، والتقدير ونقص شيئا كائنا من كذا. ذكره أبو البقاء، وتكون من على هذا للتبعيض. الثالث: أن يكون في محل جر صفة لنقص فيتعلق بمحذوف أيضا أي نقص كائن من كذا، وتكون من لابتداء الغاية اهـ سمين.","part":1,"page":185},{"id":187,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 186\rبالقتل والموت والأمراض وَالثَّمَراتِ بالجوائح أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أم لا وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) على البلاء بالجنة هم\rالَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بلاء قالُوا إِنَّا لِلَّهِ ملكا وعبيدا يفعل بنا ما يشاء وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) في الآخرة فيجازينا، في الحديث «من استرجع عند المصيبة آجره اللّه فيها وأخلف عليه خيرا» وفيه «أن مصباح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طفىء فاسترجع فقالت عائشة إنما هذا مصباح فقال: كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة» رواه أبو داود في مراسيله\rأُولئِكَ قوله: (بالجوائح) في المصباح الجائحة الآفة. يقال: جاحت الآفة المال تجوحه جوحا من باب قال إذا أهلكته وتجيحه جياحة لغة فهي جائحة، والجمع الجوائح والمال مجوع ومجيح، وأجاحته بالألف لغة ثالثة فهو مجاح واجتاحت المال مثل جاحته اهـ.\rقوله: (أي لنختبرنكم الخ) عبارة أبي السعود لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم. أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء بشيء من الخوف والجوع، أي بقليل من ذلك، فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة، فكذا ما يصيب به معانديهم، وإنما أخبر قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة حميدة اهـ.\rقوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ عطف على ولنبلونكم عطف المضمون على المضمون أي الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر، قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فيه أربعة أوجه، أحدها: أن يكون منصوبا على النعت للصابرين وهو الأصح. الثاني: أن يكون منصوبا على المدح. الثالث: أن يكون مرفوعا على أنه خبر مبتدأ، ومحذوف أي هم الذين، وحينئذ يحتمل أن يكون على القطع، وأن يكون على الاستئناف.\rالرابع: أن يكون مبتدأ، والجملة الشرطية من إذا وجوابها صلته، وخبره ما بعده وهو قوله: أولئك عليهم صلوات اللّه اهـ سمين.\rقوله: قالُوا إِنَّا لِلَّهِ أي باللسان والقلب لا باللسان فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء وذلك بأن يتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم اللّه تعالى عليه ليرى أن ما أبقى اللّه تعالى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون عليه ويستسلم. قيل: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع عند المصيبة، ولو أعطيه أحد لأعطيه يعقوب. ألا ترى إلى قوله عند فقد يوسف: يا أسفا على يوسف، وفي قول العبد: إنا للّه الخ رجوع وتفويض منه إلى اللّه، وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب اهـ كرخي.\rقوله: (من استرجع) أي قال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، وقوله أجره اللّه فيها أي بسببها. وفي المصباح أجره اللّه أجرا من بابي ضرب وقتل، وآجره بالمد لغة ثالثة إذا أثابه اهـ.\rقوله: (إنما هذا مصباح) يعني هذا شيء سهل ليس مصيبة، والاسترجاع إنما هو لأجل المصيبة.\rقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ الخ جملة استئنافية جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما الذي بشروا به؟\rفقيل: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة إذ يفهم من الكلام ما الذي بشروا به، والأولى أن يقال:\rإن السؤال المقدر ما للصابرين المسترجعين؟ والجواب ما ذكره اهـ كرخي. وفي السمين: وأولئك","part":1,"page":186},{"id":188,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 187\rعَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مغفرة مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ نعمة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إلى الصواب\r* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ جبلان بمكة مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أعلام دينه جمع شعيرة فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ أي مبتدأ، وصلوات مبتدأ ثان، وعليهم خبر مقدم عليه، والجملة خبر قوله أولئك، ويجوز أن يكون صلوات فاعلا بقوله عليهم، قال أبو البقاء لأنه قد قوي بوقوعه خبر، والجملة من قوله أولئك وما بعده خبر الذين على أحد الأوجه المتقدمة أو لا محل لها على غيره من الأوجه، وقالوا: هو العامل في إذا لأنه جوابها، وقد تقدم الكلام في ذلك وتقدم أنها هل تقتضي التكرار أم لا اهـ.\rقوله: (مغفرة) عبر عن المغفرة بصيغة الجمع للتنبيه على كثرتها وتنوعها اهـ بيضاوي وأبو السعود.\rقوله: وَرَحْمَةٌ (نعمة) كأنه جواب سؤال وهو أن يقال أن الصلاة من اللّه الرحمة، فينبغي أن لا نعطف الرحمة عليها لأن بين المعطوف والمعطوف عليه مغايرة ولا مغايرة بين الرحمة والرحمة، والجواب ما قرره الشيخ المصنف من أن الصلاة المغفرة والرحمة الإنعام، فإنها جلب المسار ودفع المضار والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم، أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت الجليلة عليهم فنون الرأفة الفائضة من مالك أمورهم ومبلغهم إلى كمالاتهم اللائقة بهم اهـ كرخي.\rقوله: (إلى الصواب) أي حيث استرجعوا وأسلموا القضاء للّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ الصفا جمع صفاة. وهي الصخرة الصلبة الملساء، والمروة الحجر الرخو، وهذا معناهما لغة، والمراد بهما هنا ما قاله الشارح، وعبارة السمين وألف الصفا منقلبة عن واو بدليل قلبها في التثنية واوا قالوا: صفوان والاشتقاق يدل عليه أيضا لأنه من الصفو وهو الخلوص، والصفا الحجر الأملس، وقيل الذي لا يخالطه غيره من طين أو تراب، ويفرق بينه وبين واحده، وجمعه بتاء التأنيث نحو صفا كثيرة وصفاة واحدة، وقد يجمع الصفا على فعول وأفعال قالوا صفى بكسر الصاد وضمها كعصى واصفا. والأصل صفوو واصفاو فقلبت الواو أن في صفوو ياءين، والواو في أصفا وهمزة ككساء، وبابه، والمروة الحجارة الصغار، فقيل: اللينة، وقيل: الصلبة، وقيل: المرهفة الأطراف، وقيل: البيض، وقيل: السود اهـ وفي المختار أرهف سيفه رققه فهو مرهف اهـ.\rقوله: مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي لا من شعائر الجاهلية كما كان كذلك أولا اهـ شيخنا.\rوالأجود شعائر بالهمز لزيادة حرف المد، وهو عكس معايش ومصايب اهـ سمين.\rقوله: (أعلام دينه) أشار به إلى تقدير مضاف في الآية أي من شعائر دين اللّه، والمراد بالشعائر المواضع التي يقام فيها الدين وقوله جمع شعيرة أي علامة اهـ.\rقوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ من شرطية في محل رفع بالابتداء، وحج في محل جزم بالشرط، والبيت نصب على المفعول به لا على الظرف، والجواب قوله: فلا جناح اهـ سمين.","part":1,"page":187},{"id":189,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 188\rتلبس بالحج أو العمرة وأصلهما القصد والزيارة فَلا جُناحَ إثم عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ فيه ادغام التاء في الأصل في الطاء بِهِما بأن يسعى بينهما سبعا نزلت لما كره المسلمون ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بهما وعليهما صنمان يمسحونهما وعن ابن عباس أن السعي غير فرض قوله: (أي تلبس بالحج أو العمرة) أي دخل فيهما بواسطة النية، وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب إذ التفسير اللائق به أن يقول أي قصد البيت للحج أو العمرة قوله: (و أصلهما) أي معناهما الأصلي أي اللغوي، وفي كلامه لف ونشر مرتب، وفي المختار والحج في الأصل القصد، وفي العرف قصد مكة للنسك، وبابه رد فهو حاج وجمعه كبازل وبزل اهـ. وفي المصباح: والعمرة: الحج الأصغر وجمعها عمر وعمرات مثل غرف وغرفات في وجوهها مأخوذة من الاعتمار وهو الزيارة اهـ.\rقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الظاهر أن عليه خبر لا. وأجازوا بعد ذلك أوجها ضعيفة. منها: أن يكون الكلام قد تم عند قوله فلا جناح على أن يكون خبر لا محذوفا، وقدره أبو البقاء فلا جناح في الحج، ويبتدأ بقوله عليه أن يطوف، فيكون عليه خبرا مقدما، وأن يطوف في تأويل مصدر مرفوع بالإبتداء، فإن الطواف واجب. قال أبو البقاء: والجيد أن يكون عليه في هذا الوجه خبرا وأن يطوف مبتدأ اهـ كرخي.\rقوله: (فيه إدغام التاء في الأصل) أي قبل قلبها طاء، وأشار بهذا إلى أن أصله يتطوف وماضيه تطوف فأدغمت التاء بعد تسكينها في الطاء فاحتيج إلى اجتلاب همزة الوصل لسكونها، فصار أطوف ثم استغنى عنها في المضارع بحرف المضارعة لأنه متحرك اهـ كرخي.\rقوله: (لما كره المسلمون ذلك) أي السعي بينهما، يعني كرهوا أن يعظموا ما يعظمه الكفار، وأن يشابهوا في فعلهم فعل الكفار اهـ.\rقوله: (و عليهما صنمان) أحدهما يسمى إسافا بكسر الهمزة وتخفيف السين، والآخر نائلة بنون وألف بينهما همزة مكسورة ولام، والأول كان على الصفا، والثاني على المروة، وكانا على صورتي رجل وامرأة، وذلك أن رجلا اسمه إساف وامرأة اسمها نائلة زنيا في الكعبة فمسخهما اللّه حجرين على صورتهما الأصلية ووضعا ثمة ليكونا عبرة، فلما تقادم العهد عبدوهما اهـ شهاب.\rوقال زكريا: إن هذا زعم أهل الكتاب والراجح أنهما اسما صنمين ابتداء ولا مسخ ولا تغيير، وعلى هذا فتذكير الصفا لأن آدم وقف عليه وتأنيث المروة لأن حواء وقفت عليها، ونقل هذا عن القرطبي اهـ.\rقوله: (غير فرض) أي بل هو مباح أخذا من قوله: لما أفاده رفع الإثم من التخيير أي للتخيير الذي أفاده رفع الإثم، لكن هذا معترض من حيث أن رفع الإثم معناه رفع الحرمة، ورفع الحرمة يصدق بكل جائز حتى بالواجب، والذي في غيره من التفاسير أن مذهب ابن عباس ندبه، وعبارة البيضاوي والإجماع على أنه مشروع في الحج والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه، فعن أحمد أنه سنّة وبه قال أنس وابن عباس لقوله فلا جناح عليه، فإنه يفهم منه التخيير وهو ضعيف لأن في الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه، وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر بالدم، وعن مالك","part":1,"page":188},{"id":190,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 189\rلما أفاده رفع الاثم من التخيير وقال الشافعي وغيره ركن وبين صلّى اللّه عليه وسلّم فرضيته بقوله: «إن اللّه كتب عليكم السعي» رواه البيهقي وغيره، وقال: «ابدؤوا بما بدأ اللّه به» يعني الصفا رواه مسلم وَمَنْ تَطَوَّعَ وفي قراءة بالتحتية وتشديد الطاء مجزوما وفيه إدغام التاء فيها خَيْراً أي بخير أي عمل ما لم يجب عليه من طواف وغيره فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ لعمله بالإثابة عليه عَلِيمٌ (158) به. ونزل في اليهود\rإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الناس ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى كآية الرجم ونعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مِنَ والشافعي رحمهما اللّه تعالى أنه ركن لقوله عليه الصلاة والسّلام: «اسعوا فإن اللّه كتب عليكم السعي» انتهت.\rقوله: (إن اللّه كتب عليكم السعي) لفظ الحديث «اسعوا فإن اللّه كتب عليكم السعي» فأفاد الأمر بالسعي مع التعليل المذكور أنه للوجوب هو معنى الركنية اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً انتصاب خيرا على أحد أوجه إما على إسقاط حرف الجر أي تطوع بخير فلما حذف الحرف انتصب نحو: تمرون الديار فلم تعوجوا. الثاني: أن يكون نعت مصدر محذوف أي تطوعا غير. الثالث: أن يكون حالا من ذلك المصدر المقدر معرفة، وهذا مذهب سيبويه اهـ سمين.\rقوله: (أي عمل ما لم يجب عليه) هكذا في بعض النسخ، وفي بعض آخر أي فعمل، وفي نسخة أي فعل. قوله: (بالإثابة عليه) إشارة إلى أن معنى الشاكر في حق اللّه تعالى المجازي على الطاعة بالثواب، ففي التعبير به مبالغة في الإحسان إلى العباد، ومعلوم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للإنعام عليه، وذلك في حق اللّه تعالى محال وقوله: (عليم به) أي بأحواله فلا ينقص من أجره شيئا، وهذا علة لجواب الشرط قائم مقامه، فكأنه قال: ومن تطوع خيرا جازاه وأثابه فإن اللّه شاكر عليم، وفيه إشارة إلى الوثوق بوعده اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل في اليهود) أي في أحبارهم ككعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وعبد اللّه بن صوريا. وقيل نزلت في كل من كتم شيئا من أحكام الدين لعموم الحكم، فإن عموم الحكم لا يأباه خصوص السبب اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الْبَيِّناتِ أي من الآيات الواضحة الدالة على أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والهدى أي والآيات الهادية إلى كنه أمره، ووجوب اتباعه والإيمان به عبر عنها بالمصدر مبالغة ولم يجمع مراعاة للأصل، وهي المرادة بالبينات أيضا والعطف لتغاير العنوان، كما في قوله عز وجل: هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ [البقرة: 185] الخ، وقيل: المراد بالهدى الأدلة العقلية، ويأباه الإنزال والكتم اهـ أبو السعود. قوله:\r(كآية الرجم ونعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم) أشار إلى أن المراد بالكتم هنا إزالة ما أنزل اللّه ووضع غيره في موضعه فإنهم محوا آية الرجم ونعته صلّى اللّه عليه وسلّم، وكتبوا مكان ذلك ما يخالفه، ومعلوم أن الكتم والكتمان ترك إظهار الشيء قصدا مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره، لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد من الكتمان، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه وهو الذي فعله هؤلاء كما مرت الإشارة إليه، وهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية","part":1,"page":189},{"id":191,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 190\rبَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ التوراة أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ يبعدهم من رحمته وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) الملائكة والمؤمنون أو كل شيء بالدعاء عليهم باللعنة\rإِلَّا الَّذِينَ تابُوا رجعوا عن لمن كان محتاجا إليها ثم تركها أو كتم شيئا من أحكام الشرع مع الحاجة إليه هذا الوعيد اهـ كرخي.\rوفي الخازن ما نصه: وهل إظهار علوم الدين فرض كفاية أو فرض عين فيه خلاف، والأصح أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه لم يبق مكتوما. وقيل: إذا سئل العالم عن شيء يعلمه من أمر الدين يجب عليه إظهاره، وإلّا فلا اهـ.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ متعلق بيكتمون. والمراد بالناس الكل لا الكاتمون فقط، واللام متعلقة ببناء وكذا الظرف في قوله تعالى فِي الْكِتابِ فإن تعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف المعنى أو اللفظ مما لا ريب في جوازه أو الأخير متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعوله أي كائنا في الكتاب وتبيينه لهم تلخيصه وإيضاحه بحيث يتلقاه كل واحد منهم من غير أن يكون له فيه شبهة، وهذا عنوان مغاير لكونه بينا في نفسه وهدى مؤكد لقبح الكتم أو تفهيمه لهم بواسطة موسى عليه السّلام، والأول أنسب بقوله تعالى: فِي الْكِتابِ والمراد بكتمه إزالته ووضع غيره في موضعه، فإنهم محوا نعته عليه الصلاة والسّلام وكتبوا مكانه ما يخالفه كما ذكرناه في تفسير قوله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ [البقرة: 79] الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ يجوز في أولئك وجهان، أحدهما: أن يكون مبتدأ ويلعنهم خبره والجملة خبر إن الذين، والثاني: أن يكون من الذين ويلعنهم خبر إن اهـ سمين.\rقوله: (الملائكة لخ) أشار به إلى أن الخلاف فيما المراد بقوله اللَّاعِنُونَ فالمشهور أنهم الذين يتأتى منهم اللعن وهم الملائكة والثقلان، وقيل: هم كل حي حتى البهائم والخنافس والعقارب، وأتى بصلة الذين فعلا مضارعا، وكذلك بفعل اللعنة دلالة على التجدد والحدوث، وأن هذا يتجد وقتا فوقتا، وكررت اللعنة تأكيدا في ذمهم، وفي قوله يلعنهم اللّه التفات. إذ لو جرى على سنن الكلام لقال نلعنهم لقوله أنزلنا، ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير اهـ كرخي.\rواختلف في هؤلاء اللاعنين فقال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: هم جميع الخلائق إلا الجن والإنس، وقال عطاء: هم الجن والإنس، جميع عباد اللّه. وقال مجاهد: البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر، وتقول: هذا من شؤم ذنوب بني آدم اهـ.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مستثنى من المفعول في قوله: يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ وقوله:\rتابُوا إلخ إشارة إلى أركان التوبة فقوله: تابوا أي ندموا، وقول الشارح: رجعوا أي بالندم، وعبارة الخازن أي ندموا على ما فعلوا فرجعوا عن الكفر إلى الإسلام وأصلحوا بالعزم على عدم العود، وقوله: وبينوا عبارة عن الإقلاع لأنه مفارقة المعصية وهي هنا الكتمان ومفارقتها حاصلة بالبيان اهـ.\rقوله: (رجعوا) هذا بيان للمقصود من التوبة منهم، وظاهر كلامه أن الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الضمير في يلعنهم، وقيل: إنه منقطع لأن الذين كتموا لعنوا قبل أن يتوبوا، وإنما جاء الاستثناء لبيان قبلو التوبة لا لأن قوما من الكافرين لم يلعنوا، والمعنى لكن الذي رجعوا عن الكفر وأظهروا ما","part":1,"page":190},{"id":192,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 191\rذلك وَأَصْلَحُوا عملهم وَبَيَّنُوا ما كتموا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أقبل توبتهم وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) بالمؤمنين\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ حال أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) أي هم مستحقون بذلك في الدنيا والآخرة، والناس قيل عام وقيل المؤمنون كتموا. قال السمين: وليس بشيء وترك من بعد ذلك هنا، وذكره في آل عمران لأنه لو ذكره هنا مع قوله قبله من بعد ما بينا، لالتبس أو لتكرار اهـ كرخي. وعبارة أبي مسعود: والمراد من قوله تعالى:\rوَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ بيان دوام اللعن واستمراره، وعليه يدور الاستثناء المتصل في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي عن الكتمان وَأَصْلَحُوا أي ما أفسدوا بأن أزالوا الكلام المحرف وكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف وبينوا للناس معانيه، فإنه غير الإصلاح المذكور أو بينوا لهم ما وقع منهم أولا وآخرا، فإنه أدخل في إرشاد الناس إلى الحق وصرفهم عن طريق الضلال الذي كانوا أوقعوهم فيه أو بينوا توبتهم ليمحوا به سمة ما كنوا فيه ويقتدي بهم إضرابهم، وحيث كانت هذه المقرونه بالإصلاح والتبيين مستلزمة للتوبة عن الكفر مبنية عليها لم يصرح بالإيمان انتهت.\rقوله: فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي بالقبول وإفاضة المغفرة والرحمة وقوله تعالى: وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي المبالغ في قبول التوبة ونشر الرحمة اعتراض تذييلي محقق لمضمون ما قبله، والالتفات إلى التكلم للتفنن في النظم الكريم مع ما فيه من التلويح والرمز إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فعليه تعالى السابق وهو اللعن واللاحق وهو الرحمة اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بالكتمان وغيره وهذاهو القسم الثاني من الكاتمين فبين من تاب في قوله إِلَّا الخ من لم يتب بقوله إن الذين كفروا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (حال) أي جملة حالية وإثبات الواو فيها أفصح خلافا لمن جعل حذفها شاذا وهو الزمخشري تبعا للقراء اهـ كرخي.\rقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ أولئك: مبتدأ وعليهم لعنة اللّه مبتدأ وخبره خبر عن أولئك وأولئك وخبره خبر إن، ويجوز في لعنة الرفع بالفاعلية بالجار قبلها لاعتماده، فإنه وقع خبرا عن أولئك وتقدم تحريره في عليهم صلوات من ربهم اهـ سمين.\rقوله: (أي هم مستحقون ذلك الخ) أشار بهذا إلى دفع التكرار، فالمراد باللعن فيما سبق حصوله بالفعل، والمراد به هنا استحقاقه اهـ شيخنا.\rقوله: (و الآخرة) فيؤتى بالكافر يوم القيامة فيوقف فيلعنه اللّه، ثم تلعنه، ثم يلعنه الناس أجمعون اهـ خازن.\rقوله: (قيل عام) أي للمؤمن والكافر، فالكفار يلعن بعضهم بعضا. وعبارة الكرخي قيل: عام أي حتى لأهل دينهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا، وهو الصحيح فلا يرد كيف، قال: والناس أجمعين وأهل دين من مات كافرا لا يلعنونه اهـ.\rقوله: خالِدِينَ فِيها إشارة إلى كم العذاب، وأنه كثير لا ينقطع، وقوله: لا يُخَفَّفُ الخ","part":1,"page":191},{"id":193,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 192\rخالِدِينَ فِيها أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ طرفة عين وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) يمهلون لتوبة أو معذرة. ونزل لما قالوا صف لنا ربك\rوَإِلهُكُمْ المستحق للعبادة منكم إِلهٌ واحِدٌ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هو الرَّحْمنُ إشارة إلى كيفه وشدته اهـ شيخنا.\rقوله: (أو النار المدلول بها) أي اللعنة عليها أي النار حاصلة أن الإضمار للنار قبل الذكر تفخيما لشأنها وتهويلا أو اكتفاء بدلالة اللعنة عليها، وأيضا فكثيرا ما وقع في القرآن خالدين فيها وهو عائد على النار اهـ كرخي.\rقوله: (يمهلون) إشارة إلى أنه من الانظار لا من النظر، فإيثار الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي واستمراره اهـ كرخي.\rقوله: (صف لنا ربك) أي اذكر لنا أوصافه، وعبارة الخازن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، وسورة الإخلاص انتهت.\rقوله: إِلهٌ خبر المبتدأ، وواحد: صفته وهو الخبر في الحقيقة لأنه محط الفائدة: ألا ترى أنه لو اقتصر على ما قبله لم يفد، وهذا يشبه الحال الموطئة نحو: مررت بزيد رجلا صالحا. فرجلا حال، وليست مقصودة إنما المقصود وصفها اهـ سمين.\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ تقرير للوحدانية لأن الاستثناء هنا إثبات من نفي، فهو بمنزلة البدل، والبدل هو المقصود بالنسبة وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلها، ولكن لا يستحق منهم العبادة اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا هُوَ رفع على أنه بدل من اسم لا على المحل إذ محله الرفع على الابتداء، أو هو بدل من لا وما عملت فيه لأنه وما بعدها في محل رفع بالابتداء، واستشكل الشيخ كونه بدلا من إله.\rقال: لأنه لا يمكن تكرير العامل، لا تقول: لا رجل إلا زيد، والذي يظهر لي أنه ليس بدلا من إله ولا من رجل في قولك: لا رجل إلا زيد إنما هو بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، فإذا قلنا:\rلا رجل إلا زيد، فالتقرير لا رجل كائن أو موجود إلا زيد، فزيد بدل من الضمير المستكن في الخبر لا من رجل فليس بدلا على موضع اسم لا وإنما هو بدل مرفوع من ضمير مرفوع تقدير ذلك الضمير هو عائد على اسم لا اهـ سمين.\rقوله: الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح. عبارة السمين: فيه أربعة أوجه، أحدها: أن يكون بدلا من هو بدل ظاهر من مضمر إلا أن هذا يؤدي إلى البدل بالمشتقات وهو قليل، ويمكن الجواب عنه بأن هاتين الصفتين جريا مجرى الجوامد، ولا سيما عند من تجعل الرحمن علما، وقد تقدم تحقيق ذلك في البسملة. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن وحسن حذفه توالي اللفظ بهو مرتين. الثالث: أن يكون خبرا ثالثا لقوله. وإلهكم أخبر عنه بقوله إله واحد وبقول لا إله إلا هو وبقوله الرحمن الرحيم، وذلك عند من يرى تعديد الخبر مطلقا. الرابع: أن يكون صفة لقوله هو، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف ضمير الغائب بصفة المدح فاشترط في وصف الضمير","part":1,"page":192},{"id":194,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 193\rالرَّحِيمُ (163) وطلبوا آية على ذلك فنزل\rإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما فيهما من العجائب وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان وَالْفُلْكِ السفن الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ولا ترسب موقرة بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من التجارات والحمل وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ هذين الشرطين أن يكون غائبا وأن تكون الصفة صفة مدح، وإن كان الشيخ جمال الدين بن مالك أطلق عنه جواز وصف ضمير الغائب، ولا يجوز أن يكون خبرا لهو هذه المذكورة لأن المستثنى لا يكون جملة اهـ سمين.\rقوله: (و طلبوا آية على ذلك) أي لأنه كان للمشركين حول الكعبة المكرمة ثلاثمائة وستون صنما، فلما سمعواهذا الآية تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقا فأت بآية نعرف بها صدقك. فنزل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ الخ اهـ كرخي.\rقوله: (و طلبوا) أي كفار قريش. وقوله: (على ذلك) أي على وحدانيته تعالى. قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إنّ: حرف توكيد ونصب والجار والمجرورات به خبرها مقدم، واسمها قوله لآيات بزيادة لام ابتداء فيه، والتقدير ان الآيات كائنة في خلق السموات الخ. فيفيد هذا التركيب أن في كل واحد من هذه المجرورات آيات متعددة وهو كذلك، وقد بينه الخازن ونصه: فبين تعالى من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع:\rأولها: قوله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وإنما جمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، ووحد الأرض لأنها بجميع طبقاتها جنس واحد وهو التراب، والآيات في السماء هي سمكها وارتفاعها بغير عمد، ولا علاقة وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآيات في الأرض مدها وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار.\rالنوع الثاني: قوله تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ والآيات فيهما تعاقبهما بالمجيء والذهاب، واختلافهما في الطول والقصر والزيادة والنقصان، والنور والظلمة، وانتظام أحوال العباد في معاشهم بالراحة في الليل والسعي في الكسب في النهار.\rالنوع الثالث: قوله تعالى: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ. والآيات فيها تسخيرها وجريانها على وجه الماء، وهي موقرة بالأثقال والرجال فلا ترسب، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان الماء، وهيجان البحر، فلا ينجى منه إلا اللّه تعالى.\rالنوع الرابع: قوله تعالى: بِما يَنْفَعُ النَّاسَ أي من حيث ركوبها والحمل عليها في التجارة، والآيات في ذلك أن اللّه تعالى لو لم يقو قلوب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في تجاراتهم ومنافعهم، وأيضا فإن اللّه تعالى خصّ كل قطر من أقطار العالم بشيء معين وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك سببا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن، وخوف البحر، وغير ذلك. فالحامل ينتفع لأنه يربح، والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه.\rالنوع الخامس: قوله تعالى: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ الخ والآيات في ذلك أن اللّه جعل","part":1,"page":193},{"id":195,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 194\rمطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها يبسها وَبَثَ فرق ونشر به فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ تقليبها جنوبا وشمالا حارة وباردة وَالسَّحابِ الغيم الْمُسَخَّرِ المذلل بأمر اللّه تعالى يسير إلى حيث شاء بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الماء سببا لحياة جميع الموجودات من حيوان ونبات، وأنه ينزله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة وعند الاستفتاء والدعاء وإنزاله بمكان دون مكان.\rالنوع السادس: قوله تعالى: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ والآيات في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم مع ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان.\rالنوع السابع: قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ والآيات في الريح أنه جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الشجر والصخر، ويخرب البنيان العظيم، وهو مع ذلك حياة الوجود، فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض.\rالنوع الثامن: قوله تعالى: وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ والآيات في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية العظيمة يبقى معلقا بين السماء والأرض، بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده، وفيه آيات أخرى لا تخفى تأمل اهـ. وقوله النوع الرابع بما ينفع الخ لو جعل هذا من تمام الثالث، وجعل قوله: إن في خلق السموات والأرض نوعين لكان أوضح وأظهر.\rقوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخلق هنا بمعنى المخلوق إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السموات والأرض وحينئذ فإضافة بيانية. قوله: (من العجائب) جمع عجيب كما في القاموس، والعجيب الأمر الذي يتعجب منه لغرابته وعظم شأنه. قوله: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي تعاقبهما في المجيء والذهاب، يخلف أحدهما صاحبه. إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده اهـ خطيب.\rوالليل: اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال: ليل وليلة كتمر وتمرة، والصحيح إنه مفرد ولا يحفظ له جمع، ولذلك خطأ الناس من زعم أن الليالي جمع ليل، بل الليالي جمع ليلة، وقدم الليل على النهار لأنه سابقه. قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: 37] وهذا أصح القولين. وقيل: النور سابق الظلمة، وينبني على الخلاف. فائدة وهي: أن الليلة هل هي تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها، فعلى القول الصحيح تكون الليلة لليوم بعدها فيكون اليوم تابعا لها، وعلى القول الثاني تكون لليوم قبلها، فتكون الليلة تابعة له فيوم عرفة على القول الأول مستثنى من الأصل، فإنه تابع لليلة بعده وعلى الثاني جاء على الأصل اهـ سمين.\rقوله: (الذهاب والمجيء والزيادة والنقصان) قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه ثالث، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة، فهما يختلفان في الأمكنة، فإن من يقول أن الأرض كرة فكل ساعة عينتها، فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي آخر عصر، وفي آخر مغرب، وفي آخر عشاء، وهلم جراهذا إذا اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول، أما","part":1,"page":194},{"id":196,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 195\r............. ................ ................ ...\rالبلاد المختلفة في العرض، فكل بلد يكون عرضه للشمال أكثر كانت أيامه الصيفية اقصر، وأيامه الشتوية بالضد من ذلك، فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلاد وعروضها أمر عجيب اهـ كرخي.\rقوله: وَالْفُلْكِ عطف على خلق المجرور بفي لا على السموات المجرور بالإضافة، والفلك يكون واحدا كقوله تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء: 119 ويس: 41] وهو حينئذ مذكر ويكون جمعا أي جمع تكسير كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22]. فإن قيل: إن جمع تكسير لا بد فيه من تغير ما. فالجواب: أن تغيره مقدر فالضمة في حالة كونه جمعا كالضمة في حمر وبدن، وفي حال كونه مفردا كالضمة في قفل وهو هنا جمع بدليل قوله التي تجري في البحر اهـ من السمين.\rقوله: (و لا ترسب) أي لا تذهب سافلة إلى قاع البحر. وفي المصباح رسب الشيء رسوبا من باب قعد ثقل وصار إلى أسفل اهـ. وفي القاموس: رسب في الماء كنصر وكرم رسوبا ذهب إلى أسفل اهـ.\rقوله: (موقرة) أي مثقلة أشار به إلى متعلق قوله بما ينفع الناس. قوله: بِما يَنْفَعُ النَّاسَ في ما قولان أحدهما: أنها موصولة اسمية وعلى هذا فالباء للحال أي تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس. الثاني: أنها مصدرية وعلى هذا تكون الباء للسببية أي تجري بسبب نفع الناس ولأجله في التجارة وغيرها اهـ سمين.\rقوله: (و الحمل) أي الذي يحمل فيها ولو غير تجارة. قوله: مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من الأولى معناه ابتداء الغاية أي إنزاله من جهة السماء، وأما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون لبيان الجنس، فإن المنزّل من السماء ما وغيره، والثاني: أن تكون للتبعيض فإن المنزل منه بعض لا كل.\rوالثالث: أن تكون هي وما بعدها بدلا من قوله من السماء بدل اشتمال بتكرير العامل، وكل من من الأولى والثانية متعلق بأنزل. فإن قيل: كيف تعلق حرفان متحدان بعامل واحد؟ فالجواب: أن الممنوع من ذلك أن يتحدا معنى من غير عطف ولا بدل، فلا تقول أخذت من الدراهم من الدنانير. وأما الآية الكريمة فإن المحذور فيها منتف، وذلك أنك جعلت من الثانية للبيان أو التبعيض فظاهر لاختلاف معناهما فإن الأولى للإبتداء، وإن جعلتها لابتداء الغاية فهي مع ما بعدها بدل، والبدل يجوز ذلك كما تقدم، ويجوز أن تتعلق من الأولى بمحذوف على أنها حال إما من الموصول نفسه، وهو ما أو من ضميره المنصوب بأنزل. أي وما أنزله اللّه حال كونه كائنا من السماء اهـ سمين.\rقوله: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ أي أظهر نضارتها وحسنها. قوله: (و نشر به) أشار بقوله به إلى أن قوله: وَبَثَ معطوف على أحيا فيكون على تقدير العائد وبعضهم جعله معطوفا على أنزل، وعبارة الكرخي ويؤخذ من كلام الشيخ المصنف أنه عطف على أحيا وهو أحد وجهين، والوجه الثاني أنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة، لأنه قوله أحيا عطف على أنزل فاتصل به وصارا جميعا كالشيء الواحد، وكأنه قيل وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة، لأنهم ينمون بالخصب","part":1,"page":195},{"id":197,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 196\r............. ................ ................ ........\rويعيشون بالحيا، قاله الزمخشري، والحيا بالقصر، وقد يمد المطر. لكن قال أبو حيان: لا يصح عطفه على أنزل ولا على أحيا، لأنه على التقديرين يكون في حيز الصلة، فيحتاج إلى ضمير يعود على الموصول وتقديره: وبث به فيها، وحذف هذا الضمير لا يجوز، لأن شرط جوازه وهو مجرور بالحرف أن يجر الموصول بمثله وهو مفقود هنا، والصواب أنه على حذف الموصل أي: وما بث، وحذف ذلك الموصول لفهم المعنى وفيه زيادة فائدة، وهو جعله آية مستقلة وحذف الموصول شائع في كلام العرب انتهت. وفي السمين ما حاصلة: أن بعضهم أجاز حذف العائد المجرور بالحرف، وإن لم يجر الموصول كما هنا وذكر شواهد على ذلك اهـ.\rقوله: مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ كل: مفعول به لبث، ومن زائدة على مذهب الأخفش أو تبعيضية اهـ من السمين.\rقوله: (لأنهم) أي الدواب المفهوم من كل دابة، وقوله: (الكائن) أي الناشىء قوله: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ مصدر صرف، ويجوز أن يكون مضافا للفاعل والمفعول محذوف أي وتصريف الرياح السحاب، فإنها تسوق السحاب وأن يكون مضافا للمفعول والفاعل محذوف. أي: وتصريف اللّه الرياح، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي. وفي السمين ما نصه: والرياح جمع ريح جمع تكسير وياء الريح والرياح من واو، والأصل روح ورواح لأنه من راح يرح، وإنما، قلبت في ريح لسكونها وانكسار ما قبلها، وفي رياح لأنها عين في جمع بعد كسرة وبعدها ألف وهي ساكنة في المفرد، وهو إبدال مطرد، ولذلك لما زال موجب قلبها رجعت إلى أصلها فقالوا: أرواح اهـ.\rفائدة: قال ابن عباس: أعظم جنود اللّه الريح والماء وسميت ريحا لأنها تريح النفوس. قال جريج القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح.\rفائدة أخرى: البشارة في ثلاث. من الرياح في الصبا والشمال والجنوب، إما الدّبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها وقيل: الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وهي المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات، وأربعة للعذاب وهو العقيم والصرصر في البر، والعاصف والقاصف في البحر.\rفائدة أخرى: كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القراء على توحيدها. وما فيها ألف ولام كما هنا اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها، والريح تذكر وتؤنث اهـ خطيب.\rقوله: (جنوبا وشمالا) أي وقبولا ودبورا، فالشمال هي التي تهب من جانب القطب، والجنوب تقابلها، والقبول الصبا، وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور تقابلها هذا حكم مهابّها، وأما أحوالها فذكرها بقوله: حارة وباردة أي ولينة وعاصفة وعقيما وهو ما لا يلقح شجرا ولا يحمل مطرا اهـ كرخي.\rوفي القسطلاني على البخاري ما نصه: وقد قيل أن الريح ينقسم إلى قسمين: رحمة وعذاب، ثم أن كل قسم ينقسم إلى أربعة أقسام، ولكل قسم اسم فأسماء أقسام الرحمة: المبشرات والنشر\rمن صفحة 197\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 204","part":1,"page":196},{"id":198,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 197\rبلا علاقة لَآياتٍ دالات على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) يتدبرون\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أَنْداداً أصناما يُحِبُّونَهُمْ بالتعظيم والخضوع كَحُبِّ اللَّهِ أي والمرسلات والرخاء، وأسماء أقسام العذاب: العاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم والصرصر وهما في البر، وقد جاء في القرآن بكل هذه الأسماء، قال: وقد نزل الأطباء كل ريح على طبيعة من الطبائع الأربع، فطبع الصبا الحرارة واليبس، وتسميها أهل مصر الشرقية، لأن مهبها من المشرق وتسمى قبولا لاستقبالها وجه الكعبة، وطبع الدبور البرد والرطوبة وتسميها أهل مصر الغربية لأن مهبها من المغرب وهي تأتي من دبر الكعبة، وطبع الشمال البرد واليبس، وتسمى البحرية لأنه يسار بها في البحر على كل حال، وقلما تهب ليلا، وطبع الجنوب الحرارة وتسمى القبلية لأنه مهبها من مقابلة القطب، وهي عن يمين مستقبل المشرق، وتسميها أهل مصر المريسة وهي من عيوب مصر المعدودة، فإنها إذاهبت عليهم سبع ليال استعدوا للأكفان اهـ.\rقوله: وَالسَّحابِ مشتق من السحب لجر بعضه بعضا اهـ.\rقوله: (يسير) أي بواسطة الرياح. قوله: بَيْنَ السَّماءِ في بين قولان. أحدهما: منصوب بقوله المسخر فيكون ظرفا للتسخير، والثاني: أن يكون حالا من الضمير المستتر في اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أي كائنا بين السماء، والآيات اسم إن والجار خبر مقدم، ودخلت اللام على الاسم لتأخره عن الخبر، ولو كان في موضعه لما جاز ذلك فيه، وقوله لقوم في محل نصب لأنه صفة لآيات فيتعلق بمحذوف. وقوله: يَعْقِلُونَ الجملة في محل جر لأنها صفة لقم اهـ سمين.\rقوله: (بلا علاقة) متعلق بالمسخر، وهي بكسر العين في المحسوسات كما هنا كعلاقة السيف والسوط ونحوهما، وبالفتح في المعاني كعلاقة الحب والخصومة ونحوهما اهـ من مختار.\rقوله: (يتدبرون) أي يستعملون العقل فيما خلق له وفيه تعريض بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آية تصدقه اهـ كرخي.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ الخ لما أثبت الوحدانية بالدلائل السابقة بيّن أن بعض الناس لم يعتقدها، بل سلك الإشراك سفها وغباوة. فقال: ومن الناس الخ. قوله: مَنْ يَتَّخِذُ من: في محل رفع بالابتداء وخبره الجار قبله، ويجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون موصلة. والثاني: أن تكون موصوفة فعلى الأول لا محل للجملة بعدها، وعلى الثاني، محلها الرفع أي فريق أو شخص يتخذ، وأفرد الضمير في يتخذ حملا على لفظ من ويتخذ يفتعل من الأخذ وهي متعدية إلى واحد وهو أندادا اهـ كرخي.\rقوله: (أي غيره) نبه به إلى المراد بدون هنا، وأصلها أن تكون ظرف مكان نادرة التصرف، وإنما أفهمت معنى غير مجازا، وذلك أنك إذا قلت اتخذت من دونك صديقا أصله اتخذت من جهة، ومكان دون جهتك، ومكانك صديقا، فهو ظرف مجازي، وإذا كان المكان المتخذ منه الصديق مكانك وجهتك منحطة عنه ودونه لزم أن يكون غيرا، لأنه ليس إياه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مع كونه غيرا فصارت دلالته على الغيرية بهذا الطريق لا بطريق الوضع لغة اهـ كرخي.","part":1,"page":197},{"id":199,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 198\rكحبهم له وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حبهم للأنداد لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما والكفار يعدلون في الشدة إلى اللّه وَلَوْ يَرَى تبصر يا محمد الَّذِينَ ظَلَمُوا باتخاذ الأنداد إِذْ يَرَوْنَ قوله: أَنْداداً المراد بها الأوثان التي اتخذوها آلهة، ورجوا من عندها الضر والنفع، وقربوا لها القرابين، فعلى هذا الأصنام بعضها لبعض أنداد أي أمثال، أو المعنى أنها أنداد للّه تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة اهـ كرخي.\rقوله: يُحِبُّونَهُمْ في هذا الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون في محل رفع صفة لمن في أحد وجهيها، والضمير المرفوع يعود عليها باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ في يتخذ. والثاني: أن تكون في محل نصب صفة لأنداد أو الضمير المنصوب يعود عليهم، والمراد بهم الأصنام، وإنما جمعوا جمع العقلاء لمعاملتهم لهم معاملة العقلاء، أو يكون المراد بهم من عبد من دون اللّه عقلاء وغيرهم، ثم غلب العقلاء على غيرهم. الثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في يتخذ والضمير المرفوع عائد على ما عاد عليه الضمير في يتخذ وجمع حملا على المعنى كما تقدم اهـ سمين.\rقوله: (أي كحبهم له) أي يسوون بين حبهم وحب اللّه فالمصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف. فإن قيل: العاقل؛ يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه للّه، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تسمع ولا تعقل وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حكيما كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: 87] فمع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم للّه، وقد حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3] فكيف يعقل الاستواء في الحب؟ فالجواب: أن المراد كحب اللّه في الطاعة لها والتعظيم كما أفاده المصنف والاستواء في هذه المحبة لا ينافي ما ذكرتموه اهـ كرخي.\rقوله: (من حبهم) أي المشركين لأن حب المؤمنين للّه أشد وأثبت من حب المشركين للأنداد، وأشار بهذا إلى أن المفضل عليه محذوف اهـ من الكرخي. قال: وأتى بأشد متوصلا به إلى أفعل التفضيل من مادة الحب مبني للمفعول والمبني للمفعول لا يتعجب منه ولا يبنى منه أفعل التفضيل، فذلك أتى بما يجوز ذلك منه، وأما قولهم ما أحبه إلي فشاذ اهـ.\rقوله: (لأنهم) أي الذين آمنوا لا يعدلون عنه، أي عن حب اللّه تعالى، وقوله: (و الكفار يعدلون في الشدة) أي فقد انفكوا في هذه الحالة عن حب الأصنام. قوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا أي هؤلاء، فهو من وضع الظاهر موضع المضمر للنداء عليهم بوصف الظلم اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ يَرَوْنَ ظرف لترى أي لو تراهم وقت رؤيتهم العذاب. قوله: (يبصرون) تفسير لكل من القراءتين، لكنه على قراءة الفاعل بضم الياء وسكون الموحدة وكسر الصاد، وعلى الأخرى بضم الياء وفتح الموحدة والصاد مشددة، قوله: (و إذا بمعنى إذا) جواب عما يقال أن إذ للماضي، وقد أضيفت هنا لما هو مستقبل يحصل يوم القيامة اهـ شيخنا.\rلكنه لتحقق وقوعه عبّر عنه بما يعبر به عن الماضي، وذلك لأن خبر اللّه تعالى عن المستقبل في","part":1,"page":198},{"id":200,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 199\rبالبناء للفاعل والمفعول يبصرون الْعَذابَ لرأيت أمرا عظيما وإذ بمعنى إذا أَنَ أي لأن الْقُوَّةَ القدرة والغلبة لِلَّهِ جَمِيعاً حال وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) وفي قراءة يرى بالتحتانية والفاعل ضمير السامع وقيل الذي ظلموا فهي بمعنى يعلم وأن وما بعدها سدت مسد المفعولين وجواب لو محذوف والمعنى لو علموا في الدنيا شدة عذاب اللّه وأن القدرة للّه وحده وقت الصحة كالماضي وهو ما يتكرر في القرآن كثيرا اهـ كرخي.\rقوله: (إن القوة الخ) تعليل للجواب المحذوف الذي قدره بقوله: لرأيت أمرا عظيما، وجعله السمين معمولا للجواب المحذوف، وقدره بعبارة أخرى لعلمت أيها السامع أن القوة للّه جميعا الخ اهـ.\rقوله: (حال) أي من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا، لأن تقديره أن القوة كائنة للّه جميعا ولا جائزة أن يكون حالا من القوة، فإن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، وأن لا تعمل في الحال وهذا مشكل فإنهم أجازوا في ليت أن تعمل في الحال، وكذا في كأن لما فيهما من معنى الفعل وهو التمني والتشبيه، فكان ينبغي أن يجوز ذلك في أن لما فيها من معنى التأكيد اهـ كرخي، وجميع في الأصل فعيل من الجمع وكأنه اسم جمع، فلذلك يتبع تارة بالمفرد، قال تعالى:\rنَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر: 44]. وتارة الجمع، قال تعالى: جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس:\r32]، وينتصب حالا ويؤكد به بمعنى كل ويدل على الشمول، كدلالة كل، ولا دلالة على الاجتماع في الزمان تقول: جاء القوم جميعهم لا يلزم أن يكون مجيئهم في زمن واحد، وقد تقدم ذلك في الفرق بينهما وبين جاؤوا معا اهـ سمين.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ عطف على ما قبله، وفائدة المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفو مع القدرة عليه اهـ كرخي.\rقوله: (و الفاعل ضمير السامع) أي على هذه القراءة، ولو قال ضمير الرائي لكان أظهر يعني، وعلى هذا الاحتمال فرأى بصرية على أسلوب ما سبق في قراءة التاء الفوقية سواء بسواء، وكذا تقرير الجواب بأن يقال الرأي أمر عظيما على نظير ما سبق فقوله فهي الخ راجع للقيل الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: (و أن وما بعدها) أي أن الأولى مع معموليها وما بعدها، وهو أن الثانية مع معموليها، وقوله سدت مسد المفعولين، أي فلذلك وجب فتحها وإن لم يصح تأويلها بالمفرد، لأن وجوب الفتح مداره على أحد أمرين، إما تأويلها بالمصدر، وإما وقوعها موقع المفعولين لعلم كما هنا مع عدم التعليق باللام اهـ شيخنا.\rولم ينبه الشارح ولا غيره من المعربين على العامل في قوله: إِذْ يَرَوْنَ على هذه القراءة، ولا يصح أن يتعلق بيرى قبله، لأنه في الدنيا كما ذكره في الحل ورؤيتهم واقعة في الآخرة، لكن يؤخذ من صنيعه في السبك والحل أنه متعلق بما بعده وهو القوة وشدة العذاب حيث قال: وأن القدرة للّه وحده وقت معاينتهم له تأمل. قوله: (و جواب لو محذوف) أي على القيل الثاني، وهو أن الفاعل الموصول وقوله شدة عذاب اللّه أخذه من المعطوف، وهو قول: وأن اللّه شديد العذاب، وما بعده أخذه من المعطوف عليه فهو لف ونشر مشوش اهـ شيخنا.","part":1,"page":199},{"id":201,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 200\rمعاينتهم له وهو يوم القيامة لما اتخذوا من دونه أندادا\rإِذْ بدل من إذ قبله تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا أي الرؤساء مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي أنكروا إضلالهم وَقد وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ عطف على تبرأ بِهِمُ عنهم الْأَسْبابُ (166) الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة\rوَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي المتبوعين كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا وقوله: (لو علموا في الدنيا شدة عذاب اللّه تعالى) ليس فيه إلا مفعول واحد لعلم، ويمكن أن يكون الثاني محذوفا تقديره: لو علموا شدة عذاب اللّه تعالى حاصلة لهم أو نحو ذلك. قوله:\r(لما اتخذوا من دونه أندادا) قدر الجواب على قراءة الياء التحتية مؤخرا عن قوله أن القوة، وقدره على قراءة الفوقانية مقدم عليه والمناسبة ظاهرة لأنه على قراءة الياء التحتية معمول ليرى، فهو من تمامه فالمناسب تقديره الجواب بعده، وعلى قراءة التاء الفوقانية تعليل للجواب المحذوف فالمناسب تقديره قبله تأمل. قوله: (إذ بدل) أي مع مدخولها. وقوله: (من إذ قبله) أي مع مدخولها، وتبرأ في محل خفض بإضافة إذ إليه والتبرؤ الخلوص والانفصال، ومنه برئت من الدين، وقد تقدم تحقيق ذلك عند قوله إلى بارئكم اهـ سمين.\rقوله: (أي أنكروا إضلالهم) تفسير لقوله إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ الخ. أي قالوا: ما أضللناكم، قال تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الأعراف: 38] الآية. اهـ شيخنا.\rلكن تفسير التبرؤ بهذا وإن كان صحيحا لا يظهر له موقع في قوله الآتي فتتبرأ منهم، فالأولى ما ذكره أبو السعود ونصه: أي تبرأ الرؤساء من الاتباع بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه في الدنيا، ويدعونهم إليه من فنون الكفر والضلال واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن كقول إبليس: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: 22] اهـ.\rقوله: وَ (قد) رَأَوُا الضمير فيه للفريقين التابعين والمتبوعين، وكذلك قوله بهم اهـ شيخنا.\rوفي تقديره قد أشار إلى أن: ورأوا العذاب حال من الذين، والعامل تبرأ أي تبرؤوا في حال رؤيتهم بمعنى رائين له، وهو حال من الاتباع والمتبوعين لا معطوفة اهـ كرخي.\rقوله: (عنهم) أشار به إلى أن الباء للمجاوزة أي تقطعت عنهم، كقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان: 59] أي عنه وأظهر منه جعلها للسببية والتقدير، وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون بها النجاة وهي مجاز، فإن السبب في الأصل للحبل الذي يرتقى به للشجرة، ثم أطلق على كل ما يتوصل به إلى شيء عينا كان أو معنى اهـ كرخي.\rقوله: (من الأرحام) أي القرابات التي كانوا يتعاطفون بها كقوله: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [المؤمنون: 101] اهـ كرخي. والأرحام: جمع رحم وهو القرابة اهـ شيخنا.\rقوله: (رجعة إلى الدنيا) عبارة السمين والكرة العودة وفعلها كر يكر كرا اهـ. وفي المختار: الكر الرجوع وبابه رد اهـ.","part":1,"page":200},{"id":202,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 201\rاليوم، ولو للتمني ونتبرأ جوابه كَذلِكَ أي كما أراهم شدة عذابه وتبرؤ بعضهم من بعض يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ السيئة حَسَراتٍ حال ندامات عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) بعد دخولها. ونزل فيمن حرم السوائب ونحوها\rيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا حال طَيِّباً قوله: كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا الكاف موضعها نصب على كونها نعت مصدر محذوف أي تبرؤوا تبرئهم اهـ كرخي.\rقوله: (و نتبرأ جوابه) أي ولذلك كان مقرونا بالفاء كجواب ليت، وفي السمين قوله: فنتبرأ منهم منصوب بعد الفاء بأن مضمرة في جواب التمني الذي أشربته لو، ولذلك أجيبت بجواب ليت الذي في قوله: يا ليتني كنت معهم فأفوز إذا أشربت معنى التمني، فهل هي الامتناعية المفتقرة إلى جواب أم لا؟\rالصحيح أنها تحتاج إلى جواب، وهو مقدر في الآية تقديره لتبرأنا ونحو ذلك اهـ.\rقوله: (كما أراهم) أفاد به أن الإشارة بذلك إلى إرادتهم تلك الأهوال اهـ كرخي.\rقوله: (شدة عذابه) راجع لقوله ورأوا العذاب، وقوله: (و تبرؤ بعضهم من بعض) راجع لقوله إذ تبرأ فهو لف ونشر مشوش والمراد أنه أراهم هذين الأمرين عقوبة على عقيدتهم الفاسدة باتخاذ الأنداد، فكما عاقبهم على العقائد عاقبهم على الأعمال السيئة اهـ شيخنا.\rقوله (حال) أي من أعمالهم لأنه من رؤية البصر، وفي السمين والرؤية هنا تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون بصرية فتتعدى لاثنين بنقل الهمزة أولهما الضمير، والثاني: أعمالهم وحسرات على هذا حال من أعمالهم، والثاني: أن تكون قلبية فتتعدى لثلاثة ثالثهما حسرات اهـ.\rقوله: (ندامات) جمع ندامة، ففي المصباح ندم على ما فعل ندما وندامة، فهو نادم والمرأة نادمة. إذا حزن أو فعل شيئا ثم كراهة اهـ. وفي السمين: والحسرة شدة الندم وهو تألم القلب بانحساره عما يؤلمه واشتقاقها إما من قولهم: بعير حسير أي منقطع القوة أو من الحسر وهو الكشف اهـ.\rقوله: عَلَيْهِمْ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بحسرات لأن حسر يتعدى بعلى، ويكون ثم مضاف محذوف أي على تفريطهم، والثاني: أن يتعلق بمحذوف لأنها صفة لحسرات فهي في محل نصب لكونها صفة لمنصوب اهـ سمين.\rوفي المصباح: وحسرت على الشيء حسرا من باب تعب، والحسرة اسم منه، وهي التلهف والتأسف وحسرته بالتثقيل أوقعته في الحسرة اهـ.\rقوله: (و نزل فيمن حرم السوائب ونحوها) أي كالبحائر والوصائل والحوامي، قاله ابن عباس، وهذاهو المشهور بخلاف ما جرى عليه القاضي من أنها نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس، فإنه مرجوح اهـ كرخي.\rقوله: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ من تبعيضية إذ بعض ما فيها كالحجارة لا يؤكل أصلا وليس كل ما يؤكل يجوز أكله، فلذلك قال: حلالا. والأمر مستعمل في كل من الوجوب والندب والإباحة. الأول:","part":1,"page":201},{"id":203,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 202\rصفة موكدة أي مستلذا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ طرق الشَّيْطانِ أي تزيينه إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) بين العداوة\rإِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ الإثم وَالْفَحْشاءِ القبيح شرعا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا إذا كان لقيام البينة، والثاني: كالأكل مع الضيف، والثالث: كغير ما ذكر. قوله: (حلالا) أي مأذونا فيه شرعا. وقوله: (مؤكدة) أي فيكون معنى الطيب هو معنى الحلال وإن لم يستلذ كالأدوية. وقوله: (أو مستلذا) أي طبعا مقابل لقوله مؤكدة، فعلى هذا الطيب أخص من الحلال، وفي نسخة أي مستلذا فيكون المستلذ الجائز وإن أبغضه الطبع اهـ شيخنا.\rقوله: (حال) أي من ما بمعنى الذي أي كلوا من الذي في الأرض حال كونه حلالا، ومن تبعيضية في موضع مفعول كلوا أي كلوا بعض ما في الأرض إذ لا يؤكل كل ما في الأرض. جوزه أبو البقاء، وجوز أن حلالا مفعول كلوا، فتكون من متعلقه بكلوا وهي لابتداء الغاية، وسيأتي إيضاحه في المائدة، وقال مكي: انتصاب حلالا على أنه نعت لمفعول محذوف تقديره شيئا أو رزقا حلالا، واستبعده ابن عطية ولم يبين وجه بعده، والذي يظهر في بعده أن حلالا ليس صفة خاصة بالمأكول، بل يوصف به المأكول وغيره، وإذا لم تكن الصفة خاصة لا يجوز حذف الموصوف اهـ كرخي.\rقوله: (صفة مؤكدة) أي للحلال لأنه الطيب، وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الخطر عنه اهـ كرخي.\rقوله: (أو مستلذا) أي لأن المسلم يستطيب الحلال ويعاف الحرام اهـ كرخي.\rقوله: خُطُواتِ قرأ ابن عامر والكسائي، وقنبل، وحفص، خطوات بضم الخاء والطاء وباقي السبعة بكسون الطاء، وقرأ أبو السمال خطوات بفتحهما، فأما قراءة الضم فهي جمع خطوة بضم الخاء وقراءة الفتح جمع خطوة بالفتح، والفرق بين الخطوة بالضم والفتح أن المفتوح مصدر دال على المرة من خطا يخطو إذا مشى، والمضموم اسم لما بين القدمين كأنه اسم للمسافة كالغرفة اسم لما يغترف، وقيل أنهما لغتان بمعنى واحد. ذكره أبو البقاء اهـ من السمين.\rقوله: (أي تزيينه) كأنه إشارة إلى تقدير مضاف أي طرق تزيينه وتزيينه وساوسه وطرقها الأمور المحرمة، فالمراد بالطرق آثار الوسوسة. وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ تعليل للنهي عن الاتباع. قوله: (بين العداوة) أي عند ذوي البصائر، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه وليّا في قوله أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: 257] اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم اهـ بيضاوي يعني شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول أمرتني نفسي بكذا، ثم اشتق منه الفعل ففيه استعارة تبعية، ورمز إلى أنهم بمنزلة المأمورين له، وقد يقال لا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره لأنه حقيقة طلب الفعل، ولا ريب أن الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه اهـ كرخي.\rوقال الإمام: أمر الشيطان عبارة عن الخواطر التي نجدها في أنفسنا، وفاعلها هو اللّه كما هو","part":1,"page":202},{"id":204,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 203\rتَعْلَمُونَ (169) من تحريم ما لم يحرم وغيره\rوَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي الكفار اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من التوحيد وتحليل الطّيّبات قالُوا لا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر، قال تعالى أَيتبعونهم وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً أصلنا، لكن بواسطة إلقاء الشيطان إن كانت داعية إلى الشر وبواسطة الملك إن دعت إلى الخير اهـ شهاب.\rقوله بِالسُّوءِ قال البيضاوي: والسوء والفحشاء ما أنكره العقل واستقبحه الشرع والعطف لاختلاف الوصفين، كأنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء لاستقباحه إياه، وقيل: السوء يعم القبائح والفحشاء ما تجاوز الحد في القبح من الكبائر، وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني ما شرع فيه الحد اهـ.\rقوله: وَأَنْ تَقُولُوا أي وبأن تقولوا إلخ. قوله: (و غيره) أي كتحليل الحرام، وكالمذاهب الفاسدة التي لم يأذن فيها اللّه ولم ترد عن رسوله اهـ خازن.\rقوله: أي (الكفار) أي المعبر عنهم أولا بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [البقرة: 165]، وثانيا بقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ، فقوله من التوحيد راجع للناس الأول، وقوله وتحليل الخ راجع للناس الثاني فهو نشر على ترتيب لف الآيات اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ نَتَّبِعُ بل هنا عاطفة هذه الجملة على جملة محذوفة قبلها تقديرها نتبع ما أنزل اللّه، بل نتبع كذا، ولا يجوز أن تكون معطوفة على قوله اتبعوا لفساده، وقال أبو البقاء: بل هنا للإضراب عن الأول أي لا نتبع ما أنزل اللّه وليس بخروج من قصة إلى قصة يعني بذلك أنه إضراب إبطال لا إضراب انتقال وعلى هذا فيقال: كل إضراب في القرآن فالمراد به الانتقال من قصة إلى قصة إلا في هذه الآية، وإلّا في قوله أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُ [السجدة: 3] فإنه محتمل للأمرين، فإن اعتبرت قوله أم يقولون افتراه كان إضراب انتقال، وإن اعتبرت افتراه وحده كان إضراب إبطال اهـ سمين.\rوقوله: أَلْفَيْنا في ألفى هنا قولان، أحدهما: أنها متعدية إلى مفعول واحد لأنها بمعنى أصاب فعلى هذا يكون عليه متعلقا بقوله ألفينا، والثاني: أنها متعدية لاثنين أولهما آباءنا، والثاني عليه فقدم.\rقال أبو البقاء: ولام ألفينا واو لأن الأصل فيما جهل من اللامات أن يكون واوا يعني، فإنه أوسع وأكثر، فالرد إليه أولى اهـ سمين.\rقوله: (وجدنا) وبه عبر في المائدة ولقمان، لأن ألفى يتعدى إلى مفعولين دائما، ووجد يتعدى إليهما تارة وإلى واحد أخرى، كقولك: وجدت الضالة فهو مشترك وألفى خاص، فكان الموضع الأول أنسب به اهـ كرخي.\rقوله: (من عبادة الأصنام) مقابل لقوله من التوحيد، وقوله: (و تحريم الخ) مقابل لقوله وتحليل الطيبات.\rقوله: (و تحريم السوائب والبحائر) قال تعالى في المائدة: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة:","part":1,"page":203},{"id":205,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 204\r............. ................ ................ ................ ............\r103] الآية. روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعدها بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي اهـ جلال. قوله: أَوَلَوْ كانَ الهمزة للإنكار، وأما الواو ففيها قولان، أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري، أنها واو الحال. والثاني: وإليه ذهب أبو البقاء وابن عطية، أنها للعطف. وقد جمع الشيخ بين القولين، فقال: والجمع بينهما أن هذه الجملة المصحوبة بلو في مثل هذا السياق جملة شرطية، فإذا قال اضرب زيدا ولو أحسن إليك، فالمعنى وإن أحسن إليك، كذلك أعطوا السائل ولو جاء على فرس، «ردوا السائل ولو بشق تمرة» المعنى فيهما، وإن وتجيء لو هنا تنبيها على أن ما بعدها لم يكن يناسب ما قبلها، لكنها جاءت لاستقصاء الأحوال التي يقع فيها الفعل، ولتدل على أن المراد بذلك وجود الفعل في كل حال حتى في هذه الحالة التي لا تناسب الفعل، ولذلك لا يجوز اضرب زيدا ولو أساء إليك، ولا أعطوا السائل ولو كان محتاجا، فإذا تقرر هذا فالواو في ولو من الأمثلة التي ذكرناها عاطفة على حال مقدرة والمعطوف على الحال حال، فصح أن يقال إنها للحال من حيث عطفها جملة حالية على حال مقدرة والمعطوف على الحال حال، فصح أن يقال أنها للحال من حيث عطفا جملة حالية على حال مقدرة، وصح أن يقال أنها للعطف من حيث ذلك العطف، فالمعنى واللّه أعلم أنها الإنكار لاتباع آبائهم في كل حال حتى في الحالة التي لا تناسب أن يتبعوهم فيها وهي تلبسهم بعدم العقل والهداية، ولذلك لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على لو إذا كانت تنبيها على أن ما بعدها لم يكن مناسبا لما قبلها، وإن كانت الجملة الحالية فيها ضميرا عائدا على ذي الحال لأن مجيئها عارية من هذه الواو مؤذن بتقييد الجملة السابقة بهذه الحال، فهو ينافي استغراق الأحوال حتى هذه الحال ففيها معنيان مختلفان، ولذلك ظهر الفرق بين أكرم زيدا لو جفاك وبين أكرم زيدا ولو جفاك اهـ. وهو كلام حسن، وجواب لو محذوف تقديره لا تبعوهم، وقدره أبو البقاء أفكانوا يتبعونهم وهو تفسير معنى، لأن لو لا تجاب بهمزة الاستفهام اهـ سمين.\rوالذي جرى عليه أبو السعود أن لو في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب، لأنه القصد منها تعميم الأحوال ونصه: وكلمة لو في مثل هذا المقام ليست لبيان انتفاء الشيء في الزمان الماضي لانتفاء غيره فيه، فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه، بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه، وأشدها منافاة له، ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته وانتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى، ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال، ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولة لجميع الأحوال المغايرة لها، وهذا معنى قولهم إنها لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال، وهذا المعنى ظاهر في الخبر الموجب والمنفي والأمر والنهي كما في قولك فلان","part":1,"page":204},{"id":206,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 205\rمن أمر الدين وَلا يَهْتَدُونَ (170) إلى حق والهمزة للإنكار\rوَمَثَلُ صفة الَّذِينَ كَفَرُوا ومن جواد يعطي ولو كان فقيرا، وبخيل لا يعطى ولو كان غنيا. وقولك أحسن إليه ولو أساء إليك ولا تهنه ولو أهانك لبقائه على حاله اهـ.\rقوله: (و الهمزة للإنكار) أي والتوبيخ وتعجيب غيرهم من حالهم أي لا ينبغي ولا يليق أن يتبعوهم وهم جهلة لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.\rقوله: (و من يدعوهم إلى الهدى) وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فأشار الشارح إلى أن المشبه فيه حذف، وينبغي أن يكون المشبه به كذلك أي كمثل الذي ينعق مع مدعوه، كالغنم يعني مثلهم مع داعيهم إلى الهدى كمثل الراعي مع غنمه في سماع الموعظة إلى آخر ما في الشارح، فعلى هذا يكون في الكلام احتباك، حيث أثبت في الأول المدعو وحذف الداعي، وأثبت في الثاني الداعي وحذف المدعو، وقوله: كمثل الذي ينعق أي كمثل الراعي الذي يصوت على الغنم التي لا تسمع إلا مجرد الصوت، فالباء بمعنى على وما عبارة عن حيوان غير عاقل كالغنم اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين قوله: ومثل الذين كفروا اختلف الناس في هذه الآية اختلافا كثيرا، واضطربوا اضطرابا شديدا، وأنا بعون اللّه تعالى قد لخصت أقوالهم مهذبة ولا سبيل إلى معرفة الإعراب إلا بعد معرفة المعنى المذكور في هذه الآية. وقد اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إن المثل المضروب لتشبيه الكافر في دعائه الأصنام بالناعق على الغنم، ومنهم من قال: هو مضروب لتشبيه الكافر في دعاء الرسول له بالغنم المنعوق بها. ومنهم من قال: هو مضروب لتشبيه الداعي للكافر بالناعق على الغنم.\rومنهم من قال هو مضروب لتشبيه الداعي والكافر بالناعق والمنعوق به، فهذه أربعة أقوال، فعلى القول الأول: يكون التقدير، ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في عناء، وكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة إلا العناء. وعلى القول الثاني: معناه ومثل الذين كفروا في دعاء الرسول لهم إلى اللّه تعالى وعدم سماعهم إياه كمثل بهائم الراعي الذي ينعق عليها، فهو على حذف قيد في الأول وحذف مضاف في الثاني. وعلى القول الثالث:\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 206\r\rفتقديره ومثل داعي الذين كفروا كمثل الناعق بغنمه في كون الكفار لا يفهم مما يخاطبه به داعيه إلا دوي الصوت دون إلقاء فكر وذهن، كما أن البهيمة كذلك، فالكلام على حذف مضاف من الأول. وعلى القول الرابع: وهو اختيار سيبويه في هذه الآية وتقديره عنده مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به، واختلف الناس في كلام سيبويه، فقيل: هو تفسير معنى. وقيل: تفسير إعراب، فيكون في الكلام حذفان: حذف من الأول وهو حذف داعيهم، وقد أثبت نظيره في الثاني، وحذف من الثاني وهو حذف المنعوق به، وقد أثبت نظيره في الأول فشبه داعي الكفار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه، وشبه الكفار بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه إلا أصواتا لا يعرفون ما وراءها، وفي هذا الوجه حذف كثير إذ فيه حذف معطوفين إذ التقدير الصناعي، ومثل الذين كفروا داعيهم كمثل الذي ينعق والمنعوق به، وقد ذهب إليه جماعة منهم: أبو بكر بن طاهر، وابن خروف، والشلوبين.\rقالوا: العرب تستحسن هذا وهو من بديع كلامها، ومثله قوله: وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء","part":1,"page":205},{"id":207,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 206\rيدعوهم إلى الهدى كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ يصوت بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً أي صوتا ولا يفهم معناه أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) الموعظة\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على ما أحل لكم إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)\rإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أي أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي ما لم يذكّ شرعا وألحق بها بالسنة ما أبين من حي وخص منها تقديره: وأدخل يدك في جيبك تدخل وأخرجها تخرج، فحذف تدخل لدلالة تخرج، وحذف وأخرجها لدلالة وأدخل، وهذا الأقوال كلها إنما هي على القول بأن الآية من قبيل تشبيه المفرد بالمفرد، أما إذا كان التشبيه من باب جملة بجملة فلا ينظر في ذلك إلى مقابلة الألفاظ المفردة، بل ينظر إلى المعنى، وإلى هذا نحا أبو القاسم الراغب، والكاف ليست بزائدة خلافا لبعضهم، فإن الصفة ليس عين الصفة الأخرى، فلا بد من الكاف حتى أنه لو جعل الكلام دون الكاف اعتقدنا وجودها تقديرا تصحيحا للمعنى اهـ ملخصا.\rقوله: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ النعيق: صوت الراعي للغنم، ولا يقال نعق إلا لراعي الغنم وحدها اهـ خازن.\rوعبارة السمين: والنعيق دعاء الراعي وتصويته بالغنم. يقال: نعق بفتح العين ينعق بكسرها، والمصدر النعيق والنعاق بالضم والنعيق، وأما نعق الغراب فبالمعجمة، وقيل بالمهملة أيضا في الغراب وهو غريب.\rقوله: إِلَّا دُعاءً وَنِداءً هما بمعنى واحد، وسوغ العطف اختلاف اللفظ كما يشير له صنيع الشارح، أو قوله ولا يفهم معناه عطف على قوله لا يسمع. قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ هذا نتيجة ما قبله أي صمّ عن سماع الحق، لا بكم عن النطق به، عمي عن رؤيته. وقوله: فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ نتيجة للنتيجة. قوله: كُلُوا فيه ما تقدم من المعاني الثلاثة، وقوله: وَاشْكُرُوا للوجوب فقط اهـ.\rومفعول كلوا محذوف أي كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما رزقناكم، ويجوز في رأي الأخفش أن تكون من زائدة في المفعول به أي كلوا طيبات ما رزقناكم وإن كنتم شرط وجوابه محذوف أي:\rفاشكروا له، وقوله: من قال من الكوفيين أنها بمعنى إذ ضعيف، وإياه مفعول مقدم ليفيد الاختصاص، أو يكون عامله رأس آية وانفصاله واجب ولأنه من تأجر وجب اتصاله إلا في ضرورة، وفي قوله:\rوَاشْكُرُوا لِلَّهِ التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال واشكرونا اهـ سمين.\rقوله: (حلالات) أي: أو مستلذات اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّما حَرَّمَ الخ لما أمر اللّه تعالى بأكل الطيبات التي هي الحلالات بيّن أنواعا من المحرمات، فقال: إنما حرم الخ اهـ خازن، وهو قصر قلب للرد على من استحل هذه الأربعة، وحرم الحلال غيرها كالسوائب، ومع ذلك هو نسبي أي ما حرم عليكم إلا هذه الأربعة لا غيرها من البحيرة وما بعدها في الآية، وإن كان حرم غيرها من الأمور المذكورة في أول المائدة اهـ شيخنا.\rقوله: (ما أبين من حي) رواه أبو داود والترمذي وحسنه بلفظ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو","part":1,"page":206},{"id":208,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 207\rالسمك والجراد وَالدَّمَ أي المسفوح كما في الأنعام وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ خص اللحم لأنه معظم المقصود وغيره تبع له وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ذبح على اسم غيره والإهلال رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله غَيْرَ باغٍ خارج على المسلمين وَلا عادٍ متعد عليهم بقطع الطريق فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في أكله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لأوليائه رَحِيمٌ (173) بأهل طاعته حيث وسع لهم في ذلك وخرج الباغي والعادي ويلحق بهما كل عاص بسفره كالآبق والمكاس فلا يحل لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا، وعليه الشافعي\rإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على نعت محمد ميتة»، وقوله: وخص منها السمك والجراد أي في خبر: «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال»، رواه ابن ماجة والحاكم اهـ كرخي. وخص أي أخرج.\rقوله: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما موصول بمعنى الذي ومحلها النصب عطفا على الميتة، وبه قائم مقام الفاعل لأهل الباء بمعنى في، ولا بد من حذف مضاف أي في ذبحه، لأن المعنى وما صيح في ذبحه لغير اللّه والإهلال مصدر أهل أي صرخ ورفع صوته، ومنه الهلال لأنه يصرخ عند رؤيته، واستهل الصبي اهـ سمين. وقدم به هنا وأخره في المائدة والأنعام والنحل، لأن الباء للتعدية كالهمزة والتشديد فهي كالجزء من الفعل فكان الموضع الأول أولى بها وبمدخولها، وأخر في بقية المواضع نظر للمقصود فيها من ذكر المستنكر وهو الذبح لغير اللّه اهـ كرخي.\rقوله: (و كانوا يرفعونه عند الذبح) فجرى ذلك مجرى أمرهم وحالهم حتى قيل لكل ذابح مهل وإن لم يجهر بالتسمية اهـ خازن.\rقوله: (فأكله) أخذه من قوله فلا إثم عليه كما أشار إليه فيما بعد أيضا. قوله: غَيْرَ باغٍ نصب على الحال، واختلف في صاحبها، فالظاهر أنه هو الضمير المستتر في اضطر، وجعله القاضي أبو بكر الرازي من فاعل فعل محذوف بعد قوله اضطر، قالا: تقديره فمن اضطر فأكل غير باغ فكأنما قصدا فذلك أن يجعلاه قيدا في الأكل لا في الاضطرار. قال الشيخ: ولا يتعين ما قالاه إذ يحتمل أن يكون هذا المقدر بعد قوله: غير باغ ولا عاد، بل هو الظاهر. والأولى وعاد اسم فاعل من عدا يعدو إذا تجاوز حده والأصل عادو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كغاز من الغزو. قوله: (و المكاس) أي المسافر لأخذ المكس، وإنما قلنا ذلك ليكون مثالا للعاصي بسفره كما هو مقتضى العطف اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا يحل لهم الخ) فيه وقفة بالنسبة إلى الباغي والعادي المقيمين، فإن قول الشارح ويلحق بها الخ يقتضي أن المراد بهما في الآية المقيمان، وذلك لأن الترخيص لا يمتنع في حق المقيم العاصي إلا إذا كان مراقي الدم وقادرا على توبه نفسه كالمرتد والتارك للصلاة بشرطه أما غيره فله سائر الرخص التي من جملته أكل الميتة. هكذا يقتضيه كلام الرملي في باب الأطعمة فقوله، وعليه الشافعي لعله في مذهبه القديم اهـ. واختلف العلماء في قدر ما يحل للمضطر أكله من الميته على قولين:\rأحدهما أن يأكل مقدار ما يمسك رمقه وهو قول أبي حنيفة والراجح عند الشافعي، والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع، وبه قال مالك اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الخ نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، وذلك أنهم كانوا يصيبون من","part":1,"page":207},{"id":209,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 208\rوهم اليهود وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ لأنها مآله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ غضبا عليهم وَلا يُزَكِّيهِمْ يطهرهم من دنس الذنوب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) مؤلم، هو النار سفلتهم الهدايا والمآكل، وكانوا يرجون أن النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من غيرهم خافوا على ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكتموها فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الخ أي في الكتاب من صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته ووقت نبوته هذا قول المفسرين اهـ خازن.\rقوله: مِنَ الْكِتابِ من للبيان وهي حال من العائد على الموصول تقديره أنزل اللّه حال كونه من الكتاب، والعامل فيه أنزل أو حال من الموصول نفسه، فالعامل في الحال يكتمون اهـ سمين.\rويجوز أن تكون من بمعنى في والكتاب هو التوراة.\rقوله: وَيَشْتَرُونَ بِهِ أي بكتمانه اهـ خازن.\rقوله: (يأخذونه) أي الثمن، وقوله: (بدله) أي بدل الكتمان، وقوله: (فلا يظهرونه) أي النعت وقوله: (خوف فوته) أي الثمن، وذلك أنهم لو أظهروه لوجده سفلتهم مطابقا لصفاته المشاهدة خارجا فيؤمنون به، فيفوت على الرؤساء ما يأتيهم منه، فهذا معنى شرائه بالثمن أي أخذ الثمن في مقابلة كتمانه يعني في نفس الأمر، والواقع وليس المراد أنهم كانوا يقولون لسفلتهم أعطونا كذا في مقابلة الكتم اهـ شيخنا.\rقوله: فِي بُطُونِهِمْ أي ملء بطونهم، وهو ظرف متعلق بما قبله لا حال مقدرة، كما قال الكواشي في تفسيره: وإنما قال مقدرة، لأنها وقت الأكل ليست في بطونهم، وإنما تؤول إلى ذلك، والتقدير ثابتة أو كائنة في بطونهم، ثم قال أبو البقاء عقب ذلك: ويلزم من هذا تقديم الحال على حرف الاستثناء وهو ضعيف اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا النَّارَ استثناء مفرغ، لأن قبله عاملا يطلبه، وهذا من مجاز الكلام جعل ما هو سبب للنار نارا كقولهم: أكل فلان الدم يريدون الدية التي سببها الدم اهـ كرخي، فالآية على حذف مضاف أي إلا سبب النار، كما أشار له بقوله لأنها أي النار مآله أي مآل ما يأخذونه أي عاقبته وغايته اهـ.\rقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ أي كلام رحمة. قوله: (غضبا عليهم) أشار إلى أنه استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث، وذلك لما ثبت بالنصوص أنه تعالى يسألهم: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] والسؤال كلام فمن ثم حمل نفيه على ما ذكره، أو أن المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وخير، وإنما يكلمهم بما تعظم به الحسرة والغم عند المنافسة والمساءلة، كقوله اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] وإنما كان عدم تكليمهم في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم اللّه فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه وضده في أعدائه وقوله: وَلا يُزَكِّيهِمْ يطهرهم الخ أو لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم ولا يقبل","part":1,"page":208},{"id":210,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 209\rأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أخذوها بدله في الدنيا وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ المعدة لهم في الآخرة لو لم يكتموا فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) أي ما أشد صبرهم وهو تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم\rذلِكَ الذي ذكر من أكلهم النار وما بعدها بِأَنَ بسبب أن اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ متعلق بنزل فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء أو لا ينزلهم منازل الأزكياء اهـ كرخي.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ الخ أي الموصوفون بالصفات الستة من قوله: إن الذين يكتمون إلى هنا، وهذا بيان لحالهم في الدنيا بعد أن بيّن حالهم في الآخرة. قوله: (و لم يكتموا) جوابها محذوف، أي لأعدت لهم دلّ عليه ما قبله. قوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ في ما خمسة أوجه، أحدها: وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة تامة غير موصولة ولا موصوفة، وأن معناه التعجب، فإذا قلت: ما أحسن زيدا فمعناه شيء صير زيدا حسنا. والثاني: وإليه ذهب الفراء أنها استفهامية صحبها معنى التعجب نحو: كَيْفَ تَكْفُرُونَ [البقرة: 28] والثالث: ويعزى للأخفش أنها موصولة. والرابع: يعزى له أيضا أنها نكرة موصوفة وهي على الأقوال الأربعة في محل رفع بالإبتداء، وخبرها على القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها، وعلى قول الأخفش يكون الخبر محذوفا، فإن الجملة بعدها إما صلة أو صفة، ولذلك اختلفوا في الفعل الواقع بعدها أهو اسم وهو قول الكوفيين أم فعل وهو الصحيح، ويترتب على هذا الخلاف خلاف في نصب الاسم بعده، هل هو مفعول به أو مشبه بالمفعول به، ولهذه المذاهب دلائل واعتراضات وأجوبة ليس هذا موضعها والمراد بالتعجب هنا وفي سائر القرآن الإعلام بحالهم أنها ينبغي أن يتعجب منها، وإلّا فالتعجب مستحيل في حقه تعالى، ومعنى على النار على عمل أهل النار، وهذا من مجاز الكلام. الخامس: أنها نافية أي فما أصبرهم اللّه على النار نقله أبو البقاء وليس بشيء اهـ سمين.\rقوله: (موجباتها) أي أسبابها وقوله: (و إلا فأي صبر لهم) أي ولو كان المراد ظاهره من ثبوت صبرهم عليها فلا يستقيم، لأنه لا صبر لهم أصلا، فقوله: فأي صبر لهم؟ استفهام إنكاري، وقال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار؟ أي ما أدومهم عليه. روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال: ما أصبرك على عذاب اللّه اهـ خطيب.\rقوله: (الذي ذكر الخ) فيه إشارة إلى أن ذلك راجع إلى الذي ذكر من أكلهم النار لكتمانهم ما أنزل اللّه وشرائهم به ثمنا قليلا، وعذابهم على ذلك بسبب أن اللّه نزل الكتاب بالحق، فأقام السبب وهو تنزيل الكتاب بالحق مقام المسبب عنه، وهو الكتمان والاشتراء، كأنه قيل مستقر وثابت بسب الكتمان والاشتراء هكذا أوّله المفسرون، وكلام الشيخ المصنف لا يأباه اهـ كرخي. قوله: نَزَّلَ الْكِتابَ أي التوراة. قوله: (فاختلفوا فيه) إشارة إلى أن في الآية حذفا ليظهر كونها سببا لما قبلها، فالسبب في الحقيقة اختلافهم لا التنزيل بالحق اهـ شيخنا.\rقوله: (آمنوا ببعضه) أي: فلم يكتموه. قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا الخ مرتب على ما قدره","part":1,"page":209},{"id":211,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 210\rوكفروا ببعضه بكتمه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ بذلك وهم اليهود وقيل المشركون في القرآن حيث قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وبعضهم كهانة لَفِي شِقاقٍ خلاف بَعِيدٍ (176) عن الحق\r* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ نزل ردا على اليهود والنصارى الشارح من قوله فاختلفوا الخ وهذا على القول الأول في المراد بالكتاب، وهو أنه التوراة، وأما على قوله وقيل الخ فيكون قوله: وإن الذي الخ منقطعا عن قوله ذلك بأن الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بذلك) أي بكتمان البعض والإيمان بالبعض. قوله: (و هم اليهود) هو ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية والتي في آل عمران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران: 77] في اليهود اهـ كرخي.\rقوله: (و قيل المشركون) مقابل قوله وهم اليهود المرتب على كون الاختلاف بالكتم فيكون المراد بالكتاب التوراة، وقوله وقيل الخ خلاف في المراد بالكتاب الثاني، وأما الكتاب الأول في قوله:\rنزل الكتاب فالمراد به التوراة لا غير. قوله: لَيْسَ الْبِرَّ الخ نصف السورة السابق كان متعلقا بأصول الدين وبقبائح بني إسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق بالأحكام الفرعية تفصيلا اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ اختلف في المخاطب بهذه الآية على قولين، أحدهما: أنهم المسلمون، والثاني: أهل الكتابين، فعلى الأول معناه ليس البر كله في الصلاة، ولكن البر ما في هذه الآية، قاله ابن عباس ومجاهد، وعطاء. وعلى الثاني: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب، وصلاة النصارى إلى المشرق، فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته فرد اللّه عليهم وقال: ليس البر ما أنتم عليه، فإنه منسوخ، ولكن البر ما في هذه الآية، قاله قتادة والربيع ومقاتل. وقال قوم هو عام لهم وللمسلمين أي ليس البر مقصورا على أمر القبلة اهـ خطيب.\rقوله: قِبَلَ الْمَشْرِقِ منصوب على الظرف المكاني بقوله تولوا، وحقيقة قولك. زيد قبلك أي في المكان الذي يقابلك فيه، وقد يتسع فيه فيكون بمعنى عند نحو قبل زيد دين أي عنده دين اهـ سمين.\rوالمشرق: جهة شروق الشمس، والمغرب: جهة غروبها. قال المفسرون: والأولى قبلة النصارى، والثانية قبلة اليهود وهو مشكل بما تقدم لهم من أن قبلة اليهود إنما هي بيت المقدس، وهو بالنسبة إلى المدينة شمال لا مغرب، وكذا بالنسبة لمكة، فلم يظهر المراد من هذه الآية، وقد تنبه أبو السعود لهذا، وأجاب عنه بما لا يجدي شيئا ومحصل ما تنبه له أنه كان الظاهر أن يقال قبل المشرق وبيت المقدس، وحاصل الجواب الذي أشار له أنه إنما عبر بالمغرب لكون بيت المقدس مغربا بالنسبة للمدينة، وقد عرفت أن هذا غير صحيح، بل هو شمال بالنسبة إليها لأن من استقبل بيت المقدس فيها يكون ظهره مقابلا لميزاب الكعبة، ووجهه مقابلا لبيت المقدس الذي هو من جملة الشام، فليتأمل فإني لمن من حقق هذا المقام واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه. قوله: (حيث زعموا ذلك) أي رغم أن البر والخير والتقرب إلى الاستقبال المشرق، وهو زعم النصارى وفي استقبال المغرب وهو عليه اليهود.","part":1,"page":210},{"id":212,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 211\rحيث زعموا ذلك وَلكِنَّ الْبِرَّ أي ذا البر وقرئ بفتح الباء أي البار مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ أي الكتب وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى مع حُبِّهِ له ذَوِي الْقُرْبى القرابة وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر وَالسَّائِلِينَ الطالبين وَفِي فك الرِّقابِ المكاتبين قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ الخ البر جامع لكل طاعة، وأعمال الخير المقربة إلى اللّه تعالى الموجبة لثواب، والمؤدية إلى الجنة ثم بين خصالا من البر فقال: مَنْ آمَنَ الخ اهـ خازن.\rوفي السمين: في هذا الآية أربعة أوجه، أحدها: أن البر اسم فاعل من بر يبر فهو بر، وأصل برر بكسر الراء الأولى بوزن بطن وفرح، فلما أريد الإدغام نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلب حركتها، فعلى هذا لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل، فكأنه قيل: ولكن الشخص البر من آمن، ويؤيد هذه القراءة الشاذة باسم الفاعل الصريح التي نبه عليها الشارح. الثاني: أن الكلام على حذف مضاف كما قدره الجلال. الثالث: أن يكون الحذف من الثاني أي: ولكن البر من آمن. الرابع: أن المصدر الذي هو البر بالكسر بمعنى اسم الفاعل الصريح الذي هو البار، ويؤيده القراءة الشاذة اهـ بنوع تصرف.\rقوله: عَلى حُبِّهِ في محل نصب على الحال، والعامل فيه آتى أي آتى المال حال محبته له واختياره إياه، والحب مصدر حببت لغة في أحببت كما تقدم، ويجوز أن يكون مصدرا للرباعي على حذف الزائد، ويجوز أن يكون اسم مصدر وهو الاحباب، وفي الضمير المضاف إليه هذا المصدر قولان، أحدهما: أنه يعود على من آمن الذي هو المؤتي للمال، وعلى هذا فالمصدر مضاف للفاعل مع حذف المفعول أي مع حبه إياه، وهذا ما عليه الجلال حيث قال مع حبه. والثاني: هو الأظهر أنه يعود على المال، والمصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي مع حب المؤتى إياه المال اهـ. من السمين.\rقوله: ذَوِي الْقُرْبى مفعول لآتى، وهل هو الأول والمال هو الثاني، كما هو قول الجمهور وقدم للاهتمام أو هو الثاني، فلا تقديم ولا تأخير كما هو قول السهيلي اهـ من السمين.\rقوله: (القرابة) يعني قرابة المعطى أي الفقراء منهم إذا العطاء للأغنياء هدية لا صدقة اهـ كرخي.\rقوله: وَالْيَتامى يريد المحاويج منهم، ولم يقيد لعدم الإلباس، وظاهر أنه منصوب عطفا على ذوي، والمراد إيتاء أوليائهم لأن الإيتاء لليتامى لا يصح، وهذا مع الصغر، وقدم ذوي القربى لأن إيتاءهم قربتان صدقة وصلة اهـ كرخي.\rقوله: (المسافر) أي المنقطع به السفر دون وطنه لذهاب نفقته أو وقوف دابته، وابن السبيل اسم جنس أو واحد أريد به الجمع، وسمي ابن السبيل أي الطريق لملازمته إياها في السفر، أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته اهـ كرخي.\rقوله: (الطالبين) أي للإحسان ولو كانوا أغنياء قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «للسائل حق وإن جاء على فرسه» رواه الإمام أحمد اهـ كرخي.\rقوله: وَفِي الرِّقابِ معطوف على المفعول الأول وهو ذوي. أي وآتى المال في الرقاب أي","part":1,"page":211},{"id":213,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 212\rوالأسرى وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة وما قبله في التطوع وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا اللّه أو الناس وَالصَّابِرِينَ نصب على المدح فِي الْبَأْساءِ شدة الفقر وَالضَّرَّاءِ المرض وَحِينَ الْبَأْسِ وقت شدة القتال في سبيل اللّه أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر الَّذِينَ صَدَقُوا في دفعه في فكها أي لأجله وبسببه اهـ شيخنا، فضمن آتى بالنسبة لهذا المعطوف معنى دفع فيكون متعديا لواحد كما عرفت في حل العبارة اهـ.\rقوله: وَأَقامَ معطوف على آمن. قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ في رفعه وجهان، أحدهما:\rولم يذكر الزمخشري غيره أنه عطف على من آمن أي ولكن البر المؤمنون والموفون. والثاني: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي وهم الموفون اهـ سمين.\rوالموفون بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا، وإذا نذروا وفوا، وإذا حلفوا بروا في إيمانهم، وإذا قالوا صدقوا في قولهم، وإذا ائتمنوا أدّوا اهـ خازن.\rقوله: (على المدح) ليس المراد أنه يقدر عامل من مادة المدح فقط، بل المراد أنه معمول لفعل محذوف كأخص أو أذكر، هكذا صرحوا به، وعبارة أبي السعود نصب على الاختصاص ولم يدرج في سلك ما قبله بأن يقال: والصابرون تنبيها على فضيلة الصبر، وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله من حيث المعنى. قال أبو علي: إذا ذكرت صفات للمدح أو الذم وخولف الإعراب في بعضها فذلك تفنن ويسمى قطعا لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب في استماع المذكور ومزيد اهتمام بشأنه، وقد قرئ والصابرون كما قرئ والموفين، انتهت.\rوعبارة الكرخي: ولم يعطف لمزيد شرف الصبر، قال الراغب: ولما كان الصبر من وجه مبدأ للفضائل، ومن وجه جامعا للفضائل إذا لا فضيلة إلّا وللصبر فيها أثر بليغ غير إعرابه تنبيها على هذا المقصد، وهذا كلام حسن فالآية جامعة لمجامع الكمالات الإنسانية وهي صحة الإعداد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس، انتهت.\rقوله: فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ اسمان مشتقان من البؤس بضم الباء، والضر بضم الضاد وألفهما للتأنيث والبؤس بالضم، والبأساء بالمد الفقر يقال بئس بكسر الهمزة يبأس إذا افتقر، وقوله وحين البأس ظرف منصوب بالصابرين وهو شدة القتال خاصة كما قال الجلال. يقال: بؤس الرجل بضم الهمزة بأسا بسكونها إذا شجع اهـ من السمين.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا مبتدأ وخبر وأتى بخبر أولئك الأولى موصولا بصلة وهي فعل ماض لتحقيق اتصافهم به وأن ذلك قد وقع منهم واستقر وأتى بخبر الثانية بموصول صلته اسم فاعل ليدل على الثبوت، وأنه ليس متجددا بل صار كالسجية لهم أيضا، فلو أتى به فعلا ماضيا لما حسن وقوعه فاصلة. قال الواحدي رحمه اللّه تعالى: إن الواوات في هذه الأوصاف تدل على أن من شرئط البر استكمالها وجمها فمن قام بواحد منها لا يستحق الوصف بالبر، فلا ينبغي إذا ظلم إنسانا وأوفى بعهده أن يكون من جملة من قام بالبر، وكذا الصابر في البأساء لا يكون قائما بالبر إلا عند استجماع هذه الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفات خاصة بالأنبياء لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه","part":1,"page":212},{"id":214,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 213\rإيمانهم أو ادعاء البر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) اللّه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ المماثلة فِي الْقَتْلى وصفا وفعلا الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ ولا يقتل بالعبد وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وبينت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا الأوصاف، وقال آخرون: هي عامة في جميع المؤمنين واللّه تعالى أعلم اهـ كرخي.\rقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ أي عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الإشارة لزيادة تنويه شأنهم وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم اهـ أبو السعود.\rقوله: كُتِبَ أي فرض وألزم عند مطالبة صاحب الحق، فلا يقدح فيه قدرة الولي على العفو، فإن الوجوب إنما اعتبر بالنسبة إلى الحكام والقائلين اهـ كرخي، فالخطاب في الآية للقاتلين وولاة الأمور.\rقوله: (المماثلة) كان هذا التفسير بالنظر لسياق الآية وسبب نزولها، وإلّا فالقصاص في عرف الشرع هو القود الذي هو قتل القاتل، ويصح تفسير الآية به أي فرض عليكم أن يقتل القاتل. قيل:\rنزلت في الأوس والخزرج. وكان لأحد الحيين طول أي زيادة على الآخر في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهر، وأقسموا لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلموا. فإن قيل: كيف يكون القصاص فرضا والولي مخير بين العفو مجانا والقصاص وأخذ الدية؟ قلت: هو فرض عند مطالبة الولي به وعدم رضاه بغيره اهـ خازن.\rقوله: فِي الْقَتْلى أي بسبب القتلى وفي تكون للسبب كقوله عليه الصلاة والسّلام. «امرأة دخلت النار في هرة» أي بسببها. وفعلى يطرد جمعا لفعيل بمعنى مفعول، وقد تقدم شيء من هذا عند قوم واو يأتوكم أسارى اهـ سمين.\rقوله: (وصفا وفعلا) متعلق بالمماثلة أي المماثلة في الوصف والفعل فالأول بينته الآية بقولها الْحُرُّ بِالْحُرِّ. والثاني: كما لو قتل بسيف فإنه يقتل به أو بغيره فبغيره على التفصيل في الفروع اهـ شيخنا.\rقوله: الْحُرُّ بِالْحُرِّ الحر: مرفوع بالابتداء وبالحر خبره وقدر الشارح متعلقه كونا خاصا بقوله يقتل بالحر إذ لا فائدة في تقديره كونا عاما اهـ من السمين، والحر وصف يجمع على أحرار مثل مر وأمرار، وهو غير مقيس والأنثى حرة وتجمع على حرائر اهـ سمين.\rقوله: (و لا يقتل بالعبد) مفهوم الظرف، وقوله: وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى مفهومهما معطل. وقوله: (و بينت السنة) الخ أشار بذلك إلى أن الأنثى الواقع مبتدأ ليس قيدا وليس هذا بيانا لمفهوم الظرف الواقع خبرا كما لا يخفى اهـ. وفي الكرخي: يعنى أن الآية بينت حكم النوع إذا قتل نوعه فقط، وبينت السنة إذا قتل أحد النوعين الآخر، كما جاءت بذلك الأحاديث وقوله: (و أنه تعتبر المماثلة) أي مماثلة القاتل القتيل بأن لا يفضله في الدين أي ولا بالأصلية اهـ كرخي.","part":1,"page":213},{"id":215,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 214\rبكافر ولو حرا فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من القاتلين مِنْ دم أَخِيهِ المقتول شَيْءٌ بأن ترك القصاص منه وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر فَاتِّباعٌ أي فعلى العافي اتباع للقاتل بِالْمَعْرُوفِ بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح وَعلى القاتل وَأَداءٌ للدية إِلَيْهِ أي العافي قوله: فَمَنْ عُفِيَ أي فالقاتل الذي عفي له أي ترك له من دم أخيه شيء ولو جزءا يسيرا فعلى العافي اتباع له الخ اهـ شيخنا.\rوقوله: (من القاتلين) بيان لمن. وقوله: من دم أخيه أي أخي القاتل. وقوله: بأن ترك تفسير لعفي، والترك إنما يعتبر ويفيد سقوط القصاص إذا كان من وارث المقتول. وقوله: منه أي من الذي هو عبارة عن القاتل. وقوله: ومن بعض الورثة أي ولو بالعفو من بعض الورثة. قوله: (بأن ترك القصاص) هذا أي تفسير عفي بترك هو ما أجازه ابن عطية. قال القاضي: وهو ضعيف إذا لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه، بل أعفاه قال أبو حيان. فإن قيل: يضمن عفا معنى ترك، فالجواب: أن التضمين لا ينقاس. اهـ كرخي.\rقوله: (لا يقطع أخوة الإيمان) أي خلافا للخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافر، فلا يكون بينهما أخوة اهـ شيخنا.\rقوله: (و الخبر) فَاتِّباعٌ أي جملته لأنه مبتدأ خبره محذوف كما قدره بعد، وهذا راجع لكونها موصولة، وأما على كونها شرطية فجملة فاتباع جوابها والخبر فعل الشرط على المرجح اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْمَعْرُوفِ يتعلق باتباع فيكون منصوب المحل، ويجوز أن يكون وصفا لقوله اتباع فيتعلق بمحذوف ويكون محله الرفع اهـ كرخي.\rقوله: (بلا عنف) في القاموس العنف مثلث العين ضد الرفق وعنف ككرم عليه، وبه إذا لم يرفق به اهـ.\rقوله: (و ترتيب الاتباع) أي الذي هو عبارة من المطالبة بالدية يفيد الخ، وذلك أنه رتب الاتباع أي المطالبة بالدية على العفو فيقتضي أن الدية في ذاتها واجبة، حيث تثبت عند سقوط القصاص إذ لو كان الواجب القصاص فقط والدية بدل الذي هو القول الثاني لم يجب بالعفو مجانا أو مطلقا شيء، لأن البدل الذي هو الدية لا يثبت على هذا القول إلا إذا سمي في العفو كما ذكر الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (إن الواجب أحدهما) أي أحد الأمرين إما القصاص أو الدية على الإبهام، وصححه النووي في نكت التنبيه وقوله: فلا شيء، ورجح أي الثاني بأنه الذي عليه الأكثرون وصححه الشيخان وهو المعتمد اهـ كرخي.\rقوله: (بلا مطل ولا بخس) المطل: تأخير الدفع والوعد به مرة بعد أخرى، والبخس النقص.","part":1,"page":214},{"id":216,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 215\rوهو الوارث بِإِحْسانٍ بلا مطل ولا بخس ذلِكَ الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية تَخْفِيفٌ تسهيل مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وَرَحْمَةٌ بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية فَمَنِ اعْتَدى ظلم القاتل بأن قتله بَعْدَ ذلِكَ أي العفو فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل\rوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أي بقاء عظيم يا أُولِي الْأَلْبابِ ذوي العقول لأن القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله فشرع لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) القتل مخافة القود قوله: (كما حتم على اليهود القصاص) أي وحرم عليهم العفو، وأخذ الدية وقوله: (على النصارى الدية) أي وحرم عليهم القصاص، وهذا فيه تضييق على كل من الوارث والقاتل اهـ.\rقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ خطاب لمريد القتل ظلما، والمراد في مشروعية القصاص كما بينه بقوله لأن القاتل الخ اهـ شيخنا. وفي أبي السعود: ولكم في القصاص حياة بيان لمحاسن الحكم المذكور على وجه بديع لا تنال غايته حيث جعل الشيء، وهو القصاص محلا لضده وهو الحياة ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعا من الحياة عظيما لا يبلغه الوصف، وذلك لأنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد فتنتشر الفتنة بينهم، ففي شرع القصاص سلامة من هذا كله اهـ.\rوعبارة الخازن وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ هذا الحكم غير مختص بالقصاص الذي هو القتل، بل يدخل فيه جميع الجروح والشجاع وغير ذلك، لأن الجارح إذا علم أنه إذا جرح جرح لم يجرح فيصير ذلك سببا لبقاء الجارح والمجروح، وربما أفضت الجراحة إلى الموت فيقتص من الجارح اهـ.\rقوله: يا أُولِي الْأَلْبابِ جمع لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين:\rإما لبنائه من لب بالمكان أقام به، وإما من اللباب وهو الخالص، يقال لببت بالمكان ولببت بضم العين وكسرها اهـ سمين.\rقوله: (و من أراد) أي وإحياء من أراد قتله. قوله: (فشرع) أشار به إلى أمرين: إلى أن المراد في مشروعية القصاص، وإلى أن قوله لعلكم الخ متعلق بهذا المقدار اهـ.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (القتل الخ) أو تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له، قاله القاضي كالكشاف إشارة إلى أن الآية مسوقة لبيان منافع القصاص بعد الاخبار بفرضيته بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ اهـ كرخي.\rقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ كتب مبني للمفعول وحذف الفاعل للعلم، وهو اللّه تعالى وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون الوصية أي كتب عليكم الوصية وجاز تذكر الفعل لوجهين، أحدهما: كون القائم مقام الفاعل مؤنثا مجازا، والثاني: الفصل بينه وبين مرفوعه. والثاني: أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله الوصية للوالدين أي كتب هو أي الإيصاء. والثالث: أنه الجار والمجرور، وهذا يتجه على رأي الأخفش والكوفيين، وعليكم في محل رفع على هذا القول وفي محل نصب على القولين الأولين اهـ سمين.","part":1,"page":215},{"id":217,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 216\rكُتِبَ فرض عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أسبابه إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا الْوَصِيَّةُ مرفوع بكتب، ومتعلق إذا إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب إن أي فليوص لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغنى حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) اللّه وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث «لا وصية لوارث» رواه الترمذي\rفَمَنْ بَدَّلَهُ أي الإيصاء من شاهد ووصي بَعْدَ ما سَمِعَهُ علمه فَإِنَّما قوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي ظهرت عليه أماراته كالمرض المخوف فالكلام على حذف مضاف كما أشار له الشارح. قوله: (مالا) فسر الخير بالمال لأن الخير يقع في القرآن على وجوه، ونبه بتسميته خيرا على أن الوصية تستحب في مال طيب اهـ كرخي.\rقوله: (مرفوع بكتب) فعلى هذا لا يصح الوقف على خبرا، وقيل أنه مستأنف استئنافا بيانيا ونائب الفاعل عليكم، وكأنه قيل: ما المكتوب على أحدنا إذا حضره الموت؟ فقيل: هو الوصية.\rوالوصية تبرع مضاف لما بعد الموت فهي مصدر أو اسمه، وقوله (إذا) أي العامل فيها وقوله: (و إن كانت ظرفية) أي محضة غير مضمنة معنى الشرط أي كتب عليكم أن يوصي أحدكم وقت حضور الموت له. وقوله: (إن كانت شرطية) أي ظرفية متضمنة معنى الشرط فيكون قد اجتمع شرطان، وجواب كل محذوف دل عليه لفظ الوصية وتقدير المحذوف فيهما مضارع مقرون بلام الأمر، فقوله: (أي فليوص) بيان لكل من جواب إذا وجواب إن فقد اخبر الشارح عن الوصية بأمور ثلاثة، الرفع بكتب وعملها في إذا إن لم تكن شرطية ودلالتها على جوابها إن كانت شرطية وعلى جواب إن اهـ شيخنا.\rقوله: (و جواب أن) بالجر أي ودال على جواب إن، أفاده السمين.\rقوله: وَالْأَقْرَبِينَ عطف عام. قوله: (لمضمون الجملة) وهي كتب عليكم الوصية، فالكتب أي الفرض لا يكون إلّا حقا، فالجملة مشتملة على معنى هذا المصدر، فكان مؤكدا لمضمونها، وفيه أن المؤكد لا يعمل ولا يزيد على ما قبله معنى، وهنا قد عمل في قوله عَلَى الْمُتَّقِينَ أو وصف به فيزداد معنى، ولذلك قال بعضهم الأولى أن يكون مبنيا للنوع اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذا) أي كون من حضره الموت وله مال حقت عليه الوصية للأقربين، منسوخ بآية المواريث وبحديث: «لا وصية لوارث» أي بمجموعها بمعنى أن النسخ ثبت بالحديث إذ صدره أن اللّه تعالى أعطى كل ذي حق حقه، والآية تبين ذلك، وللشيخ سعد الدين التفتازاني فيه مناقشة اهـ كرخي.\rقوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ من يجوز أن تكون شرطية وموصولة، والفاء واجبة إن كانت شرطية، وجائزة إن كانت موصولة، وقد تقدم لهذا نظائر، والهاء في بدّله يجوز أن تعود على الوصية، وإن كانت بلفظ المؤنث، لأنها في معنى المذكر، وهو الإيصاء أو تعود على نفس الإيصاء المدلول عليه بالوصية إلا أن اعتبار المذكر في المؤنث قليل، وإن كان مجازيا، وقيل: تعود على الأمر والفرض الذي أمر به اللّه وفرضه، وكذلك الضمير في سمعه، والضمير في إثمه، يعود على الإيصاء المبدل أو التبديل المفهوم من بدله وقد راعى المعنى في قوله على الذين يبدلونه إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول لقال فإنما إثمه عليه أو على الذي يبدله، وقيل: الضمير في بدله يعود على الكتب أو الحق أو المعروف، فهذه ستة","part":1,"page":216},{"id":218,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 217\rإِثْمُهُ أي الإيصاء المبدل عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقول الموصي عَلِيمٌ (181) بفعل الوصي فمجاز عليه\rفَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ مخففا ومثقلا جَنَفاً ميلا عن الحق خطأ أَوْ إِثْماً بأن تعمد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غنى مثلا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بين الموصي والموصى له بالعدل فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في ذلك إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم أقوال، وما في قوله بعد ما سمعه يجوز أن تكون مصدرية أي بعد سماعه، وأن تكون موصولة بمعنى الذي فالهاء في سمعه على الأول تعود على ما عاد عليه الهاء في بدله، وعلى الثاني تعود على الموصول أي بعد الذي سمعه من أوامر اللّه تعالى اهـ سمين.\rلكن هنا وقفه من حيث أن الكلام السابق إنما هو في الوصية المنسوخة التي هي للوالدين والأقربين، وقوله: فمن بدله إلى آخر الأحكام الآتية إنما هو في الوصية التي استقر عليها الشرع ويعمل بها إلى الآن، وإذا كان كذلك فكيف يعود الضمير من المحكمة على المنسوخة، فليتأمل فإني لم أر من نبه على هذا.\rقوله: (إي الإيصاء) اي المعبر عنه بالوصية التي هي التبرع المتقدم، وقوله: (من شاهد) الخ بيان لمن وتبديل كل منهما، إما بإنكار الوصية من أصلها أو بالنقص فيها أو بتبدل صفتها أو غير ذلك كأن يقول لم يوص أصلا أو أوصى بعبد وقد أوصى باثنين أو أوصى بثوب خلق وقد أوصى بجديد اهـ شيخنا.\rقوله: (إي الإيصاء المبدل) أي أو التبديل ولو عبّر به لكان أظهر. قوله: عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ أي لا على الميت. قوله: (و في إقامة الظاهر الخ) أي علم وهو مجاز والعلاقة بينهما (عليه) أي فيجازي الأول بالخير والثاني بالشر. قوله: فَمَنْ خافَ أي علم وهو مجاز، والعلاقة بينهما هو أن الإنسان لا يخاف شيئا حتى يعلم إنه مما يخاف منه فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبب، ومن مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: 229] اهـ كرخي.\rقوله: جَنَفاً مصدر لجنف كفرح، والجنف: مطلق الميل وقيده بالخطأ لأجل العطف. قوله:\r(بأن تعمد ذلك) أي الميل وقوله بالزيادة متعلق بكل من جنفا وإثما. قوله: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي فعل ما فيه الصلاح، كما أشار لذلك بقوله بالأمر بالعدل لا الصلح المرتب على الشقاق، فإن الموصي والموصى له لم يقع بينهما ذلك. وقوله: (بالأمر) أي أمر الموصي بالعدل كالرجوع عن الزيادة وعن كونها للأغنياء وجعلها للفقراء، هذا وقال بعضهم: بين الورثة والموصى له بأن تنازعوا في قدرها أو صفتها فيكون المراد بالصلح المشهور اهـ شيخنا.\rقوله: (في ذلك) أي الصلح، والمذكور وإن كان فيه تبديل لأنه خير بخلاف التبديل السابق من الشاهد والوصي فالتبديل قسمان حرام وخيرچ\rقوله: (من الأمم) عبارة الخطيب من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علي رضي اللّه تعالى عنه: أولهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى اللّه تعالى أمة من افتراضها عليهم لم","part":1,"page":217},{"id":219,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 218\rلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها\rأَيَّاماً نصب بالصيام أو بصوموا مقدرا مَعْدُوداتٍ أي قلائل أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلا على المكلفين فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ حين شهوده مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرا سفر القصر وأجهده الصوم في الحالين فأفطر فَعِدَّةٌ فعليه عدة ما فأفطر مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يصومها بدله يفرضها عليكم وحدكم. وفي قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الخ توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب للنفس، انتهت.\rقوله: (فإنه) أي الصوم يكسر الشهوة أي كما قال عليه الصلاة والسّلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة أي مؤن النكاح فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي قاطع لشهوته» اهـ خطيب.\rقوله: (أي قلائل) أي أقل من أربعين إذ العادة أنه متى ذكر لفظ العدد يكون المراد به ذلك، وعلى هذا لا تعيين لخصوص عدد من هذا القليل، فصح قوله أو موقنات أي مضبوطات ومقدرات. قوله:\r(كما سيأتي) أي في كلامه حيث جعل قوله شهر رمضان خبرا عن مبتدأ محذوف وهو تلك الأيام اهـ شيخنا.\rقوله: (و قلله) الأظهر وقللها لكن لما كانت هي نفس رمضان صحّ ما ذكره اهـ شيخنا.\rقوله: (حين شهوده) أي شهود الصيام أي شهود وقته الذي هو رمضان، والمراد بشهوده حضوره ووجود الشخص فيه موصوفا بصفات التكليف من البلوغ والعقل. قوله: مَرِيضاً أي ولو في أثناء اليوم بخلاف السفر، فلا يبيح الفطر إذا طرأ في أثناء اليوم، وهذا سر التعبير بعلى في السفر دون المرضى أي فمن كان مستعليا على السفر ومتمكنا منه بأن متلبسا به وقت طلوع الفجر اهـ شيخنا.\rقوله: (في الحالين) أي حال المرض وحال السفر وفيه نظريا لنسبة للسفر، إذ لا يشترط فيه المشقة فهو مبيح مطلقا. قوله: مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ صفة لأيام، وأخر على ضربين، ضرب جمع أخرى تأنيث أخر بفتح الخاء أفعل تفضيل، وضرب جمع أخرى بمعنى آخرة تأنيث آخر بكسرها مقابل لأول، ومنه قوله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الأعراف: 38] فالضرب الأول لا يصرف والعلة المانعة من الصرف الوصف والعدل. واختلف النحويون في كيفية العدل، فقال الجمهور: إنه عدل عن الألف واللام، وذلك أن آخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر، وآخر أفعل تفضيل وأفعل تفضيل لا يخلو عن أحد ثلاثة استعمالات: إما مع أل، أو مع من، أو مع الإضافة، لكن «من» تمنع هنا لأنه معها يلزم الأفراد والتذكير ولا إضافة في اللفظ، فقدرنا عدله عن الألف واللام، وهذا كما قالوا في سحر أنه عدل عن الألف واللام إلا أن هذا مع العلمية، وأما الضرب الثاني فهو منصرف لفقدان العلة المذكورة، وإنما وصفت الأيام بأخر من حيث أنها جمع ما لا يعقل وجمع ما لا يعقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة ومعاملة جمع الأناث، فمن الأول وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: 18] ومن الثاني هذه الآية ونظائرها، وإنما أوثر هنا معاملته معاملة الجمع لأنه لو جيء به مفردا،، فقيل عدة من أيام أخرى لأوهم أنه وصف لعدة فيفوت المقصود اهـ سمين.","part":1,"page":218},{"id":220,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 219\rوَعَلَى الَّذِينَ لا يُطِيقُونَهُ لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فِدْيَةٌ هي طَعامُ مِسْكِينٍ أي قدر ما يأكله في يومه وهو مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم وفي قراءة بإضافة فدية وهي للبيان وقيل لا غير مقدرة وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ بتعيين الصوم بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بالزيادة على القدر المذكور في الفدية فَهُوَ أي التطوع خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا مبتدأ خبره خَيْرٌ لَكُمْ من الافطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) أنه خير لكم فافعلوه تلك الأيام\rشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ من اللوح قوله: فِدْيَةٌ الفدية القدر الذي يبذله الإنسان يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة أو نحوها اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية وعليها يتعين جمع المساكين وإما على عدم الإضافة فيصح الجمع والافراد فالقراءات ثلاث اهـ شيخنا.\rقوله: (و قيل لا) أي لفظة لا غير مقدرة. قوله: (في حقهما) أي فهما مخيرتان بين الصوم وبين الفطر مع القضاء والفدية، وهذا إذا أفطرتا للخوف على الولد وحده أما إذا خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما والولد فالواجب عليهما القضاء فقط، كما هو مقرر في كتب الفروع. قوله: (بالزيادة) أي بأن زاد على المد. قوله: وَأَنْ تَصُومُوا الخ هذا يظهر على النسخ إذ هو الذي فيه تخيير فيصح تفضيل الصوم على الإفطار والفدية، وأما على عدمه فلا يظهر لتعين الإفطار مع الفدية اهـ شيخنا. وفي الخازن: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ قيل: هو خطاب مع الذين يطيقونه، فيكون المعنى وأن تصوموا أيها المطيقون وتتحملوا المشقة فهو خير لكم من الإفطار والفدية، وقيل: هو خطاب مع الكل وهو الأصح لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى اهـ.\rقوله: (و الفدية) أي إخراجهما. قوله: (تلك الأيام) أي المذكورة في قوله تعالى: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وأشار بهذا إلى أن شهر رمضان خير عن هذا المقدر اهـ شيخنا.\rقوله: شَهْرُ رَمَضانَ علم جنس مركب تركيبا إضافيا، وكذا باقي أسماء الشهور من حيز علم الجنس، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة، فهو من الرمض وهو الاحتراق لاحتراق الذنوب فيه اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: والشهر لأهل اللغة فيه قولان، أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه من المعاملات، والثاني:\rقاله الزجاج اسم للهلال نفسه، ورمضان علم لهذا الشهر المخصوص، وهو علم جنس. وفي تسميته برمضان أقوال، أحدها: أنه وافق مجيئه في الرمضاء وهي شدة الحر فسمي به كربيع لموافقته الربيع وجمادى لجمود الماء، وقيل: لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بمعنى يمحوها، وقيل: لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة، والقرآن في الأصل مصدر قرأت ثم صار علما لما بين الدفتين وهو من قرأ","part":1,"page":219},{"id":221,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 220\rالمحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه هُدىً حال، هاديا من الضلالة لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ آيات واضحات مِنَ الْهُدى بما يهدي إلى الحق من الأحكام وَمن وَالْفُرْقانِ مما يفرق بين الحق والباطل فَمَنْ شَهِدَ حضر مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ بالهمزة أي جمع لأنه يجمع السور والآيات والحكم والمواعظ والجمهور على همزة، وقرأ ابن كثير من غير همز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ثم حذفها اهـ.\rقوله: (إلى السماء الدنيا) أي للقربى: قوله: (في ليلة القدر) وكانت ليلة أربع وعشرين، والمراد أنه أنزل فيها جملة، وبعد ذلك نزل إلى الأرض مفرقا على حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة مدة النبوة، ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا أن جبريل أملاه منه على ملائكة السماء الدنيا، فكتبوه في صحف، وكانت تلك الصحف في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة. وفي القرطبي ما نصه: قال ابن عباس: أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السّلام نجوما يعني الآية والآيتين في إحدى وعشرين سنة اهـ. وفي الخطيب: وفي سورة القدر روي أنه أنزل جملة واحدة، وفي ليلة القدر مرّ اللوح المحفوظ إلى السماء وأملاه جبريل على السفرة ثم كان جبريل ينزله على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحاجة إليه. وحكى الماوردي عن ابن عباس أنه نزل في شهر رمضان، وفي ليلة مباركة جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك اهـ.\rقوله: وَبَيِّناتٍ عطف على الحال فهي حال أيضا، وكلا الحالين لازم، فإن القرآن لا يكون إلا هدى وبينات، وهذا من باب عطف الخاص على العام لأن الهدى يكون بالأشياء الخفية والجلية والبينات من الأشياء الجلية اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ هذا الجار والمجرور صفة لقوله هدى وبينات، فمحله النصب ويتعلق بمحذوف أي أن يكون القرآن هدى وبينات هو من جملة هدى اللّه وبيناته، وعبّر عن البينات بالفرقان، ولم يقل من الهدى والبينات فيطابق العجز الصدر، لأن فيه مزيد معنى لازم للبينات، وهو كونه يفرق بين الحق والباطل، ومتى كان الشيء جليا واضحا جعل به الفرق ولأن في لفظ الفرقان تواخي الفواصل قبله، فلذلك عبر عن البينات بالفرقان اهـ سمين. ومن في قوله من الهدى تبعيضية أي بينات هي بعض ما يهدي إلى الحق والهدى الثاني في الأحكام الفرعية، والأول في الاعتقادية فهما متغايران اهـ شيخنا.\rقوله: (مما يفرق) من باب نصر، وفي لغة من باب ضرب اهـ.\rقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ هذا من أنواع المجاز اللغوي وهو إطلاق اسم الكل على الجزء أطلق الشهر وهو اسم للكل، وأراد جزءا منه، وقد فسره ابن عباس، وعلي، وابن عمر على أن المعنى من شهد أول الشهر فليصمه جميعه، وإن سافر في أثنائه ولم يقل فليصم فيه ليدل على استيعاب اليوم اهـ كرخي. ومن فيها وجهان، أعني كونها موصلة أو شرطية، وهو الأظهر، ومنكم في محل نصب","part":1,"page":220},{"id":222,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 221\rفَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ تقدم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم من شهد يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر ولكون ذلك في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم عطف عليه وَلِتُكْمِلُوا بالتخفيف والتشديد الْعِدَّةَ أي عدة صوم رمضان وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عند إكمالها عَلى ما هَداكُمْ أرشدكم لمعالم دينه وَلَعَلَّكُمْ على الحال من الضمير في شهد فيتعلق بمحذوف أي كائنا منكم اهـ سمين.\rقوله: (حضر) أي وجد إذ ذاك متصفا بصفات التكليف. قوله: (بتعميم من يشهد) أي فإنه شامل للصحيح المقيم وللمريض والمسافر، والمراد منها الأول فقط بدليل العطف. قوله: يُرِيدُ اللَّهُ الخ هذا في المعنى قليل لأمرين مقدرين دل عليهما قوله: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً الخ وهما جواز إفطارهما والتوسعة في القضاء حيث لم يوجد فيه خصوص تتابع أو تفريق أو مبادرة أو تراخ، فإن قوله: فعدة من أيام أخر صادق بهذا كله وهذا مستفاد من تقرير كلام الشارح، فأشار الأول بقوله أباح الخ، وللثاني بقوله ولكون ذلك الخ، وعبارة الكرخي قوله للأمر بالصوم أي من حيث الترخيص، وقوله عطف عليه، ولتكملوا فاللام فيه للتعليل أي وشرع تلك الأحكام لتكملوا العدة الخ على سبيل اللف، فإن قوله:\rولتكملوا العدة علة للأمر بمراعة العدد، ولتكبروا اللّه علة للأمر بالقضاء، وبيان كيفيته ولعلكم تشكرون علة للترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقاد من علماء البيان اهـ.\rقوله: وَلا يُرِيدُ عطف لازم وقوله ولذا أي لكونه أراد بنا اليسر الخ. قوله: (و ليكون ذلك) أي قوله يريد الخ. وقوله أيضا أي كما أنه علة لإباحة الفطر. قوله: (بالصوم) أي صوم القضاء يعني من غير تقييد يتتابع أو غيره مما سبق، وقوله: (عطف عليه) ليكون المعطوف علة ثانية للأمر بصوم القضاء على الوجه السابق. قوله: (أي عدة صوم رمضان) يعني لتكملوها بتدارك ما فات منها بالقضاء، وأشار المفسر إلى أن الألف واللام للعهد، فيكون ذلك راجعا إلى قوله تعالى: قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وهذاهو الظاهر، وفيها وجه آخر، وهو أن تكون للجنس ويكون راجعا إلى شهر رمضان المأمور بصومه، والمعنى أنكم تأتون ببدل رمضان كاملا في عدة سواء كان ثلاثين أم تسعة وعشرين اهـ من السمين.\rقوله: (عند إكمالها) إن كان المراد إكمالها بالقضاء كان المراد بالتكبير الثناء على اللّه، وكان قوله ولتكبروا علة ثالثة للأمر بالقضاء، وإن كان المراد إكمالها حال الأداء كان المراد بالتكبير تكبير العيد، وكان هذا علة لقوله فمن شهد الخ تأمل. قوله: عَلى ما هَداكُمْ هذا الجار متعلق بتكبروا، وفي على قولان، أحدهما: أنها على بابها من الاستعلاء، وإنما تعدى فعل التكبير بها لتضمنه معنى الحمد. قال الزمخشري: كأنه قيل: ولتكبروا اللّه حامدين على ما هداكم. والثاني: أنها بمعنى لام العلة، والأول أولى لأن المجاز في الحرف ضعيف وما في قوله على ما هداكم فيها وجهان، أظهرهما أنها مصدرية أي على هدايته إياكم. والثاني: أنها بمعنى الذي. قال الشيخ: وفيه بعد من وجهين، أحدهما: حذف العائد تقديره هداكموه وقدره منصوبا لا مجرورا باللام ولا بإلى لأن حذف المنصوب أسهل. والثاني:","part":1,"page":221},{"id":223,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 222\rتَشْكُرُونَ (185) اللّه على ذلك. وسأل جماعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقريب ربنا فنناجية أم بعيد فنناديه فنزل\rوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ منهم بعلمي فأخبرهم بذلك أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ بإنالته ما سأل فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي دعائي بالطاعة وَلْيُؤْمِنُوا يدوموا على الإيمان بِي لَعَلَّهُمْ حذف مضاف يصح به معنى الكلام تقديره على اتباع الذي هداكم أو ما أشبهه، وختمت هذه الآية بترجي الشكر لأن قبلها تيسيرا وترخيصا فناسب ختمها بذلك، وختمت الآيتان قبلها بترجي التقوى وهما: قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ لأن القصاص والصوم من أشق التكاليف فناسب ختمها بذلك مطرد فحيث ورد ترخيص عقب بترجي الشكر غالبا وحيث جاء عدم ترخيص عقب بترجي التقوى وشبهها، وهذا من محاسن علم البيان اهـ سمين.\rقوله: (على ذلك) أي على الترخيص والتيسير الذي من جملته إباحة الفطر في المرض والسفر اهـ.\rقوله: (فنناجيه) أي ندعوه سرا: وفي الصباح: وناجيته ساررته والاسم النجوى وتناجى القوم ناجى بعضهم بعضا اهـ.\rوالقياس: نصب بنناجيه لأنه في جواب الاستفهام، وفي كتب الحديث أن الأظهر رفعه، فيكون مبنيا على مبتدأ محذوف أي فنحن نناجيه، ويكون استئنافا اهـ.\rقوله: (فنناديه) أي ندعوه جهرا. قوله: (عني) أي عن قربي وبعدي. قوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ بعلمي إشارة إلى أن القرب حقيقة في القرب المكاني، وقد استعمل هنا في الحال الشبيه بحال من قرب من عبادة في كمال علمه بأفعالهم وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم، والقرب استعارة تبعية تمثيلية، وإلّا فهو متعال عن القرب الحسي لتعاليه عن المكان ونظيره، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد اهـ كرخي.\rقوله: (فأخبرهم بذلك) أشار به إلى أن فإني قريب جواب إذا أي فلا بد من إضمار قول بعد فاء الجزاء، لأن القرب لا يترتب على الشرط إنما يترتب عليه الإخبار بالقرب اهـ كرخي.\rقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الخ هذه الجملة صفة لقريب أو خبر ثان لأن. وقوله: إذا دعان العامل فيها قوله أجيب أي أجيب دعوته وقت دعائه، فيحتمل أن تكون لمجرد الظرفية، وأن تكون شرطية وحذف جوابها لدلالة اجيب عليه، وأما إذا الأولى، فإن العامل فيها ذلك القول المقدر والياءان من قوله الداع ودعان من الزوائد عند القراء، ومعنى أن الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف، فمن القراء من أسقطها تبعا للرسم وقفا ووصلا، ومنهم من يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلا ويحذفها وقفا اهـ سمين.\rقوله: دَعْوَةَ الدَّاعِ أي دعاء الداعي لا خصوص المرة ففعلة ليست هنا للمرة، لأن محل كونها لها إذ لم يبين المصدر عليها كرحمة تأمل. قوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي السين والتاء للطلب أي فيطلبوا إجابتي قاله ثعلب أو زائدتان أي فليجيبوا إلي كما يشير له المفسر تأمل. قوله: (دعائي بالطاعة) أي أمري لهم بالطاعة أي فليمتثلوا أوامري، وعبارة الخازن فليستجيبوا لي يعني إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم، والإجابة في اللغة الطاعة، فالإجابة من العبد الطاعة","part":1,"page":222},{"id":224,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 223\rيَرْشُدُونَ (186) يهتدون\rأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ بمعنى الإفضاء إِلى نِسائِكُمْ بالجماع.\rنزل نسخا لما كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء هُنَّ لِباسٌ ومن اللّه الإنالة والعطاء، انتهت.\rقوله: (يدوموا على الإيمان بي) هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها يديموا على الإيمان، وهو ظاهر أيضا إذ يقال دام وأدام كما في القاموس، ونصه: دام الشيء يدوم ويدام دوما ودواما ودامت السماء تديم ديما ودومت وديمت وأدامت وأرض مديمة اهـ.\rقوله: يَرْشُدُونَ الجمهور على أنه بفتح الياء وضم الشين وماضيه رشد لفتح، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بخلاف عنهما بكسر الشين، وقرأ بفتحهما وماضيه رشد بالكسر، وقرئ يرشدون مبنيا للمفعول، وقرئ يرشدون بضم الياء وكسر الشين من أرشد، والمفعول على هذا محذوف تقديره يرشدون غيرهم اهـ سمين.\rوفي المصباح: الرشد والصلاح وهو خلاف الغي والضلال وهو إصابة الصواب ورشد رشدا من باب تعب ورشد يرشد من باب قتل فهو راشد والاسم الرشاد ويتعدى بالهمزة اهـ.\rقوله: لَيْلَةَ الصِّيامِ منصوب على الظرف. وفي الناصب له ثلاث أقوال، أحدها: وهو المشهور عند المعربين أنه أحل وليس بشيء لأن الإحلال قبل ذلك الوقت. الثاني: أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام، وإنما لم يجز أن ينتصب بالرفث لأنه مصدر مقدر بموصول ومعموله الصلة لا يتقدم على الموصول، فلذلك احتجنا إلى إضمار عامل من لفظ المذكور. الثالث: إنه متعلق بالرفث، وذلك على رأي من يرى الاتساع في الظروف والمجرورات، وقد تقدم تحقيقه، وأضيف الليلة للصيام اتساعا لأن شرط صحته وهو النية موجود فيها والإضافة تأتي لأدنى ملابسة، وإلّا فمن حق الظرف المضاف إلى حدث أن يوجد ذلك الحدث في جزء من ذلك الظرف والصوم في الليل غير معتبر، ولكن المسوغ لذلك ما ذكرت لك اهـ سمين.\rقوله: (بمعنى الإفضاء) أي لأجل تعديته بإلى، وإلّا فأصل الرفث يتعدى بالياء كما في السمين، وهو كلام يقع وقت الجماع بين الرجال والنساء يستقبح ذكره في وقت آخر، وأطلق على الجماع للزومه غالبا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: رفث في منطقه رفثا من باب طلب، ويرفث بالكسر لغة أفحش فيه أو صرح بما يكنى عنه من ذكر النكاح، وأرفث بالألف لغة. والرفث النكاح فقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ المراد بالجماع. وقوله: فلا رفث، قيل: فلا جماع. وقيل: فلا فحش من القول، وقيل:\rالرفث يكون في الفرج بالجماع، وفي العين بالغمز للجماع، وفي اللسان بالمواعدة به اهـ. وفيه أيضا وأفضى إلى امرأته باشرها وجامعها وأفضيت إلى الشيء وصلت إليه اهـ.\rقوله: (بعد العشاء) أي بعد صلاتها أو بعد الرقاد ولو قبلها، فكانوا إذا صلوها أو ناموا ولو قبل وقتها حرم عليها كل من الثلاثة إلى الليلة الأخرى اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: وإيضاح ذلك أنه كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب","part":1,"page":223},{"id":225,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 224\rلَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ تخونون أَنْفُسَكُمْ بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَتابَ عَلَيْكُمْ قبل توبتكم وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ إذ حل لكم بَاشِرُوهُنَ جامعوهنّ وَابْتَغُوا والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد قبلها، فإذا صلّاها أو رقد حرم عليه ذلك إلى القابلة، فواقع عمر رضي اللّه تعالى عنه أهله بعد ما صلى العشاء، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واعتذر إليه، فقام رجال واعترفوا بالجماع بعد العشاء فنزل فيه وفيهم: أُحِلَّ لَكُمْ الخ وفيه جواز نسخ السنة بالقرآن اهـ.\rقوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ تعليل لما قبله. وعبارة السمين: وقوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ لا محل له من الإعراب، لأنه بيان للإحلال فهو استئناف، وتفسير، وقدم قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها، ولأنه هو البادىء بطلب ذلك، وكنى باللباس عن شدة المخالطة اهـ.\rقوله: (كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه) يعني أنه شبه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق والضم باللباس المشتمل على لابسه أي كالفراش واللحاف، وحاصله أنه تمثيل لصعوبة اجتنابهن وشدة ملابستهن أو لستر أحدهما الآخر عن الفجور اهـ كرخي.\rقوله: (أو احتياج كل منهما إلى صاحبه) أي هم منعه من الفجور، كما يحتاج إلى اللباس. وفي الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبهن كريما ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريما مغلوبا ولا أحب أن أكون لئيما غالبا» اهـ شيخنا.\rقوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ هذا في المعنى هو سبب النزول، وقوله: (تخونون) أي لكن تختانون أبلغ لزيادة البناء، فيدل على زيادة الخيانة من حيث كثرة مقدمات الجماع اهـ.\rقوله: (لعمر وغيره) وذلك أنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه: أعتذر إلى اللّه وإليك من هذه الخطيئة إني رجعت إلى أهلي بعدما ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي وجامعتها. وقوله وغيره ككعب بن مالك اهـ من الخازن.\rقوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ عطف على محذوف أي فتبتم فتاب الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ قد تقدم الكلام على الآن وفي وقوعه ظرفا للأمر تأويل، وذلك أنه للزمن الحاضر والأمر مستقبل أبدا وتأويله ما قاله أبو البقاء، قال: والآن حقيقة الوقت الذي أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب تنزيلا للقريب منزلة الحاضر، وهو المراد هنا لأن قوله: فالآن باشروهن أي فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل، وقيل: هذا كلام محمول على معناه والتقدير فالآن قد أبحنا لكم مباشرتهن ودل على هذا المحذوف لفظ الأمر، فالآن على حقيقته اهـ سمين.\rقوله: بَاشِرُوهُنَ هذا الأمر والثلاثة بعد للإباحة اهـ شيخنا. وسميت المجامعة مباشرة","part":1,"page":224},{"id":226,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 225\rاطلبوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي أباحه من الجماع أو قدره من الولد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا الليل كله حَتَّى يَتَبَيَّنَ يظهر لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أي الصادق بيان للخيط الأبيص وبيان الأسود محذوف أي من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ من الفجر إِلَى اللَّيْلِ أي إلى دخوله بغروب الشمس لالتصاق بشرتيهما، وأصل المباشرة التصاق البشرتين وأطلقت على الجماع للزومها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أباحه) فعلى هذا الاحتمال يكون قوله: وَابْتَغُوا تأكيدا لما قبله، وعلى الوجه الثاني يكون تأسيسها فهو الأحسن اهـ شيخنا.\rقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا نزلت في صرمة بن قيس، وذلك أنه كان يعمل في أرض له وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله فقال: هل عندك طعام؟ فقالت: لا وأخذت تصنع له طعاما فأخذه النوم من التعب، فأيقظته فكره أن يأكل خوفا من اللّه، فأصبح صائما مجهودا في عمله، فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بما وقع، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية اهـ من الخازن\rقوله: مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ من الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، وكلاهما متعلق بيتبين وجاز تعلق الحرفين بفعل واحد، وإن اتحد لفظهما لاختلاف معناهما، والمعنى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود حال كون الأبيض هو الفجر هذا تقرير ما اقتصر عليه الشيخ المصنف، وزاد الكشاف وغيره كون الثانية للتبعيض، لأن الخيط الأبيض جزء من الفجر لأنه أوله، والمعنى عليه حال كون الخيط الأبيض بعضا من الفجر اهـ كرخي.\rوفي الخازن روى الشيخان عن سهل بن سعد قال: لما نزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل اللّه تعالى بعده مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. وروى الشيخان عن عدي بن حاتم: لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» اهـ.\rقوله: (و بيان الأسود محذوف) أي واكتفى عنه بالمذكور ولم يعكس، لأن غالب أحكام الصوم مربوطة بالفجر لا بالليل اهـ.\rقوله: (من الغبش) بفتح الغين المعجمة والموحدة ثم شين معجمة وهو بقية الليل، والمراد بامتداده معه اتصاله به على سبيل التعاقب، وفي المختار بفتحتين البقية من الليل أو ظلمة آخر الليل.\rوفي القاموس: الغبش محركة بقية الليل أو ظلمة آخره، والجمع أغباش والغابش والخادع اهـ.\rقوله: (في الامتداد) متعلق بشبه. قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الأمر للوجوب في صوم الفرض وللندب في صوم النفل هذا مذهب الشافعي ومذهب غيره أنه للوجوب فيهما. قوله: (من الفجر إلى الليل) أشار","part":1,"page":225},{"id":227,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 226\rوَلا تُبَاشِرُوهُنَ أي نساءكم وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ مقيمون بنية الاعتكاف فِي الْمَساجِدِ متعلق بعاكفون نهي لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود تِلْكَ الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ حدها لعباده ليقفوا عندها فَلا تَقْرَبُوها أبلغ من لا تعتدوها المعبر به في آية أخرى كَذلِكَ كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) محارمه\rوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بِالْباطِلِ 187 الحرام شرعا كالسرقة والغصب إلى أن ابتداء الصوم من الفجر وغايته دخول الليل بغروب الشمس فإلى متعلقة بأتموا وإلى إذا كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل فيه. والآية من هذا القبيل لأن الليل ليس من جنس النهار، وبإخراج الليل عنه نفي صوم الوصال أي لأنه تعالى جعل الليل غاية للصوم وغاية الشيء منتهاه، وما بعدها يخالف ما قبلها، وأما حرمة عمد تخلل الإفطار بين يومين فبالسنّة اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَ الخ لما بين أن الجماع يحرم على الصائم نهارا ويباح ليلا، فكان يحتمل أن حكم الاعتكاف كذلك، لأنه يشارك الصوم في غالب أحكامه بيّن اللّه حكمه في هذه الآية بتحريمه على المعتكف ليلا ونهارا اهـ من الخازن.\rقوله: (متعلق بعاكفون) وأما المباشرة المنهي عنها فأعم من أن تكون في المسجد أو خارجه إذا نوى الاعتكاف مدة وخرج فيها لعذر لا يقطع الاعتكاف اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا تَقْرَبُوها قال أبو البقاء: دخول الفاء هنا عاطفة على شيء محذوف تقديره تنبهوا فلا تقربوها اهـ سمين.\rوالقاعدة أن الأحكام إذا كانت نواهي يقال فيها لا تقربوها على حد وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء: 32] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [الأنعام: 152 والإسراء: 34] هكذا وإن كانت أوامر يقال فيها لا تعتدوها أي لا تتجاوزوها بأن لا تفعلوها وما هنا من قبيل الأول، والآية الأخرى من قبيل الثاني فكل جاء على ما يليق به اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ اسم الإشارة مبتدأ أخبر عنه بجمع فلا جائز أن يشار به إلى ما نهى عنه في الاعتكاف لأنه شيء واحد، بل هو إشارة إلى ما تضمنته آية الصيام من أولها إلى هنا، وآية الصيام قد تضمنت عدة أوامر، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فبهذا الاعتبار كانت عدة مناه، ثم جاء آخرها بصريح النهي وهو لا تباشروهن، فأطلق على الكل حدودا تغليبا للمنطوق به واعتبارا بتلك المناهي التي تضمنتها الأوامر، فقيل فيها حدود اللّه وإنا احتجنا إلى هذا التأويل، لأن المأمور به لا يقال لا تقربه اهـ.\rقوله: (أبلغ) أي لأن عدم المقاربة يصدق بشيئين البعد وعدم المجاوزة الذي هو عدم التعدي، وأما عدم التعدي فخاص بالثاني اهـ شيخنا.\rقوله: آياتِهِ أي آيات الأحكام غير ما ذكر، فتبين أحكام الصوم مشبه به، وتبيين أحكام غيره مشبه اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَأْكُلُوا أي تأخذوا. قوله: (أي لا يأكل الخ) أشار إلى أنه ليس من مقابلة الجمع","part":1,"page":226},{"id":228,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 227\rوَلا تُدْلُوا تلقوا بِها أي بحكومتها أو بالأموال رشوة إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا بالتحاكم فَرِيقاً طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ ملتبسين بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) أنكم مبطلون\r* يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَهِلَّةِ جمع هلال لم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلىء نورا ثم بالجمع، كما في اركبوا دوابكم، بل نهى كل عن أكل مال الآخر، فقوله بالباطل متعلق بتأكلوا أي لا نأخذوها بالسبب الباطل، وبينكم أيضا متعلق به أو متعلق بمحذوف لأنه حال من أموالكم اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: قوله بينكم في هذا الظرف وجهان، أحدهما: أن يتعلق بتأكلوا بمعنى لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل، والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه حال من أموالكم أي لا تأكلوها كائنة بينكم. قوله:\rبِالْباطِلِ أي الطريق والسبب الحرام، وأصل الباطل الشيء الذاهب، والطريق الحرام كالنهب والغضب واللهو كالقمار وأجرة المغني وثمن الخمر والملاهي والرشوة وشهادة الزور والخيانة في الأمانة اهـ من الخازن وفي السمين: في قوله بالباطل وجهان، أحدهما: تعلقه بالفعل أي لا تأخذوها بالسبب الباطل. والثاني: أن يكون حالا فيتعلق بمحذوف، ولكن في صاحبه احتمالان، أحدهما: أنه المال كأن المعنى لا تأكلوها ملتبسه بالباطل. والثاني: أنه الضمير في تأكلوا كأن المعنى لا تأكلوها مبطلين أي ملتبسين بالباطل اهـ.\rقوله: وَ(لا) تُدْلُوا أشار إلى أن تدلوا مجزوم عطفا على النهي، ويؤيده قراءة أبيّ ولا تدلوا بإعادة لا الناهية اهـ كرخي.\rقوله: (أي بحكومتها) فالآية على حذف مضاف، والالتقاء الأسراع أي لا تسرعوا بالخصومة على الأموال إلى الحكام ليعينوكم على إبطال حق أو تحقيق باطل. وأما الإسراع بها لتحقيق الحق فليس مذموما اهـ.\rقوله: (طائفة) أي جملة وسماها فريقا لأنها تفرق بين الناس. قوله: بِالْإِثْمِ يحتمل أن تكون للسببية فتتعلق بقوله: لتأكلوا وأن تكون للمصاحبة فتكون حالا من الفاعل في لتأكلوا، وتتعلق بمحذوف أي لتأكلوا ملتبسين بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة في محل نصب على الحال من فاعل لتأكلوا، وذلك على رأي من يجيز تعدد الحال، وأما من لا يجيز ذلك فيجعل بإثم غير حال اهـ سمين.\rوعبارة الخازن نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنيم الأنصاريين قالا: يا رسول اللّه ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد حتى يمتلىء نورا ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقا كما بدا، ولا يكون على حالة واحدة اهـ.\rوالأهلة أصله أهللة نقلت كسرة اللام إلى الساكن قبلها ثم أدغمت في اللام الأخرى. وقوله:\r(جمع هلال) يسمى بذلك لارتفاع الأصوات بالذكر عند رؤيته لأن الإهلال رفع الصوت والهلال في الحقيقة واحد، وجمع باعتبار أوقاته واختلافه في ذاته اهـ شيخنا.\rواختلف اللغويون إلى متى يسمى هلالا، فقال الجمهور: يقال له هلال لليلتين، وقيل لثلاث ثم يكون قمرا. وقال أبو الهيثم: لليلتين من أول الشهر ولليلتين من آخره وما بينهما قمرا اهـ سمين.\rقوله: (لم تبدو دقيقة) في المصباح: بدا يبدو وبدوا ظهرا هو فيه أيضا ودق يدق من باب ضرب","part":1,"page":227},{"id":229,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 228\rتعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس قُلْ لهم هِيَ مَواقِيتُ جمع ميقات لِلنَّاسِ يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم وَالْحَجِ عطف على الناس أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها في الإحرام بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلوا منه وتخرجون وتتركوا الباب، وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه برا وَلكِنَّ الْبِرَّ أي ذا البر مَنِ اتَّقى اللّه بترك مخالفته وَأْتُوا دقة خلاف غلظ فهو دقيق اهـ.\rقوله: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ هذه من جواب السائل بغير ما سأل عنه تنبيها على أن الأولى لهم أن يسألوا عن هذا المجاب به، لأنه هو الذي يعنيهم، وذلك أنهم سألوا عن سبب اختلاف القمر في ذاته فأجيبوا ببيان فائدة هذا الاختلاف إشارة إلى أن هذا هو الذي ينبغي أن يسأل عنه لأنه من أحكام الظاهر التي شأن الرسول التصدي لبيانها. وأما سبب اختلافه فهو من قبيل المغيبات التي لا غرض للمكلف في معرفتها، ولا يليق أن تبين له اهـ شيخنا.\rلكن الذي قرره أبو السعود، وكذا الخازن أن الجواب مطابق للسؤال، ونص الأول كانوا قد سألوه عليه السّلام عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره، فأمره اللّه تعالى أن يجيبهم بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن يكون معالم للناس الخ اهـ.\rفائدة: كل ما جاء في السؤال في القرآن أجيب عنه بقل بلا فاء إلا في قوله في طه وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ [طه: 105] فبالفاء لأن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال، وفي طه كان قبله إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل كما أشار إليه الشيخ فيها.\rفائدة أخرى: الفرق بين الوقت وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، وللزمان مدة منقسمة إلى الماضي والحال والمستقبل والوقت الزمان المفروض لأمر اهـ كرخي.\rقوله: (جمع ميقات) أصله موقات قلبت الواو ياء لكونها إثر كسرة اهـ.\rقوله: لِلنَّاسِ أي لأغراضهم الدنيوية والدينية، كما أشار لذلك بتعداد الأمثلة إذ الأهلة ليست مواقيت لذوات الناس. قوله: (و عدد نسائهم) بكسر العين وهو بالجر، وكذا ما بعده عطفا على زرعهم، ومثل عدد النساء أوقات الحيض والطهر والولادة. قوله: (عطف على الناس) أي عطف خاص على عام، وهو في الحقيقة عطف على المضاف المقدور إنما أفرد بالذكر اعتناء بشأنه من حيث أن الوقت أشد لزوما له من بقية العبادات، وذلك لأن لا يصح فعله أداء ولا قضاء إلا في وقته المعلوم، وأما غيره من العبادات فلا يتقيد قضاؤه بوقت أدائه اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ الخ وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها اهـ خطيب.\rقوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا كقوله ليس البر أن تولوا، وقد تقدم إلا أنه لم يختلف هنا في رفع البر لأن زيادة الباء في الثاني عينت كونه خبر، وقوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى كقوله: ولكن البر من آمن","part":1,"page":228},{"id":230,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 229\rالْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها في الإحرام كغيره وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) تفوزون. ولما صدّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن البيت عام الحديبية وصالح الكفار على أن يعود العام القابل ويخلوا له مكة ثلاثة وتجهز لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش ويقاتلوهم وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام نزل\rوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ من الكفار وَلا تَعْتَدُوا عليهم بالابتداء بالقتال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) المتجاوزين ما حدّ لهم وهذا منسوخ بآية براءة أو بقوله\rوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وجدتموهم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ سواء بسواء ولما تقدم جملتان خبريتان، وهما وليس البر ولكن البر من اتقى عطف عليهما جملتان أمريتان الأولى للأولى والثانية للثانية، وهما وأتوا البيوت واتقوا اللّه اهـ سمين.\rقوله: (بأن تنقبوا فيها نقبا) في المصباح: نقبت الحائط نقبا من باب قتل خرقته اهـ.\rقوله: (و كانوا يفعلون ذلك) أي في الجاهلية وصدر الإسلام، فكان الرجل إذا أحرم بالعمرة أو الحج لم يحل بينه وبين السماء شيء، فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته يدخل منه أو يتخذ سلما ليصعد، وإن كان من أهل الوبر دخل وخرج من خلف الخباء ولا يدخل ولا يخرج من الباب، وكان إذا عرضت له حاجة في بيته لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب مخافة أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه ثم يقف في صحن داره فيأمر بحاجته اهـ خازن. قوله: (و لما صد) أي منع ففي المختار صدّه عن الأمر منعه وصرفه وبابه رد. اهـ.\rقوله: (عام الحديبية) وهو السنة السادسة. قوله: (و صالح الكفار) أي بعد قتال خفيف وقع من بعضهم بالحديبية بالرمي بالسهام والحجارة اهـ.\rقوله: (و تجهز لعمرة القضاء) أي تهيأ واستعد للخروج لها، والمراد بعمرة القضاء العمرة التي وقع عليها القضاء أي المقاضاة والصلح وكانت في السابعة. قوله: (و خافوا) أي المسلمون الذين كانوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم ألف وأربعمائة، وقوله: أن لا تفي قريش أي بمقتضى العهد والصلح أي خافوا غدرهم ونقضهم للعهد. قوله: (و كره المسلمون قتالهم) وإنما كرهوه لأنه في ذلك الوقت كان محرما في الأحوال الثلاثة المذكورة.\rقوله: (أي لإعلاء دينه) فالمراد بالسبيل دين اللّه، لأن السبيل في الأصل الطريق، فتجوز به عن الدين لما كان طريقا إلى اللّه، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لابراز كمال العناية بالمقدم اهـ كرخي. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي لا يريد بهم الخير اهـ كرخي.\rقوله: (بآية براءة) وهي وقاتلوا المشركين كافة أي قاتلوا أو لم يقاتلوا، بل قيل إنه نسخ بها سبعون آية اهـ كرخي.\rقوله: حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي وإن لم يبتدئوكم وأصل الثقف الحدق في إدراك الشيء علما أو عملا وفيه معنى الغلبة اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: ثقف الرجل من بال ظرف صار حاذقا خفيفا فهو ثقف مثل ضخم فهو ضخم، ومنه","part":1,"page":229},{"id":231,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 230\rأي مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح وَالْفِتْنَةُ الشرك منهم أَشَدُّ أعظم مِنَ الْقَتْلِ لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظموه وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي في الحرم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه فَاقْتُلُوهُمْ فيه، وفي قراءة بلا ألف في الأفعال الثلاثة كَذلِكَ القتل والاخراج جَزاءُ الْكافِرِينَ (191)\rفَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر وأسلموا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (192) بهم\rوَقاتِلُوهُمْ الثقافة وثقف من باب طرب لغة فيه، فهو ثقف وثقف كعضد اهـ. وفي القاموس وثقفه كسمعه أخذه أو ظفر به أو أدركه اهـ.\rقوله: (أي مكة) تفسير لحيث. قوله: (و قد فعل بهم ذلك) أي القتل الاخراج عام الفتح أي فعل ذلك بمن لم يسلم منهم اهـ.\rقوله: (الشرك منهم) إنما سمي الشرك فتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم، وإنما جعل أشد أي أعظم من القائل لأنه يؤدي إلى الخلود في النار، والقتل ليس كذلك اهـ خازن.\rقوله: (الذي استعظمتموه) نعت للقتل. قوله: عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عند منصوب بالفعل قبله وحتى متعلقة به أيضا غاية له بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بإضمار إن والضمير في فيه يعود على عند إذ ضمير الظرف لا يتعدى إليه الفعل إلا بفي، لأن الضمير يرد الأشياء إلى أصولها وأصل الظرف على إضمار في اهـ سمين.\rقوله: (أي في الحرم) إشارة إلى أن عند بمعنى في وأن المسجد الحرام المراد به الحرم اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنْ قاتَلُوكُمْ هذا مفهوم الغاية وتقييد القتال فيه بقتالهم منسوخ بقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اهـ.\rقوله: (و في قراءة بلا ألف) أي لحمزة والكسائي من القتل، فأما قراءة الألف فهي واضحة لأنها نهي عن مقدمات القتل، فدلالتها على النهي عن القتل بطريق الأولى، وأما القراءة الثانية ففيها تأويلان. أحدهما: أن يكون المجاز في الفعل أي ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قتلكم، والثاني: أن يكون المجاز في المفعول أي ولا تقتلوا بعضهم حتى يقتلوا بعضكم ومنه قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [آل عمران: 146] ثم قال: فَما وَهَنُوا [آل عمران: 146] أي ما هو وهن من بقي منهم اهـ سمين.\rقوله: كَذلِكَ (القتل الخ) أي مثل هذا الجزاء الواقع منكم بالقتل والإخراج جَزاءُ الْكافِرِينَ أي مطلقا بأن يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا متعلق الانتهاء محذوف قدره المفسر بقوله عن الكفر وأصل انتهوا انتهيوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الألف وبقيت الفتحة تدل عليها اهـ سمين.\rقوله: وَقاتِلُوهُمْ أي ولو في الحرم وإن لم يبتدئوكم بالقتال فيه، وهذا هو الذي استقر عليه الحكم الآن اهـ شيخنا.","part":1,"page":230},{"id":232,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 231\rحَتَّى لا تَكُونَ توجد فِتْنَةٌ شرك وَيَكُونَ الدِّينُ العبادة لِلَّهِ وحده لا يعبد سواه فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم، دلّ على هذا فَلا عُدْوانَ اعتداء بقتل أو غيره إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ومن انتهى فليس بظالم فلا عدوان عليه\rالشَّهْرُ الْحَرامُ المحرم مقابل بِالشَّهْرِ الْحَرامِ فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله ردّ لاستعظام المسلمين ذلك وَالْحُرُماتُ جمع حرمة ما يجب احترامه قِصاصٌ أي يقتص بمثلها إذا انتهكت فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ بالقتال في الحرم أو الاحرام أو قوله: حَتَّى لا تَكُونَ يجوز في حتى أن تكون بمعنى كي وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى إلى، وان مضمرة بعدها في الحالتين، وتكون هنا تامة. وفتنة: فاعل بها، وأما وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فيجوز أن تكون تامة أيضا وهو الظاهر ويتعلق للّه بها، وأن تكون ناقصة وللّه الخبر فيتعلق بمحذوف أي كائنا للّه اهـ سمين.\rقوله: (وحده لا يعبد سواه) هذا الاختصاص علم من اللام في للّه، ولهذا فسر الفتنة بالشرك لأنه وقع مقابلا له وترك هنا كله، وذكره في الأنفال لأن القتال هنا مع أهل مكة فقط، وثم مع جميع الكفار فناسب ذكره ثم اهـ كرخي.\rقوله: (دل على هذا) أي المقدر. قوله: إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ في محل رفع خبر لا التبرئة ويجوز أن يكون خبرها محذوفا تقديره: فلا عدوان على أحد، فيكون إلا على الظالمين بدلا بإعادة تكرار العامل. وهذه الجملة وإن كانت بصورة النفي فهي في معنى النهي لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، والعرب إذا بالغت في النهي عن الشيء أبرزته في صورة النفي المحض إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يوجد البتة، فدلوا على هذا المعنى بما ذكرت لك، وعكسه في الاثبات إذا بالغوا في الأمر بالشيء أبرزوه في صورة الخبر نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ [البقرة: 233] وسيأتي اهـ سمين.\rقوله: الشَّهْرُ الْحَرامُ وهو ذو القعدة من السنة السابعة قوله: بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وهو ذو القعدة من السنة السادسة، وهذا في المعنى تعليل لقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اهـ.\rوعبارة أبي السعود: الشهر الحرام بالشهر الحرام فقد قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء في ذي القعدة أيضا: وكراهتهم القتال فيه هذا الشهر الحرام بذلك الشهر الحرام وهتكه بهتكه فلا تبالوا به انتهت.\rقوله: (المحرم) أي المحرم القتال فيها اهـ. قوله: (فكما قاتلوكم فيه الخ) صريح في أنه قد وقع منهم مقاتلة في عام الحديبية، وهو كذلك فقد وقع قتال خفيف بالرمي بالسهام والحجارة اهـ شيخنا.\rقوله: (رد) أي هذا رد الخ. قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي يجري فيها القصاص. وقوله (أي يقتص الخ) أي فكما هتكوا حرمة شهركم بالصدر والقتال فافعلوا بهم مثله: وادخلوا عليهم عنوة، فاقتلوهم إن قاتلوكم اهـ أبو السعود قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ هذا مفرع على ما قبله، ويجوز في «من» وجهان، أحدهما: أن تكون شرطية وهو الظاهر فتكون الفاء جوابا. والثاني أن تكون موصولة فتكون الفاء زائدة في الخبر، وقد تقدم لذلك نظائر اهـ سمين.","part":1,"page":231},{"id":233,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 232\rالشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ سمى مقابلته اعتداء لشبهها بالمقابل به في الصورة وَاتَّقُوا اللَّهَ في الانتصار وترك الاعتداء وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) بالعون والنصر\rوَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ طاعته الجهاد وغيره وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أي أنفسكم والباء زائدة إِلَى التَّهْلُكَةِ الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم وَأَحْسِنُوا بالنفقة قوله: بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ في الباء قولان، أحدهما: أن تكون غير زائدة بل تكون متعلقة باعتدوا أو المعنى بعقوبة مثل جناية اعتدائه. والثاني: أنها زائدة أي مثل اعتدائه فيكون نعتا لمصدر محذوف أي اعتداء مماثلا لاعتدائه، وما يجوز أن تكون مصدرية فلا تفتقر إلى عائد، وأن تكون موصولة فيكون العائد محذوفا أي بمثل ما اعتدى عليكم به، وجاز حذفه لأن المضاف إلى الموصول قد جر بحرف جر به العائد واتحد المتعلقان اهـ سمين.\rقوله: (سمى مقابلته اعتداء) أي فكان مقتضى الظاهر أن يقال فمن اعتدى عليكم فقابلوه وجازوه بمثل ما اعتدى عليكم به وقوله بالمقابل به أي الذي هو اعتداؤهم اهـ. شيخنا. أي فالكلام من قبيل المشاكلة.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الخ لما أباح لهم الاقتصاص بالمثل وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام حذرهم من ذلك، فقال: واتقوا اللّه، وقوله في الانتصار أي لأنفسكم بالانتقام من العدو قوله وترك الاعتداء أي لم يرخص لكم فيه اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالنفس اهـ أبو السعود.\rوالانفاق صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالانفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة، وفي الجهاد وتجهيز الغزاة، وعلى النفس والعيال، وغير ذلك مما فيه قربة إلى اللّه، لأن كل ذلك يصدق عليه أنه في سبيل اللّه، لكن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إلى الجهاد اهـ خازن.\rقوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ الخ هذا مرتبط بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وبقوله:\rوَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كما أشار لذلك الشارح على طريق اللف والنشر المشوش بقوله بالامساك على النفقة هذا راجع لقوله: وأنفقوا في سبيل اللّه، وبقوله: أو تركه هذا راجع لقوله: واقتلوهم الخ اهـ.\rقوله: بِأَيْدِيكُمْ في هذه الباء وجهان. أحدهما أنها زائدة في المفعول به، لأن ألقى يتعدى بنفسه، قال تعالى. فَأَلْقى عَصاهُ [الأعراف: 107 والشعراء: 32] وعلى هذا جرى الجلال.\rوالثاني: أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره، ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة، كقولك: أفضيت بجنبي إلى الأرض أي طرحته على الأرض، ويكون قد عبر بالأيدي عن الأنفس لأن بها البطش والحركة اهـ سمين.\rقوله: إِلَى التَّهْلُكَةِ مصدر لهلك من باب ضرب، وفي المختار يقال: هلك الشيء يهلك بالكسر من باب ضرب هلاكا وهلوكا وتهلكة بضم اللام والاسم الهلك بالضم. قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس اهـ.\rقوله: (أو تركه) أي الجهاد، وهذا معطوف على الإمساك. وقوله: (لأنه) أي أحد الأمرين","part":1,"page":232},{"id":234,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 233\rوغيرها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) أي يثيبهم\rوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أدوهما بحقوقهما فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ منعتم عن إتمامها بعدو فَمَا اسْتَيْسَرَ تيسر مِنَ الْهَدْيِ عليكم وهو شاة وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ أي لا المذكورين يقوى العدو عليكم أي فيهلككم هذا، والأولى رجوع الضمير إلى ما ذكر من الأمرين أي مجموعهما، لأن العدو لا يقوى علينا إلا بتركهما معا اهـ.\rوعبارة أبي السعود: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بالإسراف وتضييع وجه المعاش، أو بالكف عن الغزو والإنفاق فيه، لأن ذلك مما يقوي العدو ويسلطهم عليكم أو بالامساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد، ولذلك سمي البخل هلاكا، انتهت.\rقوله: (بالنفقة وغيرها) عبارة الخازن: وأحسنوا بالإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته، وقيل:\rوأحسنوا بالإنفاق ولا تسرفوا ولا تقتروا، فنهوا عن الإسراف والاقتار في الإنفاق، انتهت.\rقوله: لِلَّهِ متعلق بأتموا، واللام لام المفعول من أجله اهـ سمين. أي أتموها للّه عز وجل أي لأجل طاعته بأن تعظموه وتفعلوا ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قصدهم بهما تعظيم الأصنام. قوله:\r(أدوهما بحقوقهما) ظاهره وجوبهما، لأنه أمر باتمامهما مطلقا بلا تقييد بالشروع، فيكون واجبا لأن مقدمة الواجب واجبة على أنه قرئ وأقيموا الحج والعمرة، فإنها صريحة في ذلك، والمعنى أدوهما تامين كاملين بأركانهما وشروطهما، وفيه إشارة إلى رد قول المخالف لا دلالة في الآية على وجوبهما، لأن الأمر بالإتمام لا يدل على الأمر بأصل الفعل الذي أمر باتمامه اهـ كرخي.\rقوله: (بحقوقهما) الباء للملابسة أي أدوهما ملتبسين بحقوقهما. قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فإن لم يتيسر عدل إلى قيمة الحيوان واشترى به طعاما وتصدق به مكان الاحصار، فإن لم يقدر صام عن كل مد يوما حيث شاء وله التحلل حالا يعني قبل الصوم، وهذا الدم دم ترتيب وتعديل، وهو في هذه الصورة وفي الوطء المفسد كما أشار له ابن المقري بقوله:\rوالثاني ترتيب وتعديل ورد ... في محصر ووطء حج إن فسد\r\rإن لم يجد قومه ثم اشترى ... به طعاما طعمه للفقرا\r\rثم لعجز عدل ذاك صوما ... أعني به عن كل مدّ يوما\r\rاه شيخنا.\rقوله: (تيسر) أشار به إلى أن استيسر وتيسر بمعنى واحد مثل صعب واستصعب، وغني واستغنى، وليست السين للطلب، وذلك لأن العرب لا تزيد غالبا حرفا إلا للدلالة على معنى زائد لا يدل عليه الأصل كما هو مقرر في التصريف اهـ كرخي.\rقوله: الْهَدْيِ يطلق الهدي على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المعتمر هدية لأهل الحرم من غير سبب يقتضيه، وهذا ليس مراداهنا ويطلق على ما وجب على الحاج أو المعتمر بسبب سواء كان محظورا، وهو الواجب بفعل حرام، أو ترك واجب أو لم يكن كالاحصار والتمتع وهذاهو المراد هنا اهـ.\rقوله: (و هو شاة) أي مجزئة في الأضحية، وهذا بيان لأقل المجزىء، وإلّا فغير الشاة من النعم","part":1,"page":233},{"id":235,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 234\rتتحللوا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ المذكور مَحِلَّهُ حيث يحل ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كقمل وصداع فحلق في الاحرام فَفِدْيَةٌ عليه مِنْ صِيامٍ لثلاثة أيام أَوْ صَدَقَةٍ بثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين أَوْ نُسُكٍ أي ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به يجزىء بالأولى. قوله: (حيث ذبحه) بدل من محله فبلوغه محله كناية عن ذبحه في مكان الإحصار فتفيد الآية وجوب تقديم الذبح على الحلق وهو كذلك كما قرر في الفروع اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلا كان أو حرما، ومرجعهم في ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل. قلنا: كان محصره عليه السّلام طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة وهي من الحرم. وعن الزهري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نحر هديه في الحرم. وقال والواقدي: الحديبية هي طرف على تسعة أميال من مكة، والمحل بالكسر يطلق على المكان والزمان والهدي جمع هدية كتمر وتمرة، وقرئ حتى يبلغ الهدي جمع هدية كمطي ومطية انتهت.\rوفي المختار: وقرئ حتى يبلغ الهدي محله مخففا ومشددا الواحدة هدية وهدية، ويقال: ما أحسن هديته أي سيرته اهـ.\rقوله: (و به) أي المذكور من الأمرين يحصل التحلل أي الخروج من النسك. قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً* فيه حذف النعت أي محتاجا إلى الحلق ومن حال من مريضا مقدم عليه ومن للتبعيض.\rوقوله: أَوْ بِهِ أَذىً أي ألم ومرض من رأسه أي في رأسه اهـ.\rويجوز أن يكون هذا من باب عطف المفردات، وأن يكون من باب عطف الجمل. أما الأول فيكون الجار والمجرور في قوله به معطوفا على مريضا الذي هو خبر كان فيكون في محل نصب ويكون أذى مرفوعا به على سبيل الفاعلية، لأن الجار إذا اعتمد رفع الفاعل عند الكل فيصير التقدير، فمن كان كائنا به أذى من رأسه. وأما الثاني: فيكون به خبرا مقدما ومحله على هذا رفع أذى مبتدأ مؤخر، أو تكون هذه الجملة في محل نصب لأنها عطف على مريضا الواقع خبرا لكان، فهي وإن كانت جملة لفظا فهي في محل مفرد إذ المعطوف على المفرد مفرد لا يقال إنه عاد إلى عطف المفردات فيتحد الوجهان لوضوح الفرق اهـ كرخي.\rقوله: فَفِدْيَةٌ مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله عليه. وقوله: مِنْ صِيامٍ الخ بيان لفدية.\rقوله: (قوت البلد) أي مكة. وقوله: (أي ذبح شاة) أي مجزئة في الأضحية، وهذا الدم دم تخيير وتقدير كما أشار له في النظم بقوله:\rوخيرن وقدرن في الرابع ... إن شئت فاذبح أو فجد بآصع\r\rللشخص نصف أو فصم ثلاثا ... تجتث ما اجتثته اجتثاثا\r\rفي الحلق والقلم وليس دهن ... طيب وتقبيل ووطء ثنى\r\rأو بين تحللي ذوي إحرام ... فذي دماء الحج بالتمام","part":1,"page":234},{"id":236,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 235\rمن حلق لغير عذر لأنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره فَإِذا أَمِنْتُمْ العدو بأن ذهب أو لم يكن فَمَنْ تَمَتَّعَ استمتع بِالْعُمْرَةِ أي بسبب فراغه منها بمحظورات الاحرام إِلَى الْحَجِ أي إلى الاحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره فَمَا اسْتَيْسَرَ تيسر مِنَ الْهَدْيِ عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي لفقده أو فقد ثمنه فَصِيامُ أي فعليه صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ أي في حال الإحرام به قوله: (استمتع) أي تمتع أي انتفع، وقوله بغير الحلق الغير سبعة أشياء الثلاثة التي في الشرح والتقليم والتقبيل والوطء الثاني، والوطء بين التحللين فهذا الذم يجب في ثمانية أشياء في الآية منها واحد والباقي ملحق به أي مقاس وإن اقتصر الشارح في التصريح على ثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِذا أَمِنْتُمْ الفاء عاطفة على ما تقدم من قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ الخ وإذا منصوبة بالاستقرار الذي في ضمن الخبر المحذوف، لأن التقدير فعليه ما استيسر أي فاستقر عليه ما استيسر إذا أمنتم، وقوله فمن تمتع الفاء جواب إذا ومن شرطية مبتدأ، والفاء في قوله فما استيسر جوابها ولا نعلم خلافا في أنه يقع الشرط وجوابه جوابا لشرط آخر مع الفاء اهـ سمين.\rقوله: (استمتع) أي انفع وتلذذ، وقوله: (بمحظورات الإحرام) متعلق بتمتع، وقوله: إِلَى الْحَجِ متعلق بمحذوف أي واستمر تمتعه وانتفاعه بالمحظورات إلى الحج، وقوله: (بأن يكون) الخ هذا ليس قيدا في حقيقة التمتع، بل هو شرط في وجوب الدم على الممتع، وشروطه أربعة الأول ما سيأتي في الآية من قوله ذلك الخ، والثاني ما ذكره هنا، والثالث أن يكون الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من السنة التي اعتمر فيها بأن يكون اعتمر وحجّ في سنة واحدة، والرابع أن لا يعود الإحرام بالحج إلى ميقاته فإن عاد عليه اهـ شيخنا.\rقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ الخ وهذا الدم دم ترتيب وتقديره كما ذكره ابن المقري بقوله:\rأربعة دماء حج تحصر ... أولها المرتب المقدر\r\rتمتع فوت وحج قرنا ... وترك رمي والمبيت بمنى\r\rوتركه الميقات والمزدلفه ... أو لم يودع أو كمشي أخلفه\r\rناذره يصوم إن دما فقد ... ثلاثة فيه وسبعا في البلد\r\rفقد اشتملت هذه الآيات على ثلاثة أنواع من أنواع الدم الواجب في النسك، وبقي الرابع يذكر في سورة المائدة في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: 95] الآية، وهو دم تخيير وتعديل ويجب في شيئين كما أشار له بقوله:\rوالثالث التخيير والتعديل ... في صيد وأشجار بلا تكلف\r\rإن شئت فاذبح أو لعدل مثل ما ... عدلت في قيمة ما تقدما\r\rاه شيخنا. قوله: (بعد الإحرام به) هذا بيان لوقت وجوب الدم ومع ذلك يجوز ذبحه قبل الإحرام به على القاعدة من أن كل حق مالي تعلق بسببين جاز تقديمه على ثانيهما اهـ شيخنا.\rقوله: (أي في حال الإحرام به) أي فلا يجوز تقديم الصوم على الإحرام به لأنه عبادة بدنية لا","part":1,"page":235},{"id":237,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 236\rفيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ جملة تأكيد لما قبلها ذلِكَ الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دم عليه ولا يجوز تقديمها على ثاني سببيها بخلاف الذبح اهـ شيخنا.\rلكن وجوب تقديم الإحرام بالحج على السابع قول ضعيف حكاه في الروضة على الحناطي، والجمهور على خلافه، لأنه لا يجب تقديم سبب الوجوب ونص عبارة الرملي، ومثله ابن حجر في كتاب الحج، ولا يجب عينه تقديم الإحرام بزمن يتمكن من صوم الثلاثة فيه قبل يوم النحر إذ لا يجب تحصيل سبب الوجوب، ويجوز أن لا يحج في هذا العام انتهت.\rقوله: (على أصح قولي الشافعي) أي وعلى الآخر يجوز صومها فيها، ولا يجوز صوم شيء منها يوم النحر باتفاق اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا رَجَعْتُمْ منصوب بصيام أيضا وهو لمحض الظرف وليس فيها معنى الشرط لا يقال يلزم أن يعمل عامل واحد في ظرفي زمان لأنا نقول ذلك جائز مع العطف والبدل، وهنا يكون عطف شيئين على شيئين، فعطف سبعة على ثلاثة وعطف إذا على في الحج وفي قوله رجعتم شيئان، أحدهما: التفات، والآخر الحل على المعنى، أما الالتفات فإن قبله فمن تمتع فمن لم يجد فجاء بضمير الغيبة عائدا على من، فلو نسق هذا على نظم الأول لقيل إذا رجع بضمير الغيبة، وأما الحمل على المعنى فلأنه أتى بضمير الجمع اعتبارا بمعنى من ولو روعي اللفظ لأفرد فقيل راجع اهـ سمين.\rقوله: (و قيل إذا فرغتم) وهذا مرجوع عند الشافعي، وراجح عند أبي حنيفة اهـ شيخنا.\rقوله: (جملة) أي أن قوله: تلك عشرة، جملة مبتدأ وخبر وقوله: تأكيد، أي هي تأكيد لما أفاده، قوله: فصيام ثلاثة وسبعة، وفائدة هذا التأكيد دفع توهم أن الواو بمعنى أو أن السبعة كناية عن مطلق الكثرة، فإنها قد يراد بها ذلك هذا ولم يتكلم الشارح على فائدة الصفة وهي قوله كاملة، وفائدتها التنبيه على أن المراد الكمال في الثواب يعني أن الثواب يعني أن ثواب صيام العشرة كثواب الذبح لا ينقص عنه شيئا اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ ذلك: مبتدأ والجار والمجرور بعده الخبر وفي اللام قولان، أحدهما: أنها على بابها أي ذلك لازم لمن. والثاني: أنها بمعنى على كقوله أولئك لهم اللعنة ولا حاجة إلى هذا، ومن يجوز أن تكون موصولة وموصوفة وحاضري خبر يكن وحذفت نونه للإضافة اهـ سمين.\rقوله: (أو الصيام) أي إن لم يقدر على الهدي، فإن الكلام في دم الترتيب اهـ.\rقوله: (بأن لم يكونوا الخ) تفسير للمنفي وهو حاضري المسجد الحرام، قوله: (فإن كان) أي","part":1,"page":236},{"id":238,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 237\rصيام وإن تمتع، وفي ذكر الأهل إشعار باشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا، والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل عليها قبل الطواف وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) لمن خالفه أهله يعني كانوا على دون المرحلتين، هذا هو المراد من عبارته لأجل قوله فلا دم عليه، وحينئذ يؤول كلامه للتكرار فإن قوله فإن كان الخ هو عين قوله بأن لم يكونوا الخ فمعناهما واحد، وهذا كله تفسير للمنفي الذي هو مفهوم النفي ولم يفسر منطوق النفي، ولذا كتب الكرخي ما نصه: وكان الأوفق بظاهر الآية أن يقول بأن يكونوا على مرحلتين، فأكثر من الحرم، وهذا تفسير للنفي الذي هو منطوق الآية، ثم يقول تفسيرا للمفهوم، فإن لم يكونوا فلا دم لأنهم من حاضريه اهـ.\rقوله: (باشتراط الاستيطان) أي المعتبر في باب الجمعة. قوله: (فعليه ذلك) أي الهدي فالصيام. قوله: (و الأهل كناية عن النفس) مراده تفسير الأهل في الآية، والمراد نفس المحرم، فعلى هذا يكون معنى الآية ذلك لمن أي المحرم لم يكن أهله أي لم يكن هو نفسه حاضر المسجد الحرام، وهذا معنى سخيف فالأولى ما قاله غيره. وعبارة الرملي في كتاب الحج: قال الطبري: والمراد بالأهل الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والإخوة اهـ.\rقوله: (و ألحق بالمتمتع فيما ذكر) أي في وجوب الدم أو بدله، وقد علمت أن الدم المذكور دم ترتيب وتقدير، وهو يجب في تسعة أشياء في الآية منها واحد، وذكر الشارح واحدا، وبقي سبعة تعلم من النظم المتقدم اهـ شيخنا.\rلكن وجوب صيام الثلاثة في الحج في هذا الدم إنما يتصور في بعض التسعة، كالتمتع والقران وترك الإحرام من الميقات بخلاف المبيت والرمي وطواف الوداع ونحوها. قال البارزي: فيجب صوم الثلاثة بعد أيام التشريق في الرمي والمبيت لأنه وقت الإمكان بعد الوجوب، وذكر البلقيني في فتاويه أن صومها في طواف الوداع يكون بعد وصوله إلى حيث يتقرر عليه الدم أي إلى مكان لا يمكنه الرجوع منه إلى مكة ليطوف طواف الوداع. قال: فإن صامها كذلك وصفت بالاداء، وإلّا فبالقضاء، وقوله حيث يتقرر عليه الدم أي أما قبل تقرره بأن كان يمكنه الرجوع إلى مكة ليطوف طواف الوداع، فلم يستقر عليه الدم لاحتمال أن يرجع ويطوف اهـ من حواشي الخطيب الشربيني.\rوعبارة ابن الجمال في شرح نظم ابن المقري للدماء بعد قول النظم يصوم أن دما فقد ثلاثة فيه أي يصوم بعد الإحرام بالنسبة للتمتع والقران والفوات ومجاوزة الميقات في الحج والمشي والركوب المنذورين، وعقب أيام التشريق بالنسبة للرمي والمبيتين، وبعد استقرار الدم عليه في طواف الوداع، إما بوصوله لمسافة القصر أو لنحو وطنه كما مر، وبعد الإحرام بالعمرة بالنسبة لمجاوزة الميقات فيها والمشي والركوب المنذورين فيها، انتهت.\rقوله: (قبل الطواف) أي قبل الشروع في طوافها. قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة في روع السامع اهـ أبو السعود. قوله: شَدِيدُ الْعِقابِ من باب إضافة الصفة","part":1,"page":237},{"id":239,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 238\rالْحَجُ وقته أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله فَمَنْ فَرَضَ على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَ بالإحرام به فَلا رَفَثَ جماع فيه وَلا فُسُوقَ معاص وَلا جِدالَ خصام فِي الْحَجِ وفي قراءة بفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ كصدقة يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجازيكم به ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد فيكونون المشبهة إلى مرفوعها، وقد تقدم أن الإضافة لا تكون إلا من نصب، والنصب والإضافة أبلغ من الرفع لأن فيهما إسناد الصفة للموصوف، ثم ذكر من هي له حقيقة اهـ سمين.\rقوله: (وقته) قدره ليصح الإخبار وذلك لأن الحج عمل، والأشهر زمن وهو لا يخبر به عن العمل اهـ.\rقوله: أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أي وأما وقت العمرة فجميع السنة، وهذه الآية مخصصة لعموم آية:\rيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ الخ، حيث اقتضت أن جميع الأهلة وقت للحج اهـ.\rقوله: (و عشر ليال الخ) وحينئذ فيقال ما وجه الإتيان بالجمع، والجواب أن لفظ الجمع المراد به هنا ما فوق الواحد أو أنه نزل بعض الشهر منزلة كله، قوله: (و قيل كله) أي كل ذي الحجة، وعلى هذا القول مالك في رواية عنه وابن عمر، والزهري اهـ خازن. وهذا القول شاذ في مذهب الشافعي، وعبارة الروضة، وفي وجه لا يجوز الإحرام ليلة النحر، وهو شاذ مردود. وحكى المحاملي قولان عن الإملاء أنه يصح الإحرام به في جميع ذي الحجة وهذا أشد وأبعد، انتهت.\rقوله: فَمَنْ فَرَضَ (على نفسه) فِيهِنَّ الْحَجَ أي أوجبه عليها وألزمه إياها اهـ.\rقوله: فَلا رَفَثَ الخ هذه الجمل الثلاث في محل جزم جواب من أن كانت شرطية وفي محل رفع خبرها إن كانت موصولة اهـ شيخنا. وعبارة السمين: الفاء: إما جواب الشرط، وإما زائدة في الخبر على حسب القولين المتقدمين. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير بتنوين رفث وفسوق ورفعهما وفتح جدال والباقون بفتح الثلاثة. وأبو جعفر، ويروى عن عاصم برفع الثلاثة والتنوين، والعطاردي بنصب الثلاثة والتنوين اهـ.\rقوله: فِي الْحَجِ أي في أيامه ونكتة الإظهار كمال الاعتناء بشأنه والإشعار بعلة الحكم، فإن زيادة البيت المعظم والتقرب بها من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي والدلالة على أن ذلك حقيق بألا يقع، فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه ففي خلال الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة، لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة اهـ أبو السعود.\rقوله: (و المراد في الثلاثة النهي) فهي أخبار مستعملة في النهي، وما كان كذلك فهو أبلغ من النهي الصريح، لأن الكلام حينئذ يشير إلى أن هذا الأمر مما لا ينبغي أن يقع في الخارج أصلا وأنه حقيق بأن يخبر عنه إخبارا صادقا بعدم وقوعه أبدا اهـ شيخنا.\rقوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ الخ حث اللّه تعالى على فعل الخير عقب النهي عن الشر، وهو أن يستعمل مكان الرفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق","part":1,"page":238},{"id":240,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 239\rكلا على الناس وَتَزَوَّدُوا ما يبلغكم لسفركم فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ما يتقى به سؤال الناس وغيره وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) ذوي العقول\rلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ في أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا فَضْلًا رزقا مِنْ رَبِّكُمْ بالتجارة في الحج نزل ردا لكراهتهم ذلك فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم مِنْ عَرَفاتٍ بعد الوقوف بها فَاذْكُرُوا اللَّهَ بعد المبيت بمزدلفة الحميدة وذكر الخير، وإن كان عالما بجميع أفعال العباد لفائدة وهي أنه تعالى إذا علم من العبد الخير ذكره وأشهره، وإذا علم منه الشر أسرّه وأخفاه، فإذا كان هذا فعله مع عبده في الدنيا فكيف يكون في العقبى اهـ خازن.\rقوله: (فيكونون كلا على الناس) ويقولون نحن متوكلون نحن نحج بيت ربنا أفلا يطعمنا، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، وربما أفضى بهم الحال إلى النهب والغصب اهـ خازن.\rوقال ابن الجوزي: قد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذاهو التوكل وهم على غاية من الخطأ اهـ كرخي.\rقوله: (ما يبلغكم لسفركم) هذاهو المفعول المحذوف دل عليه خبر إن وهو التقوى فهما متحدان معنى على ما سلكه الشارح، وإن اختلف العنوان اهـ شيخنا.\rقوله: (ذوي العقول) تفسير للمضاف والمضاف إليه اهـ.\rقوله: (في) أَنْ تَبْتَغُوا أشار بتقدير في إلى أن تبتغوا في موضع جر اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ رَبِّكُمْ يجوز أن يتعلق بتبتغوا، وأن يكون صفة لفضلا فيكون منصوب المحل متعلقا بمحذوف، ومن في الوجهين لابتداء الغاية، لكن في الوجه الثاني يحتاج إلى حذف مضاف أي فضلا كائنا من فضول ربكم اهـ سمين.\rقوله: (بالتجارة في الحج) اتفقوا على أن التجارة إن أوقعت نقصا في الطاعة لم تكن مباحة، وإن لم توقع نقصا في الطاعة كانت مباحة وتركها أولى لقوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: 5] والإخلاص هو أن يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة. والحاصل: أن الإذان في هذه التجارة جار مجرى الرخص اهـ كرخي.\rوالذي تلخص في كتب فروع في هذه المسألة أي التشريك بين العبادة وغيرها ثلاثة طرق. قال ابن عبد السّلام: إنه لا أجر فيه مطلقا أي سواء تساوى القصدان أم اختلفا اهـ.\rوقد اختار الغزالي فيما إذا شرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فهي أجر، وإن كان القصد الديني أغلب فله بقدره، وإن تساويا تساقطا. وقال ابن حجر في شرح المنهاج؛ والأوجه أن قصد العبادات يثاب عليه بقدره وإن انضم إليه غيره مساويا أو راجحا وخالفه الرملي فاعتمد طريقة الغزالي. قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ العالم في إذا جوابها، وهو فاذكروا، قال أبو البقاء: ولا تمنع الفاء من عمل ما بعدها فيما قبلها لأنه شرط اهـ سمين.","part":1,"page":239},{"id":241,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 240\rبالتلبية والتهليل والدعاء عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ هو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح وفي الحديث «أنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقف به يذكر اللّه ويدعو حتى أسفر جدا» رواه مسلم\rوَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل وَإِنْ مخففة كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ قبل هداه لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)\rثُمَّ أَفِيضُوا يا قريش مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي من عرفة بأن قوله: (دفعتم) أي دفعتم أنفسكم وسرتم للخروج منها والإفاضة دفع بكثرة من أفضت الماء إذا صببته بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول وعرفات جمع سمي به كأذرعات، وإنما صرف وفيه العلتان لأن تنوينه تنوين المقابلة لا تنوين التمكين، وهذا الاسم من الأسماء المرتجلة إلا على القول بأن أصله جمع اهـ أبو السعود. وفي المصباح: وأفاض الناس من عرفات دفعوا منها، وكل دفعة افاضة، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر رجعوا إليها ومنه طواف الإفاضة أي طواف الرجوع من منى إلى مكة اهـ.\rقوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي لذاته من غير ملاحظة نعمه لأنه تعالى يستحق الحمد من حيث ذاته ومن حيث انعامه على خلقه، فحصلت المغايرة بين هذا، وقوله: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ اهـ.\rقوله: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق باذكروا. والثاني: أنه يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل اذكروا أي اذكره كاثنين عند المشعر الحرام اهـ سمين.\rقوله: (يقال له قزح) بوزن عمر فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعدل كجشم وسمي مشعر من الشعار وهو العلامة لأنه من معالم الحج، ووصف بالحرام لحرمته من التحريم وهو المنع، فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (حتى أسفر جدا) أي دخل في السفر بفتحتين وهو بياض النهار اهـ شوبري على المنهج نقلا عن مرقاة الصعود. قوله: (لمعالم دينه) جمع معلم بمعنى العلامة، وفي المختار: والمعلم الأثر يستدل به على الطريق اهـ.\rوفي القاموس: والعلامة السمة ومنصوب في الطريق يستدل به ومعلم الشيء كمقعد مظنته، وما يستدل به من العلامة اهـ.\rقوله: (و الكاف للتعليل) أي وما مصدرية أي واذكروه لأجل هدايته إياكم اهـ كرخي.\rقوله: (مخففة) أي من الثقيلة والأصل وأنكم كنتم، فحذف الاسم وخففت ولزمت اللام في خبرها، وأهملت عن العمل فهي في هذا التركيب مهملة وإن كانت قد تعمل في غيره اهـ.\rقوله: (قبل هداه) أي المذكورة في ضمن الفعل على حد اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة:\r8] اهـ.\rقوله: لَمِنَ الضَّالِّينَ أي عن الهدى أي الجاهلين أي لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه وعبارة الخطيب: لمن الضالين أي الجاهلين بالإيمان والطاعة انتهت. ومن قبله متعلق بمحذوف يدل عليه لمن الضالين تقديره: وإن كنتم من قبله ضالين لمن الضالين، ولا يتعلق بالضالين بعده لأن ما بعد أل الموصولة لا يعمل فيما قبلها إلا على رأي من يتوسع في الظرف اهـ سمين.","part":1,"page":240},{"id":242,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 241\rتقفوا بها معهم وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعا عن الوقوف معهم، وثم للترتيب في الذكر وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من ذنوبكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (199) بهم\rفَإِذا قَضَيْتُمْ أديتم مَناسِكَكُمْ عبادات حجكم بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى قوله: (أي من عرفة) تفسير لحيث فحيث هو عرفة. قوله: (و كانوا) أي قريش يقفون، وقوله:\r(ترفعا) أي استكبارا. وقوله: (معهم) أي مع الناس اهـ.\rقوله: (و ثم للترتيب في الذكر) أشار به إلى جواب سؤال قد أوضحه السمين ونصه: استشكل الناس مجيء ثم هنا من حيث ان الإفاضة الثانية هي الإفاضة الأولى، لأن قريشا كانت تقف بمزدلفة، وسائر الناس يقفون بعرفة، فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس، فكيف يجاء بثم التي تقتضي الترتيب والتراخي، وفي ذلك أجوبة، أحدها: أن الترتيب في الذكر لا في الزمان الواقع فيه الأفعال وحسن ذلك أن الإفاضة الأولى غير مأمور بها إنما المأمور به ذكر اللّه إذا حصلت الإفاضة. الثاني: أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ [البقرة: 197] ففي الكلام تقديم وتأخير وهو بعيد. الثالث: أن تكون ثم بمعنى الواو، وقد قال به بعض النحويين فهي لعطف كلام على كلام منقطع عن الأول. الرابع: أن الإفاضة الثانية هي من جمع إلى منى والمخاطب بها جميع الناس وهذا كما قال جماعة كالضحاك، ورجحه الطبري وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن وعلى هذا فثم على بابها اهـ.\rقوله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ استغفر يتعدى لاثنين أولهما بنفسه، والثاني بمن نحو استغفرت اللّه من ذنبي وقد يحذف حرف الجر كقوله:\rاستغفر اللّه ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\r\rهذا مذهب سيبويه وجمهور الناس، وقال ابن الطراوة: إنه يتعدى إليهما بنفسه أصالة، وإنما يتعدى بمن لتضمنه معنى ما يتعدى بها فعنده استغفرت اللّه من كذا بمعنى تبت إليه من كذا، ولم يجىء استغفر في القرآن متعديا إلا للأول فقط، فأما قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: 19] وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [يوسف: 29] فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: 135] فالظاهر أن هذه اللام لام العلة لا لام التعدية ومجرورها مفعول من أجله لا مفعول به، وأما غفر فذكر مفعوله في القرآن تارة وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [البقرة: 135] وحذف أخرى وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [المائدة: 40] والسين في استغفروا للطلب على بابها والمفعول الثاني هنا محذوف للعلم به أي من ذنوبكم التي فرطت منكم اهـ سمين. ولذا قدره الجلال بقوله: من ذنوبكم.\rقوله: فَإِذا قَضَيْتُمْ أديتم: أي لأن قضى إذا علق بفعل النفس، فالمراد منه الإتمام والفراغ:\rكقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [فصلت: 12] وإذا علق على فعل الغير، فالمراد به الإلزام، كقوله وَقَضى رَبُّكَ [الإسراء: 23] وإذا استعمل في الإعلام فالمراد به أيضا كذلك كقوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [الإسراء: 4] أي أعلمناهم وهذه الآية من القسم الأول اهـ كرخي.\rقوله: مَناسِكَكُمْ في المصباح: نسك للّه ينسك من باب قتل تطوع بقربة، والنسك بضمتين اسم منه، وفي التنزيل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: 162] والمنسك بفتح السين وكسرها يكون","part":1,"page":241},{"id":243,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 242\rفَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير والثناء كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً من ذكركم إياهم ونصب أشد على الحال من ذكرا المنصوب باذكروا إذ لو تأخر عنه لكان صفة له فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا نصيبنا فِي الدُّنْيا فيؤتاه فيها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) نصيب\rوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً زمانا ومصدرا، ويكون اسم المكان الذي تذبح فيه النسيكة وهي الذبيحة وزنا ومعنى، وفي التنزيل:\rوَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً [الحج: 34] بالفتح والكسر في السبعة، ومناسك الحج عباداته، وقيل مواضع العبادات، ومن فعل كذا فعليه نسك أي دم يريقه ونسك تزهد وتعبد فهو ناسك والجمع نساك مثل عابد وعباد اهـ.\rقوله: (جمرة العقبة) بسكون الميم وتجمع على جمرات بفتح الميم وعلى جمار والجمرة تطلق على الحصاة المرمية وعلى موضع الرمي بطريق الاشتراك والمتبادر منها هنا الموضع، فقوله بأن رميتم جمرة العقبة أي رميتم إليها أي إلى تلك البقعة اهـ.\rقوله: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ المصدر مضاف لفاعله وآباءكم مفعوله كما أشار له في الحل، وفي الخازن: فقد كانت العرب إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى وقيل: عند البيت فيذكرون فضائل آبائهم ومناقبهم فيقول أحدهم: كان أبي كبير الجفنة يقري الضيف، وكان كذا وكذا فيعدد مناقبه، ويتناشدون في ذلك الأشعار، ويتكلمون بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح وغرضهم بذلك الشهرة والسمعة والرفعة، فلما منّ اللّه عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم للّه لا لآبائهم اهـ.\rقوله: (بالمفاخر) جمع مفخرة بفتح الخاء وضمها وفخر بكذا من باب نفع وافتخر مثله، والاسم الفخار بالفتح وهو المباهة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك، إما في المتكلم أو في آبائه، وتفاخر القوم فيما بينهم إذا افتخر كل منهم بمفاخره اهـ من المصباح والمختار.\rقوله: أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أي بل أشد ذكرا، وقيل أو بمعنى الواو أي وأشد ذكرا أي وأكثروا ذكر اللّه من ذكركم للآباء لأنه تعالى هو المنعم عليكم وعلى آبائكم، فهو المستحق للذكر والحمد مطلقا اهـ خازن. وذكر الجلال المفضل عليه بقوله من ذكركم إياهم. قوله: (المنصوب باذكروا) أي على أنه مفعول مطلق وسكت عن إعراب الجار والمجرور وهو حال أيضا من ذكر مقدم، والمعنى اذكروا اللّه ذكرا مماثلا لذكركم آباءكم أو أشد أي أكثر منه، فكل من الجار والمجرور وأشد حال من المفعول المطلق قدم عليه، لأنه كان في الأصل صفة لو تأخر عنه، فلما قدم عليه أعرب حالا على القاعدة وقوله أو أشد معطوف على الجار والمجرور تأمل. قوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ الخ هذا بيان لحال المشركين كانوا يسألون في حجهم الدنيا فيقولون اللهم اعطنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا اهـ خازن.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الخ بيان لحال المؤمنين فمجموع الأمرين تفصيل لحال الذاكرين إلى من لا يطلب بذكر اللّه تعالى إلا الدنيا، وإلى من يطلب خير الدارين، والمراد به الحث على الإكثار من الدعاء اهـ.","part":1,"page":242},{"id":244,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 243\rنعمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً هي الجنة وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) بعدم دخولها وهذا بيان لما كان عليه المشركون ولحال المؤمنين والقصد به الحث على طلب الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله\rأُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ ثواب مِمَّا أجل كَسَبُوا وَاللَّهُ عملوا من الحج والدعاء سَرِيعُ الْحِسابِ (202) يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك قوله: (نعمة) النعمة تشمل العلم النافع والعبادة والصحة والكفاية والتوفيق للخير، وتشمل كل خير اهـ كرخي.\rوعبارة الخازن: قيل: إن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة والأمن والكفاية والتوفيق إلى الخير والنصر على الأعداء والولد الصالح والزوجة الصالحة، وقيل الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقيل الحسنة في الدنيا الرزق الحلال والعمل الصالح وفي الآخرة المغفرة والثواب وقيل: من آتاه اللّه الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة اهـ.\rقوله: (و هذا بيان الخ) الإشارة لقوله: فمن الناس الخ على سبيل اللف والنشر المرتب تأمل.\rقوله: أُولئِكَ لَهُمْ الخ إشارة للفريق الثاني فقط، وذلك أن اللّه تعالى بيّن حال الفريق الأول بقوله وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فبقي الفريق الثاني بلا بيان فبينه بقوله: أولئك الخ، وقيل يرجع إلى الفريقين معا أي كل فريق له نصيب بحسب ما دعا به اهـ خازن.\rومشى الجلال في تقريره على الاحتمال الأول. قوله: (في قدر نصف نهار) بل في قدر لمحة، فهذا تمثيل للسرعة لا تعيين لمقدار زمن الحساب، وقد كنى تعالى بسرعة الحساب عن كمال قدرته، لأن من حاسب الأولين والآخرين في مقدار الزمان اليسير كان كامل القدرة باهر السلطان فيقدر على الانتقام منهم إن قصروا فيه، فاحذروا من الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ذكروا في معنى الحساب أن اللّه تعالى يعلم العباد ما لهم وما عليهم بمعنى أن اللّه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها.\rوبمقادير ما لهم من الثواب وما عليهم من العقاب، وقيل: إن المحاسبة عبارة عن المجازاة، ويدل عليه قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً [الطلاق: 8] وقيل: إن اللّه تعالى يكلم عباده يوم القيامة ويعرفهم أحوال أعمالهم وما لهم من الثواب وعليهم من العقاب، وقيل: إنه تعالى إذا حاسب عباده فحسابه سريع، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد وروية فكر وصف نفسه تعالى بسرعة الحساب مع كثرة الخلائق، وكثرة أعمالهم ليدل بذلك على كمال قدرته، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولا يحتاج إلى آلة ولا إمارة ولا مساعد. لا جرم كان قادرا أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمحة البصر، وروي أنه تعالى يحاسب الخلائق في قدر حلبة شاة أو ناقة. وقيل: في معنى كونه تعالى سريع الحساب أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك أنه تعالى يسأله السائلون في الوقت الواحد كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك لأنه تعالى عالم بجميع أحوال عباده وأعمالهم، وقيل في معنى الآية: أن إتيان القيامة قريب لا محالة وفيه إشارة إلى المبادرة بالتسوية والذكر وسائر الطاعات وطلب الآخرة انتهت.","part":1,"page":243},{"id":245,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 244\r* وَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير عند رمي الجمرات فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ أي أيام التشريق الثلاثة فَمَنْ تَعَجَّلَ أي استعجل بالنفر من منى فِي يَوْمَيْنِ أي في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بالتعجيل وَمَنْ تَأَخَّرَ بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بذلك أي هم مخيرون في ذلك ونفى الإثم لِمَنِ اتَّقى اللّه في حجة لأنه الحاج في الحقيقة قوله: (عند رمي الجمرات) أي وخلف الصلوات وعلى الأضاحي والهدايا اهـ كرخي.\rروى مسلم عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر اللّه تعالى ومن الذكر في هذه الأيام التكبير». وروى البخاري عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام خلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه وفي مجله في تلك الأيام جميعا اهـ من الخازن.\rقوله: (الثلاثة) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وهو قول ابن عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، وهو مذهب الشافعي، وقيل: إن الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده وهو قول علي بن أبي طالب، ويروى عن ابن عمر أيضا، وهو مذهب أبي حنيفة اهـ خازن.\rقوله: (بالنفر من منى) يقال استعجل النفر وتعجل بالنفر، فيستعمل متعديا بنفسه ولازما متعديا بفي والباء، فإن التفعل والاستفعال يجيئان لازمين ومتعديين يقال: تعجل في الأمر واستعجل فيه وتعجله واستعجله اهـ أبو السعود. والنفر: الخروج من منى والدفع منها، يقال: نفر الحاج من منى ينفر من باب ضرب ونفورا أيضا اهـ من القاموس.\rقوله: (أي في ثاني أيام التشريق الخ) يشير به إلى أن الكلام على حذف المضاف دفعا لما يوهمه ظاهر النظم من أن النفر واقع في كل من اليومين وليس مرادا اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: ولا بد من معدوداته تقول في قوله في يومين لأن الفعل الواقع في الظرف المحدود يستلزم أن يكون واقعا في كل من معدوداته تقول سرت يومين لا بد وأن يكون السفر وقع في الأول والثاني أو بعض الثاني، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم الأول من هذين اليومين بوجه، ووجه المجاز إما من حيث أنه جعل الواقع في أحدهما واقعا فيهما كقوله: نَسِيا حُوتَهُما [الكهف: 61]، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: 22] والناس أحدهما، وكذلك المخرج منه أحدهما وأما من حيث حذف المضاف أي في ثاني يومين انتهت.\rقوله: (بعد رمي جماره) يعني بعد الزوال وهي إحدى وعشرون حصاة يرمي سبعة لكل جمرة، وإنما يجوز التعجيل في اليوم الثاني قبل غروب الشمس، فإن غربت عليه وهو بمنى لزمه المبيت بها ليرمي اليوم الثالث اهـ خازن. واشتراط وقوع الرمي بعد الزوال هو مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة يجوز تقديمه عليه اهـ من البيضاوي. قوله: وَمَنْ تَأَخَّرَ بها أي بمنى أي استمر وبقي فيها حتى بات الخ. قوله: (أي هم مخيرون في ذلك) جواب سؤال تقديره أن يقال نفي الإثم، إنما يقال عند التقصير في الطاعة. ومن استمر حتى بات الليلة الثالثة لم يقصر، فكيف ينفى عنه الإثم، وحاصل","part":1,"page":244},{"id":246,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 245\rوَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ الجواب الذي أشار له أن في نفي الإثم دلالة على جواز الأمرين، فكأنه قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل وفي التأخير، وفي المقام أجوبة أخرى منها ما أفاده السمين، وهو أن هذا من قبيل المشاكلة على حدّ قوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116] ومنها ما يؤخذ من عبارة الكرخي ونصه: قوله: أي هم مخيرون في ذلك فيه إشارة إلى أن معنى نفي الإثم بالتعجيل والتأخير التخيير بينهما والرد على أهل الجاهلية، فإن منهم من أثم التعجل، ومنهم من أثم المتأخر فنفى الإثم عن كل منهما وخيره، وإن كان التأخير أفضل لأنه يجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل أو المعنى لا إثم على المتأخر في ترك الأخذ بالرخصة مع أن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. أهذا جواب سؤال وهو ما فائدة قوله ومن تأخر فلا إثم عليه مع أنه معلوم بالأول مما قبله اهـ بحروفه.\rقوله: (و نفي الإثم الخ) قدره ليفيد أن قوله: لِمَنِ اتَّقى خبر مبتدأ محذوف تقديره هكذا وقد قرر هذا السمين.\rقوله: (أنه الحاج) أي لأنه هو المنتفع بحجه دون من سواه على حد: ذلك خير للذين يريدون وجه اللّه اهـ السمين.\rوقوله في الحقيقة في بعض النسخ على الحقيقة. قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ وقوله الآتي ومن الناس الخ هذان قسمان يضمان لقوله سابقا فمن الناس الخ، فأول الأربعة راغب في الدنيا فقط ظاهرا أو باطنا، والثاني راغب فيها وفي الآخرة كذلك، والثالث راغب في الآخرة ظاهرا وفي الدنيا باطنا. والرابع راغب في الآخرة ظاهرا وباطنا معرض عن الدنيا كذلك اهـ شيخنا.\rوالإعجاب استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له، وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء وليس هو شيئا في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه اهـ سمين.\rقوله: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بقوله على أنه صفة له أي قوله: وكلامه الكائن في شأنها وما يتعلق بها وقوله: في الآخرة متعلق الضمير المستكن في الفعل العائد على القول أي ولا يعجبك هو أي قوله، وكلامه الكائن في شأن الآخرة المتعلق بها كادعائه أنه مؤمن وأنه محب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فهذا القول من تعلقات الآخرة اهـ.\rقوله: وَيُشْهِدُ اللَّهَ جملة مستأنفة أو حالية، وقوله: عَلى ما فِي قَلْبِهِ أي من مدلول القول الذي يقول، والمراد بالإشهاد الحلف أي يحلف باللّه أن ما في قلبه موافق لقوله، أو أن يقول اللّه يشهد أن ما في قلبي موافق لقولي لقوله إنه موافق متعلق بيشهد. قوله: (شديد الخصومة) أشار به إلى أن ألد صفة مشبهة والخصام إما مصدر على حد قوله، لفاعل الفعال والمفاعلة. وعلى هذا فالإضافة على معنى في وإما جمع خصم كصعب وصعاب وكلب وكلاب وبحر وبحار وكعب وكعاب اهـ أبو السعود.","part":1,"page":245},{"id":247,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 246\rأنه موافق لقوله وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وهو الأخنس ابن شريق كان منافقا حلو الكلام للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يحلف أنه مؤمن به ومحب له فيدني مجلسه فأكذبه اللّه في ذلك ومرّ بزرع وحمر لبعض المسلمين فأحرقه وعقرها ليلا كما قال تعالى:\rوَإِذا تَوَلَّى انصرف عنك سَعى مشى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ من جملة الفساد وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) أي لا يرضى به\rوَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ في فعلك أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ حملته قوله: (و هو الأخنس بن شريق) هذا لقبه، واسمه أبي، ولقب بالأخنس لأنه خنس يوم بدر أي تأخر عن القتال مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان معه ثلاثمائة رجل من المنافقين من بني زهرة فتأخر بهم عن القتال، وقال لهم: إن محمدا ابن أختكم فإن يك كاذبا كفاكموه الناس، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به قالوا له: نعم ما رأيت. قال: إني سأخنس بكم فاتبعوني فخنس فسمي الأخنس لذلك اهـ خازن.\rقوله: (حلو الكلام) أي وحسن المنظر اهـ خطيب.\rقوله: (فيدني مجلسه) أي فيدنيه النبي مجلسه أي في مجلسه أي يقربه منه في مجلسه، فكان النبي إذا جلس وحضر الأخنس أخذه عنده قريبا منه ففاعل يدني ضمير يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومفعوله محذوف كما علمت، وفي بعض النسخ فيدنو أي الأخنس اهـ شيخنا.\rقوله: (فأكذبه اللّه في ذلك) أي في قوله المذكور أي بين كذبه فيه بقوله: وَإِذا تَوَلَّى الخ.\rوقوله: (و حمر) بضم الميم جمع حمار الحيوان المعروف اهـ.\rقوله: (و عقرها ليلا) في المصباح عقره عقرا من باب ضرب جرحه، وعقر البعير بالسيف عقرا ضرب قائمه به، ولا يطلق العقر في غير القوائم، وربما قيل عقره إذا نحره فهو عقير وجمال عقرى، وعقرت المرأة عقرا من باب ضرب أيضا وفي لغة من باب قرب انقطع حملها فهي عاقر اهـ.\rقوله: وَإِذا تَوَلَّى سَعى سعى جواب إذا الشرطية، وهذا الجملة الشرطية تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون عطفا على ما قبلها وهو يعجبك فتكون إما صلة أو صفة. والثاني: أن تكون مستأنفة لمجرد الأخبار بحاله وقد تم الكلام عند قوله أَلَدُّ الْخِصامِ اهـ سمين.\rقوله: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ أي بالإحراق وهو الزرع، وقوله: وَالنَّسْلَ أي بالعقر وهو المنسول أي المولود الذي هو الحمر، وفي المختار: والحرث الزرع وبابه نصر والحراث الزراع اهـ.\rوفي المصباح: والنسل الولد ونسل نسلا من باب ضرب كثر نسله اهـ.\rقوله: (من جملة الفساد) خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا أي قوله: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ من عطف الخاص على العام، فإن الفساد أعم من ذلك فيشمل سفك الدماء ونهب الأموال وغير ذلك.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُ أي على سبيل النصيحة اهـ. وهذه الجملة يحتمل كونها مستأنفة أو معطوفة على يعجبك. قوله: (حملته الأنفة) أشار به إلى أن في أخذ استعارة تبعية استعير الأخذ للحمل بعد أن شبه حال حمية الجاهل وحلمها إياه على الإثم بحالة شخص له على غريمه حق، فيأخذه به، ويلزمه إياه اهـ شهاب.","part":1,"page":246},{"id":248,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 247\rالأنفة والحمية على العمل بِالْإِثْمِ الذي أمر باتقائه فَحَسْبُهُ كافيه جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) الفراش هي\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي يبيع نَفْسَهُ أي يبذلها في طاعة اللّه ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ رضاه وهو صهيب لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك قوله: (الأنفة) أي التكبر اهـ شهاب. وفي المصباح: أنف من الشيء أنفا من باب تعب، والاسم الأنفة مثل قصبة أي استنكف وهو الاستكبار وأنف منه تنزه عنه. قال أبو زيد: أنفت من قوله أشد الأنف إذا كرهت ما قال اهـ.\rقوله: بِالْإِثْمِ في هذه الباء ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون للتعدية وهو قول الزمخشري، فإنه قال أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه أي حملته العزة على الإثم وألزمته ارتكابه. قال الشيخ: وباء التعدية، بابها الفعل اللازم نحو ذهب اللّه بسمعهم وندرت التعدية بالباء في الفعل المتعدي نحو صككت الحجر بالحجر أي جعلت أحدهما يصك الآخر. الثاني: أن تكون للسببية بمعنى أن إثمه كان سببا لأخذ العزة له، كما في قوله: أخذته عزة من جهله، فتولى مغضبا. والثالث: أن تكون للمصاحبة فتكون في محل نصب على الحال وفيها حينئذ وجهان، أحدهما: أن تكون حالا من العزة أي ملتبسة بإثم. والثاني: أن تكون حالا من المفعول أي أخذته حال كونه ملتبسا بالإثم، وفي قوله العزة بالإثم التتميم وهو نوع من علم البديع، وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس وتقربها من الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة فمن مجيئها محمودة قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها المحمودة فقيل بالإثم توضيحا للمراد فرفع اللبس بها اهـ سمين.\rقوله: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ حسبه مبتدأ. وجهنم خبره أي كافيه جهنم، وقيل جهنم فاعل بحسب، ثم اختلف القائل بذلك في حسب، فقيل هو بمعنى اسم الفاعل وقيل اسم فعل اهـ سمين.\rقوله: وَلَبِئْسَ الْمِهادُ جواب قسم مقدر أي واللّه وقوله هي أشار به إلى أن المخصوص بالذم محذوف وهو هي وحسن حذفه هنا كون المهاد وقع فاصلة، وهو مبتدأ والجملة من بئس خبره وفي المهاد قولان، أحدهما: أنه جمع مهد وهو ما يوطأ للنوم. والثاني: أنه اسم مفرد سمي به الفراش الموطأ للنوم، وهذا من باب التهكم واستهزاء، أي جعلت جهنم لهم بدل مهاد يفترشونه اهـ من السمين.\rقوله: (في طاعة اللّه) من صلاة وصيام وحج وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فكان ما يبذله من نفسه كالسلعة فصار كالبائع، واللّه تعالى المشتري والثمن هو رضا اللّه تعالى وثوابه المذكور في قوله: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ومن رأفته بعباده أن أنفس عباده وأموالهم له، ثم أنه تعالى يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا اهـ.\rقوله: (و ترك لهم ماله) فيه إشارة إلى قول آخر في تقرير الآية، وهو أن المراد بالشراء الاشتراء والأخذ، فعلى هذا يكون ماله هو الثمن الذي تركه لهم ونفسه هي المبيع الذي اشتراه وأخذه، وعبارة أبي السعود نزلت في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال إني شيخ كبير إن","part":1,"page":247},{"id":249,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 248\rلهم ماله وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) حيث أرشدهم لما فيه رضاه. ونزل في عبد اللّه بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الابل بعد الإسلام\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ بفتح السين وكسرها الإسلام كَافَّةً حال من السلم أي في جميع شرائعه وَلا تَتَّبِعُوا كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فخلوني وخذوا مالي فقبلوا منه فأتى المدينة اهـ.\rوفي الخطيب بعد ما قرر مثل هذا ما نصه، فعلى هذا يكون يشري بمعنى يشتري لا بمعنى يبيع ويبذل اهـ.\rفنلخص من مجموع هذا الكلام أن في الآية تقريرين تأمل. قوله: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ومن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن المصرّ على الكفر ولو مائة سنة إذا تاب ولو لحظة أسقط عنه عقاب تلك السنين وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا اهـ كرخي.\rقوله: (و أصحابه) أي ممن أسلم من اليهود، قوله: (لما عظموا السبت) أي احترموه واستمروا على تعظيمه الذي كان في شريعة موسى، ومن جملة تعظيمه تحريم الصيد فيه. وقوله: (و كرهوا الإبل) أي كرهوا لحومها وألبانها لحرمتها عليهم، كما كان في شريعة موسى، فلم يدخلوا في جميع شرائع الإسلام يعني لم يتلبسوا بالجميع، لأن تعظيم السبت وتحريم الإبل ليس من شرائع الإسلام اهـ شيخنا.\rوسبب تحريم الإبل عليهم أن يعقوب عليه السّلام أصابه عرق النساء بالفتح والقصر، فنذر إن شفي من هذا المرض ألّا يأكل أحب الطعام إليه ولا يشرب أحب الشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فحرمها على نفسه فحرما على بنيه تبعا له. وسيأتي هذا في قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [آل عمران: 93]. قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ أي تلبسوا واعملوا بجميع السلم أي بجميع أحكامه، واتركوا ما كنتم عليه من شريعة موسى المخالفة لملة الإسلام اهـ شيخنا.\rقوله: (بفتح السين وكسرها) عبارة السمين قرأ هنا السلم بالفتح. نافع، والكسائي، وابن كثير والباقون بكسرها أما التي في الأنفال، فلم يقرأها بالكسر إلا أبو بكر وحده عن عاصم، والتي في القتال فلم يقرأها بالكسر إلا حمزة وأبو بكر أيضا، وسيأتي: فقيل: هما بمعنى وهو الصلح ويذكر ويؤنث.\rقال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: 61] وأصله من الاستسلام وهو الانقياد، ويطلق على الإسلام، قاله الكسائي وجماعة اهـ. وفي البيضاوي: السلم بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة، ولذلك يطلق على الصلح والإسلام فتحه ابن كثير ونافع والكسائي، وكسره الباقون اهـ.\rقوله: (حال من السلم) قد عرفت أنه يذكر ويؤنث، فلذلك أنّث هنا، فقيل: كافة، ولم يقل كافا اهـ.\rقوله: (أي في جميع شرائعه) أي فلا تخالفوا في بعضها الذي خالف شريعة موسى كعدم تعظيم السبت وعدم كراهة الإبل، فخالفتم في هذين الحكمين وعظمتم السبت وكرهتم الإبل اهـ.","part":1,"page":248},{"id":250,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 249\rخُطُواتِ طرق الشَّيْطانِ أي تزيينه بالتفريق إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) بين العداوة\rفَإِنْ زَلَلْتُمْ ملتم عن الدخول في جميعه مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرة على أنه حق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم حَكِيمٌ (209) في صنعه\rهَلْ ما يَنْظُرُونَ ينتظر التاركون الدخول فيه إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ أي أمره كقوله أو يأتي أمر ربّك أي عذابه فِي ظُلَلٍ جملة ظلة مِنَ الْغَمامِ السحاب وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ تم أمر هلاكهم قوله: (أي تزيينه) ليس مراده تفسير الطرق بالتزيين، بل مراده أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير طرق تزيين الشيطان وتزيينه وسوسته، وطرقها آثارها كتحريم الإبل وتعظيم السبت اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتفريق) الباء للملابسة أي ملتبسين بتفريق الأحكام بالعمل ببعضها الموافق لشريعة موسى وعدم العمل بالبعض الآخر المخالف لها اهـ شيخنا.\rقوله: (بين العداوة) أشار بذلك إلى أن مُبِينٌ مأخوذ من أبان اللازم. إذ يستعمل أبان لازما ومتعديا، وكون عداوته بيّنة بالنسبة لمن أنار اللّه قلبه، وأما غيره فهو حليف له اهـ شيخنا.\rقوله: (حكيم في صنعه) أي لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المجرمين، وفي الآية وعيد وتهديد لمن في قلبه شك ونفاق، أو عنده شبهة في الدين اهـ شيخنا.\rقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام إنكاري، كما أشار له الشارح توبيخي أي لا ينبغي لهم انتظار إتيان العذاب، يعني أنهم لما فعلوا مقتضى العذاب وحقت عليهم الكلمة صاروا كأنهم ينتظرونه، فوبخوا وعيروا. وقيل لهم: ينبغي ولا يليق لكم أن تنتظروا العذاب أي ما ينبغي لكم أن تقيموا على ارتكاب أسبابه اهـ شيخنا.\rقوله: (ينتظر التاركون) هذا تفسير للواو، ولو قال الزالون لكان أنسب بقوله: فَإِنْ زَلَلْتُمْ والمآل واحد اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن أي ما ينتظر التاركون الدخول في الإسلام والمتبعون خطوات الشيطان اهـ.\rوعبارة السمين: والضمير في ينتظرون عائد على المخاطبين بقوله: فإن زللتم فهو التفات انتهت.\rوعبارة أبي السعود: والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم.\rوحكاية جنايتهم لما عداهم من أهل الانصاف على طريق المهانة. قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ استئناف مفرغ من مقدر. أي ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة في توبيخهم اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْغَمامِ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة لظلل، والتقدير في ظلل كائنة من الغمام، ومن على هذا للتبعيض. والثاني: أنه متعلق بيأتيهم وهي على هذا لابتداء الغاية أي من ناحية الغمام اهـ سمين.\rقوله: (السحاب) أي الأبيض الرقيق مع أن شأنه الإتيان بالرحمة، فقد أتاهم العذاب من حيث تأتي الرحمة، وهذا أبلغ في تبكيتهم وتخويفهم، فإن إتيان العذاب من حيث لا يحتسب صعب، فكيف","part":1,"page":249},{"id":251,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 250\rوَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازى\rسَلْ يا محمد بَنِي إِسْرائِيلَ تبكيتا كَمْ آتَيْناهُمْ كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتينا بإتيانه من حيث ترجى منه الرحمة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ بالرفع عطفا على اسم الجلالة أي: وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى، بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة، وتوسيط الظرف بينهما للإيذان بأن الآتي أولا من جنس ما يلابس الغمام يترتب عليه عادة، وأما الملائكة وإن كان إتيانهم مقارنا لما ذكر من الغمام، لكن ذلك ليس بطريق الاعتياد اهـ كرخي. وفي السمين: وقرأ الجمهور والملائكة بالرفع عطفا على اسم اللّه تعالى، وقرأ الحسن وأبو جعفر والملائكة بالجر، وفيه وجهان، أحدهما: الجر عطفا على ظلل أي إلا أن يأتيهم في ظلل، وفي الملائكة. والثاني: الجر عطفا على الغمام أي من الغمام، ومن الملائكة فتوصف بكونها ظلا على التشبيه اهـ.\rقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه، فكأنه قد كان أو الجملة استئنافية اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين قوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ الجمهور على قضي فعلا ماضيا مبنيا للمفعول وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون معطوفا على يأتيهم داخلا في حيز الانتظار، ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل، والأصل ويقضى الأمر وإنما جيء به كذلك لأنه محقق، كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] والثاني: أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر اللّه تعالى بأنه قد فرغ من أمرهم، فهو من عطف الجمل وليس داخلا في حيز الانتظار، انتهت.\rقوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ هذا الجار والمجرور متعلق بما بعده، وإنما قدم للاختصاص أي لا ترجع إلا إليه دون غيره اهـ سمين.\rقوله: (بالبناء للمفعول) يعني من الرجع وهو الرد. قوله: (و الفاعل) يعني من الرجوع فرجع يستعمل لازما ومتعديا فالمبني للمفعول من المتعدي ومصدره الرجع كالضرب، والمبني للفاعل من اللازم ومصدره الرجوع على حد قوله، وفعل اللازم مثل قعدا له فعول الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (في الآخرة) متعلق بترجع على كل من القراءتين. قوله: (فيجازي) أي عليها. وأشار بذلك إلى جواب سؤال تقريره أن من المعلوم أن كل أمر لا يرجع إلا للّه فما وجه هذا التنبيه، ومحصل الجواب أن المراد من هذا إعلام الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب اهـ من الخازن.\rقوله: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ أصله اسأل نقلت حركة الهمزة الثانية التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها، ثم حذفت تخفيفا وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، فصار وزنه فل. وقوله: بني إسرائيل أي من يهود المدينة، وقوله: (تبكيتا) أي توبيخا وتقريعا وزجرا لهم عما هم عليه من عدم الإيمان والإقامة للحجة عليهم. أي لا قصدا لأن يجيبوا فيعلم من جوابهم أمر، فالسؤال ليس للاستعلام، لأن محمدا عالم بجميع الآيات التي أوتوها، فحينئذ لا يحتاج إلى جواب لأن السؤال إذا كان لغير الاستعلام لا يحتاج إلى الجواب. وقوله: (استفهامية) أي استفهام تقرير، ولا ينافي التبكيت،","part":1,"page":250},{"id":252,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 251\rومميزها مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرة كفلق البحر وإنزال المن والسلوى فبدلوها كفرا وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ أي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ كفرا فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ لأن معنى التقرير الحمل على الإقرار، وهو لا ينافي التقريع والتبكيت، وقوله: (معلقة) الخ وذلك لأن السؤال، وإن لم يكن من أفعال القلوب، لكنه لما كان سببا للعلم الذي هو منها أعطي حكمه من نصب المفعولين وصحة التعليق، ومعنى معلقة أنها مانعة لما كان سببا للعلم الذي هو منها أعطي حكمه من نصب المفعولين وصحة التعليق، ومعنى معلقة أنها مانعة لما كان العمل في اللفظ مع بقاء العمل في المحل، فهذا حقيقة التعليق، فجملة كم آتيناهم في محل نصب بسل سادة مسد المفعول الثاني.\rوقوله: (و هي ثاني الخ) التقدير أتيناهم أي عدد أي عددا كثيرا اهـ شيخنا.\rقوله: (معلقة سل عن المفعول الثاني) أي لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله لأن له صدر الكلام، وإنما علق السؤال وإن لم يكن من أفعال القلوب. قالوا لأنه سبب للعلم، والعلم يعلق، فكذلك سببه فأجرى السبب مجرى المسبب اهـ كرخي.\rقوله: (و هو ثان مفعولي آتينا) عبارة السمين في كم وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب، واختلف في ذلك، فقيل: نصبها على أنه مفعول ثان لآتيناهم على مذهب الجمهور وقيل يجوز أن ينتصب بفعل مقدر يفسره الفعل بعدها تقديركم آتينا آتيناهم، لأن الاستفهام له صدر الكلام، ولا يعمل فيه ما قبله، قاله ابن عطية. يعني أنه عنده من باب الاشتغال. والثاني: أن تكون في محل رفع بالابتداء، والجملة بعدها في محل رفع خبر لها والعائد محذوف تقديره: كم آتينا هموما أو آتيناهم إياها، أجاز ذلك ابن عطية وأبو البقاء اهـ.\rقوله: (و مميزها) أي كم من آية بيّنة أي على زيادة من وإنما زيدت ليعلم بها أن مدخولها مميز لا مفعول ثان لآتيناهم اهـ كرخي.\rقوله: (فبدلوها كفرا) أي بدلوا موجبها ومقتضاها، وهو الإيمان بها، والهاء مفعول أول وكفرا مفعول ثان، أي أخذوا بدلها الكفر أي تلبسوا به وكان مقتضى إيتائها لهم أن يؤمنوا ويهتدوا اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنها سبب الهداية) أشار بذلك إلى توجيه كون الآيات نعما، وذلك لأن الهداية نعمة صريحة فسببها كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ أي عرفها أو تمكن من معرفتها، ومن ثم قال في الكشاف: ما معنى من بعد ما جاءته، يعني أنه لا يصح تبديل الآية إلا بعد مجيئها، فلم صرح به، وما فائدة التصريح به؟\rوالجواب أنه ربما يوجد التبديل عن غير خيره بالمبدل أو عن جهل به فيعذر فاعله، وهؤلاء على خلاف ذلك، والفائدة مزيد التقريع والتشنيع وإثبات المجيء للآيات من الاستعارة اهـ كرخي.\rقوله: (كفرا) هذاهو المفعول الثاني للتبديل، لأنه لا بد له من مفعولين مبدل وبدل، ولم يذكر في الآية إلا أحدهما وهو المبدل، وحذف البدل وهو المفعول الثاني لفهم المعنى، فقدرته بقوله كفرا، ودل على تقديره التصريح به في آية أخرى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [إبراهيم: 28] اه","part":1,"page":251},{"id":253,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 252\rالْعِقابِ (211) له\rزُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة الْحَياةُ الدُّنْيا بالتمويه فأحبوها وَهم يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لفقرهم كبلال وعمار وصهيب أي يستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال وَالَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك وهم هؤلاء فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) أي من السمين. قوله: شَدِيدُ الْعِقابِ (له) قدر الشارح هذا الرابط لأجل تصحيح كون الجملة المذكورة جوابا للشرط أو خبرا لمبتدأ على الاحتمالين في من من كونها شرطية أو موصولة اهـ شيخنا.\rقوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها؛ أبو السعود. والمزين هو اللّه تعالى بأن خلق الأشياء العجيبة، ومكنهم منها إذ ما من شيء إلا وهو خالقه، يدل على هذا قراءة زين بفتح الزاي والياء، أو الشيطان بأن وسوس لهم ومنّاهم الأماني الكاذبة، فعلى الأولى يكون المسند والإسناد مجازا لأن خذلانه إياهم صار سببا لاستحسانهم الحياة الدنيا وتزيينها في أعينهم، وعلى الثاني يكون ذلك حقيقة. قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني، وجيء به ماضيا دلالة على أن ذلك قد وقع وفرغ منه اهـ كرخي.\rوعبارة البيضاوي، والمزين على الحقيقة هو اللّه تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ويدل عليه قراءة زين على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلق اللّه تعالى فيها من الأمور البهيمية والأشياء الشهية مزين بالعرض انتهت.\rقوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الخ إنما لم يلحق الفعل علامة تأنيث لكونه مؤنثا مجازيا، وحسن ذلك الفصل. وقرأ ابن أبي عبلة: زينت بالتأنيث مراعاة للفظ. وقرأ مجاهد وأبو حيوة: زين مبنيا للفاعل الحياة مفعول، والفاعل هو اللّه تعالى، والمعتزلة يقولون إنه الشيطان وقوله: ويسخرون يحتمل أن يكون من باب عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر، فيكون من عطف المفردات لعدم اتحاد الزمان، ويحتمل أن يكون قوله: ويسخرون خبر مبتدأ أي وهم يسخرون فيكون مستأنفا وهو من عطف الاسمية على الفعلية وجيء بقوله زين ماضيا دلالة على أن ذلك قد وقع وفرغ منه، وبقوله: ويسخرون مضارعا دلالة على التجدد والحديث اهـ سمين.\rقوله: (بالتمويه) الباء سببية أي بسبب التمويه أي الزخرفة والبهجة اهـ. وعبارة الكرخي:\rوالتزيين تحسين محسوس لا معقول، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة نحو زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ [آل عمران: 14] الآية اهـ.\rقوله: وَيَسْخَرُونَ قدر الشارح هذا المبتدأ لتصحيح حالية الجملة على حد قوله: وذات بدء بمضارع ثبت. إلى أن قال: وذات واو بعدها الواو مبتدأ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا من ابتدائية، فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا مبتدأ فوقهم خبره يَوْمَ الْقِيامَةِ أي لأنهم في عليين وهم في أسفل سافلين، أو لأنهم في كرامة وهم في مذلة، أو لأنهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، وإنما قال: والذين اتقوا بعد قوله؛ من الذين آمنوا ليدل على أنهم متقون، وأن استعلاءهم من أجل التقوى، وليحرض المؤمنين على الاتصاف بالتقوى إذا سمعوا ذلك، أو للإيذان بأن إعراضهم","part":1,"page":252},{"id":254,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 253\rرزقا واسعا في الآخرة أو الدنيا بأن يملك المسخور منهم أموال الساخرين ورقابهم\rكانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إليهم مُبَشِّرِينَ من آمن بالجنة وَمُنْذِرِينَ من كفر بالنار وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بمعنى الكتب بِالْحَقِ متعلق بأنزل لِيَحْكُمَ به بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدين وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي الدين إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ الحجج عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها شاغلة عن جانب القدس، وهذا لا ينافي ما تقرر عندهم من دخول الأعمال في الإيمان الصحيح المنجي على أنه قد يراد بالأعمال فعل الطاعات، وبالتقوى اجتناب المعاصي، فيصبح افتراقهما والتفرقة بين الوجوه في معنى العلو هي أن الفوقية على الأول مكانية، وعلى الثاني رتبية، وعلى الثالث استعلائية وقهرية والجملة معطوفة على ما قبلها وإيثار الاسمية للدلالة على دوام مضمونها اهـ كرخي.\rقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ الباء للملابسة أي رزقا لا حساب فيه ولا عد ولا ضبط كثرته، فلا يضبطه عدّ ولا كيل ولا وزن بخلاف ما عند المشركين من المال فهو مضبوط محصور اهـ شيخنا.\rقوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً أي متفقين على فيما بين آدم وإدريس أو نوح أو بعد الطوفان، أو متفقين على الجهالة والكفر في إدريس أو نوح اهـ بيضاوي.\rقال أبو السعود: والتقرير الأول هو الأنسب بالنظم الكريم. قوله: (فاختلفوا) أشار بتقدير هذا إلى أن قوله فبعث اللّه الخ معطوف على هذا المقدر، ودل على هذا المقدر ثبوته في آية أخرى، وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا اهـ.\rقوله: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ أي مع جنسهم إذا المنزل عليهم الكتب بعض الأنبياء لا جميعهم. وقوله:\r(بمعنى الكتب) أشار به إلى أن أل في الكتاب جنسية يشمل الكتاب جميع الكتب المنزلة، وقصد به الرد على من قال المراد بالكتاب خصوص التوراة تأمل. قوله: (متعلق بأنزل) والباء للملابسة أي أنزله إنزالا متلبسا بالحق، والمراد بالحق هنا الحكم والفوائد والمصالح. قوله: لِيَحْكُمَ به أي بالكتاب والضمير المستكن في الفعل يحتمل عوده على اللّه وعلى النبيين، ونسبة الحكم إلى اللّه حقيقية، ويؤيد عوده على اللّه تعالى قراءة الجحدري لنحكم بنون العظمة، وأورد على الاحتمال الثاني إفراد الضمير إذ كان ينبغي على هذا أن يجمع ليطابق النبيين، وأجيب بأنه يعود على افراد الجمع على معنى ليحكم كل نبي بكتابه اهـ من السمين.\rقوله: (بين الناس) أي المذكورين والاظهار في موضع الإضمار لزيادة التعيين اهـ كرخي.\rقوله: فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ما: موصولة بمعنى الذي، ولذا بينها بقوله من الذين والبيان إنما يكون للأسماء. قوله: (أي الكتاب) أي المنزل على الأنبياء لحكم منها إزالة الاختلاف الذي كان حاصلا قبل إنزاله، فعكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيحا للاختلاف سببا لاستحكامه أي الاختلاف ورسوخه فيهم اهـ كرخي.","part":1,"page":253},{"id":255,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 254\rالظاهرة على التوحيد ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى بَغْياً من الكافرين بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ للبيان الْحَقِّ بِإِذْنِهِ بإرادته وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) طريق الحق. ونزل في جهد أصاب المسلمين\rأَمْ بل أحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا لم يَأْتِكُمْ مَثَلُ شبه ما أتى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من قوله: (و هي) أي مع مدخولها وقوله وما بعدها، وهو قوله: بَغْياً بَيْنَهُمْ وهو منصوب على المفعول من أجله أو على الحال. وبينهم صفة لبغيا أو حال، وقوله: (مقدم على الاستثناء) وإنما احتيج لذلك لأن الاستثناء المفرغ لا يتعدد، ولو لا دعوى التقدم لكان متعددا. فالتقدير وما اختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم إلا الذين أوتوه اهـ شيخنا.\rوعلى عدم دعوى التقديم والتأخير يكون التقدير إلا الذين أوتوه إلا من بعد ما جاءتهم البينات إلا بغيا بينهم، وقوله في المعنى أي في اللفظ. قوله: لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي هداهم لمعرفته اهـ كرخي.\rوعبارة السمين قوله: لِمَا اخْتَلَفُوا متعلق بهدى وما موصولة والضمير في اختلفوا عائد على الذين أوتوه وفي فيه عائد على ما وهو متعلق باختلف، ومن الحق متعلق بمحذوف لأنه في موضع الحال من ما في لما، ومن يجوز أن تكون للتبعيض وأن تكون للبيان عند من يرى ذلك تقديره الذي هو الحق اهـ.\rقوله: بِإِذْنِهِ فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بمحذوف لأنه حال من الذين آمنوا أي مأذونا لهم. والثاني: أن يكون متعلقا بهدى مفعولا به أي هداهم بأمره اهـ سمين.\rقوله: (و نزل في جهد) أي مشقة وضيق عيش وكثرة بلاء، وذلك أن هذه الآية نزلت في غزوة الأحزاب وهي غزوة الخندق، وذلك أن المسلمين أصابهم فيها من الجهد والشدة والخوف والبرد وضيق العيش ما لا يخفى. وقيل: نزلت في غزوة أحد. وقيل: لما دخل النبي وأصحابه المدينة أول الهجرة اشتد عليهم الضرر لأنهم دخلوا بلا مال وتركوا أموالهم بأيدي المشركين، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية تطييبا لقلوبهم، والمعنى أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم فقد بلغ بهم الجهد والبلاء الغاية فكونوا يا معشر المؤمنون متأسين بهم، وتحملوا الشدة والأذى في طلب الحق، فإن نصر اللّه قريب اهـ من الخازن.\rقوله: أَمْ (بل أ) حَسِبْتُمْ أشار بهذا إلى أن منقطعة وأنها مقدرة ببل والهمزة معا وبل التي في ضمنها لانتقال من أخبار إلى أخبار، والهمزة التي في ضمنها للإنكار والتوبيخ أي ما كان ينبغي لكم أن تحسبواهذا الحسبان. ولم حسبتموه والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر وحثهم عليه، وحسب هنا من أخوات ظن تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وإن وما بعدها سادّة مسد المفعولين عند سيبويه ومسد الأول عند الأخفش، والثاني محذوف مضارعها فيه وجهان الفتح وهو القياس والكسر، ولها من الأفعال نظائر. وسيأتي ذلك في آخر السورة ومعناها الظن، وقد تستعمل في اليقين اهـ من السمين.\rوفي المصباح: حسبت زيدا قائما أحسبه من باب تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس حسبانا بالكسر بمعنى ظننته، وحسبت المال","part":1,"page":254},{"id":256,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 255\rالمؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا مَسَّتْهُمُ جملة مستأنفة مبينة ما قبلها الْبَأْساءُ شدة الفقر وَالضَّرَّاءُ المرض وَزُلْزِلُوا أزعجوا بأنواع البلاء حَتَّى يَقُولَ بالنصب والرفع أي قال حسبا من باب قتل أحصيته عددا وفي المصدر أيضا حسبه بالكسر وحسبانا بالضم اهـ.\rقوله: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ الواو للحال ولما بمعنى لم، أي والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعدو لم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع منتظر اهـ أبو السعود.\rقوله: مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا فيه حذف بين مثل والذين يدل عليه سياق الكلام، وقد قدره الجلال قوله شبه ما أتى الذين فشبه تفسير لمثل، وما أتى هو المقدر، وعبارة السمين وفي قوله مثل الذين حذف مضاف وحذف موصوف تقديره: ولما يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا، ومن قبلكم متعلق بخلوا وهو كالتأكيد فإن القبلية مفهومة من قوله خلوا انتهت. فقول الجلال من المؤمنين بيان للذين، وقوله من المحنة بيان لما أتى الذي قدره، وقوله فتصبروا معطوف على مدخول لما فهو مجزوم بحذف النون فهو في حيز النفي أي لم يأتكم مثل ما أتاهم ولم تصبروا اهـ.\rقوله: (جملة مستأنفة) أي كأنه قيل ما مثل الذين خلوا وما حالهم، فقيل مستهم الخ. وقوله:\r(مبينة ما قبلها) وهو مثل الذين وفيه مسامحة على صنيعه أو لا حيث قدر بعد مثل ما أتى، فحينئذ هذا في المعنى بيان لما أتى الذين خلوا لا لمثله إذ مثله هو ما أصاب المؤمنين أو المذكور في الآية هو ما أصاب الذين خلوا اهـ شيخنا.\rقوله: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ أي جنسه فيصدق بالجمع أي حتى قالت رسلهم ومؤمنوهم، وعبارة الخازن حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر اللّه، وذلك لأن الرسل اثبت من غيرهم وأصبر وأضبط للنفس عند نزول البلايا، وكذلك أتباعهم من المؤمنين، والمعنى أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء، ولم يبق لهم صبر، وذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغ بهم الحال في الشدة إلى هذه الغاية واستبطؤوا النصر قيل لهم أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ انتهت.\rقوله: (بالنصب) وهي قراءة الجمهور على أن حتى بمعنى إلى وأن مضمرة أي إلى أن يقول، فهي غاية لما تقدم من المس والزلزال وحتى إنما ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلا، وهذا قد وقع ومضى، والجواب أنه على حكاية الحال. وقوله: (و الرفع) وهي قراءة نافع على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها، والحال لا ينصب بعد حتى ولا غيرها لأن الناصب مخلص للاستقبال، فتنافيا. واعلم أن حتى إذا وقعد بعدها فعل، فإما أن يكون حالا أو مستقبلا أو ماضيا، فإن كان حالا رفع نحو مرض زيد حتى لا يرجونه، أي في الحال، وإن كان مستقبلا نصب تقول سرت حتى أدخل البلد وأنت لم تدخل بعد، وإن كان ماضيا فتحكيه ثم حكايتك له إما أن تكون بحسب كونه مستقبلا فتنصبه على حكاية هذه الحال، وإما أن يكون بحسب كونه حالا فترفعه على حكاية هذه الحال فيصدق أن تقول في قراءة الجماعة، حكاية حال، وفي قراءة نافع حكاية حال أيضا، وإنما نبهت على ذلك لأن عبارة بعضهم تخص حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصها بقراءة نافع: قال أبو البقاء في قراءة الجمهور: والفعل هنا مستقبل حكيت به حالهم، والمعنى على المضي اهـ سمين.\rالبداية من 256\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 300","part":1,"page":255},{"id":257,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 256\rالرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ استبطاء للنصر لتناهي الشدة عليهم مَتى يأتي نَصْرُ اللَّهِ الذي وعدناه فأجيبوا من قبل اللّه أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) إتيانه\rيَسْئَلُونَكَ يا محمد ما ذا يُنْفِقُونَ أي الذي ينفقونه، والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخا ذا مال فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما ينفق وعلى من ينفق قُلْ لهم ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ بيان لما شامل للقليل والكثير وفيه بيان قوله: مَعَهُ هذا الظرف يجوز أن يكون منصوبا بيقول من حيث عمله في المعطوف أي أنهم صاحبوه في هذا القول، وأن يكون منصوبا بآمنوا أي صاحبوه في الإيمان اهـ سمين.\rقوله: (استبطاء للنصر) أي تفريج الكرب أي لا شكا وارتيابا اهـ.\rقوله: (لتناهي الشدة عليهم) أي لأن الرسل لا يقادر قدر شأنهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجروا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا محيص وراءها اهـ كرخي.\rقوله: مَتى نَصْرُ اللَّهِ متى: منصوب على الظرف وهو في موضع رفع خبر مقدم. ونصر: مبتدأ مؤخر. ومتى ظرف زمان لا يتصرف إلا بجره بحرف اهـ سمين.\rوالجلال جرى على أن نصر اللّه فاعل محذوف. قوله: (فأجيبوا من قبل اللّه الخ) أشار به إلى أن الجملة الأولى من كلام الرسول وأتباعه، والجملة الثانية من كلام اللّه تعالى، وإلى أن قوله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ مستأنف على إرادة القول أي قيل لهم ذلك إسعافا لمرامهم اهـ كرخي. ووراء هذا الذي ذكره الجلال احتمالان آخره ذكرهما السمين.\rقوله: قَرِيبٌ (إتيانه) أي فاصبروا كما صبروا تظفروا، وفيه إشارة إلى أن المراد بالقرب القرب الزماني، وفي إيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقرره ما لا يخفى اهـ كرخي.\rقوله: ما ذا يُنْفِقُونَ أي ما قدره وما جنسه، والمراد نفقة التطوع فالآية محكمة لا منسوخة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الذي ينفقونه) أشار به إلى أن ذا اسم موصول بمعنى الذي والعائد محذوف وإن ما على أصلها من الاستفهام، ولذلك لم يعمل فيها. يسألونك: وهي مبتدأ وذا خبره، والجملة محلها نصب بيسألون، والتقدير يسألونك أي الشيء الذي ينفقونه اهـ كرخي.\rقوله: (و على من ينفق) يعلم من هذا أن في الآية حذفا لبعض المسؤول عنه، وأن السؤال عن أمرين عن المنفق من المال وعن مصرفه، وبهذا الاعتبار تحصل المطابقة بين الجواب والسؤال.\rوقوله: قل ما أنفقتم من خير جواب عن السؤال المصرح به في الآية إذ محصل هذا الجواب تجويز الإنفاق والتصدق بسائر أنواع الأموال قليلها وكثيرها وقوله: فَلِلْوالِدَيْنِ الخ جواب عن المحذوف من السؤال عن المصرف، فقول الشارح الذي هو الشق الآخر المراد به الشق الآخر المقدر في السؤال كما أشار لتقديره اهـ.\rقوله: قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ يجوز في ما وجهان، أحدهما: أن تكون شرطية وهو الظاهر","part":1,"page":256},{"id":258,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 257\rالمنفق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ أي هم أولى به وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ إنفاق أو غيره فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) فمجاز عليه\rكُتِبَ فرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ للكفار وَهُوَ كُرْهٌ مكروه لَكُمْ لتوافق ما بعدها. فما في محل نصب مفعول مقدم واجب التقديم، لأن له صدر الكلام، وأنفقتم في محل جزم بالشرط.\rقوله: فَلِلْوالِدَيْنِ جواب الشرط وهذا الجار خبر مبتدأ محذوف، أي فمصرفه للوالدين فيتعلق بمحذوف إما مفرد، وإما جملة على حسب ما ذكر من الخلاف فيما مضى، وتكون الجملة في محل جزم على أنها جواب الشرط. والثاني: أن تكون ما موصولة، وأنفقتم صلتها والعائد محذوف لاستكمال الشروط أي الذي انفقتموه، والفاء زائدة في الخبر الذي هو الجار والمجرور. قال أبو البقاء: في هذا الوجه ومن خير يكون حالا من العائد المحذوف اهـ سمين.\rقوله: (و فيه بيان المنفق) فالمعنى أي قدر وأي جنس انفقتموه ففيه خير وثواب، فالثواب لا يتقيد بقدر ولا يجلس اهـ شيخنا.\rقوله: فَلِلْوالِدَيْنِ الخ قد علمت أن الآية في صدقة التطوع، فلا يشكل ذكر الوالدين وقدمهما لوجوب حقهما على الولد لأنهما السبب في وجوده وقدم الأقربين لأن الإنسان لا يقدر أن يقوم بمصالح جميع الفقراء فتقديم القرابة أولى من غيرهم، ولأنهم أبعاض الوالدين، وقدم اليتامى لأنهم لا يقدرون على الكسب ولا لهم منفق، فانظر هذا الترتيب الحسن في كيفية الإنفاق، فالأليق أن الإنسان ينفق على الوجه المذكور في الآية فيقدم الأولى فالأولى على طبقها ولم يذكر فيها السائلين والرقاب كما في الآية الأخرى اكتفاء بها أو بعموم قوله وما تنفقوا من خير فإنه شامل لكل خير وقع أي مصرف اهـ من الخازن وأبي السعود.\rقوله: (أي هم أولى به) أي فهذا بيان للأول لا بيان للذي يجب الصرف إليه اهـ شيخنا.\rقوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ هذا إجمال بعد تفصيل وما شرطية فقط لظهور عملها الجزم بخلاف الأولى اهـ سمين.\rقوله: (فرض عليكم) أي فرض عين إن دخلوا بلادنا وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم اهـ شيخنا.\rقوله: (مكروه) لَكُمْ (طبعا) أي وإما شرعا فهو محبوب وواجب ولا يلزم منه كما قاله الشيخ سعد الدين كراهة حكم اللّه ومحبة خلافه، وهو ينافي كلام التصديق، لأن معناه كراهة نفس ذلك الفعل ومشقته، كوجع الضرب في الحد مع كمال رضا بالحكم والاذعان له، وهذا كما تقول إن الكل بقضاء اللّه ومشيئته مع أن البعض مكروه منكر غاية الانكار كالقبائح والشرور اهـ كرخي.\rقوله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الخ ليس المعنى على الترجي كنظائرها الواقعة في كلامه تعالى، فإن الكل للتحقيق ويصح الترجي باعتبار حال السامع وهي هنا تامة على حد قوله:\rبعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى بأن يفعل عن ثان فقد\r\rاه شيخنا.","part":1,"page":257},{"id":259,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 258\rطبعا لمشقته وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، وفي تركه وإن أحببتموه شرا لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خير لكم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وأرسل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أول سراياه وعليها عبد اللّه بن جحش فقاتلوا وفي السمين: وعسى فعل ماض نقل إلى إنشاء الترجي والاشفاق، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر ولا يكون خبرها إلا فعلا مضارعا مقرونا بأن وهي في هذه الآية ليست ناقصة فتحتاج إلى خبر بل تامة لأنها أسندت إلى أن، وتقدم أنها تسد مسد الجزأين بعدها اهـ.\rقوله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وهو جميع ما كلفوا به، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وهو جميع ما نهوا عنه فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى اهـ بيضاوي.\rقوله: وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: انها في محل نصب على الحال وإن كان مجيء الحال من النكرة بغير شرط من الشروط المعروفة قليلا. والثاني: أن تكون في محل نصب على أنها صفة لشيئا وإنما دخلت الواو على الجملة الواقعة صفة لأن صورتها صورة الحال، فكما تدخل الواو عليها حالية تدخل عليها صفة، قاله أبو البقاء ومثل ذلك ما أجازه الزمخشرين في قوله:\rوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: 4] فجعل ولها كتاب صفة لقرية قال: وكان القياس ألّا تتوسط هذه الواو بينهما كقوله وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال جاءني زيد عليه ثوب وعليه ثوب، وهذا الذي أجازه أبو البقاء هنا والزمخشري هناك هو رأي ابن خير ان سائر النحويين يخالفونه اهـ سمين.\rقوله: (لميل النفس الخ) لف ونشر مشوش، وقوله فلعل الخ لف ونشر مرتب اهـ شيخنا.\rقوله: (إما الظفر) بالنصب اسم إن على حد قوله: وراع ذا الترتيب إلا في الذي الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (إما الظفر) أي سلم وقوله أو الشهادة أي إن قتل اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مفعوله محذوف كما قدره الشارح، لكن في تقديره قصور، فكان الأولى أن يقول: ما هو خير لكم وما هو شر لكم، وقوله فبادروا الخ أي لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيرا لكم أي وانتهوا عما ينهاكم إلا عما هو شر لكم اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: واللّه يعلم ما هو خير لكم، فلذلك يأمركم به وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي لا تعلمونه، ولذلك تكرهونه أو اللّه يعلم ما هو خير لكم وشر لكم، وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيكم وامتثلوا أمره تعالى اهـ.\rقوله: (أول سراياه) في كون هذه أول السرايا نظر واضح، لأن قبلها ثلاث سرايا بل وأربع غزوات كما يعلم من المواهب ونصه: وكان أول بعوثه صلّى اللّه عليه وسلّم على رأس سبعة أشهر في شهر رمضان بعث","part":1,"page":258},{"id":260,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 259\rالمشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم عمه حمزة وأمّره على ثلاثين رجلا من المهاجرين وقيل من الأنصار فخرجوا يعترضون عيرا لقريش الخ، ثم سرية عبيدة بن الحرث إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية في ستين رجلا يلقى أبا سفيان ابن حرب، وكان على المشركين الخ، ثم قال: سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار واد بالحجاز يصب في الجحفة، وكان ذلك في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر في عشرين رجلا يعترض عيرا لقريش، ثم قال: ثم غزوة ودان وهما الابواء وهي أول مغازيه في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة يريد قريشا في ستين رجلا الخ، ثم غزوة بواط بفتح الموحدة وقد تضم وهي الثانية غزاها صلّى اللّه عليه وسلّم في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش الخ، ثم غزوة العشيرة بالشين المعجمة والتصغير وهو موضع لبني مدلج بينبع وخرج إليها صلّى اللّه عليه وسلّم في جمادى الأولى وقيل الأخرى على رأس ستة عشر شهرا من الهجرة في خمسين ومائة رجل، وقيل مائتين، ومعهم ثلاثون بعيرا يتعاقبونها يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام الخ إلى أن قال:\rثم غزوة بدر الأولى. قال ابن حزم: وكانت بعد العشيرة بعشرة أيام الخ. ثم قال: ثم سرية أمير المؤمنين عبد اللّه بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا وكان معه ثمانية وقيل اثنا عشر من المهاجرين إلى نخلة على ليلة من مكة يترصد قريشا الخ اهـ. وفي القاموس: السرية من خمسة إلى ثلاثمائة وقيل إلى أربعمائة اهـ.\rقوله: (أول سراياه) أي السرية التي هي أول سراياه، فأول مؤنث في المعنى وكان ارسالها في جمادى الآخر قبل بدر بشهرين لأن غزوة بدر كانت في رمضان، وكانت هذه السرية ثمانية رجال وقوله وعليها أي وأمر عليها عبد اللّه أو هو مبتدأ وخبر فأرسلهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرهم أن يقعدوا في بطن نخلة يترصدون قريشا ويتعلمون أخبارهم، فوصلوا إلى ذلك المكان فمرت بهم عير لقريش وكانت جائية من الطائف ومعها أربعة رجال وهي تحمل زبيبا وأدما وتجارة لقريش، فقتل أهل السرية أحد الأربعة وهو عمرو بن الحضرمي وأسروا اثنين وهرب واحد وغنموا العير وما عليها، وهذا القتل أول قتل من المسلمين للكفار وقع في الإسلام، وكذلك الأسر والغنم، وقوله آخر يوم الخ أي في ظنهم وإلا فهو في الواقع أول يوم من رجب، وقوله: والتبس عليهم الخ وذلك لأنهم رأوا الهلال في الليلة التي بعد القتل، فالتبس عليهم هل هو ابن ليلة أو ليلتين، وقوله ليلتين وقوله فعيرهم أي عير المسلمين الذين كانوا بمكة كفار قريش بمكة، وقالوا لهم: قد استحللتم القتل في الأشهر الحرم، وقوله فنزل الخ أي فعظم ذلك على أهل السرية وأخّر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قسمة الغنيمة إلى نزول الوحي، فنزلت الآية فخمسها وجعل أربعة أخماسها لأهل السرية لأنهم الغانمون، وجعل الخمس له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ من الخازن.\rوقوله: وأخر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قسمة الغنيمة الخ. عبارة المواهب: فأخّر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائمها، انتهت.\rقوله: (و عليها عبد اللّه) أي ابن عمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: فقاتلوا المشركين أي الذين كانوا مع العير وكانوا أربعة وقوله: آخر يوم أي في ظنهم، وقوله: باستحلاله أي باستحلال القتال في الشهر الحرام، أرسلوا كتابا بهذا التعيير إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين بالمدينة. وقوله: (و قتلوا ابن الحضرمي) واسمه","part":1,"page":259},{"id":261,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 260\rالكفار باستحلاله فنزل\rيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ المحرم قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال قُلْ لهم قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ عظيم وزرا، مبتدأ وخبر وَصَدٌّ مبتدأ منع للناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه وَكُفْرٌ بِهِ باللّه وَصد عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي مكة وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون وخبر المبتدأ أَكْبَرُ أعظم وزرا عِنْدَ اللَّهِ من القتال فيه وَالْفِتْنَةُ الشرك منكم أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ لكم فيه وَلا يَزالُونَ أي الكفار يُقاتِلُونَكُمْ أيها المؤمنون حَتَّى كي يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إلى الكفر إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ عمرو واسم أبيه عبد اللّه بن عباد اهـ.\rوقوله: فنزل يَسْئَلُونَكَ الخ ولما نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن جحش إلى مؤمني مكة إن عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم بالكفر وبإخراج رسول اللّه من مكة والمسلمين ومنعهم من البيت اهـ خازن.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ أي المسلمون أهل السرية عن الشهر الحرام أي عن حكم القتال فيه خطأ هل هو جائز أو لا؟ وأما عمدا فكانوا يعلمون أنه محرم اهـ شيخنا.\rوالمراد بالشهر الحرام هنا رجب. قوله: كَبِيرٌ أي إن كان عمدا فإن كان خطأ كفعل السرية فلا إثم فيه، وبعد ذلك فهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:\r5] أي في الأشهر الحرم وغيرها اهـ شيخنا.\rقوله: وَصَدٌّ مبتدأ أي مع ما عطف عليه وجملتها أربعة فأخبر عنها بقوله: أَكْبَرُ لأنه أفعل تفضيل وهو يستوي فيه الواحد والأكثر إذا كان مجردا من أل والإضافة على حد قوله:\rوإن لمنكور يضف أو جردا ... ألزم تذكيرا وأن يوحدا\r\rاه شيخنا.\rقوله: (و صد عن المسجد الحرام) يشير إلى أن المسجد الحرام معطوف على سبيل اللّه، وتبع في هذا الكشاف وغيره وتعقب بأن عطف قوله وكفر به على صد مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الصلة وهو سبيل اللّه لوجود الفصل بأجنبي، وأجيب بأن الكفر باللّه والصّد عن سبيله متحدان معنى، فكأنه لا فصل بأجنبي بين سبيل وما عطف عليه اهـ كرخي.\rقوله: (و خبر المبتدأ) أَكْبَرُ عبارة السمين: أكبر خبر عن الثلاثة، أعني صد وكفر واخراج.\rوفيه حينئذ احتمالان، أحدهما: أن يكون خبرا عن المجموع. والاحتمال الآخر أن يكون خبرا باعتبار كل واحد، كما تقول زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أي كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد، وهذاهو الظاهر، وإنما أفرد الخبر لأنه أفعل من تقديره أكبر من القتال في الشهر الحرام، وإنما حذف لدلالة المعنى، انتهت.\rقوله: عِنْدَ اللَّهِ متعلق بأكبر والعندية هنا مجاز لما عرف، وصرح بالمفضول في قوله:\rوَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ لأنه لا دلالة عليه لو حذف بخلاف الذي قبله حيث حذفه اهـ سمين.\rقوله: (من القتال فيه) أي إذا كان عمدا كما مر. قوله: إِنِ اسْتَطاعُوا متعلق بيردوكم كما","part":1,"page":260},{"id":262,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 261\rحَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ الصالحة فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقييد بالموت عليه يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلا وعليه الشافعي وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر نزل\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا فارقوا أوطانهم يقتضيه حل أبي السعود وجواب الشرط محذوف تقديره فيردوكم اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ من شرطية في محل رفع بالابتداء ولم يقرأ هنا أحد بالادغام. وفي المائدة اختلفوا فنؤخر الكلام على هذه المسألة إلى هناك إن شاء اللّه تعالى. ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع كقوله تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الكهف: 64] ومنكم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن في يرتدد، ومن للتبعيض تقديره، ومن يرتدد في حال كونه كائنا منكم أي بعضكم، وعن متعلق بيرتدد وقوله: فَيَمُتْ عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب، وقوله: وهو كافر جملة حالية من ضمير يمت وقوله: فَأُولئِكَ جواب الشرط، وحبط فيه لغتان كسر العين وهي المشهورة وفتحها، وبها قرأ أبو السمال في جميع القرآن، ورويت عن الحسن أيضا والحبوط أصله الفساد ومنه حبط بطنه أي انتفخ، ومنه رجل حبطى أي منتفخ البطن. وقوله: وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ اختلفوا في هذه الجملة هل هي استئنافية أي لمجرد الأخبار بأنهم أصحاب النار، فلا تكون داخلة في جزاء الشرط، أو هي معطوفة على الجواب، فيكون محلها الجزم. قولان: رجح الأول بالاستقلال وعدم التقييد، والثاني بأن عطفها على جملة الجزاء أقرب من عطفها على جملة الشرط والقرب مرجح اهـ سمين.\rقوله: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ بطلانها في الآخرة ظاهر كما أشار له بقوله: ولا ثواب عليها، وفي الدنيا باعتبار عدم الاعتداد بها كما ذكره بقوله: فلا اعتداد بها أي في عصمة ماله ولا دمه ولا في احترامه، فيقتل وتبين زوجته ولا يرث ولا يورث ولا يمدح وغير ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا اعتداد بها) أي في الدنيا ولا ثواب عليها أي في الآخرة. قوله: (و عليه الشافعي) لكنه ضعيف، والمعتد من مذهبه أنه لا يثاب عليه بل تعود له أعماله مجردة عن الثواب وفائدة عودها له كذلك أنه لا يكلف بقضائها. قوله: (و لما ظن السرية الخ) المصرح به في الخازن أنهم سألوا بالفعل، وقالوا: يا رسول اللّه هل نؤجر على سفرنا هذا ونطمع أن يكون لنا غزو اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا المراد بهم أهل السرية، وكذلك هم المرادون بقوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا وكرر الموصول تفخيما لشأن الهجرة والجهاد حتى كأنهما مستقلان برجاء الثواب اهـ.\rوعبارة السمين: وجيء بهذه الأوصاف الثلاثة مرتبة على حسب الواقع إذ الإيمان أول ثم المهاجرة ثم الجهاد، وأفرد الإيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد وجمع الهجرة والجهاد في موصول واحد لأنهما فرعان عنه، وأتى بخبر إن اسم الإشارة لأنه متضمن للأوصاف السابقة تكرير الموصول بالنسبة إلى الصفات لا الذوات، فإن الذوات متحدة موصوفة بالأوصاف الثلاثة، فهو من باب عطف بعض الصفات عن بعض والموصوف واحد والرجاء الطمع. وقال الراغب: هو ظن يقتضي","part":1,"page":261},{"id":263,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 262\rوَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ثوابه وَاللَّهُ غَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (218) بهم\r* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ القمار ما حكمهما قُلْ لهم فِيهِما أي في تعاطيهما إِثْمٌ كَبِيرٌ عظيم وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في حصول ما فيه مسرة وقد يطلق على الخوف كقوله تعالى: لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [يونس: 7] أي لا يخافون، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة أو المجاز. زعم قوم أنه حقيقة ويكون من الاشتراك اللفظي، وزعم قوم أنه من الأضداد فهو اشتراك لفظي أيضا، وقال ابن عطية: والرجاء أبدا معه خوف، كما أن الخوف معه رجاء، وزعم قوم أنه مجاز للتلازم الذي ذكرناه اهـ.\rقوله: (لإعلاء دينه) أشار بهذا إلى أن في بمعنى لام التعليل والسبيل بمعنى الدين، وأن في الكلام حذف مضاف. قوله: يَرْجُونَ اثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للايذان بأنهم عالمون بأن العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضل منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباها اهـ أبو السعود.\rوفي القاموس: الرجاء ضد اليأس اهـ.\rقوله: رَحْمَتَ اللَّهِ قد كتبت رحمت هنا بالتاء إما جريا على لغة من يقف على تاء التأنيث بالتاء، وإما اعتبارا بحالها في الوصل، وهي القرآن في سبعة مواضع كتبت في الجميع بالتاء هنا، وفي الأعراف إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ، وفي هود رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، وفي مريم ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، وفي الروم فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ، وفي الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ اهـ سمين.\rقوله: غَفُورٌ (للمؤمنين الخ) عبار البيضاوي وَاللَّهُ غَفُورٌ لما فعلوه خطأ وقلة احتياط رَحِيمٌ باجزال الأجر اهـ.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية نزلت في عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وجماعة من الأنصار اتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا يا رسول اللّه: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبان للعقل مسلبان للمال، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وأصل الخمر في اللغة الستر والتغطية، وسميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه، وقيل لأنها تستره وتغطيه. وجملة القول في تحريم الخمر أن اللّه عز وجل أنزل في الخمر أربع آيات: نزل بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة في جواب عمر ومعاذ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فتركها قوم لقوله:\rقل فيهما إثم كبير وشربها قوم لقوله ومنافع للناس، ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما ودعا إليه ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأطعمهم وسقاهم الخمر وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف حرف لا إلى آخر السورة، فأنزل اللّه تعالى عز وجل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء:\r43] فحرم اللّه السكر في أوقات الصلوات فترك قوم شربها في أوقات الصلوات، وكان الرجل يشربها","part":1,"page":262},{"id":264,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 263\rالميسر وَإِثْمُهُما أي ما ينشأ عنهما من المفاسد أَكْبَرُ أعظم مِنْ نَفْعِهِما ولما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون إلى أن حرمتها آية المائدة وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ أي ما قدره قُلْ بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال سكره فيصلي الصبح، ويشربها بعد صلاة الصبح فيصحو وقت صلاة الظهر. ثم ان عتبان بن مالك صنع طعاما ودعا إليه رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم فافتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد بعضهم قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشكا إليه الأنصاري، فقال عمر:\rاللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فانزل اللّه تعالى الآية التي في المائدة إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن اللّه تعالى علم أن القوم ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا فعلم أنه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل هذه التدريج وهذا الرفق اهـ خازن.\rوفي المصباح: الخمر تذكر وتؤنث، وقال الأصمعي: الخمر أنثى وأنكر التذكير، ويجوز دخول الهاء عليها، فيقال الخمرة بمعنى أنها قطعة من الخمر اهـ.\rقوله: وَالْمَيْسِرِ مصدر ميمي كالموعد والمرجع، يقال يسرته إذا قهرته، واشتقاقه إما من اليسر لأن فيه أخذ المال بيسر من غير كد وتعب، وإما من اليسار لأنه سبب له وصفته أنه كانت لهم عشرة أقداح هي الأزلام والأقلام إلى آخر ما يأتي في المائدة اهـ من أبي السعود. وبالجملة فالمراد بالميسر في الآية جميع أنواع القمار فكل شيء قمار، فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وأما النرد وهو الطاولة فيحرم اللعب به سواء كان بخطر أو لا اهـ من الخازن.\rقوله: (القمار) أي المبالغة فهو مصدر قامر أي غالب، لكن المراد المبالغة بأخذ المال في أنواع اللعب اهـ شيخنا.\rفهو اللعب بالملاهي كالطاب والمنقلة والطاولة. وفي المصباح: والميسر وزان مسجد قمار العرب بالأزلام. يقال منه يسر الرجل ييسر من باب وعد فهو ياسر، وبه سمي اهـ.\rقوله: (أي في تعاطيهما) لا يحتاج إلى هذا التقدير بالنسبة للميسر، لأن المراد به المصدر أي المغالبة، وأخذ المال، وهذا فعل يتعلق به الحكم بخلاف الخمر، فإنه عين ولا يتعلق بها الحكم فيحتاج إلى تقدير المضاف اهـ شيخنا.\rقوله: (باللذة والفرح في الخمر) ومن منافعها تصفية اللون وحمل البخيل على الكرم، وزوال الهم وهضم الطعام وتقوية الباه وتشجيع الجبان اهـ.\rقوله: (لما نزلت شربها قوم) أي قوله: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وقوله: (و امتنع آخرون) أي لقوله:\rفِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ اهـ.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ السائل عمرو بن الجموح وأضرابه سألوا عن قدر المنفق بعد أن سألوا فيما سبق عن جنسه اهـ شيخنا.\rقوله: ما ذا يُنْفِقُونَ ما مع ذا ركبا وجعلا اسما واحدا مستفهما به في محل نصب مفعول مقدم","part":1,"page":263},{"id":265,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 264\rأنفقوا الْعَفْوَ أي الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم وفي قراءة بالرفع بتقدير هو كَذلِكَ أي كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)\rفِي أمر الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فتأخذون بالأصلح لكم فيهما وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وما يلقونه من الحرج في شأنهم فإن واكلوهم يأثموا وإن عزلوا مالهم من أموالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم فحرج قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم خَيْرٌ من ترك ذلك أي أي قدر ينفقونه، وهذا على قراءة النصب، وأما على قراءة الرفع فما وحدها اسم استفهام مبتدأ وذا اسم موصول خبر، وينفقون صلة اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قرأ أبو عمرو قُلِ الْعَفْوَ رفعا والباقون نصبا بالرفع على أن ما استفهامية وذا موصولة فوقع جوابها مرفوعا خبر المبتدأ محذوف مناسبة بين الجواب والسؤال والتقدير إنفاقكم العفو والنصب على أن ما وذا بمنزلة اسم واحد، فيكون مفعولا مقدما تقديره أي شيء ينفقون، فوقع جوابها منصوبا بفعل مقدر للمناسبة أيضا، والتقدير انفقوا العفو، وهذاهو الأحسن. اعني أن يعتقد في حال الرفع كون ذا موصولة وفي حال النصب كونها ملغاة وفي غير الأحسن يجوز أن يقال بكونها ملغاة مع رفع جوابها وموصولة مع نصبه اهـ.\rقوله: (أي الفاضل عن الحاجة) في المختار، وعفو المال ما يفضل عن النفقة. قلت: ومنه قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ وأما قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ أي خذ الميسور من أخلاق الرجال ولا تستقص عليهم اهـ.\rقوله: (و تضيعوا) أي ولا تضيعوا أنفسكم اهـ.\rقوله: (كما بين لكم ما ذكر) أي من قدر المنفق وحكم الخمر والميسر اهـ.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى الخ لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] الآية تحاشى الناس عن مخالطة اليتامى وتعهد أموالهم حتى كانوا يصنعون لليتيم طعاما وحده فيفضل منه شيء فيفسد ولا يأكلونه فشق عليهم ذلك فسألوا عن حكم مخالطتهم ومواكلتهم فنزل: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (شأنهم) أي من حيث عزلهم ومن حيث مخالطتهم. قوله: (فإن واكلوهم) لغة في آكلوهم أبدلت الهمزة واوا وقوله يأثموا أي يقعوا في الاثم لأن ذلك كان حراما اهـ شيخنا.\rقوله: (و إن عزلوا ما لهم) أي ميزوه. قوله: (فحرج) أي على الأولياء من حيث المشقة على اليتامى من حيث ضياع ما يفضل من طعامهم وفساده اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ اصلاح مبتدأ وسوغ الابتداء به أحد شيئين: إما وصفه بقوله لهم، وإما تخصيصه بعمله فيه وخير خبره وإصلاح مصدر حذف فاعله تقديره إصلاحكم لهم فالخيرية للجانبين أي جانب المصلح والمصلح له، وهذا أولى من تخصيص أحد الجانبين بالإصلاح كما فعل بعضهم اهـ سمين.\rقوله: (و مداخلتكم) أي معاشرتكم لهم فهو مضاف لفاعله بعد حذف مفعوله، وفي نسخة","part":1,"page":264},{"id":266,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 265\rوَإِنْ تُخالِطُوهُمْ أي تخلطوا نفقتكم بنفقتهم فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي فلكم ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأموالهم بمخالطته مِنَ الْمُصْلِحِ بها ومداخلتهم على العكس من ذلك. وقوله: خير من ترك ذلك أي ما ذكر من الأمرين، والمراد بتركه إلقاء الإثم والترك على هذا الوجه فيه ثواب، لكن عدم الترك أفضل فالتفضيل على بابه اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي التعرض لأحوالهم وأموالهم على طرق الإصلاح خير من مجانبتهم اتقاء، وإن تخالطوهم وتعاشروهم على وجه ينفعهم فإخوانكم أي فهم إخوانكم في الدين انتهت. وفي الخازن: قل اصلاح لهم خير أي إصلاح أموال اليتامى من غير أخذ أجرة ولا عوض خير لكم أي أعظم أجرا وقيل: هو أن يوسع على اليتيم من طعام نفسه ولا يتوسع طعام اليتيم، وإن تخالطوهم يعني في الطعام والخدمة والسكنى وهذا فيه إباحة المخالطة أي شاركوهم في أموالهم واخلطوها بأموالكم ونفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا في أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم. قوله: (أي فهم إخوانكم) إيضاحه أن الفاء جواب الشرط، وإخوانكم: خبر مبتدأ محذوف وهو ما قدره، والجملة في محل جزم على أنها جواب الشرط، ووقع جواب السؤال بجملتين، إحداهما: حملية منكرة المبتدأ لتدل على تناوله كل صلاح على طريق البدلية ولو أضيف لعم، والأخرى شرطية دالة على جواز الوقوع لا على طلبه وندبيتها اهـ كرخي.\rقوله: (أي فلكم ذلك) هذا في الحقيقة جواب الشرط والمذكور تعليل له، والمراد فلكم ذلك على سبيل الوجوب إن كان أنفع لهم من عزلهم، وعبارة الرملي في باب الحجر ويتصرف له الولي أبا أو غيره بالمصلحة وجوبا لقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: 152 والإسراء: 34] وقوله: إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ويجب على الولي حفظ مال المولى عليه عن أسباب التلف واستنماؤه قدر ما يحتاج إليه في مؤنه من نفقة وغيرها إن أمكن ولا تلزمه المبالغة أي الزيادة على ما يحتاج إليه في المؤنة، وللولي بذل بعض مال اليتيم وجوبا لتخليص الباقي عند الخوف عليه من استيلاء ظالم، كما يستأنس لذلك بخرق الخضر للسفينة ولو كان للصبي كسب لائق به أجبره الولي على الاكتساب ليرتفق به في ذلك ويندب شراء العقار له، بل هو أولى من التجارة عند حصول الكفاية من ريعه، كما قال الماوردي ومحله عند الأمن عليه من جور سلطان أو غيره أو خراب للعقار ولم يجد به ثقل خراج وله السفر بمال المولى عليه لنحو صبا أو جنون في زمن أمن صحبة ثقة، وإن لم تدع له ضرورة من نحو نهب إذ المصلحة قد تقتضي ذلك لا في نحو بحر، وإن غلبت السلامة لأنه مظنة عدمها، أما الصبي فيجوز إركابه البحر عند غلبتها خلافا للإسنوي ويفارق ماله بأنه إنما حرم ذلك في المال لمنافاته غرض ولايته عليه في حفظه وتنميته بخلافه هو كما يجوز إركاب نفسه انتهت. وفيه أيضا: وللولي خلط ماله بمال الصبي ومواكلته للارفاق حيث كان للصبي فيه حظ، ويظهر ضبطه بأن تكون كلفته مع الاجتماع أقل منها مع الانفراد، وله الضيافة والإطعام منه حيث فضل للمولى عليه قدر حقه، وكذا خلط أطعمة أيتام إن كانت المصلحة لكل منهم فيه، ويسن للمسافرين خلط أزوادهم إن تفاوت أكلهم حيث كان فيهم أهلية التبرع انتهت.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ الخ لما أباح لهم خلط أموالهم بأموالهم، وكانت دسائس النفس","part":1,"page":265},{"id":267,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 266\rفيجازي كلا منهما وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لضيق عليكم بتحريم المخالطة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على أمره حَكِيمٌ (220) في صنعه\rوَلا تَنْكِحُوا تتزوجوا أيها المسلمون الْمُشْرِكاتِ أي الكافرات حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ حرة لأن سبب نزولها العيب على من تزوج أمة كثيرة فربما فعلوا ذلك قصدا لأكل أموالهم نبه على ذلك بقوله: واللّه يعلم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْمُصْلِحِ (بها) أي بالمخالطة أي بسببها والمفعول محذوف أي من المصلح لها أي لأموالهم بسبب المخالطة. قوله: (فيجازي كلا منهما) هذا هو المقصود من قوله: واللّه يعلم المفسد الخ إذ علم ما ذكر معلوم، وعبارة أبي السعود: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد، وأتى بمن لتضمنه معنى التمييز أي يعلم من يفسد في أمورهم عند المخالطة أو من يقصد بمخالطته الخيانة والإفساد مميزا له ممن يصلح فيها، أو يقصد الإصلاح فيجازي كلا منهما بعمله، ففيه وعد ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيد تهديد وتأكيد للوعيد انتهت.\rقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعول شاء محذوف أي إعناتكم وجواب لو لأعنتكم، وهذاهو الكثير، أعني ثبوت اللام في الفعل المثبت، والمخالطة الممازجة، والعنت المشقة، ومنه عقبة عنوت أي شاقة السعود اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: لأعنتكم أي كلفكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة ولم يجوز لكم مداخلتهم اهـ.\rقوله: (غالب على أمره) أي لا يعز عليه أمر من الأمور التي جملتها إعناتكم، فهذا تعليل لمضمون الشرطية اهـ كرخي.\rقوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي يحكم بما تقتضيه الحكمة وتتسع له طاقة البشر بأن لا ينالهم حرج وتضييق وهو دليل على ما تفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ الخ روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق، فأتته فقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلام حال بيني وبينك، فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: نعم ولكن أرجع إلى النبي فأستأمره، فنزلت هذه الآية اهـ من أبي السعود.\rقوله: (تتزوجوا) أشار إلى أن المراد بالنكاح العقد لا الوطء حتى قيل إنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطء أصلا اهـ كرخي.\rقوله: حَتَّى يُؤْمِنَ حتى: بمعنى إلى أن. ويؤمن مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بحتى وأصله يؤمنن فسكنت النون الأولى التي هي آخر الفعل لدخول نون النسوة، ثم أدغمت الأولى في الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ تعليل للنهي عن مواصلتهن وترغيب في مواصله المؤمنات صدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار اهـ كرخي.","part":1,"page":266},{"id":268,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 267\rوترغيبه في نكاح حرة مشركة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ لجمالها ومالها وهذا مخصوص بغير الكتابيات بآية والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وَلا تَنْكِحُوا تزوجوا الْمُشْرِكِينَ أي الكفار قوله: خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ أفعل التفضيل يقتضي المشاركة عند البصريين، ولا يجوز إذا انتفت نحو: الثلج أبرد من النار، والنور أضوأ من الظلمة إلا أن المشاركة قد تكون باعتبار الاعتقاد لا الوجود، كقوله: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: 24] وعلى هذا فلا يلزم وجود الخيرية في المشركة. وقال الفراء وغيره من الكوفيين: يصح حيث لا اشتراك. وقال ابن عرفة: يجيء التفضيل في كلامهم إيجابا بالأول ونفيا عن الثاني، فعلى قولهم لا يلزم منه وجود خير في المشاركة مطلقا اهـ كرخي.\rقوله: (لأن سبب نزولها الخ) تعليل لحمل الأمة على الرقيقة ردا على من حملها على المرأة مطلقا، وقوله: (العيب) أي التعييب من المسلمين، وقوله: (على من تزوج) وهو حذيفة بن اليمان أو عبد اللّه بن رواحة. وقوله: (أمة) فيه أن المذكور في القصة أن كلّا منهما إنما تزوج الأمة بعد عتقها، ففي الحقيقة إنما تزوج حرة، وقوله: (و ترغيب) أي من المسلمين، فرد اللّه عليهم بقلب ما اعتقدوه اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ نزلت في خنساء وليدة كانت لحذيفة بن اليمان، قال: يا خنساء ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك ثم أعتقها وتزوجها، وقيل: نزلت في عبد اللّه بن رواحة قد كانت عنده أمة سوداء فغضب عليها يوما فلطمها، ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره فقال له النبي: «و ما هي يا عبد اللّه»؟ قال: هي تشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء، وتصلي. قال: «هذه مؤمنة». قال عبد اللّه: فو الذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها. ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا: أتنكح أمة وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل اللّه هذه الآية، انتهت.\rقوله: وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ الواو للحال أي ولأمة مؤمنة خير من مشركة حال كونها قد أعجبتكم ولو هنا بمعنى أن وكذا كل موضع وليها الفعل الماضي، كقوله: ولو أعجبك كثرة الخبيث، «و أعطوا السائل ولو جاء على فرس» ويطرد حذف كان واسمها بعدها. والمعنى إن كانت المشركة تعجبكم فالمؤمنة خير اهـ كرخي.\rقوله: (و هذا مخصوص) أي مقصور على غير الكتابيات. وقوله: (بآية الخ) أي لأن الخبر فيها محذوف تقديره حل لكم، لأن صدر الآية: اليوم أحل لكم الطيبات الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ أي ولو كانوا أهل كتاب، فهذا الحكم لا استثناء فيه بخلاف ما قبله.\rوقوله: (تزوجوا) الْمُشْرِكِينَ أي الكفار (المؤمنات) فيه إشارة إلى أن قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا بضم التاء هنا وبفتحها في قوله: ولا تنكحوا المشركات لأن الأول من نكح وهو يتعدى إلى مفعول واحد، والثاني من أنكح وهو يتعدى إلى الاثنين: الأول في الآية المشركين، والثاني محذوف وهو المؤمنات اهـ كرخي.","part":1,"page":267},{"id":269,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 268\rالمؤمنات حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ لماله وجماله أُولئِكَ أي أهل الشرك يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ بدعائهم إلى العمل الموجب لها فلا تليق مناكحتهم وَاللَّهُ يَدْعُوا على لسان رسله إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ أي العمل الموجب لهما بِإِذْنِهِ بإرادته فتجب إجابته بتزويج أوليائه وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) يتعظون\rوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي الحيض أو قوله: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ تعليل للنهي. قوله: أُولئِكَ الخ تعليل لقوله وقوله: وَلَأَمَةٌ الخ ولعبد الخ فاسم الإشارة واقع على كل من الاناث والذكور لأنه يصلح لهما كما قال ابن مالك:\rوبأولى أشر لجمع مطلقا\r\rفقوله: أي أهل الشرك يعني بهم المشركات والمشركين، واسم الإشارة مبتدأ خبره يدعون فمن حيث وقوعه على الذكور يكون الفعل مرفوعا بالنون والواو فاعل، ويكون وزنه يفعون لأن أصل يدعوون بواوين فحذفت أولاهما وهي لام الكلمة ومن حيث وقوعه على الاناث يكون الفعل مبنيا على السكون، وتكون النون نون النسوة، وتكون الواو حرفا هي لام الكلمة ووزنه يفعلن اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى العمل الموجب لهما) وهو الكفر، وقوله: (فلا تليق) مناكحتهم أي الأخذ منهم وإعطاؤهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، ولذلك قدمت في غير هذه الآية سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [الحديد: 21] وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران: 133] وإنما قدمت الجنة هنا تقديما للمقابل لتكمل وتظهر المقابلة لأن النار يقابلها الجنة اهـ شيخنا.\rقوله: (بتزويج أوليائه) وهم المسلمون، وهذا راجع لقوله: ولا تنكحوا المشركين، وكان عليه أن يقول وبالتزويج من أوليائه ليرجع للآية الأولى اهـ.\rقوله: (يتعظون) أي ينتهون عن المعاصي، أو يتذكرون قبح النهي عنه وحسن المدعو إليه اهـ كرخي.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ السائل أبو الدحداح في نفر من الصحابة، وسبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض في البيوت ولا يواكلهن كدأب اليهود والمجوس، واستمر الناس على ذلك في صدر الإسلام إلى أن سأل عن ذلك أبو الدحداح ومن معه اهـ أبو السعود.\rفإن قيل: قد جاء ويسألونك ثلاث مرات بحرف العطف بعد قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وهي وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، وجاء أربع مرات من غير عاطف. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ، يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ فما الفرق؟\rفالجواب: أن السؤالات الأواخر وقعت في وقت فجمع بينها بحرف الجمع وهو الواو، وأما السؤالات الأول فوقعت في أوقات متفرقة، فلذلك استؤنفت كل جملة منها وجيء بها وحدها اهـ سمين.","part":1,"page":268},{"id":270,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 269\rمكانه ما ذا يفعل بالنساء فيه قُلْ هُوَ أَذىً قذر أو محله فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ اتركوا وطأهن فِي الْمَحِيضِ أي وقته أو مكانه وَلا تَقْرَبُوهُنَ بالجماع حَتَّى يَطْهُرْنَ بسكون الطاء وتشديدها قوله: عَنِ الْمَحِيضِ مصدر ميمي يصلح للحدث والزمان والمكان، فقوله: (أي الحيض) أي سيلان الدم وخروجه فإن الحيض في اللغة معناه السيلان وهو المصدر، ويطلق أيضا على الدم نفسه، ولذا عرفه الفقهاء بقولهم: هو دم جبلة يخرج في أوقات مخصوصة. وقوله: (أو مكانه) بقي عليه أن يقول زمانه لأنه يصح إرادته هنا أيضا بدليل قوله أي وقته بعد قوله في المحيض اهـ شيخنا.\rقوله: (ماذا يفعل) هذا بيان لصورة السؤال أي هل نخالطهن أو نعتزلهن. قوله: (قذر) أي مستقذر، والموصوف بالاستقذار الحيض بمعنى الدم نفسه لا بمعنى المصدر الذي سيلانه. وعبارة الخازن: والأذى في اللغة ما يكره من كل شيء اهـ.\rوعبارة أبي السعود: أي شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة له اهـ.\rوفي المصباح: أذى الشيء، أذى من باب تعب بمعنى قذر. قال تعالى: قُلْ هُوَ أَذىً أي مستقذر اهـ.\rقوله: (أو محله) أي أو محله قذر، وهذا من قبل اللف والنشر المرتب، فقوله قذر راجع للتفسير الأول، وقوله أو محله راجع للثاني في قوله: (أي الحيض) أو مكانه. قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ الخ لما نزلت أخذ المسلمون بظاهرها، فأخرجوهن من بيوتهن، فقال ناس من الأعراب: يا رسول اللّه البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض، فقال: إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن ولم تؤمروا بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي وقته) يحتمل أني يكون تفسير للمحيض، وأن يكون تقديرا للمضاف وحملا للمحيض على المصدر وكل صحيح اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَقْرَبُوهُنَ في المصباح: قربت الأمر أقربه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل قربانا بالكسر فعلته أو دانيته ومن الأول ولا تقربوا الزنا، ويقال منه قربت المرأة كآية عن الجماع، ومن الثاني لا تقرب الحمى أي لا تدن منه اهـ.\rويقال أيضا قرب بضم الراء ككرم كما في القاموس. قوله: (بالجماع) أي وبالمباشرة فيما بين السرة والركبة. قوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي بالاغتسال أو التيمم كما يفصح عنه القراءة بالتشديد وينبئ عنه قوله عز وجل: فَإِذا تَطَهَّرْنَ الذي هو مفهوم الغاية. وعند أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه تحل الانقطاع إن انقطع لأكثر الحيض، وإلا فلا بد من الاغتسال أو مضي وقت صلاة بعد الانقطاع اهـ من الكرخي.\rوالتصريح بمفهوم الغاية، وإن علم مما قبله لمزيد العناية بأمر التطهر اهـ أبو السعود.\rقوله: (للجماع) أي وغيره مما كان ممنوعا وهو المباشرة فيما بين السرة والركبة. قوله: مِنْ حَيْثُ في من قولان، أحدهما: أنها لابتداء الغاية أي من الجهة التي تنتهي إلى موضع الحيض،","part":1,"page":269},{"id":272,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 270\rوالهاء وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء أي يغتسلن بعد انقطاعه فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ بالجماع مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بتجنبه من الحيض وهو القبل ولا تعدوه إلى غيره إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ يثيب ويكرم التَّوَّابِينَ من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) من الأقذار\rنِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي محل زرعكم الولد فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي محله وهو القبل أَنَّى كيف شِئْتُمْ من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار نزل ردا لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها جاء الولد أحول وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ العمل الصالح كالتسمية عند الجماع وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه والثاني: أن تكون بمعنى في أي في المكان الذي نهيتم عنه في الحيض، ورجح هذا بعضهم بأنه ملائم لقوله: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ اهـ سمين.\rقوله: (بتجنبه) متعلق بأمركم على أنه هو المفعول الثاني وقوله وهو القبل تفسير لحيث فهي ظرف مكان. قوله: (و لا تعدوه) بفتح التاء والعين والدال المشددة من التعدي وأصله تتعدوه، فحذفت منه إحدى التاءين تخفيفا ويحتمل أنه بفتح التاء وسكون العين وضم الدال من عدا بمعنى تعدى أي لا تتجاوزه، وقوله إلى غيره وهو الدبر. قوله: (من الأقذار) كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتي أي: والمتطهرين بالماء من الجنابة والاحداث. وكرر قوله: يجب دلالة على اختلاف المقتضي للمحبة فتختلف المحبة كما أشار إليه في التقرير، والجملتان معترضتان وقعتا بين المبين، وهو تأتوهن من حيث أمركم اللّه، وبين البيان وهو نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات، كما أشار إليه بقوله: أي محل زرعكم الولد لأنه الغرض الأصلي من الإتيان لا قضاء الشهوة، ونكتة هذا الاعتراض الترغيب فيما أمروا به والتنفير عما نهوا عنه، وقدم الذي أذنب على الذي لم يذنب لكيلا يقنط التائب من الرحمة، ولئلا يعجب المتطهر بنفسه كما في آية فمنهم ظالم لنفسه الخ. وقوله:\rحَرْثٌ لَكُمْ أي ذوات حرث ليصح الإخبار عن الجثة بالمصدر، وافردوا المبتدأ جمع لأنه مصدر وإلا فصح فيه الإفراد والتذكير حينئذ، وقد أشار إلى ذلك في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي مواضع حرث لكم شبههن بها لما بين ما يلقي في أرحامهن من النطف، وبين البذور من المشابهة من حيث أن كلا منهما مادة ما يحصل منه، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ لما عبر عنهن بالحرث عبّر عن مجامعتهن بالإتيان وهو بيان لقوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ اهـ أبو السعود.\rقوله: (محل زرعكم) أي استنباتكم الولد فهو مفعول به للمصدر، وعبارة الخازن حرث لكم أي مزرع لكم ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه، فجعل فرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالزرع اهـ.\rقوله: (جاء الولد أحول) في القاموس: الحول بالتحريك ظهور البياض في مؤخر العين، ويكون السواد في جهة المآق، وإقبال الحدقة على الأنف أو ذهاب حدقتها قبل مؤخرها أو أن تميل الحدقة إلى اللحاظ اهـ.\rقوله: (كالتسمية) روى ابن عادل في تفسيره أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قال بسم اللّه عند الجماع فأتاه","part":1,"page":270},{"id":273,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 271\rوَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ بالبعث فيجازيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) الذين اتقوه بالجنة\rوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ أي الحلف به عُرْضَةً علة مانعة لِأَيْمانِكُمْ أي نصبا لها بأن تكثروا الحلف به أَنْ لا تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا فتكره اليمين على ذلك ويسن فيه الحنث ويكفر بخلافها ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى يوم القيامة» اهـ شيخنا.\rقوله: (الذين اتقوه بالجنة) أي لأنهم تلقوا ما خوطبوا به الأوامر والنواهي بحسن القبول الامتثال بما يقصر عنه البيان من الكرامة والنعيم المقيم، أو بكل ما يبشر به الأمور التي تسر بها القلوب وتقربها العيون، كما أشار إليه في التقرير وفيه مع ما فيه من تلوين الخطاب، وجعل المبشر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المبالغة في تشريف المؤمنين ما لا يخفى اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ الخ نزلت في عبد اللّه بن رواحة كان بينه وبين ختنه بشير بن النعمان شيء فحلف عبد اللّه لا يدخل ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصم له، فكان إذا قيل له فيه يقول: قد حلفت باللّه أن لا أفعل فلا يحل لي أن لا أبر في يميني، فأنزل اللّه هذه الآية: وقيل:\rنزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك، والعرضة ما يجعل معرضا للشيء، وقيل العرضة الشدة والقوة، وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو عرضة، والمعنى لا تجعلوا الحلف باللّه سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى بر أو صلة رحم، فيقول: قد حلفت باللّه لا أفعله فيعتل بيمينه في ترك البر والإصلاح اهـ خازن.\rقوله: عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ العرضة بمعنى المفعول كالقبضة والغرفة تطلق على ما يعرض دون الشيء، فيصير حاجزا عنه، فلذلك نصبا أي منصوبا أي لا تجعلوا اللّه كالعرض المنصوب للرماة، فكلما أردتم الامتناع من شيء ولو كان خيرا تتوصلون إلى ذلك بالحلف باللّه اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: النصب بسكون الصاد وفتحها العلم المنصوب اهـ.\rفالحلف يجعل اسم اللّه كالعلم المنصوب من حيث الاعتماد عليه في التوصيل إلى مطلوبه، فإذا كان مراده عدم فعل أمر يحلف باللّه أن لا يفعله لأجل أن يحتج باليمين ويتعلل بها في عدم فعله اهـ.\rقوله: (بأن تكثروا الحلف به) وقوله: أَنْ تَبَرُّوا هذا جمع بين قولين في تفسير الآية، فعلى التفسير الأول: وهو إكثار الحلف باللّه تكون الآية نهيا عن الحلف ولو على أمر صدق وخير، كأن كان يحلف على كل خير أراد فعله أن يفعله، فهذا مكروه لما فيه من ابتذال اسمه تعالى في كل شيء يحلف عليه قليل أو كثير عظيم أو حقير. وعلى التفسير الثاني: تكون الآية نهيا عن الحلف ولو مرة واحدة لما فيه من الامتناع من فعل الخير كأن حلف أن لا يفعل ما فيه بر ومعروف، كأن لا يصلي الضحى أو ألا يصلح بين متخاصمين. وقد صرح في الخازن بالتفسيرين، والشارح خلط بينهما. ونص الخازن: قيل:\rمعنى الآية لا تحلفوا باللّه أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، وقيل: معناها لا تكثروا الحلف وإن كنتم بارين متقين مصلحين، فإن كثرة الحلف باللّه ضرب من الجرأة عليه اهـ.\rومنشأ القولين الخلاف في معنى العرضة فإنها تستعمل بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول. فعلى الأول يتخرج التفسير الذي ذكره بقوله: (أن لا تبروا)، وعلى الثاني يتخرج التفسير الذي ذكره بقوله:","part":1,"page":271},{"id":274,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 272\rعلى فعل البر ونحوه فهي طاعة وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ المعنى لا تمتنعوا من فعل ما ذكر من البر ونحوه إذا حلفتم عليه بل ائتوه وكفروا لأن سبب نزولها الامتناع من ذلك وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (224) بأحوالكم\rلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ الكائن فِي أَيْمانِكُمْ وهو ما يسبق إليه بأن تكثروا الحلف به، وعبارة أبي السعود: والعرضة فعلة إما بمعنى ما يعرض دون الشيء فيصير حاجزا ومانعا عنه، كما يقال فلان عرضة للخير، وإما بمعنى مفعول بمعنى الشيء المعرض للأمر أي المجعول حاجزا عنه. فالمعنى على الأول لا تجعلوا اسم اللّه مانعا من فعل الأمور الحسنة التي تحلفون على تركها وعلى هذا فالمراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها، وسميت أيمانا لتعلقها بها. وقوله:\rأَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ عطف بيان لايمانكم أو بدل منها لما عرفت أنها عبارة عن الأمور المحلوف عليها، واللام في لأيمانكم متعلقة بالفعل أو بعرضة لما فيها من معنى الاعتراض أن لا تجعلوا اللّه لبركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس عرضة أي برزخا حاجزا بأن تحلفوا به على تركها، والمعنى على الثاني لا جعلوا اللّه معرضا لأيمانكم تبتذلونه بكثرة الحلف به، وعلى هذا فأيمان باقية على معناها الأصلي الذي هو الإقسام جمع قسم، وأن تبروا حينئذ علة للنهي أي ارادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن الحلاف مجترىء على اللّه سبحانه وتعالى غير معظم فلا يكون برا متقيا ثقة بين الناس فيكون بمعزل من التوسط في إصلاح ذات البين اهـ.\rقوله: (أن لا تبروا) أي لا تفعلوا البر كالتصدق وصلة الرحم وتتقوا وتصلحوا أن لا تتقوا ولا تصلحوا فالأول كأن لا يصلي الضحى، والثاني ظاهرا اهـ شيخنا.\rفالمراد بالبر هنا الأمر المستحسن شرعا. وفي المصباح: والبر بالكسر الخير والفضل وبر الرجل يبر برا وزان علم يعلم علما فهو بر بالفتح وبار أي صادق أو تقي وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار وجمع الثاني بررة مثل كافر وكفرة اهـ.\rوهذا كله على تقدير لا كما جرى عليه الجلال، وعلى القول الثاني في التفسير، وهو عدم زيادتها يكون معنى قوله: أن تبروا أي تصدقوا؛ ولا تحنثوا في أيمانكم، ويكون المراد بالبر ضد الحنث، وفي المصباح: وبر الحج واليمين والقول برا من باب علم فهو بر وبار وبررت في القول، واليمين أبر فيهما برورا إذا صدقت فيهما فأنا بر وبار اهـ.\rقوله: (فتكره اليمين) وقوله: نهي طاعة أفاد به أن اليمين تكره تارة وتندب أخرى، وقد تحرم وقد تجب وقد تباح فتعتريها الأحكام الخمسة كما هو مقرر في كتب الفقه. قوله: (و يسن فيه الحنث) الضمير عائد على اسم الإشارة على اليمين لأنها مؤنثة كما في القاموس اهـ.\rقوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ أي لا يعاقبكم ولا يوجب عليكم الكفارة، كما ذكره بقوله فلا إثم فيه ولا كفارة اهـ شيخنا.\rواللغو: مصدر لغا يلغوا. يقال لغا يلغو لغوا مثل غزا يغزو غزوا ولغي يلغي لغيا مثل لقي يلقي لقيا اهـ سمين.\rوفي الخازن: اللغو كل ساقط مطروح من الكلام وما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية","part":1,"page":272},{"id":275,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 273\rاللسان من غير قصد الحلف نحو لا وبلى واللّه فلا إثم عليه ولا كفارة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الأيمان إذا حنثتم وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان من اللغو حَلِيمٌ (225) بتأخير العقوبة عن مستحقها\rلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي يحلفون أن لا يجامعوهن تَرَبُّصُ انتظار أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف رَحِيمٌ (226) بهم\rوَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه فَإِنَّ اللَّهَ وفكر، واللغو في اليمين هو الذي لا عقد معه، كقول القائل لا واللّه وبلى واللّه على ما سبق اللسان من غير قصد ونية. وبه قال الشافعي، ويعضده ما روي عن عائشة قالت: «نزلت قوله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ في قول الرجل لا واللّه وبلى واللّه» أخرجه البخاري موقوفا، ورفعه أبو داود قال:\rقالت عائشة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «هو قول الرجل في بيته كلا واللّه وبلى واللّه» ورواه عنها أيضا موقوفا. وقيل في معنى اللغو: هو أن يحلف على شيء يراه أنه صادق ثم يتبين له خلاف ذلك، وبه قال أبو حنيفة: ولا كفارة فيه ولا إثم عليه عنده. وفائدة الخلاف الذي بين الشافعي وأبي حنيفة في لغو اليمين أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا واللّه وبلى واللّه، ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بضد ذلك اهـ.\rقوله: (من غير قصد) أي بل القصد مجرد توكيد الكلام. قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ وقعت هنا، لكن بين نقيضين باعتبار وجود اليمين لأنها لا تخلو إما أن لا يعضدها القلب، بل جرت على اللسان وهي اللغو، وإما أن يعضدها وهي المنعقدة. وقوله: بِما كَسَبَتْ متعلق بالفعل قبله والباء للسببية كما تقدم، وما يجوز فيها ثلاثة أوجه، اظهرها: أنها مصدرية ليقابل المصدر وهو اللغو أي لا يؤاخذكم باللغو ولكن بالكسب. والثاني: بمعنى الذي ولا بد من عائد محذوف أي كسبته ويرجح هذا أنها بمعنى الذي أكثر منها مصدرية. والثالث: أن تكون نكرة موصوفة، والعائد أيضا محذوف وهو ضعيف، وفي هذا الكلام حذف تقديره، ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما كسبت قلوبكم، فحذف لدلالة ما قبله.\rالْحَلِيمُ من حلم بالضم يحلم إذ عفا مع قدرة اهـ سمين.\rقوله: (لما كان من اللغو) أي مع أنه ناشىء عن عدم التثبت وقلة المبالاة اهـ أبو السعود.\rقوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ الخ أي للمؤلي حق الصبر مع زوجته تلك المدة فلا تطالبه فيها بفيئة ولا بطلاق اهـ من البيضاوي.\rقوله: مِنْ نِسائِهِمْ الإيلاء الحلف وحقه أن يستعمل بعلى واستعماله بمن لتضمنه معنى البعد أي يحلفون متباعدين من نسائهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي يحلفون أن لا يجامعوهن) أي مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر كما تقرر في الفروع اهـ شيخنا.\rتَرَبُّصُ مبتدأ خبره ما قبله أضيف إلى الظرف على الاتساع أي التجوز إلى الأصل تربصهن في أربعة أشهر اهـ كرخي.\rقوله: (أي عليه) أشار إلى أن نصب الطلاق على نزع الخافض، لأن عزم يتعدى بعلى، وقوله:","part":1,"page":273},{"id":276,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 274\rسَمِيعٌ لقولهم عَلِيمٌ (227) بعزمهم. المعنى ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق\rوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ أي لينتظرن بِأَنْفُسِهِنَ عن النكاح ثَلاثَةَ قُرُوءٍ تمضي من حين الطلاق جمع قرء بفتح القاف وهو الطهر أو الحيض قولان، وهذا في المدخول بهن أما غيرهن فلا عدة عليهن لقوله فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق والإماء فعدتهن قرءان بالسنة وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ من الولد أو الحيض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَ فليوقعوه إشار إلى أن جواب إن محذوف كما هو الظاهر اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيه من الوعيد على الامتناع وترك الفيئة ما لا يخفى اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لينتظرن) أشار إلى أن هذا الخير في معنى الأمر وإيراده أبلغ من صريح الأمر لإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى الإتيان به، فكأنهن امتثلن بالفعل اهـ شيخنا.\rقوله: بِأَنْفُسِهِنَ الباء قيل زائدة في التوكيد والأصل يتربصن أنفسهن ويكون التوكيد توكيدا لنون النسوة، وقيل: للتعدية أي يتربصن بأنفسهن لا بغيرهن أي غيرهن لا دخل له في هذا الأمر، لأن أنفسهن طوامح أي نواظر إلى الرجال فلا يقمعها إلا هن ولأن أمر العدة لا يعلم من جهتين اهـ شيخنا.\rقوله: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أي فلا تتوقف العدة على ضرب قاض بخلاف مدة العنت اهـ.\rقوله: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ نصب على الظرفية أو المفعولية بتقدير مضاف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء اهـ شيخنا.\rقوله: (بفتح القاف) إنما اقتصر عليه لأجل الجمع المذكور، وإلا فهو بالضم أيضا لكن ذاك يجمع على أقراء. وفي المصباح: والقرء فيه لغتان الفتح وجمعه قروء وأقرؤ مثل فلس وفلوس وأفلس، والضم يجمع على أقراء مثل قفل وأقفال اهـ.\rقوله: (قولان) الأول للشافعي، والثاني لأبي حنيفة ومالك وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا شرعت المعتدة في الحيضة الثالثة فمن يجعل القرء الطهر يرى انقضاء عدتها حينئذ ومن يجعله الحيض يقول لا تنقضي عدتها حتى تنقضي الحيضة الثالثة اهـ كرخي.\rقوله: (و هذا في المدخول بهن) حاصل ما ذكره خمس تخصيصات للآية: الأربعة الأولى بالقرآن والأخيرة بالسنة اهـ شيخنا.\rقوله: (بقوله فما لكم) أي بدليل قوله الخ. قوله: (كما في صورة الطلاق) راجع للثلاثة: الآية والصغيرة والحامل، والمذكور في تلك الصورة قوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [الطلاق: 4] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ الخ أي لأجل استعجال انقضائها لأجل إبطال حق الزوج من الرجعة، ولأجل إلحاق الولد بغير أبيه، وفيه دليل على قبول قولهن في ذلك نفيا وإثباتا اهـ شيخنا.","part":1,"page":274},{"id":277,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 275\rأزواجهن أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ بمراجعتهن ولو أبين فِي ذلِكَ أي في زمن التربص إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً بينهما لا ضرار المرأة وهو تحريض على قصده لا شرط لجواز الرجعة وهذا في الطلاق الرجعي وأحق لا تفضيل فيه إذ لا حق لغيرهم في نكاحهن في العدة وَلَهُنَ على الأزواج مِثْلُ الَّذِي قوله: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَ الخ جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله دلالة واضحة أي فلا يجترئن على ذلك، لأن قضية الإيمان باللّه واليوم الآخر الذي يقع فيه الجزاء والعقوبة منافية له قطعا اهـ أبو السعود.\rوهذا الشرط ليس للتقييد بل للتغليظ حتى لو لم يكن مؤمنات كان عليهن العدة أيضا اهـ كرخي.\rقوله: (أزواجهن) أفاد به أن البعولة جمع بعل، فالتاء لتأنيث الجمع، ويصح أن يكون مصدرا على حذف مضاف أي أهل بعولتهن اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: البعل الزوج يقال بعل يبعل من باب قتل بعولة إذا تزوج والمرأة بعل أيضا وقد يقال فيها بعلة بالهاء كما يقال زوجة تحقيقا للتأنيث والجمع البعولة قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ اهـ.\rفقد استفيد من هذا أن البعولة لفظ مشترك بين المصدر والجمع ويجمع البعل أيضا على بعال وبعول كما في القاموس وفيه أن بعل من باب منع فيؤخذ منه مع كلام المصباح أنه يأتي من باب قتل ومنع ونصه: والبعل الزوج والجمع بعال وبعول وبعولة، والأنثى بعل وبعلة وبعل كمنع بعولة صار بعلا والبعال الجماع وملاعبة المرء أهله اهـ.\rقوله: (و لو أبين) أي امتنعن منها. قوله: (بينهما) أي بينهم وبينهن. وقوله: (لا ضرار المرأة) عطف على اصلاحا. وقوله: (و هو) أي قوله إن أرادوا إصلاحا تحريض على قصده أي قصد الإصلاح قوله: (و هذا) أي قوله وبعولتهن، فالضمير للمطلقات طلاقا رجعيا فهو راجع لبعض أفراد المطلقات اهـ شيخنا.\rوقرينة هذا التقييد قوله الآتي الطَّلاقُ مَرَّتانِ الخ اهـ.\rقوله: (و أحق لا تفضيل فيه) أي بل هو بمعنى الفاعل، فكأنه قال: وبعولتهن حقيقون بردهن اهـ كرخي.\rوقوله: (إذ لا حق لغيرهم في نكاحهن) صوابه في ردهن ورجعتهن، كما عبر غيره، وما جرى عليه أحد قولين والآخر أن التفضيل على بابه والمفضل عليه هو الزوجة. أي أن الزوج أحق منها بالرجعة بمعنى أنها لو منعت منها وطلبها فهو المجاب. وعبارة أبي السعود وصيغة التفضيل لإفادة أن الرجل إذا أراد الرجعة والمرأة تأباها وجب إيثار قوله على قولها وليس معناه أن لها حقا في الرجعة اهـ.\rقوله: مِثْلُ الَّذِي الخ أي مثل في مطلق الوجوب لا في عدد الأفراد ولا في صفة الواجب اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله مِثْلُ الَّذِي لهم الخ أفي في الوجوب لا في الجنس إذ ليس أحب على كل","part":1,"page":275},{"id":278,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 276\rلهم عَلَيْهِنَ من الحقوق بِالْمَعْرُوفِ شرعا من حسن العشرة وترك الضرار ونحو ذلك وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فضيلة في الحق من وجوب طاعتهن لهم لما ساقوه من المهر والإنفاق وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ (228) فيما دبره لخلقه\rالطَّلاقُ أي التطليق الذي يراجع بعده مَرَّتانِ أي اثنتان فَإِمْساكٌ أي فعليكم بعده بأن تراجعوهن بِمَعْرُوفٍ من غير إضرار أَوْ تَسْرِيحٌ أي منهما من جنس ما وجب على الآخر، فلو غسلت ثيابه أو خبزت له لم يلزمه أن يفعل مثل ذلك، ولكن يقابلها بما يقابل به النساء، وقد أشار إليه في التقرير اهـ.\rقوله: (من حسن العشرة) أي منهم ومنهن وكذا ما بعده فبعض الحقوق قد يكون مشتركا بينهما كهذين الحقين، وبعضها قد يكون مختلفا كما قرر في الفروع اهـ شيخنا.\rقوله: (لما ساقوه) أي دفعوه من المهر الخ.\rقوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ روي عن عروة بن الزبير قال: كان الرجل إذا طلق زوجته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم قال: واللّه لا آويك إليّ ولا تحلين أبدا. فأنزل اللّه تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ فاستقبل الناس الطلاق جديدا من ذلك اليوم من كان طلق أو لم يطلق. أخرجه الترمذي اهـ خازن. والطلاق مبتدأ بتقدير عدد الطلاق لتحصل المطابقة بين المبتدأ والخبر اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي التطليق) أشار به إلى أن الطلاق اسم مصدر، والمراد منه المصدر ليطابق قوله أو تسريح، وقوله: (الذي يراجع بعده) إشارة إلى حذف النعت ويراجع بالبناء للفاعل أو المفعول، وعلى هذا تكون هذه الآية مقيدة أو مخصصه للضمير في قوله وبعولتهن لصدقة بالبائنة اهـ شيخنا.\rقوله: مَرَّتانِ أي والثالثة تؤخذ من قوله أو تسريح بإحسان، أو من قوله: فإن طلقها فلا تحل له من بعد اهـ شيخنا.\rوالظاهر أن هذا لا يصح لأنه حيث كان المراد بيان عدد الطلاق الذي يراجع بعده لا يقال وبقيت الثالثة فتؤخذ من كذا لأن الثالثة لا رجعة بعدها اهـ.\rقوله: (أي اثنتان) هذا اللفظ يصدق بإيقاعهما معا أو مرتبا بل المتبادر منه المعية بخلاف لفظ مرتان فإنه ظاهر في التعاقب وعدم المعية، فهو أوضح في المراد، وذلك لأن الأولى للمطلق أن لا يوقع الطلقتين دفعة واحدة، بل يوقع كل واحدة في طهر. وعبارة أبي السعود: إيثار ما عليه النظم الكريم على التعبير بثنتان للايذان بأن حقهما أن يوقعها مرة بعد مرة لا دفعة واحدة، وإن كانت الرجعة ثابتة أيضا اهـ.\rقوله: (أي فعليكم امساكهن) أشار به إلى أن امساك مبتدأ محذوف الخبر وأن الخبر يقدر قبله لأجل تسويغ الابتداء بالنكرة، والوجوب المستفاد من عليكم ليس للامساك وحده، بل لأحد الأمرين الإمساك والتسريح اهـ شيخنا.","part":1,"page":276},{"id":279,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 277\rإرسالهن بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أيها الأزواج أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَ من المهور شَيْئاً إذا قوله: (إرسالهن) أي بتركهن حتى تنقضي العدة، فتبين وهذاهو المتبادر، ويكون ملك الطلقة الثالثة مستفادا من قوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد ويحتمل كما قيل إن المراد بالتسريح تطليقهن الطلقة الثالثة. وقوله: بإحسان أي مع إحسان من نحو بذل مال لهن جبرا لخاطرهن، فالمراد بالإحسان عدم المضارة وإيصال المعروف. وقيل: هو أن يؤدي إليها جميع حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها اهـ الخازن.\rوفي القرطبي: والتسريح يحتمل لفظه معنيين أحدهما تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية، وتكون أملك بنفسها، وهذا قول السدي والضحاك. والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما وهو أصح لوجوه ثلاثة، أحدها: ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال: يا رسول اللّه قال اللّه تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ فلم صار ثلاثا؟ قال: امساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وفي رواية هي الثالثة، ذكره ابن المنذر. الثاني: أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرئ وإن عزموا السراح. الثالث: أن فعل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في التراك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل. قال أبو عمرو: أجمع العلماء على أن قوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عنى بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ اهـ.\rوالفاء في قوله تعالى: فَإِمْساكٌ الخ للترتيب على التعليم، كأنه قيل إذا علمتم كيفية التطليق فعليكم أحد الأمرين، وإنما كان معناها ذلك لأن الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان إنما يكون قبل استيفاء الطلقات الثلاث لا بعدها، والإحسان أعم من المعروف، لأن المراد بالمعروف عدم المضارة والإحسان أعم من ذلك، فيشمل إعطاء المال فكل معروف إحسان وليس كل إحسان معروفا فبين أن من حق المطلق أن يزيد على عدم المضارة اعطاء المال، جبرا لخاطرهن لما يحصل لهن بسبب الطلاق من الوحشة وانكسار الخاطر، وذلك على حسب ما كانوا يراعون في بذل المعروف لمن يرتحل عنهم اهـ من الكرخي.\rقوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الخ سبب نزولها أن جميلة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس، فأتت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت: لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شيء، واللّه ما أعيبه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضا إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة فإذاهو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، فنزلت الآية فاختلعت منه بالحديقة التي أصدقها إياها فردتها عليه اهـ بيضاوي.\rوقوله: ولكن أكره الكفر في الإسلام، أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر بغضا فيه، ويحتمل أن تريد كفران العشير اهـ زكريا.\rقوله: (أيها الأزواج) وقيل: أن الخطاب لولاة الأمور، وعبارة الخطيب تنبيه علم مما تقرر أن الخطاب في الأول للزوجين وثانيا للأولياء، والحكام نحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً لأنهم","part":1,"page":277},{"id":280,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 278\rطلقتموهن إِلَّا أَنْ يَخافا أي الزوجان أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي لا يأتيا بما حده لهما من الحقوق وفي قراءة يخافا بالبناء للمفعول فأن لا يقيما بدل اشتمال من الضمير فيه وقرئ بالفوقانية في الفعلين فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نفسها من المال ليطلقها أي لا حرج على الزوج في أخذه الزوجة في بذله تِلْكَ الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)\rفَإِنْ طَلَّقَها الزوج بعد الثنتين فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ بعد الطلقة الثالثة الذين يأمرون بالأخذ والايتاء عند الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون اهـ وسبقه إليه البيضاوي، وأبو السعود.\rقوله: (من المهور) أي ولا من غيرها بالطريق الأولى، وعبارة أبي السعود: ولا يحل لكم أن تأخذوا منهن في مقابلة الطلاق مما آتيتموهن من المهور وتخصيصها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة أو التنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن في مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا يحل أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى اهـ.\rقوله: شَيْئاً مفعول تأخذوا أي شيئا قليلا فضلا عن الكثير. قوله: إِلَّا أَنْ يَخافا فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة والكلام على تقدير أمرين حرف الجر وهو في ومضاف إلى المصدر المأخوذ من أن وصلتها، والتقدير إلا في حال خوف عدم القيام. وقوله: أَلَّا يُقِيما في محل المفعول به للخوف، والمعنى ولا يحل لكم أن تأخذوا منهن شيئا في حال من الأحوال إلا في حال خوفهما عدم إقامة حدود اللّه، وقوله من الحقوق أي حقوق الزوجية. قوله: (و في قراءة) أي سبعية وقوله من الضمير وهو ألف التثنية، والتقدير ألا يخافا عدم إقامتهما حدود اللّه وأصل الكلام على هذه القراءة إلا أن يخافا ولاة الأمور الرجل والمرأة أن لا يقيما حدود اللّه، فالولاة فاعل والرجل مفعول به، والمرأة معطوفة عليه، وأن لا يقيما بدل اشتمال من المفعول الذي هو الرجل والمرأة، فحذف الفاعل وبنى الفعل لما لم يسم فاعله، وأتى بدل المفعول به الظاهر بضمير التثنية، وبقي أن لا يقيما بدل اشتمال على حاله، لكن من الضمير الذي صار نائب الفاعل، فهذا التركيب على جد، وأسروا النجوى الذين ظلموا تأمل. قوله:\r(و قرئ) أي شاذا وقوله بالفوقانية أي مفتوحة في الأول مضمومة في الثاني، فقوله في الفعلين أي مع بنائهما للفاعل، وعلى هذه القراءة لا التفات في الكلام. قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أي عليهم بظهور بعض الامارات والخطاب لولاة الأمور، وقوله: حدود اللّه فيه وفيما بعده الإظهار في مقيم الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروع في ذهن السامع. قوله: (و لا الزوجة في بذلة) أي لأن هذا تضييع للمال بحق لأنه في وجه أجازه الشارع فليس داخلا في عموم إتلاف المال بغير حق. قوله: (المذكورة) أي في قوله:\rولا تنكحوا المشركات إلى هنا وقال الخازن: وهي ما تقدم من أحكام الطلاق والرجعة والخلع اهـ.\rقوله: فَلا تَعْتَدُوها أي بالمخالفة والرفض. وقوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ الخ ذكر هذا الوعيد بعد النهي عن تعديها للمبالغة في التهديد اهـ. من أبي السعود ومن شرطية بدليل جزم الفعل بعدها وروعي لفظها في الشرط ومعناها في الجزاء اهـ شيخنا.\rوقوله: الظَّالِمُونَ أي لأنفسهم بتعريضها لسخط اللّه تعالى وعقابه أبو السعود. وقوله: (بعد","part":1,"page":278},{"id":281,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 279\rحَتَّى تَنْكِحَ تتزوج زَوْجاً غَيْرَهُ ويطأها كما في الحديث، رواه الشيخان فَإِنْ طَلَّقَها أي الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي الزوجة والزوج الأول أَنْ يَتَراجَعا إلى النكاح بعد انقضاء العدة إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ المذكورات حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) أي يتدبرون\rوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ قاربن انقضاء عدتهن فَأَمْسِكُوهُنَ بأن تراجعوهن بِمَعْرُوفٍ من غير ضرار أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ اتركوهن حتى تنقضي عدتهن وَلا تُمْسِكُوهُنَ بالرجعة ضِراراً مفعول له الثنتين) أي سواء كان قد راجعها أم لا وسواء انقضت عدتها في صورة عدم الرجعة أم لا اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الخ الحكمة في شرع هذا الحكم الردع عن المسارعة إلى الطلاق وعن العود إلى المطلقة ثلاثا والرغبة فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً أي عبد انقضاء عدتها من الأول وقوله: (و يطأها) أي الزوج الثاني وتنقضي عدتها منه. قوله: (رواه الشيخان) أي روياه عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي واسمها تميمة وقيل عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي، وكانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب ابن عتيك القرظي، فطلقها فجاءت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي، وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» اهـ خازن.\rوالعسيلة: مجاز عن قليل الجماع. إذ يكفي قبل الانتشار شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت بالتاء لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري اهـ زكريا.\rقوله: أَنْ يَتَراجَعا أي يرجع كل منهما إلى الآخر بالعقد اهـ أبو السعود.\rقوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يفهمون وتخصيصهم بالذكر مع عموم الدعوى والتبليغ لما أنهم المنتفعون بالبيان اهـ أبو السعود.\rقوله: (يتدبرون) التدبر تصرف القلب في النظر إلى العواقب والتفكر تصرف القلب في الدلائل ولهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال اهـ كرخي.\rقوله: (قاربن انقضاء عدتهن) حمله على ذلك لأجل قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وهذا من الباب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، والأجل يطلق على المدة بتمامها حقيقة، ويطلق على منتهاها وآخرها مجازا وهو المراد هنا اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ هذا قد سبق وأعاده اعتناء بشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه. أي لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن، كان المطلق يترك المعتدة حتى إذا شارفت انقضاء الأجل يراجعها لا لرغبة فيها بل ليطول عليها العدة فنهى عنه ما أمر بضده لما ذكره اهـ أبو السعود، وفي الكرخي.","part":1,"page":279},{"id":282,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 280\rلِتَعْتَدُوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل الحبس وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها إلى عذاب اللّه وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً مهزوءا بها بمخالفتها وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ القرآن وَالْحِكْمَةِ ما فيه من الأحكام يَعِظُكُمْ بِهِ بأن فإن قلت: ما فائدة الجمع بين فأمسكوهن بمعروف وبين ولا تمسكوهن ضرارا مع أن الأمر بالشيء منهي عن ضده أو ملزم له؟ فالجواب: أن الأمر بالشيء لا يفيد التكرار ولا يتناول جميع الأوقات بخلاف النهي فأفادوا ذكر الثاني رفع توهم أن المراد بالأول ما يتناول ذلك، واللام في قوله لتعتدوا معلقة بالضرار إذ المراد تقييده فيكون علة للعلة، كما تقول ضربت ابني تأديبا لينتفع، ولا يجوز جعله علة ثانية لأن المفعول له لا يتعدد إلا بالعطف وهو مفقود هنا اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي الإمساك المؤدي للضرار اهـ.\rقوله: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي في ضمن ظلمه لهن اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً كأنه نهى عن الهزء بها وأراد ما يستلزمه في الأمر بضده أي جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلّا فقد أخذتموها هزوا ولعبا ويجوز أن يراد به النهي عن الإمساك ضرارا فإن الرجعة بلا رغبة فيها عمل بموجب آيات اللّه بحسب الظاهر دون الحقيقة، وهو معنى الهزء، وقيل: كان الرجل ينكح ويطلق ويعتق ثم يقول: أنا كنت ألعب، فنزلت.\rولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «ثلاثة جدهنّ جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق» اهـ أبو السعود.\rقوله: (بمخالفتها) متعلق بتتخذوا أي بسبب مخالفتها اهـ.\rوعبارة البيضاوي: ولا تتخذوا آيات اللّه هزوا بالإعراض عنها والتهاون بالعمل بما فيها من قولهم لمن يجد في الأمر إنما أنت هازىء، كأنه نهى عن الهزء وأراد بها الأمر بضده انتهت.\rقوله: نِعْمَتَ اللَّهِ أي إنعامه فصح تعلق قوله بالإسلام به، وقوله: وما أنزل عطف خاص على عام اهـ شيخنا. وهذا يقطع النظر على قول الشارح بالإسلام. أما بالنظر إليه فيكون عطف مغاير لأن النعمة حينئذ المراد بها الإنعام والكتاب والحكمة من افراد النعم لا من افراد الإنعام اهـ.\rقوله: أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ عطف على نعمة اللّه، وما موصولة حذف عائدها من الصلة، ومن في قوله تعالى: مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ بيانية في القرآن والسنّة والقرآن الجامع للعنوانين على أن العطف لتغاير الوصفين، وفي ابهامه أولا. ثم بيانه من التفخيم ما لا يخفى، وفي افراده بالذكر مع كونه أول ما دخل في النعمة المأمور بذكرها إبانة لخطره ومبالغة في البعث على مراعاة ما ذكر قبله من الأحكام اهـ.\rأبو السعود. وفي إفراد الحكمة والكتاب بالذكر إظهار لشرفها اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ في القسطلاني على البخاري. قال ابن وهب: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين والفقة فيه والاتباع له. وقال الشافعي رضي اللّه عنه: الحكمة سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، واستدل لذلك بأنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب وتعليمه ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئا خارجا عن الكتاب وليس ذلك إلا السنّة. وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل،","part":1,"page":280},{"id":283,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 281\rتشكروها بالعمل به وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) لا يخفى عليه شيء\rوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَ خطاب للأولياء أي تمنعوهن من أَنْ يَنْكِحْنَ والحكيم هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها. وقد بسط ابن عادل الكلام على تفسير الحكمة فليراجع اهـ بالحرف.\rوعبارة ابن عادل: وأما الحكمة فهي الإصابة في القول والعمل، وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة ترد عن الجهل والخطأ وهو راجع إلى ما ذكرنا من الإصابة في القول والعمل. واختلف فيها المفسرون هنا. قال ابن وهيب: قلت لمالك إلى آخر ما تقدم، ثم قال: روي عن مقاتل قال: تفسير الحكمة في القرآن العظيم على أربعة أوجه، أحدها: مواعظ القرآن. قال تعالى:\rوَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يعني الموعظة، ومثلها في آل عمران. وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم وفي الأنعام أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [الأنعام: 89]، وفي سورة ص وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ [ص: 20]. وثالثها: النبوة. ورابعها: القرآن لما فيه من عجائب الأسرار، قال في النحل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ [النحل: 125] وفي هذه الآية وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] وعند التحقيق ترجع هذه الوجوه إلى العلم اهـ المراد منه اهـ من خط بعض الفضلاء.\rقوله: يَعِظُكُمْ حال من فاعل أنزل أو من مفعوله أو منهما اهـ أبو السعود.\rومعنى يعظكم يأمركم ويوصيكم كما يؤخذ من المصباح. قوله: (بأن تشكروها الخ) بيان لقوله واذكروا نعمة اللّه وقوله: (به) أي بما أنزل اهـ شيخنا.\rقوله: (لا يخفى عليه شيء) أي مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم بأنواع العقاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (انقضت عدتهن) أي فهذا بيان لحكم ما كانوا يفعلونه عند بلوغ الأجل حقيقة بعد بيان ما كانوا يفعلونه عند المشارفة عليه، ولهذا قال الشافعي: اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين اهـ خازن وأبو السعود.\rوعبارة الكرخي قوله: انقضت عدتهن أشار به إلى أن بلوغ الأجل على الحقيقة محمول على انتهاء الغاية، لا على المجاز كما في الآية السابقة، لأن الإمساك بعد مضي الأجل لا وجه له، فيحمل على المجاز بخلافه ههنا، وذلك لأن النهي عن العضل إنما يكون بعد انقضاء العدة، لأن التمكن من النكاح إنما يكون حينئذ، انتهت.\rقوله: (خطاب للأولياء) راجع لقوله: وإذا طلقتم النساء، وقوله: فلا تعضلوهن، فكل منهما خطاب للأولياء، أما الثاني فظاهر، وأما الأول وهو خطاب الأولياء بالطلاق فنسبته إليهم باعتبار تسببهم فيه كما يقع كثيرا، أما الولي يتصدى لتخليص موليته من زوجها، ويطلب منه طلاقها. وقيل: الخطاب في الموضعين للأزواج، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فمن حيث أن الأزواج كانوا يمنعون مطلقاتهم أن يتزوجن ظلما وقهرا على سبيل الحمية الجاهلية. وقيل: الخطاب في الموضعين للناس كافة، والمعنى","part":1,"page":281},{"id":284,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 282\rأَزْواجَهُنَ المطلقين لهن لأن سبب نزولنا أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل بن يسار كما رواه الحاكم (إذا ترضوا) أي الأزواج والنساء بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ شرعا ذلِكَ النهي عن العضل يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المنتفع به ذلِكُمْ أي على هذا إذا وقع فيكم طلاق فلا يقع فيما بينكم عضل سواء كان ذلك من قبل الأولياء، أو من قبل الأزواج، أو من غيرهم، وفيه تهويل لأمر العضل وتحذير منه، إيذان بأن وقوع ذلك بين ظهرانيهم وهم ساكتون عنه بمنزلة صدوره عن الكل اهـ من أبي السعود بنوع تصرف.\rقوله: (المطلقين لهن) أي فتسميتهم أزواجا باعتبار ما كان على هذا، وعلى القول بأن الخطاب للأزواج يكون المراد بالأزواج من سيتزوج بهن وهو باعتبار مجاز الأول اهـ شيخنا.\rقوله: (إن أخت معقل بن يسار)، واسمها جميلة وقوله طلقها زوجها أي طلاقا رجعيا، وانقضت عدتها منه، واسم زوجها عاصم بن عدي. وقوله: (أن يراجعها) أي بعقد جديد لانقضاء عدتها كما علمت، وقوله: (فمنعها معقل) أي وقال: واللّه لا أنكحها أبدا فنزلت في هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه هذا ما رواه البخاري اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا تَراضَوْا ظرف فلا تعضلوهن والتذكير باعتبار تغليب الذكور والتقييد بالتراضي لأن المعتاد لتجويز العضل قبل تمام التراضي، وقيل: ظرف لأن ينكحن، وقوله بينهم ظرف للتراضي مفيد لرسوخه، استحكامه اهـ أبو السعود.\rقوله: بِالْمَعْرُوفِ (شرعا) أي الجميل عند الشرع المستحسن عند الناس، والباء إما متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا، أو نعت لمصدر محذوف أي تراضينا كائنا بالمعروف، وإما يتراضوا أي تراضوا بما يحسن في الدين والمروءة، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء، أو بما دون مهر المثل ليس من العضل اهـ أبو السعود.\rقوله: (ذلك النهي عن العضل) وعبارة أبي السعود ذلك إشارة إلى ما فضل من الأحكام وما فيه من معنى البعد لتعظيم المشار إليه، والخطاب لجميع المكلفين كما فيما بعده، والتوحيد إما باعتبار كل واحد منهم، وإما بتأويل القبيل والفريق، أو إما لأن الكاف لمجرد الخطاب، والفرق بين الحاضرين والمنقضي دون تعيين الخاطبين، أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: 1] للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد يعرفه كل أحد، انتهت.\rقوله: يُوعَظُ بِهِ أي يؤمر به، فإن النهي عن الشيء أمر بضده وفي المصباح: وعظه يعظه وعظا وعظة أمره بالطاعة ووصاه بها وعليه قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ [سبأ: 46] أي أوصيكم وآمركم اهـ.\rقوله: مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال: ذلك هنا، وقال في الطلاق ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. لما كانت كاف ذلك لمجرد الخطاب لا محل لها من الإعراب جاز الاقتصار على الواحد كما هنا في عفونا عنكم من بعد ذلك، وجاز الجمع نظرا للمخاطبين كما في","part":1,"page":282},{"id":285,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 283\rترك العضل أَزْكى خير لَكُمْ وَأَطْهَرُ لكم ولهم لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه المصلحة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) ذلك فاتبعوا أمره\r* وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أي ليرضعن أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ عامين كامِلَيْنِ صفة مؤكدة ذلك لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ولا زيادة عليه وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي الأب رِزْقُهُنَ إطعام الوالدات وَكِسْوَتُهُنَ على الطلاق، فإن قلت: لم ذكر منكم هنا وترك ثم؟ قلنا: لترك ذكر المخاطبين هنا في قوله واكتفى بذكرهم ثم فيه اهـ كرخي.\rقوله: (لأنه المنتفع به) تعليل لتخصيص المؤمن بالذكر اهـ.\rقوله: ذلِكُمْ (أي ترك العضل) وعبارة أبي السعود ذلكم أي الاتعاظ والعمل بمقتضاه أزكى لكم أي أنمى وأنفع، انتهت.\rقوله: (من الريبة) أي التهمة. قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ في قولة التعليل لما قبله، وعبارة أبي السعود قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه من الزكاء والطهر وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك أو واللّه يعلم ما فيه صلاح أموركم من الأحكام والشرائع التي من جملتها ما بينه هنا، وأنتم لا تعلمونها فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون انتهت.\rقوله: وَالْوالِداتُ أي ولو مطلقات، فإن الإرضاع من خصائص الولادة لا من خصائص الزوجية، ولهذا ورد في الحديث أنها أحق بالولد ما لم تتزوج اهـ كرخي.\rقوله: (أي ليرضعن) أي فالآية خبر بمعنى الأمر، وهذا الأمر للندب للوجوب، فالأولى عند استجماع ثلاثة شروط: قدرة الأب على الاستئجار، ووجود غير الأم، وقبول الولد للبن الغير، وللوجوب عند فقد واحد منها اهـ شيخنا.\rقوله: حَوْلَيْنِ هذا التحديد ليس واجبا يدل على ذلك قوله لمن أراد الخ وقوله الآتي فإن أراد فصالا الخ، والمقصود منه قطع النزاع بين الزوجين في قدر زمن من الرضاع فقدره اللّه بالحولين ليرجعا إليه عند التنازع اهـ خازن.\rقوله: (صفة مؤكدة) أي لأنه مما يتسامح فيه يقال أقمت عند فلان حولين وإن يستكملها، وفائدة هذه الصفة اعتبار الحولين من غير نقص اهـ كرخي.\rقوله: (ذلك) أي المذكور من ارضاع الحولين وعبارة الكرخي إشارة للمتوجه إليه الحكم أي الندم أو الوجوب، وهو مبتدأ خبره لمن أراد الخ أي وهو الأب والأم، وهذا جواب سؤال، وهو كيف اتصل قوله لمن اراد بما قبله اهـ.\rقوله: لِمَنْ أَرادَ الخ من عبارة من الأبوين، وسيأتي مفهوم ذلك في قوله: فَإِنْ أَرادا فِصالًا الخ. وقوله: (و لا زيادة عليه) أي على المذكور من الحولين، وهذا رد على أبي حنيفة في قوله: إن مدة الرضاع ثلاثون شهرا، أو على زفر في قوله: إنها ثلاث سنين اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي لأجله وبسببه وقوله: رِزْقُهُنَ يطلق الرزق بالكسر على","part":1,"page":283},{"id":286,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 284\rالإرضاع إذا كن مطلقات بِالْمَعْرُوفِ بقدر طاقته لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها طاقتها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها بسببه بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت وَلا يضار مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ أي بسببه بأن يكلف فوق طاقته وإضافة الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف وَعَلَى الْوارِثِ أي المرزوق، وعلى المصدر، ولذا فسّره بقوله إطعام الولدات أي إيصال الطعام الذي هو الرزق لهن، وكذا يقال في قوله وَكِسْوَتُهُنَ فالمراد بها إيصال الكسوة، والمراد إيصال ذلك على سبيل الأجرة، كما أشار له بقوله: (على الإرضاع) أي لأجله اهـ شيخنا.\rواختلف في استئجار الأم فجوّزه الشافعي ومنعه أبو حنيفة رحمهما اللّه تعالى ما دامت زوجة أو معتدة نكاح اهـ بيضاوي.\rقوله: (إذا كن مطلقات) أي من المولود له طلاقا بائنا لعدم بقاء علقة النكاح الموجبة، لذلك فلو لم ترضعهم الولدات لم يجب، فإن كن زوجات أو رجعيات فالرزق والكسوة لحق الزوجية ولهن أجرة الرضاع إن امتنعن وطلبن ما ذكر اهـ كرخي.\rوغيره لم يقيد بهذا القيد، وأبقى الآية على ظاهرها من أنها في الزوجات حال النكاح، لكن يرد عليه أن الرزق والكسوة حينئذ واجبان لأجل الزوجية، وإن لم يرضعن الولد. والجواب عنه يؤخذ من عبارة القرطبي ونصها: والأظهر أن الآية في الزوجات في حال بقاء النكاح لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة أرضعن أو لم يرضعن، وهما في مقابلة التمكين، لكن إذا اشتغلت الزوجة بالإرضاع يكمل التمكين ولا التمتع بها، فقد يتوهم أن النفقة تسقط حالة الإرضاع، فدفع هذا الوهم بقوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ الخ، وذلك لأن اشتغالها بالإرضاع حينئذ اشتغال بما هو من مصالح الزوج، فصار كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه، فإن النفقة لا تسقط اهـ.\rثم قال في محل آخر: وفي هذا الآية دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لعجزه وضعفه ونسبه تعالى للأم لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع، وأجمع العلماء على أنه يجب على الأب نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم اهـ.\rقوله: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ الخ تعليل لقوله بالمعروف. قوله: إِلَّا وُسْعَها مفعول ثان وليس بمنصوب على الاستثناء، لأن كلف يتعدى إلى مفعولين، ولو رفع الوسع هنا لم يجز لأنه ليس ببدل اهـ كرخي.\rقوله: لا تُضَارَّ الخ راجع لقوله والوالدات يرضعن، وقوله وَلا مَوْلُودٌ لَهُ الخ راجع لقوله:\rوَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ كما يؤخذ من صنيعه في التقرير، ولا في قوله لا تضار يحتمل أن تكون نافية، فالفعل مرفوع، وأن تكون ناهية فهو مجزوم، وقد قرئ بهما في السبع، وعلى كل يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل وللمفعول، وكلام الشارح ظاهر في الثاني، ومحتمل لكل من النفي والنهي اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت) أي أو بأن ينزعه عن أمه إضرارا لها، والضرر جرى على الغالب، فإن لها أن تدفعه عن نفسها فلا مفهوم له، وقوله: (بأن يكلف فوق طاقته) أي أو بأن تلقي الولد إلى أبيه بعد ما ألفها، فالمضارة راجعة إلى الوالدين أو إلى الصغير. والباء زائدة أي لا تضار والدة","part":1,"page":284},{"id":287,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 285\rوارث الأب وهو الصبي أي على وليه في ماله مِثْلُ ذلِكَ الذي على الأب للوالدة من الرزق والكسوة فَإِنْ أَرادا أي الوالدان فِصالًا فطاما له قبل الحولين صادرا عَنْ تَراضٍ اتفاق مِنْهُما وَتَشاوُرٍ بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك وَإِنْ أَرَدْتُمْ خطاب للآباء ولدها ولا والد ولده، وقدمها لفرط شفقتها اهـ كرخي.\rقوله: (للاستعطاف) أي لا لبيان النسب إذ لو كانت له لم تصح إلا للوالد لأنه هو الذي ينسب إليه الوالد، فلما أضيف له وللوالدة علم أنها للاستعطاف اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وإضافة الولد إليها تارة وإليه أخرى استعطاف لهما عليه، وتنبيه على أنه حقيق بأن يتفقا على استصلاحه والإشفاق عليه، فلا ينبغي أن يضرا به أو يتضارا بسببه، انتهت.\rقوله: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ عطف على قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ما بينهما تعليل معترض، والمراد بالوارث وارث الأب وهو الصبي أي تموّن المرضعة من ماله إذا مات الأب، وقيل: الوارث هو الأم إذا مات الأب، وكلا القولين يوافق مذهب الشافعي إذ لا نفقة عنده على غير الأصول والفروع، وقيل: المراد بالوارث وارث الطفل أي من يرثه لو مات من سائر أقاربه، وقيل: وارثه الذي هو محرم له، وقيل: وارثه خصوص عصباته اهـ من البيضاوي بنوع تصرف.\rقوله: (و هو الصبي) المراد الرضيع والمراد بالصبي ما يشمل الصبية، وقوله: (في ماله) أي مال الصبي الذي خلفه له أبوه أو غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (أي على وليه في ماله) أي إن كان له مال وإلّا أجبرت الأم على ارضاعه مجانا وهذا لا يتقيد بموت أبيه، لأنه إذا كان له مال لم تجب على الأب أجرة الرضاع بل تكون عليه هو اهـ كرخي.\rقوله: (من الرزق والكسوة) بيان لاسم الإشارة. قوله: فَإِنْ أَرادا فِصالًا مفهوم قوله لمن أراد أن يتم الرضاعة. وفي المصباح: فصلته عن غيره فصلا من باب ضرب نحيته، وفصلت المرأة رضيعها فصلا أيضا فطمته، والاسم الفصال بالكسر، وهذا زمان فصاله كما يقال زمن فطامه اهـ.\rقوله: عَنْ تَراضٍ مِنْهُما أي لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر الولد بأن تمل المرأة الإرضاع، أو يبخل الأب باعطاء الأجرة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَتَشاوُرٍ أي تأمل وإمعان للنظر فيما يصلحه اهـ شيخنا.\rأي فالمشورة استخراج الرأي فلا يستقل أحدهما به واعتبر اتفاقهما لما للأب من الولاية والأم من الشفقة اهـ كرخي.\rوكما يجوز النقص عن الحولين عند اتفاق الأبوين عليه، كذلك تجوز الزيادة عليها باتفاقهما.\rوعبارة المنهج: ولحرة حق في تربية فليس لأحدهما فطمه قبل حولين ولا ارضاعه بعدهما إلا بتراض بلا ضرر، انتهت.\rقوله: (خطاب للآباء) زاد غيره وللأمهات، وفيه خروج من الغيبة إلى الخطاب اهـ كرخي.","part":1,"page":285},{"id":288,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 286\rأَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مراضع غير الوالدات فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيه إِذا سَلَّمْتُمْ إليهن ما آتَيْتُمْ أي أردتم إيتاءه لهن من الأجرة بِالْمَعْرُوفِ بالجميل كطيب النفس وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) لا يخفى عليه شيء منه\rوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ يموتون مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ يتركون أَزْواجاً قوله: أَوْلادَكُمْ مفعول ثان على حذف الجار أي لأولادكم، وقوله (مراضع) مفعول أول أي إن أردتم أن تطلبوا مراضع لأولادكم اهـ شيخنا.\rوالمراضع جمع مرضع أو مرضعة، وتجمع أيضا على مراضيع، كما في المصباح. وفي البيضاوي: أي تسترضعوا المراضع أولادكم، يقال: أرضعت المرأة الطفل، استرضعتها إياه، كقولك:\rنجح اللّه حاجتي واستنجحته إياها، فحذف المفعول الأول للاستغناء عنه انتهت. وقوله: أي تسترضعوا المراضع الخ هذا إشارة إلى أصل تصريفي، وهو أن أفعل إذا كان متعديا إلى مفعول، فإن زيدت فيه السين للطلب أو النسبة يصير متعديا إلى مفعولين اهـ. شهاب عن القطب، وكون استرضع يتعدى للمفعولين بنفسه تبع فيه الزمخشري، والجمهور على أنه إنما يتعدى للثاني بحرف الجر وتقديره هنا لأولادكم اهـ زكريا.\rقوله: (غير الوالدات) أي لأمر قام بهن كأن أرادت الأم التزوج أو طلبت فوق أجرة المثل اهـ شيخنا.\rوعبارة المنهج وعلى أمه ارضاعه اللبأ، ثم إن انفردت هي أو أجنبية وجب ارضاعه أو وجدتا لم تجبرنهن، فإن رغبت فليس لأبيه منعها إلا أن طلبت فوق أجرة مثل أو تبرعت أجنبية أو رضيت بأقل دونها اهـ.\rقوله: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ الخ ليس قيد اصحة الإجارة، فان تعجيل الأجرة لا يشترط، وإنما هو قيد كما لأنه أطيب لنفوسهن اهـ شيخنا. إذا شرط حذف جوابه لدلالة الشرط الأول، وجوابه عليه، وذلك المحذوف هو العامل في إذا اهـ كرخي.\rقوله: ما آتَيْتُمْ حذف مفعولاه أي آتيتموهن إياه، وقوله من الاجرة بيان لما اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْمَعْرُوفِ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يتعلق بسلمتم أي بالقول الجميل. والثاني: أن يتعلق بآتيتم. والثالث: أن يكون حالا من فاعل سلمتم أو آتيتم، والعامل فيه حينئذ محذوف أي متلبسين بالمعروف اهـ سمين.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع اهـ بيضاوي.\rقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ الخ في إعراب هذا التركيب ثلاثة أوجه، أحدها: أن قوله يتربصن خبر ولا بد من حذف يصحح وقوع هذه الجملة خبرا عن الأول لخلوها من الرابط، والتقدير وأزواج الذين يتوفون يتربصن، ويدل على هذا المحذوف قوله ويذرون أزواجا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لذلك الدلالة. الثاني: أن الخبر أيضا يتربصن، ولكن حذف العائد من الكلام للدلالة عليه، والتقدير يتربصن خبر مبتدأ محذوف التقدير أزواجهم يتربصن، وهذا الجملة خبر عن الأول قاله المبرد اهـ سمين.","part":1,"page":286},{"id":289,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 287\rيَتَرَبَّصْنَ أي ليتربصن بِأَنْفُسِهِنَ بعدهم عن النكاح أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً من الليالي وهذا في غير الحوامل وأما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق والأمة على النصف من ذلك بالسنة فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ انقضت مدة تربصهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ من التزين والتعرض للخطاب بِالْمَعْرُوفِ شرعا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) عالم بباطنه قوله: (يموتون) الأولى تفسيره بما يشعر ببنائه للمفعول لأجل تناسب التفسير، والمفسر بأن يقول أي تقبض أرواحهم، وهو مأخوذ من توفيت الدين إذا قبضته اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود يتوفون منكم أي تقبض أرواحهم بالموت، فان التوفي هو القبض، يقال:\rتوفيت مالي من فلان واستوفيته أي أخذته وقبضته، والخطاب لكافة الناس بطريق التلوين، وقرئ يتوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، انتهت.\rقوله: مِنْكُمْ في محل نصب على الحال من مرفوع يتوفون، والعامل فيه محذوف تقديره حال كونهم منكم ومن تحتمل التبعيض وبيان الجنس اهـ سمين.\rقوله: (أي ليتربصن) أي ليصبرن كما في بعض النسخ. قوله: بِأَنْفُسِهِنَ الباء زائدة ومدخولها توكيد للنون أو سببية على ما تقدم أي بسبب أنفسهن لا بسبب ضرب قاض. قوله؛ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إما مفعول به إن قدر مضاف أي مضى أربعة أشهر، وإما ظرف إن لم يقدر، وقوله من الليالي أي مع أيامها، وإنما خصت بالذكر لأنها غرر الشهور لسبق الليل على النهار اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود، وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام، ولذلك تراهم لا يكادون يستعملون التذكير في مثله أصلا حتى أنهم يقولون: صمت عشرا. ومن البين في ذلك قوله تعالى: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه: 103] إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طه: 104]، ولعل الحكمة في تقدير العدة بهذا المقدار أن الجنين إذا كان ذكرا يتحرك غالبا لثلاثة أشهر، وإن كان أنثى يتحرك لأربعة، فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر استظهارا، إذ ربما تضعف الحركة في المبادي فلا يحس بها، انتهت.\rقوله: (و هذا في غير الحوامل الخ) أشار به إلى تخصيص الآية بتخصيصين، فتبقى على عمومها فيما عداهما فتشمل الصغيرة والكبيرة والمدخول بها غيرها، وذات الاقراء وغيرها، وزوجة الصبي وغيره اهـ شرح المحلى على المنهاج.\rقوله: (بآية الطلاق) أي بآية سورة الطلاق، وهي وَأُولاتُ الْأَحْمالِ [الطلاق: 4] الخ، وقوله: والأمة أي وفي غير الأمة، وفي نسخة والاماء، وقوله: (على النصف) خبر مبتدأ محذوف أي فعدتها على النصف، وقوله: (بالسنة) متعلق بما دل عليه الكلام أي وإخراج الأمة كائن بالسنّة اهـ شيخنا.\rقوله: (أيها الأولياء) هذا أحد قولين، والثاني أن المخاطب بهذا الخطاب جميع المسلمين اهـ.\rقوله: (من التزين) أي وغيره من كل ما كان محرما عليهن في زمن العدة لأجل وجوب الإحداد عليهن اهـ شيخنا.","part":1,"page":287},{"id":290,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 288\rكظاهره\rوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ لوحتم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ المتوفى عنهن أزواجهن في العدة كقول الإنسان مثلا إنك لجميلة ومن يجد مثلك ورب راغب فيك أَوْ أَكْنَنْتُمْ أضمرتم فِي أَنْفُسِكُمْ من قصد نكاحهن عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي نكاحا إِلَّا لكن أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي ما قوله: بِالْمَعْرُوفِ أي غير المنكر والظرف متعلق بفعلن أو حال من النون أي حال كونهن ملتبسات بالمعروف، ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعا بأن تبهرجن وبالغن في الزينة، فإنه يحرم على الأولياء إقرارهن على ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ أي وأما ما صرحتم به فعليكم فيه الجناح اهـ شيخنا.\rوالتعريض والتلويح إفهام المقصود بما لم يوضع له اللفظ حقيقة ولا مجازا، كقول السائل:\rجئتك لأسلم عليك، وأصله إمالة الكلام على نهجه إلى عرض منه بضم العين أي جانب، والكناية هي الدلائل على الشيء بذكر لوازمه وروادفه، كقولك: طويل النجاد للطويل، وكثير الرماد للمضياف اهـ كرخي.\rقوله: (من خطباء النساء) بيان لما والخطبة بكسر الخاء كالعقدة والجلسة ما يفعله الخاطب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، فقيل: هي مأخوذة من الخطب أي الشأن الذي هو خطر لما أنها شأن من الشؤون، ونوع من الخطوب، وقيل: من الخطاب لأنها نوع مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: والخطبة مصدر في الأصل بمعنى الخطب والخطب الحاجة، ثم خصت بالتماس النكاح لأنه بعض الحاجات يقال ما خطبك أي حاجتك اهـ.\rقوله: (المتوفى عنهن أزواجهن) وكذا المطلقات طلاقا بائنا، وأما الرجعيات فيحرم التعريض والتصريح بخطبتهن، ففي المفهوم تفصيل اهـ شيخنا.\rقوله: (في العدة) متعلق بخطبة. وقوله: (و رب راغب فيك) رب للتكثير. قوله: أَوْ أَكْنَنْتُمْ أو هنا للاباحة أو التخيير أو التفصيل أو الإبهام على المخاطب، وأكن في نفسه شيئا أي اخفاه وكن الشيء بثوب أي ستره به، فالهمزة في أكن للتفرقة بين الاستعمالين كأشرقت وشرقت ومفعول أكن محذوف يعود على ما الموصولة في قوله فيما عرضتم أي أو أكننتموه وفي أنفسكم متعلق بأكننتم، ويضعف جعله حالا من المفعول المقدر اهـ شيخنا.\rقوله: عَلِمَ اللَّهُ كالتعليل لقوله ولا جناح عليكم الخ. أي إنما أباح لكم التعريض لعلمه بأنكم لا تصبرون عنهن، وقد أشار الشارح لذلك بقوله: فأباح لكم التعريض فجعله نتيجة له اهـ شيخنا.\rقوله: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَ استدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن، ولكن لا تواعدوهن سرا أي نكاحا أي عقدا وسماه سرا، لأن مسببه الذي هو الوطء مما يسر، والمراد بالمواعدة بالسر أي النكاح التصريح به أي ذكره بالصريح، فكأنه قال: ولكن لا تصرحوا بالخطبة بأن تذكروا صريح النكاح اهـ شيخنا.","part":1,"page":288},{"id":291,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 289\rعرف شرعا من التعريض فلكم ذلك وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي على عقده حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أي المكتوب من العدة أَجَلَهُ بأن ينتهي وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم وغيره فَاحْذَرُوهُ أن يعاقبكم إذا عزمتم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن يحذره حَلِيمٌ (235) بتأخير العقوبة عن مستحقها\rلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ وفي قراءة تماسوهن أي قوله: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا استثناء مما يدل عليه النهي أي لا تواعدهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعا، وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح اهـ أبو السعود.\rوهذا يقتضي أن الاستثناء متصل، والشارح حمله على الانقطاع حيث فسّر إلا بلكن، وهذاهو شأن المنقطع يفسره بلكن، ووجه انقطاعه ان القول المعروف هو التعريض كما قال الشارح، والمستثنى منه المراد به التصريح اهـ شيخنا.\rقوله: (أي على عقدة) أشار بذلك إلى أن عقدة منصوب بنزع الخافض وأن الإضافة بيانية، والمراد العزم على عقدة في العدة، أما العزم فيها على عقده بعدها فلا بأس به.\rقوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ غاية للنهي أي يستمر التحريم والنهي عن العزم على عقد النكاح إلى أن تنقضي العدة، والمراد بالأجل آخر مدة العدة، ولذلك قال: بأن ينتهي. وقوله: (أي المكتوب) المراد بالمكتوب المفروض، فإن العدة فرض على النساء. فقوله: (من العدة) بيان للمكتوب. قوله: (أن يعاقبكم) بدل اشتمال من الضمير في قوله: فَاحْذَرُوهُ ويشير إلى حذف المضاف أي احذروا اللّه أي عقابه إذا عزمتم على عقد النكاح في العدة، لأن العقد فيها معصية والعزم على المعصية معصية. وقوله: (لمن يحذره) من باب طرب أي يخافه اهـ.\rقوله: (بتأخير العقوبة) أي فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة اهـ شيخنا.\rقوله: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ هذا في المفوضة وهي رشيدة قالت لوليها زوجني بلا مهر فزوجها كذلك بأن نفى المهر أو سكت عنه أزوج بدون مهر المثل أو بغير نقد البلد اهـ شيخنا.\rونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية. فقال له النبي: أمتعها ولو بقلنسوتك. فإن قلت: هل على من طلقت امرأته بعد المسيس جناح حتى ينفى عنه قبله؟ قلت: في الطلاق قطع الوصلة. وفي الحديث: «أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق»، فنفي اللّه عنه الجناح إذا كان الطلاق له أروج من الإمساك. وقيل في الجواب: المراد من الآية لا جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو طاهرا، لأنها لا سنة في طلاقها قبل الدخول ولا بدعة اهـ خازن.\rقوله: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ اشتملت الآية على قيدين، وسيأتي مفهوم الثاني في قوله: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَ الخ، ومفهوم الأول أنه لو طلقها بعد المسيس، فلها جميع المهر، وان كان في الحيض فعليه الاثم اهـ.","part":1,"page":289},{"id":292,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 290\rتجامعوهن أَوْ لم تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً مهرا، وما مصدرية ظرفية أي لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض باثم ولا مهر فطلقوهن وَمَتِّعُوهُنَ أعطوهن ما يتمتعن به عَلَى الْمُوسِعِ الغني منكم قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ الضيق الرزق قَدَرُهُ يفيد أنه لا نظر إلى قدر قوله: (و في قراءة) أي لحمزة والكسائي، وكذا كل ما جار من هذا الفعل في القران فيه هاتان القراءتان اهـ.\rوتماسوهن بضم التاء من باب المفاعلة من اثنين وهي على بابها، فإن الفعل من الرجل والتمكين من المرأة، ولذلك وصفت بالزانية. وفي قراءة الباقين بفتح أوله والقصر، لأن الفعل من واحد ومضارع الأولى يماس ومضارع الثانية يمس اهـ كرخي.\rقوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فيه إشارة إلى أن مدخول أو مجزوم عطفا على تمسوهن فأو على بابها لأحد الشيئين، وهذا ما اقتصر عليه الشيخ المصنف تبعا لابن عطية. وجرى البيضاوي كالزمخشري على أن مدخولها منصوب بأن مضمرة، وأن أو بمعنى إلّا فينتفي الجناح عن المطلق على الأول بانتفاء الجماع أو الفرض، وعلى الثانية بانتفاء الجماع فقط إذ لو مس أو فرض لزم الكل أو النصف اهـ كرخي.\rقوله: فَرِيضَةً فيها وجهان، أظهرهما: أنها مفعول به وهي بمعنى مفعولة أي إلا أن تفرضوا لهن شيئا مفروضا، والثاني أن تكون منصوبة على المصدر بمعنى فرضا، واستجود أبو البقاء الوجه الأول اهـ سمين.\rقوله: (و ما مصدرية ظرفية) وهي شبيهة بالشرطية فتقتضي العموم، وهذاهو الظاهر. وقيل:\rشرطية مقدرة بإن، فتكون من باب اعتراض الشرط على الشرط، فيكون الثاني قيدا في الأول كما في قوله: إن تأتني إن تحسن إلي أكرمك أي إن تأتني محسنا إليّ، والمعنى ان طلقتموهن غير ماسين لهن، وهذا المعنى أقعد من الأول لما أن الظرفية إنما يحسن موقعها فيما إذا كان المظروف أمرا ممتدا منطبقا على ما أضيف إليها من المدة أو الزمان، كما في قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: 107] وقوله تعالى: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: 117] ولا يخفى أن التطليق ليس كذلك اهـ كرخي.\rقوله: (أي لاتبعة) في المصباح: التبعة وزان كلمة ما تطلبه من ظلامة ونحوها اهـ.\rقوله: (فطلقوهن) وَمَتِّعُوهُنَ) أشار به تبعا للبيضاوي إن أن ومتعوهن معطوف على ما هو في موضع الجزاء أي إذا طلقتم قبل المسيس والفرض فلا تعطوهن المهر ومتعوهن، وهذا وإن كان على مذهب الصفا وجماعة من جواز عطف الإنشاء على الاخبار أولى من تقدير فطلقوهن، لأن طلاقهن معلوم من قوله إن طلقتم النساء اهـ كرخي.\rوالأمر في قوله: فطلقوهن للإباحة وفي قوله: ومتعوهن للوجوب اهـ.\rقوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ جملة من مبتدأ وخبر، وفيها قولان، أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب بل هي استئنافية بينت حال المطلق بالنسبة إلى يساره واقتاره. والثاني: أنها في محل نصب","part":1,"page":290},{"id":293,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 291\rالزوجة مَتاعاً تمتيعا بِالْمَعْرُوفِ شرعا صفة متاعا حَقًّا صفة ثانية أو مصدر مؤكد عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) المطيعين\rوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ على الحال، وصاحب الحال فاعل متعوهن. قال أبو البقاء: تقديره بقدر الوسع، وهذا تفسير معنى، وعلى جعلها حالا فلا بد من رابط بينها وبين صاحبها، وهو محذوف تقديره على الموسع منكم، وعلى هذا جرى الجلال. ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم أن تكون الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه تقديره على موسعكم قدره اهـ سمين.\rقوله: قَدَرُهُ أي قدر امكانه وطاقته وكذا يقال في الثاني اهـ خازن.\rقوله: (يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة) لكن هذا ضعيف، ومذهب الشافعي، وعبارة المحرر وينظر الحاكم باجتهاده إلى حالهما جميعا على أظهر الوجوه، والثاني أو الاعتبار بحاله، والثالث بحالها انتهت.\rقوله: (تمتيعا) أي فاسم المصدر بمعنى المصدر، وقوله بِالْمَعْرُوفِ أي من غير ظلم ولا حيف وقوله: (صفة متاعا) أي الجار والمجرور صفة متاعا اهـ شيخنا.\rقوله: (أو مصدر مؤكد) أي لمضمون الجملة قبله فعامله محذوف وجوبا تقديره حق ذلك حقا.\rقوله: عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال أو إلى المطلقات بالتمتيع بالمعروف، وإنما سموا محسنين اعتبار للمشارفة والقرب من الفعل ترغيبا وتحريضا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَ الخ هذا مفهوم القيد الثاني فيما تقدم. قوله: وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أي سميتم لهن في العقد مهرا وهذا في غير المفوضة. وأما في المفوضة، فالمراد فيها بالفرض التقدير الحاصل بعد العقد، وقوله: فنصف ما فرضتم أي ودفعتموه لهن لأجل قول الشارح، ويرجع لكم النصف أو المراد الأعم من دفعه وعدمه، ويكون المراد بالرجوع رجوع الاستحقاق اهـ شيخنا.\rقوله: وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون ضمير الفاعل وان يكون ضمير المفعول، لأن الرابط موجود فيهما، والتقدير وإن طلقتموهن فارضين لهن أو مفروضا لهن، وفريضة فيها الوجهان المتقدمان، والفاء في فنصف جواب الشرط، فالجملة في محل جزم جوابا للشرط، وارتفاع نصف على وجهين: إما على الابتداء والخبر حينئذ محذوف، فإن شئت قدرته قبله أي فعليكم أو فلهن نصف، وإن شئت قدرته بعده أي فنصف ما فرضتم عليكم أو لهن، وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره فالجواب نصف، وقرأت فرقة فنصف بالنصف على تقديره فادفعوا أو أدوا. قال أبو البقاء: ولو قرئ بالنصب لكان وجهه فأدوا نصف، وكأنه لم يطلع عليهم قراءة مروية، والجمهور على كسر نون نصف. وقرأ زيد وعلي ورواها الأصمعي قراءة عن أبي عمرو، فنصف بضم النون هنا وفي جميع القرآن وهما لغتان وفيه لغة ثالثة نصيف بزيادة ياء، ومنه الحديث: «ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وما في ما فرضتم بمعنى الذي والعائد محذوف لاستكماله الشروط، ويضعف جعلها نكرة موضوفة اهـ سمين.","part":1,"page":291},{"id":294,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 292\rيجب لهن ويرجع لكم النصف إِلَّا لكن أَنْ يَعْفُونَ أي الزوجات فيتركنه أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج فيترك لها الكل وعن ابن عباس الولي إذا كانت محجورة فلا قوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ان مع صلتها في تأويل مصدر، والكلام على حذف أمرين حرف الجر ومضاف للمصدر، والتقدير إلا في حال عفوهن أو عفو الزوج، فلا تنصيف، بل يجب الكل أو يسقط الكل. هكذا يؤخذ من عبارة السمين وغيره من المفسرين اهـ.\rقوله: (لكن) أشار به إلى أن الاستثناء منقطع لأن عفوهن عن النصف وسقوطه ليس من جنس استحقاقهن له، قاله ابن عطية وغيره. وقيل متصل على أنه استثناء من أعم الأحوال أي فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في حال عفوهن، ونظيره: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: 66] لكن لا يصح على مذهب سيبويه أن تكون أن وصلتها حالا، فتعين أن يكون منقطعا اهـ كرخي.\rقوله: (أي الزوجات) أي فالفعل مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: ويعفون في محل نصب بأن فإنه مبني لاتصاله بنون الإناث. هذا رأي الجمهور، وأما رأي ابن درستويه والسهيلي، فإنه عندهما معرب، وقد فرق الزمخشري وأبو البقاء بين قولك الرجال يعفون والنساء يعفون، وإن كان هذا من واضحات النحو، فإن قولك الرجال يعفون الواو فيه ضمير جماعة الذكور، وحذفت قبلها واو أخرى هي لام الكلمة، فإن الأصل ويعفون، فاستثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت فبقيت ساكنة وبعدها واو الضمير أيضا ساكنة، فحذفت الواو الأولى لئلا يلتقي ساكنان فوزنه يعفون، والنون ضمير جماعة الإناث، والفعل معها مبني لا يظهر للعامل فيه أثر فوزنه يفعلن اهـ.\rقوله: (و هو الزوج) يؤيد الحمل عليه قوله: وان تعفوا أقرب للتقوى اهـ شيخنا.\rقوله: (فيترك لها الكل) هو مبني على ما كان من عادتهم من سوق المهر كاملا عند التزوج، فإذا طلقها ولم يطالب بالنصف فهو عفوا وسمي للمشاكلة أي لوقوعه في صحبة عفو المرأة اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود أو يعفو بالنصب، وقرئ بسكون الواو الذي بيده عقدة النكاح أي يترك الزوج المالك لجله، وعقده ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه إليها عدى ما هو المعتاد تكرما، فإن ترك حقه عليها عفو بلا شبيهة أو سمي ذلك عفوا في صورة عدم السوق مشاكلة أو تغليبا لحال السوق على عدمه، فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادة في المستثنى منه كما أنه في الصورة الأولى راجع إلى منع النقصان فيه أي فلهن هذا القدر بلا نقصان ولا زيادة في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن، فإنه حينئذ لا يكون لهن هذا القدر المذكور اهـ.\rقوله: (و عن ابن عباس الخ) يبعده قوله وأن تعفوا الخ إذ ليس في عفو الولي عن مهر المحجورة تقوى اهـ شيخنا.\rلكن هذا قول قديم للشافعي اهـ خطيب وبيضاوي.\rوعبارة الكرخي. (و عن ابن عباس الولي إذا كانت محجورة) يعني تفسير قوله الذي بيده عقدة","part":1,"page":292},{"id":295,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 293\rحرج في ذلك وَأَنْ تَعْفُوا مبتدأ خبره أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي أن يتفضل بعضكم على بعض إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) فيجازيكم به\rحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الخمس بأدائها في أوقاتها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى هي العصر أو الصبح أو الظهر أو غيرها أقوال وأفردها بالذكر لفضلها وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ (238) قيل مطيعين لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «كل قنوت في النكاح بالولي على الصغيرة إذا كان أبا ظاهر الصحة، لأن العفو يجري على ظاهره، وهذا رواه البيهقي، ويؤيد الوجه الأول وهو أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج ان إسقاط الولي نصف المهر ليس بمستحب إجماعا، فتعين الحمل على الزوج اهـ.\rقوله: (الولي) أي هو الولي أي الذي بيده عقدة النكاح هو الولي. قوله: (فلا حرج في ذلك) أي العفو، ولو قال فلا تنصيف لكان أوضح اهـ.\rقوله: وَأَنْ تَعْفُوا خطاب للرجال والنساء جميعا وغلب التذكير نظرا للأشرف، وكذا يقال في قوله: ولا تنسوا الفضل، والمعنى وعفو بعضكم أيها الرجال والنساء أقرب للتقوى أي من عدم العفو الذي فيه التنصيف، والمرد بالتقوى الألفة وطيب النفس من الجانبين، وقوله: (و لا تنسوا الفضل) حث للرجال والنساء على العفو لما فيه من طيب الخاطر، فكل من عفا فله الفضل على الآخر. وينبغي للعاقل أن لا ينسى ويترك ما فيه رفعته على غيره، بل ينبغي له المسارعة لذلك اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ أي لا تتركوه كالشيء المنسي اهـ.\rقوله: حافِظُوا أي داوموا، وصيغة المفاعلة للمبالغة في المداومة اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي حافظوا على الصلوات الخمس أي راقبوها بأدائها في أوقاتها كاملة الأركان والشروط، ولعل الأمر بالصلوات وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يليهم الاشتغال بشأنهم عنها، انتهت.\rقوله: (بأدائها الخ) عبارة الخازن بجميع شروطها وحدودها وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها اهـ.\rقوله: الْوُسْطى فعلى معناها التفضيل، فإنها مؤنثة الأوسط وهي من الوسط الذي هو الخيار، وليست من الوسط الذي معناه متوسط بين شيئين لأن فعلى معناها التفضيل لا يبنى للتفضيل. إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف التوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل للتفضيل اهـ سمين.\rقوله: (أو غيرها) أي قيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: صلاة الجنازة، وقيل: واحد من الخمس لا بعينها، وقيل صلاة الجمعة وقيل غير ذلك اهـ.\rقوله: (في الصلاة) أشار به إلى أن للّه متعلق بقوموا، وأن المراد به قيام الصلاة لا أنه متعلق بقانتين، وإلا قال قوموا في الصلاة للّه قانتين، وإنما يجعل متعلقا به لأن الأصل تقدم العامل على المعمول اهـ كرخي.","part":1,"page":293},{"id":296,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 294\rالقرآن فهو طاعة» رواه أحمد وغيره وقيل ساكتين لحديث زيد بن أرقم «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» رواه الشيخان\rفَإِنْ خِفْتُمْ من عدو أو سيل أو سبع فَرِجالًا جمع راجل أي مشاة صلوا أَوْ رُكْباناً جمع راكب أي كيف أمكن مستقبلي القبلة أو غيرها ويومىء بالركوع والسجود فَإِذا أَمِنْتُمْ من الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي صلّوا كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها والكاف بمعنى مثل وفي السمين قانِتِينَ حال فاعل قوموا، وللّه يجوز أن يتعلق بقوموا، ويجوز أن يتعلق بقانتين، ويدل للثاني قوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [البقرة: 116] ومعنى اللام التعليل اهـ.\rقوله: (كل قنوت) أي سواء كان بصيغة الفعل أو الاسم المفرد أو الجمع، وقوله: (فهو طاعة) فمعناه الطاعة.\rقوله: (كنا نتكلم في الصلاة) أي يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ اهـ خازن.\rقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ الخ المعنى إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين موفين حدود الصلاة من إتمام الركوع والسجود والخضوع والخشوع، لخوف عدو أو غيره، فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على دوابكم ولا تهملوها أصلا اهـ من الخازن.\rوفي أبي السعود: في إيراد هذه الشرطية بكلمة إن المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف وقلته، وفي إيراد الشرطية الثانية بكلمة إذا المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى والإطناب في جواب الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار اهـ.\rقوله: فَرِجالًا حال من الواو في صلوا الذي قدره الشارح مؤخرا عنها، وقوله جمع راجل ويجمع أيضا على رجل ورجال، فالراجل بمعنى الماشي له ثلاثة جموع كما في المصباح. قوله: (جمع راكب) قيل: لا يطلق الراكب إلا على راكب الإبل، فأما راكب الفرس ففارس، وراكب البغل والحمار حمّار وبغّال، والأجود صاحب حمار وبغل اهـ سمين.\rوهذا بحسب اللغة، والمراد بها ما يعم الكل. قوله: (أي كيف أمكن) هذا تفسير معنى أي أن المراد بمجموع الرجال والركبان مطلق الأحوال، فيدخل فيها استقبال القبلة وعدمه، فقوله: مستقبلي القبلة وغيرها من جملة عموم كيف كان. وقوله: (و يومىء بالركوع والسجود) أي يشير بهما. وفي المصباح: أو مأت إليه إيماء أشرت إليه بحاجب أو يد أو غير ذلك اهـ. وهذا في صلاة شدة الخوف، وفي الآية دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة، وإليه ذهب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، وصلاة الخوف أقسام. فهذه الآية إشارة إلى واحد منها، وسيأتي بقية الأقسام في صورة النساء اهـ من الخطيب.\rقوله: فَإِذا أَمِنْتُمْ (من الخوف) أي بأن زال عنكم بعد وجوده أو لم يكن أصلا. قوله: (أي صلوا) وعبر عن الصلاة بالذكر لاشتمالها عليه. وقوله: (و الكاف بمعنى بمثل) أي على أنها نعت","part":1,"page":294},{"id":297,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 295\rوما موصولة أو مصدرية\rوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً فليوصوا وَصِيَّةً وفي قراءة بالرفع أي عليهم لِأَزْواجِهِمْ ويعطوهن مَتاعاً ما يتمتعن به من النفقة والكسوة إِلَى تمام الْحَوْلِ من موتهم الواجب عليهن تربصه غَيْرَ إِخْراجٍ حال أي غير مخرجات من لمصدر محذوف، والمعنى: فصلوا الصلاة كالصلاة التي علمكم، والمراد تشبيه هيئة الصلاة التي بعد الخوف بهيئة صلاة الأمن التي قبله، وهذا على أن ما موصولة وعلى أنها مصدرية يكون لمعنى:\rفاذكروا اللّه ذكرا كائنا مثل تعليمه إياكم، ويرجع المعنى إلى جعل المصدر بمعنى المفعول أي اذكروا مثل ما علمكم إياه أن مثل الذكر الذي علمكموه فيرجع معنى المصدرية إلى معنى الموصولية اهـ.\rقوله: (و ما مصدرية) أي ما الأولى وعلى هذا لا حذف في الكلام، وما الثانية مفعول لعلمكم.\rوقوله أو موصولة وعليه يكون في الكلام حذف العائد أي علمكموه، وتكون ما الثانية بدلا من الأولى أو من العائد المحذوف اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أي يقربون من الوفاة. إذ المتوفى بالفعل لا يتصور منه وصية اهـ شيخنا.\rقوله: (فليوصوا) وَصِيَّةً أي فيجب عليهم أن يوصوا لزوجاتهم بثلاثة أشياء: النفقة والكسوة والسكن، وهذه الثلاثة تستمر سنة، وحينئذ يجب على الزوجة ملازمة المسكن وترك التزين والاحداد هذه السنة اهـ شيخنا.\rوهذه الجملة الفعلية المقدرة خبر المبتدأ الذي هو الموصول وعلى قراءة الرفع تكون الجملة الاسمية خبرا أيضا. قوله: (و في قراءة) أي سبعية، وقوله (أي عليهم) أي فيكون وصية مبتدأ محذوف الخبر والجملة خبر عن الموصول. وقوله: لِأَزْواجِهِمْ نعت لوصية على كلا القراءتين اهـ شيخنا.\rقوله: (و يعطوهن) معطوف على مدخول لام الأمر المقدر، فلذلك أسقط النون من المعطوفة لعطفه على المجزوم، وهذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الرفع يكون هذا المقدر معطوفا على الجملة الاسمية عطف فعلية على اسمية، والضمير في يعطوا عائد إما على الورثة وهو ظاهر المعنى، وإما على الذين يتوفون وهم الأزواج، وهو ظاهر السياق، ونسبة الاعطاء إليهم من حيث تسببهم فيه بالوصية به. وقوله: متاعا: مفعول به على إعراب الشارح، وهو في الحقيقة هو الموصى به، وقوله:\r(من النفقة الخ) أي والسكنى دل عليه ثبوته في بعض النسخ والحال وهي قوله غير اهـ شيخنا.\rقوله: (من موتهم) أي المحسوب ابتداؤه من موتهم، وقوله: (الواجب عليهن تربصه) هذا الحكم لا يفهم من صريح الآية لأنها إنما دلت على وجوب الوصية بما يتمتعن به سنة، وأما وجوب صبرها عن الزوج سنة فلا يؤخذ من الآية بطريق الصراحة فلعله مأخوذ من السنة، ومن الآية بطريق التلويح والكناية اهـ.\rقوله: (حال) أي من أزواجهم أي الزوجات. وقوله: (أي غير مخرجات) أي لا يخرجهن ورثة الميت أن يحرم عليهم اخراجهن من المسكن بغير رضاهن، فإن أخرجوهن من غير رضاهن لم تسقط","part":1,"page":295},{"id":298,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 296\rمسكنهن فَإِنْ خَرَجْنَ بأنفسهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا أولياء الميت فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ (240) في صنعه والوصية المذكورة منسوخة بآية الميراث وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشرا السابقة المتأخرة في النزول والسكنى ثابتة لها عند الشافعي رحمه اللّه\rوَلِلْمُطَلَّقاتِ نفقتهن، ولذا قيد الآية بقوله: فَإِنْ خَرَجْنَ (بأنفسهن الخ) فمفهومه انهن إذا خرجن بإخراج الوارث فعليه الجناح في إخراجهن ويلزمه إجراء النفقة لهن إلى تمام السنة. وعبارة أبي السعود ومثله البيضاوي: فإن خرجن الخ فيه دلالة على أن المحظور إخراجهن عن إرادتهن القرار، وملازمة مسكن الزوج والإحداد من غير أن يجب عليهن ذلك، وأنهن كن مخيرات بين الملازمة مع أخذ النفقة وبين الخروج مع تركها انتهت.\rقوله: فَإِنْ خَرَجْنَ الخ فقد كانت المرأة في صدر الإسلام مخيرة بين ملازمة المسكن إلى تمام السنة وتستحق النفقة التي أوجبها اللّه لها تلك المدة، وبين خروجها منه ويسقط استحقاقها للنفقة من حين خروجها، ومع ذلك يجب عليهن التربص عن الزواج إلى تمام السنة، فقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ الخ، ومع ذلك يجب عليها أن لا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول اهـ. من تفسير القرطبي: فخروجها من المسكن وإن أسقط نفقتها وسكناها لا يسقط بقية العدة، بل هي باقية إلى تمام الحول اهـ.\rقوله: (يا أولياء الميت) أي ورثته. وقيل: الخطاب لولاة الأمور اهـ بيضاوي وغيره.\rقوله: فِيما فَعَلْنَ أي في الذي فعلن، وقوله في أنفسهن أي مباشرة كالتزين وترك الاحداد أو تسببا كقطع الوارث النفقة عنهن، فهذا وإن كان فعل الوارث لكنه ينسب إليهن من حيث تسببهن فيه بالخروج فكأنهن فعلنه اهـ.\rقوله: مِنْ مَعْرُوفٍ نكره هنا وعرفه فيما سبق، وذلك لأن ما هنا سابق في النزول فلم يسبق له عهد حتى يعرف. وما سبق متأخر عن هذا فسبق له عهد فعرف فما سبق هو عين ما هنا على القاعدة اهـ شيخنا.\rقوله: (و ترك الإحداد) عطف عام على خاص، لأن الإحداد هو ترك الزينة والطيب اهـ.\rقوله: (بآية الميراث) أي تعيين الربع أو الثمن، فكان في صدر الإسلام ليس لها شيء من الميراث، بل لها ما أوجبته الوصية مما ذكر اهـ شيخنا.\rوفي كون آية الميراث ناسخة لما ذكر نظر ظاهر، فإن وجوب الربع أو الثمن لا ينافي وجوب ما ذكر في العدة، وإذا كان لا ينافيه لا يصح أن يكون ناسخا له لما هو مقرر في محله من أن الناسخ لا بد أن يكون مخالفا للمنسوخ ومنافيا له اهـ.\rقوله: (السابقة) أي في التلاوة ورسم المصحف، وهذا جواب عن إيراد حاصله أن يقال شرط الناسخ أن يكون متأخرا عن المنسوخ وما هنا بالعكس. وحاصل الجواب أن الناسخ متأخر في النزول، وإن كان متقدما في التلاوة ورسم المصحف ومدار صحة كونه ناسخا على تأخره في النزول لا في التلاوة اهـ.","part":1,"page":296},{"id":299,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 297\rمَتاعٌ يعطينه بِالْمَعْرُوفِ بقدر الإمكان حَقًّا نصب بفعله المقدر عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) اللّه تعالى كرره ليعم الممسوسة أيضا إذ الآية السابقة في غيرها\rكَذلِكَ كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) تتدبرون\rأَلَمْ تَرَ استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده أي ينته عملك إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ أربعة أو ثمانية أو عشرة أو قوله: (و السكنى ثابتة لها الخ) ظاهر صنيعه أن وجوب السكنى غير منسوخ عند الشافعي، مع أن الذي كان في صدر الإسلام وجوبها سنة والذي استقر عليه الشافعي وجوبها أربعة أشهر وعشرا فوجوب السنة منسوخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ أي متعة. قوله: (بقدر الإمكان) أي بقدر حال الزوجين وما يليق بهما وضابطها أن الواجب فيها ما اتفق عليه الزوجان ولا حد لقدرها، لكن يسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما، فإن اختلفا في قدرها قدرها القاضي مراعيا في تقديرها حالهما اهـ.\rقوله: (بفعله المقدر) أي حق ذلك حقا أي وجب وجوبا مؤكدا. قوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ والتقوى واجب لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة: 278] وهذا ناسخ لقوله سابقا على المحسنين، فإنه لما نزل قوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 236] قام رجل من المسلمين، وقال: إن أردت أحسنت، وان لم أرد لم أحسن، فأنزل اللّه وَلِلْمُطَلَّقاتِ الخ اهـ خازن.\rقوله: (كرره) أي كرر قوله وللمطلقات الخ، وقوله الممسوسة أي الموطوءة، وقوله أيضا أي كما عم غير الموطوءة المذكور في الآية السابقة، فهذا من عطف العام على الخاص، والخاص هو قوله تعالى سابقا: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ [البقرة: 236] الآية اهـ.\rقوله: (في غيرها) أي في غير الممسوسة اهـ.\rقوله: (كما بين لكم ما ذكر) أي من أحكام المطلقات والعدد. قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ هذا وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشا ومعادا اهـ بيضاوي.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد. قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: الأوجه عموم الخطاب به دلالة على شيوع القصة وشهرتها بحيث ينبغي لكل أحد أن يتعجب منها، كأنه حقيق بأن يحمل على الإقرار برؤيتهم، وان لم يرهم ولم يسمع بقصتهم ولم يكن من أهل الكتاب وأهل اخبار بالأولين اهـ كرخي.\rقوله: (تعجيب) أي إيقاع للمخاطب في أمر عجيب غريب أي في التعجب منه، فعلى هذا يستفاد من الآية أن المخاطب لم يسبق له علم بتلك القصة قبل نزول الآية، وقيل استفهام، وقيل استفهام تقرير، فعليه يكون المخاطب عالما بالقصة، والمقصود تقريره بها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ينته) أي يصل علمك فيه إشارة إلى أن الرؤية علمية، وضمن الفعل معنى الانتهاء ليصح تعديته بإلى. وعبارة السمين: والرؤية هنا علمية، فكان من حقها أن تتعدى لاثنين، ولكنها ضمنت معنى ما يتعدى بإلى والمعنى ألم ينته علمك إلى كذا، انتهت.","part":1,"page":297},{"id":300,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 298\rثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا فماتوا ثُمَّ أَحْياهُمْ بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت لا يلبسون قوله: وَهُمْ أُلُوفٌ جمع ألف والجملة حال، وقوله أربعة الخ ذكر ستة أقوال أرجحها الثلاثة الأخيرة، لأن الألوف جمع كثرة وحقيقته ما فوق العشرة، قاله القرطبي. قوله: (ببلادهم) تفسير لديارهم. وفي القرطبي أنهم كانوا بقرية يقال لها ذاورد اهـ.\rوقوله: (ففروا) أي عاصين لأن الخروج من بلد الطاعون حرام كدخولها اهـ شيخنا.\rقوله: فَقالَ لَهُمُ أي قال لهم ما ذكر في الطريق التي سلكوها، والمراد بالقول المذكور تعلق إرادته تعالى بموتهم اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا إما عبارة عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعة، وإما تمثيل لإماتته تعالى إياهم ميتة نفس واحدة في أقرب وقت وأدناه، وإليه أشار بقوله: فماتوا. فالأمر بمعنى الخبر أو ان اللّه تعالى قال لهم على لسان ملك موتوا، فماتوا اهـ.\rقوله: ثُمَّ أَحْياهُمْ عطف على مقدر يستدعيه المقام فماتوا كما افاده ثم احياهم وإنما حذف للاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته أو على قال لما أنه عبارة عن الإماتة. إن قلت هذا يقتضي أن هؤلاء ماتوا مرتين وهو مناف للمعروف أن موت الخلق مرة واحدة. قلنا: لا منافاة إذ الموت هنا عقوبة مع بقاء الأجل كما في قوله في قصة موسى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة:\r56]، وثم موت بانتهاء الأجل وتلخيصه أماتهم اللّه قبل آجالهم عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم، وميتة العقوبة بعدها حياة بخلاف ميتة الأجل أو لأن الموت هنا خاص بقوم وثم عام في الخلق كلهم، فيكون ما هنا مستثنى اظهارا للمعجزة وإليه اشار الشيخ المصنف وهذا تبكيت لمن يفر من قضاء اللّه المحتوم اهـ كرخي.\rقوله: (بدعاء نبيهم) فقال لهم قوموا بأمر اللّه فقاموا قائلين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله أنت اهـ كرخي.\rقوله: (حزقيل) ويقال له ابن العجوز، لأن أمه كانت عجوزا فسألت اللّه تعالى الولد بعد عقمها، فوهب لها حزقيل ويقال له ذو الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا ونجاهم من القتل وهو ثالث خليفة في بني إسرائيل بعد موسى، لأن موسى بعده يوشع ثم كالب ثم حزقيل اهـ من الخازن.\rوفي الخطيب أن حزقيل مرّ على تلك الموتى ووقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحدي لا قوم لي.\rفأوحى اللّه تعالى إليه أن ناد أيتها العظام إن اللّه يأمرك أن تجتمعي، فاجتمعت العظام من أعلى الوادي وأدناه حتى التزق بعضها ببعض كل عظم جسد التزق بجسده فصارت أجسادا من عظام لا لحم فيها ولا دم، ثم أوحى اللّه إليه أن ناد أيتها الأجساد إن اللّه تعالى يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست، ثم أوحى اللّه تعالى إليه أن ناد أيتها الأجساد إن اللّه تعالى يأمرك أن تقومي فبعثوا أحياء ورجعوا إلى بلادهم اهـ.","part":1,"page":298},{"id":301,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 299\rثوبا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ومنه إحياء هؤلاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَشْكُرُونَ (243) والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال ولذا عطف عليه\rوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (244) بأحوالكم فمجازيكم\rمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ بإنفاق ماله في سبيل اللّه قوله: (عليهم أثر الموت) أي في ذواتهم وملبسهم وهو الصفرة، وقوله: (كالكفن) أي في التغير كتغير أكفان الموتى. وقوله: (و استمرت) أي الصفرة (في أسباطهم) أي قبائلهم كما هو مشاهد الآن في بعض اليهود اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ أي فيجب عليهم شكره اهـ شيخنا.\rقوله: (و منه احياء هؤلاء) أي ليعتبروا ويفوزوا بالسعادة العظمى ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث اهـ كرخي.\rقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ هذا استدراك على ما تضمنه قوله: إن اللّه لذو فضل على الناس لأن تقديره، فيجب عليهم أن يشكروا تفضله عليهم بالإيجاد والرزق، ولكن أكثرهم غير شاكر اهـ سمين.\rقوله: (تشجيع المؤمنين) أي حثهم وتحضيضهم على الشجاعة اهـ.\rقوله: (عطف عليه) أي على الخبر المذكور لكنه في الحقيقة عطف على مقدر، ومعناه لا تفروا من الموت كما هرب هؤلاء، فلم ينفعهم ذلك، بل اثبتوا وقاتلوا، فالخطاب لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rوهذا مناسب لصنيع الجلال، وقيل: الخطاب لمن أحياهم اللّه فهو عطف على قوله فقال لهم اللّه موتوا. وقيل العطف على حافظوا على الصلوات اهـ.\rقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيه وعد لمن بادر للجهاد ووعيد لمن تخلف عنه اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ ذَا الَّذِي من للاستفهام ومحلها الرفع على الابتداء، وذا اسم إشارة وخبرها والذي وصلته نعت لاسم الإشارة أو بدل منه، ويجوز أن يكون من ذا كله بمنزلة اسم واحد مركبا كقولك ماذا صنعت كما تقدم شرحه في قوله: ما ذا أَرادَ اللَّهُ [البقرة: 26] اهـ سمين.\rقوله: يُقْرِضُ اللَّهَ ليس المعنى يقرض عباد اللّه، كما قيل لأنه لا يناسب قول الشارح بإنفاق ماله الخ، لأن هذا ليس فيه إقراض لأحد فالمناسب لحل الشارح أن المعنى يعامل اللّه فسمى اللّه عمل المؤمنين قرضا على رجاء ما وعدهم بأنهم يعملون لطلب الثواب اهـ من الخازن.\rوعبارة القرطبي: وطلب القرض في هذا الآية لما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمون واللّه هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه إعطاء المؤمنين وإنفاقهم في الدنيا الذي يرجون ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء حسبما يأتي بيانه في سورة براءة، وكنى اللّه سبحانه وتعالى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصداقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام. ففي صحيح الحديث إخبارا","part":1,"page":299},{"id":303,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 300\rقَرْضاً حَسَناً بأن ينفقه صلّى اللّه عليه وسلّم عزّ وجلّ عن طيب قلب فَيُضاعِفَهُ وفي قراءة يضعفه بالتشديد لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي وَاللَّهُ يَقْبِضُ يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء وَيَبْصُطُ يوسعه لمن يشاء امتحانا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ الجماعة مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ موت مُوسى أي إلى قصتهم عن اللّه تعالى «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف اسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي وكذا فيما قبله» أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به اهـ.\rقوله: (في سبيل اللّه) أي في طاعته، فيدخل في الإنفاق الواجب والمتطوع به اهـ خازن.\rقوله: قَرْضاً مفعول مطلق كما يشير له قول الشارح في تفسير نعته بأن ينفقه الخ اهـ.\rقوله: (و في قراءة فيضعفه بالتشديد) وعلى كل من القراءتين فهو مرفوع عطفا على الصلة، أو منصوب بأن مضمرة في جواب الاستفهام، فالقراءات أربعة وكلها سبعية، فكان على الشارح أن يبينها كعادته اهـ شيخنا.\rقوله: أَضْعافاً كَثِيرَةً حال مبينة كما هو ظاهر، لأنه وإن كانت لفظ العامل إلا أنها اختصت بوصفها بشيء آخر ففهم منها ما لا يفهم من عاملها، وهذا شأن المبينة وجمع لاختلاف جهات التضعيف بحسب اختلاف الاخلاص ومقدار القرض، واختلاف أنواع الجزء اهـ كرخي.\rويجوز أن يكون مفعولا مطلقا كما في السمين. قوله: (إلى أكثر من سبعمائة) وهذه الكثرة لا يعلمها إلا اللّه تعالى، وقوله: (كما سيأتي) أي في قوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى أن قال: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: 261] يعني مضاعفة زائدة على سبعمائة اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ الخ أي حسب ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم كي لا تبدل أحوالكم، ولعل تأخير البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء اهـ كرخي.\rوفي الآية تحريض على الإقراض وزجر عن تركه أي فلا تمسكوا خوف الفقر، لأن السعة وعدمها بيد اللّه تعالى لا تتوقف على الإمساك، بل اللّه يبسط الرزق على من يشاء، ولو أنفق منه كثيرا ويقبضه عمن يشاء ولو أمسكه عن الإنفاق اهـ شيخنا.\rقوله: (ابتلاء) أي اخبارا هل يصبر أم لا اهـ.\rقوله: (امتحانا) أي هل يشكر أم لا اهـ.\rقوله: (فيجازيكم بأعمالكم) أي فهذا تتميم للتحريض على الإنفاق وإيذان بأن الإنفاق والإمساك لا ينقص المال ولا يزيده بل اللّه هو الموسع والمقتر اهـ كرخي.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ الملأ من القوم وجوههم وأشرافهم، وهو اسم للجماعة لا واحد له من","part":1,"page":300},{"id":304,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 301\rوخبرهم إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ هو شمويل ابْعَثْ أقم لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ معه فِي سَبِيلِ اللَّهِ تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه قالَ النبي لهم هَلْ عَسَيْتُمْ بالفتح والكسر إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا خبر عسى والاستفهام لتقرير التوقع بها قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ لفظه سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب مهابة والعيون حسنا وبهاء اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قال الفراء: الملأ الرجال في كل القرآن، وكذلك القوم والرهط والنفر، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه ويجمع على أملاء، مثل: سبب وأسباب. ورأى هنا علمية مضمنة معنى الانتهاء لتصح التعدية بإلى، والمعنى: ألم تعلم يا محمد منتهيا علمك إلى قصة الملأ الآتي ذكرها اهـ من السمين.\rقوله: مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ تبعيضية. وقوله: مِنْ بَعْدِ مُوسى ابتدائية قوله: (أي إلى قصتهم وخبرهم) قدره للإشارة إلى حذف المضاف من قوله إلى الملأ أي إلى قصة الملأ، وللإشارة لمتعلق الظرف، وهو قوله: إِذْ قالُوا الخ أي إلى قصتهم الكائنة وقت قولهم الخ اهـ.\rقوله: إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ الخ سبب هذا القول المذكور منهم أنه لما مات موسى خلفه يوشع يقيم فيهم أمر اللّه ويحكم بالتوراة ثم خلفه كالب كذلك، ثم حزقيل كذلك ثم إلياس كذلك، ثم اليسع كذلك، ثم ظهر لهم أعداؤهم العمالقة، وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا منهم، ولم يكن لهم إذ ذاك نبي يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى، فولدت غلاما فسمته شمويل ومعناه بالعربية إسماعيل، فلما كبر سلمته التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم، فلما كبر نبأه اللّه تعالى وأرسله إليهم، فقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا الآية. وكان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة أنبيائهم، وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي هو الذي يقيم أمره ويشير عليه ويرشده اهـ من الخازن.\rقوله: لِنَبِيٍ متعلق بقالوا واللام للتبليغ، ولهم متعلق بمحذوف، لأنه صفة لنبي ومحله الجر، وابعث وما في حيزه في محل نصب بالقول، ولنا الظاهر انه متعلق بابعث، واللام للتعليل أي لأجلنا اهـ سمين.\rقوله: (هو شمويل) وهو بالعبرانية إسماعيل من نسل هارون عليه السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: (أقم لنا) أي وله وأمره علينا. قوله: قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ استئناف بياني كأنه قيل: فماذا.\rقال لهم النبي حينئذ، فقيل: قل لهم الخ، وقوله: إِنْ كُتِبَ الخ اعتراض بين اسم عسى وخبرها وجواب الشرط محذوف تقديره فلا تقاتلوا، وقوله: (خبر عسى) أي أن قوله أن لا تقاتلوا خبرها يعني واسمها ضمير الخطاب، وقوله لتقرير التوقع المراد بالتقرير هنا التحقيق والتثبيت والتوقع مستفاد من عسى، والمعنى أن توقع عدم قتالكم محقق عندي اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي، قوله: والاستفهام لتقرير التوقع بها تبع فيه الكشاف. قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: معنى الاستفهام هنا التقرير بمعنى التثبيت للتوقع، وإن كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار أهو المعنى أتوقع جبنكم عن القتال ان كتب عليكم فأدخل هل على فعل التوقع مستفهما","part":1,"page":301},{"id":305,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 302\rاللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا بسبيهم وقتلهم وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت أي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا عنه وجبنوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) فمجازيهم وسأل عما هو متوقع عنده، ومظنون تقريرا، وهذا جواب عما يقال ان مدخول عسى إنشاء لأنها للترجي والتوقع أو للإشفاق، فعلى هذا فكيف دخلت عليها هل التي تقتضي الاستفهام، والاستفهام إنما يكون عن الاخبار، وحاصل الجواب أن الكلام محول على المعنى اهـ.\rقوله: قالُوا وَما لَنا ما: مبتدأ وخبرها لنا أي أي شيء ثبت لنا يكون سببا لعدم القتال مع وجود مقتضيه، ودخلت الواو لتدل على رابط هذا الكلام بما قبله اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: أن لا نقاتل في سبيل اللّه على حذف حرف الجر، والتقدير وما لنا في أن لا نقاتل أي في ترك القتال اهـ.\rقوله: وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا هذه الجمل حالية، والكلام عام والمراد خاص، لأن القائلين لنبيهم ما ذكر كانوا في ديارهم، وإنما أخرج بعض آخر غيرهم وضمن الفعل معنى أبعدنا ليصح قوله وأبنائنا اهـ شيخنا.\rقوله: (بسبيهم وقتلهم) مضافان للمفعول والفاعل أشار إليه بقوله فعل بهم ذلك قوم جالوت، وهو ملكهم، وكان جبارا من أولاد عمليق بن عاد ظهروا على بني إسرائيل وأخذوا ديارهم، وسبوا أولادهم، وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين نفسا وضربوا عليهم الجزية اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لا مانع لنا الخ) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ في الكلام حذف تقديره فسأل اللّه ذلك النبي فكتب عليهم القتال وبعث لهم ملكا أي عينه لهم ليقاتل بهم، فلما كتب عليهم القتال الخ اهـ.\rقوله: تَوَلَّوْا لكن لا في ابتداء الأمر بل بعد مشاهدة كثرة العدو وشوكته كما سيجيء تفصيله، وإنما ذكر هنا مآل أمرهم إجمالا وإظهارا لما بين قولهم وفعلهم من التناف والتباين اهـ أبو السعود.\rقوله: (و جبنوا) أي تركوا القتال لضعف قلوبهم عنه، وخوفهم منه. وفي المصباح جبن جبنا وزن قرب قربا وجبانة بالفتح وفي لغة من باب قتل فهو جبان أي ضعيف القلب اهـ.\rقوله: إِلَّا قَلِيلًا منصوب عى الاستثناء المتصل من فاعل تولوا، والمستثنى لا يكون مبهما، إذ لو قلت قام القوم إلا رجالا لم يصح، وإنما صح هذا لأن قليلا في الحقيقة صفة لمحذوف، ولأنه قد تخصص بوصفه بقوله منهم فقرب من الاختصاص بذلك، وهم الذين اكتفوا بالغرفة من النهر وجاوزوه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر، كما سيجيء في الشرح اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أي المشركين والمنافقين وهو وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال، وترك الجهاد وتنافي أقوالهم وأفعالهم، كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي. فالمراد بالظالمين هنا بقية السبعين ألفا وهم من عدا القليل المذكور اهـ.","part":1,"page":302},{"id":306,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 303\rالنبي ربّه إرسال ملك فأجابه إلى إرسال طالوت\rوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى كيف يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ يستعين بها على إقامة الملك قالَ النبي لهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ اختاره لذلك عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً سعة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم خلقا وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ إيتاءه لا اعتراض قوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ وذلك أنه لما سأل اللّه إرسال ملك لهم أرسل اللّه له عصا وقرنا فيه دهن القدس وقيل له: إن صاحبك الذي يكون ملكا هو من يكون طوله طول هذه العصا وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل فانتشر الدهن في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه بالدهن وملكه عليهم واسمه طالوت، فدخل عليه رجل فانتشر الدهن في القرن فقام شمويل فقاسه بالعصا فكان على طولها، وقال له: قرب رأسك فقربه فدهنه النبي بدهن القدس وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني اللّه أن أملكك عليهم، فقال طالوت: أو ما علمت أن سبطي أدنى من سبط ملوك بني إسرائيل؟ قال: بلى. فقال شمويل: اللّه يؤتي ملكه من يشاء واسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب، ولقب بطالوت لطوله، وكان أطول من كل أحد في زمانه برأسه ومنكبيه اهـ خازن.\rوفي المصباح أن دهن من باب قتل اهـ.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ أنى: بمعنى كيف كما قال الشارح، والعامل فيها يكون وهي إما تامة أو ناقصة، وعلينا متعلق بالملك لأن مادته تتعدى بعلى. تقول ملك فلان على بني فلان أمرهم اهـ سمين.\rقوله: وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ الواو الأولى حالية، والثانية عاطفة جامعة للجملتين في الحكم. أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق منه، ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال، وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل وهو سبط لاوي بن يعقوب عليهما السّلام، وسبط المملكة بسبط يهوذا بالذال المعجمة والدال المهملة، ومنه داود وسليمان عليهم السّلام، ولم يكن طالوت من أحد هذين البسطين بل من ولد بنيامين اهـ أبو السعود.\rقوله: (أو راعيا) أي أو سقاء يستقي الماء على حمار له اهـ خازن.\rقوله: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ سعة وزنها علة بحذف الفاء وأصلها وسعه، وإنما حذفت الفاء في المصدر حملا له على المضارع، وإنما حذفت في المضارع لوقوعها بين ياء وهي حرف المضارعة وكسرة مقدرة، وذلك أن وسع مثل وثق، فحق مضارعه أن يجيء على يفعل بكسر العين، وإنما منع ذلك في يسع كون لامه حرف حلق ففتح عين مضارعه لذلك، وإن كان أصلها الكسرة فمن ثم قلنا بين ياء وكسرة مقدرة اهـ سمين.\rقوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ أي العلم المتعلق بالملك أو به، وبالديانات أيضا. وقيل: قد","part":1,"page":303},{"id":307,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 304\rعليه وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ (247) بمن هو أهل له\rوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه آية على ملكه إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الصندوق كان فيه صور الأنبياء أنزله اللّه على آدم واستمر إليهم فغلبتهم العمالقة عليه وأخذوه وكانوا يستفتحون به على عدوهم ويقدمونه في أوحي إليه ونبئ، والجسم قيل بطول القامة فإنه كان أطول من غيره برأسه ومنكبيه، حتى أن الرجل القائم كان يمد يده فينال رأسه، وقيل: بالجمال، وقيل بالقوة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاللَّهُ واسِعٌ (فضله) فيه إشارة إلى أنه اسم فاعل من وسع ثلاثيا، لأنك تقول وسع علمه، والظاهر أن هذا من كلام شمويل قال ذلك لهم لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه، وهو أظهر التأويلين. الثاني أنه من كلام اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتكون الجملتان معترضتين في هذا القصة للتشديد والتقوية اهـ كرخي.\rقوله: (على ملكه) أي صحة كونه ملكا. قوله: أي يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وكان من خشب الشمشاذ بمعجمتين أولاهما مكسورة وبينهما ميم ساكنة، وهو الذي تتخذ منه الأمشاط، وكان مموها بالذهب طوله ثلاثة أذرع وعرضه ذراعان، وكان عند آدم فيه صور جميع الأنبياء، فقد رآها آدم كلها ثم توارثه أولاده إلى أن وصل لموسى، فكان يضع فيه التوراة ومتاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم بنو إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تحاكموه إليه فيكلمهم ويحكم بينهم، وكانوا إذا خرجوا للقتال يقدمونه بين أيديهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر، وقيل: كانوا معدين له جماعة تحمله ثم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وأفسدوا وسلط اللّه عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البول والغائط فلما أراد اللّه تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم البلاء، حتى أن كل من بال عنده ابتلي بالبواسير، وهلكت من بلادهم خمس مدائن، فعلم الكفار أن ذلك بسبب استهانتم بالتابوت، فأخرجوه فاحتملته الملائكة وأتت به بني إسرائيل، كما قال: أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الخ اهـ من أبي السعود.\rقوله: التَّابُوتُ من التوب الذي هو الرجوع لما أنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث كملكوت وجبروت، والمشهور أن يوقف على تائه من غير أن تقلب هاء، ومنهم من يقلبها اهـ أبو السعود.\rقوله: (الصندوق) بضم الصاد وفتحها، ويجوز أن يكون بالزاي مفتوحة ومضمومة وبالسين، وكذل ففيه ست لغات اهـ شيخنا.\rقوله: (كان فيه صور الأنبياء) أي بتصوير اللّه تعالى، وكان فيه أيضا صور بيوت المرسلين منهم، وكان آخرهم صورة بيت محمد نبينا، وكانت صورته في ياقوتة حمراء مع صورة وقوفه فيه يصلي وحوله أصحابه اهـ من كتاب الثعالبي.\rقوله: (أنزله اللّه) أي من الجنة. قوله: (و استمر إليهم) أي استمر ينتقل من آدم ويتوارثه الأنبياء إلى أن وصل إليهم أي إلى بني إسرائيل اهـ شيخنا.\rقوله: (فغلبتهم العمالقة) أي بسبب ما وقع منهم من المعاصي وفشو الزنا فيهم حتى على قارعة","part":1,"page":304},{"id":308,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 305\rالقتال ويسكنون إليه كما قال اللّه تعالى فِيهِ سَكِينَةٌ طمأنينة لقلوبكم مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ أي تركاهما وهي نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض من الألواح تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ حال من فاعل يأتيكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ على ملكه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد فاختار من شبابهم سبعين ألفا\rفَلَمَّا فَصَلَ خرج طالُوتُ بِالْجُنُودِ من بيت المقدس وكان حرا شديدا الطرق، فسلب اللّه عنهم هذه النعمة وسلط عليهم العمالقة اهـ.\rقوله: (و كانوا) أي بنو إسرائيل قبل أخذه منهم (يستفتحون به) أي يستنصرون به أي ينصرون على عدوهم إذا كان معهم اهـ.\rوفي المصباح: فتح اللّه على نبيه نصره واستفتحت استنصرت اهـ.\rقوله: (و يقدمونه في القتال) أي يقدمونه بين أيديهم وأمامهم في القتال، قوله: (و يسكنون) أي يطمئنون بسببه ويجتمعون إليه. قوله: (طمأنينة لقلوبكم) وعلى هذا التفسير، فمعنى كون السكينة فيه أنها مرتبطة به أي مسببة عن حضوره ووجوده عندهم. وعبارة البيضاوي فيه سكينة من ربكم الضمير للإتيان أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة أو للتابوت أي مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة. وكان موسى عليه السّلام إذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. وقيل: صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب، كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن ويسير التابوت بسرعة نحو العدو وهم يتبعونه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وقيل: صور الأنبياء من آدم إلى محمد عليه السّلام، انتهت.\rقوله: (أي تركاهما) أشار بذلك إلى أن لفظ آل زائدة في الموضعين اهـ. شيخنا.\rوفي البيضاوي: وآلهما أبناؤها أو أنفسهما. والآل مقحم لتفخيم شأنهما، أو أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمهما اهـ.\rقوله: (و رضاض الألواح) أي كسرها وقطعها، في المختار ورضاض الشيء بالضم فتاته، وكل شيء كسرته فقد رضضته اهـ.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي إتيان التابوت، وهذا يحتمل أن يكون من كلام نبيهم وأن يكون ابتداء خطاب من اللّه تعالى اهـ بيضاوي.\rوإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين بتأويل الفريق أو غيره كما سلف في قوله: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: 232] اهـ أبو السعود.\rقوله: (سبعين ألفا) أي فارغين من العلق، فقال لهم: لا يخرج معي من بنى بناء لم يتمه، ولا تاجر مشهور بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبين بها اهـ أبو السعود.\rوقيل: كانوا ثمانين ألفا، وقيل مائة وعشرين ألفا اهـ.","part":1,"page":305},{"id":309,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 306\rوطلبوا منه الماء قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ مختبركم بِنَهَرٍ ليظهر المطيع منكم والعاصي وهو بين الأردن وفلسطين فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ أي من مائه فَلَيْسَ مِنِّي أي أتباعي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ يذقه فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بالفتح والضم بِيَدِهِ فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني فَشَرِبُوا مِنْهُ لما وافوا بكثرة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فاقتصروا على الغرفة روي أنها كفتهم وعلى كل فكان من جملتهم داود كما سيأتي. قوله: (و كان حرا) أي وكان الوقت حرا شديدا وقوله وطلبوا منه الماء عبارة الخازن وغيره فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا أن المياه لا تحملنا فادع اللّه أن يجري لنا نهرا، قال: إن اللّه مبتليكم بنهر الخ اهـ.\rقوله: قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي: قال ذلك بالوحي على القول بنبوته أو على لسان شمويل على القول بعدمها اهـ.\rقوله: (ليظهر المطيع والعاصي) بمعنى أن من ظهرت طاعته في ذلك الوقت فترك الشرك ظهر أنه مطيع فيما عدا ذلك الوقت من الشدائد، ومن غلبته شهوته وعصى بالشرب فهو في وقت الشدائد أحرى عصيانا اهـ من القرطبي.\rقوله: (بين الأردن) ضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال وتشديد النون موضع ذو رمل قريب من بيت المقدس ومن البحر الملح، وفلسطين بفتح الفاء وكسرها وفتح اللام لا غير قرب بيت المقدس اهـ.\rقوله: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ أي قليلا كان أو كثيرا. وقوله: ومن لم يطعمه أي يذقه أصلا لا كثيرا ولا قليلا، وقوله: إلا من اغترف استثناء من القسم الأول، وهو قوله فمن شرب منه وفصل بينهما بالجملة الثانية. وحاصله، أن طالوت قسمهم أقساما ثلاثة: من لم يشرب أصلا، ومن شرب منه كثيرا، ومن شرب قليلا، لكنهم لما اجتمعوا عند النهر صاروا قسمين: قسم شرب كثيرا وقسم شرب قليلا، فقوله فشربوا منه أي جميعهم، وقوله: إلا قليلا أي شرب ذلك القليل قليلا فالاستثناء في المعنى من مقدر تقديره، فشربوا منه كثيرا إلا قليلا فشرب قليلا وهو الغرفة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي من مئه) أوله بذلك لأن النهر حقيقة اسم للحفيرة اهـ شيخنا.\rقوله: (يذقه) أشار به إلى أن يطعمه من طعم الشيء إذا ذاقه، فيطعم المأكول والمشروب اهـ.\rوفي المصباح طعمته أطعمه من باب تعب طعما بفتح الطاء ويقع كل ما يساغ حتى الماء وذوق الشيء اهـ.\rقوله: (بالفتح والضم) قيل كل منهما بمعنى المصدر وهو الاغتراف، وقيل بمعنى أن الذي يحصل في الكف، وقيل الأول للأول والثاني للثاني اهـ شيخنا.\rقوله: (فإنه مني) أشار به إلى أن الاستثناء من قوله فمن شرب منه فليس مني، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه وأحلها التأخير، وإنما قدمت لأن الأولى تدل عليها بطريق المفهوم، وهو أن من ترك الشرب فإنه منه، ولما كانت مدلولا عليها بالمفهوم صار الفصل بها كلا فصل اهـ كرخي.","part":1,"page":306},{"id":310,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 307\rلشربهم ودوابهم وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وهم الذين اقتصروا على الغرفة قالُوا أي الذين شربوا لا طاقَةَ قوة لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ يوقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ قوله: فَشَرِبُوا مِنْهُ أي بالكرع بالفم اهـ أبو السعود.\rقوله: (لما وافوه) أي وصلوا إليه، وهذا معطوف على مقدر أي فابتلوا به فشربوا منه اهـ من أبي السعود.\rوفي المصباح: وافيته موافاة أتيت إليه اهـ.\rقوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم المذكورون في الاستثناء السابق في قولوا تولوا إلا قليلا منهم.\rوقوله: (فاقتصروا على الغرفة) يقتضي أنهم كلهم شربوا الكثير شرب كثيرا، والقليل اقتصر على الغرفة، فيكون قول طالوت لهم: ومن لم يطعمه فإني معه لم يتحقق في أحد منهم، وإن كان قد قاله قبل وصولهم إلى النهر. وفي القرطبي: أن القليل لم يشرب أصلا وهم المذكورون في قوله ومن لم يطعمه تأمل.\r(روي أنها كفتهم) وروي أيضا أن من اغترفها قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما، وان الذين شربوا كثيرا اسودت شفاههم وغلبهم العطش، ولم يرووا وجبنوا واستمروا على شط النهر ولم يجاوزوه اهـ خازن.\rقوله: (لشربهم ودوابهم) أي وقربهم اهـ.\rقوله: (و بضعة عشر) المشهور أن البضعة تقال للثلاثة إلى التسعة، والمراد بها هنا ثلاثة عشر اهـ من الخازن.\rقوله: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ هو ضمير مرفوع منفصل مؤكد للضمير المستكن في جاوز، وقوله: والذين آمنوا عطف على الضمير المستكن في جاوز لوجود الشرط، وهو توكيد المعطوف عليه بالضمير المنفصل اهـ سمين.\rوقوله: مَعَهُ متعلق بجاوز من حيث عمله في المعطوف وهو الموصول أي فلما جاوزه وجاز معه الذين آمنوا الخ. وقوله: (و هم الذين اقتصروا على الغرفة)، وقال القرطبي هم الذين لم يذوقوا الماء أصلا اهـ.\rقوله: (أي الذين شربوا) وهم العصاة وأكثر المفسرين على أنهم قالواهذا القول بعدما عبروا النهر مع طالوت، ورأوا جالوت وجنوده، فرجعوا منهزمين قائلين لا طاقة لنا اليوم الخ، وبعض المفسرين على أن العصاة لم يعبروا النهر، بل وقفوا بساحله وقالوا معتذرين عن التخلف منادين ومسمعين لطالوت والمؤمنين الذين معه لا طاقة لنا اليوم الخ تأمل. وقد سلك هذا الجلال حيث قال:\rوجبنوا ولم يجاوزوه. قوله: وَجُنُودِهِ وكانوا مائة ألف رجل شاكي السلاح اهـ قرطبي.\rوفي المصباح: الجند الأنصار والأعوان والجمع أجناد وجنود الواحد جندي، فالياء للوحدة مثل روم ورومي اهـ.","part":1,"page":307},{"id":311,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 308\rبالبعث وهم الذين حاوزوه كَمْ خبرية بمعنى كثير مِنْ فِئَةٍ جماعة قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) بالعون والنصر\rوَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي ظهروا لقتالهم وتصافوا قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ اصبب عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بتقوية قلوبنا على الجهاد وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250)\rفَهَزَمُوهُمْ كسروهم بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَقَتَلَ داوُدُ وكان في عسكر طالوت جالُوتَ وَآتاهُ أي قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أي قالوا ذلك ردا على المتخلفين. فإن قلت: المؤمنين كلهم يتيقنون أنهم ملاقو اللّه لأن تيقن الآخرة واجب داخل في الإيمان، فلا وجه لتخصيصه بالبعض من المؤمنين المذكورين. قلنا: لعل هذا على تقدير أن يكون المراد الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون اللّه، كما صرح به القاضي كالكشاف اهـ كرخي.\rقوله: (خبرية) وفي في موضع رفع بالابتداء، ولذا فسرها بالمرفوع وخبرها غلبت اهـ. من أبي السعود. ومن فئة تمييز لها ومن زائدة فيه، وقد تحذف من فيجر تمييزها بالإضافة لا بمن مقدرة على الصحيح اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ هذه الجملة في محل نصب على أنها من جملة مقولهم، ويحتمل أنها من كلام اللّه تعالى اخبر اللّه تعالى عن حال الصابرين فلا محل لها اهـ كرخي.\rقوله: وَلَمَّا بَرَزُوا أي صاروا إلى براز الأرض، وهو ما انكشف منها واستوى، ومنه سميت المبارزة في الحرب لظهور كل قرن إلى صاحبه اهـ سمين.\rوفي المصباح: والبراز بالفتح والكسر لغة قليلة الفضاء الواسع الخالي من الشجر، ويقال برز بروزا من باب قعد إذا خرج إلى البراز اهـ.\rقوله: (اصبب) بضم الهمزة لأنه من باب رد. قوله: وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عبارة عن كمال القوة والرسوخ عند المقارعة وعدم التزلزل عند المقاومة، وليس المراد تقررها في مكان واحد اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقَتَلَ داوُدُ أي النبي المشهور، وكان يومئذ صغيرا لم يبلغ الحلم سقيما أصفر اللون يرعى الغنم فهذه الواقعة قبل نبوته. وقصة قتله لجالوت على ما ذكره أهل التفسير وأصحاب الأخبار أن أباه واسمه إيشى بوزن كسرى كان من جملة جيش طالوت، وكان معه أولاده الثلاثة عشر، ومنهم داود وهو يومئذ أصغرهم، فلما طلبهم جالوت للمبارزة امتنع بنو إسرائيل من مبارزتهم له لأنه كان جبارا عظيما كبير الجسم جدا، وكان طوله ميلا وعلى رأسه بيضة حديد قدر ثلاثمائة رطل فنادى طالوت في عسكره: من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته في ملكي، فلم يجبه أحد. فسأل طالوت نبيهم شمويل، وكان معهم إذ ذاك أن يدعو اللّه في ذلك، فدعا اللّه فأتى طالوت بقرن فيه دهن القدس، وقيل له: إن الذي يقتل جالوت هو الذي إذا وضع القرن على رأسه الدهن من القرن حتى يدهن رأسه ولا يسيل على وجهه. فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم تصادف هذه الصفة، إلا في داود، فقال طالوت: هذا هو الرجل المطلوب، وقال له أيضا: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأناصفك في ملكي؟","part":1,"page":308},{"id":312,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 309\rداود اللَّهُ الْمُلْكَ في بني إسرائيل وَالْحِكْمَةَ النبوة بعد شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ كصنعة الدروع ومنطق الطير وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) فدفع بعضهم ببعض\rتِلْكَ أي هذه قال: نعم فصار داود إلى جالوت فمر في طريقه بحجر فناداه: يا داود احملني فإني حجر هارون فحمله ثم مرّ بحجر آخر فقال يا داود: احملني فإني حجر موسى فحمله، ثم مرّ بحجر آخر فقال له: يا داود احملني فإني حجرك الذي تقتل به جالوت، فحمله فوضع الثلاثة في مخلاته بكسر الميم، فلما تصافّ القوم للقتال انتدب داود للقتال، وأخذ المقلاع بيده ومضى نحو جالوت، فلما رآه وقع الرعب في قلبه، ثم قال داود: باسم إله إبراهيم، واخرج حجرا باسم إله إسحاق وأخرج آخر باسم إله يعقوب، وأخرج آخر ووضعهما في مقلاعه فصارت الثلاثة حجرا واحدا، فمر به جالوت فسخر اللّه الريح فحملت الحجر حتى أصاب أنف البيضة فخرق دماغه وخرج من قفاه، وقتل ثلاثين رجلا ممن خلفه فأخذ داود جالوت حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح بنو إسرائيل فزوجه ابنته وأعطاه نصف الملك كما وعده. فمكث معه كذلك أربعين سنة فمات طالوت، واستقل داود بالملك سبع سنين، ثم انتقل إلى رحمة اللّه فسبحان من لا ينقضي ملكه اهـ من الخازن.\rقوله: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي الكامل سبع سنين موت طالوت. قوله: (بعد موت شمويل وطالوت) لف ونشر مشوش، وكان موت شمويل قبل موت طالوت اهـ شيخنا.\rقوله: (و لم يجتمعا) أي النبوة والملك لأحد قبله أي قبل داود، فقد كانت عادة بني إسرائيل أن نظام أمرهم لا يقوم إلا بملك ونبي، وكانت النبوة في سبط منهم لا توجد في غيره، والملك في سبط آخر كذلك، وكان داود من سبط المملكة ومع ذلك جمع اللّه تعالى له ولابنه سليمان بين الملك والنبوة اهـ شيخنا.\rقوله: (كصنعة الدروع) أي من الحديد، وكان يلين في يده وينسجه كنسج الغزل. وقوله:\r(و منطق الطير) أي فهم منطق الطير أي نطقه أي فهم أصواته وكذا البهائم اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ عبارة الخازن: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يعني ولو لا أن اللّه يدفع ببعض الناس وهم أهل الإيمان والطاعة بعضا، وهم أهل الكفر والمعاصي. قال ابن عباس:\rولو لا دفع اللّه بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد. وقيل معناه: ولو لا دفع اللّه بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لفسدت الأرض يعني لهلكت بمن فيها، ولكن اللّه يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر. روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» ثم قرأ: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ يعني أن دفع الفساد بهذا الطريق انعام وإفضال على الناس كلهم اهـ.\rومن المعلوم أن لو لا حرف امتناع لوجود، فالمعنى امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس عن بعض اهـ.","part":1,"page":309},{"id":313,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 310\rالآيات آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها نقصها عَلَيْكَ يا محمد بِالْحَقِ بالصدق وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) التأكيد بأن وغيرها رد لقول الكفار له لست مرسلا\r* تِلْكَ مبتدأ الرُّسُلُ صفة، والخبر فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ كموسى وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ أي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم دَرَجاتٍ على غيره بعموم الدعوة وختم النبوة وتفضيل أمته على سائر الأمم والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ جبريل يسير معه حيث سار وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدى الناس جميعا قوله: (هذه الايات) أي التي قصصناها عليك من حديث الألوف وموتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره الآية، وهي التابوت وإهلاك الجبابرة على يد صبي نتلوها بالحق وإنك لمن المرسلين، بحيث تخبر بهذه القصص القديمة من غير أن تعرفها بقراءة كتب ولا استماع أخبار، فدل ذلك على رسالتك اهـ خازن.\rقوله: بِالْحَقِ يجوز فيه أن يكون حالا من مفعول نتلوها، أي ملتبسة بالحق أو من فاعله أي نتلوها أي ملتبسة بالحق أو من فاعله أي نتلوها ملتبسين بالحق أو من مجرور عليك أي ملتبسا أنت بالحق اهـ سمين.\rقوله: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أي بشهادة إخبارك عن الأمم الماضية من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع على أحد يخبرك بذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (غيرها) وهو اللام واسمية الجملة اهـ.\rقوله: تِلْكَ الرُّسُلُ تلك إشارة إلى الجماع المذكور قصصها في الصورة، فاللام للعهد أو الجماعة المعلومة للرسول أو الإشارة لجماعة الرسل واللام للاستغراق اهـ بيضاوي.\rقوله: (صفة) أي لتلك أو بيان أو بدل وقدم عليه السفاقسي كأبي البقاء إن تلك مبتدأ والرسل خبره، وفضلنا جملة حالية وصاحبها الرسل، والعامل فيها اسم الإشارة اهـ كرخي.\rقوله: (بمنقبة) المنقبة بفتح الميم أي الوصف الذي يفخر به.\rقوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ الخ تفصيل للتفصيل المذكور اجمالا، وقوله: كَلَّمَ اللَّهُ أي كلمه اللّه بغير واسطة، وقوله: (كموسى) أي حيث كلمه ليلة الحيرة وفي الطور كمحمد ليلة الإسراء والالتفات حيث لم يقل كلمنا لتربية المهابة بهذا الاسم الجليل، والرمز إلى ما بين التكليمين ورفع الدرجات من التفاوت اهـ أبو السعود.\rوهذه الجملة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون لا محل لها من الإعراب لاستئنافها. والثاني أنها بدل من جملة قوله فضلنا اهـ سمين.\rقوله: دَرَجاتٍ منصوب على نزع الخافض، وهو في أو على اهـ سمين.\rقوله: (بعموم) أي بسبب عموم. قوله: (العديدة) أي الكثيرة. قوله: وَآتَيْنا فيه التفات.\rقوله: الْبَيِّناتِ كإحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص. قوله: (يسير معه) الخ واستمر على ذلك حتى رفعه إلى السماء. قوله: (هدى الناس جميعا) الأولى تقديره من مادة الجواب بأن يقول: ولو شاء","part":1,"page":310},{"id":314,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 311\rمَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ بعد الرسل أي أممهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضا وَلكِنِ اخْتَلَفُوا لمشيئة ذلك فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ثبت على إيمانه وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كالنصارى بعد المسيح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا تأكيد وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) من توفيق من شاء وخذلان من شاء\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ زكاته مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فداء اللّه عدم اقتتالهم لأن هذاهو المتعارف في مثل هذا التركيب اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: ولو شاء اللّه مفعوله محذوف فقيل تقديره أن لا يختلفوا، وقيل أن لا يقتتلوا، وقيل أن لا يؤمروا بالقتل، وقيل أن يصيرهم إلى الإيمان وكلها متقاربة، ومن بعدهم متعلق بمحذوف لأنه صلة، والضمير يعود على الرسل ومن بعد ما جاءتهم فيه قولان، أحدهما: أنه بدل من قوله من بعدهم بإعادة العامل. والثاني: أنه متعلق باقتتل إذ في البينات وهي الدلائل الواضحة ما يغني عن التقاتل والاختلاف، والضمير في جاءتهم يعود على الذين من بعدهم وهم أمم الأنبياء اهـ.\rقوله: مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ أي ما اختلف فأطلق الاقتتال وأراد سببه وهو الاختلاف يشير لذلك قول الشارح لاختلافهم، ويشير له أيضا الاستثنائية حيث قال: ولكن اختلفوا اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ بَعْدِهِمْ أي بعد كل منهم اهـ.\rقوله: (لاختلافهم) علة للمنفي وهو الاقتتال. قوله: (لمشيئة ذلك) إشارة إلى أن وجه هذا الاستدراك واضح فإن لكن واقعة بني ضدين. إذ المعنى ولو شاء اللّه الاتفاق لاتفقوا، ولكن شاء اللّه الاختلاف فاختلفوا، وفيه إلى قياس استثنائي هو أن استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي، فكأن الأصل أن يقال: لكنه لم يشأ عدم اقتتالهم ينتج أنهم اقتتلوا فوضع الاختلاف موضع نقيض المقدم المرتب عليه للإيذان بأنه ناشىء من قبلهم لا منه تعالى ابتداء، فكأنه قيل: ولكنه لم يشأ عدم اقتتالهم بل شاء لاختلافهم الفاحش اهـ كرخي.\rقوله: (زكاته) مفعول انفقوا وقدر زكاته إشارة إلى أن المراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به، قاله في الكشاف اهـ كرخي.\rوعلى هذا لا يبقى لقوله مما رزقناكم موقع فالأحسن ما سلكه السمين ونصه قوله: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مفعول محذوف تقديره شيئا مما رزقناكم، فعلى هذا مما رزقناكم متعلق بمحذوف في الأصل لوقوعه صفة لذلك المفعول، وان لم يقدر له مفعول محذوف تكون من متعلقة بنفس الفعل اهـ.\rقوله: مِنْ قَبْلِ متعلق أيضا بأنفقوا وجاز تعلق حرفين بلفظ واحد بفعل واحد لاختلافهما معنى، فإن الأولى للتبعيض والثانية لابتداء الغاية، وأن يأتي في محل جر بإضافة قبل إليه أي من قبل إتيان اهـ سمين.\rقوله: لا بَيْعٌ (فداء) فِيهِ إنما سمي الفداء بيعا لأن الفداء اشتراء النفس من الهلاك، والمعنى لا تجارة فيه فيكتسب الإنسان ما يفتدي به نفسه من العذاب اهـ خازن.\rقوله: (صداقة) أي فالخلة الصداقة كأنها تتخلل الأعضاء أي تدخل خلالها أي وسطها، والخليل","part":1,"page":311},{"id":315,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 312\rفِيهِ وَلا خُلَّةٌ صداقة تنفع وَلا شَفاعَةٌ بغير إذنه وهو يوم القيامة وفي قراءة برفع الثلاثة وَالْكافِرُونَ باللّه أو بما فرض عليهم هُمُ الظَّالِمُونَ (254) لوضعهم أمر اللّه في غير محله\rاللَّهُ لا إِلهَ أي لا معبود بحق في الوجود إِلَّا هُوَ الْحَيُ الدائم البقاء الْقَيُّومُ المبالغ في القيام بتدبير خلقه لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ نعاس وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا مَنْ ذَا الصديق لمداخلته إياك، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول اهـ سمين.\rقوله: (بغير إذنه) هو جواب سؤال كيف يصح نفي الشفاعة على سبيل الاستغراق وقد ثبتت شفاعة الأنبياء يوم القيامة بالأحاديث، كحديث أنيس: سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يشفع لي يوم القيامة: فقال:\r«أنا فاعل» حسنه الترمذي وإيضاحه أنها مقيدة بآية إلّا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، والنبي مأذون له أو يستأذن فيؤذن له اهـ كرخي.\rقوله: (باللّه أو بما فرض عليهم) إشارة إلى صحة أن يراد الكفر الحقيقي، وذلك على الأول، وأن يراد المجازي، وذلك على الثاني. فيكون المراد بالكافر تارك الزكاة كما عبر به ابو السعود، والتعبير عنه بالكفر للتغليظ والتهديد وإشارة إلى أن تركها من صفات الكفار اهـ شيخنا.\rقوله: (أو بما فرض عليهم) كالزكاة ومعنى كفرهم بها عدم أدائها اهـ شيخنا.\rقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الخ هذه الآية أفضل آية في القرآن، ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتها اكثر منه على غيرها من الآيات، هذاهو التحقيق في تفضيل القرآن بعضه على بعض، وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى اهـ شيخنا.\rروي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة أي القرآن أي أفضله وهي آية الكرسي اهـ.\rقوله: (الدائم البقاء) أخذه من تفسير الزمخشري بيانا للمراد به في حق الباري أي الحي بنفسه، فلا يموت أبدا. وأما بحسب اللغة فهو ذو الحياة، ولا يفهم منه إلا قوة تقتضي الحس والحركة، ولما اتفقوا على أن الباري تعالى حي فسّر المتكلمون الحي بالذي يصح أن يعلم ويقدر ليصدق على الباري تعالى اهـ كرخي.\rقوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ أصل الحي حيي بياءين من حيي يحيا فهو حي، والقيوم فيعول من قام بالأمر يقوم به إذا دبره، وأصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء فيها فصار قيوما اهـ سمين.\rقوله: (المبالغ في القيام الخ) وذلك لأن قيوم من أمثلة المبالغة، وإن لم يكن من الأمثلة الخمسة المشهورة اهـ.\rقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ الخ كالتعليل لقوله القيوم، وقوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ الخ تقدير لقيوميته اهـ.\rقوله: وَلا نَوْمٌ رتبهما بترتيب وجودهما إذ وجود السنة سابق على وجود النوم فهو على حد لا","part":1,"page":312},{"id":316,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 313\rالَّذِي أي لا أحد يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ له فيها يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي الخلق وَما خَلْفَهُمْ أي يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها قصدا إلى الإحاطة والإحصاء، والسنة ما يتقدم النوم من الفتور مع بقاء الشعور وهي المسمى بالنعاس، والنوم حالة تعرض بسبب استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبة الأبخرة المتصاعدة فتمنع الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا وقد يعرض هذا من المرض كالإغماء والغشي ولا يسمى في العرف نوما، الأولى أن يعتبر قيد آخر في التعريف وهو أن يمكن إيقاظ صاحبه، وتقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث أن نفي السنة يدل على نفي النوم، ففيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة أي لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم، والجملة أي جملة لا تأخذه سنة ولا نوم نفي للتشبيه بينه تعالى وبين خلقه، ومعلوم أن اتصاف الباري تعالى بما ذكر محال ولا ينافي ذلك قوله تعالى:\rيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] لأن عدم اتصاف الملائكة بذلك ممكن وقوعه ليس بلازم، وقيل: أن السنة تجري عليهم وكررت لا تأكيدا، وفائدتها انتفاء كل واحد منهما على حدته، ولذلك تقول: ما قام زيد وعمرو بل أحدهما، ولو قلت ما قام زيد ولا عمرو بل أحدهما لم يصح، والجملة نفي للتشبيه اهـ كرخي.\rوفي الصباح: والنوم غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل هو آفة لأن النوم أخو الموت وقيل النوم مزيل للقوة والعقل، وأما السنة ففي الرأس والنعاس في العين، وقيل: السنة هي النعاس، وقيل السنة ريح النوم تبدو في الوجه، ثم تنبعث الى القلب فينعس الإنسان فينام ونام عن حاجته من باب تعب نوما أذا لم يهتم لها اهـ.\rقوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ذكر ما فيهما دونهما للرد على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء والأصنام التي في الأرض. يعني فلا تصلح أن تعبد لأنها مملوكة للّه مخلوقة له اهـ شيخنا.\rقوله: (ملكا) بضم الميم اهـ. قاري وهو أحسن من كسرها لئلا يتكرر مع قوله وعبيدا. وهذه الثلاثة إشارة لمعنى اللام، فهي إما للقهر وإما للملك وإما للإيجاد اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ ذَا الَّذِي الخ رد على المشركين حيث زعموا أن الأصنام تشفع لهم. وقوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ يريد بذلك شفاعة النبي، وشفاعة بعض الأنبياء والملائكة وشفاعة بعض المؤمنين لبعض اهـ خازن.\rقوله: (أي لا أحد) إشارة إلى أن من وإن كان لفظها استفهاما فمعناه النفي، ولذا دخلت إلا في قوله إلا بإذنه بيانا لكبرياء شأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريد شفاعة وضراعة. فضلا عن أن يدافعه عنادا أو مناصبة، ومن مبتدأ والخبر ذا والذي نعت له وبدل منه وهذا على أن ذا اسم إشارة، قاله الشيخ أبو البقاء. قال السفاقسي: وفيه بعد لأن الجملة لم تستقل بمن مع ذا، ولو كان خبرا لاستقلت ولم تحتج إلى الوصول، فالأولى أن من ركبت مع ذا للاستفهام والمجموع في موضع رفع بالابتداء والموصول بعدهما الخبر وعنده معمول شفع، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في يشفع أي يشفع مستقرا عنده وضعف بأن المعنى على يشفع إليه، وقويت الحال بأنه إذ لم يشفع من عنده وقريب منه فشفاعة غيره أبعد اهـ كرخي.","part":1,"page":313},{"id":317,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 314\rمن أمر الدنيا والآخرة وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ أن يعلمهم به منها بأخبار الرسل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قيل أحاط علمه بهما قوله: (أي الخلق) أي المعبر عنهم بما في قوله: ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. قوله:\rيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي ما هو حاضر مشاهد لهم وهو الدنيا وما فيها. وقوله: وَما خَلْفَهُمْ أي قدامهم وهو الآخرة وما فيها. فقوله: أي من أمر الدنيا والآخرة من قبيل اللف والنشر المرتب، ويصح أن يكون مشوشا وهو أن يكون ما بين أيديهم أمر الآخرة وما خلفهم أمر الدنيا، لأن الشخص مستقبل للآخرة مستدبر الدنيا اهـ من الكرخي مع زيادة.\rقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ يقال أحاط بالشيء أذا علمه وعلم وجوده وجنسه وقدره وحقيقته.\rوقوله: إِلَّا بِما شاءَ وهم الأنبياء والرسل، قال تعالى: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26] اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يعلمون شيئا من معلوماته) إشارة إلى أن العلم هنا بمعنى المعلوم، لأن علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا يتبعض، ومن ثم صح دخول التبعيض والاستثناء عليه، ومعلوم أن المفعول يسمى باسم المصدر كثيرا اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا بِما شاءَ متعلق بيحيطون ولا يضر تعلق هذين الحرفين المتحدين لفظا ومعنى بعامل واحد، لأن الثاني ومجروره بدل من شيء باعادة العامل بطريق الاستثناء كقولك: ما مررت بأحد إلا بزيد اهـ كرخي.\rقوله: (ان يعلمهم به منها) أشار به إلى أن مفعول شاء محذوف تقديره ما ذكره اهـ كرخي.\rقوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ يقال فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به، وأصل الكرسي في اللغة مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض. وفي العرف ما يجلس عليه سمي به لتركب خشبه بعضه على بعض، وفي المصباح: وتكرس فلان الحطب وغيره إذا جمعه ومنه الكراسة بالتثقيل اهـ.\rقوله: (قيل أحاط علمه بها وقيل ملكه) أي سلطانه إشارة إلى أن كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه مأخوذ من كرسي العالم، والملك أو هو تمثيل لعظمته وتمثيل مجرد كقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: 91] الآية من غير تصور قبضة وطى ويمين ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد، ولذا قال العلامة التفتازاني، إنه من باب إطلاق المركب الحسي المتوهم على المعنى العقلي المحقق اهـ كرخي.\rوفي القاموس ما يقتضي أن إطلاق الكرسي على العلم حقيقة، فحينئذ لا حاجة للتجوز المذكور ونصه: والكرسي بالضم والكسر السرير والعلم والجمع كراسي، وبلدة بطبرية جمع عيسى عليه الصلاة والسّلام الحواريين بها وأنفذهم الى النواحي اهـ.\rوفي القرطبي وقال ابن عباس: كرسيه علمه، ورجحه الطبري. وقيل: كرسيه قدرته التي يمسك","part":1,"page":314},{"id":318,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 315\rوقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته لحديث «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» وَلا يَؤُدُهُ يثقله حِفْظُهُما أي السموات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُ فوق بها السموات والأرض، كما تقول اجعل لهذا الحافظ كرسيا أي ما يعمده وهذا قريب من قول ابن عباس اهـ.\rقوله: (في الكرسي) أي في جوفه بالنسبة إليه، فالكرسي أكبر منها، وتحمله أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى، وتحت الأرض السفلى ملك على صورة أبي البشر آدم عليه السّلام، وهو يسأل الرزق والمطر لبني آدم من السنة إلى السنة، وملك على صورة الثور وهو يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة، وملك على صورة السبع وهو يسأل الرزق للوحوش من السنة إلى السنة، وملك على صورة النسر وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة. وفي بعض الأخبار أن بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، لو لا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش اهـ خازن.\rقوله: وَلا يَؤُدُهُ في في المصباح آده يؤده مأودا من باب قال، فأنا آد وزان انفعل أي ثقل به وآده أودا عطفه وحناه اهـ.\rقوله: (فوق خلقه بالقهر) أشار به إلى أن معنى العلو في وصف اللّه تعالى استحقاقه صفات المدح اهـ كرخي.\rفائدة: هذه الآية قد اشتملت على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية متصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجود لغيره. إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرا عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتبر به ما يعتري النفوس والأرواح. مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له عالم الأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن متعال عما يدركه الوهم، عظيم لا يحيط به الفهم، ولذا قال عليه الصلاة والسّلام: «إن أعظم آية في القرآن الكرسي من قرأها بعث اللّه ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة». وقال عليه الصلاة والسّلام: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها ألا صديق أو عابد من قرأها إذا أخذ من مضجعه أمنه اللّه على نفسه وجاره والأبيات حوله» اهـ بيضاوي.\rوعن ابي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* إلى الْمَصِيرُ [البقرة: 126] حفظ في يومه حتى يمسي، فإن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح، وروى ما قرئت آية الكرسي في دار إلا هجرته الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة. يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها». وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي رضي اللّه عنه: أين أنتم","part":1,"page":315},{"id":319,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 316\rخلقه بالقهر الْعَظِيمُ (255) الكبير\rلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ على الدخول فيه قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار أولاد أراد أن يكرههم على الإسلام فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ تمسك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى بالعقد المحكم لَا انْفِصامَ من آية الكرسي؟ قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا على سيد البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» اهـ خطيب.\rقوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قيل: إن هذه الآية إلى خالِدُونَ من بقية آية الكرسي، والتحقيق أن هذه الآية أعني لا اكراه في الدين مستأنفة جيء بها أثر بيان صفات الباري، المذكورة إيذانا بأن من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والاكراه على الدين، بل يختار الدين الحق من غير تردد اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ الخ تعليل لما قبله. قوله: (أن الإيمان رشد والكفر غي) أي والعاقل لا يختار الشقاوة على السعادة بعد تبينهما، وأصل الغي بمعنى الجهل إلا أن الجهل في الاعتقاد والغي في الأعمال اهـ كرخي.\rقوله: (فيمن كان له من الأنصار أولاد) وهو أبو الحصين من بني سالم بن عوف كان له ابنان فتنصرا قبل مبعث النبي ثم قدما المدينة في نفر من الأنصار يحملون الزيت فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فاختصموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال أبوهما: يا رسول اللّه أيدخل بعضي النار وأنا أنظر إليه؟ فنزلت الآية فخلى سبيلهما اهـ خازن.\rقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ إنما قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان باللّه، لأن الشخص ما لم يخالف الشيطان ويترك عبادة غيره تعالى لم يؤمن باللّه، والكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان كما قالوا أن التخلية مقدمة على التحلية اهـ كرخي.\rوالطاغوت بناء مبالغة كالجبروت والملكوت، واختلف فيه فقيل هو مصدر في الأصل، ولذلك يوجد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان، وهذا مذهب الفارسي، وقيل هو اسم جنس مفرد، فلذلك لزم الافراد والتذكير، وهذا مذهب سيبويه، وقيل هو جمع وقد يؤنث بدليل قوله تعالى:\rوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [الزمر: 17]. واشتقاقه من طغى يطغى أو من طغا يطغو على حسب ما تقدم أول السورة هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء، وعلى كلا التقدير فأصله طغيوت أو طغووت لقولهم طغيان فقبلت الكلمة بأن قدمت اللام وأخرت العين، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فقلبت الفا فوزنه الآن فعلوت وقيل تاؤه ليست زائدة، وإنما هي بدل من لام الكلمة فوزنه فاعول اهـ سمين.\rقوله: (و هو يطلق على المفرد والجمع) أي نظير فلك وليس المراد أنه في حال اطلاقه على الجمع يكون جمعا له مفرد من لفظه، بل المراد أنه يستعمل في الجمع ولفظه لفظ المفرد اهـ شيخنا.","part":1,"page":316},{"id":320,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 317\rانقطاع لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقال عَلِيمٌ (256) بما يفعل\rاللَّهُ وَلِيُ ناصر الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى قوله: (تمسك) أي فالسين والتاء زائدتان يعني ليستا للطلب والإفهام للمبالغة أي بالغ في التمسك اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى العروة في الأصل موضع شدّ اليد وأصله المادة تدل على التعلق، ومنه عروته إذا ألممت به متعلقا به واعتراه الهم تعلق به، والوثقى: فعلى للتفضيل تأنيث الأوفق كفضلى تأنيث الأفضل وجمعها على وثق نحو كبرى وكبر، وأما وثق بضمتين فجمع وثيق اهـ سمين.\rقوله: (بالعقد المحكم) العقد تفسير للعروة والمحكم تفسير للوثقى، ولو قال بالعقدة المحكمة لكان أظهر، والكلام إما من باب التمثيل مبني على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم وإما من باب الاستعارة المفردة حيث استعيرت العروة الوثقى للاعتقاد الحق اهـ أبو السعود.\rقوله: (لا انقطاع لها) أي لا زوال ولا هلاك، وأصل الانفصام الانكسار من غير بينونة، كما أن القصم هو الكسر بإبانة ونفي الأول يدل على انتفاء الثاني بالأولى، والجملة إما استئناف مقررة لما قبلها من وثاقة العروة، وإما حال من العروة والعامل استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ولها الخبر فيتعلق بحذوف أي كائن لها اهـ كرخي.\rقوله: عَلِيمٌ بما يفعل أي من العزائم والعقائد والجملة اعتراض تذييلي حامل على الايمان رادع عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد اهـ كرخي.\rقوله: يُخْرِجُهُمْ أي على سبيل الاستمرار وايضاحه أنه عبر في الآية بالمضارع لا بالماضي مع أن الاخراج قد وجد ومعلوم أن المضارع يدل على الاستمرار فيدل هنا على استمرار ما تضمنه الإخراج من اللّه تعالى في الزمن المستقبل في حق من ذكر اهـ كرخي.\rوالجملة خبر بعد خبر أو حال من المستكن في الخبر أو من الموصول أو منهما أو استئناف مبين ومقرر للولاية اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنَ الظُّلُماتِ أي التي هي أعم من ظلمات الكفر والمعاصي، ومن الظلمات في بعض مراتب العلوم الاستدلالية لما فيها من نوع ضعف وخفاء بالقياس إلى مراتبها الجليلة إلى النور الأعم من نور الإيمان ونور الإيقان بمراتبه، وافراد النور لوحدة الحق، وجمع الظلمات لتعدد فنون الضلال، وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ وأَوْلِياؤُهُمُ مبتدأ ثان والطَّاغُوتُ خبره، والجملة خبر الأول وتغير السبك حيث لم يقل والطاغوت ولي الذين كفروا للاحتراز عن وضع الطاغوت في مقابلة الاسم الجليل، وقوله: مِنَ النُّورِ أي الفطري أي الذي جبل عليه الناس كافة أو نور البينات التي يشاهدونها بتنزيل تمكنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها اهـ أبو السعود.\rوقوله: أي النور الفطري الخ جوابان غير جوابي الشارح اهـ.","part":1,"page":317},{"id":321,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 318\rالظُّلُماتِ ذكر الإخراج إما في مقابلة قوله يخرجهم من الظلمات أو في كل من آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257)\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَ جادل إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ل أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي حمله بطره بنعم اللّه على ذلك وهو نمروذ قوله: (ذكر الإخراج الخ) حاصل هذا الكلام جوابان عما يرد على قوله يخرجونهم الخ، وحاصله ان الذين كفروا لم يسبق لهم نور حتى يخرجوا منه. وحاصل الجواب الأول: أن ذكر الإخراج الثاني مشاكلة للأول مع تسليم أن المراد بالذين كفروا الذين لم يسبق لهم إيمان أصلا. وحاصل الجواب الثاني: أن المراد بهم من سبق لهم نور، ثم أخرجوا منه بالفعل، وهم الذين آمنوا بالنبي قبل البعثة، ثم كفروا به بعدها فتلخص أن الجواب الأول بالتسليم، والثاني بالمنع اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: ذكر الإخراج الخ جواب عن سؤال وهو كيف يخرج الكفار من النور، مع أنهم لم يكونوا في نور حاصل الجواب مع الإيضاح أنه إما للمقابلة، أو لأن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر كان نورا لهم وكفرهم به بعد ظهوره خروج منه إلى ظلمات الكفر، على أن الخروج يستعمل بمعنى المنع من الدخول فعصمة المؤمنين عن الدخول في الظلمات اخراج لهم منها اهـ.\rقوله: أُولئِكَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصاله بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح أَصْحابُ النَّارِ أي ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم هُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون أبدا اهـ أبو السعود.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخ استفهام تعجيب أي اعجب يا محمد من هذه القصة ومع ذلك فالهمزة لإنكار النفي وتقرير للمنفي أي ألم تنظروا وأ لم ينته علمك إلى هذا الطاغوت كيف تصدى لأضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات، وهذا استشهاد على ما ذكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير له، كما أن ما بعده وهو قوله: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [البقرة: 259] استشهاد على ولاية اللّه للمؤمنين وتقرير لها، وإنما بدأ بهذه الرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله، ولأن فيما بعده تعددا وتفصيلا اهـ أبو ابو السعود.\rقوله: إِلَى الَّذِي أي إلى قصة الذي حاج. قوله: فِي رَبِّهِ في الهاء قولان، أظهرهما: أنها تعود على إبراهيم، والثاني: أنها تعود على الذي، ومعنى حاجة اظهر المغالبة في احتجاجه اهـ سمين.\rقوله: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أشار بما قدره إلى أن آتاه اللّه مفعول من أجله على حذف حرف العلة وإنما قدر حرف الجر قبل أن لأن المفعول من أجله هنا نقص شرطا وهو عدم اتحاد الفاعل، وإنما حذفت اللام لأن حرف الجر يطرد حذفه معها ومع اهـ كرخي.\rقوله: (أي حمله بطرده الخ) تقرير لبيان معنى التعليل يعني كان أمره على عكس العادة إذ كان مقتضاها أن إيتاء اللّه الملك يتسبب عنه الشكر والانقياد، لكنه قد وضع المجادلة التي هي أقبح أنواع الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر، كما يقال عاديتني لأن احسنت إليك اهـ أبو السعود.\rوفي القاموس: البطر محركة النشاط والأشر، وقلة احتمال النعمة والدهش والحيرة والطغيان","part":1,"page":318},{"id":322,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 319\rإِذْ بدل من حاج قالَ إِبْراهِيمُ لما قال له من ربّك الذي تدعونا إليه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي بخلق الحياة والموت في الأجساد قالَ هو أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بالقتل والعفو عنه ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فلما رآه غبيا قالَ إِبْراهِيمُ منتقلا إلى حجة أوضح فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ تحير ودهش وَاللَّهُ لا بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية وفعل الكل كفرح وبطر الحق أن يتكبر عنده فلا يقلبه اهـ.\rقوله: (على ذلك) أي الجدال. قوله: (و هو نمروذ) أي ابن كنعان وكان ابن زنا وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض، وادعى الربوبية ملك الأرض كلها، وجملة من ملكها كلها أربعة اثنان مؤمنان، واثنان كافران، فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، والكافران نمروذ وبختنصر اهـ خازن.\rقوله: (و هو) أي الذي حاج نمروذ بضم النوم وبالذال المعجمة اهـ شهاب.\rقوله: (بدل من حاج) أي بدل اشتمال لأن وقت القول المذكور يشتمل على الحاجة وعلى غيرها لأنه أوسع منها اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ (هو) أَنَا أنا ضمير منفصل مرفوع والاسم منه أن والألف زائدة لبيان الحركة في الوقف، ولذلك حذفت وصلا، والصحيح أن فيه لغتين، أحداهما: لغة تميم وهي إثبات ألفه وصلا ووقفا. والثانية إثباتها وقفا وحذفها وصلا، وقيل: بل أنا كله ضمير وفيه لغات أنا وأن كلفظ وآن، وكأنه قدم الألف على النون، فصار آن مثل آن المراد به الزمان، وقالوا: آنه وهي هاء السكت لا بدل من الألف اهـ سمين.\rقوله: (بالقتل والعفو) لف ونشر مشوش. قوله: (غبيا) أي حيث لم يفهم معنى الكلام لأن معنى يحيي ويميت يخلق الحياة والموت، وما أجاب به اللعين ليس فيه خلق لهما كما هو ظاهر شيخنا.\rقوله: (منتقلا إلى حجة الخ) أي لما تمكن اللعين في المثال الأول من التمويه والتلبيس على العوام أتى له بمثال لا يمكنه فيه ذلك اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: (منتقلا إلى حجة) أي بعد تمام الأولى عند العارفين بالمعاني وصناعة المناظرة، وإن كانت بالنظر إلى العامة لم تتم لكن العبرة بالعارفين اهـ شيخنا.\rوعبارة الشهاب: لما كان العفو عن القتل ليس بإحياء، وكونه كذلك غني عن البيان أعرض إبراهيم عن إبطاله، وأتى بدليل آخر هو أظهر من الشمس، فلا يرد على من جعلهما دليلين أن الانتقال من دليل قبل إتمامه ودفع معارضته الخصم إلى دليل آخير غير لائق بالجدل، حتى يحتاج أن يقال إنه ليس بدليل بل مثال والانتقال من مثال إلى آخر لزيادة الإيضاح لا ضير فيه اهـ.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ الجملة مقول القول، والفاء في جواب شرط مقدر أي إن كنت قادرا كمقدرة اللّه فإن اللّه الخ اهـ شيخنا.","part":1,"page":319},{"id":323,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 320\rيَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) بالكفر إلى حجة\rأَوْ رأيت كَالَّذِي الكاف زائدة مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هي بيت المقدس راكبا على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير وهو عزير وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة وعبارة السمين، وقال أبو البقاء: ودخلت الفاء إذانا بتعلق هذا الكلام بما قبله والمعنى إذا ادعيت الاحياء والإماتة ولم تفهم، فالحجة أن اللّه يأتي، هذا المعنى، والباء في بالشمس تقول أتت الشمس وأتى اللّه بها أي أوجدها اهـ.\rقوله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ هذا الفعل من جملة الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمفعول، والمعنى فيها على البناء للفاعل، فلذلك فسره الشارح بقوله أي تحير ودهش، فالذي كفر فاعل لا نائب فاعل، وفي القاموس: والبهت الانقطاع والحيرة، وفعلهما كعلم ونصر وكرم وزهى وهو مبهوت لا باهت ولا باهيت اهـ.\rقوله: (إلى محجة الاحتجاج) إلى طريق ومنهج وسبيل الاستدلال أي يرشدهم إلى حجة يدحضون بها حجة أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة اهـ شيخنا.\rوفي المختار والمحجة بفتحتين جادة الطريق اهـ.\rقوله: أَوْ (رأيت) كَالَّذِي أشار بهذا إلى أن كالذي معمول لمحذوف يدل عليه السياق، وبه قال بعضهم. لكن من قال به يجعل الكاف اسما بمعنى مثل لا زائدة، وقوله الكاف زائدة قول آخر المعربين، وعليه لا يكون في الكلام حذف عامل، بل يكون مدخولها معطوفا على الموصول السابق عطف مفردات فلفق الشارح بين القولين على وجه أوجب صعوبة الفهم. وعبارة البيضاوي أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ تقديره أو أرأيت مثل الذي فحذف الدلالة ألم تر عليه وتخصيصه بحرف التشبيه دون المعطوف عليه، لأن المنكر للاحياء كثير، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية.\rوقيل: الكاف مزيدة وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية انتهت.\rقوله: تقديره أو أرأيت الخ. قال التفتازاني: تقرير هذا أن كلا من لفظ: ألم تر، وأ رأيت مستعمل لقصد التعجيب، إلا أن الأول تعلق بالمتعجب منه، فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى انظر إليه فتعجب من ماله، والثاني بمثل التعجب منه، فيقال: أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح، ألم تر إلى مثله إذ يصير التقدير انظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع، فلذا لم يستقم عطف كالذي مرّ على الذي حاج، واحتيج إلى التأويل في المعطوف يجعله متعلقا بمحذوف أي أرأيت الخ أو في المعطوف عليه نظرا إلى أنه في معنى: أرأيت كالذي حاج فيصح العطف عليه حينئذ اهـ بحروفه.\rوعبارة أبي السعود: والكاف إما اسمية كما اختاره قوم جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، كقولك الفعل الماضي مثل نصر. وإما زائدة كما ارتضاه آخرون، والمعنى أو ألم تر إلى الذي مر على قرية كيف هداه اللّه، وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود. أي قد رأيت ذلك وشاهدته انتهت.\rقوله: (هي بيت المقدس) وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف، وقيل غيرهما اهـ بيضاوي.","part":1,"page":320},{"id":324,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 321\rعَلى عُرُوشِها سقوفها لما خربها بختنصر قالَ أَنَّى كيف يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها استعظاما قوله: (و معه سلة تين) في المصباح السلة بالفتح وعاء تحمل فيه الفاكهة والجمع سلات مثل حبة وحبات اهـ.\rقوله: (و هو عزير) هو ابن شرخيا. وقيل: المار هو الخضر. وقيل: شخص كافر بالبعث اهـ بيضاوي.\rقوله: وَهِيَ خاوِيَةٌ في المصباح: خوت الدار تخوي من باب ضرب خويا خلت من أهلها أو سقطت، وخواء أيضا بالفتح والمد، وخويت خوى من تعب لغة اهـ.\rوجملة وهي خاوية في محل الحال من فاعل مر، والواو رابطة بين الجملة الحالية وبين صاحبها والإتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود إليه يضعف كونها حالا من قرية كونها نكرة اهـ سمين.\rقوله: عَلى عُرُوشِها بأن سقطت السقوف أولا ثم الأبنية اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: والعروش جمع عرش وهو سقف البيت وكذلك كل ما هيّىء ليستظل به، وقيل:\rهو البنيان نفسه اهـ.\rقوله: (لما خربها بختنصر) وذلك أن بني إسرائيل لما بلغوا في الفساد سلط اللّه عليهم بختنصر البابلي، فسار إليهم في ستمائة ألف راية، فخرب بيت المقدس وجعل بني إسرائيل أثلاثا: ثلث قتله، وثلث أقره بالشام، وثلث سباه، وكان هذا الثلث مائة ألف، فقسمه بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل ملك أربعة اهـ أبو السعود.\rوهو بضم الباء وسكون الخاء المعجمة والتاء المثناة معناه ابن ونصر بضم النون وتشديد الصاد المهملة وبالراء المهملة اسم صنم وهو علم أعجمي مركب. قال في القاموس: كان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب، فنسب إليه قيل إنه ملك الأقاليم، وقال ابن قتيبة: لا أصل لملكه لها اهـ شهاب.\rمن سورة الإسراء: وكان بختنصر عاملا لكهراسف على بابل اهـ بيضاوي.\rمن سورة الإسراء: وكهراسف ملك ذلك العصر وبابل مملكة معروفة اهـ.\rقوله: قالَ أَنَّى يُحْيِي الخ في أني وجهان، أحدهما: أن تكون بمعنى متى. قال أبو البقاء:\rفتكون ظرفا. والثاني أنها بمعنى كيف، فتكون حالا من هذه. وعلى كلا القولين فالعامل فيها يحيي وبعده أيضا معموله له اهـ سمين.\rوإحياء القرية وإماتتها إما بمعنى عمارتها وخرابها أو أنه على حد، وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:\r82] اهـ شهاب.\rوعبارة السمين: والإحياء والإماتة مجازان أريد بهما العمارة والخراب أو حقيقة أن قدرتا مضافا أي أنى يحيي أهل هذه القرية بعد موت أهلها، ويجوز أن تكون هذه إشارة إلى عظام أهل هذه القرية البالية وجثثهم المتمزقة دل على ذلك السياق اهـ.\rقوله: (استعظاما لقدرته تعالى) أي لا شكا فيها، وعبارة الخازن قال: ذلك تعجبا من قدرة اللّه","part":1,"page":321},{"id":325,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 322\rلقدرته تعالى فَأَماتَهُ اللَّهُ وألبثه مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ أحياه ليريه كيفية ذلك قالَ تعالى له كَمْ لَبِثْتَ مكثت هنا قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأنه نام أول النهار فقبض وأحيي عند الغروب فظن أنه يوم النوم قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ التين وَشَرابِكَ العصير تعالى على إحيائهم. وعبارة أبي السعود: قال ذلك تلهفا عليها وتشوقا إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها اهـ.\rوعبارة البيضاوي: قال ذلك اعترافا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء واستعظاما لقدرة المحيي اهـ.\rوسبب قول العزير ما ذكر وتوجعه على تلك القرية أنه كان من أهلها من جملة من سباهم بختنصر، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة وكان راكبا على حمار دخلها وطاف بها، فلم ير أحدا فيها، وكان إذ ذاك غالب أشجارها حاملا، فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق أو ركوة، ثم ربط حماره بحبل قوي وثيق وألقى تعالى عليه النوم، فلما نام نزع اللّه منه الروح، وأمات حماره وبقي عصيره وتينه عنده وذلك ضحى، ومنع لحمه من السباع والطير. فلما مضى من وقت موته سبعون سنة سلط اللّه ملكا من ملوك فارس فسار بجنوده حتى أتى بيت المقدس، فعمروه وصار أحسن مما كان، ورد اللّه تعالى من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس ونواحيه فعمروها ثلاثين سنة وكثروا كأحسن ما كانوا، وأعمى اللّه العيون عن العزير هذه المدة، فلم يره أحد، فلما مضت المائة أحيا اللّه تعالى منه عينيه وسائر جسده ميت، ثم أحيا اللّه تعالى جسده وهو ينظر ثم نظر إلى حماره وعظامه تلوح بيض متفرقة إلى آخر ما في القصة اهـ من الخازن.\rقوله: (و ألبثه) قدره ليكون عاملا في قوله مائة عام، وذلك لأن الإماتة سلب الحياة وهو لا يمتد اهـ. والعام من العوام وهو السباحة سميت السنة عاما لأن الشمس تعوم في جميع بروجها اهـ خازن.\rقوله: ثُمَّ بَعَثَهُ أحياه أي بعد الموت مأخوذ من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها اهـ خازن.\rوإيثار البعث على الاحياء للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على الباري تعالى كأنه بعثه من النوم، وللايذان بأنه عاد كهيئته يوم موته عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ كَمْ لَبِثْتَ استئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا قال له بعد بعثه؟ فقيل: قال كم لبثت؟ اهـ أبو السعود.\rوكم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف تقديره كم يوما أو وقتا والناصب له لبثت، والجملة في محل نصب بالقول، والظاهر أن أو في قوله: يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ بمعنى بل التي للإضراب وهو قول ثابت، وقيل هي للشك. وقوله: قالَ بَلْ لَبِثْتَ عطفت، بل هذه الجملة على جملة محذوفة تقديرها ما لبثت يوما أو بعض يوم، بل لبثت مائة عام. وقرأ عاصم، ونافع، وابن كثير بإظهار التاء في جميع القرآن والباقون بالإدغام اهـ سمين.\rقوله: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ أي لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا ووجه ربط هذه الجملة بالفاء أن","part":1,"page":322},{"id":326,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 323\rلَمْ يَتَسَنَّهْ يتغير مع طول الزمان والهاء قيل أصل من سانهت وقيل للسكت من سانيت وفي قراءة بحذفها وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض تلوح، فعلنا ذلك لتعلم وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً على البعث لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ من حمارك كَيْفَ نُنْشِزُها هنا شرطا مقدرا تقديره إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر الخ اهـ كرخي.\rقوله: لَمْ يَتَسَنَّهْ هذه الجملة في محل نصب على الحال فإن قيل: قد تقدم شيئان وهما طعامك وشرابك ولم يعد الضمير إلا مفردا ويجاب على ذلك بجوابين، أحدهما: أنهما لما كانا متلازمين بمعنى أن أحدهما لا يكتفي به بدون الآخر صارا بمنزلة شيء واحد، فكأنه قال: فانظر إلى غذائك. الثاني: إن الضمير يعود إلى الشراب فقط، لأنه أقرب مذكور، وثم جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها والتقدير، وانظر إلى طعامك لم يتسنه وإلى شرابك لم يتسنه اهـ سمين.\rقوله: لَمْ يَتَسَنَّهْ مشتق من السنة أي لم تمر عليه السنون، والمعنى على التشبيه أي كأنه لم تمر عليه المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره. وقوله: (و الهاء قيل أصل) هذا مبني على أن لام السنة هاء، وعلى هذا فالفعل مجزوم بسكونها، وعلى هذا فهي ثابتة وصلا ووقفا وقوله: (و قيل للسكت) مبني على أن لام السنة واو على هذا القول يكون الفعل مجزوما بحذف حرف العلة وتثبت الهاء في الوقف لا في الوصل وهي قراءة حمزة والكسائي فقوله: (و في قراءة) أي سبعية بحذفها فيه تسمع لإيهامه أن هذه قراءة مستقلة مع أنها بقية قراءة حمزة والكسائي لما عرفت أنها عندهما تثبت وقفا وتحذف وصلا، فقوله: (بحذفها) أي في الوصل فقط مع ثبوتها في الوقف، لأن هذا شأن هاء السكت. هذا ويصح أن يكون هذا الفعل مشتقا من التسنن الذي هو التغير وأصله لم يتسنن مأخوذ من الحمأ المسنون، فأبدت النون الثالثة حرف علة، وعلى هذا يجب أن تكون الهاء للسكت لا غير، تأمل. وعبارة البيضاوي: واشتقاقه من السنة والهاء أصلية إن قدرت لام السنة هاء وهاء السكت إن قدرت واوا وقيل لم يتسنن من الحمأ المسنون فأبدلت النون الثالثة حرف علة اهـ.\rقوله: (مع طول الزمان) أي مع أن شأنه التغير سريعا. قوله: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ أي كيف تفرقت عظامه أي انظر إليه لتعلم أنه مات وتقطعت أوصاله، وقوله: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ أي لتشاهد كيفية الإحياء، فالنظران مختلفان. قوله: (تلوح) أي تلمع من طول الزمان عليها. قوله: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ معطوف على محذوف قدره الشارح بقوله تعلم أي لتعلم كيفية إحياء الأموات أو لتعلم تمام قدرتنا على إحياء الموتى وغيره، وهذا المعطوف عليه المحذوف متعلق بفعل آخر محذوف دل عليه السياق، وهو ما ذكره المفسر بقوله فعلنا ذلك. وعبارة أبي السعود: ولنجعلك آية للناس عطف على مقدر متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق أي فعلنا ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتعاين ما استبعدته من الاحياء بعد دهر طويل ولنجعلك آية للناس، انتهت.\rقوله: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ أي لتشاهد كيفية الاحياء في غيرك بعدما شاهدتها في نفسك اهـ أبو السعود.\rقوله: كَيْفَ نُنْشِزُها كيف في محل نصب على الحال، والعامل فيها ننشرها، وصاحب الحال","part":1,"page":323},{"id":327,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 324\rنحييها بضم النون وقرئ بفتحها من أنشز ونشز لغتان وفي قراءة بضمها والزاي نحركها ونرفعها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما ونفخ فيه الروح ونهق فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذلك بالمشاهدة قالَ أَعْلَمُ علم مشاهدة أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) وفي قراءة اعلم، الضمير المنصوب في ننشزها ولا يعمل في هذه الحال انظر إذ الاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله، هذاهو القول في هذه المسألة ونظائرها، والذي يقتضيه النظر الصحيح في هذه المسألة وأمثالها أن تكون جملة كيف ننشرها بدلا من العظام، فتكون في محل جر أو نصب، وذلك أن نظر البصرية تتعدى بإلى، ويجوز فيها التعليق كقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الإسراء: 21]، لأن ما يتعدى بحرف الجر وعلق يكون ما بعده في محل نصب به، ولا بد من حذف مضاف لتصح البدلية والتقدير إلى حال العظام اهـ سمين.\rقوله: (نحييها) هذا التفسير لا يلتئم مع قوله ثم نكسوها لحما، فإن الإحياء بعده لا قبله ويمكن أن يراد بالإحياء جمعها وضم بعضها إلى بعض الذي هو معنى قراءة الزاي المعجمة وقوله وقرئ بفتحها أي شاذا وقوله: من أنشر ونشر لف ونشر مرتب، وقوله: (و نرفعها) أي نرفعها عن الأرض لتركيب بعضها مع بعض، ونردها إلى أماكنها من الجسد فنركبها تركيبا لائقا بها. قال أبو السعود بعد هذا التفسير لقراءة الزاي المعجمة: ولعل من فسّره بنحييها أراد بالإحياء هذا المعنى، وكذا من قرأ ننشرها بالراء من نشر اللّه تعالى الموتى أي أحياها لا معناه الحقيقي لقوله: ثم نكسوها لحما، أي نسترها به كما يستر الجسد باللباس، ولعل عدم التعرض لنفخ الروح لما أن الحكمة لا تقتضي بيانه.\rروي أنه نودي أيتها العظام البالية إن شاء اللّه يأمرك أن تجتمعي فاجتمع كل جزء من أجزائها التي ذهب بها الطير والسباع، وطارت بها الرياح فانضم بعضها إلى بعض والتصق كل عضو بما يليق به الضلع بالضلع، والذراع بمحلها، والرأس بموضعها، ثم الأعصاب والعروق، ثم انبسط عليه اللحم ثم الجلد ثم خرجت منه الشعور، ثم نفخ فيه الروح، فقام ينهق اهـ بحروفه.\rوروي أن اللّه بعث ملكا فأقبل حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام حيا بإذن اللّه تعالى اهـ خازن.\rقوله: (و نهق) في القاموس نهق الحمار كسمع وضرب نهيقا ونهاقا صوت اهـ.\rوفي المختار: نهاق الحمار صوته، وقد نهق ينهق بالكسر نهيقا وينهق بالضم نهاقا بضم النون اهـ.\rقوله: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الفاء عاطفة على مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل، فأنشرها اللّه تعالى وكساها لحما فنظر إليها فتبين له كيفية الإحياء، فلما تبين له أي اتضح اتضاحا تاما اهـ من أبو السعود.\rوفاعل تبين ضمير مستكن في الفعل يعود على كيفية الإحياء، فقول الجلال ذلك أي كيفية إحياء الموتى، وعبارة السمين: وفي فاعل تبين قولان، أحدهما: مضمر يفسره سياق الكلام تقديره: فلما تبين له كيفية الإحياء التي استغربها، وقدره الزمخشري فلما تبين له ما أشكل عليه يعني من أمر إحياء الموتى. والأول أولى لأن قوة الكلام تدل عليها بخلاف الثاني. والثاني وبه بدأ الزمخشري أن تكون","part":1,"page":324},{"id":328,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 325\rأمر من اللّه له\rوَاذكر وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ المسألة من باب الأعمال يعني أن تبين يطلب فاعلا، واعلم يطلب مفعولا، وأن اللّه على كل شيء قدير يصلح أن يكون فاعلا لتبين ومفعولا لأعلم، فصارت المسألة من التنازع وهذا نصه، قال: وفاعل تبين مضمر تقديره فلما تبين له أن اللّه على كل شيء قدير قال: أعلم أن اللّه على كل شيء قدير، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قولهم ضربني وضربت زيدا، فجعله من باب التنازع كما ترى، وجعله من إعمال الثاني، وهو المختار عند البصريين فلما أعمل الثاني أضمر في الأول فاعلا اهـ.\rقوله: (علم مشاهدة) أي بعد العلم اليقيني الحاصل بالفطرة والأدلة العقلية اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية وقوله: (أمر من اللّه له) أي بأن يتيقن ويعلم علم مشاهدة بعد أن كان عالما علما عقليا، فالأمر من علم الثلاثي وهمزته للوصل فتسقط في الدرج، وفاعل قال على هذه القراءة يعود على اللّه تعالى وعلى التي قبلها، وهي أن الفعل مضارع مبدوء بهمزة التكلم يكون فاعل قال ضميرا يعود على العزير، تأمل.\rروي أن العزير لما أحيى ورأسه ولحيته إذ ذاك سوداوان، وهو ابن أربعين سنة ركب حماره وأتى محلته، فأنكره الناس وأنكر هو الناس والمنازل، فانطلق وهو معه حتى أتى منزله، فإذاهو بعجوز عمياء مقعدة قد أدركت زمن عزير، فقال لها عزير: هذا منزل عزير؟ قالت: نعم. وأين عزير قد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا. قال: فإني عزير. قالت: سبحان اللّه أنى يكون ذلك؟ قال: قد أماتني اللّه مائة عام، ثم بعثني. قالت: إن عزيرا كان رجلا مجاب الدعوة فادع اللّه لي يرد علي بصري حتى أراك، فدعا ربه ومسح بين عينيها فصحتا، فأخذ بيدها فقال لها: قومي بإذن اللّه تعالى، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت إليه فقالت: أشهد أنك عزير، فانطلقت به إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم، وكان في المجلس ابن لعزير قد بلغ مائة وثماني عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ، فنادت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت: انظروا فإني بدعائه رجعت إلى هذا الحالة، فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه مثل الهلال، فكشف فإذاهو كذلك، وقد كان قد قتل بختنصر ببيت المقدس ممن قرأ التوراة أربعين ألف رجل، ولم يكن يومئذ بينهم نسخة من التوراة ولا أحد يعرف التوراة، فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخل منها بحرف، فقال رجل من أولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد هلاك بختنصر: حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم، فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم، فذهبوا إلى كرم جده ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر القلب، فما اختلفا في حرف واحد، فعند ذلك قالواهو ابن اللّه، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ دليل آخر على ولاية اللّه تعالى للمؤمنين، وإنما لم يسلك به مسلك الاستشهاد كالذي قبله بأن يقال، أو كالذي قال رب أرني الخ لسبق ذكر إبراهيم في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [البقرة: 258] ولأنه لا دخل لنفس إبراهيم في هذا الدليل، فإن الإحياء متعلق بغيره فقط وفيما سبق متعلق بنفس العزير وغيره اهـ أبو السعود.\rواختلف في سبب هذا السؤال من إبراهيم فقيل: إنه مر على دابة ميتة وهي جيفة حمار، وقيل","part":1,"page":325},{"id":329,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 326\rبقدرتي على الاحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضه قالَ كانت حوتا ميتا، وقيل كان رجلا ميتا بساحل البحر قيل بحر طبرية، فرآها وقد توزعتها دواب البر والبحر، فإذا مد البحر جاءت الحيتان فأكلت منها، وإذا انحسر البحر جاءت السباع فأكلت منها، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها وقال: يا رب إني علمت أنك تجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف الدواب فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينا. فعاتبه اللّه تعالى بقوله: قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ يعني أولم تصدق؟ قال: بلى يا رب قد علمت وآمنت ولكن ليطمئن قلبي، أي ليسكن قلبي عند المعاينة. أراد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أن يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة، وقيل لما رأى الجيفة وقد تناولتها السباع والطير ودواب البحر تفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن إبراهيم عليه السّلام شاكا في إحياء اللّه الموتى ولا دافعا له، ولكنه أحب أن يرى ذلك عيانا كما أن المؤمنين يحبون أن يروا نبيهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ويحبون رؤية اللّه والجنة ويطلبونه ويسألونه في دعائهم مع الإيمان بصحة ذلك وزوال الشك عنهم، فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عيانا. وقيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما اجتمع على نمروذ، فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، فقال نمروذ: أنا أحيي وأميت، فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر، فقال إبراهيم: إن اللّه تعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه، فقال له نمروذ: أنت عاينته؟ فلم يقدر إبراهيم أن يقول نعم، فانتقل إلى حجة أخرى. ثم سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي، فإذا قيل أنت عاينته؟ فأقول: نعم اهـ خازن.\rقوله: رَبِّ أَرِنِي بصرية متعدية لواحد وبدخول همزة النقل عليها طلبت مفعولا آخر هو جملة الاستفهام اهـ أبو السعود.\rوأصل أرني أرئيني بوزن أكرمني، فحذفت الياء الأولى لأن الأمر كالمضارع في الحذف، فصال أرئني ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة فصار أرني بوزن افني، فإنه حذف منه عينه وهي الهمزة ولامه وهي الياء اهـ.\rقوله: قالَ تعالى له أي تقريرا أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي أتسأل ولم تؤمن اهـ كرخي.\rقوله: (سأله) أي سأل اللّه تعالى إبراهيم بقوله: أو لم تؤمن، وقوله مع علمه أي علم اللّه تعالى بإيمانه أي إيمان إبراهيم بذلك أي بقدرة اللّه على الإحياء، وقوله ليجيبه أي ليجيب إبراهيم ربه، وقوله بما سأل أي بالذي سأل اللّه إبراهيم عنه، وهو إيمانه بقدرة اللّه تعالى حيث قال له: أولم تؤمن؟ ولهذا أجابه إبراهيم بقوله: بلى، فإن هذا جواب بإيمانه الذي سأله اللّه تعالى عنه، وقوله فليعلم السامعون غرضه أي غرض إبراهيم في سؤاله بقوله رب أرني الخ أي ليعلموا أن غرضه استكشاف واستعلام كيفية الإحياء، وأنه لا شك عنده في الإيمان بقدرة اللّه تعالى عليه. وعبارة أبي السعود قاله عز وجل وهو أعلم بأنه عليه السّلام أثبت الناس إيمانا وأقواهم يقينا ليجيب بما أجاب به، فيكون ذلك لطفا بالسامعين، انتهت.","part":1,"page":326},{"id":330,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 327\rبَلى آمنت وَلكِنْ سألتك لِيَطْمَئِنَ يسكن قَلْبِي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بكسر الصاد وضمها أملهن إليك وقطعهن واخلط لحمهن قوله: قالَ بَلى (آمنت) أي فبلى هنا أثبتت الإيمان المنفي وأبطت النفي. ولو كان الجواب بنعم لكان كفرا.\rقوله: قالَ بَلى (آمنت) أي فبلى هنا أثبتت الإيمان المنفي وأبطلت النفي، ولو كان الجواب بنعم لكان كفرا، لأن نعم لتصديق الخبر بنفي أو إثبات اهـ كرخي.\rقوله: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَ اللام لام كي فالفعل منصوب بعدها بإضمار أن واللام متعلقة بمحذوف بعد لكن تقديره، ولكن سألتك كيفية الإحياء للاطمئنان، ولا بد من تقدير حذف آخر قبل لكن حتى يصح معه الاستدراك، والتقدير بلى آمنت وما سألت غير مؤمن، ولكن سألت ليطمئن قلبي والطمأنينة السكون. قوله: (يسكن) أي عن الاضطراب الحاصل فيه من تشوف رؤية الكيفية وانتظارها. فإن الانتظار يورث القلق والاضطراب، وقوله بالمعاينة أي بسببها، فإنها إذا حصلت فيه زال قلقه وانتظاره فسكن اهـ.\rقوله: (المضمومة) أفاد أن علمه الاستدلالي الذي كان حاصلا لم يكن ناقصا ولم يزد قوة وإنما حصل له علم آخر شيء من المشاهدة انضم لما كان حاصلا عنده اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال أي ليطمئن قلبي عيانا كما اطمأن برهانا فبالمشاهدة يحصل اطمئنان لا يكون مع العمل اليقيني لما فيه من الإحساس الذي قلما يقع فيه اهـ.\rقوله: قالَ فَخُذْ الفاء جواب شرط في محذوف أي إن أردت ذلك فخذ اهـ كرخي.\rوقوله: مِنَ الطَّيْرِ في متعلقة قولان، أحدهما: أنه محذوف لوقوع الجار صفة لأربعة تقديره أربعة كائنة من الطير. والثاني أنه متعلق بخذ أي خذ من الطير والطير اسم جمع كركب، وقيل: بل جمع طائر نحو تاجر وتجر، وهذا مذهب أبي الحسن. وقيل: بل هو مخفف من طير بالتشديد، كقولهم هين وميت في هين وميت. وقال أبو البقاء: هو في الأصل مصدر طار يطير، ثم سمي به هذا الجنس اهـ سمين.\rفإن قلت: لم خص الطير من بين الحيوان بهذا الحالة؟ قلت: لأن الطير صفته الطيران في السماء وكانت همة إبراهيم إلى جهة العلو والوصول إلى الملكوت، فكانت معجزته مشاكلة لهمته اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان شبها كتدوير الرأس، والمشي على الرجلين، واجمع لخواص الحيوان، لأن فيه ما في الحيوان مع زيادة كالطيران في السماء، والارتفاع في الهواء، والخليل عليه الصلاة والسّلام كانت همته إلى العلو والوصول إلى الملكوت، فجعلت معجزته مشاكلة همته، وفائدة التقييد بالأربعة في الطير وفي الأجبل بعده الجمع بين الطبائع الأربعة في الطير، وبين مهاب الريح من الجهات الأربع في الأجبل اهـ.\rقوله: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها وتخفيف الراء، واختلف في","part":1,"page":327},{"id":331,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 328\rوريشهن ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ من جبال أرضك مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَ إليك يَأْتِينَكَ سَعْياً سريعا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء حَكِيمٌ (260) في صنعه فأخذ طاووسا ونسرا وغرابا ذلك، فقيل القراءتان يحتمل أن يكونا بمعنى واحد، وذلك أنه يقال صاره يصوره ويصيره بمعنى قطعه أو أماله، فاللغتان لفظ مشترك بين هذين المعنيين، والقراءتان تحتملهما معا اهـ سمين.\rوفي المختار وصاره وأماله من باب قال وباع وقرئ، فصرهن إليك بضم الصاد وكسرها، وصار الشيء أيضا من البابين قطعه وفصله، فمن فسره بهذا جعل في الآية تقديما وتأخيرا فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن اهـ.\rقوله: (أملهن) تفسير للفعل على كل من القراءتين، وأمره بإمالتهن إليه أي تقريبهن منه ليتحقق أوصافهن حتى يعلم بعد الإحياء أنه لم ينتقل جزء منها عن موضعه الأول أصلا اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ قيل: كانت أربعة كل واحد في جهة من جهات إبراهيم، وقوله: جُزْءاً قيل: كانت الأجزاء أربعة على كل جبل جزء، وقيل: كانت الجبال سبعة والأجزاء كذلك اهـ خازن.\rثم يحتمل أن يكون اجعل بمعنى ألق فيتعدى لواحد وهو جزءا فعلى هذا يكون قوله على كل جبل، ومنهن متعلقين باجعل، ويحتمل أن يكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين، فيكون جزءا الأول، وعلى كل جبل هو الثاني، فيتعلق بمحذوف ومنهن يجوز أن يتعلق على هذا بمحذوف على أنه حال من جزءا لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها نصب حال اهـ سمين.\rقوله: ثُمَّ ادْعُهُنَ أي قل لهن تعالين بإذن اللّه تعالى اهـ.\rقوله: يَأْتِينَكَ جواب الأمر فهو في محل جزم، ولكنه بني لاتصاله بنون الإناث، وسعيا منصوب على المصدر النوعي لأنه نوع من الإتيان إذ هو إتيان بسرعة فكأنه قيل يأتينك إتيانا سريعا اهـ سمين.\rقوله: سَعْياً سريعا أي مشيا سريعا ولم تأت طائرة ليتحقق أن أرجلها سليمة في هذه الحالة اهـ خازن.\rقوله: حَكِيمٌ في صنعه فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية معجزا له عن إيجادها بطريق آخر خارق للعادة، بل لكونه متضمنا للحكم والمصالح اهـ أبو السعود.\rقوله: (فأخذ طاووسا الخ) فإن قلت: لم خصت هذه الأربعة؟ قلت: فيه إشارة إلى ما في الإنسان، ففي الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزهو والجاه، وفي النسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل، وفي الديك إشارة إلى شدة الشغف بحب النكاح، وفي الغراب إشارة إلى شدة الحرص، ففي هذه الأربعة مشابهة للإنسان في هذه الأوصاف، وفي الاقتصار عليه إشارة إلى أن الإنسان إذا ترك هذه الشهوات الذميمة لحق بأعلى الدرجات اهـ خازن.\rوإنما اقتصر في الآية على حكاية أوامره تعالى له من غير تعرض لامتثاله عليه السّلام، ولما ترتب","part":1,"page":328},{"id":332,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 329\rوديكا وفعل بهن ما ذكر وأمسك رؤوسهن عنده ودعاهن فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت ثم أقبلت إلى رؤوسها\rمَثَلُ صفة نفقات الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ فكذلك نفقاتهم تضاعف لسبعمائة ضعف وَاللَّهُ يُضاعِفُ أكثر من ذلك لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ (261) بمن يستحق المضاعفة عليه من عجائب آثار قدرته تعالى للإيذان بأن ترتب تلك الأمور على أوامره تعالى، واستحالة تخلفها عنها أمر جلي لا يحتاج إلى الذكر أصلا، وناهيك بالقصة دليلا على فضل الخليل وحسن الأدب في السؤال حيث أراه ما سأل في الحال، وأرى العزير ما أراه بعد إماتته مائة عام اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نسرا) بتثليث النون والفتح أفصح. قوله: (عنده) أي في يده، وعبارة القرطبي فأخذ هذه الطير حسبما أمره وذكاها، ثم قطعها قطعا صغارا وخلط لحوم البعض مع لحوم البعض ومع الدم والريش، حتى يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير بيده، ثم قال: تعالين بإذن اللّه تعالى، فتطايرت تلك الأجزاء الدم إلى الدم، والريش إلى الريش، حتى التأمت كما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فأتته سعيا على أرجلها، فكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر، وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه وطارت بإذن اللّه تعالى اهـ.\rقوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ الخ لا بد من تقدير مضاف في أحد الجانبين أي مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة اهـ أبو السعود. والشارح سلك الأول. قوله: (أي طاعته) المراد بها وجوه الخيرات الواجبة والمندوبة اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أي أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب في كل واحدة منها سنبلة اهـ شيخنا.\rقوله: فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وذلك مشاهد في الذرة والدخن، بل فيهما أكثر من ذلك اهـ أبو السعود.\rوقيل: المقصود من الآية أن الإنسان إذا علم أنه بذر حبة أخرجت له ما ذكر، فلا ينبغي له التقصير في ذلك، فكذلك ينبغي لطالب الأجر ألا يترك الإنفاق إذا علم أنه يحصل له بالواحدة سبعمائة اهـ خازن.\rوفي المصباح: وسنبل الزرع فنعل بضم الفاء والعين، والواحدة سنبلة، والسبل مثله الواحدة سبلة مثل قصب قصبة وسنبل الزرع أخرج سنبله وأسبل بالألف أخرج سبله اهـ.\rقوله: مِائَةُ حَبَّةٍ فاعل بالجار، لأنه قد اعتمد إذ وقع صفة لسنابل أو مبتدأ والجار قبله خبره، والوجه الأول أولى لأن الأصل الوصف بالمفردات دون الجمل اهـ كرخي.\rقوله: (أكثر من ذلك) أي أكثر من السبعمائة لمن يشاء أي لا لكل الناس، فالزيادة على السبعمائة لبعض الناس بخلاف السبعمائة، فإنها لكل منفق، وقيل: المراد واللّه يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء","part":1,"page":329},{"id":333,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 330\rالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا على المنفق عليه بقولهم مثلا قد أي لبعض الناس لا لكلهم فالسبعمائة غير مطردة على هذا، ل المطرد التضعيف إلى عشرة فقط اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: (أكثر من ذلك) أي فأقل الضعف هو المثل وأكثره غير محصور قاله الأزهري. وفي الحديث: «رب زد أمتي»، فنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [البقرة: 245 والحديد:\r11] الآية، وفيه أيضا: «رب زد أمتي»، فنزل إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: 10] وأضاف القرض لنفسه لئلا يصير للغني على الفقير منّة، وفي كلامه إشارة إلى أنه ترك المفعول به، ولكن مع إرادة خصوصية المفعول المطلق، انتهت.\rقوله: عَلِيمٌ (بمن يستحق المضاعفة) أي الزائدة على السبعمائة فيستحقها بأمور كتمام إخلاصه وتحري الحلال في نفقته اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الخ هذا تقييد لما قبله أي أن المضاعفة المذكورة مشروطة بعدم المن والأذى اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف. أما عثمان: فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف عير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن سمرة:\rجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول:\r«ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم»، فأنزل اللّه الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وأما عبد الرحمن: فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة آلاف وأخرجت أربعة آلاف لربي عز وجل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت»، والمعنى الذين يعينون المجاهدين في سبيل اللّه بالإنفاق عليهم في حوائجهم ومؤنتهم، انتهت.\rقوله: ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ثم للتراخي في الزمان نظرا للغالب من أن وقع المن والأذى يكون بعد الإنفاق بمدة، وقيل: المراد التراخي في الرتبة وإن رتبة عدمهما أعظم في الأجر من رتبة الإنفاق اهـ شيخنا.\rقوله: مَنًّا (على المتفق عليه) قدره إشارة إلى أن في الكلام حذفا، وإنما قدم المن لكثرة وقوعه وتوسيط كلمه لا للدلالة على شمول النفي باتباع كل واحد منهما، وثم لإظهار علو رتبة المعطوف.\rفإن قيل: كيف مدح المنفقين بترك المن، وقد وصف اللّه تعالى نفسه بالمن، كما في قوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: 164]. فالجواب: أن المنّ يقال للإعطاء، وللاعتداد بالنعمة واستعظامها، والمراد في الآية المعنى الثاني.\rفإن قلت: من المعنى الثاني وقوله: بل اللّه يمن عليكم أن هداكم للإيمان، قلنا: ذلك اعتداد نعمة الإيمان، فلا يكون قبيحا بخلاف نعمة المال على أنه يجوز أن يكون من صفات اللّه تعالى ما هو","part":1,"page":330},{"id":334,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 331\rأحسنت إليه وجبرت حاله وَلا أَذىً له بذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ونحوه لَهُمْ أَجْرُهُمْ ثوب إنفاقهم عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) في الآخرة\r* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن ورد على السائل جميل وَمَغْفِرَةٌ له في إلحاحه خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً بالمن ممدوح في حقه ذم في حق العبد كالجبار والمتكبر والمنتقم اهـ كرخي.\rقوله: وَلا أَذىً له أي المنفق عليه، وقوله: (بذكر ذلك) أي القول المذكور وقوله ونحوه أي نحو القول المذكور كالعبوس في وجهه والدعاء عليه اهـ شيخنا.\rقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ أي في الآخرة فقول الشارح في الآخرة رواجع لهذا وما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: (ثواب إنفاقهم) أي الثواب المضاعف إلى السبعمائة أو أزيد منها اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: ثواب إنفاقهم أي حسبما وعدلهم في ضمن التمثيل، وهو جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرا عن الموصول وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله عند ربهم من التأكيد والتشريف ما لا يخفى، وإخلاء الخبر من الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن ترتب الأجر على ما ذكر من الإنفاق، وترك اتباع المن والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية، وأما إبهام أنهم أهل لذلك، وإن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا فيأباه مقام الترغيب في الفعل والحث عليه، انتهت.\rقوله: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قول: مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها والعطف عليها ومغفرة عطف عليه، وسوغ الابتداء بها العطف أو الصفة المقدرة. إذ التقدير ومغفرة من السائل أو من اللّه، وخير خبر عنهما.\rوقوله: (يتبعها أذى) في محل جر صفة لصدقة، ولم يعد ذكر المن فيقول يتبعها منّ وأذى لأن الأذى يشمل المنّ وغيره، وإنما ذكر بالتنصيص في قوله لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لكثرة وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم منه، ولذلك قدم على الأذى اهـ سمين.\rقوله: (كلام حسن) كلام تفسير لقول وحسن تفسير لمعروف، وكذا قوله ورد جميل، والمراد القول من المسؤول اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: قول معروف أي كلام جميل تقبله القلوب، ولا تنكره يرد به السائل من غير اعطاء شيء اهـ.\rقوله: وَمَغْفِرَةٌ (له في إلحاحه) أي تستر لما وقع من السائل من الإلحاح في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه اهـ أبو السعود.\r4 قوله: خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ أي خير للمسؤول من صدقة اهـ شيخنا.\rوهذا يقتضي أن صدقته المذكورة فيها خير، وهو يخالف ظاهر قوله الآتي: فمثله كمثل صفوان الخ، ولذلك قال أبو السعود: خير للسائل من صدقة الخ أي لكونها مشوبة بضرر، والقول المعروف خالص منه، واعتبار الخيرية بالنسبة للمسؤول يؤدي إلى أن يكون في الصدقة الموصوفة بما ذكر خير مع أنها باطلة بالمرة اهـ.","part":1,"page":331},{"id":335,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 332\rوتعيير له بالسؤال وَاللَّهُ غَنِيٌ عن صدقة العباد حَلِيمٌ (263) بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ أي أجورها بِالْمَنِّ وَالْأَذى إبطالا كَالَّذِي أي كإبطال نفقة الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ أي مرائيا لهم وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو المنافق فَمَثَلُهُ قوله: يَتْبَعُها أَذىً بالمن الخ. أشار بهذا التفسير إلى أن الأذى هنا شامل للمن وغيره، فليس فيما هنا قصور عن قوله فيما سبق، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منآ ولا أذى اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ غَنِيٌ (عن صدقة العباد) أي فلا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤنة المن والأذى، ويرزقهم من جهة أخرى حَلِيمٌ بتأخير العقوبة عن المان أي لا يعاجلهم بها لا أنهم لا يستحقونها بسببهما والجملة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعا اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ الخ اختلف العلماء في تلك المسألة على أقوال ثلاثة، فقال بعضهم: إذا فعل ذلك أي المان فلا أجر لها في نفقته، وعليه وزر فيما منّ على الفقير.\rوقال بعضهم: ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه. وقال بعضهم: إذا فعل ذلك فله أجر الصدقة، ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن وهذا أوجه اهـ كرخي.\rقوله: بِالْمَنِّ وَالْأَذى أي بكل واحد منهما، وقوله: (ابطالا) كَالَّذِي الخ يشير به إلى أن محل الكاف نصب نعتا لمصدر محذوف أي ابطالا مثل إبطال المنفق ماله، كما قاله مكي. وخالفه الشيخ المصنف في الإتقان حيث قال: والوجه كونه حالا من الواو أي لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي فهذا لا حذف فيه اهـ كرخي.\rوعبارة السمين قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ الكاف في محل نصب فقيل: نعتا لمصدر محذوف أي لا تبطلوها إبطالا كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس، وقيل في محل نصب على الحال من ضمير المصدر المقدر كما هو رأي سيبويه، وقيل حال من فاعل تبطلوا أي لا تبطلوها مشبهين الذي ينفق ماله رئاء الناس، ورئاء فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف تقديره إنفاقا رئاء الناس كذا وذكره مكي. والثاني: أنه مفعول من أجله أي لأجل رئاء الناس، وقد استكمل شروط النصب.\rوالثالث: أنه في محل الحال أي ينفق مرائيا والمصدر هنا مضاف للمفعول وهو الناس ورئاء مصدر كقاتل قتالا، والأصل ريايا، فالهمزة الأولى بدل من ياء هي عين الكلمة والثانية بدل من ياء هو لام الكلمة، لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة، والمفاعلة في رئاء على بابها لأن المرائي يري الناس أعماله حتى يروه الثناء عليه والتعظيم له اهـ.\rقوله: (مرائيا لهم) أي لطلب المدحة والشهرة، وفيه إشارة إلى أن المصدر مضاف للمفعول وهو بمعنى اسم الفاعل اهـ كرخي.\rقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ مبتدأ وخبر قال أبو البقاء: ودخلت الفاء لتربط الجملة بما قبلها وقد تقدم مثله، فالهاء في فمثله فيها قولان، أظهرهما: أنها تعود على الذي ينفق رئاء الناس لأنه أقرب مذكور.\rوالثاني: أنها تعود على المانّ المعطي كأنه تعالى شبهه بشيئين: بالذي ينفق رئاء وبصفوان عليه تراب،","part":1,"page":332},{"id":336,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 333\rكَمَثَلِ صَفْوانٍ حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر شديد فَتَرَكَهُ صَلْداً صلبا أملس لا شيء عليه لا يَقْدِرُونَ استئناف لبيان مثل المنافق رئاء الناس وجمع الضمير باعتبار معنى الذي عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا عملوا أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)\rوَمَثَلُ ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى فرد، والصفوان حجر كبير أملس وفيه لغتان أشهرهما سكون الفاء والثانية فتحها، وبها قرأ ابن المسيب، والزهري وهي شاذة اهـ سمين. وهو اسم جنس واحده صفوانة اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَصابَهُ وابِلٌ عطف على الفعل الذي تعلق به قوله عليه أي استقر عليه تراب فأصابه، والضمير يعود على الصفوان، وقيل على التراب، وأما الضمير في فتركه فيعود على الصفوان فقط، وألف أصابه عن واو لأنه من صاب يصوب اهـ سمين.\rفائدة: المطر أوله رش ثم طش ثم طل ثم نضح ثم هطل ثم وبل اهـ من السمين.\rوفي المصباح: وبلت السماء وبلا من باب وعد وبولا اشتد مطرها، وكان الأصل وبل مطر السماء فحذف للعلم به، ولهذا يقال للمطر وابل اهـ.\rقوله: فَتَرَكَهُ صَلْداً في المختار: حجر صلد أي صلب أملس، وصلد الزند من باب جلس إذا صوت ولم يخرج نارا، وأصلد الرجل صلد زنده اهـ.\rويقال أيضا: صلد بكسر اللام يصلد بفتحها اهـ سمين.\rقوله: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ الخ الجملة استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا يكون مآلهم حينئذ. فقيل: لا يقدرون الخ، ومن ضرورة كون مثلهم كما ذكر كون مثل من يشبههم، وهم أصحاب المن والأذى كذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: (و جمع الضمير باعتبار معنى الذي) كما في قوله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [التوبة:\r69] لما أن المراد به الجنس أو الجمع أو الفريق، كما أن الضمائر الأربعة السابقة له باعتبار اللفظ اهـ كرخي.\rقوله: (و جمع الضمير) أي في قوله: لا يقدرون، وفي قوله كسبوا يعني وإفراده في المواضع الأربعة قبل هذين باعتبار لفظه اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي فيه تعريض بأن المن والأذى من خصال الكفار اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى الخير والرشد والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها وفيها تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى على الإنفاق من خصائص الكفار فلا بد للمؤمنين أن يجتنبوها اهـ.\rقوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ الخ هذا في المعنى مفهوم قوله: كالذي ينفق ماله رئاء الناس، أي فمثل المرائي ما تقدم، ومثل المخلص كمثل جنة الخ، وإنا قدر المضاف لتكون المماثلة بين النفقة والجنة، وهذا أنسب من كونها بين صاحبي كل اهـ شيخنا.","part":1,"page":333},{"id":337,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 334\rنفقات الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي تحقيقا للثواب عليه بخلاف المنافقين الذين لا يرجون لإنكارهم له. ومن ابتدائية كَمَثَلِ جَنَّةٍ بستان بِرَبْوَةٍ بضم الراء وفتحها مكان مرتفع مستو أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أعطت أُكُلَها بضم الكاف وسكونها ثمرها ضِعْفَيْنِ مثلي ما يثمر غيرها فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها المعنى تثمر وتزكو كثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر قوله: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله وشروط النصب متوفرة.\rوالثاني: أنه حال وَتَثْبِيتاً عطف عليه لاعتبارين أي لأجل الابتغاء والتثبيت أو مثبتين اهـ سمين.\rوتثبيتا مصدرا مفعوله محذوف، كما أشار له الشارح، وفاعله يفهم من قوله: من أنفسهم أي مثبتين وموطنين أنفسهم على الجزاء اهـ شيخنا.\rقوله: (أي تحقيقا للثواب) هذاهو المفعول المحذوف. وقوله: (عليه) أي الإنفاق، وأشار بذلك إلى أن التثبيت اعتقاد كون الشيء محققا ثابتا إيضاحه. قول الحسن كان الرجل إذاهمّ بحسنة يتثبت فإن كان ذلك للّه تعالى أمضاه وأن خالطه رياء أمسك اهـ كرخي.\rوعبارة الخازن والمعنى أنهم يخرجون زكاة أموالهم، وينفقون أموالهم في سائر البر والطاعات طيبة أنفسهم بما أنفقوا على يقين بثواب اللّه وتصديق بوعده يعلمون أن ما أنفقوا خير لهم مما تركوا اهـ.\rقوله: (لا يرجونه) أي الثواب. قوله: (و من ابتدائية) كقوله تعالى: حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109] أي تثبيتا مبتدأ من أصل أنفسهم لفهم أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية نفسه عن البخل وحب المال اهـ كرخي.\rقوله: (و من ابتدائية) فالمعنى أن التحقيق والاعتقاد المذكور مبتدأ وناشىء من قبل أنفسهم لا من جهة أخرى اهـ شيخنا.\rقوله: كَمَثَلِ جَنَّةٍ الجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة، وعلى الأرض المشتملة عليها اهـ أبو السعود، والأول أنسب هنا لأجل قوله بِرَبْوَةٍ اهـ شيخنا.\rقوله: بِرَبْوَةٍ أي فيها قوله: (بضم الراء وفتحها) عبارة أبي السعود بالحركات الثلاث اهـ.\rقوله: فَآتَتْ مفعوله الأول محذوف أي صاحبها وضِعْفَيْنِ حال من أكلها اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: أعطت أشار به إلى أن آتت يتعدى لاثنين حذف أولهما وهو صاحبها أو أهلها اهـ.\rقوله: فَطَلٌ مبتدأ محذوف الخبر، كما قدره بقوله يصيبها ويكفيها اهـ شيخنا.\rقوله: (لارتفاعها) عبارة أبي السعود: لجودتها وكرمها ولطافة هوائها، انتهت.","part":1,"page":334},{"id":338,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 335\rتزكو عند اللّه كثرت أم قلت وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) فيجازيكم به\rأَيَوَدُّ أيحب أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها ثمر مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَقد وَأَصابَهُ الْكِبَرُ فضعف من الكبر الكسب وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ أولاد صغار لا يقدرون قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ أي عملا ظاهرا أو قلبيا بَصِيرٌ لا يخفى عليه شيء منه، وهو ترغيب في الإخلاص مع التحذير من الرياء ونحوه اهـ أبو السعود.\rقوله: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ هذه الجملة متصلة بقوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ [البقرة: 264] الخ، فهو مثل آخر لنفقة المرائي والمان، والودّ: حب الشيء مع تمنيه اهـ.\rقوله: أَحَدُكُمْ يا أيها المراؤون في صدقاتكم. قوله: أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ تقدم أنها تطلق على الأشجار وعلى الأرض المشتملة عليها، والأول أنسب بقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اهـ شيخنا.\rقوله: جَنَّةٌ أي فيها جميع الفواكه بدليل قوله: له فيها من كل الثمرات، وإنما اقتصر في وصفها على النخيل والأعناب لكونهما أفضل الفواكه وجامعين لفنون المنافع اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ نَخِيلٍ في محل رفع صفة لجنة أي كائنة من نخيل، ونخيل فيه قولان، أحدهما: أنه اسم جمع واحده نخلة. والثاني: أنه جمع نخل الذي هو اسم جنس، والأعناب جمع عنب الذي هو اسم جنس واحده عنبة اهـ سمين.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هذه الجملة في محلها وجهان، أحدهما: أنها في محل رفع صفة لجنة. والثاني: أنها في محل نصب وفيه أيضا وجهان، فقيل: على الحال من جنة لأنها قد وصفت وقيل على أنها خبر اهـ سمين.\rقوله: فِيها الخ الظرف الأول خبر، والثاني حال، والثالث نعت لمبتدأ محذوف كما قدره بقوله (ثمر) اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: له فيها من كل الثمرات جملة من مبتدأ وخبر، فالخبر قوله له ومن كل الثمرات هو المبتدأ، وذلك لا يستقيم على الظاهر، إذ المبتدأ لا يكون جارا ومجرورا، فلا بد من تأويله. واختلف في ذلك، فقيل: المبتدأ في الحقيقة محذوف، وهذا الجار والمجرور صفة قائمة مقامه تقديره له فيها رزق من كل الثمرات، فحذف الموصوف وبقيت صفته. ومثله قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] أي وما من أحد إلا له مقام معلوم، وقيل: من زائدة تقديره له فيها كل الثمرات، وذلك عند الأخفش لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا. وأما الكوفيون فيشترطون التنكير، والبصريون يشترطونه وعدم الإيجاب، وإذا قلنا بالزيادة فالمراد بقوله كل الثمرات التكثير لا العموم، لأن العموم متعذر عادة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون من زائدة لا على قول سيبويه، ولا على قول الأخفش، لأن المعنى يصير له فيها كل الثمرات، وليس الأمر على هذا إلا أن يراد به هنا الكثرة لا الاستيعاب، فيجوز عند الأخفش لأنه يجوز زيادة من الموجب اهـ.\rقوله: وَ(قد) أَصابَهُ الْكِبَرُ يشير إلى أن الواو للحال حملا على المعنى، كما قاله","part":1,"page":335},{"id":339,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 336\rعليه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح شديدة فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ ففقدها أحوج ما كان إليها وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ في ذهابها ولعدم نفعها أحوج ما يكون اليها في الآخرة والاستفهام بمعنى النفي وعن ابن عباس هو لرجل عمل بالطاعات ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كَذلِكَ كما بين ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) فتعتبرون\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا أي زكوا مِنْ القاضي، وإنما قال حملا على المعنى لأن أن المصدرية وإن كانت صالحة للدخول على الماضي مثل عجبت من أن قام، لكنها إذا نصبت المضارع كانت للاستقبال قطعا فلم تصلح للماضي فلم يصح عطف أصاب على تكون، فأجاب بأن الواو في وأصابه للحال بتقدير قد اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ هذه الجملة في محل نصب على الحال من الهاء في أصابها، وقوله: فأصابها إعصار هذه الجملة عطف على صفة الجنة، قاله أبو البقاء. يعني على قوله من نخيل وما بعده اهـ سمين.\rقوله: (ريح شديدة) عبارة السمين: والإعصار الريح الشديدة المرتفعة وتسميها العامة الزوبعة، وقيل: هي الريح السموم سميت بذلك لأنها تلتف كما يلتف الثوب المعصور، حكاه المهدوي. وقيل:\rلأنها تعصر السحاب وتجمع على أعاصير اهـ.\rوفي المصباح: والريح مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تذكر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح وهب الريح. وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها، وكذا سائر أسمائها إلا الاعصار فإنه مذكر اهـ.\rقوله: (ريح شديدة) عبارة الخازن ريح ترتفع إلى السماء وتستدير كأنها عمود، انتهت.\rقوله: (عجزة) جمع عاجز على حد قوله.\rوشاع نحو كامل وكمله\rاه شيخنا.\rقوله: (و هذا تمثيل) أي تشبيه لنفقة المرائي أي بالجنة المذكورة اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى النفي) أي فهو إنكاري لكن المنفي في الحقيقة هو قوله فأصابها الخ فهو مصب الإنكار والنفي. وعبارة أبي السعود والهمزة لإنكار الوقوع على معنى أن مناط الإنكار ليس جميع ما تعلق به الود، بل إنما هو قوله فأصابها اعصار الخ اهـ.\rقوله: (و عن ابن عباس) مقابل لقوله: (و هذا تمثيل) الخ، فقوله هو أي هذا التمثيل لرجل أي تشبيه له بصاحب الجنة المذكورة اهـ شيخنا.\rقوله: (ثم بعث له الشيطان) أي سلط عليه. قوله: (كما بين ما ذكر) أي في أمر النفقة المقبولة وغيرها اهـ خازن.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا الخ هذا بيان لحال ما ينفق منه إثر بيان أصل الانفاق وكيفيته","part":1,"page":336},{"id":340,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 337\rطَيِّباتِ جياد ما كَسَبْتُمْ من المال وَمِمَّا طيبات وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من الحبوب والثمار وَلا تَيَمَّمُوا تقصدوا الْخَبِيثَ الرديء مِنْهُ أي من المذكور تُنْفِقُونَ ه في الزكاة حال من ضمير تيمموا وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم إِلَّا أَنْ أي أنفقوا من حلال ما كسبتم وجياده لقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:\r92] اهـ أبو السعود.\rوفي مفعول أنفقوا قولان، أحدهما: أنه المجرور بمن، ومن للتبعيض أي أنفقوا بعض ما رزقناكم. والثاني: أنه محذوف قامت صفته مقامه أي أنفقوا شيئا مما رزقناكم وتقدم له نظائر اهـ سمين.\rقوله: (من المال) وهو النقد وعروض التجارة والمواشي اهـ.\rقوله: وَمِمَّا أَخْرَجْنا عطف على المجرور بمن بإعادة الجار لأحد معنيين إما التأكيد وإما الدلالة على عامل آخر مقدر أي أنفقوا مما أخرجنا ولا بد من حذف مضاف أي ومن طيبات ما أخرجنا، ولكم متعلق بأخرجنا، واللام للتعليل، ومن الأرض متعلق بأخرجنا أيضا ومن الابتداء الغاية اهـ سمين.\rوظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض قليلا أو كثيرا، لكن الشافعي خصه بما يزرعه الآدميون ويقتات اختيارا، وقد بلغ نصابا وبثمر النخل وثمر العنب، وأبقاه أبو حنيفة على عمومه، فأوجبها في كل ما يقصد من نبات الأرض كالفواكه والبقول والخضروات كالبطيخ والقثاء والخيار، وأوجب في ذلك العشر قليلا أو كثيرا اهـ من الخازن.\rقوله: (من الحبوب) أي المقتاتة اختيارا. وقوله: (و الثمار) أي ثمر النخل وثمر العنب.\rقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ الجمهور على تيمموا، والأصل تتيمموا بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفا إما الأولى وإما الثانية، وقد تقدم تحرير القول فيه عند قوله تظاهرون اهـ سمين.\rوفي الخازن عن البراء بن عازب قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فسقط البسر أو التمر، فيأكل وكان فينا من لا يرغب في الخير فيأتي بالقنو فيه الشيص والحشف بالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل اللّه ولا تيمموا الآية اهـ.\rقوله: (أي من المذكور) أي في قوله من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا. وهذا اعتذار عن عدم تثنية الضمير، الضمير راجع لما يصدق بالأمرين، وهو المذكور. وعلى هذا فالجار والمجرور نعت للخبيث أو حال منه، هذا ما جرى عليه الشارح اهـ شيخنا.\rوحينئذ يحتاج لتقدير رابط في الجملة الحالية تقديره تنفقونه وهو ثابت في بعض نسخ الشارح، ويصح كونه متعلقا بالفعل بعده، كما جرى عليه السمين، وقد حكى البيضاوي كلا من القولين تأمل، قوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ حال من الواو في تنفقون. قوله: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ على حذف الجار،","part":1,"page":337},{"id":341,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 338\rتُغْمِضُوا فِيهِ بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق اللّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عن نفقاتكم حَمِيدٌ (267) محمود على كل حال\rالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ يخوفكم به إن تصدقتم فتمسكوا وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ البخل ومنع الزكاة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ على الانفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وأن مصدرية كما أشار إلى هذا بقوله بالتساهل فقدر الباء، وفسر أن تغمضوا بمصدرين التساهل وغض البصر وللّه دره في ذلك، فإن الاغماض يطلق على كل منهما. ففي المختار: وغمض عنه إذا تساهل عليه في بيع أو شراء وأغمض أيضا قال تعالى: أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ اهـ.\rوفي المصباح: وأغمضت العين اغماضا وغمضتها تغميضا أطبقت الأجفان اهـ.\rإذا عرفت أن الإغماض يطلق على كل من التساهل في الشيء، وإطباق جفن العين عرفت أن لا حاجة لدعوى المجاز والكناية التي قالها بعضهم ونصه قوله: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، الاغماض في اللغة غض البصر وإطباق الجفن، والمراد به هنا التجاوز والمساهلة لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك، ففي الكلام مجاز مرسل أو استعارة اهـ.\rقوله: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا الأصل إلا بأن فحذف حرف الجر وهو الباء، وهذه الباء متعلقة بقوله بآخذيه، وأجاز أبو البقاء أن تكون أن وما في حيزها في محل نصب على الحال، والعامل فيها آخذيه، والمعنى لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الاغماض اهـ سمين.\rقوله: غَنِيٌ (عن نفقاتكم) أي فلم يأمركم بها لاحتياجه إليها بل لنفعكم بها واحتياجكم لثوابها فينبغي لكم ان تتحروا فيها الطيب اهـ شيخنا.\rقوله: (على كل حال) أي من التعذيب والاثابة اهـ شيخنا.\rقوله: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ الوعد هو الاخبار بما سيكون من جهة المخبر، ويستعمل في الخير والشر عند ذكر كل منهما، فيقال: وعدته خيرا ووعدته شرا وهنا قد استعمل في الشر، فإذا لم يذكر كل فيخص الوعد بالخير، وأما الشر فله الإيعاد فيقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته، وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يضف مجيء الفقر إلى جهته، وقد علمت أن الوعد هو الاخبار بما سيكون من جهة المخبر للإيذان بمبالغته في الاخبار بتحقق مجيئه، فكأنه نزل في تقرر الوقوع منزلة أفعاله الصادرة منه أو لوقوعه في مقابلة وعده تعالى على طريقة المشاكلة اهـ من الخازن، وأبي السعود.\rقوله: (يخوفكم به) عبارة غيره: يوسوس لكم ويحسن لكم البخل ومنع الزكاة والصدقة اهـ.\rقوله: (فتمسكوا) قيل: إنه معطوف على الفقر عطف الفعل على الاسم، ويلزم عليه أن يصير المعنى تفسيره بالتخويف الشيطان يخوفكم الفقر والامساك، مع أنه ليس الغرض التخويف من الامساك، بل تحسينه فلو أثبت الشارح النون في الفعل، لكان أوضح ويكون متسببا عن قوله يعدكم الفقر اهـ.\rقوله: وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ قال الكلبي: فحشاء في القرآن المراد به الزنا إلا هذا الموضع،","part":1,"page":338},{"id":342,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 339\rوَفَضْلًا رزقا خلفا منه وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ (268) بالمنفق\rيُؤْتِي الْحِكْمَةَ العلم النافع المؤدي إلى العمل مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لمصيره إلى السعادة وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر، ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، وهو البخل، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد، فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال الشيطان: يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء اهـ خازن.\rقوله: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ أي بسبب الانفاق. كقوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: 114] وقوله: خلفا منه كقوله: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: 39] اهـ.\rقوله: (خلفا منه) أي من اللّه تعالى أو مما أنفقتم، وفيه تكذيب للشيطان في وعده بالفقر اهـ من أبي السعود.\rقوله: عَلِيمٌ (بالمنفق) بصيغة اسم المفعول. وعبارة الخازن: بما تنفقونه اهـ.\rروي عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة به فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه. ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان»، ثم قرأ قوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وقوله: إن للشيطان لمة بابن آدم اللمة: الخطرة الواحدة من الالمام وهو القرب من الشيء، والمراد بهذه اللمة التي تقع في القلب من فعل خير أو شر فأما لمة الشيطان فوسوسته، وأما لمة الملك فإلهام من اللّه تعالى.\rوروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا» اهـ.\rقوله: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ اختلف العلماء في الحكمة، فقال السدي: هي النبوة، وابن عباس: هي المعرفة، بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره. وقال قتادة ومجاهد: الحكمة الفقه في القرآن، وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد الحكمة الفقه في الدين، وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين اللّه والفقه فيه والاتباع له. روى عنه ابن قاسم أنه قال: الحكمة التفكر في أمر اللّه تعالى والاتباع له، وقال أيضا: الحكمة طاعة اللّه تعالى والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع بن أنس: الحكمة الخشية. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم في القرآن، وقال الحسن: الحكمة الورع.\rقلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربع والحسن قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في عمل أو قول، وكل ما ذكر في قول من الأقوال فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب اللّه تعالى حكمة وسنة نبيه حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به من السفه وكل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم، وقد","part":1,"page":339},{"id":343,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 340\rالأبدية وَما يَذَّكَّرُ فيه إدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (269) أصحاب العقول\rوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أديتم من زكاة أو صدقة أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فوفيتم به فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه وَما لِلظَّالِمِينَ بمنع الزكاة أو النذر أو بوضع الانفاق في غير محله من معاصي اللّه مِنْ أَنْصارٍ (270) مانعين لهم من عذابه\rإِنْ تُبْدُوا تظهروا الصَّدَقاتِ أي النوافل فَنِعِمَّا هِيَ أي نعم شيئا إبداؤها وَإِنْ تُخْفُوها تسروها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ روي أن اللّه يريد العذاب بأهل الأرض، فإذا سمع تعليم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم. قال مروان: يعني بالحكمة القرآن اهـ قرطبي.\rقوله: (أي العلم النافع المؤدي إلى العمل) صادق بعلم القرآن والفقه وغيرهما، ولو منطقا لمن وثق من نفسه بصحة ذهنه، ومارس الكتاب والسنة. ولقي شيخنا حسن العقيدة لأنه من أنفع العلوم في كل بحث، ومن ثم قال الغزالي: من لم يعرفه لا يوثق بعلومه وسماه معيار العلوم اهـ.\rوفيه جمع بين القول بحرمة الاشتغال به لإنارته الشكوك، كما قاله الشيخ المصنف في بعض تأليفه تبعا للنوري، وشيخه ابن الصلاح، وبين القول بجوازه اهـ كرخي.\rقوله: (أصحاب العقول) أي السليمة الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى، وفيه من الترغيب في المحافظة على الأحكام الواردة في شأن الانفاق ما لا يخفى، والجملة إما حال وإما اعتراض تذييلي اهـ كرخي.\rقوله: وَما أَنْفَقْتُمْ الخ بيان لحكم كلي شامل لجميع أفراد النفقات، وما في حكمها إثر بيان حكم ما كان منها في سبيل اللّه وما شرطية أو موصولة، قوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ الفاء على الأول رابطة للجواب على الثاني مزيدة في الخبر اهـ أبو السعود.\rوقوله: من نفقة بيانية أو زائدة اهـ.\rقوله: مِنْ نَفَقَةٍ أي سرا أو علانية قليلة أو كثيرة فيزاد هذا على تعميم الشارح لأجل التفصيل في قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فوفيتم به) إشارة إلى حذف الفاء ومعطوفها اهـ.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ إفراد الضمير لكون العطف بأو. وقوله: (فيجازيكم عليه) أي فالتعبير بالعلم كناية عن هذا المعنى وإلا فهو معلوم اهـ كرخي.\rقوله: (من معاصي اللّه) بيان لغير محله.\rقوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ الخ فيه نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية وبيان له ولذا ترك العطف بينهما اهـ شيخنا.\rقوله: فَنِعِمَّا هِيَ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي هنا وفي النساء فنعما بفتح النون وكسر العين، وهذه القراءة على الأصل، لأن الأصل على فعل كعلم، وقرأ ابن كثير، وورش، وحفص بكسر","part":1,"page":340},{"id":344,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 341\rلَكُمْ من ابدائها وإيتائها الأغنياء أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها ليقتدى به ولئلا يتهم، وإيتاؤها الفقراء متعين وَيُكَفِّرُ بالياء وبالنون مجزوما بالعطف على محل فهو ومرفوعا على الاستئناف عَنْكُمْ مِنْ بعض سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) عالم بباطنة كظاهره لا النون والعين، وإنما كسرت النون اتباعا لكسرة العين، وهي لغة هذيل. قيل: وتحتمل قراءة كسر العين أن يكون أصل العين السكون، فلما وقعت بعدها ما وأدغمت ميم نعم فيها كسرت العين لالتقاء الساكنين اهـ سمين.\rقوله: (أي نعم شيئا إبداؤها) شيئا: تفسير لما المدغم فيها ميم نعم، فما تمييز بمعنى شيئا وقوله: إبداؤها بيان للمخصوص المذكور في الآية، وهو هي على حذف المضاف والتقدير. فنعم:\rشيئا هي أي فنعم شيئا إبداؤها، فالفاعل ضمير مستتر في نعم اهـ شيخنا.\rقوله: (أما صدقة الفرض الخ) مقابل قوله أي النوافل، وقوله: (فالأفضل) الخ. اعتذار عن حمل الآية على النفل فقط، إذ لو كان المراد العموم لم يصح بالنسبة إلى الفرض أن يقال وإن تخفوها الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فالأفضل إظهارها) روي عن ابن عباس صدقة التطوع في السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وأما صدقة الفريضة فعلانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا اهـ أبو السعود.\rقوله: (ليقتدى به) أي بفاعلها. وقوله: (و لئلا يتهم) أي بعد إخراجها. ويؤخذ من هذا التعليل أن أفضلية الإظهار فيمن عرف بالمال، أما غيره فالأفضل له الاخفاء اهـ شيخنا.\rقوله: (بالياء) أي مع الرفع لا غير، فقوله مجزوما ومرفوعا راجع لقوله وبالنون، كما هو مقرر في علم القراءات، وكما يدل عليه إعادة الياء في كلامه، فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية، ووراءها ثمان قراءات شاذة نبه عليه السمين، منها يكفر بالياء مع الجزم اهـ شيخنا.\rقوله: (بالعطف على محل فهو) أي مع بقية الجملة وهو الخبر الذي هو خبر، ومحلها جزم اهـ شيخنا.\rقوله: (بعض) سَيِّئاتِكُمْ تفسير لمن فهي اسم بمعنى بعض، وحملها على التبعيض ليكون العباد على وجل ولا يتكلوا ففيه تخويف لهم اهـ من الخازن.\rوعبارة السمين: في من ثلاثة أقوال، أحدها: أنها للتبعيض أي بعض سيئاتكم لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات، وعلى هذا فالمفعول في الحقيقة محذوف أي شيئا من سيئاتكم كذا قدره أبو البقاء. والثاني: أنها زائدة وهو جار على مذهب الأخفش، وحكاه ابن عطية عن الطبري عن جماعة.\rوالثالث: أنها للسببية أي من أجل ذنوبكم، وهذا ضعيف والسيئات جمع سيئة ووزنها فيعلة، وعينها واو، والأصل سيوئة ففعل بها ما فعل بميت وقد تقدم، انتهت.\rقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيه ترغيب في الاسرار. وقوله: (عالم بباطنه) أي الباطن منه الذي هو الإخفاء، وقوله: (كظاهره) أي ما ظهر منه الذي هو الابداء اهـ.","part":1,"page":341},{"id":345,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 342\rيخفى عليه شيء منه، ولما منع صلّى اللّه عليه وسلّم من التصدق على المشركين ليسلموا نزل\r* لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إلى الدخول فيه وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ مال فَلِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) تنقصون منه شيئا والجملتان تأكيد للأولى قوله: (و لما منع صلّى اللّه عليه وسلّم الخ) عبارة الخازن، قيل سبب نزول هذه الآية أن ناسا من المسلمين كان لهم قرابات وأصهاب في اليهود، وكانوا ينفعونهم وينفقون عليهم قبل أن يسلموا، فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وأرادوا بذلك أن يسلموا، وقيل: كانوا يتصدقون على فقراء أهل المدينة، فلما كثر المسلمون نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام لحرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على إسلامهم، فنزل لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، ومعناه ليس عليك هداية من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فحينئذ فتصدق عليهم فأعلمه اللّه تعالى إنما بعث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك عليك اهـ.\rقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي لا يجب عليك هداهم أي جعلهم مهتدين، فالهدى مصدر مضاف للمفعول أو ليس عليك أن يهتدوا فيكون مضافا لفاعله اهـ كرخي.\rقوله: (أي الناس) المشركين. قوله: (إنما عليه البلاغ) أي والإرشاد والحث على المحاسن والنهي عن القبائح، وقوله في آية أخرى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إنما أراد هناك الدعوى إلى الهدى اهـ كرخي.\rقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ الخ اعتراض. قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ما شرطية جازمة لتنفقوا منصوبة به على المفعولية، ومن تبعيضية أي أي شيء تنفقوا كائنا من المال اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ خَيْرٍ أي ولو على كافر، ولكن هذا في غير صدقة الفرض اهـ كرخي.\rقوله: فَلِأَنْفُسِكُمْ أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيرها، وحينئذ فلا تمنوا عليه إن أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ استثناء من أعم العلل أي لا تنفقوا لغرض إلا لهذا الغرض، وقوله:\r(أي ثوابه) تغير لوجه اللّه مع تقدير مضاف اهـ شيخنا.\rقوله: يُوَفَ أي يؤد. قوله: (و الجملتان) أي قوله: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وقوله:\rوأنتم لا تظلمون. وقوله: (للأولى) أي للشرطية الأولى وهي ما تنفقوا من خير فلأنفسكم. وعبارة السمين قوله: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير في إليكم، فالعامل فيها يوف وهي تشبه الحال المؤكدة، لأن معناها مفهوم من قوله: يُوَفَّ إِلَيْكُمْ لأنهم إذا وفوا حقوقهم لم يظلموا، ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الاعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم في طاعة اللّه تعالى اندراجا أوليا، انتهت.","part":1,"page":342},{"id":346,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 343\rلِلْفُقَراءِ خبر مبتدأ محذوف أي الصدقات الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي حبسوا أنفسهم على الجهاد، نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً سفرا فِي الْأَرْضِ للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي لتعففهم عن السؤال وتركه تَعْرِفُهُمْ يا مخاطبا بِسِيماهُمْ علامتهم من التواضع وأثر الجهد لا يَسْئَلُونَ قوله: (خبر مبتدأ) أي والجملة جواب سؤال نشأ مما سبق كأنهم لما أمروا بالصدقات قالوا:\rفلمن هي؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيه فائدة بيان مصرف الصدقات، وهذا اختيار ابن الانباري اهـ من السمين.\rقوله: (أي الصدقات) أي السابقة أو النفقات قوله: (من المهاجرين) وكانوا من قريش لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، وكانوا غير متزوجين كانوا يستغرقون أوقاتهم في تعلم القرآن ليلا والجهاد نهارا اهـ شيخنا.\rقوله: (أرصدوا) أي أرصدوا أنفسهم أي اعدوها للجهاد، ففي المختار وأرصده لكذا أعده له، وفي الحديث: «إلا أن ارصده لدين علي» اهـ.\rقوله: (و الخروج) أي للغزو. قوله: (بحالهم) فالجهل هنا بمعنى انتفاء الخبرة والمعرفة. يقال:\rفلان يجهل حال فلان، أي لا يعرفه لعدم اطلاعه على باطن أمره اهـ كرخي.\rقوله: (أي لتعففهم) أشار إلى أن من متعلقة بيحسب وهي للتعليل لا بأغنياء لعدم المعنى، لأنهم متى ظنهم ظان قد استغنوا من تعففهم علم أنهم فقراء من المال، فلا يكون جاهلا بحالهم وجره بحرف التعليل هنا واجب لفقد شرط من شروط النصب وهو اتحاد الفاعل، وذلك أن فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفف هم الفقراء اهـ كرخي.\rقوله: (و تركه) أي ترك السؤال، وهذا عطف على التعفف عطف تفسير. وفي السمين: التعفف نفعل من العفة وهي ترك الشيء والإعراض عنه مع القدرة على تعاطيه. قوله: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ أي تعرف فقرهم واضطرارهم بما تعاين منهم من الضعف ورثاثة الحال اهـ أبو السعود.\rقوله: (يا مخاطبا) نكرة غير مقصودة للإشارة إلى أن حالهم ظهر لكل أحد. قوله: بِسِيماهُمْ السيما بالقصر العلامة، ويجوز مدها، وإذا مدت فالهمز فيها منقلبة عن حرف زائد للالحاق، إما واو أو ياء فهي كعلباء ملحقة بسرداح، فالهمزة للالحاق لا للتأنيث وهي منصرفة لذلك، وسيما مقلوبة قدمت عينها على فائها لأنها مشتقة من الوسم، فهي من السمة أي العلامة، فلما وقعت الواو بعد كسرة قلبت ياء، فوزن سيما عفلا كما يقال اضمحل وامضحل اهـ سمين.\rقوله: (و أثر الجهد) أي من الفقر والحاجة، والجهد بفتح الجيم المشقة. قوله: (إلحافا) مفعول مطلق عامله محذوف كما قدره الشارح، ويصح أن يكون مفعولا من أجله، وأن يكون حالا، وعبارة السمين قوله: الحافا في نصبه ثلاث أوجه.","part":1,"page":343},{"id":347,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 344\rالنَّاسَ شيئا فيلحفون إِلْحافاً أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف وهو الإلحاح وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) فمجاز عليه\rالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)\rالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي يأخذونه وهو الزيادة في المعاملة بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل أحدها: نصبه على المصدر بفعل مقدر أي يلحفون إلحافا والجملة المقدرة على حال من فاعل يسألون.\rوالثاني: أن يكون مفعولا من أجله أي لا يسألون لأجل الالحاف.\rوالثالث: أن يكون مصدرا من موضع الحال تقديره لا يسألون ملحفين اهـ.\rقوله: (أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف) جواب عن سؤال، وهو أن هذا يفهم أنهم كانوا يسألون برفق مع أنه قال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وإيضاحه أن المراد نفي المقيد، والقيد جميعا كما هو الظاهرة، لأن ههنا قرينة تدل على إرادة نفي ذلك، وهي ظهور التعفف وحسبان الجاهل إياهم اغنياء، كما في قوله: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [البقرة: 71] وقوله: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [الرعد: 12] والإلحاف أن يلازم المسؤول حتى يعطيه لكن في الحديث:\r«من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف» اهـ كرخي.\rقوله: (فمجاز عليه) فهو ترغيب في التصدق لا سيما على هؤلاء اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الخ شروع في بيان صفة الصدقة ووقتها، فصفتها السر والعلانية ووقتها الليل والنهار، وعبارة الكرخي أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة، ولعل تقديم الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الاخفاء على الاظهار قيل: نزلت في شأن الصديق رضي اللّه تعالى عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار عشرة آلاف بالليل، وعشر آلاف بالنهار، وعشرة آلاف بالسر، وعشرة آلاف بالعلانية. وقيل في علي كرم اللّه تعالى وجهه: تصدق بأربعة دراهم درهما درهما كذلك، ولم يكن يملك غيرها، وكون ما ذكر سببا لنزولها لا يقتضي خصوص الحكم به، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب اهـ.\rقوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ خبر للموصول والفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها، وقيل:\rالعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ، وعلى هذا يجوز الوقف على علانية اهـ من أبي السعود.\rقوله: (في القدر أو الأجل) بدل من قوله في المعاملة، والأول ربا الفضل، ولا يكون إلا عند اتحاد الجنس، والثاني ربا النساء، ويكون في متحد الجنس ومختلفه وهو البيع مع تأجيل العوضين أو أحدهما وبقي ربا اليد، وهو البيع مع عدم قبض العوضين أو أحدهما في المجلس من غير ذكر أجل، ويمكن دخوله في قوله أو الأجل ويراد به تأخير القبض أو تأخير استحقاقه بذكر أجل أو بدونه اهـ شيخنا.","part":1,"page":344},{"id":348,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 345\rلا يَقُومُونَ من قبورهم إِلَّا قياما كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ يصرعه الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ الجنون بهم متعلق بيقومون ذلِكَ الذي نزل بهم بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا في الجواز وهذا من عكس التشبيه مبالغة فقال تعالى ردا عليهم وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا قوله: لا يَقُومُونَ (من قبورهم الخ) يعني أن آكل الربا يبعث مثل المصروع لا يستطيع الحركة الصحيحة، وذلك ليس لخلل في عقله، بل لأن الربا الذي أكله في الدنيا يربو في بطنه، فلا يقدر على الإسراع في النهوض، فإذا قام تميل به بطنه. قال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة اهـ خازن.\rقوله: إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ وهذا على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط الضرب عن غير استواء اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: والخباط بالضم كالجنون، وليس به، وتقول منه: تخبطه الشيطان أي أفسده اهـ.\rقوله: (بهم) أي الكائن بهم أي بالذين يأكلون الربا. وقوله: متعلق بيقومون أي على أن من للتعليل، والمعنى لا يقومون من أجل الجنون أي من أجل حالة تحصل لهم تشبه الجنون إلا كقيام الذي يتخبطه الشيطان في عدم استواء الحركة في كل، والحالة المذكورة تحصل لهم في القيامة عند قيامهم من القبور، فلا يرد أن الجنون الحقيقي لا يحصل لهم هناك اهـ.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي اعتقدوا مدلول هذا القول وفعلوا مقتضاه أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لافضائهما إلى الربح، فاستحلوه استحلاله، وقالوا: يجوز بيع درهم بدرهمين، كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين، بل جعلوا الربا أصلا في الحل، وقاسوا به البيع مع وضوح الفرق بينهما فإن أخذ الدرهمين في الأول ضائع حتما وفي الثاني منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حلّ ماله على غريمه فيطالبه فيقول الغريم لصاحب الحق: زدني في الأجل حتى أزيدك في المال فيفعلان ذلك، وكانوا يقولون سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند المحل لأجل التأخير، فكذبهم اللّه تعالى ورد عليهم ذلك بقوله:\rوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا يعني وأحل اللّه لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء، وحرم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل. وذكر بعض العلماء الفرق بين البيع والربا فقال: إذا باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين، فقد جعل ذات الثوب مقابلا للعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما، فلم يكن آخذا من صاحبه شيئا بغير عوض، أما إذا باع عشرة دراهم بعشرين، فقد أخذ العشرة الزائدة بغير عوض. ولا يمكن أن يقال إن العوض هو الامهال في مدة الأجل، لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة، فقد ظهر الفرق بين الصورتين اهـ.\rقوله: (من عكس التشبيه) أي لأنهم جعلوا الربا أصلا والبيع فرعا حتى شبهوه به. وقوله: مبالغة أشار به كالكشاف إلى جواب سؤال كيف قالوا ذلك مع أن مقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتفق على حاله","part":1,"page":345},{"id":349,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 346\rفَمَنْ جاءَهُ بلغه مَوْعِظَةٌ وعظ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى عن أكله فَلَهُ ما سَلَفَ قبل النهي أي لا يسترد منه وَأَمْرُهُ في العفو عنه إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ إلى أكله مشبها له بالبيع في الحل فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275)\rيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ينقصه ويذهب بركته وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ بتحليل الربا أَثِيمٍ (276) فاجر بأكله أي يعاقبه\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ وايضاحه أنه جاء ذلك على طريق المبالغة، لأنه أبلغ من قولهم إن الربا حلال كالبيع وهو في البلاغة مشهور وهو أعلى مراتب التشبيه، كالتشبيه في قولهم القمر كوجه زيد، والبحر ككفه إذا أرادوا المبالغة إذا صار به المشبه مشبها به أو أن مقصودهم أن البيع والربا متماثلان من جميع الوجوه، فساغ قياس البيع على الربا كعكسه اهـ كرخي.\rقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ يحتمل أن تكون من شرطية وهو الظاهر، وأن تكون موصولة وعلى التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء، وقوله: فَلَهُ ما سَلَفَ هو الجزاء أو الخبر، فعلى الأولى الفاء واجبة، وعلى الثاني الفاء جائزة، وسبب زيادتها ما تقدم من شبه الموصول باسم الشرط اهـ سمين.\rوالموعظة والعظة والوعظ معناها واحد وهو الزجر والتخويف وتذكير العواقب والاتعاظ القبول والامتثال، فقوله: فانتهى بمعنى اتعظ أي قبل وامتثل اهـ من المصباح.\rقوله: (عن أكله) أي أخذه وعبّر عنه بالأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع بالمال.\rقوله: فَلَهُ ما سَلَفَ أي إذا كان أخذ بعقد الربا زيادة قبل تحريمه لا تسترد منه اهـ شيخنا.\rقوله: (في العفو عنه) إِلَى اللَّهِ يقتضي أن هذا من أهل المعاصي الذين هم تحت المشيئة مع أن هذا لم يذنب، لأن ما قبل النهي لا مؤاخذة فيه، فالأحسن ما قاله البيضاوي ونصه: وأمره إلى اللّه يجاريه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية اهـ.\rقوله: (مشبها له الخ) فيكون قد استحله فصح الحكم عليه بالخلود فيها، وقوله: (أولئك) إلخ راجع لمن باعتبار معناها. قوله: (ينقصه) أي ويهلك المال الذي دخل فيه اهـ بيضاوي. قال ابن عباس: لا يقبل اللّه منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة اهـ خازن.\rقوله: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ من أربى المتعدي يقال أرباه إذا زاده، كما يؤخذ من القاموس، ويستعمل أربى لازما أيضا فيقال: أربى الرجل إذا دخل في الربا كما في المصباح اهـ.\rقوله: (يزيدها) أي ويبارك في المال الذي أخرجت منه.\rروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن اللّه تعالى يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره». وعنه أيضا:\r«ما نقصت زكاة من مال قط» اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي يعاقبه) تفسير لنفي المحبة.\rقوله: الصَّالِحاتِ أي التي من جملتها ترك الربا. قوله: وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ","part":1,"page":346},{"id":350,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 347\rعَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا اتركوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) صادقين في إيمانكم فإن من شأن المؤمن امتثال أمر اللّه تعالى. نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له قبل\rفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به فَأْذَنُوا اعلموا بِحَرْبٍ مِنَ تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لانافتهما أي شرفهما على سائر الأعمال الصالحة على طريقة ذكر جبريل وميكال عقيب الملائكة عليهم السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي من مكروه يأتي في المستقبل، وقوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي على أمر محبوب قد فاتهم في الماضي اهـ أبي السعود.\rقوله: وَذَرُوا بوزن علوا فهو فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وحذفت فاؤه، وأصله أو ذروا ماضية، وذروا لم يستعمل إلا في لغة قليلة.\rقوله: ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي اتركوا بقايا ما شرطتم منه على الناس تركا كليا اهـ أبو السعود.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 347\r\rله: ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي اتركوا بقايا ما شرطتم منه على الناس تركا كليا اهـ أبو السعود.\rومن الربا متعلق يبقى كقولهم بقيت منه بقية، والذي يظهر أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل بقي أي الذي بقي حال كونه بعض الربا، فهي تبعيضية اهـ سمين.\rوالمراد اتركوا طلب ما بقي مما زاد على رؤوس أموالكم.\rقوله: (بعض الصحابة) قيل هو العباس عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وعثمان بن عفان كانا قد أسلفا في التمر، فلما كان وقت الجذاذ قال لهما صاحب التمر: إن أخذتما حقكما لم يبق لي ما يكفي عيالي، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعفه لكما، ففعلا. لما حل الأجل طلبا منه الزيادة، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنهاهما وأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: (بعد النهي) وإنما طالب بالزيادة بعد النهي عنها لعدم بلوغ النهي له إذ ذاك، وقوله:\r(قبل) أي قبل النهي.\rقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ الخ وعدم الفعل إما مع إنكار حرمة الربا، وإما مع إعتقادها فعلى الأول حربهم حرب المرتدين، وعلى الثاني حربهم حرب البغاة، وقوله: ما أمرتم به أي من التقوى وترك بقايا الربا اهـ أبو السعود.\rقوله: فَأْذَنُوا بالقصر وفتح الذال، ومعناه فاعلموا أنتم وبالمد مع كسر الذال بوزن آمنوا أي أعلموا غيركم، وتفسير الشارح بقوله: اعلموا محتمل لهما ففي صنيعه لطاقة أي أيقنوا، فإن كان المراد اعلموا أنتم فلا بد من هذا التضمين ليصح تعديته بالباء، وإن كان المراد اعلموا غيركم فلا حاجة للتضمين، والمراد أن يعلموا غيرهم بأنهم استحقوا الحرب من اللّه ورسوله أي قولوا للناس اللّه يحاربنا، وكذا رسوله، وهذا فيه مزيد توبيخ لهم حيث أمروا أن يعلموا غيرهم باستحقاقهم العقوبة أو المراد على هذه القراءة أن يعلم بعضهم بعضا بأنهم استحقوا المحاربة، أي فأذنوا واعلموا بعضكم أي فليعلم بعضكم بعضا بأنكم استوجبتم المحاربة تأمل اهـ.\rقوله: بِحَرْبٍ وهو القتل في الدنيا والنار في الآخرة أي أيقنوا انكم تستحقون القتل والعقوبة","part":1,"page":347},{"id":351,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 348\rاللَّهِ وَرَسُولِهِ لكم. فيه تهديد شديد لهم، ولما نزلت قالوا لا يدي لنا بحربه وَإِنْ تُبْتُمْ رجعتم عنه فَلَكُمْ رُؤُسُ أصول أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بزيادة وَلا تُظْلَمُونَ (279) بنقص\rوَإِنْ كانَ وقع غريم ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ له أي عليكم تأخيره إِلى مَيْسَرَةٍ بفتح السين وضمها أي وقت يسر وَأَنْ تَصَدَّقُوا بالتشديد على إدغام التاء في الأصل في الصاد وبالتخفيف على حذفها أي تتصدقوا على المعسر بالابراء خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) أنه خير فافعلوه في بمخالفة أمر اللّه تعالى ورسوله وتنكيره للتعظيم اهـ كرخي.\rقوله: (لا بدّ لنا) بصيغة الافراد في نسخة وهي ظاهرة، وفي أكثر النسخ بصيغة التثنية وحذفت النون تخفيفا، والمعنى على كل من النسختين لا قدرة ولا طاقة لنا. وعبارة الكرخي قوله: لا بد لنا:\rأي لا طاقة لنا بحربه، وعبّر عن الطاقة باليدين، لأن المباشرة والدفع إنما يكونان باليدين، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن الدفع. قاله ابن الأثير، والقائل ثقيف اهـ.\rقوله: (بحربه) أي بحرب ما ذكر أو الضمير للّه.\rقوله: (رجعتم عنه) أي عن أكل الربا المأخوذ من قوله: فإن لم تفعلوا، تأمل، وقوله: فلكم رؤوس أموالكم أي دون الزيادة. قوله: لا تَظْلِمُونَ مستأنفة أو حال من الكاف في لكم أي لا تظلمون غرماءكم بأخذ الزيادة ولا تعلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنْ كانَ نزلت لما شكا بنو المغيرة العسرة لأصحاب الديون، وقالوا: أخرونا إلى أن نتيسر اهـ خازن. وفي كان هذه وجهان.\rأحدهما: وهو الأظهر أنها تامة بمعنى حدث ووجد أي وإن حدث ذو عسرة، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال. قيل: وأكثر ما تكون كذلك إذا كان مرفوعها نكرة نحو كان من مطر.\rوالثاني: أنها الناقصة والخبر محذوف. قال أبو البقاء: تقديره وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو نحو ذلك، وهذا مذهب بعض الكوفيين في الآية، وقدر الخبر وان كان من غرمائكم ذو عسرة وقدره بعضهم، وان كان ذو عسرة غريما والعسرة بمعنى العسر اهـ سمين.\rقوله: فَنَظِرَةٌ الفاء جواب الشرط، ونظرة خبر مبتدأ محذوف أي فالأمر أو، فالواجب أو مبتدأ خبره محذوف أي فعليكم نظرة أو فاعل بفعل مضمر أي فتجب نظرة اهـ سمين.\rقوله: (أي عليكم تأخيره) أي وجوبا. قوله: (تأخيره) إشارة إلى ان النظرة من الانظار وهو الصبر والامهال اهـ كرخي.\rقوله: إِلى مَيْسَرَةٍ على حذف مضاف كما قدره بقوله أي وقت، فان الميسرة بمعنى اليسار والسعة كما في كتب اللغة.\rقوله: (بالابراء) أي من كل الدين أو بعضه. قوله: (إنه) أي أفضل التصدق، وقوله: فافعلوه إشارة إلى ان جواب ان محذوف والتصدق بالابراء، وان كان تطوعا أفضل من انظاره، وان كان فرضا","part":1,"page":348},{"id":352,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 349\rالحديث: «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله» رواه مسلم\rوَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ بالبناء للمفعول تردون وللفاعل تصيرون فِيهِ إِلَى اللَّهِ هو يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى فيه كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما كَسَبَتْ عملت من خير وشر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) بنقص حسنة أو زيادة سيئة\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ تعاملتم بِدَيْنٍ كسلم وقرض إِلى لأنه تطوع محصل للمقصود من الفرض مع زيادة، كما أن الزهد في الحرام واجب، وفي الحلال تطوع والزهد في الحلال أفضل وهذا جواب عن سؤال، وهو أن إنظار المعسر واجب والتصدق عليه تطوع، فكيف يكون التطوع خيرا من الواجب اهـ كرخي.\rوحاصل الجواب أن هذا من المسائل المستثنيات من قاعدة أن الواجب أفضل من المندوب فقد استثنى منها ما هنا، واستثنى أيضا ابتداء السّلام، ورده والوضوء قبل الوقت وفيه وغير ذلك. قوله: (أو وضع عنه) أي كل الدين أو بعضه. قوله: (في ظله) أي ظل عرشه كما صرح به في رواية اخرى، والمراد من قوله: (يوم لا ظل إلا ظله) يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين، وقربت الشمس من الرؤوس واشتد عليهم حرها وأخذهم العرق ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش. أو المراد كما قال ابن دينار بالظل هنا الكرامة والكف من المكاره في ذلك الموقف، وليس المراد ظل الشمس وما قاله معلوم من اللسان يقال فلان في ظل فلان أي كنفه وحمايته، وهذا أولى وتكون اضافته إلى العرش لأنه مكان التقريب والكرامة اهـ كرخي.\rقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً في الآية وعيد شديد. قال ابن عباس: وهذا آخر آية نزل بها جبريل وقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة»، وعاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعدها أحدا وعشرين يوما، وقيل: أحدا وثمانين، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات اهـ بيضاوي.\rوقوله: في رأس المائتين والثمانين تقدم أن السورة مائتان وست وثمانون آية، فتكون هذه الحادية والثمانين، وآية الدين الثانية والثمانين. وقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ إلى قوله عَلِيمٌ الثالثة والثمانين، وقوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الى قدير الرابعة والثمانين، وقوله آمَنَ الرَّسُولُ الى الْمَصِيرُ الخامسة والثمانين، وقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إلى آخر السورة السادسة والثمانين. قوله: إِلَى اللَّهِ أي إلى حسابه الخلائق فيه.\rقوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ جملة حالية من كل نفس وجمع باعتبار المعنى، وأعاد الضمير عليها أولا في كسبت اعتبارا باللفظ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل، ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن اهـ سمين.\rقوله: (تعاملتم) بِدَيْنٍ يقال داينت الرجل أي عاملته بدين سواء كنت معطيا أم آخذا اهـ سمين.\rقوله: (و قرض) فيه أن ذكر الأجل في القرض إن كان لغرض المقرض أفسده، وإلّا فلا يفسده ولا يجب الوفاء به، لكنه يستحب فلعل هذاهو المراد اهـ شيخنا.","part":1,"page":349},{"id":353,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 350\rأَجَلٍ مُسَمًّى معلوم فَاكْتُبُوهُ استيثاقا ودفعا للنزاع وَلْيَكْتُبْ كتاب الدين بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص وَلا يَأْبَ يمتنع كاتِبٌ من أَنْ يَكْتُبَ إذا دعي إليها كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها، والكاف متعلقة قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي بالأيام أو الأشهر ونحوهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بالحصاد ونحوه مما لا يرفعها اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاكْتُبُوهُ أمر إرشاد أي تعليم يرجع فائدته إلى منافع الخلق في دنياهم، فلا يثاب عليه المكلف إلا ان قصد الامتثال اهـ.\rقوله: فَاكْتُبُوهُ أي الدين الذي تحملتموه في ذمكم وإنما ذكر قوله بدين ليعيد عليه هذا الضمير، وإن كان الدين مفهوما من قوله تداينتم أو لأنه يقال: تداينوا أي جازى بعضهم بعضا، فقال:\rبدين ليزيل هذا الاشتراك أو ليدل به على العموم. أي دين كان من قليل أو كثير.\rقوله: إِلى أَجَلٍ على سبيل التأكيد إذ لا يكون الدين إلّا مؤجلا وألف مسمى منقلبة عن ياء وتلك الياء منقلبة عن واو، لأنه من التسمية وتقدم أن المادة من سما يسمو اهـ سمين.\rوقوله: إذ لا يكون الدين إلا مؤجلا بناء على مذهبه، وإلّا فمذهب الشافعي أن الدين تارة يكون حالا وتارة يكون مؤجلا، وعليه فالتقييد بالأجل في الآية لأجل قوله: فاكتبوه أي لأجل ندب الكتابة وطلبها. أما الحال فهو من قبيل قوله الآتي إلا أن تكون تجارة حاضرة اهـ.\rقوله: (استيثاقا) الاستيثاق التقوى في الأمر واستعمال الحزم فيه، ومنه الوثيقة كالرهن أي الأمر الذي يحصل به التقوى على الوصول للحق. قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها، وتعيين لمن يتولاها أثر الأمر بها إجمالا، وذكر البين للايذان بأن الكاتب ينبغي أن يتوسط في المجلس بين المتداينين، ويكتب كلامهما، ولا يكتفي بكلام أحدهما، وهذا أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين اهـ أبو السعود.\rقوله: (في المال) أي لنفع الدائن. وقوله: (و الأجل) أي لنفع المدين، وقوله: (و لا ينقص) أي في المال لينفع المدين والأجل لنفع الدائن اهـ شيخنا.\rقوله: من أَنْ يَكْتُبَ قدر من ليفيد أنه مفعول به أي لا يأب الكتابة، وقوله: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ما مصدرية أو كافة على ما مال إليه الشيخ سعد الدين التفتازاني، أو موصولة أو نكرة موصوفة، وعليهما فالضمير لما وعلى الأولين للكتاب والمفعول الثاني لعلم على كل التقادير محذوف أي يكتب مثل ما علمه اللّه كتابة الوثائق اهـ كرخي.\rقوله: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي شرعه وأمر به بأن يكتب ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة ولا يخص أحد الخصمين بالاحتياط له دون الآخر، وأن يكون ما كتبه خاليا عن الألفاظ التي يقع فيها النزاع اهـ خازن.\rقوله: (متعلقة بيأب) عبارة غيره بلا يأب وهي الصواب، لأن التعلق المذكور على وجه التعليل\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 400","part":1,"page":350},{"id":354,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 351\rبيأب فَلْيَكْتُبْ تأكيد (و ليملك) يمل الكاتب الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في إملائه وَلا يَبْخَسْ ينقص مِنْهُ أي الحق شَيْئاً فَإِنْ للنهي عن الاباء أي يحرم عليه الاباء المذكور أي الامتناع من الكتابة لأجل تعليم اللّه تعالى إياها، فيجب عليه أن يبذلها كما امره اللّه تعالى ولا يبخل بها، فالكاف للتعليل، وما مصدرية، والهاء للكاتب. وعبارة أبي السعود كما علمه اللّه أي على طريقة ما علمه من كتب الوثائق، أو كما بينه بقوله بالعدل انتهت.\rوعبارة السمين: وكما علمه اللّه يجوز أن يتعلق بقوله: أن يكتب على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه، والتقدير أن يكتب كتابة مثل ما علمه اللّه، أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه اللّه، ويجوز أن يتعلق بقوله فليكتب بعده. قال الشيخ: والظاهر تعلق الكاف بقوله فليكتب وهو لأجل الفاء، ولأجل أنه لو كان متعلقا لقوله فليكتب لكان النظم فليكتب كما علمه اللّه، ولا يحتاج إلى تقديم ما هو متأخر في المعنى. وقال الزمخشري بعد أن ذكر تعلقه بأن يكتب وبفليكتب: فإن قلت: أي فرق بين الوجهين؟ قلت: إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له: فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها، وإن علقته بقوله: فليكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة، ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: لا يأب، وتكون الكاف حينئذ للتعليل. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون كما متعلقا بما في قوله ولا يأب من المعنى أي كما أنعم اللّه عليه بعلم الكتابة، فلا يأب هو وليفضل كما أفضل عليه. قال الشيخ: وهو خلاف الظاهر، وتكون الكاف في هذا القول للتعليل. قلت: وعلى القول بكونها متعلقة بقوله فليكتب يجوز أن تكون للتعليل أيضا أي فلأجل ما علمه اللّه فليكتب اهـ.\rقوله: (تأكيد) أي لقوله وليكتب بينكم كاتب بالعدل أو للأمر اللازم للنهي في قوله: ولا يأب كاتب الخ.\rقوله: وَلْيُمْلِلِ أي يسمع الكاتب الألفاظ التي يكتبها ويلقيها عليه، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد اهـ خازن.\rوالادغام في مثل ذلك جائز لا واجب كما قال في الخلاصة.\rوفي جزم وشبه الجزم تخيير قفي.\rفلذلك ترك الإدغام هنا وسيأتي الادغام في قوله: أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ اهـ شيخنا. وعبارة السمين قوله: وليملل أمر من أملل يمل، فلما سكن الثاني جزما جرى فيه لغتان الفك وهو لغة الحجاز، والادغام وهو لغة تميم، وكذا إذا سكن وقفا نحو أملل وأمل، وهذا مطرد في كل مضاعف، ويقال أمللته وأمليته، فقيل: هما لغتان، وقيل الياء بدل من أحد المثلين، واصل المادتين الإعادة مرة بعد أخرى، والموصول فاعل يملل ومفعوله محذوف أي ليملل المدين الكاتب ما عليه من الحق فحذف المفعولين للعلم بهما اهـ.\rقوله: وَلْيَتَّقِ أي الذي عليه الحق أي فلا يجحد جميع الحق، والبعض سيأتي في قوله: ولا يبخس منه شيئا اهـ.","part":1,"page":351},{"id":355,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 352\rكانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً مبذرا أَوْ ضَعِيفاً عن الإملاء لصغر أو كبر أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ متولي أمره من والد ووصي وقيم ومترجم بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا أشهدوا على الدين شَهِيدَيْنِ شاهدين مِنْ رِجالِكُمْ أي بالغي قوله: (في إملائه) الهمزة منقلبة عن الياء لتطرفها مكسورة فأصله املايه على حد قوله في الخلاصة:\rفابدل الهمزة من واو ويا ... آخرا أثر ألف زيد\r\rاه شيخنا.\rقوله: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ يجوز في منه أن تكون متعلقة بيبخس، ومن لابتداء الغاية، والضمير في منه للحق، ويجوز ان تكون متعلقة بمحذوفها لأنها في الأصل صفة للنكرة، فلما قدمت على النكرة نصبت حالا. وشيئا إما مفعول به، وإما مصدر، والبخس النقص. يقال منه بخس زيد عمرا حقه يبخسه بخسا وأصله من بخست عينه، فاستعير لبخس الحق، كما قالوا عورت حقه استعارة عن عور العين، ويقال بخصته بالصاد والتباخس في البيع التناقص، لأن كل واحد من المتبايعين ينقص الآخر حقه اهـ سمين.\rوفي المختار البخس الناقص يقال شراه بثمن بخس، وقد بخسه حقه أي نقصه وبابه قطع، يقال:\rللبيع إذا كان قصدا لا بخس فيه ولا شطط اهـ.\rقوله: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ الخ إظهار في مقام الاضمار لزيادة الكشف والبيان، لا لأن الأمر والنهي لغيره اهـ أبو السعود.\rقوله: (أو كبر) أي مضعف للعقل. قوله: أَنْ يُمِلَّ هُوَ هذا الضمير البارز هو الفاعل أو تأكيد للفاعل المستتر أي أو لا يستطيع الإملاء بنفسه لخرس أو غيره اهـ شيخنا.\rوفائدة هذا التوكيد رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير، والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه، وقرئ بإسكان هاء هو وهي قراءة شاذة، لأن هذا الضمير كلمة مستقلة منفصلة عما قبلها، ومن سكنها أجرى المنفصل مجرى المتصل، والهاء في وليه للذي عليه الحق إذا كان متصفا بإحدى الصفات الثلاث اهـ سمين.\rقوله: وَلِيُّهُ أي ولي كل واحد من الثلاثة السفيه والضعيف وغير المستطيع اهـ خازن.\rقوله: (متولي أمر) أي وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي، فالمراد به الولي لغة أي من له عليه ولاية بأي طريق كان، بدليل ذكره المترجم، وذكر غيره من الشراح الوكيل اهـ شيخنا. لكن في ذكر الوكيل نظر لأن الإملاء من قبيل الإقرار وهو لا يصح التوكيل فيه اهـ.\rقوله: بِالْعَدْلِ أي الصدق أي من غير زيادة ولا نقص اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاسْتَشْهِدُوا أي ندبا والسين والتاء زائدتان، كما أشار له المفسر.\rوقوله: شَهِيدَيْنِ فيه مجاز الأول وفعيل بمعنى فاعل، كما أشار له المفسر، وقوله على الدين","part":1,"page":352},{"id":356,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 353\rالمسلمين الأحرار فَإِنْ لَمْ يَكُونا أي الشهيدان رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ يشهدون مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل أَنْ تَضِلَ تنسى إِحْداهُما الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن فَتُذَكِّرَ بالتخفيف والتشديد إِحْداهُما الذاكرة الْأُخْرى الناسية وجملة الاذكار محل العلة أي لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر إن يؤخذ منه أن هذا معطوف على قوله فاكتبوه، وأما الإشهاد على غير الدين فسيأتي في قوله وأشهدوا إذا اتبايعتم اهـ.\rقوله: مِنْ رِجالِكُمْ يجوز أن يتعلق باستشهدوا أو تكون من لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لشهيدين ومن تبعيضية اهـ سمين.\rقوله: (أي بالغي المسلمين الخ) البلوغ مستفاد من لفظ رجال، والإسلام من الإضافة إلى كاف الخطاب، والحرية مستفادة أيضا من لفظ الرجال، لأنه ظاهر في الكاملين لأن الأرقاء بمنزلة البهائم، وبقي اشتراط العدالة، فيستفاد من قوله ممن ترضون من الشهداء اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا أي بحسب القصد والإرادة، أي فان لم يقصدا شهادتهما ولو كانا موجودين، وإنما قلنا ذلك لأن شهادة الرجل والمرأتين لا تتوقف على فقد الرجلين اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الشاهدان) تفسير لضمير التثنية الذي هو اسم كان، وقوله رجلين خبرها، وقوله فرجل مبتدأ وامرأتان معطوف عليه، والخبر محذوف كما قدره الشارح بقوله يشهدون اهـ.\rقوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ صفة للرجل والمرأتين وهذا الشرط وإن كان مشترطا في الرجلين أيضا بالأحاديث والآيات الأخر كآية: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2]، ولكن اقتصر على التنصيص عليه في جانب الرجل والمرأتين لقلة اتصاف النساء به غالبا. وقيل: هو متعلق باستشهدوا المتعلق بالصورتين اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الشُّهَداءِ حال من العائد المحذوف، والتقدير ممن ترضونه حال كونه بعض الشهداء اهـ كرخي.\rقوله: أَنْ تَضِلَ على حذف الجار، وهو لام التعليل، وهذا الجار متعلق بمحذوف أيضا، وقد قدرهما الشارح بقوله: وتعدد النساء لأجل أن تضل الخ. وعلى هذه القراءة فالفتحة في تضل حركة إعراب لأن الفعل منصوب بأن يخالفها في القراءة الآتية، فانها فتحة التخلص من التقاء الساكنتين، لأن اللام ساكنة للادغام في الثانية والثانية مسكنة للجزم، ولا يمكن إدغام ساكن فحركنا الثانية بالفتحة هربا من التقائهما وكانت الحركة فتحة لأنها أخف الحركات اهـ سمين.\rقوله: (الشهادة) أشار به إلى أن مفعول تصل محذوف اهـ.\rقوله: (و ضبطهن) أي ونقص ضبطهن اهـ.\rقوله: (و جملة الاذكار) هذا على قراءة التخفيف ومثله وجملة التذكير على قراءة التشديد، وقوله محل العلة أي محل لام العلة أي محل دخولها، لأن الاذكار هو العلة في الحقيقة، ويصح أن تكون إضافة محل بيانية، وقوله: (و دخلت) أي العلة أي لامها (على الضلال) أي على فعله.","part":1,"page":353},{"id":357,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 354\rشرطية ورفع تذكر استئناف جوابه وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما زائدة دُعُوا إلى تحمل الشهادة وأدائها وَلا تَسْئَمُوا تملوا من أَنْ تَكْتُبُوهُ أي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك قوله: (أي لتذكر إن ضلت) فاعل تذكر ضمير مستتر فيه يعود على الاحدى الذاكرة، ومفعوله محذوف أي لتذكر هي أي الذاكرة الأخرى إن ضلت هي أي الأخرى، فالضمير المستكن في ضلت عائد على الأخرى التي هي المفعول المحذوف اهـ.\rقوله: (لأنه سببه) عبارة أبي السعود: ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته انتهت. وعبارة الكرخي قوله: لأنه سبب أي لأن الضلال سبب الإذكار، والاذكار مسبب عنه، فنزل منزلته لأنهم ينزلون كلا من السبب والمسبب منزلة الآخر لتلازمهما. ومن شأن العرب إذا كان للعلة علة قدموا ذكر علة العلة، وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة، كقولك: اعددت الخشبة ان يميل الجدار فادعمه بها فالإدعام علة في إعداد الخشبة، والميل علة الإدعام. وإيضاحه أنك لم تقصد باعداد الخشبة ميل الحائط، وإنما المعنى لأدعم بها إذا مال، فكذلك الآية، وهذا مما يعول فيه على المعنى ويهجر فيه جانب اللفظ، فلا يرد كيف جعل أن تضل علة لاستشهاد المرأتين بدل رجل مع أن علته إنما هي التذكير اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية. قوله: (و رفع تذكر) وحينئذ يتعين إضمار المبتدأ لأجل الفاء، لأنها لا تدخل إلا على الجواب الذي لا يصلح لكونه شرطا من الأمور السبعة المعلومة، ويكون الجواب هو الجملة لا الفعل وحده اهـ شيخنا.\rقوله: (و رفع تذكر) أي مع التشديد فقط. وقوله: استئناف مراده بالاستئناف أن أداة الشرط لم تعمل في لفظه، وإلّا فالفعل خبر مبتدأ محذوف، ومجموعها في محل جزم جواب الشرط، والمبتدأ المحذوف يقدر ضمير القصة، والشأن تقديره فهي أي القصة تذكر إحداهما وهي الذاكرة الأخرى وهي الضالة.\rقوله: (استئناف) بالنصب على أنه مفعول من أجله علة لرفع الفعل أي إنما رفع لأجل الاستئناف، وقد عرفت معنى الاستئناف هنا، وكونه بالنصب لا ينافي عدم ثبوت الألف فيه في لفظ الشارح، لكونه بناه على طريقة ربيعة الذين يرسمون المنصوب بصورة المرفوع والمجرور: وقوله جوابه أي جواب الشرط الذي هو أن المكسورة على هذه القراءة، وفي هذا التعبير تسمح لاقتضائه أن الفعل وحده هو جواب الشرط مع أن الجواب الجملة المركبة من ضمير القصة والفعل وفاعله وهو الاسم الظاهر فمجموع الثلاثة هو الجواب، تأمل.\rقوله: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ أي يحرم عليهم ذلك لأن تحمل الشهادة فرض كفاية مطلقا والأداء، كذلك إن زاد المتحملون على من يثبت بهم الحق وإلّا ففرض عين اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَسْئَمُوا مقتضى قول الشارح أي ما شهدتم عليه أن يكون هذا معطوفا على قوله:\rوَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ ويكون الخطاب لهم على سبيل الالتفات، وتفيد الآية حينئذ أن ينبغي للشهود أن يكتبوا ما شهدوا به، ليكون ذلك أعون لهم على التذكر، ويحتمل أنه معطوف على قوله فاكتبوه،","part":1,"page":354},{"id":358,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 355\rصَغِيراً كان أَوْ كَبِيراً قليلا أو كثيرا إِلى أَجَلِهِ وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه ذلِكُمْ أي الكتب أَقْسَطُ أعدل عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها وَأَدْنى أقرب إلى أَلَّا تَرْتابُوا تشكوا في قدر الحق والأجل إِلَّا أَنْ تَكُونَ تقع تِجارَةً ويكون خطابا للمتعاملين بالدين وعلى هذا يؤول قول الشارح أي ما شهدتم عليه بأن المراد به ما أشهدتم عليه اهـ.\rقوله: (تملوا) في المصباح: مللته ومللت منه مللا من باب تعب، وملالا سئمت وضجرت والفاعل ملول اهـ.\rوفيه أيضا: سئمته أسأمه مهموز من باب تعب سأما وسآمة بمعنى ضجرته ومللته، ويعدى بالحرف أيضا فيقال سئمت منه، وفي التنزيل لا يسأم الإنسان من دعاء الخير اهـ.\rفتعلم من هذا أن تقدير الشارح حرف الجر بقوله: من أن تكتبوه ليس بلازم. قوله: (لكثرة وقوع ذلك) علة للسآمة المنهي عنها أي السآمة التي سببها كثرة الوقوع لا تباح بل هي منهي عنها اهـ شيخنا.\rقوله: صَغِيراً كان أَوْ كَبِيراً جعله الشارح منصوبا على أنه خبر كان المقدرة، والأولى جعله حالا كما قال السمين ونصه: وصغيرا وكبيرا حال أي على أي حال كان الدين قليلا أو كثيرا، وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا أو مشبعا، وجوز نصبه على خبر كان مضمرة، وهذا لا حاجة تدعو إليه وليس من مواضع إضمار كان اهـ.\rقوله: (حال من الهاء في تكتبوه) أي مستقرا في ذمة المدين إلى وقت حلوله الذي أقر به المدين أي فاكتبوه بصفة أجله، وقولوا ثبت كذا مؤجلا بكذا ولا تهملوا الأجل في الكتابة اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: حال من الهاء في تكتبوه أي وهو متعلق بمحذوف أي تكتبوه مستقرا في الذمة إلى حلوله لا بتكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى أجله، إذ تنتهي في زمن يسير. قاله أبو حيان اهـ.\rقوله: (أي الكتب) أي المذكور في قوله: ولا تسأموا أن تكتبوه الخ. والخطاب للمؤمنين أو للمتعاملين أو للشهود اهـ.\rقوله: أَقْسَطُ من أقسط الرباعي على غير قياس، وكذلك قوله؛ وأقوم إذ القياس أن يكون بناء أفعل التفضيل من المجرد لا من المزيد. وفي المختار القسوط الجور، والعدول عن الحق، وبابه جلس، ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: 42] اهـ. قوله: عِنْدَ اللَّهِ أي في علمه. قوله: (على إقامتها) أي أدائها. قوله: (تشكوا في قدر الحق) أي وجنسه وشهوده اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً في هذا الاستثناء قولان.\rأحدهما: أنه متصل. قال أبو البقاء: والجملة المستثناة في موضع نصب لأنه استثناء من الجنس لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة، واستثنى منها التجارة الحاضرة، والتقدير إلا في حالة حضور التجار.","part":1,"page":355},{"id":359,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 356\rحاضِرَةً وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي تقبضونها ولا أجل فيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ في أَلَّا تَكْتُبُوها والمراد بها المتجر فيه وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ عليه فإنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا والثاني: انه منقطع. قلت، وهذاهو الظاهر كأنه قيل: لكن التجارة الحاضرة فإنه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها اهـ سمين.\rقوله: (بالنصب) أي نصب الصفة والموصوف. قوله: (و اسمها ضمير التجارة) عبارة السمين:\rواسمها مضمر فيها فقيل تقديره إلا أن تكون المعاملة أو المبايعة أو التجارة اهـ.\rقوله: (أي تقبضونها) تفسير لتديرونها بينكم، وقوله: (و لا أجل فيها) تفسير لقوله حاضرة، فهو من قبيل اللف والنشر المشوش اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: إلا أن تكون تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيهما يدا بيد اهـ.\rوالتجارة الحاضرة تعم المبايعة بعين أو دين اهـ بيضاوي.\rقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ قال أبو البقاء: دخلت الفاء في فليس إيذانا بتعلق ما بعدها بما قبلها. قلت: هي عاطفة هذه الجملة على الجملة من قوله: إلا أن تكون تجارة الخ، والسببية فيها واضحة أي تسبب عن ذلك رفع الجناح في عدم الكتابة. وقوله ألا تكتبوها أي في أن لا تكتبوها، فحذف حرف الجر وبقي في موضع ان الوجهان، وقوله: إذا تبايعتم يجوز أن تكون شرطية، وجوابها إما المتقدم عند قوم، وإما محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره إذا تبايعتم فاشهدوا، ويجوز أن يكون ظرفا محضا أي افعلوا الشهادة وقت التبايع اهـ سمين.\rوإنما رخص اللّه في ترك الكتابة في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانه بين الناس، فلو كلفوا الكتابة فيه لشق عليهم، ولأنه إذا أخذ كل واحد حقه في المجلس لم يكن هناك خوف الجحود فلا حاجة إلى الكتابة اهـ خازن.\rقوله: (و المراد به) أي بالتجارة في قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً، وقوله: لا تكتبوها اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أي التبايع السابق في قولهم: إلا أن تكون تجارة، فقوله عليه راجع للتبايع السابق، ويصح أن يكون المراد بتبايعتم مطلق التبايع اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هذا) أي قوله وأشهدوا وما قبله أي من جميع الأوامر المذكورة في آية الدين المذكورة اهـ شيخنا.\rقوله: (أمر ندب)، هو ما عليه الجمهور وعبارة كثيرين أمر إرشاد، والفرق بينهما ان الندب مطلوب لثواب الآخرة، والارشاد لمنافع الدنيا اهـ كرخي.\rقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل أنه مبني للفاعل، فأصله لا يضار بكسر الراء","part":1,"page":356},{"id":360,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 357\rشَهِيدٌ صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة أو لا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه فَإِنَّهُ فُسُوقٌ خروج عن الطاعة لا حق بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)\r* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي الأولى، ويحتمل انه مبني للمفعول فأصله لا يضارر بفتحها، فقوله صاحب الحق منصوب على المفعولية، وهذا على الاحتمال الأول، وقوله: (أو لا يضرهما الخ) هذا على الاحتمال الثاني، فالمعنى على الأول لا يدخل الكاتب والشهيد الضرر على صاحب الحق والمدين، وعلى الثاني لا يدخل الضرر من صاحب الحق والمدين على الكاتب والشهيد اهـ شيخنا.\rقوله: (و من عليه) أي ومن عليه الحق. قوله: (بتحريف) أي في الكتابة بزيادة أو نقص فيتضرر بالنقص صاحب الحق وبالزيادة من عليه الحق، وقوله: (أو امتناع الخ) في كل من الامتناعين ضرر على صاحب الحق دائما، وقد يكون فيهما ضرر على من عليه الحق اهـ شيخنا.\rقوله: (أو لا يضرهما) هذا على كون الفعل مبنيا للمفعول، وأصله يضارر بفتح الراء الأولى، ورجح هذا بأنه لو كان النهي متوجها نحو الكاتب والشهيد لقال: وإن تفعلا فإنه فسوق بكما، وبأن السياق من أول الآيات إنما هو في المكتوب له والمشهود له، فمثال مضارة الكاتب والشاهد منع الجعل منهما اهـ كرخي.\rفإن لهما طلب الجعل ولا يكلفان الكتابة ولا الشهادة مجانا كما هو مقرر في محله. قوله:\r(بتكليفهما الخ) عبارة أبي السعود بأن يشغلهما عن مهمهما أو لا يعطي الكاتب جعله انتهت.\rوعبارة الخازن: والمعنى على هذا أن يدعو الرجل الكاتب والشاهد وهما مشغولان، فإذا قالا نحن في شغل مهم فاطلب غيرنا، فيقول الطالب لهما: إن اللّه أمركما أن تجيبا إذا دعيتما، فيشغلهما عن حاجتهما فنهي عن مضارتها في هذه الحالة وأمر بطلب غيرهما فيها اهـ.\rقوله: (لا حق) بِكُمْ عبارة أبي السعود: ملتبس بكم اهـ أي متعلق بكم.\rقوله: (و نهيه) أي عن المضارة وغيرها. قوله: (حال مقدرة) فيه أن الفعل مضارع مثبت مقترن بالواو وحاليته ممتنعة، فيحتاج إلى تأويل، فالاستئناف أظهر اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله حال مقدرة تبع فيه أبا البقاء، وتعقب بأن المضارع المثبت لا تباشره واو الحال، فإن ورد ما ظاهره ذلك نحو قمت وأصك عيبه فمؤول أي على إضمار مبتدأ بعد الواو، ويكون المضارع خبرا عنه أي وأنا أصك أي أضرب. وحينئذ فالجملة اسمية يصح اقترانها بالحال، لكن لا ضرورة تدعو إليه ههنا أي لأن ما ذكر شاذ، ولا ينبغي أن يحمل القرآن على الشاذ انتهت.\rقوله: (أو مستأنف) هذاهو الظاهر أي فليست الواو في ويعلمكم اللّه للعطف وإلّا لزم عطف الإخبار على الإنشاء، كما صرح به ابن هشام، وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث لإدخال الروع وتربية المهابة وللتنبيه على استقلال كل منها بمعنى على حياله، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية","part":1,"page":357},{"id":361,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 358\rمسافرين وتداينتم وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ وفي قراءة فَرِهانٌ جمع رهن مَقْبُوضَةٌ تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقييد بما ذكر لأن التوثيق فيه أشد، وعد بالانعام بالتعليم، والثالثة تعظيم لشأنه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هذا آخر آية الدين، وقد حثّ اللّه سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد. قال القفال رحمه اللّه تعالى: ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد. ألا ترى أنه قال إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ثم قال ثانيا: ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ، ثم قال ثالثا: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، فكان هذا كالتكرار لقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ لأن العدل هو ما علمه اللّه، ثم قال رابعا: فليكتب وهذا إعادة للأمر الأول، ثم قال خامسا:\rوَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملي عليه، ثم قال سادسا: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وهذا تأكيد. ثم قال سابعا: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً، وهذا كالمستفاد من قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: 282 و283]، ثم قال ثامنا: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ، وهو أيضا تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعا: ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا، فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على المبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل اللّه والاعراض عن مساخطه من الربا وغيره والمواظبة على تقوى اللّه اهـ خطيب.\rقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ على بمعنى في كما يشير له قول الشارح أي مسافرين اهـ شيخنا.\rوعبارة الشهاب قوله: أي مسافرين فيه إشارة إلى أن على استعارة تبعية شبه تمكنهم من السفر بتمكن الراكب من مركوبه انتهت.\rقوله: وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً في هذه الجملة ثلاثة أوجه.\rأحدها: أنها عطف على فعل الشرط أي وإن كنتم ولم تجدوا فتكون في محل جزم تقديرا.\rوالثاني: أن تكون معطوفة على خبر كان أي وإن كنتم لم تجدوا كاتبا.\rوالثالث: أن تكون الواو للحال والجملة بعدها نصب على الحال فهي على هذين الوجهين الآخرين في محل نصب اهـ سمين.\rوإنما لم يتعرض لعقد الشاهد لأنه يوجد في السفر كثيرا بخلاف الكاتب فيقل وجوده فيه، تأمل.\rقوله: (جمع رهن) أي على كل من القراءتين وهو بمعنى مرهون تدليل قوله مقبوضة، ويصح أن يراد المصدر الذي هو العقد فيكون المراد مقبوضة متعلقاتها. قوله: مَقْبُوضَةٌ صفة لرهن الواقع مبتدأ والخبر محذوف ذكر بقوله تستوثقون بها. قوله: (و بينت السنة الخ) فالسنة مقدمة على مفهوم الآية، وقوله بما ذكر أي من السفر وعدم وجدان الكاتب اهـ شيخنا.\rقوله: (و وجود الكاتب) أي وفي حال وجود الكاتب. قوله: (اشتراط القبض في الرهن الخ)","part":1,"page":358},{"id":362,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 359\rوأفاد قوله مقبوضة اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي الدائن المدين على حقه فلم يرتهنه فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أي المدين أَمانَتَهُ دينه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في أدائه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ إذا دعيتم لإقامتها وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ خصّ بالذكر لأنه محل الشهادة ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين وَاللَّهُ اشتراط القبض إنما هو للزومه لا لصحته وجوازه. وقوله: (و الاكتفاء به) من المرتهن وجه إفادة هذا الاكتفاء أن مقبوضة اسم مفعول مأخوذ من القبض، وهو من فعل المرتهن، فيفيد اللفظ الاكتفاء بفعله، وإن لم يحصل من الراهن إقباض، لكن لا بد من إذنه للمرتهن في القبض، فإن لم يأذن له لم يصح القبض. وعبارة المنهج ولا يلزم إلا بقبضه بإذن أو إقباض ممن يصح عقده انتهت.\rقوله: (فلم يرتهنه) أي لم يأخذ منه رهنا اكتفاء بأمانته وسهولة الأخذ منه وتحسينا للظن به، وكذا يقال فيما إذا ائتمنه: فلم يشهد عليه ولم يكتب عليه فيقال: فليؤد الذي ائتمن أمانته. قوله: الَّذِي اؤْتُمِنَ إذا وقف على الذي وابتدىء بما بعده يقال: أوتمن بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة، وذلك لأن أصله أؤتمن مثل اقتدر بهمزتين: الأولى للوصل والثانية فاء الكلمة فوقعت الثانية ساكنة بعد أخرى مضمومة، فوجب قلب الثانية واوا على القاعدة في اجتماع الهمزتين، وأما في الدرج فتحذف همزة الوصل التي هي الأولى وتعود الثانية ساكنة بحالها لزوال المقتضي لقلبها واوا اهـ من السمين.\rقوله: (أي المدين) وإنما سمي أمينا لتعينه طريقا للإعلام بالدين والإقرار به لعدم توثق الدائن عليه، فقد ائتمنه عليه وفوض الأمر إلى أمانته، وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه حيث لم يرتهن عليه. قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ فيه مبالغات من حيث الاتيان بصيغة الأمر الظاهر في الوجوب، والجمع بين ذكر اللّه والرب، وذكر عقب الأمر بأداء الدين وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى اهـ أبي السعود.\rقوله: (في أدائه) أي في أداء الحق عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا جحود، بل يعامله المعاملة الحسنة كما أحسن ظنه اهـ خازن.\rقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ الخطاب للشهود والمديونين، وشهادة المديونين على أنفسهم إقرارهم واعترافهم بالدين اهـ زكريا.\rقوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ الضمير عائد على من، وآثم خبر إن وقلبه فاعل به، ويصح أن يكون الضمير للشأن وآثم خبر مقدم، وقلبه مبتدأ مؤخر والجملة خبر إن. قوله: (خص بالذكر) أي مع أن الإثم يكون بالشخص كله، وقوله: لأنه محل الشهادة أي محل كتمانها. وعبارة الكرخي أسند الإثم للقلب لأن الكتمان معصية القلب، وإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمله أبلغ. ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، وهو صريح في مؤاخذة الشخص بأعمال هذا القلب، انتهت.\rقوله: (فيعاقب) أي القلب معاقبة الآثمين أي اثمه هو بإنكاره، وإثم غيره من الأعضاء من حيث انه تسبب فيه.","part":1,"page":359},{"id":363,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 360\rبِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لا يخفى عليه شيء منه\rلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من السوء والعزم عليه أَوْ تُخْفُوهُ تسروه يُحاسِبْكُمْ يخبركم بِهِ اللَّهُ يوم القيامة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه والفعلان بالجزم عطفا على جواب الشرط والرفع أي فهو وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) ومنه محاسبتكم وجزاؤكم\rآمَنَ قوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ استدلال على قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، فاستدل بسعة ملكه على سعة علمه. وقوله: ما فِي السَّماواتِ الخ أي من الأمور الداخلة في حقيقتها والخارجة عنهما من أولي العلم وغيرهم، فغلب غيرهم لأنهم أكثر أي الكل له تعالى خلقا وملكا وتصرفا اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ تُبْدُوا الخ صريح في التكليف والمؤاخذة بالخواطر التي لا يقدر الإنسان على دفعها، ولذلك سيأتي في الشارح ما يقتضي أنها منسوخة بما سيأتي، هذا وفي قول الشارح هنا من السوء والعزم عليه إيماء إلى عدم النسخ، وذلك لأنه إذا حمل ما في الأنفس على خصوص العزم لم يكن نسخ لأنه مؤاخذة به، وقد نظم بعضهم مراتب القصد بقوله:\rمراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... وخاطر فحديث النفس فاستمعا\r\rيليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا\r\rاه.\rقوله: (و العزم عليه) أي على السوء أي قصد فعله قصدا جازما، والمراد بابدائه العمل بمقتضاه أي عمل المنوي والمعزوم عليه. قوله: (يخبركم) جواب عن سؤال وهو أنه كيف قال في الاخفاء يحاسبكم به اللّه مع أن حديث النفس لا إثم فيه ما لم يفعل للحدث المشهور فيه، ولأنه لا يمكن الاحتراز عنه، فأجاب بأن المراد بالمحاسبة مجرد الاخبار به لا المعاقبة عليه، فهو تعالى يخبر العباد بما أخفوا أو أظهروا ليعلموا إحاطة علمه، ثم يغفر ويعذب فضلا وعدلا، وعلى المؤاخذة يكون ذلك منسوخا بقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، أو المراد بما أخفوه العزم القاطع والاعتقاد الجازم لا مجرد حديث النفس والوسوسة، وذكر الحساب حجة على منكره من المعتزلة والروافض اهـ كرخي.\rوحاصل صنيع الشارح أنه أجاب عن السؤالين بجوابين: الأول ما ذكره هنا، وهو أن المراد بالمحاسبة مجرد الإخبار. والثاني أن ما هنا منسوخ كما سيذكره بقوله، ولما نزلت الآية قبلها الخ، ولكن كلّا من الجوابين ومن السؤال إنما يستقيم لو أريد بما في النفس مطلق ما يرد على القلب من الخواطر، أما لو اريد به خصوص العزم كما حمله هو عليه، فلا يرد السؤال ولا الجوابان ففيه صنيعه تساهل، تأمل. قوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ الخ قال ابن عباس: يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الحقير لا يسأل عما يفعل اهـ خازن. قوله: (و الرفع) أي على الاستئناف اهـ.\rقوله: (و جزاؤكم) هو المذكور بقوله فيغفر لمن يشاء الخ، ولذلك قال أبو السعود: هذا تذليل مقرر لما قبله فان كمال قدرته على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليها من المغفرة والتعذيب اهـ.","part":1,"page":360},{"id":364,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 361\rصدق الرَّسُولُ محمد بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ من القرآن وَالْمُؤْمِنُونَ عطف عليه كُلٌ تنويه عوض عن المضاف إليه آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ بالجمع والإفراد وَرُسُلِهِ يقولون لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى وَقالُوا سَمِعْنا أي قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قال الزجاج: لما ذكر اللّه في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق والإيلاء والحيض والجهاد وقصص الأنبياء، وما ذكر من كلام الحكماء ختم السورة بذكر تصديق نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون بجميع ذلك اهـ خازن.\rقوله: (عطف عليه) هذا أحد وجهين وعبارة السمين. قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ يجوز فيه وجهان.\rأحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية عطفا على الرسول، فيكون الوقف هنا ويدل على صحة هذا ما قرأ به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآمن المؤمنون، فأظهر الفعل ويكون قوله: كل آمن جملة من مبتدأ وخبر تدل على أن جميع من تقدم ذكره آمن بما ذكر.\rوالثاني: أن يكون المؤمنون مبتدأ وكل مبتدأ ثان وآمن خبر عن كل، وهذا المبتدأ وخبره خبر عن الأول، وعلى هذا فلا بد من رابط بين الجملة وبين ما أخبر به عنها وهو محذوف تقديره كل منهم كقولهم السمن منوان بدرهم تقديره منوان منه اهـ.\rقوله: (تنوينه عوض من المضاف إليه) أي فيكون الضمير الذي ناب عنه التنوين في كل راجعا إلى الرسول والمؤمنون أي كلهم آمن، وتوحيد الضمير من آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع اهـ كرخي.\rقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ كل: مبتدأ أخبر عنه بخبرين في أولهما مراعاة لفظ كل، وهو قوله آمن، وفي ثانيهما مراعاة معناها وهو قوله: وقالوا سمعنا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بالجمع والافراد) قراءتان سبعيتان. قوله: يقولون لا نُفَرِّقُ قدر الفعل ليفيد أن هذه الجملة منصوبة بقول محذوف، ومن قدر يقول راعى لفظ كل، وهذا القول المضمر في محل نصب على الحال أي قائلين اهـ كرخي.\rقوله: بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي في الإيمان بهم، وأضيف بين إلى أحد وهو مفرد، وإن كان قاعدتهم انه إنما يضاف إلى متعدد نحو بين الزيدين، أو بين زيد وعمرو، ولا يجوز بين زيد وتسكت، لأن احدا اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، فحيث أضيف بين إليه أو أعيد ضمير جمع إليه أو نحو ذلك، فالمراد به كما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه، فمعنى لا نفرق بين أحد لا نفرق بين جمع من الرسل، ومعنى فما منكم من أحد فما منكم من جماعة، ومعنى لستن كأحد من النساء كجماعة من جماعات النساء، وعدم التعرض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: ولم يقل وكتبه لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يعكس مع تحقق التلازم من الجانبين، لأن الأصل في تفريق المفرقين هم الرسل وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم بهم، انتهت.","part":1,"page":361},{"id":365,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 362\rما أمرنا به سماع قبول وَأَطَعْنا نسألك غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) المرجع بالبعث. ولما نزلت الآية قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة وشق عليهم المحاسبة بها فنزل\rلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي ما تسعه قدرتها لَها ما كَسَبَتْ من الخير أي ثوابا وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الشر أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه وقولوا رَبَّنا لا قوله: (فنؤمن ببعض) بالنصب في حيز النفي فالنفي مسلط عليه. قوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ معطوف على مقدر أي فمنك مبدؤنا وإليك الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و لما نزلت الآية) وهي قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الخ، قبلها أي قبل آية آمَنَ الرَّسُولُ الخ، وقوله: فنزل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ أي نزل مبينا لما في أنفسهم وقاصرا له على ما في الوسع وهو العزم فقط فما عداه من الخواطر لا محاسبة به، وهذا أحسن من قول غيره، فنزل آمن الرسول الخ، وذلك لأن الرافع للحرج في الآية السابقة وهو قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الخ، وليس لآية آمن الرسول دخل في ذلك، وهذا لا ينافي أن آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخرها نزلت قبل قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (من الوسوسة) أي من المؤاخذة بها كما يقتضيه. قوله: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وقد عرفت أن هذا لا يتوجه على صنيعه حيث حمل ما في النفس على خصوص العزم، وإنما يتم لو أبقاه على اطلاق كما عرفته سابقا فليتأمل. قوله: (أي ما تسعه قدرتها) عبارة البيضاوي إلا ما تسعه قدرتها فضلا منه ورحمة أو ما دون مدى طاقتها أي غاية طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها، كقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]. قوله: لَها ما كَسَبَتْ الخ الدليل على أن الأول في الخير، والثاني في الشر اللام في الأول، وعلى في الثاني لأن اللام للخير وعلى للمضرة، لكن هذا ينتقض بقوله تعالى: وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ إلا أن يقال هما يقتضيان ذلك عند الاطلاق بلا ذكر الحسنة والسيئة، أو انهما يستعملان لذلك عند تقارنهما، كما في هذه الآية، وكما في قوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصلت: 46 والجاثية: 15] قال شيخ الإسلام: فإن قلت؛ لم خص الكسب بالخير والاكتساب بالشر؟. قلت: لأن الاكتساب فيه اعتمال، والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه، فكانت أجد في تحصيله بخلاف الخير، ولأن ذلك إشارة إلى أن كرامة اللّه تعالى وتفضله على خلقه حيث أثابهم على فعل الخير من غير جد واعتمال، ولم يؤاخذهم على فعل الشر إلا بالجد والاعتمال اهـ كرخي.\rقوله: (و لا يؤاخذ أحد الخ) بيان للقصر الذي أفاده التقديم في قوله: وعليها الخ، ولم يبين مثله في قوله: لَها ما كَسَبَتْ الخ، بأن يقول وليس لها ما كسبه غيرها أي لا تنتفع بكسب غيرها، وذلك لأن التقديم فيه ليس للحصر، لأن الإنسان قد يثاب بما كسبه غيره، كالتصديق عليه، والقراءة له، وقوله:\rولا بما لم يكسبه الخ بيان لمفهوم الاكتساب. إذ هو يشعر بالاختيار والمعاناة، فيخرج ما لم يعانه الشخص ولم يكن مختارا فيه، وهو بقية مراتب القصد ما عدا العزم وهي أربعة، وأما العزم فينسب للشخص اكتسابا لاختياره فيه من حيث تصميمه وعقد الضمير عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (مما وسوست به نفسه) المراد بما وسوست به نفسه هنا مراتب القصد الأربعة ما عدا","part":1,"page":362},{"id":366,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 363\rتُؤاخِذْنا بالعقاب إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا تركنا الصواب لا عن عمد كما أخذت به من قبلنا وقد رفع اللّه ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث، فسؤاله اعتراف بنعمة اللّه رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أمرا يثقل علينا حمله كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي بني إسرائيل من قتل العزم، وهي الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم اهـ.\rقوله: قولوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا الخ تعليم من اللّه لعباده كيفية الدعاء، وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطلب ليعطيهم المطلوب اهـ شيخنا.\rقوله: لا تُؤاخِذْنا يقرأ بالهمزة وهو من الأخذ بالذنب، ويقرأ بالواو، ويحتمل وجهين، أحدهما أن يكون من الأخذ أيضا، وإنما أبدلت الهمزة واوا لانفتاحها وانضمام ما قبلها، وهو تخفيف قياسي، ويحتمل أن يكون من واخذه بالواو قاله أبو البقاء، وجاء هنا بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد، وهو اللّه لأن المسيء قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله، فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه ويأخذ به على نفسه، فحسنت المفاعلة، ويجوز أن يكون من باب سافرت وعاقبت وطارقت اهـ سمين.\rقوله: (لا عن عمد) كتأخير الصلاة عن وقتها في حال الغيم جهلا به، وكقتل الخطأ المشهور اهـ.\rقوله: (كما آخذت به) أي بما ذكر من الأمرين من قبلنا. قيل: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء مما كان حلالا لهم من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر اللّه المؤمنين أن يسألوا رفع مؤاخذتهم بذلك اهـ خازن.\rقوله: (و قد رفع اللّه ذلك الخ) أي المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وهذا إشارة إلى إيراد حاصله أنه كان مرفوعا عنا بمقتضى الحديث الشريف، فيكون طلب رفعه طلبا لتحصيل الحاصل، وقد أجاب عنه بقوله: فسؤاله اعتراف بنعمة اللّه، أي فالقصد من سؤال هذا الرفع وطلبه الإقرار والاعتراف بهذه النعمة، أي إظهارها والتحدث بها على حد وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11]. قوله: (كما ورد في الحديث) وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه». رواه الطبراني وغيره اهـ كرخي.\rقوله: لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً معطوف على لا تؤاخذنا وتوسيط النداء بين المتعاطفين لإظهار مزيد الضراعة والالتجاء إلى الرب الكريم، وكذا يقال في قوله: وَلا تُحَمِّلْنا فهو معطوف على لا تؤاخذنا إلى آخر ما تقدم اهـ.\rقوله: إِصْراً الإصر العناء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه، والمراد به التكاليف الشاقة اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: أصره حبسه وبابه ضرب اهـ.\rوفي السين: والاصر في الأصل الثقل والشدة، ويطلق على العهد والميثاق لثقلهما كقوله تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81] أي عهدي وميثاقي، ويضع عنهم إصرهم أي التكاليف الشاقة ويطلق على كل ما يثقل على النفس كشماتة الاعداء اهـ.","part":1,"page":363},{"id":367,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 364\rالنفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ قوة لَنا بِهِ من التكاليف والبلاء وَاعْفُ عَنَّا امح ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا في الرحمة زيادة قوله: (و قرض موضع النجاسة) أي من البدن والثياب هكذا قاله الشراح اهـ كرخي.\rقوله: (من التكاليف) كوجوب قيام الليل. قوله: (و البلاء) كالمسخ والخسف والاغراق اهـ.\rوهذا التقرير من الشارح يقتضي أن الإصر وما لا طاقة لنا به معناهما واحد، وهو أحد قولين ذكرهما أبو السعود. حاصل الأول منهما: إن سؤال رفع الإصر طلب رفع التكليف بالأمور الشاقة، وان سؤال رفع التحميل بما لا يطاق طلب عدم العقوبة به. وحاصل الثاني منهما أن السؤال الثاني هو عين الأول، وكرر لتصوير الأمور الشاقة بصورة ما لا يطاق أصلا ونصه: فكأنه قيل لا تكلفنا تلك التكاليف الشاقة ولا تعاقبنا بتفريطنا في المحافظة عليها، فيكون التعبير عن إنزال العقوبات بالتحميل باعتبار ما يؤدي إليها، وقيل: هو تكرير للأول وتصوير للأمر بصورة ما لا يستطاع مبالغة اهـ.\rوالطاقة القدرة على الشيء وهي في الأصل مصدر جاء على حذف الزوائد وكان من حقها إطاقة لأنها من أطاق اهـ سمين.\rقوله: (امح ذنوبنا) يستعمل واويا من باب عدا ويائيا من باب رمى، ومصدر الأول محو، ومصدر الثاني محي اهـ مختار.\rولم يفسر الشارح المغفرة وظاهر صنيعه انها بمعنى المحو، لكن عبارة البيضاوي واعف عنا وامح ذنوبنا واغفر لنا واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة وارحمنا وتعطف بنا وتفضل علينا، انتهت.\rقوله: (زيادة على المغفرة) أي لأن الرحمة الإحسان وهي تشتمل المغفرة التي هي غفر الذنوب وإيصال النعم في الدنيا والآخرة اهـ شيخنا.\rقوله: مَوْلانا المولى مفعل من ولي يلي، وهو هنا مصدر يراد به الفاعل، ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي صاحب تولينا أن نصرتنا، ولذلك قال: فانصرنا. والمولى يجوز أن يكون اسم مكان أيضا واسم زمان اهـ سمين.\rقوله: فَانْصُرْنا أتى هنا بالفاء إعلاما بالسببية، لأن اللّه تعالى لما كان مولاهم ومالك أمورهم، وهو مدبرهم تسبب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم كقولك: أنت الجواد فتكرم عليّ وأنت البطل فاحم حومتك اهـ سمين.\rقوله: (فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه) أي عبيده أشار بهذا إلى تقرير السببية المستفادة من الفاء أي أن طلب النصرة يتسبب من اتصافه بكونه مولانا كما عرفت من عبارة السمين، فان قيل: ما فائدة لفظ القوم، وهلا قيل: انصرنا على الكافرين حتى يكون المطلوب النصر على كل واحد من الكفرة فالجواب أن النصر على كل واحد لا يستلزم النصر على المجموع من حيث انه مجموع لأن الشخص قد يكون غالبا على كل واحد، ولا يكون غالبا على المجموع اهـ كرخي.\rقوله: (هذه الآية) أولها لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إلى آخر السورة، وقوله: قيل له أي من","part":1,"page":364},{"id":368,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 365\rعلى المغفرة أَنْتَ مَوْلانا سيدنا ومتولي أمورنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء وفي الحديث لما نزلت هذه الآية فقرأها صلّى اللّه عليه وسلّم قيل له عقيب كل كلمة قد فعلت.\rقبل اللّه أي قال اللّه له عقب كل كلمة من كلمات الدعوات، وهي سبع أولها: لا تُؤاخِذْنا، وآخرها فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فيكون قوله قد فعلت وقع سبع مرات، والمراد به قد أجبت دعاءك ومطلوبك، وهذه رواية مسلم، وفي قوله: لا تؤاخذنا إن نسينا أو اخطأنا. قال: لا أؤاخذكم. ربنا ولا تحمل علينا إصرا قال: لا أحمل عليكم. ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. قال: ولا أحملكم، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين اهـ.\rوروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين. قال ابن عطية: هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقد روى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»، قيل: عن قيام الليل.\rكما روي عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «انزل اللّه عليّ آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه عن قيام الليل آمن الرسول إلى آخر السورة».\rوقيل: كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان: وقال علي بن أبي طالب: ما أظن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه عز وجل كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن سورة البقرة من قرأهن في نفسه لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال» اهـ. من القرطبي، وأول الثلاثة لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.\rوروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فان تعلمها بركة وتركها حسرة، ولن تستطيعها البطلة». قيل: وما البطلة؟ قال: «السحرة». أي أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعلمها أو التأمل في معانيها أو العمل بما فيها» وسموا بطلة لانهماكهم في الباطل أو لبطلانهم على أمر الدين والفسطاط بضم الفاء الخيمة أو المدينة الجامعة. سميت به السورة لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه والإرشاد الى كثير من مصالح العباد ونظام المعاش ونجاة المعاد اهـ خطيب.","part":1,"page":365},{"id":369,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 366\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة آل عمران مدنية وهي مائتان أو إلا آية\rالم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك\rاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)\rنَزَّلَ عَلَيْكَ يا محمد بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا الاسم مأخوذ من قوله تعالى الآتي: وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: 33]، واختلف في عمران هذا هل هو أبو موسى، أو أبو مريم، والثاني بعد الألف بألف سنة وثمانمائة، فعلى الأولى إله موسى وهارون، وعلى الثاني إله مريم وعيسى، وسيأتي في الشرح أن المراد بآل عمران عمران نفسه اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: حكى النقاش أن هذه السورة اسمها في التوراة طيبة، وورد في فضلها أخبار وآثار، فمن ذلك ما جاء أنها أمان من الحيات، وكنز للفقير، وأنها تحاج عن قارئها في الآخرة، ويكتب لمن قرأ آخرها في ليلة كقيام الليل. وعن مكحول قال: من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل، إلى غير ذلك مما ورد في فضلها اهـ.\rقوله: الم الخ نزلت هذه الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكبا فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثة منهم أكابرهم: أحدهم أميرهم، وثانيهم وزيرهم، وثالثهم حبرهم، فقدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتكلم منهم أولئك الثلاثة معه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا تارة عيسى هو اللّه لأنه كان يحيي الموتى، وتارة هو ابن اللّه إذ لم يكن له أب، وتارة أنه ثالث ثلاثة لقوله تعالى فعلنا، وقلنا ولو كان واحدا لقال فعلت وقلت، فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يموت؟» قالوا: بلى. وكرر عليهم أدلة كثيرة وهم يقولون بلى ثم قال: «فكيف يكون عيسى كما زعمتم فسكتوا، وأبوا إلا الجحود، فأنزل اللّه من أول السورة إلى نيف وثمانين آية تقريرا لما احتج به النبي عليهم اهـ أبو السعود.\rوإنما فتحت الميم في المشهور، وكان من حقها أن يوقف عليها بالسكون لإلقاء حركة الهمزة عليها لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك في لام، وقرئ بكسرها على توهم أن التحريك لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو بكر رواية على عاصم بسكونها والابتداء بما بعدها على الأصل اهـ بيضاوي.\rقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ فيه أن وقت نزول هذه الآية لم يكن القرآن تكامل نزوله فإما أن يراد","part":1,"page":366},{"id":370,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 367\rالْكِتابَ القرآن ملتبسا بِالْحَقِ بالصدق في أخباره مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)\rمِنْ قَبْلُ أي قبل تنزيله هُدىً حال بمعنى هاديين من الضلالة لِلنَّاسِ ممن تبعهما وعبر فيهما بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضي للتكرير لأنهما أنزلا دفعة واحدة بالكتاب ما نزل منه إذ ذاك، أو يقال الفعل مستعمل في الماضي والمستقبل اهـ شيخنا.\rقوله: (ملتبسا) بِالْحَقِ أشار به إلى أن قوله: بِالْحَقِ متعلق بمحذوف، فيكون في محل نصب على الحال من الكتاب اهـ كرخي.\rقوله: مُصَدِّقاً حال مؤكدة أي نزله في حال تصديقه الكتب، وفائدة تقييد التنزيل بهذه الحال حث أهل الكتاب على الإيمان بالمنزل وتنبيههم على وجوبه، فإن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه حتما اهـ كرخي.\rقوله: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي موافقا في التوحيد والأمر بالعدل والإحسان، وفي الشرائع التي لا تختلف فيها الأمم، وأما في الشرائع المختلف فيها، فمن حيث ان أحكام كل واردة على حسب ما تقتضيه الحكمة التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفة بها مشتملة على المصالح اللائقة بشأنهم اهـ أبو السعود.\rقوله: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ فيه نوع مجاز لأن ما بين يديه هو ما أمامه فسمي ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره اهـ خازن. واللام في لما بين دعامة لتقوية العامل نحو قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: 107] وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اختلف الناس في هاتين اللفظتين هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أم لا يدخلانهما لكونهما أعجميين، فذهب جماعة إلى الثاني قالوا لأن هذين اللفظين اسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين، وقيل سريانيان كالزبور. وذهب جماعة إلى الأول، فقال بعضهم: التوراة مشتقة من قولهم ورى الزند إذا قدح فظهر منه، فلما كانت التوراة فيها ضياء ونور يخرج به من الضلال إلى الهدى كما يخرج بالنار من الظلام إلى النور سمي هذا الكتاب بالتوراة، وقال آخرون: بل هي مشتقة من وريت في كلامي من التورية وهي التعريض، وسميت التوراة بذلك لأن أكثرها تلويحات ومعاريض، وقال بعضهم: الإنجيل مشتق من النجل وهو التوسعة، ومنه العين النجلاء لسعتها، وسمي الانجيل بذلك لأن فيه توسعة لم تكن في التوراة إذ حلل فيه أشياء كانت محرمة في التوراة والعامة على كسر الهمزة من إنجيل، وقرأ الحسن بفتحها اهـ من السمين.\rقوله: هُدىً حال أي من التوراة الإنجيل، ولم يثن لأنه مصدر، كما أشار إلى ذلك في التقرير ويصح كونه مفعولا له والعامل فيه أنزل أي أنزل هذين الكتابين لأجل هداية الناس بهما اهـ كرخي.\rقوله: (ممن تبعهما) بيان للناس أي كلف وعمل بهما، فهذا تخصيص للناس، فالمراد بهم من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل، ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة، وإن لم نكن متعبدين أي مكلفين ومأمورين بشرع من قبلنا لأن فيهما ما يفيد التوحيد وصفات الباري والبشارة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ من الكرخي.","part":1,"page":367},{"id":371,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 368\rبخلافه وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن وغيره لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ذُو انْتِقامٍ (4) عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد\rإِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ كائن فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) لعلمه بما يقع في العالم من كلي قوله: (بخلافه) أي القرآن، فإنه نزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، فحفظته الحفظة أي كتبته الكتبة، ثم نزل منها في دفعات في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، والتعليل الذي ذكره المفسر بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وبقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، وبقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، وأجيب بأن القول بذلك جرى على الغالب، والظاهر كما أفاده شيخنا أنهما لمجرد التعدية والجمع بينهما للتفنن اهـ كرخي.\rقوله: (ليعم ما عداها) أي من بقية الكتب المنزلة أي فكأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل، فيكون من عطف العام على الخاص، حيث ذكر أولا الكتب الثلاثة، ثم عم الكتب كلها ليختص المذكور أولا بمزيد شرف اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي كوفد نجران. قوله: بِآياتِ اللَّهِ ذكر الآيات، وإن كان العذاب الشديد مترتبا على الكفر بآية من آيات اللّه، لأن الواقع أن من كفر ليس كفره مخصوصا بآية بل كان كافرا بالآيات كاليهود والنصارى، فإنهم كافرون بالآيات والمراد بالموصول إما أهل الكتابين وهو الأنسب بمقام المحاجة معهم أو جنس الكفرة، وهم داخلون فيه دخولا أوليا اهـ كرخي.\rقوله: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي بسبب كفرهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالخلود في النار، ويحتمل أن يرتفع عذاب بالفاعلية بالجار قبله لوقوعه خبرا عن إن، ويحتمل أن يرتفع على الابتداء والجملة خبر إن، والأول أولى لأنه من قبيل الاخبار بما يقرب من المفردات اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ الخ ردّ على نصارى نجران في دعواهم ألوهية عيسى. وجه الرد أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء، وعيسى يخفى عليه بعض الأشياء باعترافهم، فلا يصلح أن يكون إلها، وأن الاله هو الذي يصور الخلق في الأرحام، وعيسى لا يقدر على ذلك فلا يصلح أن يكون إلها. وعبارة الخازن: وقيل: إن الآية واردة في الرد على النصارى، وذلك أن عيسى كان يخبر ببعض الغيب فيقول: أكلت في ذلك اليوم كذا، صنعت كذا، وأنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، فادعت النصارى فيه أنه إله، وقالوا: ما قدر على ذلك إلا لأنه إله فردّ عليهم ذلك وأخبر أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه الذي يصور في الأرحام كيف يشاء وأن عيسى صوّره اللّه في الرحم، فهو من جملة خلقه وأنه يخفى عليه ما لا يخفى على اللّه اهـ.\rقوله: (كائن) فِي الْأَرْضِ أشار إلى أن الجار متعلق بمحذوف على أنه صفة لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي، أي لا يخفى عليه شيء ما اهـ كرخي.\rقوله: (في العالم) تفسير للمراد بالأرض والسماء، واعتذر عن تخصيصها بالذكر بقوله: (لأن الحس)","part":1,"page":368},{"id":372,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 369\rوجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما\rهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (6) في صنعه\rهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات الدلالة هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أصله المعتمد عليه الخ أي لأنهما محسوسان دون غيرهما فلا يناسب التصريح بذكر غيرهما في الاستدلال لعدم احساسه اهـ شيخنا.\rقوله: (من كلي وجزئي) فيه رد على الحكماء في قولهم إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بوجه كلي لأنه في الحقيقة يعني العلم بالجزئي كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ هذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة سيقت لمجرد الإخبار بذلك وأن تكون في محل رفع خبرا ثانيا لإن اهـ سمين.\rقوله: كَيْفَ يَشاءُ كيف أداة شرط وتعليق، كقولهم كيف تصنع أصنع وكيف تكون أكون، إلا أنه لا يجزم بها وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وكذلك مفعول يشاء لما تقدم أنه لا يذكر إلا لغرابة، والتقدير كيف يشاء تصويركم يصوركم، فحذف تصويركم لأنه مفعول يشاء، وحذف يصوركم لدلالة يصوركم الأول عليه، ونظيره قولهم أنت ظالم إن فعلت؛ تقديره أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم. وعند من يجيز تقديم الجزاء على الشرط الصريح يجعل يصوركم المتقدم هو الجزاء، وكيف منصوب على الحال بالفعل بعده والمعنى على أي حال شاء أن يصوركم صوركم، وتقدم الكلام على ذلك في قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ* ولا جائز أن تكون كيف معمولة ليصوركم، لأن لها صدر الكلام وماله صدر الكلام لا يعمل فيه إلا أحد شيئين: إما حرف جر نحو بمن تمر، وإما المضاف نحو غلام من عندك اهـ سمين.\rقوله: (من ذكورة الخ) تفسير لكيف. قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ الخ قيل: إن وفد نجران قالوا للنبي: ألست تزعم أن عيسى كلمة اللّه وروح منه؟ قال: بلى، قالوا فحسبنا ذلك فردّ عليهم وبيّن أن الكتاب قسمان: قسم يفهمه الناس، وقسم لا يفهمه أمثالهم، وما فيه من أنه كلمة اللّه وروح منه من جملة الثاني فلم يفهموا المراد من أنه كلمة اللّه وروح منه اهـ أبو السعود، بالمعنى. قوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ الظرف خبر وآيات مبتدأ أو بالعكس بتأويل من باسم أي بعضه آيات، والأول أوفق بقواعد الصناعة، والثاني أدخل في جزالة المعنى. إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المذكورين لا كونهما من الكتاب الذي هو مفاد لاحتمال الثاني اهـ أبو السعود.\rقوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ لم يقل أمهات الكتاب وهي خبر عن جمع، لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحد، أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب، كما قال: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] أي كل واحد منهما اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: وأخبر بلفظ الواحد هو أم عن جمع، وهو هن إما لأن المراد أن كل واحدة منهن أم، وإما لأن المجموع بمنزلة أم واحدة كقوله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع، وقيل: لأنه بمعنى أصل الكتاب والأصل يوجد اهـ.","part":1,"page":369},{"id":373,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 370\rفي الأحكام وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله أحكمت آياته بمعنى أنه ليس فيه عيب ومتشابها في قوله كتابا متشابها بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ميل عن الحق فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ طلب الْفِتْنَةِ لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ تفسيره وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ تفسيره إِلَّا قوله: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فإن قيل: القرآن نزل لإرشاد العباد، فهلا كان كله محكما؟\rفالجواب: أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم وكلامهم على ضربين الموجز الذي لا يخفى على سامع. هذا هو الضرب الأول، والثاني المجاز والكنايات والاشارات والتلويحات، وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على الضربين ليتحقق عجزهم، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما قالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا اهـ من الخازن.\rقوله: (لا تفهم معانيها) أشار بذلك إلى أن التشابه من صفات المعنى، فوصف اللفظ به تجوز، وقد صرح بذلك أبو السعود اهـ شيخنا.\rوالمراد أنها لا تفهم بسهولة، وإن كانت تفهم بمزيد تأمل كما هو مذهب الخلف فإنهم يؤولونها تأويلا صحيحا. قوله: (و جعله كله محكما) إشارة لسؤال وجواب صورة السؤال قد جعل هنا محكما ومتشابها، فكيف الجمع بين هذه الآية وآيتي جعله كله متشابها، وجعله كله محكما؟ والجواب ظاهر من كلامه اهـ شيخنا.\rقوله: (ليس فيه عيب) أي لفظا ولا معنى. قوله: (و متشابها) أي وجعله كله متشابها اهـ. قوله:\rفَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ كوفد نجران وغيرهم من الظاهرية المتعلقين بظاهر الكتاب والسنة واعتقاد ظواهرهما، فاعتقدوا أن اللّه له يد ووجه وعين إلى غير ذلك من المتشابه فيحملون الجنب واليد والاستواء والعين الوارد ذلك في القرآن على ظاهر اللفظ، ويقولون: إن اللّه جسم بدليل ذلك اهـ.\rوجعل قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد اهـ أبو السعود.\rوزيغ يجوز أن يكون مرفوعا بالفاعلية لأن الجار قبله صلة الموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره الجار قبله، والزيغ قيل: الميل، وقال بعضهم: هو أخص من مطلق الميل، فإن الزيغ لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ ومال متقاربة، لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان من حق إلى باطل اهـ سمين.\rقوله: فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي يتعلقون بظاهر المتشابه أو بتأويل باطل لا تحريا للحق، بل ابتغاء الفتنة اهـ أبو السعود.\rقوله: (لجهالهم) اللام للتقوية، وعبارة أبي السعود: أي طلبا أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس انتهت.\rقوله: (بوقوعهم) الخ الباء سببية اهـ.\rقوله: وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي مع انهم بمعزل عن رتبة التأويل الحق، وذلك قوله وما يعلم تأويله","part":1,"page":370},{"id":374,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 371\rاللَّهُ وحده وَالرَّاسِخُونَ الثابتون المتمكنون فِي الْعِلْمِ مبتدأ خبره يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي بالمتشابه أنه من عند اللّه ولا نعلم معناه كُلٌ من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (7) أصحاب العقول ويقولون أيضا إلا اللّه، فإنه حال من ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أنه مخصوص به تعالى، وبمن وفقه له من عباده الراسخين في العلم اهـ أبو السعود.\rقوله: (تفسيره) أشار به إلى أن التأويل والتفسير بمعنى واحد، وهذاهو المراد هنا. وفي تعليل الاتباع بابتغاء تأويله دون نفس تأويله، وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة إيذان بأنهم ليسوا من أهل التأويل في شيء وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا لأنه تأويل غير صحيح، فيعذر صاحبه اهـ كرخي.\rقوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أي حقيقته إِلَّا اللَّهُ أشار به إلى أن الوقف على إلا اللّه وهو قول أبي ابن كعب، وعائشة، وعروة بن الزبير وغيرهم، وإليه ذهب الأكثرون، وعليه قالوا. وفي قوله:\rوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ للاستئناف وهو ما اقتضاه إعرابه للآية، وحينئذ فحالهم التصديق به، وجرى قوم على أنها للعطف على الجلالة، والمعنى أن تأويل المتشابه يعلمه اللّه ويعلمه الراسخون في العلم، فالمراد ما للفكر والنظر فيه على الجلالة، والمعنى أن تأويل المتشابه يعلمه اللّه ويعلمه الراسخون في العلم، فالمراد ما للفكر والنظر فيه مجال، فالمعنى والراسخون في العلم قائلين آمنا به، فالوقف حينئذ على أولوا الألباب لتعلق ما قبل ذلك بعضه ببعض، كما علمت. قال البغوي: والأول أقيس بالعربية وأشبه بظاهر الآية. وقال الفخر الرازي في الثاني: لو كان الراسخون في العلم عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان وجه، فانهم لما عرفوه بالدلائل صار الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به بخصوصه مزيد مدح اهـ كرخي.\rفائدة: قال ابن عباس: تفسير القرآن على أربعة أوجه: منه تفسير لا يسع أحدا جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها أي لغاتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه اهـ خازن.\rقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قيل: الراسخ في العلم من وجد فيه أربعة أشياء: التقوى فيما بينه وبين اللّه، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين نفسه اهـ خازن.\rقوله: (أي المتشابه) وعدم التعرض لإيمانهم بالمحكم لظهوره اهـ أبو السعود.\rقوله: (أنه من عند اللّه) بفتح أن على بدل من الضمير المجرور بالباء اهـ.\rقوله: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر قاله القاضي كالكشاف، وهو يدل على أن مختارهما الوقف على الراسخون في العلم، وقد أفرد بعضهم هذه المسألة بكتاب لسعة الكلام فيها اهـ كرخي.\rقوله: (أيضا) مصدر آض إذا رجع وهو مفعول مطلق حذف عامله كأرجع إلى الاخبار بكذا","part":1,"page":371},{"id":375,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 372\rإذا رأوا من يتبعه\rرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا تملها عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أرشدتنا إليه وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ من عندك رَحْمَةً تثبيتا إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) يا\rرَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ تجمعهم لِيَوْمٍ أي في يوم لا رَيْبَ شك فِيهِ هو رجوعا، أو حال حذف عاملها وصاحبها كأخبر بذلك راجعا إلى الاخبار به، وإنما يستعمل بين شيئين بينهما تواقف، ويغني كل منهما عن الآخر، فلا يجوز جاء زيد أيضا ولا جاء زيد ومضى عمرو أيضا، ولا اختصم زيد وعمرو أيضا اهـ كرخي.\rقوله: (إذا رأوا من يتبعه) أي يتبع المتشابه بالعمل بظاهره أي يتعلق بظاهره ويعتقده أو بتأويله تأويلا لا يليق، وكلام الشارح قاصر على الثاني حيث قال بابتغاء تأويله اهـ شيخنا.\rقوله: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا بعد نصب بلا تزغ على الظرف، وإذ في محل الجر بإضافة بعد إليه خارج عن الظرفية أي بعد وقت هدايتك إيانا، وقيل: إنها بمعنى إن اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: بعد منصوب بلا تزغ وإذ هنا خرجت عن الظرفية للإضافة إليها وقد تقدم أن تصرفها قليل، وإذا خرجت عن الظرفية فلا يتغير حكمها من لزوم إضافتها إلى الجملة بعدها، كما لم يتغير غيرها من الظروف في هذا الحكم. ألا ترى إلى قوله تعالى هذا يَوْمُ يَنْفَعُ [المائدة: 119] ويَوْمَ لا تَمْلِكُ [الانفطار: 19] في قراءة من رفع يوم في الموضعين، وهي مضافة للجملة التي بعدها اهـ.\rقوله: مِنْ لَدُنْكَ متعلق بهب، ولدن ظرف وهي لأول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو من لدن زيد، فليست مرادفة لعند، بل قد تكون بمعناها، وأكثر ما تضاف إلى المفردات، وقد تضاف إلى أن وصلتها لأنها في تأويل مفرد، وقد تضاف إلى الجملة الاسمية أو الفعلية اهـ سمين.\rقوله: (تثبيتا) أي الحق ونبه به على بيان المراد بالرحمة هنا لأنها وردت على أوجه كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.\rوعبارة البيضاوي: رحمة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك أو توفيقا للثبات على الحق أو مغفرة للذنوب، انتهت.\rقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ أي لكل مسؤول وهذا العموم مفهوم من عدم ذكر الموهوب فالتخصيص بموهوب ومسؤول دون آخر تخصيص بلا مخصص وفيه دليل على أن الهدى والضلال من اللّه وأنه متفضل بما ينعم به على عباده لا يجب عليه شيء أي لأنه وهاب اهـ كرخي.\rقوله: (يا) رَبَّنا إِنَّكَ الخ لما كان غير ظاهر في الدعاء قدر فيه النداء لينبه على أنه دعاء بخلاف الذي قبله، فإنه ظاهر في الدعاء فلم يقدر فيه اهـ شيخنا.\rقوله: جامِعُ النَّاسِ من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول، كما أشار له واليوم متعلق به اهـ كرخي.\rقوله: (أي في يوم) أي فاللام بمعنى في الظرفية، وقيل: إنها بمعنى إلى، أي جامعهم في القبور إلى يوم القيامة اهـ كرخي.","part":1,"page":372},{"id":376,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 373\rيوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب، ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى، والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرة، ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها، روى الشيخان عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية:\rهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي في مجيئه ووقوعه. قوله: (فتجازيهم بأعمالهم) في هذا إشارة إلى ما هو المطلوب لهم بهذا الكلام، فكأنهم قالوا: فجازنا فيه احسن الجزاء، وقوله: كما وعدت بذلك أي في آيات أخر، وعبر بوعد الذي هو للخير إشارة إلى أن مطلوبهم طلب الثواب لا مطلق الجزاء الصادق بالعقاب اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ إظهار الاسم الجليل لإبراز كمال التعظيم والإجلال الناشىء من ذكر اليوم المهيب الهائل بخلاف ما في آخر هذه السورة، فانه مقام طلب الإنعام، كما سيأتي أو الإظهار للإشعار بعلة الحكم، فإن الألوهية منافية للاخلاف اهـ أبو السعود.\rأي لأن إخلاف الميعاد كذب مناف للكمال الذي هو مقتضى الألوهية. قال أبو البقاء: والميعاد مفعال من الوعد قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها اهـ.\rوقال شيخ الإسلام: الميعاد الوعد بمعنى المصدر، لأنه اللائق بمفعولية يخلف لا الزمان والمكان، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (فيه التفات) أي بالنسبة إلى قوله: إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ. قوله: (أن يكون من كلامه تعالى) أي قال اللّه تعالى تقريرا وتصديقا لقولهم: إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ الخ، وعلى هذا الاحتمال فلا التفات على مذهب الجمهور وفيه التفات عن التكلم على مذهب السكاكي اهـ شيخنا.\rقوله: (و الغرض من الدعاء الخ) عبارة أبي السعود، ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة، وأنها المقصد الأسنى عندهم، انتهت.\rأي فمراد الشارح توجيه كون هذا الكلام منهم دعاء مع أن ظاهره أنه محض خبر، وقوله:\r(بذلك) أي بقوله: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ الخ، وقوله: (بيان ان همهم الخ) أي همهم وغرضهم متعلق بأمر الآخرة، فهم طالبون الفوز فيه بجزيل الثواب، فلما قالوا: إنك جامع الناس الخ كأنهم قالوا: فأحسن لنا الجزاء في ذلك اليوم، كما أشار له الشارح بقوله: فتجازيهم بأعمالهم اهـ شيخنا.\rقوله: (سألوا الثبات على الهداية) أي بقوله: وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً حيث فسّرها الشارح بالتثبيت وقوله لينالوا ثوابها أي الذي هو المراد لهم بقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (روى الشيخان الخ) استدلال على ذم المتبعين للمتشابه ومدح الراسخين، وكذا يقال في الحديث الثاني اهـ.\rقوله: (تلا) أي قرأ. قوله: هُوَ الَّذِي بدل من هذه الآية. قوله: (إلى آخرها) المراد به قوله وما يذكر إلا أولو الألباب صرح بذلك الخازن اهـ.","part":1,"page":373},{"id":377,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 374\rآياتٌ مُحْكَماتٌ إلى آخرها وقال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللّه فاحذروهم»، وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال، وذكر منها «أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب» الحديث. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ تدفع عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي عذابه شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) بفتح الواو ما توقد به، دأبهم\rكَدَأْبِ كعادة آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ قوله: (الذي سمى اللّه) أي عينهم بوصف، وهو كونهم في قلوبهم زيغ، وقوله: (فاحذروهم) فيه تعظيم لعائشة من وجهين الجمع والتذكير اهـ شيخنا.\rقوله: (و روى الطبراني) أي في معجمه الكبير. قوله: (إلا ثلاث خلال) في نسخة خصال بالصاد.\rقوله: (أن يفتح لهم الكتاب) أي يقرأ فيسمعوه، وهذه الخلة الثانية في الحديث، وحذف الأولى والثانية منه، ونص الحديث بتمامه كما في الدر المنثور للمؤلف. وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «لا أخاف على أمتي خلال ان يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يسألوا عنه» اهـ.\rقوله: (يبتغي تأويله) حال من المؤمن. قوله: (و الراسخون) مبتدأ على طريقة الشارح فيما سبق.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي جنسهم الشامل لجميع الأصناف وقيل: وفد نجران، وقيل: اليهود من بني قريظة والنضير، وقيل: مشركوا العرب اهـ أبو السعود.\rقوله: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ أي التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار، وقوله: وَلا أَوْلادُهُمْ أي الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة، وتأخير الأولاد مع توسيط حرف النفي، إما لعراقة الأولاد في كشف الكروب أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي عذابه) أشار به إلى أن من اللّه في موضع نصب وشيئا على هذا في موضع المصدر أو مفعول مطلق أي شيئا من الإغناء، ومن لابتداء الغاية مجازا. وقال القاضي: من رحمته أي على معنى البدلية كما في: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لكن قال أبو حيان: إثبات البدلية لمن أنكره أكثر النحاة، بل هي لابتداء الغاية، كما قاله المبرد، ومعنى تغني على هذا تدفع وقدمه القاضي على ما قبله اهـ كرخي.\rقوله: وَأُولئِكَ مبتدأ، وهم: مبتدأ ثان أو ضمير فصل، والجملة مستأنفة مقررة لعدم الإغناء، أو معطوفة على خبر إن وأيّا ما كان ففيها تعيين للعذاب الذي بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم منه شيئا اهـ أبو السعود.\rقوله: (بفتح الواو) أي في قراءة العامة، وقرأ الحسن بضمها اهـ سمين.\rقوله: (و ما توقد به) أي حطبها. قوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الدأب مصدر دأب في العمل من","part":1,"page":374},{"id":378,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 375\rمِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم كعاد وثمود كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أهلكهم بِذُنُوبِهِمْ والجملة مفسرة لما قبلها وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) ونزل لما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اليهود بالإسلام مرجعه من بدر فقالوا له لا يغرنك أن قتلت نفرا من قريش اغمارا لا يعرفون القتال\rقُلْ يا محمد لِلَّذِينَ كَفَرُوا من اليهود سَتُغْلَبُونَ بالتاء والياء في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك وَتُحْشَرُونَ بالوجهين في الآخرة إِلى جَهَنَّمَ فتدخلونها وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) الفراش هي بابي قطع وخضع إذا تعب فيه غلب استعماله في الشأن والحال والعادة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ويجوز أن يكون مجرورا عطفا على آل فرعون، وأن يكون مرفوعا على الابتداء والخبر قوله: كذبوا بآياتنا اهـ سمين.\rقوله: (كعاد) هم قوم هود، وقوله: (و ثمود) قوم صالح. قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا قال: هنا وفي موضع من الأنفال كذبوا، وفي موضع آخر منها كفروا تفننا جريا على عادة العرب في تفننهم في الكلام اهـ كرخي.\rقوله: (و الجملة) أي جملة كذبوا بآياتنا مفسرة لما قبلها أي من قوله: كدأب آل فرعون، والمعطوف عليه الذي هو في محل جر، وكأنها جواب سؤال مقدر، وهو لم فعل بهم أي بآل فرعون ومن قبلهم ذلك؟ فأجيب بأنهم كذبوا بآياتنا فأخذهم اللّه بذنوبهم، فان أريد بها تكذيبهم بالآيات، فالباء للسببية جيء بها تأكيدا لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها. وان أريد بها سائر ذنوبهم، فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوبا أخرى أي فأخذهم اللّه ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها، كما في قوله تعالى: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة: 55]. اهـ كرخي.\rقوله: (اليهود) أي يهود المدينة. قوله: (مرجعه من بدر) أي وقت رجوعه من بدر، فلما رجع منها جميعهم في سوق بني قينقاع، فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا له: لا يغرنك إلى آخر ما في الشارح، ثم قالوا: لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس اهـ أبو السعود.\rقوله: (ان قتلت) فاعل يغرنك. قوله: (أغمارا) جمع غمر بضم الغين وسكون الميم، وهو من الرجال الغافل الذي لا يدري الأمور، فقوله: لا يعرفون القتال تفسير اهـ شيخنا.\rوفي المصباح الغمر: الحقد وزنا ومعنى، وغمر صدره علينا غمرا من باب تعب، والغمر أيضا العطش، ورجل غمر لم يجرب الأمور، وقوم أغمار مثل قفل وأقفال، والمرأة غمرة بالهاء يقال غمرة بالضم من باب ظرف غمارة بالفتح، وبنو عقيل تقول: غمر من باب تعب وأصله الصبي الذي لا عقل له. قال أبو زيد: وينقاس منه لكل من لا خير فيه ولا غناء عنده في عقل ولا رأي ولا عمل اهـ.\rقوله: قُلْ لِلَّذِينَ فاعل نزل. قوله: سَتُغْلَبُونَ أي عن قريب كما يفيده السمين، وقوله:\r(بالقتل) أي لبني قريظة، فقد قتل منهم النبي في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق قينقاع، وأمر السياف بضرب أعناقهم، وأمر بحفيرة ورميهم فيها، وقوله: (و ضرب الجزية) أي على أهل خيبر (و الأسر) كان لبعض كل اهـ شيخنا.\rقوله: (بالوجهين) أي قرأ حمزة والكسائي بالغيبة فيهما أي بلغهم أنهم سيغلبون ويحشرون،","part":1,"page":375},{"id":379,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 376\rقَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ عبرة وذكر الفعل للفصل فِي فِئَتَيْنِ فرقتين الْتَقَتا يوم بدر للقتال فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته وهم النبي وأصحابه وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا والباقون بالخطاب أي قل لهم في خطابك إياهم ستغلبون وتحشرون، والفرق بينهم أنه على الخطاب يكون الإخبار بمعنى كلام اللّه تعالى، وعلى الغيبة يكون بلفظه اهـ كرخي.\rقوله: وَبِئْسَ الْمِهادُ أي ما مهدوه لأنفسهم وهذه إما من تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ كانَ لَكُمْ الخ خطاب لليهود، وهو جواب قسم مقدر، وهو من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير وتحقيق ما قبله اهـ أبو السعود.\rأي قل لليهود القائلين لك لا يغرنك الخ ستغلبون الخ، وقل لهم واللّه قد كان لكم آية الخ، ويشير لهذا قول الجلال في آخر الآية أفلا تعتبرون بذلك أي ما ذكر من هذه الآية، فتؤمنون. لكن عبارة القرطبي، واختلف في المخاطب بها، فقيل يهود المدينة، وقيل جميع الكفار، وقيل المؤمنون اهـ.\rوعلى الاحتمالين الآخرين تكون هذه الآية مستأنفة أي غير مرتبطة بما قبلها اهـ.\rقوله: آيَةٌ أي دالة على صدق ما أقول لكم انكم ستغلبون اهـ أبو السعود.\rقوله: (و ذكر الفعل) أي حيث لم يقل قد كانت، وقوله للفصل أي بين كان واسمها بخبرها، أو لأن التأنيث مجازي أو باعتبار ان الآية برهان ودليل اهـ.\rقوله: فِي فِئَتَيْنِ الجار والمجرور. نعت لآية، وقوله: الْتَقَتا في محل جر صفة لفئتين ملتقيتين اهـ سمين.\rوفي المصباح: والفئة الجماعة ولا واحد لها من لفظها وجماعة فئات، وقد تجمع بالواو والنون جبرا لما نقص اهـ.\rوفي القرطبي: وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها أي يرجع في وقت الشدة اهـ.\rقوله: فِئَةٌ قرأ العامة فئة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي احدهما فئة الخ، وقرأ الحسن ومجاهد وحميد فئة بالجر على البدل من فئتين، وقوله: وَأُخْرى كافِرَةٌ منسوق على ما قبله، فمن رفع الأول رفع هذا، ومن جره جر هذا اهـ سمين.\rوفي الكلام شبه احتباك تقديره فئة مؤمنة تقاتل في سبيل اللّه، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من الأول ما يفهم من الثاني، ومن الثاني ما يفهم من الأول اهـ.\rقوله: (و كانوا ثلثمائة الخ) وكان المهاجرون منهم سبعة وسبعين صاحب رايتهم علي، والأنصار مائتين وستة وثلاثين صاحب رايتهم سعد بن عبادة اهـ من الخازن.\rومات منهم في تلك الوقعة أربعة عشر ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. قوله: (معهم","part":1,"page":376},{"id":380,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 377\rمعهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ أي الكفار مِثْلَيْهِمْ أي المسلمين أي أكثر منهم وكانوا نحو ألف رَأْيَ الْعَيْنِ أي رؤية ظاهرة معاينة فرسان) فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، ومعهم أيضا سبعون بعيرا وقوله: (و ست أدرع) جمع درع، وفي المصباح: ودرع الحديد مؤنثة في الأكثر وجمعها أدرع ودروع وأدراع. قال ابن الأثير: وهي الزردية، ودرع المرأة قميصها مذكر اهـ.\rقوله: (و أكثرهم رجالة) أي مشاة يعني وبعضهم كان راكبا لما عرفت أنه كان معهم سبعون بعيرا يتعاقبون عليها اهـ.\rقوله: يَرَوْنَهُمْ هذه الجملة خبر ثان لقوله: وَأُخْرى كافِرَةٌ أو صفة له، أو نعت لقوله:\rفِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهذه الاحتمالات على قراءة الياء التحتية، وأما على قراءة التاء الفوقية، فتكون الجملة مستقلة ومستأنفة راجعة لقوله: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ وأيّا ما كان، فالقصد من هذا الوصف تقرير الآية التي في الفئتين، وفي التقائهما واجتماعهما تأمل. قوله: (أي الكفار) يحتمل أنه بالرفع تفسير للضمير الفاعل الذي هو الواو والهاء مفعول، ومثليهم حال. وقوله: (أي المسلمين) تفسير للضمير المضاف إليه، فعلى هذا يكون المعنى أن الكفار يرون المسلمين قدرهم مرتين. أي قدر المسلمين مرتين أي ان الكفار يرون المسلمين ستمائة وستة وعشرين قوله: (أي أكثر منهم) الضمير في منهم راجع للمسلمين أي أكثر من عددهم في الواقع، ومراده بهذا أن المراد بالمثلين مطلق الكثرة لا خصوص المثلين أي يرونهم أكثر من الثلاثمائة التي هي عددهم في الواقع ويحتمل أنه بالنصب تفسير للضمير البارز في يرونهم الذي هو المفعول، وعلى هذا قالوا: واقعة على المسلمين أي يرى المسلمون الكفار مثليهم أي مثلي المسلمين أي يرونهم أكثر منهم أي من عددهم في الواقع، ونفس الأمر، وعلى كل من الاحتمالين، فهذه الآية تنافي آية الأنفال، وهي قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: 44]، فتلك الآية تقتضي أن كلا من الفريقين قلّل في أعين الآخر، وهذه الآية تقتضي أن كلا منهما كثير في أعين الآخر. وقد أجاب الشارح عن هذا التنافي هناك، ونصه: وإذ يريكموهم أيها المؤمنون إذ التقيتم في أعينكم قليلا نحو سبعين أو مائة وهم ألف لتقدموا عليهم، ويقللكم في أعينهم ليقدموا ولا يجبنوا عن قتالكم وهذا قبل التحام الحرب، فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران.\rوعبارة السمين قوله: ترونهم قرأ نافع وحده من السبعة، ويعقوب ترونهم بالخطاب، والباقون من السبعة بالغيبة فأما قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أن الضمير في لكم والمرفوع في ترونهم للمؤمنين والضمير المنصوب في ترونهم والمجرور في مثليهم للكافرين، والمعنى قد كان لكم أيها المؤمنون آية في فئتين بأن رأيتم الكفار مثلي أنفسهم في العدد، وهو أبلغ في القدرة حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عدد الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم وغلبوهم، وأوقعوا بهم الأفاعيل.\rونحوه كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: 249].\rالثاني: أن يكون الخطاب في ترونهم للمؤمنين أيضا، والضمير المنصوب في ترونهم للكافرين أيضا، والمجرور في مثليهم للمؤمنين، والمعنى ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي عدد أنفسكم،","part":1,"page":377},{"id":381,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 378\rوقد نصرهم اللّه مع قلتهم وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ يقوي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون\rزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُ وهذا تقليل للكافرين عند المؤمنين في رأي العين، وذلك أن الكفار كانوا ألفا ونيفا والمؤمنون على الثلث منهم، فأراهم إياهم مثليهم على ما كلفوا به من مقاومة الواحد للاثنين في قوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: 66] بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الانفال: 65]، وعلى هذا يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة إذ كان حقه أن يقال ترونهم مثليكم. نظير قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22].\rالثالث: أن يكون الخطاب في لكم وفي ترونهم للكفار، وهم قريش، والضمير المنصوب والمجرور للمؤمنين. أي قد كان لكم أيها المشركون آية حيث ترون المؤمنين مثلي أنفسهم في العدد، فيكون قد كثرهم في أعين الكفار لتضعف قلوبهم فينهزموا، لكن يرد على هذا قوله في الأنفال وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الانفال: 44] مع أن القصة واحدة، فهناك تدل الآية على أن اللّه تعالى قلل المؤمنين في أعين الكفار، ويمكن أن يجاب عنه باختلاف الحالين، فتقليل المسلمين في أعين الكفار الذي هو مفاد آية الأنفال كان قبل التحام القتال لأجل ما تقدم، وتكثيرهم في أعينهم كما هو مقتضى ما هنا كان في حال القتال لأجل أن تضعف قلوبهم، فيتمكن المسلمون منهم.\rالرابع: أن الخطاب في لكم وفي ترونهم لليهود الذين حضروا وقعة بدر، والضمير أن المنصوب والمجرور للكفار أي ترون أيها اليهود الكفار مثلي عددهم أي ترونهم نحو ألفين، ومع ذلك غلبهم المؤمنون مع قلتهم جدا بالنسبة لهذا العدد المرئي، فيكون هذا أبلغ في إكرام المؤمنين وعناية اللّه بهم.\rوأما قراءة الباقين ففيها وجهان.\rأحدهما: أن الضمير المرفوع للمؤمنين، والمنصوب للمشركين، والمجرور للمؤمنين أي يرى المؤمنون الكفار مثليهم أي مثلي المؤمنين أي يرونهم ستمائة ونيفا وعشرين، ليطمعوا فيهم لقدرتهم على مقاومتهم التي كلفوا بها كما تقدم.\rالثاني: أن المرفوع للكفار، والمنصوب للمؤمنين، والمجرور للكافرين أي يرى الكفار المؤمنين مثليهم أي مثلي الكفار أي يرونهم نحو الفين، وذلك في حالة القتال أرى اللّه الكفار المؤمنين قدرهم أي الكفار مرتين لتضعف قلوبهم ويجبنوا وينكسروا فيتمكن المؤمنون منهم قتلا وأسرا اهـ باختصار.\rقوله: (و كانوا) أي الكفار نحو ألف، فكانوا تسعمائة وخمسين معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، ومعهم من السلاح والدروع شيء كثير لا يحصى. قوله: (أي رؤية ظاهرة) أي فهو مصدر مؤكد، والمراد الرؤية البصرية اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ أي ولو بدون الأسباب العادية. قوله: (المذكور) أي من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم العدة للكثير شاكي السلاح اهـ شيخنا.\rقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ أي جنسهم، وهذا مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ الدنيوية","part":1,"page":378},{"id":382,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 379\rالشَّهَواتِ ما تشتهيه النفس وتدعو إليه زينها اللّه ابتلاء او الشيطان مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ بأصنافها وتزهيد الناس فيها، وتوجيه رغباتهم إلى ما عند اللّه إثر بيان عدم نفعها للكفرة الذين كانوا يتعززون بها اهـ. أبو السعود.\rقوله: (ما تشتهيه النفس) فالمصدر بمعنى اسم المفعول عبر به عنه مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات، والشهوة ثوران النفس وميلها إلى الشيء المشتهى اهـ أبو السعود.\rوالشهوة إما كاذبة ومنها قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ [مريم: 59] أو صادقة كقوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف:\r71] أو تحتملهما كما نحن فيه اهـ كرخي.\rقوله: (زينها اللّه) أي الشهوات، ففيه إشارة إلى أن ايقاع التزيين على الحب مسامحة لأجل المبالغة والمزين حقيقة هو المشتهيات وتزيين اللّه عبارة عن جعل القلوب متعلقة بها مائلة إليها، وتزيين الشيطان وسوسته وتحسينه الميل إليها اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي قوله: زينها اللّه تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، قاله القاضي البيضاوي.\rوهو ظاهر قول عمر بن الخطاب: اللهم لا صبر لنا على ما زينت لنا إلا بك، رواه البخاري. وقوله:\r(ابتلاء) أي اختبارا ليظهر عبد الشهوة من عبد المولى قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: 7]. وقوله: (و الشيطان) أي على ما جاء صريحا في قوله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: 24]، فان الآية في معرض الذم اهـ.\rقوله: مِنَ النِّساءِ الخ من بيانية، وهي مع مجرورها في محل الحال، وبيّن الشهوات بأمور ستة، وبدأ بالنساء، لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان، وأقرب إلى الافتتان، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحكيم منكن» ويروى الحازم منكن، وقيل: فهن فتنتان وفي البنين فتنة واحدة، وذلك أنهن يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل غالبا، وهن سبب في جمع المال من حلال وحرام والأولاد تجمع لأولاد تجمع لأجلهم الأموال، فلذلك ثنى بالبنين. وفي الحديث «الولد مبخلة مجبنة محزنة» ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأن عنهن، وفي كلامهم: المرء مفتون بولده، وقدموا على الأموال لا لأنهم أحب إلى المرء من ماله، وخص البنون بالذكر دون البنات لأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى لأنه يتكثر به والده ويعضده ويقوم مقامه اهـ سمين وخازن.\rقوله: وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار مأخوذ من إحكام الشيء يقال: قنطرته إذا أحكمته ومنه القنطرة أي المحكمة الطاق. واختلفوا فيه هل هو محدود أو لا؟ على قولين. وعلى الأول اختلفوا في حده فقيل هو مائة رطل، فقد روى أبي بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية»، وقال بذلك معاذ بن جبل، وعبد اللّه بن عمر، وأبو هريرة، وجماعة من العلماء. قال ابن عطية: وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية، وقيل: هو اثنا عشر ألف أوقية وقيل: ملء مسك ثور وقيل غير ذلك. وعلى الثاني هو عبارة عن المال الكثير بعضه على بعض،","part":1,"page":379},{"id":383,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 380\rالأموال الكثيرة الْمُقَنْطَرَةِ المجمعة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ الحسان وَالْأَنْعامِ أي الابل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ الزرع ذلِكَ المذكور مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يفنى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه وقيل غير ذلك اهـ من الخازن.\rوفي نونه قولان، أحدهما: وهو قول جماعة أنها أصلية وأن وزنه فعلال كقرطاس. والثاني: أنها زائدة ووزنه فنعال اهـ سمين.\rقوله: (المجمعة) إشارة إلى أنه تأكيد مشتق من المؤكد كبدرة مبدرة اهـ كرخي.\rقوله: (من الذهب الخ) بيانية والمبين هو القناطير، فتكون في محل الحال، ويحتمل أنها متعلقة بالمقنطرة من حيث تضمنها معنى الاجتماع، ولذا قال الشارح: المجمعة من الذهب الخ. قوله:\rوَالْخَيْلِ عطف على النساء. قال أبو البقاء: لا على الذهب لأنها لا تسمى قناطير، وتوهم مثل ذلك بعيد جدا فلا حاجة إلى التنبيه عليه. وفي الخيل قولان، أحدهما: أنه جمع لا واحد له من لفظه، بل مفرده فرس فهو نظير قوم ورهط ونساء، والثاني: واحده خائل فهو نظير راكب وركب وتاجر وتجر وطائر وطير. وفي هذا خلاف بين سيبويه والأخفش، فسيبويه يجعله اسم جمع، والأخفش يجعله جمع تكسير وفي اشتقاقها وجهان، أحدهما: من الاختيال وهو العجب سميت بذلك لاختيالها في مشيتها بطول أذنابها. والثاني: من التخيل قيل لأنها تتخيل في صورة من أعظم منها، وقيل أصل الاختيال من التخيل وهو التشبه بالشيء لأن المختال يتخيل في صورة من هو أعظم منه كبرا اهـ سمين.\rوفي الخبر من حديث علي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن اللّه عز وجل خلق الفرس من الريح، ولذلك جعلها تطير بلا جناح، وقال وهب بن منبه: خلقها من ريح الجنوب. قال وهب: فليس من تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يذكرها صاحبها إلا وهي تسمعه وتجيبه بمثلها. وفي الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق»، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «خير الخيل الأدهم الأفرج الأرثم طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت» اهـ من القرطبي.\rقوله: (الحسان) أي المحسنة المضمرة وذلك لأن المسومة على هذا مأخوذة من السيما، وهي الحسن، فمعنى مسومة ذات حسن. قال عكرمة: واختاره النحاس، وقيل: المسومة المعلمة، وقيل غير ذلك اهـ سمين.\rقوله: وَالْأَنْعامِ جمع نعم، والنعم اسم جمع لا واحد لها من لفظه، وهو يذكر ويؤنث، ويطلق على الابل والبقر والغنم وجمعه على أنعام باعتبار أنواعه الثلاثة.\rقوله: وَالْحَرْثِ مصدر بمعنى المفعول أي المحروث والمراد به المزروع فقوله: (الزرع) أي المزروع سواء كان حبوبا أم بقلا أم ثمرا، ولم يجمع كما جمع أخواته نظرا لأصله وهو المصدر. قوله:\r(المذكور) يريد بهذا بيان وجه تذكيره وافراده مع كونه إشارة إلى جميع ما سبق اهـ كرخي.\rقوله: (ثم يفنى) أخذه من اضافته للدنيا تفنى فيفنى ما فيها اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ فيه دلالة على أنه ليس فيما عدد عاقبة حميدة اهـ أبو السعود.","part":1,"page":380},{"id":384,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 381\rدون غيره\r* قُلْ يا محمد لقومك أَأُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ المذكور من الشهوات استفهام تقرير لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك عِنْدَ رَبِّهِمْ خبر مبتدؤه جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا والمآب: مفعل بفتح العين من آب يؤوب من باب قال أي رجع، والأصل المأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها، فقلبت الواو ألفا فهو هنا اسم مصدر بمعنى الرجوع، وقد يستعمل اسم مكان أو زمان. تقول: آب يؤوب أوبا وإيابا ومآبا فالأوب والإياب مصدران، والمآب اسم لهما اهـ سمين.\rقوله: (و هو الجنة) تفسير للمآب، ويكون إضافة الحسن إليه إضافة الصفة إلى الموصوف، أي المآب الحسن أي الجنة الحسنة. قوله: (فينبغي الخ) إشارة إلى أن المقصود بسياق الآية الترغيب في الجنة والتزهيد في غيرها اهـ خازن.\rقوله: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، والباقون بالتحقيق فيهما مع زيادة مد بينهما لبعضهم، وبدون زيادة لبعض آخر، فالقراءات ثلاث اهـ من السمين.\rوليس في القرآن همزة مضمومة بعد مفتوحة إلا ما هنا، وما في ص أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [ص:\r8] وما في اقتربت أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [القمر: 25] اهـ شيخنا.\rقوله: (لقومك) في هذا شيء لأن النظم على هذا لا يلتئم مع ما تقدم، فإن قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ عام، فالمناسب أن يكون ما هنا كذلك. وعبارة أبي السعود: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتفصيل ما أجمل أولا في قوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ للناس مبالغة في الترغيب، والخطاب للجميع أي أأخبركم بما هو خير مما فصل من تلك المستلذات المزينة لكم انتهت.\rقوله: (اخبركم) أشار بهذا التفسير إلى تعدي هذا الفعل هنا لاثنين فقط، الأول بنفسه، والثاني بحرف الجر، وذلك لأنه إنما يتعدى إلى ثلاثة إذا كان بمعنى العلم، وأما هنا فهو بمعنى الإخبار فيتعدى لاثنين، وقوله: بِخَيْرٍ متعلق بالفعل، وقوله: مِنْ ذلِكُمْ متعلق بخير لأنه على أصله من كونه اسم تفضيل، والإشارة بذلكم إلى أنواع الشهوات المتقدمة، فلذا قال الشارح: المذكور من الشهوات اهـ من السمين.\rقوله: (استفهام تقرير) ليس المراد بالتقرير هنا طلب الإقرار والاعتراف من المخاطبين كما هو معنى الاستفهام التقرير في الأصل، بل المراد به التحقيق والتثبيت في نفوس المخاطبين. أي تحقيق خيرية ما عند اللّه وأفضليته على شهوات الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: (الشرك) أي والفواحش والكبائر أو الزينة، فلا تشغلهم عن إطاعة اللّه، لكن اقتصاره على الشرك إشارة إلى أن خلو الشخص منه شرط لحصول ما ذكره اهـ كرخي.\rقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه في محل نصب على الحال من جنات.","part":1,"page":381},{"id":385,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 382\rالْأَنْهارُ خالِدِينَ أي مقدرين الخلود فِيها إذ دخلوها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض وغيره مما يستقذر وَرِضْوانٌ بكسر أوله وضمه لغتان أي رضا كثير مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ عالم بِالْعِبادِ (15) فيجازي كلا منهم بعمله\rالَّذِينَ نعت أو بدل من الذين قبله يَقُولُونَ يا رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا صدقنا بك وبرسولك فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16)\rالصَّابِرِينَ على الطاعة وعن المعصية نعت وَالصَّادِقِينَ في الإيمان وَالْقانِتِينَ المطيعين للّه الثاني: أنه متعلق بما تعلق به الذين من الاستقرار إذا جعلناه خبرا مقدما أي تثبت الخير واستقر لهم عند ربهم. ويشير لهذا صنيع الشارح حيث حكم على مجموع الجار والمجرور والظرف، بأنه خبر فقال: الذين اتقوا عند ربهم خير فيقتضي أن الظرف من جملة الخير.\rالثالث: أنه متعلق بخير على أنه نعت له اهـ من السمين.\rقوله: (خبر الخ) وعلى هذا فالوقف قد تم على قوله: من ذلكم، ويصح أن يكون الجار والمجرور نعتا لخير، وجنات خبر مبتدأ محذوف وهذان الوجهان على رفع جنات، وقرئ بجره على أنه بدل من خير وأن قوله: للذين اتقوا نعت لخير اهـ من السمين.\rقوله: (أي مقدرين الخلود فيها) أي فهي حال مقدرة وصاحبها للذين اتقوا، والعامل فيها الاستقرار المحذوف اهـ كرخي.\rقوله: (مما يستقذر) كالبصاق والمني.\rقوله: (لغتان) أي وقد قرئ بهما في السبع في جميع لفظ رضوان الواقع في القرآن، إلا الثاني في المائدة فإنه بالكسر باتفاق السبعة، وهو من اتبع رضوانه سبل السّلام، وقوله: أي رضا أشار به إلى أن كلا من المكسور والمضموم مصدر رضي فهما بمعنى واحد، وان كان الثاني سماعيا والأول قياسيا، وقوله: (كثيرا) أخذه من التنوين في رضوان اهـ شيخنا.\rقوله: (فيجازي كلا) أي من المطيع وغيره. قوله: (من الذين قبله) متعلق بكل من نعت أو بدل لكن من حيث تعلقه بنعت تكون من بمعنى اللام اهـ شيخنا.\rقوله: فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الخ في ترتيب هذا السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة، وفيه رد على أهل الاعتزال، لأنهم يقولون إن استحقاق المغفرة لا يكون بمجرد الإيمان اهـ كرخي.\rقوله: (نعت) أي للذين اتقوا أو للذين يقولون. قوله: وَالصَّادِقِينَ الخ إن قيل كيف دخلت الواو على هذه الصفات مع أن الموصوف بها واحد؟ أجيب بجوابين.\rأحدهما: أن الصفات إذا تكررت جاز أن يعطف بعضها على بعض بالواو، وإن كان الموصوف بها واحدا ودخول الواو في مثل هذا للتفخيم لأنه يؤذن بأن كل صفة مستقلة بمدح الموصوف.\rثانيهما: لا نسلم أن الموصوف بها واحد، بل هو متعدد، والصفات موزعة عليهم، فبعضهم","part":1,"page":382},{"id":386,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 383\rوَالْمُنْفِقِينَ المتصدقين وَالْمُسْتَغْفِرِينَ اللّه بأن يقولوا اللهم اغفر لنا بِالْأَسْحارِ (17) أواخر الليل خصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم\rشَهِدَ اللَّهُ بين لخلقه بالدلائل والآيات أَنَّهُ لا إِلهَ أي لا معبود في الوجود بحق إِلَّا هُوَ شهد بذلك وَالْمَلائِكَةُ بالإقرار وَأُولُوا صابر وبعضهم صادق. وقال الزمخشري: الواو متوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وكلامه هذا يرجع للجواب الأول اهـ من السمين.\rقوله: (المتصدقين) أي بالواجب والمندوب. قوله: (بأن يقولوا) أي مثلا إذ المدار على الاستغفار بأي صيبة كانت. وقوله: بِالْأَسْحارِ أي فيها وهي جمع سحر كفرس وأفراس سميت الأواخر بذلك لما فيها من الخفاء كالسحر اسم للشيء الخفي اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: (بأن يقولوا اللهم اغفر لنا) بشير إلى أن المراد حقيقة الاستغفار وهو الأقرب، ويؤيده قول لقمان لابنه: لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك، وقيل: المراد المصلين بالأسحار اهـ كرخي.\rقوله: (أواخر الليل) عبارة السمين اختلف أهل اللغة في السحر أي وقت هو؟ فقال جماعة منهم الزجاج: انه الوقت قبل طلوع الفجر، وقال الراغب: السحر اختلاط ظلام الليل بضياء النهار، ثم جعل اسما لذلك الوقت، وقال بعضهم: السحر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر، وقال بعضهم:\rالسحر عند العرب من آخر الليل، ثم يستمر حكمه إلى الأسفار كله يقال له سحر، وأما السحر بفتح فسكون فهو منتهى قصبة الحلقوم، ومنه قول أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها: قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورأسه بين سحري ونحري اهـ من السمين.\rقوله: (لأنه وقت الغفلة) أي فالنفس فيه أصفى والروح أجمع، وقوله: (و لذة النوم) أي فالعبادة فيه اشق فكانت أقرب إلى القبول اهـ أبو السعود.\rقوله: شَهِدَ اللَّهُ الخ قد ورد في فضل هذه الآية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول اللّه عز وجل: إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق بمن وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة» وهو دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله.\rوروي عن سعيد بن جبير أنه كان في الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فلما نزلت الآية بالمدينة خرت الأصنام التي في الكعبة سجدا، وقيل: نزلت في نصارى نجران، وقال الكلبي: قدم على النبي حبران أي عالمان من أحبار الشام فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن اخبرتنا به آمنا بك وصدقناك. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «سلا» فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب اللّه، فأنزل اللّه هذه الآية، فأسلم الرجلان اهـ أبو السعود.\rوفي المدرك: من قرأها عند منامه وقال بعدها أشهد بما شهد اللّه وأستودع اللّه هذه الشهادة، وهي عنده وديعة، يقول اللّه يوم القيامة إن لعبدي الخ اهـ شهاب.\rقوله: (بالدلائل) أي السمعية والآيات أي العقلية اهـ.\rقوله: أَنَّهُ لا إِلهَ على حذف الجار أي بأنه والضمير للحال والشأن، وخبر لا محذوف قدره","part":1,"page":383},{"id":387,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 384\rالْعِلْمِ من الأنبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ قائِماً بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد بِالْقِسْطِ بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره تأكيدا الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (18) في صنعه\rإِنَّ الدِّينَ المرضي عِنْدَ اللَّهِ هو الْإِسْلامُ أي الشرع بقوله في الوجوه. قوله: (و شهد بذلك] الْمَلائِكَةُ أشار به إلى أن الملائكة مرفوع على الفاعلية على إضمار فعل، كما قدره كما هو الأظهر من جعله معطوفا على الجلالة، لأنه كما اشار إليه من أن شهادة اللّه مغايرة لشهادة الملائكة وأولي العلم لا يجوز اعمال المشترك في معنييه، فاحتاج إلى إضمار فعل يوافق هذا المنطوق لفظا ويخالفه معنى اهـ كرخي.\rقوله: (بالاعتقاد) أي الإيمان. قوله: (و اللفظ) أي النطق بلا إله إلا اللّه. قوله: قائِماً بِالْقِسْطِ بيان لكماله في افعاله بعد بيان كماله في ذاته اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نصبه على الحال) أي من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا فتكون الحال أيضا في حيز الشهادة، فيكون المشهود به أمرين: الوحدانية والقيام بالقسط، وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل الفاعل يشهد لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط، والحال ليست في حيز الشهادة اهـ شيخنا.\rوجعل هذه الحال مؤكدة فيه نظرا. إذ المؤكدة هي التي يفهم معناها مما قبلها بقطع النظر عن الخارج، وما هنا ليس كذلك، فلو سماها لازمة لكان أوضح، وعبارة السمين قال الزمخشري:\rوانتصابه على أنه حال مؤكدة، كقوله تعالى: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [البقرة: 91] اهـ.\rقال الشيخ: وليس من باب الحال المؤكدة لأنه ليس من باب وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33]، فليس مؤكدا لمضمون الجملة السابقة اهـ.\rقلت: مؤاخذته له في قوله مؤكدة غير ظاهرة، وذلك أن الحال على قسمين: إما مؤكدة وإما مبينة، وهي الأصل، فالمبينة لا جائز أن تكون ههنا لأن المبينة منتقلة، والانتقال هنا محال إذ عدل اللّه تعالى لا يتغير.\rفإن قيل: لنا قسم ثالث وهي الحال اللازمة، فكان للزمخشري مندوحة عن قوله مؤكدة إلى قوله لازمة؟.\rفالجواب: أن كل مؤكدة لازمة وكل لازمة مؤكدة، فلا فرق بين العبارتين اهـ.\rقوله: (و العامل فيها معنى الجملة) أي جملة لا إله إلا هو. وقوله: (أي تفرد) بيان لمعنى الجملة اهـ.\rقوله: (كرره تأكيدا) أي أو لأن، الأول قول اللّه والثاني حكاية قول الملائكة وأولي العلم، لأن الأول جرى مجرى الشهادة، والثاني جرى مجرى الحكم بصحة ما شهد به الشهود. وقال جعفر الصادق: الأول وصف، والثاني تعليم أي قولوا واشهدوا كما شهدت اهـ كرخي.\rقوله: الْعَزِيزُ (في ملكه) راجع لقوله: لا إله إلا هو. وقوله: الْحَكِيمُ (في صنعه) راجع لقوله قائما بالقسط اهـ شيخنا.","part":1,"page":384},{"id":388,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 385\rالمبعوث به الرسل المبني على التوحيد وفي قراءة بفتح أن بدل من أنه الخ بدل اشتمال وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما وعبارة الكرخي قوله: العزيز في ملكه الحكيم في صنعه فيه إشارة إلى أنه إنما قدم العزيز، لأن العزة تلائم الوحدانية والحكمة تلائم القيام بالقسط فأتى بهما لتقرر الأمرين على ترتيب ذكرهما. قال صاحب الكشاف: العزيز الحكيم صفتان اهـ.\rقوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من هو. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر.\rالثالث: أنه نعت لهو، وهذا إنما يتمشى على مذهب الكسائي، فانه يرى وصف الضمير الغائب اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ نزلت لما ادعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية، فردّ اللّه عليهم ذلك، وقال: إن الدين عند اللّه الاسلام اهـ خازن.\rوالظاهر أن هذه الجملة آية مستقلة، لكن هذا ظاهر على قراءة كسر إن وأما على قراءة فتحها فهو من بقية الآية السابقة كما لا يخفى، تأمل.\rقوله: عِنْدَ اللَّهِ ظرف العامل فيه لفظ الدين لما تضمنه من معنى الفعل أي الذي شرع عند اللّه، ويصح أن يكون صفة للدين، فيكون متعلقا بمحذوف أي الكائن، والثابت عند اللّه. قال أبو البقاء: ولا يكون حالا لأن إن لا تعمل في الحال.\rقلت: قد جوزوا في ليت وفي كأن وفي ها التنبيه أن تعمل في الحال. قالوا: لما تضمنت هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه والتنبيه، وإن للتأكيد، فلتعمل في الحال أيضا فلا تتقاعد عن ها التي للتنبيه بل هي أولى منها، وذلك أنها عاملة، وها التنبيه ليست بعاملة فهي أقرب لشبه الفعل من ها اهـ سمين.\rقوله: (المبني على التوحيد) إشارة إلى أن قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ بكسر إن على قراءة غير الكسائي جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، لأن الشهادة بالوحدانية وبالعدل والعزة الحكمة هي أس الدين وقاعدة الإيمان اهـ كرخي.\rقوله: (بدل من أنه الخ) أي لا إله إلا هو، والتقدير شهد أنه لا إله إلا هو، وشهد أن الدين وقوله: (بدل اشتماله) أي بناء على ما فسره من أن المراد به الشريعة، أما إذا فسّر بالإيمان فهو بدل كل من أنه لا إله إلا هو، وذلك أن الدين الذي هو الإسلام يتضمن العدل والتوحيد وهو هو في المعنى.\rوههنا شيء وهو أن الرضى ذكر أن بدل الاشتمال أن يكون المخاطب منتظرا للبدل عند سماع المبدل منه وهنا ليس كذلك اهـ كرخي.\rقوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي من اليهود والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام، فقال قوم: إنه حق. وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا أو في التوحيد فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن اللّه، وقيل: هم قوم موسى، واختلفوا بعده","part":1,"page":385},{"id":389,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 386\rجاءَهُمُ الْعِلْمُ بالتوحيد بَغْياً من الكافرين بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) أي المجازاة له\rفَإِنْ حَاجُّوكَ خاصمك الكفار يا محمد في الدين فَقُلْ لهم وقيل: هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى اهـ بيضاوي.\rقوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في التعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم، فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح، وقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ الخ زيادة أخرى، فإن الاختلاف بعد العلم أزيد في القباحة، وقوله: بَغْياً بَيْنَهُمْ زيادة ثالثة، لأنه في حيز الحصر، فكأنه قال: وما اختلفوا إلا بغيا أي لشبهة ولا لدليل، فيكون أزيد في القباحة اهـ شيخنا.\rقوله: أُوتُوا الْكِتابَ أي التوراة والإنجيل.\rقوله: (بأن وحد بعض) أي قال اللّه واحد، وعيسى عبده ورسوله. وقوله: (و كفر بعض) أي بأن ثلثت النصارى اللّه ومريم وعيسى، وقالت اليهود: عزير ابن اللّه اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أي: وما اختلفوا في حال من الأحوال، أو وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا الحق اهـ شيخنا.\rقوله: بَغْياً بَيْنَهُمْ مفعول من أجله، والعامل فيه اختلف، والاستثناء مفرع، والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيره اهـ سمين فهو في حيز الاستثناء.\rقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ من مبتدأ شرطية، وفي خبره الأقوال الثلاثة، أعني فعل الشرط وحده، أو الجواب وحده أو كليهما. وعلى القول بكونه الجواب وحده لا بدّ من ضمير مقدر أي سريع الحساب فيه، كما قدره الشارح، وقد تقدم تحقيق ذلك اهـ سمين.\rقوله: بِآياتِ اللَّهِ أي بآياته الناطقة بما ذكر من أن الدين عند اللّه هو الإسلام، ولم يعمل بمقتضاها أو بأي آية كانت من آيات اللّه تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولا أوليا اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام الجواب علة له، وتقدير الجواب فإن اللّه يجازيه ويعاقبه عن قرب، فإنه سريع الحساب اهـ أبو السعود.\rقوله: (خاصمك الكفار) أي جادلوك بعد قيام الحجة عليهم اهـ كرخي.\rقوله: (في الدين) أي في أن الدين عند اللّه هو الإسلام اهـ.\rقوله: (أنا) وَمَنِ اتَّبَعَنِ أشار به إلى أن محل من الرفع عطفا على التاء في أسلمت، وجاز ذلك لوجود الفصل بالمفعول قاله أبو حيان، والمعنى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم اسلم وجهه للّه وهم اسلموا وجوههم للّه، فاندفع ما قيل ظاهر هذا الاعراب مشاركتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم في إسلام وجهه، ولا يصلح فلا بد من تأويل وهو حذف المفعول من المعطوف أي وأسلم من اتبعن وجوههم، وجوز في الكشاف أنه منصوب على المعية، والواو بمعنى مع. وعليه فالمعنى أسلمت وجهي مصاحبا لمن أسلم وجهه للّه أيضا، وهو صحيح نظرا إلى أن المشاركة بين المتعاطفين في مطلق الإسلام أي الاخلاص لا فيه بقيد وجهه حتى يمتنع ذلك لاختلاف وجههما اهـ كرخي.","part":1,"page":386},{"id":390,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 387\rأَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ انقدت له أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِ وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ مشركي العرب أَأَسْلَمْتُمْ أي أسلموا فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا من الضلال وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي التبليغ للرسالة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال\rإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِ أثبت الياء في اتبعني نافع وأبو عمرو وصلا وحذفا ووقفا، والباقون حذفوها وقفا ووصلا موافقة للرسم، وحسن ذلك أيضا كونها فاصلة، ورأس آية نحو: أكرمن وأهانن، وقال بعضهم: حذف هذه مع نون الوقاية خاصة، فإن لم تكن نون فالكثير اثباتها اهـ سمين.\rقوله: (و خص الوجه الخ) إشارة إلى أن الوجه مجاز عن جملة الشخص تعبيرا عن الكل بأشرف أعضائه الظاهرة، وقوله: (لشرفه) وذلك لاشتماله على معظم القوى والمشاعر، ولأنه معظم ما تقع به العبادة من السجود والقراءة، وبه يحصل التوجه إلى كل شيء اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وضع الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل بين وصفي المتعاطفين، لأن الأميين يقابلون بالذين أوتوا الكتاب اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالْأُمِّيِّينَ أي الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب اهـ أبو السعود.\rفالمراد بالأميين هذا المعنى، وإن كانوا يكتبون ويقرؤون المكتوب اهـ شيخنا.\rقوله: أَأَسْلَمْتُمْ صورته استفهام، ومعناه أمر أي اسلموا كقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] أي انتهوا.\rقال الزمخشري: يعني أنه قد أتاكم من البينات ما أوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة، فهل أسلمتم بعد أم أنتم على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته. هل فهمتها أم لا؟ ومنه قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر، وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الانصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق وهو كلام حسن جدا اهـ.\rوقوله: فَقَدِ اهْتَدَوْا دخلت قد على الماضي مبالغة في تحقق وقوع الفعل كأنه قرب من الوقوع اهـ سمين.\rقوله: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا أي فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلالة، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ أي لم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ، وقد بلغت اهـ بيضاوي.\rوقوله: فقد نفعوا الخ أشار به إلى أن اهتدوا كناية عن هذا المعنى، وإلّا فلا فائدة في الجزاء، وكذا يقال في قوله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ حيث فسّره بما بعده اهـ زكريا.\rقوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ قائم مقام الجواب أي لم يضروك شيئا فإنما عليك البلاغ، وقد فعلت على أبلغ وجه اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ اهـ.","part":1,"page":387},{"id":391,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 388\rوَيَقْتُلُونَ وفي قراءة يقاتلون النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ بالعدل مِنَ النَّاسِ وهم اليهود روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم فَبَشِّرْهُمْ أعلمهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبر إن لشبه اسمها الموصول بالشرط\rأُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ بطلت قوله: (و في قراءة يقاتلون) الأولى ذكر هذه العبارة بعد قوله: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ لان القراءتين إنما هما في الثانية، وأما الأولى فهي يقتلون لا غير، فذكر هذه العبارة هنا سبق قلم من الشارح اهـ شيخنا. وهو مأخوذ من الكرخي.\rقوله: بِغَيْرِ حَقٍ فيه أن قتل النبي لا يكون إلا بغير حق، وإنما قيد بذلك للإشارة إلى أنه كان بغير حق في اعتقادهم أيضا، فهو أبلغ في التشنيع عليهم اهـ أبو السعود.\rولعل تكرير الفعل للاشعار بما بين القتلين من التفاوت أو لاختلافهما في الوقت أو لاختلاف المتعلق اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وهم العباد الآتي ذكرهم قوله: مِنَ النَّاسِ إما للبيان وإما للتبعيض فهو جار مجرى التأكيد، لأن من المعلوم أنهم من جملة الناس اهـ سمين.\rقوله: (و هم اليهود) أي الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقاتل آباؤهم ولرضاهم بفعلهم نسب إليهم، وكانوا قاصدين قتل النبي، وقد أشار إليه بصيغة الاستقبال اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: إن الذين يكفرون بآيات اللّه هم أهل الكتاب الذين كانوا في عصره صلّى اللّه عليه وسلّم قتل آباؤهم الأنبياء وأتباعهم، وهم رضوا به، وقصدوا قتل النبي والمؤمنين، ولكن اللّه عصمهم، وقد سبق مثله في سورة البقرة، انتهت.\rقوله: (روي أنهم قتلوا الخ) أي في أول النهار، وقوله: (من يومهم) أي في آخر يومهم الذي قتلوا فيه الأنبياء اهـ شيخنا.\rقوله: (تهكم بهم) إذ البشارة الخبر الأول السار، فالبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كما هنا، وإنما سميت البشارة بشارة لظهور أثرها في بشرة الوجه انبساطا اهـ كرخي.\rقوله: (و دخلت الفاء في خبر إن الخ) عبارة السمين، ولما ضمن هذا الموصول معنى الشرط في العموم دخلت الفاء في خبره، وهو قوله فبشرهم، وهذاهو الصحيح. أعني أنه إذا نسخ المبتدأ بأن فجواز دخول الفاء باق، لأن المعنى لم يتغير، بل ازداد تأكيدا، وخالف الأخفش فمنع دخولها والسماع حجة عليه كهذه الآية، وكقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [البروج: 10] الآية. وكذلك إذا نسخ بلكن كقوله:\rفو اللّه ما فارقتكم عن ملالة ... ولكن ما يقضى فسوف يكون\r\rوذلك إذا نسخ بأن المفتوحة كقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ","part":1,"page":388},{"id":392,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 389\rأَعْمالُهُمْ ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلا اعتداد بها لعدم شرطها وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) مانعين من العذاب\rأَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا مِنَ الْكِتابِ التوراة يُدْعَوْنَ حال إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ [الأنفال: 41]. أما إذا نسخ بليت ولعل وكأن، فتمتنع الفاء عند الجميع لتغيير المعنى لانتفاء معنى الخبرية، فإن الكلام بعد دخولها لم يبق محتملا للصدق والكذب بخلافه بعد دخول إن اهـ.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ الخ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة اهـ أبو السعود.\rقوله: (كصدقة الخ) فيه أن مثل هذا العمل الغير المتوقف على النية لا يتوقف على الإسلام، فينتفع به الكافر في الآخرة، هذا هو المعتمد في الفروع، فلا يظهر قول الشارح لانتفاء شرطه، يعني الذي هو الإسلام. فلعل هذا الحكم وهو بطلان صدقاتهم في الدنيا والآخرة مخصوص بطائفة من الكفار وهم من شافه النبي بالأذى والمخالفة اهـ شيخنا.\rقوله: فِي الدُّنْيا أي فلا تحقن به دماؤهم ولا أموالهم اهـ كرخي.\rقوله: (لعدم شرطها) وهو الإسلام قوله: أَلَمْ تَرَ تعجيب للنبي أو لكل من تتأتى منه الرؤية من حال أهل الكتاب وسوء صنيعهم، وتقرير لما سبق من أن اختلافهم إنما كان بعدما جاءهم العلم بحقيقته اهـ أبو السعود.\rقوله: أُوتُوا نَصِيباً المراد بذلك النصيب ما بين لهم في التوراة من العلم والأحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وحقيقة الإسلام، والتعبير عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصه بهم، وكونه حقا من حقوقهم التي تجب مراعاتها، والعمل بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم وحمله على التحقير لا يساعده مقام المبالغة في تقبيح حالهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (حال) أي من الذين أوتوا. وقوله: ليحكم متعلق بيدعون. وقوله: ثم يتولى عطف على يدعون، ومنهم صفة لفريق، وقوله: هم معرضون يجوز أن يكون صفة معطوفة على الصفة قبلها، فتكون الواو عاطفة، وأن يكون في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في منهم لوقوعه صفة، فتكون الواو للحال اهـ سمين.\rقوله: إِلى كِتابِ اللَّهِ أي التوراة بدليل ما ذكره في القصة، وفيه إظهار في مقام الإضمار لتأكيد الإجابة عليهم، وإضافته إلى الاسم الجليل لتشريفه، وتأكيد وجوب الرجوع إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: لِيَحْكُمَ أي الكتاب أو اللّه اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ يَتَوَلَّى أي عن مجلس النبي، وثم لاستبعاد توليهم مع علمهم بأن الرجوع إليه أي إلى كتاب اللّه واجب أي فليست للتراخي في الزمان إذ لا تراخي فيه اهـ كرخي.\rقوله: وَهُمْ مُعْرِضُونَ إما حال من فريق لتخصيصه بالصفة أي يتولون من المجلس، والحال أنهم معرضون بقلوبهم اهـ أبو السعود.","part":1,"page":389},{"id":393,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 390\rمُعْرِضُونَ (23) عن قبول حكمه. نزل في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحكم عليهما بالرجم فأبو فجيء بالتوراة فوجد فيها فرجما فغضبوا\rذلِكَ التولي والإعراض بِأَنَّهُمْ قالُوا أي بسبب قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ متعلق بقوله ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) من قولهم ذلك\rفَكَيْفَ قوله: (عن قبول حكمه) أي حكم الكتاب وهو الرجم اهـ.\rقوله: (نزل) أي قوله: ألم تر. وقوله: (في اليهود) أي من خيبر. وقوله: (فتحاكموا) أي اليهود قبيلة الرجل والمرأة. وقوله: (فأبوا) أي اليهود لشرف الزانيين فيهم. وعبارة الخازن: وروي عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم، فرفعوا أمرهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورجوا أن تكون عنده رخصة، فحكم عليهما بالرجم، فقال النعمان بن أوفى وعدي بن عمرو: جرت عليهما يا محمد وليس عليهما الرجم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بيني وبينكم التوراة» فقالوا: قد أنصفت. فقال: «من أعلمكم بالتوراة؟»، فقالوا: رجل أعور يقال له عبد اللّه بن صوريا يسكن فدك، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة وكان جبريل وصفه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«أنت ابن صوريا» فقال: نعم. قال: «أنت أعلم اليهود بالتوراة»؟ قال: كذلك يزعمون، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالتوراة وقال له: «إقرأ» فقرأ، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها وقرأ ما بعدها، فقال عبد اللّه ابن سلام: يا رسول اللّه قد جاوزها، ثم قام ورفع كفه عنها وقرأها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى اليهود، وفيها: أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم باليهوديين فرجما، فغضبت اليهود لذلك فأنزل اللّه عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ الخ اهـ.\rقوله: ذلِكَ (التولي) أي توليهم عن مجلس النبي وقيامهم منه. وقوله: (الإعراض) أي بقلوبهم عن الحكم وعدم قبوله، وذلك مبتدأ والجار والمجرور خبره، وقوله: (أي بسبب قولهم الخ) أي بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الاعتقاد الزائغ والطمع الفارغ، فزعموا أن جميع الذنوب تكفر بدخولهم النار المدة المذكورة، وهم جازمون فدخولها من أجل عبادة آبائهم العجل فدخولها يطهرهم من عبادة آبائهم ومن ذنوبهم التي يفعلونها، فحينئذ أبوا وامتنعوا من حكم رسول اللّه عليها بالرجم. إذ لا فائدة له في زعمهم، هذا مرادهم اهـ أبو السعود بايضاح.\rقوله: (متعلق) أي الظرف، وهو قوله في دينهم متعلق بيفترون الذي بعده، واعترضه الخطيب بأن ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله وصوب تعلقه بالفعل الذي قبله وهو غرهم اهـ شيخنا.\rقوله: (من قولهم ذلك) بيان لما، وعبارة البيضاوي من أن النار لن تمسهم إلا أياما قلائل، أو أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنه تعالى وعد يعقوب عليه الصلاة والسّلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم اهـ.\rقوله: فَكَيْفَ الخ ردّ لقولهم المذكور، وإبطال لما غرهم باستعظام ما سيقع لهم، وتهويل لما يحيق بهم من الأهوال، وكيف: خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله حالهم، وعبارة السمين: ويجوز أن","part":1,"page":390},{"id":394,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 391\rحالهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ أي في يوم لا رَيْبَ شك فِيهِ هو يوم القيامة وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ما كَسَبَتْ عملت من خير وشر وَهُمْ أي الناس لا يُظْلَمُونَ (25) بنقص حسنة أو زيادة سيئة، ونزل لما وعد صلّى اللّه عليه وسلّم أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون هيهات\rقُلِ اللَّهُمَ يا اللّه مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي تعطي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ من خلقك يكون خبرا مقدما والمبتدأ محذوف تقديره: فكيف حالهم، وقوله: إِذا جَمَعْناهُمْ ظرف محض من غير تضمين شرط، والعامل فيه هو العامل في كيف إن قلنا إنها منصوبة بفعل، وإن قلنا انها خبر لمبتدأ مضمر، وهي منصوبة انتصاب الظرف كان العامل في إذا الاستقرار العامل في كيف لأنها كالظرف، وإن قلنا إنها اسم غير ظرف بل لمجرد السؤال كان العامل فيها نفس المبتدأ الذي قدرناه أي كيف حالهم في وقت جمعهم، وقوله ليوم متعلق بجمعناهم أي لقضاء يوم أو لجزاء يوم، ولا ريب فيه صفة للظرف، انتهت.\rقوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي في مجيئه ووقوع ما فيه.\rقوله: وَهُمْ (أي الناس) فيه إشارة إلى أنه ذكر ضميرهم وجمعه باعتبار معنى كل نفس لأنه في معنى كل الناس، كما اعتبر المعنى في قولهم ثلاثة أنفس بتأويل الأناسي اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل لما وعد صلّى اللّه عليه وسلّم الخ) وذلك في وقعة الأحزاب. وعبارة البيضاوي: روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا أخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليخبره، فذهب إليه فجاء رسول اللّه وأخذ المعول من سلمان، فضربها ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها لكأن مصباحا في جوب بيت مظلم فكبّر وكبّر معه المسلمون وقال: «أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب»، ثم ضرب الثانية فقال: «أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم»، ثم ضرب الثالثة فقال: «أضاء لي منها قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا»، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، وانها تفتح لكم، وأنكم إنما تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون البروز، فنزلت اهـ.\rوقوله: قصور الحيرة بكسر الحاء المهملة وسكون الياء مدينة بقرب الكوفة، وتشبيه القصور بأنياب الكلاب في صغرها وبياضها وانضمام بعضها إلى بعض مع الإشارة إلى تحقيرها وإن استعظموها اهـ زكريا.\rقوله: (يا اللّه) أي فالميم عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان، وهذا التعويض خاص بالاسم الجليل كما اختص بجواز الجمع فيه بين يا وأل وبقطع همزته، ودخول تاء القسم عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: مالِكَ الْمُلْكِ فيه أوجه، أحدها: أنه بدل من اللهم. الثاني: أنه عطف بيان. الثالث:\rأنه منادى ثان حذف منه حرف النداء أي يا مالك الملك، وهذاهو البدل في الحقيقة. إذ البدل على نية تكرار العامل، إلا أن الفرق أن هذا ليس بتابع. الرابع: أنه نعت لا للهم على الموضع، فلذلك نصب.","part":1,"page":391},{"id":395,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 392\rوَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بإيتائه وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بنزعه منه بِيَدِكَ بقدرتك الْخَيْرُ أي والشر إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)\rتُولِجُ تدخل اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ تدخله وهذا ليس مذهب سيبويه لا يجيز نعت هذه اللفظة لوجود الميم في آخرها، لأنها أخرجتها عن نظائرها من الأسماء. وأجاز المبرد ذلك واختاره الزجاج، قالا: لأن الميم بدل من يا والمنادي مع يا لا يمتنع وصفه فكذا ما هو عوض منها وأيضا فان الاسم لم يتغير عن حكمه. ألا ترى إلى بقائه مبنيا على الضم كما كان مبنيا مع يا اهـ سمين.\rقوله: مالِكَ الْمُلْكِ أي جنس الملك على الإطلاق ملكا حقيقيا بحيث يتصرف فيه كيف يشاء اهـ أبو السعود.\rوقيل: ملك العباد وما ملكوا، وقيل: مالك ملك السموات والأرض، وقيل: معناه بيده الملك يؤتيه من يشاء. وقيل: معناه ملك الملوك ووارثهم يوم لا يدعي الملك أحد غيره، وفي بعض كتب اللّه المنزلة أنا اللّه ملك الموت ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال علي رضي اللّه عنه: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لما أمر اللّه تعالى ان تنزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي، وشهد اللّه، وقل اللهم مالك الملك الى قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين اللّه حجاب، وقلن يا رب تهبطنا دار الذنوب وإلى من يعصيك، فقال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لا يقرؤكن عبد عقيب كل صلاة مكتوبة إلّا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من عدوه بنصرته عليه، ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» اهـ.\rقوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ بيان لبعض وجوه التصرف الذي تستدعي مالكية الملك، وتحقيق لاختصاصها به حقيقة، وكون مالكية غيره بطريق المجاز كما ينبىء عنه إيثار الإيتاء الذي هو مجرد الإعطاء على التمليك المؤذن بثبوت المالكية حقيقة، كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: قوله: تؤتي الملك من تشاء هذه الجملة وما عطف عليها يجوز أن تكون مستأنفة مبينة لقوله مالك الملك، ويجوز أن تكون حالا من المنادى وفي انتصاب الحال من المنادى خلاف الصحيح جوازه لأنه مفعول به، والحال كما يكون لبيان هيئة الفاعل يكون لبيان هيئة المفعول، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ مضمر أي أنت تؤتي، وتكون الجملة اسمية، وحينئذ يجوز أن تكون استئنافية، وأن تكون حالا، انتهت.\rقوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُ التقديم للاختصاص. قوله: (أي والشر) أشار به إلى أن اقتصار الآية على الخير من باب الاكتفاء بالمقابل، كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] كما يدل لذلك قوله:\rإِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهذا ما اقتصر عليه البغوي وإنما خص الخير بالذكر لأنه المرغوب فيه، أو لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض. اذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا. قال","part":1,"page":392},{"id":396,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 393\rفِي اللَّيْلِ فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ كالنطفة والبيضة مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) أي رزقا واسعا\rلا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ يوالونهم مِنْ دُونِ أي غير الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي القاضي كالكشاف وهو ظاهر اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لما سبق وتحقيق له اهـ أبو السعود.\rقوله: تُولِجُ اللَّيْلَ الخ فيه دلالة على أن من قدر على أمثال هذه الأمور العظام المحيرة للعقول والافهام، فقدرته على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم أهون عليه من كل هين اهـ أبو السعود.\rويقال: ولج يلج من باب وعد ولوجا ولجة كعدة والولوج الدخول والإيلاج الادخال اهـ سمين.\rقوله: (تدخل) اللَّيْلَ أي تدخل بعضه وهو ما زاد به على النهار، وكذا يقال فيما بعده بشير إلى هذا قول الشارح، فيزيد كل منهما الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بما نقص) أي بالجزء الذي نقص اهـ.\rقوله: مِنَ الْحَيِ كالمسلم من الكافر وعكسه، فالمسلم حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد. قال تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: 122] اهـ كرخي.\rقوله: (أي رزقا واسعا) أي بلا ضيق إذ المحسوب يقال للقليل والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل ترزق أو من مفعوله اهـ كرخي.\rقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ نهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوهما من أسباب المصادقة والمعاشرة، كما قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 1] إلى آخرها. وقوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة:\r51] إلى آخرها، وعن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية اهـ أبو السعود.\rوسبب نزول هذه الآية أن جماعة من المسلمين كانوا يوادون بعض اليهود باطنا، فنزلت الآية نهيا لهم عن ذلك. وقيل: نزلت في عبد اللّه بن أبي وأصحابه كانوا يوالون المشركين واليهود، ويأتونهم بالاخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فانزل اللّه هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك. وقيل: إن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب: يا رسول اللّه إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن أستظفر بهم على العدو، فنزلت هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: (يوالونهم) تفسير للفعل المجزوم، فالصواب حذف النون، كما في بعض النسخ نص على ذلك قاري، ويمكن أن يقال أن التفسير لا يلزم أن يعطى حكم المفسر من كل وجه، فان المدار على توضيح المعنى، ويمكن أن يقال أيضا ان هذا الفعل نعت لقوله أولياء، وذكره ليتعلق به قوله: من دون المؤمنين.\rقوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ في محل الحال من الفاعل. أي حال كون المؤمنين متجاوزين","part":1,"page":393},{"id":397,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 394\rيوالهم فَلَيْسَ مِنَ دين اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً مصدر تقيته أي تخافوا مخافة فلكم للمؤمنين أي متجاوزين الاستقلال بموالاة المؤمنين: أي تاركين قصر الموالاة على المؤمنين وذلك الترك يصدق بصورتين: قصر الموالاة على الكافرين، والتشريك بينهم وبين المؤمنين، فالصورتان داخلتان في منطوق النهي. فالمعنى لا يوال المؤمنين الكافرين لا استقلالا ولا اشتراكا مع المؤمنين، وإنما الجائز لهم قصر الموالاة والمحبة على المؤمنين بأن يوالي بعضهم بعضا فقط، تأمل. قوله:\rوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي الاتخاذ بصورتيه السابقتين، وقوله: أي يوالهم تفسير لفعل الشرط فهو مجزوم، فثبوت الياء في بعض النسخ غير مناسب إلا أن يجاب بمثل ما تقدم اهـ.\rقوله: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ اسمها ضمير يعود على الشرطية أي فليس الموالي في شيء حالة كون الشيء من دين اللّه، والظاهر على هذا أن يكون المراد من أهل دين اللّه، لأن الشخص إنما ينتظم في أهل الدين لا في الدين نفسه، وكان الأولى للشارح تأخير هذا المضاف عن لفظ الجلالة بأن يقول بعده أي من دينه وذلك للمحافظة على فتحه من الجارة، لأن صنيعه يقتضي أن تسكن في القراءة، لكنه ينبغي أن تقرأ مفتوحة ولو كانت متصلة بما قدره اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: مِنَ اللَّهِ الظاهر أنه في محل نصب على الحال من شيء لأنه لو تأخر لكان صفة له، وفي شيء خبر ليس لأن به تستقل فائدة الإسناد والتقدير، فليس في كل شيء كائن من اللّه ولا بد من حذف مضاف أي فليس من ولاية اللّه، وقيل من دين اللّه، انتهت.\rقوله: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا تقدم أن مثل هذا التركيب على حذف الجار وهو في، وعلى حذف المضاف وإن ان مصدرية والتقدير إلا في حال اتقائكم منهم وفي السمين: وهذا استثناء مفرغ من المفعول من أجله، والعامل فيه لا يتخذ أي لا يتخذ المؤمن الكافر وليا لشيء من الأشياء ولا لغرض من الأغراض إلا للتقية ظاهرا، بحيث يكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن، وعلى هذا فقوله: ومن يفعل ذلك، وجوابه معترض بين العلة ومعلولها، وفي قوله إلا ان تتقوا التفات من غيبة إلى خطاب، ولو جرى على سنن الكلام الأول لجأ بالكلام غيبة وقد أبدوا للالتفات هنا معنى حسنا، وذلك أن موالاة الكفار لما كانت مستقبحة لم يواجه اللّه عباده بخطاب النهي، بل جاء به في كلام أسند فيه الفعل المنهي عنه لضمير الغيبة، ولما كانت المجاملة في الظاهر جائزة لعذر وهو اتقاء شرهم حسن الاقبال إليهم، وخطابهم برفع الحرج عنهم في ذلك اهـ.\rوعبارة الخازن: ومعنى الآية ان اللّه نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه مطمئنا قلبه بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو غير ذلك من المحرمات أو يظهر الكفار على عورة المسلمين والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع صحة النية. قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: 106] ثم هذه التقية رخصة، فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم. وأنكر قوم التقية اليوم، وقالوا: إنما كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز اللّه الإسلام والمسلمين، فليس لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم.\rوقيل إنما تجوز التقية لصون النفس عن الضرر، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان اهـ.","part":1,"page":394},{"id":398,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 395\rموالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزة الإسلام ويجري فيمن في بلد ليس قويا فيها وَيُحَذِّرُكُمُ يخوفكم اللَّهُ نَفْسَهُ أن يغضب عليكم إن واليتموهم وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) المرجع فيجازيكم\rقُلْ لهم إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ قلوبكم في موالاتهم أَوْ تُبْدُوهُ تظهروه يَعْلَمْهُ اللَّهُ هو وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) ومنه تعذيب من قوله: تُقاةً وزنه فعلة ويجمع على تقى كرطبة ورطب وأصله وقية، لأنه من الوقاية فأبدلت الواو تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقوله: مصدر تقيته بفتح القاف بوزن رميته. وفي المختار تقى يتقي كقضى يقضي والتقوى والتقى واحد والتقاة التقية. يقال: اتقى تقية وتقاة اهـ. وفي القاموس: وتقيت الشيء اتقيه من باب ضرب اهـ.\rقوله: (أي تخفوا مخافة) اشار بذلك إلى أن تقاة منصوب على المصدرية أي على أنه مفعول مطلق، وهو أحد وجهين ذكرهما السمين. ونصه في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المصدر، والتقدير تتقوا منهم اتقاء، فتقاة واقع موقع الاتقاء، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها، والأصل تتقوا اتقاء نحو تقتدروا اقتدارا، ولكنهم أتوا بالمصدر على حذف الزوائد، كقوله: أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: 17] والأصل إنباتا. والثاني: أنه منصوب على المفعول به، وذلك على أن يكون تتقوا بمعنى تخافوا، ويكون تقاة مصدرا واقعا موقع المفعول به وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه اهـ.\rقوله: (و هذا) أي الاستثناء المذكور، وقوله: (و يجري) أي الاستثناء المذكور، وقوله: (ليس قويا فيها) اسم ليس ضمير مستكن فيها يعود على من أو على الإسلام أي ليس هو قويا فيها أو ليس الإسلام قويا فيها. قوله: نَفْسَهُ على حذف مضاف أي غضب نفسه، كما أشار لتقديره ببدل الاشتمال، فقوله أن يغضب بدل اشتمال من نفسه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: نفسه مفعول ثان فيحذر لأنه في الأصل متعد بنفسه لواحد فازداد بالتضعيف آخر، وقدر بعضهم حذف مضاف أي عقاب نفسه، وصرح بعضهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء عن بعضهم وليس بشيء، إذ لا بد من تقدير هذ المضاف لصحة المعنى. ألا ترى إلى غير ما نحن فيه في نحو قولك: حذرتك نفس زيد أنه لا بد من شيء يحذر منه كالعقاب والسطوة، لأن الذوات لا يتصور الحذر منها نفسها إنما يتصور من أفعالها وما يصدر عنها، وعبر هنا بالنفس عن الذات جريا على عادة العرب، وقال بعضهم: الهاء في نفسه تعد على المصدر المفهوم من قوله لا يتخذ أي ويحذركم اللّه نفس الاتخاذ، والنفس عبارة عن وجود الشيء وذاته اهـ.\rقوله: (فيجازيكم) أي فاحذروه، ولا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه، وهو تهديد عظيم اهـ كرخي.\rقوله: (و هو يعلم) إشارة إلى أن ويعلم مستأنف وليس منسوقا على جواب الشرط، وذلك أن علمه تعالى بما في السموات وما في الأرض غير متوقف على شرط، فلذلك جيء به مستأنفا، وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو ما في صدوركم تأكيدا له وتقريرا فان قيل، وجه ذكر العلم بخفيات الضمائر ظاهر، فما وجه ذكر العلم بما يبدو ويظهر منها؟ فالجواب: ان الغرض من ذكره أن علمه تعالى","part":1,"page":395},{"id":399,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 396\rوالاهم اذكر\rيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ - ه مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ - ه مِنْ سُوءٍ مبتدأ خبره تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرر للتأكيد وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) ونزل لما قالوا ما نعبد الأصنام إلا حبا للّه ليقربونا إليه\rقُلْ لهم بما خفي وما ظهر في مرتبة واحدة، فليس بينهما تفاوت بل كان منهما ظاهر عنده اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ تَجِدُ يوم: مفعول به لأذكر مقدرا وتجد يجوز أن يكون متعديا لواحد بمعنى نصب وتصادف، ويكون محضرا على هذا منصوبا على الحال، وهذاهو الظاهر، ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين. أولهما ما عملت، والثاني محضرا. وليس بقوي في المعنى اهـ سمين.\rقوله: تَوَدُّ لَوْ أَنَ لو: هنا على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره، وعلى هذا ففي الكلام حذفان. أحدهما حذف مفعول تودّ، والثاني جواب لو، والتقدير تودّ تباعد ما بينهما وبينه، لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا لسرت بذلك أو لفرحت، وقد تقدم الكلام في أن الواقعة بعد لو هل محلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف، كما ذهب إليه سيبويه، أو أنها في محل رفع بالفاعلية بفعل مقدر أي لو ثبت أن بينها، وقد زعم بعضهم أن لو هنا مصدرية وهي وما في حيزها في معنى المفعول لتود أي تود تباعد ما بينها وبينه، وفي ذلك إشكال وهو دخول حرف مصدري على مثله، ولكن المعنى على تسلط الودادة على لو وما في حيزها لو لا المانع الصناعي اهـ سمين.\rقوله: (غاية) تفسير لأمدا وقوله: (في نهاية البعد) تفسير لبعيدا والنهاية آخر المسافة فكأنه اعتبرها أمرا ممتدا حتى جعل لها غاية، والمراد التنصيص على شدة البعد أي طرف النهاية الآخر الذي ليس بعده جزء أصلا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: الأمد غاية الشيء ومنتهاه، والفرق بين الأمد والأبد، أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة، والأمد مدة لها حد مجهول، والفرق بين الأمد والزمان أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية اهـ.\rقوله: (في نهاية البعد) أي المكاني أو الأعم منه، ومن الزماني، وعبارة الخازن أي مكانا بعيدا كما بين المشرق والمغرب اهـ.\rقوله: (كرر للتأكيد) أي وليقترن بما بعده، فيفيد اقترانه ان تحذيره من جملة رأفته بهم، وأن رأفته ورحمته لا تمنع تحقيق ما حذرهم به وأن تحذيره ليس مبنيا على تناسي صفة الرحمة بل هو متحقق معها اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي قوله كرر للتأكيد أي وليكون على بال منهم لا يغفلون عنه، والأحسن كما قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني ما قيل إن ذكره أولا للمنع من موالاة الكافرين، وثانيا للبحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر اهـ.\rقوله: (و نزل لما قالوا الخ) عبارة الخازن نزلت في اليهود والنصارى، حيث قالوا: نحن أبناء اللّه وأحباؤه، فنزلت هذه الآية فعرضها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يقبلوها، وقال ابن عباس: وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعقلوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها","part":1,"page":396},{"id":400,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 397\rيا محمد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ بمعنى أنه يثيبكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن اتبعني ما سلف منه قبل ذلك رَحِيمٌ (31) به\rقُلْ لهم أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فيما يأمركم به من التوحيد فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الطاعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) فيه إقامة الظاهر مقام الشنوف وهم يسجدون لها، فقال: «يا معشر قريش، واللّه لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل» فقالت قريش: إنما نعبدها حبا للّه لتقربنا إليه زلفى، فنزلت هذه الآية. وقيل: إن نصارى نجران قالوا:\rإنما نقول هذا القول في عيسى حبا للّه وتعظيما له، فأنزل اللّه: قل يا محمد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فى ما تزعمون فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، لأنه قد ثبتت نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالدلائل الظاهرة، والمعجزات الباهرة، فوجب على كافة الخلق متابعته، والمعنى: قال إن كنتم صادقين في ادعاء محبة اللّه فكونوا منقادين لأوامره مطيعين له، فاتبعوني فإن اتباعي من محبة اللّه تعالى وطاعته، انتهت.\rقوله: (إلّا حبا) حال أي ما نعبدهم إلا في حالة كوننا محبين للّه، وقوله: لِيُقَرِّبُونا تعليل لعبادتهم المذكورة اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها أي النفس إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا للّه عز وجل، وأن كل ما يراه كمالا من نفس أو من غيره، فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه لم يكن حبه إلا للّه وفي اللّه، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسّرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في عبادته والحرص على مطاوعته اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى انه يثيبكم) أي أو يرضى عنكم، وفيه إشارة إلى أن التعبير بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة أي المشاكلة، وإلا فقد عرفت أن المحبة هي ميل النفس إلى الشيء، وهذا مستحيل على اللّه تعالى، وقال الإمام: اتفق المتكلمون على أن المحبة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث والمنافع يستحيل تعلقها بذات اللّه تعالى وصفاته، فإذا قيل إن العبد يحب اللّه فمعناه يحب طاعته وخدمته ويحب ثوابه وإحسانه، وأما محبة اللّه للعبد فهي عبارة عن إرادة إيصال الخير والمنافع في الدين والدنيا إليه، وأما العارفون فقد قالوا: العبد قد يحب اللّه لذاته وأما حبه لثوابه فهي درجة نازلة اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل مقرر لما قبله، وقوله: (ما سلف) مفعول غفور، وقوله: (قبل ذلك) أي الاتباع. قوله: قُلْ لهم أي لقريش. قوله: (من التوحيد) أي فهذا من ذكر الخاص بعد العام تنبيها على تأكيد شأن التوحيد اهـ.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا هذا الفعل يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مضارعا والأصل تتولوا، فحذف إحدى التاءين، وعلى هذا فالكلام جار على نسق واحد وهو الخطاب، والثاني: أن يكون فعلا ماضيا مستندا لضمير الغيبة، فيجوز أن يكون من باب الالتفات، ويكون المراد بالغيب المخاطبين في المعنى، فيكون نظير قوله: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22] اهـ سمين.\rقوله: (فيه إقامة الظاهر الخ) وذلك لتعميم الحكم لكل الكفرة وللاشعار بعلته اهـ أبو السعود.","part":1,"page":397},{"id":401,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 398\rالمضمر أي لا يحبهم بمعنى أنه يعاقبهم\r* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى اختار آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ بمعنى أنفسهما عَلَى الْعالَمِينَ (33) يجعل الأنبياء من نسلهم\rذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ ولد بَعْضٍ قوله: (بمعنى انه يعاقبهم) أي فهذا المذكور هو الجزاء غاية الأمر انه استعمل نفي المحبة في مسببه أو لازمه اهـ شيخنا.\rفائدة: في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه إذا احب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن اللّه يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل ثم ينادي في السماء: إن اللّه يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض» اهـ من القرطبي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً قال ابن عباس، قالت اليهود: نحن من ابناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، والمعنى؛ إن اللّه اصطفى هؤلاء بالإسلام، وأنتم يا معشر اليهود على غير الإسلام اهـ خازن.\rقوله: آدَمَ وعمر تسعمائة وستين سنة ونوحا وكان اسمه السكن، ولقب بنوح لكثرة نوحه على نفسه، وهو من نسل إدريس بينه وبينه اثنان، لأنه ابن لملك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس عليه السّلام، وعمر نوح ألف سنة وخمسين، وعمر إبراهيم مائة وسبعين سنة، واختلف في عمران المذكور هنا، فقيل أبو موسى، وقيل أبو مريم، والظاهر الثاني بدليل القصة الآتية في عيسى ومريم، وبين العمرانين من الزمن ألف وثمانمائة سنة، وبين الأول وبين يعقوب ثلاثة أجداد، وبين الثاني وبين يعقوب ثلاثون جدر اهـ من الخازن وغيره.\rقوله: وَنُوحاً هو اسم أعجمي لا اشتقاق له عند محققي النحويين، وزعم بعضهم أنه مشتق من النوح. وهو منصرف وإن كان فيه علتان فرعيتان العلمية والعجمة الشخصية لخفة بنائه بكونه ثلاثيا ساكن الوسط، وقد جوز بعضهم منعه من الصرف قياسا على هند، وبابها لا سماعا إذ لم يسمع إلّا مصروفا، وعمران اسم أعجمي وقيل: عبري مشتق من العمر، وعلى كلا القولين فهو ممنوع من الصرف، إما للعلمية والعجمة الشخصية وإما للعلمية وزيادة الألف والنون اهـ سمين.\rقوله: وَآلَ إِبْراهِيمَ وخاتمهم حبيب اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله وآل عمران. فإن قيل: آل عمران دخلون في آل إبراهيم، فما وجه ذكرهم صريحا بعد دخولهم في آل إبراهيم؟\rقلنا: ذكرهم صريحا ليعرف شرفهم بطريق التصريح، وليس التخصيص بعد التعميم لزيادة الشرف. كيف ونبينا سيد العالمين صلّى اللّه عليه وسلّم داخل في آل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى أنفسهما) يعني أن لفظ آل كذا بمعنى نفس كذا أو أنها مقحمة، فكأنه قال وإبراهيم وعمران اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 399\r\rله: (بمعنى أنفسهما) يعني أن لفظ آل كذا بمعنى نفس كذا أو أنها مقحمة، فكأنه قال وإبراهيم وعمران اهـ شيخنا.\rقوله: عَلَى الْعالَمِينَ متعلق باصطفى، فان قيل: اصطفى يتعدى بمن نحو اصطفيتك من الناس، فالجواب انه ضمن معنى فضل أي فضلهم بالاصطفاء اهـ سمين.","part":1,"page":398},{"id":402,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 399\rمنهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) اذكر\rإِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ حنة لما أسنت واشتاقت للولد فدعت اللّه قوله: (يجعل الأنبياء من نسلهم) عبارة البيضاوي: بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، انتهت.\rقوله: ذُرِّيَّةً قيل مشتق من الذرء، وهو الخلق، فعلى هذا يطلق على الأصول حق على آدم كما يطلق على الفروع، وقيل منسوب إلى الذر لأن اللّه أخرجهم من ظهر آدم كالذر أي صغار النمل، ويكون هذا من النسب السماعي إذ كان القياس فتح الذال اهـ وفي نصبها وجهان.\rأحدهما: أنها منصوبة على البدل مما قبلها وفي المبدل منه على هذا ثلاثة أوجه، أحدها: أنها بدل من آدم ومن عطف عليه وهذا إنما يأتي على قول من يطلق الذرية على الآباء وعلى الأبناء، وإليه ذهب جماعة قال الجرجاني: الآية توجب أن تكون الآباء ذرية للأبناء والابناء ذرية للآباء، وجاز ذلك لأن من ذرأ اللّه الخلق، فالأب ذرئ منه الولد والولد ذرئ من الأب، وقال الراغب: الذرية تقال للواحد والجمع والأصل والنسل، كقوله حملنا ذرياتهم أي آباءهم، ويقال للنساء: الذراري فعلى هذين القولين يصح جعل ذرية بدلا من آدم ومن عطف عليه الثاني من أوجه البدل أنها بدل من نوح ومن عطف عليه، وإليه نحا أبو البقاء: الثالث أنها بدل من الآلين اعني آل إبراهيم وآل عمران، وإليه نحا الزمخشري يريد ان الآلين ذرية واحدة.\rالوجه الثاني: من وجهي نصب ذرية النصب على الحال تقديره: اصطفاهم حال كونه متشعبا بعضهم من بعض، فالعامل فيها اصطفى، وقوله بعضها من بعض هذه الجملة في موضع النصب نعتا للذرية اهـ سمين.\rقوله: (من ولد بعض) أي فالمراد البعضية في النسب كما ينبئ عن التعرض لكونهم ذرية اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن أي بعضها من ولد بعض في التناصر والتعاضد، وقيل: بعضها على دين بعض، انتهت.\rقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي بأقوال الناس وأعمالهم، فيصطفي من كل مستقيم القول والعمل أو سميع لقول امرأة عمران عليم بنيتها اهـ بيضاوي.\rقوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ أفاد أنه في حيز النصب على المفعولية بفعل مقدر على طريقة الاستئناف لتقرير اصطفاء آل عمران وبيان كيفيته أي: اذكر لهم وقت قولها وقصتها، وهي أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فكانت أشاع بنت فاقود، وهي أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت فاقود أخت اشاع عند عمران، وهي أم مريم، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أيست وكبرت، وكانوا أهل بيت صالحين وهم من اللّه بمكان، فبينما هي في ظل شجرة إذ أبصرت طائرا يطعم فرخه، فتحركت نفسها بسبب ذلك للولد، فدعت اللّه أن يهب لها ولدا، وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته وخدمه، فلما حملت حررت ما في بطنها ولم تعلم ما هو فقال زوجها عمران: ويحك ما صنعت أرأيت إن كان أنثى فلا يصلح لذلك فوقعا في شديد من أجل ذلك إلى آخر ما حكي عنها اهـ خازن.","part":1,"page":399},{"id":403,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 400\rوأحست بالحمل يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ أن أجعل لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الدعاء الْعَلِيمُ (35) بالنيات، وهلك عمران وهي حامل\rفَلَمَّا وَضَعَتْها ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلاما إذ لم يكن يحرر إلا ولفظ امرأة إذا اضيفت لزوجها ترسم بالتاء المجرورة، وذلك في سبع مواضع في القرآن هذا واثنان بيوسف، وواحد بالقصص، وثلاثة بسورة التحريم اهـ. وعمران هذا ليس نبيا، وكذا عمران أبو موسى، وعمران الاول ابن ماثان، وقيل: أشيم وبينه وبين الثاني ألف وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤساء بني إسرائيل في ذلك الزمن وأحبارهم وملوكهم اهـ خازن.\rقوله: (حنة) بفتح الحاء المهملة وتشديد النون اسم عبراني اهـ زكريا.\rقوله: (و اشتاقت الولد) أي بسبب رؤيتها طائرا يطعم فرخه وقوله: (فدعت اللّه) أي في وقت الرؤية المذكورة، ولم تكن إذ ذاك قد حملت، وقوله (و أحست بالحمل) أي بعد وقت الدعاء المذكورة بمدة فقولها: يا رب الخ في وقت كونها حاملا بالفعل والدعاء الذي في عبارة الشارح كان قبل هذا الوقت، وعبارة أبي السعود فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته، وقالت: اللهم إن لك عليّ نذرا إن رزقتني ولدا أن اتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته، ثم هلك عمران وهي حامل حينئذ، فقولها: إني نذرت لك ما في بطني محررا لا بد من حمله على التكرير لتأكيد نذرها، وإخراجه عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز، انتهت.\rقوله: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ الخ وكان هذا النذر يلزم في شريعتهم، فكان المحرر عندهم إذا حرر جعل في الكنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم، ثم يتخير، فان أحب ذهب حيث شاء، وان اختار الإقامة لا يجوز له بعد ذلك الخروج، ولم يكن أحد من أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم إلّا ومن أولاده هو محرر لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يحرر إلا الغلمان، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى اهـ خازن.\rوالمراد بالكنيسة في كلامه محل عبادة المتقدمين، فتشمل بيت المقدس. قوله: مُحَرَّراً حال من ما والعامل فيه نذرت اهـ أبو السعود.\rوهذا بالنظر للفظ الآية في حد ذاتها أما بالنظر لما قدره الجلال فهو مفعول ثان للجعل الذي قدره. قوله: (لخدمة بيت المقدس) في نسخة لخدمة بيت المقدس، والمراد بالمقدس المطهر لأنه طهر من عبادة الاصنام، فلم يعبد فيه صنم. قوله: فَتَقَبَّلْ مِنِّي يعني نذري، والتقبل: أخذ الشيء على الرضا، وأصله من المقابلة لأنه يقابل بالجزاء وهذا سؤال من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا اللّه تعالى والإخلاص في دعائه وعبادته اهـ خازن.\rقوله: (هلك عمران) أي مات.\rقوله: فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطنها وتأنيثه باعتبار حاله في الواقع نفس الأمر، وهو أنه أنثى.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 43","part":1,"page":400},{"id":404,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 401\rالغلمان قالَتْ معتذرة يا رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أي عالم بِما وَضَعَتْ جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء وَلَيْسَ الذَّكَرُ الذي طلبت كَالْأُنْثى التي وهبت لأنه يقصد قوله: (أن يكون غلاما) الضمير في يكون عائد على ما في بطنها. قوله: (معتذرة) أي من عدم وقوع نذرها موقعه وعدم صحته وفوات مقصودها، ومع ذلك خافت من التقصير في إطلاقها النذر، وعدم تقييده بالذكورة. وعبارة الكرخي قوله: معتذرة جواب ما يقال ان اللّه تعالى عالم بما وضعت، فما فائدة قولها إني وضعتها أنثى، والجواب: أنه ليس مرادها الاخبار بمفهومه، بل المراد اظهار العذر باظهار فوات المقصود الذي هو تحرير الولد الذكر، والمقصود من الإظهار المذكور طلب رحمة من اللّه تعالى بقبولها مكانه، وإلّا فكما علم المخاطب ما ذكر علم أيضا العذر إذ لا يخفى عليه تعالى خافية اهـ.\rقوله: أُنْثى منصوب على الحال، وهي حال مؤكدة لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير، فجاءت أنثى مؤكدة قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز انتصاب أنثى حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الانثى أنثى؟ قلت: الأصل وضعته أنثى، وإنما عرف تأنيث الضمير من الحال، فكأن له فائدة جديدة اهـ من السمين.\rقوله: (جملة اعتراض) أي بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: (من كلامه تعالى) والقصد بها بيان فخامة هذا الموضوع وخطر قدره، وأن له شأنا عظيما وأنها غير عالمة بقدره، والمعنى واللّه أعلم بأن الذي ولدته وإن كان أنثى احسن وأفضل من الذكر، وهي غافلة عن ذلك، وفي السمين: وقرأ الباقون وَضَعَتْ بتاء التأنيث الساكنة على إسناد الفعل لضمير مريم عليهاالسّلام، وهو من كلام الباري تبارك وتعالى وفيه تنبيه على عظم قدر هذا المولود، وأن له شأنا لم تعرفه ولم تعرف إلا كونه أنثى لا غير دون ما يؤول إليه من الأمور العظام والآيات الواضحة اهـ.\rقوله: (و في قراءة بضم التاء) وعلى هذه القراءة فهو من كلامها ولا يكون اعتراضا، وحينئذ ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إذ لو جرت على مقتضى قولها رب لقالت: وأنت أعلم وقصدها به الاعتذار حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته، وتسلية نفسها على معنى لعل اللّه يعلم فيه سرا وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى هذه الجملة يحتمل أنها من كلام اللّه تعالى، ويحتمل أنها من كلامها هي على القراءتين السابقتين في وضعت، فالاحتمال الأول مبني على القراءة الأولى، والثاني على الثانية، فقول الشارح الذي طلبت بسكون التاء على الاحتمال الأول، وبضمها على الثاني، وقوله التي وهبت بالبناء للفاعل وضم التاء على الاحتمال الأول وبالبناء للمفعول وسكون التاء على الاحتمال الثاني. أي أعطت لي أو بضم التاء على التكلم أي وهبتها وأعطيتها وعلى الاحتمال الأول يكون الكلام على ظاهره ولا قلب فيه، والمعنى ليس الذكر الذي طلبته كالانثى التي ولدتها بل هي خير منه، وإن لم تصلح للسدانة، فان فيها مزايا أخر لا توجد في الذكر، وعلى الاحتمال الثاني يكون في الكلام قلب، والتقدير: وليست الأنثى التي وهبتها كالذكر الذي طلبته، بل هو خير منها لأنه يصلح لمقصودي دونها،","part":1,"page":401},{"id":405,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 402\rللخدمة وهي لا تصلح لها لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها أولادها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) المطرود، في الحديث «ما من مولود يولد فتأمل أفاده السمين. قوله: (و عورتها) أي كونها عورة، وقوله: (و ما يعتريها) أي ولما يعتريها وقوله:\r(و نحوه) كالنفاس والولادة اهـ.\rقوله: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ هذه الجملة معطوفة على قوله: إني وضعتها، على قراءة من ضم التاء في قوله بما وضعت، فتكون هذه الجملة وما قبلها في محل نصب القول، والتقدير قالت: إني وضعتها، وقالت: واللّه اعلم بما وضعت، وقالت: وليس الذكر كالأنثى وقالت: إني سميتها مريم وأما على قراءة من سكّن التاء فيكون سميتها أيضا معطوفا على إني وضعتها، ويكون قد فصل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض قاله الزمخشري اهـ سمين.\rوغرضها من هذه التسمية التقرب إلى اللّه ورجاء عصمتها وأنها من الناسكين العابدين، فان مريم في لغتهم بمعنى العابدة الخادمة للرب وغرضها أيضا إظهار أنها غير راجعة عن نيتها أي أنها وإن لم تكن خليقة بالسدانة، فأرجو ان تكون من العابدات المطيعات اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنِّي أُعِيذُها أي أحصنها وأحفظها بك وأجيرها بكفالتك لها من الشيطان اهـ.\rوهذه الجملة معطوفة على إني سميتها وأتى هنا بخبر ان فعلا مضارعا دلالة على طلب استمرار الاستعاذة دون انقطاعها بخلاف قوله وضعتها وسميتها، حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما، وقدم المعاذ به على المعطوف اهتماما به اهـ سمين.\rقوله: (المطرود) وأصل الرجم الرمي بالحجارة اهـ أبو السعود.\rيعني فاطلاقه بمعنى المطرود مجاز، لكن في القاموس ما هو صريح في أن إطلاق الرجيم بمعنى المطرود حقيقة، فإنه ذكر الطرد من معاني الرجم اهـ.\rقوله: (ما من مولود) من زائدة. قوله: (الّا مسّه الشيطان) أي نخسه بأصبعيه في جنبيه، ففي البخاري، عن أبي هريرة: «كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب ليطعنه فطعن في الحجاب» اهـ خازن.\rوفي القرطبي قال علماؤنا في هذا الحديث إن اللّه استجاب دعاء أم مريم، وإن الشيطان ينخس جميع بني آدم حتى الانبياء والأولياء إلا مريم وابنها. قال قتادة: كل مولود يطعنه الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه فإنه جعل بينهما حجاب هو المشيمة التي يكون فيها الولد فأصابت الطعنة الحجاب، ولم ينفذ لهما منه شيء وطعن الشيطان للأنبياء غير عيسى ليس فيه نقص لهم، ولا ينافي عصمتهم منه لأنهم معصومون من وسوسته، وإغوائه، والطعن من قبيل الأمراض والآلام المتعلقة بظاهر البدن، والأنبياء غير معصومين من مثل هذا، تأمل. وفي القاموس: طعنه بالرمح من بابي منع ونصر اهـ.\rوفي المقام إشكال قوي لم أر من نبه عليه من المفسرين. وحاصله: أن قولها وإني أعيذها بك","part":1,"page":402},{"id":406,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 403\rإلا مسّه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها» رواه الشيخان\rفَتَقَبَّلَها رَبُّها أي قبل مريم من أمها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أمها لأحبار سدنة بيت المقدس فقالت دونكم هذه النذيرة فتنافسوا معطوف على ما قبله الواقع في حيز لما وضعتها، فيقتضي أن طلب هذه الاعاذة إنما وقع بعد الوضع فلا يترتب عليه حفظ مريم من طعن الشيطان وقت نزولها وخروجها من بطن أمها، فلا يتلاقى الحديث مع الآية، بل مقتضى ظاهر الآية إن إعاذتها من الشيطان الرجيم إنما كان بعد وضعها وهذا لا ينافي تسلط الشيطان عليها بطعنها وتحسسها وقت ولادتها الذي هو عادته، فإن عادته طعن المولود وقت خروجه من بطن أمّه، تأمل قوله: (فيستهل) بالرفع صارخا حال أو مفعول مطلق، وعلى كل فهو ملاق لعامله في المعنى، فإن الاستهلال رفع الصوت وهو الصراخ اهـ.\rقوله: (أي قبل مريم) أي فصيغة التفعل ليست للتكلف كما هو أصلها، بل بمعنى أصل الفعل كتعجب بمعنى عجب، وتبرأ بمعنى برىء اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: والمزيد بمعنى المجرد أي فقبلها بمعنى رضيها مكان الذكر المنذور، ولم يقبل أنثى منذورة قبل مريم، كذا جاء في التفسير، وتفعل يأتي بمعنى مجردا نحو تعجب وعجب من كذا وتبرأ وبرىء منه اهـ.\rقوله: بِقَبُولٍ حَسَنٍ وهو إقامتها مقام الذكر في السدانة اهـ كرخي.\rوفي الباء وجهان، أحدهما: أنها زائدة أي قبولا حسنا، وعلى هذا فينتصب قبولا على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد إذ لو جاء على تقبل لقيل تقبلا.\rالوجه الثاني: أن الباء ليست زائدة، بل هي على حالها، ويكون المراد بالقبول هنا ما تقبل به الشيء نحو اللدود لما يلد به، والسعوط لما يسعط به اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: بقبول حسن أي بوجه حسن تقبل به النذائر وهو إقامتها مقام الذكر أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة اهـ.\rوقوله: بوجه حسن إشارة لتوجيه دخول الباء، فإنه يرد عليه أنه مصدر ويجب نصبه بأن يقال:\rفتقبلها قبولا، ولذا جعل بعضهم الباء زائدة، فبين أن فعولا يكون للآلة التي يفعل بها الفعل كالسعوط لما يسعط به، فليس مصدراهنا حتى يدعى زيادة الباء، والنذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة اهـ شهاب.\rقوله: وَأَنْبَتَها مجاز عن تربتها بما يصلحها في جميع أحوالها اهـ أبو السعود.\rقوله: (أنشأها بخلق حسن) أي: ومعرفة تامة باللّه تعالى، وهذا مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها أي بطريق ذكر الملزوم، وإرادة اللازم، أو بطريق الاستعارة. إذ الزارع لم يزل يتعهد زرعه بسقيه وإزالة الآفات عنه اهـ كرخي.\rقوله: (كما ينبت المولود في العام) لعل هذا على سبيل المبالغة إذ يبعد حمله على حقيقته كل البعد كما لا يخفى اهـ.","part":1,"page":403},{"id":407,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 404\rفيها لأنها بنت إمامهم فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، قوله: (و أتت بها أمها الأحبار الخ) معطوف على قوله فتقبلها ربها، وأما قوله: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً فهو مؤخر في الواقع عن إتيان أمها بها، فإنه بيان لحالها في مدة تربيتها.\rوعبارة الخازن: قال أهل الأخبار: لما ولدت حنة مريم أخذتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم يومئذ يلون بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة، وقالت: دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار، لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي، فقال له الأحبار: لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، ولكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه بها، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلا إلى نهر جار. قيل: هو الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها من غيره، وكان مكتوبا على كل قلم اسم صاحبه، فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا واسترضع لها المراضع، وقيل: ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبالغ النساء بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطه، ولا يرتقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها إلى آخر ما سيأتي، وقيل: إن مريم حين ولدت لم تلقم ثديا، بل كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول زكريا: يا مريم أنّى لك هذا؟ قالت: هو من عند اللّه، فتكلمت وهي صغيرة في المهد، كما تكلم ولدها عيسى عليه السّلام وهو صغير في المهد، انتهت.\rقوله: (سدنة بيت المقدس) السدنة جمع سادن كخدمة جمع خادم وزنا ومعنى اهـ شيخنا.\rوفي المختار السادن خادم الكعبة وبيت الأصنام، والجمع السدنة وقد سدن من باب نصر وكتب اهـ.\rقوله: (دونكم هذه) أي خذوها فربوها وعلموها العبادة اهـ شيخنا.\rقوله: (النذيرة) أي المنذورة، وقوله: (فتنافسوا) أي تنازعوا. قوله: (إمامهم) وهو عمران بن ماثان، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فهذا وجه كونه إمامهم، وإن لم يكن نبيا فالمراد بالإمام الرئيس اهـ شيخنا.\rقوله: (خالتها) وهي اشاع بنت فاقود. قوله: (أقلامهم) قيل: هي سهام النشاب، وقيل الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، وكانت من نحاس، وقوله: على أن من ثبت قلمه في الماء، أي وقفت عن الجري مع الماء، وهذا على القول بأنها كانت سهام النشاب، وقوله: وصعد أي لم يغص في الماء، بل استمر صاعدا أي واقفا على وجه الماء من غير غوص فيه، وهذا على القول بأنها كانت من نحاس، فلو قال الشارح أو صعد لكان أوضح ليكون الكلام موزعا على الخلاف في الأقلام، وعبارة البيضاوي: فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم اهـ.","part":1,"page":404},{"id":408,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 405\rكما قال تعالى وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا أو مقصورا والفاعل اللّه كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ الغرفة وهي أشرف المجالس وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ وعبارة القرطبي: واتفقوا على أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو صاحبها. قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «فجرت الأقلام وعال قلم زكريا» اهـ.\rقوله: (كما قال): راجع لقوله فأخذها إلى هنا. قوله: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي بالوحي، بل بمقتضى القرعة اهـ أبو السعود وكان زكريا من ذرية سليمان بن داود اهـ خازن.\rقوله: (ممدودا ومقصورا) راجع للتشديد، وأما على قراءة التخفيف فهو بالمد لا غير، وقوله:\r(و الفاعل اللّه) أي ضمير يعود على اللّه المعبر عنه بالرب في قوله: فتقبلها ربها اهـ شيخنا.\rقوله: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها كلما ظرف، والعامل فيه قال يا مريم. وقوله: وجد عندها الخ حال، وهذا أحسن الأعاريب اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين قوله: قال يا مريم فيه وجهان. أحدهما: أنه مستأنف. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون بدلا من وجد لأنه ليس بمعناه. والثاني: أنه معطوف بالفاء فحذف العاطف. قال أبو البقاء:\rكما حذفت في جواب الشرط، كقوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121] وكذلك قال الشاعر:\r* من يفعل الحسنات اللّه يشكرها*\r\rوهذا الموضع يشبه جواب الشرط لأن كلما تشبه الشرط في اقتضائها الجواب اهـ.\rوالذي يظهر أن الجملة من قوله: وجد في محل نصب على الحال من فاعل دخل، ويكون جواب كلما هو نفس قال، والتقدير كلما دخل عليها زكريا المحراب واجدا عندها الرزق قال: وهذا بين جدا ونكر رزقا تعظيما له أو ليدل به على نوع ما. اهـ.\rقوله: (الغرفة) سميت محرابا لأنها محل محاربة الشيطان لأن المتعبد فيها يحاربه، ولذلك يقال لكل محل من محل العبادة محراب اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً يعني أصاب وصادف ولقي فيتعدى لواحد اهـ كرخي.\rفكانت يرزقها اللّه من ثمار الجنة، ولم ترضع ثديا قط على ما تقدم اهـ خازن.\rوهذا يدل على جواز الكرامة لأولياء اللّه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: عندها الظاهر أنه ظرف لوجد أي أي وقت دخل عليها يجد عندها رزقا، أجاز أبو البقاء أن يكون حالا من رزقا اهـ كرخي.\rقوله: قالَ يا مَرْيَمُ استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذه الآية؟ فقيل، فقال يا مريم الخ اهـ أبو السعود.\rروي أن فاطمة الزهراء أهدت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رغيفين وبضعة لحم، فرجع بها إليها أي أرسلها","part":1,"page":405},{"id":409,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 406\rأَنَّى من أين لَكِ هذا قالَتْ وهي صغيرة هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يأتيني به من الجنة إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) رزقا واسعا بلا تبعة\rهُنالِكَ أي لما رأى زكريا ذلك وعلم أن القادر على الاتيان بالشيء في غير حينه قادر على الاتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ لما دخل المحراب للصلاة جوف الليل قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ولدا صالحا إِنَّكَ سَمِيعُ مجيب الدُّعاءِ فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ (38) أي جبريل\rوَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي إليها أو أخذها، ورجع بها مغطاة، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق، فإذاهو مملوء خبزا ولحما، فقال لها: أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند اللّه. إن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فقال:\rالحمد للّه الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع عليا والحسن والحسين وجمع أهل بيته فأكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت على جيرانها اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هي صغيرة) أي لم تبلغ أوان النطق فتكلمت في المهد كولدها اهـ خازن.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ يحتمل أنه من كلامها وأنه من كلامه تعالى اهـ.\rقوله: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ كلام مستأنف وقصة مستقلة سيقت في أثناء قصة مريم لما بينهما من قوة الارتباط مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتها من بيان اصطفاء آل عمران، فان فضائل بعض الأقرباء يدل على فضائل الآخرين اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لما رأى زكريا ذلك) أي وقت رؤية كرامة مريم طمع في ولد من عاقرة، فالإشارة لقوله كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، ومعلوم أن هنا اسم يشار به للمكان القريب، نحو إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] وتدخل عليه اللام والكاف، فيكون للبعيد نحو: هنالك ابتلى المؤمنون، وقد يشار به للزمان اتساعا وخرج عليه الآية المذكورة هنا اهـ كرخي.\rقوله: (ذلك) أي اتيان الرزق لمريم في غير أوانه. قوله: (و علم أن القادر الخ) أي تنبه وتفطن لذلك ولاحظه. قوله: (على الكبر) أي في الكبر أي في حالة الكبر. وقوله: (و كان أهل بيته) أي أقاربه. قوله: (لما دخل المحراب) معمول لدعاء ولما حينية، والظاهر أنها بدل من لما السابقة قوله:\rقالَ رَبِّ هَبْ لِي تفسير للدعاء وبيان لكيفيته اهـ. قوله: ذُرِّيَّةً الذرية النسل يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والمراد هنا ولد واحد، فالتأنيث في الصفة لتأنيث لفظ الموصول، ولا يجوز تأنيث الصفة مراعاة لتأنيث لفظ الموصوف إلا حيث لم يقصد به واحد معين، أما إذا قصد به ذلك امتنع اعتبارا للفظ نحو طلحة وحمزة، فلا يجوز أن يقال جاء طلحة الكريمة اهـ أبو السعود بالمعنى.\rقوله: (ولدا صالحا) أي كهبتك لحنة العجوز العاقر مريم اهـ كرخي.\rقوله: (مجيب) الدُّعاءِ كان حمله على هذا المعنى لكونه أنسب بالمقام، وإلّا فيصح تفسيره بالسامع المأخوذ من صفة السمع اهـ شيخنا.\rقوله: (أي جبريل) كما يفصح عنه قراءة من قرأ فناداه جبريل والجمع كما في قولهم فلان يركب الخيل ويلبس الثياب وما له غير فرس وثوب أو على أنه أريد بالعام الخاص له أو أنه أراد بالملائكة","part":1,"page":406},{"id":410,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 407\rالْمِحْرابِ أي المسجد أَنَ أي بأن وفي قراءة بالكسر بتقدير القول اللَّهَ يُبَشِّرُكَ مثقلا ومخففا واحدا منها، فيكون الجمع المحلى باللام بمعنى الجنس على ما ذكره في مواضع من الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ قائِمٌ جملة حالية من مفعول النداء ووَ يَصْلى يحتمل أوجها. أحدها: أن يكون خبرا ثانيا عند من يرى تعدده مطلقا نحو زيد شاعر فقيه. الثاني: أنه حال ثانية من مفعول النداء وذلك أيضا عند من يجوز تعدد الحال. الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في قائم فيكون حالا من حال.\rالرابع: أن يكون صفة لقائم اهـ سمين.\rقوله: فِي الْمِحْرابِ متعلق بيصلي، ويجوز أن يتعلق بقائم إذا جعلنا يصلي حالا من الضمير في قائم لأن العامل فيه حينئذ، وفي الحال شيء واحد، فلا يلزم فيه فصل. أما إذا جعلناه خبرا ثانيا أو صفة لقائم أو حالا من المفعول، فيلزم الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي. هذا معنى كلام الشيخ، والذي يظهر أنه يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع، فإن كلّا من قائم ويصلي يصح أن يتسلط على في المحراب وذلك على أي وجه تقدم من وجوه الإعراب اهـ سمين.\rقوله: (بتقدير القول) أي حال كون الملائكة قائلين له: إن اللّه يبشرك الخ قوله: (مثقلا) أي والفعل حينئذ بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه المثقل وقوله ومخففا أي وهو بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه، وهاتان القراءتان مع كل من الكسر والفتح فالقراءات أربع اهـ شيخنا.\rقوله: بِيَحْيى متعلق بيبشرك، ولا بد من حذف مضاف أي بولادة يحيى لأن الذوات ليست متعلقا للبشارة، ولا بد في الكلام من حذف معمول أفاده السياق تقديره بولادة يحيى منك ومن امرأتك دل على ذلك قرينة الحال، وسياق الكلام ويحيى فيه قولان.\rأحدهما: وهو المشهور عند أهل التفسير أنه منقول من الفعل المضارع، وقد سموا بالأفعال كثيرا نحو يعيش ويعمر. قال قتادة: وسمي يحيى لأن اللّه أحياه بالإيمان، وقال الزجاج: حي بالعلم، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية، ووزن الفعل نحو يزيد ويشكر وتغلب.\rوالثاني: أنه أعجمي لا اشتقاق له، وهذاهو الظاهر فامتناعه للعلمية والعجمة الشخصية، ويقال في جمعه على كلا القولين يحيون رفعا ويحيين نصبا وجرا على حد قوله:\rواحذف من المقصور في جمع على ... حد المثنى ما به تكملا\r\rويقال في تثنيته يحييان رفعا ويحيين نصبا وجرا على حد قوله:\rآخر مقصور تثن اجعله يا ... إن كان عن ثلاثة مرتقيا\r\rويقال في النسب إليه يحيي بحذف الألف، ويحيوي بقلبها واوا ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية على حد قوله:\rوان تكن تربع ذا ثان سكن ... فقلبها واو وحذفها حسن\r\rويقال في تصغيره يحيي بوزن فعيعل على حد قوله:","part":1,"page":407},{"id":411,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 408\rبِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ كائنة مِنَ اللَّهِ أي بعيسى أنه روح اللّه وسمي كلمة لأنه خلق بكلمة كن وَسَيِّداً متبوعا وَحَصُوراً ممنوعا من النساء وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) روي أنه لم يعمل\rفعيعل مع فعيعل لما ... فاق كجعل درهم دريهما\r\rاه سمين ملخصا.\rقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني عيسى ابن مريم، وإنما سمي عيسى عليه السّلام كلمة لأن اللّه تعالى قال له: كن فكان من غير أب، دلالة على كمال القدرة، فوقع عليه اسم الكلمة، لأنه بها كان، وقيل: سمي كلمة لأن عيسى عليه السّلام كان يرشد الخلق إلى الحقائق والأسرار الالهية، ويهتدى به كما يهتدى بكلام اللّه تعالى، فسمي كلمة بهذا الاعتبار، وقيل سمي كلمة لأن اللّه تعالى بشّر به مريم على لسان جبريل، وقيل: لأن اللّه تعالى أخبر الأنبياء الذين قبله في كتبه المنزلة عليهم أنه يخلق نبيا من غير واسطة أب، فلما جاء قيل: هذاهو تلك الكلمة يعني الوعد الذي وعد أنه يخلقه كذلك، وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني خالة وقتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السّلام، وقيل: إن أم يحيى لقيت أم عيسى وهما حاملتان فقالت أم يحيى لأم عيسى: يا مريم أشعرت أني حامل، فقالت مريم: وأنا أيضا حامل، فقالت أم يحيى:\rإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك. لما روي أنها أحست بأن جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم، فذلك قوله تعالى: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني أن يحيى آمن بعيسى وصدق به اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود قال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر من عيسى بستة أشهر، وقيل بثلاث سنين، وقيل: ولذ قبل رفع عيسى بمدة يسيرة انتهت.\rقوله: (إنه روح اللّه) بدل من عيسى، ومعنى كونه روح اللّه أنه خلقه من غير واسطة أب، فهو في المعنى قريب من معنى كونه كلمة اهـ شيخنا.\rوفي سورة النساء لأبي السعود ما نصه: قوله: وكلمته بمعنى أنه تكون بكلمته وامره الذي هو كن من غير واسطة أب، ولا نطفة، ألقاها إلى مريم أي أوصلها إليها بنفخ جبريل في جيب درعها، فوصل النفخ إلى فرجها فحملت به، وقوله: وروح منه إنما سمي روحا لأنه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، والريح يخرج من الروح ومن ابتدائية لا تبعضية كما زعمت النصارى اهـ.\rقوله: (متبوعا) أي في العلم والعبادة والورع، أو فائقا على الناس كلهم في أنه ما هم بمعصية أي بخلاف غيره من الناس، فيا لها من سيادة ما أسناها، والمراد بالناس كلهم غير الأنبياء اهـ كرخي.\rقوله: (ممنوعا من النساء) أي كثير المنع لنفسه، وعبارة السمين قوله: وَحَصُوراً الحصور فعول محول عن فاعل للمبالغة، كضروب محول من ضارب، وهو الذي لا يأتي النساء إما لطبعه على ذلك، وإما لمبالغة نفسه اهـ.\rوفي القاموس: الحصور من لا يأتي النساء وهو قادر عى ذلك والممنوع منهن أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن اهـ.\rقوله: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أي ناشئا منهم لأنه من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام،","part":1,"page":408},{"id":412,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 409\rخطيئة ولم يهم بها\rقالَ رَبِّ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي غُلامٌ ولد وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة وَامْرَأَتِي عاقِرٌ بلغت ثمانية وتسعين سنة قالَ الأمر كَذلِكَ من خلق اللّه غلاما منكما اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) لا يعجزه عنه شيء، ولإظهار هذه القدرة العظيمة فمن لابتداء الغاية أو كائنا من عددا من لم يأت كبيرة ولا صغيرة، فمن للتبعيض، وقد أشار إليه الشيخ بقوله، وروي أنه لم يعمل خطيئة الخ. أي كغيره من الأنبياء، والمراد بالصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة قطعا من أقاصي مراتبه، وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السّلام، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين اهـ كرخي.\rقوله: (و لم يهم بها) أي لم يردها وفي المصباح: همّ بالأمر يهمّ من باب ردّ إذا أراده ولم يفعله اهـ.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ الخ سؤال عن حال خلق الولد، كما أشار له الشارح بتفسيره بكيف التي للاحوال: أي هل يكون خلقه ونحن على حالنا من الكبر أو بعد ردنا إلى الشباب فهو استفهام حقيقي، وقد أجيب بقوله كذلك. أي الأمر من خلق الولد، كذلك أي مع كونكما على حالكما، لأنه يفعل ما يشاء اهـ خازن، بالمعنى.\rوعبارة الكرخي قوله: أَنَّى كيف أشار أن أنّى هنا للاستفهام، لأنه اسم مشترك بين الاستفهام والشرط، وإنما قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوثه، أو استبعادا من حيث العادة أو استعظاما أو تعجبا من قدرة اللّه تعالى لا استبعادا وإنكارا فلا يرد كيف قال زكريا ذلك، ولم يكن شاكا في قدرة اللّه تعالى عليه اهـ.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ يجوز في كان أن تكون هي الناقصة، وفي خبرها حينئذ وجهان.\rأحدهما: أنى لأنها بمعنى كيف أو بمعنى من أين، ولي على هذا تبيين، والثاني: أن الخبر الجار وأنى في محل نصب على الظرفية، ويجوز أن تكون التامة فيكون الظرف والجار كلاهما متعلقين بمحذوف على أنه حال من غلام لأنه لو تأخر لكان صفة له اهـ سمين.\rقوله: (أي بلغت نهاية السن) يشير بهذا إلى أن في العبارة قلبا، وهذا ليس بلازم، بل بقاؤها على ظاهرها أولى، وعبارة البيضاوي: أدركت السن وأثر في اهـ.\rوفي السمين قوله: وقد بلغني الكبر جملة حالية، وفي موضع آخر: وقد بلغت من الكبر عتيا، لأن ما بلغك فقد بلغته، وقيل: لأن الحوادث تطلب الإنسان، وقيل هو من المقلوب اهـ.\rقوله: وَامْرَأَتِي عاقِرٌ جملة حالية إما من الياء في لي فتتعدد الحال عند من يراه، وإما من الياء في بلغني، والعاقر من لا يولد له رجلا كان أو امرأة مشتق من العقر، وهو القطع لقطعه النسل، وفي المصباح عقرت المرأة عقرا من باب ضرب، وفي لغة من باب قرب انقطع حملها، فهي عاقر اهـ.\rوفيه أيضا عقره من باب ضربه جرحه اهـ.\rقوله: (من خلق اللّه غلاما منكما) أي وأنتما على حالكما من الكبر قوله: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ","part":1,"page":409},{"id":413,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 410\rألهمه السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به\rقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ عليه أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر اللّه تعالى ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي بلياليها إِلَّا رَمْزاً إشارة وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ صل بِالْعَشِيِ الجملة تعليلية في المعنى، وعبارة الكرخي قوله اللّه يفعل ما يشاء جملة مبينة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب، كما أشار إليه في التقرير، وقال في حق زكريا يفعل وفي حق مريم يخلق مع اشتراكهما في بشارتهما بولد، لأن استبعاد زكريا لم يكن لأمر خارق، بل نادر بعيد فحسن التعبير بيفعل، واستبعاد مريم كان لأمر خارق أي لأغربيته لأنه اختراع بلا مادة أي من غير إحالة على سبب ظاهر، فكان ذكر الخلق أنسب اهـ.\rقوله: (و لإظهار هذه القدرة) أي آثارها وهي خلق الولد من الكبيرين، وقوله ألهمه السؤال وهو قوله: أنى يكون لي غلام الخ، وقوله ليجاب بها أي باظهارها في قوله: كَذلِكَ هذاهو الجواب اهـ شيخنا.\rقوله: (و لما تاقت نفسه) وكان بين البشارة وولادة يحيى زمن مديد، لأن سؤال الولد والبشارة به كانا في صغر مريم، ووضعه كان بعد كبرها وبلوغها ثلاث عشرة سنة التي هي زمن حملها بعيسى اهـ أبو السعود بالمعنى.\rقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً يجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير، فيتعدى لاثنين أولهما آية، والثاني الجار قبله، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد أي اخلق لي آية فيتعدى لواحد وفي لي على هذا وجهان. أحدهما: أنه متعلق بالجعل، والثاني: متعلق بمحذوف على أنه حال من آية لأنه لو تأخر لجاز أن يقع صفة لها، ويجوز أن يكون للبيان وحرك الياء بالفتح نافع وأبو عمرو، وأسكنها الباقون اهـ سمين.\rوإنما سأل الآية لأن العلو أمر خفي، فأراد أن يطلع عليه ليتلقى تلك النعمة بالشكر من حين حصولها، ولا يؤخر إلى ظهورها المعتاد، ولعل هذا السؤال وقع بعد البشارة بزمان مديد. إذ به يظهر ما ذكر من كون التفاوت بين سن يحيى وعيسى ستة أشهر، لأن ظهور العلامة كان عقب طلبها بقوله في سورة فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ [مريم: 11] الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ آيَتُكَ (عليه) أي حمل امرأتك قوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي لا تقدر على تكليمهم، وقوله (أي تمتنع من كلامهم) أي قهرا بحيث لو حاولت الكلام لم تقدر عليه كما في الخازن قوله: (أي بلياليها) أخذه من قوله في سورة مريم ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [مريم: 10] اهـ.\rقوله: (إشارة) أي بعين أو حاجب أو نحوهما، ويؤخذ منه أن الاستثناء منقطع لأن الرمز ليس من جنس الكلام، لأن المراد به في الآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس أو عنى بالكلام ما يدل على ما في الضمير، فالكلام هنا مستعمل في معناه اللغوي، وهو كل ما أفاد، فالاستثناء متصل، ورجع القاضي الأول اهـ كرخي.\rقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ أي في مدة الحبسة وعقد اللسان عن كلامهم شكرا لهذه النعمة اهـ. أبو السعود.","part":1,"page":410},{"id":414,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 411\rوَالْإِبْكارِ (41) أواخر النهار وأوائله\rوَاذكر وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ اختارك وَطَهَّرَكِ من مسيس الرجال وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) أي أهل قوله: (صل) يؤيد هذا التفسير تعيين الوقت إذ التسبيح لا وقت له مخصوص بخلاف الصلاة اهـ شيخنا.\rقوله: (أواخر النهار) أي من الزوال إلى الغروب وقوله: (و أوائله) أي الفجر إلى الضحى اهـ خازن.\rوالابكار مصدر لأبكر بمعنى بكر، ثم استعمل اسما للوقت الذي هو البكرة هكذا يؤخذ من المختار اهـ.\rوتفسير الشارح العشي بأواخر النهار إنما يناسب القول بأن العشي جمع عشية، والمشهور أنه مفرد، وكذلك تفسيره الابكار بأوائل النهار إنما يناسب القراءة الشاذة وهي والأبكار بفتح الهمزة جمع بكر بفتحتين والعامة على الابكار بالكسر اسم مفرد، وعبارة البيضاوي بالعشي هو من الزوال إلى الغروب وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل، والابكار هو من طلوع الفجر إلى الضحى اهـ.\rوفي السمين بعد ما ذكر نظير كلام البيضاوي، وقال الواحدي: العشي جمع عشية وهي آخر النهار، وقرئ شاذا. والأبكار بفتح الهمزة جمع بكر بفتح الفاء والعين، وهذه القراءة تناسب العشي على القول بأنه جمع عشية ليتقابل الجمعان اهـ.\rقوله: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ عطف على إذ قالت امرأة عمران عطفا لقصة البنت على قصة أمها لما بينهما من كمال المناسبة، وقصة زكريا وقعت فاصلة بينهما لمناسبة اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين قوله: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ إن شئت جعلت هذا الظرف نسقا على الظرف قبله، وهو قوله: إذ قالت امرأة عمران وإن شئت جعلته منصوبا بمقدار، انتهت.\rقوله: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي مشافهة لها بالكلام، وهذا من باب التربية الروحانية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ أي أولا حيث قبلك من أمك وقبل تحريرك، ولم يسبق ذلك لغيرك من الاناث، ورباك في حجر زكريا، ورزقك من الجنة وقوله وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ أي آخرا بأن وهب لك عيسى من غير أب وجعلك آية للعالمين اهـ أبو السعود. واصطفاها أيضا بأن أسمعها كلام الملائكة مشافهة ولم يقع لغيرها ذلك اهـ.\rقوله: (من مسيس الرجال) أي بالوطء أي ومن غيره مما يعتري النساء كالحيض والنفاس، فكانت لا تحيض أي خلقك مطهرة مما للنساء. وبه جزم القاضي كالكشاف، وهو الظاهر اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وطهرك يعني من مسيس الرجال، وقيل: من الحيض والنفاس، وكانت مريم لا تحيض. وقيل: من الذنوب اهـ. وسيأتي له في سورة مريم أن مريم حاضت قبل حملها بعيسى مرتين.\rقوله: (أي أهل زمانك) أي وأما غير أهل زمانها فمنهن من هي أفضل منها كفاطمة، والمعتمد أن مريم","part":1,"page":411},{"id":415,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 412\rزمانك\rيا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أطيعيه وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أي صلي مع المصلين\rذلِكَ المذكور من أمر زكريا ومريم مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أخبار ما غاب عنك نُوحِيهِ إِلَيْكَ يا محمد وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ في الماء يقترعون ليظهر لهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ يربي أفضل النساء على الاطلاق اهـ شيخنا. وقد نظم بعضهم ترتيب الأفضلية بينها وبين غيرها فقال:\rفضلى النساء بنت عمران ففاطمة ... خديجة ثم من قد برأ اللّه\r\rقوله: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي تكرير النداء للايذان بأن المقصود بهذا الخطاب ما يرد بعده، وأن الخطاب الأول من تذكير النعمة تمهيدا لهذا التكليف وترغيبا في العمل به اهـ أبو السعود.\rقوله: (أطيعيه) أي دوامي على طاعته بأنواع الطاعات. قوله: (أي صلي الخ) تفسير لاسجدي واركعي فأطلق الجزء وأريد الكل وتقديم السجود، إما لكون الترتيب في شريعتهم كان كذلك، وإما لكونه أفضل الأركان، وإما ليقترن اركعي بالراكعين اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ذلك: مبتدأ. ومن أنباء الغيب: خبره، والجملة من نوحيه مستأنفة، والضمير في نوحيه عائد على الغيب أي الأمر والشأن إنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار، ولذلك أتى المضارع في نوحيه، وهذا أحسن من عوده على ذلك، لأن عوده على الغيب يشتمل ما تقدم من القصص وما لم يتقدم منها ولو أعدته على ذلك لاختص بما مضى وتقدم اهـ سمين.\rقوله: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ الخ كان مقتضى كون المشار إليه قصة مريم وزكريا أن يتعرض لنفي حضوره لواقعة زكريا ويحيى اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وما كنت لديهم إذ يلقون تقرير لكون ما ذكر وحيا على طريقة التهكم بمنكريه، فإن طريق معرفة هذه الأمور الغريبة إما المشاهدة وإما السماع وعدمه محقق عندهم، فبقي احتمال المعاينة المستحيلة باعترافهم فنفيت تهكما بهم، انتهت.\rقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ منصوب باستقرار العامل في الظرف الواقع خبرا، والضمير في لديهم عائد على المتنازعين في مريم وإن لم يجر لهم ذكر، لأن السياق قد دل عليهم، وهذا الكلام ونحوه كقوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ [القصص: 46] وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم، وإن كان معلوما. انتفاؤه جار مجرى التهكم بمنكر الوحي: يعني أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك ولم تدارس أحدا في العلم، فلم يبق اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي. والأقلام جمع قلم وهو فعل بمعنى مفعول أي مقلوم، والقلم القطع ومثله القبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض، وقيل له قلم لأنه يقلم ومنه قلمت ظفري أي قطعته وسويته اهـ سمين.\rقوله: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ جعله الشارع فاعلا بفعل مقدر، وينبغي أن يكون في الكلام مضاف محذوف أي ليظهر لهم جواب هذا السؤال اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: ليظهر لهم قدره ليتعلق به قوله: أيهم يكفل مريم أي لأنه لا معنى لتعليق","part":1,"page":412},{"id":416,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 413\rمَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي، اذكر\rإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي ولد اسْمُهُ الإلقاء بالاستفهام إذ لا يعمل فيه ما قبله ولا هو مما تحكي بعده الجمل، وقدره صاحب المفتاح ليعلموا. قال شيخ الإسلام إن قلت كيف نفي وجود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في زمن مريم مع أنه معلوم عندهم وترك ما كانوا يتوهمونه من استماعه ذلك الخبر من حفاظه؟ قلنا: لأنهم يعلمون أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما كانوا منكرين للوحي، فنفي اللّه والوجود الذي هو في غاية الاستحالة على وجه التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية، وقد أشار الشيخ إلى ذلك اهـ.\rوفي السمين، هذه الجملة منصوبة المحل لأنها معلقة لفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب على الحال تقديره يلقون أقلامهم ينظرون أيهم يكفل مريم اهـ.\rقوله: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ هذا التكرير مع تحقق المقصود بعطف إذ يختصمون على إذ يلقون للدلالة على أن كل واحد من عدم حضوره عند إلقاء الأقلام، وعدم حضوره عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته اهـ أبو السعود.\rقوله: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ الخ شروع في قصة عيسى عليه السّلام. وإذ معمول لمحذوف كما قدره الشارح، ويصح أن يكون العامل فيه يختصمون أي يختصمون حين قالت الملائكة، على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمن متسع كقولك لقيته سنة كذا، وإنما احتيج إلى هذا التقدير ليصح جواز الابدال لاقتضائه اتحاد البدل والمبدل منه، وهنا وقت الاختصام متقدم على وقت قول الملائكة بمدة، فاحتيج في جواز الابدال إلى أن يعتبر زمان ممتد يقع الاختصام في بعض أجزائه والبشارة في بعض آخر ليصح بالنظر إلى ذلك الزمان أنهما في زمان واحد، كقولك لقيته سنة كذا مع أنك لم تلقه إلا في جزء من أجزائها اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ الخ أولى المبشر به قوله بكلمة وآخره قوله ورسولا إلى بني إسرائيل وقوله قالت رب إلى قوله فيكون اعتراض في خلال المبشر به، فالمبشر به نحو خمسة عشر شيئا كونه ولدا وكون اسمه كذا، وكونه وجيها، وكونه من المقربين، وكونه يكلم الناس في المهد، وكونه من الصالحين، وكونه يعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وكونه رسولا إلى بني إسرائيل، فهذا كله قاله لها الملك قبل وجود عيسى تأمل قوله: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ (أي ولد) وسمي هذا الولد كلمة لأنه وجد بكلمة (كن) فهو من باب إطلاق السبب على المسبب اهـ سمين.\rوالمراد أنه وجد من غير واسطة أب لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب، وقوله منه نعت لكلمة أي كلمة كائنة منه أي من اللّه أي مبتدأة وناشئة منه أي غير واسطة الأسباب العادية اهـ.\rوفي أبي السعود في سورة النساء ما نصه: يحكى أن طبيبا حاذقا نصرانيا جاء الرشيد فناظر علي ابن الحسن الواقدي ذات يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من اللّه وتلا هذه الآية أي قوله وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فقرأ له الواقدي وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ، وقل إذا يلزم أن تكون جميع تلك الأشياء جزءا منه سبحانه، فانقطع النصراني وأسلم وفرح","part":1,"page":413},{"id":417,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 414\rالْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم وَجِيهاً ذا جاه فِي الدُّنْيا بالنبوة وَالْآخِرَةِ بالشفاعة والدرجات العلا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) عند اللّه\rوَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أي طفلا قبل وقت الكلام وَكَهْلًا وَمِنَ الرشيد فرحا شديدا وأعطى للواقدي صلة فاخرة اهـ.\rقوله: اسْمُهُ الْمَسِيحُ مبتدأ وخبر، والجملة نعت لكلمة، والمسيح باللغة العبرية معناه المبارك، فهو من الألقاب الشريفة، والضمير في اسمه للكلمة وتذكيره باعتبار معناها وهو الولد اهـ شيخنا.\rوفي السمين والمسيح وجهان.\rأحدهما: أنه فعيل بمعنى فاعل فحول منه مبالغة، فقيل: لأنه مسح الأرض بالسياحة، وقيل لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: بمعنى مفعول لأنه مسح بالبركة أو لأنه مسيح القدم أو لمسح وجهه بالملاحة.\rالثاني: أن وزنه مفعل من السياحة، وعلى هذا كله فهو منقول من الصفة، وعيسى قيل إنه في الأصل مأخوذ من العيس وهو بياض تعلوه حمرة، فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء الاسم والكنية واللقب؟ قلت: المراد اسمه الذي يتميز به عن غيره ولا يتميز إلا بمجموع الثلاثة، وبهذا تعلم أن الخبر عن اسمه إنما هو مجموع الثلاثة من حيث المعنى لا كل واحد منها على حياله فهذا على حد الرمان حلو حامض اهـ.\rقوله: ابْنُ مَرْيَمَ لم يقل ابنك كما هو الظاهر إشارة إلى أنه يكنى بهذه الكنية المشتملة على الإضافة للظاهر، وقوله بنسبته إليها أي في قوله ابن مريم اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: خاطبها بنسبته إليها الخ جواب عن سؤال كيف قال ابن مريم والخطاب إنما هو معها، وهي تعلم أن الولد الذي بشرت به يكون ابنها، وإيضاح الجواب أن الناس ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات فأعلمت من نسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، انتهت.\rقوله: (إذ عادة الرجال الخ) وكذا النساء، وإنما اقتصر على الرجال لكون السياق فيهم اهـ.\rقوله: وَجِيهاً وقوله: ومن المقربين وقوله: ويكلم، وقوله: مِنَ الصَّالِحِينَ هذه أربعة أوصاف وهي آحوال من كلمة والتذكير باعتبار معناها. قوله: (ذا جاه) الجاه القوة والمنعة والشرف.\rيقال وجه الرجل يوجه من باب ظرف وجاهة واشتقاقه من الوجه لأنه أشرف الأعضاء والجاه مقلوب منه فوزنه عفل اهـ سمين.\rوقوله: (بالنبوة) أي وبابراء الأكمه وغيره ما يأتي اهـ.\rوقوله: (بالشفاعة) أي في أمته قوله: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ فيه إشارة إلى رفعه السماء وصحبته مع الملائكة اهـ. أبو السعود.\rقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ المهد ما يمهد للصبي ويوطأ له لينام فيه، والكلام على حذف","part":1,"page":414},{"id":418,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 415\rالصَّالِحِينَ (46)\rقالَتْ رَبِّ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ بتزوج ولا غيره قالَ الأمر كَذلِكِ من خلق ولد منك بلا أب اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً أراد خلقه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ المضاف أي في زمان المهد ومدته، والذي تكلم به في المهد سيأتي في سورة مريم حيث قال: إني عبد اللّه الخ. وبعد ما تكلم بهذا الكلام سكت، فلم يتكلم حتى بلغ أوان النطق عادة، وفي الخازن ويحكى أن مريم قالت: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته، فإذا شغلني عنه إنسان سبّح وهو في بطني وأنا أسمع اهـ.\rوقوله: وَكَهْلًا أي وحالة كونه كهلا فهو عطف على في المهد الواقع حالا من فاعل يكلم، والمراد أنه يكلم الناس وهو كهل بكلام الأنبياء، والدعوة إلى اللّه فهو إشارة إلى نبوته، وزمن الكهولة من الثلاثين سنة إلى الأربعين، وفي وصفه بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنه بمعزل عن الألوهية، ففيه رد على النصارى كأنه قال: لو كان إلها كما زعمتم ما اعتراه هذا التغير من كونه صبيا وكهلا وغير ذلك اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وفائدة البشارة بكلامه كهلا والناس في ذلك سواء البشارة بحياته إلى سن الكهولة وعدم التفاوت بين كلامه كهلا وكلامه طفلا، فالمعجزة في انتفاء التفاوت لا في الكلام في الكهولة فقط اهـ.\rقوله: وَمِنَ الصَّالِحِينَ أي من العباد الصالحين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء اهـ خازن. وعبارة الكرخي قوله: وَمِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح، فلا يرد السؤال وهو لم ختم الصفات المذكورة بقوله ومن الصالحين مع أن الوجاهة في الدنيا فسرت بالنبوة، ولا شك أن منصب النبوة أرفع من منصب الصلاح، بل كل واحدة من الصفات المذكورة أشرف من كونه صالحا، فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح؟ وإيضاح الجواب أنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح، وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح، ولهذا قال سليمان عليه الصلاة والسّلام بعد النبوة: وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، فلما عدد صفات عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات، انتهت.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ استفهام حقيقي عن كيفية خلقه منها. هل يكون وهي بهذه الحالة عزبا أو بعد أو تتزوج؟ فأجابها بأنه يخلقه منها وهي على هذه الحالة، ولذا قال الشارح: من خلق ولد منك بلا أب اهـ شيخنا.\rوقوله: (بتزوج ولا غيره) أي لأنها كانت محررة بنذر أمها، والمحررة بحسب اصطلاحهم لا تتزوج أبدا كالذكر المحرر اهـ من الكرخي.\rقوله: كَذلِكِ خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح، فالوقف على كذلك قوله: يَخْلُقُ ما يَشاءُ عبر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ، فكأن الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل اهـ أبو السعود.","part":1,"page":415},{"id":419,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 416\rفَيَكُونُ (47) أي فهو يكون\rوَيُعَلِّمُهُ بالنون والياء الْكِتابَ الخط وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَنجعله\rرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب قوله: (أراد خلقه) بيّن به المراد بالقضاء هنا فإنه يأتي في اللغة لمعان اهـ كرخي.\rقوله: وَيُعَلِّمُهُ الخ تقدم أن هذا من جملة ما بشرها به الملك وقوله بالنون وعلى هذه القراءة يكون معمولا لقول محذوف من كلام الملك تقديره ويقول اللّه نعلمه الخ ويكون في المعنى معطوفا على الحال وهي قوله وجيها فكأنه قال وجيها ومعلما. بفتح اللام، وقوله والياء وعلى هذه القراءة يكون معطوفا على الحال أيضا فكأنه قال وجيها ومعلما كما تقدم، وعبارة أبي السعود والجملة عطف على يبشرك أو على وجيها، أو على يخلق أو كلام مبتدأ سيق تطييبا لقلبها، وإزاحة لما أهمها من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير زوج انتهت.\rوعبارة الكرخي، وعلى كلتا القراءتين هو كلام مستأنف لأن النحويين، وأهل البيان نصوا على أن الواو تكون للاستئناف أو عطف على يبشرك أو وجيها. قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: إنما يحسنان بعض الحسن على قراءة الياء وأما على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول أي إن اللّه يبشرك بعيسى ويقول نعلمه أو وجيها ومقولا فيه نعلمه اهـ.\rقوله: (الخط) فكان أحسن الناس خطأ، وعبارة أبي السعود: ونعلمه الكتاب أي الكتابة، أو جنس الكتب الإلهية والحكمة أي العلوم وتهذيب الأخلاق والتوراة والإنجيل أفردهما بالذكر، على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة لزيادة فضلهما وإناقتهما على غيرهما اهـ.\rقوله: وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والعمل به، وقوله: وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فكان يحفظهما على ظهر قلبه اهـ كرخي.\rقوله: (و نجعله رسولا) أشار إلى أنه منصوب بفعل مضمر لائق بالمعنى، كما قالوا في قوله تعالى: تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [الحشر: 9] أي واعتقدوا الإيمان اهـ كرخي.\rوقد عرفت أن قوله ورسولا آخر ما بشرها به الملك من الأمور التي لم تكن موجودة وقت البشارة، بل كان الاخبار بها اخبارا بالمغيبات المستقبلة، وأما قوله: أني قد جئتكم الخ فليس متعلقا برسولا المذكور، بل بمحذوف في ضمن كلام مقدر في نظم الآية أشار الشارح لتقديره بقوله: فنفخ جبريل في جيب درعها إلى قوله لهم: أني رسول اللّه إليكم أني قد جئتكم بآية. قوله: (في الصبا) أي وهو ابن ثلاث سنين وشاهد هذا قوله تعالى في حق يحيى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، فقالوا أنه أوتي النبوة وهو ابن ثلاث سنين، وقد جرى عليه الشيخ المصنف في سورة مريم، وقوله أو بعد البلوغ، أي وهو ابن ثلاثين سنة، فأرسل على رأس الثلاثين، ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين، فمدة رسالته ثلاث سنين، وهذا القول هو المشهور، وكل من هذين القولين ضعيف والمعتمد عند الجمهور أن كلّا منهما إنما نبىء على رأس الأربعين، وأن عيسى عاش في الأرض قبل رفعه مائة وعشرين سنة، وسيأتي بسط هذا عند قوله إني متوفيك ورافعك إليّ، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، كما أن أولهم يوسف بن يعقوب اهـ شيخنا.","part":1,"page":416},{"id":420,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 417\rدرعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم، فلما بعثه اللّه إلى نبي إسرائيل قال لهم إني رسول اللّه إليكم أَنِّي أي بأني قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ علامة على صدقي مِنْ رَبِّكُمْ هي أَنِّي وفي قراءة بالكسر استئنافا أَخْلُقُ أصور لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ مثل صورته فالكاف اسم مفعول فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف فَيَكُونُ طَيْراً وفي قراءة طائرا بِإِذْنِ اللَّهِ وعبارة القرطبي وفي حديث أبي ذر الطويل، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليهما السّلام اهـ.\rقوله: (فنفخ جبريل في جيب درعها) أي فوصل نفسه والهواء الذي نفخه إلى فرجها فدخل رحمها فحملت منه، ودرع المرأة قميصها، وهو مذكر لا غير بخلاف درع الحديد وهي الزردية فمؤنث. قوله: (فحملت) عبارته في سورة مريم، فأحست بالحمل في بطنها مصورا، والحمل والتصوير والولادة في ساعة اهـ.\rوهذا ما قاله ابن عباس، وقيل: حملته في ساعة وتصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يوم الحمل، وقيل: كانت مدة حمله تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء، وقيل:\rثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وكان سنها إذ ذاك عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: ست عشرة، وكانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل به اهـ خازن من سورة مريم.\rوتقدم للكرخي عن القاضي عند قوله: إن اللّه اصطفاك وطهرك أنها لم تحض فالمسألة خلافية.\rقوله: (ما ذكر في سورة مريم) أي من قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16] إلى قوله: وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33] اهـ.\rقوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ متعلق برسولا لما فيه من معنى النطق كأنه قيل ورسولا ناطقا بأني الخ، لكن الشارح أشار إلى كونه معمولا لمقدر حيث قال: فلما بعثه الخ فهو متعلق برسول المقدر لما فيه من معنى النطق، وهذا أحسن لأن قصة البشارة قد تمت، وهذا شروع في قصة ما وقع له بعد وجوده في الخارج اهـ شيخنا.\rوالباء للملابسة وهي مع مدخولها في محل الحال، فالمعنى أني رسول اللّه إليكم كوني ملتبسا بمجيئي بالآيات. قوله: (هي) أَنِّي أشار بتقدير هي أن أني بفتح الهمزة في محل رفع خبر مبتدأ محذوف اهـ كرخي.\rقوله: (بالكسر) أي في الثانية فقط، وأما الأولى فبالفتح لا غير اهـ شيخنا. أَخْلُقُ لَكُمْ أي لأجل هدايتكم وتصديقكم بي اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول) أي مفعول به، وفي الحقيقة المفعول مقدر أي أخلق شيئا مثل هيئة الطير، وقوله الضمير للكاف هو في الحقيقة للمقدر، وكذلك الضمير في قوله فيكون اهـ شيخنا.\rقوله: فَيَكُونُ طَيْراً الطير: اسم جمع والطائر مفرده، وقوله وفي قراءة طائرا أي على إرادة الواحد ولا يعترض عليه بأن الرسم الكريم إنما هو طير دون ألف متصلة بالطاء، لأن الرسم يجوز حذف مثل هذه الألف تخفيفا، ويدل على ذلك أنه رسم قوله تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام:","part":1,"page":417},{"id":421,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 418\rبإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا وَأُبْرِئُ أشفي الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى وَالْأَبْرَصَ وخصّا بالذكر لأنهما 38] ولا طير بدون ألف، ولم يقرأه أحد إلا طائر بالألف، فالرسم محتمل لا مناف، وأما قراءة الباقين فعلى إرادة الجنس فيراد به الواحد فما فوقه اهـ كرخي.\rقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ متعلق بيكون على كل من القراءتين. قوله: (فخلق لهم الخفاش) أي بطلبهم فطلبوه منه، وقوله: (لأنه أكمل الطير خلقا) عبارة أبي السعود، لأنه أكمل الطير خلقا، وأبلغ دلالة على القدرة لأن له نابا وأسنانا ويضحك كما يضحك الإنسان، ويطير بغير ريش، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين ساعة بعد المغرب، وساعة بعد طلوع الفجر، والأنثى منه لها ثدي وتحيض وتطهر، وتلد كسائر الحيوانات انتهت. ونسبة هذه الأفعال إلى عيسى لكونه سببا فيها بدعائه، وقال هنا فأنفخ فيه، وفي المائدة فتنفخ فيها بإعادة الضمير هنا إلى الطير أو الطين، وفي المائدة إلى هيئة الطير جريا على عادة العرب في تفننهم في الكلام، وخص ما هنا بتوحيد الضمير مذكرا وما في المائدة بجمعه مؤنثا لأن ما هنا اخبار من عيسى قبل الفعل فوحده، وما في المائدة خطاب من اللّه له في القيامة، وقد سبق من عيسى الفعل مرات فجمعه اهـ كرخي.\rقوله: (سقط ميتا) أي لأجل أن يتميز من خلق اللّه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأُبْرِئُ الخ وقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ الخ لم يقل في هذين بإذن اللّه لأنهما ليس فيهما كبير غرابة بالنسبة إلى الآخرين، فتوهم الألوهية فيهما بعيد فلا يحتاج للتنبيه على نفيه خصوصا وكان فيهم أطباء كثيرون اهـ شيخنا.\rوفي المصباح برأ من المرض يبرأ من بابي نفع وتعب وبرؤ برءا من باب قرب لغة اهـ.\rوفيه أيضا كمه كمها من باب تعب فهو أكمه والمرأة كمهاء. مثل أحمر وحمراء وهو العمى يولد عليه الإنسان، وربما كان عارضا اهـ.\rوفيه أيضا برص الجسم من باب تعب، فالذكر أبرص والأنثى برصاء والجمع برص مثل أحمر وحمراء وحمر ه.\rوفي السمين والبرص داء معروف وهو بياض يعتري الإنسان، ولم تكن العرب تنفر من شيء نفرتها منه. يقال: برص يبرص برصا أي أصابه ذلك ويقال له الوضح وفي الحديث وكان بها وضح، والوضاح من ملوك العرب هابوا أن يقولوا له الأبرص ويقال للقمر أبرص لشدة بياضه، وللوزغ سام أبرص لبياضه، والبريص الذي يلمع لمعان البرص ويقارب البصيص اهـ.\rقوله: (اشفى) من باب رمى اهـ مصباح.\rقوله: (لأنهما داءا إعياء) أي داءان أعجزا الأطباء لأنه ليس في علم الطب دواء لابراء الأكمه، والأبرص فأعجزاهم فكان ذلك معجزة لعيسى دليلا على صدقه اهـ خازن.\rوفي المصباح في الدال واو ما يثلثهما، الداء المرض وهو مصدر من داء الرجل والعضو يداء من","part":1,"page":418},{"id":422,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 419\rداءا إعياء، وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ كرره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم وسام بن نوح ومات في الحال وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ تخبئون فِي باب تعب، والجمع الادواء مثل باب وأبواب في لغة دوى يدوى دويا من باب تعب أيضا عمي. والدواء ما يتداوى به ممدود، وتفتح داله، والجمع أدوية وداويته مداواة والاسم الدواء بالكسر من باب فاعل اهـ.\rقوله: (و كان بعثه في زمن الطب) أي في زمن الاحتياج للطب لكثرة المرضى فيهم، وعبارة أبي السعود وكانوا في زمنه في غاية الجذامة فأراهم اللّه المعجزة من ذلك الجنس، وكان من أطاق السعي يأتي إلى عيسى ومن لم يطقه يأتيه عيسى انتهت.\rقوله: (بالدعاء) أي: لا بدواء ولا بعلاج وقوله: (بشرط الإيمان) أي كأن يشرط على كل من أبرأه أن يؤمن اهـ شيخنا.\rقوله: وَأُحْيِ الْمَوْتى وكان دعاؤه بإحيائهم يا حي يا قيوم اهـ شيخنا.\rقوله: (كرره) أي قوله بإذن اللّه هنا وفيما مر، وقوله لنفي توهم الألوهية فيه أي في عيسى أي فهو رد على النصارى، لأن الاحياء ليس من جنس الأفعال البشرية، وأما إبراء الأكمه والأبرص فهو من جنس أفعالهم، فلذا لم يذكر بإذن اللّه بعده، وذكر في المائدة أربعا بلفظ بإذني لأنه هنا من كلام عيسى، وثم من كلام اللّه تعالى، وأتى بهذه الخوارق الأربع بلفظ المضارع دلالة على تجدد ذلك كل وقت طلب منه اهـ كرخي.\rقوله: (فأحيا عازر) بفتح الزاي بوزن هاجر، كما في القاموس، وعبارة الخازن قال ابن عباس:\rقد أحيا أربعة أنفس، عازر، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح. وكل منهم بقى وولد له إلا سام بن نوح، فأما عازر فكان صديقا لعيسى عليه السّلام، فأرسلت إليه أخت عازر أن أخاك عازر يموت، وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه عيسى وأصحابه، فوجده قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت بهم إلى قبره فدعا اللّه عيسى، فقام عازر حيا بإذن اللّه تعالى، فخرج من قبره وعاش وولد له، وأما ابن العجوز فإنه مرّ به وهو ميت على عيسى عليه السّلام يحمل على السرير، فدعا اللّه عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه وأتى أهله وهو حامل للسرير وعاش وولد له، وأما ابنة العاشر فهو رجل كان يأخذ العشور من الناس ماتت بنت له بالأمس، فدعا اللّه عيسى فأحياها بدعوته، فعاشت وولد لها، وأما سام بن نوح فإن عيسى جاء إلى قبره ودعا اللّه باسمه الأعظم فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال قد قامت الساعة فقال عيسى عليه السّلام: لا، ولكن دعوت اللّه بالاسم الأعظم فأحياك، ثم قاله له: مت. فقال سام: بشرط أن يعيذني اللّه من سكرات الموت، فدعا اللّه عيسى ففعل، انتهت.\rقوله: (فعاشوا) أي الثلاثة. قوله: (و سام بن نوح) وسبب إحيائه أنهم قالوا لعيسى: إن الذين","part":1,"page":419},{"id":423,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 420\rبُيُوتِكُمْ مما لم أعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)\rوَجئتكم مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَ قبلي مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَ أحييتهم لم يكونوا قد ماتوا حقيقة، فإن كنت فاعلا فأحي لنا سام بن نوح، وكان قد مات ومضى من موته أربعة آلاف سنة، فدلوا على قبره، فوقف عليه ودعا اللّه باسمه الأعظم أن يحييه، فسمع سام قائلا يقول: أجب روح اللّه، فقام مرعوبا خائفا، وظن أن القيامة قامت فشاب نصف رأسه من خوفه، فآمن بعيسى وأمرهم أن يؤمنوا به، وطلب من عيسى أن يدعو اللّه أن لا يذيقه حرارة الموت ثانيا، ففعل عيسى ومات سام في الحال. قوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ الخ ورد أنه كان يحدث الغلمان في المكتب بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا، وقد رفعوا لك كذا، فينطلق الصبي فيبكى على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا لهم: لا تجلسوا مع هذا الساحر وجمعوهم في بيت، وجاء عيسى يطلبهم، فقالوا له: ليسوا هنا. وما في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: كذلك يكونون، ففتحوا عليهم الباب، فإذا هم خنازير، ففشا ذلك في بني إسرائيل وظهر، فهمّوا به فخافت أمه عليه، فحملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر. وقال قتادة: إنما كان هذا في نزول المائدة، وكانت خوانا ينزل عليهم أينما كانوا فيه من طعام الجنة، وأمروا ألّا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا فكان عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وما ادخروا منها، فمسخهم اللّه خنازير، وفي هذا دليل قاطع على صحة نبوة عيسى عليه السّلام، ومعجزة عظيمة له، وهذا إخبار عن المغيبات مع ما تقدم له من الآيات الباهرات من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه، وإخباره عن الغيوب بإعلام اللّه إياه بذلك، وهذا مما لا سبيل لأحد من البشر إليه إلا للأنبياء عليهم السّلام.\rفإن قلت: قد يخبر المنجم والكاهن عن مثل ذلك فما الفرق؟\rقلت: إن المنجم والكاهن لا بد لكل واحد منهما من مقدمات يرجع إليها ويعتمد في إخباره عليها، أما المنجم؛ فإنه يستعين على ذلك بواسطة معرفة الكواكب وامتزاجاتها، أو بواسطة حساب الرمل ونحو ذلك، وقد يخطىء في كثير مما يخبر به، وأما الكاهن فإنه يستعين برئيه من الجن وقد يخطىء أيضا في كثير مما يخبر به أخبار الأنبياء عليهم السّلام عن المغيبات، فليس إلا بالوحي السماوي، وهو من اللّه تعالى، وليس ذلك باستعانة بواسطة حساب ولا غير فحصل الفرق اهـ خازن.\rوفي القاموس والرئي كغني ويكسر جني، والحية العظيمة تشبيها بالجني يرى، فيجب أو المكسور للمحبوب منهم اهـ.\rقوله: (تخبؤن) من باب قطع. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ الإشارة إلى ما تقدم من الخوارق، وأشير إليها بلفظ الافراد، وإن كانت جمعا في المعنى، وبتأويله بما ذكر بما تقدم وفي مصحف عبد الآيات الجمع مراعاة لما ذكرته من معنى الجمع، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام عيسى عليه السّلام، وأن تكون من كلام اللّه تعالى. وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جوابه محذوف أي إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآية، وقدر بعضهم صفة محذوفة لآية أي الآية نافعة. قال الشيخ:\rحتى يتجه التعلق بهذا الشرط وفيه نظر. إذ يصح التعلق بالشرط دون تقدير هذه الصفة اهـ سمين.","part":1,"page":420},{"id":424,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 421\rلَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فيها فأحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له وقيل أحل الجميع فبعض بمعنى كل وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كرره تأكيدا وليبني عليه فَاتَّقُوا اللَّهَ قوله: (المذكور) وهو أربعة خلق، الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإخبار بما يدخرون اهـ.\rقوله: وَمُصَدِّقاً حال معطوف على بآية من ربكم، كما أشار به الشارح بتقدير هذا الفعل المذكور سابقا للإشارة إلى أن هذا معطوف على معموله، والمعنى أنه معطوف على الحال المقدرة العاملة في الظرف الدال عليها معنى الياء. أي وجئتكم متلبسا بآية الخ، ومصدقا لما بين يدي الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: وجئتكم مصدقا. أشار إلى أن ومصدقا حال معطوفة على بآية الذي هو فيه موضع الحال أيضا لا على وجيها، لأنه لو كان كذلك لأتى معه بضمير الغيبة لا بضمير التكلم، ولا على رسولا لأنه كان ينبغي أن يؤتى بضمير الخطاب مراعاة لمريم أي ومصدقا لما بين يديك أو بضمير الغيبة مراعاة للاسم الظاهر اهـ.\rقوله: لِما بَيْنَ يَدَيَ أي قبلي وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وسبعون سنة اهـ.\rقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ معمول لمقدر أي وجئتكم لأحل ولا يحسن عطفا على مصدقا للاختلاف، إذ مصدقا حال ولأحل تعليل اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي، ولأحل لكم معمول لمحذوف تقديره وجئتكم لأحل، فهو متعلق بفعل مضمر بعد الواو ويفسره المعنى اهـ.\rقوله: بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ كما في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: 136] الآية. وقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ [النساء: 160] الخ من جملة المحرم عليهم العمل في يوم السبت كما تقدم أبو السعود اهـ. وفي الخازن أن ذلك التحريم بقي مستمرا على اليهود إلى أن جاء عيسى، فرفع عنهم تلك التشديدات التي كانت عليهم اهـ.\rقوله: (فأحل لهم من السمك الخ) هذا يدل على أن شرعه كان ناسخا بعض أحكام التوراة، وهذا لا يقدح في كونه مصدقا لها، لأن النسخ تخصيص في الأزمان اهـ أبو السعود.\rقوله: (ما لا صيصية له) بكسر الصادين والياء الأولى ساكنة والثانية مفتوحة مشددة أي شوكة يؤذي بها. وفي القاموس: الصيصية شوكة الحائك يسوي بها السدا واللحمة، وشوكة الديك، وقرن البقر، والظباء، والحصن، وكل ما امتنع به اهـ.\rأي ما يتحصن به من السلاح وغيره اهـ.\rقوله: (و قيل أحل الجميع) قيل يلزم على هذا أن يكون أحل لهم كل شيء حتى الزنا وغيره مما هو الآن حرام اهـ شيخنا.","part":1,"page":421},{"id":425,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 422\rوَأَطِيعُونِ (50) فيما آمركم من توحيد اللّه وطاعته\rإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي آمركم به صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (51) فكذبوه ولم يؤمنوا به\rفَلَمَّا أَحَسَ علم عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وأرادوا قتله قالَ مَنْ أَنْصارِي أعواني ذاهبا إِلَى اللَّهِ لأنصر دينه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ ويمكن الجواب بأن المراد بالجميع جميع ما حرم بسبب تعديهم وظلمهم لأكل محرم، ويشير لهذا قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160] فالمراد بالجميع هنا جميع هذه الطيبات التي رتب تحريمها على ظلمهم وهي كل حيوان لا ظفر له كالإبل والنعام والأوز والبط وكذلك شحم البقر والغنم على ما سيأتي في سورة الأنعام تأمل. قوله: (كرره تأكيدا) عبارة السمين. وجئتكم بآية هذه الجملة يحتمل أن تكون تأكيدا للأولى لتقدم معناها ولفظها قبل ذلك، ويحتمل أن تكون للتأسيس لاختلاف متعلقها ومتعلق ما قبلها. قال الشيخ: وجئتكم بآية من ربكم للتأسيس لا للتوكيد، لقوله: قد جئتكم، وتكون هذه الآية هي قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ لأنه هذا القول شاهد على صحة رسالته. إذ جميع الرسل كانوا عليه لم يختلفوا فيه وجعل هذا القول آية وعلامة لأنه رسول كسائر الرسل حيث هداه اللّه للنظر في أدلة العقل والاستدلال، قاله الزمخشري اهـ.\rوقوله: (فيما آمركم به) أي بأمر اللّه، وقوله: (من توحيد اللّه) إشارة إلى الأحكام الأصلية.\rوقوله: (و طاعته) إشارة إلى الأحكام الفرعية اهـ.\rقوله: هذا صِراطٌ ينبغي للقاريء أن يحافظ على ألف هذا عند قراءة الآية مع كلام الشارح، ولا يسقط الألف لالتقائها ساكنة مع لام الذي اهـ شيخنا.\rقوله: (فكذبوه الخ) أشار به إلى أن قوله فلما أحس عيسى الخ مرتب على هذا المحذوف.\rقوله: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ أي أحس دوامهم عليه وعدم تأثرهم بالآيات التي أتاهم بها، والإحساس الإدراك ببعض الحواس الخمس، وهي الذوق والشم واللمس والسمع والبصر.\rيقال: أحسست الشيء وبالشيء وحسست به، ويقال حسيت بإبدال سينه الثانية ياء، وأحست بحذف سينه الأولى، ومنهم فيه وجهان:\rأحدهما: أن يتعلق بأحس ومن لابتداء الغاية أي ابتدء الإحساس من جهتهم.\rوالثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أي أحس الكفر حال كونه صادرا منهم اهـ.\rقوله: (و أرادوا قتله) معطوف في المعنى على الكفر أي لما علم الكفر وعلم إرادتهم، الذين أرادوا قتله هم اليهود، وذلك أنهم كانوا عارفين في التوراة بأنه المسيح المبشر به في التوراة، وأنه ينسخ دينهم، فلما أظهر عيسى الدعوة اشتد ذلك عليهم وأخذوا في أذاه طلبوا قتله وكفروا به، فاستنصر عليهم كما أخبر اللّه عنه بقوله: قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ الخ وقيل: لما بعث اللّه عيسى وأمره بإظهار رسالته والدعاء إليه نفوه وأخرجوه من بينهم، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض يقول من أنصاري إلى اللّه الخ اهـ خازن.","part":1,"page":422},{"id":426,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 423\rاللَّهِ أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا، من الحور، وهو قوله: قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي قال للحوارين بدليل آية الصف، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى اللّه اهـ.\rوالأنصار جمع نصير نحو شريف وأشراف، وقوله: إِلَى اللَّهِ متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء في أنصاري أي من أنصاري حال كوني ذاهبا إلى اللّه. أي ملتجئا إليه وشارعا في نصرة دينه اهـ من السمين.\rقوله: قالَ الْحَوارِيُّونَ جمع حواري وهو الناصر وهو مصروف، وإن ماثل الفاعل لأن ياء النسب فيه عارضة اهـ سمين.\rومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم للزبير بن العوام: «إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير» رواه الشيخان اهـ خازن.\rقوله: (أول من آمن به) خبر ثان. قوله: (و كانوا اثني عشر رجلا) وقيل: كانوا تسعة وعشرين، فلعل الشيخ المصنف أراد أكابرهم اهـ كرخي.\rقوله: (من الحور) أي أن هذا الاسم مشتق من الحوار، وفعله من باب طرب يقال: حورت العين حورا إذا صفا بياض بياضها وسوادها، فسموا حواريين لخلوص بياض ألوانهم ونياتهم وسرائرهم، فعلى هذا القول الحور وهو البياض قائم بذواتهم وقلوبهم. وقوله: وقيل الخ. وعلى هذا فتسميتهم بالحواريين مأخوذة من التحوير وهو التبييض، وهذان قولان وبقى ثلاثة تؤخذ من أبي السعود ونصه:\rالحواريين جمع حواري يقال فلان حواري فلان أي صفوته وخاصته من الحور، وهو البياض الخالص، ومنه الحواريات للحضريات لخلوص ألوانهن ونقائهن سمي به أصحاب عيسى عليه السّلام لخلوص نياتهم ونقاء سرائرهم، وقيل: لما عليهم من آثار العبادة وأنوارها، وقيل: كانوا ملوكا يلبسون البياض، وذلك أن واحدا من الملوك صنع طعاما وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السّلام على قصعة لا يزال يأكل منها ولا تنقص، فذكر ذلك للملك فاستدعاه عليه السّلام فقال له: من أنت؟ قال:\rعيسى ابن مريم فترك ملكه وتبعه مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون. وقيل: كانوا صيادين يصطادون السمك ويلبسون الثياب البيض فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا، فمرّ بهم عيسى عليه السّلام فقال لهم:\rأنتم تصيدون السمك فإن تبعتمونى صرتم بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية. قالوا: من أنت؟ قال:\rعيسى ابن مريم عبد اللّه ورسوله، فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئا، فأمره عيسى عليه السّلام بالقائها مرة أخرى ففعل، فاجتمع في الشبكة من السمك حتى كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملأوا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السّلام، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا آمنوا به واتبعوه، وكانوا إذا جاعوا قالوا جعنا يا روح اللّه، فيضرب بيده الأرض فيخرج منها لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا عطشنا، فيضرب بيده الأرض فيخرج منها الماء فيشربون. فقالوا: من أفضل منا؟ قال عليه السّلام: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة فسموا حواريين، وقيل: إن أمه سلمته إلى صباغ فأراد الصبّاغ يوما أن","part":1,"page":423},{"id":427,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 424\rالبياض الخالص، وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها آمَنَّا صدقنا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)\rرَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الإنجيل وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق، قال تعالى\rوَمَكَرُوا أي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكلوا به من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ بهم بأن يشتغل ببضع مهماته، فقال له عيسى عليه السّلام. ههنا ثياب مختلفة قد جعلت لكل واحد منها علامة معينة له فأصبغها بتلك الألوان فغاب، فجعلها عليه السّلام كلها في جب واحد وقال: كوني بإذن اللّه كما أريد، فرجع الصباغ فسأله فأخبره بما صنع، فقال: أفسدت عليّ الثياب. قال: قم فانظر، فجعل يخرج ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر إلى أن خرج الجميع على أحسن ما يكون حسبما كان يريد فتعجب منه الحاضرون وآمنوا به عليه السّلام وهم الحواريون، قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، وبعضهم من الصباغين، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى وأعوانه المخلصين في طاعته ومحبته اهـ.\rقوله: وَاشْهَدْ أي في القيامة. أي اشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم.\rوقال هنا: بأنا مسلمون. وفي المائدة بأننا، لأن ما فيها أول كلام الحواريين، فجاء في الأصل وما هنا تكرار له بالمعنى، فناسب فيه التخفيف لأن كلّا من التخفيف والتكرار فرع والفرع بالفرع أولى، وإنما طلبوا منه عليه الصلاة والسّلام الشهادة بذلك يوم القيامة إيذانا بأن غرضهم السعادة الأخروية اهـ كرخي.\rقوله: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ تضرع إلى اللّه وعرض لحالهم بعد عرضها على الرسول مبالغة في إظهار أمرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق واتبعوا أمرك ونهيك، فاثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به، وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين الذين سأل الحواريون أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم، فلهذا قال ابن عباس في قوله: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته لأنهم المخصوصون بتلك الفضيلة، فإنهم يشهدون للرسل بالبلاغ، وقيل: مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني النبيين لأن كل نبي شاهد على أمته اهـ خازن.\rقوله: (إذ وكلوا به) إذ تعليلية، وكلوا بالتشديد تعديته بالباء أي فوضوا قتله لرجل منهم، وفي المختار يقال وكلهم بأمر كذا توكيلا، والاسم الوكالة بفتح واو وكسرها اهـ.\rوأما وكل بالتخفيف فيتعدى بإلى وفي المصباح وكلت الأمر إليه، وكلا من باب وعد، ووكولا فوضته إليه واكتفيت به اهـ.\rقوله: (غيلة) أي خفية، والغيلة بالكسر الاغتيال، يقال: قتله غيلة وهي أن يخدعه فيذهب به إلى موضع لا يراه فيه أحد، فإذا صار إليه قتله اهـ كرخي.\rقوله: وَمَكَرَ اللَّهُ (بهم) هذا من باب المقابلة إذا لا يجوز أن يوصف اللّه تعالى بالمكر إلا لأجل","part":1,"page":424},{"id":428,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 425\rألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفع عيسى إلى السماء وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) أعلمهم به، اذكر\rإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ قابضك وَرافِعُكَ إِلَيَ من الدنيا من غير موت ما ذكر معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به، وهذا كما تقدم. هكذا قيل، وقد جاء ذلك من غير مقابلة في قوله: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: 99]، والمكر في اللغة أصله الستر يقال؛ مكر الليل أي أظلم وستر بظلمته ما فيه، وقالوا: واشتقاقه من المكر، وهو شجر ملتف تخيلوا منه أن المكر يلتف بالممكور به، ويشمل عليه، وامرأة ممكورة الخلق أي ملتفة الجسم، وكذا ممكورة البطن، ثم أطلق المكر على الخبث والخداع، ولذلك عبّر عنه بعض أهل اللغة بأنه السعي بالفساد، قال الزجاج:\rوهو من مكر الليل وأمكر أي أظلم وعبر بعضهم عنه، فقال: وهو صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان محمودان، وهو أن يتحرى به فعل جميل ومن ذلك قوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح نحو: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] اهـ سمين.\rقوله: (على من قصد قتله) أي على رجل من اليهود قصد أي ذلك الرجل قتله أي قتل عيسى، وذلك أن عيسى لما تحقق أنهم منهم يقتلونه، واجتمعوا على قتله بعث اللّه إليه جبريل، فأدخله خوخة في سقفها فرجة، فرفعه اللّه من تلك الفرجة وأمر ملك اليهود رجلا منهم يقال له طيطانوس أن يدخل الخوخة فيقتله فيها، فلما دخلها لم ير عيسى، وألقي اللّه عليه شبه عيسى، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وقالوا له: أنت عيسى؟ فقال: أنا صاحبكم، فلم يلتفتوا إلى قوله، فلما قتلوه قالوا وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى، فوقع بينهم قتال عظيم اهـ خازن.\rقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب صاحبه اهـ أبو السعود، وعبارة الكرخي قوله: أعلمهم به أي المكر. فيه إشارة إلى أن المكر لا يسند إلى اللّه تعالى إلا على سبيل المقابلة أو الازدواج، لأنه حيلة تجلب بها غيرك إلى مفسدة ظاهرة انتهت.\rقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ فيه وجهان: أظهرهما: أن الكلام على حاله من غير ادعاء تقديم وتأخير فيه بمعنى إني مستوفي أجلك ومؤخرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار إلى أن تموت حتف أنفك من غير أن تقتل بأيدي الكفار وأرفعك إلى سمائي. والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل رافعك إليّ ومتوفيك لأنه رفع إلى السماء، ثم يتوفى بعد ذلك، والواو لمطلق الجمع، فلا فرق بين التقديم والتأخير، قاله أبو البقاء، وبدأ به ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كل واحد في مكانه بما تقدم من المعنى، إلا أن أبا البقاء حمل التوفي على الموت إنما هو بعد رفعه ونزوله إلى الأرض وحكمه بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ سمين.\rوعبارة البيضاوي: يا عيسى إني متوفيك أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى عاصما إياك من قتلهم أو قابضك من الأرض من توفيت مالي أو متوفيك نائما إذ روي أنه رفع نائما، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، وقيل: أماته اللّه سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء، انتهت.","part":1,"page":425},{"id":429,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 426\rوَمُطَهِّرُكَ مبعدك مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ صدقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) من أمر الدين\rفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً قوله: وَرافِعُكَ إِلَيَ أي محل كرامتي ومقر ملائكتي اهـ أبو السعود.\rقوله: (من الدنيا) أطلق الدنيا على الأرض لأنها بما فيها شاغلة عن اللّه، وأما السماء فليس فيها إلا محض العبادة، فليست دنيا بهذا الاعتبار اهـ شيخنا.\rقوله: (من غير موت) راجع لمتوفيك ورافعك. قوله: (مبعدك) أي مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم بمنزلة التنجيس له بهم اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ الخ فيه قولان: أظهرهما: أنه خطاب لعيسى عليه السّلام.\rوالثاني: أنه خطاب لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فيكون الوقف على قوله من الذين كفروا تاما والابتداء بما بعده، وجاز هذا لدلالة الحال عليه، وفوق الذين كفروا ثاني مفعولي جاعل لأنه بمعنى مصير فقط، وإلى يوم متعلق بالجعل يعني أن هذا الجعل مستمر إلى ذلك اليوم، ويجوز أن يتعلق بالاستمرار المقدم في فوق أي جاعلهم قاهرين لهم إلى يوم القيامة. يعني أنهم ظاهرون على اليهود وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا، فأما يوم القيامة فيحكم اللّه بينهم فيدخل الطائع الجنة والعاصي النار، وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا وانقضائها، لأن لهم استعلاء آخر غير هذا الاستعلاء اهـ سمين.\rقوله: (من المسلمين) أي من أمة محمد والنصارى، أي الذين قبل محمد والذين بعده لأن الكل اتبعوه بهذا المعنى الذي ذكره الشارح، وإن كانت النصارى كفروا من حيث عدم تصديقهم بنبوة محمد، ومع ذلك جعل اللّه لهم شرفا واستعلاء على اليهود كما هو مشاهد، وقوله: (و النصارى) فهم فوق اليهود، وذلك لأن ملك اليهود قد ذهب فلم تبق لهم قلعة ولا سلطان ولا شوكة في جميع الأرض، وملك النصارى باق، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى المحبة ولو ادعاء لاتباع الدين لأن النصارى وإن أظهروا متابعة عيسى فهم أشد مخالفة له، وذلك لأنه لم يرض بما هم عليه اهـ خازن.\rقوله: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي فوقية معنوية، كما أشار بقوله يعلونهم بالحجة والسيف اهـ شيخنا.\rقوله: (بالحجة) أي الدليل الظاهر. قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ غابة للجعل أو للاستقرار المقدر في الظروف لا على المعنى أن ذلهم ينتهي بيوم القيامة، بل على معنى أن المسلمين يعلونهم إلى تلك الغاية، فأما بعدها فيفعل اللّه بهم ما يريد كما ذكره بقوله فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ثم للتراخي، وقوله: فَأَحْكُمُ الفاء فيه للتعقيب، والخطاب لعيسى","part":1,"page":426},{"id":430,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 427\rشَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي والجزية وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) مانعين منه\rوَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ بالياء والنون أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) أي يعاقبهم، روي أن اللّه أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة وعاشت أمه بعده ست سنين، وغيره من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب اهـ. أبو السعود.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا الخ تفصل للحكم الواقع بين الفريقين الخ.\rقوله: مِنْ ناصِرِينَ من مقابلة الجمع بالجمع وقوله منه أي العذاب قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ما سبق أن يكون المراد بهم من صدق بنبوته وهذا غير كاف كما لا يخفى، بل ينبغى أن المراد بهم من صدق بنبوته ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالياء والنون سبعيتان. قوله: (أي يعاقبهم) تفسير للنفي واستعمال عدم محبة اللّه في هذا المعنى شائع في جميع اللغات، جار مجرى الحقيقة اهـ أبو السعود.\rقوله: (روي الخ) مراده بهذا تفسير الرفع وبيان كيفيته وبيان عمر عيسى إذ ذاك وعمره بعد نزوله وغير ذلك، وعبارة أبي السعود ولما أراد اللّه رفع عيسى كساه الريش، وألبسه النور، وسلبه شهوة المطعم والمشرب والنوم وغيرها من سائر الشهوات البشرية والصفات الإنسانية، وطار مع الملائكة، ثم إن أصحابه حين رأوا ذلك تفرقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان اللّه فينا ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة أخرى: كان فينا ابن اللّه ما شاء اللّه ثم رفعه إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة أخرى منهم: كان فينا عبد اللّه ورسوله ما شاء اللّه ثم رفعه اللّه إليه وهؤلاء هم المسلمون، فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم، فلم يزل الإسلام منطمسا إلى أن بعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم انتهت.\rوفي الخازن، وبعد رفعه بسبعة أيام قال اللّه تعالى له: اهبط إلى مريم فإنه لم يبك أحد بكاءها ولم يحزن عليك أحد حزنها، ثم لنجمعن لك الحواريين فبثّهم في الأرض دعاة إلى اللّه عز وجل، فأهبطه اللّه عز وجل عليها فاشتمل الحيل نورا حين هبط، فجمعت له الحواريون فبثهم في الأرض فتلك الليلة التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون تكلم كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم اهـ.\rقوله: (ليلة القدر) أي في رمضان، وأورد على هذا أنها من خصائص هذه الأمة، وربما يقال في الجواب لعل الخصوصية على الوجه الذي هي عليه الآن من كون العمل فيها خيرا من العمل في ألف شهر، ومن كون الدعاء فيها مجابا حالا لا بعين المطلوب وغير ذلك، فلا ينافي أنها كانت موجودة في الأمم السابقة، لكن على مزية وفضل أقل مما هي عليه الآن فليحرر. قوله: (و له ثلاث وثلاثون سنة) عبارة المواهب مع شرحها للزرقاني، وإنما يكون الوصف بالنبوة بعد بلوغ الموصوف بها أربعين سنة.\rإذ هو سن الكمال ولها تبعث الرسل، ومفاد هذا الحصر الشامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعيسى هو الصحيح، ففي زاد المعاد ما يذكر أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: وهو كما قال، فإن ذلك إنما يروى عن النصارى، والمصرح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة، ثم قال أي الزرقاني مهمة وقع للحافظ","part":1,"page":427},{"id":431,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 428\rوروى الشيخان حديث «إنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية» وفي حديث مسلم «إنه يمكث سبع سنين» وفي حديث عند أبي داود الطيالسي «أربعين سنة ويتوفى ويصلي عليه» فيحتمل أن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده\rذلِكَ المذكور من أمر عيسى نَتْلُوهُ نقصه عَلَيْكَ يا محمد مِنَ الْآياتِ حال من الهاء في نتلوه وعامله في ذلك من معنى الإشارة وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) المحكم أي القرآن\rإِنَّ مَثَلَ عِيسى شأنه الغريب عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ كشأنه في خلقه من غير أب وهو الجلال السيوطي في تكملة تفسير المحلّي وشرح النقاية وغيرهما من كتبه الجزم بأن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ويمكث بعد نزوله سبع سنين وما زلت أتعجب منه مع مزيد حفظه واتقانه وجمعه للمعقول والمنقول حتى رأيته في مرقاة الصعود رجع عن ذلك اهـ.\rقوله: (ست سنين) أي فجملة عمرها اثنتان وخمسون سنة لأنها حملت به وهي بنت ثلاث عشرة سنة كما سبق. قوله: (و يضع الجزية) أي يبطلها. قوله: (سبع سنين) وإذا مات يدفن في حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين نبيين محمد وعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rقوله: (و يصلي عليه) أي يصلي عليه المسلمون. قوله: (فيحتمل الخ) أي فلا تنافي بين الروايتين. قوله: مِنَ الْآياتِ من تبعيضية. قوله: (و عامله ما في ذلك) أي لفظ ذلك، وهذا كلام وقع على سبيل السهو، وذلك لأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها وصاحبها الهاء الواقعة مفعولا، فيكون العامل في الحال هو الفعل العامل في الهاء، فكان عليه أن يقول والعامل نتلوه وما ذكره إنما يناسب قولا آخر قد قيل، وهو أن من الآيات خبر، وجملة نتلوه حال، والعامل فيه ما في معنى اسم الإشارة من الفعل وهو أشير اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: ويجوز أن يكون ذلك مبتدأ من الآيات خبره ونتلوه جملة في موضع نصب على الحال، والعامل معنى اسم الإشارة اهـ.\rقوله: (المحكم) أي الممنوع من تطرق الخلل إليه اهـ أبو السعود. قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ نزلت في محاجة نصارى وفد نجران قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا وتسبّه؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبد اللّه. قال النبي: أجل إنه عبد اللّه، فقالوا: هل رأيت له مثلا خلق بلا أب ومن لا أب فهو ابن اللّه، ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ الآية، والمعنى أن من لم يقر بأن اللّه خلق عيسى من غير أب مع اعترافه بخلق آدم بغير أب وأم خارج عن طور العقلاء اهـ.\rوالجملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها تعلقا صناعيا، بل تعلقا معنويا، وزعم بعضهم أنها جواب قسم، وذلك القسم هو قوله: والذكر الحكيم، كأنه قيل: أقسم بالذكر الحكيم أن مثل عيسى عند اللّه، فيكون الكلام قد تم عند قوله من الآيات، ثم استأنف قسما قالوا وحرف جر لا حرف عطف، وهذا بعيد أو ممتنع إذ فيه تفكيك لنظم القرآن وإذهاب لرونقه وفصاحته اهـ سمين.","part":1,"page":428},{"id":432,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 429\rمن تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس خَلَقَهُ أي آدم أي قالبه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ بشرا فَيَكُونُ (59) أي فكان وكذلك عيسى قال له كن من غير أب فكان\rالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر لمبتدإ محذوف أي أمر عيسى فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) الشاكين فيه\rفَمَنْ قوله: (شأنه الغريب) أي الذي لغرابته ينتظم في سلك الأمثال، وقوله بالأغرب أي لأن آدم من غير أب وأم فهو أغرب من عيسى اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي، قوله: (و هو من تشبيه الغريب بالأغرب) أي لأن فاقد الأبوين أغرب من فاقد الأب، فكان أشد خرقا للعادة من الموجود من غير أب، وأقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته، والجامع كون كل منهما من غير أب على أن التشبيه تكفي فيه المماثلة من بعض الوجوه، وهذا جواب كيف قال إن مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم، وآدم خلق من التراب وعيسى من الهواء، وآدم خلق من غير أب وأم، وعيسى خلق من أم وإيضاحه أن المراد تشبيهه به في الوجود من غير أب، والتشبيه لا يقتضي المماثلة من جميع الوجود اهـ.\rوعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ فقالوا: لأنه لا أب له، فقال لهم: فآدم أولى لأنه لا أبوين له، قالوا: فإنه كان يحيي الموتى. قال: فحزقيل أولى، لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف، فإنه كان يبرىء الأكمه والأبرص، قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم خرج سالما اهـ سمين.\rقوله: (أقطع للخصم) أي الذي هو وفد نجران اهـ.\rقوله: (أي قالبه) بفتح اللام أي جسده وصورته، وإنما فسر بذلك ليصح الترتيب المفاد بثم في قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ الذي هو عبارة عن نفخ الروح فيه وجملة خلقه من تراب تفسير للمثل، ولا يجوز أن تكون صفة لآدم، لأنه معرفة، والجملة نكرة ولا حالا منه لعدم مساعدة المعنى على ذلك، لأنه يصير تقديره كائنا من تراب اهـ كرخي.\rقوله: (أي فكان) أي وإنما عبر بالمضارع رعاية للفاصلة ولحكاية الحال الماضية اهـ.\rقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة برأسها، والمعنى أن الحق الثابت الذي يضمحل هو من ربك، ومن جملة ما جاء من ربك قصة عيسى وأمه، فهو حق ثابت، ويجوز أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف أي هو أي ما قصصنا عليك من خبر عيسى وأمه، ومن ربك على هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه حال فيتعلق بمحذوف. والثاني: أنه خبر ثان عند من يجوز ذلك وتقدم نظير هذه الجملة اهـ سمين.\rقوله: (أي أمر عيسى) وهو كونه عبد اللّه ورسوله لا ابنه كما زعموا اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ المقصود بهذا الخطاب غيره صلّى اللّه عليه وسلّم لعصمته عن مثل ذلك اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: فلا تكن أنت يا محمد وأمتك من الممترين. هذا من باب التهييج لزيادة الثبات","part":1,"page":429},{"id":433,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 430\rحَاجَّكَ جادلك من النصارى فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بأمره فَقُلْ لهم تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا والطمأنينة. وحاصلها: أن في خطاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما ذكر تحريكا لزيادة ثباته على اليقين، ولكل سامع لينزع عما يورث الامتراء اهـ قوله.\rقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ يجوز في من وجهان: أحدهما: أن تكون شرطية وهو الظاهر أي إن حاجك أحد فقل له كيت وكيت، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، وإنما دخلت الفاء في الخبر لتضمنه معنى الشرط والمحاجة مفاعلة، وهي من الاثنين، وكان الأمر، كذلك، وفيه متعلق بحاجك أي جادلك في شأنه. والهاء فيها وجهان، أظهرها: عودها على عيسى عليه السّلام، والثاني: عودها على الحق وقد يتأيد هذا بأنه أقرب مذكور إلا أن الأول أظهر لأن عيسى عليه السّلام هو المحدث عنه، وهو صاحب القصة اهـ سمين.\rقوله: (من النصارى) أي نصارى نجران. قوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي ما يوجبه إيجابا قطعيا من الآيات البينات وسمعوه منك فلم يرعوه وأعماهم ما هم عليه من الغي والضلال اهـ أبو السعود، قوله: (من العلم بأمره) أي بأن عيسى عبد اللّه ورسوله وهو حال أي كائنا من العلم، ومن للتبعيض كما هو الظاهر، ويجوز أن تكون لبيان الجنس اهـ كرخي.\rقوله: فَقُلْ تَعالَوْا العامة على فتح اللام، لأنه أمر من تعالى يتعالى كترامى يترامى، وأصل ألفه ياء وأصل هذه الياء واو، وذلك لأنه مشتق من العلو وهو الارتفاع، كما سيأتي بيانه في الاشتقاق، والواو متى وقعت رابعة فصاعدا قلبت ياء، فصار تعالى فتحرك حرف العلة وهو الياء وانفتح ما قبله فقلب ألفا، فصار تعالى كترامى، فإذا أمرت منه الواحد قلت تعال يا زيد بحذف الألف لبناء الأمر على حذفها، وكذا إذا أمرت الجمع المذكر قلت تعالوا لأنك لما حذفت الألف لأجل الأمر أبقيت الفتحة مشعرة بها، وإن شئت قلت الأصل تعاليوا، وأصل هذه الياء واو كما تقدم، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الياء لالتقاء الساكنين، وتركت الفتحة على حالها، وإن شئت قلت لما كان الأصل تعالوا تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله وهو الياء فقلبت ألفا فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الألف وبقيت الفتحة دالة عليها، والفرق بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف في الوجه الأول حذفت لأجل الأمر، وإن لم يتصل به واو ضمير، وفي هذا حذف لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وكذلك إذا أمرت الواحدة تقول لها تعالي، فهذه الياء هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر والتصريف كما تقدم في أمر جماعة الذكور، فتأتي هنا الوجوه الثلاثة فيقال حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع ياء المخاطبة، وبقيت الفتحة دالة عليها، أو يقال استثقلت الكسرة على الياء التي هي من أصل الكلمة فحذفت، فالتقى ساكنان وهما الياءان، فحذفت الأولى أو يقال تحركت الياء الأولى وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وأما إذا أمرت المثنى فإن الياء تثبت فتقول يا زيدان تعاليا ويا هندان تعاليا أيضا. يستوي فيه المذكران والمؤنثان. وكذلك أمر جماعة الإناث تثبت فيه الياء تقول يا نسوة تعالين. قال تعالى: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ [الأحزاب: 28] إذ لا مقتضى للحذف ولا للقلب وهو ظاهر بما تمهد من القواعد، وقرأ الحسن تعالوا بضم اللام، والذي يظهر في توجيه هذه القراءة أنهم تناسوا الحرف المحذوف حتى كأنهم توهموا أن الكلمة بنيت على","part":1,"page":430},{"id":434,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 431\rوَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ فنجمعهم ثُمَّ نَبْتَهِلْ نتضرع في الدعاء فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) بأن نقول اللهم العن الكاذب في شأن عيسى، وقد دعا صلّى اللّه عليه وسلّم وفد نجران لذلك لما حاجوه فيه، فقالوا حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك، فقال ذوو رأيهم: لقد عرفتم ذلك، وأن اللام هي الاخر في الحقيقة، فلذلك عوملت معاملة الاخر حقيقة، فضمت قبل واو الضمير وكسرت قبل يائه كما ترى، وتعالى فعل أمر صريح، وليس باسم فعل لاتصال الضمائر المرفوعة البارزة به. قيل: وأصله طلب الإقبال من مكان مرتفع تفاؤلا بذلك وإذنا للمدعو، لأنه من العلو والرفعة، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجيء حتى يقال ذلك لمن تريد إهانته كقولك للعدو: تعال ولمن لا يعقل كالبهائم ونحوها. وقيل: هو الدعاء لمكان مرتفع ثم توسع فيه حتى استعمل في طلب الإقبال إلى كل مكان حتى المنخفض، وندع جزم على جواب الأمر اهـ سمين.\rقوله: نَدْعُ أَبْناءَنا الخ إن قلت القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب، وهذا يختص به وبمن يباهله فلم ضم إليه الأبناء والنساء في المباهلة؟ قلت: ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله واستيفائه بصدقه حيث تجرأ على تعريض أعزته وفي الدلالة على ثقته بكذب خصمه، ولأجل أن يهلك خصمه مع أعزته جميعا لو تمت المباهلة، وإنما خص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل، وإنما قدمهم في الذكر على نفسه لينبه بذلك على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم وفيه أكبر دليل على صحة نبوته لأنه لم يرو أحد مسلم ولا نصراني أنهم أجابوا إلى المباهلة لأنهم عرفوا صحة نبوته، وأن دعاءه مجاب ولا بد اهـ من الخازن.\rتنبيه: وقع البحث عند شيخنا العلامة الدواني قدس اللّه سره في جواز المباهلة بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنّة والآثار وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار، وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها اهـ من تفسير الكازروني.\rقوله: ثُمَّ نَبْتَهِلْ أتى بثم هنا تنبيها لهم على خطئهم في مباهلته، كأنه يقول لهم لا تعجلوا وتأتوا لعلة أن يظهر لكم الحق، فلذلك أتى بحرف التراخي، والابتهال افتعال من البهلة بفتح الباء وضمها وهي اللعنة، هذا أصله، ثم استعمل في كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا اهـ سمين.\rوفي القاموس: والبهل اللعن والترك والاجتهاد في الدعاء وإخلاصه اهـ.\rوفي المصباح: بهله بهلا من باب نفع لعنه، واسم الفاعل باهل والأنثى باهلة، وبها سميت قبيلة والاسم البهلة بالضم وزان غرفة، وباهله مباهلة من باب قاتل لعن كل منهما الآخر وابتهل إلى اللّه ضرع إليه اهـ.\rقوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ هذه والتي في النور في قوله، والخامسة: أن لعنة اللّه عليه يكتبان بالتاء المجرورة وما عداهما بالهاء على الأصل اهـ.\rقوله: (و الكاذب في شأن عيسى) أي الذي يقول إنه ابن اللّه أو يقول إنه إله اهـ.\rقوله: (لذلك) أي المباهلة. قوله: (ذوو رأيهم) أي كبيرهم وهو أثقفهم أي حبرهم وعالمهم","part":1,"page":431},{"id":435,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 432\rنبوته وأنه ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا، فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوه وقد خرج ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي وقال لهم: إذا دعوت فأمنوا، فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية، رواه أبو نعيم، وعن ابن عباس قال: لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا، وروي: لو خرجوا لاحترقوا\rإِنَّ هذا المذكور لَهُوَ الْقَصَصُ الخبر الْحَقُ الذي لا شك فيه واسمه عبد المسيح اهـ شيخنا.\rقوله: (نبوته) أي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و أنه ما باهل) بكسر إن أي واللّه إنه الخ أو بفتحها عطفا على المفعول أي وعرفتم أنه ما باهل الخ. قوله: (فوادعوا الرجل) أي صالحوه، والرجل هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وعبارة أبي السعود، فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم اهـ.\rقوله: (و قد خرج) أي من بيته إلى المسجد، وقوله: (قال لهم) أي للأربعة. قوله: (فأبوا أن يلاعنوا) أي وذلك لأنهم لما رأوا النبي ومن معه قال كبيرهم إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا اهـ خازن.\rقوله: (و صالحوه على الجزية) وقد رأيت في نسخ الجلال القديمة بعد قوله على الجزية رواه أبو نعيم في دلائل النبوة. وروى أبو داود أنهم صالحوه على ألفي حلة النصف في صفر والبقية في رجب وثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح. وروى أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: لو خرج الذين يباهلون الخ. وفي الخطيب والخازن وأبي السعود: إن المذكورات بعد الحلل إنما التزموها على سبيل العارية المضمومة المردودة، ونص الخطيب: ولكن نصالحك على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة. ألف في صفر وألف في رجب. نؤديها للمسلمين وعلى أن نعيرك ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح تغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يؤدوها إلينا، فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك اهـ.\rقوله: (و عن ابن عباس الخ) عبارة أبي السعود فصالحهم على ذلك. وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا، انتهت.\rقوله: (و لا يجدون مالا) أي لإجابة الدعوة فيهم اهـ.\rقوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ يجوز أن يكون هو ضمير فصل، والقصص خبر إنّ والحق صفته، ويجوز أن يكون هو مبتدأ والقصص خبره والجملة خبر إن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم ذكره من أخبار عيسى عليه السّلام، والقصص مصدر قولهم قصّ فلان الحديث يقصه قصا وقصصا، وأصله تتبع الأثر.\rيقال: فلان خرج يقص أثر فلان أي يتبعه ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: 11] أي اتبعي أثره، وكذلك القاص في الكلام لأنه يتتبع خبرا بعد خبر، قال الزمخشري:\rفإن قلت لم جاز دخول اللام على ضمير الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر فدخولها على","part":1,"page":432},{"id":436,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 433\rوَما مِنْ زائدة إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (62) في صنعه\rفَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) فيجازيهم وفيه موضع الظاهر وضع المضمر\rقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ مصدر بمعنى مستو أمرها بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ هي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ كما اتخذتم الأحبار والرهبان فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن التوحيد فَقُولُوا أنتم لهم اشْهَدُوا بِأَنَّا الفصل أولى، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ اهـ سمين.\rقوله: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ يجوز فيه وجهان، أحدهما: إن من إله مبتدأ ومن مزيدة فيه، وإلّا اللّه خبره تقديره ما إله إلا اللّه، وزيدت من للاستغراق والعموم. الثاني: أن يكون الخبر مضمرا تقديره، وما من إله لنا إلا اللّه وإلّا اللّه بدل من موضع من إله لأن موضعه بالابتداء اهـ سمين.\rقوله: (و فيه موضع الظاهر الخ) أي حيث قال: (المفسدين) وذلك للإيذان بأن الاعراض عن التوحيد والحق بعد ما قامت به الحجة إفساد للعالم، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا الخ نزلت لما تقدم وفد نجران المدينة واجتمعوا باليهود، فاختصموا في إبراهيم، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه، وزعمت اليهود كذلك، فقال النبي: كلا الفريقين كاذب. فقالت اليهود للنبي: ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا. وقالت النصارى: ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في العزير، فأنزل اللّه تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا الخ اهـ خازن.\rقوله: تَعالَوْا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، وأصله تعاليوا فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع الواو شيخنا.\rقوله: إِلى كَلِمَةٍ متعلق بتعالوا فذكر هنا مفعول تعالوا بخلاف تعالوا قبلها، فإنه لم يذكر مفعوله، لأن المقصود مجرد الإقبال، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه تقديره تعالوا إلى المباهلة اهـ سمين.\rقوله: (بمعنى مستو أمرها) أي لا يختلف فيه التوراة والإنجيل والقرآن اهـ خازن، بل كل الشرائع لا تختلف فيها اهـ.\rقوله: (هي) أَلَّا نَعْبُدَ الخ وتفسير الكلمة بهذه الجمل لأن العرب تسمي كل قصة أو قصيدة لها أول وآخر كلمة اهـ خازن. أربابا جمع رب.\rقوله: (كما اتخذتم الأحبار) أي علماء اليهود والرهبان أي عباد النصارى، وذلك أنهم سجدوا للأحبار والرهبان وعبدوهم اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود: روي أنه لما نزل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31] قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللّه فقال النبي: «أليس كانوا يحللون لكم ويحرمون لكم فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. قال النبي: هو ذاك» انتهت.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا قال أبو البقاء: هو ماض، ولا يجوز أن يكون التقدير، فإن تتولوا","part":1,"page":433},{"id":437,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 434\rمُسْلِمُونَ (64) موحدون. ونزل لما قال اليهود: إبراهيم يهودي ونحن على دينه، وقالت النصارى كذلك\rيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ تخاصمون فِي إِبْراهِيمَ بزعمكم أنه على دينكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ بزمن طويل، وبعد نزولهما حدثت اليهودية والنصرانية أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) بطلان قولكم\rها للتنبيه أَنْتُمْ مبتدأ يا هؤُلاءِ والخبر حاجَجْتُمْ لفساد المعنى لأن قوله فقولوا اشهدوا خطاب للمؤمنين، وتتولوا خطاب للمشركين وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب الشرط، والتقدير فقولوا لهم، وهذا الذي قاله ظاهرا جدا اهـ سمين.\rقوله: فَقُولُوا أي أنت والمؤمنين اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لما لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نزل لما قال اليهود الخ) أي قالوا ذلك عند النبي وتحاكموا عنده فيما ذكر ليقضي بينهم ومحصل ما حكم به بينهم أن الفريقين ليسوا على دين إبراهيم اهـ.\rقوله: (كذلك) أي إبراهيم نصراني ونحن على دينه. قوله: فِي إِبْراهِيمَ لا بد من مضاف محذوف أي في دين: إبراهيم وشريعته، لأن الذوات لا مجادلة فيها. وقوله: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ الخ الظاهر أن الواو للحال كهي في قوله لم تكفرون بآيات اللّه وأنتم تشهدون أي كيف تحاجون في شريعة، والحال أن التوراة والإنجيل متأخران عنه، وجوزوا أن تكون عاطفة وليس بقوي، وهذا الاستفهام للإنكار والتعجب، وقوله إلا من بعده متعلق بأنزلت وهو استثناء مفرغ اهـ سمين.\rقوله: (بزمن طويل) فكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على مقدر هو المعطوف عليه بهذا العاطف المذكور أي ألا تتفكرون فلا تعلقون بطلان قولكم، أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه اهـ أبو السعود.\rقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ في هذه الآية أربع قراءات. الأولى: للكوفيين وابن عامر والبزي عن ابن كثير: ها أنتم بألف بعد الهاء وهمزة محققة بعدها. الثانية: لأبي عمرو وقالوا بألف بعد الهاء وهمزة مسهلة بين بين بعدها. الثالثة لو وله وجهان. أحدهما: بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما. الثاني: ألف صريحة بعد الهاء من غير همز بالكلية. الرابعة: لقنبل بهمزة محققة بعد الهاء دون ألف، واختلف الناس في هذه الهاء، فمنهم من قال: أنها ها التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، وقد كثر الفصل بينهما وبين أسماء الإشارة بالضمائر المرفوعة، المنفصلة نحوها: أنت ذا قائما وها نحن وها هم قائمون، وقد تعاد مع الإشارة بعد دخولها على الضمائر توكيدا كهذه الآية، ومنهم من قال: أنها مبدلة من همزة استفهام والأصل: أأنتم وهو استفهام إنكار وقد كثر إبدال الهمزة هاء وإن لم يكن قياسيا اهـ سمين.\rقوله: (يا) هؤُلاءِ حرف حذف للنداء مع اسم الإشارة مذهب كما في الخلاصة، وذاك في اسم الجنس والمشار له قل اهـ شيخنا.","part":1,"page":434},{"id":438,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 435\rفِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من أمر موسى وعيسى وزعمكم أنكم على دينهما فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من شأن إبراهيم وَاللَّهُ يَعْلَمُ شأنه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ه، قال تعالى تبرئة لإبراهيم\rما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم مُسْلِماً موحدا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)\rإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ أحقهم بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وَهذَا النَّبِيُ قوله: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي في حيث وجدتموه في التوراة والإنجيل اهـ أبو السعود.\rوما يجوزون تكون بمعنى الذي، وأن تكون نكرة موصوفة، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها، وهي حرف عند الجمهور، ولكم يجوز أن يكون خبرا مقدما. وعلم: مبتدأ مؤخرا، والجملة صلة لما أو صفة، ويجوز أن يكون لكم وحده صلة أو صفة وعلم فاعل به لأنه قد اعتمد، وبه متعلق بمحذوف لأنه حال من علم. إذ لو تأخر عنه لصح جعله نعتا، ولا يجوز أن يتعلق بعلم، لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، فإن جعلته متعلقا بمحذوف يفسره المصدر جاز ذلك وسمي بيانا اهـ سمين.\rقوله: (من أمر موسى وعيسى) عبارة الخازن فيما لكم به علم يعني فيما وجدتم في كتبكم وأنزل بيانه في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنكم على دينهما، وقد أنزل التوراة والإنجيل عليكم، انتهت.\rوقيل: المراد بالذي لهم به علم أمر نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه موجود عندهم في كتبهم بنعته، والذي ليس لهم به علم هو أمر إبراهيم عليه السّلام اهـ سمين.\rقوله: فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي أصلا لأنه لا ذكر لدين إبراهيم قطعا في أحد الكتابين اهـ أبو السعود.\rقوله: (تبرئة لإبراهيم) أي وتصريحا بما نطلق به البرهان. قوله: (عن الأديان كلها) أي الباطلة.\rقوله: (موحدا) أشار به إلى أنه كان على ملة التوحيد لا على ملة الإسلام الحادثة، وألا لاشترك الإلزام أي لأنهم يقولون ملة الإسلام حدثت بنزول القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان إبراهيم قبل محمد بمدة طويلة، فكيف يكون على ملة الإسلام الحادثة بنزول القرآن، فعلم أن المراد يكون إبراهيم مسلما أنه كان على ملة التوحيد لا على هذه الملة اهـ كرخي.\rقوله: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض بأنهم مشركون بقولهم عزير ابن اللّه والمسيح ابن اللّه ورد على المشركين في ادعاء أنهم على ملة إبراهيم اهـ أبو السعود.\rقوله: (إبراهيم) متعلق بأولى، وأولى أفعل تفضيل من الولي وهو القرب، والمعنى أن أقرب الناس به وأخصهم فألفه منقلبة عن ياء ليكون فاؤه واوا، قال أبو البقاء: إذ ليس في الكلام ما لامه وفاؤه واو إلا واو التهجي اهـ سمين.\rقوله: لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ اللام زائدة للتوكيد وهي لام الابتداء: زحلقت للخبر، كما قال في الخلاصة:\rوبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء\rاه شيخنا.","part":1,"page":435},{"id":439,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 436\rمحمد لموافقته له في أكثر شرعه وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته فهم الذين ينبغي أن يقولوا نحن على دينه لا أنتم وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) ناصرهم وحافظهم. ونزل لما دعا اليهود معاذا وحذيفة وعمارا إلى دينهم\rوَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن إثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه وَما يَشْعُرُونَ (69) بذلك\rيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ القرآن المشتمل على نعت محمد وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) تعلمون أنه حق\rيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ تخلطون الْحَقَّ بِالْباطِلِ بالتحريف والتزوير وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ أي نعت النبي وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) أنه حق\rوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود لبعضهم آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ قوله: (في زمانه) وعلى هذا فالعطف للمغايرة، فإن الذين اتبعوه في زمانه لا يشملون محمدا وأصحابه اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا عطف على هذا النبي. قوله: (فهم) أي الذين اتبعوا إبراهيم في زمانه ومحمد والمؤمنون اهـ.\rقوله: وَدَّتْ طائِفَةٌ أي تمنت وأحبت، وقوله: من أهل الكتاب تبعيضية، وهي مع مجرورها في محل رفع نعت لطائفة، وقوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ لو في مثل هذا التركيب يصح أن تكون مصدرية ولا تقدير في الكلام، والتقدير ودت طائفة أي تمنت إضلالكم، ويصح أن تكون حرف امتناع لامتناع، ويكون جوابها محذوفا ومفعول ودت محذوف أيضا، والتقدير تمنت طائفة ضلالكم وكفركم لو يضلونكم لسرّوا بذلك وفرحوا اهـ من السمين.\rقوله: وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ جملة حالية اهـ.\rقوله: (لأن إثم إضلالهم) أي إضلال المؤمنين أي تمني المؤمن، وإلّا فإضلال المؤمنين لم يقع حتى يأثموا به، وعبارة الخازن وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين وَما يَشْعُرُونَ يعني أن وبال الإضلال يعود عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم، وتمني إضلال المسلمين وما يقدرون على ذلك إنما يضلون أمثالهم وأتباعهم وأشياعهم اهـ.\rقوله: (بذلك) أي باختصاص وبال إضلالهم بهم. قوله: (تعلمون أنه حق) فسر الشهادة بالعلم لأنها الخبر القاطع فيلزمها العلم اهـ.\rقوله: (بالتحريف) أي التغيير والتبديل وقوله والتزوير برأي تزيين الكذب وتحسينه لأن الزور هو الكذب والتزوير تحسينه اهـ وذلك أن أحبار اليهود كانوا يكتمون نعت محمد عن الناس فإذا خلا بعضهم ببعض أظهروا ذلك فيما بينهم وشهدوا أنه حق اهـ خازن.\rقوله: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ الخ هذا نوع آخر من تلبيسات اليهود، وقيل: تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر، فقال بعضهم لبعض: أدخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون اعتقاد القلب، ثم اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا، فوجدنا","part":1,"page":436},{"id":440,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 437\rآمِنُوا أي القرآن وَجْهَ النَّهارِ أوله وَاكْفُرُوا به آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ أي المؤمنين يَرْجِعُونَ (72) عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه وهم أول علم إلا لعلمهم بطلانه، وقالوا أيضا\rوَلا تُؤْمِنُوا تصدقوا إِلَّا لِمَنْ اللام زائدة تَبِعَ وافق دِينَكُمْ قال تعالى قُلْ لهم يا محمد إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام وما عداه ضلال، والجملة اعتراض إِنَ أي بأن يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الكتاب والحكمة والفضائل، وأن مفعول تؤمنوا، والمستثنى منه أحد قدم عليه المستثنى، المعنى لا تقروا بأن أحدا يؤتى ذلك إلا لمن تبع دينكم أَوْ بأن أن محمدا ليس هو بذلك المنعوت، وظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحاب محمد في دينه فاتهموه وقالوا: إنهم أهل الكتاب، وأعلم به منا، فيرجعون عن دينهم، وقيل: هذا في شأن القبلة، وذلك أنه لما صرفت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد في شأن الكعبة وصلّوا إليها أول النهار، ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يرجعون، فيقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فيرجعون إلى قبلتنا فأطلع اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم على سرهم، وأنزل هذه الآية، ووَجْهَ النَّهارِ: أوله، الوجه مستقبل كل شيء، لأنه أول ما يواجه منه.\rوقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني عنه أي إذا ألقينا عليهم هذه الشبه لعلهم يشكون في دينهم فيرجعون عنه، ولما دبرواهذه الحيلة أخبر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم تتم لهم ولم يحصل لها أثر في قلوب المؤمنين، ولو لا هذا الإعلام من اللّه تعالى لكان ربما أثر ذلك في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف اهـ خازن.\rقوله: وَلا تُؤْمِنُوا الخ معطوف على آمنوا بالذي أنزل الخ كما أشار له بقوله أيضا، فالضمير في قوله وقالوا عائد على الطائفة، وقوله: (تصدقوا) إشارة إلى أحد وجهين في تقرير الآية، وبنى عليه قوله اللام زائدة، وأشار إلى الوجه الثاني بقوله: (المعنى لا تقروا الخ)، وينبني على هذا الوجه أن اللام غير زائدة، ولذا قال في التقرير: إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ فأشار به إلى أن اللام غير زائدة، وقوله: (وافق) دِينَكُمْ أي بأن كان منكم، وقوله: (و ما عداه ضلال) أي من حيث التمسك به بعد نسخه وإن كان في أصله دينا صحيحا، وقوله: (و الجملة اعتراض) أي بين الفعل ومفعوله، وقوله: أَنْ يُؤْتى على حذف الجار كما قدره، وقوله: (من الكتاب الخ) بيان لما أوتوه، وقوله: (و الفضائل) كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى، وقوله: (و أن مفعول تؤمنوا) أي على كل من الوجهين زيادة اللام وعدم زيادتها. وقوله: (و المستثنى منه أحد) أي على زيادة اللام، وأما على عدم زيادتها فالمستثنى منه محذوف تقديره ولا تؤمنوا، أي تقروا وتعترفوا وتصرحوا لأحد من الناس بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم إلا لمن هو على دينكم ومن جملتكم، وقوله: (المعنى الخ) وهذا ناظر لعدم زيادة اللام فقوله: (لا تقروا) أي لا تظهروا ولا تعترفوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأحد أي عند أحد إلا لمن تبع دينكم أي إلا عند من هو من جملتكم دون غيره ومحصل هذا أنه قال بعضهم لبعض: أسروا وأخفوا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا لأشياعكم وحدهم، وقوله: أَوْ يُحاجُّوكُمْ معطوف على يؤتى فهو في خبر أن المصدرية أيضا، فلذلك قدرها الشارح معه، والضمير في يحاجوكم عائد على أحد لأنه جمع في المعنى، والاستثناء يرجع لهذا المعطوف أيضا، لكن على عدم زيادة اللام","part":1,"page":437},{"id":441,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 438\rيُحاجُّوكُمْ أي المؤمنون يغلبوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ يوم القيامة لأنكم أصح دينا، وفي قراءة أأن بهمزة والتقدير، وَلا تُؤْمِنُوا أي لا تعترفوا ولا تقروا بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم ويغلبونكم إلا لمن تبع دينكم أي إلا عند من هو على دينكم، وقوله: (لأنكم أصح دينا) تعليل النفي المتسلط على يحاجوكم أي لا يغلبون بالمحاجة لأنكم أصح دينا، وفي نسخة أصلح دينا. وحاصل الوجهين السابقين أنهم على الوجه الأول غير مصدقين وغير معتقدين أن المسلمين أوتوا كتابا ودينا وفضائل مثل ما أوتوا، وقد أمر علماؤهم عوامهم بأن لا يصدقوا ولا يعتقدوا ذلك، وأنهم على الوجه الثاني معتقدون ومصدقون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل، لكن قد أمر علماؤهم عوامهم بأن لا يقروا بذلك ولا يظهروه إلّا فيما بينهم ولا يكون هذا الإظهار عند المسلمين لئلا يزدادوا ثباتا على دينهم ولا عند المشركين، لئلا يؤمنوا. وعبارة السمين قوله: وَلا تُؤْمِنُوا الخ علم أنه قد اختلف الناس المفسرون والمعربون في هذه الآية على أوجه، وذكر منها تسعة. أوضحها وأقربها للفهم ما أشار له الجلال من الوجهين السابق ذكرهما، فلنقتصر على نقلهما. الأول: أن اللام زائدة مؤكدة كهي في قوله تعالى:\rقُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ [النمل: 72] ومن مستثنى من أحد، والتقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم فمن تبع في محل نصب على الاستثناء من أحد، وهذا الوجه لا يصح من جهة المعنى ولا من جهة الصناعة، أما عدم صحته من جهة المعنى فواضح لأنه يقتضي أن بعض المسلمين موافق لليهود في دينهم، لأن المعنى على هذا ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد من المسلمين مثل ما أوتيتم إلا أن كانت ذلك الأحد الذي من المسلمين موافقا لكم في دينكم، وأما عدم صحته من جهة الصناعة فلأن فيه تقديم المستثنى على كل من المستثنى منه وعامله، وفيه أيضا تقديم ما هو من جملة صلة أن المصدرية وهو المستثنى عليها وكل هذا غير جائز: والثاني: أن اللام غير زائدة وأن تؤمنوا مضمن معنى تقروا وتعترفوا فعدي باللام أي ولا تقروا ولا تعترفوا بأن يؤتى أحد الخ إلا لمن تبع دينكم. قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه: وَلا تُؤْمِنُوا متعلق بقوله: أن يؤتى أحد ما بينهما اعتراض أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا أهل دينكم دون غيرهم، أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا لأشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدوا ثباتا ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإيمان أو يحاجوكم عطف على أن يؤتى، والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع، والاستثناء راجع له أيضا، فالمعنى ولا تؤمنوا أي لا تظهروا ولا تقروا لغير أتباعكم بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم بالحق، ويغالبونكم عند اللّه، وعلى هذا يكون قوله إلا لمن تبع مستثنى من شيء محذوف تقديره: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم، وتكون هذه الجملة أعني قوله: ولا تؤمنوا إلى آخرها من كلام الطائفة المتقدمة، أي وقالت طائفة كذا، وقالت أيضا: ولا تؤمنوا، وتكون الجملة من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ من كلام اللّه لا غير اهـ.\rقوله: (و في قراءة الخ) وعلى هذه القراءة، فهذا كلام مستأنف والكلام الأول قد تم عند قوله هدى اللّه، وهذه القراءة لابن كثير من السبعة، وقوله بهمزة التوبيخ أي بهمزة الاستفهام الذي للتوبيخ يعني مع الإنكار مع تسهيل الثانية التي هي همزة أن المصدرية من غير إدخال ألف بين الهمزتين،","part":1,"page":438},{"id":442,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 439\rالتوبيخ أي أإيتاء أحد مثله تقرون به، قال تعالى قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وَاللَّهُ واسِعٌ كثير الفضل عَلِيمٌ (73) بمن هو أهله\rيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)\rوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ أي بمال كثير يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ لأمانته كعبد اللّه بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهبا وقوله: (أي أإيتاء) أشار به إلى أن مصدرية وهي مع مدخولها في تأويل مبتدأ والخبر محذوف، وقد قدره بقوله: (تقرون به) أي لا ينبغي منكم هذا الإقرار والاعتراف عند غير أشياعكم، وأهل دينكم.\rوعبارة السمين؛ وخرجت هذه القراءة على وجوه الى أن قال الثاني أن يؤتى في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد يا معشر اليهود مثل ما أوتيتم من الكتاب والعلم تصدقون به، أو تعترفون به أو تذكرونه لغيركم أو تشيعونه في الناس، ونحو ذلك مما يحسن تقديره. وقوله: أَوْ يُحاجُّوكُمْ أو على هذه القراءة بمعنى حتى التي هي غاية في الخير المقدور وتفريع عليه، والمعنى أإيتاء أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم وهم المؤمنون حتى يحاجوكم عند ربكم، أي فيترتب على ذكره لهم أنهم يحاجوكم عند ربكم، فلا ينبغي منكم هذا الإقرار ولا الاعتراف المرتب عليه ما ذكر، ويصح أن تكون أو على يحاججكم أحد عند اللّه تصدقونه، وهذا ما تلخص من كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه، وللّه الحمد. قال الواحدي: وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيرا وإعرابا ولقد تدبرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية فلم أجد قولا يطرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى وصحة النظم اهـ ملخصا. قوله: (فمن أين لكم الخ) هذا إنما يناسب الوجه الأول الذي هو تفسير تؤمنوا يتصدقوا مع زيادة اللام لأن مقتضى هذا الوجه أن يكونوا منكرين أن يؤتى أحد مثل أحد ما أوتوا، وأما على الوجه الثاني فلا يظهر لأن حاصله أنهم معترفون بأن المسلمين قد أوتوا مثلهم ولكن نهى بعضهم بعضا عن الاعتراف بذلك عند المسلمين كما تقدم. اهـ.\rقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ أي يجعل رحمته مقصورة على من يشاء اهـ كرخي.\rقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الخ شروع في بيان خيانتهم في الأموال بعد بيان خيانتهم في الدين اهـ أبو السعود.\rقوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ من مبتدأ، ومن أهل الكتاب: خبره قدم عليه ومن إما موصولة. وإما نكرة وإن تأمنه يؤده هذه الجملة الشرطية إما صلة فلا محل لها، وأما صفة فمحلها الرفع، والدينار أصله دننار بنونين فاستثقل توالي مثلين، فأبدلوا أولهما حرف علة تخفيفا لكثرة دوره في لسانهم، ويدل على ذلك رده إلى النونين تكسيرا وتصغيرا في قولهم دنانير، ودنينير، ومثله قيراط أصله قراط بدليل قراريط وقريريط، كما قالوا تطينت وقصيت أظفاري يريدون تطننت وقصصت بثلاث نونات، وثلاث صادات ومعنى تطينت تلطخت بالطين والدينار معرب. قالوا: ولم يختلف وزنه أصلا وهو أربعة وعشرون قيراطا كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلة فالمجموع اثنتان وسبعون شعيرة وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم يؤده بسكون الهاء في الحرفين، وقرأ قالون يؤده بكسر الهاء من غير صلة والباقون بكسرها موصولة اهـ سمين.\rقوله: (أي بمال كثير) كأنه يشير بهذا إلى أن المراد بالقنطار المال الكثير لا يقيد حقيقة القنطار،","part":1,"page":439},{"id":443,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 440\rفأداها إليه وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ لخيانته إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً لا تفارقه فمتى فارقته أنكره ككعب بن الأشرف استودعه قرشي دينارا فجحده ذلِكَ أي ترك الأداء بِأَنَّهُمْ قالُوا بسبب قولهم لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ أي العرب سَبِيلٌ أي إثم، لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم، ونسبوه إليه تعالى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في نسبة ذلك إليه وَهُمْ مع أن الذي ذكره بقوله: أودعه رجل قنطارا حقيقي إذ الألف أوقية ومائتان مائة رطل وهي القنطار.\rقوله: (أودعه رجل) أي قرشي. قوله: بِدِينارٍ في هذه الباء ثلاثة أوجه، أحدها: أنها على أصلها من الإلصاق، وفيه قلق، والثاني: أنها بمعنى في ولا بدّ من حذف مضاف أي في حفظ دينار وفي حفظ قنطار. والثالث: أنها بمعنى على، وقد عدي بها كثيرا نحو: لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ [يوسف: 11]، هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [يوسف: 64]، وكذلك هي بقنطار فيها الأوجه الثلاثة اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً استثناء مفرغ من الظرف العام إذ التقدير لا يؤده إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائما عليه متوكلا به مراقبا له ودمت هذه هي الناقصة ترفع وتنصب وشرط أعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دوامك وأصل هذه المادة الدلالة على الثبوت والسكون، يقال دام الماء أي سكن، وفي الحديث: «لا يبولن أحد في الماء الدائم» أي الذي لا يجري وهو تفسير له وأدمت القدر دومتها سكنت غليانها بالماء، ومنه دام الشيء إذ امتد عليه زمان، ودومت الشمس إذا وقفت في كبد السماء، وقوله عليه متعلق بقائما، والمراد بالقيام الملازمة، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على رأس المطالب، ثم جعل عبارة عن الملازمة، وإن لم يكن ثم قيام اهـ سمين.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ مبتدأ وخبر، وذلك إشارة إلى الاستحلال وعدم المؤاخذة في زعمهم أي ذلك الاستحلال مستحق بقولهم ليس علينا في الأميين سبيل اهـ سمين. قوله: (بسبب قولهم الخ) فيه إشارة إلى جواب عن سؤال لم خص أهل الكتاب بذلك مع أن غيرهم منهم الأمين والخائن، وإيضاحه أنه إنما خصهم باعتبار واقعة الحال. إذ سبب نزول الآية ما ذكره، ولأن خيانة أهل الكتاب المسلمين تكون عن استحلال بدليل آخر الآية بخلاف خيانة المسلم المسلم اهـ كرخي.\rقوله: لَيْسَ عَلَيْنا يجوز أن يكون في ليس ضمير الشأن، وهو اسمها، وحينئذ يجوز أن يكون سبيل مبتدأ وعلينا الخبر والجملة خبر ليس، ويجوز أن تكون علينا هو الخبر وحده وسبيل مرتفع به على الفاعلية، ويجوز أن يكون سبيل اسم ليس والخبر أحد الجارين أي علينا أو في الأميين، ويجوز أن يتعلق في الأميين بالاستقرار الذي تعلق به علينا اهـ سمين.\rقوله: فِي الْأُمِّيِّينَ أي في شأن من ليس من أهل الكتاب اهـ أبو السعود، فمرادهم بالأمي من ليس له كتاب وشأنه يشمل ماله ودمه وعرضه، فقد استباحوا دماء العرب وأموالهم وأعراضهم اهـ شيخنا.\rقوله: (و نسبوه إليه تعالى) أي نسبوا القول المذكور إلى اللّه، أي قالوا إن اللّه أحل لنا ظلم من ليس على ديننا، وادعوا أن ذلك في التوراة اهـ شيخنا.","part":1,"page":440},{"id":444,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 441\rيَعْلَمُونَ (75) أنهم كاذبون\rبَلى عليهم فيهم سبيل مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ الذي عاهد اللّه عليه أو يعهد اللّه إليه من أداء الأمانة وغيره وَاتَّقى اللّه بترك المعاصي وعمل الطاعات فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) فيه وضع الظاهر موضع المضمر، أي يحبهم بمعنى يثيبهم ونزل في اليهود لما وعبارة الخازن يعني أنهم يقولون ليس علينا إثم ولا حرج في أخذ مال العرب، وذلك أن اليهود قالوا أموال العرب حلال لنا لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم، وقيل إن اليهود قالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه والحق لنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم، وقيل إنهم قالوا إن الأموال كلها كانت لنا فما في أيدي العرب فهو لنا، وإنما هم ظلمونا وغصبوها منا فلا سبيل علينا في أخذها منهم أي طريق كان، وقيل: إن اليهود كانوا يبايعون رجالا من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم، فقالوا ليس لكم علينا حق ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فأكذبهم اللّه تعالى اهـ.\rقوله: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يجوز أن يتعلق على اللّه بالكذب، وإن كان مصدرا لأنه يتسع في الظرف وعديله ما لا يتسع في غيرهما، ومن منع ذلك علقه بيقولون مضمنا معنى يفترون فعدي تعديته، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الكذب، وقوله: وهم يعلمون جملة حالية ومفعول العلم محذوف اقتصارا أي وهم من ذوي العلم أو اختصارا أي يعلمون افتراءهم، وقد أشار له المفسر اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ (أنهم كاذبون) يعني لم يقولوا ذلك عن جهل، فيعذروا، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما رواه الطبراني وغيره من حديث سعيد بن جبير مرسلا أنه قال عند نزولها: «كذب أعداء اللّه ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي أي منسوخ متروك إلّا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر» اهـ كرخي.\rقوله: بَلى إثبات لما نفوه كما أشار له بقوله عليهم أي اليهود فيهم أي العرب سبيل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وبلى جواب لقولهم ليس علينا الخ وإيجاب لما نفوه اهـ.\rقوله: مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ استئناف مقرر للجملة التي تسد بلى مسدها اهـ أبو السعود، ومن موصولة أو شرطية، والربط من الجملة الجزائية أو الخبرية هو العموم في المتقين، وعند من يرى الربط بقيام الظاهر مقام المضمر، يقول ذلك هنا، وقيل: الجزاء أو الخبر محذوف تقديره يحبه اللّه، ودل على هذا الحذف قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ اهـ سمين.\rقوله: بِعَهْدِهِ يجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله على أن الضمير يعود على من أو إلى مفعوله على أن يعود على اللّه، ويجوز أن يكون المصدر مضافا للفاعل، وإن كان الضمير للّه تعالى، أو إلى المفعول وإن كان الضمير لمن ومعناه واضح إذا تؤمل اهـ سمين.\rقوله: (فيه وضع الظاهر موضع المضمر) أي للاعتناء بشأن المتقين، وإشارة إلى عمومه لكل متق اهـ كرخي.","part":1,"page":441},{"id":445,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 442\rبدلوا نعت النبي وعهد اللّه إليهم في التوراة أو فيمن حلف كاذبا في دعوى أو في بيع سلعة\rإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ يستبدلون بِعَهْدِ اللَّهِ إليهم في الإيمان بالنبي وأداء الأمانة وَأَيْمانِهِمْ حلفهم به تعال كاذبين ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا أُولئِكَ لا خَلاقَ نصيب لَهُمْ في الآخرة ولا يكلمهم اللّه غضبا عليهم وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يرحمهم يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ يطهرهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) مؤلم\rوَإِنَّ مِنْهُمْ أي أهل الكتاب لَفَرِيقاً طائفة ككعب بن الأشرف يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي يعطفونها بقراءته عن المنزل إلى ما حرفوه من نعت النبي ونحوه روى الشيخان عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» اهـ خازن.\rقوله: (و نزل في اليهود الخ) حاصل ما ذكره في سبب النزول أقوال ثلاثة، هذا وقوله أو فيمن حلف كاذبا الخ، وقوله أو في بيع سلعة، وقوله لما بدلوا نعت النبي أي وحلفوا على أن المبدل الذي ذكروه في التوراة، وهؤلاء كحيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف، وقوله أو فيمن حلف الخ، وذلك هو الأشعث بن قيس حيث كان بينه وبين رجل نزاع في بئر، فاختصما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له النبي:\r«شاهداك أو يمينه»، فقال الأشعث: إذا يحلف كاذبا ولا يبال، وقوله: أو بيع سلعة أي فيمن أراد بيع سلعة أقامها في السوق للبيع وحلف لقد أعطي فيها كذا كاذبا اهـ شيخنا.\rقوله: بِعَهْدِ اللَّهِ الباء داخلة على المتروك، وقوله في الإيمان بالنبي في بمعنى من البيانية.\rقوله: (حلفهم به تعالى كاذبين) أي حيث قالوا، واللّه لنؤمنن به ولننصرنه اهـ بيضاوي.\rقوله: (في الآخرة) أي في نعيمها. قوله: (و لا يكلمهم) أي بما يسرهم أو بشيء أصلا، وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخ في أثناء الحساب من الملائكة، فلا يخالف النصوص الدالة على أنهم يسألون، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] وهذه الجملة واللتان بعدها كناية عن إهانتهم وشدة الغضب عليهم اهـ شيخنا.\rقوله: (يطهرهم) أي من دنس الذنوب بالعذاب المنقطع إلى النعيم، بل يخلدهم في النار اهـ الكرخي.\rقوله: (ككعب بن الأشرف) أي ومالك بن الصيف، وحييّ بن أخطب وأبي ياسر، وشعبة بن عمرو الشاعر اهـ كرخي.\rقوله: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ فكان إذا قرأ في التوراة ووصل إلى الكلمة الحق يحرف لسانه عنها وينطق بكلمة أخرى غير حق فهو يلوي أي يعطف لسانه بقراءة الكتاب اهـ شيخنا.\rوجملة قوله يلوون صفة لفريقا فهي في محل نصب وجمع الضمير اعتبار المعنى لأنه اسم جمع كالرهط والقوم. قال أبو البقاء: ولو أفرد على اللفظ جاز وفيه نظر إذ لا يجوز القول جاءني وألسنتهم جمع لسان، وهذا على لغة من يذكره، وأما على لغة من يؤنثه فيقول: هذه لسانه فإنه يجمع على ألسن نحو ذراع وأذرع وكراع وأكرع، وقال الفراء: لم نسمعه من العرب إلا مذكرا ويعبر باللسان عن الكلام،","part":1,"page":442},{"id":446,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 443\rلِتَحْسَبُوهُ أي المحرف مِنَ الْكِتابِ الذي أنزله اللّه وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) أنهم كاذبون. ونزل لما قال نصارى نجران: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا، أو لما طلب بعض المسلمين السجود له صلّى اللّه عليه وسلّم\rما كانَ لأنه ينشأ منه وفيه، ويجري فيه أيضا التذكير والتأنيث واللي الفتل يقال: لويت الثوب ولويت عنقه أي قتلته، والمصدر اللي والليان، ثم يطلق اللي على المراوغة في الحجج والخصومة تشبيها للمعاني بالإجرام وبالكتاب متعلق بيلوون، وهو تعلق واضح، والباء بمعنى في مع حذف المضاف أي في قراءة الكتاب أي في حال قراءته، والضمير في لتحسبوه يجوز أن يعود على ما دل عليه تقدم من ذكر اللي، والتحريف أي لتحسبوا المحرف من التوراة، ويجوز أن يعود على مضاف محذوف دل عليه المعنى والأجل يلوون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا شبه الكتاب الذي حرفوه من الكتاب ويكون كقوله تعالى:\rأَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ [النور: 40] ثم قال: يَغْشاهُ مَوْجٌ [النور: 40] والأصل أو كذي ظلمات، فالضمير في يغشاه يعود على ذي المحذوفة، ومن الكتاب هو المفعول الثاني لتحسبوه، وقرئ ليحسبوه بباء الغيبة، والمراد بهم المسلمون أيضا كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة، والمعنى ليحسب المسلمون أن المحرف من التوراة اهـ سمين.\rقوله: (عن المنزل إلى ما حرفوه) كل منهما متعلق بيلوون اهـ.\rقوله: (و نحوه) كآية الرجم. قوله: لِتَحْسَبُوهُ أي فعلوا ذلك لأجل أن يوقعكم في حسبان، وظن أن المخرف من الكتاب اهـ شيخنا.\rقوله: وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ أي في الواقع وفي اعتقادهم أيضا والجملة حالية اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي يقولون مع ما ذكر من اللي والتحريف على طريقة التصريح لا بالتورية والتعريض اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ أي المحرف من عند اللّه، وقوله: وَما هُوَ أي والحال، وقوله: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي الأعم مما ذكر من التحريف واللي، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي والحال أنهم كاذبون.\rقوله: (و نزل لما قال نصارى نجران) وعلى هذا السبب فالمراد بالبشر عيسى، وبالكتاب الإنجيل، وعلى الثاني فالمراد به محمد، وبالكتاب القرآن اهـ شيخنا.\rقوله: (أو لما طلب بعض المسلمين الخ) أي حيث قال ذلك البعض يا محمد، إنا نسلم عليك كما يسلم بعضها على بعض، أفلا نسجد لك اهـ شيخنا.\rويقرب هذا الاحتمال قوله في آخر الآية بعد إذ أنتم مسلمون اهـ أبو السعود.\rقوله: ما كانَ لِبَشَرٍ الخ بيان لافترائهم على الأنبياء اثر بيان افترائهم على اللّه، وإنما قيل لبشر إشعارا بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي تقولوه عليه اهـ أبو السعود.\rوأن يؤتيه اسم كان ولبشر خبرها مقدم، وقوله: ثم يقول للناس عطف على يؤتيه، وهذا العطف لازم من حيث المعنى إذ لو سكت عنه لم يصح المعنى، لأن اللّه تعالى قد آتى كثيرا من البشر الكتاب","part":1,"page":443},{"id":447,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 444\rينبغي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ أي الفهم للشريعة وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ يقول كُونُوا رَبَّانِيِّينَ علماء عاملين منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ بالتخفيف والتشديد الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) أي بسبب ذلك والحكم والنبوة وهذا كما يقولون في بعض الأحوال: أنها لازمة فلا غرو في لزوم العطف، ومعنى مجيء هذا النفي في كلام العرب نحو ما كان لزيد أن يفعل ونحوه نفي الكون، والمراد نفي خبره، وهو على قسمين. قسم يكون النفي فيه من جهة العقل ويعبر عنه بالنفي التام كهذه الآية، لأن اللّه تعالى لا يعطي الكتاب والحكم والنبوة لمن يقول هذه المقالة الشنعاء، ونحوه من كان لكم أن تنبتوا شجرها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه وقسم يكون النفي فيه على سبيل الابتغاء، كقول أبي بكر الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم فيصلي بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويعرف القسمان من السياق اهـ سمين.\rقوله: (ينبغي) إما تفسير لكان أو بيان لمتعلق الجار والمجرور الواقع خبرا لكان، وسيأتي للشارح في سورة يس تفسير الانبغاء بالإمكان اهـ.\rقوله: الْكِتابَ أي الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهي عن الإشراك، فمعنى الآية أنه لا يجتمع لرجل أوتي الكتاب المذكور، والحكم والنبوة أن يجمع بين المذكور والصفات القائمة به، لأنهما متنافيان، لأن الأنبياء صفاتهم منافية للقول المذكور لاستحالته في حقهم اهـ شيخنا.\rقوله: عِباداً لِي أي كائنين لي، وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ أي متجاوزين اللّه إشراكا أو إفرادا اهـ شيخنا.\rقوله: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي ولكن يقول كونوا ربانيين، فلا بد من إضمار القول هنا، والربانيون جمع رباني وفيه قولان. أحدهما: أنه منسوب إلى رب والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة كقرباني وشعراني ولحياني للغليظ الرقبة والكثير الشعر والطويل اللحية ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب، أما إذا نسبوا إلى الرقبة والشعر واللحية من غير مبالغة قالوا: رقبي وشعري ولحوي هذا معنى قول سيبويه.\rوالثاني: أنه منسوب إلى ربان والربان هو المعلم للخير، ومن يسوس الناس ويعرفهم أمر دينه، فالألف والنون دالان على زيادة الوصف، كهي في عطشان وريان وجوعان ووسنان، وتكون النسبة على هذا للمبالغة في الوصف نحو أحمري اهـ سمين.\rقوله: (علماء عاملين) فالرباني هو العالم العامل، وقوله: (منسوب) أي مفرده منسوب إلى الرب، فهذا جمع المفرد المنسوب وقوله: (تفخيما) أي تعظيما للمنسوب. قوله: بِما كُنْتُمْ الباء سببية وما مصدرية أي كونوا علماء بسبب كونكم وفي متعلق الباء قولان: أحدهما: أنها متعلقة كونوا.\rذكره أبو البقاء. الثاني: أن تتعلق بربانيين لأن فيه معنى الفعل اهـ سمين.\rقوله: (بالتخفيف) أي وتاء المضارع مفتوحة، والعين ساكنة، واللام مفتوحة، وقوله:\r(و التشديد) أي مع ضم التاء، وفتح العين، وكسر اللام المشددة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بسبب ذلك) أي بسبب كونكم معلمين الكتاب، وسبب كونكم دارسين اهـ كرخي.","part":1,"page":444},{"id":448,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 445\rفإن فائدته أن تعملوا\rوَلا يَأْمُرَكُمْ بالرفع استئنافا أي اللّه، والنصب عطفا على يقول أي البشر أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيرا والنصارى عيسى أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) لا ينبغي له هذا\rوَاذكر إِذْ حين أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ قوله: (عطفا على يقول) أي ولا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: ما كان لبشر أي ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه ما ذكرتم بأمر الناس بعبادة نفسه أو باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وعلى هذا فتوسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه للمسارعة إلى تحقيق الحق لبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه اهـ أبو السعود.\rقوله: الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ خصّا بالذكر لأنه لم يحك من أن عبد غير اللّه من أهل الكتاب عبد غيرهما اهـ خازن.\rقوله: أَرْباباً جمع رب. قوله: (عزيرا) في القاموس لخفته اهـ.\rقوله: (لا ينبغي له هذا) إشارة إلى أنه استفهام معناه الإنكار وهو خطاب للمؤمنين على طريق التعجب من حال غيرهم، وبعد متعلق بيأمركم، وبعد ظرف زمان مضاف لظرف زمان ماض، وقد تقدم أن إذ لا يضاف إليها إلا الزمان نحو حينئذ ويومئذ وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ في محل خفض بالإضافة لأن إذ تضاف إليها الجملة مطلقا اسمية كانت أو فعلية اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أي في كتبهم كما قيل، أو في عالم الذر، كما قيل، والميثاق: العهد كما قال الشارح، وفيه معنى الحلف، ففي أخذه استحلاف لهم، ويدل له كلام الشارح الآتي اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وأصل الميثاق في اللغة عقد مؤكد، ومعنى ميثاق النبيين ما وثقوا به على أنفسهم من طاعة اللّه فيما أمرهم به ونهاهم عنه، وذكروا في معنى ميثاق وجهين. أحدهما: أنه مأخوذ من الأنبياء، والثاني: أنه مأخوذ لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فذهب قوم إلى أن اللّه تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن يبلغوا كتاب اللّه ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضا، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه وإن لم يدركه، أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا قول سعيد بن جبير، والحسن، وطاوس. وقيل: إنما أخذ الميثاق من النبيين في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة، وهو قول علي وابن عباس وقتادة والسدي، ومعنى هذا القول أن اللّه أخذ الميثاق على النبيين وأممهم جميعا في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فاكتفى بذكر الأنبياء، لأن العهد مع المتبوع عهد مع الاتباع وهو قول ابن عباس. قال علي بن أبي طالب: ما بعث اللّه نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأخذ هو العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. وقيل:\rان المراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون العهد والميثاق على أممهم بأنه إذا بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يؤمنون به وينصرونه، وهذا قول كثير من المفسرين، انتهت.","part":1,"page":445},{"id":449,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 446\rالنَّبِيِّينَ عهدهم لَما بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي الذي آتَيْتُكُمْ إياه وفي قراءة آتيناكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ من الكتاب والحكمة وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ جواب القسم إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك قالَ تعالى لهم أَأَقْرَرْتُمْ قوله: (بفتح اللام) وعلى هذه القراءة يقرأ آتيتكم وآتيناكم. وقوله: (و كسرها) وعليها يقرأ آتيتكم فقط، فالقراءات ثلاثة فقوله: وفي قراءة آتيناكم يعني مع فتح اللام فقط اهـ شيخنا.\rقوله: (للابتداء وتوكيد معنى القسم) أي الذي في ضمن أخذ الميثاق: فعلى هذا ليست هي مع مدخولها جواب القسم، بل جوابه لتؤمنن به كما سيذكره، وعلى هذا خبر المبتدأ محذوف كما سيأتي التنبيه عليه، وبقي احتمال آخر وهو أن هذه اللام هي جواب القسم، وإن قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ جواب قسم مقدر، وإن القسم المقدر وجوابه خبر المبتدأ، وعبارة السمين قوله: لَما آتَيْتُكُمْ قرأ العامة بفتح اللام، وفيه خمسة أوجه. إلى أن قال الثاني أن تكون اللام في لما جواب قوله ميثاق النبيين، لأنه جار مجرى القسم فهي لام الابتداء المتلقى بها القسم، وما مبتدأة موصولة، وآتيناكم صلتها والعائد محذوف، وقوله: لتؤمنن به جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر وجوابه خبر المبتدأ الذي هو لما آتيتكم، والهاء في به تعود على المبتدأ ولا تعود على رسول لئلا يلزم خلو الجملة الواقعة خبرا من رابط يربطها بالمبتدأ الثالث كما تقدم، إلا أن اللام في لما لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف وفي لتؤمنن جواب القسم، هذا كلام الزمخشري اهـ.\rوهذا الثالث هو الذي مشى عليه الجلال كما عرفت اهـ.\rقوله: (متعلقة بأخذ) أي على أنها للتعليل مع حذف مضاف من العبارة. أي لرعاية وحفظ ما آتيتكم أي لأجل ذلك اهـ سمين.\rقوله: (و ما موصولة على الوجهين) وعلى الأول هي مبتدأ، وقوله من كتاب وحكمة بيان لها، وآتيتكم صلتها والعائد مقدر كما في الشارح، وقوله: ثم جاءكم معطوف على الصلة فهو صلة، والعائد منه قيل مقدر أي جاءكم به، وقيل الربط حاصل بإعادة الموصول بمعناه في قوله لما معكم، والخبر محذوف تقديره تؤمنون به وتنصرونه. أي الرسول المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: (أي للذي) بفتح اللام وكسرها على ما تقدم.\rقوله: (جواب القسم) أي الذي في ضمن أخذ الميثاق، والضمير إن للرسول مع أن كون الكلام جواب القسم يقتضي أن يعود منه ضمير على الكتاب والحكمة، فليتأمل، وكذا يقال في الخبر المقدر حيث قدره تؤمنون به وتنصرونه، وجعلوا الضميرين للرسول مع أن المبتدأ بالحقيقة الكتاب والحكمة اهـ شيخنا.\rقوله: (في ذلك) أي الميثاق قوله: قالَ (تعالى لهم الخ) وعلى هذا فالاستفهام للتقرير والتوكيد عليهم لاستحالة معناه الحقيقي في حقه تعالى اهـ سمين.\rقوله: أَأَقْرَرْتُمْ بتحقيق الهمزتين مع إدخال ألف بينهما وتركه، وبتسهيل الثانية مع إدخال ألف","part":1,"page":446},{"id":450,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 447\rبذلك وَأَخَذْتُمْ قبلتم عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي عهدي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا على أنفسكم وأتباعكم بذلك وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) عليكم وعليهم\rفَمَنْ تَوَلَّى أعرض بَعْدَ ذلِكَ الميثاق فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82)\rأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ بالياء أي المتولون والتاء وَلَهُ أَسْلَمَ انقاد مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً بلا إباء وَكَرْهاً بالسيف ومعاينة ما يلجىء بينها وبين الأولى المحققة وتركه، وبإبدال الثانية ألفا ممدودة فالقراءات خمسة اهـ من الخطيب.\rقوله: (عهدي) سمي العهد إصرا لأنه يأصر أي يشد، وقرئ أصري بضم الهمزة وهي إما لغة فيه أو جمع أصار وهو ما يشد به اهـ أبو السعود.\rقوله: قالُوا أَقْرَرْنا استئناف مبني على سؤاله كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل: قالوا أقررنا، وكان الظاهر في الجواب أن يقال أقررنا وأخذنا إصرك، فلم يذكر الثاني اكتفاء بالأول اهـ شيخنا.\rقوله: فَاشْهَدُوا (على أنفسكم) أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وقيل الخطاب للملائكة: وقوله: مِنَ الشَّاهِدِينَ أي أنا على إقراركم وتشاهدكم شاهد وهو توكيد وتحذير عظيم اهـ أبو السعود. قوله: مِنَ الشَّاهِدِينَ هذاهو الخبر لأنه محط الفائدة، وأما قوله: مَعَكُمْ فيجوز أن يكون حالا أي وأنا من الشاهدين مصاحبا لكم، ويجوز أن يكون منصوبا بالشاهدين ظرفا له عند من يرى تجويز ذلك، ويمتنع أن يكون هو الخبر إذ الفائدة به غير تامة في هذا المقام، والجملة من قوله:\rوَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ يجوز أن لا يكون لها محل لاستئنافها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل فاشهدوا اهـ سمين.\rقوله: فَمَنْ تَوَلَّى يجوز أن تكون من شرطية والفاء في فأولئك جوابها، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط، والفعل بعدها على الأول في محل جزم، وعلى الثاني لا محل له لكونه صلة، وأما فأولئك ففي محل جزم أيضا على الأول، ورفع على الثاني لوقوعه خبرا، وهم يجوز أن يكون فصلا وأن يكون مبتدأ وهذه الإشارة واضحة مما تقدم اهـ سمين.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن الإيمان وأعاد الضمير في تولى مفردا على لفظ من، وجمع أولئك حملا على المعنى اهـ كرخي.\rقوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وذلك أن أهل الكتاب ادعى كل فريق منهم أنه على دين إبراهيم، فاختصموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «كلا للفريقين بريء من دين إبراهيم» اهـ خازن.\rقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جملة حالية أي كيف يبغون غير دينه، والحال هذه اهـ سمين.\rقوله: (انقاد) أي لما قضى عليهم من المرض والصحة والسعادة والشقاوة ونحو ذلك اهـ رازي.\rقوله: طَوْعاً راجع لأهل السماء، وبعض أهل الأرض، وقوله: (وَ كَرْهاً راجع لبعض أهل الأرض كما يستفاد من الخازن اهـ شيخنا.","part":1,"page":447},{"id":451,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 448\rإليه وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) بالتاء والياء والهمزة للإنكار\rقُلْ لهم يا محمد آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ أولاده وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالتصديق والتكذيب وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) مخلصون في العبادة، ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار\rوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ وطوعا وكرها مصدران في موضع الحال، والتقدير طائعين وكارهين اهـ سمين.\rقوله: (و معاينة ما يلجىء إليه) أي إلى الإسلام كنتق الجبل، وإدراك الغرق فرعون وقومه والإشراف على الموت أي بقوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: 84] فالمراد بهذا الانقياد لما قدره عليهم من الحياة والصحة والسعادة وأضدادها فلا يرد كيف قال: وَلَهُ أَسْلَمَ الآية مع أن أكثر الإنس والجن كفرة اهـ كرخي.\rقوله: (و الهمزة للإنكار) أي التوبيخي، وقدم المفعول لأنه المقصود إنكاره اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ لما ذكر أخذ الميثاق على الأنبياء أمر نبيه بأن يقول هو وأصحابه آمنا باللّه الخ، وإنما وحد الضمير في قوله: قُلْ وجمعه في قوله آمنا لأن المقام الأول مقام تبليغ وهو ليس إلا له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمقام الثاني يصلح له ولغيره، والمراد آمنا باللّه وحده، لا كما آمن أهل الكتاب به على وجه التثليث وغيره، وعدى الإنزال هنا بعلى، وفي البقرة بإلى، لأنه يصح تعديته بكل، فله جهة علو باعتبار ابتدائه وانتهاء باعتبار آخره وهو باعتبار ابتدائه متعلق بالنبي، وباعتبار انتهائه متعلق بالمكلفين، ولما خص الخطاب هنا بالنبي ناسب الاستعلاء، ولما عم هناك جميع المؤمنين ناسبه الانتهاء اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ الخ إنما خص هؤلاء بالذكر، لأن أهل الكتاب يعترفون بكتبهم وبنبوتهم اهـ خازن.\rقوله: وَالْأَسْباطِ وكانوا اثني عشر، وقوله: (أولاده) أي أولاد يعقوب، وهم بالنسبة لإبراهيم أحفاده، لأنهم أولاد ولده، فالمراد بالأسباط هنا الأحفاد لا المعنى اللغوي وهم أولاد البنات اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُوتِيَ مُوسى الخ أي من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة على أيديهم، كما ينبىء عنه إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالتصديق والتكذيب) أي كما فعل أهل الكتاب اهـ.\rقوله: (مخلصون في العبادة) أي لا كما فعل أهل الكتاب اهـ.\rقوله: (فيمن ارتد) وكانوا اثني عشر رجلا ارتدوا وخرجوا من المدينة، وأتوا مكة كفارا منهم الحرث ابن سويد الأنصاري اهـ خازن.\rقوله: يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ العامة على إظهار هذين المثلين، لأن بينهما فاصلا فلم يلتقيا في الحقيقة، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم. وروي عن أبي عمرو فيها الوجهان: الإظهار على الأصل، ولمراعاة الفاصل الأصلي والإدغام مراعاة للفظ إذ يصدق أنهما التقيا في الجملة لأن ذلك","part":1,"page":448},{"id":452,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 449\rالْخاسِرِينَ (85) لمصيره إلى النار مؤبدة عليه\rكَيْفَ أي لا يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أي وشهادتهم أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ قد جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرات على صدق النبي وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أي الكافرين\rأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)\rخالِدِينَ فِيها أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) يمهلون\rإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم الفاصل مستحق الحذف لعامل الجزم، وليس هذا مخصوصا بهذه الآية، بل كلما التقى فيه مثلان بسبب حذف حرف العلة اقتضت ذلك. يجري فيه الوجهان نحو: يخل لكم وجه أبيكم، وإن يك كاذبا، وقد استشكل على هذا نحو: يا قوم ما لي أدعوكم، ويا قوم من ينصرني من اللّه فإنه لم يرد عن أبي عمرو خلاف في إدغامهما، وكان القياس يقتضي جواز الوجهين، لأن ياء المتكلم فاصلة تقديرا اهـ سمين.\rقوله: دِيناً فيه ثلاثة أوجه. أحدها: أنه مفعول يبتغ وغير الإسلام حال، لأنها في الأصل صفة له، فلما قدمت نصبت حالا. الثاني: أن يكون تمييزا لغير لإبهامها فميزت كما ميزت مثل وشبه وأخواتهما وسمع من العرب أن لنا غيرها إبلا وشاء. والثالث: أن يكون بدلا من غير اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الْخاسِرِينَ من الخسران، وهو العقاب وحرمان الثواب اهـ شيخنا.\rقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ الخ نزلت في شأن الذين ارتدوا ولحقوا بمكة اهـ خازن.\rقوله: (أي لا) أشار به إلى أن الاستفهام هنا للإنكار، ويجوز أن يكون للتعجب والتعظيم لكفرهم بعد الإيمان، أو للاستبعاد والتوبيخ، فإن الجاحد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن الرشاد، فليس للإنكار حتى يستدل به على عدم توبة المرتد، وإن كان إنكارا فالاستشهاد يمنعه اهـ كرخي.\rقوله: (أي وشهادتهم) أشار بهذا إلى أن الفعل أي قوله: وشهدوا معطوف على الاسم الذي هو الإيمان، وأن هذا الفعل المعطوف في تأويل الاسم، وعبارة السمين قال أبو البقاء: التقدير بعد أن آمنوا وإن شهدوا فيكون في موضع جر اهـ يعني أنه في تأويل مصدر معطوف على المصدر الصريح المجرور بالظرف اهـ.\rقوله: وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الواو للحال كما أشار له بتقدير قد. قوله: (الكافرين) أي الأصليين والمرتدين، فهذا أعم من قوله: كيف يهدي اللّه الخ فلا تكرار اهـ خازن.\rقوله: أُولئِكَ أي المرتدون فقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اعتراض اهـ أبو السعود، وأولئك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وأن عليهم خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول اهـ.\rقوله: (المدلول بها) أي باللعنة عليها أي النار اهـ.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا الخ نزلت في الحرث بن سويد الأنصاري، فإنه لما لحق مكة مرتدا ندم على ذلك، فأرسل إلى قومه بالمدينة أن يسألوا النبي هل له من توبة ففعلوا، فأنزل هذه الآية، فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا فقبله النبي وحسن إسلامه اهـ خازن.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 449\r\rله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا الخ نزلت في الحرث بن سويد الأنصاري، فإنه لما لحق مكة مرتدا ندم على ذلك، فأرسل إلى قومه بالمدينة أن يسألوا النبي هل له من توبة ففعلوا، فأنزل هذه الآية، فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا فقبله النبي وحسن إسلامه اهـ خازن.","part":1,"page":449},{"id":453,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 450\rرَحِيمٌ (89) بهم، ونزل في اليهود\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى بَعْدَ إِيمانِهِمْ بموسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إذا غرغروا وماتوا كفارا وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ مقدار ما يملؤها ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أدخل الفاء في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذانا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر أُولئِكَ وهذا شروع في بيان تقسيم الكفار إلى ثلاثة أقسام: قسم تاب توبة صحيحة فنفعته كما هنا، وقسم تاب توبة فاسدة فلم تنفعه كما سيأتي في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [آل عمران: 90] الخ، وقسم لم يتب أصلا كما يأتي في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية اهـ شيخنا.\rقوله: غَفُورٌ (لهم) أي في الدنيا بالستر على قبائحهم رَحِيمٌ في الآخرة بالعفو عنها اهـ خازن.\rقوله: (بعيسى) أي والإنجيل، وقوله بموسى أي والتوراة، وقوله بمحمد أي والقرآن اهـ.\rقوله: كَفَرُوا تمييز منقول عن الفاعلية، والأصل ثم ازداد كفرهم. كذا أعربه أبو حيان وفيه إذ المعنى على أنه مفعول به مفعول به، وذلك أن الفعل المتعدي لاثنين إذا جعل مطاوعا نقص مفعولا، وهذا من ذلك لأن الأصل زدت زيدا خيرا فازداده، وكذلك أصل الآية الكريمة زادهم اللّه كفرا فازدادوه اهـ كرخي.\rقوله: (إذا غرغروا الخ) جواب عما يقال ان توبة الكافر مقبولة كما هو مقرر في الفروع، ودلت عليه الآية السابقة: إلا الذين تابوا الخ، وحاصل الجواب أن توبته إنما تقبل إذا كانت صحيحة، ومن شروط صحتها أن لا يصل إلى حد الغرغرة، فإن لم تصح فهي غير مقبولة كما هنا اهـ شيخنا.\rقوله: (و ماتوا كفارا) بأن تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب، كما أشير له بقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا [السجدة: 32] الخ وبقوله: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: 85] اهـ شيخنا.\rقوله: هُمُ الضَّالُّونَ أي المتناهون في الضلال اهـ.\rقوله: مِلْءُ الْأَرْضِ أي مشرقها ومغربها. وقوله: ذَهَباً أي مع أنه أعز الأشياء وقيمة كل شيء اهـ.\rقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تصدق به في الدنيا، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة اهـ أبو السعود.\rأو المراد بالواو التعميم في الأحوال، كأنه قيل: لن يقبل منهم في جميع الأحوال، ولو في حال افتدائه نفسه في الآخرة، وقيل: هي زائدة كما قرئ شاذا بإسقاطها، ومفعول افتدى محذوف أي ولو افتدى نفسه اهـ شيخنا.\rقوله: (لشبه الذي الخ) فيه حكاية بالمعنى إذ المذكور في الآية الذين لكن حكمها واحد اهـ.\rقوله: (عن الموت على الكفر) أي الذي هو معطوف على الصلة فهو من جملة المبتدأ، ولما لم","part":1,"page":450},{"id":454,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 451\rلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) مانعين منه\rلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي ثوابه وهو الجنة حَتَّى تُنْفِقُوا تصدقوا مِمَّا تُحِبُّونَ من أموالكم وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) فيجازي عليه.\rونزل لما قال اليهود إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبانها\rكُلُ يقع مثل هذا العطف في الآية التي قبلها لم يقترن خبر إنّ بالفاء، لأن الكفر في حد ذاته ليس سببا في عدم قبول التوبة، بل السبب مجموعه هو والموت عليه اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يجوز أن يكون لهم خبرا لاسم الإشارة، وعذاب فاعل به وعمل لاعتماده على ذي خبر. أي أولئك استقر لهم عذاب، وأن يكون لهم خبرا مقدما وعذاب مبتدأ مؤخرا، والجملة خبر عن اسم الإشارة، والأول أحسن لأن الاخبار بالمفرد أقرب من الاخبار بالجملة، والأول من قبيل الاخبار بالمفرد اهـ سمين.\rقوله: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يجوز أن يكون من ناصرين فاعلا، وجاز عمل الجار لاعتماده على حرف النفي أي وما استقر لهم من ناصرين، والثاني: أنه خبر مقدم، ومن ناصرين مبتدأ مؤخر، ومن مزيدة على الإعرابين لوجود الشرطين في زيادتها وأتى بناصرين جمعا لتوافق الفواصل اهـ سمين.\rقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ الخ مستأنف لبيان ما ينفع المؤمنين، ويقبل منهم أثر بيان ما لا ينفع الكفار، ولا يقبل منهم اهـ أبو السعود.\rوالنيل: إدراك الشيء ولحوقه، وقيل هو العطية، وقيل هو تناول الشيء باليد، يقال: نلته أناله نيلا. قال تعالى: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة: 120] وأما النول بالواو فمعناه التناول. يقال:\rنلته أنوله أي تناولته، وأنلته زيدا أنيله إياه أي ناولته إياه، وقوله: حَتَّى تُنْفِقُوا بمعنى إلى أن تنفقوا ومن في مما تحاسبون تبعيضية اهـ سمين.\rقوله: (أي ثوابه) أي ثواب البر، والبر فعل الخيرات، ففي الآية حذف المضاف اهـ شيخنا.\rقوله: (تصدقوا) مضارع بحذف إحدى التاءين إن قرئ بالتخفيف، وبدون حذف إن قرئ بالتشديد، فعليه تكون التاء الثانية أدغمت في الصاد بعد قلبها صادا اهـ شيخنا.\rقوله: (من أموالكم) أي وغيرها كعلمكم وجاهكم، وعبارة البيضاوي مما تحبون أي من المال أو مما يعمه وغيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة اللّه، والمهجة في سبيله اهـ.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ تعليل للجواب المحذوف واقع موقعه أي: فيجازيكم بحسبه جيدا كان أو رديئا، فإنه عالم بكل شيء من ذلك، وصفاته وفيه الترغيب في إنفاق الجيد والتحذير عن إنفاق الرديء ما لا يخفى اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نزل لما قال اليهود الخ) عبارة الخازن سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم:\rإنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكل ذلك كله فلست على ملته الخ، انتهت.","part":1,"page":451},{"id":455,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 452\rالطَّعامِ كانَ حِلًّا حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ يعقوب عَلى نَفْسِهِ وهو الإبل لما حصل له عرق النسا بالفتح والقصر فنذر إن شفي لا يأكلها فحرم عليه مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قوله: (و ألبانها) أي ولا يشرب ألبانها. قوله: كانَ حِلًّا الحل لغة في الحلال، كما أن الحرم لغة في الحرام اهـ.\rقوله: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ مستثنى من اسم كان، وجوز أبو البقاء أن يكون مستثنى من ضمير مستتر في حلّا لأنه استثناء من اسم كان، والعامل فيه كان، ويجوز أن يعمل فيه، ويكون فيه ضمير يكون الاستثناء منه، لأنه حلا وحلالا في موضع اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح، وفي هذا الاستثناء قولان أحدهما: أنه متصل والتقدير إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فحرم عليهم في التوراة، فليس منها ما زادوه من محرمات وادعوا صحة ذلك. والثاني: أنه منقطع والتقدير لكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم، والأول هو الصحيح اهـ سمين.\rقوله: (عرق النسا) بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ اهـ كرخي.\rودواؤه ما ذكره القرطبي ونصه: وأخرج الثعلبي في تفسيره من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «في عرق النسا تؤخذ ألية كبش عربي لا صغير ولا كبير، فتقطع قطعا صغارا وتسلى بالنار ويؤخذ دهنها، فيجعل ثلاثة أقسام يشرب المريض بذلك الداء على الريق كل يوم ثلثا». قال أنس؛ فوصفته لأكثر من مائة كلهم يبرأ بإذن اللّه تعالى اهـ.\rقوله: (فنذر إن شفي) ولعل هذا النذر كان منعقدا في شريعته، فنذر أن لا يأكل أحب الطعام إليه، ولا يشرب أحب الشراب إليه، وكان أحب الطعام عنده لحم الإبل، وأحب الشراب عنده لبنها، فحرمها على نفسه فحرما على بنيه تبعا له. وفي رواية أنه نذر إن شفي أن لا يأكلهما وهو ولا بنوه، فنذر عدم أكله هو وعدم أكل بنيه اهـ قرطبي.\rوعلى هذا يكون تحريمها على بنيه ناشئا من نذره أيضا اهـ.\rقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ متعلق بقوله كان حلا، ولا ضير في توسط الاستثناء بينهما إذ هو فصل جائز، وذلك على مذهب الكسائي، وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفا أو مجرورا أو حالا، وقيل: متعلق بحرم، وفيه أن تقييد تحريمه عليه السّلام بقبلية تنزيل التوراة ليس فيه مزيد فائدة أي كان ما عدا المستثنى حلالا لهم قبل نزولها مشتملة على تحريم أمور أخر حرمت بسبب ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:\r146] الآية اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي من قبل أن تنزل التوراة أي من قبل إنزالها مشتملة على تحريم ما حرم عليهم بظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدا، وذلك رد على اليهود في دعوى البراءة عما نعى عليهم في قوله:\rفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ [النساء: 160] وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: 146] الآيتين بأن قالوا لسنا أول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده، حتى انتهى الأمر إلينا كما حرمت على من قبلنا اهـ.","part":1,"page":452},{"id":456,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 453\rوذلك بعد إبراهيم، ولم تكن على عهده حراما كما زعموا قُلْ لهم فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها ليتبين صدق قولكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فيه فبهتوا ولم يأتوا بها قال تعالى\rفَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) المتجاوزون الحق إلى الباطل\rقُلْ صَدَقَ اللَّهُ في هذا كجميع ما أخبر به فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ التي أنا عليها حَنِيفاً مائلا عن كل دين إلى الإسلام وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) ونزل لما قالوا قبلتنا قبل قبلتكم\rإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ متعبدا لِلنَّاسِ في الأرض لَلَّذِي بِبَكَّةَ بالباء لغة في مكة سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها بناه الملائكة قوله: (و ذلك بعد إبراهيم) أي بألف سنة وقوله: (و لم تكن) أي الإبل قوله: (فيه) أي في قولكم، وقوله: (فبهتوا) أي لأنهم يعلمون أن تحريم الإبل فيها إنما كان على عهد يعقوب لا على عهد إبراهيم فهي شاهدة عليهم، فلذلك لم يأتوا بها اهـ وبهت: فعل ماض على صورة المبني للمفعول، والمراد منه بناء الفاعل فالواو فاعل ومعناه دهشوا وتحيروا وانقطعوا عن الجواب. وفي القاموس:\rالبهت الانقطاع والحيرة وفعلهما كعلم ونصر وكرم وزهي واسم الفاعل مبهوت لا باهت ولا بهيت اهـ.\rقوله: فَمَنِ افْتَرى فيه مراعاة لفظ من وفي قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ مراعاة معناها، والافتراء اختلاق الكذب وأصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي قوله: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي ابتدعه على اللّه بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم اهـ.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فيه وجهان أحدهما: أن يتعلق بافترى، وهذاهو الظاهر، والثاني: جوزه أبو البقاء وهو أن يتعلق بالكذب يعني الكذب الواقع بعد ذلك، وهذه الجملة أعني قوله: فَمَنِ افْتَرى يجوز أن تكون استئنافية فلا محل لها من الإعراب، ويجوز أن تكون منصوبة المحل نسقا على قوله فأتوا، فتندرج في القول، ومن يجوز أن تكون شرطية أو موصولة اهـ سمين.\rقوله: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ وهي الإسلام الذي عليه محمد، وإنما دعاهم إلى ملة إبراهيم لأنها ملة محمد اهـ خازن.\rوقد أشار لذلك الشارح بقوله التي أنا عليها قوله: (التي أنا عليها) أي فتكونوا متبعين لي. قوله:\rوَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي في أمر من أمور دينه أصلا وفرعا، وفيه تعريض بإشراك اليهود، وتصريح بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعا، والغرض بيان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سواه سبحانه وتعالى اهـ كرخي.\rقوله: (نزل لما قالوا) أي اليهود للمسلمين الخ، ومرادهم بذلك تفضيل بيت المقدس، فقالوا:\rهو أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وقبلتهم وأرض المحشر، فقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل اللّه الآية اهـ خازن.\rقوله: (لغة في مكة) أي بقلب الميم باء، وسميت مكة لأنها قليلة الماء. تقول العرب: مكّ","part":1,"page":453},{"id":457,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 454\rقبل خلق آدم ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين، وفي الحديث «أنه أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض زبدة بيضاء فدحيت الأرض من تحته» مُبارَكاً حال من الذي أي ذا بركة وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) لأنه قبلتهم\rفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ منها مَقامُ إِبْراهِيمَ أي الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت فأثر قدماه فيه وبقي الفصيل ضرع أمه وأمكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن، وقيل: إنها تمك الذنوب أي تزيلها وتمحوها اهـ خازن.\rقوله: (لأنها تبك أعناف الجبابرة) في المختار لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة، وهذا الفعل من باب رد اهـ. وبكها لأعناقهم كناية عن إهلاكهم وإذلالهم اهـ.\rقوله: (بناه الملائكة الخ) وذلك أن اللّه وضع تحت العرش البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتا في الأرض على مثاله وقدره، فبنواهذا البيت وأمروا أن يطوفوا به كما يطوف أهل السموات بالبيت المعمور اهـ خازن.\rقوله: (قبل خلق آدم) أي بألفي عام. قوله: (و بينهما أربعون سنة) هذا يقتضي أن الأقصى بنته الملائكة أيضا لما عرفت أن بناء الكعبة كان قبل خلق آدم بألفي عام، وإذا كان بين بناء الكعبة والأقصى في أصل الوضع أربعون سنة لزم أن يكون الذي بنى الأقصى هم الملائكة، لأن ذاك الوقت لم يكن آدم قد خلق اهـ شيخنا.\rلكن المصرح به في السير أن آدم بنى الكعبة بعد بناء الملائكة، ثم بنى الأقصى وبين بنائهما أربعون سنة اهـ.\rقوله: (إنه أول ما ظهر) أي مكانه لا البناء القائم، وقوله زبدة حال أي حال كونه رغوة بيضاء، وذلك لأن أول ما خلق اللّه الماء، ثم خلق الريح فصار ينسف الماء حتى اجتمع منه على وجه الماء رغوة، وهي المسماة بالزبدة، ثم دحيت الأرض ومدت من تحتها. وفي المصباح: الزبد بفتحتين من البحر وغيره كالرغوة، وأزبد إزبادا قذف بزبده والزبد وزن قفل ما يستخرج بالمخلص من لبن البقر والغنم، وأما لبن الإبل فلا يسمى ما يستخرج منه زبدا بل يقال له حباب، والزبدة أخص من الزبد، وزبدت الرجل زبدا من باب قتل أطعمته الزبد، ومن باب ضرب أعطيته ومنحته، ونهى عن زبد وبدّ المشركين أي عن قبول ما يعطون اهـ.\rقوله: (فدحيت الأرض) أي بسطت. قوله: (حال من) أي الواقع خبر إن، ويصح أن يكون حالا من الضمير المستكن في متعلق الجار والمجرور الذي هو صلة الموصول أي للذين كائن هو بمكة حال كونه مباركا وهدى اهـ.\rقوله: فِيهِ آياتٌ أي دلائل واضحات على حرمته أي احترامه ومزيد فضله اهـ خازن.\rوهذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب لبيان وتفسير بركته وهداه اهـ سمين.\rقوله: مَقامُ إِبْراهِيمَ أي، ومنها أمن من دخله، ومنها غير هذين كما ذكره الشارح وغيره،","part":1,"page":454},{"id":458,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 455\rإلى الآن مع تطاول الزمان وتداول الأيدي عليها ومنها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً لا يتعرض إليه بقتل أو ظلم أو غير ذلك وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ واجب فليست محصورة في هذين اهـ شيخنا.\rوقال ابن عطية: والراجح عندي أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالا لما في حرم اللّه تعالى من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار. إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة اهـ سمين.\rوالجملة من حيث اللفظ مستأنفة، ومن حيث المعنى معطوفة على مقام إبراهيم الذي هو مبتدأ محذوف الخبر أي: ومنها أمن من دخله اهـ.\rقوله: (فأثر قدماه فيه) أي وغاصتا إلى الكعبين اهـ خازن.\rقوله: (و أن الطير لا يعلوه) أي بل إذ قابل هواءه وهو في الجو انحرف عنه يمينا أو شمالا، ولا يستطيع أن يقطع هواءه الا إذا حصل له مرض فيدخله هواءه للتداوي اهـ خازن.\rقوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قيل: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران: 96] موجودة في كل الحرم دلّ على المراد من هذا الضمير جميع الحرم ويدل عليه دعوة إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: 35] اهـ خازن.\rقوله: (لا يتعرض إليه بقتل) أي ولو قصاصا. هكذا كان حاله في الجاهلية، فكان الرجل يقتل ويدخل الحرم فلا يتعرض إليه أحد ما دام فيه، وأما بعد الإسلام فالحكم أن القاتل إن قتل فيه اقتص منه فيه إجماعا، وأما إن قتل خارجه ودخله فلا يقتص منه أيضا ما دام فيه عند أبي حنيفة ويقتص منه وهو فيه عند غيره كالشافعي اهـ خازن. وعبارة أبي السعود.\rوعبارة أبي السعود: ومعنى أمن داخله أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [العنكبوت: 67] ويتخطف الناس من حولهم، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السّلام رب اجعل هذا البلد آمنا، وكان الرجل إذا أجرم كل جريمة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي اللّه عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، ولذلك قال أبو حنيفة رحمة اللّه:\rمن لزمه القتل في الحل بقصاص، أو ردّة، أو زنا، فالتجأ إلى الحرم لم يعترض له، إلا أنه لا يؤوى، ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل: المراد أمنه من النار. وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا». وعنه عليه الصلاة والسّلام: «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة». وعن ابن مسعود: وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال: «يبعث اللّه تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر». وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام» انتهت بالحرف.\rقوله: (أو ظلم) كخطف الأموال الذي كان يفعله أهل الجاهلية مع غير من يدخل الحرم، واما","part":1,"page":455},{"id":459,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 456\rبكسر الحاء وفتحها لغتان في مصدر حج بمعنى قصد ويبدل من الناس مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا طريقا فسره صلّى اللّه عليه وسلّم بالزاد والراحلة رواه الحاكم وغيره وَمَنْ كَفَرَ باللّه أو بما فرضه من الحج فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم\rقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ القرآن وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) فيجازيكم عليه\rقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ هو فكانوا لا يخطفون منه شيئا، وقوله أو غير ذلك كإغارة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِلَّهِ خبر مقدم متعلق بمحذوف أي واجب، كما قدر الشارح، وعَلَى النَّاسِ متعلق بهذا المحذوف، حِجُّ الْبَيْتِ مبتدأ مؤخر، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله: مَنِ اسْتَطاعَ، لأنه من المخصصات عند الأصوليين، والضمير فيه مقدر أي من استطاع منهم، وقوله إِلَيْهِ أي إلى حج البيت، لأنه المحدث عنه، وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت، لكن الأول أولى اهـ شيخنا.\rقوله: (لغتان) أي وقراءتان سبعيتان. قوله: (و يبدل من الناس) أي بدل بعض واشتمال، ولا بد في كل منهما من ضمير يعود على المبدل منه وهو مقدر هنا تقديره من استطاع منهم اهـ سمين.\rقوله: (فسره) أي فسر الطريق على حذف مضاف أي استطاعته كما صرح به في بعض العبارات، وقوله: (بالزاد والراحلة) فلا يجب المشي عند الشافعي، وإن قدر عليه اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ كَفَرَ يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، يجوز ان تكون موصولة ودخلت الفاء تشبيها للموصول باسم الشرط، وقد تقدم تقرير غير مرة ولا يخفى حال الجملتين بعدها بالاعتبارين المذكورين، ولا بد من رابط بين الشرط والجزاء، أو المبتدأ وخبره، ومن جواز إقامة الظاهر مقام المضمر اكتفى بذلك في قوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ كأنه قال غني عنهم اهـ سمين.\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي الدالة على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أن كفرهم أوضح، وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما اهـ خطيب.\rقوله: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ الخ أي والحال. قوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ الخ أمر بتوبيخهم بإضلال غيرهم بعد توبيخهم بضلالهم اهـ.\rقوله: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدهم عن الإسلام، ويقولون: إن صفة محمد ليست في كتابنا ولا تقدمت به بشارة اهـ أبو السعود.\rولم متعلق بالفعل بعده، ومن آمن مفعوله وقوله تبغونها يجوز أن يكون جملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك، وأن يكون في محل نصب على الحال، وهو أظهر من الأول، لأن الجملة الاستفهامية السابقة جيء بعدها بجملة حالية أيضا وهي قوله: وأنتم تشهدون، فتتفق الجملتان في انتصاب الحال عن كل","part":1,"page":456},{"id":460,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 457\rتصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه مَنْ آمَنَ بتكذيبكم النبيّ وكتم نعته تَبْغُونَها أي تطلبون السبيل عِوَجاً مصدر بمعنى معوجة أي مائلة عن الحق وَأَنْتُمْ شُهَداءُ عالمون بأن الدين المرضي القيم هو دين الإسلام كما في كتابكم وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) من الكفر والتكذيب وإنما يؤخركم إلى وقتكم ليجازيكم. ونزل لما مرّ بعض اليهود على الأوس والخزرج فغاظه منهما. ثم إذا قلنا بأنها حال ففي صاحبها احتمالان، أحدهما: أنه فاعل تصدرون. والثاني: أنه سبيل اللّه، والهاء في تبغونها عائدة على سبيل والسبيل يذكر ويؤنث كما تقدم، ومن التأنيث هذه الآية وقوله تعالى هذه سبيلي وقول الشاعر:\rفلا تبعد فكل فتى أناس ... سيصبح سالكا تلك السبيلا\r\rاه سمين.\rقوله: مَنْ آمَنَ مفعول تصدون وقوله: (بتكذيبكم) متعلق بيتصدون والباء سببية، والمراد من آمن بالفعل أو من أراد الإيمان من الكفار. وعبارة الخطيب: وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدهم عن دين اللّه ويمنعون من أراد الدخول فيه، انتهت.\rقوله: تَبْغُونَها عِوَجاً بأن تلبسوا على الناس وتوهموهم أن فيه ميلا عن الحق بنفي النسخ، وتغيير صفة الرسول عن وجهها ونحو ذلك اهـ أبو السعود.\rوعوجا حال بدليل قول الشارح معوجة، وإن كان يحتمل المفعولية، وأن الهاء في تبغونها على تقدير التعليل أي تبغون لأجلها عوجا اهـ. والعوج بالكسر، والعوج بالفتح الميل، ولكن العرب فرقوا بينهما فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان تقول في دينه وكلامه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. وقال أبو عبيدة: العوج بالكسر: الميل في الدين والكلام والعمل، وبالفتح في الحائط والجزع. وقال أبو إسحاق: بالكسر فيما لا ترى له شخصا، وبالفتح فيما له شخص. وقال صاحب المجمل: بالفتح في كل منتصب كالحائط والعوج يعني بالكسر ما كان في بساط أو دين أو أرض أو معاش، فقد جعل الفرق بينهما بغير ما تقدم. وقال الراغب: العوج العطف من حال الانتصاب اهـ سمين.\rقوله: (و أنتم الشهداء) حال إما من فاعل تصدون وإما من فاعل تبغون وإما مستأنف وليس بظاهر وتقدم أن شهداء جمع شهيد أو شاهد اهـ سمين.\rقوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ الواو للحال، وفيه تهديد ووعيد شديد. قيل: لما كان صدهم للمؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حيلتهم من إحاطة علمه تعالى بأعمالهم، كما أن كفرهم بآيات اللّه تعالى، لما كان بطريق العلانية ختمت الآية السابقة بشهادته تعالى على ما يعملون اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نزل لما مر بعض اليهود) وهو شاس بشين معجمة، فألف فسين مهملة، ابن قيس.\rوعبارة الخازن قال زيد بن أسلم: مرّ شاس بن قيس اليهودي، وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين، فمر بنفر من الأوس والخزرج، وهم في مجلس يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من","part":1,"page":457},{"id":461,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 458\rتآلفهم فذكرهم بما كان بينهم في الجاهلية من الفتن فتشاجروا وكادوا يقتتلون\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100)\rوَكَيْفَ تَكْفُرُونَ استفهام تعجيب وتوبيخ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ يتمسك بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ ألفتهم، وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد واللّه ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا كان معه فقال: اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث، وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج قبل مبعثه صلّى اللّه عليه وسلّم بمائة وعشرين سنة وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، وغضب الفريقان جميعا، وقالا: السلاح السلاح موعدكم الظاهر، وهو الحرة فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم اللّه بالإسلام، وقطع عنكم إصر الجاهلية وألّف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا اللّه اللّه». فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا واعتنق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سامعين مطيعين. قال جابر: فما رأيت يوما أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم فأنزل اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني شاسا اليهودي وأصحابه اهـ.\rقوله: (فغاظه تآلفهم) أي وخاف من سطوتهم على اليهود. قوله: (فذكرهم) أي ليعودوا إلى ما كانوا فيه اهـ أبو السعود.\rوقوله: (فتشاجروا) أي الأوس والخزرج لما دخلت عليهم هذه الدسيسة، وقال الواحدي:\rاصطفوا للقتال فنزلت الآيات إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، فجاءهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى قام بين الصفين فقرأهن ورفع صوته، فلما سمعوا صوته أنصتوا له فلما فرغ ألقوا السلاح وجعلوا يبكون اهـ أبو السعود.\rقوله: يَرُدُّوكُمْ أي يصيروكم، فالكاف مفعول أول وكافرين مفعول ثان اهـ سمين.\rقوله: (استفهام تعجب) أي حمل المخاطبين على التعجب من هذه القصة. وقوله: (و توبيخ) أي وإنكار أيضا. وعبارة أبي السعود في توجيبه الإنكار، والاستبعاد إلى كيفية الكفر مبالغة، لأن كل موجود لا بدّ أن يكون وجوده على حال من الأحوال، فإذا أنكر ونفى جميع أحوال وجوده انتفى وجوده بالكلية على الطريق الرهاني، انتهت.\rقوله: وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ الخ جملة حالية من فاعل تكفرون وكذلك وفيكم رسوله. أي كيف يوجد منكم الكفر مع وجود هاتين الحالتين اهـ سمين.\rقوله: آياتُ اللَّهِ أي القرآن الذي فيه بيان الحق من الباطل، وفيكم رسوله الذي يبين الحق ويدفع الشبه، فكيف تدخل عليكم هذه الدسيسة مع وجود هذين الأمرين عندكم اهـ شيخنا.\rقوله: (يتمسك) بِاللَّهِ أي بحبله وهو القرآن وبين بذلك المراد بالعصمة هنا يقال عصمه اللّه","part":1,"page":458},{"id":462,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 459\rمُسْتَقِيمٍ (101)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا رسول اللّه ومن يقوى على هذا فنسخ بقوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) موحدون\rوَاعْتَصِمُوا تمسكوا بِحَبْلِ اللَّهِ أي دينه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا بعد الإسلام وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنعامه عَلَيْكُمْ يا معشر الأوس والخزرج إِذْ كُنْتُمْ تعالى حفظه واعتصم بِاللَّهِ أي امتنع بلطفه من المعصية، وقد وقع ذلك في القرآن اهـ كرخي.\rقوله: فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى طريق واضح وهو الحق المؤدي إلى الجنة اهـ خازن.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ لما بين ضلال الكفار في أنفسهم وإضلالهم لغيرهم، شرع في بيان تكميل المؤمنين لأنفسهم بهذه الآية، ولغيرهم بقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: حَقَّ تُقاتِهِ تقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. إذ الأصل اتقوا اللّه التقاة الحق أي الثابتة، كقوله: ضربت زيدا أشد الضرب تريد الضرب الشديد، وقد تقدم تحقيق كون تقاة مصدرا في أول السورة اهـ سمين.\rقوله: (بأن يطاع فلا يعصى) أي إلا لنسيان وكذا يقال فيما بعده اهـ خازن. قوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هو نهي في الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة، والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بدّ منه، فكأنه قيل: دوموا على الإسلام إلى الموت وقريب منه ما حكي عن سيبويه لا أرينك ههنا أي لا تكن بالحضرة فيقع عليك رؤيتي، والجملة من قوله: وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ في محل نصب على الحال، والاستثناء مفرغ من الأحوال العامة أي لا تموتن على حالة من سائر الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة، وجاءت الحال جملة اسمية لأنها أبلغ وآكد، إذ فيها ضمير متكرر، ولو قيل:\rإلا المسلمين لم يفد هذا التأكيد. وتقدم إيضاح هذا التركيب في البقرة عند قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132] اهـ سمين. فائدة: قال السيوطي في التحبير: ومن عجيب ما اشتهر في تفسير مسلمون قول العوام أي متزوجون، وهو قول لا يعرف له أصل، ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام اللّه تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عمدة عليه اهـ.\rقوله: (أي دينه) أي أو كتابه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «القرآن حبل اللّه المتين» رواه الحاكم وصححه. استعار له الحبل من حيث التمسك به سبب للنجاة عن التردي كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردي والاعتصام للوثوق به، والاعتماد عليه ترشيحا للمجاز، وظاهر هذا أن الاستعارة في الآية يجوز أن تكون استعارتين استعارة الحبل للدين أو للكتاب فتكون استعارة مصرحة تبعية تحقيقية، والقرينة الإضافية إلى اللّه تعالى، واستعارة الاعتصام للوثوق به والتمسك به، فتكون استعارة مصرحة تبعية تحقيقية، والقرينة اقترانها بتلك الاستعارة اهـ كرخي.\rوقوله: جَمِيعاً حال من الواو أي مجتمعين على الإسلام فقوله: ولا تفرقوا تأكيد له. شيخنا.\rقوله: وَلا تَفَرَّقُوا أصله تتفرقوا فحذف إحدى التاءين وقوله بعد الإسلام أي، وأما قوله:\rوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً فهو نهي عن التفرق في الابتداء، فيكون العطف للمغايرة اهـ.","part":1,"page":459},{"id":463,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 460\rقبل الإسلام أَعْداءً فَأَلَّفَ جمع بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بالإسلام فَأَصْبَحْتُمْ فصرتم بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً في الدين والولاية وَكُنْتُمْ عَلى شَفا طرف حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالإيمان كَذلِكَ كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)\rوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ الإسلام وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ قوله: (إنعامه عليكم) أي لأن الشكر على الفعل أبلغ من الشكر على أثره. وأشار الشيخ المصنف إلى أنه أراد عداوة الأوس مع الخزرج في الجاهلية قبل الإسلام بمائة وعشرين سنة اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ كُنْتُمْ ظرف لقوله نعمة اللّه اهـ.\rقوله: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أي التي هي التأليف، وقوله: وَكُنْتُمْ أي والحال أنكم كنتم مشرفين على الوقوع في النار لكفركم، ففي الكلام تشبيه أي كان حالكم كحال من مرّ على طرف حفرة من النار متهيء للسقوط فيها اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى شَفا حُفْرَةٍ في المصباح: وشفا كل شيء جرفه مثل النوى اهـ. وفي السمين الشفا: طرف الشيء وحرفه، وهو مقصور من ذوات الواو يثنى بالواو نحو شفوان، ويكتب بالألف ويجمع على إشفاء، ويستعمل مضافا إلى أعلى الشيء وإلى أسفله، فمن الأول شفا جرف، ومن الثاني هذه الآية وأشفى على كذا أي قاربه، ومنه أشفى المريض على الموت. قال يعقوب: يقال للرجل عند موته وللقمر عند انمحاقه وللشمس عند غروبها ما بقي منه أو منها إلا شفا أي إلا قليل. قال بعضهم:\rيقال لما بين الليل والنهار عند غروب الشمس إذا غاب بعضها شفا اهـ.\rقوله: فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها أي من الشفا لأنه المحدث عنه وتأنيث لضمير لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه اهـ.\rقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ الخ يحتمل أنها تامة، فجملة يدعون الخ صفة لأمة، ويحتمل أنها ناقصة فتكون الجملة المذكورة خبرها اهـ.\rوعبارة السمين: يجوز أن تكون تامة أي لتوجد منكم أمة فتكون أمة فاعلا ويدعون جملة في محل رفع صفة لأمة، ومنكم متعلق بيكن على أنها تبعيضية، ويجوز أن تكون من للبيان لأن المبين، وإن تأخر لفظا فهو مقدم رتبة، ويجوز أن تكون الناقصة وأمة اسمها ويدعون خبرها، ومنكم متعلق إما بالكون، وإما بمحذوف على الحال من أمة، ويجوز أن يكون منكم هو الخبر ويدعون صفة لأمة، وفيه بعد، انتهت.\rقوله: أُمَّةٌ أي جماعة، وقوله: يدعون إلى الخير الخ المفعول محذوف من الأفعال الثلاثة أي يدعون الناس ويأمرونهم وينهونهم وحذف للإيذان بظهوره أو للقصد إلى إيجاد نفس الفعل، كما في قولك فلان يعطي أي يفعلون الدعاء إلى الخير الخ. وقوله: وَيَأْمُرُونَ الخ من عطف الخاص على العام لإظهار فضلهما على سائر الخيرات اهـ أبو السعود.","part":1,"page":460},{"id":464,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 461\rالداعون الآمرون الناهون هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) الفائزون ومن للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية لا يلزم كل أمة ولا يليق بكل أحد كالجاهل وقيل زائدة أي لتكونوا أمة\rوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا عن دينهم وَاخْتَلَفُوا فيه مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وهم اليهود والنصارى وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105)\rيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أي يوم القيامة فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ وهم وقوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الكاملون في الفلاح. قوله: (و لا يليق بكل أحد كالجاهل) وذلك لأن الأمر بالمعروف لا يليق إلا من العالم بالحال وسياسة الناس، حتى لا يوقع المأمور أو المنهي في زيادة الفجور اهـ شيخنا.\rقوله: (و قيل زائدة) هذا مبني على أن فرض الكفاية على الكل أي يخاطب به كل الأمة ويسقط بفعل بعضهم، وما قبله مبني على أنه على البعض أي يخاطب به بعض، قيل: غير معين، وقيل: معين عند اللّه إلى آخر ما في الأصول اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لتكونوا أمة) أي موصوفة بالصفات المذكورة. إذ هي المقصود طلبها لا الكون أمة فقط اهـ شيخنا.\rقوله: (عن دينهم) أي عن أصوله، فالمقصود نهي المؤمنين عن الاختلاف في أصول الدين دون الفروع، إلا أن يكون مخالفا للنصوص البينة لأجل قوله عليه السّلام: «اختلاف أمتي رحمة»، وقوله:\r«من اجتهد فأصاب» الحديث. اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هم اليهود والنصارى) فقد تفرق كل منهما فرقا، واختلف كل منهما باستخراج التأويلات الزائفة، وكتم الآيات النافعة وتحريفها لما أخلدوا إليه من حطام الدنيا اهـ أبو السعود. وفي المصباح: وخلد إلى كذا وأخلد ركن اهـ.\rوأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم وصححه عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، زاد ابن ماجه، عن عوف بن مالك «فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار». قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: «الجماعة». وفي رواية الحاكم، عن عبد اللّه بن عمر فقيل له، ما الواحدة؟ قيل: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وفي كلام الشيخ المنصف إشارة إلى المراد النهي عن الاختلاف في العقائد كما وقع لأهل الكتاب في تكذيب بعضهم بعضا لا في الفروع إذ الاختلاف في الفروع رحمة كما بين في السنة اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ يوم: منصوب بمقدر أي اذكر يوم أو بالاستقرار العامل في الظرف، وهو قوله لهم عذاب، فعلى الأول هو مفعول به، وعلى الثاني مفعول فيه، والمراد بالبياض معناه الحقيقي أو لازمه من السرور والفرح، وكذا يقال في السواد اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ الخ تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالا، وتقديم بيان حال الكفار لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل","part":1,"page":461},{"id":465,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 462\rالكافرون فيلقون في النار ويقال لهم توبيخا أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يوم أخذ الميثاق فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)\rوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ وهم المؤمنون فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي جنته هُمْ فِيها والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين، كما بديء بذلك عند الإجمال، ففي الآية حسن ابتداء وحسن اختتام اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيلقون في النار الخ) الأنسب بالمقابل أي يكون الخبر هو الأول من هذين المقدرين، وذلك لأن الخبر في المقابل الكون في الجنة، فالمناسب هنا أن يكون هو الكون في النار، ويكون تقدير القول هنا الذي هو الخبر الثاني لأجل أن يكون حذف الفاء في جواب أما مقيسا اهـ شيخنا.\rقوله: (توبيخا) أخذه من الاستفهام اهـ.\rقوله: (يوم أخذ الميثاق) جواب عما يقال كيف، قال أكفرتم بعد إيمانكم مع أنه لم يسبق منهم إيمان، بل كفرهم متأصل فيهم، أو الجواب أنه قد سيق منهم الإيمان في عالم الذر حين خوطبوا بألست بربكم؟ فقالوا: بلى اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: والظاهر أن المخاطبين بهذا القول أهل الكتابين، وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد إيمان أسلافهم أو إيمان أنفسهم به قبل مبعثه عليه السّلام أو جميع الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يوم أخذ الميثاق أو بعد ما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة، وقيل: المرتدون، وقيل: أهل البدع والأهواء، انتهت.\rقوله: فَذُوقُوا الْعَذابَ أمر إهانة وهو من باب الاستعارة في فذوقوا استعارة تبعية تخييلية، وفي العذاب استعارة مكنية حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصورا بصورة ما يذاق وأثبت له الذوق تخييلا اهـ كرخي.\rقوله: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ صريح في نفس الذوق معلل بذلك فهو مسبب عنه بخلاف دخول الجنة الآتي، فلم يذكر له سبب إشارة إلى أنه يمحض فضل اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ، فيه وجهان، أحدهما: أن الجار متعلق بخالدون وفيها تأكيد لفظي للحرف والتقدير منهم خالدون في رحمة اللّه فيها، وقد تقرر أنه لا يؤكد الحرف تأكيدا لفظيا إلا بإعادة ما دخل عليه أو بإعادة ضميره كهذه الآية ولا يجوز أن يعود وحده إلا في ضرورة. والثاني: أن قوله ففي رحمة اللّه خبر لمبتدأ مضمر، والجملة بأسرها جواب أما، والتقدير فهم مستقرون في رحمة اللّه وتكون الجملة بعده من قولهم: هم فيها خالدون جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر ودلت على أن الاستقرار في الرحمة على سبيل الخلود، فلا تعلق لها بالجملة قبلها من حيث الإعراب اهـ سمين.\rوقوله: والجملة بأسرها جواب. أما أي جملتهم في رحمة اللّه، وهذا كلام مبني على التساهل، لأن عليه يضيع قوله: الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فالصواب كما هو مقرر في علم العربية من أن جواب أما هو الجملة التي بعدها أن يجعل الموصول مع صلته مبتدأ والجار والمجرور بعده خبره، والجملة جواب أما وكذا يقال في القسم السابق، فيقال: إن الموصول مبتدأ وجملة فيقال لهم أكفرتم خبره، والجملة جواب أما وقد تقرر أن أما حرف شرط تفيد التعليق لكنها لا تجزم، والجملة بعدها جوابها","part":1,"page":462},{"id":466,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 463\rخالِدُونَ (107)\rتِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ يا محمد بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) بأن يأخذهم بغير جرم\rوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ تصير الْأُمُورُ (109)\rكُنْتُمْ يا أمة محمد في علم اللّه تعالى خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ أظهرت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ وجملة شرطها لا تذكر صريحا، بل التزموا حذفها، أو إنما تظهر عند حل المعنى والتعبير بما نابت عنه أما وهو مهما كان يقال هنا مهما يكن من شيء، فالذي اسودت وجوههم يقال لهم الخ، والذين ابيضت وجوههم فكائنون في رحمة اللّه، قوله: (أي جنته) التعبير عنها بالرحمة فيه إشارة إلى أن دخولها برحمة اللّه لا بالطاعة والعمل اهـ شيخنا.\rقوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ استئناف بياني كأنه قيل: فما حالهم فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي المشتملة على نعيم الأبرار وتعذيب الكفار اهـ أبو السعود، وتلك مبتدأ، وآيات اللّه خبر، ونتلوها حال. قوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً أي فضلا عن أن يفعله، وهذا مرتبط في المعنى بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ الخ، وقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ الخ مرتبط بقوله:\rوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ الخ، وظلما: مصدر فاعله محذوف أي ظلمه لِلْعالَمِينَ. وأما ظلم بعضهم بعضا فواقع كثيرا وكل واقع فهو بإرادته اهـ شيخنا.\rواللام في للعالمين زائدة لا تعلق لها بشيء زيدت في مفعول المصدر وهو ظلم، والفاعل محذوف وهو في التقدير ضمير البارىء تعالى، والتقدير: وما اللّه يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل لكونه فرعا كقوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: 107] ونكر ظلما لأنه في سياق النفي فيعم كل نوع من الظلم اهـ سمين.\rقوله: وَإِلَى اللَّهِ أي إلى حكمه وقضائه ترجع الأمور، وقرئ بالبناء للفاعل والمفعول، والتاء المثناة من فوق على القراءتين، فقول الشارح تصير بالبناء للفاعل على الأول، وبالبناء للمفعول على الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: الْأُمُورُ أي أمورهم، فيجازي كلّا منهم بما وعده أو أوعده اهـ أبو السعود.\rقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير، وكنتم من كان الناقصة التي تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لا حق، كما في قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 96]، وقيل: كنتم كذلك في علم اللّه تعالى، أو في اللوح، أو فيما بين الأمم السالفة، وقيل: معناه أنتم خير أمة اهـ أبو السعود.\rقوله: (في علم اللّه) أي وفيما لا يزال اهـ.\rقوله: (أخرجت الناس) أي لنفعهم ومصالحهم. وقوله: (أظهرت) اللّه تعالى أي خلقها وأوجدها اهـ.\rوقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بيان للخير اهـ.","part":1,"page":463},{"id":467,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 464\rالإيمان خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه وأصحابه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) الكافرون\rلَنْ يَضُرُّوكُمْ أي اليهود يا معشر المسلمين بشيء إِلَّا أَذىً باللسان من سب ووعيد وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) عليكم بل وفي هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها خبر ثان لكنتم، ويكون قد راعى الضمير المتقدم في كنتم، ولو راعى الخبر لقال يأمرون بالغيبة وقد تقدم تحقيقه. والثاني: أنها في محل نصب على الحال قاله الراغب، وابن عطية. والثالث: أنها في محل نصب نعتا لخير أمة، وأتى بالخطاب لما تقدم، قال الحوفي. الرابع: أنها مستأنفة بيّن بها كونهم خير أمة كأنه قيل: السبب في كونكم خير أمة هذه الخصال الحميدة، وهذا أغرب الأوجه اهـ سمين. قوله: وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء، وإنما آخر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة، لأن الإيمان باللّه يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنما خصت هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سائر الأمم، فالمؤثر في هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحسن تقديمها اهـ خازن.\rقوله: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى إيمانا كاملا كإيمانكم لكان خيرا لهم من الرئاسة التي هم عليها، وقيل: من الكفر الذي هم عليه، فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم وفيه ضرب تهكم بهم ولم يتفرض للمؤمن به إشعارا بشهرته اهـ أبو السعود وعبارة الكرخي.\rقوله: لَكانَ الإيمان (خيرا لها) أي من الإيمان بموسى وعيسى فقط، وأشار بما قدره إلى أن اسم كان ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله، ونحوه اعدلواهو أقرب للتقوى، وحينئذ فأفعل التفضيل على بابه، أو هو لبيان أن الإيمان فاضل، كما في قوله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ [فصلت: 40] وفيما تقرر إشارة إلى جواب عن سؤال وهو كيف قال ذلك مع أن غير الإيمان لا خير فيه، حتى يقال إن الإيمان خير منه اهـ.\rقوله: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الخ مستأنف جواب عما ينشأ من الشرطية الدالة على انتفاء الخير عنهم لانتفاء إيمانهم، كأنه قيل: هل منهم من آمن، أو كلهم على الكفر؟ اهـ أبو السعود.\rقوله: (كعبد اللّه بن سلام) من اليهود، وكالنجاشي وأصحابه من النصارى اهـ شيخنا.\rقوله: (الكافرون) عبّر عن كفرهم بالفسق إشارة إلى أنهم فسقوا في دينهم أيضا، فليسوا عدولا فيه فخرجوا عن الإسلام وعن دينهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بشيء) إِلَّا أَذىً أشار به إلى أن الاستثناء متصل، وقيل: هو منقطع أي لن يضروكم بقتال وغلبة، لكن بكلمة أذى ونحوها اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: قوله: إلا أذى فيه وجهان، أحدهما: أنه متصل وهو استثناء مفرغ من المصدر العام، كأنه قيل: لن يضروكم ضررا البتة إلّا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء ونحوها. والثاني: أنه منقطع أي لن يضروكم بقتال وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها اهـ.\rقوله: (باللسان) أي فلا يصل إليكم منه شيء، وإنما هو مجرد لقلقة لسان اهـ شيخنا.","part":1,"page":464},{"id":468,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 465\rلكم النصر عليهم\rضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام إِلَّا كائنين بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ المؤمنين وهو عهدهم إليهم بالأمان على أداء الجزية أي لا عصمة لهم غير ذلك وَباؤُ رجعوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي بسبب قوله: الْأَدْبارَ أي أدبارهم. قوله: ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ مستأنف ولم يجزم عطفا على جواب الشرط، لأنه يلزم عليه تغيير المعنى، وذلك لأن اللّه أخبر بعدم نصرتهم مطلقا، ولو عطفنا على جواب الشرط للزم تقييده بمقاتلتهم لنا هم غير منصورين مطلقا قاتلوا أو لم يقاتلوا. وزعم بعض من لا تحصيل له أن المعطوف على جواب الشرط بثم لا يجوز جزمه البتة. قال: لأن المعطوف على الجواب جواب، وجواب الشرط يقع بعده وعقبه، وثم تقتضي التراخي فكيف يتصور وقوعه عقب الشرط، فلذلك لم يجزم مع، وهذا فاسد جدا لقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: 38] فلا يكونوا مجزوم نسقا على يستبدل الواقع جوابا لشرط، والعاطف ثم والأدبار مفعول ثان ليولوكم لأنه تعدى بالتضعيف إلى معنى آخر اهـ سمين.\rقوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أي إهدار النفس والمال والأهل، أو ذلوا التمسك بالباطل اهـ أبو السعود.\rوقيل: ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ماسكا قاهرا ولا رئيسا معتبرا، بل هم مستضعفون بين المسلمين والنصارى في جميع البلاد اهـ خازن.\rقوله: أَيْنَما ثُقِفُوا أينما: شرط وهو ظرف مكان: وما مزيدة فيها فثقفوا في محل جزم بها، وجواب الشرط إما محذوف أي أينما ثقفوا غلبوا أو ذلوا دل عليه قوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وإما نفس ضربت عند من يجيز تقديم جواب الشرط عليه، فضربت عليهم الذلة لا محل له على الأول ومحله الجزم على الثاني اهـ سمين.\rوقد جرى الجلال على الأول. قوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ يعني إلا بعهد من اللّه، وهو أن يسلموا، فتزول عنهم الذلة وحبل من الناس يعني المؤمنين بذل الجزية، والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل اللّه وحبل الناس وهو ذمة وعهد، وذمة المسلمين وعهدهم لا عزهم إلا هذه الوحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من بذل الجزية أو إنما سمي العهد حبلا لأنه سبب يحصل به الأمن وزوال الخوف اهـ خازن.\rقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ هذا الجار في محل نصب على الحال، وهو استثناء مفرغ من الأحوال العامة. قال الزمخشري: وهو استثناء من أعم الأحوال، والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل من اللّه وحبل من الناس، وعلى هذا فهو استثناء متصل وقال الزجاج والفراء: هو استثناء منقطع، فقدره الفراء إلا أن يعتصموا بحبل من اللّه فحذف ما يتعلق به الجار اهـ سمين.\rقوله: (أي لا عصمة لهم غير ذلك) وأما عزهم فهو منفي دائما وأبدا كما هو مشاهد. قوله:\rالْمَسْكَنَةُ وهي أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنيا موسرا اهـ خازن.","part":1,"page":465},{"id":469,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 466\rأنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ تأكيد بِما عَصَوْا أمر اللّه وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) يتجاوزون الحلال إلى الحرام\rلَيْسُوا أي أهل الكتاب سَواءً مستوين مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مستقيمة ثابتة على الحق كعبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه وأصحابه يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ أي في ساعاته وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يصلون حال\rيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ قوله: ذلِكَ أي المذكور من ضرب الذلة والمسكنة وغضب اللّه اهـ.\rقوله: وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ إسناد القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم لرضاهم به، كما أن التحريف مع كونه فعل أحبارهم ينسب إلى كل من يسير بسيرتهم، وقوله: بِغَيْرِ حَقٍ أي في اعتقادهم أيضا اهـ أبو السعود.\rقوله: (تأكيد) أي لذلك الذي قبله، والأولى أن ذلك هذا إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء، ويكون إشارة إلى تعليل العلة، فلا يكون تأكيدا، فعصيانهم سبب لكفرهم، وقتلهم الأنبياء، وهما سبب للذل والغضب والمسكنة اهـ شيخنا.\rقوله: بِما عَصَوْا الخ أي بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود اللّه على الاستمرار، فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر وهي تفضي إلى الكفر اهـ أبو السعود.\rقوله: لَيْسُوا سَواءً الظاهر في هذه الآية أن الوقف على سواء تام، فإن الواو اسم ليس، وسواء خبر، والواو تعود على أهل الكتاب المتقدم ذكرهم، والمعنى أنهم ينقسمون إلى مؤمن وكافر لقوله:\rمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ فانتفى استواؤهم، وسواء في الأصل مصدر، فلذلك وحد، وقد تقدم تحقيقه أول البقرة اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: ليسوا سواء جملة مستأنفة سيقت تمهيدا وتوطئة لتعداد محاسن مؤمني أهل الكتاب وتذكيرا لقوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، والضمير في ليسوا لأهل الكتاب جميعا لا للفاسقين منهم خاصة، وهو اسم ليس وخبره سواء، وإنما أفرد لأنه في الأصل مصدر. وقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ استئناف مبين لكيفية عدم تساويهم، ومزيل لما فيه من الإبهام كما أن ما سبق من قوله تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: 110] الخ مبين لقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:\r110] الخ ووضع أهل الكتاب موضع الضمير العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراك بين الفريقين وللإيذان بأن تلك الأمة ممن أوتي نصيبا وافرا من الكتاب لا من أراذلهم، والقائمة المستقيمة العادلة من أقمت العود فقام بمعنى استفهام انتهت.\rقوله: (كعبد اللّه بن سلام وأصحابه) كثعلبة بن سعيد، وأسيد بن عبيد وأضرابهم من اليهود الذين أسلموا، وقيل: هم أربعون رجلا من نصارى نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم:\rأسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، ومحمد بن مسلمة، وأبو قيس صرمة بن أنس رضي اللّه عنهم. كانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويوقون بما يعرفون من شرائع الحنيفية حتى بعث اللّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فصدقوه ونصروه اهـ أبو السعود.\rقوله: آناءَ اللَّيْلِ ظرف ليتلون. والآناء: الساعات، واحدها أنى بفتح الهمزة والنون بزنة","part":1,"page":466},{"id":470,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 467\rوَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ الموصوفون بما ذكر مِنَ الصَّالِحِينَ (114) ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من الصالحين\rوَما يَفْعَلُوا بالتاء أيتها الأمة وبالياء أي الأمة القائمة مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بالوجهين أي تعدموا ثوابه بل تجازون عليه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ تدفع عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ عصا، أو إنى بكسر الهمزة وفتح النون بوزن معى أو أنى بالفتح والسكون بوزن ظبي، أو إني بالكسر والسكون بوزن حمل، أو إنو بالكسر والسكون وبالواو بزنة جرو فالهمزة في آناء منقلبة عن ياء على الأقوال الأربعة، كرداء، وعن واو على القول الأخير نحو كساء. وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان كما يؤخذ من القاموس، ولا يجوز أن يكون آناء ظرفا لقائمة. قال أبو البقاء: لأن قائمة قد وصفت فلا تعمل فيما بعد اهـ سمين.\rقوله: (حال) من فاعل يتلون. قوله: وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ المسارعة في الخير فرط الرغبة فيه، لأن من رغب في الأمر يسارع في توليه، والقيام به أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات القاصرة والمتعدية اهـ أبو السعود.\rفإن. قيل: أليس أن العجلة مذمومة كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن»، فما الفرق بين السرعة والعجلة؟ فالجواب أن السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الآخرة آثر الفور على التراخي، قال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:\r133] مع أن العجلة ليست مذمومة على الإطلاق. قال تعالى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [طه:\r84] اهـ كرخي.\rقوله: (و منهم من ليسوا كذلك) أي ليسوا موصوفين بالصفات السابقة، بل بأضدادها. وأشار الشارح بهذا إلى أن في الآية اختصارا وحذفا استغناء بذكر أحد الفريقين عن الآخر، وهذا على طريقة العرب أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الآخر اهـ خازن.\rقوله: (و ليسوا من الصالحين) يغني عنه ما قبله. قوله: (بالتاء) أي في قراءة الجمهور على الخطاب لأمة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم المشار إليها في قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ وقوله: (و الياء) أي في قراءة حمزة والكسائي وحفص على الغيبة مناسبة لقوله من أهل الكتاب إلى الصالحين اهـ كرخي.\rقوله: فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي بنقص ثواب وفيه تعريض بكفرانهم نعمته، وأنه تعالى لا يفعل مثل فعلهم وجيء به على لفظ المبني للمفعول لتنزيهه عن إسناد الكفر إليه، وتعديته إلى مفعولين: أولهما قام مقام الفاعل، والثاني الهاء في تكفروه لتضمين معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه بمعنى تحرموا جزاءه كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا قيل: هم قريظة والنضير، فإن معاندتهم كانت لأجل المال. وقيل مشركو قريش، وقيل هم الكفار كافة اهـ.","part":1,"page":467},{"id":471,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 468\rاللَّهِ أي من عذابه شَيْئاً وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116)\rمَثَلُ صفة ما يُنْفِقُونَ أي الكفار فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا في عداوة النبي أو صدقة ونحوها كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ حر أو برد شديد أَصابَتْ حَرْثَ زرع قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعصية فَأَهْلَكَتْهُ فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بضياع نفقاتهم وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) بالكفر الموجب لضياعها\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أصفياء تطلعونهم على سركم مِنْ دُونِكُمْ قوله: (بفداء المال) أي بفداء نفسه بالمال. قوله: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ الخ بيان لكيفية عدم إغناء أموالهم متى كانوا يعولون عليها في جلب المنافع ودفع المضار اهـ أبو السعود. وما يجوز أن تكون موصولة اسمية وعائدها محذوف لاستكمال الشروط أي ينفقونه وقوله: كَمَثَلِ رِيحٍ خبر المبتدأ وعلى هذا الظاهر أعني تشبيه الشيء المنفق بالريح استشكل التشبيه، لأن المعنى على تشبيهه بالحرث أي الزرع لا بالريح، وقد أجيب عن ذلك بأن الكلام على حذف مضاف من الثاني تقديره كمثل مهلك ريح اهـ سمين.\rقوله: (في عداوة النبي) كنفقة أبي سفيان ببدر وأحد في تجهيز الجيوش لمحاربة النبي. وقوله:\r(أو صدقة) فيه دليل على أن الكفار لا ينتفعون بصدقاتهم في الآخرة ولو أخلصوا فيها، لأن الثواب شرطه الإيمان في كل عمل. هكذا قال الرازي في تفسيره، وقوله، ونحوها كصلة الرحم اهـ شيخنا.\rقوله: فِيها صِرٌّ الجملة من المبتدأ والخبر في محل جر نعت لريح، ويجوز أن يكون فيها وحده هو الصفة، وصر فاعل به وجاز ذلك لاعتماد الجار على الموصوف، وهذا أحسن لأن الأصل في الأوصاف الافراد، وهذا قريب منه، والصر: قيل الحر الشديد المحرق، وقيل الصر بمعنى الصرصر، وهو الشيء البارد، وقال بعضهم: الصر صوت لهيب النار تكون في الريح من صر الشيء يصر صريرا أي صوت هذا الحس المعروف، ومنه صرير الباب. قال الزجاج: الصر صوت النار التي في الريح، وإذا عرف هذا فإذا قلنا الصر الحر الشديد أو هو صوت النار أو صوت الريح فظرفية الريح له واضحة، وإن كان الصرّ صفة الريح كالصرصر، فالمعنى فيه برد صرّ كما تقول برد بارد، فحذف الموصوف وقامت الصفة مقامه، أو تكون الظرفية مجازا جعل الموصوف ظرفا للصفة اهـ أبو السعود. وقيل:\rكلمة في تجريدية حيث انتزع من الريح ريح باردة مبالغة في بردها وإلا فهي نفسها صر اهـ زكريا.\rقوله: (فكذلك نفقاتهم) أي الكفار اهـ. قوله: وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ هذا في جانب المشبه وهو الكفار. وقوله سابقا: ظلموا أنفسهم في جانب المشبه به، وهم أصحاب الزرع فلا تكرار اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في رجال من المؤمنين كانوا يوالون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة. وفي رجال كانوا يوالون المنافقين اهـ أبو السعود.\rقوله: بِطانَةً بطانة الرجل ووليجته من يعرفه أسراره ثقة به مشبه ببطانة الثوب اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: ووليجة الرجل خاصته وبطانته اهـ.","part":1,"page":468},{"id":472,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 469\rأي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا نصب بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد وَدُّوا تمنوا ما عَنِتُّمْ أي عنتكم وهو شدة الضرر قَدْ بَدَتِ ظهرت الْبَغْضاءُ العداوة لكم مِنْ أَفْواهِهِمْ بالوقيعة فيكم واطلاع المشركين على سرّكم وَما تُخْفِي قوله: (أصفياء) إشارة إلى أن المفعول الثاني محذوف. وأما قوله: مِنْ دُونِكُمْ فهو صفة لبطانة أو متعلق بتتخذوا، وعلى هذا فلم يفسر الشارح البطانة وهي من يعرف أسرارك شبه ببطانة الثوب، ويحتمل أن قوله أصفياء تفسير لبطانة أي جماعة أصفياء، ويكون المفعول الثاني من دونكم اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: مِنْ دُونِكُمْ يجوز أن يكون صفة لبطانة فيتعلق بمحذوف أي كائنة من غيركم، وقدره الزمخشري من غير أبناء جنسكم، وهم المسلمون، ويجوز أن يتعلق بفعل النهي.\rوجوز بعضهم أن تكون من زائدة، والمعنى دونكم في العمل والإيمان، وبطانة الرجل خاصته الذين يباطنهم في الأمور، ولا يظهر غيرهم عليها، مشتقة من البطن والباطن دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشعار والدثار في ذلك. قال عليه الصلاة والسّلام: «الناس دثار والأنصار شعار» والشعار ما يلي جسدك من الثياب، والدثار ما يتدثر به الإنسان وهو ما يلقيه عليه من كساء أو غيره فوق الشعار، ويقال: بطن فلان بفلان بطونا من باب دخل وبطانة. قوله: يَأْلُونَكُمْ خَبالًا جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى الاجتناب عنهم أو صفة لبطانة. يقال: ألا في الأمر إذا قصر فيه ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم لا آلوك نصحا ولا آلوك جهدا على تضمين معنى المنع والنقص اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: ألا من باب عد وسما أي قصر وفلان لا يألوك نصحا فهو آل اهـ.\rوالخبال: الفساد وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا يقال منه خبله، وخبله بالتخفيف من باب ضرب، والتشديد فهو خابل ومخبل وذاك مخبول ومخبل اهـ سمين.\rقوله: (بنزع الخافض) أي جنسه الشامل للام، وفي كما قدرهما بعد، فكل من كاف الخطاب ومن خبالا منصوب بنزع الخافض الأول باللام، والثاني بفي، واحتاج إلى هذا لأن هذه المادة لازمة، فلا يتعدى الفعل منها إلا بواسطة تضمينه المنع اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين. قال ابن عطية: معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم، فعلى هذا الذي قدره يكون الضمير وخبالا منصوبين على إسقاط الخافض وهو اللام وفي اهـ.\rقوله: (أي عنتكم) أشار به إلى أن ما مصدرية وعنتم صلتها وما وصلتها مفعول الودادة وهو استئناف مؤكد للنهي موجب لزيادة الاجتناب عن النهي، ولا يحسن أن يكون ودوا حالا إلا بإضمار، وقد لأنه ماض اهـ كرخي.\rوقال الراغب: هنا المعاندة والمعانتة متقاربان، لكن المعاندة هي الممانعة والمعانتة هي أن يتحرى مع الممانعة المشقة اهـ سمين.\rقوله: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ الخ البغضاء: مصدر كالسراء والضراء. يقال منه: بغض الرجل فهو بغيض كظرف فهو ظريف، وقوله من أفواههم متعلق ببدت ومن لابتداء الغاية. وجوز أبو البقاء أن","part":1,"page":469},{"id":473,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 470\rصُدُورُهُمْ من العداوة أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ هل عداوتهم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ذلك فلا توالوهم\rها للتنبيه أَنْتُمْ يا أُولاءِ المؤمنين تُحِبُّونَهُمْ لقرابتهم منكم وصداقتهم وَلا يُحِبُّونَكُمْ لمخالفتهم لكم في الدين وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي بالكتب كلها ولا يؤمنون بكتابكم وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ شدة يكون حالا أي خارجة من أفواههم، والأفواه جمع فم وأصله فوه فلامه هاء يدل على ذلك جمعه على أفواه، وتصغيره على فويه، والنسب إليه فوهي، وهل وزنه فعل بسكون العين أو فعل بفتحها خلاف للنحويين اهـ سمين.\rقوله أيضا: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ الخ أي لأنهم لا يتمالكون ضبط أنفسهم مع مبالغتهم فيه أي الضبط. ومع ذلك ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغض المسلمين اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالوقيعة فيكم) أي في أعرضكم. وفي المختار: الوقيعة الغيبة، والوقيعة أيضا القتال والجمع وقائع. قوله: أَكْبَرُ أي مما بدا من أفواههم، لأن بدوه ليس عن روية واختيار اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ جواب الشرط محذوف كما قدره الشارح. قوله: (للتنبيه) أي تنبيه المؤمنين المخاطبين على خطتهم في موالاة الكفار. وأنتم: مبتدأ وقوله: أُولاءِ منادى حذف منه حرف النداء كما قدره الشارح مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، وقوله: (المؤمنين) بدل من المنادى على المحل، ويجوز رفعه كما في بعض النسخ اتباعا للضم المقدر، لأنه ليس أصليا، فيجوز اتباعه. وقوله: تُحِبُّونَهُمْ خبر عن المبتدأ، وكذلك قوله وتؤمنون الخ، وقوله: وإذا لقولكم الخ، وقوله: وإذا خلوا الخ، وقوله: إن يمسسكم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ الخ تقدم أنه خبر ثان، ويصح أن يكون في محل نصب على الحال من الكاف في قوله: وَلا يُحِبُّونَكُمْ على إضمار المبتدأ أي: وأنتم تؤمنون الخ، والمعنى لا يحبونكم. والحال: أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم اهـ شيخنا.\rقوله: (بالكتب كلها) أي فأل للجنس، والجملة حال من لا يحبونكم بتقدير وأنتم تؤمنون، ولم يجعل عطفا على تحبونهم، لأن الملك في معرض التخطئة ولا تخطئة في الإيمان بالكتاب كله، لأنه محض صواب اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا خَلَوْا أي خلا بعضهم ببعض عضوا عليكم أي لأجلكم أي لأجل غمهم منكم، والعض: الإمساك بالأسنان أي تحامل الأسنان بعضها على بعض. يقال: عضضت بكسر العين في الماضي أعض بالفتح عضا وعضيضا والعض كله بالضاد إلا في قولهم عظ الزمان أي اشتد، وعظت الحرب أي اشتدت، فإنهما بالظاء أخت الطاء، والأنامل جمع أنملة وهي رؤوس الأصابع، وقوله من الغيظ من لابتداء الغاية، ويجوز أن تكون بمعنى اللام فتفيد العلة أي من أجل الغيظ مصدر غاظه يغيظه أي أغضبه، وفسره الراغب بأنه أشد الغضب. قال: وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من نوازف دم قلبه، قال: وإذا وصف به اللّه تعالى قائما يراد به الانتقام، والتغيظ إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت. قال تعالى: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان: 12] اهـ سمين.","part":1,"page":470},{"id":474,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 471\rالغضب لما يرون من ائتلافكم ويعبر عن شدة الغضب بعض الأنامل مجازا وإن لم يكن ثم عض قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أي ابقوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسركم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء\rإِنْ تَمْسَسْكُمْ تصبكم حَسَنَةً نعمة كنصر وغنيمة تَسُؤْهُمْ تحزنهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ كهزيمة وجدب يَفْرَحُوا بِها وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلم توالونهم فاجتنبوهم وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا اللّه في موالاتهم وغيرها لا يَضُرُّكُمْ بكسر الضاد وسكون الراء قوله: (مجازا) أي مفردا أو تمثيلا اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله إلى أن يهلكوا به أو باشتداده إلى أن يهلكهم اهـ أبو السعود. والباء للملابسة أي ملتبسين بغيظكم. قوله: (أي ابقوا عليه) أي دوموا عليه وأصله بقيوا بوزن اعلموا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فالتقت ساكنة مع واو الجماعة فحذفت وبقيت الفتحة دليلا عليها والفعل مبني على حذف النون. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة. أخبر اللّه تعالى بذلك لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن تكون من جملة المقول أي قل لهم كذا وكذا، فتكون في محل نصب بالقول، ومعنى قوله بذات أي بالمضمرات ذوات الصدور، فذات هنا تأنيث ذي بمعنى صاحبة الصدور، وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها نحو أصحاب الجنة أصحاب النار، واختلفوا في الوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء؟ فقال الأخفش، والفراء، وابن كيسان: الوقف عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف. وقال الكسائي والجرمي: يوقف عليها بالهاء لأنها تاء تأنيث كهي في صاحبة وموافقة الرسم أولى، فإنه قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا هنا بالتاء وافقنا تلك اللغة والرسم بخلاف عكسه اهـ سمين.\rقوله: إِنْ تَمْسَسْكُمْ الخ إما خبر آخر أو مستأنف لبيان تناهي عداوتهم إلى كل حسنة اهـ أبو السعود، وأصل المس الجس باليد، ثم يطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه كما يقال مسه نصب وتعب اهـ خازن.\rقوله: حَسَنَةٌ المراد بالحسنة هنا منافع الدنيا، كما أشار له الشارح اهـ من الخازن.\rقوله: (و جدب) هو ضد الخصب. قوله: (و جملة الشرط) وهي قوله إن تمسسكم الخ متصلة بالشرط، وهو قوله وإذا لقوكم الخ أو ما بينها اعتراض، وهو قوله قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اهـ.\rقوله: (في موالاتهم) أي بأن تتركوها، وقوله وغيرها أي من كل ما حرم عليكم اهـ كرخي.\rقوله: (بكسر الضاد الخ) قراءتان سبعيتان. الأولى من ضار يضير، والثانية من ضر يضر، والفعل في كليهما مجزوم جوابا للشرط وجزمه على الأولى ظاهر، وعلى الثانية بسكون مقدر على آخره منع","part":1,"page":471},{"id":475,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 472\rوضمها وتشديدها كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بالياء والتاء مُحِيطٌ (120) عالم فيجازيهم به\rوَاذكر يا محمد إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ من المدينة تُبَوِّئُ تنزل الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ مراكز من ظهوره اشتغال المحل بحركة الاتباع، وأصل الفعل على الأولى يضيركم بوزن يغلبكم نقلت حركة الياء إلى الضاد، فالتقى ساكنان فحذفت الياء، وعلى الثانية يضرركم بوزن ينصركم نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد، ثم أدغمت في الثانية، وحركت الثانية بالضم اتباعا لحركة الضاد اهـ شيخنا.\rقوله: (و ضمها) أي الراء يعني مع ضم الضاد، وهذا على هذه النسخة، وأما على نسخة وضمهما، فالمراد الضاد والراء، وقوله: (و تشديدها) أي الراء على كلا النسختين اهـ شيخنا.\rقوله: كَيْدُهُمْ الكيد: احتيالك لتوقع غيرك في مكروه اهـ.\rقوله: شَيْئاً نصب على المصدرية أي لا يضركم شيئا من الضرر بظل اللّه وحفظه اهـ أبو السعود.\rقوله: بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي من الكيد على قراءة الياء، ومن الصبر والتقوى على قراءة التاء اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالياء) وهذه القراة اتفق عليها العشرة، وقراءة التاء شاذة وهي للحسن البصري، فكان على الشارح أن ينبه على شذوذها، كأن يقول وقرئ بالتاء كما هو عادته إذا نبّه على القراءة الشاذة يقول وقرئ اهـ شيخنا.\rقوله: (و اذكر يا محمد إلخ) أي اذكر لأصحابك ليتذكروا ما وقع في هذا اليوم من الأحوال الناشئة من عدم الصبر فيعلموا أنهم لو لزموا الصبر لم يضرهم كيد الكفرة اهـ أبو السعود.\rوقد اتفق العلماء على أن ذلك كان يوم أحد. قال مجاهد، والكلبي، والواقدي: غدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من منزل عائشة فمشى على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه. قال محمد بن إسحاق، والسدي: إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فلما سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزولهم استشار أصحابه، ودعا عبد اللّه بن أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال عبد اللّه بن أبي، وأكثر الأنصار: يا رسول اللّه أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا فدعهم يا رسول اللّه، فإن أقاموا بشر محبس بكسر الباء هو مكان لا ماء فيه ولا طعام، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الرأي، وقال بعض أصحابه: يا رسول اللّه اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لئلا يروا أنا جبنا عنهم وضعفنا وخفناهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«إني قد رأيت في منامي بقرا مذبوحة حولي فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم فإن أقاموا أقاموا بشر وإن دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها»، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة فيقاتلهم في الأزقة، فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم اللّه بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا، فلم يزالوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من حبهم للقاء العدو حتى دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم","part":1,"page":472},{"id":476,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 473\r............. ......\rمنزله ولبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: يا رسول اللّه اصنع ما شئت، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل»، وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، وكان قد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلّى عليه، ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: كان نزوله في جانب الوادي وجعل ظهره وأصحابه إلى أحد، وأمّر عبد اللّه بن جبير على الرماة، وقال: «ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا»، وقال: «اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولّوا الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام»، ولما خالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأي عبد اللّه بن أبي ابن سلول شق عليه ذلك وقال: أطاع الوالدان وعصاني، ثم قال لأصحابه: إن محمدا إنما يظفر بعدوّه بكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا أنتم يتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما قال محمد لأصحابه. فلما التقى الجمعان وكان عسكر المسلمين ألفا وكان المشركون ثلاثة آلاف انخذل عبد اللّه بن أبي ابن سلول بثلاثمائة من أصحابه المنافقين، وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في نحو سبعمائة من أصحابه، فقواهم اللّه وثبتهم حتى انهزم المشركون. فلما رأى المؤمنون انهزام المشركين طمعوا في أن تكون هذه الوقعة كوقعة بدر، فطلبوا المدبرين، وخالفوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأراد اللّه أن يقطعهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مثله في مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وليعلموا أن ظفرهم يوم بدر إنما كان ببركة طاعة اللّه وطاعة رسوله، ثم إن اللّه نزع الرعب من قلوب المشركين، فكروا راجعين على المسلمين، فانهزم المسلمون وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في جماعة من أصحابه منهم: أبو بكر، وعلي، والعباس، وطلحة، وسعد، وكسرت رباعية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشج وجهه يومئذ، وكان من غزوة أحد ما كان، فذلك قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ الخ اهـ خازن.\rقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ الغدو: الخروج أول النهار يقال: غدا يغدو من باب سما أي خرج غدوة، ويستعمل بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصا يرفع الاسم وينصب الخبر، وعليه قوله عليه الصلاة والسّلام: «لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» اهـ.\rوهذا المعنى الثاني ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أي صرت تبوىء المؤمنين أي تنزلهم في منازل، وهذا أظهر من المعنى الآخر، لأن المذكور في القصة أنه سار من أهله بعد صلاة الجمعة، وبات في شعب أحد وأحد وأصبح ينزل أصحابه في منازل القتال ويدبرهم أمر الحرب اهـ.\rقوله: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ الجملة يجوز أن تكون حالا من فاعل غدوت وهي حال مقدرة أي قاصدا تبوىء المؤمنين لأن وقت الغدو ليس وقتا للتبوىء، ويحتمل أن تكون مقارنة لأن الزمان متسع.\rوتبوىء أي تنزل فهو يتعدى لمفعولين إلى أحدهما بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، وقد يحذف كهذه الآية. ومن عدم الحذف قوله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ [الحج: 26] وأصله من المباءة وهي المرجع، واللام في للقتل فيها وجهان، أظهرهما: أنها متعلقة بتبوىء على أنها لام العلة.","part":1,"page":473},{"id":477,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 474\rيقفون فيها لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (121) بأحوالكم وهو يوم أحد خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بألف أو إلا خمسين رجلا والمشركون ثلاثة آلاف ونزل بالشعب يوم السبت سابع شوال سنة ثلاث من الهجرة وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد اللّه بن جبير بسفح الجبل وقال انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا\rإِذْ بدل من إذ قبله هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر والثاني: أنها متعلقة بمحذوف لأنها صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة ومهيأة للقتال، ولا يجوز تعلقها بمقاعد، وإن كانت مشتقة لأنها مكان والأمكنة لا تعمل اهـ سمين.\rقوله: (مراكز) أي أماكن وعبر عنها بالمقاعد إشارة إلى طلب ثبوتهم فيها وإن كانوا وقوفا كثبوت القاعد في مكانه اهـ شيخنا.\rقوله: (هو يوم أحد) الضمير راجع لإذ أي هذا الزمان الذي أمر بتذكره هو يوم أحد اهـ.\rقوله: (و المشركون) أي والحال. قوله: (بالشعب) بكسر الشين الطريق لجبل وهو أحد الكائن على أقل من فرسخ من المدينة، وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك اهـ كرخي.\rقوله: (سابع شوال) هذا ما جرى عليه الشارح والذي جرى عليه غيره من المفسرين أن هذا اليوم كان الخامس عشر من شوال كما رأيت في عبارة الخازن ومثله غيره اهـ.\rقوله: (و عسكره) أي وظهر عسكره. قوله: (بسفح الجبل) متعلق بأجلس وسفح الجبل أصله وأسفله، وفي القاموس: والسفح عرض الجبل المضطجع أو أصله أو أسفله اهـ.\rقوله: (و قال انضحوا عنا) أي ادفعوا وامنعوا وهو من باب ضرب إن كان بمعنى رش، ومن باب قطع إن كان بمعنى رشح، والمناسب هنا الأول. وفي المختار النضح الرش، وبابه ضرب، ونضحت القربة والخابية رشحت، وبابه قطع. وفي القاموس نضح البيت ينضحه من باب ضرب رش وفلانا بالنبل رماه، ونضح عنه من باب ضرب أيضا ذب ودفع اهـ.\rقوله: (لا يأتونا) منصوب بأن مضمرة، إذ المعنى على التعليل أي لئلا يأتونا أو هو مجزوم في جواب الأمر. أي إن تنضحوا وتدفعوا لا يأتونا الخ، وللنصب والجزم بحذف نون الرفع إذ أصله لا يأتوننا اهـ شيخنا.\rقوله: (انضحوا عنا بالنبل) أي فرقوا النبل فيهم كالماء المنضوح اهـ كرخي.\rقوله: (بدل من إذ قبله) أي وهو المقصود بالسياق اهـ شيخنا.\rوالهم: العزم وقيل: بل هو دونه، وذلك أن أول ما يخطر بقلب الإنسان يسمى خاطرا، فإذا قوي سمي هما، فإذا قوي سمي عزما، ثم بعده ما قول أو فعل، وبعضهم يعبر عن الهم بالإرادة. تقول العرب: هممت بكذا أهم به بضم الهاء من باب ردّ، والهم أيضا الحزن الذي يذيب صاحبه، وهو مأخوذ من قولهم هممت الشحم أي أذبته، والهم الذي في النفس قريب منه لأنه قد يؤثر في نفس الإنسان كما يؤثر الحزن اهـ سمين.","part":1,"page":474},{"id":478,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 475\rأَنْ تَفْشَلا تجبنا عن القتال وترجعا لما رجع عبد اللّه بن أبي المنافق وأصحابه وقال علام نقتل أنفسنا وأولادنا وقال لأبي جابر السلمي القائل له أنشدكم اللّه في نبيكم وأنفسكم لو نعلم قتالا لاتبعناكم فثبتهما اللّه ولم ينصرفها وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) ليثقوا به دون غيره. ونزل لما هزموا تذكيرا لهم بنعمة اللّه\rوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ موضع بين مكة والمدينة قوله: (بنو سلمة) من الخزرج وبنو حارثة من الأوس. قوله: (جناحا العسكر) أي الجيش، ويسمى خميسا لأنه خمسة أقسام: قلب وهو وسطه، وحافة هي مؤخرة، ومقدمة وهي أوله وجناحان وهما جانباه يمينا وشمالا اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تَفْشَلا متعلق بهمت لأنه يتعدى بالباء، والأصل بأن فشلا فيجري في محل أن الوجهان المشهوران، والفشل الجبن والخور. وقال بعضهم: الفشل في الرأي العجز، وفي البدن الاعياء وعدم النهوض، وفي الحرب الجبن والخور، والفعل منه فشل بكسر العين من باب تعب وتفاشل الماء إذا سال اهـ سمين.\rقوله: (لما رجع) لما بمعنى حين متعلقة بهمت. قوله: (عبد اللّه بن أبي) اسم أبيه، واسم أمه سلول، فإذا قيل: رجع عبد اللّه بن أبي ابن سلول وجب تنوين أبي ورفع ابن المضاف لسلول، وإثبات ألفه خطأ في ابن سلول، لأنه مضاف لأنثى اهـ شيخنا.\rوأصحابه، وكانوا ثلاثمائة. قوله: (علام) أي لأي شيء. قوله: (و قال لأبي جابر) مقول هذا القول لو تعلم الخ، وقوله: (أنشدكم اللّه) مقول قول القائل له، فهو خطاب من أبي جابر لابن أبي اللعين ومن رجع معه، وأنشد بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألكم، واللّه منصوب بنزع الخافض أي باللّه، وقوله: (في نبيكم وأنفسكم) أي في حفظهما ووقايتهما فإنكم لو رجعتم فاتتكم نصرة نبيكم، فلم تحفظوه وفاتتكم وقاية أنفسكم من العذاب المترتب على تخلفكم عن نبيكم اهـ شيخنا.\rقوله: (لو نعلم قتالا) أي لو نحسن ونعرف فاعتذر اللعين كذبا بأنه لا يحسن ولا يعرف القتال اهـ.\rقوله: (فثبتهما) أي الطائفتين فهو معطوف على قوله إذ همت الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَلَى اللَّهِ متعلق بقوله فليتوكل قدم للاختصاص ولتناسب رؤوس الآي. قال أبو البقاء: ودخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى إن فشلوا فتوكلوا أنتم أو إن صعب الأمر فتوكلوا اهـ سمين.\rقوله: (ليثقوا به) هذه لام الأمر التي في الآية، ففسر الفعل وأعاد اللام مع تفسيره اهـ سمين.\rقوله: (لما هزموا) أي في أحد بسبب إقبالهم على الغنيمة، ومخالفة أمر النبي بالثبات في المركز، وقوله: (تذكيرا) أي لتقوى قلوبهم ويتسلوا عن المشاق التي حصلت لهم اهـ شيخنا.\rقوله: بِبَدْرٍ أي فيها، وكانت وقعتها في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية اهـ أبو السعود.","part":1,"page":475},{"id":480,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 476\rوَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ بقلة العدد والسلاح فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) نعمه\rإِذْ ظرف لنصركم تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ توعدهم تطمينا أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ يعينكم رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بالتخفيف والتشديد\rبَلى يكفيكم ذلك وفي الأنفال بألف لأنه أمدهم أولا بها ثم صارت قوله: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي والحال وقوله: (بقلة العدد الخ) تقدم في هذا الشرح ذكر هذه القصة عند قوله: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [نعمه) أي ومن جملتها نصركم في بدر. قوله: (ظرف لنصركم) أي فهذا القول في وقعة بدر، وهذاهو الراجح وإفراد هذا الخطاب بالنبي للإيذان بأن وقوع النصر كان ببشارته، والمراد بهذا الوقت الممتد الذي وقع فيه ما ذكر بعده، وصفة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها اهـ أبو السعود.\rقوله: (ظرف لنصركم) أي هو العامل فيه، وليس بدلا ثانيا من إذ غدوت لأن ذلك يوم أحد فيكون أجنبيا، فيلزم الفصل به اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: إِذْ تَقُولُ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن هذا الظرف بدل من قوله إذاهمت.\rالثاني: أنه منصوب بنصركم. الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر. وهل هذه الجملة من تمام قصة بدر، وهو قول الجمهور فلا اعتراض في هذا الكلام، أو من تمام قصة أحد فيكون قوله: ولقد نصركم اللّه معترضا بين الكلامين خلاف مشهور اهـ.\rقوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي حين أظهروا العجز عن المقاتلة لما بلغهم أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين، فأنزل اللّه أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ الخ وهذا القول من النبي والعجز منهم المذكور كان ببدر اهـ خازن.\rقوله: (توعدهم) من المعلوم أن وعد في الخير وأوعد في الشر، والمناسب هنا هو الأول فقياس مضارعه تعدهم، كما هو كذلك في بعض النسخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ الكفاية سدّ الخلة والقيام بالأمر، والامداد في الأصل عطاء الشيء حالا بعد حال اهـ أبو السعود.\rقوله: (يعينكم) بيّن به المراد بيعدكم هنا لأنه وقع في القرآن لمعان، والهمزة لما دخلت على النفي قررته على سبيل الإنكار، والمعنى إنكار عدم كفاية الإمداد بذلك المقدار ونفيه، وجيء بلن دون لا لأنها أبلغ في النفي اهـ كرخي.\rقوله: مُنْزَلِينَ صفة لثلاثة آلاف، ويجوز أن يكون حال من الملائكة والأول أظهر اهـ سمين.\rقوله: بَلى حرف جواب، وهو إيجاب للنفي في قوله تعالى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ وقد تقدم الكلام عليها مشبعا. وجواب الشرط قوله يمددكم، والفور العجلة والسرعة، ومنها فارت القدر اشتد غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج، يقال فار يفور فورا ويعبر به عن الغضب والحدة، لأن الغضبان يسارع إلى البطش بمن يغضب عليه، فالفور في الأصل مصدر، ثم يعبر به عن الحالة التي لا ريث فيها","part":1,"page":476},{"id":481,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 477\rثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى إِنْ تَصْبِرُوا على لقاء العدو وَتَتَّقُوا اللّه في المخالفة وَيَأْتُوكُمْ أي المشركون مِنْ فَوْرِهِمْ وقتهم هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) بكسر الواو وفتحها أي معلمين وقد صبروا وأنجز اللّه وعدهم بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم\rوَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي ولا تعريج على شيء سواها اهـ كرخي.\rوفي المصباح: فار الماء يفور فورا نبع وجرى، وفارت القدر فورا وفورانا غلت. وقولهم الشفعة على الفور من هذا أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه، ثم استعمل في الحالة التي لا بطء فيها.\rيقال: جاء فلان في حاجته ثم رجع من فوره أي من حركته التي وصل فيها ولم يسكن بعدها، وحقيقته أن يصل ما بعد المجيء بما قبله من غير لبث اهـ.\rقوله: (لأنه أمدهم الخ) تعليل لمحذوف أي ولا تخالف لأنه أمدهم الخ. قوله: (ثم صارت ثلاثة) أي لما حصل للمسلمين ضعف زاد لهم اللّه في الملائكة اهـ.\rقوله: (و فتحها) أي في قراءة الباقين اسم مفعول والفاعل اللّه أي على إرادة أن اللّه سومهم اهـ كرخي.\rقوله: (أي معلمين) اسم فاعل أي الأول أي معلمين أنفسهم أو خيولهم أو اسم مفعول أي معلمين بالقتال من جهته تعالى، كما قال: فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان اهـ أبو السعود.\rقوله: (عليهم عمائم صفر) هذا ما رواه أبو نعيم في فضائله، عن عروة بن الزبير: كانت عمامة جبريل يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وقوله: (أو بيض) هذا ما رواه ابن إسحاق، والطبراني، عن ابن عباس قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائمهم بيضا معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وقد كانوا على صور الرجال ويقولون للمؤمنين اثبتوا فإن عدوكم قليل واللّه معكم. والصواب كما قال النووي أن قتالهم لا يختص ببدر خلافا لمن زعمه، وقد قاتل جبريل وميكائيل يوم أحد أشد القتال، كما في حديث مسلم اهـ.\rوقد سئل السبكي عن الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وأجاب بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها اللّه تعالى في عباده، واللّه فاعل الجميع اهـ كرخي. وجمع بين الروايتين بأن جبريل كانت عمامته صفراء، وغيره كانت عمامته بيضاء، وقوله: (أرسلوها) على حذف مضاف أي أرسلوا أطرافها، وكان المسلمون يرونهم في هذا الوقت بهذه الحالة اهـ شيخنا.\rقوله: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ جعل متعد لواحد والضمير للامداد المقدر، كأنه قيل: وأمدهم وما جعله الخ وهو أنسب من رجوعه للإمداد الذي في حيز الوعد، لأن المجعول بشارة سرورا بالإمداد بالفعل لا الوعد به. وإلى هذا المقدر أشار الشارح بقوله: وأنجز اللّه وعده الخ، فقوله هنا أي الإمداد ظاهر في","part":1,"page":477},{"id":482,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 478\rالإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ بالنصر وَلِتَطْمَئِنَ تسكن قُلُوبُكُمْ بِهِ فلا تجزع من كثرة العدو وقلتكم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) يؤتيه من يشاء وليس بكثرة الجند\rلِيَقْطَعَ متعلق بنصركم أي ليهلك طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر أَوْ يَكْبِتَهُمْ يذلهم بالهزيمة فَيَنْقَلِبُوا رجوع الضمير للإمداد الملفوظ به في الآية، وأن يحتمل أنه حل معنى، وأن مراده رجوعه للمقدر اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا بُشْرى منصوب على أنه مفعول له لاستيفائه شروط النصب بخلاف قوله: ولتطمئن فقد جر بلام العلة على الأصل في العلل، لأنه فقد فيه شرط من شروط النصب، وهو اتخاذ الفاعل اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: إِلَّا بُشْرى فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله وهو استثناء مفرغ إذ التقدير وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبشرى وشروطه نصبه موجودة وهي اتحاد الفاعل والزمان، وكونه مصدرا سيق للعلة. والثاني: أنه مفعول ثان لجعل على أنه بمعنى صبر. والثالث: أنه بدل من الهاء في جعله. قاله الحوفي، وجعل الهاء عائدة على الوعد بالمدد البشرى مصدر على فعلى كالرجعى اهـ.\rقوله: إِلَّا بُشْرى أي إلا بشارة الاخبار بما يسرّ والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخبر، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21] اهـ كرخي.\rقوله: وَلِتَطْمَئِنَ فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على بشرى هذا إذا جعلناه مفعولا من أجله، وإنما جر باللام لاختلال شرط من شروط النصب، وهو عدم اتحاد الفاعل، فإن فاعل الجعل هو اللّه تعالى، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه لاستكمال الشروط، وجر المعطوف باللام لاختلال شرطه وقد تقدم، والتقدير: وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة. والثاني: أنه متعلق بفعل محذوف أي ولتطمئن قلوبكم فعل ذلك، أو كان كيت وكيت. وقال الشيخ: وتطمئن منصوب بإضمار أن بعد لام كي فهو من عطف الاسم على توهم موضع آخر. ثم نقل عن ابن عطية أنه قال: واللام في ولتطمئن متعلقة بفعل مضمر يدل عليه جعله، ومعنى الآية وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم اهـ سمين.\rقوله: (و ليس بكثرة الجهد) فلا تتوهموا أن النصر في بدر كان من كثرة الملائكة اهـ.\rقوله: (متعلق بنصركم) أي وما بينهما تحقيق لحقيقته وبيان لكيفية وقوعه اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي ليهلك) نبه به على المراد به هنا، لأنه وقع في القرآن بمعنى جعل، ومنه قوله تعالى:\rوَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ [الأعراف: 168] أي جعلنا في كل قرية طائفة منهم تؤدي الجزية. وبمعنى اختلف ومنه قوله تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي اختلفوا في الاعتقاد والمذاهب اهـ كرخي.\rقوله: (بالقتل) أي لسبعين والأسر أي لسبعين اهـ.\rقوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ الكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب من كبته بمعنى كبده إذا ضرب كبده","part":1,"page":478},{"id":483,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 479\rيرجعوا خائِبِينَ (127) لم ينالوا ما راموه. ونزل لما كسرت رباعيته صلّى اللّه عليه وسلّم وشج وجهه يوم أحد وقال: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم»\rلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بل الأمر للّه فاصبر أَوْ بمعنى إلى أن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ بالإسلام أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) بالكفر\rوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وَاللَّهُ غَفُورٌ لأوليائه رَحِيمٌ (129) بأهل طاعته\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً بالغيظ أو الحرقة، فالتاء مبدلة من الدال اهـ أبو السعود. وعبارة الكرخي: أَوْ يَكْبِتَهُمْ يذلهم أشار به إلى أن الكبت من الذلة. يقال كبت اللّه العدو كبتا أي أذله وصرفه، وقيل: إن أصله كبد أي بلغ بهم الهم والحزن إلى أكبادهم فأبدلت الدال تاء لقرب مخرجها، كما قالوا: سبت رأسه وسبده أي حلقه وأو للتنويع لا الترديد لأن القطع والكيت وقعا معا فلا يناسب الترديد الذي يكفي فيه أحدهما مبهما اه، فهي مانعة خلو تجوز الجمع.\rوفي السمين: والكبت الإصابة بمكروه، وقيل هو الصرع للوجه واليدين، وعلى هذين فالتاء أصلية ليست بدلا من شيء، بل هي مادة مستقلة، وقيل: أصله من كبده إذا أصابه بمكروه أثر في كبده وجعا كقولك رأسته أي أصبت رأسه ويدل على ذلك قراءة بعضهم أو يكبدهم بالدال، والعرب تبدل التاء من الدال اهـ.\rقوله: (و نزل لما كسرت الخ) أي نزل لمنعه صلّى اللّه عليه وسلّم مما همّ به لما حصل له ما ذكر من الدعاء عليهم، ومات في ذلك اليوم من المسلمين سبعون، وأسر عشرون، ومات من الكفار ستة عشر اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: والرباعية وزان الثمانية السن التي بين الثنية والناب، والجمع رباعيات بالتخفيف أيضا اهـ.\rقوله: (و شج وجهه) أي جرح.\rقوله: لَيْسَ لَكَ الخ لك خبرها مقدم، وشيء اسمها مؤخر، والمراد من الأمر إصلاحهم وتعذيبهم أي لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم، بل ذلك ملك للّه اهـ شيخنا.\rقوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ غاية في الصبر الذي قدره الشارح، أي فإذا تاب عليهم ذلك من الأمر السرور، وإذا عذبهم فلك التشفي فيهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى إلى أن) فيتوب منصوب بأن مضمرة لا بالعطف على ليقطع، وإلى متعلقة بما قدره. وعلى هذا القول فالكلام متصل بقوله: ليس لك من الأمر شيء، والمعنى ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم اهـ كرخي.\rقوله: أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي بالقتل والأسر والنهب.\rقوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ الخ كالدليل على قوله ليس لك من الأمر شيء الخ اهـ خازن.\rقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فضلا وإحسانا اهـ.\rقوله: أَضْعافاً مُضاعَفَةً فكان الرجل في الجاهلية إذ كان له دين على إنسان وحلّ الأجل، ولم","part":1,"page":479},{"id":484,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 480\rبألف ودونها بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب وَاتَّقُوا اللَّهَ بتركه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) تفوزون\rوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) أن تعذبوا بها\rوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)\rوَسارِعُوا بواو ودونها إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي كعرضهما لو وصلت إحداهما بالأخرى والعرض السعة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) اللّه يقدر المديون على الأداء قال صاحب الدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فربما فعلوا ذلك مرارا فيزيد الدين أضعافا مضاعفة اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي، ومضاعفة إشارة إلى تكرير التضعيف عاما بعد عام كما كانوا يضعفون، وهذا توبيخ لا تقييد أو بحسب الواقعة، أي ليس المراد من قوله تعالى: أَضْعافاً مُضاعَفَةً أن هذا النوع من الربا حرام دون غيره، بل تخصيصه بالذكر لما ذكر. والحاصل: أنه قيد للنهي بحسب ما كانوا عليه لا للنهي مطلقا ليستدل بالمفهوم على أن الربا بدون القيد جائز اهـ.\rوفي السمين: أضعافا جمع ضعف، ولما كان جمع قلة. والمقصود الكثرة أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بمضاعفة اهـ.\rقوله: وَاتَّقُوا النَّارَ أي بأن تجتنبوا ما يوجبها وهو استحلال ما حرم من الربا وغيره اهـ خازن.\rقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ أي فيما يأمركم به وينهاكم عنه من أكل الربا وغيره. وقوله: وَالرَّسُولَ أي فإن طاعته طاعة للّه اهـ خازن.\rقوله: وَسارِعُوا أي بادروا وأقبلوا إلى مغفرة من ربكم أي ما تستحق به المغفرة كالإسلام والتوبة وأداء الفرائض والجهاد والهجرة والتكبيرة الأولى أي تكبيرة الإحرام والأعمال الصالحات اهـ خطيب.\rقوله: (بواو) أي في قراءة الجمهور عطفا تفسيريا على وأطيعوا اللّه كمصاحفهم، أي فإنها ثابتة في مصاحف مكة والعراق ومصحف عثمان، وقوله: (و دونها) أي في قراءة نافع وابن عامر على الاستئناف كرسم المصحف الشامي والمدني، كأنه قيل: كيف نطيعهما؟ فقيل: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهو الطاعة بالإسلام والتوبة والإخلاص وقال ذلك وإن روي العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن، لأنه استثنى منه بتقدير صحته التوبة، وقضاء الدين الحال، وتزويج البكر البالغ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل اهـ كرخي.\rقوله: إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ أي سببهما وهو الأعمال الصالحة. قوله: مِنْ رَبِّكُمْ صفة لمغفرة ومن للابتداء مجازا، وإنما فصل بين المغفرة والجنة لأن الغفران معناه إزالة العذاب والجنة معناها حصول الثواب، فجمع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحيل الأمرين اهـ كرخي.\rقوله: عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إنما جمعت السموات وأفردت الأرض لأن السموات أنواع، قيل بعضها فضة وبعضها غير ذلك. والأرض نوع واحد، وذكر العرض للمبالغة في وصف الجنة بالسعة لأن العرض دون الطول، كما دل قوله تعالى: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرحمن: 54] على","part":1,"page":480},{"id":485,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 481\rبعمل الطاعات وترك المعاصي\rالَّذِينَ يُنْفِقُونَ في طاعة اللّه فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ اليسر والعسر وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الكافين عن إمضائه مع القدرة وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ممن ظلمهم أي أن الطهارة أعظم تقول هذه صفة عرضها فكيف طولها. قال الزهري: وإنما وصف عرضها، فأمر طولها فلا يعلمه إلا اللّه تعالى، هذا على سبيل التمثيل، لا أنها كالسموات والأرض لا غير، بل معناه كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، كقوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: 107] أي عند ظنكم وإلا فهما زائلتان. وعن ابن عباس: الجنة كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وعنه أيضا أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة. وروي أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا: إن مثلها في التوراة ومعناه أنه حيث شاء اللّه. وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء أم في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة. قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون الجنة فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع، فإن قيل: قال تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [الذاريات: 22] وأراد بالذي وعدنا الجنة فإذا كانت الجنة في السماء، فكيف يكون عرضها ما ذكر؟ أجيب بأن باب الجنة في السماء وعرضها كما أخبر تعالى اهـ خطيب.\rقوله: (لو وصلت إحداهما بالأخرى) بأن جعلت السموات والأرض طبقا طبقا ثم وصل البعض بالبعض حتى صار الكل طبقا واحدا اهـ خازن.\rقوله: (و العرض السعة) أي بقطع النظر عن مقابل له، فليس العرض في مقابلة الطول، بل المراد به مطلق السعة، ولفظ العرض يطلق على هذا المعنى وعلى ما يقابل الطول، وهو أقصر الامتدادين، وكل من الإطلاقين حقيقي كما هو القاموس.\rقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ يجوز في محله الأوجه الثلاثة، فالجر على النعت، أو البدل، أو البيان والنصب والرفع على القطع المشعر بالمدح اهـ سمين.\rقوله: الْكاظِمِينَ يجوز فيه الجر والنصب على ما تقدم فيما قبل اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ عطف على الموصول والعدول إلى صيغة الفاعل للدلالة على الاستمرار، وأما بالإنفاق فحيث كان أمرا متجدد عبر عنه مما يفيد الحدوث والتجدد اهـ.\rقوله: (الكافين عن إمضائه) أي بالصبر من غير ظهور أثر له على البشرة: وقوله مع القدرة، أي لما رواه الإمام أحمد، وأبو داود وغيرهما: من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا اهـ كرخي.\rوالكظم: الحبس كظم غيظه أي حبسه، وكظم القربة والسقاء إذا شد فمهما مانعا من خروج ما فيهما، ومنه الكظام السير تشد به القربة والسقاء لذلك، والكظم في الأصل مخرج النفس يقال: أخذ بكظمه، والكظوم احتباس النفس ويعبر عند السكوت، كقولهم فلان لا يتنفس، والمكظوم الممتلىء غيظا، وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلم، والكظيم الممتلىء أسفا اهـ سمين.","part":1,"page":481},{"id":486,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 482\rالتاركين عقوبتهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) بهذه الأفعال أي يثيبهم\rوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ذنبا قبيحا كالزنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بما دونه كالقبلة ذَكَرُوا اللَّهَ أي وعيده فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ أي لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا يديموا عَلى ما فَعَلُوا بل أقلعوا عنه وَهُمْ وفي المصباح: كظمت الغيظ كظما من باب ضرب، وكظوما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ، وفي التنزيل وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ، فأنا كظيم ومكظوم وكظم البعير كظوما لم يجتر اهـ.\rقوله: (ممن ظلمهم) بيان للناس، وقوله أي التاركين عقوبتهم، عبارة الخطيب: أي التاركين عقوبة من استحق المؤاخذة. روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على اللّه، فلا يقوم إلا من عفا»، وعن ابن عيينة أنه رواه الرشيد، وقد غضب على رجل فخلاه. وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم اللّه» وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعا وهو ظاهر، وأن يكون متصلا لما في القلة من معنى كأنه قيل: إن هؤلاء في أمتي لا يوجدون إلا من عصم اللّه فإنه يوجد في أمتي، انتهت.\rقوله: (و الذين إذا فعلوا فاحشة) يجوز أن يكون معطوفا على الموصول قبله، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة، وتكون الجملة من قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ معترضة بين المتعاطفين، ويجوز أن يكون قوله والذين إذا فعلوا فاحشة مرفوعا بالابتداء، وأولئك مبتدأ ثان، وجزاؤهم مبتدأ ثالث، ومغفرة خبر الثالث والثالث خبره خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول. وقوله: إذا فعلوا شرط جوابه، ذكروا وقوله فاستغفروا لذنوبهم عطف على الجواب، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول، والمفعول الأول لاستغفر محذوف أي استغفروا اللّه لذنوبهم. وقد تقدم الكلام على استغفروا أنه يتعدى لاثنين ثانيهما بحرف الجر، وليس هو هذه اللام، بل من وقد تحذف، وقوله ومن يغفر الذنوب استفهام بمعنى النفي، ولذلك وقع بعد الاستثناء، وقوله إلا اللّه بدل من الضمير المستكن في يغفر، والتقدير لا يغفر أحد الذنوب إلا اللّه، والمختار هنا الرفع على البدل لكون الكلام غير إيجاب، وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130] اهـ سمين.\rقوله: (كالزنا) أشار به إلى أن المراد العموم في الفاحشة لا الزنا فقط وقوله: (بما دونه) أي بأي ذنب كان، وقوله كالقبلة أي اللمسة والنظرة ونحوهما، وفيه إشارة إلى أنه إنما صرح بذكر الفاحشة مع دخولها في ظلم النفس وترك مقتضى الظاهر، لأن المراد بها نوع من أنواع ظلم النفس أو ليدل به على عدم المبالاة في الغفران. فإن الذنوب، وإن جلت فعفوه أعظم اهـ كرخي.\rقوله: ذَكَرُوا اللَّهَ جواب إذا، وقوله: أي وعيده أي فيكون من باب حذف المضاف، وفيه إشارة إلى أن المراد الذكر القلبي لا اللساني أي أو جماله فاستحيوا أو جلاله فهابوا اهـ كرخي.\rوفي عبارة البيضاوي: ذكروا اللّه أي تذكروا وعيده أو حكمه وحقه العظيم اهـ.\rقوله: وَلَمْ يُصِرُّوا يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل استغفروا أي استغفروا غير مصرين، ويجوز أن تكون هذه الجملة منسوقة على فاستغفروا. أي ترتب على فعلهم الفاحشة ذكر اللّه تعالى","part":1,"page":482},{"id":487,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 483\rيَعْلَمُونَ (135) أن الذي أتوه معصية\rأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال مقدرة أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) بالطاعة والاستغفار لذنوبهم وعدم إصرارهم عليها، وتكون الجملة من قوله: ومن يغفر الذنوب إلا اللّه معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني وبين الحال وذوي الحال على الأول اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ حال من ضمير يصروا أي ولم يصروا على ما فعلوا، وهم عالمون بقبحه، والنهي عنه، والوعيد عليه، والتقييد بذلك لما أنه قد يعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن عن تقصير في تحصيل العلم به اهـ أبو السعود.\rومفعول يعلمون محذوف للعلم به، فقيل: يعلمون أن اللّه يتوب على من تاب قاله مجاهد، وقيل: يعلمون أن تركه أولى قاله ابن عباس والحسن، وقيل: يعلمون المؤاخذة بها أو عفو اللّه عنها، وما في قوله على ما فعلوا يجوز أن تكون اسمية بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مصدرية وإصرار المداومة على الشيء وترك الإقلاع عنه، وتأكيد العزم على أنه لا يتركه من صر الدنانير إذا ربط عليها، ومنه صرة الدراهم لما يربط منها اهـ سمين.\rقوله: رَبِّهِمْ في محل رفع نعت لمغفرة ومن للتبعيض أي من مغفرات ربهم اهـ سمين.\rقوله: خالِدِينَ حال من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعول به في المعنى، لأن المعنى يجزيهم اللّه جنات في حال خلودهم، وتكون حالا مقدرة، ولا يجوز أن تكون حالا من جنات في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى، إذ لو كان كذلك لبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له، والجملة من قوله: تجري من تحتها الأنهار في محل رفع نعتا لجنات، والمخصوص بالمدح محذوف في قوله:\rوَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ تقديره، ونعم أجر العاملين الجنة اهـ سمين. وقد قدره المفسر بقوله هذا الأجر اهـ.\rقوله: (بالطاعات) الباء زائدة للتقوية متعلقة بالعاملين أي العاملين الطاعة، تأمل اهـ.\rقوله: (هذا الأجر) أي المغفرة أو الجنات، فالمخصوص بالمدح محذوف، وهو ما قدره والتعبير عنهما بالأجر المشعر بأنها يستحقان في مقابلة العمل، وإن كان بطريق التفضيل لمزيد الترغيب في الطاعات والزجر عن المعاصي، وأفاد بتنكير جنات أن الذي لهم أدون من الذي للمتقين، كما أفاده بوصفهم بالإحسان ووصف هؤلاء بالعمل، وذكر تعالى: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ بواو العطف هنا وتركها في العنكبوت لوقوع مدخولها هنا بعد خبرين متعاطفين بالواو، فناسب عطفه بها ربطا بخلاف ما في العنكبوت إذ لم يقع قبل ذلك إلّا خبر واحد كنظيره في الأنفال في قوله تعالى: نِعْمَ الْمَوْلى * [الأنفال: 40] ونظير الأول قوله في الحج فَنِعْمَ الْمَوْلى [الحج: 78] وإن كان العطف فيه بالفاء ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم أن لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل) أي تسلية للمؤمنين على ما أصابهم من الحزن والكآبة وهذا رجوع لتفضيل بقية قصة أحد بعهد تمهيد مبادىء الرشد والصلاح اهـ أبو السعود.","part":1,"page":483},{"id":488,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 484\rهذا الأجر. ونزل في هزيمة أحد\rقَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم فَسِيرُوا أيها المؤمنون فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فإنما أمهلهم لوقتهم\rهذا القرآن بَيانٌ لِلنَّاسِ كلهم وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) منهم\rوَلا تَهِنُوا تضعفوا عن قتال الكفار وأولها قوله: وإذا غدوت من أهلك، فقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا إلى قوله: قَدْ خَلَتْ اعتراض في خلال القصة.\rقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أي قد مضت سنّة اللّه في الأمم الماضية بالهلاك والاستئصال لأجل مخالفتهم الأنبياء، وقوله: سُنَنٌ جمع سنة بمعنى الطريقة والعادة، وقوله: (في الكفار) أي مع أنبيائهم، وقوله: (بإمهالهم) كأنه تصوير للطرائق اهـ شيخنا.\rوأصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن فيه، ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي كما أفاده لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه كذا الأمم الخالية اهـ. كرخي.\rقوله: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ليس المراد خصوصا من السير، بل المراد استعلام ما وقع للأمم الماضية بسير أو غيره، ثم التأمل فيه للتسلي والاتعاظ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: ودخلت الفاء لأن المعنى على الشرط أي إن شككتم فسيروا في الأرض لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم، وهذا مجاز عن إجالة الخاطر. والحاصل: أن المقصود تعرف أحوالهم فإن تيسر بدون السير في الأرض كان المقصود حاصلا، انتهت.\rقوله: كَيْفَ خبر كان وعاقبة اسمها.\rقوله: (من الهلاك) بيان لآخر أمرهم، وقوله: (فلا تحزنوا لغلبتهم) أي عليكم، وقوله:\r(لوقتهم) أي وقت هلاكهم الذي سبق في علمي هلاكهم فيه اهـ.\rقوله: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة، والهدى بيان طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغي، والموعظة هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. فالحاصل: أن البيان جنس تحته نوعان، أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى. والثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة فعطفهما على البيان من عطف الخاص على العام، وإنما خصص المتقين بالهدى والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم اهـ خازن.\rقوله: وَلا تَهِنُوا هذا وما عطف عليه معطوفان في المعنى على قوله: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الخ وهذه الآية أي قوله: وَلا تَهِنُوا نزلت يوم أحد حين أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه بطلب القوم مع أصابهم من الجراح، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rوأصل تهنوا توهنوا حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة في الأصل، ثم أجريت حروف المضارعة مجراها في ذلك، يقال: وهن بالفتح في الماضي بهن بالكسر في المضارع. ونقل أنه يقال","part":1,"page":484},{"id":489,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 485\rوَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم بأحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ بالغلبة عليهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) حقا وجوابه دلّ عليه مجموع ما قبله\rإِنْ يَمْسَسْكُمْ يصبكم بأحد قَرْحٌ بفتح القاف وضمها جهد من جرح ونحوه فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ الكفار قَرْحٌ مِثْلُهُ ببدر وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها نصرفها وهن ووهن بضم الهاء وكسرها في الماضي ووهن يستعمل لازما ومتعديا، تقول: وهن زيد أي ضعف. قال تعالى: وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم: 4] ووهنته أي أضعفته، ومنه الحديث: «و هنتهم حمى يثرب» أي أضعفتهم والمصدر على الوهن والوهن بفتح العين وسكونها. وقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ جملة حالية من فاعل تهنوا أو تحزنوا، والاستئناف غير ظاهر، والأعلون جمع أعلى والأصل أعليون، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة لتدل عليها، وإن شئت قلت استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان أيضا الياء والواو فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وإنما احتجنا إلى ذلك لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموما لفظا أو تقديرا، وهذا مثال التقدير اهـ سمين.\rوفي القاموس: الوهن الضعف ويحرك والفعل كوعد وورث وكرم اهـ. قوله: (مجموع ما قبله) وهو قوله فسيروا ولا تهنوا ولا تحزنوا. قوله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ جواب الشرط محذوف أي فتأسوا، ومن زعم أن جواب الشرط فقد مس فهو غالط، لأن الماضي معنى يمتنع أن يكون جوابا للشرط، وللنحويين في مثل هذا تأويل، وهو أن يقدروا شيئا مستقبلا لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل كما مرت الإشارة إليه اهـ كرخي.\rوذلك التأويل هو التبيين أي فقد تبين مس القرح للقوم اهـ سمين. قوله: (بفتح القاف وضمها) قيل: هما لغتان بمعنى واحدة، وقيل هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها اهـ بيضاوي.\rقوله: مِثْلُهُ أي في الجملة وإلّا فالذي أصاب الكفار ببدر أعظم لأنه أسر منهم سبعون، وقتل سبعون، والمسلمون في أحد قتل منهم سبعون وأسر عشرون اهـ شيخنا.\rقوله: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها يجوز في الأيام أن تكون خبرا لتلك، ونداولها جملة حالية العامل فيها معنى اسم الإشارة، أي أشير إليها حال كونها مداولة. ويجوز أن تكون الأيام بدلا، أو عطف بيان، أو نعتا لاسم الإشارة، والخبر هو الجملة من قوله: نداولها، وقد مر نحوه في قوله تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها [آل عمران: 108] إلا أنه هناك لا يجيء القول بالنعت لما عرفت أن اسم الإشارة لا ينعت إلا بذي أل وبين متعلق بنداولها، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من مفعول نداولها، وليس بشيء.\rوالمداولة المناوبة على الشيء، والمعاودة وتعهده مرة بعد أخرى، يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه كان فاعل بمعنى فعل اهـ سمين.\rوعبارة الخازن، المداولة: نقل الشيء من واحد إلى واحد آخر يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى آخر، والمعنى أن أيام الدنيا دول بين الناس يوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء، فكانت الدولة للمسلمين يوم بدر، وللكفار يوم أحد اهـ.","part":1,"page":485},{"id":490,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 486\rبَيْنَ النَّاسِ يوما لفرقة ويوما لأخرى ليتعظوا وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور الَّذِينَ آمَنُوا أخلصوا في إيمانهم من غيرهم وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يكرمهم بالشهادة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) الكافرين أي يعاقبهم وما ينعم به عليهم استدراج\rوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يطهرهم من الذنوب بما يصيبهم وَيَمْحَقَ يهلك الْكافِرِينَ (141)\rأَمْ بل أحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا لم قوله: (ليتعظوا) قدره ليعطف عليه، وليعلم إلى آخر المعطوفات الأربع اهـ شيخنا.\rفقد عللت المداولة بأربع علل: الثلاثة الأولى منها باعتبار كون المداولة على المؤمنين، والأخيرة باعتبار كونها على الكافرين اهـ أبو السعود بالمعنى. قوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الخ أي ليتميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته المشقة، كما وقع في أحد اهـ خازن.\rقوله: (علم ظهور) أي علم وجود أي علما متعلقا بالوجود الخارجي، والمراد الظهور لنا أي ليظهر لنا المؤمن من غيره، وإلا فعلمه متعلق أزلا بكل شيء اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي، قوله: (علم ظهور) وهو الذي يتعلق به الثواب والعقاب، كما علمه غيبا، وله نظائر كثيرة في القرآن، وإنما لم يحمّل الكلام على حقيقته لدلالته على أن العلم يحصل بعد الفعل، وعلم اللّه تعالى أزلي لا يتصف بالحدوث اهـ.\rقوله: (من غيرهم) متعلق بيعلم على أنه مفعوله الثاني، وهذا يقتضي أن معنى يعلم يميز، وقوله علم ظهور يقتضي أن العلم على حاله تأمل، قوله: مِنْكُمْ الظاهر أنه متعلق بالاتخاذ، وجوزوا فيه أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من شهداء، لأنه في الأصل صفة له، وقوله: وَلِيُمَحِّصَ معطوف على ليعلم وتكون الجملة من قوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ معترضة بين هذه العلل اهـ سمين.\rقوله: (يكرمهم بالشهادة) أي في سبيل اللّه، وذلك أن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكان يتمنون لقاء العدو ويلتمسون فيه الشهادة اهـ خازن.\rقوله: (أي يعاقبهم) أشار أن نفي المحبة كناية عن البغض، وفي إيقاعه على الظالمين تعريض بمحبته تعالى لمقابليهم اهـ كرخي.\rقوله: (استدراج) أي تدريج لهم في مراتب العذاب. قوله: (يظهرهم من الذنوب) هذا تفسير مراد. وفي الخازن: وأصل المحص في اللغة التنقية والإزالة اهـ.\rوفي القاموس: ومحص الذهب بالنار من باب منع أخلصه مما يشوبه والتمحيص الابتلاء والاختبار اهـ.\rوفي البيضاوي: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ يهلكهم إن كانت الدولة عليهم. والمحق تقعر الشيء قليلا قليلا اهـ.\rقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أم منقطعة، والهمزة التي في ضمنها كما قدرها الشارح للاستفهام أم الإنكار أي لا ينبغي منكم أنكم تحسبون أي تظنون أنكم تدخلون الجنة مع أنكم لم تجاهدوا ولم تصبروا على شدائد الحرب اهـ شيخنا.","part":1,"page":486},{"id":491,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 487\rيَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ علم ظهور وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) في الشدائد\rوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ فيه حذف إحدى التاءين في الأصل الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ حيث قلتم ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي سببه الحرب وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) أي بصراء تتأملون الحال كيف وعبارة أبو السعود: هذا خطاب للمنهزمين يوم أحد وأم منقطعة وما فيها من كلمة بل الإضراب عن تسليتهم إلى توبيخهم، والهمزة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد اهـ.\rوحسب هنا على بابها من ترجيح أحد الطرفين، وأن تدخلوا ساد سد المفعولين على رأي سيبويه، أو مسد الأول وحده، والثاني محذوف على رأي الأخفش اهـ سمين.\rقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الخ نفي العلم كناية عن نفي المعلوم لما بينهما من اللزوم المبني على لزوم تحقيق الأول، لتحقق الثاني ضرورة استحالة تحقق شيء بدون علمه تعالى به، وإنما وجه النفى إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف فقط، وكان يكفى أن يقال: ولما يعلم اللّه جهادكم كناية عن معنى، ولما تجاهدوا للمبالغة في بيان انتفاء الوصف وعدم تحققه أصلا، وفي كلمة لما إيذان بأن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل إلا أنه غير معتبر في تأكيد الإنكار اهـ أبو السعود.\rقوله: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان، أشهرهما: أن الفعل منصوب، ثم هل نصبه بأن مقدرة بعد الواو المقتضية للجمع كهي في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تجمع بينهما وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف وهو مذهب الكوفيين، يعنون أنه كان من حق هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو صرفته إلى وجه آخر من الإعراب وتقرير المذهبين في غير الموضع. والثاني: أن الفتحة فتحة التقاء الساكنين والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ساكن آخر احتيج إلى تحريك آخره، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف وللاتباع لحركة اللام كقراءة، ولما يعلم اللّه بفتح الميم، والأول هو الوجه. وقرأ الحسن، وابن يعمر، وغيرهما بكسر الميم عطفا على يعلم المجزوم بلما. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء: ويعلم بالرفع وفيه وجهان أظهرهما أنه مستأنف أخبر تعالى بذلك، وقال الزمخشري أن الواو للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون اهـ سمين.\rقوله: تَمَنَّوْنَ قرأ البزي بخلاف عنه بتشديد تاء تمنون، ولا يمكن ذلك إلا في الوصل، وقاعدته أن تتصل ميم الجمع بواو، وقد تقدم تحرير هذا عند قوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [البقرة:\r267] والضمير في تلقوه فيه وجهان، أظهرهما: عوده على الموت، والثاني: عوده على العدو، وإن لم يجز له ذكر لدلالة الحال عليه، والجمهور على كسر اللام من قبل لأنها معربة لإضافتها إلى أن وما في حيزها أي من قبل لقائه، وقرأ مجاهد بن جبير من قبل بضم اللام قطعها عن الإضافة، كقوله: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم: 4]، وعلى هذا فإن وما في حيزها في محل نصب على أنها بدل اشتمال من الموت أي تمنون لقاء الموت، كقولك: رهبت العدو ولقاءه، وقرأ الزهري والنخعي تلاقوه، ومعناه معنى تلقوه، لأن لقي يستدعي أن يكون بين اثنين بمادته، وإن لم يكن على المفاعلة اهـ سمين.\rقوله: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ الظاهر أن الرؤية بصرية، فتكتفي بمفعول واحد، وجوزوا أن تكون علمية","part":1,"page":487},{"id":492,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 488\rهي فلم انهزمتم ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم\rوَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ كغيره انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ رجعتم إلى الكفر والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري أي ما كان معبودا فتحتاج إلى مفعول ثان هو محذوف أي فقد علمتموه أي الموت حاضرا إلا أن حذف أحد المفعولين في باب ظن ليس بالسهل، حتى أن بعضهم يخصه بالضرورة اهـ سمين.\rقوله: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي الموت لكونه لا يرى. أشار الشارح إلى حذف المضاف بقوله: أي سببه،\rقوله: (الحرب) بيان لذلك السبب، وعبارة البيضاوي: أي قد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم أي قدامكم، وبين أيديكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا فيها، ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو توبيخ لهم على الشهادة فإن في تمنيها تمنى غلبة الكافرين، انتهت.\rقوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ حال من ضمير المخاطبين، وفي إيثار الرؤية على الملاقاة وتقييدها بالنظر مزيد مبالغة في مشاهدتهم له، كما أشار إليه التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (لما أشيع الخ) أي أشاع ذلك إبليس حيث صرخ صرخة عظيمة قال فيها إن محمدا قد قتل، وتكلم به المنافقون اهـ شيخنا.\rقوله: (إن كان قتل فارجعوا) فرجع منهم البعض، وقوله إلى دينكم وهو الكفر. قوله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قيل: القصر قلبي، فإنهم لما انقلبوا كأنهم اعتقدوا أنه ليس كسائر الرسل في أنه يموت كما ماتوا، ويجب التمسك بدينه بعده، كما يجب التمسك بأديانهم بعدهم. قوله: أَفَإِنْ ماتَ أي فلا ينبغي الرجوع عن دينه بعد موته، لأنه كسائر الأنبياء والرسل، وأممهم لم يرجعوا عن أديانهم بموتهم وقتلهم اهـ من أبي السعود.\rفالحاصل، أن اللّه تعالى بيّن أن موت محمد أو قتله لا يوجب ضعفا في دينه ولا الرجوع عنه بدليل موت سائر الأنبياء قبله، وأن أتباعهم على أديان أنبيائهم بعد موتهم اهـ خازن.\rقوله: أَفَإِنْ ماتَ الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء للعطف ورتبتها التقديم لأنها حرف عطف، وإنما قدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام، وقد تقدم تحقيق ذلك وأن الزمخشري يقدر بينهما فعلا محذوفا تعطف الفاء عليه ما بعدها، وقال ابن الخطيب الأوجه أن يقدر محذوف بعد الهمزة وقبل الفاء تكون الفاء عاطفة عليه، ولو صرح به لقيل أتؤمنون به مدة حياته، فإن مات ارتددتم فتخالفوا سنن أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد موتهم، وهذاهو مذهب الزمخشري، وإن شرطية ومات وانقلبتم شرط وجزاء، ودخول الهمزة على أداة الشرط لا يغير شيئا من حكمها اهـ سمين.\rقوله: (كغيره) أي من الرسل. قوله: (و الجملة الأخيرة) وهي انقلبتم محل الاستفهام الإنكاري أي إنكار ارتدادهم وانقلابهم عن الدين. قال الزمخشري: الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب أي أن قوله: أفإن مات مسبب عن جملة قوله: وما محمد إلا رسول. قال:\rوالهمزة لإنكار أن يجعلوا خلوا الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع","part":1,"page":488},{"id":493,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 489\rفترجعوا وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضرّ نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) نعمه بالثبات\rوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه كِتاباً مصدر أي كتب اللّه ذلك مُؤَجَّلًا مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الدُّنْيا أي جزاءه منها نُؤْتِهِ مِنْها ما قسم له ولا حظ له في الآخرة علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء أديانهم متمسكا بها يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، لا للانقلاب عنه اهـ. والحاصل: أن الفاء في قوله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ معلقة للجملة الشرطية بعدها بالجملة قبلها لأنها سببية، فيكون قوله أفإن مات مسببا عن قوله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، ودخلت همزة الاستفهام المذكور بينهما لإعطاء مزيد الإنكار والنفي، ولهذا التسبيب الذي تضمنه قوله. وَما مُحَمَّدٌ الخ وذلك لأن التركيب من باب القصر القلبي، لأنهم لما انقلبوا على أعقابهم، فكأنهم اعتقدوا أنه رسول لا كسائر الرسل في أنه يخلو كما يخلون، ويجب التمسك بدينه بعده، كما يجب التمسك بأديانهم بعدهم، فرد عليهم بأنه ليس إلا رسولا كسائر الرسل سيخلو كما خلوا، ويجب التمسك بدينه كما يجب التمسك بأديانهم، ثم عقب الإنكار عليهم بقوله: أَفَإِنْ ماتَ؟ والمعنى إذا علم أن أمره أمر الأنبياء السابقين، فلم عكستم الأمر فإن لم يجعل ذلك العلم سببا للثبات فلا أقل أن يجعل سببا لعدم الانقلاب اهـ كرخي.\rقوله: (محل الاستفهام الإنكاري) أي فالهمزة داخلة عليها في المعنى، والتقدير أانقلبتم على أعقابكم إن مات أو قتل، أي لا ينبغي منكم الانقلاب والارتداد حينئذ، لأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم مبلّغ لا معبود، وقد بلغكم، والمعبود باق فلا وجه لرجوعكم عن الدين الحق لو مات من بلغكم إياه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ما كان معبودا الخ) هذا تفسير لجملة الكلام، وفيه إشارة إلى أن القصر قصر قلب للرد عليهم في اعتقادهم أنه معبود، وهم وإن لم يعتقدوا ذلك حقيقة، لكن نزلوا منزلة من اعتقدوا ألوهيته لا رسالته حيث رجعوا عن الدين الحق لما سمعوا بقتله، فكأنهم اعتقدوه معبودا، وقد مات فرجعوا عن عبادته اهـ شيخنا.\rقوله: (بالثبات) أي على دينهم يوم أحد.\rقوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ أن تموت في محل رفع اسما لكان، ولنفس خبر مقدم، فيتعلق بمحذوف، إلّا بإذن اللّه حال من الضمير في تموت، فيتعلق بمحذوف، وهذا استثناء مفرغ.\rوالتقدير وما كان لها أن تموت إلا مأذونا لها والباء للمصاحبة اهـ سمين.\rقوله: (مصدر) أي مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي قبله فعامله مضمر تقديره كتب اللّه ذلك كتابا نحو صنع اللّه ووعد اللّه وكتاب اللّه عليكم، والمراد بالكتاب المؤجل المشتمل على الآجال اهـ سمين.\rقوله: (أي كتب اللّه ذلك) أي الموت مؤجلا أي كتابا مؤجلا قوله: (انهزمتم) أي فالغرض من هذا السياق توبيخ المنهزمين يوم أحد اهـ.\rقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا من مبتدأ وهي شرطية. وفي خبر هذا المبتدأ الخلاف المشهور،","part":1,"page":489},{"id":494,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 490\rوَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي من ثوابها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)\rوَكَأَيِّنْ كم مِنْ نَبِيٍ وأدغم أبو عمر وحمزة والكسائي وابن عامر بخلاف عنه دال يرد في التاء، والباقون بالإظهار، وقرأ أبو عمر بالإسكان في هاء نؤته في الموضعين وصلا ووقفا، وقالون وهشام بخلاف عنه بالاختلاس وصلا، والباقون بالإشباع وصلا. فأما السكون فقالوا: إن الهاء لما حلت محل ذلك المحذوف أعطيت ما كان يستحقه من السكون، وأما الاختلاس فلاستصحاب ما كانت عليه الهاء قبل حذف لام الكلمة، فإن الأصل تؤتيه فحذفت الياء للجزم، ولم يعتد بهذا العارض فبقيت الهاء على ما كانت عليه، وأما الإشباع فنظرا إلى اللفظ، لأن الهاء بعد متحرك في اللفظ، وإن كانت في الأصل بعد ساكن وهو الياء التي حذفت للجزم اهـ سمين.\rقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا الخ نزلت في الذين تركوا المركز وطلبوا الغنيمة، وقوله: وَمَنْ يُرِدْ الخ نزلت في الذين ثبتوا مع النبي، وهذه الآية وإن نزلت في الجهاد خاصة، لكنها عامة في جميع الأعمال اهـ خازن.\rقوله: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ المراد بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداء وغيرهم، وإما جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أوليا وإلى الأول أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍ كأين: مبتدأ وأصلها أي الاستفهامية أدخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى كم الخبرية التكثيرية، ولذلك فسرها الشارح بها، وهي كناية عن عدد مبهم وقوله:\rمِنْ نَبِيٍ تمييز لها وتنوينه للتكثير أي أنبياء كثيرون. وقوله: قاتَلَ فعل ماض ونائب الفاعل مستتر فيه يعود على المبتدأ، وهو كأين والجملة خبر المبتدأ، وكذلك على قراءة المبني للفاعل، فقوله والفاعل ضميره أراد بالفاعل الفاعل حقيقة أو حكما فيشمل نائب الفاعل على القراءة الأولى، وحينئذ يصح الوقف على قوله قتل، وقوله خبر مبتدؤه الخ، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في قتل على القراءتين اهـ شيخنا.\rوهذا أحد وجهين في الإعراب، والوجه الآخر أن نائب الفاعل على القراءة الأولى والفاعل على الثانية هو ربيون، وعبارة الكرخي: والفاعل على القراءتين ضمير النبي أو ربيون. ونصر الزمخشري هذا بقراءة قتادة قتل بالتشديد أي بتشديد التاء فيمتنع أن يكون فيه ضمير النبي، لأن التكثر لا يتأتى في الواحد، وقال أبو البقاء: لا يمتنع ذلك لأنه في معنى الجماعة اهـ. يعني أن من نبي المراد به الجنس، فالتكثير بالنسبة لكثر الأشخاص لا بالنسبة إلى كل فرد إذ القتل لا يتكثر في كل فرد، وهذا يؤدي ما جرى عليه الشيخ المصنف، كما رجح بكون القصة بسبب غزوة أحد، وتجادل المؤمنين حين قيل إن محمدا قد مات مقتولا كما قرره الشيخ المصنف انتهت.\rوعبارة السمين، قوله: وكأين من نبي هذه اللفظة قيل مركبة من كاف التشبيه، ومن أي الاستفهامية وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية ومثلها في التركيب وإفهام التكثير كذا في قولهم عندي كذا كذا درهما، والأصل كاف التشبيه، وذا الذي هو اسم إشارة، فلما ركبا حدث فيهما معنى التكثير فكم الخبرية وكأين وكذا كلها بمعنى واحد، وقد عهدنا التركيب إحداث معنى","part":1,"page":490},{"id":495,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 491\rقاتَلَ وفي قراءة قاتل والفاعل ضميره مَعَهُ خبر مبتدؤه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ جموع كثيرة فَما آخر. وفي كأين خمس لغات، إحداها: كأين وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير. والثانية:\rكائن بوزن فاعل وبها قرأ ابن كثير وجماعة وهي أكثر استعمالا من كأين وإن كانت تلك الأصل.\rالثالثة: كئين بياء خفيفة بعد الهمزة على مثال كريم، وبها قرأ ابن محيصن والأشهب العقيلي. الرابعة:\rكين بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة، وهذه مقلوبة عن القراءة التي قبلها، وقرأ بها بعضهم. الخامسة:\rكأن مثل كعن، وبها قرأ ابن محيصن أيضا، وهل هذه الكاف الداخلة على أي تتعلق بشيء كغيرها من حروف الجر أم لا، والصحيح أنها لا تتعلق بشيء لأنها مع أي صارتا بمنزلة كلمة واحدة وهي كم، فلم تتعلق بشيء وذلك هجر معناها الأصلي وهو التشبيه. واختار الشيخ أن كأين كلمة بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون هي من نفس الكلمة لا تنوين، لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكرواهذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد وتشحيذ الذهن وتمرينه. هذا ما يتعلق بكأين من حيث الإفراد، وأما ما يتعلق بها من حيث التركيب فموضعها رفع الابتداء وفي خبرها أربعة أوجه، أحدها: أنه قتل فإن فيه ضميرا مرفوعا به يعود على المبتدأ، والتقدير كثير من الأنبياء قتل، وعلى هذا يكون معه ربيون جملة في موضع نصب على الحال من الضمير في قتل، وهو أولى لأنه من قبيل المفردات، وأصل الحال والخبر والصفة أن تكون مفردة. الثاني: أن يكون قتل جملة في موضع جر صفة لنبي ومعه ربيون هو الخبر. الوجه الثالث: أن يكون الخبر محذوفا تقديره الدنيا أو مضى أو صبر ونحوه، وعلى هذا فقوله قتل في محل جر صفة لنبي وصف بصفتين بكونه قتل، وبكونه معه ربيون. الوجه الرابع: أن يكون قتال فارغا من الضمير مسندا إلى ربيون، وفي هذه الجملة حينئذ احتمالان، أحدهما: أن تكون خبرا لكأين. والثاني:\rأن تكون في محل جر صفة لنبي، والخبر محذوف على ما تقدم، وادعاء حذف الخبر ضعيف لاستقلال الكلام بدونه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو قُتِلَ مبنيا للمفعول، وقتادة كذلك إلا أنه شدد التاء، وباقي السبعة قاتل، وكل من هذه الأفعال يصلح أن يرفع ضمير نبي وأن يرفع ربيون على ما تقدم تفصيله. والربيون جمع ربي وهو العالم منسوب إلى الرب، وإنما كسرت راؤه تغيرا في النسب نحو:\rأمسي بالكسر منسوب إلى أمس، وقيل كسر للاتباع، وقيل لا تغيير فيه، وهو منسوب إلى الربة، وهي الجماعة، وهذه القراءة بكسر الراء قراءة الجمهور. وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن:\rربيون بضم الراء، وهو من تغيير النسب. إن قلنا هو منسوب إلى الرب، وقيل لا تغيير فيه، وهو منسوب إلى الربة، وهي الجماعة إذ فيها لغتان الكسر والضم. وقرأ ابن عباس في رواية قتادة بفتحها على الأصل. أن قلنا منسوب إلى الرب وإلّا فمن تغيير النسب. إن قلنا إنه منسوب إلى الربة قال ابن جني والفتح لغة تميم، وقال النقاش: هم المكثرون العلم من قولهم ربا يربو إذا كثر، انتهت.\rقوله: مَعَهُ أي حال كون الربيين معه في القتال، والقتل للبعض منهم لا له، لأنه لم يرد أن نبيا من الأنبياء قتل في جهاد قط، فقد قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، وقال الحسن البصري وجماعة: لم يقتل نبي في حرب قط اهـ أبو السعود.\rويمكن أن يراد بالمعية المعية في الدين أي حال كونهم مصاحبين له في الدين. قوله: رِبِّيُّونَ","part":1,"page":491},{"id":496,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 492\rوَهَنُوا جبنوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم وَما ضَعُفُوا عن الجهاد وَمَا اسْتَكانُوا خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل قتل النبي وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) على البلاء أي يثيبهم\rوَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل نبيّهم مع ثباتهم وصبرهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا قال البيضاوي أي ربانيون علماء أتقياء أو عابدون لربهم، وقيل جماعات، والربيّ منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة اهـ.\rقوله: فَما وَهَنُوا الضمير في وهنوا يعود إلى الربيين بجملتهم إن كان قتل مسندا إلى ضمير النبي، وكذا في قراءة قاتل سواء كان مسندا إلى ضمير النبي أو إلى الربيين، فإن كان مسندا إلى الربيين، فالضمير يعود على بعضهم، وقد تقدم ذلك عند الكلام في ترجيح قراءة قال. والجمهور على وهنوا بفتح الهاء، والأعمش، وأبو السماك بكسرها، وهما لغتان وهن يهن كوعد يعد ووهن كوجل يوجل. وروي عن أبي السماك أيضا، وعكرمة: وهنوا بسكون الهاء وهو من تخفيف فعل لأنه حرف حلق نحو نعم وشهد في نعم وشهدوا لما متعلق بوهنوا، وما يجوز أن تكون موصولة اسمية أو مصدرية أو نكرة موصوفة، والجمهور قرؤوا ضعفوا بضم العين وقرئ ضعفوا بفتحها وحكاها الكسائي لغة اهـ سمين.\rقوله: وَمَا اسْتَكانُوا أصل هذا الفعل استكن من السكون، لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليصنع به ما يريد والألف تولدت من إشباع الفتحة اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه استفعل من السكون والسكون الذل وأصله استكون فنقلت حركة الواو على الكاف، ثم قلبت الواو ألفا، وقال الأزهري، وأبو علي: ألفه من ياء والأصل استكين ففعل بالياء ما فعل بالواو. الثالث: قال الفراء: وزنه افتعل من السكون، وإنما أشبعت الفتحة فتولد منها ألف كقوله:\rأعوذ باللّه من العقراب ... الشائلات عقد الأذناب\r\rيريد العقرب الشائلة انتهت.\rقوله: (كما فعلتم) راجع لقوله: فما وهنوا الخ اهـ.\rقوله: وَما كانَ قَوْلَهُمْ الجمهور على نصب قولهم خبرا مقدما، والاسم أن وما في حيزها تقديره وما كان قولهم إلا قولهم هذا الدعاء، أي هو دأبهم وديدنهم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع قولهم على أنه اسم، والخبر أن وما في حيزها. وقراءة الجمهور أولى لأنه إذا اجتمع معرفتان فالأولى أن تجعل الأعرف منهما اسما وأن وما في حيزها أعرف قالوا لأنها تشبه المضمر من حيث إنها لا تضمر ولا توصف ولا يوصف بها، وقولهم مضاف لمضمر فهو في رتبة العلم فهو أقل تعريفا اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: وما كان قولهم كلام مبين لمحاسنهم القولية معطوف على ما قبله من الجمل المبينة لمحاسنهم الفعلية، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان قولا لهم عند لقاء العدو، واقتحام مضائق الحرب، وإصابة ما أصابهم من فنون الشدائد والأهوال شيء من الأشياء إِلَّا أَنْ قالُوا","part":1,"page":492},{"id":497,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 493\rذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا تجاوزنا الحد فِي أَمْرِنا إيذانا بأن ما أصابهم لسوء فعلهم وهضما لأنفسهم وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بالقوة على الجهاد وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147)\rفَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا النصر والغنيمة وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي الجنة وحسنه التفضل فوق الاستحقاق وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا فيما يأمرونكم به يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ إلى الكفر فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149)\rبَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم وَهُوَ خَيْرُ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي صغائرنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي تجاوزنا الحد في ارتكاب الكبائر. أضافوا الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين برآء من التفريط في جنب اللّه تعالى هضما لها واستقصارا لهم، وإسنادا لما أصابهم إلى أعمالهم، وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقولهم وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي في مواطن الحرب بالتقوية والتأييد من عندك أوثقتنا على دينك الحق وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ تقريبا له إلى حيز القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن ذكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة. والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاء من غير أن يصدر عنهم قول يوهم شائبة الجزع والتزلزل في مواقف الحرب ومراصد الدين، وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى انتهت.\rقوله: (إيذانا بأن ما أصابهم الخ) معمول لقوله قالوا أي قالوا ذلك إيذانا الخ. قوله: فَآتاهُمُ اللَّهُ أي بسبب دعائهم المذكور. قوله: (النصر والغنيمة) فيه أن الغنيمة لم تحل لغير نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويمكن أن يقال المراد أن اللّه أكرمهم بتمكينهم من أخذ أموال الكفار إهانة لهم، وإن كانت بعد ذلك تأتي لها نار تأكلها إشارة إلى قبول المجاهدين والرضا عنهم. وقوله: أي (الجنة) تفسير لثواب الآخرة، والمراد بالجنة بعضها الذي يقابل أعمالهم الصالحة ويستحقونه بها. وقوله: (التفضل فوق الاستحقاق) المراد من هذه العبارة أن المراد بحسن الثواب زيادة على ما يستحق بالعمل بتفضل اللّه بها عليهم، كأنه قال: فآتاهم ثواب الدنيا وزيادة من نعيم الجنان على ما يستحق بالعمل. وعبارة الخازن:\rفآتاهم اللّه ثواب الدنيا يعني النصر، والغنيمة، وقهر الأعداء، والثناء الجميل، وغفران الذنوب والخطايا، وحسن ثواب الآخرة يعني الجنة وما فيها من النعيم المقيم، وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالته وعظمته لأنه غير زائل ولم يشب بتنغيص ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلته، ولأنه سريع الزوال مع ما يشوبه من التنغيص وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يعني الذين يفعلون مثل فعل هؤلاء، انتهت.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا الخ نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم، ولو كان محمد نبيا لما قتل، وقيل إن تستكينوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم، وقيل عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يستجر إلى موافقتهم اهـ بيضاوي. وقوله: تستكينوا أي تخضعوا، وقوله: يستجر أي يقتضي جرهم.\rقوله: (فيما يأمرونكم به) إذ قالوا يوم أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم اهـ كرخي.\rقوله: خاسِرِينَ أي في الدارين، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا","part":1,"page":493},{"id":498,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 494\rالنَّاصِرِينَ (150) فأطيعوه دونهم\rسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بسكون العين وضمها الخوف وقد عزموا بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين فرعبوا ولم يرجعوا بِما أَشْرَكُوا بسبب إشراكهم بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً حجة على عبادته وهو الأصنام وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الظَّالِمِينَ (151) الكافرين هي\rوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ الانقياد إلى العدو وإظهار الحاجة، وأما خسران الآخرة فالحرمان من الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد اهـ كرخي.\rقوله: بَلِ اللَّهُ اضراب عما يفهم من مضمون الشرطية كأنه قيل: فليسوا أنصارا لكم حتى تطيعوهم، بل اللّه الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: سَنُلْقِي الجمهور بنون العظمة، وهو التفات من الغيبة في قوله: وهو خير الناصرين، وذلك للتنبيه على عظم ما يلقيه تعالى. وقرأ أيوب السختياني: سيلقى بالغيبة جريا على الأصل، وقدم المجرور على المفعول به اهتماما بذكر المحل قبل ذكر الحال، والإلقاء هنا مجاز لأن أصله في الإجرام فاستعير هنا، والرعب بضم الراء والعين في قراءة ابن عامر، والكسائي، وقرأ الباقون بالإسكان فقيل لغتان، وقيل الأصل الضم وخفف، وهو الخوف يقال رعبته فهو مرعوب، وأصله الامتلاء يقال: رعبت الحوض أي ملأته وسيل راعب أي ملأ الوادي اهـ سمين.\rوفي المصباح: رعبت رعبا من باب نفع خفت ويتعدى بنفسه، وبالهمزة أيضا فيقال: رعبته وأرعبته والاسم الرعب بالضم وبضم العين للاتباع ورعبت الإناء ملأته اهـ. وهذه الآية نزلت في أثناء القتال أو عقب انفضاضه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بعد ارتحالهم من أحد) أي وقد نزلوا بملل بوزن جبل موضع قريب من المدينة، فقال بعضهم لبعض: ما صنعتم شيئا فقد بقي من القوم وجوه وروساء يجمعون عليكم، فارجعوا لنستأصل من بقي، فقال بعض آخر منهم: لا تفعلوا فإن الدولة لكم فلو رجعتم لربما كانت عليكم اهـ من شرح المواهب.\rوخرج صلّى اللّه عليه وسلّم في أثرهم في ستمائة وثلاثين وهم الذين شهدوا أحدا حتى نزل بحمراء الأسد، وهو مكان على ثمانية أميال من المدينة، فلم يدرك منهم أحدا. وتمام الكلام مبسوط في كتب السير اهـ.\rقوله: بِما أَشْرَكُوا متعلق بنلقي دون الرعب اهـ أبو السعود. وقوله: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أي بعبادته. وقوله: (حجة) سميت سلطانا لوضوحها وإناراتها أو لقوتها ولحدتها ونفوذها اهـ أبو السعود.\rقوله: وَمَأْواهُمُ النَّارُ الخ بيان لأحوالهم في الآخرة بعد بيان أحوالهم في الدنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ في جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم رمز إلى خلودهم فيها، فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان اهـ أبو السعود.","part":1,"page":494},{"id":499,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 495\rوَعْدَهُ إياكم بالنصر إِذْ تَحُسُّونَهُمْ تقتلونهم بِإِذْنِهِ بإرادته حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ جبنتم وقدم المأوى على المثوى لأنه على الترتيب الوجودي يأوي ثم يثوي اهـ كرخي.\rقوله: (هي) هذاهو المخصوص بالذم. قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ نزلت لما اجتمع المؤمنون بعد رجوعهم للمدينة، وقال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا اللّه بالنصر، وهو ما وعدهم على لسان نبيه حيث قال للرماة: «لا تبرحوا من مكانكم ولن تزالوا غالبين ما ثبتم مكانكم»، وقد كان كذلك، فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرمونهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يقتلونهم قتلا ذريعا حتى قتلوا منهم فوق العشرين اهـ أبو السعود.\rوصدق يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بالحرف، وقد يحذف كهذه الآية والتقدير صدقكم وعده، كقوله صدقته في الحديث وإذ تحسونهم معمول لصدقكم أي صدقكم في هذا الوقت، وهو وقت قتلهم، وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولا للوعد في قوله وعده، وفيه نظر لأن الوعد متقدم على هذا الوقت يقال حسسته أحسه أي قتلته، وقوله بإذن متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل تحسونهم أي تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك اهـ سمين. وفي المختار: إذ تحسونهم أي تستأصلونهم قتلا وبابه ردّ اهـ.\rقوله: (تقتلونهم) أي قتلا كثيرا فاشيا من حسه إذا أبطل حسه، وهو ظرف لصدقكم اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي، قوله: (تقتلونهم) أشار به إلى المراد به هنا لأنه وقع بمعنى علم ووجد، وأصله أبصر ثم وضع موضع العلم والوجود، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ [آل عمران:\r52] أي علم ومنه قوله تعالى: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم: 98] أي ترى وبمعنى الطلب، ومنه قوله تعالى: فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [يوسف: 78] أي اطلبوا خبره اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ في حتى هذه قولان، أحدهما: أنها حرف جر بمعنى إلى وفي متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنها متعلقة بتحسونهم أي تقتلونهم إلى هذا الوقت، والثاني: أنها متعلقة بصدقكم، وهو ظاهر قول الزمخشري حيث قال: ويجوز أن يكون المعنى صدقكم اللّه وعده إلى وقت فشلكم، والثالث: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم. القول الثاني: أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية، وإذا على بابها من كونها شرطية، وفي جوابها حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه وتنازعتم قاله الفراء وتكون الواو زائدة الثاني: أنه ثم صرفكم وثم زائدة وهذان القولان ضعيفان جدا. والثالث: وهو الصحيح أنه محذوف، واختلفت عباراتهم في تقديره فقدره ابن عطية انهزمتم، وقدره الزمخشري منعكم نصره، وقدره أبو البقاء بأن لكم أمركم ودل على ذلك قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا الخ، وقدره غيره امتحنتم، وقدره بعضهم انقسمتم إلى قسمين ويدل عليه ما بعده وهو نظير، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [لقمان: 32] واختلفوا في إذا هذه هل هي على بابها أم بمعنى إذ، والصحيح الأول سواء قلنا إنها شرطية أم لا اهـ سمين.\rوفي المصباح: فشل فشلا فهو فشل من باب تعب، وهو الجبان الضعيف القلب اهـ.","part":1,"page":495},{"id":500,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 496\rعن القتال وَتَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي الْأَمْرِ أي أمر النبي بالمقام في سفح الجبل للرمي فقال بعضكم نذهب فقد نصر أصحابنا وبعضكم لا نخالف أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَعَصَيْتُمْ أمره فتركتم المركز لطلب الغنيمة مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ اللّه ما تُحِبُّونَ من النصر وجواب إذا دلّ عليه ما قبله أي منعكم نصره مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا فترك المركز للغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فثبت به حتى قتل كعبد اللّه بن جبير وأصحابه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عطف على جواب إذا المقدر ردكم بالهزيمة عَنْهُمْ أي الكفار لِيَبْتَلِيَكُمْ ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ما ارتكبوه وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) بالعفو اذكروا\rإِذْ تُصْعِدُونَ تبعدون في الأرض هاربين وَلا تَلْوُونَ تعرجون عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ قوله: وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ المراد به ضد النهي، كما أشار إليه الشارح، والكلام على حذف مضاف أي في امتثال أمره، وقوله: (في سفح جبل) أي أصله. وفي المختار: وسفح الجبل أسفله اهـ.\rوفي المصباح: وسفح الجبل اهـ. قوله: (لطلب الغنيمة) أي لأجل طلبها أي تحصيلها. قوله: (من النصر) أي في ابتداء الأمر، ولما خالفوا أمر النبي تغير الحال عليهم اهـ شيخنا. قوله: (ما قبله) وهو قوله ولقد صدقكم اللّه وعده. قوله: (فترك المركز للغنيمة) أي لأجلها أي لأجل تحصيلها. قوله:\r(عطف على جواب إذا المقدر) أي فقوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه اهـ كرخي. قوله: (ردكم بالهزيمة) أي هزيمتكم. قوله:\rوَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أي تفضلا لما علم من ندمكم على المخالفة اهـ أبو السعود.\rقوله: إِذْ تُصْعِدُونَ العامل في إذ قيل مضمر أي اذكروا، وقال الزمخشري: صرفكم أو ليبتليكم، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ظرفا لعصيتم، أو تنازعتم، أو فشلتم، وقيل: هو ظرف لعفا عنكم وكل هذه الوجوه سائغة وكونه ظرفا لصرفكم جيد من جهة المعنى، ولعفا جيد من جهة القرب، وعلى بعض هذه الأقوال تكون المسألة من باب التنازع، وتكون على إعمال الأخير منها لعدم الإضمار في الأول، ويكون التنازع في أكثر من عاملين، والجمهور على تصعدون بضم التاء وكسر العين من أصعد في الأرض إذا ذهب فيها والهمزة فيه للدخول نحو: أصبح زيد أي دخل في الصباح.\rفالمعنى إذ تدخلون في الصعود يبين ذلك قراءة أبيّ تصعدون في الوادي. وقرأ الحسن والسلمي تصعدون من صعد في الجبل أي رقي. والجمع بين القراءتين أنهم أولا أصعدوا في الوادي، فلما ضايقهم العدو صعدوا في الجبل، وهذا على رأي من يفرق بين أصعد وصعد وقرأ بعضهم تصعدون بالتشديد، وأصلها تتصعدون، فحذفت إحدى التاءين إما تاء المضارعة وإما تاء تفعل والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما تقدم، والجمهور تصعدون بناء الخطاب، وابن محيصين، ويروى عن ابن كثير بياء الغيبة على الالتفات وهو حسن، ويجوز أن يعود الضمير على المؤمنين أي: واللّه ذو فضل على المؤمنين إذ يصعدون، فالعامل في إذ فضل يقال أصعد أبعد في الذهاب. قال الضبي: كأنه أبعد كإبعاد الارتفاع.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 1 497\r\rوقوله: وَلا تَلْوُونَ الجمهور على تلوون بواوين، وقرئ بإبدال الأولى همزة كراهية اجتماع","part":1,"page":496},{"id":501,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 497\rيَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي من ورائكم يقول إليّ عباد اللّه فَأَثابَكُمْ فجازاكم غَمًّا بالهزيمة بِغَمٍ بسبب غمكم للرسول بالمخالفة وقيل الباء بمعنى على أي مضاعفا على غمّ فوت الغنيمة لِكَيْلا متعلق بعفا أو بأثابكم فلا زائدة تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ واوين وليس بقياس لكون الواو عارضة والواو المضمومة تبدل همزة بشروط تقدم ذكرها في البقرة، منها: أن لا تكون الضمة عارضة كهذه الآية. وأصل تلوون تلويون، فأعل بحذف اللام وقد تقدم في قوله يلوون ألسنتهم. وقرأ الأعمش وورش عن عاصم تلوون بضم التاء من ألوى وهي لغة ففعل وأفعل بمعنى، وقرأ الحسن تلون بواو واحدة، وخرجوها على أنه أبدل الواو همزة، ثم نقلت حركة الهمزة على اللام، ثم حذفت الهمزة على القاعدة، فلم يبق من الكلمة إلا الفاء. وقال ابن عطية: وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين اهـ سمين.\rوالمضارع بمعنى الماضي أي صعدتم. والمقصود من هذا التذكير التوبيخ أو الامتنان والإيقاظ لشكر النعمة، وذلك بالنظر لقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (هاربين) أي من العدو. قوله: (تعرجون) أي تقيمون من التعريج، وهو الإقامة على الشيء، والمعنى ولا تلتفتون إلى ما وراءكم، ولا يقف واحد منكم لواحد اهـ شيخنا.\rوفي المختار: والتعريج على الشيء الإقامة عليه يقال عرج فلان على المنزل تعريجا إذا حبس مطيته عليه وأقام اهـ.\rوفي البيضاوي: ولا تلوون على أحد أي لا يقف أحد لأحد ولا ينظره اهـ. أي لأن من شأن المنتظر أن يلوي عنقه اهـ شهاب.\rقوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ مبتدأ وخبره في محل نصب على الحال العامة فيها تلوون اهـ سمين.\rقوله: (أي من ورائكم) هذا يقتضي أن في معنى من وأخرى بمعنى آخر، وعبارة أبي السعود: في أخراكم في ساقتكم وجماعتكم الأخرى اه، وعلى هذا فالجار والمجرور حال من الرسول اهـ.\rقوله: (يقول إليّ عباد اللّه إليّ عباد اللّه) تمامه أنا رسول اللّه من يكرّ فله الجنة اهـ بيضاوي.\rقوله: فَأَثابَكُمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على تصعدون وتلوون، ولا يضر كونهما مضارعين لأنهما ماضيان في المعنى، لأن إذا المضافة إليهما صيرتهما ماضيين، فكأن المعنى إذ صعدتم ولا لويتم. والثاني: أنه معطوف على صرفكم اهـ سمين.\rوسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابا على سبيل المجاز، لأن لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، وقد يجوز استعماله في الشر، لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع، فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا، فمتى حملنا لفظ الثواب على أصل اللغة كان حقيقة ومتى حملناه على الأغلب كان مجازا اهـ خازن.\rقوله: (أي مضاعفا) أي زائدا. قوله: (متعلق بعفا) وعلى هذا فلا نافية لا زائدة أي عفا عنكم","part":1,"page":497},{"id":502,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 498\rمن الغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153)\rثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً أمنا نُعاساً بدل يَغْشى بالياء والتاء طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحجف وتسقط السيوف منهم وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي حملتهم لأجل أن ينتفي حزنكم، فقوله: (فلا زائدة) راجع للثاني فقط، والمعنى عليه فجازاكم بالغم لأجل أن تحزنوا اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا ما أَصابَكُمْ لا زائدة اهـ خازن.\rقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ الخ معطوف على فأثابكم المعطوف على صرفكم أي صرفكم عنهم فأثابكم غما، ثم أنزل اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ بَعْدِ الْغَمِ التصريح بالبعدية مع دلالة ثم عليهم، وعلى التراخي لزيادة البيان وتذكير عظم النعمة اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمَنَةً (أمنا) نصب على المفعولية، ولا يصح جعلها مفعولا لأجله لاختلاط شرطه، وهو اتحاد الفاعل فإن فاعل أنزل غير فاعل الأمنة وقضية تقريره أن الأمن والأمنة بمعنى واحد، وقيل الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمنة مع بقاء سببه اهـ كرخي.\rأي أنزل اللّه عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس. وعن أبي طلحة: غشينا النعاس في المصاف حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه اهـ.\rقوله: (بدل) بدل كل من كل بالنظر لما صدقهما، وقيل بدل اشتمال لأن كلام من الأمنة والنعاس مشتمل على الآخر واختاره السمين اهـ كرخي.\rقوله: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ الخ قال ابن عباس: آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم، وإنما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام في إلقاء النعاس على المؤمنين دون المنافقين معجزة باهرة، فإن النعاس كان سبب أمن المؤمنين، وعدمه كان سبب خوف المنافقين اهـ خازن.\rقوله: (بالياء) أي في قراءة الجمهور إسنادا إلى ضمير النعاس، أي يغشى هو. وقوله: (و التاء) أي في قراءة حمزة والكسائي إسنادا إلى ضمير أمنة أي تغشى هي اهـ كرخي.\rقوله: (فكانوا يميدون) أي يميلون كما في بعض النسخ أي يميلون من النعاس، والحجف بفتحتين جمع حجفة كذلك اسم للترس والدرقة، وفي المصباح: ماد يميد ميدا من باب وميدانا بفتح الياء تحرك اهـ.\rوفيه أيضا الحجفة الترس الصغير يطارق بين جلدين، والجمع حجف وحجفات، مثل قصبة وقصب وقصبات اهـ.\rقوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ جملة مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين، كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.","part":1,"page":498},{"id":503,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 499\rعلى الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظنا غَيْرَ الظن الْحَقِّ ظَنَ أي كظن الْجاهِلِيَّةِ حيث اعتقدوا أن النبي قتل أو لا ينصر يَقُولُونَ هَلْ ما لَنا مِنَ الْأَمْرِ أي النصر الذي وعدناه مِنْ زائدة شَيْءٍ قُلْ لهم إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بالنصب توكيد أو بالرفع مبتدأ خبره لِلَّهِ أي القضاء له يفعل ما يشاء يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ يظهرون لَكَ يَقُولُونَ بيان لما قبله لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرج فلم نقتل لكن أخرجنا كرها قُلْ لهم لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وفيكم قوله: (دون النبي وأصحابه) أي دون نجاة النبي وأصحابه. قوله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ أي في اللّه أي في حكمه، والجملة حال من الضمير المنصوب في أهمتهم، أو استئناف على وجه البيان لما قبله اهـ كرخي.\rقوله: (ظنا] غَيْرَ [الظن] الْحَقِ إشارة إلى أنه منصوب على المصدر توكيدا ليظنون اهـ كرخي.\rقوله: (أي كظن) الْجاهِلِيَّةِ أشار به إلى أنه مصدر منصوب بنزع الخافض، وقال القاضي بدل من غير الحق وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها. وفي إضافة ظن إلى الجاهلية كما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني وجهان، أحدهما: أن يكون من إضافة الموصوف إلى مصدر الصفة ومعناها الاختصاص بالجاهلية، كما في حاتم الجود، ورجل صدق على معنى حاتم المختص بوصف الجود، ورجل مختص بوصف الصدق. والثاني: أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل باللّه اهـ كرخي.\rقوله: يَقُولُونَ بدل من يظنون، وقوله هل ما أشار به إلى أنه استفهام إنكاري فيكون معناه النفي اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ شَيْءٍ إما مبتدأ خبره لنا أو فاعل بلنا لاعتماده على الاستفهام ومن عليهما زائدة كما قرره، ومن الأمر حال من المبتدأ لأنه لو تأخر عن شيء لكان نعتا له فيتعلق بمحذوف أو بالفاعل وهو شيء لكونه مرفوعا حقيقة لا مجرورا اهـ كرخي.\rقوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يقولون فيما بينهم بطريق الخفية اهـ أبو السعود، والجملة حال من ضمير يقولون اهـ كرخي.\rقوله: (بيان لما قبله) أي استئناف على وجه البيان له، فلا محل له من الإعراب حينئذ، أو يدل من يخفون والأول أجود كما في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: ما قُتِلْنا جواب لو وجاء على الأفصح، فإن جوابها كان منفيا بما، فالأكثر عدم اللام وفي الإيجاب بالعكس اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الْأَمْرِ المراد به الاختيار، كما أشار له المفسر. قوله: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ أي ولم تخرجوا إلى أحد وقعدتم بالمدينة كما تقولون لبرز الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ","part":1,"page":499},{"id":504,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 500\rمن كتب اللّه عليه القتل لَبَرَزَ خرج الَّذِينَ كُتِبَ قضي عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ منكم إِلى مَضاجِعِهِمْ مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة وَفعل ما فعل بأحد لِيَبْتَلِيَ يختبر اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ قلوبكم من الاخلاص والنفاق وَلِيُمَحِّصَ يميز ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس\rإِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ عن القتال يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع الكفار بأحد وهم المسلمون إلا اثنا عشر رجلا إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ أزلهم الشَّيْطانُ بوسوسته بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمؤمنين حَلِيمٌ (155) لا بسبب من الأسباب الداعية إلى البروز إلى مضاجعهم، أي مصارعهم التي قدر اللّه تعالى قتلهم فيها، وقتلواهناك البتة، ولم تنفع العزيمة على الإقامة بالمدينة قطعا، فإن قضاء اللّه لا يرد وحكمه لا يعقب.\rوفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، كما في قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: 78] بل عين مكانه أيضا ولا ريب في تعيين زمانه أيضا لقوله تعالى:\rفَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: 34]. روي أن ملك الموت حضر مجلس سليمان عليهما السّلام فنظر إلى رجل من أهل المجلس نظرة هائلة، فلما قام قال الرجل: من هذا؟ فقال سليمان عليه السّلام: ملك الموت، قال: أرسلني مع الريح إلى عالم آخر، فإني رأيت منه مرأى هائلا: فأمرها عليه السّلام فألقته في قطر سحيق أي بعيد من أقطار العالم، فما لبث أن عاد ملك الموت إلى سليمان فقال: كنت أمرت بقبض روح ذلك الرجل في هذه الساعة في أرض كذا، فلما وجدته في مجلسك قلت متى يصل هذا إليها وقد أوصلته الريح إلى ذلك فوجدته هناك فقضي أمر اللّه في زمانه ومكانه عن غير إخلال بشيء من ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: (مصارعهم) أي الأماكن التي ماتوا فيها عند أحد. وقوله: (فيقتلوا) في نسخة فيقتلون وهي أظهر لعدم مقتضى حذف النون اهـ.\rقوله: (و فعل ما فعل) أي ما فعله بالمؤمنين في أحد فهذه العلة أي قوله ليبتلي معطوفة في الحقيقة على علة مقدرة كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة، ويبتلي الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: بِذاتِ الصُّدُورِ أي السرائر والضمائر الخفية التي لا تكاد تفارق الصدور، بل تلازمها وتصاحبها اهـ أبو السعود.\rقوله: (إلا اثني عشر رجلا) أي أقاموا مع النبي فلم ينهزموا. قوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ أي إنما كان سبب انهزامهم أن الشيطان أزلهم بوسوسته، وقوله: بِبَعْضِ ما كَسَبُوا فحرموا التأييد وقوة القلب اهـ أبو السعود.\rقوله: بِبَعْضِ أي بشؤم بعض ما كسبوا من الذنوب وبصدور ذلك منهم قدر الشيطان على استزلالهم، وعلى هذا أنهم لم يتولوا عنادا ولا فرارا من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم فكرهوا لقاء اللّه إلا على حال يرتضونها، قاله الزجاج. وقيل لما أذنبوا بمفارقة المركز أزلهم الشيطان بهذه المعصية وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أي لتوبتهم واعتذارهم اهـ كرخي. قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ","part":1,"page":500},{"id":505,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 501\rيعجل على العصاة\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي المنافقين وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي في شأنهم إِذا ضَرَبُوا سافروا فِي الْأَرْضِ فماتوا أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غاز فقتلوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا أي لا تقولوا كقولهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القول في عاقبة أمرهم حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ تعليل لقوله ولقد عفا اللّه عنهم اهـ. قوله: كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي في نفس الأمر. قوله: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي في الكفر والنفاق، وقيل في النسب، وكانوا مسلمين اهـ خازن.\rقوله: إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي سافروا فيها وبعدوا للتجارة أو غيرها، وإيثار إذا المفيدة لمعنى الاستقبال على إذ المفيدة لمعنى الماضي لحكاية الحال الماضية، إذ المراد بها الزمان المستمر المنتظم للحال الذي عليه يدور أمر استحضار الصورة. قال الزجاج: إذاهنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو يقصد بها الاستمرار وظرفيتها لقولهم إنما هي باعتبار ما وقع فيها، بل التحقيق أنها ظرف له لا لقولهم، كأنه قيل. قالوا الأجل ما أصاب إخوانهم حين ضربوا الخ اهـ.\rقوله: (فماتوا) أخذه من قوله ما ماتُوا وقوله فقتله أخذه من قوله وما قتلوا اهـ.\rقوله: أَوْ كانُوا غُزًّى عطف خاص، وذكر بعد دخوله فيما قبله لأنه المقصود في المقام وما قبله توطئة له على أنه قد يوجد بدون الضرب في الأرض، كما في قصة أحد، وإنما لم يقل أو غزوا للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة اهـ أبو السعود.\rقوله: (جمع غاز) على حد قوله:\rوفعل لفاعل وفاعله\r\rالبيت وهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة عن الواو، وحذفت لالتقاء الساكنين، وأصله غزو تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ثم حذفت لما ذكر اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والجمهور على غزى بالتشديد جمع غاز وقياسه غزاة كرام ورماة، ولكنهم حملوا المعتل على الصحيح في نحو ضارب وصائم. وقرأ الحسن غزى بالتخفيف وفيه وجهان، أحدهما: أنه خفف الزاي كراهية التثقيل في الجمع. والثاني: أن أصله غزاة كقضاة ورماة، ولكنه حذف تاء التأنيث لأن نفس الصيغة دالة على الجمع فالتاء مستغنى عنها اهـ.\rقوله: لَوْ كانُوا مقول القول. وقوله: عِنْدَنا أي مقيمين عندنا. قوله: (أي لا تقولوا) أي ولا تعتقدوا مقتضى هذا القول المذكور، فالمقصود النهي عن هذا القول واعتقاد مضمونه كما يشير له ليجعل الخ. فإن الذي جعل حسرة هو الاعتقاد اهـ أبو السعود.\rقوله: (في عاقبة أمرهم) أشار به إلى أن هذه اللام ليست لام العلة كما هو ظاهر، بل لام العاقبة على حد لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] اهـ شيخنا. وعلى هذا فتتعلق بقالوا.\rوالمعنى أنهم قالوا ذلك لغرض من أغراضهم، فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة، كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] إذ لم يتلقطوه لذلك، لكن كان مآله","part":1,"page":501},{"id":506,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 502\rيُحْيِي وَيُمِيتُ فلا يمنع عن الموت قعود وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالتاء والياء بَصِيرٌ (156) فيجازيكم به\rوَلَئِنْ لام قسم قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الجهاد أَوْ مُتُّمْ بضم الميم وكسرها من مات يموت ويمات أي أتاكم الموت فيه لَمَغْفِرَةٌ كائنة مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ منه لكم على لذلك والجعل هنا بمعنى التصيير، وحسرة مفعول ثان، وفي قلوبهم يجوز أن يتعلق بالجعل، وهو أبلغ أو بمحذوف على أنه صفة للنكرة قبله، واختلف في المشار إليه بذلك. فعن الزجاج هو الظن ظنوا أنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا، وقال الزمخشري: هو النطق بالقول والاعتقاد. وأجاز ابن عطية أن يكون النهي والانتهاء معا اهـ سمين.\rقوله: (فلا يمنع عن الموت قعود) فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الموت، ويميت المقيم والقاعد مع حيازتهما لأسباب السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم، وهذا على قراءة التاء، وأما على قراءة الياء فهو وعيد للذين كفروا وما يعملون عام شامل لقولهم المذكور، ولمنشئه الذي هو اعتقادهم، ولما ترتب على ذلك من الأعمال، ولذلك تعرض لعنوان البصر اهـ أبو السعود. فقول الشارح فيجازيكم هو على قراءة التاء ويقال على الأخرى فيجازيهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ شروع في تحقيق أن ما يحذرون ترتبه على الغزو والسفر من القتل والموت في سبيل اللّه تعالى ليس مما ينبغي أن يحذر، بل مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون إثر إبطال ترتبه عليهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (لام قسم) أي موطئة للقسم أي دالة على قسم مقدر. قوله: (بضم الميم وكسرها) قراءتان سبعيتان، والأول من مات يموت كقال يقول وتصرف فيه في الماضي، فإن أصله موت، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا وفي المضارع، فإن أصله يموت نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها، والثاني أصله في الماضي موت كخوف تحركت الواو بفتح ما قبلها كما سبق، فهو من باب علم، وأصله في المضارع يموت بوزن يعلم نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها، ثم قلبت ألفا فصار مثل يخاف، فيقال في الماضي عند إسناده لتاء الضمير متم كما يقال خفتم وأصله موتم بوزن علمتم نقلت كسرة الواو إلى الميم بعد سلب حركتها، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: فأما الضم فلأن فعل بفتح العين من ذوات الواو، وكل ما كان كذلك، فقياسه إذا أسند إلى تاء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه، إما من أوّل وهلة، وإما أن تبدل الفتحة ضمة، ثم تنقلها إلى الفاء على اختلاف بين التصريفين، فيقال في قام وقال وطال قمت وقمنا وقلت وقلنا وطلت وطلنا، وما أشبهه، ولهذا جاء مضارعه على يفعل بضم العين نحو: يموت. وأما الكسر، فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة من يقول مات يمات كخاف يخاف، والأصل موت بكسر العين كخوف، فجاء مضارعه على يفعل بفتح العين، فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء أو إحدى أخواتها مت بالكسر ليس إلا، وسببه أنا نقلنا حركة الواو إلى الفاء بعد سلب حركتها دلالة على بنية الكلمة في الأصل اهـ.\rقوله: (أي أتاكم الموت فيه) أي في سبيل اللّه. قوله: (على ذلك) أي على ما ذكر من الموت","part":1,"page":502},{"id":507,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 503\rذلك واللام مدخولها جواب القسم وهو في موضع الفعل مبتدأ خبره خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) من الدنيا بالتاء والياء\rوَلَئِنْ لام قسم مُتُّمْ بالوجهين أَوْ قُتِلْتُمْ في الجهاد أو غيره لَإِلَى اللَّهِ لا إلى غيره تُحْشَرُونَ (158) في الآخرة فيجازيكم\rفَبِما ما زائدة رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ يا والقتل، وعلى بمعنى لام التعليل. قوله: (و اللام) أي لام الابتداء ومدخولها، وهو مجموع المبتدأ والخبر، وقوله جواب القسم، وأما جواب الشرط فمحذوف على القاعدة كما قال ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط. وقسم جواب ما أخرت، والتقدير غفر لكم ورحمكم. وقوله: وهو في موضع الفعل الضمير عائد على مدخول اللام الذي هو مجموع المبتدأ والخبر. وقوله: (في موضع الفعل) والتقدير: ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متم ليغفرن اللّه لكم ويرحمكم، لكن يتأمل قوله في موضع الفعل فإنه لا حاجة إليه مع أن القسم يجاب بكل من الاسمية والفعلية، ولهذا لم يذكر هذه الدعوى المعرب، ولا غيره من المفسرين ممن رأينا تأمل. قوله: (من الدنيا) أي من زهرتها التي لأجلها تتأخرون عن الجهاد زهادة في الآخرة، وفيه إشارة إلى أن ما مصدرية، والمفعول محذوف، ويجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة والعائد محذوف اهـ كرخي.\rقوله: (بالتاء والياء) عبارة السمين: قرأ الجماعة تجمعون بالخطاب جريا على قول: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ وحفص بالغيبة إما على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين، وهذه ثلاثة مواضع تقدم الموت على القتل في الأول منها وفي الأخير وتقدم القتل على الموت في المتوسط، وذلك أن الأول لمناسبة ما قبله من قوله إذا ضربوا في الأرض، أو كانوا غزى فرجع الموت لمن ضرب في الأرض والقتل لمن غزا، وأما الثاني فلأنه محل تحريض على الجهاد فقدم الأهم الأشرف، وأما الأخير فلأن الموت أغلب اهـ.\rقوله: (بالوجهين) أي ضم الميم وكسرها. وقوله: (في الجهاد أو غيره) راجع لكل من الفعلين.\rقوله: (لا إلى غيره) أي فالتقديم للحصر. وفي الخازن: وقد قسم بعضهم مقامات العبودية ثلاثة أقسام: فمن عبد اللّه خوفا من ناره أمنه اللّه مما يخاف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ، ومن عبد اللّه شوقا إلى جنته أناله ما يرجو، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَرَحْمَةٌ لأن الرحمة من أسماء الجنة، ومن عبد اللّه شوقا إلى وجهه الكريم لا يريد غيره، فهذاهو العبد المخلص الذي يتجلى له الحق سبحانه وتعالى في دار كرامته، وإليه الإشارة بقوله: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ اهـ.\rقوله: فَبِما رَحْمَةٍ الفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبىء عنه السياق من استحقاقهم للملامة والتعنيف بموجب الجبلة البشرية، أو من سعة ساحة مغفرته تعالى ورحمته اهـ أبو السعود.\rقوله: (ما زائدة) أي فاصلة غير كافة للتأكيد أي فبرحمة عظيمة، ونظيره فبما نقضهم ميثاقهم عما قليل جند ما هنالك مما خطاياهم أغرقوا. والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد ما يستغنى عنه. قال تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: 96] فزاد أن للتأكيد اهـ كرخي.\rوفي السمين: وفي ما وجهان، أحدهما: أنها زائدة للتوكيد والدلالة على أن لينه ما كان إلا برحمة من اللّه ونظيره فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: 155 والمائدة: 13]. والثاني: أنها غير مزيدة","part":1,"page":503},{"id":508,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 504\rمحمد لَهُمْ أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا سيء الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ جافيا فأغلظت لهم لَانْفَضُّوا تفرقوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ تجاوز عَنْهُمْ ما أتوه وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ذنوبهم حتى أغفر لهم وَشاوِرْهُمْ استخرج آراءهم فِي الْأَمْرِ أي شأنك من الحرب وغيره تطييبا بل هي نكرة فيها وجهان، أحدهما: أنها موصوفة برحمة أي فبشيء رحمة. والثاني: أنها غير موصوفة، ورحمة بدل منها نقله مكي عن ابن كيسان. ونقل أبو البقاء، عن الأخفش وغيره أنها نكرة غير موصوفة، ورحمة بدل منها كأنه أبهم، ثم بيّن بالابدال، وكان من يدعي أنها غير مزيدة يفر من هذه العبارة في كلام اللّه تعالى، وإليه ذهب أبو بكر الزبيدي كأنه لا يجوز أن يقال في القرآن هذا زائد أصلا وهذا فيه نظر، لأن القائلين يكون هذا زائدا لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مهمل لا معنى له، بل يقولون زائد للتوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن، وما كما تزاد بين الباء ومجرورها تزاد أيضا بين عن ومن والكاف ومجروراتها كما سيأتي اهـ.\rقوله: (أي سهلت أخلاقك الخ) عبارة الخازن أي سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك، ولم تسرع إليهم بتعنيف على ما كان منهم يوم أحد، انتهت.\rقوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا أي ولو لم تكن كذلك، بل كنت فظا الخ اهـ أبو السعود.\rوالفظاظة: الجفوة في المعاشرة قولا وفعلا، والغلظة التكبر، ثم تجوز به عن عدم الشفقة وكثرة القسوة في القلب، وقال الراغب: الفظّ كريه الخلق، وذلك مستعار من الفظ وهو ماء الكرش، وذلك مكروه شربه إلا في ضرورة، وقال: الغلظة ضد الرقة، ويقال غلظ وغلظ بالكسر والضم، وعن الغلظة تنشأ الفظاظة، فلم قدمت؟ فقيل: قدم ما هو ظاهر للحس على ما هو خاف في القلب، لأنه كما تقدم أن الفظاظة الجفوة في العشرة قولا وفعلا، والغلظة قساوة القلب، وهذا أحسن من جعلهما بمعنى وجمع بينهما تأكيدا. والانفضاض التفرق في الأجزاء وانتشارها، ومنه فض ختم الكتاب ثم استعير هنا لانفضاض الناس ونحوهم اهـ سمين.\rقوله: (فاغلظت لهم) في نسخة عليهم. قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ الخ جاء على أحسن النسق، وذلك أنه أمر أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين اللّه تعالى لتنزاح عنهم التبعات، فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين متصفين منهما اهـ سمين.\rقوله: (من الحرب وغيره) شامل للديني والدنيوي، لأن التعليل المذكور علل به من حمل الأمر على الديني، ومن حمله على الدنيوي علله بالاستعانة والاستظهار برأيهم فيما يشاورهم فيه، فجمع الشارح بين القولين وجعلهما قولا واحدا، فاستشارته إياهم في الدنيوي ظاهرة وفي الديني تطييبا الخ، وهذا لا ينافي أن الديني بالوحي، هكذا يستفاد من الخازن، ونصه: واختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أمر اللّه عز وجل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمشاورة لهم مع كمال عقله وجزالة رأيه، ونزول الوحي عليه، ووجوب طاعته على كافة الخلق فيما أحبوا أو كرهوا، فقيل: هو عام مخصوص، والمعنى وشاورهم فيما ليس عندك من اللّه فيه عهد، وذلك في أمر الحرب ونحوه من أمور الدنيا لتستظهر برأيهم فيما","part":1,"page":504},{"id":509,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 505\rلقلوبهم وليستن بك وكان صلّى اللّه عليه وسلّم كثير المشاورة لهم فَإِذا عَزَمْتَ على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به لا بالمشاورة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) عليه\rإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعنكم على عدوكم كيوم بدر فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ يترك نصركم كيوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي بعد خذلانه أي فلا ناصر لكم وَعَلَى اللَّهِ لا غيره فَلْيَتَوَكَّلِ ليثق الْمُؤْمِنُونَ (160) ونزل لما فقدت قطيفة حمراء يوم بدر فقال بعض الناس لعل النبي أخذها\rوَما كانَ ما ينبغي لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك وفي قراءة بالبناء للمفعول أي ينسب إلى تشاورهم فيه، وقيل: أمر اللّه عز وجل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم، فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمور شق ذلك عليهم. وقال الحسن:\rقد علم اللّه تعالى أن ما به إلى مشاورتهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده من أمته. وقيل: إنما أمر بمشاورتهم ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد منهم اهـ.\rقوله: (و ليستن) أي يقتدى بك. قوله: (بعد المشاورة) أشار به إلى أن التوكل ليس هواهما والتدبير بالكلية، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا بالتوكل، بل مع مراعاة الأسباب الظاهرة مع تفويض الأمر إلى اللّه تعالى والاعتماد عليه بالقلب اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ الخ عمم الخطاب هنا تشريفا للمؤمنين لإيجاب توكلهم عليه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: (يعنكم على عدوكم) أشار به إلى أن النصر هنا بمعنى العون لا بمعنى المنع، ولا بمعنى الانتقام، فإنه قد جاء بمعناهما. قال تعالى: فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ أي فمن يمنعني عذابه، وقال تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ أي فانتقم منهم بتعجيل العذاب اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ في المصباح خذلته وخذلت عنه من باب قتل والاسم الخذلان إذا تركت نصرته وإعانته وتأخرت عنه اهـ. وقوله: فَمَنْ ذَا الَّذِي استفهام إنكاري كما أشار اهـ.\rقوله: (أي بعد خذلانه) نبه به على أن الهاء تعود على اللّه تعالى، كما هو الأظهر، ويكون ذلك على حذف مضاف أي من بعد خذلانه، والوجه الثاني أن تعود على الخذلان المفهوم من الفعل وهو نظير اعدلواهو أقرب للتقوى اهـ كرخي.\rقوله: (أي لا ناصر لكم) أشار به إلى أن قوله: فمن ذا الذي متضمن للنفي جوابا للشرط الثاني، وفيه لطف بالمؤمنين حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني، بل أتى به في صورة الاستفهام، وإن كان معناه نفيا ليكون أبلغ كما لا يخفى اهـ كرخي.\rقوله: (لما فقدت قطيفة) أي من الغنيمة. قوله: (فقال بعض الناس) أي المنافقين. قوله: (ما ينبغي) أي لا يمكن كما فسر الشارح في سورة يس بذلك، ففسر الانبغاء بالإمكان اهـ.\rقوله: (فلا تظنوا به ذلك) أفاد به أن المراد نفي الغلول عنه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن المعنى لا يجتمع الغلول والنبوة لتنافيهما بسبب عصمة النبي وتحريم الغلول، فلا يجوز أن يتوهم فيه ذلك البتة اهـ كرخي.","part":1,"page":505},{"id":510,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 506\rالغلول وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ حاملا له على عنقه ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ الغال وغيره جزاء ما كَسَبَتْ عملت وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) شيئا\rأَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فأطاع ولم يغل قوله: (أي ينسب إلى الغلول) كقولهم أكذبته أي نسبته إلى الكذب، والظاهر كما قال السمين أن قراءة يَغُلَ بالبناء للفاعل لا يقدر فيهما مفعول محذوف، لأن الغرض نفي هذه الصفة عن النبي من غير نظر إلى تعلق بمفعول، كقولك: هو يعطي ويمنع تريد إثبات هاتين الصفتين اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ الظاهر أن هذه الجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإنما جيء بها للردع عن الإغلال. وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن تكون حالا ويكون التقدير في حال علم الغال بعقوبة الغلول، وهذا وإن كان محتملا لكنه بعيد. وما موصولة بمعنى الذي فالعائد محذوف أي غله، ويدل على ذلك الحديث: «إن أحدهم يأتي بالشيء الذي أخذه على رقبته»، ويجوز أن تكون مصدرية على حذف مضاف أي بإثم غلوله اهـ سمين.\rقوله: (حاملا له على عنقه) روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: «لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول اللّه أغثني. فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك. لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك. لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك. لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك. لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك. لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا». والرغاء:\rصوت البعير، والثغاء: صوت الشاة، والرقاع: الثياب، والصامت: الذهب والفضة اهـ خازن.\rوالحمحمة: صوت الفرس إذا طلب علفه وهو دون الصهيل اهـ قسطلاني. وفيه أيضا: لا ألقين بفتح الهمزة والقاف من اللقاء، وفي رواية بفتح الفاء بدل القاف، وفي رواية بضم الهمزة وكسر الفاء من الإلفاء وهو الوجدان، وهو بلفظ المنفي المؤكد بالنون ومعناه النهي، فهو على حد لا أرينك ههنا أي لا تكن ههنا فأراك، فكذاهنا لا يغل أحدكم فألقاه اهـ.\rقوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ هذه الجملة معطوفة على الجملة الشرطية، وفيها إعلام بأن الغال وغيره من جميع الكاسبين لا بد وأن يجازوا فيندرج الغال تحت هذا العموم أيضا، فكأنه ذكر مرتين.\rقال الزمخشري: فإن قلت: هلّا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل به؟ قلت: جيء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره، فاتصل به من حيث المعنى وهو أثبت وأبلغ اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ أي كل نفس لا يُظْلَمُونَ شيئا لأنه عادل في حكمه. قوله: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ الاستفهام إنكاري كما ذكره الشارح، والكلام على مثل هذا التركيب قد تقدم من أن النية بالفاء التقديم على الهمزة، وأن مناهب الزمخشري تقدير فعل بينهما. قال الشيخ: وتقديره في مثل هذا التركيب متكلف جدا اهـ.","part":1,"page":506},{"id":511,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 507\rكَمَنْ باءَ رجع بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ لمعصيته وغلوله وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) المرجع هي، لا\rهُمْ دَرَجاتٌ أي أصحاب درجات عِنْدَ اللَّهِ أي مختلفو المنازل، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) فيجازيهم به\rلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي عربيا مثلهم ليفهموا عنه ويشرفوا به لا ملكا ولا عجميا والذي يظهر من التقديرات: أجعل لك تمييزا بين الضال والمهتدي، فمن اتبع رضوان اللّه واهتدى ليس كمن باء بسخطه لأن الاستفهام هنا للنفي، ومن موصولة بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء والجار والمجرور الخبر. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون شرطية لأن كمن لا يصلح أن يكون جوابا يعني لأنه كان يجب اقترانه بالفاء، ولأن المعنى يأباه ويسخط يجوز أن يتعلق بنفس الفعل أي رجع بسخط، ويجوز أن يكون حالا فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحبا لسخط أو ملتبسا به، ومن اللّه صفته والسخط الغضب الشديد، ويقال سخط بفتحتين وهو مصدر قياسي، ويقال: سخط بضم السين وسكون الخاء وهو غير مقيس اهـ سمين.\rقوله: (لمعصيته) في نسخة بمعصيته. قوله: وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ معطوف على الصلة عطفا للجملة الاسمية على الجملة الفعلية أي وكمن مأواه جهنم. وعبارة الكرخي: والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة أخبر أن من باء بسخط مأواه جهنم، ويفهم منه مقابله وهو أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة، وإنما سكت عن هذا ونص على ذلك ليكون أبلغ في الزجر، ويجوز أن تكون داخلة في حيز الموصول فتكون معطوفة على باء بسخط، فيكون قد وصل الموصول بجملتين اسمية وفعلية، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب اهـ.\rقوله: (لا) أشار به إلا أن الاستفهام هنا للنفي فالمراد استوائهم، واللفظ عام فيجب أن يتناول كل من أقدم على الطاعة إذ هو داخل تحت من اتبع رضوانه، ونزول الآية في واقعة معينة لا يخصص العموم اهـ كرخي.\rقوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الفرق بينه وبين المرجع أن الأول يعتبر فيه الرجوع على خلاف الحالة الأولى بخلاف الثاني اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أصحاب درجات) أوله بذلك ليصح الاخبار بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب إطلاقا للملزوم على اللازم على سبيل الاستعارة، أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت بينهم فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة، وهذا ما رجحه القاضي كالكشاف. والمراد أن الطائعين لهم درجات، والعصاة لهم دركات، فاكتفى بذكر الأول عن ذكرهم إشارة إلى أنهم لا يستحقون الذكر لحقارتهم، أو أن الدرجات تستعمل في الفريقين، قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأحقاف: 19] وإن افترقنا عند المقابلة في قولهم المؤمنون في درجات والكفار في دركات اهـ كرخي.\rقوله: عِنْدَ اللَّهِ أي في حكم اللّه وعلمه اهـ كرخي.\rقوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني أحسن إليهم وتفضل عليهم، والمنة النعمة العظيمة،","part":1,"page":507},{"id":512,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 508\rيَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الذنوب وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ السنة وَإِنْ مخففة أي إنهم كانُوا مِنْ قَبْلُ أي قبل بعثه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) وذلك لا يكون في الحقيقة إلا للّه، ومنه قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني من جنسهم عربيا مثلهم، ولد ببلدهم، ونشأ بينهم يعرفون نسبه، وليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده وله فيه نسب إلا بني تغلب، فإنهم كانوا نصارى، وقد ثبتوا على النصرانية فظهر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يكون له فيهم نسب، وقيل: أراد بالمؤمنين جمع المؤمن. ومعنى قوله تعالى: مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي بالإيمان والشفقة لا بالنسب، ومن جنسهم ليس بملك ولا جنى اهـ خازن.\rواللام جواب قسم محذوف أي واللّه لقد منّ اللّه على المؤمنين، ولما خطأ من نسبه إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية اهـ كرخي.\rقوله: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي من العرب وتخصيصهم بهذه الجهة، وهو كونه منهم وتشرفهم به لا ينافي عموم رسالته اهـ شيخنا.\rوالمراد والمؤمنون في علم اللّه أو الذين آل أمرهم للإيمان، وإلّا فوقت بعثه لهم يكونوا مؤمنين اهـ.\rقوله: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ إذ تعليلية أو ظرفية. قوله: (ليفهموا عنه) أي ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به اهـ أبو السعود. وهذا بيان لوجه المنة عليهم اهـ كرخي.\rقوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي، والجملة صفة أخرى رَسُولًا اهـ كرخي.\rقوله: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ صفة أخرى رَسُولًا مترتبة في الوجود على التلاوة، وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعلم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر، فلو روعي ترتيب الوجود كما في قوله تعالى: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة: 129] لتبادر إلى الفهم عد الجميع نعمة واحدة وهو السر في التعبير عن القرآن بالآيات تارة، وبالكتاب والحكمة أخرى رمزا إلى أنه باعتبار كل نعمة على حدة، ولا يقدح في ذلك شمول الحكمة لما في مطوى الأحاديث الكريمة من الشرائع كما سلف في سورة البقرة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ الواو للحال، وقوله مخففة وحينئذ فاسمها ضمير يعود عليهم، كما قدره الشارح تبعا لسيبويه في مثل هذا التركيب، وقدره الزمخشري ومن تبعه اسما ظاهرا أي أن الشأن والحديث، وتعقب أبو حيان الكل بأن كلا من التقديرين لم يقل به نحويّ، والحق عدم التقدير رأسا لأن المخففة المقرونة باللام الفارقة مهملة لا عمل لها في اسم ولا خبر، ويؤيد هذا قول ابن مالك، وتلزم اللام إذا ما تهمل. وحينئذ فيحمل ما صنعه الشارح على أنه حل معنى لا حل إعراب اهـ شيخنا.","part":1,"page":508},{"id":513,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 509\rبين\rأَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ بأحد بقتل سبعين منكم قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين منهم قُلْتُمْ متعجبين أَنَّى من أين لنا هذا الخذلان ونحن مسلمون ورسول اللّه فينا والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري قُلْ لهم هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ لأنكم تركتم المركز فخذلتم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) ومنه النصر ومنعه وقد جازاكم بخلافكم\rوَما وعبارة أبي السعود: وإن هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف، واللام فارقة بينهما وبين النافية، والظرف الأول لغو متعلق بكان، والثاني خبرها وهي مع خبرها خبر لأن المخففة التي حذف اسمها أعني ضمير الشأن وقيل هي نافية، واللام بمعنى إلا أي وما كانوا من قبل في ضلال مبين وأيّا ما كان فالجملة إما حال من الضمير المنصوب في يعلمهم أو مستأنفة، وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة وتمامها اهـ.\rقوله: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ الهمزة للاستفهام الإنكاري كما قاله الشارح داخلة في التقدير على قوله: قُلْتُمْ أَنَّى هذا والتقدير أقلتم ما ذكر لما أصابتكم أي حين أصابتكم الخ أي ما كان ينبغي لكم أن يصدر عنكم لقول المذكور، ولما هذه هي الرابطة للشرط بالجواب وهي غير جازمة. واختلف في أنها حرف أو ظرف وشرطها ما بعدها، وجوابها قلتم أنى هذا. الواو التي بعد الهمزة للاستئناف كما قاله أبو السعود اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ أَصَبْتُمْ أي نلتم مثليها محله رفع صفة لمصيبة اهـ كرخي.\rقوله: (و أسر سبعين) والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد، وجواب لما هو قلتم اهـ كرخي.\rقوله: (من أين لنا هذا) فيه إشارة إلى أن هذا سؤال عن الحال لا بمعنى أين ولا متى، لأن الاستفهام هنا لم يقع عن المكان ولا عن الزمان، والفرق بين أين ومن أين أن أين سؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء، ومن أين سؤال عن الحال هنا اهـ كرخي.\rوفي السمين: ولا يناسب أن يكون بمعنى أين أو متى لأن الاستفهام لم يقع عن مكان ولا عن زمان هنا، وإنما وقع عن الحال التي اقتضت لهم ذلك سألوا عنها على سبيل التعجب، وجاء الجواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ في قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ قال: والسؤال يأتي سؤالا عن تعيين كيفية حصول هذا الأمر، والجواب بقوله: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ متضمن تعيين الكيفية، لأنه بتعيين السبب تتعين الكيفية من حيث المعنى اهـ.\rقوله: (محل الاستفهام الإنكاري) أي لا ينبغي منكم هذا التعجب لأنكم تعلمون سبب الخذلان، والتعجب إنما يكون فيما خفي سببه وإذا ظهر السبب بطل العجب اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنكم تركتم المركز الخ) فيه إشارة إلى أن هذا من عندهم باعتبار أنهم تسببوا فيه وإلا فهو من اللّه في الحقيقة اهـ كرخي.\rقوله: (و قد جازاكم بخلافكم) أي مخالفتكم أي عليها ولأجلها. قوله: وَما أَصابَكُمْ ما","part":1,"page":509},{"id":514,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 510\rأَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ بأحد فَبِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَلِيَعْلَمَ اللّه علم ظهور الْمُؤْمِنِينَ (166) حقا\rوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا الذين وَقِيلَ لَهُمْ لما انصرفوا عن القتال وهم عبد اللّه بن أبي وأصحابه تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أعداءه أَوِ ادْفَعُوا عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ نحسن قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ قال تعالى تكذيبا لهم هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ بما موصولة بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء، وقوله فبإذن اللّه الخبر، وهو على إضمار تقديره فهو بإذن اللّه، ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط نحو الذي يأتيني فله درهم، والإذن التمكين مع الشيء مع العلم به اهـ سمين.\rقوله: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ أي ليظهر للناس ويميزهم المؤمن من غيره، وهذا هو المراد بقول الشارح علم ظهور اهـ شيخنا.\rوفي هذه اللام قولان، أحدهما: أنها معطوفة على معنى قوله فبإذن اللّه عطف سبب على سبب فتتعلق بما تتعلق به الباء. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف أي وفعل ذلك أي ما أصابكم ليعلم، والأول أولى، وقد تقدم أن معنى وليعلم اللّه كذا أي يميز ويظهر للناس ما كان في علمه. وزعم بعضهم أن ثم مضافا أي ليعلم إيمان المؤمنين ونفاق الذين نافقوا ولا حاجة إليه اهـ سمين.\rولما ضمن يعلم معنى تعدى لمفعول واحد فقط. قوله: الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ أي الذين اتصفوا بالأمرين المذكورين النفاق وامتناعهم من الجهاد مع طلبهم له اهـ شيخنا.\rقوله: وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا هذه الجملة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون استئنافية أخبر اللّه أنهم مأمورن إما بالقتال وإما بالدفع أي تكثير سواد المسلمين. والثاني: أن تكون معطوفة على نافقوا فتكون داخلة في حين الموصول أي وليعلم الذين حصل منهم النفاق، والقول المذكور، وتعالوا وقاتلوا كلاهما قائم مقام الفاعل لقيل لأنه هو المقول، وقد تقدم ما فيه، قاله أبو البقاء. وإنما لم يأت بحرف العطف يعني بين تعالوا لأنه قصد أن تكون كل من الجملتين مقصودة بنفسها اهـ سمين.\rقوله: (و هم عبد اللّه بن أبي الخ) وتقدم أنهم كانوا ثلاثمائة. قوله: (بتكثير سوادكم) أي عددكم وأشخاصكم، والمفعول محذوف أي بتكثيره إيانا أو الجيش. وفي المصباح: وكل شخص من إنسان وغيره يسمى سوادا، والسواد العدد الأكثر، وسواد المسلمين جماعتهم اهـ.\rقوله: لِلْكُفْرِ وقوله: لِلْإِيمانِ متعلقان بأقرب، وإن كانا بمعنى واحد، لأن ذلك جائز في اسم التفضيل، لأنه في المعنى عاملان، كأنه قيل: قربوا من الكفر وقربوا من الإيمان وقربهم للكفر في هذا اليوم أشد لوجود العلامة وهي خذلانهم للمؤمنين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: هم مبتدأ وأقرب: وخبره وهو أفعل تفضيل، وللكفر متعلق به وكذلك للإيمان، فإن قيل: لا يتعلق حرفا جر متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد، إلا أن يكون أحدهما معطوفا على الآخر أو بدلا منه، فكيف تعلقا بأقرب؟ فالجواب: أن هذا خاص بأفعل التفضيل، قالوا: لأنه في قوة عاملين بيان قولك: زيد أفضل من عمرو، ومعناه زيد فضل على عمرو اهـ.","part":1,"page":510},{"id":515,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 511\rأظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ولو علموا قتالا لم يتبعوكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) من النفاق\rالَّذِينَ بدل من الذين قبله أو نعت قالُوا لِإِخْوانِهِمْ في الدين وَقد وَقَعَدُوا عن الجهاد لَوْ أَطاعُونا أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود ما قُتِلُوا قُلْ لهم فَادْرَؤُا ادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) في أن القعود ينجي منه. ونزل في الشهداء\rوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا بالتخفيف قوله: (بما أظهروا) أي بسبب ما أظهروا أي إن إظهارهم ما ذكر وهو السبب في كون قربهم للكفر في هذا اليوم أشد من قربهم للإيمان اهـ شيخنا.\rقوله: (من حيث الظاهر) أي لعدم ما ينافيه، وأما في هذا اليوم فقد أظهروا ما ينافيه، فكأنه للكفر أقرب، وهذا الظرف متعلق بقوله أقرب إلى الإيمان اهـ.\rقوله: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ في هذه الجملة قولان، أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها. والثاني:\rأنها في محل نصب على الحال من الضمير في أقرب أي قربوا للكفر حالة كونهم قائلين في المقالة.\rوقوله بأفواههم قيل: تأكيد كقوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: 38] والظاهر أن القول يطلق على اللساني والنفساني، فتقييده بأفواههم تقييد لأحد محتمليه، وقد يقال إطلاقه على النفساني مجاز.\rقال الزمخشري: وذكر القلوب مع الأفواه تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم فقط. وهذا الذي قاله الزمخشري ينفي كونه للتأكيد لتحصيله هذه الفائدة اهـ سمين.\rقوله: (بدل من الذين قبله) أي قوله: الذين نافقوا وقوله: أو نعت أي الذين نافقوا، وقوله لإخوانهم أي في شأنهم اهـ.\rقوله: وقد قَعَدُوا أشار به إلى أن الجملة في محل الحال، لأنه أمس بالمقصود من العطف على الصلة، فتكون معترضة بين قالوا ومعمولها، وهو لو أطاعونا أي قالوا ما ذكر حال كونهم قاعدين اهـ كرخي.\rوفي السمين: وهذه الجملة يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون حالية من فاعل قالوا وقد مقدرة أي وقد قعدوا ومجيء الماضي حالا مقترنا بالواو وقد، أو بدونهما ثابت في لسان العرب.\rوالثاني: أنها معطوفة على الصلة فتكون معترضة بين قالوا ومعمولها، وهو لو أطاعونا اهـ.\rقوله: (أي شهداء أحد) أي أن الضمير في أطاعوا إما لشهداء أحد على الإطلاق أو لخصوص من مات من المنافقين، فإنهم مات منهم جملة، فقوله: أو إخواننا أي من المنافقين الذين قتلوا في أحد، وقوله في القعود متعلق بأطاعونا اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ (لهم فادرؤوا عن أنفسكم الموت) فقد قيل أنزل اللّه بهم الموت هذا الوقت، فمات منهم نحو إخواننا الظرف آتاهم متعلق بفرحين اهـ سمين.\rقوله: (في أن القعود ينجي) أي فقد قعدتم والقعود غير مفيد، فإن أسباب الموت كثير، وكما أن القتال يكون سببا للهلاك، والقعود يكون سببا للنجاة قد يكون الأمر بالعكس اهـ كرخي.","part":1,"page":511},{"id":516,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 512\rوالتشديد فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لأجل دينه أَمْواتاً بَلْ هم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما ورد في الحديث يُرْزَقُونَ (169) يأكلون من ثمار قوله: (و نزل في الشهداء) قيل: شهداء بدر، وقيل شهداء أحد، وهو الراجح. وأما شهداء بدر فنزلت فيهم آية البقرة وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: 154] الآية، كما أفاده زكريا على البيضاوي اهـ.\rوسبب نزول هذه الآية أنهم لما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء في الجنة فقال اللّه: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل وَلا تَحْسَبَنَ الخ اهـ من الخازن.\rقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ الذين مفعول أول وأمواتا مفعول ثان، والفاعل إما ضمير كل مخاطب أو ضمير الرسول عليه السّلام كما تقدم في نظائره. وقرأ حميد بن قيس وهشام بخلاف عنه يحسبن بياء الغيبة، والفاعل إما ضمير الرسول أو ضمير من يصلح للحسبان أي حاسب اهـ سمين.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان. قوله: بَلْ هم أَحْياءٌ أشار به إلى أن بل ليست عاطفة على أمواتا لأن المعنى يختل إذ يصير التقدير لا تحسبنهم أحياء والغرض الاعلام بحياتهم ترغيبا في الجهاد، وإنما هي عطف جملة على جملة، فصار في حكم الاستئناف وجاز حذفه، لأن الكلام دال عليه اهـ كرخي.\rقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ فيه خمسة أوجه، أحدها: أن يكون خبرا ثانيا لأحياء على قراءة الجمهور.\rالثاني: أن يكون ظرفا لأحياء لأن المعنى يحيون عند ربهم. الثالث: أن يكون ظرفا ليرزقون أي يقع رزقهم في هذا المكان الشريف. الرابع: أن يكون صفة لأحياء فيكون في محل رفع على قراءة الجمهور، ونصب على قراءة ابن أبي عبلة. الخامس: أن يكون حالا من الضمير المستكن في أحياء، والمراد بالعندية المجاز عن قربهم بالتكرمة. قال ابن عطية: هو على حذف مضاف أي عند كرامة ربهم ولا حاجة إليه لأن الأول أليق اهـ سمين.\rقوله: (أرواحهم في حواصل طيور الخ) فهي أي الطيور للأرواح كالهوادج للجالس فيها، وهذا قد استدل به من قال: إن الحياة للروح فقط، وقيل إن الحياة للروح والجسد معا، واستدل به بقوله:\rعِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ حيث أخبر اللّه أنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون اهـ من الخازن. وعلى الأول وجه امتيازهم عن غيرهم، أن أرواحهم تدخل الجنة من وقت خروجها من أجسادهم، وأما أرواح بقية المؤمنين فلا تدخل إلا مع أجسادها يوم القيامة والامتياز على الثاني ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: (كما ورد في الحديث) والمعنى أن أرواحهم تحل في أبدانها وتتنعم في الجنة أو أن أرواحهم تمثل طيورا أو المراد أنها تكسب زيادة كمال، وهذا يلائم القناديل المذكورة اهـ كازروني.\rونص الحديث كما في الخطيب: روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش» اهـ.\rقوله: يُرْزَقُونَ فيه أربعة أوجه، أحدها: أن يكون خبرا ثالثا لأحياء أو ثانيا إذا لم نجعل","part":1,"page":512},{"id":517,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 513\rالجنة\rفَرِحِينَ حال من ضمير يرزقون بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هم وَيَسْتَبْشِرُونَ يفرحون بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ من إخوانهم المؤمنين ويبدل من الذين (أن) أي بأن لا خَوْفٌ الظرف خبرا. الثاني: أنه صفة لأحياء بالاعتبارين المتقدمين، فإن أعربنا الظرف وصفا أيضا فيكون هذا جاء على الأحسن، وهو أنه إذا وصف بظرف وجملة، فإن الأحسن تقديم الظرف وعديله لأنه أقرب إلى المفرد. الثالث: أنه حال من الضمير في أحياء أي يحيون مرزوقين. الرابع: أن يكون حالا من الضمير المستكن في الظرف والعامل فيه في الحقيقة العامل في الظرف. قال أبو البقاء في هذا الوجه: ويجوز أن يكون حالا من الظرف إذا جعلته صفة أي إذا جعلت الظرف صفة، وليس ذلك مختصا بجعله صفة فقط، بل لو جعلته حالا جاز ذلك أيضا وهذا يسمى الحال المتداخلة ولو جعلته خبرا كان كذلك اهـ سمين.\rقوله: فَرِحِينَ فيه خمسة أوجه، أحدها: أن يكون حالا من الضمير في أحياء. الثاني: أن يكون حالا من الضمير في الظرف. الثالث: أن يكون حالا من الضمير في يرزقون. الرابع: أنه منصوب على المدح. الخامس: أنه صفة لأحياء وهذا يختص بقراءة ابن أبي عبلة، وبما آتاهم متعلق بفرحين اهـ سمين.\rقوله: مِنْ فَضْلِهِ وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من اللّه تعالى، والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا اهـ كرخي. وفي من ثلاثة أوجه، أحدها: أن معناها السببية أي بسبب فضله أي الذي آتاهم اللّه متسبب عن فضله. الثاني: أنها لابتداء الغاية وعلى هذين الوجهين تتعلق بآتاهم.\rالثالث: أنها للتبعيض أي بعض فضله وعلى هذا فتتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير العائد على الموصول، ولكنه حذف والتقدير بما آتاهموه كائنا من فضله اهـ سمين.\rقوله: وَيَسْتَبْشِرُونَ الخ أي يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم، وهو أنهم عند قتلهم أو موتهم يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف وقوع محذور، ولا خوف فوات مطلوب اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: قوله: وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ فتكون الجملة حالا من الضمير المستكن في فرحين، وإنما قدر مبتدأ لأن المضارع المثبت لا يجوز اقترانه بواو الحال، وحينئذ فيكون كأنه قيل فرحين، ومستبشر وقدم عليه أبو البقاء أنه معطوف على فرحين لأن اسم الفاعل هنا يشبه الفعل المضارع يعني أن فرحين بمنزلة يفرحون، وكأنه جعله من باب قوله إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا اللّه انتهت.\rقوله: مِنْ خَلْفِهِمْ يعني من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان والجهاد، فعلموا أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة مثلهم اهـ خازن. والجار والمجرور من الواو في يلحقوا أي حال كونهم متخلفين عنهم في الزمان اهـ شيخنا. وفي السمين: وفي هذا الجار والمجرور وجهان، أحدهما: أنه متعلق بيلحقوا على معنى أنهم قد بقوا بعدهم وهم وقد تقدموهم.\rوالثاني: أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من فاعل يلحقوا أي لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلفين عنهم أي في الحياة اهـ.","part":1,"page":513},{"id":518,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 514\rعَلَيْهِمْ أي الذين لم يلحقوا بهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) في الآخرة المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم\rيَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ثواب مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ زيادة عليه وَأَنَ بالفتح عطفا على نعمة والكسر استئنافا اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) بل يأجرهم\rالَّذِينَ مبتدأ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قوله: (و يبدل من الذين) أَلَّا خَوْفٌ الخ أشار به إلى أن أن وما في حيزها في محل جر بدل من الذين لم يلحقوا بهم بدل اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم، لأن الذوات لا يستبشر بها. والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا، فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام. والخوف غم يلحق الإنسان بما يتوقعه من السوء، غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار، فمن كانت أعماله مشكورة فلا يخاف العاقبة ومن كان متقلبا في نعمة من اللّه وفضل فلا يحزن أبدا اهـ كرخي.\rقوله: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي لا خوف من المتخلفين على أنفسهم فهم آمنون وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فهم فرحون هذا ما أدركه لهم إخوانهم المتقدمون، وليس المراد أنهم أدركوا أنهم أي المتقدمين لا يخافون على المتخلفين كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: (المعنى يفرحون) أي المتقدمون بأمنهم أي أمن المتخلفين اهـ شيخنا.\rقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ الخ لما بين أن الشهداء يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم بين أيضا أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعم والفضل، فالاستبشار الأول كان لغيرهم، والثاني لأنفسهم خاصة على أنه بيان وتفصيل لما أجمل في قوله: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ اهـ خازن.\rوفي السمين: قوله: يَسْتَبْشِرُونَ من غير عطف وفيه أوجه، أحدها: أنه استئناف متعلق بهم أنفسهم دون الذين لم يلحقوا بهم لاختلاف متعلق البشارتين. والثاني: أنه تأكيد للأول لأنه قصد بالنعمة والفضل بيان متعلق الاستبشار الأول وإليه ذهب الزمخشري. الثالث: أنه بدل من الفعل الأول ومعنى كونه بدلا أنه لما كان متعلقه بيانا لمتعلق الأول حسن أن يقال بدل منه، وإلا فكيف يبدل فعل من فعل موافق له لفظا ومعنى، وهذا في المعنى يؤول إلى وجه التأكيد اهـ سمين.\rقوله: (يأجرهم) في المصباح أجره اللّه أجرا من بابي ضرب وقتل وآجره بالمد لغة ثالثة إذا أثابه اهـ.\rقوله: الَّذِينَ (مبتدأ)، هذا هو الظاهر، وجوزوا أن يكون في موضع جر صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح اهـ كرخي.\rقوله: (دعاء بالخروج للقتال) وكان هذا الدعاء في يوم الأحد التالي ليوم أحد الذي هو يوم السبت وهذا إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، وقوله: وتواعدوا مع النبي الخ هذا إشارة إلى غزوة بدر الصغرى الثالثة، وكانت في شعبان من السنة الرابعة، وأحد كانت في شوال من السنة الثالثة، فقوله:\rالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الخ إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، وتقدم أنها كانت في اليوم التالي","part":1,"page":514},{"id":519,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 515\rدعاءه بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العود وتواعدوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سوق بدر العام المقبل من يوم أحد مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ بأحد وخبر المبتدأ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بطاعته ليوم أحد، وقوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ الخ إشارة إلى غزوة بدر الثالثة، فكلام الشارح فيه تخليط، فقوله: بالخروج للقتال كان في اليوم التالي ليوم أحد، وقوله وتواعدوا مع النبي وذلك التواعد كان في يوم أحد حين شرع أبو سفيان في الانصراف منها. وعبارة المواهب: غزوة حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة مضت أو لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس، ونادى مؤذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس أي من شهد أحدا. فخرج معه جميع من شهدها من المؤمنين الخلص، وكانوا ستمائة وثلاثين، وأقام بها صلّى اللّه عليه وسلّم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة وقد غاب خمسا اهـ.\rقوله: (و تواعدوا مع النبي الخ) معطوف على لما أراد فالضمير عائد على أبي سفيان وأصحابه، وقوله: (من يوم أحد) ظرف لتواعدوا، فالتواعد كان في يومها كما تقدم.\rروي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن شاء اللّه تعالى». فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مرّ الظهران، فألقى اللّه الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرا، فقال: يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليه، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يد سهيل بن عمرو ويضمنها. فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي ذلك، وأنطلق إلى محمد وأثبطه؟ فقال:\rنعم، فخرج نعيم حتى أتى المدينة، فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟\rفقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال: بئس الرأي لأنهم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا أفتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، واللّه لا يفلت منكم أحد. فكره بعض أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخروج، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «و الذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي أي ولو لم يخرج معي أحد»، فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون: حسبنا اللّه ونعم الوكيل، ولم يلتفتوا إلى ذلك القول حتى بلغوا بدرا الصغرى، وكانت موضع سوق للعرب يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، فأقام النبي وأصحابه بها تلك المدة وصادفوا الموسم وباعوا ما كان معهم من التجارات، فربحوا في الدرهم درهمين، ولم يأتهم أحد من مشركي مكة اهـ خطيب. وقوله:\rفي سبعين راكبا غير صحيح إذ المنصوص في المواهب أن المسلمين كانوا في هذه الغزوة ألفا وخمسمائة، وفي شارحها أن أبا سفيان خرج إلى مرّ الظهران ومعه ألفان من قريش.\rقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ في منهم وجهان، أحدهما: أنها حال من الضمير في أحسنوا وعلى هذا فمن تكون للتبعيض. والثاني: أنها لبيان الجنس. قال الزمخشري: مثلها في قوله وعد اللّه","part":1,"page":515},{"id":520,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 516\rوَاتَّقَوْا مخالفته أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) هو الجنة\rالَّذِينَ بدل من الذين قبله أو نعت قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي نعيم بن مسعود الأشجعي إِنَّ النَّاسَ أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الجموع ليستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ ولا تأتوهم فَزادَهُمْ ذلك القول إِيماناً تصديقا باللّه ويقينا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ كافينا أمرهم وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) المفوض إليه الأمر هو وخرجوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوافوا سوق بدر وألقى اللّه الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم يأتوا وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا قال تعالى\rفَانْقَلَبُوا رجعوا من بدر بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ بسلامة وربح لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من قتل أو جرح وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ بطاعته ورسوله في الخروج وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) على أهل طاعته\rإِنَّما ذلِكُمُ أي القائل لكم إن الناس الخ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ كم الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم لأن الذين استجابوا قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم، وأجره مبتدأ مؤخر والجملة من هذا المبتدأ وخبره إما مستأنفة أو حال إن لم يعرب الذين استجابوا مبتدأ، وإما خبر إن أعربناه مبتدأ كما تقدم تقرير اهـ سمين.\rقوله: (بدل من الذين قبله أو نعت) فيه أن الذين استجابوا للّه والرسول هم الذين حضروا أحدا كما تقدم، وكانوا ستمائة وثلاثين، والذين وقع لهم هذا القول المذكور مطلق المؤمنين الذين كانوا في المدينة خصوصا، وقد خرج منهم في هذه الوقعة ألف وخمسمائة كما تقدم، فيتعين إعرابه مفعولا لفعل محذوف، تقديره أمدح الذين قال لهم الخ تأمل. قوله: (أي نعيم بن مسعود الأشجعي) فهو من قبيل العام الذي أريد به الخاص، أو من إطلاق الكل وإرادة البعض كقوله: أم يحسدون الناس يعني محمدا وحده اهـ كرخي. ونقل عن القاري أنه أسلم يوم الخندق وهو مصرح به في المواهب اهـ.\rقوله: (ذلك القول) أي المفهوم من قالوا. قوله: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ هذه الجملة قالها إبراهيم حين ألقي في النار اهـ. خازن.\rقوله: (فوافوا) أي صادفوا سوق بدر أي الصغرى، وكان ذلك في السنة الرابعة، فهذه من غزوات بدر الثلاث الأولى في السنة الأولى وفي الثانية، لكن لم يقع قتال إلا في الثانية، والغزوة هي الخروج للقتال وإن لم يقع قتال اهـ.\rقوله: (و ربحوا) أي وربحوا في الدرهم درهمين. قوله: فَانْقَلَبُوا معطوف على مقدر دل عليه السياق قدره الشارح بقوله: وخرجوا مع النبي الخ. قوله: (من بدر) أي الصغرى. قوله: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ فيه وجهان. أحدهما: أنها متعلقة بنفس الفعل على أنها باء التعدية. والثاني: أنها تتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير في انقلبوا، والباء على هذا للمصاحبة كأنه فانقلبوا ملتبسين بنعمة ومصاحبين لها اهـ سمين.\rقوله: (بسلامة وربح) لف ونشر مرتب. قوله: وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ يجوز في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها عطف على انقلبوا. والثاني: أنها حال من فاعل انقلبوا أيضا ويكون على إضمار قد أي وقد اتبعوا اهـ سمين.\rقوله: (و رسوله) أي وطاعة رسوله. قوله: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ إنما أداة حصر، وذا اسم","part":1,"page":516},{"id":521,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 517\rأَوْلِياءَهُ الكفار فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ في ترك أمري إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) حقا\rوَلا يَحْزُنْكَ بضم الياء وكسر الزاي وبفتحها وضم الزاي من حزنه لغة في أحزنه الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه سريعا بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا نصيبا فِي الْآخِرَةِ أي الجنة إشارة مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، والميم علامة الجمع، والشيطان خبره اهـ. وفي الكرخي: ذلكم مبتدأ، والشيطان مبتدأ ثان ويخوف خبر الثاني وهو وخبره خبر الأول اهـ.\rقوله: (أي القائل) تفسير لذا. قوله: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ جملة مستأنفة مبينة لتثبيطه أو حال المرور بأوليائه أبو سفيان وأصحابه، والمفعول الأول محذوف كما قدره الشارح اهـ شيخنا، ويقوي هذا التقدير قراءة ابن عباس وابن مسعود هذه الآية كذلك أي يخوفكم أولياءه اهـ سمين.\rقوله: وَخافُونِ هذه الياء التي بعد النون اختلف السبعة في إثباتها لفظا واتفقوا على حذفها في الرسم لأنها من ياءات الزوائد، وكلها لا ترسم وجملتها اثنان وستون اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف اللّه على خوف غيره ويستدعي الأمن من شر الشيطان وأوليائه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ الخ الغرض من هذا تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتصبيره على تعنتهم في الكفر وتعرضهم له بالأذى، وضمن يسارعون يقعون كما في الشارح فعدى بفي أي لا يحزنك مسارعتهم لمقويات الكفر من قول وفعل، فهذا هو الذي يسارع إليه أي الأمور المقوية له كالتهيؤ لقتال النبي، وأما الكفر فهو دائم فيهم فلا تتأتى مسارعتهم للوقوع فيه، لأن هذا التعبير يشعر بطرو هذا الأمر، وقد أشار الشارح لذلك كله بقوله بنصرته أي بسبب نصرته أي الكفار اهـ شيخنا.\rقوله: (من حزنه) أي حزنه الأمر كفتنه بمعنى أفتنه، وهذا راجع للثانية، والحق أنهما لغتان فاشيتان لثبوتهما متواترتين اهـ كرخي. وفي المصباح: حزن حزنا من باب تعب، والاسم الحزن بالضم ويتعدى بالحركة في لغة قريش فيقال: حزنني الأمر يحزنني من باب قتل قاله ثعلب والأزهري، وفي لغة تميم بالألف اهـ.\rقوله: (يقعون فيه سريعا) أشار به إلى المسارعة تضمنت معنى الوقوع فعديت بفي وإثار كلمة في على إلى في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران: 133] للإشعار باستقرارهم في الكفر ودواء ملابستهم في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [المؤمنون: 61] فإن ذلك مشعر بملابستهم للخيرات وتثلبهم في فنونها، وأما إيثار كلمة إلى في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: 133] الخ فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تعليل للنهي وتكميل للتسلية بتحقيق نفي ضررهم أي لن يضروا بفعلهم ذلك أولياء اللّه البتة، وتعليق نفي الضرر به تعالى لتشريفهم وللإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه، كما أشار إليه التقرير، وفيه مزيد مبالغة في التسلية وشيئا في حين النصب على","part":1,"page":517},{"id":522,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 518\rفلذلك خذلهم وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) في النار\rإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ أي أخذوه بدله لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ بكفرهم شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) مؤلم\rوَلا يَحْسَبَنَ بالياء والتاء الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي أي إملاءنا لَهُمْ بتطويل الأعمار وتأخيرهم خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ وأن ومعمولاها سدت مسد المفعولين في قراءة التحتانية ومسد الثاني في الأخرى أَنَّما نُمْلِي نمهل لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً بكثرة المعاصي وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) ذو إهانة في الآخرة\rما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ ليترك المصدرية أي شيئا من الضرر والتنكير لتأكيد ما فيه من القلة والحقارة اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدره عند المسارع ناسب وصف العذاب بالعظم رعاية للمناسبة تنبيها على حقارة ما سارعوا فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أخذوا بدله) أي كفروا ولم يؤمنوا، وهذا تعميم للكفرة بعد تخصيص المنافقين، أو تكرير للتأكيد أي لأن هذه الآية مساوية لما قبلها لفظا في: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً، ومعنى في الباقي. إذ معنى يسارعون في الكفر مساو لمعنى اشتروا الكفر بالإيمان. قوله: ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ لما جرت العادة بسرور المشتري بما اشتراه عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة ناسب وصف العذاب بالأليم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف على وَلا يَحْزُنْكَ الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل على قراءة الياء، ومفعول أول على قراءة التاء اهـ.\rقوله: (أي املاءنا) أي فما مصدرية فهي كلمة مستقلة، وكان المناسب أن تكتب مفصولة من أن لكن طريقة المصحف كتابتها موصولة بها اهـ شيخنا. وهذا لا يتعين، بل يصح أن تكون موصولة ففي السمين: وما يجوز أن تكون موصولة اسمية فيكون العائد محذوفا لاستكمال الشروط أي الذي نمليه، وهي اسم إن وخير خبرها وأن تكون مصدرية أي إملاءنا اهـ.\rقوله: (مسد المفعولين) أي والفاعل هو الذين كفروا، وقوله ومسد الثاني الخ أي والمفعول الأول هو الذين كفروا والفاعل ضمير المخاطب، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قيل: ما بالهم يحسبون الإملاء خيرا، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وإن هنا مكفوفة بما، ولذلك كتبت متصلة على الأصل، ولا يجوز أن تكون موصولة اسمية ولا حرفية لأن لام كي لا يصح وقوعها خبرا للمبتدأ ولا لنواسخه. والوجه الثاني: أن هذه الجملة تكرير للأولى اهـ سمين. وفي المصباح:\rوأمليت له في الأمر أخرت، وأمليت للبعير في القيد أرخيت له ووسعت اهـ.\rقوله: (بكثرة المعاصي) فيه إشارة له أن لام ليزدادوا لام الإرادة أي إرادة زيادة الإثم، وهي جائزة عند الأشاعرة، ولا تخلوا عن حكمة، وعند المعتزلة القائلين بأنه تعالى لا يريد القبيح لام العاقبة، كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] فهذا عاقبة التقاطهم لا علته إذ هي التبني اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ لما تضمن الاملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يقتضي","part":1,"page":518},{"id":523,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 519\rالْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ أيها الناس عَلَيْهِ من اختلاط المخلص بغيره حَتَّى يَمِيزَ بالتخفيف والتشديد يفصل الْخَبِيثَ المنافق مِنَ الطَّيِّبِ المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك وفعل التعزز والتكبر وصف عذابهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا اهـ أبو السعود.\rقوله: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ هذه اللام تسمى لام الجحود، وينصب بعدها المضارع بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها، والفرق بينها وبين لام كي أن هذه على المشهور شرطها أن تكون بعد كون منفي، ومنهم من يشترط مضي الكون، ومنهم من لم يشترط الكون. ولهذه الأقوال دلائل واعتراضات مذكورة في كتب النحو استغنيت عنها هنا بما ذكرته في شرح التسهيل. وفي خبر كان في هذا الموضوع وما أشبهه قولان، أحدهما: وهو قول البصريين أنه محذوف وأن اللام مقوية لتعدية ذلك الخبر المقدر لضعفه، والتقدير ما كان اللّه مريدا لأن يذر فإن يذر هو مفعول مريدا، والتقدير ما كان اللّه مريدا ترك المؤمنين. والثاني: قول الكوفيين ان اللام زائدة لتأكيد النفي، وإن الفعل بعدها هو خبر كان، واللام عندهم في العاملة النصب في الفعل بنفسها إلا بإضمار أن، والتقدير عندهم ما كان اللّه يذر المؤمنين.\rوضعف أبو البقاء مذهب الكوفيين بأن النصب قد بعد هذه اللام، فإن كان النصب بها نفسها، فليست زائدة، وإن كان النصب بإضمار أن فسد من وجهه المعنى، لأن أن وما في حيزها بتأويل مصدر، والخبر في باب كان هو الاسم في المعنى، فيلزم أن يكون المصدر الذي هو معنى من المعاني صادقا على اسمها وهو محال. أما قوله: إن كان النصب بها فليست زائدة فممنوع، لأن العمل لا يمنح الزيادة. ألا ترى أن حروف الجر تزداد وهي عاملة، ويذر فعل لا يتصرف كيدع استغناء عنه بتصرف مرادفه وهو يترك، وحذفت الواو من يذر من غير موجب تصريفي، وإنما حملت على يدع لأنه بمعناه، ويدع حذفت منه الواو لموجب، وهو وقوع الواو بين ياء وكسرة مقدرة. وأما الواو في يذر فوقعت بين ياء وفتحة أصلية اهـ سمين.\rقوله: (أيها الناس) أي الشاملون للمؤمنين والكافرين، فالخطاب عام اهـ شيخنا.\rقوله: (من اختلاط المخلص) في نسخة المسلم اهـ.\rقوله: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ الخ غاية لما يفيده النفي المذكور، كأنه قيل: ما يترككم على ذلك الاختلاط، بل يقدر الأمور ويرتب الأسباب حتى يعزل المنافق من المؤمن. والمعنى ما كان اللّه ليترك المخلصين على الاختلاط بالمنافقين، بل يرتب المبادىء حتى يخرج المنافقون من بينهم، وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبهم، ولكنه يوحي إلى رسوله فيخبره بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال اهـ.\rوعبارة السمين: وحتى هنا قيل للغاية المجردة بمعنى إلى والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وقد تقدم تحقيقه في البقرة، والغاية هنا مشكلة على ظاهر اللفظ، لأنه يصير المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية وهي التمييز بين الخبيث والطيب، ومفهومه أنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه. هذا ظاهر ما قالوه من كونها للغاية للمعنى على ذلك قطعا، ويصير هذا نظير قولك: لا أكلم زيدا حتى يقدم عمرو، فالكلام منتف إلى قدوم عمرو، والجواب عنه","part":1,"page":519},{"id":524,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 520\rذلك يوم أحد وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ فاعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يختار مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على غيبه كما أطلع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على حال المنافقين فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا النفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)\rوَلا يَحْسَبَنَ بالياء والتاء الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي بزكاته هُوَ أي بخلهم خَيْراً لَهُمْ مفعول ثان والضمير للفصل والأول بخلهم مقدرا قبل الموصول على الفوقانية وقبل الضمير على التحتانية أن حتى غاية لما يفهم من معنى الكلام، ومعناه أنه تعالى يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيث من الطيب اهـ.\rقوله: (بالتكاليف الشاقة) كبذل الأموال والأنفس في سبيل اللّه، والباء سببية اهـ.\rقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي الخ هذا استدراك على معنى الكلام المتقدم، لأنه لما قال وما كان اللّه ليطلعكم يوهم أنه لا يطلع أحدا على غيبه لعموم الخطاب، فاستدرك بالرسل، والمعنى ولكن اللّه يجتبي أن يصطفي من رسله من يشاء، فيطلعه على الغيب، فهو ضد لما قبله. في المغنى قد تقدم أنها تقع بين ضدين ونقيضين، وفي الخلافين خلاف، ويجتبي ويصطفي ويختار ينفعل من جبوت الماء والماء وجبيتهما لغتان، فالياء في يجتبي يحتمل أن تكون على أصلها وأن تكون منقلبة من واو لانكسار ما قبلها، ومفعول يشاء محذوف، وينبغي أن يقدر ما يليق بالمعنى والتقدير من يشاء اطلاعه على الغيب اهـ سمين.\rقوله: (على حال المنافقين) أشار به إلى أن اطلاعه عليه الصلاة والسّلام على الغيب يكون بطريق الوحي، أو أن يشاهد أمرا يدل على أمر يكون من بعد كما نصب له علامات دالة على مصارع الكفار يوم بدر اهـ كرخي.\rقوله: (أي بزكاته) إشارة إلى تقدير مضاف. وعبارة الخطيب، واختلف في المراد بهذا البخل، فقال أكثر العلماء: المراد به منع الواجب، واستدلوا بوجود أحدها: أن الآية دالة على الوعيد الشديد، وذلك لا يليق إلا الواجب، وثانيها: أن اللّه تعالى ذم البخل والتطوع لا يذم على تركه، وثالثها: قال عليه الصلاة والسّلام: «و أي داء أدوأ من البخل» وتارك التطوع لا يليق به هذا الوصف. وإنفاق الواجب على أقسام منها إنفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين تلزمه مؤنتهم، ومنها الزكوات، ومنها إذا احتاج إلى دفع عدو يقصد أنفسهم وأموالهم، فيجب عليهم إنفاق الأموال على من يدفعه عنهم، ومنها دفع ما يسد رمق المضطر اهـ.\rقوله: (و الضمير الفصل) وفصليته متعينة هنا، لأنه لا يخلو إما أن يكون مبتدأ أو بدلا أو توكيدا، والأول منتف لنصب ما بعده، وهو خيرا، وكذا الثاني لأنه كان يلزم أن يوافق ما قبله في الإعراب، فكان ينبغي أن يقال إياه لا هو وكذا الثالث لما تقدم اهـ سمين.\rقوله: (و الأول بخلهم) في تقدير مجموع المضاف والمضاف إليه على الفوقانية مسامحة. إذ المقدر عليها لفظ بخل فقط، فيقدر مضافا للدين ولا يقدر معه ضمير لئلا يلزم إضافة الشيء مرتين، وأما على قراءة التحتانية، فيقدر مجموع المضاف والمضاف إليه كما ذكر، ففي كلامه مسامحة من","part":1,"page":520},{"id":525,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 521\rبَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ أي بزكاته من المال يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما ورد في الحديث وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرثهما بعد فناء أهلهما وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالياء والتاء خَبِيرٌ (180) فيجازيكم به\rلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وهم اليهود قالوه لما نزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وقالوا لو كان غنيا ما استقرضنا وجهين، الأول: حكمه بتقدير مجموع المضاف والمضاف إليه على قراءة الفوقانية. والثاني: حكمه عليها أيضا بأن المفعول مقدر، فإن تقديره على الفوقانية إنما هو بالنظر للمعنى لا للصناعة، وإلا فالصناعة تامة بدون التقدير. إذ يعرب على هذه القراءة الذين مفعول أول، لكنه من حيث المعنى يقدر معه مضاف ليحصل الحمل بالمفعول الثاني، وهو قوله خيرا. وأما التقدير على قراءة التحتانية فمحتاج إليه صناعة ومعنى اهـ شيخنا.\rقوله: سَيُطَوَّقُونَ بمنزلة التعليل والسين للتأكيد.\rقوله: (من المال) بيان لما فيطوقون نفس المال الممنوع زكاته بتمامه لا الزكاة فقط.\rقوله: (في عنقه) أي الباخل. قوله: (تنهشه) في المختار نهشته الحية لسعته وبابه قطع اهـ.\rقوله: (كما ورد في الحديث) وهو ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من آتاه اللّه مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك»، ثم تلا: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ الآية، أخرجه البخاري وقوله: له زبيبتان. قيل هما النكتتان السوداوان فوق عين الحية، وقيل: هما نقطتان يكتنفان فاها، وقيل: زبيبتان في شدقيها، وقد جاء في الحديث تفسير لهزمتيه بأنهما شدقاه اهـ خازن.\rقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي وما فيهما، ومنه المال فلا معنى لمنع زكاته مع أنه يرثه اللّه. وعبارة الخطيب: في معناه وجهان، أحدهما: أن له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فهو الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم، فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيل اللّه، ونحوه قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7]. والثاني: وبه قال الأكثرون إن معناه أن يفنى أهل السموات والأرض ويفنى الأملاك ولا مالك إلا اللّه فجرى هذا مجرى الوراثة. قال ابن الأنباري: ويقال: ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه، وقال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل: 16] لأنه انفرد بذلك بعد أن كان داود مشاركا له فيه، انتهت.\rقوله: (فيجازيكم) هذا على قراءة التاء وأما على قراءة الياء فيقال: فيجازيهم اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ أي علمه وأحصاه، والمقصود من هذا تهديد القائلين ما ذكر وإعلامهم أنهم لا يفوتهم من جزائه شيء اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ قالُوا أي لأبي بكر إن اللّه فقير العامل في موضع إن عملت فيه قالوا وهي المحكية به، كما أشار إليه في التقرير لأنه فعل، والأول مصدر وإعمال الفعل أقوى اهـ كرخي.\rقوله: (و هم اليهود) أي جماعة منهم كحيي بن أخطب، وفنحاص بن عازوراء، وكعب بن الأشرف اهـ شيخنا.","part":1,"page":521},{"id":526,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 522\rسَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما قالُوا في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه وفي قراءة بالياء مبنيا للمفعول وَنكتب قَتْلَهُمُ بالنصب والرفع الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ بالنون والياء أي اللّه لهم في الآخرة على لسان الملائكة ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) النار ويقال لهم إذا ألقوا فيها\rذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ عبر بها عن الإنسان لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ أي بذي ظلم لِلْعَبِيدِ (182) فيعذبهم بغير ذنب\rالَّذِينَ نعت للذين قبله قوله: سَنَكْتُبُ ما قالُوا قراءة حمزة بالياء مبنيا لما لم يسمع فاعله، وما وصلتها قائم مقام الفاعل وقتلهم الرفع عطفا على الحصول، ويقول بياء الغيبة والباقون بالنون للمتكلم المعظم نفسه فما منصوبة المحل وقتلهم بالنصب عطفا عليها وتقول بالنون أيضا اهـ سمين.\rقوله: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ أي قتل آبائهم الأنبياء، ووبخوا عليه ووعدوا العذاب لرضاهم بصنع آبائهم، والراضي بشيء ينسب له ويعاقب عليه إن كان شرر اهـ شيخنا.\rقوله: (بالنصب) أي على قراءة النون والرفع أي على قراءة الياء.\rقوله: بِغَيْرِ حَقٍ أي حتى في اعتقادهم، فكانوا يعتقدون أن قتلهم لا يجوز ولا يحل، وحينئذ فيناسب شن الغارة عليهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بالنون) أي على قراءة النون فيما سبق، والياء أي على قراءة الياء فيما سبق، وإن كان المعطوف عليه على الرفع مبنيا للمفعول، والمعطوف مبنيا للفاعل، فقوله أي اللّه تفسير للفاعل على قراءة الياء، وأما على قراءة النون فالمناسب في تفسيره أن يقول أي نحن، ويصح أن يكون تفسيرا له على القراءتين نظرا للمعنى اهـ شيخنا.\rقوله: عَذابَ الْحَرِيقِ أي المحرق.\rقوله: (و يقال لهم) الظاهر أن يقول ويقول، وكأنه نظر إلى أن القول من الملائكة فلم ينسبه للّه، وهذا كله على قراءة الياء. أما على قراءة النون فكان المناسب أن يقدر. ونقول: ويمكن أن يكون جاريا على القراءتين نظرا للمعنى اهـ شيخنا.\rقوله: (عبر بها عن الإنسان الخ) يعني ففي الكلام مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل، ويشترط في هذا المجاز أن يكون لهذا الجزء خصوصية من بين سائر الأجزاء في مدخلية الفعل المنسوب، وكان الأحسن أن يعبر بالنفس، ويقول عبر بها عن النفس الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (تزاول بها) في المختار المزاولة المحاورة والمعالجة، وتزاولوا تعالجوا اهـ.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ أي وبأن اللّه فهو معطوف على مدخول الباء اهـ.\rقوله: (أي بذي ظلم) فظلام من صيغ النسب على حد قول ابن مالك:\rومع فاعل وفعال فعل ... في نسب أغنى عن الياء قبل\r\rوغرضه بهذا دفع سؤال تقريره مشهور اهـ شيخنا.","part":1,"page":522},{"id":527,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 523\rقالُوا لمحمد إِنَّ اللَّهَ قد عَهِدَ إِلَيْنا في التوراة أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ نصدقه حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فلا نؤمن لك حتى تأتينا به وهو ما يتقرب به إلى اللّه من نعم وغيرها فإن قبل جاءت نار بيضاء من السماء فأحرقته وإلا بقي مكانه وعهد إلى بني إسرائيل ذلك إلا في المسيح ومحمد قال تعالى قُلْ لهم توبيخا قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات قوله: (فيعذبهم) في حيز النفي فهو منصوب. قوله: (نعت للذين قبله) أي الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ الخ، فالسماع مسلط عليه، والتقدير لقد سمع اللّه قول الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا الخ كما في الخازن.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا وأوصانا. قوله: أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ شامل لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولعيسى، فلذا فرع عليه قوله: فلا نؤمن لك الخ. وهذا منهم كذب على التوراة إذ الذي فيها مقيد بغير عيسى ومحمد، فقوله وعهد إلى بني إسرائيل الخ، بيان للواقع في التوراة أي أن الذي في التوراة مقيد بغير عيسى ومحمد، وأما هما فيقبلان ولو بدون قربان، فقوله: وعهد معناه وقد عهد في التوراة إلى بني إسرائيل ذلك أي أن لا يؤمنوا إلا بقربان، فهذا بيان لكذبهم في التعميم السابق ويعلم هذا التقرير من عبارة الخازن، ونصها: قال الكلبي نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب من اليهود أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا محمد تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا وأن اللّه عهد إلينا في التوراة ألّا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند اللّه حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك. فأنزل اللّه تعالى:\rالَّذِينَ قالُوا. يعني قد سمع اللّه قول الذين قالوا إن اللّه عهد إلينا، يعني أمرنا وأوصانا في كتبه ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار. يعني فيكون ذلك دليلا على صدقه. وذكر الواقدي عن السدي أنه قال: أنه تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغير قربان. زاد غير الواحدي عنه أي الواقدي قال: وكانت هذه العادة باقية فيهم إلى مبعث المسيح عليه السّلام، ثم ارتفعت وزالت. وقيل: إن ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة، وهو من كذب اليهود وتحريفهم، ويدل على ذلك أن المقصود في الدلالة على صدق النبي هو ظهور المعجزة الخارقة للعادة، فأي معجزة أتى بها النبي قبلت منه، وكانت دليلا على صدقه، وقد أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه، فوجب على كافة الخلق اتباعه وتصديقه، والقربان: كل ما يتقرب به العبد إلى اللّه تعالى من أعمال البر من نسك وصدقة وذبح، وكل عمل صالح. ثم قال اللّه عز وجل مجيبا عن هذه الشبهة التي ذكرها هؤلاء اليهود وإقامة للحجة عليهم: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ اهـ.\rقوله: (و هو ما يتقرب به الخ) أي فالمصدر بمعنى المفعول، وقوله من النعم أي بعد ذبحه وغيرها أي من بقية الحيوانات، ومن الصدقات الغير الحلوان اهـ شيخنا.\rقوله: (جاءت نار بيضاء) أي لا دخان لها، ولها دوي وهفيف، وقوله: (و إلّا بقي مكانه) أي لم تأكله النار أصلا. قوله: (و عهد) أي واللّه، وقوله ذي أي أن لا يؤمنوا الخ اهـ.","part":1,"page":523},{"id":528,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 524\rوَبِالَّذِي قُلْتُمْ كزكريا ويحيى فقتلتموهم والخطاب لمن في زمن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) في أنكم تؤمنون عند الإتيان به\rفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ المعجزات وَالزُّبُرِ كصحف إبراهيم وَالْكِتابِ وفي قراءة بإثبات الباء فيهما الْمُنِيرِ (184) الواضح كالتوراة والإنجيل فاصبر كما قوله: وَبِالَّذِي قُلْتُمْ وهو الإتيان بالقربان. قوله: (و الخطاب) أي بقوله جاءكم، وبقوله قلتم، وبقوله قتلتموهم، وبقوله إن كنتم، وقوله وإن كان الفعل أي قتل الأنبياء اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنْ كَذَّبُوكَ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، والجواب محذوف كما قدره الشارح بقوله: فاصبر كما صبروا. وكان الأولى أن يقدم هذا المقدر بجنب الشرط. وقوله: فقد كذب الخ دليل وتعليل للمقدور، ولا يصلح أن يكون جوابا بالمضية بالنسبة للشرط بزمن طويل، فلا يصح تعليقه عليه اهـ شيخنا.\rقوله: وَالزُّبُرِ أي الكتب واحدها زبور، وكل كتاب فيه حكمة زبور، وأصله من الزبر وهو الزجر، وسمي الكتاب الذي فيه الحكمة زبورا لأنه يزبر أي يزجر عن الباطل، ويدعو إلى الحق اهـ خازن. وفي المختار: الزبر الزجر والانتهار، وبابه نصر والزبر أيضا الكتابة، وبابه ضرب اهـ.\rقوله: وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ عطف خاص إن أريد بالزبر مطلق الكتب، وعطف مغاير إن أريد بها خصوص الصحف. وعبارة الخازن الزبر أي الكتب، والكتاب المنير أي الواضح المعنى، وإنما عطف الكتاب المنير على الزبر لشرفه وفضله. وقيل: أراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والأنجيل اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بإثبات الباء فيهما أي الزبر والكتاب. وعبارة السمين وقرأ جمهور الناس والزبر والكتاب من غير ذكر باء الجر، وقرأ ابن عامر: وبالزبر بإعادتها وهشام وحده عنه وبالكتاب بإعادتها أيضا وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابن عامر رحمه اللّه، والخطب فيه سهل فمن لم يأت بها اكتفى بالعطف ومن أتى بها كان ذلك تأكيدا اهـ.\rقوله: (فاصبر كما صبروا) هذاهو جواب الشرط أي قوله فإن كذبوك. قوله: كُلُّ نَفْسٍ الخ هذا من تمام التسلية وهو وعيد ووعد، وكل مبتدأ خبره ذائقة الموت أي ذائقة موت أجسادها، إذ النفس لا تموت، ولو ماتت لما ذاقت الموت في حال موتها، لأن الحياة شرط في الذوق وسائر الإدراكات، وقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الذمر: 42] ومعناه حين موت أجسادها اهـ كرخي.\rوهذا يقتضي أن المراد بالنفس هنا الروح، والحامل له على تفسيرها بذلك التأنيث في قوله ذائقة، لأنها بمعنى الروح مؤنثة، وتطلق أيضا على مجموع الجسد، والروح الذي هو الحيوان وهي بهذا المعنى، وهذا المعنى الثاني تصح إرادته هنا أيضا، بل هو الأقرب المتبادر إلى الفهم. وفي المختار النفس الروح يقال خرجت نفسه والنفس الجسد، ويقولون ثلاثة أنفس فيذكرونه لأنهم يريدون به الإنسان اهـ.\rوفي المصباح: ان النفس تطلق على جملة الحيوان، والنفس إن أريد بها الروح وإن أريد الشخص مذكر اهـ.","part":1,"page":524},{"id":529,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 525\rصبروا\rكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ جزاء أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ بعد عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ نال غاية مطلوبه وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي العيش فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (185) الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى\rلَتُبْلَوُنَ حذف منه الرفع لتوالي قوله: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ أي تعطونها على التمام. قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي قيام الخلق من القبور، وذلك عند النفخة الثانية اهـ.\rوفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله، كما ينبىء عنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» اهـ أبو السعود.\rقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا الإضافة على معنى في كما أشار له الشارح بقوله: أي العيش فيها، والعيش هو الحياة كما في كتب اللغة، وفيها أيضا أن المعيشة هي كسب الإنسان وتحصيله ما يعيش به من مطعم ومشرب وملبس وغير ذلك. قوله: إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ عبارة السمين: الغرور يجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول أي متاع المغرور أي المخدوع وأصل الغرور الخدع اهـ. وفي البيضاوي شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المشتري فيغرّه حتى يشتريه، والغرور مصدر أو جمع غار اهـ.\rوعبارة الخازن: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور يعني أن العيش في هذه الدنيا الفانية يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء، وسينقطع عن قريب، فوصف بأنها متاع الغرور، ولأنها تغر ببذل المحبوب وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم. والمتاع كل ما استمع به الإنسان من ماله وغيره، وقيل المتاع كالفأس والقدر والقصعة ونحوها والغرور ما يغر الإنسان مما لا يدوم، وقيل الغرور الباطل.\rمعنى الآية أن منفعة الإنسان بالدنيا كمنفعته بهذه الأشياء التي يستمتع بها ثم تزول عن قريب، وقيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول، فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة اللّه ما استطعتم. قال سعيد بن جبير: هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأما من اشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منها اهـ.\rقوله: (الباطل) هذا التفسير يقتضي أن الإضافة بيانية، وأن الغرور هو الشيء الباطل، ومعنى البطلان هنا الفناء والانقطاع وعدم الدوام اهـ.\rقوله: لَتُبْلَوُنَ الخ شروع في تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من المؤمنين عما سيلقونه من جهة الكفرة من المكاره ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه، ويستعدوا للصبر له اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: لتبلون هذا جواب قسم محذوف تقديره، واللّه لتبلون، وهذه الواو هي واو الضمير، والواو التي هي لام الكلمة حذفت لأمر تصريفي، وذلك أن أصله لتبلوونن، فالنون الأولى للرفع حذفت لأجل نون التوكيد، وتحركت الواو التي هي لام الكلمة، وافتتح ما قبلها فانقلبت ألفا، فالتقى ساكنان الألف وواو الضمير، فحذفت الألف لئلا يلتقيا وضمت الواو دلالة على المحذوف، وإن شئت قلت استثقلت الضمة على الواو الأولى، فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الواو الأولى وحركت الواو بحركة مجانسة دلالة على المحذوف، ولا يجوز قلب مثل هذه الواو همزة لأن حركتها عارضة، ولذلك لم تقلب ألفا وإن تحركت وانفتح ما قبلها، وأصل لتسمعن لتسمعونن ففعل فيه ما تقدم","part":1,"page":525},{"id":530,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 526\rالنونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين لتختبرن فِي أَمْوالِكُمْ بالفرائض فيها والجوائح وَأَنْفُسِكُمْ بالعبادات والبلاء وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اليهود والنصارى وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا من العرب أَذىً كَثِيراً من السب والطعن والتشبيب بنسائكم وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك وَتَتَّقُوا اللّه فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) أي من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها\rوَاذكر إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي العهد إلا أنه هنا حذفت واو الضمير لأن قبلها حرفا صحيحا اهـ. فاستفيد من مجموع هذين التصريفين أن الواو المحذوفة هي لام الكلمة، وأن هذه الواو الموجودة هي ضمير الجمع، وهي نائب الفاعل، فقول الجلال: الواو ضمير الجمع الخ مشكل لاقتضائه أنها هي المحذوف، فحينئذ يجب تأويله ليستقيم، فقوله والواو أي وهذه الواو الموجودة ضمير الجمع، وقوله لالتقاء الساكنين تعليل لمحذوف تقديره، وحذفت الواو التي هي لام الكلمة لالتقاء الساكنين أو تقديره، وحركت الواو التي هي ضمير الجمع لالتقاء الساكنين، فعلى الأولى الساكنان الواو المحذوفة بعد قلبها ألفا، والواو التي هي ضمير، وعلى الثاني الساكنان الواو التي هي ضمير، والنون الأولى من نوني التوكيد اهـ شيخنا.\rقوله: (لتختبرن) أي بما ذكر حتى يتبين الجازع من الصابر، والمخلص من المنافق، فالاختبار طلب المعرفة ليعرف الجيد من الرديء، وذلك محال في حق اللّه تعالى لأنه عالم بحقائق الأشياء، فحينئذ يكون معنى الاختبار في حقه تعالى أنه يعامل عبده معاملة من يختبر غيره اهـ خازن.\rقوله: (و الجوائح) جمع جائحة أي المهلكات كالغرق والحرق، وهو من جاح كقال يقول اهـ شيخنا.\rقوله: (و التشبيب) هو ذكر أوصاف الجمال، وكان يفعل كعب بن الأشرف بنساء المؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا (على ذلك) أي ما ذكر من قوله لتبلون في أموالكم الخ اهـ. وقوله: فَإِنَّ ذلِكَ أي المذكور من الأمرين الصبر والتقوى اهـ شيخنا.\rقوله: (أي من معزوماتها الخ) أشار به إلى جعل المصدر بمعنى اسم المفعول أي المعزوم عليه وجمعه لإضافته إلى الأمور، فيكون المراد منه كما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني: إما معزوم العبد بمعنى أنه يجب عليه العزم والتصميم عليه، أو معزوم اللّه بمعنى عزم اللّه أي أراد، وفرض أن يكون ذلك ويحصل، وأصله ثبات في الرأي على الشيء إلى إمضائه: وقال الإمام المرزوقي: إنه توطين النفس عند الفكر، ولذا لم يطلق على اللّه تعالى، والمراد أن يوطنوا أنفسهم على الصبر، فإن العالم بنزول البلاء عليه لا يعظم وقعه في قلبه بخلاف غير العالم، فإنه يعظم عنده ويشق عليه اهـ كرخي. وعبارة أبي السعود: فإن ذلك إشارة إلى أن الصبر والتقوى وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهما، وبعد منزلتهما، وتوحيد حرف الخطاب، إما باعتبار كل واحد من المخاطبين، وإما لأن المراد الخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظة خصوصية أحوال المخلصين من عزم الأمور من معزومتها التي يتنافس فيها المتنافسون، أي مما يجب أن يعزم عليه كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف، أو مما عزم اللّه","part":1,"page":526},{"id":531,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 527\rعليهم في التوراة لَتُبَيِّنُنَّهُ أي لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ أي الكتاب بالياء والتاء في الفعلين فَنَبَذُوهُ طرحوا الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ فلم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أخذوا بدله ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) شراؤهم هذا\rلا تَحْسَبَنَ بالتاء والياء الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا فعلوا من إضلال تعالى عليه، وأمر به وبالغ يعني أن ذلك عزمة من عزمات اللّه. والجملة تعليل جواب الشرط واقع موقعه كأن قيل: وأن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم، أو فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم، فإن ذلك الخ. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم، فالجملة حينئذ جواب الشرط في إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى اهـ بحروفه.\rقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ الخ كلام مستأنف لبيان بعض أذياتهم وهو كتمانهم شواهد نبوته اهـ أبو السعود.\rقوله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ جواب للقسم الذي ينبىء عنه أخذ الميثاق، كأنه قيل لهم باللّه لتبيننه للناس اهـ أبو السعود.\rوفي السمين هذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو بكر بالياء جريا على الاسم الظاهر، وهو كالغائب وحسن ذلك قوله بعد فنبذوه والباقون بالتاء خطابا على الحكاية تقديره، وقلنا لهم وهذا كقوله: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا اللّه بالتاء والياء.\rوقوله: ولا يكتمونه يحتمل وجهين، أحدهما: واو الحال، والجملة بعدها نصب على الحال أي ليبيننه غير كاتمين. والثاني: أنها للعطف، وأن الفعل بعدها مقسم عليه أيضا اهـ.\rوالنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان، إما للمبالغة في إيجاب المأمور به إما لأن المراد بالبيان المأمور به ذكر الآيات الناطقة بنبوته وبالكتمان القاء التأويلات الزائفة والشبه الباطلة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي الكتاب) أي ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ أبو السعود.\rقوله: (في الفعلين) وهما ليبيننه ولا يكتمونه أشار به إلى القراءتين، فقرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو بالغيب إسنادا لأهل الكتاب وهم غيب مناسبة لنبذوه وراء ظهورهم، فتعين للباقين القراءة بالخطاب فيها حكاية لخطابهم عند الأخذ على حد وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ [آل عمران:\r81] اهـ كرخي.\rقوله: فَنَبَذُوهُ نبذ الشيء وراء الظهر مثل في الاستهانة به والإعراض عنه بالكلية اهـ.\rقوله: (برئاستهم في العلم) الباء سببية. قوله: (شراؤهم) فاعل بئس، وقوله هذاهو المخصوص بالذم. قوله: (بالتاء والياء) سبعيتان، والفاعل على الأولى ضمير المخاطب، والذين مفعول أول، والثاني مقدر تقديره بمفازة من العذاب، وعلى الثانية الفاعل الذين والمفعولان مقدران أي أنفسهم بمفازة من العذاب. هكذا أعرب الشارح فيما سيأتي اهـ شيخنا.","part":1,"page":527},{"id":532,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 528\rالناس وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من التمسك بالحق وهم على ضلال فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بالوجهين تأكيد بِمَفازَةٍ بمكان ينجون فيه مِنَ الْعَذابِ في الآخرة بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) مؤلم فيها ومفعولا يحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط\rوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين\rإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما فيهما من العجائب وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) قوله: (فعلوا) أشار به إلى أن المراد من أتى فعل لأنه يأتي بمعنى أعطى وغيره اهـ كرخي.\rقوله: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ الفاء زائدة وقوله بالوجهين أي التاء الفوقية والياء التحتية، فتلخص من كلام قراءتان التاء الفوقية في الفعلين، وعليها فالباء مفتوحة فيهما، والياء التحتية في الفعلين، وعليها فالباء مفتوحة في الأول مضمومة في الثاني، والقراءتان سبعيتان. وبقي ثالثة سبعية أيضا وهي الياء التحتية في الأول والتاء الفوقية في الثاني، مع فتح الباء فيهما. هذا ما ذكره السمين، وذكر قراءتين أخريين شاذتين، ونصه: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: لا يحسبن ولا يحسبنهم بياء الغيبة، ورفع ياء يحسبنهم، وقرأ الكوفيون بتاء الخطاب وفتح الباء فيهما معا. وقرأ نافع وابن عامر بياء الغيبة في الأول، وتاء الخطاب في الثاني، وفتح الباء فيهما، وقرئ شاذا بتاء الخطاب، وضم الباء فيهما معا. وقرئ فيه أيضا بياء الغيبة فيهما. وفتح الباء فيهما أيضا، فهذه خمس قراءات وذكر لها توجيهات طويلة فراجعه إن شئت. قوله: مِنَ الْعَذابِ (في الآخرة) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لمفازة أي بمفازة كائنة من العذاب على جعلنا مفازة مكانا أي بموضع فوز. قال أبو البقاء: لأن المفازة مكان، والمكان لا يعمل يعني فلا يكون متعلقا بها، بل بمحذوف على أنه صفة لها الوجه الثاني: أنه متعلق بنفس مفازة على أنها مصدر بمعنى الفوز، تقول: فزت منه أي نجوت. ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء، لأنها مبنية عليها، وليست الدالة على التوحيد. وقال أبو البقاء: ويكون التقدير فلا يحسبنهم فائزين، فالمصدر في موضع اسم الفاعل اهـ. فإن أراد تفسير المعنى فذاك، وإن أراد أنه بهذا التقدير يصح التعلق، فلا حاجة إليه إذا المصدر مستقل بذلك لفظا ومعنى اهـ سمين.\rقوله: (على قراءة التحتانية) متعلق بما دل عليه الكلام من كونهما محذوفين، فالتقدير ومفعولا يحسب الأولى محذوفان على قراءة التحتانية، ودلّ عليهما الخ، فقوله على قراءة التحتانية أي الأولى وكذا قوله وعلى الفوقانية الخ. قوله: (خزائن المطر الخ) بالجر إشارة إلى تقدير مضاف أي: وللّه ملك خزائن السموات الخ، والملك بالضم تمام القدرة واستحكامها. وعبارة الخطيب: فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات وغير ذلك اهـ.\rقوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن عباس: إن أهل مكة سألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتيهم بآية فنزلت هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: لَآياتٍ اسم إنّ. قوله: (دلالات على قدرته تعالى) أي ووجوده ووحدته وعلمه","part":1,"page":528},{"id":533,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 529\rلذوي العقول\rالَّذِينَ نعت لما قبله أو بدل يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ مضطجعين أي في كل حال وعن ابن عباس يصلون حسب الطاقة وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليستدلوا به على قدرة صانعهما يقولون رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا الخلق الذي نراه باطِلًا حال عبثا بل دليلا على كمال قدرتك سُبْحانَكَ تنزيها لك عن العبث فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191)\rرَبَّنا إِنَّكَ مَنْ وتخصيص الثلاثة لشمولها أنواع التغير اهـ كرخي. ودلالات جمع دلالة بمعنى دليل.\rقوله: قِياماً وَقُعُوداً حال لا من فاعل يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضا فيتعلق بمحذوف، والمعنى يذكرونه قياما وقعودا ومضطجعين، فعطف الحال المؤولة على الصريحة عكس الآية الأخرى، وهي قوله: دعانا لجنبه أو قائما حيث عطف الصريحة على المؤولة وقياما وقعودا جمعان لقائم وقاعد، وأجيز أن يكونا مصدرين، وحينئذ يتأولان على ذوي قيام وقعود ولا حاجة إلى هذا اهـ.\rقوله: (أي في كل حال) إشارة إلى أن المراد من الآية العموم، وإنما ذكرت هذه الثلاثة لأنها الأغلب اهـ شيخنا.\rقوله: (و عن ابن عباس) أي في معنى يذكرون فمعناه عنده يصلون، وقوله كذلك أي قياما وقعودا وعلى جنوبهم وقوله حسب الطاقة إشارة إلى الترتيب، وأنه يجب تقديم القيام ثم القعود ثم الاضطجاع، فلا تصح صلاة الفرض من القعود مع القدرة على القيام، ولا من الاضطجاع مع القدرة على القعود اهـ شيخنا.\rقوله: ويَتَفَكَّرُونَ فيه وجهان: أظهرهما أنه عطف على الصلة فلا محل لها: والثاني: أنها في محل نصب على الحال عطفا على قياما أي يذكرونه متفكرين، فإن قيل: هذا مضارع مثبت، فكيف دخلت عليه الواو؟ فالجواب: أن هذه واو العطف، والممنوع إنما هو واو الحال. وخلق فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر على أصله أي يتفكرون في صفة هذه المخلوقات العجيبة، ويكون مصدرا مضافا لمفعوله. والثاني: أنه بمعنى المفعول أي في مخلوق السموات والأرض، وتكون إضافته في المعنى إلى الظرف أي يتفكرون فيما أودع اللّه هذين الظرفين من الكواكب وغيرها اهـ سمين.\rقوله: رَبَّنا ما خَلَقْتَ الخ في محل نصب على الحال، كما أشار له الشارح بقوله: يقولون اهـ.\rقوله: (حال) أي من المفعول به وهو هذا وهو الأحسن في إعرابه وهي حال لا يستغنى عنها إذ لو حذفت للزم نفي الخلق وهو لا يصح، أو مفعول من أجله أي للباطل أو على نزع الخافض اهـ كرخي.\rقوله: سُبْحانَكَ معترض بين قوله رَبَّنا وبين قوله فَقِنا. وقال أبو البقاء: دخلت الفاء لمعنى الجزاء والتقدير إذ نزهناك أو وحدناك فقنا وهذا لا حاجة إليه بل السبب فيها ظاهر تسبب عن قولهم ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، طلبهم وقاية النار، وقيل: هي لترتيب السؤال على ما تضمنه سبحانك من معنى الفعل أي سبحانك فقنا، وأبعد من ذهب إلى أنها للترتيب على ما تضمنه النداء اهـ سمين.","part":1,"page":529},{"id":534,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 530\rتُدْخِلِ النَّارَ للخلود فيها فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم مَنْ زائدة أَنْصارٍ (192) يمنعونهم من عذاب اللّه تعالى\rرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي يدعو الناس لِلْإِيمانِ أي إليه وهو محمد أو القرآن أَنْ أي بأن آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا به رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ غط عَنَّا سَيِّئاتِنا فلا تظهرها بالعقاب قوله: مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ من شرطية مفعول مقدم واجب التقديم لأن له صدر الكلام، وتدخل مجزوم بها، وقوله فقد أخزيته جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر إن اهـ سمين.\rقوله: (للخلود فيها) فيه إشارة إلى جواب سؤال، وهو أن هذا يقتضي خزي كل من يدخلها وقوله يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: 8]، يقتضي انتفاء الخزي عن المؤمنين، فلا يدخلون النار. وإيضاح الجواب أن أخزى في الأول من الخزي وهو الإذلال والإهانة، وفي الثاني من الخزاية وهي النكال والفضيحة، وكل من يدخل النار يذل وليس كل من يدخلها ينكل به، فالمراد بالخزي في الأول الخلود، وفي الثاني تحلة القسم أو التطهير بقدر ذنوب الداخل. وافهم أن العذاب الروحاني أفظع لأن الإخزاء هو الذل، ولا يكون إلا من مؤثرات الروح لا البدن، وأيضا لو كان الجسماني أفظع لكان الظاهر أن يجعل جزاء حتى يكون هو المقصود بالذات اهـ كرخي.\rقوله: (فيه وضع الظاهر الخ) أي فكان مقتضى الظاهر أن يقال وما لهم أو وما له مراعاة لمعنى من أو لفظها اهـ شيخنا.\rقوله: (من زائدة) أي لوجود الشرطين. وفي مجرورها وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ وخبره في الجار قبله وتقديمه هنا جائز لا واجب، لأن النفي مسوغ وحسن تقديمه كون مبتدئه فاصلة. والثاني:\rأنه فاعل بالجار قبله لاعتماده على النفي وهذا جائز عند الجميع اهـ سمين.\rقوله: مُنادِياً مفعول به على حذف المضاف أي نداء، وجملة ينادي الخ صفة لمناديا على الراجح من أن سمع لا ينصب مفعولين اهـ شيخنا.\rقوله: (يدعو الناس) أي فمفعول ينادي محذوف، فإن قيل: ما الفائدة في الجمع بين مناديا وينادي، فأجاب الزمخشري بأنه ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما لشأن المنادي، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان، وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلا مناد للحرب أو لإطفاء الثائرة ألا لإغاثة المكروب أو لكفاية بعض النوازل أو لبعض المنافع، فإذا قلت: ينادي للإيمان فقد رفعت شأن المنادي وفخمته اهـ كرخي.\rقوله: (أي بأن) أشار إلى أن مصدرية في موضع نصب على حذف حرف الجر، ويصح كونها تفسيرية فلا موضع لها من الإعراب والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبب عن السماع من غير مهلة اهـ كرخي.\rقوله: فَاغْفِرْ الفاء لترتيب المغفرة والدعاء بها على الإيمان به تعالى، والإقرار بربوبيته فإن ذلك من دواعي المغفرة والدعاء بها اهـ أبو السعود.\rقوله: (فلا تظهرها بالعقاب عليها) وجمع بين غفران الذنوب وبين تكفير السيئات لأن غفران","part":1,"page":530},{"id":535,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 531\rعليها وَتَوَفَّنا اقبض أرواحنا مَعَ في جملة الْأَبْرارِ (193) الأنبياء والصالحين\rرَبَّنا وَآتِنا أعطنا ما وَعَدْتَنا به عَلى ألسنة رُسُلِكَ من الرحمة والفضل وسؤالهم ذلك وإن كان وعده تعالى لا يخلف سؤال أن يجعلهم من مستحقيه لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم له وتكرير ربنا مبالغة في التضرع وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) الوعد بالبعث والجزاء\rفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ دعاءهم أَنِّي أي بأني لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ كائن مِنْ بَعْضٍ الذنوب بمجرد الفضل، وتكفير السيئات بمحوها بالحسنات، أو الأول في الكبائر والثاني في الصغائر فلا تكرار فلا يرد السؤال كيف ذكر الثاني مع أنه معلوم من الأول اهـ كرخي.\rقوله: (جملة) الْأَبْرارِ أي معدودين ومحسوبين في جملة الأبرار أي منهم، وإنما احتيج إلى هذا التقدير لعدم إمكان التوفي معهم إذ بعضهم تقدم وبعضهم لم يوجد، أو المراد في سلكهم على سبيل الكناية، فإنه إذا كان منخرطا في سلكهم لا يكون مع غيرهم، أو أن مع بمعنى على أي أعمال الأبرار، أو محشورين مع الأبرار، وهو في موضع الحال أي كائنين مع الأبرار اهـ كرخي، والأبرار يجوز أن يكون جمع بار كصاحب وأصحاب بزنة كتف وأكتاف اهـ سمين.\rقوله: عَلى (ألسنة) رُسُلِكَ أفاد أن للكلام على حذف مضاف كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] ولم يبين متعلق على، والظاهر أنه وعدتنا كما علم من كلام القاضي اهـ كرخي.\rقوله: (و سؤالهم ذلك الخ) إيضاحه أن الوعد من اللّه للمؤمنين عام يجوز أن يراد به الخصوص، فسألوا اللّه أن يجعلهم ممن أرداهم بالوعد فهو كناية عن التوفيق للأعمال الصالحة، أو يقال الدعاء بما هو كائن للتخضع، وهو استعجال النصر الموعود وهو غير مؤقت اهـ كرخي.\rقوله: (أن يجعلهم من مستحقيه) وذلك بدوام الإيمان عليهم، وقوله: لأنهم لم يتيقنوا الخ أي لأن المدار على العاقبة وهي مجهولة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تُخْزِنا أي تفضحنا لأن الإنسان ربما يظن أنه على عمل ويبدو له في الآخرة ما لم يكن في حسبانه، فيفتضح فلا تكرار فيه مع قوله قِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: 201] اهـ كرخي.\rقوله: (الوعد) أشار به إلى أن الميعاد اسم مصدر بمعنى الوعد لا بمعنى الموضع والوقت. قال جعفر الصادق من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا أنجاه اللّه مما يخلف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ فقال: اقرؤوا الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً إلى قوله: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ اهـ كرخي.\rقوله: (دعاؤهم) أي المذكور فيما قوله: (أي يأتي) هكذا قرأ أبيّ رضي اللّه عنه، والباء سببية كأنه قيل: فاستجاب لهم ربهم بسبب إني لا أضيع عمل عامل أي سنته مستمرة على ذلك، والالتفات إلى التكلم والخطاب لإظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف الداعين اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: أني لا أضيع عمل عامل الجمهور على فتح أن، والأصل يأتي فيجيء فيها المذهبان، وقرأ أبيّ بأني على هذا الأصل. وقرأ عيسى بن عمر بكسر إن وفيه وجهان، أحدهما: على","part":1,"page":531},{"id":536,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 532\rأي الذكور من الإناث وبالعكس والجملة مؤكدة لما قبلها أي هم سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها. نزلت لما قالت أم سلمة يا رسول اللّه إني لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء إضمار القول أي فقال: إني. والثاني: أنه على الحكاية باستجاب، لأنه فيه معنى القول، وهو رأي الكوفيين، واستجاب بمعنى أجاب ويتعدى بنفسه وباللام، وتقدم تحقيق ذلك في البقرة في قوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة: 186]، والجمهور أضيع من أضاع، وقرئ بالتشديد والتضعيف والهمزة فيه للنقل اهـ.\rقوله: مِنْكُمْ في موضع جر صفة لعامل أي كائن منكم. وأما من ذكر ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنها لبيان الجنس بين جنس العامل، والتقدير هو ذكر أو أنثى، وإن كان بعضهم قد اشترط في البيانية أن تدخل على معرف بلام الجنس. الثاني: أنها زائدة لتقدم النفي الكلام، وعلى هذا فيكون قوله من ذكر بدلا من نفس عامل، كأنه قيل عامل ذكر أو أنثى. الثالث: أن يكون من ذكر بدلا منكم.\rقال أبو البقاء: وهو بدل من الشيء، فيكون بدلا تفصيليا بإعادة العامل كقوله: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ [الأعراف: 75]. الرابع: أن يكون من ذكر صفة ثانية لعامل قصد بها التوضيح فتعلق بمحذوف كالتي قبلها اهـ سمين.\rقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان لعامل، وتأكيد لعمومه. وقوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ جملة معترضة مبينة لسبب انتظام النساء في سلك الرجال في الوعد، فإن كون كل منهما من الآخر لتشعبهما من أصل واحد، ولفرط الاتصال بينهما أو لاتفاقهما في الدين والعمل مما يستدعي الشركة والاتحاد في ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر. وهذا الجملة استئنافية جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرجال في الثواب الذي وعد اللّه به عباده العاملين وهي في محل التعليل للتعميم في قوله من ذكر أو أنثى، فكأنه قيل: إنما سوى بين الفريقين في الثواب لاشتراكهم في الأصل والدين، والمعنى كما أنكم من أصل واحد، وأن بعضكم مأخوذ من بعض، فكذلك أنتم في ثواب العمل لا يثاب رجل عامل دون امرأة، وعبر الزمخشري عن هذا بأنها جملة معترضة قال: وهذه جملة معترضة ثبتت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد اللّه العاملين، ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله عمل عامل وبين ما فصل به عمل العاملين من قوله: فالذين هاجروا، ولذلك قال الزمخشري: فالذين هاجروا تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم اهـ سمين.\rقوله: (نزلت لما قالت الخ) أي نزل قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ لما قالت الخ كما في القرطبي والخازن.\rقوله: (إني لا أسمع) أي لم أسمع. قوله: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، فهاجر طائفة إلى الحبشة، وطائفة إلى المدينة قبل هجرة النبي وبعدها، فلما استقر صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة رجع إليه من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين اهـ خازن. وهذا تفصيل لعمل العاملين المجمل أولا. والظاهر أن هذه الجمل التي بعد الموصول كلها صفات له، فلا يكون الجزاء","part":1,"page":532},{"id":537,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 533\rفَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ديني وَقاتَلُوا الكفار وَقُتِلُوا بالتخفيف والتشديد وفي قراءة بتقديمه لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أسترها بالمغفرة وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مصدر من معنى لأكفرن مؤكد له مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فيه التفات عن التكلم وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) الجزاء. ونزل لما قال المسلمون أعداء اللّه فيما نرى من الخير ونحن في الجهد\rلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا تصرفهم فِي الْبِلادِ (196) إلا لمن جمع هذه الصفات، ويجوز أن يكون ذلك على التنويع ويكون قد حذف الموصولات لفهم المعنى، فيكون الخبر بقوله: لأكفرن عن كل من اتصف بواحدة من هذه الصفات اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بتقديمه أي تقديم المبني للمفعول، لكن مع تخفيفه لا غير، فالحاصل أن القراءات هنا ثلاثة: تقديم المبني للمجهول مخففا وتأخيره مخففا ومشددا اهـ شيخنا.\rقوله: لَأُكَفِّرَنَ جواب قسم محذوف أي واللّه لأكفرن، والجملة القسمية خبر المبتدأ الذي هو الموصول اهـ أبو السعود. أي أن مجموع القسم وجوابه هو الخبر، فلا ينافي أن جملة القسم وحدها لا محل لها من الإعراب. قوله: (مصدر من معنى لأكفرن) أي ولأدخلنهم فمعنى المجموع لأثيبنهم، فيكون ثوابا مصدرا موافقا في معنى، فكأنه قيل: لأثيبنهم ثوابا. والثواب هنا: بمعنى الإثابة التي هي المصدر، وإن كان في الأصل هو المقدار من الجزاء اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: (ثوابا) في نصبه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه نصب على المصدر المؤكد، ولأن معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير لأثيبنهم إثابة أو تثويبا، فوضع ثوابا موضع أحد هذين المصدرين، لأن الثواب في الأصل اسم لما يثاب به كالعطاء اسم لما يعطى، ثم قد يقعان في موقع المصدر وهو نظير قوله: صنع اللّه ووعد اللّه في كونهما مؤكدين. الثاني: أن يكون منصوبا على الحال من جنات أي مثابا بها، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة لتخصصها بالصفة. الثالث: أنه حال من الضمير المفعول به أي حال كونهم مثابين اهـ.\rقوله: حُسْنُ الثَّوابِ الأحسن أنه فاعل بما تعلق به عنده أي مستقر عنده، لأن الظرف قد اعتمد بوقوعه خبرا والاخبار بالمفرد أولى، وجوزوا أن يكون عنده حسن الثواب مبتدأ وخبر والجملة خبر اهـ كرخي.\rقوله: لا يَغُرَّنَّكَ الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد غيره من الأمة لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يغتر قط، والمعنى لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد يعني ضربهم في الأرض للتجارات، وطلب الأرباح والمكاسب اهـ خازن.\rوعبارة البيضاوي: الخطاب للنبي، والمراد أمته أو تثبيته على ما كان عليه، كقوله: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [القلم: 8]، أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب، وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب، والمعنى لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم اهـ.","part":1,"page":533},{"id":538,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 534\rبالتجارة والكسب هو\rمَتاعٌ قَلِيلٌ يتمتعون به يسيرا في الدنيا ويفنى ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) الفراش هي\rلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ أي مقدرين الخلود فِيها نُزُلًا هو ما يعد للضيف ونصبه على الحال من جنات والعامل فيها معنى الظرف مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) من متاع الدنيا\rوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ وقوله: تنزيلا للسبب منزلة المسبب السبب هو التقليب، والمسبب الاغترار به والنهي في الظاهر عن الأول، والمراد النهي عن الثاني مجازا أو كناية كما قاله التفتازاني، والمعنى لا تغتر بتقلبهم وتكسبهم اهـ.\rقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر لمبتدأ محذوف، كما قدره الشارح، وذلك الضمير المقدر عائد على ما في قوله: فيما ترى من الخير اهـ.\rقوله: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وقعت لكن هنا أحسن موقع، فإنها وقعت بين ضدين، وذلك أن معنى الجملتين التي قبلها والتي بعدها آيل إلى تعذيب الكفار وتنعيم المتقين. ووجه الاستدراك أنه لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم في التجارة وتصرفهم في البلاد لأجلها، جاز أن يتوهم متوهم أن التجارة من حيث هي متصفة بذلك، فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك، وألهم ما وعدهم به اهـ سمين.\rوفي الشهاب: وجه الاستدراك أنه رد على الكفار فيما يتوهمون من أنهم ينعمون والمؤمنون في عناء ومشقة، فقال: ليس الأمر كما توهمتم فإن المؤمنين لا عناء لهم إذا نظر إلى ما أعد لهم عند اللّه أو أنه لما ذكر تنعمهم بتقلبهم في البلاد، أو وهم أن اللّه لا ينعم المؤمنين فاستدرك عليه بأن ما هم فيه عين النعيم لأنه سبب لما بعده من النعم الجسام اهـ.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هذه الجملة أجاز مكي فيها وجهين، أحدهما: الرفع على النعت لجنات. والثاني: النصب على الحال من الضمير المستكن في لهم، وخالدين نصب على الحال من الضمير في قولهم، والعامل فيه معنى الاستقرار اهـ سمين.\rقوله: نُزُلًا بضمتين بمعنى ما يهيأ للضيف، كما قال الشارح، من طعام وشراب وغيرهما، فالمعنى حال كون الجنات ضيافة وإكراما من اللّه لهم أعدها كما يعد المقري للضيف إكراما اهـ شيخنا.\rوفي السمين النزل ما يهيأ للضيف هذا أصله ثم اتسع فيه، فأطلق على الرزق والغذاء، وإن لم يكن ضيف، ومنه فنزل من حميم، وفيه قولان: هل هو مصدر أو جمع نازل اهـ.\rقوله: (معنى الظرف) وهو لهم لأن جنات فاعل به لاعتماده ويجوز، أو يجعل جنات مبتدأ والظرف خبرا مقدما اهـ كرخي.\rقوله: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ ما موصولة وموضعها رفع بالابتداء، وخير خبر وللأبرار صفة لخير، فهو في محل رفع ويتعلق بمحذوف اهـ سمين.\rقوله: خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (من متاع الدنيا) أي لقلته وسرعة زواله، وفي كلامه إشارة إلى أن خير هنا للتفضيل وهو ظاهر اهـ كرخي.","part":1,"page":534},{"id":539,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 535\rيُؤْمِنُ بِاللَّهِ كعبد اللّه بن سلام وأصحابه والنجاشي وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ أي التوراة والانجيل خاشِعِينَ حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من أي متواضعين لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ التي عندهم في التوراة والانجيل من نعت النبي ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا بأن يكتموها خوفا على الرياسة كفعل غيرهم من اليهود أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ثواب أعمالهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يؤتونه مرتين كما في القصص إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على الطاعات والمصائب وعن قوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ قال ابن عباس: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة ومعناه بالعربية عطية اللّه، وذلك أنه لما مات أخبر جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اليوم الذي مات فيه بموته فقال النبي لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي»، فخرج إلى البقيع وكشف اللّه له إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه، وكبر أربع تكبيرات، واستغفر له، فقال له المنافقون: انظر إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط، وليس على دينه، فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اللام لام الابتداء دخلت على اسم إنّ المؤخر، والخبر الجار والمجرور، وفي هذا مراعاة لفظ من وما سيأتي فيه مراعاة معناه وهو سبعة مواضع أولها: وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وآخرها: عِنْدَ رَبِّهِمْ اهـ شيخنا.\rفي السمين: اللام لام الابتداء دخلت على اسم إن لتأخره عنها، ومن أهل خبر مقدم، ومن يجوز أن تكون موصولة وهو الأظهر وموصولة أي لقوما ويؤمن صلة على الأول فلا محل له، وصفة الثاني فمحله النصب، وأتى هنا بالصلة مستقبلة، وإن كان ذلك قد مضى دلالة على الاستمرار والدوام اهـ.\rقوله: (كعبد اللّه بن سلام) أي من اليهود، وقوله: والنجاشي أي من النصارى، وبقي للكاف أربعون رجلا من أهل نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الروم، وكان الجميع على دين عيسى، فآمنوا بمحمد وصدقوه اهـ خازن. والنجاشي بفتح النون وسكون الياء مخففة هذا هو المشهور في الرواية، لأن الياء ليست للنسب، وقيل: يجوز فيه كسر النون وتشديد الياء اهـ شيخنا.\rقوله: (مراعى فيه) أي الحال المذكور وكذا فيما بعده وفيما قبله من قوله وما أنزل إليهم اهـ.\rقوله: لا يَشْتَرُونَ تصريح لمخالفتهم للمحرفين، والجملة حال اهـ أبو السعود.\rقوله: (بأن يكتموها) تفسير للشراء المنفي وقوله: كفعل غيرهم متعلق بهذا التفسير اهـ شيخنا.\rقوله: (مرتين) أي لإيمانهم بكتابهم وبالقرآن، وقوله كما في القصص أي سورة القصص، ففيها أولئك يؤتون أجرهم مرتين اهـ.\rقوله: سَرِيعُ الْحِسابِ أي لنفوذ علمه لجمع الأشياء فهو عالم بما يستحقه كل عامل من الأجر من غير حاجة إلى تأمل، والمراد بيان سرعة وصول الأجر الموعود به إليهم اهـ أبو السعود.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما بين في تضاعيف السورة الكريمة فنون الحكمة والأحكام","part":1,"page":535},{"id":540,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 536\rالمعاصي وَصابِرُوا الكفار فلا يكونوا أشد صبرا منكم وَرابِطُوا أقيموا على الجهاد وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع أحوالكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) تفوزون بالجنة وتنجون من النار.\rختمت بما يوجب المحافظة عليها، فقيل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (على الطاعات الخ) ذكر أقسام الصبر الثلاثة. وأفضلها الأخير، وهو الصبر عن المعاصي أي حبس النفس عنها اهـ شيخنا.\rقوله: وَصابِرُوا (الكفار) أي غالبوهم في الصبر فكونوا أشد منهم، ولا تكونوا أضعف فيكونوا أشد منكم صبرا اهـ شيخنا.\rوأشار الشارح إلى أنه من باب ذكر الخاص بعد العام لشدة متعلقه وصعوبته، ولأنه أكمل وأفضل من الصبر على ما سواه، فهو كعطف الصلاة الوسطى على الصلوات اهـ كرخي.\rقوله: وَرابِطُوا أصل المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، بحيث يكون كل من الخصمين مستعدا لقتال الآخر، ثم قيل لكل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه مرابط، وإن لم يكن له مركوب مربوط اهـ خازن.\rقوله: (و أقيموا على الجهاد) أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها مترصدين للعدو.\rفائدة: من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم، ومن قرأها يوم الجمعة صلّى اللّه عليه والملائكة حتى تغيب الشمس. كل ذلك مأثور عن النبي اهـ أبو السعود.\rتمّ بعونه تعالى الجزء الأول من كتاب الفتوحات الإلهية ويليه الجزء الثاني وأوله سورة النساء.","part":1,"page":536},{"id":541,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 3\rالمجلد الثاني\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النساء مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي عقابه بأن تطيعوه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى وَبَثَ فرق ونشر مِنْهُما من آدم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يعم حكمه المكلفين عند النزول، ومن سينتظم في سلكهم من الموجودين والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة عند انتظامهم فيه، لكن لا بطريق الحقيقة، فإن خطاب المشافهة لا يتناول القاصرين عن درجة التكليف إلا عند الحنابلة، بل إما بطريق تغليب الفريق الأول على الآخرين، وإما بطريق تعميم حكمه لها بدليل خارجي فإن الإجماع منعقد على أن آخر الأمة مكلف بما كلف به أولها، كما ينبيء عنه قوله عليه السّلام: «الحلال ما جرى على لساني إلى يوم القيامة»، وقد فصل في موضعه ولفظه يشمل الذكور والإناث حقيقة للإناث؛ وأما صيغة جمع المذكور في قوله:\rاتَّقُوا رَبَّكُمُ فواردة على طريقة التغليب لعدم تناولها حقيقة للإناث عند غير الحنابلة اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ فإن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته، وذلك لأنه ينبئ عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم، ومن نعمة كاملة لا يقادر قدرها، وقوله: مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هذا أيضا من موجبات الاحتراز عن الاخلال بمراعاة ما بينها من حقوق الأخوة اهـ أبو السعود.\rفقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي حقه وحق بعضكم على بعض، وقوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ استدعاء للتقوى الأولى، وقوله: مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ استدعاء للتقوى الثانية، ومن في قوله من نفس واحدة لابتداء الغاية، وكذا في قوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها اهـ. من السمين.\rوقوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها، فلا يرد أن يقال إذا كانت مخلوقة من آدم ونحن مخلوقون منه أيضا تكون نسبتها إليه نسبة الولد، فتكون أختا لنا لا أما وقد أشار المصنف إلى ذلك في التقرير اهـ كرخي.\rواختلف في أي وقت خلقت حواء، فقال كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق: خلقت قبل دخول الجنة. وقال ابن مسعود وابن عباس: إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها اهـ خازن.","part":2,"page":3},{"id":542,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 4\rوحواء رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ فيه إدغام التاء في الأصل في السين وفي قراءة بالتخفيف بحذفها أي تتساءلون بِهِ فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض أسألك باللّه وأنشدك باللّه وَاتقوا الْأَرْحامَ أن تقطعوها وفي قراءة بالجر عطفا على الضمير في به وكانوا يتناشدون بالرحم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) حافظا لأعمالكم فمجازيكم بها أي لم يزل متصفا قوله: (كثيرة) أي ففي الآية اكتفاء. قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ تكرير الأمر لأجل بعض آخر من موجبات الامتثال، لأن سؤال بعضهم لبعض باللّه يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه اهـ أبو السعود. قوله: الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي تتحالفون به، وقيل تعظمونه اهـ سمين.\rقوله: (فيه إدغام التاء في الأصل في السين) أي التاء الثانية بعد إبدالها سينا فرارا من تكرير المثل، وسوغ الادغام تقارب التاء والسين إذ هما من طرف اللسان، ولأن التاء تشبه السين في الهمس والانفتاح وغيرهما اهـ كرخي. قوله: (بحذفها) أي الثانية لأنها التي أدغمت في السين على القراءة الأخرى. قوله: (و أنشدك باللّه) أي أقسم وأحلف عليك به. وفي المصباح: ونشدتك اللّه، وباللّه أنشدك من باب نصر ذكرتك به واستعطفتك أو سألتك به مقسما عليك اهـ.\rقوله: الْأَرْحامَ على حذف المضاف، كما أشار له بقوله: أن تقطعوها أي واتقوا قطع مودة الأرحام، فإن قطع الرحم أكبر الكبائر، وصلة الأرحام باب لكل خير فتزيد في العمر وتبارك في الرزق وقطعها سبب لكل شر، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى اللّه. وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس، فتارة يكون عادته مع رحمة الصلة بالإحسان وتارة بالخدمة وقضاء الحاجة، وتارة بالمكانية، وتارة بحسن العبارة وغير ذلك ولا فرق في الرحم أي القريب بين الوارث وغيره كالخالة والخال والعمة وبنتها والأم والجد والجدة. قوله: (و في قراءة بالجر) أي لحمزة يقرأ تساءلون بالتخفيف لا غيره، فجواز الأمرين أي التخفيف والتشديد إنما هو قراءة نصب الأرحام اهـ. قوله: (يتناشدون بالرحم) فيقول البعض منهم للآخر أنشدك باللّه وبالرحم اهـ شيخنا.\rوالرحم: القرابة وإنما استعير اسم الرحم للقرابة لأن الأقارب يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض وفي الآية دليل على تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها، ويدل على ذلك أيضا الأحاديث الواردة في ذلك. روى الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله اللّه ومن قطعني قطعه اللّه» وعن الحسن قال: «من سألك باللّه فأعطه ومن سألك بالرحم فأعطه» اهـ خازن.\rقوله: رَقِيباً من رقب يرقب من باب دخل إذ أحد لأمر يريد تحققه، والمراد لازمه وهو الحظ كما قال الشارح. وفي الخازن: والرقيب في صفة اللّه تعالى هو الذي يغفل عما خلق فيلحقه نقص ويدخل عليه خلل، وقيل: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أمر خلقه فبيّن بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً إنه يعلم السر وأخفى، وإذا كان كذلك فهو جدير بأن يخاف ويتقى اهـ.\rقوله: (أي لم يزل متصفا بذلك) نبه به على أن كان قد استعلمت هنا في الدوام لقيام الدليل القاطع على ذلك اهـ كرخي.","part":2,"page":4},{"id":543,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 5\rبذلك ونزل في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه\rوَآتُوا الْيَتامى الصغار الألى لا أب لهم أَمْوالَهُمْ إذا بلغوا وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ الحرام بِالطَّيِّبِ الحلال أي تأخذوه بدله كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ مضمومة إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ أي قوله: (طلب من وليه) وكان الولي عما له. وقوله فمنعه أي وترافعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت: فلما سمعها العم قال: أطعنا اللّه وأطعنا الرسول نعوذ باللّه من الحوب الكبير. ودفع المال لليتيم فأنفقه في سبيل اللّه، خازن.\rقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شروع في موارد الاتقاء ومظانه، وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم وملابستهم للأرحام والخطاب للأولياء والأوصياء وقلما تفوض الوصاية إلى الأجانب. واليتيم من مات أبوه من اليتم وهو الانفراد ومنه الدرة اليتيمة أي المنفردة أي التي لا نظير لها، والاشتقاق يقتضي صحة اطلاقه على الكبار أيضا واختصاصه بالصغار مبني على العرف، وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «لا يتم بعد الحلم» فتعليم للشريعة لا تعيين لمعنى اللفظ أي لا يجري على اليتيم بعده حكم الأيتام اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: يتم ييتم من باب تعب وضرب يتما بضم الياء وفتحها لكن اليتم في الناس من قبل الأب فيقال صغير يتيم والجمع أيتام ويتامى وصغيرة يتيمة والجمع يتامى، وفي غير الناس من قبل الأب وأيتمت المرأة أيتاما فهي مؤتم صار أولادها يتامى، فإن مات الأبوان فالصغير لطيم، وإن ماتت الأم فقط فهو عجمي اه\rوعبارة الخازن والخطاب للأولياء الأوصياء واسم اليتيم يقع على الصغير والكبير لغة لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، ولكنه في العرف اختص بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، سماهم يتامى بعد البلوغ جريا على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم، وقيل: المراد باليتامى الصغار اهـ. وهذا الثاني هو الذي درج عليه الشارح.\rقوله: (الألى لا أب لهم) تفسير لليتامى. والألى بضم الهمزة اسم موصول جمع الذي ويجمع أيضا على الذين والتعبير به أوضح اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ الخبيث هو مال اليتيم، وإن كان جيدا فهو خبيث لكونه حراما وقوله: بِالطَّيِّبِ وهو مال الولي فهو طيب لكونه حلالا، وإن كان رديئا، فالباء داخلة على المتروك. قال سعيد بن المسيب، والنخعي، والزهري، والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الردئ فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة ويجعل مكانها الهزيلة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف، ويقول شاة بشاة ودرهم بدرهم، فذلك تبديلهم الذي نهوا عنه اهـ خازن.\rقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ الخ نهى عن منكر آخر كانوا يفعلونه بأموال اليتامى اهـ أبو السعود.\rقوله: (مضمومة) إِلى أَمْوالِكُمْ بلا تمييز بينهما، فإلى متعلقة بمحذوف هو في موضع الحال،","part":2,"page":5},{"id":544,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 6\rأكلها كانَ حُوباً ذنبا كَبِيراً (2) عظيما. ولما نزلت تحرجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل\rوَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا تعدلوا فِي الْيَتامى وخص النهي بالمضموم، وإن كان أكل مال اليتيم حراما وإن يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم، فالقيد للتشنيع، وإذا كان التقيد لهذا الغرض لم يلزم القائل بمفهوم المخالفة، جوز أكل أموالهم وأخذها اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّهُ كانَ حُوباً في الهاء ثلاثة أوجه، أحدها: أنها تعود على الأكل المفهوم من لا تأكلوا. الثاني: أنها تعود على التبديل المفهوم من لا تتبدلوا. الثالث: أنها تعود عليهما ذهابا بها مذهب اسم لاسم الإشارة نحو: عوان بين التبديل والأول أولى لأنه أقرب مذكور. وقرأ الجمهور حوبا بضم الحاء، والحسن بفتحها، وقرأ بعضهم حابا بالألف وهي لغات ثلاث في المصدر والفتح لغة تميم اهـ سمين وفعله من باب قال.\rوفي المصباح: حاب حوبا من باب قال إذا اكتسب الإثم وبضم الحاء أيضا اهـ.\rوكسرت الهمزة من إنه لأن المراد تعليل النهي المستأنف وتحريمه عليهم محله فيما زاد على قدر الأقل من أجر الولي ونفسه، كما هو الأصح عند الشافعية اهـ كرخي.\rقوله: (تحرجوا من ولاية اليتامى) أي امتنعوا وطلبوا الخروج من الحرج. أي: الإثم فتفعل يأتي للسلب تقول: تحرج وتأثم وتحوب. أي طلب الخروج من الحرج والإثم والحوب، كما أن الهمزة تأتي للسلب أيضا فيقال: أقسط إذا أزال القسط أي الجور والظلم، ولذلك جاء وَأَمَّا الْقاسِطُونَ [الجن: 15] الآية وجاء وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: قسط قسطا من باب ضرب وقسوطا جار وعدل أيضا، فهو من الأضداد قاله ابن القطاع، وأقسط بالألف عدل، والاسم القسط بالكسر اهـ.\rقوله: (من الأزواج) أي الزوجات. قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى الإقساط العدل، وقرئ بفتح التاء فقيل: هو من قسط أي جار ولا مزيدة كما في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد:\r29] وقيل: هو بمعنى أقسط، فإن الزجاج حكى أن قسط يستعمل استعمال أقسط والمراد بالخوف العلم، كما في قوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [البقرة: 182] عبر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا، وهو شروع النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى أصالة، وبأموالهم تبعا عقيب النهي. عما يتعلق بأموالهم خاصة، وتأخيره عنه لقلة وقع المنهي عنه بالنسب إلى الأول، وتنزيله منه منزلة المركب من المفرد، وذلك أنهم كانوا يتزوجون من يحل لهم من اليتامى اللاتي يلونهن، لكن لا لرغبة فيهن، بل في مالهن ويسيئون في الصحبة والمعاشرة يتربصون بهن الموت ليرثوهن، وهذا قوله الحسن. وقيل: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء، وهذا قول الزهري رواية عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنه عنها اهـ أبو السعود.","part":2,"page":6},{"id":545,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 7\rفتحرجتم من أمرهم فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا تزوجوا ما بمعنى من طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي اثنين اثنين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا ولا وعبارة الخازن: يعني إن خفتم يا أولياء اليتامى ألّا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب عن عروة أنه سأل عائشة عن قوله عز وجل وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ إلى قوله: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بالنكاح من غيرهن. قالت عائشة: فاستفتى الناس ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك فأنزل اللّه عز وجل وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى قوله وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ [النساء: 127] فبين اللّه لهم في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بأمثالها في إكمال الصداق، وبيّن في تلك الآية أن اليتيمة إذا كانت مرغوبا عنها لقلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء. قال: أي اللّه فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها أو يعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقال الحسن كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام، وفيهن من يحل له نكاحهن، فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه، وإنما تزوجها كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن تموت فيرثها، فعاب اللّه عليهم ذلك، وأنزل هذه الآية. وقال عكرمة في روايته عن ابن عباس: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء أو أكثر فإذا صار معدما من مؤن نسائه مال إلى مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه، فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، ويترخصون في النساء فيتزوجون ما شاؤوا فربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما أنزل اللّه في أموال اليتامى قوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أنزل هذه الآية وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى، كأنه يقول: كما خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى، فكذلك خافوا في النساء ألّا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك والسدي انتهت.\rقوله: (فخافوا أيضا) هذا هو جواب الشرط، وهو قوله: وإن خفتم. وقوله أيضا أي كما خفتم من عدم العدل في مال اليتيم، وعلى هذا فيكون قوله: فانكحوا مرتبا على هذا المقدار اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله، وإن خفتم شرط، وجوابه فانكحوا ما طاب لكم، وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمان والعشر ولا يقومون بحقوقهن، فلما نزلت: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ أخذوا يتحرجون من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم من الجور في حقوق اليتامى، فخافوا أيضا من حقوق النساء، فانكحوا هذا العدد لأن الكثرة تفضي إلى الجور ولا تنفع التوبة من ذنب مع ارتكاب مثله اهـ.\rقوله: ما طابَ لَكُمْ في ما هذه أوجه، أحدها: أنها بمعنى الذي، وذلك عند من يرى أن ما تكون للعاقل وهي مسألة مشهورة. قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول وبعضهم يقول هي لصفات من يعقل وبعضهم يقول لنوع من يعقل كأنه قيل النوع الطيب من النساء وهي عبارات متقاربة، فلذلك لم يعدها أوجها. الثاني: أنها نكرة موصوفة أي انكحوا","part":2,"page":7},{"id":546,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 8\rجنسا طيبا وعددا طيبا. الثالث: أنها مصدرية وذلك المصدر واقع اسم الفاعل إن كانت ما مفعولا بانكحوا اهـ سمين.\rقوله: مِنَ النِّساءِ بيانية وقيل تبعيضية والمراد بهن غير اليتامى بشهادة قرينة المقام أي من استطابتها نفوسكم من الأجنبيات وفي إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه على أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه فيه مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن وكان ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى وهو السر في توجيه النهي الضمني إلى النكاح المترقب اهـ أبو السعود.\rقوله: مَثْنى منصوب على الحال من ما طاب وجعله أبو البقاء حالا من النساء وأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلا من ما وهذان الوجهان ضعيفان. أما الأول: فلأن المحدث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله من النساء كالتبيين. وأما الثاني: فلأن البدل على نية تكرار العامل، واعلم أن هذه الألفاظ لا تباشر العامل، واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع قولان: قول البصريين عدم القياس، وقول الكوفيين وأبي إسحاق جوازه. والمسموع من ذلك أحد عشر لفظا أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع ومخمس وعشار ومعشر، ولم يسمع خماس ولا غيره من بقية العقد. واختلفوا أيضا في صرفها وعدمه، فجمهور النحاة على منعه، وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى اهـ سمين.\rقوله: (أي اثنين اثنين الخ) إشارة إلى أن هذه الواو في قوله مثنى وثلاث ورباع ليست للعطف، كما أوضح ذلك في الكشاف، قال: فإن قلت الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع اثنتين أو ثلاثا أو أربعا فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين، درهمين وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون أو قلت كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك ولو ذهبت تقول اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموا إلا على أحد أنواع هذه القسمة وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع. وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو، وتحريره أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا إنكاحه من النساء على طريق الجمع إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداء وإن شاؤوا متفقين فيها محظور عليهم ما وراء ذلك اهـ.\rوحاصله، أنه لو كان كذلك لجاز الجمع بين تسع نسوة، ولم يقل به إلا أهل الظاهر استدلالا بأن اثنتين وثلاثا وأربعا وتسعا وهو ممنوع، لأن التسع من خصائص نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ولنهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن التزوج بأكثر من أربع، ولو أتى بأو لذهب إلى امتناع تجويز الاختلاف بينهم في العدد وتعين اتفاقهم فيه، لأن أو لأحد الأمرين أو الأمور لا غيره. وأما الإباحة وجواز الجمع في مثل جالس الحسن أو ابن سيرين فهو لدليل","part":2,"page":8},{"id":547,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 9\rتزيدوا على ذلك فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فيهن بالنفقة والقسم فَواحِدَةً انكحوها أَوْ اقتصروا على ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات ذلِكَ أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري أَدْنى أقرب إلى أَلَّا تَعُولُوا (3) تجوروا\rوَآتُوا أعطوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَ جمع صدقة مهورهن نِحْلَةً مصدر عطية عن طيب نفس فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ خارجي مثل أن مجالستهما خير وزيادة في الفضل وتعلم العلم اهـ كرخي.\rقوله: (و لا تزيدوا على ذلك) أي الأربعة وهذا هو المقصود بالسياق، وأما إباحة الأربعة فما دونها فكان معلوما من قبل، فالمقصود المنع والنهي عن الزيادة اهـ.\rقوله: أَدْنى (أقرب) أي نكاح الأربعة أقرب إلى عدم الجور من الثمانية والعشرة وكل من التسري ونكاح الواحدة أقرب إلى عدم الجور من الاثنين والثلاثة والأربعة وقوله إلى قدره لأن أفعل التفضيل إذا كان فعله يعدى بحرف جر تعدى هو به اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَّا تَعُولُوا العول الميل من قولهم عال الميزان عولا إذا مال، وعال في الحكم أي جار، والمراد ههنا الميل المحظور المقابل للعدل اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: وأدنى من دنا ودنا يتعدى بإلى واللام، ومن تقول دنوت إليه وله ومنه. وقرأ الجمهور تعولوا من عال يعول إذ مال وجار، والمصدر العول والعيالة وعال الحاكم إذا جار.\rقال أبو طالب في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد جاءكم من نفسه غير عائل.\rوالحاصل أن عال يكون لازما ومتعديا، فاللازم يكون بمعنى مال وجار، ومنه عال الميزان، وبمعنى كثرت عياله وبمعنى تفاقم الأمر والمضارع من هذا كله يعول. وعال الرجل افتقر، وعال في الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يعيل والمتعدي يكون بمعنى أعيل وبمعنى مان من المؤنة، وبمعنى علت، ومنه عيل صبري، ومضارع هذا كله يعول، بمعنى أعجز، تقول: عالني الأمر أي أعجزني، ومضارع هذا يعيل، والمصدر عيل ومعيل، فقد تلخص من هذا إن عال اللازم يكون تارة من ذوات الواو، وتارة من ذوات الياء بسبب اختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضا اهـ.\rوقوله يكون بمعنى أعيل يقال أعيل عياله كفاهم ومانهم اهـ قابوس.\rقوله: (أعطوا) أشار به إلى أنه من آتاه إيتاء بمعنى أعطاه، ومنه قوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [المائدة: 55] لا من أتى إتيانا جاء اهـ كرخي.\rقوله: (جمع صدقة) بفتح الصاد وضم الدال اسم للمهر، وله أسماء كثيرة منها صدقة بفتحتين وبفتح فسكون وصداق بالفتح والكسر اهـ.\rقوله: (مصدر) أي من غير لفظ الفعل، بل من معناه لأن معنى آتوهن أنحلوهن فهو نحو جلست قعودا، وقوله عن طيب نفس من تمام معنى النحلة، وفي المصباح: ونحله بفتحتين نحلا مثل قفل أعطيته شيئا من غير عوض عن طيب نفس، ونحلت المرأة مهرها نحلة بالكسر أعطيتها اهـ.\rقوله: مِنْهُ في محل جر، لأنه صفة لشيء فيتعلق بمحذوف أي عن شيء كائن منه. ومن فيها","part":2,"page":9},{"id":548,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 10\rنَفْساً تمييز محول عن الفاعل أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فوهبته لكم فَكُلُوهُ هَنِيئاً طيبا مَرِيئاً (4) محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة نزلت ردا على كره ذلك\rوَلا تُؤْتُوا أيها الأولياء السُّفَهاءَ المبذرين من الرجال والنساء والصبيان أَمْوالَكُمُ أي أموالهم التي في أيديكم الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً مصدر قام أي تقوم بمعاشكم وصلاح أودكم وجهان، أحدهما: أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تهب كل الصداق، وإليه ذهب الليث.\rوالثاني: أنها للبيان ولذلك يجوز أن تهبه المهر كله، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك اهـ.\rوقد تقدم أن الليث يمنع ذلك فلا يشكل كونها للتبعيض اهـ سمين.\rوفي الكرخي: وتذكير الضمير يعود على الصداق المراد به الجنس قل أو كثر، فيكون حملا على المعنى إذ لو نظر إلى لفظ الصدقات لقيل منها أو جرى مجرى اسم الإشارة أي في أن الضمير المفرد المذكور قد يشار به إلى أشياء تقدمته ومنه قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ [آل عمران: 15] بعد ذكر أشياء قبله، والخطاب للأزواج أو الأولياء أوضح وأصح وعليه الأكثر وبظاهر الآية أشبه لأن اللّه تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، فهذا أيضا خطاب لهم وإليه أشار الشيخ المصنف اهـ.\rقوله: (تمييز) أي لأن نفسا في معنى الجنس، فهو كعشرين درهما وجيء بالتمييز مفردا، وإن كان قبله جمع لعدم اللبس إذ من المعلوم أن الكل لسن مشتركات في نفس واحدة اهـ كرخي.\rقوله: فَكُلُوهُ أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن تصرفوا فيه بأنواع التصرف، وتخصيص الأكل، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. وهنيئا ومريئا حالان من الهاء وقوله: طيبا أي حلالا والمريء ما تحمد عاقبته، وقيل ما ينساغ في مجراه الذي هو المريء، وهو ما بين الحلقوم إلى فم المعدة سمي بذلك لمرور الطعام فيه أي انسياغه اهـ من أبي مسعود.\rقوله: (نزل) أي ما تقدم من قوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ الخ رد على من كره ذلك أي كره أخذ بعض صداق الزوجة الذي أعطته عن طيب نفس استنكافا وتكبرا اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ الخ رجوع إلى بيان بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وتفصيل لما أجمل فيما سبق من شرط إيتائها ووقته وكيفيته إثر بيان بعض الأحكام المتعلقة بأنفسهن، أعني نكاحهن، وبيان بعض الحقوق المتعلقة بغيرهن من الأجنبيات من حيث النفس، ومن حيث المال استطرادا اهـ أبو السعود.\rوأصل تؤتوا تؤتيوا بوزن تكرموا استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان الياء وواو الضمير، فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان اهـ سمين.\rقوله: أَمْوالَكُمُ الإضافة لأدنى ملابسة، كما أشار الشارح لبيان المراد بقوله التي في أيديكم، وقوله: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أي جعلها اللّه. قوله: قِياماً إن قلنا أن جعل بمعنى صير، فقياما مفعول ثان، والأول محذوف وهو عائد الموصول والتقدير التي جعلها أي صيرها لكم قياما، وإن قلنا إنها بمعنى خلق فقياما حال من ذلك العائد المحذوف، والتقدير جعلها أي خلقها وأوجدها في حال كونها","part":2,"page":10},{"id":549,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 11\rفيضعوها في غير وجهها وفي قراءة قيما جمع قيمة ما تقوم به الأمتعة وَارْزُقُوهُمْ فِيها أطعموهم منها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (5) عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا\rوَابْتَلُوا اختبروا الْيَتامى قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أحوالهم حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي صاروا قياما. وقرأ نافع بن عامر قيما وباقي السبعة قياما. وقرأ ابن عمرو قواما بكسر القاف، والحسن وعيسى ابن عمر قواما بفتحها. ويروى عن أبي عمرو: وقرئ قوما بزنة عبب اهـ سمين.\rقوله: (و صلاح أودكم) في نسخة أموركم والأود بفتحتين وبفتح فسكون معناه الاعوجاج. وفي المختار أود الشيء أعوج، وبابه طرب وتأود تعوج وآده بالحمل أثقله من باب قال فهو مؤود اهـ.\rقوله: (فيضعوها) أي لئلا يضيعوها. قوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيها آثر التعبير بفي على من مع أن المعنى عليها كما ذكره الشارح إشارة إلى أنه ينبغي للولي أن يتجر لموليه في ماله ويربحه له، حتى تكون نفقته عليه من الربح لا من أصل المال. فالمعنى واجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتربحوها لهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (بإعطائهم أموالهم) كأن يقول ولي لليتيم مالك عندي، وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك ما لك اهـ خازن.\rوذلك لأجل تطييب خواطرهم ولأجل أن يجدوا في أسباب الرشد اهـ شيخنا.\rقوله: (إذا رشدوا) يقال رشد يرشد كقعد، وفي المصباح: الرشد هي خلاف الغي والضلال وهو إصابة الصواب ورشد رشدا من باب تعب ورشد يرشد من باب قتل فهو راشد والاسم الرشاد اهـ.\rقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الاطلاع، والنهي عند كون أصحابها سفهاء. أي: واختبروا من ليس منهم بين السفه قبل البلوغ تتبع أحوالهم في صلاح الدين والاهتداء إلى ضبط المال وحسن التصرف فيه وجربوهم بما يليق بحالهم، فإن كانوا من أهل التجارة فبأن تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعا وابتياعا، وإن كانوا ممن له ضياع وأهل وخدم، فبأن تعطوهم منه ما يصرفونه إلى نفقة عبيدهم وخدمهم وأجرائهم وسائر مصارفهم، حتى يتبين لكم كيف أحوالهم اهـ أبو السعود.\rوهذه الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه، وذلك أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فجاء عمه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟\rفأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rوهذا الخطاب للأولياء والاختبار واجب على الولي كما في كتب الفقه اهـ.\rقوله: (و تصرفهم في أحوالهم) الأولى في أموالهم. قوله: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ حتى ابتدائية وهي التي تقع بعدها الجمل وما بعدها جملة شرطية جعلت غاية للابتداء، وفعل الشرط بلغوا، وجوابه الشرطية الثانية اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: في حتى هذه وما أشبهها أعني الداخلة على إذ قولان أشهرهما: أنها حرف غاية","part":2,"page":11},{"id":550,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 12\rأهلا له بالاحترام أو السن وهو استكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي فَإِنْ آنَسْتُمْ أبصرتم مِنْهُمْ رُشْداً صلاحا في دينهم ومالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها ايها الأولياء إِسْرافاً بغير حق حال وَبِداراً أي مبادرين إلى إنفاقها مخافة أَنْ يَكْبَرُوا رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم دخلت على الجملة الشرطية وجوابها. والمعنى وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم بشرط إيناس الرشد، فهي حرف ابتداء كالداخلة على سائر الجمل. والثاني: وهو قول جماعة منهم الزجاج وابن درستويه أنها حرف جر، وما بعدها مجرور بها وعلى هذا فإذا متمحضة للظرفية، ولا يكون فيها معنى الشرط، وعلى القول الأول يكون العامل في إذا ما يتخلص من معنى جوابها تقديره:\rإذا بلغوا النكاح راشدين، فادفعوا، والفاء في قوله: فإن آنستم جواب إذا، وفي قوله فادفعوا جواب إن اهـ.\rقوله: (أي صاروا أهلا له) أي أهلا لأن يعقدوه بأنفسهم وإلّا فالصغير يزوجه أبوه. قوله: (عند الشافعي) أي وعند أبي حنيفة ثمان عشرة سنة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أبصرتم) لو فسره بعلمتم لكان أنسب بالمقام كما صنع غيره، وفي المصباح وآنست الشيء بالمدّ علمته وآنست أبصرته اهـ.\rقوله: وَلا تَأْكُلُوها مستأنف، وقوله: إِسْرافاً وَبِداراً فيه وجهان، أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي لأجل الإسراف والبدار. ونقل عن ابن عباس أنه قال: كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم لئلا يكثر فينتزع المال منهم. والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين اهـ سمين.\rقوله: وَبِداراً حال، ففي الشارح نوع احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، فحذف من الأول مسرفين، ومن الثاني حال اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ يَكْبَرُوا متعلق بقوله: وبدارا كما أشار له الشارح بقوله مخافة أن يكبروا. وفي المصباح كبر الصبي وغيره يكبر من باب تعب مكبرا مثل مسجد وكبرا وزان عنب فهو كبير وجمعه كبار والأنثى كبيرة اهـ.\rقوله: أَنْ يَكْبَرُوا فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول بالمصدر أي وبدارا أكبرهم، كقوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [البلد: 14] وفي أعمال المصدر المنون خلاف مشهور.\rوالثاني: أنه مفعول من أجله على حذف مضاف أي مخالفة أن يكبروا، وعلى هذا فمفعول بدارا محذوف، وهذه الجملة أي قوله وَلا تَأْكُلُوها فيها وجهان: أصحهما أنها استئنافية وليست معطوفة على ما قبلها، والثاني: أنها عطف ما قبلها وهو جواب الشرط بأن، أي فادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسد لأن الشرط وجوابه مترتبان على بلوغ النكاح، فيلزم منه ترتبه على ما ترتب عليه وذلك ممتنع اهـ سمين.","part":2,"page":12},{"id":551,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 13\rوَمَنْ كانَ من الأولياء غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ منه بِالْمَعْرُوفِ بقدر أجرة عمله فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي إلى اليتامى أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أنهم تسلموها وبرئتم لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البينة وهذا أمر إرشاد وَكَفى بِاللَّهِ الباء زائدة حَسِيباً (6) حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. ونزل ردا لما كان عليه الجاهلية من قوله: (أي يعف عن مال اليتيم) في المختار عف عن الحرام يعف بالكسر عفة وعفا، وعفا أي كف فهو عف وعفيف، والمرأة عفة وعفيفة اهـ.\rقوله: (و يمتنع من أكله) عطف تفسير: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي أن تعطل عليه كسبه بسبب شغله في مال اليتيم اهـ.\rقوله: (بقدر أجرة عمله) عبارة الخطيب بقدر الأقل من حاجته وأجرة سعيه، فلا يحل لكم أيها الأولياء من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم انتهت.\rوفي شرح الرملي على المنهاج ما نصه: ولا يستحق الولي في مال محجوره نفقة ولا أجرة، فإن كان فقيرا واشتغل بسببه عن الاكتساب أخذ أقل الأمرين من النفقة والأجرة بالمعروف، لأنه تصرف في مال من لا تمكن مراجعته فجاز له الأخذ بغير إذنه كعامل الصدقات، وكالآكل غيره من بقية المؤن، وإنما خص بالذكر لأنه أعم وجوه الانتفاعات، ومحل ذلك في غير الحاكم، أما هو فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه بخلاف غيره حتى أمينه كما صرح به المحاملي، وله الاستقلال بالأخذ من غير مراجعة الحاكم، ومعلوم أنه إذا انقصت أجرة الأب أو الجد أو الأم إذا كانت وصية عن نفقتهم وكانوا فقراء يتمونها من مال محجورهم، لأنها إذا وجبت بلا عمل فمعه أولى ولا يضمن المأخوذ لأنه بدل عمله اهـ.\rقوله: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي بعد رعاية الشراط المذكورة اهـ أبو السعود.\rقوله: (ترجعوا إلى البينة) وذلك لأن الولي إذا ادعى دفع المال لموليه لا يصدق إلا ببينة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذا أمر ارشاد) أي تعليم أي فليس للوجوب. قوله: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً في كفى قولان أحدهما أنه اسم فعل، والثاني، هو الصحيح أنها فعل وفي فاعله قولان، أحدهما: وهو الصحيح أنه المجرور بالباء والباء زائدة فيه، وفي فاعل مضارعه نحو: أو لم يكف بربك. قال أبو البقاء: زيدت لتدل على معنى الأمر إذا التقدير اكتف باللّه، وهذا القول سبقه إليه مكي والزجاج.\rوالثاني: أنه مضمر والتقدير كفى الاكتفاء، وباللّه على كل هذا في موضع نصب لأنه مفعول به في المعنى اهـ سمين.\rقوله: (و نزل ردا الخ) عبارة الخطيب. روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي اللّه عنه توفي وترك امرأته أم كحة بضم الكاف والحاء المشددة وثلاث بنات له منها. فقام رجلان ابنا عم الميت ووصياه وهما سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكان أهل الجاهلية لا يورثون","part":2,"page":13},{"id":552,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 14\rعدم توريث النساء والصغار\rلِلرِّجالِ الأولاد والأقرباء نَصِيبٌ حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوفون وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أي المال أَوْ كَثُرَ جعله اللّه نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) مقطوعا بتسليمه إليهم\rوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ للميراث أُولُوا الْقُرْبى ذوو القرابة ممن لا يرث وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ شيئا قبل القسمة وَقُولُوا أيها الأولياء النساء ولا الصغار، وإن كان الصغير ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال ويقولون لا يعطى إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كحة إلى رسول اللّه في مسجد الفضيخ، وهو بالضاد والخاء المعجمتين موضع بالمدينة، فشكت إليه وقالت: يا رسول اللّه إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ ثلاث بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته شيئا، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالا: يا رسول اللّه أولادهما لا يركبن فرسا ولا يحملن كلا ولا ينكين عدوا. فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهن الميراث، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تقربا من مال أوس شيئا فإن اللّه جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم يبين كم هو حتى انظر ما ينزل فيهن» فأنزل اللّه تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فأعطى صلّى اللّه عليه وسلّم أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي لابني العم، وهذا دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب، انتهت.\rقوله: لِلرِّجالِ أي الذكور صغارا أو كبارا وقوله الأولاد أخذه من قوله الوالدان، وقوله والأقرباء أخذه من قوله والأقربون اهـ.\rقوله: مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ هذا الجار في موضع رفع لأنه صفة للمرفوع قبله أي نصيب كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محل نصب متعلق بلفظ نصيب لأنه من تمامه اهـ سمين.\rقوله: وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ الخ لم يستفد من الآية الرد عليهم في حرمان الزوجة، لأن الزوج ليس والدا ولا قريبا لها فكأن حكمها استفيد مما سيأتي، ومن السنة اهـ شيخنا.\rوإيراد حكم النساء على الاستقلال دون إدراجهن في تضاعف أحكام الرجال بأن يقال للرجال والنساء لأجل الاعتناء بأمرهن وللإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، وللمبالغة في إبطال ما عليه الجاهلية اهـ أبو السعود.\rقوله: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من ما الثانية بإعادة الجار، وإليها يعود الضمير المجرور، وهذا البدل مراد في الجملة الأولى أيضا محذوف للتعويل على المذكور، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، كالخيل وآلة الحرب للرجال، وتحقيق أن لكل من الفريقين حقا من كل ما دق وجل اهـ أبو السعود.\rقوله: (مقطوعا بتسليمه إليهم) أي فلا يسقط بإسقاطهم. ففي الآية دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض اهـ بيضاوي.\rقوله: (ممن لا يرث) أي لكونه عاصبا محجوبا أو لكونه من ذوي الأرحام، وقوله: وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ أي من الأجانب.","part":2,"page":14},{"id":553,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 15\rلَهُمْ إذا كان الورثة صغارا قَوْلًا مَعْرُوفاً (8) جميلا بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه وأنه للصغار وهذا قيل أنه منسوخ وقيل لا ولكن تهاون الناس في تركه وعليه فهو ندب وعن ابن عباس واجب\rوَلْيَخْشَ أي ليخف على اليتامى الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا أي قاربوا أن يتركوا مِنْ خَلْفِهِمْ أي بعد موتهم ذُرِّيَّةً ضِعافاً أولادا صغارا خافُوا عَلَيْهِمْ الضياع فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في أمر اليتامى وليأتوا أليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم وَلْيَقُولُوا للميت قَوْلًا قوله: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي من المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة اهـ أبو السعود.\rوهذا خطاب للورثة الكاملين وقوله: وقولوا لهم خطاب لأولياء اليتامى كما ذكره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: لَهُمْ أي الأصناف الثلاثة.\rقوله: (بأن تعتذروا إليهم) أي عن عدم الاعطاء أصلا فلا تعطوهم شيئا إذا كانت الورثة صغارا.\rوقيل: المراد عن عدم كثرة الاعطاء وتعطوهم شيئا قليلا في الحالة المذكور اهـ من الخازن.\rقوله: (و عليه) أي على قوله، وقيل لا. وقوله: فهو ندب أي فإعطاؤهم منه مندوب، وهذا هو المعتمد المقرر في الفروع، لكن بشرط أن يكون الورثة كاملين. وقوله: (و عن ابن عباس واجب) أي رزقهم منه واجب، وهذا ضعيف في الفروع اهـ شيخنا.\rقوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ قرأ الجمهور بسكون اللام في الأفعال الثلاثة وهي لام الأمر والفعل بعدها مجزوم بها، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بكسر اللام في الأفعال الثلاثة وهو الأصل، والإسكان تخفيف إجراء للمنفصل مجرى المتصل. ولو هذه فيها احتمالات، أحدهما: أنها على بابها في كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. والثاني: أنها بمعنى إن الشرطية وإلى الاحتمال الأول ذهب ابن عطية والزمخشري، وإلى الاحتمال الثاني ذهب أبو البقاء، وابن مالك. قال ابن مالك: لو هنا شرطية بمعنى إن فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال، والتقدير:\rوليخش الذين إن تركوا، ولو وقع بعد لو هذه مضارع كان مستقلا كما يكون بعد إن ومفعول يخش محذوف أي وليخش اللّه، ويجوز أن تكون المسألة من باب التنازع، فإن وليخش بطلب الجلالة وكذلك فليتقوا ويكون من أعمال الثاني للحذف من الأول اهـ سمين.\rقوله: لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ الجملة صلة الذين، ولو بمعنى أن وقوله خافوا عليهم جوابها اهـ شيخنا.\rقوله: فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ التقوى مسببة عن الخوف الذي هو الخشية فلذلك ذكرت فاء السببية ففي الآية الجمع بين المبتدأ والمنتهى اهـ شيخنا.\rقوله: (و ليأتوا إليهم) أي يفعوا معهم ما يحبون الخ. قوله: وَلْيَقُولُوا (للميت) الأولى للمريض كما في عبارة غيره، وأولى من هذا كله وليقولوا لليتامى بأن يقولوا لهم مثل ما يقولون لأولادهم الخطاب الهين المتضمن للشفقة والتأديب، وذلك لأن الخطاب في قوله وليخش لأولياء","part":2,"page":15},{"id":554,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 16\rسَدِيداً (9) صوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة\rإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ أي ملئها ناراً لأنه يؤول اليتامى على صنيع الشارح، فمقتضى السياق أن يكون الخطاب هنا لهم أيضا. وبعضهم جعل الخطاب في قوله: وليخش لمن حضر المريض فجعله هنا له أيضا ففي كلامه نوع تلفيق اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم أمر للأوصياء بأن يخشوا اللّه ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم أو أمر للحاضرين المريض عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يتركوه أن يضربهم بصرف المال عنهم، أو أمر الورثة بالشفقة على من حضر القسمة ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم، هل يجوزون حرمانهم، أو أمر للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية اهـ.\rوفي الخازن ما نصه: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الخ. قيل: هذا خطاب للذين يجلسون عند المريض وقد حضره الموت فيقولون له: انظر لنفسك، فإن أولادك ورثتك لا يغنون عنك شيئا قدم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلا يزالون به حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم اللّه عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه بالنظر لولده ولا يزيد على الثلث في وصيته لا يجحف. والمعنى كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا ولا تحملوا المريض أن يحرم أولاده الصغار من ماله.\rوحاصل هذا الكلام كما أنك ترضى مثل هذا الفعل لنفسك فلا ترضه لأخيك المسلم اهـ.\rقوله: (بدون ثلثه) نسخة ثلث ماله. قوله: (عالة) أي كلا وعولة على الناس.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الخ استئناف جيء به لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهي اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: نزلت هذه الآية في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد ولي مال يتيم، وكان اليتيم ابن أخيه فأكله، فأنزل اللّه هذه الآية، فلما نزلت امتنعوا من مخالطة اليتامى بالكلية، فشق الأمر على اليتامى، فأنزل اللّه: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: 220] وقد توهم بعضهم أن قوله:\rوَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: 220] ناسخ لهذه الآية، وهذا غلط ممن توهمه، لأن هذه الآية واردة في المنع من أكل مال اليتامى ظلما، وهذا لا يصير منسوخا، لأن أكل مال اليتيم بغير حق من أعظم الكبائر. وقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: 220] على سبيل الإصلاح في أموال اليتامى والإحسان إليهم هو من أعظم القلوب اهـ.\rقوله: ظُلْماً فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله وشروط النصب موجودة. والثاني:\rأنه مصدر في محل نصب على الحال أي يأكلونه حال كونهم ظالمين. وجملة قوله إنما يأكلون في محل رفع خبر لأن، وفي ذلك دلالة على وقوع خبر إن جملة مصدرة بأن، وفي ذلك خلاف. قال الشيخ:\rوحسنه هنا وقوع اسم أن موصولا، فطال الكلام بصلة الموصول، فلما تباعد ما بينهما لم يبال بذلك اهـ سمين.","part":2,"page":16},{"id":555,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 17\rإليها وَسَيَصْلَوْنَ بالبناء للفاعل والمفعول يدخلون سَعِيراً (10) نارا شديدة يحترقون فيها\rيُوصِيكُمُ يأمركم اللَّهُ فِي شأن أَوْلادِكُمْ بما يذكر لِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ نصيب الْأُنْثَيَيْنِ إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد حاز المال فَإِنْ كُنَ أي الأولاد نِساءً فقط فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ قوله: فِي بُطُونِهِمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بيأكلون أي بطونهم أوعية للنار إما حقيقة بأن يخلق اللّه لهم نارا يأكلونها في بطونهم، أو مجازا بأن أطلق السبب وأريد المسبب. والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه حال من نار أو كان في الأصل صفة للنكرة، فلما قدمت انتصب حالا، وذكر أبو البقاء هذا الوجه عن أبي بكر في تذكرته، وحكى عنه أنه منع أن يكون ظرفا ليأكلون اهـ سمين.\rقوله: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً في المختار صليت اللحم وغيره من باب رمى شويته، ويقال صليت الرجل نارا أي أدخلته النار وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها كأنك تريد إحراقه. قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية اهـ.\rقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ الخ شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله: للرجال نصيب الخ وبدأ بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثر بقاء بعد المورث اهـ أبو السعود.\rقوله: (يأمركم اللّه) أي أو يفرض لأن معنى الوصية من اللّه أو فرض، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام: 151] وهذا من الفرض المحكم علينا اهـ كرخي.\rقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ جملة مستأنفة جيء بها لتبيين الوصية وتفسيرها فلا بد لها من ضمير عائد على الأولاد، وحذف ثقة بظهوره اهـ أبو السعود.\rوقد قدره الشارح بقوله منهم. وعبارة الكرخي قوله: لِلذَّكَرِ الخ تبيين للوصية وتفسير لها، ويصح أن تكون الجملة في موضع نصب بيوصي، وأشار إلى أن المعنى للذكر منهم، فحذف للعلم به، ومثل صفة لمبتدأ محذوف أي حظ مثل اهـ.\rقوله: (إذا اجتمعتا معه) وأشار إلى أن المراد أن للابن من الميراث مثل نصيب البنتين حيث جتمع الصنفان، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه، لأن القصد إلى بيان فضله، والتنبيه على أن التضعيف كاف التفضيل، فلا يحرمن بالكلية وقد اشتركا في الجهة، وأن فائدة التعصب أن العاصب إذا انفرد حاز المال كله اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنْ كُنَ (أي الأولاد) هو عائد عن اللاتي هن بعض الأولاد المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فإنه في قوة أولادكم الذكور والإناث، ومنه قوله تعالى:\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 18\r\rله: فَإِنْ كُنَ (أي الأولاد) هو عائد عن اللاتي هن بعض الأولاد المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فإنه في قوة أولادكم الذكور والإناث، ومنه قوله تعالى:\rوَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ [البقرة: 228] بعد قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ فإن الضمير خاص بالرجعيات والمرجع عام فيهن وفي غيرهن اهـ كرخي.\rوفي السمين: فَإِنْ كُنَّ نِساءً الضمير في كن يعود على الإناث اللاتي شملهن قوله في الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 2","part":2,"page":17},{"id":556,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 18\rالميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله فلهما الثلثان مما ترك فهما أولى ولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى و«فوق» قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما فهم استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر وَإِنْ كانَتْ المولودة واحِدَةً وفي قراءة بالرفع فكان تامة فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ أي الميت ويبدل منها لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكرا أو أنثى ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه أولادكم، فإن التقدير في أولادكم الذكور والإناث فعاد الضمير على أحد قسمي الأولاد ونساء خبر كان وفوق اثنتين ظرف في محل نصب صفة لنساء، وهذه الصفة تحصل فائدة الخبر ولو اقتصر عليه لم تحصل فائدة اهـ.\rقوله: (و كذا الاثنتان) أي أن الاثنتين مثل ما فوق في استحقاق الثلثين، وقوله (لأنه للأختين الخ) هذان الوجهان على عدم زيادة لفظة فوق فعليه يكون حكم الاثنتين مأخوذا بالقياس، وقد قرر في القياس طريقتين، إحداهما: القياس على الاختين، والثانية: القياس على البنت المصاحبة للابن اهـ شيخنا.\rقوله: (فلهما) أي البنتان أولى، وذلك لأنهما أقرب للميت من الأختين، كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: (و لأن البنت الخ) يعني أنه قد علم استحقاق البنت الواحدة الثلث مما سبق فيما لو كان معها ذكر، فإذا كان معها بنت أخرى، فللبنت الأخرى الثلث أيضا، لأن البنت من حيث هي إذا استحقت الثلث مع من هو أقوى وأشرف منها فمع من هي مساوية له في الضعف أولى، هذا هو وجه الألوية في كلامه اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل صلة الخ) هذا وجهان آخران في استفادة حكم البنتين، وقوله صلة، والتقدير حينئذ فإن كن نساء اثنتين، والمراد اثنتين فما فوق، والدليل على هذا المراد قوله في الجزاء، فلهن ولم يقل فلها، وقوله وقيل لدفع الخ الظاهر أنه معطوف على مقدر تقديره قيل صلة لا فائدة لها، وقيل لدفع الخ فيكون القيل الثاني مبنيا على زيادتها. هذا هو الظاهر، ويحتمل أنه مبني على اصالتها، ويكون محصله أن التقييد بها لدفع توهم الخ لإخراج الاثنتين عن استحقاق الثلثين كما هو مفهوم من التقييد بحسب مقتضى مفهوم المخالفة اهـ شيخنا.\rقوله: (لما فهم) ظرف لتوهم، وقوله استحقاق البنتين في نسخة الاثنتين. قوله: وَلِأَبَوَيْهِ الخ شروع في إرث الأصول والسدس مبتدأ ولأبويه خبر مقدم، ولكل واحد بدل من لأبويه، وهذا ما نص عليه الزمخشري، فإنه قال: لكل منهما بدل من لأبويه بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل:\rولأبويه السدس لكان ظاهرها اشتراكهما فيه، ولو قيل: لأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالسوية وعلى خلافها، فإن قيل: ولكل واحد من أبويه السدس، وأي فائدة في ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما. قلت: لأن في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا وتقوية كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير اهـ سمين.","part":2,"page":18},{"id":557,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 19\rوألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فقط أو مع زوج فَلِأُمِّهِ بضم الهمزة وكسرها فرارا من الانتقال إلى كسرة لثقله في الموضعين الثُّلُثُ أي ثلث المال أو ما يبقى بعد الزوج والباقي للأب فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ أي اثنان فصاعدا ذكورا وإناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ والباقي للأب ولا شيء للإخوة وإرث من ذكر ما ذكر مِنْ بَعْدِ تنفيذ وَصِيَّةٍ يُوصِي قوله: (أو مع زوج) المراد بالزوج ما يشتمل الزوجة فيكون إشارة إلى الغراوين المذكورتين بقوله:\rوإن يكن زوج وأم وأب ... فثلث الباقي لها مرتب\r\rوهكذا مع زوجة فصاعدا اهـ شيخنا.\rقوله: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ الجمهور: وفلأمه وقوله في أم الكتاب في سورة الزخرف، وقوله:\rحتى يبعث في أمها رسولا في القصص، وقوله: من بطون أمهاتكم في النحل والزمر، وقوله: أو بيوت أمهاتكم في النور، وفي بطون أمهاتكم في النجم بضم الهمزة من أم وهو الأصل. وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم في أمهات في الأماكن المذكورة هذا كله في الدرج، أما في الابتداء بهمزة الأم والأمهات فإنه لا خلاف في ضمها، أما وجه قراءة الجمهور فظاهر، لأن الأصل كما تقدم، وأما قراءة حمزة والكسائي الهمزة فقالوا لمناسبة الكسرة أو الياء التي قبل الهمزة، فكسرت الهمزة اتباعا لما قبلها ولاستثقالهم الخروج من كسر أو شبهة إلى ضم، ولذلك إذا ابتدأ بالهمزة ضماها لزوال الكسر أو الياء. وأما كسر حمزة الميم من أمهات في المواضع المذكورة فللإتباع أتبع حركة الميم لحركة الهمزة، فكسرت الميم تبع التبع، ولذلك إذا ابتدىء بها ضمت الهمزة وفتح الميم لما تقدم من زوال موجب ذلك. وكسر همزة أم بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغة عن العرب، ونسبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل اهـ سمين.\rقوله: (فرارا) علة لقوله: وبكسرها للاتباع، وقوله في الموضعين أي هذا والذي بعده وهو قوله فلأمه السدس اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ثلث المال) أي فيما إذا لم يكن هناك أحد الزوجين، وقوله: (أو ما يبقى) أي أو ثلث ما يبقى، وذلك فيما إذا كان هناك أحد الزوجين، وقوله: والباقي للأب أي في كل من المسألتين، فالمراد بالباقي الباقي بعد إخراج ثلث المال، أو بعد إخراج نصيب أحد الزوجين، وثلث الباقي للأم اهـ شيخنا.\rقوله: (و لا شيء للإخوة) فقد حجبوا الأم مع حجبهم بالأب وهذا دليل خستهم اهـ شيخنا.\rقوله: (وارث من ذكر) أي من الأولاد والأصول، وقوله: (ما ذكر) مفعول المصدر، وقوله: من بعد وصية خبر هذا لمقدر، وهو متعلق بمحذوف أي يستحق التسلط عليه من بعد، فالمراد بقوله وارث من ذكر استحقاق التسلط لا أصل استحقاق المال إذ ذاك بمجرد الموت، ولو كان هناك ديون مستغرقة كما هو معروف في الفروع اهـ شيخنا.","part":2,"page":19},{"id":558,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 20\rبالبناء للفاعل والمفعول بِها أَوْ قضاء دَيْنٍ عليه وتقديم الوصية على الدين وإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مبتدأ خبره لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ فيه ثلاثة أوجه.\rأحدها: أنه متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الانصباء من بعد وصية، قاله الزمخشري: يعني أنه متعلق بقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ وما بعده.\rوالثاني: ذكره الشيخ أنه متعلق بمحذوف أي يستحقون ذلك كما فصل من بعد وصية.\rوالثالث: أنه حال من السدس تقديره مستحقا من وصية والعامل الظرف، قاله أبو البقاء وجوز فيه وجها آخر، قال: ويجوز أن يكون ظرفا أي يستقل لهم ذلك بعد إخراج الوصية، ولا بد من تقدير حذف المضاف لأن الوصية هنا المال الموصى به، وقد تكون الوصية مصدرا مثل الفريضة، وهذان الوجهان لا يظهر لهما وجه، وقوله والعامل الظرف يعني بالظرف والجار والمجرور من قوله: فلأمه السدس، فإنه شبيه بالظرف، وعمل في الحال لما تضمنه من الفعل لوقوعه خبرا، ويوصي فعل مضارع المراد به المضي أي من بعد وصية أوصى بها، وبها متعلق به والجملة في محل جر صفة لوصية اهـ سمين.\rقوله: أَوْ دَيْنٍ أو هنا لإباحة الشيئين. قال أبو البقاء: ولا تدل على ترتيب إذ لا فرق بين قولك: جاءني زيد أو عمرو، وبين قولك جاءني عمرو أو زيد، لأن أو لأحد الشيئين والواحد لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول من قال التقدير من بعد دين أو وصية. وإنما يقع الترتيب فيما إذا اجتمعا فيقدم الدين على الوصية. وقال الزمخشري: فإن قلت فما معنى أو: قلت: معناه الإباحة، وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما قدمه على قسمة الميراث كقوله: جالس الحسن أو ابن سيرين، فإن قلت: لما قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض كان إخراجها مما يشق على الورثة بخلاف الدين، فإن نفوسهم، مطمئنة، إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين حثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة أو للتسوية بينهما في الوجوب اهـ سمين.\rقوله: (للاهتمام بها) أي لكون أدائها شاقا على الورثة، في أخذها من غير عوض يصل إلى المورث بخلاف الدين، فقدمت في الذكر عليه ولأنها كثيرة بالنسبة إلى الدين بل هو نادر اهـ كرخي.\rقوله: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مبتدأ وقوله: لا تَدْرُونَ وما في حيزه في محل رفع خبر له، وأيهم فيه وجهان، أشهرهما: عند المعربين أن يكون أيهم مبتدأ وهو اسم استفهام وأقرب خبره، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محل نصب بتدرون لأنها من أفعال القلوب، فعلقها اسم الاستفهام عن أن تعمل في لفظه لأنه الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. والثاني: أنه يجوز أن يكون أيهم موصولا بمعنى الذي، وأقرب خبر مبتدأ مضمر هو عائد الموصول، وجاز حذفه لأنه يجوز ذلك مع أن مطلقا أي طالت الصلة أم لم تطل، والتقدير أيهم هو أقرب، وهذا الموصول لو وصلته في محل نصب على أنه مفعول به نصبه تدرون، وإنما بني لوجود شرطي البناء، وهما أن يضاف أي لفظا وأن يحذف صدر صلتها، وصارت","part":2,"page":20},{"id":559,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 21\rفي الدنيا والآخرة فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالم بذلك اللّه ففرض لكم الميراث فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (11) فيما دبره لهم أي لم يزل متصفا بذلك\rوَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ منكم أو من غيركم فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ هذه الآية نظير الآية الأخرى وهي ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ [مريم: 69] فصار التقدير لا تدرون الذي هو أقرب. قال الشيخ: ولم أرهم ذكروا هذا الوجه، ولا مانع منه لا من جهة المعنى ولا من جهة الصناعة، فعلى القول تكون الجملة سادة مسد المفعولين، ولا حاجة إلى تقدير حذف، وعلى القول الثاني يكون الموصول في محل نصب مفعولا أول، ويكون الثاني محذوفا اهـ سمين.\rقوله: (مبتدأ خبره الخ) أي والجملة اعتراض بين قوله من بعد وصية، وقوله فريضة من أي جيء بها للمناسبة التامة حيث أفادت توبيخ من خالف هذا الحكم الذي تقرر، وحصر ميراثه في أبيه وابنه وحرم الآخر ولم يعلم أيهما الأنفع له، ولو ترك الأمر على ما هو عليه فأخذ كل ما فرضه اللّه له لكان أولى اهـ شيخنا.\rقوله: (فظان أن ابنه) أي فمنكم ظان الخ أي فمنكم فريق ظان الخ، وقوله: (فيكون الأب أنفع) أي في نفس الأمر، ولو عبر بالواو لكان أوضح. وقوله: (بالعكس) أي ومنكم فريق ظان ومعتقد أن أباه أنفع له فيعطيه الميراث وحده مع كون ابنه في نفس الأمر أنفع له اهـ شيخنا.\rقوله: (و بالعكس) وذلك إما باعتبار نفع الآخرة كالشفاعة أو الدنيا كحسن خلافة الميت فيما يجب أو فيهما. روى الطبراني أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل أن يرفع الآخر إليه فيرفع بشفاعته اهـ كرخي.\rقوله: فَرِيضَةً فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية لأن معنى يوصيكم اللّه فرض اللّه عليكم ذلك، فصار المعنى يوصيكم اللّه وصية فرض، فهو مصدر على غير المصدر. والثاني: إنه مصدر منصوب بفعل محذوف من لفظها. قال أبو البقاء: وفريضة مصدر لفعل محذوف أي فرض اللّه ذلك فريضة. الثالث: قاله مكي أن فريضة نصب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا اهـ سمين.\rقوله: (أي لم يزل متصفا بذلك) أشار به إلى أن الخبر عن اللّه بهذا اللفظ كالخبر بالحال والاستقبال بمعنى لم يزل كذلك، أو كان زائدة أو كان كذلك، وهو الآن على ما كان عليه لأنه منزه عن الدخول تحت الزمان، وعلى هذا المعنى تتخرج جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان، ومعلوم أن كان في القرآن على أوجه: بمعنى الأزل الأبد، وبمعنى المضي المنقطع وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى صار، وبمعنى ينبغي، وبمعنى حصر أو وجد وترد للتأكيد وهي الزائدة اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ أي ذكر أو أنثى. قوله: يُوصِينَ بِها أي حالة كونهن غير","part":2,"page":21},{"id":560,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 22\rوألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع وَلَهُنَ أي الزوجات تعدد أو لا الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ منهن أو من غيرهن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا وَإِنْ كانَ رَجُلٌ مضارين في الوصية. قوله: (و ألحق بالولد في ذلك ولد الابن) أي سواء كان ذكرا أو أنثى بخلاف ولد البنت، فلا يحجب الزوج إلى الربع، فقول الشارح ولد الابن أحسن من قول الخازن ولد الولد لصدق عبارته بولد البنت اهـ شيخنا.\rقوله: (منهن أو من غيرهن) كان الأحسن والأنسب بما سبق أن يذكر هذا بعد قوله: إن لم يكن لهن ولد اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أي حال كونكم غير مضارين في الوصية. قوله: (و الخبر) أي خبر كان. قوله: (أي لا والد له ولا ولد) هذا أحسن ما قيل في تفسير الكلالة، ويدل على صحته أن اشتقاق الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهما، فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه اهـ خازن.\rوفي السمين ما نصه: قوله: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً هذه الآية مما ينبغي أن يطول فيها القول لإشكالها واضطراب أقوال الناس فيها، ولا بد قبل التعرض للإعراب من ذكر معنى الكلالة واشتقاقها واختلاف الناس فيها، ثم نعود بعد ذلك لإعرابها لأنه متوقف على ما ذكرنا. فنقول وباللّه التوفيق اختلف الناس في معنى الكلالة فقال جمهور اللغويين: أنه الميت الذي لا ولد له ولا والد، وقيل: الذي لا والد له فقط، وقيل: الذي لا ولد له فقط، وقيل: هو من لا يرثه أب ولا أم على هذه الأقوال كلها، فالكلالة واقعة على الميت، وقيل: الكلالة الورثة ما عدا الأبوين والولد قاله قطرب، وسموا بذلك لأن الميت بذهاب طرفيه تكلله الورثة أي أحاطوا به من جميع نواحيه، ويؤيد هذا القول بأن الآية نزلت في جابر رضي اللّه عنه، ولم يكن له يوم أنزلت أب ولا ابن، وقيل: الكلالة المال الموروث، وقيل الكلالة القرابة، وقيل: هي الورثة. فقد تلخص مما تقدم أنها إما الميت الموروث أو الورثة أو المال الموروث أو الإرث أو القرابة.\rوأما اشتقاقها؛ فقيل هي مشتقة من تكلله الشيء أي أحاط به، وذلك أنه إذا لم يترك ولدا ولا والدا فقد انقطع طرفاه، وهما عمود نسبه وبقي ماله الموروث لمن يتكلله نسبه أي يحيط به كالإكليل، ومنه الروضة المكللة بالزهر، وقيل اشتقاقها من الكلال وهو الإعياء فكأنه يصير الميراث للوارث من بعد إعياء. وقال الزمخشري: والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلالة وهو ذهاب القوة من الإعياء.\rإذا تقرر هذا فلنعد إلى الإعراب فنقول وباللّه العون، يجوز في كان وجهان.\rأحدهما: أن تكون ناقصة ورجل اسمها، وفي الخبر احتمالات، أحدهما: أنه كلالة، وإن قلنا أنها الميت، فإن قلنا: إنها الوارث أو غير ذلك فيقدر حذف مضاف أي ذا كلالة، ويورث حينئذ في محل رفع صفة لرجل وهو فعل مبني للمفعول ويتعدى في الأصل لاثنين، أقيم الأول مقام الفاعل وهو ضمير الرجل. والثاني محذوف تقديره يورث هو ماله. الاحتمال الثاني أن يكون الخبر هو الجملة من","part":2,"page":22},{"id":561,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 23\rيُورَثُ صفة والخبر كَلالَةً أي لا والد له ولا ولد أَوِ امْرَأَةٌ تورث كلالة وَلَهُ أي للموروث كلالة أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أي من أم وقرأ به ابن مسعود وغيره فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مما ترك فَإِنْ كانُوا أي الإخوة والأخوات من الأم أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أي من واحد فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ حال يورث وفي نصب كلالة حينئذ أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على الحال من الضمير في يورث إن أريد بها الميت أو الوارث إلا أنه يحتاج في جعلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضاف أي يورث ذا كلالة، لأن الكلالة حينئذ ليست نفس المستكن في يورث. الثاني: أنها مفعول من أجله إن قيل بمعنى القرابة أي يورث لأجل الكلالة. الثالث: أنها مفعول ثان ليورث إن قيل إنها بمعنى المال الموروث. الرابع:\rأنها نعت لمصدر محذوف إن قيل إنها بمعنى الوراثة أي يورث وراثة كلالة. وقدر مكي في هذا الوجه حذف مضاف قال: تقديره ذات كلالة، وأجاز بعضهم على كونها بمعنى الوراثة أن تكون حالا.\rوالوجه الثاني من وجهي كان أن تكون تامة فتكتفي بالمرفوع أي وإن وجد رجل، ويورث في محل رفع صفة لرجل، والكلالة منصوبة على ما تقدم من الحال، أو المفعول من أجله، أو المفعول به، أو النعت لمصدر محذوف على ما قرر من معانيها اهـ.\rويورث بفتح الراء من يورث أي مأخوذ من ورث المجرد المبني للمجهول، لا من المزيد لأن الميت يكون موروثا لا مورثا اسم مفعول، فكل من الميت والمال موروث اهـ كرخي.\rقوله: أَوِ امْرَأَةٌ معطوف على اسم كان وحذفت الصفة والخبر، فلذلك قال الشارح: تورث كلالة أو كانت المرأة الموروثة كلالة أي خالية من الوالد والولد اهـ شيخنا.\rقوله: (أي للموروث) أي الصادق بالرجل والمرأة، فكل منهما يقال له موروث وهو اسم مفعول من ورثة فهو موروث، فالميت يقال عليه موروث بصيغة اسم المفعول على قاعدته في مجيئه من الثلاثي، ويقال مورث اسم فاعل من المضاعف اهـ شيخنا.\rقوله: (و قرأ به ابن مسعود وغيره) أي والقراءة الشاذة كخبر الآحاد لأنها ليست من قبل الرأي، وأطلق الشافعي رضي اللّه عنه الاحتجاج بها فيما حكاه البويطي عنه في باب الرضاع وباب تحريم الجمع، وعليه جمهور أصحابه، لأنها منقولة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيتها انتفاء خصوص خبريتها اهـ كرخي.\rقوله: (مما ترك) أي المورث. قوله: (فإن كانوا) الواو ضمير لإخوة من الأم المدلول عليه بقول أخ أو أخت، والمراد الذكور والإناث، وأتى بضمير الذكور في قوله: كانوا وقوله: فهم تغليبا للمذكر على المؤنث، وذلك إشارة إلى الواحد أي أكثر من الواحد يعني: فإن كان من يرث زائدا على الواحد لأنه لا يصح أن يقال هذا أكثر من واحد إلا بهذا المعنى ليتأتى معنى كثير واحد، وإلا فالواحد لا كثرة فيه، وقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها. قد تقدم إعراب ذلك وهذا مثله اهـ سمين.\rقوله: (يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم) أي لإدلائهم بمحض الأنوثة اهـ كرخي.","part":2,"page":23},{"id":562,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 24\rمن ضمير يوصي أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث وَصِيَّةٍ مصدر مؤكد ليوصيكم مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما دبره لخلقه من الفرائض حَلِيمٌ (12) بتأخير العقوبة عمن خالفه وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق\rتِلْكَ الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده حُدُودُ اللَّهِ شرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يعتدوها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما حكم به يُدْخِلْهُ بالياء والنون التفاتا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)\rوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ بالوجهين ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ فيها عَذابٌ مُهِينٌ (14) ذو إهانة روعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها\rوَاللَّاتِي قوله: غَيْرَ مُضَارٍّ اسم فاعل بدليل ما قاله الشارح أي غير مضار في الوصية بدليل إعراب الشارح، وحينئذ يتعين أن تكون الباء في قول الشارح بأن يوصي الخ للتصوير، ولا يصح ما فهمه بعضهم من أنها بمعنى كأن لأجل إدخال الاقرار بماله أو بعضه لأجنبي، ولإدخال ما لو أوصى بقضاء دين ليس عليه، وذلك لأن هذا ليس مضارة في الوصية، بل مضارة بوجه آخر غيرها، وهذا قيد معتبر ومفهومه أنه لو أوصى وضارر في الوصية بأن زاد على الثلث لم يقيد الإرث بكونه من بعد وصية، بل تلغى الوصية بما زاد وتأخذه الورثة وهو كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (حال من ضمير يوصي) يشير به إلى أن هذا قيد في جميع ما تقدم، ولا يمنع من ذلك الفصل بينهما بقوله: أو دين، وإن كان أجنبيا لأنه ليس بأجنبي محض، بل هو شبيه بالوصية أو تابع، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع اهـ كرخي.\rقوله: (مصدر مؤكد ليوصيكم) أي المذكور بقوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ اهـ.\rوفي السمين: في نصبه أربعة أوجه فذكر ما ذكر الشارح ثم قال: والرابع أنها منصوبة باسم الفاعل وهو مضار والمضارة لا تقع بالوصية، بل بالورثة لكنه لما وصى اللّه تعالى بالورثة جعلت المضارة الواقعة بهم، كأنها واقعة بنفس الوصية مبالغة في ذلك اهـ.\rوعبارة أبي السعود: وصية من اللّه مصدر مؤكد لفعل محذوف أي يوصيكم اللّه بذلك وصية كائنة من اللّه.\rقوله: (ليعلموا بها الخ) فيه إشارة إلى أن حدود اللّه تعالى نوعان: منها ما لا يفعل كالزنا ونحوه، ومنها ما لا يتعدى كالمذكورات ونحوها كتزويج الأربع اهـ كرخي.\rقوله: (التفاتا) أي من الغيبة إلى التكلم.\rقوله: خالِداً فِيها لعل نكتة الافراد هنا الإيذان بأن الدخول في دار العقاب بصفة الانفراد أشد في استجلاب الوحشية اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاللَّاتِي الخ اللاتي جمع التي في المعنى لا في اللفظ، وهي في محل رفع بالابتداء، وفي الخبر وجهان، أحدهما: الجملة من قوله فاستشهدوا وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر على رأي","part":2,"page":24},{"id":563,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 25\rيَأْتِينَ الْفاحِشَةَ الزنا مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي من رجالكم المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بها فَأَمْسِكُوهُنَ احبسوهن فِي الْبُيُوتِ وامنعوهن من مخالطة الناس حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي ملائكته أَوْ إلى أن يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهنّ سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة وفي الحديث لما بين الحد قال «خذوا عني خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا» رواه مسلم\rوَالَّذانِ بتخفيف النون وتشديدها يَأْتِيانِها أي الفاحشة الزنا أو اللواط مِنْكُمْ أي الرجال فَآذُوهُما بالسب والضرب بالنعال فَإِنْ تابا منها وَأَصْلَحا العمل الجمهور، لأن المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل. الوجه الثاني: أن الخبر محذوف والتقدير فيما يتلى عليكم حكم اللاتي فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه في نحو الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أي فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ويكون قوله فاستشهدوا، وقوله فاجلدوا، وقوله فاقطعوا دالّا على ذلك المحذوف، لأن بيان له اهـ سمين.\rقوله: فَاسْتَشْهِدُوا أي اطلبوا شهادة أربعة والخطاب للولاة والحكام والقضاة اهـ شيخنا.\rقوله: (و امنعوهن الخ) أي لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز إلى الرجال، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا اهـ شيخنا، فقوله: وامنعوهن بمنزلة التعليل لقوله فأمسكوهن ..\rقوله: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ حتى بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وهي متعلقة بقوله فأمسكوهن غاية له. وقوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ فيه وجهان، أحدهما: أن تكون أو عاطفة فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا فينتصب بالعطف على يتوفاهن. والثاني: أن تكون أو بمعنى إلا كالتي في قوله لألزمنك أو تقضيني حقي على أحد المعنيين، والفعل بعدها منصوب أيضا بإضمار أن، والفرق بين هذا الوجه، والذي قبله أن الجعل ليس غاية لإمساكهن في البيوت اهـ سمين.\rقوله: (أي ملائكته) أشار به إلى أن الكلام على حذف المضاف، وإنما احتيج إليه لأن التوفي هو الموت، فيصير المعنى حتى يميتهن الموت، وهذا غير مستقيم لأن فيه إسناد الشيء إلى نفسه. قوله:\rأَوْ يَجْعَلَ أي يشرع، وقوله: منها أي البيوت. قوله: (أول الإسلام) قال بعضهم: الآية منسوخة بآية الحد في سورة النور، وقال أبو سليمان الخطابي: ليست منسوخة لأن قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ الخ بدل على أن إمساكهن في البيوت ممتد إلى غاية أن يجل اللّه لهن سبيلا، وذلك السبيل كان مجملا فلما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «خذوا عني» الخ صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا نسخة لها اهـ.\rقوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا قد بقي من الحديث بقية ذكرها المفسرون وصورتها هكذا بعد قوله: سبيلا الثيب ترجم والبرك تجلد اهـ.\rقوله: (الزنا أو اللواط) يعني أن هذين قولان للمفسرين، وسيرجع الثاني بأمور اهـ شيخنا.\rقوله: فَآذُوهُما (بالسب والضرب بالنعال) عبارة القاضي بالتوبيخ والتقريع، قال في","part":2,"page":25},{"id":564,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 26\rفَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً على من تاب رَحِيماً (16) به وهذا منسوخ بالحد إن أريد بها الزنا وكذا إن أريد بها اللواط عند الشافعي لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصنا بل يجلد ويغرب وإرادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير والأول أراد الزاني الصحاح: التوبيخ التهديد والتقريع التعنيف ثم قال التعنيف التعيير واللوم. فيكون حاصل المعنى التهديد بالتعيير والتنفير واللوم، وقيل بالتعيير والجلد اهـ كرخي.\rقوله: تَوَّاباً أي كثير القبول للتوبة ممن تاب اهـ.\rقوله: (و هذا منسوخ الخ) أي كون الحد للزاني الأذى بالضرب واللسان وسقوط ما ذكر عنه بالتوبة منسوخ، وقوله بالحد أي بآية الحد التي في سورة النور اهـ شيخنا.\rقوله: (لكن المفعول به الخ) أي: وأما الفاعل فيرجم إذا كان محصنا وعبارة شرح الرملي ودبر وذكر وأنثى كقبل على المذهب، ففيه رجم الفاعل المحصن وجلد وتغريب غيره، وإن كان دبر عبده لأنه زنا هذا حكم الفاعل، أما الموطوء في دبره، فإن أكره أو لم يكلف فلا شيء له ولا عليه، وإن كان مكلفا مختارا جلد وغرب ولو محصنا ذكرا كان أو أنثى إذ الدبر لا يتصور فيه إحصان، وفي وطء دبر الحليلة التعزير إن عاد إليه بعد نهي الحاكم له عنه انتهت.\rقوله: (و الأول) أي القائل الأول الذي قال: إن المراد بها الزنا، أراد أي اللّه تعالى، وقوله:\rبضمير الرجال أي حيث قال منكم فقط، ولم يقل منكم ومنهن، وقوله: (و اشتراكهما) أي الفاعلين، وهذا دليل آخر وقوله: وهو مخصوص، أي المذكور من الأمور الثلاثة، وهو الأذى والتوبة والإعراض أي فتعين حمل اللذان على الرجلين، لأن حد النساء كما سبق بالحبس في البيوت لا بالأذى ولا يسقط بالتوبة، وهذا كله بحسب ما كان في صدر الإسلام، وإلّا فقد علمت أن الكل منسوخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وقيل: المراد بمن ذكر في الآية الأولى النساء وهذه للرجال لأن اللّه تعالى حكم في الآية الأولى بالحبس في البيت على النساء، وهو اللائق بحالهن، لأن المرأة إنما تفعل الفاحشة عن الخروج، فإذا حبست في البيت انقطعت مادة المعصية. وأما الرجل فلا يمكن حبسه في البيت لأنه يحتاج إلى الخروج في صلاح معاشه واكتساب قوت عياله، فجعلت عقوبة الرجل الزاني الأذية بالقول والفعل، وقوله فآذوهما أي عيروهما بالقول باللسان، وهو أن يقال له: أما خفت اللّه أما استحيت من اللّه حيث زنيت؟ قال ابن عباس: سبوهما واشتموهما. وفي رواية عنه قال: هو باللسان واليد يؤذى بالتعيير ويضرب بالنعال، فإن تابا يعني من الفاحشة وأصلحا يعني العمل في مستقبل الزمان فأعرضوا عنهما أي اتركوهما ولا تؤذوهما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً وهذا الحكم كان في ابتداء الإسلام كان حد الزاني بالتوبيخ والتعيير بالقول باللسان، فلما نزلت الحدود وثبتت الأحكام نسخ ذلك الأذى بالآية التي في سورة النور، وهي قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2] فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب، وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد صح أنه رجم ماعزا وكان قد أحصن اهـ.","part":2,"page":26},{"id":565,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 27\rوالزانية ويرده تبيينهما بمن المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والأعراض وهو مخصوص بالرجال لما تقدم في النساء من الحبس\rإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ المعصية بِجَهالَةٍ حال أي جاهلين إذ عصوا ربّهم ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ زمن قَرِيبٍ قبل أن يغرغروا فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقبل توبتهم وَكانَ قوله: (و اشتراكهما في الأذى الخ) نوزع فيه بأن الاشتراك في ذلك لا يخص الرجلين عند التأمل، وبأن الاتصال بضمير الرجال لا يمنع دخول النساء في الخطاب كما قرر في محله اهـ كرخي.\rقوله: عَلَى اللَّهِ أشار الشارح إلى أن هذا الظرف صفة فيكون الخبر هو قوله للذين، وهذا الإعراب أنسب بقوله: فيما بعد وليست التوبة الخ كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: (أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله) نبه بذلك على أن التوبة هنا مصدر تاب عليه إذا قبل توبته لا مصدر تاب العبد إلى اللّه بمعنى رجع إليه، ولا وجوب على اللّه كما زعمته المعتزلة إذ وجوبها إنما هو على العبد، وكلمة على للدلالة على تحقيق الثبوت البتة بحكم جري العادة وسبق الوعد المتفضل به، حتى كأنه من الواجبات عليه لأنه تعالى وعد بقبول التوبة، وإذا وعد شيئا لا بد أن ينجز وعده لأن الخلف في وعده سبحانه محال. وقدر أبو حيان مضافين حذفا من المبتدأ والخبر، لأنه قال: التقدير إنما قبول التوبة مترتب على فضل اللّه تعالى، فتكون على هنا باقية على أصلها اهـ كرخي.\rقوله: (أي جاهلين إذ عصوا الخ) وإنما سمي العاصي جاهلا لأنه لم يستعمل ما معه من العلم بترتب العقاب، فسمى جاهلا بهذا الاعتبار اهـ خازن.\rعبارة الكرخي: أي جاهلين إذ عصوا أي الحامل لهم على المعصية الجهل بقدر قبح المعصية وسوء عاقبتها، لا بكونها معصية وذنبا، وكل عاص جاهل بذلك حال معصيته، لأنه حال المعصية مسلوب كمال العلم به بسبب غلبة الهوى، فلا يرد لم قيد بجهالة مع أن عمل سوءا بغير جهالة ثم تاب قبلت توبته اهـ.\rقوله: مِنْ (زمن) قَرِيبٍ ليس المراد بالقريب مقابل البعيد، إذ حكمهما هنا واحد، بل المراد بقوله من قريب من قبل معاينة سبب الموت بقرينة. قوله: حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ اهـ كرخي.\rوإنما كان الزمن الذي بين فعل المعصية وبين وقت الغرغرة قريبا ولو كان سنين، لأن كل ما هو آت قريب، والعمر وإن طال قليل، وفيه تنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يتوقع في كل ساعة نزول الموت به اهـ خازن.\rقوله: (قبل أن يغرغروا) الغرغرة أن يجعل المشروب في فم المريض فيردده في الحلق ولا يصل إلى جوفه ولا يقدر على بلعه، وذلك عند بلوغ الروح إلى الحلقوم اهـ خازن.\rوفي المختار: والغرغرة تردد الروح إلى الحلق اهـ.","part":2,"page":27},{"id":566,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 28\rاللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (17) في صنعه بهم\rوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الذنوب حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وأخذ في النزع قالَ عند مشاهدة ما هو فيه إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم أُولئِكَ أَعْتَدْنا أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) مؤلما\rيا أَيُّهَا قوله: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ هذا شامل للكفار والعصاة المؤمنين، فلا تقبل توبة كل منهما إذا كانت وقت حضور الموت. وعبارة الخطيب: وليست التوبة للذين يعملون السيئات أي الذنوب حتى إذا حضر أحدهم الموت أي أخذ في النزع قال: إني تبت الآن حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة. قال: تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: 85] ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا حَضَرَ حتى حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليست التوبة لقوم يعملون السيئات ويستمرون على ذلك، فإذا حضر أحدهم الموت قال: كيت وكيت، وهذا وجه حسن، ولا يجوز في حتى أن تكون جارة لإذا أي يعملون السيئات إلى وقت حضور الموت من حيث أنها شرطية، والشرط لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا حتى جارة تعلقت بيعملون، وأدوات الشرط لا يعمل فيها ما قبلها، ولأن إذا لا تصرف على المشهور كما تقدم تقريره في أول البقرة. واستدل ابن مالك على تصرفّها بوجوه، منها: جرها بحتى نحو حتى إذا جاؤوها حتى إذا كنتم، وفيه من الإشكال ما ذكرته لك، وقد تقدم تقرير ذلك عند قوله: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ اهـ سمين.\rقوله: (و أخذ في النزع) هو حال السوق حين تساق الروح للخروج من الجسد اهـ خازن.\rوفي القاموس: وساق المريض سوقا وسياقا شرع في نزع الروح اهـ.\rقوله: (فلا ينفعه ذلك) قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع مشاهدة الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال اهـ خازن.\rقوله: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ الذين مجرور المحل عطفا على قوله: للذين يعملون السيئات، أي ليست التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد بالعاملين السيئات المنافقون، وأجاز أبو البقاء في الذين أن يكون مرفوع المحل على الابتداء، وخبره أولئك وما بعده معتقدا أن اللام لام الابتداء، وليست بلا النافية، وهذا الذي قاله من كون اللام لام الابتداء لا يصح إلا أن تكون قد رسمت في المصحف لاما داخلة على الذين، فيصير وللذين، وليس المرسوم كذلك إنما هو لام وألف وألف لام التعريف داخلة على الموصول وصورته ولا الذين اهـ سمين.\rقوله: (لا تقبل منهم) أي لرفع التكليف حينئذ، فسوى سبحانه وتعالى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضور الموت بين الكفار إذا تابوا في الآخرة لمجاوزة كل منهما أوان التكليف والاختيار اهـ من الخازن والخطيب.\rقوله: أولئك ببتدأ وأعتدنا خبره، وأولئك يجوز أن يكون إشارة إلى الذين يموتون وهم","part":2,"page":28},{"id":567,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 29\rالَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ أي ذاتهن كَرْهاً بالفتح والضم لغتان أي مكرهين على ذلك كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم فإن شاؤوا تزوجوها بلا صداق أو زوجوها وأخذوا صداقها أو عضلوها حتى تفتدي بما ورثته أو تموت فيرثوها فنهوا عن ذلك وَلا أن تَعْضُلُوهُنَ أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرارا كفار، لأن اسم الإشارة يجري مجرى الضمير فيعود لأقرب مذكور، ويجوز أن يشار به إلى الصنفين الذين يعملون السيئات، والذين يموتون وهم كفار، واعتدنا أي أحضرنا وهيأنا اهـ سمين.\rوأصل اعتدنا أعددنا كما قال الشارح، فأبدلت الدال الأولى تاء اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الخ نزلت في أهل المدينة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وخلف امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من ذوي عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها من غير صداق اتكالا على الصداق الأول الذي دفعه قريبه، وإن شاء زوجها غيره، وأخذ هو صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها الزواج يضاررها بذلك لتفتدي منه بما ورثت من الميت أو تموت هي فيرثها. وهذا كله إذا لم تبادر المرأة بالذهاب إلى أهلها، فإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه كانت أحق بنفسها، وكانوا على ذلك حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقيل: اسمه قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحا، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضاررها بذلك لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فقالت يا رسول اللّه إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا هو يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال: «اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر اللّه فيك» فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ خطاب لأقارب الميت ولأزواج الزوجات، ثم فصل هذا الاجمال بقوله:\rأن ترثوا الخ هذا راجع للأول، وبقوله ولا تعضلوهن الخ هذا راجع للثاني اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ذاتهن) أي فليس المراد النهي عن إرث مالهن، كما هو المتبادر والمعتاد، بل النهي عن إرث نفس المرأة كما كانوا يفعلون، يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله اهـ شيخنا.\rقوله: (لغتان) الأولى قراءتان. قوله: (أي مكرهين) جمع مكره اسم فاعل أشار به إلى أن كرها مصدر بمعنى اسم الفاعل، وهو حال من الواو في ترثوا. وفي بعض النسخ مكرهين جمع مكره اسم فاعل، ومفعوله محذوف أي مكرهين لهن وهو أيضا حال من الواو في ترثوا. قوله: (كانوا في الجاهلية) أي وفي صدر الإسلام اهـ خازن.\rقوله: (أو تموت) معطوف على تفتدي فالغاية مسلطة عليه. قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَ معطوف على قوله: أن ترثوا، كما أشار له الشارح وأعيدت لا توكيدا. وهذا خطاب للأزواج فكان الرجل يكره امرأته ولها عليه مهر، فيسيء عشرتها لتفتدي منه، وترد إليه ما ساقه لها من المهر اهـ خازن.","part":2,"page":29},{"id":568,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 30\rلِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ من المهر إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بفتح الباء وكسرها أي بينت أو هي بينة أي زنا أو نشوز فلكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ فاصبروا فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا\rوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ أي أخذها بدلها بأن طلقتموها وَقد قوله: (ضرارا) راجع لقوله بإمساكهن. قوله: (إلا أن يأتين) استثناء من أعم الأحوال والأوقات، أو من أعم العلل. أي لا يحل لكم عضلهن في حال أو وقت أو لعلة إلا في حال أو وقت لأجل إتيانهن بها اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: الاستثناء متصل وهو الظاهر كما أشار له بقوله: فلكم أن تضاروهن، وعليه جرى القاضي كالكشاف، وهو استثناء من زمان عام أي لا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين الخ، أو من علة عامة أي لعلة من العلل إلا أن يأتين، وهذا أولى لأن الأول يحتاج إلى حذف زمان مضاف، وقيل: منقطع واختاره الكواشي كأبي البقاء اهـ.\rقوله: (أي بينت) أي بينها من يدعيها وأوضحها وأظهرها غ اهـ.\rقوله: (فلكم أن تضاروهن) لعل هذا منسوخ وإلّا فلا يجوز مضارة الزوجة لأجل أن تفتدي بمالها في مذهب من المذاهب على ما هو المشهور منها اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب ما نصه: قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود اهـ.\rقوله: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال الحسن: وهو راجع لما سبق أول السورة من قوله: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4] أي آتوا النساء وعاشروهن بالمعروف اهـ خازن.\rوهذا غير متعين بل يصح عطفه على قوله: ولا تعضلوهن من حيث المعنى أي لا يحل لكم أن تعضلوهن وعاشروهن الخ، فيكون الأمر معطوفا على النفي من حيث أنه في معنى النهي. وفي أبي السعود. وهذا خطاب للذين يسيئون العشرة والمعروف ما لا ينكره الشرع ولا المروءة، والمراد به هنا النصفة في المبيت إلى آخر ما في الشرح اهـ.\rقوله: (أي بالإجمال في القول الخ) عبارة الخطيب: وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول، وقيل هو أن يتصنع لها كما تتصنع له اهـ.\rقوله: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ أي بالطبع من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك اهـ أبو السعود.\rوقوله: (فالصبر) أي ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة، بل اصبروا فعسى الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا الخ عسى هنا تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن تقرير الخبر. أي فقد قربت كراهتكم شيئا مع كون اللّه جعل فيه خيرا كثيرا اهـ أبو السعود.","part":2,"page":30},{"id":569,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 31\rوَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَ أي الزوجات قِنْطاراً مالا كثيرا صداقا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً ظلما وَإِثْماً مُبِيناً (20) بينا ونصبهما على الحال والاستفهام للتوبيخ وللانكار في\rوَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ أي بأي وجه وَقَدْ أَفْضى وصل بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ بالجماع المقرر للمهر وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً عهدا غَلِيظاً (21) شديدا وهو ما أمر اللّه له من إمساكهن لمعروف أو تسريحهن بإحسان\rوَلا تَنْكِحُوا ما بمعنى من نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا قوله: آتَيْتُمْ إِحْداهُنَ وهي المرغوب عنها، والمراد بالإيتاء الالتزام والضمان، كما في قوله تعالى: إذا سلمتم ما أي ما التزمتم وضمنتم، فلا يرد أن حرمة الأخذ ثابتة، وإن لم يكن قد آتاها المسمى، بل كان في ذمته أو في يده، والواو للحال كما أشار إليه، وقيل معطوف على فعل الشرط وليس بظاهر اهـ كرخي.\rقوله: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ أي القنطار. قوله: (ظلما) أشار به إلى أن المراد بالبهتان هنا الظلم تجوزا كما قال به ابن عباس وغيره، فلا يرد السؤال وهو كيف قال ذلك مع أن البهتان الكذب مكابرة، وأخذ مهر المرأة قهرا ظلم لا بهتان، وقيل: المراد أنه يرمي امرأته بتهمة ليتوصل إلى أخذ المهر اهـ كرخي.\rقوله: (الاستفهام للتوبيخ) أي فيما سبق الذي هو بالهمزة أي وللإنكار أيضا وقوله للإنكار أي والتوبيخ أيضا وهذا دخول على ما بعده، وهذا ظاهر على هذه النسخة. وفي نسخة والإنكار من غير إعادة لام الجر، وعليها فكان ينبغي أن يقول هكذا والإنكار فيما سبق وفي كيف الخ فالاستفهامان على حد سواء. وعبارة أبي السعود: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً الاستفهام للإنكار والتوبيخ، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ إنكار لأخذه إثر إنكار وتنفير عنه غب تنفير اهـ.\rقوله: (أي بأي وجه) أي لا وجه ولا سبيل لكم في أخذه فلا يليق الأخذ، لأن الشيء إذا وجد لا بد أن يكون على حال من الأحوال، فإذا لم يكن له حال لم يكن حظ من الوجود اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ أصل الإفضاء في اللغة الوصول يقال أفضى إليه أي وصل إليه، ثم اختلف المفسرون في معناه في هذه الآية، فقيل إنه كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس ومذهب الشافعي، وقيل إنه كناية عن الخلوة، وإن لم يجامع، وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفة اهـ خازن.\rقوله: وَأَخَذْنَ أي النساء والآخذ حقيقة هو اللّه، لكنه بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له اهـ شيخنا.\rوبعبارة أخرى: وهذا الإسناد مجاز عقلي، لأن الآخذ للعهد هو اللّه، أي وقد أخذ اللّه عليكم العهد لأجلهن وبسببهن فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب اهـ.\rقوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ الخ شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم، وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآية مبالغة في الزجر عنه","part":2,"page":31},{"id":570,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 32\rلكن ما قَدْ سَلَفَ من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه إِنَّهُ أي نكاحهن كانَ فاحِشَةً قبيحا وَمَقْتاً سببا للمقت من اللّه وهو أشد البغض وَساءَ بئس سَبِيلًا (22) طريقا ذلك حيث كانوا مصرين على تعاطيه. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما؛ وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: ما نَكَحَ آباؤُكُمْ من المعلوم أن المحرمات بالمصاهرة أربعة: زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة وكلها يحصل فيها التحريم بمجرد العقد، وإن لم يحصل دخول إلا الربيبة فلا تحرم إلا بشرط الدخول بأمها، وهذا يستفاد من الآيات، فإنها لم تقيد بالدخول إلا في الربيبة على ما سيأتي اهـ شيخنا.\rقوله: آباؤُكُمْ أي من نسب أو رضاع.\rقوله: إِلَّا (لكن) ما قَدْ سَلَفَ أشار به إلى أن الاستثناء منقطع كا هو عادته أنه إذا كان منقطعا يفسره بلكن، ووجه الانقطاع أن الماضي لا يستثنى من المستقبل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطع إذ الماضي لا يجامع الاستقبال، والمعنى أنه لما حرم عليهم نكاح ما نكح آباؤهم تطرق الوهم إلى ما مضى في الجاهلية ما حكمه، فقيل: إلا ما قد سلف أي لكن ما سلف لا إثم فيه. والثاني: أنه استثناء متصل وفيه معنيان، أحدهما: أن يحمل النكاح على الوطء، والمعنى أنه نهي أن يطأ الرجل امرأة وطئها أبوه إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة، فإنه يجوز للابن تزوجها، نقل هذا المعنى عن ابن يزيد، والمعنى الثاني: ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم في الجاهلية إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة، فمباح لكم عليها في الإسلام إذا كان مما يقر الإسلام عليه اهـ.\rقوله: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً قيل: إن كان زائدة، وقيل: غير زائدة لكنها منسلخة عن خصوص الماضي. وفي البيضاوي: أنه كان فاحشة ومقتا علة للنهي أي أن نكاحهن كان فاحشة عند اللّه ما رخص فيه لأمة من الأمم ممقوتا عند ذوي المروءات اهـ.\rوفي أبي السعود قوله: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً تعليل للنهي وبيان لكون المنهي عنه في غاية القبح مبغوضا أشد البغض، وأنه لم يزل في حكم اللّه تعالى وعلمه موصوفا بذلك ما رخص فيه لأمة من الأمم اهـ.\rوإذا تبين أن هذا تعليل للنهي فهو مقدم على الاستثناء من حيث المعنى، لذلك قال الجلال: فإنه معفو عنه أي فليس فاحشة ولا مقتا لعدم المؤاخذة به لعدم التكليف به، فإن ما قبل البعثة من زمان الفترة لا تكليف فيها اهـ.\rقوله: وَساءَ (بئس) أشار إلى أن ساء أجريت مجرى بئس، وفي ساء ضمير يفسره ما بعده وسبيلا تمييز له، والمخصوص بالذم محذوف تقديره ذلك أي سبيل هذا النكاح، وقيل: إن الضمير في ساء عائد على ما عاد إليه الضمير قبل ذلك، وسبيلا تمييز منقول من الفاعل، والتقدير ساء سبيله اهـ كرخي.","part":2,"page":32},{"id":571,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 33\rحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أن تنكحوهن وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم وَبَناتُكُمْ وشملت بنات الأولاد وإن سفلت وَأَخَواتُكُمْ من جهة الأب أو الأم وَعَمَّاتُكُمْ أي أخوات آبائكم وأجدادكم وَخالاتُكُمْ أي أخوات أمهاتكم وجداتكم وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ ويدخل فيهن أولادهم وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ قبل استكمال الحولين خمس رضعات وعبارة أبي السعود: في كلمة ساء قولان، أحدهما: أنها جارية مجرى بئس في الذم والعمل ففيها ضمي مبهم يفسره ما بعده، والمخصوص بالذم محذوف تقديره، وساء سبيلا سبيل ذلك النكاح، كقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ [الكهف: 29] أي ذلك الماء. وثانيهما: أنها كسائر الأفعال وفيها ضمير يعود إلى ما عاد إليه أنه وسبيلا تمييز، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو معطوفة على خبر كان محكية بقول مضمر هو المعطوف في الحقيقة تقديره ومقولا في حقه ساء سبيلا فإن ألسنة الأمم كافة لم تزل ناطقة بذلك في الامصار والأعصار.\rقيل: مراتب القبح ثلاث: القبح العقلي، والقبح الشرعي، والقبح العادي، وقد وصف اللّه تعالى هذا النكاح بكل ذلك، فقول: فاحشة مرتبة قبحه العقلي، وقوله: ومقتا مرتبة قبحه الشرعي، وقوله: وساء سبيلا مرتبة قبحه العادي، وما اجتمعت فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح اهـ.\rقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ الأمهات جمع أم فالهاء زائدة في الجمع فرقا بين العقلاء وغيرهم. يقال في العقلاء أمهات، وفي غيرهم أمات، وقد يقال أمات في العقلاء وأمهات في غيرهم وقد سمع أمهة في أم بزيادة الهاء قبل هاء التأنيث، وعلى هذا يجوز أن تكون أمهات جمع أمهة المزيد فيها الهاء والهاء قد أتت زائدة في مواضع اهـ سمين.\rقوله: (أن تنكحوهن) بدل ويشير به إلى تقدير مضاف، والمراد بالنكاح العقد وإن كان لو وقع يفسد ولا ينعقد اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي قوله: أن تنكحوهن أشار به إلى أن إسناد التحريم إلى العين لا يصح لأنه إنما يتعلق بالفعل، وهذا هو الذي يفهم من تحريمهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله اهـ.\rقوله: (من جهة الأب أو الأم) أي أو منهما.\rقوله: (و يدخل فيهن) أي في بنات الأخ والأخت، وقوله: أي أولادهم أولاد الأخ والأخت بتغليب الأخ على الأخت، فصح تذكير الضمير. وفي نسخة أولادهن بتغليب الأخت على الأخ فأنثه، ولعله جمع الضمير باعتبار إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، والأولاد يشمل الذكور والإناث، فشملت العبارة بنت ابن الأخ وإن سفل وبنت ابن الأخت وإن سفل.\rقوله: (خمس رضعات) هذا مذهب الشافعي، وابن حنبل، ومذهب مالك، وأبي حنيفة يحصل التحريم بمصة واحدة اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 3","part":2,"page":33},{"id":572,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 34\rكما بينه الحديث وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوأته والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت منها لحديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» رواه البخاري ومسلم وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن وَحَلائِلُ أزواج أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بها بالسنة الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل قوله: (و يلحق بذلك) أي بما ذكر من أمهات وأخوات الرضاع، وحاصل الملحق خمسة أصناف. وقوله: من أرضعتهن موطوءته أي الشخص أي وكان اللبن له، وقوله: والعمات الخ معطوف على البنات، فقوله: ويلحق بذلك بالسنة مسلط على المعطوفات، وقوله: الحديث الخ بقوله ويلحق الخ مبين للسنة في قوله بالسنة اهـ شيخنا.\rقوله: (الحديث يحرم من الرضاع) أي من أجل الرضاع.\rقوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أي من نسب أو رضاع، وكذا قوله: وربائبكم وقوله أبنائكم.\rقوله: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ جمع حجر بفتح الحاء وكسرها مقدم الثوب، والمراد لازم الكون في الحجور، وهو الكون في تربيتهم، ولذلك قال تربونها. قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ الباء للتعدية أي دخلتم الخلوة بهن أي مصاحبين لهن فيها. هذا بحسب الأصل، والمراد لازمه العادي وهو الوطء كما قال الشارح ه شيخنا.\rقوله: (إذا فارقتموهن) أي أو متن. وفائدة قوله: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَ الخ دفع توهم أن قيد الدخول خارج مخرج الغالب، كما في قوله: في حُجُورِكُمْ فلا يرد السؤال ما فائدة ذلك مع أنه مفهوم من قوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ، ومن قوله: مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ اهـ كرخي.\rقوله: (أزواج) أي زوجات أبنائكم. قوله: (بخلاف من تبنيتموهم) أي؛ وأما حلائل أبناء الرضاع فعلم تحريمهن بالسنة، وإن كان مقتضى مفهوم الآية تحليلهن اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ في محل رفع عطفا على مرفوع حرمت. أي؛ وحرم عليكم الجمع الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بالنكاح) أي العقد، وإن كان إذا وقع يقع فاسدا إن عقد عليهما معا، ويفسد الثاني فقط إن وقع مرتبا على التفصيل المعروف في الفروع، والتقيد بالنكاح أخذه من السياق اهـ شيخنا.\rقوله: (و يجوز نكاح كل واحدة) بمعنى أنه يستوعبهما بالنكاح، لكن على التعاقب بحيث لا","part":2,"page":34},{"id":573,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 35\rواحدة على الانفراد وملكهما معا ويطأ واحدة إِلَّا لكن ما قَدْ سَلَفَ في الجاهلية من نكاحكم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما سلف منكم قبل النهي رَحِيماً (23) بكم في ذلك\rوَحرمت عليكم الْمُحْصَناتُ أي ذوات الأزواج مِنَ النِّساءِ أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أو لا إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يحصل جمع هذا هو المراد، وأما نكاح واحدة منهما بدون الأخرى أصلا فلا يحتاج للتنبيه عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (و ملكهما معا) بقي ملك واحدة ونكاح الأخرى، وحكمه الجواز، لكن تتعين المنكوحة للوطء لقوة فراس النكاح.\rقوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ انظر لم لم يقل هنا إنه كان فاحشة.\rقوله: (من نكاحكم بعض ما ذكر) البعض هو نكاح الأختين، وانظر لم لم يقل مثل ما قال سابقا من فعلكم ذلك، فإنه معفو عنه، فإن عبارته توهم أنهم كانوا يفعلونه غير الجمع مع أن الذي كانوا يفعلونه كما في الشراح هو الجمع، ونكاح زوجة الأب، وقد سبق التنبيه على الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة بأل أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في جميع القرآن إلا قوله: والمحصنات من النساء، فبالفتح فقط وأما الفتح ففيه وجهان، أشهرهما: أنه أسند الاحصان إلى غيرهن، وهو إما الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يحصن امرأته أي يعفها، والولي يحصنها بالتزويج، واللّه يحصنها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور يعني أنه اسم فاعل، وإنما شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصن فهو محصن، وألفج فهو ملفج، وأسهب فهو مسهب. وأما الكسر فإنه أسند الاحصان إليهن لأنهن يحصن أنفسهن بعفافهن أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن، وقد ورد الاحصان في القرآن لأربعة معان، الأول: التزوج كما في هذه الآية وكما في قوله مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. الثاني:\rالحرية كما في قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الآية. الثالث: الإسلام كما في قوله: فَإِذا أُحْصِنَ قيل في تفسيره أسلمن. الرابع: العفة كما في قوله: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ اهـ سمين.\rوفي القاموس: وامرأة حصان كسحاب عفيفة أو متزوجة، والجمع حصن بضمتين وحصانات، وقد حصنت ككرمت حصنا مثلثة، وتحصنت فهي حاصن وحاصنة وحصناء، والجمع حواصن وحاصنات، وأحصنها البعل وحصنها وأحصنت هي فهي محصنة عفت أو تزوجت أو حملت، والحواصن الحبالى، ورجل محصن كمكرم وقد أحصنه التزوج، وأحصن تزوج فهو محصن كمسهب اهـ.\rقوله: (أن تنكحوهن قبل مفارقة الخ) هذا بدل من المحصنات يشير به إلى تقدير مضاف أي:\rوحرم عليكم نكاح المحصنات الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ استثناء متصل لأن المستثنى المزوجات كما أشار له بقوله: وإن","part":2,"page":35},{"id":574,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 36\rمن الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء كِتابَ اللَّهِ نصب على المصدر أي كتب ذلك عَلَيْكُمْ وَأُحِلَ بالبناء للفاعل والمفعول لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي سوى ما حرّم عليكم من النساء أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا النساء بِأَمْوالِكُمْ بصداق أو ثمن كان لهن أزواج، والمستثنى منه المزوجات أيضا لكن فيه شائبة انقطاع من حيث أن المستثنى منه نكاح المتزوجات، والمستثنى وطء المتزوجات، فليتأمل بل ومن حيث إن المتزوجات في المستثنى بحسب ما كان لأن نكاحهن قد انقطع بالإسلام، فإذا وطئت بعد السبي لم يصدق عليها أنها وطئت وهي مزوجة اهـ شيخنا.\rوقد صرح السمين بأن الاستثناء منقطع فكان على الشارح أن ينبه عليه كعادته. قوله: (و إن كان لهن أزواج في دار الحرب) لأن لا حرمة لذلك لأن النكاح ارتفع بالسبي، ونزلت لتخرج الصحابة من وطء المسبيات اهـ كرخي.\rوفي الخازن: قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جيشا يوم حنين إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهن، فأنزل اللّه هذه الآية اهـ.\rقوله: (بعد الاستبراء) ظرف لقوله فلكم وطؤهن. قوله: (نصب على المصدر) أي المؤكد لأنه لما قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ علم أن ذلك مكتوب، كما أشار إليه في التقرير بقوله: أي كتب اللّه ذلك أي ما حرم عليكم من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى هنا كتابا وفرضه اهـ كرخي.\rقوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ هذا عام مخصوص، فقد دلت السنة على تحريم أصناف أخر سوى ما ذكر، فمن ذلك أن يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ومن ذلك نكاح المعتدة، ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لا يجوز له نكاح الأمة، ومن ذلك القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة، ومن ذلك من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح الخامسة، ومن ذلك الملاعنة، فإنها محرمة على الملاعن أبدا اهـ خازن.\rولا حاجة للتنبيه على هذا لأن الكلام في التحريم على التأييد وما ذكره من الأقسام لا يحرم مؤبدا بل لعارض يزول، نعم يظهر ما قاله في الملاعنة لأن تحريمها مؤبد.\rقوله: أَنْ تَبْتَغُوا أي لإرادة أن تبتغوا ليصح جعل أن تبتغوا مفعولا له إذ شرطه اتحاد الفاعل وهو هنا مختلف إذ فاعل أحل هو اللّه، وفاعل الابتغاء هو المخاطبون، وبتقدير الإرادة حصل الاتحاد إذا فاعلهما هو اللّه، والإرادة هي بمعنى الطلب ههنا لا بالمعنى المشهور، إذ لا يجوز تخلف المراد عن الإرادة الإلهية عندنا، وقضية كلامه أنه لا حاجة إلى تقدير الإرادة لأنها تستفاد من اللام، فكان غرضه بيان حاصل المعنى اهـ كرخي.\rقوله: تَبْتَغُوا مفعوله محذوف كما قدره الشارح، وقوله: محصنين حال من الواو في تبتغوا، وقوله: متزوجين أي طالبين التزوج بالأموال، فأحل اللّه لكم النساء لأجل أن تطلبوا بأموالكم تزوجهن ولا تطلبوا بها الزنا، وقوله: غَيْرَ مُسافِحِينَ حال أخرى اهـ شيخنا.","part":2,"page":36},{"id":575,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 37\rمُحْصِنِينَ متزوجين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين فَمَا أي من اسْتَمْتَعْتُمْ تمتعتم بِهِ مِنْهُنَ ممن تزوجتم بالوطء فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ مهورهن التي فرضتم لهن فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ قوله: بِأَمْوالِكُمْ أي بصرفها في مهورهن أو أثمانهن اهـ السعود.\rقوله: (متزوجين) أي ومتسرين بدليل قوله قبل بصداق أو ثمن اهـ شيخنا.\rقوله: غَيْرَ مُسافِحِينَ اقتصر عليه هنا لأنه في الحرائر المسلمات وهن إلى الخيانة أبعد من بقية النساء، وزاد بعد في قوله: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ قوله: وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ لأنه في الإماء وهن إلى الخيانة أقرب من الحرائر المسلمات اهـ كرخي.\rوالسفاح: الزنا كما قال الشارح، وأصله من السفح وهو الصب، وإنما سمي الزنا سفاحا لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط اهـ خازن.\rقوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ أي فالزوجات اللاتي تمتعتم بهن فقوله به فيه مراعاة للفظ ما وقوا ممن تزوجتم بيان لقوله منهن الواقع بيانا لما أو تبعيضا لها اهـ شيخنا.\rقيل: إن هذه الآية واردة في النكاح الصحيح، وإن الزوج متى وطئها ولو مرة وجب عليه مهرها المسمى، أو مهر المثل، لكن يرد على هذا القيل أنها تتكرر مع قوله سابقا: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ، وقيل إنها واردة في نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، حيث كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو أسبوعا بثوب أو غيره، ويقضي منها وطره ثم يسرحها.\rوفي الخازن: وقال قوم: المراد من حكم هذه الآية نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة معلومة بشيء معلوم، فإذا انقضت تلك المدة بانت منه من غير طلاق وتبرئ رحمها بحيضة اهـ.\rوفي القرطبي: وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة، لأنها أبيحت في صدر الإسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة، فإن الفسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت اهـ.\rقوله: أُجُورَهُنَ (مهورهن) وإنما سمى المهر أجرا لأنه يدل على المنفعة لا عن العين اهـ خازن.\rقوله: (التي فرضتم) أي سميتم، وقد كمل بهذا الوصف ما قبله، ودخل به على ما بعدها، ففريضة معمول لهذا المقدر أو هو حال من أجورهن اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: فريضة حال من أجورهن أو مصدر مؤكد أي فرض اللّه ذلك فريضة أو مصدر على غير المصدر، لأن الايتاء مفروض، فكأنه قيل فآتوهن أجورهن إيتاء مفروضا انتهت.\rقوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي ولا عليهن فلا جناح عليكم في الزيادة ولا عليهن في الحط اهـ شيخنا.","part":2,"page":37},{"id":576,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 38\rفِيما تَراضَيْتُمْ أنتم وهن بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ من حطها أو بعضها أو زيادة عليها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (24) فيما دبره لهم\rوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أي غنى أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر الْمُؤْمِناتِ هو جري على الغالب فلا مفهوم له فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قوله: (من حطها) بيان لما. قوله: (فيما دبره لهم) ومن جملته ما شرع لهم من هذه الأحكام اللائقة بحالهم اهـ خازن.\rقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ شرطية أو موصولة اهـ.\rوقوله: مِنْكُمْ أي الأحرار. قوله: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ متعلق بمحذوف هو جواب الشرط فهو مجزوم اهـ شيخنا.\rوهذا بناء على الظاهر، وإلا فهو في الحقيقة مرفوع لأن المضارع إذا وقع جوابا للشرط مقرونا بالفاء يقدر قبله المبتدأ، وتكون الجملة هي الجواب، وذلك لأن الفاء لا تدخل على الفعل الصالح للشرطية. وعبارة السمين: قوله: فالفاء إما جواب الشرط، وإما زائدة في الخبر على حسب القولين في من، وهو متعلق بفعل مقدر بعد الفاء تقديره: فلينكح مما ملكته أيمانكم وما على هذا موصول بمعنى الذي أي النوع الذي ملكته، ومفعول ذلك الفعل المقدر محذوف تقديره، فلينكح امرأة أو أمة مما ملكته أيمانكم، فمما في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنه صفة لذلك المفعول المحذوف، ومن للتبعيض نحو أكلت من الرغيف، ومن فتياتكم في محل نصب على الحال من الضمير المقدر في ملكت العائد على ما الموصولة والمؤمنات صفة لفتياتكم انتهت.\rقوله: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إما جواب الشرط، وإما خبر الموصول، وشرط دخول الفاء في الخبر موجود، مِنْكُمْ في محل نصب على الحال من فاعل يستطيع، وفي نصب طولا ثلاثة أوجه.\rأظهرها: أنه مفعول بيستطيع، وفي قوله أن ينكح على هذا ثلاثة أقوال:\rالأول: أنه في محل نصب بطولا على أنه مفعول بالمصدر المنون لأنه مصدر طلت الشيء أي نلته، والتقدير ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات وإعمال المصدر المنون كثير، وهذا هو الذي ذهب إليه الفارسي.\rالقول الثاني: أن ينكح بدل من طولا بدل الشيء من الشيء، لأن الطول هو القدرة أو الفضل والنكاح مع قدرة وفضل.\rالقول الثالث: أنه على حذف حرف الجر، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من قدره بإلى أي طولا إلى أن ينكح، ومنهم من قدره باللام أي طولا لأنه ينكح، وعلى هذين التقديرين، فالجار في محل الصفة لطولا فيتعلق بمحذوف، ثم لما حذف حرف الجر جاء الخلاف المشهور في محل أن أهو نصب أو جر، وقيل: اللام المقدرة مع أن هي لام المفعول من أجله أي طولا لأجل نكاحهن.\rالوجه الثاني: من نصب طولا أن يكون مفعولا على حذف مضاف أي: ومن لم يستطع نكاح المحصنات لعدم الطول.\rالوجه الثالث: أن يكون منصوبا على المصدر. قال ابن عطية: ويصح أن يكون طولا منصوبا","part":2,"page":38},{"id":577,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 39\rينكح مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ فاكتفوا بظاهره وكلوا السرائر إليه فإنه العالم بتفصيلها ورب أمة تفضل الحرة فيه وهذا تأنيس بنكاح الإماء بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنتم وهن سواء في الدين فلا تستنكفوا من نكاحهن فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ مواليهن وَآتُوهُنَ أعطوهن أُجُورَهُنَ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير مطل ونقص مُحْصَناتٍ عفائف حال غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات جهرا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أخلاء يزنون بهن سرا فَإِذا أُحْصِنَ زوجن على المصدرية، والعامل فيه الاستطاعة لأنهما بمعنى وأن ينكح على هذا مفعول الاستطاعة، أو المصدر بمعنى أن الطول هو الاستطاعة في المعنى، فكأنه قيل ومن لم يستطع منكم استطاعة اهـ سمين.\rقوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ جمع فتاة وهي الشابة من النساء اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ جملة من مبتدأ وخبر جيء بها بعد قوله: من فتياتكم المؤمنات، ليفيد أن الإيمان كاف في نكاح الأمة المؤمنة ولو ظاهرا، ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها علما يقينيا، فإن ذلك لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى، والمعنى أن بعضكم من جنس بعض في النسب والدين، ولا يترفع الحر من نكاح الأمة عند الحاجة إليه وما أحسن قول أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه:\rالناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء\r\rاه سمين.\rقوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنتم وأرقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم، ودينكم الإسلام اهـ بيضاوي.\rقوله: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ومن ضرورة إيتائهن أن يكون بإذن الولي، فيكون ذكر الإيتاء لهن لبيان جواز الدفع لهن، لكون المهر لهن، وقيل: أصله وآتوا مواليهن فحذف المضاف وأصل الفعل إلى المضاف إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (من غير مطل ونقص) أي ضرر والمطل عدم الأداء من غير عذر والاضرار هو الاحواج إلى التقاضي والملازمة اهـ.\rقوله: (حال) أي من المفعول في قوله فانكحوهن أي حال كونهن عفائف عن الزنا، وهذا الشرط على سبيل الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني ولو كن اماء اهـ خطيب.\rقوله: وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ جمع خدن بالكسر وهو الصاحب. قال أبو زيد: الأخدان الأصدقاء على الفاحشة، والواحد خدن وخدين، وكان الزنا في الجاهلية منقسما إلى هذين القسمين اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: وكانت العرب في الجاهلية تحرم الأول وتجوز الثاني، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم أفرد الشارح كل واحد من هذين القسمين بالذكر ونص على تحريمهما معا. وفي المصباح والقاموس: الأخدان جمع خدن بالكسر كحمل وأحمال اهـ.","part":2,"page":39},{"id":578,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 40\rوفي قراءة بالبناء للفاعل تزوجن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ زنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر الأبكار إذا زنين مِنَ الْعَذابِ الحد فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة ويقاس عليهن العبيد ولم يجعل الإحصان شرطا لوجوب الحد بل لافادة أنه لا رجم عليهن أصلا ذلِكَ أي نكاح المملوكات عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ خاف الْعَنَتَ الزنا وأصله المشقة سمي به الزنا لأنه سببها بالحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة مِنْكُمْ بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها وكذا من استطاع طول حرة وعليه الشافعي وخرج بقوله قوله: فَإِذا أُحْصِنَ شرط وجوابه الشرطية بعده، ولعل هذه الشرطية اعتراضية جر إليها قوله غير مسافحات، وذلك لأن قوله ذلك لمن خشي العنت منكم من بقية شروط نكاح الأمة اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: الفاء في فإن أتين جواب إذا، والثانية جواب إن، فالشرط الثاني من جوابه الترتب على وجود الأول كما في قولك إذا أتيتني فإن لم أكرمك فعبدي حر اهـ.\rقوله: (بل لا فائدة أنه لا رجم الخ)، وذلك أنه لما حكم بالتنصيف علم أن حدهن ليس رجما لأنه لا يتنصف، وإذا كان الحد مع الإحصان ليس رجما فمع عدمه أولى فتعرض لحالة الإحصان، لأنها التي يتوهم فيها رجمهن كالحرائر اهـ.\rقوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ذلك مبتدأ ولمن خشيء جار ومجرور خبره، والمشار إليه بذلك هو نكاح الأمة المؤمنة لمن عدم الطول والعنت في الأصل انكسار العظم بعد الخبر فاستعير لكل مشقة، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنا من العقاب الدنيوي والأخروي، ومنكم حال من الضمير في خشي أي في حال كونه منكم، ويجوز أن تكون من للبيان اهـ سمين.\rيقال عنت عنتا من باب طرب ارتكب الزنا. وفي القاموس: والعنت محرك الفساد والإثم والهلاك، ودخول المشقة على الإنسان ولقاء الشدة والزنا والوهي والانكسار، واكتساب المآثم، وأعنته غيره وعنته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه اهـ.\rقوله: (و أصله المشقة) أي أصله الثاني إلا فأصله الأول انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان عند صلاح حاله اهـ أبو السعود.\rقوله: (و العقوبة في الأخرى) الواو بمعنى أو. قوله: مِنْكُمْ أي حال كونه منكم. قوله: (فلا يحل له نكاحها) أي عند غير أبي حنيفة أما عند أبي حنيفة فيحل اهـ.\rقوله: (و كذا من استطاع طول حرة) أي صداقها ومثله من استطاع ثمن أمة اهـ.\rقوله: (و ما عليه الشافعي) وكذا مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة بجواز نكاح الأمة لمن ليس عنده حرة بالفعل، ولو كان قادرا على مهرها، وفسر الطول المنفي في الآية بفراش الحرة، فالمعنى ومن لم يكن مستفرشا لحرة فله نكاح الأمة، وخالف في اشتراط إسلام الأمة، فقال بجواز نكاح الأمة الكتابية، وحمل قوله من فتياتكم المؤمنات على أنه على سبيل الأفضلية لا على سبيل الشرط اهـ.","part":2,"page":40},{"id":579,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 41\rمن فتياتكم المؤمنات الكافرات فلا يحل له نكاحها ولو عدم وخاف وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح المملوكات خَيْرٌ لَكُمْ لئلا يصير الولد رقيقا وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) بالتوسعة في ذلك\rيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ شرائع دينكم ومصالح أمركم وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ طرائق الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته وَاللَّهُ عَلِيمٌ بكم حَكِيمٌ (26) فيما دبره لكم\rوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ كرره ليبني عليه وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ اليهود والنصارى أو المجوس أو الزناة أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (27) تعدلوا عن الحق بارتكاب ما حرّم عليكم فتكونوا مثلهم\rيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يسهل عليكم الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) لا يصبر عن النساء والشهوات\rيا أَيُّهَا قوله: (و لو عدم) أي الطول وخاف أي العنت. قوله: (بالتوسعة في ذلك) أي في نكاح الأمة يعني أنه وإن كان نكاح الأمة يؤدي إلى إرقاق الولد وهذا يقتضي المنع من نكاحها، إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة اهـ كرخي.\rقوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ الخ استئناف مسوق لتقرير ما سبق من الأحكام، وكونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين اهـ أبو السعود.\rوفي السمين ما نصه: قوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ اللام زائدة، وأن مضمرة بعدها والتبيين مفعول الإرادة. قال الزمخشري: تقديره يريد اللّه أن يبين فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب. قوله: (فتتبعوهم) قد نقل المفسرون أن كل ما بيّن لنا تحليله وتحريمه من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان كذلك أيضا في الأمم السالفة اهـ سمين.\rقوله: وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يقبل توبتكم إذا تبتم إليه هما يقع منكم من التقصير اهـ أبو السعود.\rقوله: (يرجع بكم عن معصيته) فيه أن الأحكام قبل البعثة لم تثبت فأين المعصية؟. ويجاب بأن المراد المعصية ولو صورة أو المراد بقوله: التي كنتم عليها المعاصي التي حصلت قبل التوبة اهـ.\rقوله: (أو المجوس) فقد كانوا ينكحون الأخوات من الأب وبنت الأخ فلما حرمهن اللّه قالوا للمؤمنين إنكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة، مع أن الخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنت الأخ وبنت الأخت اهـ أبو السعود.\rقوله: (فتكونوا مثلهم) أما في اليهود والنصارى المجوس فظاهر لاعتقادهم أنهم على الحق.\rوأما في الزناة فلأن من ابتلي بمحنة يجب أن يشركه فيها غيره ليتفرق اللوم عليه وعلى غيره نظير قول الخنساء:\rولو لا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\r\rاه شيخنا.\rقوله: (أحكام الشرع) أي كلها، فلم يثقل علينا التكاليف كما فعل ببني إسرائيل، فهذا على حد قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة: 185] اهـ خازن.","part":2,"page":41},{"id":580,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 42\rالَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام في الشرع كالربا والغصب إِلَّا لكن أَنْ تَكُونَ تقع تِجارَةً وفي قراءة بالنصب أي تكون الأموال أموال تجارة صادرة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وطيب نفس فلكم أن تأكلوها وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها أيا كان في الدنيا أو الآخرة بقرينة إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) في منعه لكم من ذلك\rوَمَنْ يَفْعَلْ قوله: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ بمنزلة التعليل بقوله: يريد اللّه أن يخفف عنكم، وقوله: ضَعِيفاً حال من الإنسان وهي حال مؤكدة اهـ سمين.\rقوله: (لا يصبر عن النساء) وقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريما ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريما مغلوبا ولا أحب أن أكون لئيما غالبا» اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ شروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان المحرمات المتعلقة بالإبضاع اهـ أبو السعود.\rقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ الخ إنما خص الأكل بالذكر، لأن معظم المقصود من الأموال الأكل، فالمراد النهي عن مطلق الأخذ، وقيل يدخل فيه أكل مال نفسه، وأكل مال نفسه غيره، فأكل مال نفسه بالباطل انفاقه في المعاصي اهـ خازن.\rقوله: بَيْنَكُمْ نصب على الظرفية أو الحالية من أموالكم اهـ أبو السعود. من سورة البقرة.\rقوله: (بالحرام) أي الطريق الحرام. قوله: إِلَّا (لكن) أشار به إلى أن الاستثناء منقطع، لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل، ولأن الاستثناء وقع على الكون والكون معنى من المعاني ليس مالا من الأموال، وخص التجارة بالذكر دون غيرها كالهبة والصدقة والوصية، لأن غالب التصرف في الأموال بها، ولأن أسباب الرزق متعلقة بها غالبا، ولأنها أرفق بذوي المروءات بخلاف الإيهاب وطلب الصدقات اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ في الخازن: روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا» اهـ.\rوقوله: يتردى التردي الوقوع من علو إلى أسفل، وقوله: يتوجأ يقال وجأته بالسكين إذا ضربته بها وهو يتوجأ بها أي يضرب بها نفسه اهـ.\rقوله: (أيّا كان) تعميم في الهلاك وقوله: بقرينة الخ استدلال على التعميم، وليتأمل وجه الدلالة مما ذكر، ويمكن أن يقال هو عموم رحمته في الدارين اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ من شرطية مبتدأ والخبر فسوف والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط اهـ سمين.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 511","part":2,"page":42},{"id":581,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 43\rذلِكَ أي ما نهى عنه عُدْواناً تجاوزا للحلال حال وَظُلْماً تأكيد فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله ناراً يحترق فيها وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) هينا\rإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ وهي ما ورد عليها وعيد كالقتل والزنا والسرقة وعن ابن عباس هي إلى السبعمائة أقرب نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الصغائر بالطاعات وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو قوله: (أي ما نهى عنه) قيل: من قتل النفس المحرمة لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وقيل:\rمن قتل النفس، وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة، وقيل: من كل ما نهى عنه من أول السورة إلى هنا اهـ خازن.\rقوله: عُدْواناً أي على الغير وظلما أي على النفس لا جهلا ونسيانا وسفها، وعلى هذا الإيراد إنه كيف قدم الأخص على الأعم إذ التجاوز عن العدول جور، ثم طغيان، ثم تعد، والكل ظلم، ومن ثم قال تأكيد أي للأول إلا أن يقال إن العطف باعتبار التغاير في المفهوم كما تقدم اهـ كرخي.\rقوله: (تجاوزا للحلال) في نسخة للحل، وفي نسخة للحد. قوله: وَكانَ ذلِكَ أي الإصلاء.\rقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا الخ في الكلام حذف أي وتفعلوا الطاعات كما أشار له الشارح بقوله الطاعات، فالتفكير ليس مرتبا على الاجتناب وحده، وكذا يقال في قول اللقاني:\rوباجتناب للكبائر تغفر\rاه. شيخنا.\rقوله: (و هي ما ورد عليها) أي ولأجلها أو أن على صلة وعيد.\rقوله: (أقرب) أي منها للسبعين.\rقوله: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي نسترها عليكم حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل لأن أصل التكفير الستر والتغطية اهـ خازن.\rومتى أطلقت السيئات انصرفت للصغائر ولذلك فسرها الشارح بها. وقوله: بالطاعات أي بسببها زيادة على الاجتناب أو الباء بمعنى مع صورة اسم المفعول وكثيرا ما يرد المصدر كذلك نحو: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41]، ويحتمل والحالة هذه أن يكون اسم مكان وقوله وفتحها، وحينئذ فهو اسم مكان ويحتمل والحالة هذه أنه مصدر، فقوله: أي ادخالا الخ إما لف ونشر مرتب كما هو الظاهر، ويحتمل أن كلا يرجع لكل هذا، ومتى حمل على المصدر كان المفعول به محذوفا أي ندخلنكم الجنة إدخالا، ومتى حمل على اسم المكان لم يكن حذف اهـ شيخنا.\rوفي السمين قرأنا نافع وحده هنا، وفي الحج مدخلا بفتح الميم، والباقون بضمها ولم يختلفوا في ضم التي في الإسراء. فأما المضموم الميم فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أنه مصدر، وقد تقدم أن اسم المصدر من الرباعي فما فوقه كاسم المفعول، والمدخول فيه على هذا محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. والثاني: أنه اسم مكان الدخول، وفي نصبه حينئذ احتمالان، أحدهما: أنه منصوب على الظرف وهو مذهب سيبويه، والثاني: أنه مفعول به وهو مذهب الأخفش، وهكذا كل مكان","part":2,"page":43},{"id":582,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 44\rموضعا كَرِيماً (31) هو الجنة\rوَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من جهة الدنيا أو مختص بعد دخل، فإن فيه هذين المذهبين، وهذه القراءة واضحة لأن اسم المصدر والمكان جاريان على فعلهما. وأما قراءة نافع فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعل السابق لهذا كما رأيت رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل، والتقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا منصوب على ما تقدم إما المصدرية وإما المكانية بوجهيها، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد نحو أنبتكم من الأرض نباتا على إحدى القراءتين اهـ.\rقوله: وَلا تَتَمَنَّوْا الخ التمني نوع الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع يتعلق بالماضي، فنهى اللّه سبحانه المؤمنين عن التمني، لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل اهـ قرطبي.\rوقوله: ما فَضَّلَ اللَّهُ الخ أي نفس الذي فضل اللّه به بعضكم على بعض، كأن يتمنى الشخص انتقال مال غيره إليه أو انتقال ماله من العبادة إليه، وهذا هو الحسد المذموم. وعبارة القرطبي: فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه اللّه تعالى بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 54] ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه، وبيعه على بيعه، لأنه داعية على الحسد والمقت اهـ.\rوعبارة الخازن: أصل التمني إرادة الشيء وتشتهي حصول ذلك الأمر المرغوب فيه، ومن حديث النفس بما يكون وبما لا يكون. وقيل: التمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون بلا روية وأكثر التمني ما لا حقيقة له. وقيل: التمني عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون. عن مجاهد عن أم سلمة قالت: يا رسول اللّه يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فلو كنا رجالا غزونا وأخذنا من الميراث مثل لا ما أخذوا، فأنزل اللّه؛ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ. قال مجاهد: وأنزل أن المسلمين والمسلمات. وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة أخرجه الترمذي، وقال هذا حديث مرسل. وقيل: لما جعل اللّه للذكر مثل حظ الأنثيين من الميراث، قالت النساء: نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال لأنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر على طلب المعاش منا، فأنزل اللّه هذه الآية، وقيل: لما نزل قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11] قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات في الآخرة فيكون أجرنا على ضعف أجر النساء كما فضلنا عليهن الميراث، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا في الميراث النصف من نصيبهم، فنزلت هذه الآية. والتمني على قسمين:\rأحدهما: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره مع زوال ذلك المال عن ذلك الغير، فهذا القسم وهو الحسد وهو مذموم، لأن اللّه تعالى يفيض نعمه على من يشاء من عباده، وهذا الحاسد يعترض على اللّه تعالى فيما يفعل وربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعمة من ذلك الإنسان أيضا، فهذا اعتراض على اللّه أيضا وهو مذموم.\rالقسم الثاني: أن يتمنى مثل مال غيره، ولا يحب أن يزول ذلك المال عن ذلك الغير، وهذا هو","part":2,"page":44},{"id":583,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 45\rالدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ثواب مِمَّا اكْتَسَبُوا بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن نزلت لما قالت أم سلمة ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال وَسْئَلُوا بهمزة ودونها اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ما احتجتم إليه يعطكم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) ومنه محل الفضل وسؤالكم\rوَلِكُلٍ من الرجال والنساء جَعَلْنا مَوالِيَ عصبة يعطون مِمَّا تَرَكَ الغبطة هو ليس بمذموم، ومن الناس من منع منه أيضا كالإمام مالك قال لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين أو الدنيا. قال الحسن: لا تتمن مال فلان ولا تدري لعل هلاكك في ذلك المال، وليعلم العبد أن اللّه أعلم بمصالح عباده، فليرض بقضائه ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة، وليقل اللهم اعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي اهـ.\rقوله: (بسبب ما عملوا) أشار به إلى أن من سببية تعليلية، وكذا في قوله: مِمَّا اكْتَسَبْنَ أي من أجل ما اكتسبن أي عملن، وقوله: من طاعة أزواجهن الخ أي وغير ذلك كسائر عباداتهن. وعبارة القرطبي قوله: للرجال نصيب مما اكتسبوا يريد من الثواب والعقاب، وللنساء كذلك. قال قتادة:\rوللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها، كما للرجال، وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة للذكر مثل حظ الانثيين، فنهى اللّه عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد، لأن اللّه تعالى أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما لعم من مصالحهم انتهت.\rقوله: (نزلت الخ) أي نزل قوله وَلا تَتَمَنَّوْا إلى قوله عَلِيماً. قوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ عطف عن النهي وتوسيط التعليل بينهما لتقرير الانتهاء مع ما فيه من الترغيب في الامتثال بالأمر كأنه قيل: لا تتمنوا ما يختص بغيركم من نصيبه المكتسب له، واسألوا اللّه تعالى من خزائن نعمه التي لا نفاد لها اهـ أبو السعود.\rقوله: (بهمزة ودونها) قراءتان سبعيتان، فالأولى على الأصل، والثانية فيها نقل حركة الهمزة للسين قبلها، وعبارة السمين والجمهور على إثبات الهمزة في الأمر من السؤال الموجه نحو المخاطب إذا تقدمه واو أو فاء نحو: فاسأل الذين، واسألوا اللّه من فضله. وابن كثير، والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين تخفيفا لكثرة استعماله، فإن لم يتقدمه واو ولا فاء، فالكل على النقل نحو سل بني إسرائيل، وإن كان لغائب فالكل على الهمزة نحو: وليسألوا ما أنفقوا وهو يتعدى لاثنين والجلالة مفعول أول. والثاني محذوف اهـ.\rوقد ذكره المفسر بقوله: ما احتجتم إليه. قوله: (و منه محل الفضل) أي ذواتكم التي يظهر فيها فضل اللّه، أو المراد ذات الشيء المنعم به، فإنها محل لفضل اللّه أي تفضله. وقوله: وسؤالكم أي ومنه سؤالكم، فاللّه عالم به فيجيبه.\rقوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا أي بكل من مات من الرجال والنساء جعلنا موالي ورثة يعطون تركته إرثا، فلا حق للحليف فيها لأنه ليس من العصبة اهـ شيخنا.","part":2,"page":45},{"id":584,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 46\rالْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ لهم من المال وَالَّذِينَ عَقَدَتْ بألف ودونها أَيْمانُكُمْ جمع يمين بمعنى القسم أو اليد أي الخلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث فَآتُوهُمْ الآن نَصِيبَهُمْ حظوظهم من الميراث وهو السدس إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) مطلعا ومنه حالكم وهذا منسوخ بقوله\rوَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ* الرِّجالُ وعبارة الخازن: ولكل من الرجال والنساء جعلنا موالي يعني ورثة من بني عم وإخوة وسائر العصبات مما ترك، يعني يحثون مما ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا الوالدان والأقربون هم الموروثون. وقيل: معناه ولكن جعلنا موالي أي ورثة مما ترك وتكون ما بمعنى تركهم الميت، ثم فسر الموالي فقال: الوالدان والأقربون، فعلى هذا الوالدان والأقربون هم الوارثون. والمعنى ولكل شخص جعلنا ورثة ممن تركهم وهم والده وأقرباؤه، والقول الأول أصح لأنه مروي عن ابن عباس وغيره اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ مبتدأ وقوله: فَآتُوهُمْ خبره، وقوله: بألف ودونها عبارة السمين قرأ الكوفيون عقدت والباقون بألف. وروي عن حمزة عقدت بالتشديد والمفاعلة هنا ظاهرة، لأن المراد المحالفة والمفعول محذوف على كل من القراءات أي عاقدتهم أو عاقدت حلفهم ونسبة المعاقدة أو العقد إلى الإيمان مجاز سواء أريد بالإيمان الجارحة أو القسم، وقيل ثم مضاف محذوف أي عقدت ذوو أيمانكم، انتهت.\rوالمعاقدة المحالفة والمعاهدة، وقد كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيد صاحبه وتحالفوا على الوفاء بالعهد والتمسك بذلك العقد، فيقول أحدهم للآخر: دمي هدمك، وهدمي دمك أعقل عنك وتعقل عني، وأرثك وترثني، فيكون لكل واحد من تركة صاحبه السدس، وهذا كان في الجاهلية وفي ابتداء الإسلام، كما قال فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ اهـ خازن.\rوقوله: هدمي هدمك الهدم بفتح الهاء وسكون الدال أو فتحها أن يصير القتيل هدرا، كأنه يقول:\rإذا وقع بيننا قتيل فهو هدر اهـ حف من حاشيته على الشنشوري.\rوفي القاموس: الهدم نقض البناء كالتهديم وكسر الظهور وفعلها كضرب، والمهدر من الدماء ويحرك، وبالكسر الثوب البالي أو المرقع أو خاص بكساء الصوف اهـ.\rقوله: (أي الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية الخ) هذا أحد قولين في معنى الآية، والآخر أنها في شأن المؤاخاة الواقعة بين المهاجرين والأنصار، وعبارة الخازن: قال ابن عباس: نزلت في الذين آخى بينهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار لما قدموا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون النسب والرحم، فلما نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسختها اهـ.\rقوله: فَآتُوهُمْ (الآن) أي بعد البعثة في أول الإسلام لكن هذا مع قوله عاهدتموهم في الجاهلية يقتضي أنهم لم يتوارثوا في صدر الإسلام بالحلف إلا إذا كان الحلف سابقا في الجاهلية، ولينظر هل هو كذلك أو لا فإني راجعت كثيرا من التفاسير فلم أر من نبه على ذلك اهـ.\rقوله: (و هذا منسوخ) أي الأمر في قوله فآتوهم نصيبهم الخ لا ما كان في الجاهلية إذ ذاك ليس","part":2,"page":46},{"id":585,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 47\rقَوَّامُونَ مسلطون عَلَى النِّساءِ يؤدبونهن ويأخذون على أيديهن بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك وَبِما أَنْفَقُوا عليهن مِنْ حكما شرعيا حتى يصح نسخه اهـ شيخنا.\rوقيل الناسخ له ما قبله وهو قوله: ولكل جعلنا موالي الخ، وفي القرطبي: والصواب أن الآية الناسخة وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ، والمنسوخة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ كذا رواه الطبري. وروي عن جمهور السلف أن الناسخ لقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قوله في الأنفال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: 75]، انتهى.\rقوله: (أولى ببعض) أي من الحلفاء أي أن الأقارب بعضهم أولى بإرث بعض فلا حق للحليف لأنه ليس قريبا اهـ شيخنا.\rقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ الخ كلام مستأنف سيق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا وعلل ذلك بأمرين، أولهما: وهبي، والثاني كسبي اهـ أبو السعود.\rونزلت هذه الآية في سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت امرأته واسمها حبيبة بنت زيد فلطمها فانطلق بها أبوها إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له: قد لطم كريمتي؛ فقال النبي: «لتقتص من زوجها»، فانصرفت مع أبيها لتقتص من زوجها فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ارجعوا هذا جبريل أتاني» فنزلت هذه الآية، فقال النبي: «أردنا أمرا وأراد اللّه أمرا، والذي أراده اللّه خير» اهـ.\rقوله: قَوَّامُونَ جمع قوام وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، والرجل يقوم بأمر المرأة ويجتهد في حفظها، وقوله: مسلطون يشير به إلى أن المراد قيام الولاة على الرعايا اهـ كرخي.\rقوله: (و يأخذون على أيديهن) أي يقبضون عليها ويمسكونها عند إرادتهن مكروها كالخروج من المنزل، وهذا كناية عن مطلق منعهن من المكروه، وإن كان بالقول اهـ شيخنا.\rقوله: بِما فَضَّلَ اللَّهُ متعلق بقوامون، والباء سببية وما مصدرية، والبعض الأول هو الرجال، والبعض الثاني هو النساء، والضمير المضاف إليه البعض الأول واقع على مجموع الفريقين على سبيل التغليب، وعدل عن الضميرين، فلم يقل بما فضلهم اللّه عليهن للإبهام الذي في بعض اهـ سمين.\rيعني أن اللّه تعالى فضل الرجال على النساء بأمور منها زيادة العقل والدين والولاية والشهادة والجهاد والجمعة والجماعات والإمامة لأن منهم الأنبياء والخلفاء والأئمة، ومنها أن الرجل يتزوج بأربع نسوة، ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، ومنها زيادة النصيب في الميراث وبيده الطلاق والنكاح والرجعة، وإليه الانتساب، فكل هذا يدل على فضل الرجال على النساء اهـ خازن.\rقوله: وَبِما أَنْفَقُوا متعلق أيضا بقوامون والباء سببية، وما يجوز أن تكون بمعنى الذي من غير ضعف، لأن للحذف مسوغا وبما أنفقوه من أموالهم، وأن تكون مصدرية وهو ظاهر، ومن أموالهم متعلق بأنفقوا اهـ سمين أي من المهر والنفقة.","part":2,"page":47},{"id":586,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 48\rأَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ منهن قانِتاتٌ مطيعات لأزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن بِما حَفِظَ هن اللَّهُ حيث أوصى عليهن الأزواج وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ عصيانهن لكم بأن ظهرت أماراته فَعِظُوهُنَ فخوفوهن اللّه وَاهْجُرُوهُنَّ فِي وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لو أمر أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» اهـ خازن.\rقوله: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ الصالحات مبتدأ وما بعده خبر إن له وللغيب متعلق بحافظات وأل في الغيب عوض عن الضمير عند الكوفيين أي في غيبة أزواجهن اهـ سمين أو في غيبتهن عن أزواجهن.\rقوله: (و غيرها) كأموال الزوج وسره وأمتعة بيته. قوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ الجمهور على رفع الجلالة من حفظ اللّه. وفي ما على هذه القراءة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مصدرية والمعنى بحفظ اللّه إياهن أي بتوفيقه لهن أو بالوصية منه تعالى عليهن. والثاني: أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي حفظه اللّه لهن من مهور أزواجهن والنفقة عليهن قاله الزجاج. والثالث: أن تكون ما نكرة موصوفة والعائد محذوف أيضا اهـ سمين.\rوالباء سببية أي بسبب حفظ اللّه لهن، وفسر حفظ اللّه لهن بنهيهن عن المخالفة، وحينئذ فالسببية ظاهرة وفسره الشارح بإيصاء الأزواج عليهن، وحينئذ ففي السببية خفاء إلا أن يقال في توجهها لما علمن أن اللّه أوصى عليهن الأزواج يستحيين أن لا يحفظن ما يتعلق بهم في غيبتهم اهـ شيخنا.\rقوله: (حيث أوصى عليهن الأزواج) فأمرهم بالعدل فيهن وإمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان. روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا» اهـ.\rقوله: وَاللَّاتِي تَخافُونَ أي تظنون، فالخوف هنا بمعنى الظن وفيما يأتي بمعنى العلم اهـ شيخنا.\rقوله: نُشُوزَهُنَ أصل النشوز الارتفاع إلى الشرور، ونشوز المرأة بغضها لزوجها ورفع نفسها عليه تكبرا اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود النشوز من النشز وهو المرتفع من الأرض اهـ.\rقوله: (فخوفوهن اللّه) أي بنحو لي عليك حق فاتق اللّه فيه واحذري عقوبته اهـ كرخي.\rقوله: وَاهْجُرُوهُنَ أي إن تحققتم وعلمتم النشوز، ويرشد لذلك صنيع الشارح في التعبير حيث أسند إظهار النشوز لهن هنا، وللإمارة نفسها سبق فقال هنا إن أظهرن النشوز، وقال هناك بأن ظهرت إماراته اهـ شيخنا.","part":2,"page":48},{"id":587,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 49\rالْمَضاجِعِ اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز وَاضْرِبُوهُنَ ضربا غير مبرح إن لم يرجعن بالهجران فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فيما يراد منهن فَلا تَبْغُوا تطلبوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا طريقا إلى ضربهن ظلما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن\rوَإِنْ خِفْتُمْ علمتم شِقاقَ خلاف بَيْنِهِما بين الزوجين والإضافة للاتساع أي شقاقا بينهما وعبارة المنهج: فإذا ظهرت إمارة النشوز وعظ الزوج وإن علمه وعظ وهجر في مضجع وضرب إن أفاد اهـ.\rفالحاصل: أن كلا من الهجر والضرب مقيد بعلم النشوز ولا يجوز بمجرد الظن. قوله: فِي الْمَضاجِعِ جمع مضجع بفتح الجيم موضع الضجوع اهـ شيخنا.\rقوله: (غير مبرح) وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين عضوا أي ضربا غير شديد. وفي المصباح: وبرح به الضرب تبريحا اشتد وعظم، وهذا أبرح من ذلك أي أشد اهـ.\rوحكم الآية مشروع على الترتيب، وإن دل ظاهر العطف بالواو على الجمع لأن الترتيب مستفاد من قرينة المقام وسوق الكلام الرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة، فالأمور الثلاثة مرتبة أي لأنها لدفع الضرر كدفع الصائل فاعتبر فيها الأخف فالأخف اهـ كرخي.\rقوله: تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا في نصب سبيلا وجهان، أحدهما: أنه مفعول به والثاني: إنه على إسقاط الخافض، وهذان الوجهان مبنيان على تفسير البغي هنا ما هو، فقيل هو الظلم من قوله فبغى عليهم، فعلى هذا يكون لازما وسبيلا منصوب بإسقاط الخافض أي بسبيل، وقيل هو الطلب من قولهم بغيته أي طلبته. وفي عليهن وجهان، أحدهما: أنه متعلق بتبغوا، والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من سبيلا لأنه في الأصل صفة للنكرة قدمت عليها اهـ سمين.\rقوله: (طريقا إلى ضربهن) كأن توبخوهن على ما مضى فينجر الأمر إلى الضرب، ويعود الخصام بل اجعلوا ما كان منهن كأنه لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ الخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأئمة اهـ شيخنا.\rقوله: شِقاقَ بَيْنِهِما فيه وجهان، أحدهما: أن الشقاق مضاف إلى بين ومعناها الظرفية والأصل شقاقا بينهما، ولكنه اتسع فيه فأضيف الحدث إلى ظرفه وظرفيته باقية نحو مكر الليل.\rوالثاني: أنه خرج عن الظرفية وبقي كسائر الأسماء كأنه أريد المعاشرة والمصاحبة بين الزوجين، وقال أبو البقاء: البين هنا الوصل الكائن بين الزوجين اهـ سمين.\rقوله: (خلاف) أي مخالفة وسمي الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كلا منهما صار في شق أي جانب اهـ شيخنا.\rقوله: (أي شقاقا بينهما) أشار به إلى أن الشقاق مصدر مضاد إلى بين، ومعناه الظرفية، والأصل شقاقا بينهما، ولكن اتسع فيه فأضيف المصدر إلى ظرفه وظرفيته باقية نحو: بل مكر الليل والنهار اهـ كرخي.","part":2,"page":49},{"id":588,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 50\rفَابْعَثُوا إليهما برضاهما حَكَماً رجلا عدلا مِنْ أَهْلِهِ أقاربه وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يفرقان إن رأياه قال تعالى إِنْ يُرِيدا أي الحكمان إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بين الزوجين أي يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بكل شيء خَبِيراً (35) بالبواطن كالظواهر\r* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أحسنوا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برا ولين جانب وَبِذِي الْقُرْبى القرابة وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي قوله: فَابْعَثُوا حَكَماً الخ البعث واجب وكون الحكمين من أهلهما مندوب اهـ شيخنا.\rقوله: (رجلا عدلا) أي عارفا بالحكم ودقائق الأمور، فلهذا سمي حكما اهـ شيخنا. أو سمي حكما لأنه مبعوث للحكم بينهما.\rقوله: مِنْ أَهْلِهِ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بابعثوا فيه لابتداء الغاية، والثاني: أنه يتعلق بمحذوف لأنه صفة للنكرة أي كائنة من أهله فهي للتبعيض اهـ سمين.\rقوله: (و قبول عوض عليه) أي الطلاق. قوله: (إن رأياه) أي إن رأيا الفراق مصلحة. قوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً أي وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه اللّه، فلذلك رتب على هذه الإرادة توفيق الزوجين أي ببركة نية الحكمين وسعيهما في الخير تقع الموافقة بين الزوجين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إن يريدا إصلاحا الضمير في إن يريدا وفي بينهما يجوز أن يعودا على الزوجين أي إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق اللّه بين الزوجين، وأن يعودا على الحكمين، وأن يعود الأول على الحكمين، والثاني على الزوجين، وأن يكونا بالعكس، وأضمر الزوجان وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة ذكر الرجال والنساء عليهما، وجعل أبو البقاء الضمير في بينهما عائدا على الزوجين فقط سواء قيل إن ضمير يريدا عائد على الحكمين أو الزوجين اهـ.\rقوله: إِصْلاحاً أي قطعا للخصومة، وهذا شامل للصلح والفراق، فلذلك قال الشارح من إصلاح أو فراق اهـ.\rقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً كلام مبتدأ مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بحقوق الوالدين والأقارب ونحوهم إثر بيان الأحكام المتعلقة بحقوق الأزواج صدر بما يتعلق بحقوق اللّه عز وجل التي هي آكد الحقوق، وأعظمها تنبيها على جلالة شأن حقوق الوالدين بنظمهما في سلكها كما في سائر المواقع وشيئا نصب على أنه مفعول أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء صنما أو غيره أو على أنه مصدر أي لا تشركوا به شيئا من الإشراك جليا أو خفيا اهـ أبو السعود.\rقوله: (و حدوه) وعلى هذا فقوله ولا تشركوا توكيد، والأظهر أن العبادة بمعنى الطاعة والتوحيد مستفاد من قوله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً فيكون العطف للتأسيس اهـ. قاري.\rقوله: بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً تقدم نظيره في البقرة إلا أنه قال، وبذي القربى بإعادة الباء وذلك","part":2,"page":50},{"id":589,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 51\rالْقُرْبى القريب منك في الجوار أو النسب وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد عنك في الجوار أو النسب وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الرفيق في سفر أو صناعة وقيل الزوجة وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الأرقاء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا متكبرا فَخُوراً (36) لأنها في حق هذه الأمة فالاعتناء بها أكثر وإعادة الباء تدل على زيادة التأكيد، فناسب ذلك هنا بخلاف آية البقرة فإنها في حق بني إسرائيل، والمراد بهذه الجملة الأمر بالإحسان، وإن كانت خبرية كقوله:\rفَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: 18 و83] اهـ سمين.\rقوله: (برا ولين جانب) بأن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما، ويسعى في تحصيل مرادهما والانفاق عليهما بقدر القدرة اهـ خازن.\rقوله: (القريب منك) الظاهر منكم لأن الخطاب للجمع. قوله: (الجوار أو النسب) أي أو الوالدين، فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب» رواه البزار وغيره اهـ قاري.\rقوله: وَالْجارِ الْجُنُبِ الجنب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع مذكرا كان أو مؤنثا اهـ سمين.\rقوله: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يجوز في الباء وجهان، أحدهما: أن تكون بمعنى في، والثاني:\rأن تكون على بابها، وهو الأول. وعلا كلا التقديرين فتتعلق بمحذوف لأنها حال من الصحاب اهـ سمين.\rومعناها الملابسة أي والصاحب حالة كونه ملتبسا بالجنب أي بالقرب بجنبه.\rقوله: (الرفيق في سفر الخ) عبارة أبي السعود: أي الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك وحصل بجانبك ومنهم من قعد بجنبك في مسجد أو مجلس أو غير ذلك مع أدنى صحبة بينك وبينه، انتهت.\rقوله: (و قيل الزوجة) هو قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الدر عن زيد بن أسلم هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر وامرأتك التي تضاجعك اهـ قاري.\rقوله: (المنقطع في سفره) أي للحج أو الغزو أو مطلقا، والأظهر أن المسافر من غير قيد الانقطاع أو المراد الضعيف اهـ قاري.\rقوله: (من الأرقاء) أي الاماء والعبيد، وقيل أعم فيشمل الحيوانات من عبيد واماء وغيرهم، فالحيوانات غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان من الأرقاء، فغلب جانب الكثرة، وأمر اللّه بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره اهـ قاري.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ الخ علة لمحذوف وتقديره ولا تفتخروا عليهم لأن اللّه الخ. قوله: مَنْ","part":2,"page":51},{"id":590,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 52\rعلى الناس بما أوتي\rالَّذِينَ فضله مبتدأ يَبْخَلُونَ بما يجب عليهم وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ به وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من العلم والمال وهم اليهود وخبر المبتدأ لهم وعيد شديد وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ بذلك وبغيره عَذاباً مُهِيناً (37) ذا إهانة\rوَالَّذِينَ عطف على الذين قبله يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ مرائين لهم وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا كانَ مُخْتالًا المختال اسم فاعل من اختال يختال أي تكبر وأعجب بنفسه وألفه منقلبة عن ياء، والفخر عد مناقب الإنسان ومحاسنه وفخور صيغة مبالغة اهـ سمين.\rوفي المصباح: وسميت الخيل خيلا لاختيالها وهو إعجابها بنفسها مرحا، ومنه يقال اختال الرجل وبه خيلاء وهو الكبر والإعجاب اهـ.\rوفيه أيضا: فخرت به فخرا من باب نفع وافتخرت به مثله، والاسم الفخار وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك إما في المتكلم أو في آبائه اهـ.\rقوله: (متكبرا) أي يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ومماليكه أو لا يلتفت إليهم اهـ قاري.\rقوله: (بما أوتي) أي من العلم وغيره. قوله: (مبتدأ) أي وبدل من قوله من كان، والأظهر أنه منصوب أو مرفوع ذما أي هم الذين أو مبتدأ خبره محذوف تقديره الذين يبخلون بما منحو به وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد: 24] به اهـ شيخنا.\rوفي البخل أربع لغات: فتح الباء والخاء وبها قرأ حمزة والكسائي، وبضمهما، وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح الباء مع سكون الخاء وبها قرأ قتادة وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء، وبها قرأ جمهور الناس اهـ سمين.\rقوله: (و المال) فيه أن كتمان المال ليس مذموما في نفسه مع أن ذم البخل علم مما تقدم اهـ قاري.\rقوله: (و هم اليهود) فكانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم على محمد، فإنا نخشى عليكم الفقر، وقيل الذين كتموا نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ قاري.\rقوله: (لهم وعيد شديد) أو أحقاء بكل ملامة أو معذبون أو كافرون. وقوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ دال عليه اهـ قاري.\rقوله: وَأَعْتَدْنا أي لهم فوضع الظاهر موضع المضمر اشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة اللّه، ومن كان كافرا بنعمته فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. وفي الحديث كما رواه أحمد في مسنده: «إذا أنعم اللّه على عبده نعمة أحب أن يظهر أثرها عليه» اهـ كرخي.\rفتخلص أن الكافرين بمعنى الجاحدين، وأن اسم الإشارة راجع لما في قوله ما آتاهم اللّه من فضله، وعبارة الخازن: يعني الجاحدين نعمة اللّه عليهم اهـ.\rقوله: (عطف على الذين قبله) ويجوز أن يكون عطفا على الكافرين بناء على إجراء التغاير الوصفي مجرى التغاير الذاتي اهـ كرخي.","part":2,"page":52},{"id":591,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 53\rبِالْيَوْمِ الْآخِرِ كالمنافقين وأهل مكة وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً صاحبا يعمل بأمره كهؤلاء فَساءَ بئس قَرِيناً (38) هو\rوَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي ضرر قوله: (مرائين لهم) أشار به إلى أن رئاء حال من فاعل ينفقون يعني أن رئاء مصدر واقع موقع الحال أي مرائين، فرئاء مصدر مضاف إلى المفعول، ويجوز أن يكون مفعولا لأجله لينفقون اهـ سمين.\rقوله: وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كررت لا فيه وكذلك الباء اشعارا بأن الإيمان بكل منهما منتف على حدثه، فلو قلت لا أضرب زيدا وعمرا احتمل نفي الضرب على المجموع، ولا يلزم منه الضرب عن كل واحد على انفراده، واحتمل نفيه عن كل واحد بانفراده. فإذا قلت: ولا عمرا تعين هذا الثاني اهـ سمين.\rقوله: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً لما ذكر الأوصاف المتقدمة من البخل والأمر به، والكتمان والإنفاق رئاء الناس، وعدم الإيمان باللّه واليوم الآخر ذكر سببها الذي تنشأ عنه وهو مقارنة الشيطان ومخالطته وملازمته للمتصفين بالأوصاف المتقدمة كما يؤخذ من النهر لأبي حيان اهـ شيخنا.\rقوله: (كهؤلاء) أي المنافقين، وأهل مكة الموصوفين بالصفات الخمسة. قوله: فَساءَ قَرِيناً ساء عنا بمعنى بئس وهي لا تتصرف ولذلك دخلت الفاء في جواب من الشرطية، وقرينا تمييز مفسر للضمير المستكن في ساء على مذهب البصريين، والمخصوص بالذم محذوف تقديره أي الشيطان وذريته، والظاهر أن هذه المقارنة في الدنيا اهـ أبو حيان.\rوالقرين المصاحب الملازم وهو فعليل بمعنى مفاعل كالخليط والجليس، والقرين الحبل، لأنه يقرن به بين البعيرين اهـ سمين.\rوفي الخازن: يعني من يكن الشيطان صاحبه وخليله فبئس الصاحب وبئس الخليل الشيطان، وإنما اتصل الكلام هنا بذكر الشياطين تقريبا لهم على طاعة الشيطان، والمعنى من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله، وقيل هذا في الآخرة يجعل اللّه الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطانا في سلسلة في النار اهـ.\rقوله: (أي ضرر عليهم) أي على ذكر من الطوائف فالمجموع من ما وذا كلمة استفهام بمعنى أي ضرر ووبال فهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة، وقوله في ذلك أي فيما ذكر من الإيمان والإنفاق وقوله لا ضرر فيه أي في ذلك، وتقديم الإيمان بهما لأهميته في نفسه ولعدم الاعتداء بالانفاق بدونه، وأما تقديم انفاقهم رئاء الناس على عدم إيمانهم بهما مع كون المؤخر أقبح من المقدم، فلرعاية المناسبة بين انفاقهم كذلك، وبين ما قبله بخلهم، وأمرهم للناس به اهـ أبو السعود.\rوقوله: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي ابتغاء لوجه اللّه، وإنما لم يصرح به تعويلا على التفصيل السابق واكتفاء بذكر الإيمان باللّه واليوم الآخر، فإنه يقتضي أن يكون الإنفاق لابتغاء وجه اللّه وطلب ثوابه اهـ ملخصا من أبي السعود.","part":2,"page":53},{"id":592,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 54\rعليهم في ذلك والاستفهام للإنكار ولو مصدرية أي لا ضرر فيه وإنما الضرر فيما هم عليه وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) فيجازيهم بما عملوا\rإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أحدا مِثْقالَ وزن ذَرَّةٍ أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته وَإِنْ تَكُ الذرة حَسَنَةً من مؤمن وفي قراءة بالرفع فكان تامة يُضاعِفْها من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة يضعفها بالتشديد وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أي من عنده مع المضاعفة أَجْراً عَظِيماً (40) لا يقدره أحد\rفَكَيْفَ قوله: (و لو مصدرية) أي والكلام على تقدير حرف الجر، وهو في داخلا على المصدر المقدر تقديره، وماذا عليهم في إيمانهم وقد أشار لذلك الشارح بقوله فيه. وصرح به أبو السعود ونصه: وماذا عليهم أي وما الذي عليهم، أو وأي تبعة ووبال في الإيمان باللّه والإنفاق في سبيله اهـ.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة، لأنه تعالى لما أمر بعبادة اللّه وبالإحسان للوالدين ومن ذكر معهم، ثم أعقب ذلك بذم البخل والأوصاف المذكورة معه، ثم وبخ من لم يؤمن ولم ينفق في طاعة اللّه، فكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات، فأخبر تعالى بصفة عدله، وأنه تعالى لا يظلم أدنى شيء، ثم أخبر بصفة الإحسان فقال: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وظلم يتعدى لواحد وهو محذوف تقديره لا يظلم أحدا مثقال ذرة وينتصب مثقال على أنه نعت لمصدر محذوف أي ظلما وزن ذرة كما تقول: لا أظلم قليلا ولا كثيرا، وقيل ضمن معنى ما يتعدى لاثنين فانتصب مثقال على أنه مفعول ثان، والأول محذوف. والتقدر لا ينقص أو لا يغضب أو لا يبخس أحدا مثقال ذرة من الخير أو الشر اهـ أبو حيان.\rقوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً حذفت منه النون من غير قياس تشبيها بحرف العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال، وقال الزجاج: الأصل في تك تكون فسقطت الضمة للجزم والواو لسكونها وسكون النون، وأما سقوط النون فلكثرة الاستعمال تشبيها بحروف اللين لأنها ساكنة فحذفت استخفافا اهـ كرخي.\rقوله: يُضاعِفْها أي يضاعف ثوابها، لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مما لا يعقل، وعلى هذا حمل خبر أن الثمرة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل، للقطع بأن الثمرة أكلت ولم ترب على أن الحسنة هي التصديق بها لا نفسها. نبه عليه السعد التفتازاني اهـ كرخي.\rقوله: وَيُؤْتِ أي ويعط صاحبها من عنده على نهج التفضل زائدا على ما وعده في مقابلة العمل اهـ أبو السعود.\rوإنما سماه أجرا لأنه تابع للأجر مزيد عليه اهـ.\rقوله: مِنْ لَدُنْهُ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بيؤت ومن للابتداء مجازا. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من أجرا فإنه نكرة في الأصل قدم عليها فانتصب حالا اهـ سمين.\rقوله: (لا يقدره أحد) أي يقدره أحد بقدر لعظمته. وفي المصباح: قدرت الشيء قدرا من بابي ضرب وقتل وقدرته تقديرا بمعنى والاسم القدر بفتحتين، وقوله: فاقدروا له أي قدروا عدد الشهر وقدر","part":2,"page":54},{"id":593,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 55\rحال الكفار إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يشهد عليها بعملها وهو نبيّها وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41)\rيَوْمَئِذٍ يوم المجيء يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ أي أن تُسَوَّى بالبناء للمفعول وللفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ومع إدغامها في السين اللّه الرزق يقدره بالضم ويقدره بالكسر وهو أفصح اهـ.\rقوله: فَكَيْفَ فيها ثلاثة أقوال.\rأحدها: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فكيف حالهم أو صنعهم، والعامل في إذا هو هذا المقدر.\rوالثاني: أنها في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يكونون أو يصنعون، ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه أو على التشبيه بالظرف كما هو مذهب الأخفش، وهو العامل في إذا أيضا.\rالثالث: حكاه ابن عطية عن مكي أنها معمولة لجئنا، وهذا غلط فاحش اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: فكيف حال الكفار إشارة إلى أن كيف خبر مبتدأ محذوف، وإذا ظرف لذلك المحذوف والمعنى يشتد حال الكفار ويهول وقت مجيئنا على هؤلاء أي الذين كذبوا الأنبياء اه\rقوله: (حال الكفار) أي من اليهود والنصارى وغيره اهـ قاري.\rقوله: (يشهد عليها بعملها) أي يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم اهـ.\rقوله: (على هؤلاء) أي الأنبياء، أو جميع الأمم، أو المنافقين، أو المشركين. وقيل: على المؤمنين لقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143] اهـ قاري.\rوفي الكرخي: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً وذلك بأن تشهد للأنبياء أنهم بلغوا لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعك لجميع قواعدهم اهـ.\rقوله: (يوم المجيء) أي فتنوينه عوض من الجملة السابقة اهـ كرخي.\rقوله: وَعَصَوُا الرَّسُولَ أي أمره. قوله: (أي أن) أشار به إلى أن مصدرية فهي وما بعده في محل مفعول يود ولا جواب لها حينئذ اهـ كرخي.\rقوله: (بالبناء للمفعول) أي بضم التاء وفتح السين مخففة، وقوله مع حذف إحدى التاءين في الأصل هذه قراءة ثانية، وقوله ومع إدغامها في السين أي ومع قلبها أي التاء الثانية سينا وإدغامها في السين هذه قراءة ثالثة. وقد ذكر الثلاثة السمين، ونصه: قرأ أبو عمر، وابن كثير وعاصم بضم التاء وتخفيف السين مبنيا للمفعول، وقرأ حمزة، والكسائي بفتحها أي التاء والتخفيف، ونافع وابن عامر فأما القراءة الأولى فمعناها أنهم يودون أن للّه تعالى يسوي بهم الأرض، إما على أن الأرض تنشق وتبتلعهم وتكون الباء بمعنى على، وإما على أنهم يودون أن لو صاروا ترابا كالبهائم، والأصل يودون أن اللّه يسويهم بالأرض، فقلب إلى هذا كقولهم أدخلت القلنسوة في رأسي، وإما على أنهم يودون لو يدفنون فيها، وهو كمعنى القول الأول، وقيل: لو تعدل بهم الأرض أي يؤخذ ما عليها منهم فدية، وأما","part":2,"page":55},{"id":594,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 56\rأي تتسوى بِهِمُ الْأَرْضُ بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم هو له كما في آية أخرى وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) عما عملوه وفي وقت آخر يكتمونه ويقولون واللّه ربّنا ما كنا مشركين\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ أي لا تصلوا وَأَنْتُمْ سُكارى من الشراب لأن القراءة الثانية فأصلها تتسوى بتاءين حذفت إحداهما، وفي الثالثة أدغمت إحداهما، ومعنى القراءتين ظاهر بما تقدم، فإن الأقوال الجارية في القراءة الأولى جارية في القراءتين الأخريين. غاية ما في الباب أنه نسب الفعل إلى الأرض ظاهر اهـ.\rقوله: وَلا يَكْتُمُونَ معطوف على قوله يود، أو تكون الواو للاستئناف والتقدير: وهم لا يكتمون اللّه اهـ. أبو حيان.\rوفي السمين: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً يجوز أن يكون معطوفا على جملة يود. أخبر تعالى عنهم بخبرين أحدهما الودادة بكذا، والثاني أنهم لا يقدرون على الكتم في مواطن دون مواطن ولو على هذا مصدرية اهـ.\rيعني أنهم يريدون الكتمان أولا فيقولون: واللّه ربنا ما كنا مشركين لكنهم تشهد عليهم الجوارح والأعضاء والزمان والمكان، فلم يستطيعوا الكتمان. واسم الجلالة منصوب على المفعول به. وفي السمين: ويكتمون يتعدى لاثنين، والظاهر أنه يصل إلى أحدهما بالحرف، والأصل: ولا يكتمون من اللّه حديثر اهـ.\rقوله: وَأَنْتُمْ سُكارى جملة حالية أي لا تقربوها في حالة السكر، لكن يرد على هذا أن السكران لا يعقل ولا يفهم فهو غير مكلف، فكيف يتوجه إليه النهي؟ وأجيب: بأن المراد قوله: وأنتم سكارى أن المعنى وأنتم في أوائل نشوة السكر بحيث أن عندكم بقية من الصحو والإدراك، أو بأن المراد أن النهي توجه إليهم قبل الشرب، والمعنى لا تسكروا في أوقات الصلاة، فقد روي أنهم كانوا بعد ما نزلت الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ذكره أبو السعود.\rقوله: (من الشراب) أي من شرب الشراب. قوله: (لأن سبب نزولها الخ) عبارة الخازن: سبب نزول هذه الآية ما روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: صنع لنا أبي عوف طعاما فدعانا فأكلنا وأسقانا خمرا قبل أن تحرم الخمر، فأخذت منا وحضرت الصلاة أي صلاة المغرب فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، قال: فخلطت فنزلت لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن صحيح اهـ.\rوالسكر لغة السد ومنه قيل لما يعرض للمرء من شرب المسكر لأنه يسد ما بين المرء وعقله، وأكثر ما يقال السكر لإزالة العقل بالمسكر، وقد يقال ذلك لإزالته بغضب ونحوه من عشق وغيره والسكر بالفتح وسكون الكاف حبس الماء، وبالسكر نفس الموضع المسدود، وأما السكر بفتحها فما يسكر به من المشروب ومنه سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: 67] اهـ سمين.","part":2,"page":56},{"id":595,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 57\rسبب نزولها صلاة جمعة في حال السكر حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ بأن تصحوا وَلا جُنُباً بإيلاج أو إنزال ونصبه على الحال وهو يطلق على المفرد وغيره إِلَّا عابِرِي مجتازي سَبِيلٍ طريق أي مسافرين حَتَّى تَغْتَسِلُوا فلكم أن تصلوا واستثناء المسافر لأن له حكما آخر سيأتي وقيل قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ حتى جارة بمعنى إلى فهي متعلقة بفعل النهي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وتقدم تحقيقه. وما يجوز فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، والعائد على هذين القولين محذوف أي تولونه أو مصدرية، فلا حذف إلا على رأي ابن السراج ومن تبعه اهـ. سمين.\rقوله: (بأن تصحوا) أي تفيقوا من السكر، وفي المصباح: صحا من سكره من باب عدا صحوا وصحوّا على فعل وفعول زال سكره اهـ.\rقوله: (و نصبه على الحال) فيه إشارة إلى أنه معطوف على قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى، فإنها جملة من مبتدأ وخبر محلها النصب على الحال من الفاعل في تقربوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا وهو السر في إعادة لا ليفيد النهي عن كل اهـ كرخي.\rقوله: (و هو يطلق على المفرد وغيره) كالمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجناب، ويقال: رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب، وامرأة جنب وامرأتان جنب ونساء جنب اهـ كرخي.\rومثله أبو حيان وهو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون فقالوا: قوم جنبون، وجمع تكسير فقالوا: قوم أجناب، وأما تثنيته فقالوا جنبان اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ فيه وجهان.\rأحدهما: أنه منصوب على الحال فهو استثناء مفرغ، والعامل فيها فعل النهي والتقدير لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا في حال السفر وعبور المسجد على حسب القراءتين. وقال الزمخشري: إلا عابري سبيل استثناء من عامة أحوال المخاطبين وانتصابه على الحال، فإن قلت: كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر وعبور السبيل عبارة عنه.\rالثاني: أنه منصوب على أنه صفة لقوله جنبا وصفه بإلا بمعنى غير، فظهر الإعراب فيما بعدها وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] كأنه قيل لا تقربوها جنبا غير عابري سبيل أي جنبا مقيمين غير معذورين. وهذا معنى واضح على تفسير العبور والسفر، وأما من قدره واضع الصلاة، فالمعنى عنه لا تقربوا المساجد جنبا إلا مجتازين لكونه لا ممر سواء أو غير ذلك بحسب الخلاف، والعبور الجواز. وقوله: حَتَّى تَغْتَسِلُوا كقول حتى تعلموا فهي متعلقة بفعل النهي اهـ سمين.\rقوله: (و استثناء المسافر) أي من النهي في قوله: ولا تقربوا. وقوله سيأتي في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ","part":2,"page":57},{"id":596,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 58\rالمراد النهي عن قربان مواضع الصلاة أي المساجد إلا عبورها من غير مكث وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يضره الماء أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ هو المكان المعد لقضاء الحاجة أي أحدث أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وفي قراءة بلا ألف وكلاهما بمعنى اللمس وهو الجس باليد قاله ابن عمر وعليه الشافعي وألحق به الجس بباقي البشرة وعن ابن عباس هو الجماع فَلَمْ تَجِدُوا ماءً تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ الخ على أن التيمم لا يرفع الحدث من حيث أنه عناه بقوله حتى تغتسلوا اهـ كرخي.\rقوله: (و قيل المراد النهي) هذا مقابل لقوله أي لا تصلوا، وعبارة الخازن: وفي المراد بالصلاة قولان، أحدهما: أنه نفس الصلاة ذات الركوع والسجود، وهو قول الأكثرين، والمعنى لا تصلوا وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. والقول الثاني: أن المراد بالصلاة موضع الصلاة وهو المسجد، وإطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتملا فيكون من باب حذف المضاف، والمعنى لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى، وحذف المضاف سائغ ويدل على ذلك قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ [الحج: 40] المراد بالصلوات مواضعها فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد موضعها جائز، انتهت.\rقوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ في محل نصب عطفا على خبر كان وهو مرضى، وكذلك قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ وقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وفيه دليل على مجيء خبر كان فعلا ماضيا من غير قد وادعاء حذفها تكلف لا حاجة إليه كذا استدل به الشيخ، ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون قوله: أو جاء عطفا على كنتم تقديره، وإن جاء أحد وإليه ذهب أبو البقاء، وهو أظهر من الأول واللّه أعلم.\rومنكم: في محل رفع لأنه صفة لأحد فيتعلق بمحذوف، وقوله: مِنَ الْغائِطِ متعلق بجاء فهو مفعول، وقرأ الجمهور من الغائط بزنة فاعل وهو المكان المطمئن من الأرض، ثم عبر به عن نفس الحدث كناية للاستحياء من ذكره. وفرقت العرب بين الفعلين منه فقالت: غاط في الأرض أي ذهب وأبعد إلى مكان لا يراه فيه إلا من وقف عليه وتغوط إذا حدث. وقرأ ابن مسعود رضي اللّه عنه: من الغيط وفيه قولان، أحدهما: وإليه ذهب ابن جني أنه مخفف من فعيل كهين وميت في هين وميت.\rوالثاني: أنه مصدر على وزن فعل يقال غاط يغيط غيطا وغاط يغوط غوطا. وقال أبو البقاء: هو مصدر نغوط، فكان القياس غوطا فقلبت الواو ياء وإن سكنت وانفتح ما قبلها لخفتها كأنه لم يطلع على أن فيه لغة أخرى من ذوات الياء حتى ادعى ذلك اهـ سمين.\rقوله: (أو محدثون) أي حدثا أصغر. قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً الفاء عطفت ما بعدها على الشرط، وقال أبو البقاء: على جاء لأنه جعل جاء معطوفا على كنتم فهو شرط عنده، والفاء في قوله:\rفَتَيَمَّمُوا هي جواب الشرط والضمير في فتيمموا لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط ولامس أو ملامس وفي تغليب للخطاب على الغيبة، وذلك أنه تقدم غيبة في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ، خطاب في كنتم ولمستم فغلب الخطاب في قوله: كنتم وما بعده عليه، وما أحسن ما أتى هنا بالغيبة لأنه كناية عما","part":2,"page":58},{"id":597,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 59\rوهو راجع إلى ما عدا المرضى فَتَيَمَّمُوا اقصدوا بعد دخول الوقت صَعِيداً طَيِّباً ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مع المرفقين منه ومسح يتعدى بنفسه وبالحرف إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43)\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا مِنَ الْكِتابِ وهم اليهود يَشْتَرُونَ يستحيا منه، فلم يخاطبهم به وهذا من محاسن الكلام ونحوه وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:\r80] ووجدنا هنا بمعنى ألفى، فيتعدى لواحد، وصعيدا مفعول به لقوله فتيمموا أي اقصدوا، وقيل هو على إسقاط حرف أي لصعيد وليس بشيء لعدم انقياسه، وبوجوهكم متعلق بامسحوا وهذه الباء يحتمل أن تكون زائدة وبه قال أبو البقاء، ويحتمل أن تكون متعدية لأن سيبويه حكى مسحت رأسه وبرأسه، فيكو من باب نصحته له وحذف الممسوح به، وقد ظهر في آية المائدة في قوله منه فحمل عليه ما هنا اهـ سمين. وقد أشار له المفسر هنا بقوله منه.\rقوله: (و هو راجع إلى ما عدا المرضى) أي أما المرضى فيتيممون مع وجود الماء إذا تضرروا به، وهذا إذا أريد عدم الوجدان الحسي ويصح أن يراد به الأعم من الحسي والشرعي، ويكون راجعا حتى للمرضى فيكون قوله: فلم تجدوا ماء كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا إذ الممنوع منه كالمفقود، فيكون قيدا في الكل اهـ كرخي.\rقوله: (فاضربوا به) إشارة إلى ركن التيمم الذي هو نقل التراب، والياء بمعنى على وقوله:\rفامسحوا بوجوهكم معطوف على هذا المقدر. قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً قال القاضي: فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم، وقضيته أن قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً كالتعليل للترخيص المستفاد مما قبله اهـ كرخي.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ كلام مستأنف مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم، والتحذير من موالاتهم، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية من المؤمنين، وتوجيهه إليه صلّى اللّه عليه وسلّم هنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل معا للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها. والرؤية هنا بصرية أي ألم تنظر إليهم فإنهم أحقاء بأن تشاهدهم وتنظمهم في سلك الأمور المشاهدة، والمراد بهم أحبار اليهود.\rوروي عن ابن عباس أنها نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي ورهطه يثبطانهم عن الإسلام. وعنه أيضا أنها نزلت في رفاعة بن زيد، ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لويا لسانهما وعاباه، والمراد بالكتاب هو التوراة أو حمله على جنس الكتاب الشامل لها شمولا أو لويا تطويل للمسافة، والمراد بالنصيب الذي أوتوه ما بين لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحقيقة الإسلام والتعبير عنه بالنصيب المنبىء عن كونه حقا من حقوقهم التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان بكمال ركاكة رأيهم، حيث ضيعوه تضييعا وتنوينه تفخيمي مؤيد للتشنيع عليهم والتعجب من حالهم، فالتعبير عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على كمال شناعتهم والإشعار بكمال ما طوى ذكره في المعاملة المحكية عنهم من الهدى الذي هو أحد العوضين. وكلمة من إما متعلقة بأوتوا أو بمحذوف وقع صفة لنصيبا مبينة لفخامته","part":2,"page":59},{"id":598,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 60\rالضَّلالَةَ بالهدى وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) تخطئوا طريق الحق لتكونوا مثلهم\rوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ منكم فيخبركم بهم لتجتنبوهم وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا حافظا لكم منهم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مانعا لكم من كيدهم\rمِنَ الَّذِينَ هادُوا قوم يُحَرِّفُونَ يغيرون الْكَلِمَ الذي أنزل اللّه في التوراة من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عَنْ مَواضِعِهِ التي وضع عليها وَيَقُولُونَ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أمرهم بشيء الإضافية إثر بيان فخامته الذاتية، أي نصيبا كائنا من الكتاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هم اليهود) أي أحبارهم. قوله: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ حال من الواو في أوتوا، أو من الموصول والمراد أنهم يختارونها على الهدى أن يتبدلونها به بعد تمكنهم منه أو حصوله لهم بإنكار نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: يأخذون الرشا ويحرفون التوراة اهـ بيضاوي.\rقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي لم يكفهم أن ضلوا في أنفسهم حتى تعلقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحق، لأنهم علموا أنهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل، فكرهوا أن يكون المؤمنين مختصين باتباع الحق، فأرادوا أن تضلوا كما ضلوا هم، كما قال تعالى:\rوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [النساء: 89] اهـ أبو حيان.\rوعبارة أبي السعود: أي لا يكتفون بضلال أنفسهم، بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته صلّى اللّه عليه وسلّم أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم الموصل إلى الحق، انتهت.\rقوله: (فيخبركم بهم) وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يردون لكم لتكونوا على حذر منهم، ومن مخالطتهم أو هو أعلم بحالهم ومآل أمرهم، والجملة لتقدير إرادتهم المذكورة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا كفى فعل ماض واللّه فاعل والباء زائدة فيه ووليا حال وكذا يقال فيما بعده. قوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي رجعوا. قوله: (قوم) يُحَرِّفُونَ يعني أن من الذين هادوا خبر مبتدأ محذوف صفته يحرفون، وقيل: بيان لأعدائكم أو صلة لينصر أي ينصركم من الذين، ولا يبعد أن تكون من بمعنى بعض فتكون مبتدأ وخبره يحرفون اهـ قاري.\rوعبار السمين: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ من الذين خبر مقدم ويحرفون جملة في محل رفع صفة لموصوف محذوف مبتدأ تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون، وحذف الموصوف بعد من التبعيضية جائز، وإن كانت الصفة فعلا كقولهم منا ظعن وما أقام أي فريق ظعن وهذا مذهب سيبويه والفارسي اهـ.\rقوله: (يغيرون) الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه اللّه فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل اللّه فيه أي عن المعنى الذي أنزل فيه اهـ بيضاوي.\rوعبارة أبي السعود: والمراد بالكلم هنا إما ما في التوراة خاصة، وإما ما هو أعم منه ومما سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصادرة عنهم في أثناء المحاورة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإن أريد به الأول كما هو رأي الجمهور فتحريفه إزالته عن مواضعه التي وضعه تعالى فيها من التوراة، كتحريفهم في","part":2,"page":60},{"id":599,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 61\rسَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت وَيقولون له راعِنا وقد نهى عن خطابه بها وهي كلمة سب بلغتهم لَيًّا تحريفا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً قدحا فِي الدِّينِ الإسلام وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا بدل وعصينا وَاسْمَعْ فقط وَانْظُرْنا نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسمر ربعة عن موضعه في التوراة بأن وضعوا مكانه آدم طوال، وتحريفهم الرجم بوضعهم بدله الجلد أو صرفه عن المعنى الذي أنزله اللّه تعالى فيه إلى ما لا صحة له بالتأويلات الزائغة الملائمة لشهواتهم الباطلة، وإن أريد به الثاني فلا بد من أن يراد بموضعه ما يليق به مطلقا سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحا كواضع ما في التوراة أو بتعيين العقل والدين كمواضع غيره اهـ.\rقوله: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ عطف على سمعنا وعصينا داخل تحت القول أي ويقولون ذلك في أثناء مخاطبته صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة وهو كلام ذو وجهين متحمل للشر بأن يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما أصلا لصمم، أو موت أي تدعو عليك بلا سمعت أو غير مسمع كلاما ترضاه، فحينئذ يجوز أن يكون نصبه على المفعولية وللخير بأن يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع مكروها كانوا يخاطبون به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استهزاء به مظهرين له عليه السّلام إرادة المعنى الأخير، وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول اهـ أبو السعود.\rقوله: (و قد نهى عن خطابه بها) أي نهى المؤمنون في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: 104] وقوله وهي كلمة سب بلغتهم. عبارة أبي السعود: وهي أيضا كلمة ذات وجهين محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا، وانتظرنا نكلمك وللشر بحملها على السب بالرعونة أي الحمق أو بإجرائها مجرى ما يشبهها من كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها، وهي راعنا كانوا يخاطبونه عليهم السّلام بذلك ينوون الشتيمة والإهانة، ويظهرون التوقير والاحترام ومصيرهم إلى مسلك النفاق اهـ.\rقوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي فتلا بها وصرفا الكلام عن نهجه إلى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا سمعت مكروها، وأجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى أنظرنا أو فتلا بها وضما لما يظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: والمعنى أنهم يفتلون الحق فيجعلونه باطلا لأن راعنا من المراعاة فيجعلونه من الرعونة، وكانوا يقولون لأصحابهم إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك، فأطلعه اللّه تعالى على خبث ضمائرهم وما في قلوبهم من العداوة والبغضاء اهـ. وليا وطعنا فيما وجهان، أحدهما:\rأنهما مفعولان من أجله ناصبهما، ويقولون الثاني: أنهما منصوبان في موضع الحال أي لاوين وطاعنين، وأصل ليا ليويا من لوى يلوي كرمى يرمي، فأدغمت الواو في الياء بعد قلبها ياء فهي مثل طي مصدر طوى يطوي وبألسنتهم، وفي الدين متعلقان بالمصدر قبلهما اهـ سمين.\rقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا أي ولو أنهم عند ما سمعوا شيئا من أوامر اللّه ونواهيه قالوا بلسان المقال، أو بلسان الحال مكان قولهم سمعنا وعصينا سمعنا وأطعنا، وإنما أعيد سمعنا مع أنه متحقق في كلامهم، وإنما الحاجة إلى وضع أطعنا موضع عصينا للتنبيه على عدم اعتباره، بل على اعتباره","part":2,"page":61},{"id":600,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 62\rانظر إلينا بدل راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما قالوه وَأَقْوَمَ أعدل منه وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم عن رحمته بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً نمحو ما فيها عدمه، كيف لا وسماعهم سماع الرد، ومرادهم بحكايته إعلام إن عصاينهم للأمر بعد سماعه والوقوف عليه، فلا بد إزالته وإقامة سماع القبول مقامه. واسمع أي لو قالوا عند مخاطبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدل قولهم اسمع غير مسمع اسمع فقط وانظرنا أي ولو قالوا ذلك بدل قولهم راعنا ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا أي لو ثبت أنهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال لكان قولهم ذلك خيرا لهم مما قالوه وأقوم أي أعدل اهـ أبو السعود.\rقوله: لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي عند اللّه وصيغة التفضيل في خيرا وأقوم إما على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناء على اعتقادهم أو بطرق التهكم وإما بمعنى اسم الفاعل اهـ أبو السعود.\rوقد أشار الجلال للاحتمال الأول بذكر المفضل عليه. قوله: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي:\rولكن لم يقولوا ذلك، واستمروا على كفرهم فخذلهم اللّه وأبعدهم بسبب كفرهم ذلك، فلا يؤمنون بعد ذلك إلا قليلا اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا قَلِيلًا (منهم) أي إلا فريقا قليلا منهم فهو مستثنى من الواو في يؤمنون، وفيه أنه كان المختار حينئذ الرفع على حد قول ابن مالك.\rوبعد نفي أو كنفي انتخب ... اتباع ما اتصل الخ\r\rوبعضهم جعله مستثنى من ضمير لعنهم، وبعضهم جعله صفة مصدر محذوف أي إلا إيمانا قليلا غير نافع وهو إيمانهم بموسى اهـ شيخنا.\rوفي السمين: تقليله هو أنهم آمنوا بالتوحيد وكفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وشريعته، وعبّر الزمخشري وابن عطية عن هذا القيل بالعدم يعني أنهم لا يؤمنون البتة اهـ.\rقوله: (كعبد اللّه بن سلام) أي وكعب الأحبار اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هم اليهود كما أشار له الجلال بقوله من التوراة وصرح به الخازن، فلما ذكر تعالى أنواعا من مكرهم أمرهم بالإيمان وقرن به الوعيد، وإنما قال: أوتوا الكتاب دون أوتوا نصيبا كسابقه، لأن المقصود فيما سبق بيان خطئهم في التحريف، وهو إنما وقع في بعض التوراة، والمقصود هنا بيان خطئهم في عدم إيمانهم بالقرآن وهو مصدق لجميع التوراة فناسب التعبير هنا بإيتائهم الكتاب اهـ شيخنا.\rقوله: مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ معنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد، وللدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش، وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والإعصار، فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هو على الموافقة من حيث إن كلّا منها حق بالإضافة إلى عصره متضمن الحكمة التي عليها يدور فلك التشريع، حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق","part":2,"page":62},{"id":601,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 63\rمن العين والأنف والحاجب فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعلها كالأقفاء لوحا واحدا أَوْ نَلْعَنَهُمْ نمسخهم قردة كَما لَعَنَّا مسخنا أَصْحابَ السَّبْتِ منهم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قضاؤه مَفْعُولًا (47) ولما نزلت أسلم عبد اللّه بن سلام فقيل كان وعيدا بشرط فلما أسلم بعضهم رفع وقيل يكون المتقدم قطعا، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً متعلق بالأمر مفيد للمسارعة إلى امتثاله والجد في الانتهاء عن مخالفته بما فيه من الوعيد الشديد الوارد على أبلغ وجه وآكده، حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة، ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيها على أن ذلك أمر محقق غني عن الأخبار به على شرف الوقوع، متوجه نحو المخاطبين. وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل للخطب، وفي إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان وأصل الطمس محو الآثار وإزالة الأعلام أي آمنوا من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونزيل آثارها. قال ابن عباس: نجعلها كخف البعير، أو كحافر الدابة، وقال قتادة والضحاك: نعميها كقوله تعالى: لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [يس: 66] وقيل: نجعلها منابت الشعر كوجوه القردة فنردها على أدبارها فنجعلها على هيئة أدبارها وأقفائها، مطموسة مثلها فالفاء للتسبب، أو ننكسها بعد الطمس فردها إلى موضع الاقفاء والاقفاء إلى موضعها، وقد اكتفى بذكر أشدهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (نمحو ما فيها) أشار به إلى تقدير مضاف أي صور وجوه، وقوله: (من العين الخ) أي للجنس، وعبارة أبي حيان: من العينين والحاجبين والأنف والفم اهـ.\rقوله: (فنجعلها كالاقفاء) بالمد على حد قوله:\rوغير ما أقعد فيه مطرد ... من الثلاثي الخ فهو جمع\r\rفهو جمع قفا بالقصر وهو قياسي، ويجمع أيضا على قفي بضم القاف وكسرها على حد قوله:\rكذلك ذا وجهين جا الفعول الخ\rوأما جمعه على أقفية فغير قياسي، وإنما هو جمع الممدود ككساء ورداء وأردية اهـ شيخنا.\rقوله: (فقيل كان وعيدا بشرط الخ) عبارة أبي السعود، وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة؟ فقيل: بوقوعه في الدنيا، ويؤيده ما روي أن عبد اللّه بن سلام لما قدم من الشأم وقد سمع بهذه الآية أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله، وقال: يا رسول اللّه وما كنت رأى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي، وفي رواية جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويده على وجهه وأسلم وقال ما قال وكذا ما روي أن عمر رضي اللّه عنه قرأ هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب الأحبار: يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها، ثم اختلفوا. فقيل: إنه منتظر بعد ولا بد من طمس في اليهود ومسخ وهو قول المبرد، وقيل إن وقوعه كان مشروطا بعدم الإيمان، وقد آمن من أحبارهم المذكوران وأضرابهما فلم يقع، وقيل كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ [النساء: 47] فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع الثاني، كيف لا وهم ملعونون بكل","part":2,"page":63},{"id":602,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 64\rطمس ومسخ قبل قيام الساعة\rإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ أي الإشراك بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ سوى ذلِكَ من الذنوب لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له بأن يدخله الجنة بلا عذاب ومن شاء عذبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً ذنبا عَظِيماً (48) كبيرا\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ وهم اليهود حيث قالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه أي ليس الأمر بتزكيتهم لسان في كل زمان، وقيل إنما كان الوعيد بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها لا محالة أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع وأيّا ما كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات مراعاة المشاكلة بينها وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير، واللّه هو العليم الخبير اهـ بحروفه.\rقوله: (بشرط) وهو عدم إيمان أحد منهم. قوله: (و قيل يكون) أي يوجد قبل قيام الساعة أي في زمن نزول عيسى كما في الكازروني اهـ.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان ببيان استحالة المغفرة بدونه، فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة كما في قوله تعالى، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الأعراف: 169] ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى أي على التحريف، ويقولون سيغفر لنا. والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوليا، فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار اهـ أبو السعود.\rواعلم أن اللّه تعالى لما هدد اليهود بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، فعند ذلك قالوا لسنا مشركين بل نحن من خواص اللّه تعالى كما حكى تعالى عنهم أنهم قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، وحكى عنهم أنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وبعضهم كان يقول:\rإن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا اهـ من الفخر.\rقوله: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ عطف على النفي فهو مثبت وقوله: ما دون ذلك أي الإشراك المفهوم من يشرك، وقوله: من الذنوب بيان لما. قوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ إظهار في موضع الإضمار لإدخال الروع. قوله: فَقَدِ افْتَرى أي فعل لأن الافتراء كما يطلق على القول حقيقة يطلق على الفعل مجازا كما صححه السعد التفتازاني اهـ كرخي.\rقوله: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ أي يمدحونها. قوله: (و هم اليهود) وقيل: هم النصارى، لأن هذه المقالة لهما اهـ.\rقوله: (أي ليس الأمر الخ) أشار به إلى أن الاستفهام انكاري اهـ كرخي.\rوفيه لو كان إنكاريا مع كونه داخلا على أداة النفي لكان المعنى على الإثبات مع أن الشارح فسره بالنفي، ففي صنيعه تساهل، والأولى أنه استفهام تعجب أي إيقاع المخاطب وحمله على التعجب، كما ذكره أبو السعود ونصه: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم تعجيب من حالهم المنافية لما هم عليه من الكفر والطغيان، والمراد بهم اليهود والذين يقولون: نحن أبناء اللّه وأحباؤه أي انظر إليهم تتعجب من","part":2,"page":64},{"id":603,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 65\rأنفسهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي يطهر مَنْ يَشاءُ بالإيمان وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون من أعمالهم فَتِيلًا (49) قدر قشرة النواة\rانْظُرْ متعجبا كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بذلك وَكَفى بِهِ إِثْماً ادعائهم أنهم أزكياء عند اللّه تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم، أو من إدعائهم التكفير مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفيه تحذير من إعجاب المرء بنفسه وعمله اهـ.\rقوله: (أي ليس الأمر بتزكية أنفسهم) أي ليس الاعتبار بتزكيتهم أنفسهم أي أنها لا تعتبر ولا تفيد، وأشار بهذا إلى أن قوله: بل يزكي من إضراب عن مقدرة. وعبارة البيضاوي: بل اللّه يزكي من يشاء، تنبيه على أن تزكية اللّه تعالى هي المعتد بها دون تزكيتهم أنفسهم اهـ.\rقوله: (بالإيمان) أي وغيره وخصه لأنه الأشرف اهـ.\rقوله: (ينقصون من أعمالهم) أي الصالحة، فهو راجع لمن زكاهم اللّه. أي فهم يثابون ولا يظلمون الخ، فهو عطف على مقدر كما تقدم، والضمير في يظلمون راجع لمن في من يشاء باعتبار معناها، فهو نظير إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وقيل: بل هو راجع لقوله يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ، فيقدر فإنه يعاقبون ولا يظلمون الخ، أو أنه راجع لهما وكلام الجلال أظهر لأنه بجانبه كما في السمين. وفي أبي السعود: أن الثاني أولى لأن الكلام في الوعيد اهـ شيخنا.\rونصه: لا يظلمون عطف على جملة قد حذفت تعويلا على دلالة الحال عليها وإيذانا بأنها غنية عن الذكر.\rأي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة، ولا يظلمون في ذلك العقاب فَتِيلًا أي أدنى ظلم وأصغره وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في القلة والحقارة، وقيل: التقدير يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلا ولا يساعده مقام الوعيد اهـ.\rقوله: (قدر قشرة النواة) إشارة إلى تقدير المضاف وتفسير الفتيل بما ذكر سبق قلم، فإن هذا هو القطمير وأما الفتيل فهو الذي في شق النواة طولا، وقيل ما يفتل من الوسخ بين الأصابع بمعنى مفتول، والنقير النقرة في ظهر النواة تنبت منها النخلة، والثلاثة في القرآن تضرب أمثالا للقلة اهـ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والفتيل خيط رقيق في شق النواة يضرب به المثل في القلة، وقيل: هو ما خرج من بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ حين تفتله بهما فعيل بمعنى مفعول، وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء، اجتمعت في النواة، وهي الفتيل والنقير وهو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة واردة في الكتاب العزيز، واليعروف وهو ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما اهـ.\rقوله: كَيْفَ يَفْتَرُونَ أي يختلفون كما في المختار، وكيف منصوب على التشبيه بالظرف أو على الحال، والكذب مفعول به أو مفعول مطلق، لأنه يلاقي العامل في المعنى لأن الافتراء والكذب متقاربان معنى أو معناهما واحد. قوله: (بذلك) أي قولهم السابق. قوله: وَكَفى بِهِ أي بالافتراء وحده، وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، وقوله إنما تمييز، والمعنى وكفى بذلك وحده في كونهم أشد إثما من كل كفار أثيم، أو في استحقاقهم لأشد العقوبات اهـ أبو السعود.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 5","part":2,"page":65},{"id":604,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 66\rمُبِيناً (50) بينا. ونزل في كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر وحرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ صنمان لقريش وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أبي سفيان قوله: (و نزل في كعب بن الأشرف الخ) عبارة الخازن نزلت في كعب بن الأشرف، وسبعين راكبا من اليهود قدموا مكة بعد وقعة بدر، ليحالفوا قريشا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزل باقي اليهود على قريش في دورهم فقال لهم: أنتم أهل الكتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، ففعلوا ذلك، فذلك قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. قال كعب بن الأشرف لأهل مكة: ليأت منكم ثلاثون رجلا ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن في قتال محمد ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف:\rإنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى سبيلا نحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرض عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن من أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحادث، فقال كعب: بل أنتم واللّه أهدى سبيلا مما عليه محمد، فأنزل اللّه تعالى: أَلَمْ تَرَ يعني إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يعني كعب بن الأشرف وأصحابه اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني سجودهم للصنمين، واختلف العلماء فيهما فقيل: الجبت والطاغوت كل معبود دون اللّه عز وجل، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش، وقيل: الجبت اسم للأصنام والطاغوت شياطين الأصنام، ولكل صنم شيطان يعبر فيه ويكلم الناس فيغتروا بذلك، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر اهـ بحروفه.\rقوله: (ثأرهم) في المصباح الثأر بالهمز، ويجوز تخفيفه يقال ثأرت القتيل وثأرت به من باب نفع إذا قتلت قاتله اهـ.\rوفي القاموس: الثأر الدم والطلب وثأر به كمنع طلب دمه، وقتل قاتله وأثأره أدرك ثأره اهـ.\rقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ فيه وجهان:\rأحدهما: أنه حال إما من الذين وإما من الواو في أوتوا بالجبت متعلق به ويقولون عطف عليه وللدين متعلق بيقولون، واللام إما للتبليغ وإما للعلة كنظائرها، وهؤلاء أهدى مبتدأ وخبر في محل نصب بالقول وسبيلا تمييز.\rوالثاني: أن يؤمنون مستأنف وكأنه تعجيب من حالهم إذ كان ينبغي لمن أوتي نصيبا من الكتاب ألّا يفعل شيئا مما ذكر فيكون جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل ألا تعجب من حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب؟ فقيل: وما حالهم؟ فقال: يؤمنون ويقولون، وهذان منافيان لحالهم اهـ سمين.\rومعنى إيمانهم بالجبت والطاغوت سجودهم لهما كما تقدم عن الخازن. قوله: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي لأجلهم أو في شأنهم والقائل كعب، لكن لما أقره الباقون صاروا كأنهم قائلون اهـ شيخنا.","part":2,"page":66},{"id":605,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 67\rوأصحابه حين قالوا لهم أنحن أهدى سبيلا ونحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني ونفعل أم محمد وقد خالف دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم هؤُلاءِ أي أنتم أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أقوم طريقا\rأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ ه اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) مانعا من عذابه\rأَمْ بل ألَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أي ليس لهم شيء منه ولو كان فَإِذاً لا قوله: (و نحن ولاة البيت) جمع وال أي نتولى أمره بالخدمة ونقري الضيف بوزن نرمي أي نحسن إليه كما في المختار أي نكرمه، ونقدم له القرى، والعاني: الأسير اهـ شيخنا.\rقوله: (و نفعل) أي نفعل غير ما ذكر من الأمور الجميلة المستحسنة. قوله: (أي أنتم) أي فالقول بالمشافهة، والأظهر أنه حكاية بالمعنى أي لأجلهم، وفي شأنهم، وهؤلاء إشارة إليهم اهـ قاري.\rويمكن أن كلام الجلال حل معنى فلا اعتراض عليه اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ الخ استئناف لبيان حالهم وما يصيرون إليه قوله: (و من يلعنه اللّه) في تقدير الشارح هذا الضمير المنصوب تغيير للفظ القرآن، فإن آخر الفعل في القرآن محرك بالكسر لالتقاء الساكنين وساكن على تقدير الشارح وفي بعض النسخ وعدم تقدير الضمير وهو ظاهر. قوله: (مانعا) أشار به إلى أن نصيرا بمعنى ناصرا. وفي الآية وعد للمؤمنين بأنهم المنصورون عليهم، فإن المؤمنين بضد هؤلاء، فهم الذين قربهم اللّه ومن يقربه اللّه فلن تجد له خاذلا كما تقدم في: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً [النساء: 45] اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ بل لَهُمْ نَصِيبٌ الخ ذم لهم بالبخل بعد أن ذمهم بالجهل لعدم جريهم على مقتضى العلم، وسيأتي ذمهم بالحسد والاول فوة عملية والثاني علمية، والأول مقدم كما بينه الفخر، وقوله:\rنَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أي لأنهم ادعوا أنه سيصير إليهم اهـ شيخنا.\rوعبار أبي السعود: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ شروع في تفصيل بعد آخر من قبائحهم وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقال من ذمهم بتزكيتهم أنفسهم وغيرها مما حكي عنهم إلى ذمهم بادعائهم نصيبا من الملك، وبخلهم المفرط، وشحهم البالغ، والهمزة لإنكار أن يكون لهم ما يدعونه وإبطال ما زعموا أن الملك سيصير إليهم، وقوله فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً بيان لعدم استحقاقهم له، بل لاستحقاقهم الحرمان منه بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أتوا شيئا من ذلك لما أعطوا الناس من أقل قليل، ومن حق من أوتي الملك أن يؤثر الغير بشيء منه، فالفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف أي أن جعل لهم نصيب منه، فإذا لا يؤتون الناس مقدار نقير وهو ما في ظهر النواة من النقرة يضرب به المثل في القلة والحقارة. وهذا هو البيان الكاشف عن حالهم، وإذا كان شأنهم كذلك وهم ملوك فما ظنك بهم وهم أذلاء متفارقون انتهت بالحرف.\rقوله: (أي ليس لهم شيء) إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري ردا عليهم في قولهم نحن أولى منه بالنبوة والملك.\rوعبارة الخازن: وذلك أن اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة اهـ. أي من حيث أن","part":2,"page":67},{"id":606,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 68\rيُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أي شيئا تافها قدر النقرة في ظهر النواة لفرط بخلهم\rأَمْ بل أيَحْسُدُونَ النَّاسَ أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من النبوة وكثرة النساء أي يتمنون زواله عنه ويقولون لو كان نبيا لاشتغل عن النساء فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ جده كموسى وداود وسليمان النبوة كانت في بني إسرائيل، وكان فيهم الملك فطمعوا أن تعود فيهم النبوة وتعود الملوك منهم.\rقوله: فَإِذاً لا يُؤْتُونَ إذا حرف جواب وجزاء الشرط مقدرا ورفع الفعل بعدها وإن كان مرجوحا في النحو، لأن القراءة سنّة متبعه وقرئ شاذا على الأرجح بحذف النون اهـ شيخنا.\rقوله: (قدر النقرة الخ) هي التي تنبت. منها النخلة أي قدر ما يملؤها اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ بيان للصفة الثالثة القبيحة وهي الحسد وهي أقبح مما قبلها، لأن البخل منع لما في أيديهم، والحسد منع لما عند اللّه واعتراض عليه، والاستفهام للإنكار أي لا ينبغي ذلك، وقد علل هذا النفي بقوله: فَقَدْ آتَيْنا الخ أي فكما لم تحسدوا من قبله فليكن هو مثلهم وبل التي في ضمن أم للانتقال من توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو سر الرذائل وأقبحها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي النبي) أي فهو عام أريد به الخصوص، وأطلق عليه لفظ الناس لأنه جمع الخصال الحميدة التي تفرقت في الناس على حد القائل:\rأنت الناس كل الناس أيها الرجل\rوليس على اللّه بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\r\rاه شيخنا.\rقوله: (من النبوة) هذا يقتضي أنهم اعترفوا بنبوته حتى حسدوه عليها، وتمنوا زوالها عنه، قوله:\rويقولون لو كان نبيا الخ يقتضي أنهم لا يعترفون له بها ففي كلامه تدافع، وقوله: وكثرة النساء أي لأنه قد جمع له تسع في آن واحد، وعبارة الخازن: والمراد بالفضل النبوة، لأنها أعظم المناصب وأشرف المراتب. وقيل: حسدوه على ما أحل اللّه له من النساء، وكانت له يومئذ تسع نسوة، فقالت اليهود: لو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن الاهتمام بأمر النساء، فأكذبهم اللّه تعالى ورد عليهم بقوله: فَقَدْ آتَيْنا الخ. قوله: (أي يتمنون أمر زواله) أي الفضل عنه أي عن الناس. قوله: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ تعليل للإنكار والاستقباح والزام لهم بما هو مسلم عندهم وحسم لمادة حسدهم واستبعادهم المبين على توهم عدم استحقاق المحسود ما أوتيه من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر، وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لاظهار كمال العناية بالأمر. والمعنى أن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان، فإنا قد آتينا من قبل هذا آل إبراهيم الذين هم أنبياء أسلافهم، وأبناء أعمام لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم الكتاب والحكمة أي النبوة وآتيناهم مع ذلك ملكا عظيما لا يقادر قدره، فكيف يستبعدون نبوته عليه السّلام ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام التفضيل مع الإشعار بما بين النبوة والملك من المغايرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (جده) بالجر تفسير لإبراهيم، والضمير له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد الجد الأعلى، كما في أبي حيان،","part":2,"page":68},{"id":607,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 69\rالْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ النبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فكان لداود تسع وتسعون امرأة ولسليمان ألف ما بين حرة وسرية\rفَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ أعرض عَنْهُ فلم يؤمن وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) عذابا لمن لا يؤمن\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ندخلهم ناراً يحترقون فيها كُلَّما نَضِجَتْ احترقت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بأن تعاد إلى حالها الأول غير وآل إبراهيم وهم ذريته وهم أولاد أعمامه صلّى اللّه عليه وسلّم كإسحاق اهـ شيخنا.\rقوله: وَآتَيْناهُمْ أي آتينا بعضهم كداود وسليمان ويوسف، وقوله ملكا الملك إما ظاهرا وباطنا، وهو ملك الأنبياء، وإما ظاهرا فقط وهو ملك السلاطين، وإما باطنا فقط وهو ملك العلماء كما في الفخر اهـ شيخنا والثلاثة كانت في بني إسرائيل.\rقوله: (تسع وتسعون امرأة) عبارة غيره مائة، وذلك لأنه أخذ زوجة وزيره بعد موته. قوله: (ما بين حرة وسرية) فالأحرار ثلاثمائة والباقي وهو سبعمائة سراري اهـ شيخنا.\rقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ أي فمن اليهود لأجل قوله من آمن به أي بمحمد فهو تفريع على أصل القصة في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، وقوله: من آمن به كعبد اللّه بن سلام وأصحابه، وقوله وكفى بجهنم الخ يرجع لقوله: من صدّ عنه وهو إشارة لقياس طويت فيه الكبرى أن هؤلاء صدوا عنه ومن صد عنه كفى بجهنم سعيرا له ينتج هؤلاء كفى بجهنم سعيرا لهم، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ تقرير لهذا وبيان لكيفية عذابهم وعذاب جميع من كفر اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَفى بِجَهَنَّمَ كفى فعل ماض وبجهنم فاعله على زيادة الباء فيه وسعيرا تمييز أو حال.\rقوله: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ قد تقدم الكلام على كلما، وأنها ظرف زمان والعامل فيها بدلناهم، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المنصوب في نصليهم، ويجوز أن تكون صفة لنارا، والعائد محذوف أي كلما نضجت فيها جلودهم وليذوقوا متعلق ببدلناهم اهـ سمين.\rقوله: بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها روي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي اللّه عنه فقال للقارئ:\rأعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل، فقال معاذ عند تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر:\rهكذا سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول، وقال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم، قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا. وروى أبو هريرة، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع». وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام» والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق ليس لبيان قلته، بل لبيان أن إحساسهم بالعذاب في كل مرة كإحساس الذائق المذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث أن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيرا أو على سرايته للباطل، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه مع إبقاء أبدانهم على حالها مصونة عن الاحتراق أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق، ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة من التألم والعذاب مع صيانة بدنها عن الاحتراق اهـ أبو السعود.\rقوله: (بأن تعاد إلى حالها الأول غير محترقة) أي فالمراد تبدل الصفة لا الذات كما في قوله","part":2,"page":69},{"id":608,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 70\rمحترقة لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليقاسوا شدّته إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يعجزه شيء حَكِيماً (56) في خلقه\rوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض وكل قذر وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) دائما لا تنسخه شمس هو ظل الجنة\r* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ أي ما اؤتمن عليه من الحقوق إِلى أَهْلِها نزلت لما أخذ علي تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: 48] فلا يرد أن يقال كيف تعذب جلود لم تعص، والحاصل أن غير هنا لنفي الصفة، فإنها تتبدل في ساعة مائة وعشرين مرة من غير مادتها نحو الماء الحار غيره إذا كان باردا، ولعل هذا هو الحكمة في تبديل الجلد مع قدرته تعالى على عذاب الكافر من غير تبديل ومع النضج اهـ كرخي.\rقوله: (ليقاسوا شدته) أي ليدوم ذلك عليهم وإلّا فهم فيه، وعبارة أبي السعود: ليذوقوا العذاب أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك اللّه اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ذكر للضد وهو يرجع لقوله فمنهم من آمن به فهو لف ونشر مشوش على حد قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106] على عادته تعالى من ذكر الوعيد مع الوعد وعكسه اهـ شيخنا.\rقوله: خالِدِينَ فِيها حال من الهاء في ندخلهم وقوله أبدا أي، فليس المراد بالخلود طول المكث. قوله: (و كل قذر) أي ومن سوء الخلق وهذا عطف عام على خاص. قوله: (لا تنسخه شمس) أي لعدم وجودها. فالمعنى أنه دائم لا ينقطع، فإن قلت: إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي حرها، فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ قلت: إنما خاطبهم بما يعقلونه ويعرفونه، وذلك لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة واللذاذة فهو كقوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 62] اهـ خازن.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ خطاب للمكلفين قاطبة. قوله: أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ منصوب المحل إما على إسقاط حرف الجر لأن حذفه يطرد مع أن وأن إذا أمن اللبس لطولهما بالصلة، وإما لأن أمر يتعدى إلى الثاني بنفسه نحو: أمرتك الخير، وقرئ الأمانة، والظاهر أن قوله أن تحكموا معروف على أن تؤدوا أي يأمركم بتأدية الأمانات والحكم بالعدل، فيكون قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وهي مسألة خلافية، ذهب الفارسي إلى منعها إلا في الشعر، وذهب غيره إلى جوازها مطلقا اهـ سمين.\rوهذه الآية مناسبة ومرتبطة بقوله سابقا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ الخ، وذلك أن اليهود كانوا يعرفون الحق، وأوصاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المذكورة في التوراة، وهي أمانة عندهم ومع ذلك كتموها وأنكروها، وقالوا لأهل مكة: أنتم أهدى سبيلا من محمد وأصحابه، فلما خانوا في هذه الأمانة الخاصة أمر اللّه تعالى عموم المكلفين بأداء جميع الأمانات بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ الخ تأمل. قوله:\r(ما ائتمن عليه من الحقوق) أي حصل ووقع الائتمان عليه، فعليه نائب الفاعل، وقوله من الحقوق بيان لما أي سواء كانت الحقوق للّه أو لآدمي فعلية أو قولية أو اعتقادية، وسواء كانت حقوق اللّه واجبة أو","part":2,"page":70},{"id":609,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 71\rرضي اللّه عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسرا لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة عام مندوبة، وسواء كانت حقوق الآدمي مضمونة كالعارية والمستام أو غير مضمونة كالوديعة اهـ شيخنا.\rوفي الخازن ما نصه: وتنقسم الأمانات إلى ثلاثة أقسام:\rالقسم الأول: رعاية الأمانة في عبادة اللّه عز وجل، وهو فعل المأمورات وترك المنهيات. قال ابن مسعود: الأمانة لازمة في كل شيء حتى الوضوء والغسل من الجنابة والصلاة والزكاة والصوم، وسائر أنواع العبادات.\rالقسم الثاني: رعاية الأمانة مع نفسه، وهو ما أنعم اللّه عليه من سائر أعضائه، فأمانة اللسان حفظه من الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك، وأمانة العين غضها عن المحارم، وأما السمع أن لا يشغله سماع شيء من اللهو والفحش والأكاذيب، ونحو ذلك، ثم سائر الأعضاء على نحو ذلك.\rالقسم الثالث: هو رعاية الأمانة مع سائر عباد اللّه فيجب عليه رد الودائع والعواري إلى أربابها الذين ائتمنوه عليها، ولا يخونهم فيها. عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن غريب، ويدخل في ذلك وفاء الكيل والميزان وعدم التطفيف فيهما، ويدخل في ذلك عدل الأمراء والملوك في الرعية، ونصح العلماء للعامة، فكل هذه الأشياء من الأمانات التي أمر اللّه عز وجل بأدائها إلى أهلها.\rوروى البغوي بسنده عن أنس قال: ما خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» اهـ.\rقوله: (نزلت لما أخذ علي الخ) عبارة الخازن: قال البغوي: نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار، وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، فطلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان وطلب منه فأبى، وقال: لو علمت أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم أمنعه المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، وأن يجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل اللّه هذه الآية فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر له، ففعل ذلك، فقال عثمان: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال علي: لقد أنزل اللّه في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه، فأسلم فكان المفتاح معه إلى أن مات، فدفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة، انتهت.\rقوله: (الحجبي) نسبة للحجابة التي هي خدمة الكعبة، لكن فيه تغيير للنسب، ولو جاء على الأصل لقال الحجابي أو الحاجبي، وقوله: سادنها أي خادمها كتب اهـ.\rوفي المصباح: والسدانة بالكسر الخدمة، والسدن الستر وزنا ومعنى اهـ.\rوقوله قسرا في المختار قسره على الأمر أكرهه عليه وقهره وبابه ضرب وكذا أقسره اهـ.\rقوله: (لما قدم) أي في رمضان، وقوله عام الفتح وهو سنة ثمان. قوله: (فأمره صلّى اللّه عليه وسلّم) معطوف","part":2,"page":71},{"id":610,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 72\rالفتح ومنعه وقال لو علمت أنه رسول اللّه لم أمنعه فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برده إليه وقال هاك خالدة تالدة فعجب من ذلك فقرأ له علي الآية فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه شيبة فبقي في ولده والآية وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ يأمركم أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصوفة أي نعم شيئا يَعِظُكُمْ بِهِ تأدية الأمانة والحكم بالعدل إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لما يقال بَصِيراً (58) بما يفعل\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ على أخذ، وهذا الأمر مسبوق بسؤال العباس للنبي أن يعطيه المفتاح ليكون خادما لها، فيجمع بين الوظيفتين السدانة والسقاية قوله: (و قال هاك) أي خذ هذه الخدمة (خالدة) حال أي مستمرة إلى آخر الزمان (تالدة) أي قديمة متأصلة فيكم، وهو في المعنى تعليل، فكأنه قال خذها مستمرة فيكم في مستقبل الزمان لأنها لكم في ماضيه اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: ويقال التالد والتليد والتلاد بالفتح كل مال قديم، وخلافه الطرف والطرف اهـ.\rقوله: (فعجب من ذلك) أي وقال لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق إلى آخر ما تقدم.\rقوله: (فعمومها معتبر بقرينة الجمع) أشار به إلى المقرر في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو الأصح عندنا، والسبب المذكور قال الواحدي أجمع المفسرون عليه نعم، إن وجدت قرينة الخصوص فهو المعتبر كالنهي عن قتل النساء، فإن سببه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى امرأة حربية مقتولة في بعض مغازيه، وذلك يدل على اختصاصه بالحربيات، فلا يتناول المرتد، وإنما قلت لخبر من بدل دينه فاقتلوه اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا حَكَمْتُمْ إذا معمول لمقدر على مذهب البصريين من أن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها تقديره، وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس، أو معمول للمذكور على مذهب الكوفيين من إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْعَدْلِ يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن يتعلق بتحكموا فتكون الباء للتعدية. والثاني:\rأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل تحكموا فتكون الباء للمصاحبة أي ملتبسين بالعدل مصاحبين له، والمعنيان متلازمان اهـ سمين.\rقوله: نِعِمَّا بكسر النون اتباعا لكسرة العين، وأصل النون مفتوحة، وأصل العين مكسورة، فأصله نعم على وزن على ثم كسرت النون اتباعا لكسرة العين اهـ شيخنا.\rقوله: (الموصوفة) أي بالجملة التي بعدها.\rقوله: (تأدية الأمان الخ) هذا هو المخصوص بالمدح. قال أبو البقاء: وجملة نعما خبر إن اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما أمر الولاة بالعدل في الحكومات أمر سائر الناس بطاعتهم، لكن لا مطلقا، بل في ضمن طاعة اللّه ورسوله في الآية إشارة لأدلة الفقه الأربعة، فقوله: أطيعوا اللّه إشارة للكتاب، وقوله: وأطيعوا الرسول إشارة إلى السنة، وقوله: وأولي الأمر إشارة للإجماع،","part":2,"page":72},{"id":611,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 73\rوَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي أصحاب الْأَمْرِ أي الولاة مِنْكُمْ أي إذا أمروكم بطاعة اللّه ورسوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي إلى كتابه وَالرَّسُولِ مدة حياته وبعده إلى سنته أي اكشفوا عليه منهما إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ أي الرد إليهما خَيْرٌ لكم من التنازع والقول بالرأي وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) مآلا ونزل لما اختصم يهودي ومنافق فدعا إلى كعب بن وقوله: فإن تنازعتم الخ إشارة للقياس اهـ شيخنا.\rقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ وهم أمراء الحق وولاة العدل كالخلفاء الراشدين، ومن يقتدي بهم من المهتدين اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: أي أمراء المسلمين في عهد الرسول وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرايا، وقيل: هم علماء الشرع لقوله: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وبه قال جابر والحسن وعطاء واختاره مالك اهـ.\rقوله: مِنْكُمْ في محل نصب على الحال من أولي الأمر فيتعلق بمحذوف أي وأولي الأمر كائنين منكم ومن تبعيضية.\rقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ الظاهر أنه خطاب مستقل مستأنف موجه للمجتهدين، ولا يصح أن يكون لأولي الأمر إلا على طريق الالتفات وليس فإن المراد تنازعتم أيها الرعايا مع أولي الأمر المجتهدين، لأن المقلد ليس له أن ينازع المجتهد في حكمه اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي شَيْءٍ أي غير منصوص نصا صريحا من الأمور المختلف فيها، كندب الوتر وضمان العارية اهـ.\rقوله: وَالرَّسُولِ (مدة حياته) أي بسؤاله وقوله وبعده إلى سنته أي بعرضه عليها، والمراد بسنته أحاديثه المنقولة عنه. قوله: (أي اكشفوا عليه منها) وهذا لا ينافي القياس لأنه رد إليهما بالتمثيل والبناء عليهما اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ شرط جوابه محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر، فردوه فإن الإيمان يوجب ذلك اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكَ خَيْرٌ جعله الشارح اسم تفضيل حيث قدر المفضل عليه بقوله من التنازع، والقول بالرأي، وفيه أن المفضل عليه لا خير فيه البتة وكذا يقال في قوله: وأحسن تأويلا، ولهذا قرره أبو السعود بأنه ليس على بابه، فقال: والمراد بيان اتصافه في نفيه بالخيرية الكاملة والحسن الكامل في حدّ ذاته من غير اعتبار فضله على شيء يشاركه في أصل الخيرية والحسن، كما ينبىء عنه التحذير السابق بقوله: إن كنتم تؤمنون الخ قوله: (مآلا) أي فالتأويل هنا بمعنى المآل، والعاقبة لا بمعنى التفسير والتبيين فله اطلاقان اهـ.\rقوله: (فدعا إلى كعب بن الأشرف) أي فدعا المنافق أي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف أي","part":2,"page":73},{"id":612,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 74\rالأشرف ليحكم بينهما ودعا اليهود إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتياه فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وأتيا عمر فذكر له اليهودي ذلك فقال للمنافق أكذلك فقال نعم فقتله\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ولا يوالوه وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (60) عن الحق\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ في القرآن من الحكم وَإِلَى الرَّسُولِ ليحكم بينكم رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ يعرضون عَنْكَ إلى غيرك صُدُوداً (61)\rفَكَيْفَ يصنعون عنده، وقوله: (و دعا اليهودي) أي طلب التحاكم إلى النبي أي عنده، وعبارة الخازن: قال ابن عباس:\rنزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: ننطلق إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه اللّه الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال:\rانطلق بنا إلى عمر، فأتيا عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد أي عنده، فقضى عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليك أي عندك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم، فقال لهما عمر: رويدا حتى أخرج إليكما، ودخل عمر البيت، وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج، فضرب به المنافق حتى برد أي مات، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء اللّه وقضاء رسوله، فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر فرّق بين الحق والباطل فسمي الفاروق اهـ بحروفه.\rقوله: (ألم تر) استفهام تعجيب.\rقوله: (و ما أنزل من قبلك) وهو التوراة. قوله: (و هو كعب بن الأشرف) بين المراد به لأن الطاغوت الكاهن والشيطان والصنم رأس في الضلالة يكون واحدا وجمعا ومذكرا ومؤنثا، وقد تكلمنا عليه في البقرة اهـ كرخي.\rقوله: وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ عطف على يريدون داخل في حكم التعجب اهـ السعود.\rقوله: ضَلالًا بَعِيداً ليس جاريا على يضلهم، فيحتمل أن يكون جعل مكان الاضلال، فوضع أحد المصدرين موضع الآخر، ويحتمل أن يكون مصدرا لمضارع يضلهم أي فيضلوا ضلالا اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ الخ تكملة لمادة التعجب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب اللّه ورسوله إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت اهـ أبو السعود.\rقوله: رَأَيْتَ أي أبصرت كما هو الظاهر، وقوله يصدون في موضع الحال على القول بأن رأى بصرية، أما على القول بأنها علمية فهو في محل نصب على المفعول الثاني لرأى، وأما مفعول يصدون فمحذوف أي يصدون غيرهم وإظهار المنافقين في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والإشعار بعلة الحكم اهـ كرخي.\rقوله: (يعرضون) أشار به إلى أن الصدّ هنا بمعنى الإعراض لا بمعنى صدّه عن كذا أي منعه وصرفه، ومنه قوله تعالى: وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الفتح: 25] وصدها ما كانت تعبد من دون اللّه فهو متعد ولازم اهـ كرخي.","part":2,"page":74},{"id":613,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 75\rإِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعاصي أي يقدرون على الإعراض والفرار منها لا ثُمَّ جاؤُكَ معطوف على يصدون يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ ما أَرَدْنا بالمحاكمة إلى غيرك إِلَّا إِحْساناً صلحا وَتَوْفِيقاً (62) تأليفا بين الخصمين بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق\rأُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق وكذبهم في عذرهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ بالصفح وَعِظْهُمْ خوفهم اللّه وَقُلْ لَهُمْ فِي شأن أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً (63) مؤثرا فيهم أي ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم\rوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ فيما قوله: صُدُوداً أي إعراضا بالكلية، فذكر المصدر للتأكيد والمبالغة اهـ كرخي.\rقوله: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يجوز في كيف وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب وهو قول الزجاج قال: تقديره فكيف تراهم. والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي فكيف صنعهم في وقت إصابة المصيبة إياهم، وإذا معمولة لذلك المقدر بعد كيف والباء في بما للسببية، وما يجوز أن تكون مصدرية أو اسمية والعائد محذوف اهـ سمين.\rقوله: إِذا أَصابَتْهُمْ أي يوم القيامة. قوله: (من الكفر والمعاصي) أي والإعراض عنك. قوله:\rثُمَّ جاؤُكَ أي أهل المنافق معتذرين أو مطالبين بدمه، وأما المنافق فقتله عمر كما عرفت، فالمراد أن أهل المنافق جاؤوا يعتذرون عنه من حيث عدم رضاه بحكم رسول اللّه اهـ.\rقوله: (معطوف على يصدون) أي وما بينهما اعتراض، وقدم عليه القاضي عطف على إصابتهم اهـ كرخي. وعليه يكون المراد أصابتهم مصيبة في الدنيا اهـ.\rقوله: (بالتقريب) أي التساهل والتوسط، وقوله: دون الحمل على مر الحق أي الذي هو عادتك من أنك لا تتساهل أصلا اهـ.\rقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ جواب شرط محذوف أي إذا كان حالهم كذلك فأعرض عن قبول عذرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَعِظْهُمْ أي ازجرهم عن النفاق والكيد، وقل لهم في أنفسهم أي في حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على الشرور التي يعلمها اللّه تعالى أو في أنفسهم حال كونك خاليا بهم ليس معهم غيرهم مسارا بالنصيحة لأنها في السر أنفع قولا بليغا أي مؤثرا وأصلا إلى كنه المراد مطابقا لما سبق له من المقصود، فالظرف على التقديرين متعلقا ببليغا على رأي من يجيز تقديم معمول الصفة على الموصوف. أي قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال والإيذان بأن ما في قلوبهم من مكنونات الشر والنفاق غير خاف على اللّه تعالى وأن ذلك مستوجب لأشد العقوبات اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ رَسُولٍ من زائدة. قوله: إِلَّا لِيُطاعَ هذه لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار إن، وهذا استثناء مفرغ من المفعول له، والتقدير وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا للطاعة.\rوبإذن اللّه فيه ثلاثة أوجه، أحدها: متعلق بيطاع والباء للسببية، وإليه ذهب أبو البقاء، قال: وقيل هو","part":2,"page":75},{"id":614,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 76\rيأمر به ويحكم بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره لا ليعصى ويخالف وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بتحاكمهم إلى الطاغوت جاؤُكَ تائبين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ فيه التفات عن الخطاب تفخيما لشأنه لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً عليهم رَحِيماً (64) بهم\rفَلا وَرَبِّكَ لا زائدة لا مفعول به أي بسبب أمر اللّه. الثاني: أن يتعلق بأرسلنا أي وما أرسلنا بأمر اللّه أي بشريعته. الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في يطاع وبه بدأ أبو البقاء، وقال ابن عطية: وعلى التعليقين أي تعليقه بيطاع أو بأرسلنا فالكلام عام اللفظ خاص المعنى، لأنا نقطع أن اللّه تعالى قد أراد من بعضهم أن لا يطيعوه، ولذلك تأول بعضهم الإذن بالعلم، وبعضهم بالإرشاد، قال الشيخ: ولا يحتاج لذلك لأن قوله عام اللفظ ممنوع، وذلك أن يطاع مبني للمفعول فيقدر ذلك الفاعل المحذوف خاصا وتقديره إلا ليطيعه من أراد اللّه طواعيته اهـ سمين.\rقوله: (فيما يأمر به ويحكم) إيضاحه أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافرا يستوجب القتل اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ ظَلَمُوا معمول لجاؤوك الواقع خبرا عن أن والأصل ولو أنهم جاؤوك إذ ظلموا أنفسهم. قوله: فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي بالتوبة والإخلاص وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي سأل اللّه أن يغفر لهم ما تقدم من تكذيبهم اهـ كرخي.\rقوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي إلى الغيبة في قوله: واستغفر لهم الرسول حيث لم يقل واستغفرت لهم، بل قال واستغفر لهم الرسول اهـ كرخي.\rقوله: (تفخيما لشأنه) أي حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته، فهو على طريقة حكم الأمير بكذا مكان حكمت بكذا اهـ كرخي، ووجه التفخيم أن شأن الرسول أن يستغفر لمن عظم ذنبه. قوله: لَوَجَدُوا اللَّهَ أي لعلموه فيكون تَوَّاباً مفعولا ثانيا لعلم رَحِيماً بدل من توابا أو حال من الضمير فيه ويجوز أن يكون صفة له اهـ كرخي.\rقوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ في هذه المسألة أربعة أقوال:\rأحدها: وهو قول ابن جرير أن لا الأولى رد لكلا تقدمها تقديره فلا يفعلون، أو ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك ثم استأنف، فعلى هذا يكون الوقف على لا تاما.\rالثاني: أن لا الأولى قدمت على القسم اهتماما بالنفي، ثم كررت توكيدا وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي، ولكن تفوت الدلالة على الاهتمام المذكور، وكان يصح إسقاط الثانية ويبقى معنى الاهتمام، ويكن تفوت الدلالة على النفي فجمع بينهما لذلك.\rالثالث: أن الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي، وكان التقدير فلا يؤمنون وربك.\rالرابع: أن الأولى زائدة والثانية غير زائدة وهو اختيار الزمخشري، فإنه قال: لا مزيدة لتأكيد معنى القسم كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم، ولا يؤمنون جواب القسم اهـ سمين.","part":2,"page":76},{"id":615,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 77\rيُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ اختلط بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ضيقا أو شكا مِمَّا قَضَيْتَ به وَيُسَلِّمُوا ينقادوا لحكمك تَسْلِيماً (65) من غير معارضة\rوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ مفسرة اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما كتبنا على بني إسرائيل ما فَعَلُوهُ أي المكتوب عليهم إِلَّا قَلِيلٌ بالرفع على البدل والنصب على الاستثناء مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما قوله: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ الخ أي حتى يتصفوا ويتلبسوا بالأمور الثلاثة بتحكيمك، وعدم وجدان الحرج والتسليم. وفي السمين: وحتى غاية متعلقة بقوله لا يؤمنوا أي ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك، وبينهم ظرف منصوب بشجر، وقوله:\rثم لا يجدوا معطوف على يحكموك، ويحتمل أن يكون المتعدي لاثنين، فيكون الأول حرجا، والثاني الجار قبله فيتعلق بمحذوف، وأن يكون المتعدي لواحد فيجوز في أنفسهم وجهان، أحدهما: أنه متعلق بيجدوا تعلق الفضلات. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من حرجا لأن صفة النكرة لما قدمت عليها انتصبت حالا. وقوله: مما قضيت فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بنفس حرجا لأنك تقول حرجت من كذا. والثاني: أنه متعلق بمحذوف فهو في محل نصب لأنه صفة لحرجا اهـ بحروفه.\rقوله: (اختلط) أي اشكل والتبس، ومنه الشجر لتداخل أغصانه بعضها في بعض اهـ أبو السعود.\rقوله: (أو شكا) يرجع إلى الضيق لأن من شك في شيء ضاق صدره منه حتى يطمئن إلى اليقين، والحرج الإثم أيضا ومنه قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [الفتح: 17] أي ضيق بالإثم لترك الجهاد. قوله: مِمَّا قَضَيْتَ ما إما موصولة وعليه جرى الشارح حيث قدر العائد، ويجوز أن تكون مصدرية اهـ من السمين.\rقوله: (من غير معارضة) أي ينقادوا لحكمك انقيادا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، وهذا يناسب أن يكون المراد بالإيمان الكامل لأن أصل الإيمان المقابل للفكر لا يستلزم الانقياد الظاهري، بل هو أمر باطني قلبي اهـ كرخي.\rقوله: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ المعنى إننا قد خففنا عليهم حيث اكتفينا منهم في توبتهم بتحكيمك والتسليم لحكمك، ولو جعلنا توبتهم كتوبة بني إسرائيل لم يتوبوا اهـ كرخي.\rقوله: (مفسرة) أي بمنزلة أي التفسيرية، لأن كتبنا بمعنى أمرنا، فالأمر بالقتل أو الخروج تفسير للكتابة، ويصح كونها مصدرية أي قتل أنفسهم، وعليه اقتصر الكشاف كما لا يخفى اهـ كرخي.\rوعلى هذا فكتبنا بمعنى ألزمنا. قوله: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قرأ أبو عمرو بكسر نون أن وضم واو أو وكسرهما حمزة وعاصم، وضمها باقي السبعة، وأما ضم النون وكسر الواو، فلم يقرأ به أحد فالكسر على أصل التقاء الساكنين، والضم للاتباع للثالث، إذ هو مضموم ضمة لازمة، وإنما فرق أبو عمرو لأن الواو أخت الضمة اهـ سمين.\rقوله: (أي المكتوب عليهم) وهو أحد الأمرين إما القتل أو الخروج. قوله: (على البدل) أي من","part":2,"page":77},{"id":616,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 78\rيُوعَظُونَ بِهِ من طاعة الرسول لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) تحقيقا لإيمانهم\rوَإِذاً أي لو ثبتوا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا من عندنا أَجْراً عَظِيماً (67) هو الجنّة\rوَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) قال بعض الصحابة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف نراك في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك فنزل\rوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فيما أمرا به فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق وَالشُّهَداءِ القتلى في سبيل اللّه وَالصَّالِحِينَ غير من ذكر وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم الواو وهو المختار لأنه استثناء من كلام تام غير موجب، وقوله: والنصب على الاستثناء أي على المرجوح من النصب بعد النفي. قوله: لَكانَ خَيْراً أي انفع لهم من غيره على تقدير أن الغير فيه خير، وهذا إذا كان على بابه، ويحتمل أنه بمعنى أصل الفعل أي لحصل لهم خير الدنيا والآخرة اهـ كرخي.\rقوله: تَثْبِيتاً تمييز.\rقوله: (أي لو ثبتوا) هذا ليس تفسيرا لإذا، بل هو إشارة إلى تقديره، وبعدها وقوله: لَآتَيْناهُمْ جوابها ثم رأيت في السمين ما نصه: وإذا حرف جواب وجزاء وهي هنا ملغاة عن عمل النصب، قال الزمخشري: وإذا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل إذا لو ثبتوا لآتيناهم لأن إذا حرف جواب وجزاء اهـ. واللام في لآتيناهم جواب المقدرة اهـ.\rقوله: صِراطاً مُسْتَقِيماً وهو دين الإسلام. قوله: (فيما أمروا به) أي أمر إيجاب أو ندب.\rوفي كلامه اكتفاء أي وفيما نهينا عنه نهى تحريم أو كراهة، فالمراد بالطاعة الانقياد التام لجميع الأوامر والنواهي اهـ شيخنا.\rقوله: فَأُولئِكَ أي من يطع اللّه والرسول ففيه مراعاة معنى من، وقوله: من النبيين الخ بيان للذين، وفي الآية سلوك طريق التدلي، فإن منزلة كل واحد من أصناف الأربعة أعلى من منزلة ما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: (لمبالغتهم الخ) علة لتسميتهم صديقين. قوله: وَالصَّالِحِينَ أي الهائمين بحقوق اللّه وحقوق عباده، وإنما قال غير من ذكر لتحصل المغايرة في العطف لأن الأصناف الثلاث صالحون، فالمراد بالصنف الرابع غيرهم من بقية الصالحين اهـ شيخنا.\rقوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ أي كل واحد من الأصناف الأربعة فلا إشكال في إفراد رَفِيقاً أو مجموع الأربعة. ورفيق فعيل يستوي فيه الواحد وغيره وهو منصوب على التمييز، والثاني هو الذي أشار إليه الجلال. وعبارة الخازن: وحسن أولئك، وهم المشار إليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وفيه معنى التعجب، كأنه قال: وما أحسن أولئك رفيقا يعني في الجنة، والرفيق الصاحب سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، وإنما وجد الرفيق وهو صفة جمع، لأن العرب تعبر به عن الواحد والجمع، وقيل معناه وحسن كل واحد من أولئك رفيقا انتهت.","part":2,"page":78},{"id":617,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 79\rوالحضور معهم وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم\rذلِكَ أي كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) بثواب الآخرة أي فثقوا بما أخبركم به ولا ينبئك مثل خيبر\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ من عدوكم أي احترزوا منه وتيقظوا له فَانْفِرُوا انهضوا إلى قتاله ثُباتٍ والمخصوص بالمدح محذوف تقديره المذكورون أو الممدوحون لأن حسن لها حكم نعم.\rقوله: (بأن يستمتع) الخ تفسير للمعية فالضمير في يستمتع راجع لمن.\rقوله: (و الحضور معهم) أي مجالستهم حيثما أراد، وقوله: وإن كان الواو للحال.\rقوله: (خبره) الْفَضْلُ أي ومن اللّه متعلق بمحذوف وقع حالا منه أي ذلك الذي ذكر الفضل كائنا من اللّه اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: ذلك الفضل من اللّه ذلك مبتدأ، وفي الخبر وجهان، أحدهما: أنه الفضل والجار في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. والثاني: أنه الجار والفضل صفة لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون الفضل والجار بعده خبرين لذلك على رأي من يجيزه اهـ.\rقوله: (لا أنهم نالوه بطاعتهم) فيه أن كونهم مع ذكر من جملة حظوظ الجنة ومنازلها، فيكون بالعمل إلا أن يقال ما ثبت من كون اقتسام منازل الجنة أمر ظاهري، وهي في الحقيقة بمحض الفضل، فيكون كل من دخولها واقتسام منازلها بمحض الفضل في نفس الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: (و لا ينبئك) أي لا يخبرك بأحوال الدارين مثل خبير عالم وهو اللّه تعالى اهـ أبو السعود في سورة فاطر. وفي الخازن هناك يعني اللّه تعالى بذلك نفسه أي لا ينبئك أحد مثلي لأني عالم بالأشياء اهـ.\rقوله: خُذُوا حِذْرَكُمْ الحذر والحذر بمعنى واحد فهو مصدر، وفي الكلام مبالغة كأنه جعل الحذر آلة يقي بها نفسه، وقيل وهو ما يحذر به من السلاح والخدم اهـ أبو السعود على الثاني فهو اسم للآلة نفسها وعليه فلا تجوز في تسلط الأخذ عليه.\rقوله: فَانْفِرُوا ثُباتٍ النفر الفزع، يقال نفر إليه أي فزع إليه، وفي مضارعه لغتان ضم العين وكسرها، وقيل: يقال نفر الرجل ينفر بالكسر ونفرت إليه الدابة تنفر بالضم ففرقوا بينهما في المضارع، وهذا الفرق ترده قراءة الأعمش فانفروا أو انفروا بالضم في الموضعين، والمصدر النفير والنفور والنفر والجماعة كالقوم والرهط اهـ سمين.\rوفي المصباح نفر نفرا من باب ضرب في اللغة العالية، وبها قرأ السبعة ونفر نفورا من باب قعد لغة، وقرئ بمصدرها في قوله تعالى: إِلَّا نُفُوراً* والنفير مثل النفور، والاسم النفر بفتحتين اهـ.\rقوله: ثُباتٍ جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل فوق الاثنين، والسرية الجماعة أقلها مائة وغايتها أربعمائة، ويليها المنسر من أربعمائة إلى ثمانمائة، ويليه الجيش من","part":2,"page":79},{"id":618,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 80\rمتفرقين سرية بعد أخرى أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) مجتمعين\rوَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ ليتأخرن عن القتال كعبد اللّه بن أبي المنافق وأصحابه وجعله منهم من حيث الظاهر واللام في الفعل للقسم فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ كقتل وهزيمة قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) حاضرا فأصاب\rوَلَئِنْ لام قسم أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كفتح وغنيمة لَيَقُولَنَ نادما كَأَنْ مخففة واسمها ثمانمائة إلى أربعة آلاف، ويليه الجحفل وهو ما زاد على ذلك اهـ شيخنا.\rوالظاهر أن الشارح أراد بالسرية هنا مطلق الجماعة، وإن لم تكن مائة بدليل التعميم بها في الثبة اهـ.\rوفي القاموس: والسرية من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة اهـ.\rوفي السمين: وثبات جمع ثبة ووزنها في الأول فعلة كحطمة، وإنما حذفت لامها وعوض عنها تاء التأنيث، وهل هو واو أو ياء قولان، حجة القول الأول: أنها مشتقة من ثبا يثبو كحلا يحلو أي اجتمع، وحجة الثاني: أنها مشتقة من ثبت عليها الرجل إذا أثبت عليه كأنك جمعت محاسنه ويجمع بالألف والتاء وبالواو والنون، ويجوز في فائها حين تجمع على ثبين الضم والكسر اهـ.\rقوله: (متفرقين) وقوله: (مجتمعين) أشار به إلى أن ثبات وجميعا منصوبان على الحال من الضمير في انفروا في اللفظين أي بادروا كيفما أمكن اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنَّ مِنْكُمْ الخطاب لعسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلهم المؤمنين منهم والمنافقين والمبطئون منافقوهم الذين تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد اهـ أبو السعود.\rقوله: (ليتأخرن عن القتال) فيه إشارة إلى أن بطأ هنا لازم فهو معنى أبطأ اهـ شيخنا.\rيقال أبطأ وبطأ بمعنى أي تأخر وتثاقل، والثلاثي منه من باب قرب، وقد يستعمل أبطأ وبطأ بالتشديد متعديين، وعليه فالمفعول هنا محذوف، أي ليبطئن غيره أي يثبطه ويجبنه عن القتال اهـ.\rقوله: (من حيث الظاهر) أي وإلّا فهو في نفس الأمر عدو لهم اهـ.\rقوله: (و اللام في الفعل للقسم) أشار به إلى أن اللام في ليبطئن جواب قسم محذوف أي للذين واللّه ليبطئن والجملتان من القسم وجوابه صلة من العائد الضمير المستكن في ليبطئن إن جعلت موصلة، وصفة لها إن جعلت نكرة موصوفة، وبذلك علم أن الجملة القسمية مع جوابها خبرية مؤكدة بالقسم فلا يمتنع وقوعها صلة للموصوف أو صفة للموصوف والإنشائية إنما هي جمود القسم، أعني أقسم باللّه كما ذكره الشيخ سعد الدين، واللام في لمن لام ابتداء دخلت على اسم أن لوقوع الخبر فاصلا اهـ كرخي.\rقوله: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ نسبة إصابة الفضل إلى جانب اللّه تعالى دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيلية كما في قوله تعالى: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80] وتقدم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق وأثر نفاقهم فيها أظهر اهـ كرخي.","part":2,"page":80},{"id":619,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 81\rمحذوف أي كأنه لَمْ تَكُنْ بالياء والتاء بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ معرفة وصداقة وهذا راجع إلى قوله قد أنعم اللّه على اعتراض به بين القول ومقولة وهو يا للتنبيه لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) آخذ حظا وافرا من الغنيمة قال تعالى\r* فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه الَّذِينَ يَشْرُونَ يبيعون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ يستشهد أَوْ يَغْلِبْ يظفر بعدوه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) ثوابا جزيلا\rوَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ استفهام توبيخ أي قوله: (بالياء والتاء) أي قرأ ابن كثير وحفص بتاء التأنيث على لفظ المودة، وقرأ الباقون بالياء لأن المودة والود بمعنى، ولأنه قد فصل بينهما اهـ كرخي.\rقوله: مَوَدَّةٌ أي حقيقة، وإلّا فالمودة الظاهرة حاصلة بالفعل اهـ.\rقوله: (و هذا) أي قوله كأن لم يكن الخ قوله راجع إلى قوله الخ يعني أنه من تعلقات الجملة الأولى في المعنى، وأصل النظم قال وقد أنعم اللّه على كأن لم يكن الخ، ثم أخرت هذه الجملة واعترض بها بين القول ومقوله، فلا يحسن الوقف على مودة اهـ شيخنا.\rقوله: (للتنبيه) أي لا للنداء لدخولها على الحرف.\rقوله: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جواب شرطه مقدر أي أن بطأ وتأخر هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشرونها ويختارونها على الآخرة، وهم المبطئون. والمعنى حثهم على ترك ما حكي عنهم اهـ بيضاوي.\rقوله: الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا فاعل بقوله فليقاتل، ويشرون يحتمل وجهين:\rأحدهما: أن يكون بمعنى يشترون فإن قيل: قد تقرر أن الباء إنما تدخل على المتروك والظاهر هنا أنها دخلت على المأخوذ، والجواب أن المراد بالذين يشرون والمنافقون المبطئون عن الجهاد أمروا أن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان باللّه ورسوله، ويجاهدوا في سبيل اللّه فلم تدخل إلا على المتروك، لأن المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا.\rوالثاني: أن يشرون بمعنى يبيعون، ويكون المراد بالذين يشرون المؤمنين المتخلفين عن الجهاد المؤثرين الآجلة على العاجلة، ونظير هذه الآية في كون الشراء محتملا للشراء والبيع باعتبارين قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: 20] وسيأتي وقد تقدم لك شيء من هذا في أول البقرة اهـ سمين.\rقوله: فَيُقْتَلْ تفريع على فعل الشرط، والجواب هو قوله فسوف نؤتيه الخ، وذكر هذين الأمرين للإشارة إلى أن حق المجاهد أن يوطن نفسه على أحدهما ويخطر بباله القسم الثالث، وهو مجرد أخذ المال اهـ أبو السعود.\rقوله: (يستشهد) أي يموت شهيدا. قوله: أَوْ يَغْلِبْ المشهور إظهار هذه الباء من الفاء، وأدغمها أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه اهـ سمين.\rقوله: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ هذا استفهام ويراد به التحريض والأمر بالجهاد، وما مبتدأ، ولكم","part":2,"page":81},{"id":620,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 82\rلا مانع لكم من القتال فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفي تخليص الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس رضي اللّه عنهما كنت أنا وأمي منهم الَّذِينَ يَقُولُونَ داعين يا رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ مكة الظَّالِمِ أَهْلُها بالكفر وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ من خبره أي أي شيء استقر لكم. وجملة قوله: لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فيها وجهان:\rأظهرهما: أنهما في محل نصب على الحال أي ما لكم غير مقاتلين أنكر عليهم أن يكونوا على غير هذه الحالة، وقد صرح بالحال بعد مثل هذا التركيب في قوله: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] وقالوا في مثل هذه الحال أنها حال لازمة، لأن الكلام لا يتم بدونها وفيه نظر، والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر، كقولك: ما لك ضاحكا.\rوالوجه الثاني: أن الأصل وما لكم في أن لا تقاتلوا فحذفت في فبقي أن لا تقاتلوا، فجرى فيها الخلاف المشهور، ثم حذفت أن الناصبة فارتفع الفعل بعدها، كقوله: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه اهـ سمين.\rقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ معطوف على سبيل اللّه تقديره مضاف، كما أشار لذلك الشارح اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله وفي تخليص المستضعفين الخ أشار به إلى أن قوله: والمستضعفين معطوف على سبيل اللّه لا على الجلالة، وإن كانت جمع وليد، وقيل جمع ولد تفسير الكواشي، لأن خلاص المستضعفين من أيدي المشركين سبيل اللّه لا سبيلهم اهـ.\rقوله: وَالْوِلْدانِ جمع وليد وهو الصبي الصغير اهـ خازن.\rوفي السمين: والولدان قبل جمع وليد، وقيل جمع ولد، والمراد بهم الصبيان، وقيل والإماء يقال للعبد وليد وللأمة وليدة، فغلب المذكر على المؤنث لاندراجه فيه اهـ.\rقوله: (الذين حسبهم الكفار) أي بمكة وهذه صفة للمستضعفين، قوله: (كنت أنا وأمي منهم) أي من المستضعفين فهو من الولدان وأمه من النساء اهـ خازن.\rقوله: الظَّالِمِ أَهْلُها صفة للقرية، وأهلها مرفوع به على الفاعلية، وأول في الظالم موصولة بمعنى التي ظلم أهلها، فالظالم جار على القرية لفظا، وهو لما بعدها معنى نحو مررت برجل حسن غلامه. قال الزمخشري: فإن قلت: ذكر الظالم وموصوفة مؤنث. قلت: وهو وصف للقرية إلا أنه أسند إلى أهلها فأعطى إعراب القرية لأنه صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها فأعطى، ولو أنث فقيل الظالمة أهلها لجاز لا لتأنيث الموصوف، بل لأن الأهل يذكر ويؤنث، فإن قلت: هل يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها؟ قلت: نعم كما يقول التي ظلموا أهلها على لغة من يقول أكلوني البراغيث، ومنه وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء: 3] اهـ سمين.\rقوله: (بالكفر) يشير به إلى أن الكفر أيضا يسمى ظلما.","part":2,"page":82},{"id":621,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 83\rعندك وَلِيًّا يتولى أمورنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) يمنعنا منهم وقد استجاب اللّه دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة وولى صلّى اللّه عليه وسلّم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم\rالَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ الشيطان فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أنصار دينه تغلبوهم لقوتكم باللّه إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ بالمؤمنين كانَ ضَعِيفاً (76) واهيا لا يقاوم كيد اللّه بالكافرين\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن قتال الكفار لما طلبوه بمكة لأذى الكفار لهم وهم جماعة من الصحابة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ فرض قوله: وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً قال ابن عباس. أي ولّ علينا واليا من المؤمنين يوالينا، ويقوم بمصالحنا، ويحفظ علينا ديننا وشرعنا، وينصرنا على أعدائنا اهـ أبو السعود.\rقوله: فيسر لبعضهم الخروج الخ عبارة الخازن: فاستجاب اللّه دعاءهم وجعل لهم من لدنه خير ولي خير ناصر وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فتولى أمرهم ونصرهم، واستنقذهم من أيدي المشركين يوم فتح مكة، واستعمل عليهم عتاب بن أسيد وكان ابن ثمان عشرة سنة، فكان ينصر المظلومين على الظالمين، ويأخذ للضعيف من القوي اهـ.\rقوله: (عتاب بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين.\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا الخ كلام مستأنف سيق لترغيب المؤمنين في القتال اهـ أبو السعود.\rقوله: سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي فيما يوصله إلى الشيطان فلا ناصر لهم سواه. قوله: (تغلبوهم) مجزوم في جواب الأمر، وقوله: (لقوتكم باللّه) أشار به إلى أن فقاتلوا أولياء الشيطان من لازمه هذا المحذوف مترتب عليه اهـ كرخي.\rقوله: كانَ ضَعِيفاً أي فلا يقاوم نصر اللّه وتأييده، وفي هذا غاية الترغيب في قتالهم، وهذا بالنسبة إلى كيد اللّه، وأما عظم كيد النساء فالنسبة إلينا على أنه من كلام العزيز اهـ كرخي.\rوالكيد: السعي في الفساد على جهة الاحتيال، ويعني بكيد ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه الكفار يوم بدر وكونه ضعيفا، لأنه خذل أولياءه لما رأى الملائكة قد نزلت يوم بدر، وكان النصر لأولياء اللّه وحزبه على أولياء الشيطان وحزبه، وإدخال كان في قوله كان ضعيفا لتأكيد ضعف الشيطان اهـ خازن.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تعجب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من إحجامهم عن القتال مع أنهم كانوا قبل ذلك راغبين فيه حرصا عليه، بحيث كانوا يباشرونه كما ينبىء عن الأمر بكف الأيدي، فإن ذلك مشعر بكونهم بصدد بسطها إلى العدو اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هم جماعة من الصحابة) منهم عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وسعد بن أبي وقاص، وقدامة بن مظعون، وجماعة كانوا بمكة يلقون أذى كثيرا من المشركين، فيلقونه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقولون: لو أذنت لنا في القتال، فيقول لهم: «كفوا أيديكم»، فلما نزلت الآية بعد الهجرة، وأمروا بقتال المشركين كرهوا ذلك، والذي كره إما مؤمن وتاب أو منافق لم يتب اهـ بكري.\rقوله: (فرض) أي في السنة الثانية من الهجرة. قوله: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ إذا هنا فجائية، وقد تقدم","part":2,"page":83},{"id":622,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 84\rعَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ يخافون النَّاسَ الكفار أي عذابهم بالقتل كَخَشْيَةِ هم عذاب اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً من خشيتهم له ونصب أشد على الحال وجواب لما دلّ عليه إذا وما بعدها أي فاجأتهم الخشية وَقالُوا جزعا من الموت رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا هلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ لهم مَتاعُ الدُّنْيا ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها قَلِيلٌ آيل إلى الفناء وَالْآخِرَةُ أي أن فيها ثلاثة مذاهب، أحدها: وهو الأصح أنها ظرف مكان. والثاني: أنها ظرف زمان. والثالث: أنها حرف، وقد قيل في إذا هذه أنها فجائية مكانية، وأنها جواب للما في قوله: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، وعلى هذا ففيها وجهان: أحدهما: أنها خبر مقدم وفريق مبتدأ مؤخر، ومنهم صفة لفريق، وكذلك يخشون، ويجوز أن يكون يخشون حالا من فريق لاختصاصه بالوصف والتقدير، ففي الحضرة فريق كائن منهم خاشون أو خاشين.\rوالثاني: أن يكون فريق مبتدأ ومنهم صفته وهو المسوغ للابتداء به، ويخشون جملة خبرية وهو العامل في إذا اهـ سمين.\rقوله: كَخَشْيَةِ اللَّهِ مفعول مطلق أي خشية كخشية اللّه، وقوله: أو أشد خشية معطوف على كخشية اللّه وأشد حال منه، كما قال الشارح على القاعدة من أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا، فقوله على الحال أي من خشية الذي بعده اهـ شيخنا.\rقوله: (أي فاجأهم الخشية) في نسخة فاجأتهم، وفي هذا التقدير تسمح، والأولى أن يقول فاجأ كتب القتال عليهم خشيتهم له، وذلك أن المفاجأة بفتح الجيم إنما هو كتب القتال وفرضه لا ذواتهم كما لا يخفى. وفي المصباح وفجئت الرجل أفجؤه مهموز من باب تعب، وفي لغة بفتحتين جئته بغتة والاسم الفجاءة بالضم والمد، وفي لغة وزان تمرة فجئه الأمر من بابي تعب ونفع أيضا وفاجأه مفاجأة أي عاجله اهـ.\rقوله: وَقالُوا رَبَّنا عطف على يخشون كما ذكره شيخ الاعلام في حواشي البيضاوي. قوله:\r(جزعا من الموت) أي خوفا من الموت بمقتضى الجبلة لا اعتراضا على حكمه تعالى لأنهم من خيار الصحابة اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قال الحسن البصري: وهذا كان منهم لما في طبع البشر من المخالفة لا لكراهتهم أمر اللّه بالقتال اهـ.\rأو هو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا الخ اهـ.\rقوله: لَوْ لا أَخَّرْتَنا أي هلا زدتنا في مدة الكف إلى وقت آخر حذرا من الموت اهـ.\rقوله: قُلْ (لهم) أي تزهيدا فيما يأملونه بالعفود من المتاع الفاني وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي اهـ أبو السعود.\rقوله: (ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها) أي فالمتاع اسم أقيم مقام المصدر، ويطلق على العين","part":2,"page":84},{"id":623,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 85\rالجنة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى عقاب اللّه بترك معصيته وَلا تُظْلَمُونَ بالتاء والياء تنقصون من أعمالكم فَتِيلًا (77) قدر قشرة النواة فجاهدوا\rأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ حصون وعلى الانتفاع بها، وقد يقولون مصدر اسم مصدر في الشيئين المتغايرين لفظا، أحدهما للفعل والآخر للآلة اتي يستعمل بها الفعل كالطهور والطهور والأكل والأكل، فالطهور المصدر والطهور اسم لما يتطهر به، والأكل المصدر والأكل ما يأكل. قاله ابن الحاجب في أماليه اهـ كرخي.\rقوله: (آيل إلى الفناء) تعليل لقوله: قليل أي لأنه آيل إلى الفناء، وما كان كذلك قليل بالنسبة إلى الباقي وليس مراده تفسير القلة بالآيل إلى الفناء اهـ. شيخنا.\rقوله: وَلا تُظْلَمُونَ عطف على مقدر يدل عليه الكلام أي تجزون فيها ولا تظلمون أدنى شيء اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالتاء والياء) أي قرأ حمزة والكسائي وابن كثير بالغيبة إسنادا للغائبين المستأذنين في الجهاد ومناسبة لسابقه أي: ألم تر إلى الذين قيل لهم، وباقي السبعة بتاء الخطاب إسنادا إليهم على الالتفات اهـ كرخي.\rقوله: (قدر قشرة النواة) هذا سبق قلم كما سبق له، والصواب كما تقدم أن يفسر الفتل بالخيط الممتد في النقرة التي في بطن النواة، وأما الذي قاله فهو تفسير للقطمير والنقير النقرة الصغيرة التي في ظهرها ومنها تنبت النخلة، ففي النواة أمور ثلاثة: فتيل ونقير وقطمير اهـ شيخنا.\rقوله: (فجاهدوا) هذا نتيجة الكلام السابق وليس دخولا على ما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: أَيْنَما تَكُونُوا الخ كلام مبتدأ مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب، وصرف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المخاطبين اعتناء بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وعلو شأن الآخرة، فلا محل له من الإعراب، هذا ويحتمل أنه في محل نصب داخل تحت القول المأمور به، والمعنى قل لهم أينما تكونوا في الحضر أو السفر يدرككم الموت الذي تكرهون القتال لأجله زعما منكم أنه من مظانه، وفي لفظ الإدراك إشعار بأنهم في الهرب من الموت وهو مجدّ في طلبهم اهـ أبو السعود.\rوأين: اسم شرط يجزم فعلين، وما زائدة على سبيل الجواز مؤكدة لها، وأين ظرف مكان وتكونوا مجزوم بها ويدرككم جوابه اهـ سمين.\rقوله: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ البروج في كلام العرب الحصون والقلاع اهـ خازن.\rوفي أبي السعود: ولو كنتم في بروج مشيدة أي في حصون رفيعة أو قصور محصنة، وقال السدي، وقتادة: بروج السماء، ويقال: شاد البناء وأشاده، وشيده أي رفعه وشيد القصر رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجبس، وجواب لو محذوف اعتمادا على دلالة ما قبله عليه أي ولم كنتم في بروج مشيدة يدرككم الموت، والجملة معطوفة على أخرى مثلها أي لو لم تكونوا في بروج مشيدة ولو كنتم الخ، وقد اطرد حذفها لدلالة المذكورة عليها دلالة واضحة، وقرئ مشيدة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا اهـ.","part":2,"page":85},{"id":624,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 86\rمُشَيَّدَةٍ مرتفعة فلا تخشوا القتال خوف الموت وَإِنْ تُصِبْهُمْ أي اليهود حَسَنَةٌ خصب وسعة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب وبلاء كما حصل لهم عند قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يا محمد أي بشؤمك قُلْ لهم كُلٌ من الحسنة والسيئة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ من قبله فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ أي لا يقاربون أن يفهموا حَدِيثاً (78) يلقى إليهم وما استفهام تعجيب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشد من نفيه\rما أَصابَكَ أيها الإنسان مِنْ حَسَنَةٍ خير فَمِنَ اللَّهِ أتتك فضلا منه وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أتتك وفي المصباح: والشيد الجص وشدت البيت أشيده من باب باع بنيته بالشيد، فهو مشيد، وشيدته تشييدا طولته ورفعته اهـ.\rقوله: (أي اليهود) أي والمنافقين. قوله: (عند قدوم النبي المدينة) أي فدعاهم إلى الإيمان فكفروا، فحصل لهم الجدب فقالوا هذا شؤم وشؤم أصحابه، والشؤم ضد اليمن وهو البركة. وفي المصباح: الشؤم الشر، ورجل مشؤوم غير مبارك، وتشاءم القوم مثل تطيّروا به اهـ.\rقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة اللّه تعالى خلقا وإيجادا من غير أن يكون له مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة ما سيأتي بيانه اهـ أبو السعود.\rقوله: فَما لِهؤُلاءِ ما مبتدأ ولهؤلاء خبر، وهذا كلام معترض بين المبين وبيانه مسوق من جهته تعالى لتعبيرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجيب من كمال غوايتهم، وقوله: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً حال من هؤلاء، والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار أي وحيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهم حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا حديثا، وهو استئناف مبني على سؤال نشأ من الاستفهام، كأنه قيل: ما بالهم وماذا يصنعون حتى يتعجب منه أو يسأل عن سببه، فقيل: لا يكادون يفقهون حديثا من الأحاديث أصلا، فيقولون ما يقولون إذ لو فهموا شيئا من ذلك لفهموا هذا النص وما في معناه، وما هو أوضح منه من النصوص الناطقة بأن الكل من عند اللّه تعالى، وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضيل والإحسان والبلية من بطريق العقوبة على ذنوب العباد اهـ أبو السعود.\rقوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ بيان للجواب المأمور به، وقوله: أيها الإنسان توجيه الخطاب إلى كل واحد من أفراد الإنسان دون جملتهم، كما في قوله: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمال معصية بعضهم لعقوبة بعض اهـ أبو السعود.\rقوله: (أيها الإنسان) أي فالخطاب عام لكل من تتأتي منه السيئة. وقيل: الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد غيره من آحاد الأمة. فإن قلت: كيف وجه الجمع بين قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قوله: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فأضاف السيئة إلى فعل العبد في هذه الآية قلت: أما إضافة الأشياء كلها إلى اللّه تعالى في قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فعلى الحقيقة لأن اللّه تعالى هو خالقها","part":2,"page":86},{"id":625,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 87\rحيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب وَأَرْسَلْناكَ يا محمد لِلنَّاسِ رَسُولًا حال مؤكدة وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) على رسالتك\rمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى أعرض عن طاعته فلا يهمنك فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) حافظا لأعمالهم بل نذيرا وإلينا أمرهم فنجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال\rوَيَقُولُونَ أي المنافقين إذا جاؤوك أمرنا طاعَةٌ لك فَإِذا بَرَزُوا خرجوا مِنْ وموجدها، وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد في قوله: وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فعلى سبيل المجاز. تقديره وما أصابك من سيئة فمن اللّه بسبب نفسك عقوبة لك اهـ شيخنا.\rقوله: فَمِنْ نَفْسِكَ أي فمن أجلها وبسبب اقترافها الذنوب، وهذا لا ينافي أن خلقها من اللّه كما سبق في قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اهـ شيخنا.\rوعن عائشة رضي اللّه عنها: ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ولا الشوكة يشاركها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو اللّه عنه أكثر اهـ أبو السعود.\rقوله: (حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب) فيه إشارة إلى الجمع بين قوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وبين قوله قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الواقع ردّا لقول المشركين، وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ الآية، بأن قوله قل كل من عند اللّه أي إيجادا، وقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك أي كسبك كما في قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وبأن قوله ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ الآية حكاية لقول المشركين. والتقدير فيما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، فيقولون: ما أصابك الآية، فحاصله أنك إذا نظرت إلى الفاعل الحقيقي فالكل منه، وإذا نظرت إلى الأسباب فما هي إلا من شؤم ذنب نفسك بوصله إليك بسبب مجازاة وعقوبة لا من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ كرخي.\rقوله: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا بيان لجلالة منصبه ومكانته عند اللّه بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه بناء على جهلهم بشأنه الجليل اهـ أبو السعود.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. أي حيث نصب المعجزات التي من جملتها هذا النفي الناطق والوحي الصادق اهـ أبو السعود.\rقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ الخ بيان لأحكام رسالته إثر بيان تحققها وثبوتها اهـ أبو السعود.\rقوله: فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ أي لأن النبي مبلغ عنه. قوله: (فلا يهمنك) بضم أوله وكسر ثانيه من أهمه الأمر أحزنه، أو بفتح أوله وضم ثانيه من همه، وفي المصباح: وأهمني الأمر بالألف أقلقني، وهمني هما من باب قتل مثله اهـ.\rوهذا هو جواب الشرط المذكور تعليل له اهـ.\rقوله: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ الخ شروع في بيان معاملتهم مع الرسول بعد بيان وجوب طاعته اهـ أبو السعود.\rقوله: (أمرنا طاعة) أشار إلى أن قوله طاعة خبر مبتدأ محذوف ولا يجوز إظهار هذا المبتدأ لأن","part":2,"page":87},{"id":626,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 88\rعِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ بادغام التاء في الطائفة وتركه أي أضمرت غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لك في حضورك من الطاعة إلى عصيانك وَاللَّهُ يَكْتُبُ يأمر بكتب ما يُبَيِّتُونَ في صحائفهم ليجازوا عليه فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ بالصفح وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به فإنه كافيك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) مفوضا إليه\rأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ يتأملون الْقُرْآنَ وما فيه من المعاني البديعة وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه\rوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ عن سرايا الخبر مصدر بدل من اللفظ بفعله أي بعمل المصدر، والمراد أنهم تلفظوا بالمصدر عوضا عن تلفظهم بالفعل، والقاعدة أنه لا يجمع بين العوض والمعوض، ويجوز أن يكون طاعة مبتدأ والخبر محذوف أي منا طاعة اهـ كرخي.\rقوله: بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ وهم رؤساؤهم، وقوله: (أي أضمرت) أي أخفت فى أنفسها غير الذي تقول، وهذا التفسير لا يناسب هنا لأن أضمرته في أنفسها من العصيان لا يترتب على خروجهم من عنده، بل هو قائم بهم ولو كانوا في مجلسه على حد ما تقدم من قولهم سمعنا وعصينا، ولو فسر التبييت بتدبير الأمر ليلا كما صنع غيره لكان أوضح. وعبارة الخازن: التبييت كل أمر يفعل بالليل، يقال: هذا أمر مبيت إذا دبر بليل وقضي بليل، والمعنى أنهم قالوا وقدروا أمرا بالليل غير الذي أعطوك بالنهار من الطاعة اهـ.\rأي تكلموا فيما بينهم بعصيانك وتوافقوا عليه. قوله: (من الطاعة) بيانه للذي تقول، وقوله: أي عصيانك بالنصب تفسير لغير.\rقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ إنكار واستقباح لعدم تدبرهم القرآن وإعراضهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان، وتدبر الشيء تأمله، والنظر في أدباره، وما يؤول إليه من عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تفكر ونظر، والفاء للعطف على مقدر أي أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ أي كما يزعمون كما أشير له بقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ* [يونس: 38] وبقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: 103] وبقوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا [يونس: 15] الخ. قوله: (تناقضا في معانيه) بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع، إذ لا علم بالأمور الغيبية لغيره تعالى، وحيث كانت كلها مطابقة للواقع تعين كونه من عنده اهـ أبو السعود.\rقوله: (و تباينا في نظمه) بأن يكون بعضه فصيحا بليغا، وبعضه مردودا ركيكا، فلما كان كله على منهاج واحد في الفصاحة والبلاغة ثبت أنه من عند اللّه لأن هذا لا يقدر عليه إلا اللّه اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: (قوله تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه) أي: فليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، وقد أشار بذلك إلى جواب عن سؤال تقديره هذا أيدل بمفهومه على أن في القرآن اختلافا قليلا، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة، مع أنه لا اختلاف فيه أصلا. وحاصل الجواب: أن المراد بالاختلاف فيه ما قرره، وأجيب أيضا بأن التقييد بالكثرة البالغة في","part":2,"page":88},{"id":627,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 89\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما حصل لهم مِنَ الْأَمْنِ بالنصر أَوِ الْخَوْفِ بالهزيمة أَذاعُوا بِهِ أفشوه نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي وَلَوْ رَدُّوهُ أي الخبر إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به لَعَلِمَهُ هل هو مما ينبغي أن يذاع أولا الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ إثبات الملازمة أي لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فضلا عن القليل، لكنه من عند اللّه فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل، انتهت.\rقوله: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يبعث البعوث والسرايا، فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، ثم يشيعونه ويتحدثون به قبل أن يحدث به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل اللّه هذه الآية وإذا جاءهم يعني المنافقين أمر من الأمن يعني جاءهم خبر بفتح وغنيمة أو الخوف يعني القتل والهزيمة أذاعوا به، أي أفشوا ذلك الخبر وأشاعوه بين الناس. يقال: أذاع الشر وأذاع به إذا أشاعه وأظهره، ولو ردوه يعني الأمر الذي تحدثوا به إلى الرسول يعني ولو أنهم لم يحدثوا به حتى يكون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي يحدث به ويظهره، وإلى أولى الأمر منهم يعني ذوي العقول والرأي والبصيرة بالأمور منهم على حسب الظاهر لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، فلهذا قال: وإلى أولي الأمر منهم اهـ خازن.\rقوله: أَمْرٌ (عن سرايا النبي) أي خبر، فالمراد بالأمر والخبر وقوله: من الأمن أو الخوف بيان للأمر وقد أشار المفسر إلى هذا بقوله ولو ردوه أي الخبر. قوله: (بما حصل لهم) في نسخة مما حصل لهم. قوله: أَذاعُوا بِهِ جواب إذا وعين أذاع ياء لقولهم ذاع الشيء يذيع ويقال: أذاع الشيء أيضا بمعنى المجرد، ويكون متعديا بنفسه وبالياء، وعليه الآية الكريمة. وقيل: ضمن أذاع تحدث فعداه تعديته أي تحدثوا به، والإذاعة الإشاعة، والضمير في به يجوز أن يعود على الأمر، وأن يعود على الأمن أو الخوف، لأن العطف بأو والضمير في ولو ردوه للأمر فقط اهـ سمين.\rقوله: (أو في ضعفاء المؤمنين) هما قولان للمفسرين. قوله: (فتضعف قلوب المؤمنين) هذا ظاهر في اشاعة الخبر بالهزيمة، وإما إشاعة الخبر بالنصر والظفر فلا يظهر فيه الضعف، وإنما يتبادر منه فرح المؤمنين وقوتهم، وقد أشار أبو السعود إلى توجيهه بما حاصله أنهم إذا أشاعوا الخبر بالنصب والظرف ربما بلغ ذلك للأعداء فهيجهم وحملهم على التحزب وإعادة الحرب، فكان مفسدة بهذا الاعتبار تأمل. قوله: مِنْهُمْ أي في الظاهر، وإن كانوا في نفس الأمر ليسوا منهم، وهذا التأويل محتاج إليه على القول الأول فيمن نزلت فيه دون اهـ شيخنا.\rقوله: (حتى يخبروا به) بالبناء للمفعول أي حتى يخبرهم النبي أو كبار الصحابة أو بالبناء للفاعل أي حتى يخبر النبي وكبار الصحابة به. قوله: (هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا) فيه إشارة إلى أن قوله لعلمه الذين الخ معناه لعلموا كيفيته وصفته، وإلا فهم كانوا عالمين به من قبل وصفته هي كونه ينبغي أن يذاع أو لا اهـ شيخنا.","part":2,"page":89},{"id":628,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 90\rيتتبعونه ويطلبون علمه وهم المذيعون مِنْهُمْ من الرسول وأولي الأمر وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَرَحْمَتُهُ لكم بالقرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيما يأمركم به من الفواحش إِلَّا قوله: (و هم المذيعون) تفسير للذين يستنبطونه، وحينئذ في الكلام إظهار في مقام الإضمار، والأصل لعلموه، وقوله منهم متعلق بعلمه أي لعلمه المستنبطون من جهة الرسول أو كبار الصحابة، وفي الشهاب واستنباطهم إياه من الرسول وأولي الأمر تلقيهم ذلك من قبلهم، فمن على هذا ابتدائية والظرف لغو متعلق بيستنبطون اهـ أبو السعود.\rوقيل: كان ضعفاء المسلمين يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا مظنونا غير معلوم فيذيعونه فيعود ذلك وبالا على المؤمنين، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم، ونعلم هل مما يذاع أو لا يذاع لعلم هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم، انتهت.\rقوله: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (بالإسلام الخ) هكذا سلك هذا التوزيع وهو غير متعين، وعبارة البيضاوي: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسول وانزال الكتاب اهـ.\rوعبارة الخازن: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، يعني ولو لا فضل اللّه عليكم ببعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنزال القرآن ورحمته بالتوفيق والهداية اهـ.\rومن المعلوم أن لو لا حرف امتناع لوجود أي تدل على امتناع الجواب لوجود الشرط، فالمعنى هنا انتفى اتباعكم الشيطان لوجود فضل اللّه عليكم ورحمته. قوله: إِلَّا قَلِيلًا أي ممن اهتدى بعقله الصائب إلى معرفة اللّه وتوحيده، كقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل قبل بعثة النبي. وفي كلام الشيخ المصنف إشارة إلى جواب عن سؤال كيف استثنى القليل بتقدير انتفاء الفضل والرحمة، مع أنه لولاهما لاتبع الكل الشيطان وإيضاح ذلك أن الاستثناء راجع إلى قوله: أذاعوا به، أو إلى قوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم أي لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل. قال الفراء، والمبرد: القول الأول أولى، لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه، والأكثر يجهله أو إلى قوله: لاتبعتم الشيطان، بلكن بتقييد الفضل والرحمة بإرسال الرسول، وانزال القرآن لا يقال مقتضاه عدم اتباع اكثر الناس للشيطان والواقع خلافه، وفي الحديث «الإسلام في الكفر كالشعرة البيضاء في الثور الأسود»، لأن الخطاب في الآية للمؤمنين اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: قوله: إِلَّا قَلِيلًا فيه ستة أوجه.\rأحدها: أنه مستثنى من فاعل اتبعتم أي لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم، فإنه لم يتبع الشيطان على تقدير كون فضل اللّه لم يأت، ويكون أراد بالفضل إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك القليل كقس بن ساعدة الإيادي وعمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل ممن كان على دين المسيح عليه السّلام قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 91\r\rدها: أنه مستثنى من فاعل اتبعتم أي لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم، فإنه لم يتبع الشيطان على تقدير كون فضل اللّه لم يأت، ويكون أراد بالفضل إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك القليل كقس بن ساعدة الإيادي وعمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل ممن كان على دين المسيح عليه السّلام قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.\rالثاني: أن المراد من لم يبلغ التكليف، وعلى هذا التأويل فالاستثناء منقطع، لأن المستثنى لم يدخل تحت الخطاب.\rالثالث: أنه مستثنى من فاعل أذاعوا أي أظهروا أمر الأمن أو الخوف إلا قليلا.","part":2,"page":90},{"id":629,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 91\rقَلِيلًا (83) فَقُتِلَ يا محمد\rفِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ فلا تهتم بتخلفهم عنك المعنى قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ حثّهم على القتال ورغبهم فيه عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ حرب الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً منهم وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) تعذيبا منهم فقال صلّى اللّه عليه وسلّم «و الذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف اللّه بأس الرابع: أنه مستثنى من فاعل لعلمه أي لعلمه المستنبطون منهم إلا قليلا.\rالخامس: أنه مستثنى من فاعل لوجدوا أي لوجدوا فيما هو من عند غير التناقض إلا قليلا منهم، وهو من لم بمعنى النظر، فنظر الباطل حقا والمتناقض متوافقا.\rالسادس: أن المخاطب بقوله لاتبعتم جميع الناس على العموم، والمراد بالقليل أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة اهـ.\rقوله: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جواب شرط مقدر. أي إذا كان الأمر كما حكي من عدم طاعة المنافقين وكيدهم وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام، فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا اهـ أبو السعود.\rوفي السمين أنه معطوف على قوله فقاتلوا أولياء الشيطان اهـ.\rقوله: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ في هذه الجملة قولان، أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل فقاتل أي فقاتل حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها. والثاني: أنها مستأنفة أخبره تعالى أنه لا يكلفه غير نفسه اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: لا تكلف إلا نفسك أي إلا فعل نفسك فلا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدم أنت إلى الجهاد، وان لم يساعدك أحد، فإن اللّه ناصرك اهـ.\rقوله: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي بذلا للنصيحة، فإنهم آثمون بالتخلف لما أن القتال كان مفروضا عليهم إذ ذاك لما علمت أن فرضه في السنة الثانية، وهذه القضية في الرابعة اهـ شيخنا.\rوالتحريض: الحث على الشيء. قال الراغب: كأنه في الأصل إزالة الحرض، والحرض في الاصل ما لا يعتد به ولا خير فيه، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك حرض. قال تعالى: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً [يوسف: 85] اهـ سمين.\rقوله: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي صولة اهـ خازن.\rوفي المصباح: وهو ذو بأس أي شدة وقوة اهـ.\rقوله: وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا التنكيل تفعيل من النكل وهو القيد، ثم استعمل في كل عذاب اهـ سمين.\rوفي المصباح: نكل به ينكل من باب قتل نكلة قبيحة اصابه بنازلة، ونكل به بالتشديد مبالغة والاسم النكال اهـ.\rقوله: (و لو وحدي) إنما قال ذلك لكون بعضهم توقف في الخروج معه لما ثبطهم نعيم بن","part":2,"page":91},{"id":630,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 92\rالكفار بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبي سفيان عن الخروج كما تقدم في آل عمران\rمَنْ يَشْفَعْ بين الناس شَفاعَةً حَسَنَةً موافقة للشرع يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ من الأجر مِنْها بسببها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً مخالفة له يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ نصيب من الوزر مِنْها بسببها وَكانَ اللَّهُ عَلى مسعود الأشجعي، كما تقدم في آل عمران عند قوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ [آل عمران: 172] الآية.\rقوله: (فخرج بسبعين راكبا) أي في السنة الرابعة، وذلك لأن أحدا كانت في الثالثة، ولما انصرف منها أبو سفيان نادى بأعلى صوته: يا محمد موعدك العام القابل في بدر، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن شاء اللّه» فلما جاء العام القابل طلب النبي المؤمنين للخروج معه، وقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [آل عمران: 172] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (بسبعين راكبا) هذا قول ضعيف في السير، والراجح ما في المذاهب ونصها، فخرج عليه الصلاة والسّلام ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه وعشرة أفراس، واستخلف على المدينة عبد اللّه بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران اهـ.\rقوله: (و منع أبي سفيان) مصدر مضاف لمفعوله أي: ومنع اللّه أبا سفيان من الخروج من مكة أو لفاعله أي ومنع أبي سفيان لقريش من الخروج اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً الخ جملة مستأنفة سيقت لبيان أن له عليه الصلاة والسّلام في تحريض المؤمنين حظا وافرا، فإن الشفاعة هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة دنيوية أو أخروية أو إلى خلاص من مضرة، كذلك من الشفع كأن المشفوع له كان فردا فجعله الشفيع شفعا أي منفعة أجلّ مما حصل للمؤمنين بتحريضهم على الجهاد، ويندرج في الشفاعة الدعاء للمسلم فإنه شفاعة إلى اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: (من الأجر) أي من أجرها، وقد بيّن النصيب في حديث «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجب له، وقال الملك: ولك مثل ذلك» فهذا بيان لمقدار النصيب الموعود به اهـ أبو السعود.\rالأولى أن المراد الأجر من حيث هو لأن الشفيع له حظ من الخير من حيث هو وان لم يكن هو المرتب عليها اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً الظاهر ان إطلاق الشفاعة هنا من قبيل المشاكلة، لأن حقيقتها اللغوية تقتضي أنها لا تكون إلا في الخير اهـ.\rوفي الخازن: ومن يشفع شفاعة سيئة قيل هي النميمة، وقيل الحديث لايقاع العداوة بين الناس، وقيل: أراد بالشفاعة السيئة دعاء اليهود على المسلمين، وقيل: معناه من يشفع كفره بقتال المؤمنين اهـ.\rقوله: كِفْلٌ مِنْها في المصباح الكفل وزان حمل الضعف من الأجر أو الإثم اهـ.\rوفي القاموس: الكفل بالكسر الضعف والنصيب والحظ، وفيه أيضا ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلا وأضعافه أمثاله.","part":2,"page":92},{"id":631,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 93\rكُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) مقتدرا فيجازي كل أحد بما عمله\rوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ كأن قيل لكم سلام عليكم فَحَيُّوا المحيي بِأَحْسَنَ مِنْها بأن تقولوا له عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته أَوْ وفي السمين: واستعمال الكفل في الشر أكثر من استعمال النصيب فيه، وان كان كل منهما قد يستعمل في الخير، كما قال تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ولقلة استعمال النصيب في الشر، وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة اهـ.\rقوله: مُقِيتاً في المختار: أقات على الشيء اقتدر عليه، وقال العلماء: المقيت المقتدر كالذي يعطي كل رجل قوته، قال اللّه تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً وقيل المقيت الحافظ للشيء والشاهد له اهـ.\rقوله: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ الخ ترغيب في فرد شائع من أفراد الشفاعة الحسنة بعد الترغيب فيها على الإطلاق، فإن تحية الإسلام شفاعة من اللّه للمسلم عليه، وأصل التحية الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا يقول: حياك اللّه ثم استعملها الشرع في السّلام اهـ أبو السعود.\rفمعنى: وإذا حييتم أي إذا سلم عليكم، ومعنى فحيوا بأحسن منها ردوا على المسلم ردا أحسن من ابتدائه، وفي السمين: التحية في الأصل الملك والبقاء، ومنه التحيات للّه، ثم استعمل في السّلام مجازا. قال الراغب: وأصل التحية الدعاء بالحياة، ثم جعل كل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو لكونه سببا للحياة، وأصل التحية أن يقول حياك اللّه، ثم استعمل في عرف الشرع في دعاء مخصوص اهـ.\rوإنما اختار الشرع لفظ السّلام على لفظ حياك اللّه لأنه أتم وأحسن وأكمل، لأن معنى السّلام السلامه من الآفات، فإذا دعا الإنسان لأخيه بطول الحياة كانت الحياة صادقة بأن تكون مذمومة بخلاف الدعاء بالسلامة من الآفات، فانها تستلزم طول الحياة الهنيئة، ولأن السّلام من أسمائه تعالى، فكأن المسلم يقول اسم اللّه عليك بالحفظ والمعونة اهـ شيخنا.\rقوله: بِتَحِيَّةٍ أصلها تحيية كتنمية وتزكية نقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها ثم ادغمت فيها بعدها اهـ شيخنا.\rقوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أي إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم، فإذا قال السّلام عليكم فيزيد الراد ورحمة اللّه، وإذا قال: ورحمة اللّه فيزيد الراد وبركاته. روي أن رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: السّلام عليك، فقال: «و عليك السّلام ورحمة اللّه» وقال آخر: السّلام عليك ورحمة اللّه، فقال:\r«و عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته»، وقال آخر: السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته، فقال:\r«و عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته»، وقال آخر: السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته، فقال: «و عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته»، فقال الرجل: نقصتني الفضل على سلامي، فأين ما قال اللّه أي من الفضل؟ وتلا الآية فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لم تترك لي فضلا فرددت عليه مثله»، لأن ذلك هو النهاية لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة من المضار وحصول المنافع وثباتها، وظاهر الآية أنه لو ردّ عليه بأقل مما سلم عليه به أنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء أنه يكفي، وتحمل الآية على أنه الأكمل اهـ خطيب.","part":2,"page":93},{"id":632,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 94\rرُدُّوها بأن تقولوا له كما قال أي الواجب أحدهما والأول أفضل إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) محاسبا فيجازي عليه ومنه ردّ السّلام وخصت السنه الكافر والمبتدع والفاسق والمسلم على قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل فلا يجب الرد عليهم بل يكره في غير الأخير ويقال للكافر وعليك\rاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ واللّه لَيَجْمَعَنَّكُمْ من قبوركم إِلى في يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ شك فِيهِ وَمَنْ أي لا أحد أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) قولا ولما رجع ناس من وقال العلماء: يستحب لمن يبتدىء بالسلام أن يقول: السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته فيأتي بضمير الجمع، وإن كان المسلم عليه واحدا ويقول المجيب: وعليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم. وروي أن رجلا سلم على ابن عباس فقال: السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ثم زاد شيئا، فقال ابن عباس ان السّلام انتهى إلى البركة اهـ خازن.\rقوله: أَوْ رُدُّوها أي ردوا مثلها لأن عينها محال، فحذف المضاف نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، وأصل حيوا حييوا بياء مشددة مكسورة ثم أخرى مضمومة بوزن علموا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان الياء والواو فحذفت الياء وضم ما قبل الواو اهـ سمين.\rقوله: (الكافر) أي إذا كان سلما وكذا ما بعده وجملتهم أربعة: الكافر والمبتدع والفاسق والمسلم على قاضي الحاجة، ومن ذكر معه، وقوله: فلا يجب الرد عليهم أي على الأربعة المذكورين.\rقوله: (و الآكل) أي بالفعل أي الذي فمه مشغول باللقمة بخلافه وقت خلو فمه منها، فإنه إذا سلم عليه حينئذ يجب عليه الردّ اهـ شيخنا.\rقوله: (و يقال للكافر) الخ وذلك لأنه يقول في سلامه: السام عليك والسام الموت، فيقال له في الرد عليه: وعليك أي عليك ما قلت من الموت، وهو يدعو على المسلم بالموت، فيرد عليه المسلم الدعاء عليه بعين دعائه اهـ شيخنا.\rقوله: (و يقال للكافر وعليك) أي على سبيل الوجوب كما شرح الرملي، وقيل ندبا كما ذكره ابن حجر.\rقوله: اللَّهُ مبتدأ ولا إله إلا هو خير، وهذه الآية نزلت في منكري البعث اهـ خازن. قوله:\rلَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب قسم محذوف أي واللّه ليحشرنكم في قبوركم. والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو خبر ثان للمبتدأ أو هي الخبر ولا إله إلا هو اعتراض اهـ أبو السعود.\rقوله: (في) يَوْمِ الْقِيامَةِ أشار إلى أن إلى بمعنى في أو يضمن ليجمعنكم ليحشرنكم فيتعدى بإلى كما اختاره القاضي كالكشاف، لأن التوسع في الفعل أكثر من التوسع في الحرف كما قاله المحققون اهـ كرخي.\rقوله: لا رَيْبَ فِيهِ فيه وجهان، أحدهما: أنه في محل نصب على الحال من يوم، فالضمير في فيه يعود عليه. والثاني: أنه في محل نصب نعتا لمصدر محذوف دل عليه ليجمعنكم أي جمعا لا ريب","part":2,"page":94},{"id":633,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 95\rأحد اختلف الناس فيهم فقال فريق اقتلهم وقال فريق لا فنزل\r* فَما لَكُمْ أي ما شأنكم صرتم فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ فرقتين وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ردهم بِما كَسَبُوا من الكفر والمعاصي أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَ ه اللَّهُ أي تعدوهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار فيه، فالضمير يعود عليه، والأول أظهر وحديثا منصوب على التمييز اهـ سمين.\rقوله: (و لما رجع ناس) أي من المنافقين، وقوله: اختلف الناس أي الصحابة، وقوله: فقال فريق اقتلهم يا رسول اللّه للامارة الدالة على كفرهم، وقال فريق لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين والعتاب في الحقيقة للفريق الثاني القائل لا تقتلهم اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والمراد بالمنافقين هنا عبد اللّه بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما تقدم في آل عمران.\rقوله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ما: مبتدأ، ولكم: خبره، وفي المنافقين متعلق بفئتين، وفئتين منصوب خبرا لصار المحذوف، كما قدره الشارح. وفي السمين: فما لكم مبتدأ وخبر، وفي المنافقين فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بما تعلق به الخبر، وهو لكم أي أي شيء كائن لكم او مستقر لكم في امر المنافقين. والثاني: انه متعلق بمعنى فئتين فإنه في قوة ما لكم تفترقون في أمور المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثالث: انه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين، لأنه في الأصل صفة لها تقديره فئتين مفترقتين في المنافقين، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا، وفي فئتين وجهان، أحدهما: انها حال من الكاف والميم في لكم والعامل فيها الاستقرار الذي تعلق به لكم، ومثله فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] وقد تقدم أن هذه الحال لازمة لأن الكلام لا يتم بدونها، وهذا مذهب البصريين في كل ما جاء من هذا التركيب.\rوالثاني: وهو مذهب الكوفيين أنه نصب على انه خبر كان مضمرة، والتقدير ما لكم في المنافقين كنتم فئتين اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ حال من المنافقين، وهو الظاهر أو مستأنف. والركس: رد الشيء مقلوبا، ويقال: ركسهم بالتشديد والتخفيف كما قرئ بذلك اهـ أبو السعود. وفي المصباح: وركست الشيء ركسا من باب قتل قلبته، ورددت أوله على آخره بالألف رددته على رأسه اهـ.\rوفي السمين: وعن الكسائي وغيره الركس والنكس قلب الشيء على رأسه أو رد أوله على آخره، وقال الراغب: معناهما الرد. والنكس: ابلغ لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس ما جعل رجيعا بعد أن كان طعاما اهـ.\rقوله: (ردهم) بِما كَسَبُوا أي ردهم عن القتال، ومنعهم منه حرمانا لهم بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي، وهذا المعنى هو اللائق بسبب النزول الذي ذكره. وفي الكرخي: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل، وهذا التفسير لا يناسب ما ذكره الشارح في سبب النزول، وإنما يناسب قولا آخر من الاقوال التي ذكرها الخازن فليراجع.\rقوله: (و الاستفهام في الموضعين للانكار) أي مع التوبيخ أي لا ينبغي لكم أن تختلفوا في قتلهم","part":2,"page":95},{"id":634,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 96\rوَمَنْ يُضْلِلِ ه اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) طريقا إلى الهدى\rوَدُّوا تمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ أنتم وهم سَواءً في الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ توالونهم وإن أظهروا الإيمان حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هجرة صحيحة تحقق إيمانهم فَإِنْ تَوَلَّوْا وأقاموا على ما هم عليه فَخُذُوهُمْ بالأسر وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا توالونه وَلا نَصِيراً (89) تنصرون به على عدوكم\rإِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ يلجؤون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد بالأمان لهم ولا ينبغي لكم أن تعدوهم في المهتدين والتوبيخ للفريق القائل للنبي لا تقتلهم أي ينبغي لكم أن تجمعوا على قتلهم لظهور كفرهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ (ه) اللَّهُ فيه تغيير نظم القرآن كما سبق له في قوله: وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ [النساء: 52]، وفي بعض النسخ عدم ذكر الضمير وهي ظافرة اهـ.\rقوله: لَوْ تَكْفُرُونَ لو: مصدرية أي كفركم، وقوله: كَما كَفَرُوا نعت لمصدر محذوف أي لو تكفرون كفرا مثل كفرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَتَكُونُونَ سَواءً مفرع على تكفرون. قوله: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ جواب شرط محذوف أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفرهم فلا توالوهم، وجمع الأولياء لمراعاة جمعية المخاطبين، فالمراد النهي عن أن يتخذ منهم ولي ولو واحدا اهـ أبو السعود.\rقوله: حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ المراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للقتال في سبيله مخلصين صابرين محتسبين. قال عكرمة: هي هجرة أخرى. والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة للمؤمنين في أول الإسلام وهي قوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [الحشر: 8] وقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: 100] ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صابرا محتسبا لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا، وهجرة عن جميع المعاصي قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه» اهـ خطيب.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الهجرة في سبيل اللّه المراد بها القتال مع المسلمين مع الاخلاص والنصح، وقوله: وأقاموا على ما هم عليه وهو النفاق من غير هجرة ومن غير صدق ونصح مع المسلمين تأمل.\rقوله: حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في حل أو حرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين قتلا وأسرا اهـ أبو السعود.\rوهذا مشكل من حيث إن المنافقين ينطقون بالشهادتين، ومن نطق بهما لا يجوز أسره ولا قتله إلا أن يحمل هذا على قوم من المنافقين ارتدوا وصرحوا بالكفر فليتأمل. ويؤيد هذا الحمل قوله الآتي:\rستجدون آخرين الخ الذي هو في قوم أظهروا الإسلام لأجل أن يأمنوا من القتل والأسر، وسيأتي أنهم يقتلون ويؤسرون إن قاتلونا وإلا فلا يقتلون ولا يؤسرون.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ هذا مستثنى من الأخذ والقتل فقط، وأما الموالاة فحرام","part":2,"page":96},{"id":635,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 97\rولمن وصل إليهم كما عاهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هلال بن عويمر الأسلمي أَوْ الذين جاؤُكُمْ وقد حَصِرَتْ ضاقت صُدُورُهُمْ عن أَنْ يُقاتِلُوكُمْ مع قومهم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم أي مطلقا لا تجوز بحال، ويشير إلى هذا صنيع الشارح حيث قال: فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل حيث قصر مفاد الاستثناء على عدم التعرض لهم. وعبارة الكرخي قوله: إِلَّا الَّذِينَ استثناء من ضمير المفعول في فاقتلوهم، لا من قوله: وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وان كان أقرب مذكور، لأن اتخاذ الولي منهم حرام بلا استثناء بخلاف قتلهم، انتهت.\rقوله: (يلجؤون) أي يلتجئون ويستندون إليهم أي إلى القوم الذين استندوا والتجؤوا لما عقدتم لهم الأمان، فلا تقتلوهم لأنهم صاروا في أمانكم بواسطة اهـ شيخنا.\rقوله: إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم الأسلميون. كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمي، على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: هم بنو بكر بن زيد، وقيل هم خزاعة اهـ أبو السعود.\rوالمعنى أنه من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم اهـ خازن.\rقوله: أَوْ جاؤُكُمْ عطف على يصلون كما صنع الشارح أي وإلّا الذين جاؤوكم تاركين للقتال، فالمستثنى فريقان فريق التجأ إلى المعاهدين، وفريق ترك قتالنا مع قومه وقتال قومه هنا اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين قوله: أو جاؤوكم فيه وجهان، أظهرهما: أنه عطف على الصلة كأنه قيل أو إلا الذين جاؤوكم حصرت صدورهم، فيكون المستثنى صنفين من الناس أحدهما من وصل إلى قوم معاهدين، والآخر من جاء غير مقاتل للمسلمين ولا لقومه. والثاني: أنه معطوف على صفة قوم وهي قوله بينكم وبينهم ميثاق، فيكون المستثنى صنفا واحدا يختلف باختلاف من يصل إليه من معاهد وكافر، واختار الأول الزمخشري وابن عطية. قال الزمخشري: والوجه العطف على الصلة لقوله:\rفَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا بعد قوله: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ فظهر أن كفهم عن القتال أحد نسبتي استحقاقهم لنفي التعرض لهم وترك الإيقاع بهم اهـ.\rقوله: (و قد) حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ وهم بنو مدلج. جاؤوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير مقاتلين اهـ أبو السعود.\rوأشار الشارح إلى أن هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وقد مقدرة، وقيل: لا حاجة إلى تقديرها لأنه قد جاء الماضي حالا بغيرها كثيرا فإن لم تقدر قد فهو دعاء عليهم، كما تقول لعن اللّه الكافر اهـ كرخي.\rوفي السمين: وإذا وقعت الحال فعلا ماضيا ففيها خلاف هل يحتاج إلى اقترانه بقيد أم لا؟\rوالراجح عدم الاحتياج لكثرة ما جاء منه، فعلى هذا لا تقدر قد قبل حصرت اهـ.\rوفي المصباح: حصر الصدر حصرا من باب تعب ضاق، وحصر القارىء منع من القراءة فهو حصير، والحصور الذي لا يشتهي النساء، وحصير الأرض وجهها، والحصير: الحبس، والحصير","part":2,"page":97},{"id":636,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 98\rممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف وَلَوْ شاءَ اللَّهُ تسليطهم عليكم لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بأن يقوي قلوبهم فَلَقاتَلُوكُمْ ولكنه لم يشأه البادية وجمعها حصر مثل بريد وبرد وتأنيثها بالهاء عامي اهـ.\rقوله: (و هذا) أي قوله إلا الذين يصلون، وقوله أو جاؤوكم الخ وما بعده هو قوله: فإن اعتزلوكم الخ، ومن جملة ما بعده مفهوم قوله: لم يعتزلوكم الخ فهو أيضا منسوخ، فهذه الأقسام الأربعة منسوخة بآية السيف الآمرة بقتالهم سواء قاتلوا أو لا وسواء التجؤوا إلى المعاهدين أو لا اهـ شيخنا.\rفإن قلت: كيف يستقيم النسخ مع أن هؤلاء الطوائف لا يخلون من أمان، والمؤمن معصوم، والمعصوم لا يجوز قتله ولا قتاله؟ ويجاب بأن هذا إنما هو بعد تقرر الإسلام. وأما قبل تقرره فكان المشركون لا يقرون بأمان، وإنما يقبل منهم الإسلام أو السيف. وعبارة الخازن: وقال جماعة من المفسرين: معاهدة المشركين وموادعتهم في هذه الآية منسوخة بآية السيف، وذلك لأن اللّه لما أعز الإسلام وأهله أمر ألّا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل اهـ.\rوبعد ذلك فآية السيف قد خصص عمومها بغير المؤمنين والمعاهدين، كقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 4] تأمل. قوله: وَلَوْ شاءَ الخ هذا من تذكير النعمة، ففيه حث على امتثال ترك قتالهم، فكأنه قال: ينبغي لكم الامتثال في هذه الحالة، لأن تسكينهم عنكم من فضله اهـ شيخنا.\rوهذا راجع للشق الثاني من شقي الاستثناء، كما يشير له قول الشارح بأن يقوي قلوبهم. وعبارة أبي السعود: ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم جملة مبتدأة جارية مجرى التعليل لاستثناء الطائفة الأخيرة من حكم الأخذ والقتل ونظمهم في سلك الطائفة الأولى الجارية مجرى المعاهدين مع عدم تعلقهم بمن عاهدونا كالطائفة الأولى، أي ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم\rببسط صدورهم وتقوية قلوبهم وإزالة الرعب عنها اهـ.\rقوله: فَلَقاتَلُوكُمْ هذا في الحقيقة هو جواب لو وما قبله توطئة له، وهذه اللام هي اللام في قوله: لسلطهم عليكم وأعيدت توكيدا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: اللام جواب لو لعطفه على الجواب اهـ.\rوفي أبي السعود: واللام جواب لو علي التكرير أو الابدال اهـ.\rقوله: (و لكنه لم يشأه الخ) أشار بهذا إلى تتميم القياس المشار إليه بذكر الكبرى التي هي الشرطية فتممه بذكر صغراه التي هي نقيض المقدم، وذكر النتيجة بقوله: (فألقى في قلوبهم الرعب،) لكنه ذكرها بمعناها لا بلفظها إذ صورتها أن يقال فلم يسلطهم عليكم لكن هذا مساو لقوله في قلوبهم الرعب، لكن يرد على هذا الصنيع أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج عندهم، بل هم عقيم لكنه في بعض المواد قد ينتج إذا كان المقدم مساويا للتالي، فينتج من هذه الحيثية وان لم يكن انتاجه عليه مطردا اهـ.","part":2,"page":98},{"id":637,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 99\rفألقى في قلوبهم الرعب فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ الصلح أي انقادوا فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) طريقا بالأخذ والقتال\rسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ بإظهار الإيمان عندكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ بالكفر إذا رجعوا إليهم وهم أسد وغطفان كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ عدا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها وقعوا أشد وقوع فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ بترك قتالكم وَلم يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَقوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ الخ هذا مفهوم قوله: أو جاؤوكم فهذا من تمام الشق الثاني من الاستثناء، كما يقتضيه صنيع أبي السعود ونصه: فإن اعتزلوكم ولم يعترضوا لكم فلم يقاتلوكم مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة اللّه تعالى، وألقوا إليكم السلم أي الانقياد والاستسلام، فما جعل اللّه لكم عليهم سبيلا وطريقا بالأسر والقتل، فإن كفهم عن قتالكم وقتال قومهم أيضا وإلقاءهم إليكم السلم وإن لم يعاهدوكم كاف في استحقاقهم لعدم تعرضكم لهم اهـ.\rقوله: (أي انقادوا) أي للصلح والإذعان ورضوا به، لكنه لم يعقد لهم بالفعل فلا بد من هذا التقييد ليصح ادعاء النسخ إذ لو عقد لهم الأمان بالفعل كان قوله: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ الخ غير منسوخ قطعا.\rقوله: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا قد علمت أن هذا منسوخ.\rقوله: سَتَجِدُونَ قيل السين للاستمرار لا للاستقبال، كقوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [البقرة: 142] وما نزلت إلا بعد قولهم ما ولاهم عن قبلتهم فدخلت السين إشعارا بالاستمرار، وقال السفاقسي: والحق أنها للاستقبال في استمرار الفعل لا في ابتدائه اهـ كرخي.\rقوله: آخَرِينَ أي قوما من المنافقين أخرين غير من سبق، وسيأتي انهم أسد وغطفان كانوا مقيمين حول المدينة هم من قبيل قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [البقرة: 14 و76] الآية اهـ شيخنا. وفي الخازن: قال ابن عباس: هم أسد وغطفان كانوا من حاضري المدينة فتكلموا بكلمة الإسلام رياء وهم غير مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه بماذا آمنت؟ فيقول: أمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء. وإذا لقوا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها نزلت في بني عبد الدار وكانوا بهذه الصفة اهـ.\rقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ أي يأمنوكم من قتالكم باظهار الإسلام عندكم اهـ شهاب.\rقوله: (وقعوا أشد وقوع) عبارة الخازن: رجعوا إلى الشرك وعادوا إليه منكوسين على رؤوسهم انتهت. وهذا أنسب بتفسيره الاركاس فيما سبق والداعي لهم إلى الشرك قومهم، والموقع في نفوسهم وشياطينهم فلا تكرار بين قوله ردوا وأركسوا لان الدعوة إلى الشيء غير العود إليه اهـ كرخي.\rقوله: (فإن لم يعتزلوكم) أي المنافقون الآخرون، وقوله: ويلقوا إليكم السلم في حيز النفي أي لم ينقادوا للصلح ولم يطلبوه، وقوله ويكفوا أيديهم في حيز النفي أيضا، ومفهوم هذين القيدين وهو ما لو ألقوا السلم أي انقادوا للصلح وطلبوه ولم يقاتلوا، لأنه لا يتعرض لهم بأسر ولا قتل. وتقدم أن هذا المفهوم منسوخ لكن لا يصح القول بنسخه إلا إذا انقادوا للصلح، ولم يعقد لم بالفعل أما من عقد لهم فإنه يجب الكف عنهم وعدم التعرض لهم رأسا. قوله: حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ في المصباح: ثقفت الشيء","part":2,"page":99},{"id":638,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 100\rلم يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عنكم فَخُذُوهُمْ بالأسر وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) برهانا بينا ظاهرا على قتلهم وسبيهم لغدرهم\rوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً أي ما ينبغي أن يصدر منه قتل له إِلَّا خَطَأً مخطئا في قتله من غير قصد وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا فَتَحْرِيرُ ثقفا من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة اهـ.\rقوله: وَأُولئِكُمْ أي الموصوفون بما عدد من الصفات القبيحة اهـ أبو السعود.\rقوله: (لغدرهم) هذا هو البرهان في الحقيقة، وعبارة البيضاوي: سلطانا مبينا حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وغدرهم أو تسلطا ظاهرا حيث أذن لكم في أخذهم وقتلهم اهـ.\rقوله: (أي ينبغي) أي لا يليق ولا يصح اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا خَطَأً أي فإنه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية، والاستثناء منقطع أي لكن ان قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا خَطَأً منصوب على أنه مفعول مطلق، أي على انه صفة لمصدر محذوف أي إلّا قتلا خطأ أو منصوب على الحال أن المصدر بمعنى اسم الفاعل كما أشار الشارح. قوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً الخ حاصل ما ذكره في الخطأ ثلاثة أقسام، لأن المقتول إما مؤمن أو كافر معاهد والأول إما أن تكون ورثته مسلمين أو حربيين، فالمؤمن الذي ورثته مسلمون فيه الدية والكفارة، وكذا الكافر المؤمن، أما المؤمن الذي ورثته كفار حربيون ففيه الكفارة فقط اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن قصد رمي غيره الخ) مراده تأويل الخطأ في الآية بما يشمل شبه العمد، حتى يكون شبه العمد داخلا في صريح هذه الآية من حيث الكفارة، وحينئذ لا حاجة بالنسبة إلى شبه العمد للقياس الأولوي الذي ذكره الشارح فيما يأتي بقوله وهو العمد أولى بالكفارة من الخطأ، فكان ذكره للقياس غفلة عما سلكه هنا من تعميم الخطأ لشبه العمد اهـ شيخنا.\rقوله: (ضربه بما لا يقتل غالبا) هذا هو شبه العمد. قوله: (عليه) أشار به إلى أن قوله فتحرير مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير، أو خبر المبتدأ محذوف أي قالوا الواجب عليه تحرير. قال أبو البقاء: والجملة خبر من اهـ.\rوهذا ان جعلنا من موصولة فإن جعلناها شرطية فخبرها قتل مؤمنا خطأ وجوابها فتحرير اهـ كرخي.\rعبارة السمين: قوله: فَتَحْرِيرُ الفاء جواب الشرط أو زائدة في الخبر إن كانت من بمعنى الذي وارتفاع تحرير إما على الفاعلية أي فيجب عليه تحرير، وإما على الابتدائية والخبر محذوف أي فعليه تحرير أو بالعكس، أي فالواجب تحرير، والدية في الأصل مصدر ثم أطلقت على المال المأخوذ في","part":2,"page":100},{"id":639,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 101\rعتق رَقَبَةٍ نسمة مُؤْمِنَةٍ عليه وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ مؤداة إِلى أَهْلِهِ أي ورثة المقتول إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها وبينت السنة أنها مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وكذا بنات لبون وبنو لبون وحقاق وجذاع وأنها على عاقلة القاتل وهم عصبته إلا الأصل والفرع موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال فإن تعذر فعلى الجاني فَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ حرب لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على قاتله كفارة ولا دية تسلم إلى أهله لحرابتهم وَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد كأهل الذمة فَدِيَةٌ له مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهوديا أو نصرانيا وثلثا عشرها إن كان مجوسيا وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على قاتله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به القتل، ولذلك قال مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ والفعل لا يسلم بل الأعيان تقول: ودي يدي دية ووديا. كوشى يشي شية، فحذفت فاء الكلمة ونظيره في الصحيح اللازم زنة وعدة انتهت.\rقوله: وَدِيَةٌ معطوف على فتحرير، وقوله: إِلى أَهْلِهِ متعلق بمسلمة تقول سلمت إليه كذا، ويجوز أن يكون صفة لمسلمة وفيه ضعف اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فيه قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع. والثاني: أنه متصل. قال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق أن يصدقوا وما محله؟ قلت: تعلق بعلية أو بمسلمة كأنه قيل: ويجب عليه الدية أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه ومحلها النصب على الظرفية بتقدير حذف الزيادة كقولهم اجلس مادام زيد جالسا، ويجوز أن يكون حالا من أهله إلا متصدقين اهـ سمين.\rقوله: (بأن يعفوا) أي أهله سمى العفو عنها صدقة حثا عليه، وتنبيها على فضله، وفي الحديث:\r«كل معروف صدقة» اهـ كرخي.\rقوله: (و كذا بنات لبون) أي وبنات لبون كذا أي كبنات المخاض في كون كل عشرين وكذا يقال فيما بعده. قوله: فَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، أو بأن أتاهم بعد أن فارقهم لمهم من المهمات اهـ أبو السعود.\rقوله: (كفارة) حال. قوله: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي كان منهم دينا ونسبا، وهذا ما جرى عليه الشارح بدليل قوله: إن كان يهوديا أو نصرانيا. ويصح أن يراد أنه منهم في النسب لا في الدين، لكونه كان مؤمنا، كما ذكر أبو السعود، لكن على هذا الاحتمال ديته كاملة، وعلى هذا يراد بأهله أقاربه المسلمون إن كان له قريب مسلم. قال أبو السعود: وعلى هذا فلعل إفراد هذا بالذكر مع اندراجه في مطلق المؤمن في قوله: ومن قتل مؤمنا خطأ الخ لبيان ان كونه فيما بين المعاهدين، أو أن بعض أقاربه معاهد لا يمنع وجوب الدية، كما منعه كونه أقاربه محاربين فيما سبق اهـ.\rقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مفعوله محذوف أي فمن لم يجد الرقبة وهي بمعنى وجدان الضالة، فلذلك لواحد لا بمعنى العلم، وقوله: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ارتفاعه على أحد الأوجه المذكورة في قوله","part":2,"page":101},{"id":640,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 102\rفَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ عليه كفارة ولم يذكر اللّه تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ مصدر منصوب بفعله المقدر وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (92) فيما دبره لهم\rوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا عالما بإيمانه فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ أبعده من رحمته فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. أي فعليه صيام أو فيجب عليه أو فواجب صيام اهـ سمين.\rقوله: (و به) أي بعد الانتقال إلى الطعام أخذ الشافعي أي اقتصارا منه على الوارد من الاعتاق ثم الصوم، ولم يحمل المطلق هنا على المقيد فيما ذكر، لأن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأوصاف دون الأصول كما حمل مطلق اليد في التيمم على تقييدها بالمرافق في الوضوء ولم يحمل ترك الرأس والرجلين فيه على ذكرهما في الوضوء اهـ كرخي.\rقوله: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ في نصبه ثلاثة أوجه.\rأحدها: أنه مفعول من أجله تقديره شرع ذلك توبة من اللّه: قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون العامل فيه صيام إلا حذف مضاف أي لوقوع توبة أو لحصول توبة. يعني إنما احتيج إلى تقدير ذلك المضاف، ولم يقل ان العامل هو الصيام لأنه اختل شرط من شروط نصبه، لأن فاعل الصيام غير فاعل التوبة.\rالثاني: أنه منصوب على المصدر أي رجوعا منه إلى التسهيل حيث نقلكم من الأثقل إلى الأخف، أو توبة منه أي قبولا منه من تاب عليه إذ قبل توبته، والتقدير تاب عليكم.\rالثالث: أنها منصوبة على الحال، ولكن على حذف مضاف تقديره فعليه كذا حال كونه صاحب توبة، ولا يجوز ذلك من غير تقدير هذا المضاف، لأنك لو قلت فعليه صيام شهرين تائبا من اللّه اهـ سمين.\rقوله: (منصوب بفعله المقدر) أي فليتب أو فقد تاب اللّه عليه، وفيه أن الخطأ لا ذنب فيه، فما معنى من التوبة منه إلا أن يقال المراد بالتوبة هنا جبر ما حصل من القاتل من نوع تقصير وعدم إمعان النظر جدا وإن كان غير آثم اهـ شيخنا.\rقوله: خالِداً فِيها منصوب على الحال من محذوف، وفيه تقديران، أحدهما: يجزاها خالدا فيها، فإن شئت جعلته حالا من الضمير المنصوب أو المرفوع. والثاني: جازاه خالدا فيها بدليل وغضب اللّه عليه ولعته، فعطف الماضي عليه، فعلى هذا هي حال من الضمير المنصوب لا غير، ولا يجوز أن تكون حالا من الضمير في جزاؤه لوجهين، أحدهما: أنه مضاف إليه ومجيء الحال من المضاف إليه ضعيف أو ممتنع. والثاني: أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي وهو خبر المبتدأ الذي هو جهنم اهـ سمين.\rقوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ معطوف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة، كأنه قيل حكم اللّه أن جزاءه ذلك وغضب عليه اهـ شيخنا.","part":2,"page":102},{"id":641,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 103\rوَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) في النار وهذا مؤول بمن يستحله أو بأن هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع في خلف الوعيد لقوله وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة وبينت آية البقرة أن قاتل العمد يقتل به وأن عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبا فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد قوله: (أبعده من رحمته) فسّره بذلك لأن كل صفة تستحيل حقيقتها على اللّه تفسر بلازمها اهـ كرخي.\rقوله: (و هذا مؤول بمن يستحله) أي محمول على من يستحل القتل، وهذا جواب عن سؤال أبداه غير واحد من معظم المفسرين؛ وحاصله: أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، فكيف الحكم عليه هنا بالخلود؟ وأجاب عنه بثلاثة أجوبة: الأول والثالث ظاهران، وأما الثاني فغير صحيح إذ قوله أو بأن هذا جزاءه إن جوزي فيه تسليم أنه إذا جوزي يخلد في النار وهذا صحيح، وقد أبدل البيضاوي هذا الجواب بجواب آخر وهو حمل الخلود على المكث الطويل ونصفه، وهذا عندنا إما مخصوص بالمستحيل له كما ذكره عكرمة وغيره، أو المراد بالخلود المكث الطويل، فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم اهـ.\rقوله: (و عن ابن عباس أنها على ظاهرها الخ) عبارة الخطيب، وما روي عن ابن عباس أنه قال:\rلا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدا، كما رواه الشيخان أراد به التشديد كما قاله البيضاوي، إذ روي عنه خلافه رواه البيهقي في سننه، انتهت.\rقوله: (و أنها ناسخة لغيرها) الأولى مخصصة لغيرها وقوله من آيات المغفرة كقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: 82] وقوله: يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48 و116]. والظاهر أنه أراد التشديد والتخويف والزجر العظيم عن قتل المؤمن، لأنه أراد بعدم قبول توبته عدمه حقيقة، إذ روي عن ابن عباس أن توبه مقبولة، وظاهر أن الآية من المحكم لأنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، ولو بلفظ الخبر. أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله نسخ، ومنه الوعد والوعيد قاله الشيخ المصنف في الإتقان، وهذا أولى من حمل كلاميه على التناقض، وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ، ثم رجع عنه اهـ كرخي.\rقوله: (أن بين العمد والخطأ الخ) معنى البينة أنه أشبه كلا من وجه، وأشار الشارح لوجه الشبه بقوله: بل دية كالعمد يعني أنه أشبه العمد في كون ديته كديته في التثليث، وأنه أشبه الخطأ في كون ديته مؤجلة، وأنها على العاقلة اهـ شيخنا.\rقوله: (كالعمد) أي كدية العمد في الصفة وهي التثليث. قوله: (و الحمل) أي تحمل العاقلة لها عن الجاني. قوله: (و هو والعمد أولى الخ) مراده أن حكم كفارتهما ثلث بالقياس الأولوي، وقد علمت أنه لا يحتاج إلى هذه بالنسبة لشبه العمد على تقريره السابق من إدراجه في الخطأ حيث مثله بقوله أو ضربه بما لا يقتل غالبا، فيكون مذكورا صريحا لا مقيسا اهـ شيخنا.","part":2,"page":103},{"id":642,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 104\rأولى بالكفارة من الخطأ. ونزل لما مرّ نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية فقتلوه واستاقوا غنمه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ سافرتم للجهاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وفي قراءة بالمثلثة في الموضعين وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى قوله: (و نزل لما مر نفر من الصحابة برجل الخ) عبارة الخازن. قال ابن عباس: نزلت في رجل من بني مرة بن عون يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي، فهربوا منه، وأقام ذلك الرجل المسلم، فلما رأى الخيل خاف ألّا يكونوا مسلمين فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد هو الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبّرون فعرف أنهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكبر ونزل وهو يقول: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه السّلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد بسيفه فقتله واستاق غنمه، ثم رجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاخبروه الخبر، فوجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أقتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أسامة بن زيد هذه الآية. فقال أسامة: استغفر لي يا رسول اللّه. فقال: «كيف أنت بلا إله إلا اللّه يقولها ثلاث مرات»؟\rقال أسامة: فما زال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. ثم استغفر له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «أعتق رقبة». روى أبو ظبيان عن أسامة فقال: قلت يا رسول اللّه إنما قالها خوفا من السلاح، فقال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا».\rوفي رواية عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه غنم فسلم عليهم، فقالوا: إنما سلّم عليكم ليتعوذ منكم فقاموا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فانزل اللّه عز وجل هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني إذا سافرتم إلى الجهاد فتبينوا من البيان. يقال تبينت الأمر إذا تثبته قبل الإقدام عليه، وقرئ فتثبتوا من التثبت وهو خلاف العجلة، والمعنى فقفوا وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا حقيقة الأمر الذي تقدمون عليه، انتهت.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما بيّن حكم القتل بقسميه، وبيّن أن الذي يتصور صدوره من المؤمن هو الخطأ شرع في التحذير عما يؤدي إليه من قلة المبالاة في الأمور اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة بالمثلثة) أي فتثبتوا. وقوله في الموضعين هذا، وقوله الآتي فتبينوا وبقي موضع آخر في القرآن يقرأ بالوجهين أيضا، وهو قوله تعالى في الحجرات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6] اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وتفعل على كلتا القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب أي اطلبوا التثبت أو البيان اهـ.\rقوله: لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ اللام للتبليغ هنا، ومن موصولة أو موصوفة وألقى هنا ماضي اللفظ إلا أنه بمعنى المستقبل أي لمن يلقي، لأن النهي لا يكون عما وقع وانقضى الماضي إذا وقع صلة صلح للمضي والاستقبال اهـ سمين.","part":2,"page":104},{"id":643,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 105\rإِلَيْكُمُ السَّلامَ بالألف ودونها أي التحية أو الانقياد بقوله كلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام لَسْتَ مُؤْمِناً وإنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك فتقتلوه تَبْتَغُونَ تطلبوه بذلك عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاعها من الغنيمة فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تغنيكم عن قتل مثله لما له كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالإيمان والاستقامة فَتَبَيَّنُوا أن تقتلوا مؤمنا وافعلوا بالداخل في قوله: (و دونها) أي السلم بفتح السين واللام، وقوله: أي التحية يرجع لقوله بألف وقوله: أي الانقياد الخ يرجع لقوله: ودونها، فهو لف ونشر مرتب، وقد عرفت أنه في بيان السبب اقتصر على قول، وهنا أشار قولين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة السلم بفتح السين واللام من غير ألف، وباقي السبعة السّلام بألف. وروي عن عاصم السلم بكسر السين وسكون اللام فأما السّلام فالظاهر أنه التحية، وقيل: الاستسلام والانقياد، والسلم بفتحها الانقياد فقط، وكذا السلم بالكسر والسكون اهـ.\rقوله: (فتقتلوه) عطف على قوله. ولا تقولوا أي فلا تقتلوه، وهذا هو المقصود بالتوبيخ والنهي اهـ.\rقوله: تَبْتَغُونَ الخ حال من فاعل لا تقولوا، لكن لا على أن يكون النهي راجعا للقيد فقط، كما في قولك لا تطلب العلم تبتغي به الجاه، بل على أنه راجع إليهما جميعا أي لا تقولوا له ذلك ولا تبتغوا العرض الفاني اهـ أبو السعود.\rقوله: (من الغنيمة) وهي غنمه اهـ.\rقوله: فَعِنْدَ اللَّهِ تعليل للنهي المذكور اهـ أبو السعود.\rوالمغانم: جمع مغنم وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان ثم يطلق على ما يؤخذ من مال العدو إطلاقا للمصدر على اسم المفعول نحو ضرب الأمير اهـ سمين.\rقوله: كَذلِكَ كُنْتُمْ الخ أي كنتم مثل الرجل المذكور في مبادىء الإسلام لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها، فمنّ اللّه عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم اهـ أبو السعود، فاسم الإشارة راجع لمن في قوله لمن ألقى إليكم السلم.\rقوله: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ عطفا على كنتم. قوله: (الاشتهار بالايمان الخ) عبارة الخازن: فمن اللّه عليكم يعني بالإسلام والهداية، وقيل: معناه منّ عليكم باعلان الإسلام بعد الاختفاء، وقيل: منّ عليكم بالتوبة. اهـ.\rقوله: فَتَبَيَّنُوا تأكيد لفظي للأول، وقيل ليس تأكيدا لاختلاف متعلقيهما، فإن تقدير الأول فتبينوا في أمر من تقتلونه، وتقدير الثاني فتبينوا نعمة اللّه أو تثبتوا فيها، والسياق يدل على ذلك لأن الأصل عدم التأكيد اهـ سمين.","part":2,"page":105},{"id":644,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 106\rالإسلام كما فعل بكم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) فيجازيكم به\rلا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عن الجهاد غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالرفع صفة والنصب استثناء من زمانة أو عمى أو نحوه وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ لضرر دَرَجَةً قوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ الخ بيان لتفاوت طبقات المؤمنين بحسب تفاوتهم في الجهاد بعد ما مرّ من الأمر به وتحريض المؤمنين عليه، ليأنف القاعد عنه، ويترفع بنفسه عن انحطاط رتبته فيتحرك له رغبة في ارتفاع طبقته اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق بمحذوف لأنه حال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه القاعدون، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي. والثاني: أنه الضمير المستكن في القاعدون، لأن أل بمعنى الذي أي الذين قعدوا في هذه الحال، ويجوز أن تكون من للبيان اهـ سمين.\rقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وعاصم «غير» بالرفع، والباقون بالنصب، والأعمش بالجر، فالرفع على وجهين، أظهرهما: أنه على البدل من القاعدون، وإنما كان هذا أظهر لأن الكلام نفي والبدل ومعه أرجح لما قرر في علم النحو. والثاني أنه رفع على الصفة للقاعدون، ولا بدّ من تأويل ذلك لأن غير لا تتعرف بالإضافة: ولا يجوز اختلاف النعت والمنعوت تعريفا وتنكيرا وتأويله إما بأن القاعدين لما لم يكونوا ناسا بأعيانهم، بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصوفا بها كما توصف، وإما بأن «غير» قد تتعرف إذا وقعت بين ضدين، وهذا كما تقدم في إعراب غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ في أحد الأوجه، وهذا كله خروج عن الأصول المقررة، فلذلك اخترت الأول. والنصب على أحد أوجه ثلاثة، الأول: النصب على الاستثناء من القاعدون، وهو الأظهر، لأنه المحدث عنه. والثاني: من المؤمنين وليس بواضح. والثالث: على الحال من القاعدون والجر على الصفة للمؤمنين، وتأويله كما تقدم في وجه الرفع على الصفة، وقوله فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ كل من الجارين متعلق بالمجاهدين اهـ سمين.\rقوله: (من زمانة) بيان للضرر وهي الابتلاء والعاهة، وقوله: أو نحوه كالعرج وأفرد الضمير لأن العطف بأو. قوله: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً يعني فضيلة في الآخرة. قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هنا أولي الضرر. أي فضل اللّه المجاهدين على أولي الضرر درجة، لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية، وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد، فنزلوا عن المجاهدين درجة، وكلا يعني من المجاهدين والقاعدين وعد اللّه الحسنى. يعني لجنة بإيمانهم، وفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ يعني في سبيل اللّه على القاعدين. يعني الذين لا عذر لهم ولا ضر، وأجرا عظيما يعني ثوابا جزيلا، ثم فسّر ذلك الأجر العظيم، فقال: درجات منه. قال قتادة:\rكان يقال للإسلام درجة، وللهجرة في الإسلام درجة، وللجهاد في الهجرة درجة، وللقتل في الجهاد درجة، وقال ابن زيد: الدرجات سبع هي التي ذكر اللّه في سورة براءة حين قال ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ [التوبة: 120] إلى قوله، وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ [التوبة: 121]، وقال ابن محيريز: الدرجات سبعون درجة ما بين كل درجتين سير الفرس الجواد المضمر سبعون سنة.","part":2,"page":106},{"id":645,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 107\rفضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة وَكُلًّا من الفريقين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الجنة وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ لغير ضرر أَجْراً عَظِيماً (95) ويبدل منه\rدَرَجاتٍ مِنْهُ منازل روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من رضي باللّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا وجبت له الجنة» فتعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها يا رسول اللّه عليّ، فأعادها عليه، ثم قال: «و أخر يرفع اللّه بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض».\rقال: وما هي يا رسول اللّه؟ قال: «الجهاد في سبيل اللّه».\rفإن قلت: قد ذكر لنا اللّه عز وجل في الآية الأولى درجة واحدة، وذكر في الآية الثانية درجات، فما وجه الحكمة في ذلك؟ قلت: أما الدرجة الأولى، فلتفضيل المجاهدين على القاعدين بوجود الضرر والعذر. وأما الثانية فلتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير ضرر ولا عذر ففضلوا عليهم بدرجات كثيرة. وقيل: يحتمل أن تكون الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم، والدرجات درجات الجنة ومنازلها كما في الحديث واللّه أعلم اهـ خازن.\rقوله: عَلَى الْقاعِدِينَ (لضرر) أي ففي الآية لف ونشر مشوش. قوله: (فضيلة) أشار به إلى أن درجة منصوب على المصدر من معنى تفضيلا أي لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل فضلهم فضيلة، كقولك ضربته سوطا بمعنى ضربته ضربة، أو على الحال أي ذوي درجة أو على تقدير حرف الجر أي بدرجة أو على معنى الظرف أي في درجة والأول أولى اهـ كرخي.\rقوله: وَكُلًّا مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لافادة القصر تأكيدا للوعد أي كل واحد، وقوله:\rالْحُسْنى مفعول ثان والجملة اعتراض جيء بها تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول اهـ كرخي.\rقوله: (الجنة) أي لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب اهـ كرخي.\rقوله: أَجْراً عَظِيماً في نصبه أربعة أوجه، أحدها: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه لأن معنى فضل اللّه أجر. الثاني: النصب على إسقاط الخافض أي فضلهم بأجر.\rالثالث: النصب على أنه مفعول ثان كأنه ضمن فضل معنى أعطى أي أعطاهم أجرا تفضلا منه. الرابع:\rأنه حال في درجات. قال الزمخشري: وانتصب أجرا على الحال من النكرة التي هي درجات مقدمة عليها، وهو غير ظاهر لأنه لو تأخر عن درجات لم يجز أن يكون نعتا لدرجات لعدم المطابقة، لأن درجات جمع وأجرا مفرد كذا ردّه بعضهم وهو غفلة، فإن أجرا مصدر، وإلا فصح فيه أن يوجد ويذكر مطلقا اهـ سمين.\rقوله: (و يبدل منه) أي من أجرا درجات أي بدل كل من كل مبين لكمية التفضيل كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: دَرَجَةً قيل سبعة، وقيل سبعون، وقيل سبعمائة، كل درجة كما بين السماء والأرض اهـ شيخنا.","part":2,"page":107},{"id":646,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 108\rبعضها فوق بعض من الكرامة وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً منصوبان بفعلهما المقدر وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لأوليائه رَحِيماً (96) بأهل طاعته. ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا يوم بدر مع الكفار\rإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالمقام مع الكفار وترك الهجرة قالُوا لهم موبخين فِيمَ كُنْتُمْ والضمير في منه للأجر، أو للّه تعالى، وقوله: من الكرامة راجع للدرجات. أي درجات من الثواب الذي أكرمهم اللّه به. قوله: (منصوبان بفعلهما المقدر) بمعنى غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة.\rوجرى السفاقسي على أنهما معطوفان على درجات اهـ كرخي.\rقوله: غَفُوراً (لاوليائه) لما عسى يفرط منهم. قال الرازي: الغفران ستر الذنب، ومنه الغافر والغفور والغفار لستره ذنوب العباد وعيوبهم، يقال: استغفر اللّه لذنبه ومن ذنبه بمعنى واحد، فغفر له أي فستره عليه وعفا عنه اهـ. وهذا هو المراد كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (و لم يهاجروا) أي مع أن الهجرة كانت ركنا أو شرطا في الإسلام ثم نسخ بعد الفتح فهم كفرة أو عصاة اهـ شيخنا.\rقوله: (فقتلوا) أي قتلتهم الملائكة، وفي الخازن: لم يقبل اللّه الإسلام من أحد بعد هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يهاجر إليه ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة اهـ.\rوهذا يقتضي أن إيمانهم لم يصح، وأنهم ماتوا كفارا لكونهم كانوا قادري على الهجرة.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ يجوز أن يكون ماضيا، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفصل، ولأن التأنيث مجازي، ويدل على كونه فعلا ماضيا قراءة توفتهم بتاء التأنيث، ويدل على كونه فعلا ماضيا قراءة توفتهم بتاء التأنيث، ويجوز أن يكون مضارعا حذفته منه إحدى التاءين، والأصل تتوفاهم، وظالمي حال من ضمير توفاهم، والإضافة غير محضة إذ الأصل ظالمين أنفسهم، وفي خبر إن هذه ثلاثة أوجه.\rأحدها: أنه محذوف تقديره إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا أو يكون قوله قالوا: فِيمَ كُنْتُمْ مبينا لتلك الجملة المحذوفة.\rالثاني: أنه فأولئك مأواهم جهنم، ودخلت الفاء زائدة في الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط، ولم تمنع من ذلك، والأخفش يمنعه، وعلى هذا فيكون قوله: قالوا فيم كنتم إما صفة لظالمي، أو حال من الملائكة، وقد مقدرة عند من يشترط ذلك، وعلى القول بالصفة فالعائد محذوف أي ظالمين أنفسهم قائلا لهم الملائكة.\rالثالث: أنهم قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ، ولا بد من تقدير العائد أيضا أي: قالوا لهم كذا، وفيم خبر كنتم، وهي ما الاستفهامية حذفت ألفها حين جرت، وقد تقدم تحقيق ذلك عند قوله فلم تقتلون أنبياء اللّه من قبل، والجملة من قوله فيم كنتم في محل نصب بالقول، وفي الأرض متعلق بمستضعفين، ولا يجوز أن يكون في الأرض هو الخبر ومستضعفين حالا يجوز ذلك في نحو: كان زيد قائما في الدار لعدم الفائدة في هذا الخبر اهـ سمين.","part":2,"page":108},{"id":647,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 109\rأي في أي شيء كنتم في أمر دينكم قالُوا معتذرين كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ عاجزين عن إقامة الدين فِي الْأَرْضِ أرض مكة قالُوا لهم توبيخا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم، قال تعالى فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) هي\rإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ قوله: الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وأعوانه، وهم ستة: ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين، وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار، وقيل: أراد به ملك الموت وحده، وإنما ذكر بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع. وفي التوفي هنا قولان: أحدهما: أنه قبض أرواحهم، والثاني: حشرهم إلى الناس، فعلى القول الثاني يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار اهـ خازن.\rقوله: قالُوا (لهم موبخين) ظاهر هذا أن القائل هو ملائكة قبض الأرواح، وأنهم قالوا لهم ذلك وقت قبض الروح صريحا لأجل التوبيخ والتقريع، ولا بعد في ذلك كله اهـ شيخنا.\rقوله: (أي في أي شيء كنتم) قال أبو حيان: أي في أي حالة كنتم بدليل الجواب أي في حالة قوة أو ضعف اهـ.\rوفي القرطبي: وقول الملائكة فيم كنتم سؤال تقرير وتوبيخ، أي كنتم في أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أم كنتم مشركين، وقول هؤلاء كنا مستضعفين في الأرض يعني مكة اعتذار غير صحيح، إذا كانوا يستطيعون الحيلة ويهتدون السبيل، ثم أوقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم: ألم تكن أرض اللّه واسعة، ومفاد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلّا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في موائهم من كان مستضعفا حقيقة من زمنى الرجال، وضعفه النساء والولدان، كعباس بن ربيعة، وسلمة ابن هشام وغيرهما من الذين دعاهم الرسول عليه السّلام. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عفا اللّه عنه بهذه الآية، وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك، وأمه هي أم الفضل بنت الحرث، واسمها لبابة وهي أخت ميمونة، وأختها الأخرى لبابة الصغرى، وهن تسع أخوات. قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: فيهن الأخوات مؤمنات، ومنهن سلمى وحفيدة والعصماء، ويقال في حفيدة أم حفيد، واسمها هزيلة وهن شقائق، وثلاث لأم، وهن سلمى وسلامة وأسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ثم امرأة أبي بكر الصديق، ثم امرأة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين اهـ.\rقوله: قالُوا (معتذرين) أي على وجه الكذب فلذا أكذبهم اللّه تعالى بقوله: قالُوا أَلَمْ تَكُنْ الخ.\rقوله: فَتُهاجِرُوا منصوب على جواب الاستفهام لا على جواب النفي، لأن النفي صار إثباتا بالاستفهام والنصب بأن مضمرة، قال الواحدي: وفيه إن اللّه لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا اهـ كرخي.\rقوله: (هي) أي جهنم، وأشار بذلك إلى أن المخصوص بالذم محذوف كما قدره، وإنما كان ذلك مأواهم لإعانتهم الكفار، وفي الآية الكريم إشارة إلى وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل","part":2,"page":109},{"id":648,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 110\rمِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الذين لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) طريقا إلى أرض الهجرة\rفَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99)\r* وَمَنْ إلى فيه من إقامة الدين بأي سبب كان اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ في هذا الاستثناء قولان:\rأحدهما: أنه متصل والمستثنى منه قوله: فأولئك مأواهم جهنم والضمير يعود على المتوفين الظالمين انفسهم، قال: هذا القائل كأنه قيل فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، فعلى هذا يكون استثناء متصلا.\rوالثاني: وهو الصحيح أن المستثنى منه إما كفار عصاة بالتخلف على ما قال المفسرون هم قادرون على الهجرة فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعا اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ أي الذين صدقوا في استضعافهم. قوله: وَالْوِلْدانِ إن أريد بهم المماليك والمراهقون، فظاهر، وأما ان أريد بهم الأطفال، فللمبالغة في أمر الهجرة وابهام أنها بحيث لو استطاعها غير المكلفين لوجبت عليهم، وللاشعار بأنها لا محيص عنها البتة، وأن أقوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت اهـ أبو السعود.\rقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في هذه الجملة أربعة أوجه:\rأحدها: أنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ما وجه استضعافهم فقيل كذا.\rوالثاني: أنها حال مبينة لمعنى الاستضعاف. قلت: كأنه يشير إلى المعنى الذي قدمته في كونها جوابا لسؤال مقدر.\rوالثالث: أنها مفسرة لنفس المستضعفين لأن وجوه الاستضعاف كثيرة فتبين بأحد محتملاتها كأنه قيل إلا الذين استضعفوا بسبب عجزهم عن كذا وكذا.\rوالرابع: أنها صفة للمستضعفين أو الرجال من بعدهم ذكر الزمخشري، واعتذر عن وصف ما عرف بالألف واللام الجمل التي هي في حكم النكرات بأن المعروف بهما لما لم يكن معينا جاز ذلك فيه كقوله:\rولقد أمر على اللئيم يسبني\rاه سمين.\rقوله: وَلا يَهْتَدُونَ عطف خاص لأنه من جملة الحيلة.\rقوله: فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ أي عن خطر الهجرة بحيث يحتاج المعذور إلى العفو في البرهان، وعسى ولعل في كلام اللّه واجبتان، وإن كانتا رجاء وطمعا في كلام المخلوقين لأن المخلوق هو الذي تعرض له الشكوك والظنون والباري منزه عن ذلك اهـ كرخي.\rقوله: عَفُوًّا غَفُوراً أي مبالغة في المغفرة، فيغفر لهم ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج اهـ أبو السعود.","part":2,"page":110},{"id":649,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 111\rيُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً مهاجرا كَثِيراً وَسَعَةً في الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ في الطريق كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي فَقَدْ وَقَعَ ثبت أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ قوله: وَمَنْ يُهاجِرْ الخ هذا ترغيب في الهجرة وقوله: في سبيل اللّه أي لإعلاء دينه. قوله:\rمُراغَماً أي متحولا ينتقل إليه فهو اسم مكان فقول الشارح مهاجرا أي مكانا يهاجر إليه، ويعبر عنه المراغم للاشعار بأن المهاجر برغم أنف قومه أي يذلهم والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام بفتح الراء وهو التراب اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: الرغام بالفتح التراب ورغم أنفه رغما من باب قتل كناية عن الذل كأنه لصق بالرغام هوانا ويتعدى بالألف، فيقال أرغم اللّه أنفه وفعلته على رغم أنفه بالفتح والضم، أي على كره منه وأرغمته غاصبته وهذا ترغيم له إذلال، وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يرد أعيانها بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولاحظ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي وحاجته خلف ظهري يريدون الاهمال وعدم الاحتفال اهـ.\rقوله: وَسَعَةً (في الرزق) أي وإظهار الدين. قوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ الخ قالوا: كل هجرة في فرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى اللّه ورسوله اهـ أبو السعود.\rقوله: مُهاجِراً حال من فاعل يخرج وقوله: إِلَى اللَّهِ أي إلى حيث أمره اللّه. قوله: يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ الجمهور على جزم يدركه عطفا على الشرط فيه، وجوابه فقد وقع، وقرأ الحسن البصري بالنصب، وقرأ النخعي وطلحة بن مصرف برفع الكاف، وخرجها ابن جني على اضمار مبتدأ أي ثم يدركه الموت فيعطف جملة فعلية وهي جملة فعلية، وهي جملة الشرط المجزوم وفاعله اهـ سمين.\rقوله: (في الطريق) أي قبل أن يصل إلى المقصد، وإن كان ذلك خارج بابه كما ينبىء عنه ايثار الخروج من بيته على المهاجرة، وقوله كما وقع لجندع، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ إلى آخر الآيات بعث بها صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكة فتليت على المسلمين الذين كانوا عليها إذ ذاك فسمعها رجل من بني ليث شيخ مريض كبير يقال له جندع بن ضمرة، فقال: واللّه ما أنا واللّه ممن استثنى اللّه عز وجل، فإني لا أجد حيلة ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها، واللّه لا أبيت الليلة بمكة أخرجوني فخرجوا به على سرير حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله، ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك ثم مات، فبلغ خبره أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: لو وافى المدنية لكان أتم وأوفى أجرا، وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك ما طلب، فأنزل اللّه عز وجل قوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ الآية اهـ خازن.\rوقوله: هذه لك الخ، قال التفتازاني: الظاهر أن هذه اشارة لليمين، وهذه الثانية اشارة للشمال، لا على قصد إسناد الجارحة إلى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة اللّه على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شهاب.\rقوله: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعني فقد وجب أجر هجرته للّه بإيجابه على نفسه بحكم الوعد","part":2,"page":111},{"id":650,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 112\rوَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100)\rوَإِذا ضَرَبْتُمْ سافرتم فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ في أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ بأن تردوها من أربع إلى اثنتين إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ أي ينالكم بمكروه الَّذِينَ كَفَرُوا بيان للواقع إذ ذاك فلا مفهوم له وبينت السنة أن المراد بالسفر الطويل وهو أربعة برد وهي مرحلتان ويؤخذ من قوله فليس عليكم جناح أنه رخصة لا واجب وعليه الشافعي إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) والتفضل والكرم لا وجوب استحقاق وتحتم، قال بعض العلماء: ويدخل في حكم الآية من قصد فعل طاعة من الطاعات ثم عجز عن إتمامها فيكتب اللّه له ثواب تلك الطاعة كاملا، وقال بعضهم: إنما يكتب له أجر ذلك القدر عمل وأتى به اما تمام الأجر فلا، والقول الأول أصح لأن الآية إنما نزلت في معرض الترغيب في الهجرة وأن من قصدها ولم يبلغها بل مات دونها فقد حصل له ثواب الهجرة كاملا، فكذلك كل من قصد فعل طاعة ولم يقدر على إتمامها كتب له ثوابها كاملا اهـ خازن.\rقوله: عَلَى اللَّهِ أي عنده وفي علمه. قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي بإكمال ثواب هجرته.\rقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ الخ شروع في بيان كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر، ولقاء العدو والمرض والمطر، وفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على الهجرة، وترغيب له فيها لما من تخفيف المؤنة أي إذا سافرتم أي مسافرة كانت، ولذلك لم تقيد بما قيد به المهاجرة اهـ أبو السعود.\rقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي وزر وحرج. قوله: أَنْ تَقْصُرُوا أي في أن تقصروا أي في القصر وهو خلاف المد. يقال: قصرت الشيء أي جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء لا بعضه، فإن البعض متعلق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله من الصلاة ينبغي أن يكون مفعولا لتقصروا على زيادة من حسبما رآه الأخفش. وأما على رأي غيره من زيادتها في الاثبات فتجعل تبعيضية، ويريد بالصلاة الجنس ليكون المقصور بعضها منها وهو الرباعيات اهـ أبو السعود.\rقوله: (بيان للواقع) أي هذا الشرط وهو إن خفتم بيان للواقع، وذكر هذه العبارة هنا أولى من ذكرها عقب قوله بين العداوة كما في نسخة اهـ.\rقوله: (بيان للواقع إذ ذاك) أي وهو أن غالب أسفار نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه لم تحل من خوف العدو لكثرة المشركين وأهل الحرب إذ ذاك، وقوله: فلا مفهوم له أي فلا يشترط الخوف، بل لمسافر القصر من الامن، لما في الصحيحين أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سافر بين مكة والمدينة لا يخاف إلا اللّه عز وجل، فكان يصلي ركعتين اهـ كرخي.\rقوله: (و هو أربعة برد) أي عندنا وعند أبي حنيفة ستة. والبرد جمع بريد وهو أربعة فراسخ، وقوله: وهي مرحلتان أي سير يومين معتدلين بسير الاثقال اهـ.\rقوله: (أنه رخصة) أي لكنه أفضل إن بلغ سفره ثلاث مراحل خروجا من خلاف أبي حنيفة القائل وجوبه اهـ شيخنا.\rقوله: الْكافِرِينَ الخ تعليل لما تقدم باعتبار تقييده بما ذكر، أو تعليل لما فهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة، فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسواء اهـ أبو السعود.","part":2,"page":112},{"id":651,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 113\rبين العداوة\rوَإِذا كُنْتَ يا محمد حاضرا فِيهِمْ وأنتم تخافون العدو فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب فلا مفهوم له فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وتتأخر طائفة وَلْيَأْخُذُوا أي الطائفة التي قامت معك أَسْلِحَتَهُمْ معهم فَإِذا سَجَدُوا أي صلوا فَلْيَكُونُوا أي الطائفة الأخرى مِنْ وَرائِكُمْ يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة تحرس وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ معهم إلى أن قوله: عَدُوًّا مُبِيناً في المصباح: قال في مختصر العين يقع العدو بلفظ واحد على الواحد المذكر والمؤنث والمجموع اهـ.\rقوله: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الضمير المجرد يعود على الضاربين في الأرض، وقيل على الخائفين وهما محتملان اهـ سمين.\rوفي الخازن: يعني إذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال فأقمت لهم الصلاة الخ. قوله: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ أي أردت أن تقيم بهم الصلاة أي أن تفعلها وتحصلها فلتقم طائفة منهم معك بعد أن تجعلهم طائفتين، ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم، وإنما لم يصرح به لظهوره، وليأخذوا أي الطائفة القائمة معك أسلحتهم. أي لا يضعوها ولا يلقوها، وإنما عبّر عن ذلك بالأخذ للايذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء اهـ أبو السعود.\rوالسلاح ما يقاتل به وجمعه أسلحة وهو مذكر، وقيل: يؤنث باعتبار الشوكة، ويقال: سلاح كحمار وسلح كصلع وسلح كصرد وسلحان كسلطان. قاله أبو بكر بن زيد، والسلح نبت إذا رعته الإبل سمنت وغزر لبنها، وما يلقيه البعير من جوفه يقال له سلاح بوزن علام ثم عبر به عن كل عذرة اهـ سمين.\rقوله: (في الخطاب) أي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأشار بهذا للرد على من ذهب إلى أن صلاة الخوف لا تكون بعد الرسول حيث شرط كونه فيهم، وكان هو الذي يقيم الصلاة اهـ كرخي.\rوالذي ذهب إلى ذلك أبو يوسف وإسماعيل بن علية كما في القرطبي، وقوله: (فلا مفهوم له) أي فيكون المراد أنه إذا كنت فيهم كان الحكم ما ذكر، وإذا لم يكن فيهم فليقم بهم إمامهم تلك الصلاة، ومعلوم ان خطاب القرآن ثلاثة أقسام: قسم لا يصلح إلا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقسم لا يصلح إلا لغيره، وقسم يصلح لهما اهـ كرخي.\rقوله: (و تتأخر طائفة) أي بازاء العدو، وإنما لم يصرح بهذا لظهوره اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي صلوا) أي شرعا في الصلاة يدل على هذا قوله: (إلى أن تقضوا الصلاة). قوله:\rطائِفَةٌ أُخْرى وهي الواقعة في وجه العدو للحراسة، وإنما لم تعرف لانها لم تذكر فيما قبل اهـ أبو السعود.\rقوله: لَمْ يُصَلُّوا الجملة في محل رفع لأنها صفة لطائفة بعد صفة، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال لان النكرة قبلها تخصصت بالوصف بأخرى اهـ سمين.\rقوله: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ أي صلاة ثانية. قوله: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ لعل زيادة الأمر بالحذر في","part":2,"page":113},{"id":652,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 114\rتقضوا الصلاة وقد فعل صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك ببطن نخل رواه الشيخان وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ إذا قمتم إلى الصلاة عن عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذا علة الأمر بأخذ السلاح وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ فلا تحملوها وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي والثاني أنه سنة ورجح وَخُذُوا حِذْرَكُمْ من العدو أي احترزوا منه ما استطعتم هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائف القائمة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في شغل شاغل، وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب، وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغال بالصلاة مظنة لالقاء السلاح والإعراض عنه ومئنة لهجوم العدو كما ينطق به قوله تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ فإنه استئناف مسوق لتعليل الأمر المذكور اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: فإن قلت: لم ذكر أول الآية الأسلحة فقط، وذكر هنا الحذر والأسلحة؟ قلت:\rلأن العدو قلما يتنبه للمسلمين في أول الصلاة، بل يظنون كونهم قائمين في المحاربة والمقاتلة، فإذا أقاموا في الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين في الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة في الاقدام على المسلمين، فلا جرم أن اللّه تعالى أمرهم في هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الاسلحة انتهت.\rقوله: (ببطن نخل) قد حمل الشارح هذه الآية على صلاة بطن نخل، وحملها بعض المفسرين على صلاة عسفان، وحملها بعض آخر منهم على صلاة ذات الرقاع تأمل. وبطن نخل موضع من نجد من أرض غطفان بينه وبين المدينة يوما، وضابط صلاته أن تكون كل فرقة تقاوم العدو بأن يكون العدو مثليها، فيصلي بهم الإمام مرتين وتقع الثانية نافلة للامام لأنها معادة وهي جائزة عندنا في الأمن ممنوعة عند غيرنا، أما في الخوف فلا خلاف فيها اهـ شيخنا.\rقوله: لَوْ تَغْفُلُونَ أي غفلتكم فلو: مصدرية بمعنى أن. قوله: وَأَمْتِعَتِكُمْ يعني حوائجكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها اهـ خازن.\rوالخطاب للفرقتين بطريق الالتفات اهـ.\rقوله: فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ أي فيشدون عليكم شدة واحدة اهـ.\rقوله: (و هذا) أي قوله: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي لا حرج ولا وزر.\rقوله: أن تضعوا أي في أن تضعوا. قوله: (و هذا) أي قوله: ولا جناح عليكم، وكذا ظاهر قوله:\rوَلْيَأْخُذُوا الخ، لأنه أمر ثم انه أخذ من هذا تقييد ما سبق بما إذا لم يكن عذر اهـ شيخنا.\rقوله: (و رجح) أي رجحه الشيخان، فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة ولا يؤذي من بجنبه فإن كان تشغله حركته وثقله عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير، أو يؤذي من بجنبه كالرمح فلا يأخذه كما تقرر في كتب الفقه اهـ كرخي.\rوفي المصباح للنشاب، والجمع جعاب مثل كلبه وكلاب، وجعبات أيضا مثل سجدة وسجدات اهـ.","part":2,"page":114},{"id":653,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 115\rإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) ذا إهانة\rفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فرغتم منها فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتهليل والتسبيح قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ مضطجعين أي في كل حال فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ قوله: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي فتغلبون ويغلبون، فقوله: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ الخ علة المقدر، فالعذاب المهين مغلوبية الكفار كما فسر بذلك الكلام كما قاله الشهاب على البيضاوي، وعبارة أبي السعود إن اللّه أعد للكافرين عذابا مهينا تعليل للأمر بأخذ الحذر، أي أعد لهم عذابا مهينا بأن يخذلهم وينصركم عليهم، فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب كي يحل بهم عذابه بأيديكم اهـ.\rوفي الخازن: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ، يعني راقبوا عدوكم ولا تغفلوا عنه. أمرهم اللّه بالتحفظ والتحرز والاحتياط لئلا يتجرأ العدو عليهم. قال ابن عباس: نزلت في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك أنه غزا بني محارب وبني أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس السّلام، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحاجته حتى قطع الوادي والسماء ترش بالمطر فسال الوادي فحال السيل بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة فبصر به غورث بن الحرث المحاربي، فقال: قتلني اللّه إن لم أقتله ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، ولم يشعر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا وهو قائم على رأسه وقد سل سيفه من غمده، وقال: يا محمد من يمنعك مني الآن؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللّه» ثم قال: «اللهم اكفني غورث بن الحرث بما شئت»، فأهوى غورث بالسيف ليضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم به فأكب لوجهه من زلخة زلخها، فندر السيف من يده فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ السيف، ثم قال: «يا غورث من يمنعك مني الآن؟» فقال: لا أحد.\rفقال: «أتشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله»، فقال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيفه. فقال غورث: أنت خير مني، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا أحق بذلك منك»، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا له: ويلك يا غورث ما منعك منه؟ فقال: واللّه لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه، فو اللّه ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر لهم حاله مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: وسكن السيل فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الوادي إلى أصحابه وأخبرهم الخبر، وقرأ هذه الآية ولا جناح عليه إن كان بكم أذى الآية اهـ.\rوالزلخة: الدفعة. وفي القاموس: زلخه بالرمح يزلخه من باب ضرب زجه اهـ.\rقوله: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أي صلاة الخوف. أي أديتموها على الوجه المبين، وفرغتم منها اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ الأمر للندب لأنه في الفضائل، وقوله: بالتهليل والتسبيح أي والتحميد والتكبير، كما في الخازن ففي كلامه هنا اكتفاء اهـ.\rقوله: قِياماً حال. وكذا ما بعده كما قدره بقوله مضطجعين. قوله: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم بعد ما وضعت الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة؛ أي التي دخل وقتها حينئذ أي أدوها بتعديل أركانها ومراعاة شرائطها اهـ أبو السعود.\rفقول الجلال: أدوها بحقوقها أي من الأركان والشروط والسنن اهـ.","part":2,"page":115},{"id":654,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 116\rأمنتم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أدوها بحقوقها إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مكتوبا أي مفروضا مَوْقُوتاً (103) أي مقدرا وقتها فلا تؤخر عنه. ونزل لما بعث صلّى اللّه عليه وسلّم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات\rوَلا تَهِنُوا تضعفوا فِي ابْتِغاءِ طلب الْقَوْمِ الكفار لتقاتلوهم إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ تجدون ألم الجراح فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ أي مثلكم ولا يجبنوا عن قتالكم وَتَرْجُونَ أنتم مِنَ اللَّهِ من النصر والثواب عليه قوله: كِتاباً مَوْقُوتاً أي فرضا وقتا. قال مجاهد: مؤقته اللّه عليهم فلا بد من اقامتها في حالة الخوف أيضا على الوجه المشروح، وقيل مفروضا مقدرا في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، فلا بد أن تؤدي في كل وقت حسبما قدر فيه اهـ أبو السعود.\rوموقوتا صفة لكتابا يعني محدودا بأوقات فهو من وقت مخففا كمضروب من ضرب، ولم يقل موقوتة بالتاء مراعاة لكتابا، فإنه في الأصل مصدرا اهـ سمين.\rقوله: (لما بعث صلّى اللّه عليه وسلّم الخ) أي لما أمرهم بالخروج، ولو عبر به لكان أوضح، وقوله: طائفة هي جميع من حضر أحدا من المؤمنين الخاص، وكانوا ستمائة وثلاثين، وقوله: لما رجعوا أي أبو سفيان وأصحابه أي ونزلوا بملل وهو موضع قريب من المدينة، وتشاوروا في العود إلى المدينة ليستأصلوا المسلمين فبلغ ذلك رسول اللّه فنادى في اليوم الثاني من وقعة أحد ليخرج كل من كان معنا بالأمس، ولا يخرج معنا غيرهم، فخرجوا حتى بلغوا إلى حمراء الأسد، وتقدم بسط هذا في آل عمران في قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [آل عمران: 172] الخ، وعبارة القرطبي نزلت في حرب أحد أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات، وكان أمر أن لا يخرج معه إلا من كان في الوقعة كما تقدم في آل عمران اهـ.\rقوله: وَلا تَهِنُوا الجمهور على كسر الهاء، والحسن على فتحها من وهن بالكسر في الماضي أو من وهن بالفتح، وإنما فتحت العين لكونها حلقية فهو نحو يدع. وقرأ عبيد بن عمر: تهانوا من الإهانة مبيّنا للمفعول، ومعناها لا تتعاطوا من الجبن، والخور ما يكون سببا في إهانتكم كقوله: لا أرينك ههنا اهـ سمين.\rقوله: فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أي قتال القوم، كما أشار له بقوله: لتقاتلوهم. قوله: إِنْ تَكُونُوا تعليل للنهي وتشجيعا لهم أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم، بل هو مشترك بينكم وبينهم يصبرون على ذلك فما بالكم لا تصبرون مع أنكم أولى به منهم حيث ترجون من اللّه من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب في الآخرة ما لا يخطر ببالهم اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: الألم الوجع وقد ألم من باب طرب والتألم الوجع والإيلام الايجاع اهـ.\rقوله: (و لا يجبنوا) الصواب يجبنون إلا أن يكون حذف النون تخفيفا اهـ شيخنا.\rقوله: (و الثواب عليه) أي لإيمانكم بالبعث والحشر والجزاء بخلافهم اهـ.","part":2,"page":116},{"id":655,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 117\rما لا يَرْجُونَ هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فينبغي أن تكونوا أرغب منهم فيه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بكل شيء حَكِيماً (104) في صنعه وسرق طعمة بن أبيرق درعا وخبأها عند يهودي فوجدت عنده فرماه طعمة بها وحلف أنه ما سرقها فسأل قومه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه يجادل عنه ويبرئه فنزل\rإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِ متعلق بأنزل لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ أعلمك اللَّهُ فيه وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ كطعمة خَصِيماً (105) مخاصما عنهم\rوَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به قوله: (و سرق طعمة) بتثليث الطاء والكسر أشهر. وقوله (ابن أبيرق) بهمزة مضمومة فباء موحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء مكسورة فقاف كذا في المعنى اهـ قاري.\rفهو مصغر أبرق فهو ممنوع من الصرف، وطعمة هذا من الأنصار من بني ظفر سرق الدرع من دار جاره قتادة وكان في جراب فيه دقيق أو نخالة وفيه خرق، فصار الدقيق يتناثر منه فاتهم طعمة بها فحلف أنه ما أخذها وما له بها علم كاذبا، وكان أودعها عند يهودي يقال له زيد بن السمين، فقال أصحاب الدرع: نتتبع أثر الدقيق فتتبعوه حتى وصلوا إلى دار اليهودي فاخبر أنه ودعها عنده طعمة وشهد به قومه، فقال بنو ظفر وقوم طعمة: نذهب إلى رسول اللّه نشهد أن اليهودي السارق لئلا نفتضح، بل عزموا على الحلف فذهبوا وشهدوا زورا ولم يظهر له صلّى اللّه عليه وسلّم قادح فيهم، فهمّ بقطع اليهودي، فأعلمه اللّه الحال بالوحي، فهمّ أن يقضي على طعمة فهرب إلى مكة وارتد، ونقب حائطا ليسرق متاع أهله فوقع عليه فقتله فمات مرتدا اهـ من الخطيب.\rقوله: (و خبأها) أي الدرع، لأن درع الحديد مؤنثة، وأما درع المرأة فمذكرة أي قميصها، وخبأ من باب قطع كما في المصباح، وقوله: عند يهودي أي دفعها له وديعة كما في الكازروني اهـ شيخنا.\rقوله: (فوجدت عنده) أي بعد أن فتش عليها عند طعمة وحلف ما أخذها اهـ شيخنا.\rقوله: (أن يجادل عنه) أي عن طعمة.\rقوله: بِالْحَقِ في محل نصب على الحال المؤكدة فيتعلق بمحذوف، وصاحب الحال هو الكتاب أي انزلناه ملتبسا بالحق، ولتحكم متعلق بأنزلنا، وأراك متعد لاثنين أحدهما العائد المحذوف، والآخر كاف الخطاب أي بما أراكه اللّه، والإراءة هنا يجوز أن تكون من الرأي، كقولك رأيت الشافعي، أو من المعرفة، وعلى كلا التقديرين فالفعل قبل النقل بالهمزة متعد لواحد وبعده متعد لاثنين كما عرفت اهـ سمين.\rقوله: بِالْحَقِ أي الأمر والنهي والفصل بين الناس أو بالصدق اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَكُنْ معطوف على أمر ينسحب إليه النظم الكريم، كأنه قيل فاحكم به ولا تكن الخ.\rقوله: لِلْخائِنِينَ أي لأجلهم خَصِيماً أي مخاصما للبريء أي لا تخاصم اليهودي لأجل الخائنين اهـ أبو السعود.\rقوله: لِلْخائِنِينَ اللام للتعليل ومفعول خصيما محذوف أي مخاصما للبريء من السرقة وهو","part":2,"page":117},{"id":656,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 118\rإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106)\rوَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً كثير الخيانة أَثِيماً (107) أي يعاقبه\rيَسْتَخْفُونَ أي طعمة وقومه حياء مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ بعلمه إِذْ يُبَيِّتُونَ يضمرون ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ من عزمهم على الحلف على نفي السرقة ورمي اليهودي بها وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) علما\rها أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ خطاب لقوم طعمة جادَلْتُمْ اليهودي أشار إلى هذا البيضاوي، ويشير له قول الشارح مخاصما عنهم اهـ.\rوفي السمين للخائنين متعلق بخصيما واللام للتعليل على بابها، وقيل: هي بمعنى عن وليس بشيء لصحة المعنى بدون ذلك ومفعول خصيما محذوف تقديره خصيما البريء اهـ.\rقوله: (مما هممت به) أي من القضاء على اليهودي بقطع يده تعويلا على شهادتهم فإن هذا ذنب صورة، أو هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما اهـ شيخنا.\rقوله: عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ المراد بالموصول إما طعمة وأمثاله، وإما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه، فإنهم شركاء له في الإثم والخيانة اهـ أبو السعود. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ الخ أي وتعليق عدم المحبة الذي هو كناية عن البغض والسخط بالمبالغ في الخيانة والإثم ليس لتخصيصه به، حتى يفيد أنه يحب من عنده أصل الخيانة، بل لبيان إفراط طعمة وقومه فيهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي يعاقبه) تفسير لعدم المحبة، وذلك لأن هذا طلب لإبطال رسالة الرسول وإرادة إظهار كذبه وهذا كفر اهـ كرخي.\rقوله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ أي يطلبون الخفاء، وضمير الفاعل فيه عائد على الذين يختانون على الأظهر، كما قرره، والجملة من من على أنها موصولية. وقال أبو البقاء: هي مستأنفة لا موضع لها والأول أظهر اهـ كرخي.\rوفي السمين: وجملة يستخفون فيها وجهان، أظهرهما: أنها مستأنفة لمجرد الاخبار بأنهم يطلبون الستر من اللّه تعالى بجهلهم. والثاني: أنها في محل نصب صفة لمن في قوله: لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً، وجمع الضمير اعتبارا بمعناها أن جعلت من نكرة موصوفة أو في محل نصب على الحال من أن جعلت موصولة، وجمع الضمير باعتبار معناها أيضا اهـ.\rقوله: (حياء) أي وخوفا من ضررهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَهُوَ مَعَهُمْ جملة حالية إما من اللّه تعالى، أو من المستخفين، وإذ منصوب بالعامل في الظرف لواقع خبرا وهو معهم اهـ سمين.\rقوله: (بعلمه) يشير به إلى أنه لا طريق لهم للاستخفاء منه سوى ترك ما يستقبحه. إذا الاستخفاء من اللّه محال لاستواء الخفاء والجهر عنده سبحانه، فيكون مجازا عن الحياء اهـ كرخي.\rقوله: (يضمرون) هذا المعنى هو المراد من التبيين هنا، وإن كان التبيين في الأصل معناه تدبير الأمر ليلا. قوله: (علما) تمييز. قوله: ها أَنْتُمْ ها للتنبيه أي تنبيه المخاطبين على خطئهم في","part":2,"page":118},{"id":657,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 119\rخاصمتم عَنْهُمْ أي عن طعمة وذويه وقرئ عنه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إذا عذبهم أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) يتولى أمرهم ويذب عنهم أي لا أحد يفعل ذلك\rوَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ذنبا يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بعمل ذنب قاصر عليه ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ منه أي يتب يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً له رَحِيماً (110) به\rوَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً ذنبا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ لأن وباله عليها ولا يضر غيره وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) في صنعه\rوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً ذنبا صغيرا أَوْ إِثْماً ذنبا كبيرا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً منه فَقَدِ احْتَمَلَ المجادلة عن السارق، وأنتم مبتدأ وهؤلاء الهاء فيه للتنبيه أيضا، وأولاء اسم إشارة مبني على الكسر منادى في محل نصب، ولذا قدر الشارح أداة النداء معه، وجملة جادَلْتُمْ عَنْهُمْ خبر المبتدأ، وجملة النداء اعتراضية بين المبتدأ والخبر، هذا ما جرى عليه الشارح في الإعراب، وبعضهم أعرب هؤلاء خبرا أول، وعليه فلا يكون منادى، وجملة جادلتهم خبرا ثانيا وكل صحيح، تأمل. قوله: (خطاب لقوم طعمة) أي بطريق الالتفات للايذان، بأن تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع اهـ أبو السعود.\rقوله: (و قرئ) أي شاذا لأبي بن كعب اهـ شيخنا.\rقوله: (و يذب عنهم) بابه رد. قوله: (أي لا أحد) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي في الموضعين فقوله ذلك أي الجدال والوكالة عنهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً حث طعمة على التوبة ومع ذلك لم يتب قوله: (يسوء به غيره) دل على ما قدره وقوع أو يظلم نفسه في مقابلته، وهو تابع في ذلك للكشاف وهو أظهر ما قيل في الآية اهـ كرخي.\rقوله: (اليهودي) مفعول المصدر. قوله: (قاصر عليه) كاليمين الكاذبة. قوله: (أي يتب) أي يصدق التوبة فليس المراد مجرد اللسان اهـ شيخنا.\rوقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار وهذه الآية دلت على أن التوبة مقبولة من جميع الذنوب سواء كانت كفرا أو قتلا عمدا أو غصبا للأموال، لأن السوء وظلم النفس يعم الكل اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً إجمال بعد تفصيل. قوله: إِثْماً (ذنبا) أي متعلقا بنفسه أو بغير.\rقوله: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ أي الخطيئة والإثم وتوحيد الضمير مع تعدد المرجع لمكان أو وتذكيره لتغليب الإثم على الخطيئة، كأنه قيل: ثم يرم بأحدهما. أبو السعود، وفي السمين: قوله: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ. في هذه الهاء أقوال، أحدها: أنها تعود على إثما والمتعاطفان بأو يجوز أن يعود الضمير على المعطوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه كقوله وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. [الجمعة: 11]. الثاني:\rأنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل نحو: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ. أي: العدل. الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأوقاته في قوة، ثم يرم بأحد المذكورين. الرابع: أن الكلام حذفا، والأصل من يكسب خطيئة ثم يرم بها، وهذا كما قيل في قوله: الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ","part":2,"page":119},{"id":658,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 120\rتحمل بُهْتاناً برميه وَإِثْماً مُبِيناً (112) بينا بكسبه\rوَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ يا محمد وَرَحْمَتُهُ بالعصمة لَهَمَّتْ أضمرت طائِفَةٌ مِنْهُمْ من قوم طعمة أَنْ يُضِلُّوكَ عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ زائدة شَيْءٍ لأن وبال إضلالهم عليهم وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ ما فيه من الأحكام وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ من الأحكام والغيب وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ بذلك وغيره عَظِيماً (113)\r* لا خَيْرَ فِي وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها [التوبة: 34] أي يكنزون الذهب ولا ينفقونه اهـ.\rقوله: بَرِيئاً مفعول به أي شخصا بريئا منه كاليهودي في واقعة طعمة اهـ أبو السعود.\rقوله: بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً أي فله عقوبتان بخلاف ما سبق من قوله: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ في جواب لو لا وجهان، أظهرهما: أنه مذكور وهو قوله لَهَمَّتْ.\rوالثاني: أنه محذوف أي لأضلوك ثم استأنف جملة، فقال: لهمت أي لقد همت واستشكل كون قوله لهمت جوابا، لأن اللفظ يقتضي انتفاء همهم بذلك، لأن لو لا تقتضي انتفاء جوابها لوجود شرطها، والغرض أن الواقع كونهم هموا على ما يروى في القصة، والذي جعله المذكور أجاب عن ذلك بأحد وجهين: إما بتخصيص الهم أي لهمت هما يؤثر عندك، وإما بتخصيص الإضلال أي يضلونك عن دينك وشريعتك، وكلا هذين الهمين لم يقع وأن يضلوك على حذف الباء، أي بأن يضلوك ففي محلها الخلاف المشهور اهـ سمين.\rوفي الحقيقة المنفي إنما هو أثر همهم أي الذي هموا به وهو الضلال، والمعنى انتفى ضلالك الذي هموا به لوجود فضل اللّه عليك بالعصمة والحفظ. قوله: (بالعصمة) أي من الذنوب صغائرها وكبائرها. وعبارة أبي السعود: ورحمته بإعلامك بما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل:\rبالنبوة والعصمة اهـ.\rقوله: طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي من الناس مطلقا وقول الشارح، من قوم طعمة بيان للطائفة، فالطائفة جميع قوم طعمة وهم بعض الناس اهـ.\rوعبارة أبي السعود: لهمت طائفة منهم أي من بني ظفر، وهم الذابون عن طعمة، وقد جوز أن يكون المراد بالطائفة كلهم يكون الضمير راجعا إلى الناس اهـ.\rقوله: أَنْ يُضِلُّوكَ أي بأن يضلوك أي بإضلالك. قوله: (زائدة) في المفعول المطلق أي شيئا من الضرر لا قليلا ولا كثيرا اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْزَلَ اللَّهُ في معنى العلة لما قبله. قوله: ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ إنما جزمت تكن ولا تسلط لها على الفعل بعده فهو مضارع مرفوع وفيه ضمير مستتر يعود على الرسول هو فاعله. والجملة في محل نصب خبر تكن واسمها ضمير مستكن فيها. قوله: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً أي لأنه لا فضل أعظم من النبوة العامة والرسالة التامة. قوله: (أي الناس) أشار به إلى أن الآية عامة في حق جميع","part":2,"page":120},{"id":659,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 121\rكَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ أي الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون إِلَّا نجوى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ عمل برّ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ المذكور ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ الناس كما اختاره البغوي والكواشي كالواحدي، وقيل عائد إلى قوم طعمة المتقدمين في الذكر اهـ كرخي.\rقوله: (ما يتناجون فيه) أي وبه وقوله: ويتحدثون تفسير، والمعنى لا خير في كثير من كلامهم.\rقوله: إِلَّا (نجوى من أمر الخ) قدره ليفيد أن الاستثناء متصل على أن النجوى مصدر، وفي الكلام حذف مضاف كما اختاره القاضي كالكشاف، وقيل: الاستثناء منقطع لأن من للأشخاص وليست من جنس التناجي فيكون بمعنى لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطع، وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدعوى، فتكون بمعنى التناجي أي التحدث، أو يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا، فعلى الأول أن يكون منقطعا لأن من أمر ليس مناجاة فكأنه قيل: لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا. وقد عرفت مما تقدم أن المنقطع منصوب أبدا في لغة الحجاز، وأن بني تميم يجرونه مجرى المتصل بشرط صحة توجه العامل إليه، وأن الكلام إذا كان نفيا أو شبهه جاز في المستثنى الإتباع بدلا وهو المختار والنصب على أصل الاستثناء، فقوله إِلَّا مَنْ أَمَرَ إما منصوب على استثناء المنقطع ان جعلته منقطعا في لغة الحجاز وعلى أصل الاستثناء. ان جعلته متصلا، وإما مجرور على البدل من كثير أو من نجواهم أو صفة لأحدهما فتخلص أن فيه ثلاثة أوجه: النصب على الانقطاع في لغة الحجاز، أو على أصل الاستثناء، والجر على البدل من كثير أو من نجواهم، أو على الصفة لأحدهما ومن نجواهم متعلق بمحذوف لأنه صفة لكثير، فهو في محل جر، والنجوى في الأصل مصدر كما تقدم، وقد تطلق على الأشخاص مجازا قال تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الإسراء: 47] ومعناها المسارة ولا تكون إلا بين اثنين فأكثر. وقال الزجاج: النجوى ما تفرّد بهن الاثنان فأكثر سرا كان أو ظاهرا، وقيل: النجوى جمع نجي نقله الكرماني اهـ.\rقوله: بِصَدَقَةٍ أي واجبة أو مندوبة. قوله: أَوْ مَعْرُوفٍ هو كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل، فينتظم فيه أصناف الجميل وفنون أعمال البر كالكلمة الطيبة، وإغاثة الملهوف، وكالقرض وإعانة المحتاج فهو أعم من الصدقة، ويكون قوله: أَوْ إِصْلاحٍ عطف خاص على عام كما قاله أبو حيان، وفيه أنه لا يكون بأو اهـ شيخنا.\rولعل تخصيص هذه الثلاثة بالذكر أن عمل الخير المتعدي للناس إما إيصال منفعة أو دفع مضرة المنفعة إما جسمانية وإليه الإشارة بقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ. وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف ودفع الضرر أشير إليه بقوله: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ اهـ أبو السعود.\rقوله: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ أي عند وقوع المشاحنة والمعاداة بينهم. قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الإشارة إما للأمر بأحد المذكورات، وإما لأحدها تفسيران، وكلام الشارح محتمل للوجهين إذ المذكور يحتمل أن يراد به الأمر بالأمور المذكورة وأن يراد به نفسها اهـ شيخنا.","part":2,"page":121},{"id":660,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 122\rاللَّهِ لا غيره من أمور الدنيا فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ بالنون والياء أي اللّه أَجْراً عَظِيماً (114)\rوَمَنْ يُشاقِقِ يخالف الرَّسُولَ فيما جاء به مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ظهر له الحق بالمعجزات وَيَتَّبِعْ طريقا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يكفر نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى نجعله واليا لما تولاه من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا وَنُصْلِهِ ندخله في الآخرة جَهَنَّمَ فيحترق فيها وَساءَتْ مَصِيراً (115) مرجعا هي\rإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (116) عن الحق\rإِنْ ما يَدْعُونَ يعبد وفي الكرخي: فإن قيل: كيف قال إِلَّا مَنْ أَمَرَ الخ ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ وكان الأصل ومن يأمر بذلك؟ أجيب: بأنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن من أمر بالخير إذا دخل في زمرة الخيرين كان الفاعل للخير أحرى أن يدخل في زمرتهم. ثم قال: ومن يفعل ذلك فذكر فاعل الخير ووعده بايتاء الأجر العظيم إذا فعله ابتغاء مرضاة اللّه، ويجوز أن يراد ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمور بالفعل لأن الأمر بالفعل أيضا فعل من الأفعال اهـ.\rقوله: (لا غيره من أمور الدنيا) أي لأن الأعمال بالنيات، وأن من فعل خيرا رياء أو سمعة لم يستحق به من اللّه أجرا. قال الإمام النووي في شرح مسلم العمومات الواردة في فضل الجهاد: إنما هي لمن أراده للّه تعالى مخلصا وكذا الثناء على العلماء والمفتين في وجوه الخيرات كلها محمولة على من فعل ذلك مخلصا اهـ كرخي.\rقوله: (بالنون والياء) أي قرأ أبو عمرو وحمزة بمثناة تحتية مناسبة للعيب في قوله: ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة اللّه، والباقون بنون العظمة على سبيل الالتفات مناسبة لقوله الآتي: نوله ونصله اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ كطعمة حيث ارتد لما حكم عليه الرسول بالقطع هرب إلى مكة والعبرة بعموم اللفظ اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَتَّبِعْ عطف لازم، قوله: (أي طريقهم) أي من اعتقاد وعمل. قوله: نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى قرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة نوله ونصله بسكون الهاء واختل كسرة الهاء تالون، ولهشام وجهان:\rالاختلاس كقالون والإشباع كباقي القراء اهـ خطيب.\rقوله: (نجعله واليا) أي متوليا أي مباشرا لما هو فيه من الضلال اهـ شهاب.\rقوله: (لما تولاه) أي اختاره. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أي إذا مات على الشرك لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: 38] الآية اهـ كرخي.\rقوله: بَعِيداً (عن الحق) أي فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه افتراء وإثم عظيم، ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية، فقد ضل الخ وفيما سبق فقد افترى إثما عظيما حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: وختمت الآية المتقدمة بقوله: فَقَدِ افْتَرى وهذه بقوله: فَقَدْ ضَلَ لأن","part":2,"page":122},{"id":661,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 123\rالمشركون مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره إِلَّا إِناثاً أصناما مؤنثة كاللات والعزى ومناة وَإِنْ ما يَدْعُونَ يعبدون بعبادتها إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (117) خارجا عن الطاعة لطاعتهم له فيها وهو إبليس\rلَعَنَهُ اللَّهُ أبعده عن رحمته وَقالَ أي الشيطان لَأَتَّخِذَنَ لأجعلن لي مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً حظا مَفْرُوضاً (118) مقطوعا أدعوهم إلى طاعتي\rوَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على اللّه وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ولا عندهم، فناسب وصفهم بالضلال، وأيضا فقد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضدى الضلال اهـ.\rقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الخ هذه الجملة مع ما عطف عليها بمنزلة التعليل لما قبلها. قوله:\r(أصناما مؤنثة) أي لتأنيث أسمائها. قوله: (كاللات) مأخوذ من إله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان اهـ شيخنا.\rوعن الحسن: أنه لم يكن من العرب حي إلا كان لهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان.\rقيل: لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات اللّه، وقيل لأنهم كانوا يلبسونها أنواع الحلي ويزينونها على هيئات النساء اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً أي لأنه هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكانت طاعتهم له عبادة والمريد والمارد هو الذي بلغ الغاية في الشر والفساد. يقال: مرد من بابي نصر وظرف إذا عتا وتجبر فهو مارد ومريد اهـ من المختار والقاموس.\rقوله: يَعْبُدُونَ* أي يطيعون وقوله: بعبادتها أي بسبب الأمر بعبادتها، أو الباء بمعنى في كما يؤخذ من صنيعه اهـ.\rقوله: لَعَنَهُ اللَّهُ فيه وجهان، أظهرها: أن الجملة صفة لشيطانا، فهي في محب نصب.\rوالثاني: أنها مستأنفة إما إخبار بذلك، وإما دعاء عليه، وقوله: وَقالَ لَأَتَّخِذَنَ فيه ثلاثة أوجه الصفة أيضا، والحال على إضمار قد أي وقد قال واستئناف ولأتخذن جواب قسم محذوف، ومن عبادك يجوز أن يتعلق بالفعل قبله أو بمحذوف على أنه حال من نصيبا لأنه في الأصل صفة نكرة قدم عليها، وقوله:\rوَلَأُضِلَّنَّهُمْ الخ متعلقات هذه الأفعال الثلاثة محذوفة للدلالة عليها. أي ولأضلنهم عن الهدى، ولأمنينهم بالباطل، ولآمرنهم بالضلال. كذا قدره أبو البقاء والأحسن أن يقدر المحذوف من جنس الملفوظ به أي ولآمرنهم بالبتك ولآمرنهم بالتغيير اهـ سمين.\rقوله: (حظا) أي فريقا وطائفة وقوله: مقطوعا أي معلوما متميزا وهم الذين يتبعون خطواته يقبلون وساوسه اهـ خازن.\rقوله: وَقالَ صفة ثانية، وهذه الجمل الخمسة المحكية عن العين مما نطق به لسانه مقالا أو حالا، وما فيها من اللامات الخمس للقسم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أدعوهم إلى طاعتي) أي فهم أولياؤه، وهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، فيدخل","part":2,"page":123},{"id":662,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 124\rبالوسوسة وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ألقي في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَ يقطعن آذانَ الْأَنْعامِ وقد فعل ذلك بالبحائر وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ دينه بالكفر وإحلال ما حرّم اللّه وتحريم ما أحلّ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا يتولاه ويطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) بينا لمصيره إلى النار المؤبدة عليه\rيَعِدُهُمْ طول العمر وَيُمَنِّيهِمْ نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء وَما يَعِدُهُمُ الجنة من كل ألف واحد لقوله: صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما أنتم فيمن سواكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود» اهـ من الخطيب.\rوعبارة القرطبي: وقال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً بمعنى: لاستخلصنهم لغوايتي؛ وأضلنهم بالضلال، وهم الكفرة والعصاء. وفي الخبر: من كل ألف واحد للّه، والباقي للشيطان.\rقلت: وهذا صحيح معنى، ويعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة: أخرج من ذريتك بعث النار، فيقول يا رب: وما بعث النار فيقول اللّه تعالى أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعند ذلك تشيب الأطفال من شدة الهول. أخرجه مسلم فنصيب الشيطان هو بعث النار اهـ.\rقوله: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ مفعوله محذوف كما قدره، كذا وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وكذا وَلَآمُرَنَّهُمْ أي بالتبتيك وحذف لدلالة ما بعده عليه وكذا ولآمرنهم أي بالتغيير اهـ كرخي.\rقوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ أي بالبتك أي شق الآذان كما يؤخذ من قوله فليبتكن. والبتك: القطع وبابه ضرب، وبتك آذان الأنعام شقها شدد للكثرة اهـ شيخنا.\rقوله: (و قد فعل ذلك بالبحائر) جمع بحيرة وهي أن تلد الناقة أربعة بطون، وتأتي في الخامس بأنثى فكانوا يتركونها فلا يحملون عليها ولا يأخذون نتاجها، ويجعلون لبنها للطواغيت، ويشقون آذانها علامة على ذلك. قال تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: 103] الخ اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: وبحرت أذن الناقة بحرا من باب نفع شققتها والبحيرة اسم مفعول وهي المشقوقة الأذن اهـ.\rقوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ أي بالتغيير اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أي بإيثار ما يدعو إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: خُسْراناً مُبِيناً أي بتضييع رأس ماله النصري، وذلك لأن طاعة اللّه تفيد المفيد المنافع الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع القليلة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان، ويعقبها العذاب الأليم، وهذا هو الخسران المطلق كما أشار إليه الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ أشار الشارح إلى أن مفعوليهما محذوفان، والضميران لمن والجمع باعتبار معناها، كما أن الافراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها اهـ كرخي.","part":2,"page":124},{"id":663,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 125\rالشَّيْطانُ بذلك إِلَّا غُرُوراً (120) باطلا\rأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) معدلا\rوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي وعدهم اللّه ذلك وعدا وحقه حقا وَمَنْ أي لا أحد أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) أي قولا. ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب\rلَيْسَ الأمر منوطا بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ قوله: وَيُمَنِّيهِمْ عطف خاص للاهتمام اهـ.\rقوله: إِلَّا غُرُوراً وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بألسنة أوليائه وعدم التعرض تمنية لأنها باب من الوعد اهـ أبو السعود.\rقوله: (باطلا) أشار به إلى أن الغرور هو إيهام النفع فيما فيه الضرر، وفعول من أوزان المبالغة، فمعناه أنه كثير الغرور، وغرورا يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا، وأن يكون مفعولا من أجله، وأن يكون نعت مصدر محذوف أي وعد وعدا ذا غرور، وأن يكون مصدرا على غير المصدر، لأن قوله يعدهم في قوة يغرهم بوعده اهـ كرخي.\rقوله: أُولئِكَ إشارة لأولياء الشيطان بمراعاة معنى من، وهو مبتدأ أول، ومأواهم مبتدأ ثان، وجهنم خبر الثاني والجملة خبر الأول اهـ أبو السعود.\rقوله: مَحِيصاً في المختار خاص عنه عدل وحاد بابه باع وحيوصا ومحاصا ومحيصا وحيصانا بفتح الياء، يقال: ما عنه محيص أي محيد ومهرب اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بيان لوعد اللّه للمؤمنين عقب بيان وعد الشيطان للكافرين اهـ شيخنا.\rقوله: (أي وعدهم اللّه ذلك وحقه حقا) أشار إلى أن وعد اللّه منصوب على المصدر المؤكد، لأن المضمون الجملة الاسمية التي قبله وعد وحقا منصوب بفعل محذوف ويصح نصبه على الحال اهـ كرخي.\rقوله: قِيلًا أي قولا نبه به على أن القيل مصدر كالقول والقال، وقال ابن السكيت: القال والقيل اسمان لا مصدران ونصبه على التمييز اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل لما افتخر المسلمون الخ) أي فقال أهل الكتاب أي بعضهم: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أولى باللّه بثوابه منكم، أي فنحن أفضل. وقال المسلمون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على سائر الكتب، ونحن آمنا بكتابكم وأنتم لم تؤمنوا بكتابنا، فنحن أولى باللّه منكم اهـ شيخنا.\rقوله: (و أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى.\rقوله: لَيْسَ (الأمر) المراد بالأمر الثواب الذي وعد اللّه به أي ليس ما وعد اللّه به من الثواب منوطا أي مرتبطا بأمانيكم، ومترتبا عليها، ولا بأماني أهل الكتاب، بل هو منوط ومرتبط بالإيمان والعمل الصالح. وفي السمين: قوله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ في ليس ضمير هو اسمها وفيه خلاف، فقيل:","part":2,"page":125},{"id":664,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 126\rالْكِتابِ بل بالعمل الصالح مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يحفظه وَلا نَصِيراً (123) يمنعه منه\rوَمَنْ يَعْمَلْ شيئا مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يعود على ملفوظ به، وقيل: يعود على ما دل عليه اللفظ من الفعل، وقيل: يدل عليه سبب الآية، فأما عوده على ملفوظ به، فقيل هو الوعد المتقدم في قوله: وَعْدَ اللَّهِ وهذا ما اختاره الزمخشري أي ليس نيل ما وعد اللّه من الثواب بأمانيكم، ولا أماني أهل الكتاب، والخطاب للمسلمين لأنه لا يؤمن بوعد اللّه إلا من آمن به، وهذا وجه حسن، وأما عوده على ما يدل عليه اللفظ، فقيل: هو الإيمان المفهوم من قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وهو قول الحسن، وعنه ليس الإيمان بالتمني، وأما عوده على ما يدل عليه السبب فقيل يعود على محاورة المسلمين مع أهل الكتاب، وذلك أن بعضهم قال: ديننا قبل دينكم ونبينا قبل نبيكم فنحن أفضل منكم، قال المسلمون: كتابنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أفضل فنزلت. وقال: يعود على الثواب والعقاب أي ليس الثواب على الحسنات، ولا العقاب على السيئات بأمانيكم، وقيل: قالت اليهود: نحن أبناء اللّه وأحباؤه ونحن أصحاب الجنة وكذلك النصارى، وقالت كفار قريش: لا نبعث، فنزلت أي ليس ما ادعيتموه يا كفار قريش بأمانيكم اهـ.\rوالأماني جمع أمنية مأخوذة من التمني، وهو تقدير الشيء في النفس وإرادته، فالأمنية ما يقدره الإنسان في نفسه ويصوره فيها كأن يتصور أنه يثاب أو يعاقب أنه يفعل كذا وكذا، فيؤول المعنى إلى أنها نوع من الشهوة والمحبة والإرادة اهـ من الخازن.\rقوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي من مؤمن وكافر ولذا لم يقيد هنا بخلافه فيما بعد والسوء شامل للكفر اهـ شيخنا.\rقوله: (إما في الآخرة) أي حتما في حق الكافر وعند عدم التوبة في حق المؤمن اهـ شيخنا.\rقوله: (كما ورد في الحديث) أي المخرج في الترمذي، وغيره أن أبا بكر لما نزلت قال: يا رسول اللّه وأينا لم يعمل وأنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما أنت وأصحابك والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللّه وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيجتمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة» اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر رضي اللّه عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول اللّه؟\rفقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما تمرض أو يصيبك البلاء؟» قال: بلى يا رسول اللّه. قال: «هو ذلك» اهـ.\rقوله: وَلا يَجِدْ بالجزم عطفا على يجز.\rقوله: (شيئا) أشار به إلى أن من تبعيضية، وذلك لأنه لا يمكن أحدا أن يعمل جميع الطاعات اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى من للبيان في موضع الحال من الضمير المستكن في يعمل اهـ أبو السعود.\rوفي السمين قوله: مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ من الأولى للتبعيض لأن المكلف لا يطيق عمل","part":2,"page":126},{"id":665,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 127\rيَدْخُلُونَ بالبناء للمفعول والفاعل الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) قدر نقرة النواة\rوَمَنْ أي لا أحد أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي انقاد وأخلص عمله لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ موحد وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الموافقة لملة الإسلام حَنِيفاً حال أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (125) صفيا خالص المحبة له\rوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا كل الصالحات. وقال الطبري: هي زائدة عند قوم وهو ضعيف، ومن الثانية للبيان، وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير المرفوع بيعمل، والثاني: أنه الصالحات أي الصالحات حال كونها كائنة من ذكر أو أنثى اهـ.\rقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي بخلاف ذلك من هو كافر. قوله: فَأُولئِكَ إشارة إلى من بعنوان اتصافه بالإيمان والعمل الصالح والجمع باعتبار معناها، كما أن الافراد فيما سبق باعتبار لفظها اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالبناء للمفعول) أي فالجنة مفعول ثان لأنه من أدخل وقوله: وللفاعل أي فالجنة هو المفعول لأنه من دخل قوله: وَلا يُظْلَمُونَ أي الذين عملوا الصالحات وإذا لم ينقص ثواب المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى. كيف لا والمجازي أرحم الراحمين، وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لا أحد) أي فهو استفهام إنكاري. وقوله: دِيناً تمييز محول عن المبتدأ، وقوله:\rممن أسلم متعلق بأحسن فهي من الجارة للمفضول وللّه متعلق بأسلم اهـ سمين.\rقوله: مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي نفسه، وعبر بالوجه لأنه أشرف الأعضاء، وقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ حال من الضمير في أسلم وقوله: (موحد) هذا تفسير ابن عباس. قوله: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف على أسلم فهو الصلة وخص إبراهيم للاتفاق على مدحه حتى من اليهود والنصارى. أي فيجب عليكم حينئذ اتباع محمد وجملة واتخذ الخ عطف على ومن أحسن لا على اتبع لخلوها من العائد ولفساد المعنى وهي لبيان شرف هذا المتبوع اهـ شيخنا.\rقوله: حَنِيفاً حال أي من اتبع، أو من إبراهيم، أو الملة، لأنها بمعنى الشرع والدين، وصح جعلها حالا من إبراهيم المضاف إليه لوجود. شرطه. قال ابن مالك:\rولا تجز حالا من المضاف له الخ\rاه شيخنا.\rقوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا في خليلا وجهان: فإن عدينا اتخذ لاثنين كان مفعولا ثانيا، وإلا كان حالا. وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر نبهت على شرف المتبوع، وأنه جدير بأن يتبع لاصطفاء اللّه له بالخلة، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتها صلة للموصول. وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من الزلفى عند اللّه أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن تتبع ملته اهـ سمين.\rقوله: (إبراهيم) إظهار في مقام إضمار لتفخيم شأنه والتنصيص على أنه متفق على مدحه اهـ شيخنا.","part":2,"page":127},{"id":666,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 128\rوعبيدا وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) علما وقدرة أي لم يزل متصفا بذلك\rوَيَسْتَفْتُونَكَ يطلبون منك الفتوى فِي شأن النِّساءِ وميراثهن قُلِ لهم اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ القرآن من آية الميراث ويفتيكم أيضا فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما قوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الخ جملة مستأنفة لتقرير وجوب طاعة اللّه، وقيل: لبيان أن اتخاذه لإبراهيم خليلا ليس لاحتياجه إلى ذلك، كما هو شأن الآدميين، وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرج إبراهيم عن رتبة العبودية، وقيل: لبيان أن اصطفاءه للخلة بمحض مشيئته تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: (علما وقدرة) أفاد أن قوله: مُحِيطاً فيه وجهان، أحدهما: أن المراد منه الإحاطة في العلم. والثاني: الإحاطة بالقدرة كقوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها [الفتح: 21] اهـ كرخي.\rقوله: (أي لم يزل متصفا بذلك) أي فليست كان للانقطاع بل للدوام والاستمرار اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ أي جماعة من الصحابة. وفي المصباح: والفتوى بالواو وفتح الفاء وبالياء فتضم وهي اسم من أفتى العالم إذا بيّن الحكم واستفتيته سألته أن يفتي، والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف. قوله: (و ميراثهن) أي وبقية أحكامهن كعدم الإيذاء، لأن اللفظ عام، وإن كان السبب خاصا. وعبارة أبي السعود: أي في حقهن على الإطلاق، كما ينبىء عنه الأحكام الآتية في حق ميراثهن خاصة اهـ.\rقوله: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ الخ المضارع بمعنى الماضي لأنه قد أفتى، وبين في الآيات المتقدمة في أول السورة تأمل. قوله: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ أسند الإفتاء الذي هو تعيين المبهم وتوضيح المشكل إليه وإلى ما يتلى من الكتاب باعتبارين اهـ أبو السعود.\rوفي موضع ما ثلاثة أوجه، لأن محلها إما رفع أو جر، والرفع على وجهين، أحدهما: أن يكون مرفوعا عطفا على الضمير المستكن فيه يفتيكم العائد على اللّه تعالى وجاز ذلك للفصل بالمفعول، والجار والمجرور مع أن الفصل بأحدهما كاف. والثاني: أنه معطوف على لفظ الجلالة فقط. كذا ذكره أبو البقاء وغيره، والجر على أنه معطوف على الضمير المجرور بفي أي يفتيكم فيهم، وفي ما يتلى، وهذا منقول على محمد بن أبي موسى قال: أفتاهم اللّه فيما سألوا وفيما لم يسألوا اهـ سمين.\rقوله: (من آية الميراث) وهي قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: 11] الخ والمراد بالآية الجنس لأنها آيات أو أن آية مفرد مضاف لمعرفة فيعم. قوله: (يفتيكم أيضا) أي كما يفتيكم اللّه، وأشار بهذا إلى أن وما يتلى عليكم معطوف على اسم الجلالة أو على الضمير المستكن في يفتي، وفي بعض النسخ اثبات واو، وصورتها هكذا، ويفتيكم أيضا. وهذه النسخة غير ظاهرة يبعدها قوله أيضا، ولا يصح أن تكون دخولا على قوله في يتامى النساء لأنه بدل من قوله فيهن باعادة العامل فتأمل. قوله:\rفِي يَتامَى النِّساءِ فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه بدل من الكتاب، وهو بدل اشتماله ولا بد من حذف مضاف أي في حكم يتامى، ولا شك أن الكتاب مشتمل على ذكر أحكامهم. والثاني: أن يتعلق بيتلى، فان قيل: كيف يجوز تعلق حرفي جر بلفظ واحد ومعناهما واحد؟ فالجواب: أن معناهما مختلف لأن","part":2,"page":128},{"id":667,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 129\rكُتِبَ فرض لَهُنَ من الميراث وَتَرْغَبُونَ أيها الأولياء عن أَنْ تَنْكِحُوهُنَ لدمامتهن وتعضلوهن أن يتزوجن طمعا في ميراثهن أي يفتيكم أن لا تفعلوا ذلك وَفي الأولى للظرفية على بابها، والثانية: بمعنى باء السببية مجازا أو حقيقة عند من يقول بالاشتراك، قال أبو البقاء: كما تقول جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد. والثالث: أنه بدل من فيهن بإعادة العامل، ويكون هذا بدل بعض من كل. والرابع: أن يتعلق بنفس الكتاب أي فيما كتب في حكم اليتامى. والخامس:\rأنه حال فيتعلق بمحذوف وصاحب الحال هو المرفوع بيتلى أن كائنا في حكم يتامى النساء، وإضافة يتامى إلى النساء من باب إضافة الصفة إلى الموصوف إذا الأصل في النساء اليتامى اهـ سمين.\rقوله: اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَ صفة لليتامى، وذلك أنهم كانوا يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَرْغَبُونَ معطوف على الصلة أي لا تؤتونهن عطف جملة مثبتة على جملة منفية أي اللاتي لا تؤتونهن واللاتي ترغبون أن تنكحوهن كقولك: جاء الذي لا يبخل ويكرم الضيفان اهـ سمين.\rقوله: (عن) أَنْ تَنْكِحُوهُنَ هذا التقدير أحد وجهين للمفسرين والآخر تقدير في الآية محتملة للوجهين. وعبارة الخازن: اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَ يعني ما فرض لهن من الميراث، وهذا على قول من يقول إن الآية نازلة في ميراث اليتامى والصغار، وعلى القول الاخر معناه ما كتب لهن من الصداق، وترغبون أن تنكحوهن يعني وترغبون في نكاحهن لمالهن ومالهن بأقل من صداقهن، وقيل:\rمعناه وترغبون عن نكاحهن لقبحهن ودمامتهن وتمسكوهن رغبة في مالهن.\rروى مسلم عن عائشة قالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص صداقها، فنهو عن نكاحهن إلا ان يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاحهن من سواهن. قالت عائشة رضي اللّه عنها: فاستفتى الناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه عز وجل وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ فبين لهم ان اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها. قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها، ويعطوها حقها الأوفى من الصداقة اهـ.\rقوله: (لدمامتهن) في المصباح: دم الرجل يدم من بابي ضرب وتعب، ومن باب قرب لغة، فيقال دممت تدم، ومثله لببت تلب، وشررت من الشر، ولا يكاد يوجد لها رابع. في المضاعف:\rدمامة بالفتح قبح منظره وصغر جسمه، وكأنه مأخوذ من الدمة بالكسر، وهي القملة أو النملة الصغيرة فهو دميم، والجمع دمام مثل كريم وكرام، وامرأة دميمة والجمع دمائم، والذال المعجمة هنا تصحيف والدمام بالكسر ما يطلى به الوجه، ودمت الوجه دما من باب قتل إذا طليته بأي صبغ كان، ويقال الدمام للحمرة التي تحمر النساء بها وجوههن ودممت العين كحلتها بالدمام اهـ.\rقوله: (أن لا تفعلوا ذلك) أي ما ذكر عن عدم الايتاء والرغبة عن النكاح وعضلهن عن التزوج.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 9","part":2,"page":129},{"id":668,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 130\rالْمُسْتَضْعَفِينَ الصغار مِنَ الْوِلْدانِ أن تعطوهم حقوقهم وَيأمركم أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ بالعدل في الميراث والمهر وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) فيجازيكم به\rوَإِنِ امْرَأَةٌ مرفوع بفعل يفسره خافَتْ توقعت مِنْ بَعْلِها زوجها نُشُوزاً ترفعا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها أَوْ إِعْراضاً عنها بوجهه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد وفي قراءة يصلحا من قوله: الْمُسْتَضْعَفِينَ فيه ثلاثة أوجه:\rأحدها: وهو الظاهر أنه معطوف على يتامى النساء أي ما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين، والذي تلي عليهم فيه هو قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: 11] وذلك أنهم كانوا يقولون لا نورث إلا من يحمي الحوزة، ويذب عن الحرم، فيحرمون المرأة والصغيرة فنزلت.\rوالثاني: أنه في محل جر عطفا على الضمير في فيهن وهذا رأي كوفي.\rوالثالث: أنه منصوب عطفا على موضع فيهن أي ويبين حال المستضعفين. قال أبو البقاء: وبهذا التقرير يدخل في مذهب البصريين من غير كلفة. يعني أنه خير من مذهب الكوفيين حيث يعطف على الضمير من غير إعادة الجار اهـ سمين.\rقوله: وَأَنْ تَقُومُوا فيه خمسة أوجه الثلاثة المذكور فيما قبله، فيكون هو كذلك لعطفه على ما قبله والمتلو عليهم في هذا المعنى قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: 2] ونحوه.\rوالرابع: النصب بإضمار فعل: قال الزمخشري: ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار يأمركم يعني ويأمركم أن تقوموا وهذا خطاب للأئمة بأن ينظروا إليهم ويستوفوا حقوقهم.\rالخامس: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي وقيامكم لليتامى بالقسط خير لكم والأول من الأوجه اهـ سمين.\rقوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أي ومن شر ففيه اكتفاء. قوله: (فيجازيكم به) في نسخة عليه.\rقوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ فاعل بفعل مضمر واجب الإضمار، وهذا من باب الاشتغال، ولا يجوز رفعها بالابتداء، لأن أداة الشرط لا يليها إلا الفعل عند جمهور البصريين خلافا للأخفش والكوفيين.\rوالتقدير وإن خافت امرأة خافت ونحوه، وان أحد من المشركين استجارك ومن بعلها يجوز أن يتعلق بخافت وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من نشوزا إذ هو الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها تعذر جعله صفة فنصب حالا وقوله: فلا جناح جواب الشرط اهـ سمين.\rقوله: (بترك مضاجعتها) أي أو بترك محادثتها ومجالستها، وقوله: والتقصير في نفقتها، في نسخة والتقتير أي التضييق اهـ شيخنا.\rقوله: (و طموح عينه) في المختار: طمح بصره إلى الشيء ارتفع وبابه خضع وطماحا أيضا بالكسر وكل مرتفع طامح اهـ.\rقوله: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) أي فأصله يتصالحا، سكنت التاء وقلبت صادا","part":2,"page":130},{"id":669,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 131\rأصلح بَيْنَهُما صُلْحاً في القسم والنفقة بأن تترك له شيئا طلبا لبقاء الصحبة فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفرقة والنشوز والإعراض قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ شدة البخل أي جبلت عليه فكأنها حاضرته لا تغيب عنه والمعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها والرجل لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحب غيرها وَإِنْ تُحْسِنُوا عشرة النساء وَتَتَّقُوا الجور عليهن وأدغمت في الصاد، وعلى هذا فصلحا مفعول مطلق وهو اسم مصدر، وعلى قراءة يصلحا فهو مطلق أيضا أي أو مفعول به على تأويل يصلحا بيوقعا صلحا، وبينهما حال من صلحا لأنه نعت له، ونعت النكرة إذا تقدم عليها أعرض حالا وفيه إشارة إلا أن الأولى لهما أن لا يطلعا الناس على ذلك، بل يكون سرا بينهما اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن تترك له شيئا) أي من المبيت أو النفقة أو منهما ولو جميعها، بل ولو مع دفع شيء من مالها أو من صداقها اهـ شيخنا.\rونفي الجناح عن الزوج ظاهر لأنه يأخذ شيئا من قبلها والأخذ مظنة الجناح، ومظنة أن يكون من قبيل الرشوة المحرمة، وأما نفي الجناح عنها مع أن الذي من قبلها هو الدفع لا الأخذ، فلبيان أن هذا الصلح ليس من قبيل الرشوة المحرمة للمعطي والآخذ اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة قال الزمخشري فيها وفي التي بعدها أنهما اعتراض ولم يبين ذلك وكأنه يريد أن قوله وأن يتفرقا معطوف على قوله: فلا جناح عليهما، فجاءت الجملتان بينهما اعتراضا هكذا قال الشيخ، وفيه نظر، فإن بعدهما جملا أخر، فكان ينبغي أن يقول الزمخشري في الجميع أنها اعتراض ولا يخص والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح بذلك، وإنما يريد الزمخشري بذلك الاعتراض بين قوله: وإن امرأة، وقوله: وإن تحسنوا فإنهما شرطان ومتعاطفان، ويدل عليه تفسيره له بما يفيد هذا المعنى، والألف، واللام في الصلح يجوز ان تكون للجنس، وأن تكون للعهد لتقدم ذكره نحو فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 16] وخير يحتمل أن يكون للتفضيل على بابه، والمفضل عليه محذوف فقيل تقديره من النشوز والإعراض، وقيل: خير من الفرقة، والتقدير الأول أولى للدلالة اللفظية، ويحتمل أن يكون صفة مجردة أي الصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور اهـ سمين.\rقوله: الشُّحَ مفعول ثان لأحضرت. قوله: (فكأنها حاضرته) أي كأنه في مكان وهي حاضرة عنده. والأولى أن يقول: فكأنه حاضرها لا يغيب عنها لأنه هو الذي لزمها. وعبارة السمين: قال الزمخشري: ومعنى احضار الأنفس الشح إن الشح جعل حاضرا لا يغيب عنها أبدا، ولا ينفك يعني أنها مطبوعة عليه، فأسند الحضور إلى الشح، وهو في الحقيقة منسوب إلى الأنفس اهـ.\rقوله: (لا تكاد تسمح) أي تجود بنصيبها اهـ.\rقوله: (إذا أحب غيرها) أي أو كرهها. قوله: وَتَتَّقُوا (الجور عليهن) أي بالنشوز والإعراض،","part":2,"page":131},{"id":670,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 132\rفَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) فيجازيكم به\rوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا تسووا بَيْنَ النِّساءِ في المحبة وَلَوْ حَرَصْتُمْ على ذلك فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحبونها في القسم والنفقة فَتَذَرُوها أي تتركوا الممال عليها كَالْمُعَلَّقَةِ التي لا هي أيم ولا ذات بعل وَإِنْ تُصْلِحُوا بالعدل في القسم وَتَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما في قلوبكم من الميل رَحِيماً (129) بكم في ذلك\rوَإِنْ يَتَفَرَّقا أي الزوجان بالطلاق يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا عن وإن تعاضدت الأسباب الداعية إليها وتصبروا على ذلك مراعاة الحقوق والصحبة ولم تضطروهن إلى بذل شيء من حقوقهن، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً اهـ سمين.\rقوله: خَبِيراً أي عليما بما تعملون مع النساء من خير وشر، وقوله: فيجازيكم هذا هو محل جواب الشرط اهـ شيخنا.\rقوله: (في المحبة) أي مثلا فكذا في محادثتهن ومجالستهن والنظر إليهن، والجماع والتمتع اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ حَرَصْتُمْ (على ذلك) تحريتم وبالغتم. وفي المصباح: حرص عليه حرصا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحرص بالكسر وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضا، وحرص حرصا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة اهـ.\rقوله: كُلَّ الْمَيْلِ نصب على المصدر وقد تقرر أن كل بحسب ما تضاف إليه إن أضيفت إلى مصدر كانت مصدرية أو إلى ظرف أو غيره، فكذلك اهـ سمين.\rقوله: (التي تحبونها) متعلق بتميلوا.\rقوله: فَتَذَرُوها فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب بإضمار أن في جواب النهي. والثاني: أنه مجزوم عطفا على الفعل قبله، أي فلا تذروها ففي الأول نهي عن الجمع بينهما نهى عن كل منهما على حدته وهو أبلغ، والضمير في تذروها يعود على الممال عنها لدلالة السياق عليها اهـ سمين.\rقوله: كَالْمُعَلَّقَةِ حال من الهاء في فتزورها فيتعلق بمحذوف أي فتذروها مشابهة للمعلقة ويجوز عندي أن يكون مفعولا ثانيا. لأن قولك يذر بمعنى يترك وترك يتعدى لاثنين إذا كان بمعنى صير اهـ سمين.\rقوله: (هي أيم) هي التي لا زوج لها والمراد المطلقة، وذلك أنها حينئذ كالمعلق بين السماء والأرض، فلا هو مستقر على الأرض، ولا هو في السماء، بل هو في تعب اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الأيم العزب رجلا كان أو امرأة. قال الصغاني: سواء تزوج من قبل أو لم يتزوج، فيقال: رجل أيم وامرأة أيم، ويقال أيضا أيمة للأنثى وآم يئيم مثل سار يسير والأيمة اسم منه، وتأيم مكث زمانا لا يتزوج، والحرب أيمة لأن الرجال تقتل فيها فبقي النساء بلا أزواج ورجل أيمان ماتت امرأته وامرأة أيمى مات زوجها، والجمع فيهما أيامى مثل سكران وسكرى وسكارى اهـ.\rقوله: وَإِنْ يَتَفَرَّقا مقابل قوله فلا جناح عليهما أن يتصالحا. قوله: (بالطلاق) أي منه مباشرة","part":2,"page":132},{"id":671,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 133\rصاحبه مِنْ سَعَتِهِ أي فضله بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها وَكانَ اللَّهُ واسِعاً لخلقه في الفضل حَكِيماً (130) فيما دبره لهم\rوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بمعنى الكتب مِنْ قَبْلِكُمْ أي اليهود والنصارى وَإِيَّاكُمْ يا أهل القرآن أَنِ أي بأن اتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه وَقلنا لهم ولكم إِنْ تَكْفُرُوا بما وصيتم به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا فلا يضره كفركم وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن خلقه وعبادتهم حَمِيداً (131) محمودا في صنعه بهم\rوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كرره تأكيدا لتقرير موجب التقوى وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) شهيدا بأن ما فيهما له\rإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يا أَيُّهَا النَّاسُ ومنه تسببا. قوله: (بأن يرزقها الخ) أي فهذا الغنى بالبدل وكذا يغني كلا منهما عن صاحبه بالسلو إن كان لأحدهما تعلق بالآخر وعشق له اهـ شيخنا.\rقوله: (في الفصل) متعلق بواسعا واللام في لخلقه للتقوية أي يسع فضله وغناه خلقه اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ الخ في معنى العلة لقوله واسعا. قوله: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ الخ بيان لعموم الأمر بالتقوى المأمور بها في وأن تحسنوا وتتقوا، وأن تصلحوا الخ أي: فإذا كانت مأمورا بها في كل شرع سهلت عليكم اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ قَبْلِكُمْ متعلق بأوتوا أو متعلق بوصينا.\rقوله: (أي اليهود والنصارى) تفسير الموصول. قوله: وَإِيَّاكُمْ عطف على الموصول أي ووصيناكم. قوله: (أي بأن) أشار به إلى أن أن مصدرية في محل جر بتقدير حرف الجر، وهو ما جرى عليه الخليل والمعنى وصيناكم وإياكم بتقوى اللّه اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا أشار الشارح إلى أنه معمول لمحذوف معطوف على وصينا أي ولقد قلنا لهم الخ، ويصح أن يكون جملة مستأنفة اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا يضره كفركم) هذا هو جواب الشرط، وقوله: فَإِنَّ لِلَّهِ الخ علة له. قوله: (محمودا في صنعه بهم) أي أو في ذاته حمدوه أو لم يحمدوه أو مستحقا للحمد، وإن كفرتموه. وفي كلامه إشارة إلى أن الحميد في صفاته تعالى بمعنى المحمود على كل حال اهـ كرخي.\rقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كلام مبتدأ سيق للمخاطبين توطئة ما بعده من الشرطية غير داخل تحت القول المحكي اهـ أبو السعود.\rقوله: (موجب التقوى) أي سببها. قوله: (شهيدا بأن ما فيهما له) عبارة أبو السعود: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا في تدبير أمور الكل وكل الأمور، فلا بد من أن يتوكل عليه لا على أحد سواه اهـ.\rقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أي يفنيكم ويستأصلكم بالمرة ويأت بآخرين أي ويوجد دفعة مكانكم قوما آخرين من البشر أو خلقا آخرين مكان الإنس، ومفعول المشيئة محذوف يدل عليه مضمون الجزاء أي إن يشأ إفناءكم وإيجاد آخرين يذهبكم الخ. يعني أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من","part":2,"page":133},{"id":672,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 134\rوَيَأْتِ بِآخَرِينَ بدلكم وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133)\rمَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لمن أراده لا عند غيره فلم يطلب أحدهما الأخس وهلا طلب الأعلى بإخلاصه له حيث كان مطلبه لا يوجد إلا عنده وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134)\r* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ قائمين بِالْقِسْطِ بالعدل شُهَداءَ بالحق لِلَّهِ وَلَوْ كانت الشهادة عَلى أَنْفُسِكُمْ العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلق مشيئته المبينة على الحكم البالغة، فإن بإفنائكم لا لعجزه سبحانه. وقيل: هو خطاب لمن عادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من العرب أي إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه، فمعناه هو معنى قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: 38]. ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» يريد أبناء فارس اهـ أبو السعود.\rقوله: (لمن أراده) الضمير المستكن في أراد يعود على من والضمير البارز يعود على ثواب الدنيا والآخرة، وعبارة الكرخي: قوله: لمن أراده أشار بهذا إلى أنه لا بد في جملة الجواب من ضمير يعود على اسم الشرط، وهذا كتقدير الزمخشري قال: والمعنى فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة له ان أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط. أورده ابن الخطيب على وجه السؤال، فقال: فإن قيل: كيف دخلت الفاء في جواب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة سواء حصلت هذه الإرادة، أو قلنا تقدير الكلام فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط، وجوزه أبو حيان وجعل الظاهر أن الجواب محذوف تقديره: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند اللّه ثواب الدارين اهـ.\rقوله: (فلم يطلب) فاعله ضمير مستكن يعود على من، وقوله أحدهما مفعول به والأخس نعت له.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ قال السدي: إن غنيا وفقيرا اختصما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان النبي يرى أن الفقير لا يظلم الغني فأنزل اللّه هذه الآية وأمر بالقيام بالقسط مع الغني والفقير.\rوقيل: إن هذه الآية متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق خطابا لقومه الذين جادلوا عنه وشهدوا بالباطل، فأمرهم اللّه تعالى أن يكونوا قائمين بالقسط شاهدين للّه على كل حال ولو على أنفسهم وأقاربهم اهـ خازن.\rقوله: (قائمين) أي مديمين القيام، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة قواما اهـ كرخي.\rفقول الجلال قائمين تفسير لأصل المعنى لا لتمامه، فان هذا الأصل يتحقق بالقيام مرة أو مرتين. قوله: بِالْقِسْطِ في المصباح: قسط قسطا من باب ضرب وقسوطا جار وعدل أيضا فهو من الأضداد، قاله ابن القطاع، وأقسط بالألف عدل الاسم، والقسط بالكسر اهـ.\rقوله: شُهَداءَ جمع شهيد أو شاهد على غير قياس اهـ شيخنا.\rوشهداء خبر بعد خبر، وجوز فيه أبو البقاء أن يكون حالا من ضمير قوامين وضعف بأن فيه تقييد","part":2,"page":134},{"id":673,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 135\rفاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق ولا تكتموه أَوِ على الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ المشهود عليه غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما منكم وأعلم بمصالحهما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى في شهادتكم بأن القيام مجال الشهادة، وليس كذلك لأنهم مأمورون بالقيام بالقسط في حال الشهادة وغيرها. قال شيخنا: إن أريد القيام بالقسط في جميع الأمور فالتضعيف بين، وإن أريد القيام بالقسط في الشهادة، وقد روي معناه عن ابن عباس فالتضعيف ساقط اهـ كرخي.\rقوله: لِلَّهِ أي مخلصين للّه. قوله: (و لو كانت الشهادة على أنفسكم) أي ففي الآية حذف كان واسمها، وأشار بهذا إلى أن لو على بابها وجوابها محذوف كما قدره، وأن معنى شهادة الشخص على نفسه أن يقر بالتزام الحق ولا يكتمه اهـ كرخي.\rوعبارة السمين، قوله: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ لو هذه يحتمل أن تكون على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف أي لو كنتم شهداء على أنفسكم لوجب عليكم أن تشهدوا عليها، وأجاز الشيخ أن تكون بمعنى ان الشرطية ويتعلق قوله على أنفسكم بمحذوف تقديره، وإن كنتم شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء للّه هذا تقدير الكلام وحذف كان بعد لو كثير تقول: ائتني بتمر ولو حشفا أي وإن كان التمر حشفا فأتني به اهـ انتهت.\rقوله: إِنْ يَكُنْ (المشهود عليه) أي من الوالدين والأقربين وغيرهم وهم الأجانب، وسواء كان المشهود عليه أيضا غنيا أو فقيرا اهـ شيخنا.\rوجواب الشرط محذوف أي فلا تمتنعوا من الشهادة، عليهما طلبا لرضا الغني أو ترحما على الفقير، فإن اللّه أولى بجنسي الغني والفقير المدلول عليهما بما ذكر، ولو لا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما شرعيا اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما إذا عطفت بأو كان الحكم في عود الضمير والاخبار وغيرهما لأحد الشيئين أو الأشياء، ولا تجوز المطابقة. تقول زيد أو عمرو أكرمته، ولو قلت أكرمتهما لم يجز، وعلى هذا يقال كيف ثنى الضمير في الآية الكريمة والعطف بأو، لاجرم أن النحويين اختلفوا في الجواب عن ذلك ثلاثة أوجه، أحدها: أن الضمير في بهما ليس عائدا على الغني والفقير المذكورين أولا، بل على جنس الغني والفقير المدلول عليهما بالمذكورين، تقديره إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقير فليشهد عليه الغني والفقير، ويدل على هذا قراءة أبيّ فاللّه أولى بهم، فجمع الأغنياء والفقراء مراعاة للجنس، وعلى ما قررته لك يكون قوله: فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما ليس جوابا للشرط، بل جوابه محذوف كما عرفته، وهذا دال عليه. الثاني: إن أو بمعنى الواو، ويعزى هذا للأخفش وكنت قدمت أول البقرة أنه قول الكوفيين، وأنه ضعف. الثالث: أن أو لتفصيل ما أبهم، وقد أوضح ذلك أبو البقاء، وذلك أن كل واحد من المشهود له، والمشهود عليه يجوز أن يكون غنيا وأن يكون فقيرا، وقد يكونان غنيين، وقد يكونان فقيرين، فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك ولم تذكر أتى بأو لتدل على التفصيل، فعلى هذا يكون الضمير في بهما عائدا على المشهود له، والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه اهـ سمين.\rقوله: (و أعلم بمصالحهما) أشار به إلى تقدير مضاف. قوله: (بأن تحابوا) تصوير للمنفي لا","part":2,"page":135},{"id":674,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 136\rتحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له إِنْ لا تَعْدِلُوا تميلوا عن الحق وَإِنْ تَلْوُوا تحرفوا الشهادة وفي قراءة بحذف الواو الأولى تخفيفا أَوْ تُعْرِضُوا عن أدائها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) فيجازيكم به\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا داوموا على الإيمان بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ على الرسل بمعنى الكتب للنفي. وقوله: (لرضاه) أي وخوفا من سخطه إذ ربما واساه اهـ.\rقوله: (تميلوا عن الحق) أي فهو من العدول عن الحق ولا مقدرة فيكون علة للنهي أي نهيتكم لئلا تميلوا الخ. ويصح أنه علة للنهي عنه فلا تقدر لا حينئذ، وهو أولى لقلة التكلف اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: لأن لا تعدلوا أشار إلى أنه مفعول لأجله، كما اختاره القاضي على أنه من العدول لا من العدل، وقيل: كراهة أن تعدلوا على أنه من العدل وهو القسط وهذا ما اختاره صاحب الكشاف. إذ في الأول تكلف بمحذف لا اهـ.\rقوله: وَإِنْ تَلْوُوا بواوين أصله تلويون بوزن تضربون نقلت ضمة الياء إلى ما قبلها وهو الواو بعد سبب حركتها فسكنت الياء ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وحذفت نون الرفع للجازم لأنه من الأفعال الخمسة، وهذه الياء التي حذفت هي لام الكلمة فصار تلووا بوزن تفعوا، وعلى القراءة الثانية فعل به ما تقدم ثم نقلت ضمة هذه الواو التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها وهو اللام التي هي فاء الكلمة، فسكنت الواو ثم حذفت فصار تلووا بوزن تفعوا إلا أن فيه حينئذ اجحافا بالكلمة إذ لم يبق منها إلا فاؤها اهـ شيخنا.\rقوله: أَوْ تُعْرِضُوا (عن أدائها) إشارة إلى أن المراد من اللّي ههنا أداء الشهادة على غير وجهها الذي تستحق الشهادة أن تكون عليه ومن الاعراض أن لا يقوم بها أصلا بوجه. والحاصل: أن اللفظين يختلفان باختلاف المتعلق، وقيل إن اللّي مثل الاعراض في المعنى. قال تعالى: لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي أعرضوا. وأجاب أبو علي في الحجة بأنه لا ينكر تكرير اللفظين بمعنى واحد كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 30] اهـ كرخي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 136\r\rله: أَوْ تُعْرِضُوا (عن أدائها) إشارة إلى أن المراد من اللّي ههنا أداء الشهادة على غير وجهها الذي تستحق الشهادة أن تكون عليه ومن الاعراض أن لا يقوم بها أصلا بوجه. والحاصل: أن اللفظين يختلفان باختلاف المتعلق، وقيل إن اللّي مثل الاعراض في المعنى. قال تعالى: لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي أعرضوا. وأجاب أبو علي في الحجة بأنه لا ينكر تكرير اللفظين بمعنى واحد كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 30] اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ دليل لجواب الشرط المحذوف أي يعاقبكم اللّه تعالى لأنه خبير بما تعلمون، كما أشار الجلال. وفي الكرخي: قوله: فيجازيكم به أي يجازي المطيع بإحسانه والمسيء المعرض بإعراضه اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب لكافة المسلمين وذكر ذلك عقب الأمر بالعدل، لأنه لا يكون عدل إلا بعد الاتصاف بالإيمان، فهو من ذكر السبب بعد المسبب، وقوله: فيما يأتي الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا الخ بيان للطريق التي تفسد الإيمان وهي الردة لتجتنب اهـ شيخنا.\rقوله: (داوموا على الإيمان) جواب عما يقال إن فيه تحصيل الحاصل وهو محال، فأجاب بأن المعنى اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان على حد، فاعلم أنه لا إله إلّا اللّه يا أيها النبي اتق اللّه اهـ شيخنا.","part":2,"page":136},{"id":675,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 137\rوفي قراءة بالبناء للفاعل في الفعلين وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (136) عن الحق\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بموسى وهم اليهود ثُمَّ كَفَرُوا بعبادة العجل ثُمَّ آمَنُوا بعده ثُمَّ كَفَرُوا بعيسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ما أقاموا عليه وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) طريقا إلى الحق\rبَشِّرِ أخبر يا محمد الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ الخ أي بشيء من ذلك المذكور كما جرى عليه القاضي كالكشاف أي: فالحكم هنا متعلق بكل من المتعاطفات بالواو لا بمجموعها بقرينة المقام. إذ الإيمان بالكل واجب، والكل ينتفي بانتفاء البعض فلا يحتاج إلى جعل الواو بمعنى أو اهـ كرخي.\rقوله: بَعِيداً (عن الحق) أي بحيث يعسر العود منها إلى سواء الطريق، وقول القاضي: بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه لا يصح إلا إذا كانت الآية في جمع مخصوص علم اللّه منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه، والظاهر أنه لا يحتاج إلى هذه المبالغة، بل المراد أشر إليه، لأن الذين يكفرون بما ذكر قد يسلم بعضهم وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر لما أنه بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلا، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل اهـ كرخي.\rقوله: (و هم اليهود الخ) وقيل: نزلت في المنافقين، وذلك أنهم آمنوا ثم كفروا بعد الإيمان، ثم آمنوا يعني بألسنتهم وهو إظهارهم الإيمان لتجري عليهم أحكام المؤمنين، ثم ازدادوا كفرا، يعني بموتهم على الكفر، وذلك لأن من تكرر منه الإيمان والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة يدل على أنه لا وقع للايمان في قلبه، ومن كان كذلك لا يكون مؤمنا باللّه إيمانا كاملا صحيحا، وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان، ومثل هذا المتلاعب بالدين هل تقبل توبته أم لا؟ حكي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لا تقبل توبته، بل يقتل. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن توبته مقبولة اهـ خازن.\rقوله: (بعده) أي بعد رجوع موسى إليهم من المناجاة اهـ.\rقوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا قلوبهم على الإيمان، لأن قلوبهم قد تعودت الكفر وتمرنت على الردة، وكان الإيمان عندهم أهون شيء وأدونه لا أنهم لو أخلصوا الايمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم اهـ.\rقوله: (ما أقاموا عليه) ما: مصدرية ظرفية أي ما داموا عليه مقيمين عليه أي مدة إقامتهم عليه ومفعول يغفر محذوف، أي ليغفر لهم كفرهم ما داموا عليه، وفي هذا اشارة إلى أن الكفر بعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة كما قال الاصبهاني وغيره، وأما خبر كان فمحذوف تتعلق به اللام مثل لم يكن مريدا ليغفر لهم، لأن الفعل منصوب بأن مضمرة بعد اللام وهي منصوبها في تقدير مصدر، والمصدر لا يصح وقوعه خبرا لأنه معنى، والمخبر عنه جثة، فجعل الخبر محذوفا، واللام مقوية لتعديته إلى المصدر، هذا مذهب البصريين، وعليه جرى القاضي، وأما مذهب الكوفيين فالفعل هو الخبر، واللام زيدت فيه للتأكيد، وهي الناصبة بدون إضمار أن، وعليه جرى الكشاف وطعن فيه بما مرّ فلذلك عدل عنه القاضي إلى ما قاله اهـ كرخي.\rقوله: (أخبر) أي فاستعملت البشارة في مطلق الاخبار بل في الانذار تهكما لأن البشارة الخبر","part":2,"page":137},{"id":676,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 138\rمؤلما هو عذاب النار\rالَّذِينَ بدل أو نعت للمنافقين يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لما يتوهمون فيهم من القوة أَيَبْتَغُونَ يطلبون عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ استفهام إنكاري أي لا يجدونها عندهم فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه\rوَقَدْ نَزَّلَ بالبناء للفاعل السار، سمي بشارة لأن الخبر السار يظهر سرورا في البشرة أي ظاهر الجلد، والإنذار الخبر الشاق على النفس، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرة أنصارا متجاوزين في اتخاذهم اتخاذ المؤمنين اهـ أبو السعود.\rقوله: (لما يتوهمون الخ) أي ولقولهم ان ملك محمدا سيزول اهـ.\rقوله: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى ان تبتغوا من هؤلاء عزة اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: وهذه الجملة تعليل لما يفيده الاستفهام الانكاري من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم، فان انحصار جميع أفراد العزة في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أوليائه الذين كتب لهم العزة والغلبة. قال اللّه تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] يقتضي بطلان التعزز بغيره سبحانه، واستحالة الانتفاع به. وقيل: هي جواب شرط محذوف كأنه قيل: ان يبتغوا عندهم عزة فإن العزة للّه جميعا. وجميعا: حال من المستكن في للّه لاعتماده على المبتدأ اهـ.\rقوله: (و لا ينالها إلا أولياؤه) كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:\r8]، وأما عزة الكفار فليس معتدا بها بالنسبة إلى عزة المؤمنين لأنه لا يعز إلا من أعزه اللّه اهـ كرخي.\rقوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ يعني يا معشر المسلمين في الكتاب يعني القرآن أن إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها. قال المفسرون: الذي انزل عليهم في النهي عن مجالستهم وهو قوله تعالى في سورة الأنعام: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: 68] وهذا نزل بمكة لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن ويستهزئون به في مجالسهم، ثم ان أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين، وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء بالقرآن، فنهى اللّه المؤمنين عن القعود معهم بقوله: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ الخ اهـ خازن.\rقوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) قرأ الجماعة بالبناء للمفعول وعاصم قرأه مبنيا للفاعل مشددا، وأبو حيوة وحميد بالبناء للفاعل مخففا، والقائم مقام الفاعل في قراءة الجماعة هو أن وما في حيزها أي وقد نزل عليكم المنع من مجالستهم عند سماعكم الكفر بالإيمان والاستهزاء به. وأما في قراءة عاصم فإن من مع ما بعدها في محل نصب مفعولا به بنزل، والفاعل ضمير اللّه تعالى كما تقدم. وأما قراءة أبي حيوة وحميد فمحلها رفع بالفاعلية لنزل مخففا، فمحلها إما نصب على قراءة عاصم، أو رفع على قراءة غيره ولكن الرفع مختلف اهـ سمين.","part":2,"page":138},{"id":677,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 139\rوالمفعول عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ القرآن في سورة الأنعام أَنْ مخففة واسمها محذوف أي أنه إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ القرآن يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ أي الكافرين والمستهزئين حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً إن قعدتم معهم مِثْلُهُمْ في الإثم إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء\rالَّذِينَ بدل من الذين قبله قوله: (القرآن) أشار به إلى أن أل للعهد الخارجي. قوله: (اسمها محذوف) أي وخبرها جملة الشرط والجزاء اهـ.\rقوله: (أي أنه) قدره أبو البقاء أنكم ورده أبو حيان بأنها إذا خففت لم تعمل إلا في ضمير شأن محذوف، وإعمالها في غيره ضرورة.\rقلت: أجاز ابن مالك في شرح التسهيل إعمالها في ضمير الشأن وغيره إذا كان محذوفا. قال:\rولا يلزم كونه ضمير الشأن كما زعم بعضهم، بل إذا أمكن عوده على حاضر أو غائب معلوم، فهو أولى. واستدل بكلام لسيبويه اهـ كرخي.\rقوله: يُكْفَرُ بِها حال من آيات اللّه، وبها في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، وكذلك قوله:\rوَيُسْتَهْزَأُ بِها والأصل يكفر بها أحد، فلما حذف الفاعل قام الجار والمجرور مقامه، ولذلك روعي هذا الفاعل المحذوف فعاد عليه الضمير من قوله معهم حتى يخوضوا، كأنه قيل: إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها المشركون ويستهزئ بها المنافقون فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. أي غير حديث الكفر والاستهزاء، فعاد الضمير من غيره على ما دل عليه المعنى، وقيل: الضمير في غيره يجوز أن يعود على الكفر والاستهزاء المفهومين من قوله يكفر بها ويستهزأ بها، وإنما أفرد الضمير، وإن كان المراد به شيئين لأحد الأمرين، إما لأن الكفر والاستهزاء شيء واحد في المعنى، وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة نحو عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [البقرة: 68] وحتى غاية للنهي. والمعنى أنه تجوز مجالستهم عند خوضهم في غير الكفر والاستهزاء اهـ سمين.\rقوله: (أي الكافرين الخ) أي المعلومين من يكفر ويستهزئ قوله: غَيْرِهِ أي غير حديث الكفر والاستهزاء. قوله: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهي غير داخلة تحت التنزيل، وإذا ملغاة عن العمل لوقوعها بين المبتدأ والخبر أي لا تقعدوا معهم في ذلك الوقت إنكم ان فعلتموه كنتم مثلهم في الكفر واستتباع العذاب، والجمهور على رفع اللام في مثلهم على خبر الابتداء، وأفرد مثل هنا وإن أخبر به عن جميع، ولم يطابق به كما طابق ما قبله في قوله: ثم لا يكونوا أمثالكم وقوله: وحور عين كأمثال اللؤلؤ. قال أبو البقاء وغيره: لأنه قصد به هنا المصدر فوجد كما وجد في قوله: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [المؤمنون: 47] وتحرير المعنى أن التقدير أن عصيانكم مثل عصيانهم إلا أن تقدير المصدرية في قوله: لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا قلق اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ الخ تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (بدل من الذين قبله) أي قوله: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ وجعله بدلا لأن الخطاب مع","part":2,"page":139},{"id":678,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 140\rيَتَرَبَّصُونَ ينتظرون بِكُمْ الدوائر فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ ظفر وغنيمة مِنَ اللَّهِ قالُوا لكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدين والجهاد فأعطونا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ من الظفر عليكم قالُوا لهم أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ نستول عَلَيْكُمْ ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم وَألم نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أن يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم فلنا عليكم المنة قال المؤمنين وعليه جرى القاضي كالكشاف اهـ كرخي.\rوهذا مبني على جواز الابدال من البدل وقيل: هو من المنافقين اهـ شيخنا.\rقوله: يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ في المصباح: تربصت الأمر تربصا انتظرته والربصة وزان غرفة اسم منه وتربصت الأمر بفلان انتظرت وقوعه اهـ. والخطاب في (بكم) للمؤمنين.\rقوله: (الدوائر) جمع دائرة كضوارب أي الأمور التي تدور وتحدث في الزمن من النوائب والحوادث. وفي كلام الشارح قصور حيث قيد بانتظار الدوائر، وهي إنما تكون في الشرع مع أنهم يتربصون وينتظرون كل ما يقع للمؤمنين من خير وشر، بدليل التفصيل بقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ الخ. وعبارة الخازن: والمعنى ينتظرون ما يحدث لكم من خير أو شر اهـ.\rقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ الخ سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتحقيرا لحظ الكافرين لتضمن الأول نصرة دين اللّه وإعلاء كلمته، ولهذا أضاف الفتح إليه تعالى، وحظ الكافرين في ظفر دنيوي سريع الزوال اهـ كرخي.\rقوله: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ استفهام تقرير كالذي بعده أي للتقرير بما بعد النفي على حد أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] أي كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم اهـ.\rقوله: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ أي ألم نغلب عليكم ونتمكن من قتلكم وأسركم اهـ شيخنا.\rونستحوذ واستحوذ مما شذ قياسا وفصح استعمالا لأن من حقه نقل حركة حرف علته إلى الساكن قبلها وقلبها ألفا كاستقام واستبان وبابه، والاستحواذ التغلب على الشيء والاستيلاء عليه، ومنه استحوذ عليهم الشيطان. يقال: حاذ وأحاذ بمعنى والمصدر الحوذ اهـ سمين.\rقوله: (فأبقينا عليكم) أي رقينا لكم ورحمناكم، وفي المختار: وأبقى على فلان إذا ارعى عليه ورحمه يقال: لا أبقى اللّه عليك إن أبقيت علي اهـ.\rوفي القاموس: وأرعيت عليه أبقيت عليه ورحمته اهـ.\rقوله: وَنَمْنَعْكُمْ أي نحمكم من المؤمنين أي من قتلهم لكم، والجمهور على جزم نمنع عطفا على ما قبله، وقرأ ابن أبي بنصب العين وهي ظاهرة، فإنه على اضمار أن بعد الواو المقتضية للجمع في جواب الاستفهام اهـ سمين.\rقوله: (و مراسلتكم) أي مراسلتنا لكم بأخبارهم وأسرارهم. قوله: (فلنا عليكم المنة) أي فأعطونا مما أصبتم فهم لا قصد لهم إلا أخذ الأموال لشرهم في الدنيا اهـ أبو السعود.","part":2,"page":140},{"id":679,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 141\rتعالى فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وبينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) طريقا بالاستئصال\rإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ بإظهارهم خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية وَهُوَ خادِعُهُمْ مجازيهم على خداعهم قوله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فيه قولان:\rأحدهما: وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس ان المراد به في القيامة بدليل عطفه على قوله فاللّه يحكم بينكم يوم القيامة. روي أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن هذه الآية وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. كيف هذا وهم يقتلوننا؟ فقال: ولن يجعل اللّه للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا.\rالقول الثاني: أن هذا في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة. أي ليس لأحد من الكافرين أن يغلب المسلمين بالحجة، وقيل: معناه إن اللّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحوا دولة المؤمنين بالكلية ويستبيحوا بيضتهم، فلا يبقى أحد من المؤمنين، وقيل: معناه إن اللّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع، فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة. ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه: منها أن الكافر لا يرث من المسلم، ومنها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه بدليل هذه الآية، ومنها: أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما، ومنها: أن المسلم لا يقتل بالذمي بدليل هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يجوز أن يتعلق بالجعل، ويجوز أن يتعلق بمحذوف لأنه في الأصل صفة لسبيلا، فلما قدم عليه انتصب حالا منه اهـ سمين.\rقوله: (طريقا بالاستئصال) جواب عما يقال كيف هذا النفي في الآية مع أن كثيرا ما يقتل بعض الكفار بعض المسلمين، وقد تقدم بسطه في عبارة الخازن. قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ أي رسوله كما يقتضيه قول الشارح الخ بإظهارهم الخ. إذ هذا إنما هو خداع مع رسول اللّه لا مع اللّه لعلمه بكل شيء.\rوقوله: وَهُوَ خادِعُهُمْ أي اللّه نفسه كما يقتضيه قوله: مجازيهم اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ كلام مبتدأ مسوق لبيان طرف آخر من قبائح أعمالهم. أي يفعلون ما يفعله المخادع من إظهار الإيمان وإبطان نقيضه، واللّه فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومين الدماء والأموال، وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، وقيل: يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم، ثم يطفأ نورهم، ويبقى نور المؤمنين، فينادون المؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم اهـ.\rوسمي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع وهو جحره، فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن ويدخل مع الكفار بقوله أنا كافر. وجحر اليربوع يسمى النافقاء والسامياء والدامياء، فالسامياء هو الجحر الذي تلد فيه الأنثى والدامياء هو الذي يكون فيه الذكر، والنافقاء هو الذي يكونان فيه اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ خادِعُهُمْ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: ذكره أبو البقاء وهو أنها في محل نصب على","part":2,"page":141},{"id":680,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 142\rفيفتضحون في الدنيا باطلاع اللّه نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ مع المؤمنين قامُوا كُسالى متثاقلين يُراؤُنَ النَّاسَ بصلاتهم وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ يصلون إِلَّا قَلِيلًا (142) رياء\rمُذَبْذَبِينَ مترددين بَيْنَ ذلِكَ الكفر والإيمان لا منسوبين إِلى هؤُلاءِ أي الكفار وَلا إِلى هؤُلاءِ أي المؤمنين وَمَنْ يُضْلِلِ ه اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) طريقا إلى الهدى الحال. والثاني: أنها في محل رفع عطفا على خبر إن. والثالث: أنها استئناف إخبار بذلك. قال الزمخشري: وخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه، سمين.\rقوله: (مجازيهم) أي فسمى العقاب والجزاء باسم الذنب فهو من باب المشاكلة وفي نسخة فيجازيهم. قوله: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ عطف على خبر إن أخبر عنهم بهذه الصفات الذميمة، وكسالى نصب على الحال من ضمير قاموا الواقع جوابا، والجمهور على ضم الكاف وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ الأعرج بفتحها وهي لغة تميم، وأسد وابن السميفع كسلى وصفهم بما توصف به المؤنثة المفردة اعتبارا بمعنى الجماعة كقوله وَتَرَى النَّاسَ سُكارى [الحج: 2] والكسل: الفتور والتواني.\rوأكسل إذا جامع وفتر ولم ينزل اهـ سمين.\rقوله: يُراؤُنَ النَّاسَ في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير المستكن في كسالى. الثاني: أنها بدل من كسالى ذكره أبو البقاء وفيه نظر لأن الثاني ليس كل الأول ولا بعضه ولا مشتملا عليه. الثالث: أنها مستأنفة أخبر عنهم بذلك، وأصل يراؤون يرائيون فأعل كنظائره، والجمهور على يراؤون من المفاعلة. قال الزمخشري: قال قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت: معناها أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه اهـ سمين.\rقوله: (يصلون) سميت الصلاة ذكرا لاشتمالها عليه. قوله: (رياء) أي على وجه الرياء أو لأجل الرياء اهـ شيخنا.\rقوله: مُذَبْذَبِينَ حال من فاعل يراؤون أو منصوب على الذم، والمعنى أن الشيطان يذبذبهم.\rوحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: ذبذبه ذبذبة إذا تركه حيران مترددا. وعبارة البيضاوي: والمعنى مرددين بين الإيمان والكفر من الذبذبة، وهي جعل الشيء مضطربا وأصل الذب بمعنى الطرد وقرئ بكسر الذال بمنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو يذبذبون، كقولهم صلصل بمعنى تصلصل، وقرئ بالدال المهملة بمعنى أخذوا تارة في دية، وتارة في دية وهي الطريقة اهـ.\rومنه ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه: اتبعوا دية قريش أي طريقتهم اهـ زكريا.\rقوله: (الكفر والإيمان) أي المعلومين من المقام. قوله: لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ أي في الموضعين متعلقة بمحذوف وذلك المحذوف هو حال حذف لدلالة المعنى عليه. والتقرير مذبذبين لا منسوبين إلى هؤلاء، ولا منسوبين إلى هؤلاء، فالعامل في الحال نفس مذبذبين. قال أبو البقاء:\rوموضع لا إلى هؤلاء نصب على الحال من الضمير في مذبذبين أي يذبذبون متلونين وهذا تفسير معنى لا إعراب اهـ سمين.","part":2,"page":142},{"id":681,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 143\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ بموالاتهم سُلْطاناً مُبِيناً (144) برهانا بينا على نفاقكم\rإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ المكان الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وهو قعرها وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) مانعا من العذاب\rإِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق وَأَصْلَحُوا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمؤمنين الخلص، وقوله لا تتخذوا الكافرين أي كما فعل المنافقون كما تقدم في قوله: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ [النساء: 139] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (أتريدون) استفهام إنكاري في معنى النفي وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال: اتجعلون الخ للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببنيان أنه لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إرادته فضلا عن صدور نفسه اهـ أبو السعود.\rقوله: سُلْطاناً مُبِيناً السلطان يذكر ويؤنث فتذكيره باعتبار البرهان وتأنيثه باعتبار الحجة إلا أن التأنيث أكبر عند الفصحاء. وقال الفراء: التذكير أشهر وهي لغة القرآن اهـ سمين.\rقوله: (بينا) أي فإن موالاتهم أوضح أدلة النفاق.\rقوله: فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ في المختار: ودركات النار منازل أهلها، والنار دركات، والجنة درجات والقعر الأخير درك اهـ.\rقوله: (و هو قعرها) أي لأنها سبع طبقات، فأسفلها يقال له دركة بالكاف، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى أعلى، والنار طبقات ودركات، فالطبقة العليا لعصاة المؤمنين وهي جهنم، والثانية لظى للنصارى، والثالثة الحطمة لليهود، والرابعة السعير للصابئين، والخامسة سقر للمجوس، والسادسة الجحيم لأهل الشرك، والسابعة الهاوية للمنافقين اهـ من الخازن في سورة الحجر.\rوبهذا علم أنهم أشد عذابا من الكفار المظهرين للكفر، لأن هؤلاء ضموا إلى كفرهم الاستهزاء بالآيات، ولعل هذا الأسفل هو محل آل فرعون الذي قال تعالى فيه أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: 46] اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قرأ الكوفيون بخلاف من عاصم الدرك بسكون الراء والباقون بفتحها وفي ذلك قولان، أحدهما: أن الدرك والدرك لغتان بمعنى واحد كالشمع والشمع والغدر والغدر. والثاني: أن الدرك بالفتح جمع دركة على حد بقر وبقرة، والدرك مأخوذ من المداركة وهي المتابعة، وسميت طبقات النار دركاتها لأن بعضها مدارك لبعض أي متابعة اهـ.\rقوله: مِنَ النَّارِ في محل نصب على الحال وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الدرك والعامل فيها الاستقرار، والثاني: أنه الضمير المستتر في الأسفل لأنه صفة فتحمل ضميرا اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب على الاستثناء من قوله ان المنافقين. الثاني: أنه مستثنى من الضمير المجرور في لهم. الثالث: أنه مبتدأ وخبره الجملة من قوله:\rفَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قيل: ودخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ باسم شروط. قال أبو البقاء ومكي وغيرهما: مع المؤمنين خبر أولئك والجملة خبر إن الذين والتقدير فأولئك يكونون مع المؤمنين اهـ سمين.","part":2,"page":143},{"id":682,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 144\rعملهم وَاعْتَصَمُوا وثقوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ من الرياء فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فيما يؤتونه وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) في الآخرة هو الجنة\rما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ نعمه وَآمَنْتُمْ به والاستفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم وَكانَ اللَّهُ شاكِراً لأعمال المؤمنين بالإثابة عَلِيماً (147) بخلقه\r* لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ من أحد أي قوله: فَأُولئِكَ اشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد، للايذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة مع المؤمنين أي المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا، وإلّا فهم أيضا مؤمنون أي معهم في الدرجات العالية من الجنة، وقد بين ذلك بقوله:\rوَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الخ اهـ أبو السعود.\rورسم يؤت بدون ياء وهو مضارع مرفوع فحق يائه أن تثبت لفظا وخطا إلا أنها حذفت في الأصل لالتقاء الساكنين فجاء الرسم تابعا للفظ، وله نظائر تقدم بعضها، والقراء يقفون عليه دون ياء اتباعا للخط الكريم إلا يعقوب فإنه يقف بالياء إلى الأصل، وروي ذلك عن الكسائي وحمزة اهـ سمين.\rقوله: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ في ما وجهان.\rأحدهما: أنها استفهامية فتكون في محل مصب بيفعل، وإنما قدم لكونه له صدر الكلام، والباء على هذا سببية متعلقة بيفعل، والاستفهام هنا معناه النفي. والمعنى أن اللّه لا يفعل بعذابكم شيئا لأنه لا يجلب لنفسه بعذابكم نفعا ولا يدفع عنها به ضررا فأي حاجة له في عذابكم.\rالثاني: أن ما نافية كأنه قيل: لا يعذبكم اللّه وعلى هذا فالباء زائدة ولا تتعلق بشيء، وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيء واحد، فينبغي أن تكون سببية في الموضعين أو زائدة فيهما، لأن الاستفهام بمعنى النفي فلا فرق، والمصدر هنا مضاف لمفعوله، وقوله: إِنْ شَكَرْتُمْ وجوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم اهـ سمين.\rقوله: وَآمَنْتُمْ عطف مسبب ولذا قدم الشكر لأنه سبب في الإيمان إذ الإنسان إذا رأى النعم وتفكر فيها حملته على الإيمان وان كان الإيمان لا بد من سبقه على الشكر اهـ شيخنا.\rقوله: شاكِراً (لأعمال المؤمنين) أي ولو قلت وسمي الجزاء شكرا على سبيل الاستعارة فالشكر من اللّه هو الرضا بالقليل من عمل عبادة واضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد الطاعة، والمراد من كونه عَلِيماً أنه عالم بجميع الجزئيات فلا يقع له الغلط ألبتة فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض، وإليه إشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ أي رفع الصوت بالسوء أي أحوال الناس المكتومة كغيبة ونميمة، فإن العاقل من اشتغل بعيوبه، والجهر ليس قيدا، بل مثله الأسرار بذلك، وإنما خص الجهر لأنه الذي كان سببا للنزول، فهو بيان للواقع فلا مفهوم له، والسبب أن رجلا أضاف قوما فلم يحسنوا ضيافته، فلما خرج تكلم فيهم جهرا أو خصه لأنه أفحش اهـ من الخطيب.\rوفي الخازن: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، وذلك أن رجلا نال منه والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاضر،","part":2,"page":144},{"id":683,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 145\rيعاقب عليه إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فلا يؤاخذه بالجهر به بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لما يقال عَلِيماً (148) بما يفعل\rإِنْ تُبْدُوا تظهروا خَيْراً من أعمال البر أَوْ تُخْفُوهُ فسكت عنه أبو بكر مرارا ثم ردّ عليه، فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أبو بكر: يا رسول اللّه شتمني فلم تقل شيئا حتى إذا رددت عليه قمت: قال: «إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان فقمت» فنزلت الآية اهـ.\rقوله: (من أحد) بيان لفاعل المصدر الذي هو الجهر لأنه مصدر فيعمل، وان اقترن بأل وبالسوء مفعول الجهر، ومن القول حال من السوء وهو غير قيد إذ مثله الفعل، وجاز حذف الفاعل لأنه فاعل المصدر، وإلّا من ظلم استثناء من هذا الفاعل المحذوف أو يقدر مضاف أي إلا جهر من ظلم، فالاستثناء متصل على هذين فمن في محل نصب أو رفع على البدلية، وهو المختار، ولا يقال له استثناء مفرغ، لأن فاعل المصدر لما كان حذفه جائزا كان كأنه مذكور. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن ما تقدم فيه ذكر قبائح المنافقين وإيذائهم للمؤمنين، فالمؤمنون مظلومون فيجوز لهم ذكر سوئهم جهرا، وأيضا تناسب قوله شاكرا أي سواء كان سرا أو جهرا وهذا ضده اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يعاقبه) أي فعدم المحبة منه تعالى كناية عن العقاب الذي هو غاية عدم المحبة لاستحالة المحبة التي هي الميل القلبي عليه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن يخبر عن ظلم ظالمه) بأن يقول سرق مالي أو غصبه أو سبني أو قذفني ويدعو عليه دعاء جائزا بأن يكون بقدر ظلمه فلا يدعو عليه بخراب دياره لأجل أخذ ماله منه ولا يسب والده، وإن كان هو فعل كذلك ولا يدعو عليه لأجل ذلك بالهلاك، بل يقول اللهم خلص حقي منه، واللهم جازه أو كافئه، ولا يجوز أن يدعو عليه بسوء الخاتمة أو الفتنة في الدين، فإن بعضهم منعه مطلقا وهو الظاهر، وأجازه بعضهم إذا كان ظالما متمردا وقوله: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أي مثلا فمثله ما إذا أريد اجتماع على شخص، فيجب على من علم عيوبه بذل النصيحة له، وإن لم يستشره لأن الدين النصيحة فيذكر له ما يندفع به فإن زاد حرم الزائد وهكذا بقية السنة المنظومة في قوله:\rلقب لو مستفت وفسق ظاهر ... متظلم ومعروف ومحذر\r\rفالدعاء بغير قدر ما ظلم به حرام كالدعاء بمستحيل عادة أو عقلا، وقد يكره إذا كان في أماكن قذرة كمجزرة اهـ شيخنا.\rقوله: سَمِيعاً (لما يقال) أي من الظالم والمظلوم، وكذا يسمع كل فعل وقوله عَلِيماً بما يفعل أي وبما يقال من الظالم والمظلوم أيضا ففيه وعد ووعيد اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً الخ قد ذكر في حيز الشرط ثلاثة أشياء. وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً إنما يظهر كونه جزاء للثالث، وقد أشار البيضاوي إلى الجواب عن ذلك بما حاصله أن المقصود هو الثالث، والأولان ذكر توطئة له، ونصه: إن تبدوا خيرا طاعة وبرا أو تخفوه أي تفعلوه سرا تعفوا عن سوء لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود، وذكر ابداء الخير واخفائه توطئة له، ولذلك رتب عليه قوله:\rفَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً اهـ.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 10","part":2,"page":145},{"id":684,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 146\rتعملوه سرا أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ظلم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)\rإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يؤمنوا به دونهم وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الرسل وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ الكفر والإيمان سَبِيلًا (150) طريقا يذهبون إليه\rأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) ذا إهانة هو عذاب النار\rوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ قوله: أيضا إِنْ تُبْدُوا خَيْراً الخ بيان لمعاملة الخلق بعضهم مع بعض، فإنها إما يجلب نفع وهو ابداء الخير واخفاؤه أو بدفع ضرر وهو العفو عن السوء هكذا في الفخر فيكون العطف مغايرا، ومن قال أنه عطف خاص فيرد عليه أنه لا يكون بأو إلا أن يقال إنها بمعنى الواو اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً تعليل لجواب الشرط المحذوف تقديره: اعفوا أي العفو أولى لكم من تركه فإن اللّه الخ اهـ شيخنا.\rقوله: عَفُوًّا قَدِيراً أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على تمهيد العفو ما رخص له في الانتصار حثا على مكارم الأخلاق اهـ كرخي.\rقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا أي يريدون بقولهم المذكور وقوله بين ذلك الكفر أي بالكل وقوله: والإيمان أي بالكل. قوله: (طريقا يذهبون إليه) أي يريدون لهم دينا ومذهبا واسطة بين الإيمان والكفر، وهو الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعضهم اهـ شيخنا.\rقوله: حَقًّا فيه أوجه، أحدها: أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، فيجب إضمار عامله وتأخيره عن الجملة المؤكدة لها، والتقدير أحق ذلك حقا، وهكذا كل مصدر مؤكد لغيره أو لنفسه.\rالثاني: أنه حال من قوله هم الكافرون. قال أبو البقاء: أي كافرون من غير شك، وهذا يشبه أن يكون تفسيرا للمصدر المؤكد. وقد طعن الواحدي في هذا التوجيه، فقال: الكفر لا يكون حقا بوجه من الوجوه. والجواب: أن الحق هنا ليس يراد به ما يقابل الباطل، بل المراد أنه كائن لا محالة وأن كفرهم مقطوع به. الثالث: أنه نعت لمصدر محذوف أي الكافرون كفرا حقا وهو أيضا مصدر مؤكد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول أن هذا عامله مذكور وهو اسم الفاعل، وهذا عامله محذوف كما تقدم اهـ سمين.\rقوله: وَأَعْتَدْنا أي أعددنا للكافرين أي لهم، وإنما أظهر في مقام الإضمار ذما لهم وتذكيرا لوصفهم، أو المراد جميع الكافرين اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ مقابل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ، الخ وقوله: وَلَمْ يُفَرِّقُوا الخ مقابل قوله: وَيُرِيدُونَ الخ، وقوله وَيَقُولُونَ الخ. وأما قوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا الخ، فداخل فيما قبله فقد تمت المقابلة اهـ شيخنا.\rقوله: بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي في الإيمان به، وإنما دخلت بين على أحد وهو يقضي متعددا لعموم أحد من حيث إنه وقع في سياق النفي والمعنى، ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة منهم قاله في الكشاف اهـ كرخي.","part":2,"page":146},{"id":686,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 147\rأُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ بالنون والياء أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لأوليائه رَحِيماً (152) بأهل طاعته\rيَسْئَلُكَ يا محمد أَهْلُ الْكِتابِ اليهود أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ جملة كما أنزل على موسى تعنتا فإن استكبرت ذلك فَقَدْ سَأَلُوا أي آباؤهم مُوسى أَكْبَرَ أعظم مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً عيانا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ الموت عقابا لهم بِظُلْمِهِمْ حيث تعتنوا في السؤال ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ المعجزات قوله: سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ التصدير بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة له وان تراخى اهـ أبو السعود.\rقوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ الخ نزلت في أحبار اليهود حيث قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى، وقيل: كتابا محررا بخط سماوي في ألواح كما نزلت التوراة أو كتابا نعاينه حين ينزل أو كتابا إلينا بأعياننا بأنك رسول اللّه، وما كان مقصدهم بهذه العظيمة إلا التحكم والتعنت. قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (تعنتا) أي لا استرشادا، وإلّا لنزل كما طلبوا فعقابهم على هذا الوصف القائم بهم، والتعنت طلب الوقوع في العنت أي المشقة، وفي المختار: والعنت بفتحتين الإثم وبابه طرب، والعنت أيضا الوقوع في أمر، شاق، وبابه أيضا طرب والمتعنت طالب الزلة وهو معتد اهـ.\rوفي المصباح: وتعنته أدخل عليه الأذى وأعنته أوقعه في العنت وفيما يشق عليه تحمله اهـ.\rقوله: (فإن استكبرت ذلك) قدره كالزمخشري ليفيد أن قوله فقد سألوا جواب شرط مقدر، ولا يخفي أن في هذه الفاء قولين، أحدهما: أنها عاطفة على جملة محذوفة وقدرها ابن عطية فلا تبال يا محمد بسؤالهم وتشطيطهم فإنها عادتهم، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. الثاني: أنها جواب شرط مقدر كما مرّ، قاله الزمخشري أي ان استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا الخ اهـ كرخي.\rقوله: (أي آباؤهم) وإنما وبخ الموجودون في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنهم لما رضوا بما وجد من آبائهم كانوا كأنهم هم السائلون اهـ شيخنا.\rقوله: فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ الخ، الفاء تفسيرية مثل توضأ فغسل وجهه الخ اهـ.\rقوله: (عيانا) أي معاينين له. وفي الخازن: والمعنى أرنا نره جهرة، وذلك أن سبعين من بني إسرائيل خرجوا مع موسى عليه السّلام إلى الجبل فقالوا ذلك اهـ.\rوأشار الجلال بقوله عيانا إلى أن جهرة مفعول مطلق، لأنها نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في الفعل اهـ.\rقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ للترتيب في الاخبار. أي ثم كان من أمرهم أن اتخذوا العجل اهـ كرخي.","part":2,"page":147},{"id":687,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 148\rعلى وحدانية اللّه فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) تسلطا بينا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة فأطاعوه\rوَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ الجبل بِمِيثاقِهِمْ بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه وَقُلْنا لَهُمُ وهو مظل عليهم ادْخُلُوا الْبابَ باب القرية سُجَّداً سجود انحناء وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا وفي قراءة بفتح العين وتشديد الدال وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي لا تعتدوا فِي السَّبْتِ باصطياد الحيتان فيه وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) قوله: (على وحدانية اللّه) أي وعلى قدرته وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفا للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى اهـ كرخي.\rقوله: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ هذا استدعاء لهم إلى التوبة، كأنه قيل: إن أولئك الذين أجرموا قد تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضا حتى نعفو عنكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (و لم نستأصلهم) أي مع أنهم أحقاء بالاستئصال اهـ.\rقوله: (تسلطا) أي فلسطانا مصدر، وفي المختار: والسلاطة القهر، يقال سلط ككرم وسمع سلاطة وسلوطة بالضم، وقد سلطه اللّه تسليطا فتسلط عليهم السلطان الوالي، والسلطان أيضا الحجة والبرهان، ولا يثنّى ولا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر اهـ.\rقوله: (فأطاعوه) أي فقتل منهم سبعون ألفا في يوم واحد.\rقوله: (ليخافوا) وذلك أنهم امتنعوا من قبول شريعة التوراة، فرفع اللّه عليهم الطور فقبلوها اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيقبلوه) أي ولا ينقضوه اهـ.\rقوله: (و هو مظل عليهم) أي مرفوع فوق رؤوسهم ومحاذيهم كالظلة، وهذا التقيد سبق قلم، لأن قصة فتح القرية كانت بعد خروجهم من التيه، وقصة رفع الجبل فوق رؤوسهم كانت عقب نزول التوراة قبل دخولهم التيه، وقوله: باب القرية فقيل: هي بيت المقدس، وقيل: أريحاء، والقول المذكور على لسان موسى أو على لسان يوشع كما تقدم بسطه في سورة البقرة تأمل.\rقوله: (سجود انحناء) أي مطأطئين الرؤوس فهو سجود تواضع وخضوع فخالفوا ودخلوا زحفا على أستهاههم اهـ شيخنا.\rقوله: لا تَعْدُوا من عدا يعدو وأصله تعدووا الواو الأولى المضمومة لام الكلمة استثقلت الضمة عليها فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فوزنه تفعوا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لا تعتدوا) أي فهو من الاعتداء بدليل إجماع السبعة على اعتدوا منكم في السبت وتصريفه على هذه القراءة أنه نقلت فتحة التاء إلى العين الساكنة قبلها ثم قلبت التاء دالا وأدغمت في الدال بعدها اهـ أبو السعود.\rقوله: مِيثاقاً غَلِيظاً أي مؤكدا وهو العهد الذي أخذه اللّه عليهم في التوراة. قيل: إنهم أعطوا","part":2,"page":148},{"id":688,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 149\rعلى ذلك فنقضوه\rفَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي لعناهم بسبب نقضهم مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قُلُوبُنا غُلْفٌ لا تعي كلامك بَلْ طَبَعَ ختم اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فلا تعي وعظا فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) منهم كعبد اللّه الميثاق على أنهم هموا بالرجوع عن الدين فاللّه يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لعناهم) أخذ هذا التقدير مما جاء مصرحا في أول المائدة فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: 13] وقدره الزمخشري فعلنا بهم ما فعلنا، والأول أحسن لأنه قد صرح به في آية أخرى كما تقدم اهـ كرخي.\rقوله: وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي بالقرآن أو بكتابهم اهـ أبو السعود.\rقوله: بِغَيْرِ حَقٍ أي استحقاق عندهم كيحيى.\rقوله: غُلْفٌ جمع أغلف كحمر جمع أحمر، ويصح أن يكون جمع غلاف ككتاب وكتب وسكن للتخفيف اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها أي أحدث عليها سورة مانعة عن وصول الحق إليها اهـ شيخنا.\rوهذا اضراب عن الكلام المتقدم أي ليس الأمر كما قالوا من قولهم قلوبنا غلف، وأظهر القراء لام بل في بل طبع إلا الكسائي فأدغم من غير خلاف، وعن حمزة خلاف، والباء في بكفرهم يحتمل أن تكون للسببية، وأن تكون للآلة كالباء في كتب القلم، وقوله إلا قليلا يحتمل النصب على نعت مصدر محذوف أي إلا إيمانا قليلا ويحتمل كونه نعتا لزمانا محذوف أي زمانا قليلا، ولا يجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء من فاعل يؤمنون أي قليلا إلى منهم فإنهم يؤمنون، لأن الضمير في لا يؤمنون عائد على المطبوع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر فلا يقع منه الإيمان اهـ سمين.\rوقد جرى الشارح على هذا الوجه المعترض بما ذكر وجرى عليه غيره كالبيضاوي، ويمكن الجواب عنه بجعل الاستثناء من الهاء عليها لا من الواو تأمل. قوله: وَبِكُفْرِهِمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على ما في قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ، فيكون متعلقا بما تعلق به الأول. الثاني: أنه معطوف على بكفرهم الذي بعد طبع، وقد أوضح الزمخشري ذلك غاية الإيضاح، واعترض وأجاب أحسن جواب، فقال: فإن قلت علام عطف قوله وبكفرهم؟ قلت: الوجه أن يعطف على فبما نقضهم، ويجعل قوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ كلاما يتبع قوله، وقالوا قُلُوبُنا غُلْفٌ على وجه الاستطراد، ويجوز عطفه ما يليه من قوله بكفرهم، لأنه من أسباب الطبع، ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله، ويكون تكرير ذكر الكفر ايذانا بتكرر كفرهم، فانهم كفروا بعيسى ثم بمحمد عليه الصلاة والسّلام، فكأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات اللّه وقتل الانبياء، وقولهم: قُلُوبُنا غُلْفٌ وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عليه السّلام عاقبناهم، أو بل طبع اللّه عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا اهـ سمين.","part":2,"page":149},{"id":689,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 150\rابن سلام وأصحابه\rوَبِكُفْرِهِمْ ثانيا بعيسى وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) حيث رموها بالزنا\rوَقَوْلِهِمْ مفتخرين إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ في زعمهم أي بمجموع ذلك عذبناهم قال تعالى تكذيبا لهم في قتله وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ قوله: (ثانيا بعيسى) أي الأول بموسى والتوراة.\rقوله: (و كرر الباء) أي في قوله: وبكفرهم للفصل أي بأجنبي، وهو قوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ الخ اهـ كرخي.\rقوله: بُهْتاناً عَظِيماً مفعول به كما مر هو الأظهر فإنه متضمن معنى كلام نحو قلت خطبة وشعرا، وقيل انه منصوب على نوع المصدر كقولهم: قعد القرفصاء يعني أن القول يكون بهتانا وغير بهتان، والمراد بالبهتان أنهم رموا مريم بالزنا لأنهم أنكروا قدرة اللّه تعالى على خلق الولد من غير أب، ومنكر قدرة اللّه تعالى على ذلك كافر، لأنه يلزمه أن يقول كل ولد مسبوق بوالد لا إلى مبدأ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر والقدح في وجود الصانع المختار اهـ كرخي.\rقوله: (مفتخرين) أي فما جاءهم الضرر إلا من افتخارهم بما ذكر، وعبارة أبي السعود: ونظم قولهم هذا في سلك جناياتهم ليس لمجرد كونه كذبا، بل لتضمنه ابتهاجهم وافتخارهم بقتل النبي والاستهزاء به.\rقوله: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ قال أبو حيان: لم نعلم كيفية القتل ولا من ألقى عليه الشبه ولم يصح بذلك حديث اهـ شيخنا.\rقوله: رَسُولَ اللَّهِ فيه أنهم كفروا به وسبوه، وقالوا: هو ساحر ابن ساحرة، فكيف يقولون فيه رسول اللّه؟ والجواب أنهم قالوا ذلك تهكما به على حد قول مشركي مكة في حق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. وقالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، وقول فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، ويشهد لذلك قول الجلال في نسخة في زعمه بالإفراد، وأجيب أيضا بأن هذا من كلامه تعالى لمدحه وتنزييه عن مقالتهم فيه، فيكون الوقف على ما قبله كما قاله ابن جزي، فيكون منصوبا بمحذوف أي أمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقولهم: انا قتلنا المسيح أي وصلبناه بدليل قوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ففيه اكتفاء، وجملة ما قتلوه وما صلبوه الخ حال أو معترضه اهـ شيخنا.\rقوله: (زعمهم) متعلق بقوله قلنا، ولكنه غير محتاج إليه لأن تكذيبهم في القتل معلوم صريحا من قوله: وَما قَتَلُوهُ، ولو قال كالبيضاوي وغيره في زعمه بالإفراد، ويكون متعلقا بقول رسول اللّه، لكان أولى لأنه هو الذي يحتاج للتنبيه عليه، ولو قدم ما ذكره بعد قوله: قتلنا لكان ظاهرا في مراده بخلاف تأخيره بعد رسول اللّه فيهم غير المراد اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بمجموع ذلك عذبناهم) أشار بهذا إلى أن المجرورات المتقدمة وهي سبعة يتعلق جميعها بعامل واحد، ولا يحتاج كل واحد منها إلى إفراده بعامل، وإلى أن ما قدره أولا بقوله لعناهم لا يتعين بخصوصه، بل يصح تقدير كل ما يدل على هوانهم وحقارتهم، فلذلك قدره بعضهم لعناهم، وبعضهم فعلنا ما فعلنا، وبعضهم عذبناهم، وهذا الأخير أولى لأنه منطبق على جميع التقديرات.","part":2,"page":150},{"id":690,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 151\rوَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ المقتول والمصلوب وهو صاحبهم بعيسى أي ألقى اللّه عليه شبهه فظنّوه إياه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي في عيسى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول: والحاصل أنه أشار إلى خصوص المتعلق أولا وأشار ثانيا إلى أن تعميمه أولى، تأمل.\rقوله: (تكذيبا لهم في قتله) أي وفي صلبه. قوله: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ روى النسائي عن ابن عباس أن رهطا من اليهود سبّوه وأمه، فدعا عليهم فمسخهم اللّه قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره اللّه بأنه يرفعه إلى السماء اهـ خطيب.\rوفي القرطبي في آل عمران قال الضحاك: لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر إبليس جمع اليهود، فركب أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة، فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبي اللّه فألقى إليه مدرعته من صوف وعمامته من صوف وناوله عكازة، وألقى اللّه عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه، وأما المسيح فكساه اللّه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار مع الملائكة اهـ.\rقوله: (المقتول والمصلوب) بدل من الضمير المستتر، وقيل: نائب الفاعل هو لهم. وعبارة الكرخي: قوله: المقتول والمصلوب أشار به إلى أن شبه مستند إلى ضمير المقتول، لأن قولهم إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل ولكن شبه لهم من قتلوه، ولا يصح جمعه مسندا إلى المسيح لأنه مشبه به وليس بمشبه اهـ.\rقوله: (و هو صاحبهم) أي واحد منهم كان ينافق مع عيسى، فلما ارادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عليه السّلام، وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه، وهم يظنون أنه عيسى اهـ أبو السعود.\rقوله: (بعيسى) متعلق بشبه، وقوله عليه: أي على الصاحب، وقوله: شبهه أي شبه عيسى.\rقوله: (فظنوه إياه) ثم انهم لما لم يجدوا صاحبهم ولا عيسى وقعوا في الحيرة فقالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ اهـ شيخنا.\rقوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ منه في موضع جر صفة لشك. أي لفي شك حادث من جهة قتله، فتكون من لابتداء الغاية، ولا تتعلق بشك، إذ لا يقال شككت منه، وإن ادعى أن من بمعنى في فليس بمستقيم عند البصريين قاله أبو البقاء، وفي الآية إشكالان، أحدهما: أن الظاهر من قوله تعالى، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ الخ أن جميع اليهود على اعتقاد أنهم قتلوا عيسى، وهذا القول أعني قوله: وإن الذين اختلفوا فيه الخ على ما فسره القاضي يدل على أن بعضهم في التردد. والثاني: إن الذي اختلفوا فيه بعضهم في التردد وبعضهم غير متردد، بل جازم بقتله، فكيف يصح إطلاق الحكم بأن الذين اختلفوا فيه لفي شك، والجواب: ان المراد بالشك ههنا ما يقابل العلم وكلهم في الشك بقتله في هذا المعنى إذ ليس لهم علم به، وأما تردد بعضهم في قتله فمعناه أنهم اعتقدوا اعتقادا راجحا في قتله، فاختلع في قلوبهم الشبهة المذكورة اهـ كرخي.","part":2,"page":151},{"id":691,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 152\rالوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به. وقال آخرون بل هو هو ما لَهُمْ بِهِ بقتله مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ استثناء منقطع أي لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) حال مؤكدة لنفي القتل\rبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً (158) في صنعه\rوَإِنْ ما قوله: (فليس به) أي فيس هذا المقتول به أي بعيسى أي ليس هو عيسى، وفي بعض النسخ فالتبس به، والأولى أوضح كما لا يخفى.\rقوله: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يجوز في علم وجهان، أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية والعامل أحد الجارين إما لهم وإما به، وإذا جعل أحدهما رافعا له تعلق الآخر بما تعلق به الرافع من الاستقرار المقدر، ومن زائدة لوجود شرطي الزيادة. والوجه الثاني: أن يكون مبتدأ زيدت فيه من أيضا، وفي الخبر احتمالان أحدهما أن يكون لهم فيكون به إما حالا من الضمير المستكن في الخبر والعامل فيها الاستقرار المقدر، وإما حالا من علم وإن كان نكرة لتقدمها ولاعتماده على نفي، والاحتمال الثاني أن يكون به هو الخبر، ولهم متعلق بالاستقرار كما تقدم، وهذه الجملة المنفية تحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: الجر على أنها صفة ثانية لشك أي غير معلوم. الثاني: النصب على الحال من شك، وجاز ذلك، وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف بقوله منه. الثالث: الاستئناف ذكره أبو البقاء وهو بعيد اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهور وغيره أنه منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، ولم يقرأ فيما علمت إلا بنصب اتباع على أصل الاستثناء المنقطع، وهي لغة الحجاز. والثاني: قال ابن عطية إنه متصل. قال: لأن العلم والظن بجمعهما مطلق الإدراك اهـ سمين.\rقوله: (استثناء منقطع) أي لأن الظن واتباعه ليس من جنس العلم الذي هو اليقين إذ الظن الطرف الراجع اهـ شيخنا.\rقوله: (مؤكدة لنفي القتل) والمعنى انتفى قتلهم له انتفاء يقينا: أي انتفاؤه على سبيل القطع، ويجوز أن يكون حالا من واو قتلوه أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه السّلام، بل فعلوه شاكين فيه اهـ خطيب.\rوفي السمين: قوله: يقينا فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي قتلا يقينا. الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله كما تقدم مجاز لأنه في معناه أي وما تيقنوه يقينا. الثالث:\rأنه حال من فاعل قتلوه أي وما قتلوه متيقنين لقتله. الرابع: أنه منصوب بفعل من لفظه حذف للدلالة عليه أي ما تيقنوه يقينا، ويكون مؤكدا لمضمون الجملة المنفية قبله، وقدر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتا، فقال: تقديره تيقنوا ذلك يقينا وفيه نظر. الخامس: وينقل عن أبي بكر بن الأنباري أنه منصوب بما بعد بل من قوله: رفعه اللّه إليه، وإن في الكلام تقديما وتأخيرا أي: بل رفعه اللّه إليه يقينا، وهذا قد نص الخليل، فمن دونه على منعه لأن بل لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فينبغي أن لا يصح عنه، وقوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ردا لما ادعوه من قتله وصلبه اهـ.","part":2,"page":152},{"id":692,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 153\rمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ بعيسى قَبْلَ مَوْتِهِ أي الكتابي حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه أو قبل موت عيسى لما ينزل قرب الساعة كما ورد في الحديث وَيَوْمَ قوله: (حال مؤكدة) أي فيلاحظ القيد بعد وجود النفي أي انتفى القتل يقينا فهو من باب تيقن العدم لا من عدم التيقن، كما قالوه في سلب العموم وعموم السلب. وبالجملة؛ هو نفي للقيد والمقيد معا أي أنه ظهر لهم بعد الشك بالأمر وتيقنوا عدم القتل لعدم وجود صاحبهم أو المعنى قتلا يقينا، وأما جعله متعلقا بما بعده فيرده أن ما بعد بل لا يعمل فيما قبلها كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أي إلى موضع لا يجري فيه حكم غير اللّه تعالى نظير وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: 210] كما في الفخر، وهذا الموضع هو السماء الثالثة، كما في حديث الجامع الصغير آدم في السماء الدنيا تعرض عليه أعمال ذريته، ويوسف في السماء الثانية، وابنا الخالة يحيى وعيسى في السماء الثالثة الخ، وفي بعض المعاريج أنه في السماء الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: عَزِيزاً (في ملكه) حَكِيماً (في صنعه) أي فالمراد من العزة كمال اللّه، ومن الحكمة كمال العلم، ونبه بهذا على أن رفع عيسى عليه السّلام إلى السموات، وإن كان كالمعتذر على البشر لكنه لا بعد فيه بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى وحكمته كقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الإسراء: 1] فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلى قدرة محمد إلا انه سهل بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ مِنْ أشار إلى أن إن هنا نافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه. أي وما أحد من أهل الكتاب، وحذف أحد لأنه ملحوظ في كل نفي يدخله الاستثناء نحو: ما قام إلا زيد، أي ما قام أحد إلا زيد اهـ كرخي.\rوفي السمين وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إن هنا نافية بمعنى ما ومن أهل صفة لمبتدأ محذوف، والخبر الجملة القسمية المحذوفة وجوابها. والتقدير وما أحد من أهل الكتاب إلا واللّه ليؤمنن به فهو كقوله:\rوَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 64]. أي ما منا أحد كقوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم:\r71] أي ما أحد منكم إلا واردها هذا هو الظاهر. قوله: إِلَّا لَيُؤْمِنَنَ أي بعيسى قبل موته أي الكتابي نفسه، ويقول في إيمانه: إنه عبد اللّه ورسوله. وعن ابن عباس أنه فسّره كذلك، فقال عكرمة: فإن أتى الكتاب رجل فضرب عنقه فأين القول المذكور؟ قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه. قال: فإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع. قال: يتكلم بها في الهواء وتخرج روحه حتى يؤمن به اهـ أبو السعود.\rقوله: (حين يعاين ملائكة الموت) عن شهر بن حوشب قال: اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره. وقالوا: يا عدو اللّه أتاك عيسى نبيا فكذبت به. فيقول: آمنت بأنه عبد اللّه ورسوله، ويقال للنصراني أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه اللّه وابن اللّه، فيقول: آمنت بأنه عبد اللّه، فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان اهـ خازن.\rقوله: (أو قبل موت عيسى الخ) تفسير ثان في الضمير، وعبارة الخازن: وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى عليه السّلام، وهو رواية عن ابن عباس والمعنى، وما من أحد","part":2,"page":153},{"id":693,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 154\rالْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) بما فعلوه لما بعث إليهم\rفَبِظُلْمٍ أي فبسبب ظلم مِنَ الَّذِينَ هادُوا هم اليهود حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ هي التي في قوله تعالى حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته، أي عيسى وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتابين إلا آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدة، وهي ملة الإسلام، قال عطاء: إذا نزل عيسى إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصارني ولا أحد يعبد غير اللّه إلا آمن بعيسى وأنه عبده وكلمته، انتهت.\rوفي السمين: ويروى في التفاسير أن عيسى حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كل أحد حتى تصير الملة كلها إسلامية اهـ.\rقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ العامل فيه شهيدا، وفيه دليل على جواز تقديم خبر كان عليها لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوبا بيكون وهذا على رأي من يجيز لكان ان تعمل في الظرف وشبهه، والضمير في يكون لعيسى، وقيل لمحمد عليهما الصلاة والسّلام اهـ سمين. قوله: شَهِيداً أي فيشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنهم اعتقدوا فيه انه ابن اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: فَبِظُلْمٍ هذا الجار متعلق بجرمنا والباء سببية، وإنما قدم على عامله تنبيها على قبح سبب التحريم، ومن الذين هادوا صفة لظيم أي ظلم صادر من الذين هادوا، وقيل: ثم صفة للظلم محذوفة للعلم بها أي فبظلم أي ظلم أو فبظلم عظيم اهـ سمين.\rوفي الخازن: يعني ما حرمنا عليها الطيبات التي كانت حلالا لهم إلا بظلم عظيم ارتكبوه، وذلك الظلم هو ما ذكره من نقضهم الميثاق وما عدد عليهم من أنواع الكفر والكبائر العظيمة مثل قولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وكقولهم: ارنا اللّه جهرة، وكعبادتهم العجل، فبسبب هذه الأمور حرم اللّه عليهم طيبات كانت حلالا لهم، وهي ما ذكره في سورة الأنعام في قوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: 146].\rقوله: (أي فبسبب ظلم) أي ظلم قبيح بالتنوين للتعظيم، وهذا الظلم هو ما تقدم من قوله:\rيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ الخ [النساء: 153] وقوله: اجْعَلْ لَنا إِلهاً [الأعراف: 138] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا لعل ذكرهم بهذا العنوان للإيذان بكمال ظلمهم بتذكير وقوعه بعد ما هادوا، أي تابوا ورجعوا عن عبادة العجل اهـ أبو السعود.\rقوله: أُحِلَّتْ لَهُمْ هذه الجملة صفة للطيبات فمحلها نصب ومعنى وصفها بذلك وصفها بما كانت عليه من الحل، ويوضحه قراءة ابن عباس رضي اللّه عنه كانت أحلت لهم اهـ سمين.\rأي كان وقع إحلالها لهم في التوراة ثم حرمت عليهم اهـ خطيب.\rفكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترحوها يحرم اللّه عليهم نوعا من الطيبات التي","part":2,"page":154},{"id":694,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 155\rالآية وَبِصَدِّهِمْ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه صدا كَثِيراً (160) في التوراة\rوَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشا في الحكم وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) مؤلما\rلكِنِ الرَّاسِخُونَ الثابتون فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ كعبد اللّه بن سلام وَالْمُؤْمِنُونَ المهاجرون كانت لهم حلالا ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على اللّه سبحانه ويقولون: لسنا بأول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة على إبراهيم ونوح ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا، فكذبهم اللّه تعالى في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران:\r93] أي في ادعائكم انه تحريم قديم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَبِصَدِّهِمْ الخ وقوله: وَأَخْذِهِمُ الخ. وقوله: وَأَكْلِهِمْ الخ كله تفسير للظلم الذي تعاطوه فهو من عطف الخاص على العام، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده اهـ قرطبي.\rقوله: كَثِيراً فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مفعول أي بصدهم ناسا أو فرقة أو جمعا كثيرا، وقيل: نصبه على المصدرية أي صدا كثيرا، وقيل: على ظرفية الزمان أي زمانا كثيرا، والأول أولى لأن المصادر بعده ناصبة لمفاعيلها، فيجري الباب على سنن واحد، وإنما أعيدت الباء في قوله: وبصدهم ولم تعد في قوله: وأخذهم وما بعده لأن قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولا للمعطوف عليه، بل بالعامل فيه وهو حرمنا وما تعلق به، فلما بعد المعطوف من المعطوف عليه بالفصل بما ليس معمولا للمعطوف عليه أعيدت الباء لذلك، وأما بعده فلم يفصل فيه إلا بما هو معمول للمعطوف عليه وهو الربا، والجملة من قوله: وقد نهوا عنه في محل نصب لأنها حالية، وبالباطل يجوز أن يتعلق بأكلهم على أنها سببية أو بمحذوف على أنها حال من هم في أكلهم أي ملتبسين الباطل اهـ سمين.\rقوله: (بالرشا) في المصباح: الرشوة بالكسر ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم به أو يحمله على ما يريد وجمعها رشا مثل سدرة وسدر والضم لغة وجمعها رشا بالضم أيضا، ورشوته رشوا من باب قتل أعطيته رشوة فارتشى أي أخذ اهـ.\rوفي القاموس: الرشوة مثلثة الجعل اهـ.\rقوله: وَأَعْتَدْنا معطوف على حرمنا. قوله: مِنْهُمْ وهم المصرون على الكفر لا من تاب وآمن من بينهم اهـ أبو السعود.\rقوله: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الخ جيء هنا بلكن لأنها وقعت بين نقيضين، وهما الكفار والمؤمنون، والراسخون مبتدأ وفي خبره احتمالان أظهر ما أنه يؤمنون، والثاني أن الجملة من قوله أولئك سنؤتيهم، وفي العلم متعلق بالراسخون، ومنهم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن في الراسخون اهـ سمين.","part":2,"page":155},{"id":695,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 156\rوالأنصار يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتب وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ نصب على المدح وفي أبي السعود ما نصه: لكن الراسخون في العلم منهم استدراك على قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ [آل عمران: 151] الخ وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا وآجلا أي لكن التائبون في العلم منهم المتقنون المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة، والمراد بهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه، والمؤمنين منهم وصفوا بالإيمان بعد ما وصفوا بما يوجبه من الرسول في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المعطوفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي.\rوقوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] حال من المؤمنين مبينة لكيفية إيمانهم، وقيل اعتراض مؤكدا لما قبله، وقوله: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قبل نصب باضمار فعل تقديره، وأعني المقيمين الصلاة، على أن الجملة معترضة بين المتعاطفات، وقيل هو عطف على بما أنزل إليك على أن المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أي يؤمنون بالكتب والأنبياء والملائكة. وقال مكي:\rأي ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم الصلاة لقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] وقيل: عطف على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء، وقيل: على عطف الضمير لمجرور في منهم أي لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقرئ بالرفع وعلى أنه معطوف على بناء على مر من تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي، وكذا الحال فيما سيأتي من المعطوفين فإن قوله: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ عطف على الْمُؤْمِنُونَ مع اتحاد الكل ذاتا وكذا الكلام في قوله وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب قد وصفوا أولا بكونهم راسخين في علم الكتاب إيذانا بأن ذلك موجب للايمان حتما، وأن من عداهم إنما بقوا مصرين على الكفر لعدم رسوخهم في العلم، ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السّلام، ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والاحكام، واكتفى من بينها بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين، لسائر العبادات البدنية والمالية، ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعاد تحقيقا لحيازتهم الإيمان بقطريه، وإحاطتهم به من طرفيه وتعريضا بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا بمؤمنين بواحد منهما حقيقة، فإنهم بقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] مشركون باللّه سبحانه، وقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80] كافرون باليوم الآخر. وقوله:\rأُولئِكَ إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما عدد من الصفات الجميلة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل. وهو مبتدأ وقوله سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً خبره، والجملة خبر للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه والسين لتأكيد الوعد وتنكير الأجر للتفخيم، وهذا الاعراب أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم كأنه قيل اثر قوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً، لكن المؤمنون سنؤتيهم أجرا عظيما. وأما ما جنح إليه الجمهور من جعل قوله يؤمنون بما أنزل إليك الخ خبرا للمبتدأ ففيه كمال السداد غير أنه غير متعرض لتقابل الطرفين اهـ بحروفه.\rقوله: (المهاجرون والأنصار) هذا أحد قولين في تفسير المؤمنين، والقول الثاني أن المراد بهم المؤمنون من أهل الكتاب. وعبارة الخازن: وفي المراد بالمؤمنين هنا قولان، أحدهما: أنهم أهل الكتاب فيكون المعنى لكن الراسخون في العلم منهم وهم المؤمنون. والقول الثاني: أنهم المهاجرون","part":2,"page":156},{"id":696,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 157\rوقرئ بالرفع وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ بالنون والياء أَجْراً عَظِيماً (162) هو الجنة\r* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ كما وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ والأنصار من هذه الأمة فيكون قوله والمؤمنون ابتداء كلام مستأنف، وقوله يؤمنون بما أنزل إليك يعني أنهم يصدقون بالقرآن الذي انزل إليك يا محمد وما انزل من قبلك اهـ بحروفه.\rقوله: (نصب على المدح) هو أولى الأعاريب. وقيل: هو عطف على ما انزل، ويكون المراد بهم الأنبياء كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (و قرئ بالرفع) عبارة السمين: وقرأ جماعة كثيرون والمقيمون بالواو منهم: ابن جبير، وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس، وهارون عنه، ومالك بن دينار، وعاصم، عن الأعمش، وعمرو ابن عبيد والجحدري، وعيسى بن عمر وخلائق اهـ.\rقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الخ قال ابن عباس: قال مسكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم ان اللّه انزل على بشر من شيء من بعد موسى، فأنزل اللّه هذه الآيات، وقيل: هو جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينزل عليهم كتابا من السماء جملة واحدة، فأجاب اللّه عز وجل عن سؤالهم بهذه الآية فقال: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد كما اوحينا إلى نوح والنبيين من بعده. والمعنى إنكم يا معشر اليهود تقرون بنبوة نوح وبجميع الأنبياء المذكورين في هذه الآية، وهم اثنا عشر نبيا، والمعنى ان اللّه تعالى أوحى إلى هؤلاء الانبياء، وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك، وما أنزل اللّه على أحد من هؤلاء المذكورين كتابا جملة واحدة مثل ما أنزل على موسى، فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب جملة واحدة على أحد هؤلاء الأنبياء قادحا في نبوته، فكذلك لم يكن إنزال القرآن مفرقا على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قادحا في نبوته، بل قد أنزل عليه كما أنزل عليهم اهـ خازن.\rقوله: كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ الكاف نعت لمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا وما تحتمل وجهين: أن تكون مصدرية فلا تفتقر إلى عائد على الصحيح، وان تكون بمعنى الذي فيكون العائد محذوفا أي كالذي أوحيناه إلى نوح اهـ سمين.\rقال المفسرون: وإنما بدأ اللّه عز وجل بذكر نوح عليه السّلام لأنه أول نبي بعث بشريعة وأول نذير على الشرك، وأنزل اللّه عز وجل عليه عشر صحائف وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم عليهما السّلام، وكان أطول الأنبياء عمرا عليهم السّلام، فقد عاش ألف سنة لم تنقص قوته ولم يشب ولم ينقص له سن وصبر على أذى قومه طول عمره، ثم ذكر اللّه الأنبياء من بعده جملة بقوله تعالى: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، ثم خص جماعة من الأنبياء بالذكر بشرفهم وفضلهم، فقال: وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ الخ اهـ خازن.\rقوله: مِنْ بَعْدِهِ نعت للنبيين أي النبيين الكائنين من بعده أي بعد نوح اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وهو ابن تارخ، واسم تارخ آزر، ثم بعد إبراهيم بعث إسماعيل فمات بمكة، ثم بعث إسحاق أخوه، فمات بالشأم، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن نويب، ثم هود بن عبد اللّه، ثم صالح بن آسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران،","part":2,"page":157},{"id":697,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 158\rوَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ابنيه وَيَعْقُوبَ ابن إسحاق وَالْأَسْباطِ أولاده وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا أباه داوُدَ زَبُوراً (163) بالفتح اسم للكتاب المؤتى وبالضم مصدر بمعنى مزبورا أي مكتوبا\rوَأرسلنا رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ روي ثم أيوب، ثم الخضر، ثم داود بن إيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلياس، ثم ذو الكفل واسمه عويديا وهو من سبط يهوذا بن يعقوب، وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران ألف سنة وسبعمائة سنة. قال الزبير بن بكار: كل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم، غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح، ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة: هود، صالح، وإسماعيل وشعيب، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنما سموا عربا لأنه لم يتكلم بالعربية غيرهم اهـ قرطبي.\rقوله: (أولاده) أي الاثني عشر، فمنهم يوسف نبي رسول باتفاق، وفي البقية خلاف اهـ شيخنا.\rقوله: وَيُونُسَ فيه ست لغات أفصحها واو خالصة ونون مضمومة وهي لغة الحجاز، وحكي كسر النون بعد الواو وبها قرأ نافع في رواية حبان وحكي أيضا فتحها مع الواو، وبها قرأ النخعي وهي لغة لبعض عقيل، وحكي تثليث النون مع همز الواو كأنهم قلبوا الواو همزة لانضمام ما قبلها إلا أني لا أعلم أنه قرئ بشيء من لغات الهمز اهـ سمين.\rقوله: زَبُوراً هو اسم للكتاب الذي أنزل عليه وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل فيها تسبيح وتقديس وتحميد وثناء على اللّه عز وجل ومواعظ، وكان داود عليه السّلام يخرج إلى البرية فيقوم يقرأ الزبور ويقوم علماء بني اسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رؤوس الناس وهم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها، فلما قارف الذنب زال عنه ذلك، وقيل: كان ذلك أنس الطاعة وهذا ذل المعصية اهـ خازن.\rقوله: (بالفتح اسم للكتاب المؤتى والضم مصدر الخ) هما قراءتان سبعيتان الضم لحمزة والفتح لغيره، وقوله مصدر أي فهو اسم مفرد على فعول كالدخول والجلوس والقعود قاله أبو البقاء وغيره.\rوفيه نظر من حيث ان المفعول بالضم يكون مصدرا للازم ولا يكون للمتعدي إلا في ألفاظ محفوظة نحو: اللزوم والنهوك، وزبر كما ترى متعد فيضعفه جعل المفعول له مصدرا له اهـ سمين. فالأولى أنه جمع زبر بالفتح مصدر لزبر من بابي ضرب ونصر بمعنى كتب، وذلك مثل فلس وفلوس، أو جمع زبر بالكسر مثل حمل وحمول، وقدر كما في الشهاب. وفي المختار: والزبر بالكسر الكتاب، والجمع زبور كقدر وقدور، ومنه قراءة بعضهم: وآتينا داود زبورا اهـ.\rقوله: وَ(أرسلنا) رُسُلًا أشار به إلى أن رسلا معمول لمحذوف معطوف على أوحينا، وهو الدال على هذا المحذوف بالالتزام، فإن الايحاء يلزمه الارسال أو يدل عليه رسلا اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ أي سميناهم لك في القرآن وعرفناك أخبارهم، وإلى من بعثوا من الأمم وما حولهم الخ من قومهم، وقوله: لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ أي لم نسمهم لك ولم نعرفك أخبارهم.","part":2,"page":158},{"id":698,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 159\rأنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس قاله الشيخ في سورة غافر وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بلا واسطة تَكْلِيماً (164)\rرُسُلًا بدل من رسلا قبله مُبَشِّرِينَ بالثواب من آمن وَمُنْذِرِينَ بالعقاب من كفر أرسلناهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ قوله: (بعث ثمانية آلاف) الظاهر أن معناه أرسل فيكون مقتضاه أن جملة الرسل هذا العدد المذكور، وهو خلاف المشهور، ولذلك تبرأ الشارح من هذا القول اهـ شيخنا.\rقوله: (قاله الشيخ) أي شيخه الجلال المحلي، وقوله في سورة غافر أي في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: 38 وغافر: 78] اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى أي أزال عنه الحجاب حتى سمع المعنى القائم بذاته تعالى لا أنه أحدث ذلك لأنه يتكلم ابدا اهـ شيخنا.\rقوله: تَكْلِيماً مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر، فإن آكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام. والجملة؛ أما معطوفة على إنا أوحينا إليك الخ عطف قصة على قصة، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات، والمعنى أن التكلم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم، ولم يكن ذلك قادحا في نبوة سائر الأنبياء، فكيف يتوهم أن نزول التوراة جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: قال بعض العلماء: كما أن اللّه تعالى خصّ موسى عليه الصلاة والسّلام بالتكليم وشرفه به، ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن ذلك قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابا متفرقا من الأنبياء اهـ.\rقوله: (بدل من) رُسُلًا أي رسلا الأول كما في السمين. قوله: لِئَلَّا يَكُونَ هذه اللام لام كي وتتعلق بمنذرين على المختار عند البصريين، وبمبشرين عند الكوفيين فكأن المسألة من باب التنازع، ولو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني من غير حذف فكان يقال مبشرين ومنذرين له لئلا يكون، ولم يقل كذلك فدل على مذهب البصريين وله في القرآن نظائر تقدم منها جملة صالحة. وقيل:\rاللام تتعلق بمحذوف أي أرسلناهم لذلك وحجة اسم كان وفي الخبر وجهان، أحدهما: أنه على اللّه، والثاني: أنه للناس وعلى اللّه حال، ويجوز أن يتعلق كل من الجار والمجرور بما تعلق به الآخر إذا جعلناه خبرا، ولا يجوز أن يتعلق على اللّه بحجة وان كان المعنى عليه، لأن معمول المصدر يتقدم عليه وبعد الرسل متعلق بحجة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لحجة، لأن الظروف توصف بها الأحداث كما يخبر بها عنها، نحو القتال يوم الجمعة اهـ سمين.\rقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ أي معذرة يعتذر بها قائلين لو لا أرسلت إلينا رسولا يبين لنا شرائعك، ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها، كما في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ [طه: 134] الآية. وإنما سميت حجة مع استحالة أن يكون لأحد","part":2,"page":159},{"id":699,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 160\rحُجَّةٌ تقال بَعْدَ إرسال الرُّسُلِ إليهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فبعثناهم لقطع عذرهم وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً (165) في صنعه.\rونزل لما سئل اليهود عن نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم فأنكروه\rلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يبين نبوتك بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من عليه سبحانه حجة في فعل من أفعاله، بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها، ولذلك قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] اهـ أبو السعود.\rقوله: بَعْدَ الرُّسُلِ يعني بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب، والمعنى لئلا يحتج الناس على اللّه في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولا وما أنزلت علينا كتابا، ففيه دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس عليه حجة في ترك التوحيد والطاعة، وفيه دليل على أن اللّه لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل، كما قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وفيه دليل لمذهب أهل السنة على أن معرفة اللّه تعالى لا تثبت إلا بالسمع، لأن قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يدل على أن قبل بعثة الرسل تكون لهم في الحجة في ترك الطاعات والعبادات، فان قلت: كيف يكون للناس حجة قبل الرسل والخلق محجوجون بما نصب من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى معرفته ووحدانيته كما قيل.\rوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد\r\rقلت: الرسل منبهون وباعثون الخلق إلى النظر في تلك الدلائلة التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى ومبينون لها وهم وسائط بين اللّه وخلقه ومبينون أحكام اللّه تعالى التي افترضها على عبادة ومبلغون رسالاته إليهم اهـ خازن.\rقوله: بَعْدَ الرُّسُلِ متعلق بالنفي أي لتنتفي حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل فإن الانتفاء إنما يكون بعده، وثبوت الاعتذار وحصوله يكون قبله يعني يكون عند عدمه، فما قالوه هنا من تعلقه بمحذوف غير ظاهر، لأن الاحتجاج والاعتذار لا يكون بعد إرسال الرسل، بل يكون قبله وعند عدمه فليتأمل. قوله: (فأنكروه) أي ما ذكر من نبوته اهـ.\rقوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ هذه الجملة الاستدراكية لا يبدأ بها، فلا بد من جملة محذوفة تكون هذه الجملة مستدركة عنها، والجملة المحذوفة هي ما روي في سبب النزول أنه لما نزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قالوا لا نشهد بهذا أبدا، فنزلت: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ، وقد أحسن الزمخشري هنا في تقدير جملة غير ما ذكرت، وهو فإن قلت: الاستدراك لا بد له من مستدرك وعليه، وأين هو في قوله لكن اللّه يشهد؟\rقلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك، واحتج عليهم بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ. قال: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بمعنى أنهم لا يشهدون، لكن اللّه يشهد، ثم ذكر الوجه الأول اهـ سمين.\rوفي الخازن: قال ابن عباس: دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة من اليهود فقال لهم: «إني واللّه أعلم أنكم لتعلمون اني رسول اللّه» فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل اللّه هذه الآية. وفي رواية عن ابن عباس قال: إن رؤساء مكة أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا محمد إنا نسأل من اليهود عنك وعن صفتك في","part":2,"page":160},{"id":700,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 161\rالقرآن المعجز أَنْزَلَهُ ملتبسا بِعِلْمِهِ أي عالما به أو وفيه علمه وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ لك أيضا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) على ذلك\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الإسلام بكتمهم نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم اليهود قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً (167) عن الحق\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه وَظَلَمُوا نبيّه بكتمان نعته لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) من الطرق كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك، فأنزل اللّه عز وجل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، يعني إن جحدك هؤلاء اليهود يا محمد وكفروا بما أوحينا إليك وقالوا: ما أنزل اللّه على بشر من شيء فقد كذبوا فيما ادعوا، فإن اللّه يشهد لك بالنبوة، ويشهد بما أنزل إليك من كتابه ووحيه. والمعنى أن اليهود وان شهدوا أن القرآن لم ينزل عليك يا محمد، لكن اللّه يشهد بأنه أنزل عليك، وشهادة اللّه إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته والاتيان بمثله، فكان ذلك معجزا، واظهار المعجزة شهادة يكون المدعي صادقا لا جرم. قال اللّه تعالى: لكن اللّه يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك أنزله بعلمه، يعني أنه تعالى لما قال:\rلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ بين صفة ذلك الانزال، وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة.\rمعناه أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله عليك، وإنك مبلغه إلى عباده، وقيل: معناه أنزله بما علم من مصالح عباده في انزاله عليك اهـ.\rقوله: (ملتبسا) بِعِلْمِهِ أي الخاص به الذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ أو بعلمه بحال من أنزل عليه واستعداده لاقتباس الأنوار القدسية اهـ كرخي.\rقوله: (أو وفيه علمه) أي معلومه مما يحتاجه إليه الناس في معاشهم ومعادهم، فالجار والمجرور على الأول حال من الفاعل، وعلى الثاني من المفعول، والجملة في موضع التفسير لما قبلها اهـ كرخي.\rوالمعنى على الثاني أنزله حال كونه معلوما للّه تعالى فقول الشارح: أو وفيه علمه المراد بالعلم المعلومات، ومعنى كونها فيه دلالته عليها وفهمها منه، وكذا المراد بالعلم في الآية، والمعنى أنزله ملتبسا بمعلوماته تعالى أي دالا عليها.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أي على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها اهـ أبو السعود.\rقوله: بَعِيداً (عن الحق) أي وعن الصواب، لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقطاع عنه اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا المراد بهم اليهود اهـ أبو السعود، كما يشير له قول الشارح:\rبكتمان نعته. قوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي إذا ماتوا على الشرك. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 48 و116]. قوله: (من الطرق) أشار به في أن الاستثناء متصل لأنه من جنس الأول، والأول عام لأنه نكرة في سياق النفي، وان أريد به طريق خاص أي عمل صالح فالاستثناء منقطع اهـ كرخي.","part":2,"page":161},{"id":701,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 162\rإِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ أي الطريق المؤدي إليها خالِدِينَ مقدرين الخلود فِيها إذا دخلوها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) هينا\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا به واقصدوا خَيْراً لَكُمْ مما أنتم فيه وَإِنْ تَكْفُرُوا به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي قوله: إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يعني لكنه يهديهم إلى طريق تؤدي إلى جهنم وهي اليهودية لما سبق في علمه أنهم أهل لذلك اهـ خازن.\rوالمراد بالهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الإشارة خلقه تعالى لأعمالهم السيئة المؤدية بهم إلى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم إلى اكتسابها أو سوقهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكة اهـ أبو السعود.\rقوله: (مقدرين الخلود الخ) أشار إلى أن خالدين حال مقدرة أي من مفعول يهديهم، لأن المراد بالهداية هدايتهم في الدنيا إلى طريق جهنم، إلى ما يؤدي إلى الدخول فيها فهم في هذه الحالة غير خالدين اهـ كرخي.\rقوله: أَبَداً توكيد لخالدين لئلا يحمل على طول المكث. قوله: وَكانَ ذلِكَ أي جعلهم خالدين في جهنم عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لاستحالة أن يتعذر عليه بشيء من مراداته اهـ أبو السعود.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ الخ لما حكى اللّه لرسوله تعلل اليهود بالأباطيل ورد عليهم ذلك ببيان أن شأنه في أمر الوحي والإرسال كشؤون من يعترفون بنبوتهم، وأكد ذلك بشهادتهم وشهادة الملائكة أمر المكلفين كافة بالإيمان أمرا مشفوعا بالوعد بالإجابة والوعيد على الرد تنبيها على أن الحجة قد لزمت، ولم يبق لأحد بعد ذلك عذر في عدم القبول اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أهل مكة) هذا ناظر للغالب من أن يا أيها الناس خطاب لأهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة إلا أن العبرة بمفهوم اللفظ وهو عام اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ تكرير الشهادة وتقرير الحقيقة المشهود به وتمهيد لما بعده من الأمر بالإيمان اهـ أبو السعود.\rقوله: بِالْحَقِ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف، والباء للحال أي قد جاءكم الرسول ملتبسا بالحق أو متكلما به. والثاني: أنه متعلق جاءكم أي قد جاءكم بسبب إقامة الحق. ومن فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الحق، والثاني أنه متعلق بجاء أي جاء من عند اللّه أي مبعوث لا منقول اهـ سمين.\rقوله: فَآمِنُوا به الفاء سببية. قوله: (و اقصدوا) خَيْراً أشار إلى أن خيرا معمول لمحذوف إذ لا يصح تسليط آمنوا عليه فيقدر وأتوا أو افعلوا على حد: علفتها تبنا وماء باردا. أو هو خبر لكان المحذوفة مع اسمها أي يكن خيرا لكم أو صفة مصدر محذوف أي إيمانا خيرا لكم، وهي صفة مؤكدة على حد أمس الدابر لا يعود لأن الإيمان لا يكون إلا خيرا اهـ من السمين.\rقوله: (بما أنتم فيه) أي وهو الكفر أي بتقدير أن فيه خيرا، وإلا فالكفر لا خير فيه أصلا، أو أن","part":2,"page":162},{"id":702,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 163\rالسَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا فلا يضره كفركم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (170) في صنعه بهم\rيا أَهْلَ الْكِتابِ الإنجيل لا تَغْلُوا تتجاوزوا الحد فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا القول الْحَقَ من تنزيهه عن الشريك والولد إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها أوصلها اللّه إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ أي ذو روح مِنْهُ أضيف إليه تعالى تشريفا له ذلك بزعمهم لأنه إذا اتصلت من بأفعل التفضيل أن يكون على بابه اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا يضره كفركم) أشار به إلى أن الجواب محذوف، وجملة فإن للّه تعليل له اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: فلا يضره كفركم أي لأنه غني عنكم ونبه على غناه بقوله: فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه اهـ.\rقوله: (الإنجيل) أي فالكتاب عام مراد به خاص، وكذا أهل الكتاب المراد بهم حينئذ النصارى، فكل منهما عام مراد به خاص، كما في ابن جزي، وذلك لأن ما بعده يدل لذلك. وقيل: المراد بهم الفريقان، فغلو اليهود بتنقيص عيسى حيث قالوا إنه ابن زانية، وغلو النصارى بالمبالغة في تعظيمه اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا الْحَقَ هذا استثناء مفرغ وفي نصبه وجهان، أحدهما: مفعول به لأنه ضمن معنى القول نحو قلت خطبة. والثاني: نعت مصدر محذوف أي إلا القول الحق وهو قريب في المعنى من الأول اهـ سمين.\rقوله: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ المسيح مبتدأ، وعيسى بدل منه أو عطف بيان وابن مريم صفته، ورسول اللّه خبر المبتدأ وكلمته عطف عليه، وألقاها جملة ماضوية في موضع الحال وقد معها مقدرة، والعامل في الحال معنى كلمته، لأن معنى وصف عيسى بالكلمة أنه المكون بالكلمة من غير أب، فكأنه قال منشؤه ومبتدعه وروح عطف على كلمته ومنه صفة لروح، ومن لابتداء الغاية مجازا وليست تبعيضية اهـ سمين.\rقوله: وَكَلِمَتُهُ أي أنه تكون بكلمته وأمره الذي هو كن من غير واسطة اب ولا نطفة، وقوله:\rأوصلها أي بنفخ جبريل في جيب درعها، فوصل النفخ إلى فرجها فحملت به وإنما سمي روحا لأنه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، والريح يخرج من الروح. ومن ابتدائية لا تبعيضية كما زعمت النصارى، وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح. أي كائنة من جهته تعالى وجعلت منه، وإن كانت بنفخ جبريل لكون النفخ بأمره تعالى.\rحكي أن طبيبا حاذقا نصارنيا جاء للرشيد فناظر علي بن الحسين الواقدي ذات يوم، فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من اللّه، وتلا هذه الآية، فقرأ له الواقدي: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية: 13] فقال: إذا يلزم أن تكون جميع تلك الأشياء جزءا منه سبحانه، فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحا شديدا وأعطى للواقدي صلة فاخرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أضيف إليه تعالى تشريفا له) عبارة الخازن. وإنما أضافها إلى نفسه على سبيل التشريف","part":2,"page":163},{"id":703,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 164\rوليس كما زعمتم أنه ابن اللّه أو إلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا الآلهة ثَلاثَةٌ اللّه وعيسى وأمه انْتَهُوا عن ذلك وائتوا خَيْراً لَكُمْ منه وهو التوحيد إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ تنزيها له عن أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا والملكية تنافي النبوة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) شهيدا على ذلك\rلَنْ يَسْتَنْكِفَ يتكبر ويأنف الْمَسِيحُ الذي زعمتم والتكريم، كما يقال: بيت اللّه وناقة اللّه وهذه نعمة من اللّه، يعني إنه هو تفضل بها، وقيل: الروح هو الذي نفخه جبريل في جيب درع مريم، فحملت بإذن اللّه، وإنما أضافه إلى نفسه بقوله: منه لأنه وجد بأمر اللّه. قال بعضهم: إن اللّه تعالى لما خلق أرواح البشر جعلها في صلب آدم عليه السّلام، وأمسك عنده روح عيسى عليه السّلام، فلما أراد اللّه أن يخلقه أرسل بروحه مع جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها، فحملت بعيسى عليه السّلام. وقيل: إن الروح والريح متقاربان في كلام العرب، فالروح عبارة عن نفخ جبريل عليه السّلام، وقوله: منه يعني أن ذلك النفخ كان بأمره وإذنه، وقيل: ادخل النكرة في قوله: روح منه على سبيل التعظيم، والمعنى روح من الأرواح القدسية العالية المطهرة انتهت.\rقوله: (ابن اللّه أو إلها الخ) أي أنهم فرق ثلاثة. ففرقة قالت: ابن اللّه، وفرقة قالت: إنهما إلهان اللّه وعيسى، وفرقة قالت: الآلهة ثلاثة اللّه وعيسى وأمه اهـ.\rقوله: (لأن ذا الروح الخ) يشير بهذا إلى قياس من الشكل الأول بأن يقال: عيسى ذو روح وكل ذي روح مركب ينتج عيسى مركب، فتجعل هذه النتيجة صغرى، لقياس آخر من الشكل الثاني بأن يقال عيسى مركب، والإله لا يكون مركبا، ولا ينسب إليه التركيب ينتج عيسى ليس بإله أي لا مستقلا ولا واحدا من ثلاثة ولا ابن اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: ثَلاثَةٌ خبر مبتدأ مضمر والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب بالقول أي: ولا نقول آلهتنا ثلاثة يدل عليه قوله بعد ذلك: إنما اللّه إله واحد. وقيل: تقديره بالأقانيم ثلاثة أو المعبودات ثلاثة اهـ سمين.\rقوله: (عن ذلك) أي ما ادعيتموه من كون عيسى ابن اللّه أو ثالث ثلاثة، وقوله: وأتوا خير أي اعتقدوا خير لكم منه أي مما ادعيتموه، أي على فرض أن فيما ادعيتموه خير أو فعل التفضيل ليس على بابه، وقوله وهو التوحيد تفسير لخيرا اهـ.\rقوله: ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه وتقريره. أي فإذا كان يملك جميع ما فيهما ومن جملته عيسى، فكيف يتوهم كون عيسى ولد إله اهـ أبو السعود.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي مستقلا بتدبير خلقه فلا حاجة له إلى ولد يعينه اهـ شيخنا.\rقوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ استئناف مقرر لما سبق من التنزيه والاستنكاف الانفة والترفع من نكفت الدمع إذا نحيته عن وجهك بالأصبع. أي: لن يأنف ولن يترفع المسيح أن يكون عبدا للّه أي عن","part":2,"page":164},{"id":704,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 165\rأنه إله عن أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ عند اللّه لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات اللّه كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) أن يكون عبدا للّه تعالى مستمرا على عبادته وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية. كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: نكفت من الشيء نكفا من باب تعب، ونكفت أنكف من باب قتل لغة، واستنكفت إذا امتنعت أنفة واستكبارا اهـ.\rوفي البيضاوي: والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه، وإنما يستعمل الاستنكاف حيث لا استحقاق بخلاف التكبير، فإنه قد يكون باستحقاق اهـ.\rوفي الخازن لن يستنكف المسيح أن يكون عبد اللّه وذلك أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد اللّه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبد اللّه»، فنزلت: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ اهـ.\rقوله: (يستنكفون أن يكونوا عبيدا) أشار به إلى أن خبر الملائكة محذوف لا أنه عطف على المسيح إذ يصح الاخبار عن الملائكة بعبيدا لأنه مفرد اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: أن يكونوا عبيدا أي مع أنهم لا أب لهم ولا أم وقوتهم فوق البشر، فكيف بالأضعف الذي له أم اهـ.\rقوله: (هذا) أي قوله: ولا الملائكة من أحسن الاستطراد أي ومحله في سورة الزخرف عند قوله: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً الخ، وقوله: الزاعمين ذلك أي أن عيسى ابن اللّه أو إله معه أو ثالث ثلاثة تأمل. وفي الكرخي: قوله: هذا من أحسن الاستطراد الخ لا يخفى أن الاستطراد الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به، ولم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني، وعليه قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً [الأعراف: 26] الآية هذا أصله، وقد يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كما هنا، فيكون من الاستطراد الحسن اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ الخ وكذا من لا يستنكف ولا يستكبر فلا بد من ملاحظة هذا المقدر كما يدل عليه عموم الجواب، وهو قوله: فسيحشرهم الخ، إذ الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وكما يدل عليه التفصيل بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا إلى أن قال وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا فقد حذف من الإجمال ما أثبت في التفصيل. وعبارة أبي السعود: فسيحشرهم إليه جميعا أي المستنكفين ومقابليهم المدلول عليهم بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة عليهم السّلام، وقد ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلا على أنباء التفصيل عنه وثقه بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق كافة، كما ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ [النساء: 175] مع عموم الخطاب لهما اعتمادا على ظهور اقتضاء إثابة أحدهما العقاب","part":2,"page":165},{"id":705,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 166\rفي الآخرة\rفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادته فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما هو عذاب النار وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يدفعه عنهم وَلا نَصِيراً (173) يمنعهم منه\rيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ حجة مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) بينا وهو القرآن\rفَأَمَّا الَّذِينَ الآخر ضرورة شمول الجزاء للكل. وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بيان لحال الفريق المطوي ذكره في الاجمال وإيراده بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا يوصف عدم الاستنكاف المناسب لما بعده وما قبله للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه من الثمرات اهـ بحروفه.\rقوله: جَمِيعاً حال من الهاء في يحشرهم أو توكيد لها اهـ شيخنا.\rوالفاء في قوله أو فسيحشرهم يجوز أن تكون جوابا للشرط في قوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ فإن قيل:\rجواب إن الشرطية وأخواتها غير إذا لا بد أن يكون محتملا للوقوع وعدمه، وحشرهم إليه جميعا لا بدّ منه، فكيف وقع جوابا لها؟ فقيل: في جوابه وجهان، أحدهما: وهو الأصح أن هذا كلام تضمن الوعد والوعيد، لأن حشرهم يتضمن جزاءهم بالثواب أو العقاب، ويدل عليه التفصيل الذي بعده في قوله:\rفَأَمَّا الَّذِينَ الخ، فيكون التقدير ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيذبه عند حشره إليه ومن لم يستنكف ولم يستكبر فيثيبه. والثاني: أن الجواب محذوف أي فيجازيه ثم أخبر بقوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً وليس هذا بالبين. وهذا الموضع يحتمل أن يكون مما حمل على لفظ من تارة في قوله:\rيستنكف ويستكبر، فلذلك أفرد الضمير وعلى معناها أخرى في قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ ولذلك جمعه ويحتمل أنه أعاد الضمير في فسيحشرهم على من وغيرها، فيندرج المستنكف في ذلك ويكون الرابط لهذه الجملة باسم الشرط العموم المشار إليه. وقيل: بل هناك معطوف محذوف لفهم المعنى، والتقدير فسيحشرهم أي المستنكفين وغيرهم كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] أي والبرد اهـ سمين.\rقوله: (ما لا عين رأت الخ) مفعول يزيد أي ان ذلك من مواهب الجنة وهي موصوفة بهذه الصفات الثلاث. والمراد أنها لم تخطر على قلب بشر على وجه التفصيل وإحاطة العلم بها، وإلا فسائر نعيم الجنان يخطر على قلوبنا ونسمعه من السنة، لكن على وجه الإجمال اهـ.\rقوله: وَلِيًّا (يدفعه عنهم الخ) هذا التفسير يؤدي إلى التكرار بين الكلمتين. قال: الأولى ما قاله أبو السعود ونصه: ولا يجدون لهم من دون اللّه وليا يلي امورهم ويدبر مصالحهم وَلا نَصِيراً ينصرهم من اللّه تعالى وينجيهم من عذابه اهـ.\rقوله: مِنْ رَبِّكُمْ فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة لبرهان أي برهان كائن من ربكم ومن يجوز أن تكون لابتداء الغاية أو تبعيضية أي من براهين ربكم. الثاني: أنه متعلق بنفس جاء، ومن لابتداء الغاية كما تقدم اهـ سمين.","part":2,"page":166},{"id":706,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 167\rآمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً طريقا مُسْتَقِيماً (175) هو دين الإسلام\rيَسْتَفْتُونَكَ في الكلالة قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ مرفوع بفعل يفسره قوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً أي بواسطة إنزاله على الرسول. قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ أي فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، فأما الذين الخ وترك الشق الآخر إشارة إلى إهمالهم لأنهم في حيز الطرح اهـ شيخنا.\rقوله: فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وهي الجنة سميت باسم محلها، وقوله: وَفَضْلٍ أي إحسان أن يزيدهم ما لا عين رأت الخ، كالنظر إلى وجهه الكريم وغيره من مواهب الجنة اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ أخر هذا مع أنه سابق في الوجود الخارجي على ما قبله تعجيلا لمسرة، والفرح على حد سعد في دارك اهـ شيخنا.\rقوله: صِراطاً هذا هو المفعول الثاني ليهديهم. وفي السمين: صراطا مفعول ثان ليهدي، لأنه يتعدى لاثنين كما تقدم تحريره، وقال جماعة منهم مكي: انه مفعول بفعل محذوف دل عليه يهديهم، والتقدير يعرفهم صراطا اهـ.\rوإليه في محل الحال من صراطا قدم عليه، والهاء في إليه إما عائدة على اللّه بتقدير مضاف، أي إلى ثوابه وجزائه، وإما على الفضل والرحمة لأنهما في معنى شيء واحد، وإما على الفضل لأنه يراد به طريق الجنان اهـ.\rقوله: يَسْتَفْتُونَكَ الخ ختم السورة بذكر الأموال، كما أنه افتتحها بذلك لتحصل المشاكلة بين المبدأ والختام، وجملة ما في هذه السورة من آيات المواريث ثلاثة، الأول: في بيان إرث الأصول والفروع. والثانية: في بيان إرث الزوجين والاخوة والاخوات من الأم. والثالثة: وهي هذه في إرث الاخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، وأما أولو الأرحام فمذكورون في آخر الأنفال، والمستفتي عن الكلالة هو جابر لما عاده النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مرضه، فقال: يا رسول اللّه إني كلالة فكيف أصنع في مالي اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: روى الشيخان عن جابر بن عبد اللّه قال: مرضت فأتاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي علي فتوضأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم صب عليّ من وضوئه فأفقت، فإذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: يا رسول اللّه كيف أصنع في مالي كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد عليّ شيئا حتى نزلت آية الميراث يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.\rوفي رواية للترمذي: وكان لي تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ولأبي ذر قال: اشتكيت وعندي سبع أخوات، فدخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنفخ في وجهي، فأفقت فقلت: يا رسول اللّه أوصي لأخواتي بالثلثين. قال: «أحسن». قال: بالشطر. قال: «أحسن»، ثم خرج وتركني فقال: «يا جابر ما أراك ميتا من وجعك هذا وإن اللّه قد أنزل قرآنا فبين لأخواتك فجعل لهن الثلثين»، قال فكان جابر يقول أنزلت هذه الآية في يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.\rوروى الطبري عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة، فسألوا عنها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه هذه الآية اهـ.","part":2,"page":167},{"id":707,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 168\rهَلَكَ مات لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ أي ولا والد وهو الكلالة وَلَهُ أُخْتٌ من أبوين أو أب فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ أي الأخ كذلك يَرِثُها جميع ما تركت إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس كما تقدم أول السورة فَإِنْ كانَتَا أي الأختان اثْنَتَيْنِ أي فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات قوله: فِي الْكَلالَةِ، متعلق بيفتيكم على اعمال الثاني وهو اختيار البصريين، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني وله نظائر في القرآن هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19] آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف: 96]، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: 5] والذين كفروا أو كذبوا بآياتنا. وقد تقدم الكلام فيه بأشبع من هذا في البقرة فليراجع اهـ سمين.\rقوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ جملة مستأنفة في جواب سؤال أخذ من يستفتونك كأنه قيل: وما الذي يفتي به وما الحكم؟ فالوقف على الكلالة اهـ شيخنا.\rقوله: (مرفوع بفعل يفسره) هَلَكَ الظاهر أنه من باب الاشتغال كما مر وإنما لم يجعل امرؤ مبتدأ وهلك خبره من غير حذف، لأن اداة الشرط موضوعة لتعلق فعل بفعل فهي مختصة بالجمل الفعلية على الأصح اهـ كرخي.\rقوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ محله الرفع على الصفة أي ان هلك امرؤ غير ذي ولد لا النصب على الحال كما قاله صاحب الكشاف، لأن ذا الحال نكرة غير موصوفة، فان هلك مفسر للفعل المحذوف لا صفة قاله الطيبي وهو ظاهر، وذلك لأن أصل صاحب الحال التعريف لأنه محكوم عليه بالحال، وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة، لأن الحكم على المجهول لا يفيد غالبا اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ أي الهالك الذي ليس له ولد ولا والد الكلالة الخ. وهذا أحد أقوال تقدمت في أول السورة. قوله: وَهُوَ يَرِثُها جملة مستأنفة لا موضع لها وهي تدل على جواب قوله: إن لم يكن لها ولد، وضمير وهو يرثها يعود إلى ما قبله لفظا لا معنى، لأن الهالك لا يرث والحية لا تورث، فهو من باب عندي درهم ونصفه، ونظيره في القرآن وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره اهـ كرخي.\rقوله: (جميع ما تركت) بدل اشتمال من الهاء في يرثها إذ لا معنى لارث ذاتها فهو يشير إلى تقديره مضاف اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ أي لا ذكر ولا أنثى، فالمراد بإرثه لها احراز جميع ما لها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا إرثه لها في الجملة، فإنه يتحقق مع وجود بنتها اهـ أبو السعود.\rقوله: (فان كان لها) أي أو له ولد الخ، فهذا التفصيل يجري فيهما اهـ شيخنا.\rقوله: (و قد مات) جملة مستأنفة مفيدة لتقييد ما قبلها إلا أنها حالية لأن جابرا عاش بعده صلّى اللّه عليه وسلّم، بل قيل إنه آخر الصحابة موتا بالمدينة، وقوله عن: اخوات أي سبعة أو تسعة اهـ شيخنا.","part":2,"page":168},{"id":708,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 169\rعن أخوات فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الأخ وَإِنْ كانُوا أي الورثة إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ شرائع دينكم ل إِنِ لا تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) ومنه الميراث روى الشيخان عن البراء أنها آخر آية نزلت أي من الفرائض.\rقوله: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً أي وأخوات، فغلب الذكور على الإناث أو فيه اكتفاء بدليل رجالا ونساء الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (لئلا تضلوا) يشير به إلى أنه مفعول من أجله على حذف لا. وفي الكشاف، وتبعه القاضي: مفعول له ومعناه كراهة ضلالكم، ورجح بأن حذف المضاف أسوغ وأشيع من حذف لا وعلى هذين التقديرين فمفعول يبين محذوف وهو عام، كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rوفي السمين: والثاني من التوجيهات في هذا المقام قول الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين أن لا محذوفة بعد أن، والتقدير لئلا تضلوا. قالوا: وحذف لا شائع ذائع كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: 41] أي لئلا تزولا. قال أبو عبيد: رويت للكسائي حديث ابن عمر: لا يدعو أحدكم على ولده أن يوافق من اللّه ساعة إجابة فاستحسنه أي لئلا يوافق اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي مصالح العباد في المبدأ والمعاد، وفيما كلفهم من الأحكام.\rوهذه السورة اشتمل أولها على كمال تنزه اللّه تعالى وسعة قدرته وآخرها اشتمل بيان كمال العلم، وهذان الوصفان بهما ثبتت الربوبية والألوهية والجلال والعزة بهما يجب أن يكون العبد منقادا للتكاليف اهـ أبو حيان.\rقوله: (عن البراء) أي عن ابن عازب رضي اللّه عنهما وقوله: (إنها) أي آية يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلالَةِ الخ آخر آية، وقوله من الفرائض أي من آيات الفرائض.\rوفي البخاري مع القسطلاني عليه ما نصه عن البراء بن عازب انه قال: آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: آخر آية نزلت آية الربا وآخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما نزلت سورة النصر عاش عاما، ونزلت بعدها براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش صلّى اللّه عليه وسلّم بعدها ستة أشهر ثم نزلت في طريق حجة الوداع يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، فسميت آية الصيف لأنها نزلت في الصيف، ثم نزلت وهو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما، ثم نزلت سورة الربا، ثم نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281] فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما اهـ.","part":2,"page":169},{"id":709,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 170\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة مائة وعشرون أو وثنتان أو وثلاث آية\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم نزلت منصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحديبية، ومنها ما نزل في حجة الوداع من قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] ومنها ما نزل عام الفتح من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [المائدة: 2] ومناسبة افتتاح هذه السورة لما قبلها هي أنه تعالى لما ذكر استفتاءهم في الكلالة وأفتاهم فيها وذكر أنه يبين لهم الأحكام كراهة الضلالة، بين في هذه السورة أحكاما كثيرة هي تفصيل لذلك المجمل اهـ من أبي حيان.\rقوله: (مدنية) أي نزلت بعد الهجرة وان نزل بعضها في مكة كما سيأتي، وهذا هو الراجح في تفسير المدني كما تقدم اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واقف بعرفة فقرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبته وقال: «أيها الناس! إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرمها»، فإن قلت لم خص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة من بين سور القرآن بقوله فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وكل سور القرآن يجب علينا ان نحل حلالها وأن نحرم حرامها؟ قلت: هو كذلك، وإنما خص هذه السورة لزيادة الاعتناء بها، فهو كقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فإن الظلم لا يجوز في شيء وفي جميع أشهر السنة، وإنما أفرد هذه الأربعة الأشهر بالذكر لزيادة الاعتناء بها.\rوقيل: إنما خص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة، لأن فيها ثمانية عشر حكما لم ينزلها في غيرها من سور القرآن. قال البغوي، عن ميسرة: قال: إن اللّه تعالى أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن وهي قوله: والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، وما علمتم من الجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وتمام بيان الطهر في قوله: إذا قمتم إلى الصلاة، والسارق والسارقة، ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة","part":2,"page":170},{"id":710,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 171\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ العهود المؤكدة التي بينكم وبين اللّه والناس أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم أكلا بعد الذبح إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ تحريمه في حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ولا حام وقوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت. انتهت.\rقوله: (آية) تمييز لعشرون. قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الوفاء بالقيام بموجب العقد وكذا الإيفاء، والعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه، والمراد بالعقود ما يعم جميع ما ألزمه اللّه عباده، وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن دينا بأن يحمل الأمر على معنى يعم الوجوب والندب. وأمر بذلك أولا على وجه الإجمال، ثم شرع في تفصيل الأحكام التي أمر بالإيفاء بها وبدأ بما يتعلق بضروريات معايشهم، فقيل: أحلت لكم الخ اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: والعقود: الربوط واحدها عقد يقال: عقدت العهد والحبل، وعقدت الغل فهو يستعمل المعاني والأجسام، فأمر سبحانه بالوفاء بالعقود. قال الحسن: معنى بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء، وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق وموادعة ومصالحة، وتمليك وتخيير وعنق وتدبير وغير ذلك من الأمور مما كان غير خارج عن الشريعة، وكذلك ما عقده الشخص للّه على نفسه من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام. وأما نذر المباح فلا يلزم باجماع من الأمة قاله ابن العربي، ثم إن الآية نزلت في أهل الكتاب لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: 187].\rقال ابن جرير: هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت، وقيل: هي عامة وهو الصحيح، فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، لأن بينهم وبين اللّه عقدا في أداء الأمانة مما في كتابهم من أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فانهم مأمورون بذلك في قوله: أوفوا بالعقود اهـ.\rقوله: (المؤكدة) أخذه من لفظ العقود فان العقد في الأصل يشعر بالتأكيد والقوة اهـ شيخنا.\rقوله: (بينكم وبين اللّه) وذلك التكاليف والنذور. وقوله: (و الناس) وذلك المعاملات اهـ شيخنا.\rقوله: بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اضافته بيانية من إضافة الجنس إلى أخص منه أو هي بمعنى من لأن البهيمة أعلم، فأضيف إلى أخص كثوب خز اهـ كرخي.\rوفي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يميز اهـ.\rقوله: (الإبل الخ) تفسير للانعام. قوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ وذلك عشرة أشياء أولها الميتة وآخرها وما ذبح على النصب فقول الشارح الآية أي إلى قوله: وما ذبح على النصب اهـ شيخنا.\rقوله: (تحريمه) يشير به إلى أن الأصل آية تحريمه، ثم حذف المضاف الذي هو آية وأقيم المضاف إليه وهو تحريمه مقامه، ثم حذف المضاف ثانيا وأقيم المضمر المجرور مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعا واستتر في يتلى وعاد على ما. وقدره الكشاف وغيره إلا محرم ما يتلى عليكم أي البهائم المحرمة لقوله عز وجل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: 3] وإنما قدر ذلك لأنه لا بد من","part":2,"page":171},{"id":711,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 172\rالْمَيْتَةُ الآية فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون ونصب غير على الحال من ضمير لكم إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما المناسبة بين المستثنى والمستثنى منه في الاتصال، فلا يستقيم استثناء الآيات من البهيمة فيقدر ما ذكر اهـ كرخي.\rقوله: (فالاستثناء منقطع) وجه ذلك أن ما يتلى لفظ إذ التلاوة ذكر اللفظ، واللفظ ليس من جنس البهيمة اهـ زكريا على البيضاوي.\rوالأولى بسياق كلام الجلال أن يوجه الانقطاع بأن المستثنى منه حلال والمستثنى حرام بدليل قوله: (و يجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض الخ) أي فالمستثنى وهو المحرمات بقطع النظر عما عرض له كالخنق والتردية حلال، فهو داخل في المستثنى منه هذا هو الذي يليق بعبارته، وبعد ذلك يتوجه عليه نظر واضح، لأن كل استثناء يخالف المستثنى منه في الحكم فلو نظر لهذا لكان كل استثناء منقطعا مع أن المقرر في كتب العربية أن مدار الاتصال على دخول المستثنى في جنس المستثنى منه، ومدار الانقطاع على عدم الدخول بقطع النظر عن الحكم.\rقوله: (من الموت) أي بلا سبب ونحوه أي مما ذكر بقوله: والمنخنقة الخ اهـ شيخنا.\rقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أي مجوزين للاصطياد في الاحرام باعتقاد حله أو بفعله اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: معنى عدم إحلالهم تقرير حرمته عملا واعتقادا هو شائع في الكتاب والسنة اهـ. والصيد يحتمل المصدر والمفعول اهـ بيضاوي.\rقوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ جمع حرام صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل، كما أشار له الشارح بقوله: أي محرمين. وفي المختار: ورجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل اهـ.\rوفي المصباح: يقال رجل محرم وجمعه محرمون وامرأة محرمة وجمعها محرمات ورجل حرام وامرأة حرام بمعنى محرم ومحرمة والجمع حرام كعناق وعنق اهـ.\rوالجملة، حال من الضمير المستكن في محلي الصيد، لأنه جمع محل اسم فاعل، وهو يتحمل الضمير وهذه الحال لم يتكلم عليها الشارح، وقوله: على الحال من ضمير لكم، وقيل من الواو في أوفوا اهـ.\rقوله: (على الحال من ضمير لكم) هو ما عليه كلام الجمهور وذهب إليه الزمخشري وغيره، وتعقب بأن مفهوم هذا مع تقييده بقوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أنه إذا انتفى عنهم عدم حل الصيد وهم حرم تحرم عليهم بهيمة الأنعام، وليس كذلك. وأجيب بأن المفهوم هنا متروك لدليل خارجي وكثير في القرآن وغيره من المفهومات المتروكة لعارض، وذلك إذا لم يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي حكم غيره. وهنا فائدة وهي خروجه مخرج الغالب فلا مفهوم له كما في قوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء: 23] فعرفنا أن ما كان منها صيدا فإنه حلال في الإحلال دون الإحرام وما لم يكن صيدا فإنه حلال في الحالين اهـ كرخي.","part":2,"page":172},{"id":712,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 173\rيُرِيدُ (1) من التحليل وغيره لا اعتراض عليه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ جمع شعيرة أي معالم دينه بالصيد في الإحرام وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال فيه وَلَا الْهَدْيَ ما أهدي إلى الحرم من النعم بالتعرض له وَلَا الْقَلائِدَ جمع قلادة وهي ما كان يقلد به شجر الحرم ليأمن أي فلا قوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ أي فموجب الحكم والتكليف هو إرادته لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه لا ما يقوله المعتزلة من مراعاة المصالح اهـ أبو حيان.\rقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ معنى عدم إحلالهم لها تقرير حرمتها عملا واعتقادا مثل ما تقدم، والشعائر قال ابن عباس هي المناسك، وكان المشركون يحجون ويحدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم اللّه عن ذلك. وقيل الشعائر الهدايا المشعرة وإشعارها أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل دمه، فيكون ذلك علامة على أنه هدي، وهو سنة في الإبل والبقر دون الغنم. وعند أبي حنيفة: بل يجوز إشعار الهدي، بل قال ابن عباس في معنى الآية لا تحلوا شعائر اللّه هي أن تصيد وأنت محرم، وقيل: شعائر اللّه شرائع اللّه ومعالم دينه، والمعنى لا تحلوا شيئا من فرائضه التي فرضها عليكم، ولا من نواهيه التي نهاكم عنها اهـ خازن.\rقال أبو حيان: والشعائر هي ما حرم اللّه مطلقا سواء كان في الإحرام أو غيره والمعطوفات الأربعة بعده مندرجة في عموم قوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ، فكان ذلك تخصيصا بعد تعميم اهـ.\rقوله: (أي معالم دينه) جمع معلم وهو العلامة. وفي القاموس: ومعلم الشيء كمقعد مظنته وما يستدل به عليه كالعلامة اهـ.\rقوله: وَلَا الْقَلائِدَ أي ولا الحيوانات ذوات القلائد، ويجوز أن يكون المراد القلائد حقيقة ويكون فيه مبالغة في النهي عن التعرض للهدي المقلد فإنه إذا نهى عن قلادته أن يتعرض لها، فبطريق الأولى أن ينهى عن التعرض للهدي المقلد بها، وهذا كما في قوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ [النور: 31] لأنه إذا نهى عن اظهار الزينة فما بالك بموضعها من الأعضاء اهـ سمين.\rوعبارة الخازن: ولا الهدي ولا القلائد الهدي ما يهدى إلى بيت اللّه من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك مما يتقرب به إلى اللّه تعالى. والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد في عنق البعير وغيره.\rوالمعنى ولا الهدايا ذوات القلائد، فعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها من أشرف البدن المهداة، والمعنى ولا تستحلوا الهدي خصوصا المقلدات منها. وقيل: أراد أصحاب القلائد، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم من لحاء شجر الحرم، فكانوا يأمنون بذلك فلا يتعرض لهم أحد، فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك الفعل، ونهاهم عن استحلال نزع شيء من شجر الحرم انتهت.\rفالمعنى على هذا لا تحلوا أخذها من شجر الحرم. وفي القرطبي: والقلائد ما كان الناس يقلدونه أمنة لهم، فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد. وقيل: أراد بالقلائد نفس القلائد، فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن قاله مجاهد وعطاء وغيرهما اهـ.\rولحاء الشجر قشره وهو بوزن كتاب، ففي المختار: واللحاء ممدود مكسور قشر الشجر، ولحاء الغضى قشرها وبابه عدا اهـ.","part":2,"page":173},{"id":713,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 174\rتتعرضوا لها ولا لأصحابها وَلَا تحلوا آمِّينَ قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ بأن تقاتلوهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا رزقا مِنْ رَبِّهِمْ بالتجارة وَرِضْواناً منه بقصده بزعمهم الفاسد وهذا منسوخ بآية براءة وَإِذا حَلَلْتُمْ من الإحرام فَاصْطادُوا أمر إباحة وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يكسبنكم شَنَآنُ بفتح النون قوله: وَلَا آمِّينَ أي ولا تحلوا قوما آمين، ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي ولا تحلوا قتال قوم أو أذى قوم آمين، والبيت نصب على المفعول به بآمين أي قاصدين البيت وليس ظرفا، وقوله يبتغون حال من الضمير في آمين أي حال كون الآمين مبتغين فضلا، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة صفة لآمين، لأن اسم الفاعل متى وصف قل عمله على الصحيح اهـ سمين.\rقوله: (بقصده) أي البيت متعلق بيبتغون أي يطلبون رضا اللّه وثوابه بسبب قصد البيت الحرام، فقصد مصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل، وقوله: بزعمهم صفة لرضوانا أي رضوانا كائنا بحسب زعمهم الفاسد، لأن الكافرين ليس لهم نصيب من الرضوان اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذا منسوخ) الإشارة إلى قوله: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ فالأربعة منسوخة. وقوله: بآية براءة أي بجنس آية براءة. إذا الناسخ منها هنا آيات متعددة.\rوعبارة الخازن: فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال قوم: هذه الآية منسوخة إلى هنا لأن قوله تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام، وفي الحرام ذلك منسوخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] وقوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يقتضي حرمة منع المشركين عن البيت الحرام، وذلك منسوخ بقوله:\rفَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: 28]. قال ابن عباس: كان المؤمنون والمشركون يحجون البيت جميعا فنهى اللّه المؤمنين أن يمنعوا أحدا أن يحج البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل بعد هذا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية. يتقلدونها من لحاء شجر الحرم اهـ.\rقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا قرئ أحللتم وهي في حل، يقال: أحل من إحرامه كما يقال اهـ سمين.\rقوله: (أمر إباحة) لأن اللّه حرم الصيد على المحرم حالة الإحرام بقوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: 1]، وأباحه له إذا حل من إحرامه بقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ، وإنما قلنا أمر إباحة لأنه ليس بواجب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد، ومثله قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: 10] معناه أنه قد أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة اهـ خازن.\rقوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ الخ يتأمل هذا النهي فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة كانوا كفارا حربيين، فكيف ينهى عن التعرض لهم وعن مقاتلتهم، فلا يظهر إلا أن هذا النهي منسوخ، ولم أر من نبه عليه، أو يقال إن النهي عن التعرض لهم من حيث عقد الصلح الذي وقع في الحديبية فبسببه","part":2,"page":174},{"id":714,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 175\rوسكونها بغض قَوْمٍ لأجل أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا عليهم بالقتل وغيره صاروا مؤمنين، وحينئذ فلا يجوز التعرض لهم ولم أر من نبه على هذا أيضا فليتأمل.\rقوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ قرأ الجمهور بفتح الياء من جرم ثلاثيا، ومعنى جرم عند الكسائي وثعلب حمل يقال جرمه على كذا من باب ضرب أي حمله عليه، فعلى هذا التفسير يتعدى جرم لواحد وهو الكاف والميم، ويكون قوله: أن تعتدوا على إسقاط حرف الخفض وهو على أي ولا يحملنكم بغضكم لقوم على اعتدائكم عليهم، فيجيء في محل أن الخلاف المشهور، إلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة رضي اللّه عنهما. ومعناه عند أبي عبيد والفراء كسب، ومنه فلأن جريمة أهله أي كاسبهم، وعن الكسائي أيضا أن جرم وأجرم بمعنى كسب، وعلى هذا فيحتمل وجهين، أحدهما: أنه متعد لواحد.\rوالثاني: أنه متعد لاثنين، كما أن كسب كذلك، وأما في الآية الكريمة فلا يكون إلا متعديا لاثنين أولهما ضمير الخطاب، والثاني أن تعتدوا أي لا يكسبنكم بغضكم لقوم الاعتداء عليهم. وقرأ عبد اللّه يجرمنكم بضم الياء من أجرم رباعيا، فقيل: هو بمعنى جرم كما تقدم نقله عن الكسائي، وقيل: أجرم منقول من جرم بهمزة التعدية. قال الزمخشري: جرم يجري مجرى كسب في تعديه إلى مفعول واحد، وإلى اثنين تقول جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا كسبته إياه ويقال: أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولك أكسبته ذنبا، وعليه قراءة عبد اللّه: ولا يجرمنكم بضم الياء، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني أن تعتدوا انتهى والنهي مسند في اللفظ في الشنآن، وهو في المعنى للمخاطبين نحو لا أرينك ههنا ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، قاله مكي اهـ.\rقوله: (يكسبنكم) كسب الثاني يتعدى لمفعولين تارة، ولواحد أخرى، وأما الرباعي فيتعدى لاثنين دائما اهـ.\rقوله: شَنَآنُ قَوْمٍ مصدر مضاف لمفعوله لا إلى فاعله كما قيل اهـ أبو السعود.\rمأخوذ من شنأ المتعدي كعلم يقال شنأت الرجل أشنؤه أي أبغضته، وهذا المصدر سماعي مخالف للقياس من وجهين تعدي فعله وكسر عينه لأنه لا ينقاس إلا مفتوحها اللازم كما قال في الخلاصة.\rوفعل اللازم مثل قعدا، إلى أن قال: والثاني للذي اقتضى تقلبا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: شنئته أشنؤه من باب تعب شنأ مثل فلس. وشنآنا بفتح النون وسكونها أبغضته، والفاعل شانئ شانئة بالمؤنث وشنئت بالأمر اعترفت به اهـ.\rقوله: أَنْ صَدُّوكُمْ علة للشنآن أي لا يكسبنكم أو لا يحملنكم بغضكم لقوم لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام، وهي قراءة واضحة اقتصر عليها الجلال. وفي قراءة لأبي عمرو وابن كثير بكسر الهمزة على أنها شرطية وجواب الشرط دل عليه ما قبله، وفيها إشكال من حيث ان الشرط يقتضي أن الأمر المشروط لم يقع مع الصد كان قد وقع، لأنه كان عام الحديبية وهي سنة ست والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكانت مكة عام الفتح في أيدي المسلمين، فكيف يصدون عنها؟ وأجيب بوجهين، أولهما: أنا لا نسلم أن الصد كان قبل نزول الآية فإن نزولها عام الفتح غير مجمع عليه. الثاني: إنه وإن","part":2,"page":175},{"id":715,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 176\rوَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ فعل ما أمرتم به وَالتَّقْوى بترك ما نهيتم عنه وَلا تَعاوَنُوا فيه حذف إحدى التاءين في الأصل عَلَى الْإِثْمِ المعاصي وَالْعُدْوانِ التعدي في حدود اللّه وَاتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) لمن خالفه\rحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أي أكلها وَالدَّمُ أي المسفوح كما في الأنعام وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ بأن ذبح على اسم غيره وَالْمُنْخَنِقَةُ سلمنا أن الصد كان متقدما على نزولها، فيكون المعنى ان وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية اهـ سمين.\rقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الخ هذا شروع في المجمع السابق، وقوله: إلا ما يتلى عليكم.\rوحاصل ما ذكر في هذا البيان أحد عشر شيئا كلها من قبيل المطعوم إلا الأخير وهو الاستقسام بالأزلام، فالأكل الذي قدره الشارح يتسلط على العشرة، وهي ما عدا الاستقسام اهـ شيخنا.\rقوله: (أي المسفوح) أي السائل، وقوله: (كما في الأنعام) أي سورة الأنعام واحترز به عن الكبد والطحال.\rقوله: وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ أي الخنزير بجميع أجزائه، وإنما خص لحمه بالذكر، لأنه معظم المقصود منه اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ الإهلال رفع الصوت، وكانوا يذكرون أسماء الأصنام عند الذبح، فيقولون: باسم اللات والعزى، فالمذكور إنما هو اسم غير اللّه عند الذبح، فلعل اللام بمعنى باء التعدية، ولعل الباء بمعنى عند. والمعنى وما أهل أي رفع الصوت عنده أي عند ذبحه بغير اللّه أي باسم غير اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ إلى قوله: وَما أَكَلَ السَّبُعُ هذه الأمور الستة من أقسام الميتة وذكرها بعدها من قبيل ذكر الخاص بعد العام، وإنما ذكرت بخصوصها للرد على أهل الجاهلية حيث كانوا يأكلونها ويستحلونها. وفي الخازن: وما أهل لغيره به يعني ما ذكر عند ذبحه غير اسم اللّه، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يذكرون أسماء أصنامهم عند الذبح، فحرم اللّه ذلك بهذه الآية وبقوله:\rوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 121]. والمنخنقة قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، فحرم اللّه ذلك، والمنخنقة من جنس الميتة والموقوذة، يعني المقتولة بالخشب، وكانت العرب في الجاهلية يضربون الشاة بالعصا حتى تموت ويأكلونها فحرم ذلك اللّه.\rوالمتردية: يعني التي تتردى من مكان عال فتموت، أو في بئر فتموت، والتردي هو السقوط من سطح أو من جبل ونحوه.\rوالنطيحة: يعني التي تنطحها شاة أخرى حتى تموت وكانت العرب في الجاهلية تأكل ذلك فحرمه اللّه تعالى لأنها في حكم الميتة.\rوما أكل السبع قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي","part":2,"page":176},{"id":716,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 177\rالميتة خنقا وَالْمَوْقُوذَةُ المقتولة ضربا وَالْمُتَرَدِّيَةُ الساقطة من علو إلى سفل فماتت وَالنَّطِيحَةُ المقتولة بنطح أخرى لها وَما أَكَلَ السَّبُعُ منه إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي أدركتم فيه الروح منه، فحرمه اللّه تعالى. والسبع: اسم يقع على كل حيوان له ناب، ويعدو على الناس والدواب، فيفترس بنابه كالأسد والذئب والنمر أو نحوه اهـ.\rقوله: (الميتة خنقا) بكسر النون ويقال في فعله خنق بفتحها يخنق بضمها وهذا المصدر سماعي اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: خنقه يخنقه من باب قتل خنقا مثل كتف، ويسكن للتخفيف إذا عصر حلقه حتى يموت فهو خانق وخناق. وفي المطاوع: فانخنق واختنق وشاة خنيقة ومنخنقة من ذلك، والمنخنقة بكسر الميم القلادة سميت بذلك لأنها تطوف بالعنق وهو موضع الخنق اهـ.\rقوله: وَالْمَوْقُوذَةُ في المختار: وقذه: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، وبابه وعد وشاة موقوذة قتلت بالخشب اهـ.\rقوله: وَالنَّطِيحَةُ في المصباح: نطح الكبش معروف وهو مصدر من بابي ضرب ونفع، ومات الكبش من النطح، والأنثى نطيحة اهـ.\rوفي القاموس: نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه اهـ.\rقوله: وَما أَكَلَ السَّبُعُ منه أي فمات، وإن كان من جوارح الصيد، والمراد الباقي بعد أكله منه إذا ما أكله السبع عدم وتعذر أكله، فلا يحسن تحريمه اهـ كرخي.\rوعبارة الزمخشري: وما أكل بعضه السبع اهـ.\rوعبارة الخازن: وفي الآية محذوف تقديره وما أكل السبع منه لأن ما أكله السبع قد فقد فلا حكم له إنما الحكم لما بقي منه اهـ.\rقوله: (أي أدركتم فيه الروح) أي مع بقاء الحياة المستقرة حيث يتحرك بالاختيار، فإن لم تكن فيه هذه فلا يحل بتذكية، لأن موته حينئذ محال على السبب المتقدم على التذكية من النطح والخنق وغيرهما. وعبارة الخازن: إلا ما ذكيتم يعني إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه حياة مستقرة من هذه الأشياء المذكورة. والظاهر أن هذا الاستثناء يرجع إلى جميع المحرمات في الآية من قوله: وَالْمُنْخَنِقَةُ إلى قوله: وَما أَكَلَ السَّبُعُ وهذا قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن وقتادة. وقال ابن عباس: يقول اللّه تعالى: ما أدركتم من هذا كله وفيه روح، فأذبحوا فهو حلال. والكلبي: هذا استثناء مما أكل السبع خاصة، والقول هو الأول، وأما كيفية إدراكها فقال أهل العلم من المفسرين: إن أدركت حياته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب يتحرك فأكله جائز. وقال ابن عباس: إذ طرفت بعينها أو ركضت برجلها أو تحركت فاذبح فهو حلال. وذهب بعض أهل العلم إلى أن السبع إذا جرح فأخرج الحشوة أو قطع الجوف قطعا يؤيس معه من الحياة فلا ذكاة إن كان به حركة ورمق، لأنه قد صار إلى حالة لا يؤثر فيها الذبح، وهو مذهب مالك رضي اللّه عنه، واختاره الزجاج، وابن الأنباري، لأن معنى التذكية أن","part":2,"page":177},{"id":717,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 178\rمن هذه الأشياء فذبحتموه وَما ذُبِحَ عَلَى اسم النُّصُبِ جمع نصاب وهي الأصنام وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا تطلبوا القسم والحكم بِالْأَزْلامِ جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح بكسر القاف صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يلحقها وفيها بقية تنشب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك، وإلا فهو كالميتة وأصل الذكاة في اللغة تمام الشيء فالمراد من التذكية تمام قطع الأوداج وإنهار الدم اهـ بحروفه.\rقوله: (من هذه الأشياء) أي الخمسة التي أولها المنخنقة اهـ شيخنا.\rقوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي ما قصد بذبحه النصب ولم يذكر اسمها عند ذبحه، بل قصد تعظيمها بذبحه، فعلى بمعنى اللام فليس هذا مكررا مع ما سبق إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم، وهذا فيما قصد بذبحه تعظيم الصنم من غير ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع نصاب) ككتب وكتاب وسمي الصنم نصابا لأنه ينصب ويرفع ليعظم ويعبد اهـ شيخنا.\rقوله: (تطلبوا القسم) بكسر القاف على حذف مضاف أي تطلبوا معرفة القسم، أو بفتح القاف على معنى تطلبوا تمييز ما تريدون الشروع فيه، ويؤيد هذا قوله: والحكم فكأنها تقسم لهم وتحكم بينهم.\rقوله: (مع فتح اللام) راجع لكل منهما، وقوله: قدح أي سهم.\rقوله: (و كانت سبعة عند سادن الكعبة) عبارة الخازن: وكانت أزلامهم سبع قداح مستوية مكتوبة على واحد منها أمرني ربي، وعلى واحد منها نهاني ربي، وعلى واحد منكم، وعلى واحد من غيركم، وعلى واحد ملصق، وعلى واحد العقل، وواحد غفل أي ليس عليه شيء. وكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرا، أو تجارة، أو نكاحا، أو اختلفوا في نسب، أو أمر قتيل، أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظام جاؤوا إلى هبل، وكان أعظم صنم لقريش بمكة، وكان في الكعبة وجاؤوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، فان خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج نهاني ربي لم يفعلوا، وإذا أجالوا على نسب، فإن خرج منكم كان وسطا فيهم، وإن خرج من غيركم كان خلفا فيهم، وإن خرج ملصق كان على حاله، وإن اختلفوا في العقل وهو الدية، فمن خرج عليه العقل تحمله، وإن خرج العقل أجالوا ثانيا حتى يخرج المكتوب عليهم، فنهاهم اللّه عن ذلك وحرمه وسماه فسقا، انتهى.\rقوله: (عند سادن الكعبة) أي خادمها. وفي المصباح سدنت الكعبة سدنا من باب قتل خدمتها، فالواحد سادن والجمع سدنة فهو كافر وكفرة والسدانة الخدمة والسدن الستر وزنا ومعنى اهـ.\rوفي القاموس: سدن سدنا وسدانة خدم الكعبة أو بيت الصنم اهـ.\rقوله: (عليها أعلام) أي كتابة. قوله: (و كانوا يحكمونها) في نسخة يجيلونها أي يديرونها","part":2,"page":178},{"id":718,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 179\rيحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا ذلِكُمْ فِسْقٌ خروج عن الطاعة. ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ويعبدونها، وفي نسخة يجيبونها أي يجيبون حكمها. قوله: ذلِكُمْ أي الاستقسام بالأزلام خاصة فسق خروج عن الطاعة، لأنه وإن أشبه القرعة فهو دخول في علم الغيب، وذلك حرام لقوله تعالى:\rوَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً [لقمان: 34] وقال: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: 65] اهـ كرخي.\rوفي السمين: ذلِكُمْ فِسْقٌ مبتدأ وخبر. اسم الإشارة راجع إلى الاستقسام بالأزلام خاصة، وهو مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنه، وقيل: إلى جميع ما تقدم لأنه معناه حرم عليكم تناول الميتة، وهكذا فرجع اسم الإشارة إلى هذا المقدر اهـ.\rقوله: (و نزل بعرفة الخ) وعاش صلّى اللّه عليه وسلّم بعد يوم نزولها أحدا وثمانين يوما لم ينزل بعدها آية إلا قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281] الآية وعاش بعدها أحدا وعشرين يوما اهـ شيخنا.\rقوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا اليوم ظرف منصوب بيئس، والألف واللام فيه للعهد الحضوري فأراد به يوم عرفة وهو يوم الجمعة عام حجة الوداع، واليأس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع، ومن دينكم متعلق بيئس، ومعناها ابتداء الغاية، وهو على حذف مضاف أي من إبطال أمر دينكم اهـ سمين.\rقوله: (أن ترتدوا عنه) أي أن ترجعوا. قوله: (لما رأوا) متعلق بيئس. قوله: وَاخْشَوْنِ بسقوط الياء وصلا ووقفا بخلاف واخشوني السابقة في البقرة، فإنها بثبوت الياء وصلا ووقفا اتفاقا بخلاف الآتية في هذه السورة فإنه يجوز في يائها الثبوت والحذف على الخلاف اهـ شيخنا.\rقوله: (أحكامه وفرائضه الخ) أشار به إلى جواب قول القائل، قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يقتضي أنه كان ناقصا قبل ذلك، وأنه ما كمل إلا في آخر عمره. وإيضاحه ان المراد بكماله عدم الاحتياج إلى نزول شيء من الفرائض والأحكام، وأجاب القفال بأن الدين ما كان ناقصا أبدا إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت البعث بأن ما هو كامل في اليوم ليس بكامل في الغد. لاجرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم. وأما في آخر الزمان فأنزل شريعته كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، فالشرع كان أبدا قائما، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة اهـ.\rوقال ابن جرير: الأولى أن يتأول على أنه أعمل لهم دينهم بانفرادهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجة المسلمون لا يخالطهم المشركون، كما أشار إليه الشيخ المصنف بعد وقوله:\rعليكم متعلق بأتممت، ولا يجوز تعلقه بنعمتي، وإن كان فعلها يتعدى بعلى نحو: أنعم اللّه عليه وأنعمت عليه، لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله إلا أن ينوب منابه اهـ كرخي.","part":2,"page":179},{"id":719,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 180\rولا حرام وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين وَرَضِيتُ أي اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله غَيْرَ مُتَجانِفٍ مائل وفي القسطلاني على البخاري: لا يقول مقتضى هذه الآية ان الدين كان ناقصا قبل، وأن من مات من الصحابة كان ناقص الإيمان من حيث ان موته كان قبل نزول الفرائض أو بعضها، لأن الإيمان لم يزل تاما، والنقص بالنسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصحابة صوري نسبي، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا يشبه قول القائل: إن شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى لاشتماله على ما لم يقع في الكتب السابقة من الأحكام، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملا، وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكملية أمر نسبي اهـ.\rوبهامشه بخط الشيخ أبي العز العجمي ما نصه: قوله فالأكملية أمر نسبي أي النقص أمر نسبي لكن منه ما يترتب عليه الذم، ومنه ما لا يترتب عليه الذم. فالأول: ما نقصه بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمدا، والثاني: ما نقص بغير اختيار كمن لم يعلم أو لم يكلف أو لم يجد من يعلمه، فهذا لا يذم بل يحمد من جهة أنه كان مطمئنا بالإيمان وأنه لو زيد لقبل، ولو كلف لعمل، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض. قاله القاضي أبو بكر بن العربي اهـ.\rقوله: (فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام) أي آية حلال أو حرام، وهذا لا ينافي في أنه نزل بعدها آية موعظة، وهي قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281] تأمل. قوله:\rوَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً في رضي وجهان، أحدهما: أنه متعد لواحد وهو الإسلام، ودينا على هذا حال. والثاني: أنه مضمن معنى صير وجعل، فيتعدى لاثنين أولهما الإسلام، والثاني: دينا. ولكم فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق برضي. والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه حال من الإسلام، لكنه قدم عليه اهـ سمين. وهذه الجملة مستأنفة لا معطوفة على أكملت، وإلّا كان مفهوم ذلك أنه لم يرض لهم الإسلام دينا قبل ذلك اليوم، وليس كذلك لأن الإسلام لم يزل دينا مرضيا للّه وللنبي وأصحابه منذ أرسله اهـ كرخي.\rروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: إن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لأخذنا ذلك اليوم عيدا. قال آية آية قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية. قال عمر رضي اللّه عنه: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة بعد العصر. أشار رضي اللّه عنه إلى أن اليوم عيد لنا وكذلك المكان. وروي أنه لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي اللّه عنه فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له: «ما يبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا قد كمل، وأنه لا يكمل شيء إلا نقص، فقال عليه الصلاة والسّلام: «صدقت»، فكانت هذه الآية نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فما لبث بعد ذلك إلا أحدا وثمانين يوما اهـ أبو السعود.\rقوله: فَمَنِ اضْطُرَّ الخ وقعت هذه الآية هنا وفي البقرة والأنعام والنحل، ولم يذكر جواب الشرط إلا في البقرة فيقدر في غيرها وهو فلا إثم عليه اهـ شيخنا.","part":2,"page":180},{"id":720,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 181\rلِإِثْمٍ معصية فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له ما أكل رَحِيمٌ (3) به في إباحته له بخلاف المائل لإثم أي الملتبس به كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل\rيَسْئَلُونَكَ يا محمد ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ والمخمصة المجاعة لأنها تخمص لها البطون أي تضمر وهي صفة محمودة في النساء يقال:\rرجل خمصان وامرأة خمصانة ومنه أخمص القدم لدقتها وغير نصب على الحال، والجمهور على متجانف بألف وتخفيف النون من متجانف. وقرأ أبو عبد الرحمن النخعي متجنف بتشديد النون دون ألف. قال ابن عطية: وهو أبلغ من متجانف اهـ سمين.\rقوله: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها اللّه تعالى ومتصلة بها، والمعنى أن المحرمات كانت محرمة إلا أنها قد تحل في حالة الاضطرار إليها ومن قوله تعالى: ذلِكُمْ فِسْقٌ إلى هنا اعتراض وقع بين الكلامين، والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره في معنى التحريم، لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة الكاملة والإسلام الذي هو المرضي عند اللّه. ومعنى الآية فمن اضطر أي أجهد وأصيب بالضر الذي لا يمكنة معه الامتناع من أكل الميتة، وهو قوله تعالى: فِي مَخْمَصَةٍ يعني في مجاعة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء عند الجوع غير متجانف لإثم، يعني غير ماثل إلى إثم أو منحرف إليه. والمعنى فمن اضطر إلى أكل الميتة أو إلى غيرها في المجاعة فليأكل غير متجانف لإثم، وهو أن يأكل فوق الشبع، وهو قول فقهاء العراق، وقيل: معناه غير متعرض لمعصية في مقصده، وهو قول فقهاء الحجاز اهـ خازن.\rقوله: غَيْرَ مُتَجانِفٍ في المصباح: جنف جنفا من باب تعب ظلم وأجنف بالألف مثله، وقوله: غير متجانف لإثم أي متمايل متعمد اهـ.\rقوله: (كقاطع الطريق والباغي) أي إذا كانا مسافرين، أما إذا كان مقيمين فلهما الأكل عند الاضطرار كما تقدم بسطه في سورة البقرة تأمل.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ أي المؤمنون وهذا له ارتباط بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الخ، فلما بيّن لهم المحرم عليهم سألوه عن الجلاء لهم وصورة سؤالهم الواقع منهم ماذا أحل لنا اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: روى الطبراني بسنده عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستأذن عليه، فأذن له، فلم يدخل فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له: «قد أذنا لك يا رسول اللّه» قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب. قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، ففعلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته، فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته: فجاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها.\rقال؛ فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه: يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ.\rوروي عن عكرمة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا رافع في قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالي، فدخل عاصم، وسعيد بن أبي خيثمة، وعويم بن ساعدة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: ماذا أحل لنا فنزلت:\rيَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ.","part":2,"page":181},{"id":721,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 182\rمن الطعام قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ المستلذات وَصيد ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ الكواسب من الكلاب والسباع والطير مُكَلِّبِينَ حال من كلبت الكلب بالتشديد أي أرسلته على الصيد قال ابن الجوزي: وأخرج حديث أبي رافع الحاكم وصححه. قال البغوي: فلما نزلت هذه الآية أذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها.\rروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية». ولمسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجر كل يوم قيراطان». ومعنى الآية يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل، كأنهم لما تلا عليهم من خبائث المآكل ما تلا سألوا عما أحل لهم انتهت.\rقوله: ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ أي عماذا أي شيء أحل لهم.\rقوله: (المستلذات) أي عند أصحاب الطباع السليمة وهذا مقيد بما لم يرد نص بتحريمه من كتاب أو سنّة أو إجماع ولا قياس كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(صيد) ما عَلَّمْتُمْ أشار إلى أن وما علمتم معطوف على الطيبات، وصيد بمعنى مصيد لأنه هو الذي احل لهم، وإلا فالجوارح لا تحل وإن كانت معلمة، وهذا من عطف الخاص على العام. وفائدته دفع توهم أن مصيد الجارحة ليس من الطيبات وهو مبني على أن ما موصولة، فإن جعلناها شرطية وجوابها فكلوا فلا حاجة إلى تقدير المضاف المذكور. وقول الزمخشري: إنه يحتاج إليه، رده الشيخ سعد الدين التفتازاني بأن المضاف إلى الاسم الحامل لمعنى الشرط في حكم المضاف إليه، تقول: غلام من تضرب أضرب، كما تقول: من تضرب أضرب اهـ كرخي.\rقوله: وَما عَلَّمْتُمْ في ما هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي ما علمتموه، ومحلها الرفع عطفا على مرفوع ما لم يسم فاعله. أي: وأحل لكم صيد أو أخذ ما علمتم، فلا بد من تقدير هذا المضاف. والثاني: أنها شرطية فمحلها رفع بالابتداء، والجواب قوله:\rفكلوا. قال الشيخ: وهذا أظهر لأنه لا إضمار فيه. الثالث: أنها موصولة أيضا ومحلها الرفع بالابتداء، والخبر قوله: فكلوا، وإنما دخلت الفاء تشبيها للموصول باسم الشرط، وقوله: من الجوارح في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان أحدهما: الموصول وهو ما، والثاني: أنه الهاء العائد على ما الموصولة، وهو في المعنى كالأول، ومعنى مُكَلِّبِينَ مؤدبين ومضرين ومعودين. قال الشيخ:\rوفائدة هذا الحال وإن كانت مؤكدة لقوله علمتم، فكان يستغنى عنها أن يكون المعلم ماهرا في التعليم حاذقا اهـ سمين.\rقوله: (و السباع) كالنمر. وقوله: (و الطير) كالقصر اهـ.\rقوله: (حال) أي من التاء في علمتم، وقوله: من كلبت أي مأخوذ من كلبت الكلب الخ، وهذا الاشتقاق ربما يوهم اختصاص هذا الحكم بالكلب مع أنه ليس كذلك كما سبق، فوجه هذا الاشتقاق أن الصيد بالكلب هو الغالب، أو أن كل جارحة يقال لها كلب لغة عند بعضهم اهـ شيخنا.","part":2,"page":182},{"id":722,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 183\rتُعَلِّمُونَهُنَ حال من ضمير مكلبين أي تؤدبوهن مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من آداب الصيد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وإن قتلنه بأن لم يأكلن منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وعلامتها أن تسترسل إذا أرسلت وتنزجر إذا زجرت وتمسك الصيد ولا تأكل منه وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين وفيه أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم اللّه عليه كصيد المعلم من الجوارح وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ عند قوله: (أي أرسلته) هكذا فسر التكليب بالارسال وغيره من التفاسير فسره بالتعليم، وكذا هو في كتب اللغة فليتأمل مستند الشارح في هذا التفسير اهـ.\rقوله: تُعَلِّمُونَهُنَ فيها أربعة أوجه، أحدها: أنها جملة مستأنفة. الثاني: أنها جملة في محل نصب على أنها حال ثانية من فاعل علمتم، ومنع أبو البقاء ذلك لأنه لا يجيز للعامل أن يعمل في حالين، وتقدم الكلام في ذلك. الثالث: أنها حال من الضمير المستتر في مكلبين، فتكون حالا من حال، وتسمى المتداخلة، وعلى كلا التقديرين المتقدمين فهي حال مؤكدة لأن معناها مفهوم من علمتم، ومن مكلبين. الرابع: أن تكون جملة اعتراضية، وهذا على جعل ما شرطية أو موصولة خبرها فكلوا، فيكون قد اعترض بين الشرط وجوابه وبين المبتدأ وخبره اهـ سمين.\rقوله: مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أي بعض ما علمكم اللّه، وقوله: (من آداب الصيد) أي من الحيل في الصيد أي الاصطياد اهـ شيخنا.\rقوله: مِمَّا أَمْسَكْنَ أي بعض ما أمسكن، فمن تبعيضية، وإلّا فلا يجوز أكل دمه وفرثه، وقوله: عَلَيْكُمْ أي لكم، وهذا معنى قول الشارح بأن لم يأكلن منه، وذلك لأنها إذا أكلت منه لم تمسكه لصاحبها بل لنفسها وغرضها، كما سيأتي في الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن لم يأكلن) تفسير لقوله عليكم كما علمت. وقوله: (بخلاف غير المعلمة) محترز قوله، وما علمتم. قوله: (و علامتها) أي علامة المعلمة أي صفتها، أي شرط تعليمها أن تسترسل الخ.\rوحاصل ما ذكره أربعة شروط أولها: مأخوذ من قوله مكلبين، والثالث والرابع من قوله أمسكن، وقوله عليكم، وأما الثاني فليس مأخوذا من الآية، وهذه الشروط الأربعة معتبرة في جارحة السباع، وأما جارحة الطير فالمعتبر فيها اثنان فقط على المعتمد أن لا تأكل، وأن تسترسل بالإرسال اهـ شيخنا.\rقوله: (و تنزجر) أي في ابتداء الأمر وفي أثناء السير. قوله: (و أقل ما يعرف به ذلك) أي تعلمها أي كونها معلمة. قوله: (فإن أكلت الخ) محترز قوله عليكم وفي نسخة فإن أكلن، وقوله: على صاحبها أي له أي بل على نفسها أي لها. قوله: (و فيه) أي الحديث أن صيد السهم أي مثلا، ومراده بهذا تكميل الفائدة بذكر حكم آخر يقوم مقام التذكية المعتادة، قوله كصيد المعلم أي بشرط أن يكون الجرح مؤثرا فيه في زهوق الروح اهـ شيخنا.\rقوله: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أي ندبا عندنا ووجوبا عند غيرنا، وقوله: عليه أي على ما أمسكن أو على ما علمتم. والثاني أنسب بقول الشارح عند ارساله، ويحتاج إلى تقدير أي على مقتوله اهـ شيخنا.","part":2,"page":183},{"id":723,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 184\rإرساله وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4)\rالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ المستلذات وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي ذبائح اليهود والنصارى حِلٌ حلال لَكُمْ وَطَعامُكُمْ إياهم حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ وفي السمين قوله عليه في هذه الأسماء أوجه، أحدها: أنها تعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل، كأنه قيل: اذكروا اسم اللّه على الأكل، ويؤيده ما في الحديث: «سمّ اللّه وكل مما يليك».\rوالثاني: أنها تعود على ما علمتم أي اذكروا اسم اللّه على الجوارح عند ارسالها على الصيد، وفي الحديث: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم اللّه». والثالث: أنها تعود على ما أمسكن أي اذكروا اسم اللّه على ما أدركتم ذكاته مما أمسكت عليكم الجوارح اهـ.\rقوله: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ قال ابن عباس: يعني إذا أرسلت جارحك فقل: بسم اللّه، وإذا نسيت فلا حرج. ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعدي: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم اللّه فكل» فعلى هذا يكون الضمير في عليه عائدا إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا اسم اللّه عليه عند إرساله، وقيل: الضمير عائد إلى ما أمسكن عليكم، والمعنى سموا اللّه إذا أدركتم ذكاته، وقيل: يحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الأكل يعني: واذكروا اسم اللّه عليه عند الأكل، فعلى هذا تكون التسمية شرطا عند إرسال الجوارح، وعند الذبح، وعند الأكل. وسيأتي بيان هذه المسألة في سورة الأنعام عند قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 121] اهـ خازن.\rقوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ إنما كرر إحلال الطيبات للتأكيد كأنه قال: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها، ويحتمل أنه أراد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه هذه الآية، أو اليوم الذي تقدم ذكره في قوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، ويكون الغرض من ذكر هذا الحكم انه تعالى قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فبين أنه كما أعمل الدين وأتم النعمة، فكذلك أتم النعمة بإحلال الطيبات، وقيل: ليس المراد باليوم يوما معينا اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود: وقيل: المراد بالأيام الثلاثة وقت واحد، إنما كرر للتأكيد ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره اهـ.\rوعبارة القرطبي: قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ أي اليوم أكملت لكم دينكم واليوم أحل لكم الطيبات، فأعاد ذكر اليوم تأكيدا، وقيل: أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد كما تقول هذه أيام فلان أي، هذا أوان ظهوركم وشرع الإسلام، فقد أكملت بهذا دينكم وأحللت لكم الطيبات اهـ.\rقوله: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي بخلاف الذين تمسكوا بغير التوراة والإنجيل، كصحف إبراهيم، فلا تحل ذبائحهم، والحاصل أن حل الذبيحة تابع لحل المناكحة على التفصيل المقرر في الفروع اهـ شيخنا.\rقوله: وَطَعامُكُمْ (إياهم) حمل الشارح الطعام هنا على المصدرية وعليه ينحل المعنى هكذا وإطعامكم إياهم حل لهم، وهذا المعنى محصله إن فعلنا حلال لهم، وهذا لا يعقل فلعل في الكلام حذفا والتقدير حل لهم متعلقة أي المطعوم، ولو حمل الشار الطعام في الموضعين على المطعوم لكان أولى وأنسب وأسهل اهـ شيخنا.","part":2,"page":184},{"id":724,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 185\rالْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ الحرائر مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حل لكم أن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ مهورهن مُحْصِنِينَ متزوجين غَيْرَ مُسافِحِينَ معلنين بالزنا بهن وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ منهن تسرون بالزنا بهن وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي يرتد فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الصالح قبل ذلك فلا يعتد به ولا يثاب عليه وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5) إذا مات عليه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ وفي الخازن: وطعامكم حل لهم، وهذا يدل على أنم مخاطبون بشريعتنا. وقال الزجاج: معناه ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم، فجعل الخطاب للمؤمنين على معنى أن التحليل يعود على إطعامنا إياهم لا إليهم، لأنه لا يمتنع أن يحرم اللّه تعالى أن نطعمهم من ذبائحنا. وقيل: إن الفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة من الجانبين، وإباحة الذبائح كانت حاصلة من الجانبين. لا جرم ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين اهـ.\rقوله: (الحرائر) تفسير للمحصنات في الموضعين، وهذا أولى من ارجاعه للأخير فقط اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ متعلق بالخبر المحذوف، وهذا الشرط بيان للأكل، والأولى لا لصحة العقد إذ لا نتوقف على دفع المهر، ولا على التزامه كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إذا آتيتموهن أجورهن ظرف، والعامل فيه أحد شيئين: أما أحل وإما حل المحذوف على حسب ما قدر، والجملة بعده في محل خفض باضافته إليها وهي هنا لمجرد الظرفية، ويجوز أن تكون شرطية وجوابها محذوف أي إذا آتيتموهن أجورهن حللت لكم، والأول أظهر.\rومحصنين حال، وعاملها أحد ثلاثة أشياء. إما آتيتموهن وصاحب الحال الضمير المرفوع، وإما أحل المبني للمفعول، وإما حل المحذوف كما تقدم. وغير يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ينتصب على أنه نعت لمحصنين. والثاني: أنه يجوز نصبه على الحال، وصاحب الحال الضمير المستتر في محصنين. والثالث: أنه حال من فاعل آتيتموهن على أنه حال ثانية منه، وذلك عند من يجوز ذلك، وقوله وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يجوز فيه الجر على أنه عطف على مسافحين وزيدت لا تأكيدا للنفي المفهوم من غَيْرَ، والنصب على عطف على غير باعتبار أوجهها الثلاثة، ولا يجوز عطفه على محصنين لأنه مقترن بلا المؤكدة للنفي المتقدم، ولا نفي مع محصنين وتقدمت معاني هذه الألفاظ اهـ.\rقوله: (متزوجين) أي مريدين للتزوج. قوله: وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ جمع خدن بالكسر. وفي المصباح: الخدن الصديق في السر، والجمع أخدان مثل حمل وأحمال اهـ.\rقوله: بِالْإِيمانِ الباء بمعنى عن كما يشير له قوله أي يرتد، فالمراد بالكفر هنا الارتداد أي ومن يرتد عن الايمان. قوله: فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أي بطل فلا يعتد به الخ، ولو عاد إلى الإسلام. قوله:\rوَهُوَ مبتدأ. وقوله: مِنَ الْخاسِرِينَ خبر وقوله: في الآخرة متعلق بما تعلق به الخبر لا به إذا معمول الصلة لا يتقدم عليه اهـ.\rوفي الكرخي: الظاهر أن الخبر قوله: مِنَ الْخاسِرِينَ فيتعلق قوله في الآخرة بما تعلق به هذا","part":2,"page":185},{"id":725,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 186\rأي أردتم القيام إِلَى الصَّلاةِ وأنتم محدثون فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ أي معها كما بينته السنة وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ الباء للإلصاق أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء وهو الخبر، وهو الكون المطلق، ولا يجوز أن يكون في الآخرة هو الخبر. مِنَ الْخاسِرِينَ متعلق بما تعلق به لأنه لا فائدة في ذلك اهـ.\rقوله: (إذا مات عليه) أي الكفر وهذا راجع لقوله: وهو في الآخرة الخ لا لما قبله، لأن عمل المرتد يحبط أي ينتفي ثوابه سواء مات على الردة أو لا اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ تقدير إذا أردتم القيام، كقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النحل: 98] وهذا من إقامة المسبب مقام السبب، وذلك لأن القيام متسبب عن الإرادة والارادة سببه اهـ سمين.\rوالمراد بالقيام الاشتغال بها والتلبس بها من قيام أو غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (و أنتم محدثون) أي الحدث الأصغر، وأخذ هذا المقدر من قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا فكأنه قال: إن كنتم محدثين حدثا أصغر فاغسلوا وجوهكم الخ، وإن كنتم محدثين الحديث الأكبر فاغسلوا الجسد كله، وفيه إشارة إلى الجواب عن قول صاحب الكشاف وغيره، ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث فما وجهه اهـ كرخي.\rقوله: إِلَى الْمَرافِقِ في إلى هذه وجهان، أحدهما: أنها على بابها من انتهاء الغاية، وفيها حينئذ خلاف فقائل إن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها، وقائل بعكس ذلك، وقائل لا تعرض لها في دخول ولا عدمه، وإنما يدور الخروج والدخول على الدليل وعدمه، وقائل إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها دخل في الحكم وإلّا فلا، ويعزى لأبي العباس، وقائل إن كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل، وإن كان من جنسه فيحتمل الدخول وعدمه، وأول هذه الأقوال هو الأصح عند النحاة، قال بعضهم: وذلك أنا حيث وجدنا قرينة مع إلى فإن تلك القرينة تقتضي الإخراج مما قبله، فإذا أورده كلام مجرد عن القرائن فينبغي أن يحمل على الأمر القياسي الكثير، وهو الاخراج، وفرق هذا القائل بين إلى وحتى، فجعل حتى تقتضي الادخال، وإلى تقتضي الإخراج بما تقدم من الدليل، وهذه الأقوال دلائلها في غير هذا الكتاب، وقد أوضحتها في كتابي (شرح التسهيل). والقول الثاني: إنها بمعنى مع أي مع المرافق تقدم الكلام في ذلك عند قوله: إلى أموالكم، والمرافق: جمع مرفق اهـ سمين.\rقوله: (الباء للالصاق الخ) هو مذهب سيبويه، وقد أوضحه الشيخ المصنف في الآية أخذا من قول الزمخشري. المراد إلصاق المسح بالرأس وماسح بعض رأسه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه اهـ.\rلكن في شرح المهذب عن جماعة من أهل العربية أن الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غير متعدد كما في وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ تكون للإلصاق. تنبيه: اختلف العلماء في قدر الواجب في مسح الرأس، فقال مالك وأحمد: يجب مسح الجميع كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم، وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس، وقال الشافعي: قدر ما ينطلق عليه اسم المسح اهـ كرخي.","part":2,"page":186},{"id":726,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 187\rاسم جنس فيكفي أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض شعره وعليه الشافعي وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب عطفا على أيديكم وبالجر على الجوار إِلَى الْكَعْبَيْنِ أي معهما كما بينته السنة وهما العظمان الناتئان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة قوله: (أي ألصقوا المسح) لعل فيه مسامحة، لأن الظاهر أن الإلصاق ضم جسم إلى جسم، والمسح ليس جسما، وقوله: (من غير إسالة ماء) بيان لحقيقة المسح لا لما يكفي في الوضوء إذ الغسل يكفي أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو) أي المسح الذي في ضمن الفعل، وقوله: (فيكفي الخ) يرد على هذه القاعدة قوله الآتي: فَاطَّهَّرُوا، وإذ مقتضاها أنه يكتفى بطهارة بعض الأعضاء، ويمكن الجواب بأن طهارة بعض أعضاء الجنب لا يصدق عليها أنها طهارة، ولذلك كانت الطهارات أربعا: وضوء وغسل وتيمم وإزالة نجاسة اهـ شيخنا.\rقوله: (أقل ما يصدق) أي يحمل عليه، وقوله: (و عليه) أي قوله: (فيكفي أقل الخ). قوله:\r(بالنصب) أي لفظا، وقوله: (و الجر) أي لفظا أيضا وإن كان منصوبا بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجوار، وقوله: (على الجوار) أي لأجله لأنها لم يجلبها عامل، وإنما سببها مجاور المجرور اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قرأ نافع وابن عامر، والكسائي، وحفص، عن عاصم أَرْجُلَكُمْ بالنصب وباقي السبعة أرجلكم بالجر.\rفأما قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدهما: أنها معطوفة على أيديكم فإن حكمها الغسل كالوجوه والأيدي، كأنه قيل: واغسلوا أرجلكم إلا أن هذا التخريج أفسده بعضهم بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة غير اعتراضية، لأنها مبينة حكمها جديد، فليس فيها تأكيد للأول. والثاني: أنه منصوب عطفا على محل المجرور قبله كما تقدم تقريره قبل ذلك.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 187\r\rما قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدهما: أنها معطوفة على أيديكم فإن حكمها الغسل كالوجوه والأيدي، كأنه قيل: واغسلوا أرجلكم إلا أن هذا التخريج أفسده بعضهم بأنه يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجملة غير اعتراضية، لأنها مبينة حكمها جديد، فليس فيها تأكيد للأول. والثاني: أنه منصوب عطفا على محل المجرور قبله كما تقدم تقريره قبل ذلك.\rوأما قراءة الجر ففيها أربعة تخاريج، أحدها: أنه منصوب في المعنى على الأيدي المغسولة، وإنما خفض على الجوار وهذا وإن كان واردا إلا أن التخريج عليه ضعيف لضعف الجوار من حيث الجملة وأيضا فإن الخفض على الجوار إنما ورد في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلا في ضرورة الشعر. التخريج الثاني: أنه معطوف على رؤوسكم لفظا ومعنى، ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل وهو حكم باق، وبه قال جماعة، أو يحمل مسح الأرجل على بعض الأحوال وهو ليس الخف، ويعزى للشافعي رحمه اللّه التخريج الثالث: أنها إنما جرت للتنبيه على عدم الإسراف في استعمال الماء فيها لأنها مظنة لصب الماء كثيرا، فعطفت على الممسوح، والمراد غسلها كما تقدم وإليه ذهب الزمخشري. التخريج الرابع: أنها مجرورة بحرف جر دل عليه المعنى، ويتعلق هذه الحرف بفعل محذوف تقديره وافعلوا بأرجلكم غسلا، قال أبو البقاء: وحذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز اهـ.\rقوله: (الناتئان) أي البارزان. وفي المصباح: نتأ ينتأ نتأ ونتوءا من بابي خضع وقطع خرج من موضعه وارتفع من غير أن يبين ونتأت القرحة ورمت، ونتأ ثدي الجارية ارتفع والفاعل ناتىء، ويجوز","part":2,"page":187},{"id":727,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 188\rبالرأس الممسوح يفيد وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا فاغتسلوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يضره الماء أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أي أحدث أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ سبق مثله في آية النساء فَلَمْ تَجِدُوا ماءً بعد طلبه فَتَيَمَّمُوا اقصدوا صَعِيداً طَيِّباً ترابا طاهرا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مع المرفقين مِنْهُ بضربتين والباء للإلصاق تخفيف الفعل كما يخفف قرأ فهو نات منقوص اهـ. وهاتان العظمتان من الساق اهـ شيخنا.\rقوله: (و الفصل) مبتدأ، وقوله: يفيد خبره. وغرضه من هذه العبارة تكميل أركان الوضوء الستة اهـ شيخنا.\rقوله: (يفيد وجوب الترتيب) أي الترتيب المراد في الوضوء بين الأعضاء كلها الذي تفيده الآية إنما هو بين الأيدي والأرجل، كما يؤخذ من قوله: والفصل الخ. وأما وجوب تقديم الوجه الذي هو من جملة الترتيب فلا يستفاد من الفصل كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: (وجوب النية فيه) أي طهارة هذه الأعضاء، ولعل التذكير باعتبار كونها وضوءا اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى عطف على المقدر السابق والمقسم في الكل إذا قمتم إلى الصلاة اهـ شيخنا.\rوقال الشراح هنا: المراد بالجنابة هي الحاصلة بدخول حشفة أو نزول مني، وهذا هو حقيقتها الشرعية وانظر لم لم يجعلوها شاملة للحيض والنفاس مع أنه أفيد اهـ.\rقوله: (يضره الماء) أي يضر صاحبه.\rقوله: (أي أحدث) أي فالمجيء من الغائط كناية عرفية عن الحدث لأنه يلزم الغائط أي المكان المنخفض من الأرض عرفا وعادة على عادة العرب من أن الإنسان منهم إذا أراد قضاء حاجته قصد مكانا منخفضا من الأرض وقضى حاجته فيه.\rقوله: (سبق مثله) أي تفسير مثله، فيقال هنا المراد جامعتم أو جسستم باليد اهـ.\rقوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً أي في غير المرض وهو الثلاثة بعده. وأما المرض، فيتيمم معه، ولو مع وجود الماء اهـ شيخنا.\rقوله: (مع المرفقين) أخذه من التقيد في الوضوء. قوله: بضربتين أي نقلتين. قوله: (و بينت السنة الخ) أشار به إلى جواب ما يقال إذا كانت الباء للالصاق لم يجب استيعاب العضوين بالمسح بالتراب اهـ كرخي.\rفائدة:\rقد اشتملت هذه الآية على سبعة أمور كلها مثنى طهارتين أصل وبدل، والأصل اثنان مستوعب","part":2,"page":188},{"id":728,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 189\rوبينت السنة أن المراد استيعاب العضوين بالمسح ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من الأحداث والذنوب وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بالإسلام ببيان شرائع الدين لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) نعمه\rوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَمِيثاقَهُ عهده الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ عاهدكم عليه إِذْ قُلْتُمْ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين بايعتموه سَمِعْنا وَأَطَعْنا في كل ما تأمر به وتنهى مما نحب ونكره وغير مستوعب، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود، وأن آلتهما مائع وجامد، وموجبهما حدث أصغر أو أكبر، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة اهـ بيضاوي.\rقوله: لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ الجعل يحتمل أنه بمعنى الإيجاد والخلق، فيتعدى لواحد وهو من حرج ومن مزيدة فيه، ويتعلق عليكم حينئذ بالجعل، ويجوز أن يتعلق بحرج، فإن قيل: هو مصدر والمصدر لا يتقدم معموله عليه، قيل: ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير فيكون عليكم هو المفعول الثاني اهـ كرخي.\rقوله: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بالإسلام. وقوله: (ببيان شرائع الدين) متعلق بيتم أي يتم نعمة الإسلام، ويكملها ببيان شرائع الدين.\rقوله: إِذْ قُلْتُمْ ظرف لقوله: واثقكم كما يشير قوله: حين بايعتموه لا لقوله: اذكروا إذ وقت الذكر أي التذكر متأخر عن وقت قولهم المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: (حين بايعتموه) انظر أين كانت المبايعة، وهذا يقتضي أن المراد بقوله: واثقكم به على لسان نبيه ولو حمل الميثاق على الميثاق المأخوذ في عالم الأرواح، وجعل المراد بقوله: إِذْ قُلْتُمْ الخ إجابة الأرواح بقوله قالوا بلى كما فعل غيره لكان أحسن اهـ.\rوفي البيضاوي: يعني اليثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنبسط والمكره أو ميثاق ليلة العقبة أو بيعة الرضوان.\rوفي القرطبي: والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسدي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على السمع والطاعة في المنبسط والمكره. إذ قالوا سمعنا وأطعنا كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة، وأضافه تعالى إلى نفسه، كما قال إنما يبايعون اللّه فبايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم إن ارتحل إليهم هو وأصحابه. وكان أول من بايعه البراء بن معرور، وكان له في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق عليهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والشد بعقد أمره، وهو القائل: والذي بعثك بالحق لنمنعك ممن نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول اللّه، فنحن واللّه أبناء الحرب وأصل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. والخبر مشهور في سيرة ابن إسحاق، ويأتي ذكر بيعة الشجرة في موضعها، وقد اتصل هذا بقوله: أوفوا بالعقود فوفوا بما قالوا جزاهم اللّه عن نبيهم وعن الإسلام خيرا ورضي اللّه عنهم وأرضاهم اهـ.","part":2,"page":189},{"id":729,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 190\rوَاتَّقُوا اللَّهَ في ميثاقه أن تنقضوه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) بما في القلوب فبغيره أولى\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ قائمين لِلَّهِ بحقوقه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ بالعدل وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يحملنكم شَنَآنُ بغض قَوْمٍ أي الكفار عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا فتنالوا منهم قوله: (أن تنقضوه) أي لا ظاهر ولا باطنا. قوله: بِذاتِ الصُّدُورِ أي الأمور صاحبات الصدر أي المكنونة فيها غالبا بحيث لا يطلع عليها غالبا، وذلك كالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شرع في بيان الشرائع المتعلقة بما يجري بينهم وبين غيرهم إثر بيان ما يتعلق بأنفسهم اهـ أبو السعود.\rوجملة التكاليف ترجع لقسمين: حقوق اللّه وحقوق الخلق، فبين الأول بقوله كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ وبين الثاني بقوله شُهَداءَ بِالْقِسْطِ اهـ من الرازي.\rوتقدم نظير هذه الآية في النساء إلا أنه هناك قدم لفظ القسط وهنا أخر. وكائن السر في ذلك واللّه أعلم أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدىء فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدىء فيها بالأمر بالقيام للّه لأنه أردع للمؤمنين ثم ثنى بالشهادة بالعدل، فجيء بها في كل معرض بما يناسبه. قال القاضي: وتقرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل أن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ. قال الكازروني: الظاهر أن يقول المشار إليه هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء:\r135]. وقوله إن الأولى نزلت في المشركين معناه أن ما في سورة النساء نزلت فيهم أي في العدل معهم، والثانية نزلت في بيان العدل مع اليهود. القرينة على ذلك أنه لما كان بعض أقارب المؤمنين مشركين أمر اللّه المؤمنين برعاية العدل معهم، ولما كان بعد هذه الآية التي في المائدة حكاية اليهود ناسب أن تكون الآية لبيان حال اليهود اهـ كرخي.\rقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ قال ابن عباس: يريد أنهم يقومون ابحقه، ومعنى ذلك هو أن يقوموا للّه بالحق في كل ما يلزمهم القيام به من العمل بطاعته، واجتناب نواهيه اهـ خازن.\rقوله: شُهَداءَ خبر ثان، وقوله: بِالْقِسْطِ فلا تشهدوا بأمر خلاف الواقع، بل بما في نفس الأمر وهو المراد بالعدل اهـ.\rقوله: (يحملنكم) ضمن يجرمنكم معنى يحملنكم، ومن ثم عداه بعلى أو يكسبنكم وهما متقاربان، ومن ثم عبّر به الشيخ المصنف فيما تقدم اهـ كرخي.\rقوله: شَنَآنُ بفتح النون وسكونها قراءتان سبعيتان مثل ما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الكفار) أشار به إلى أنها مختصة بهم، فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام، وعليه جرى القاضي كالكشاف وجرى غيرهما على أن الخطاب عام لأن العبرة بعموم","part":2,"page":190},{"id":730,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 191\rلعداوتهم اعْدِلُوا في العدو والولي هُوَ أي العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) فيجازيكم به\rوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وعدا حسنا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ اللفظ لا بخصوص السبب اهـ كرخي.\rقوله: عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي على الجور فيهم بما لا يجوز كنقض عهدهم، وعدم قبول من أسلم منهم وقتل ذراريهم اهـ شيخنا.\rقوله: (فتناولوا منهم) أي مقصودكم من القتل وأخذ المال، وهذا منصوب في جواب النفي اهـ شيخنا.\rقوله: اعْدِلُوا تصريح بوجوب العدل بعد ما أعلم من النهي عن تركه التزاما، وقوله (في العدو) أي عدوكم وهو الكفار (و الولي) أي وليكم أي من توالونه وهو المؤمنون أي لا تجعلوا عدلكم قاصرا على المؤمنين، بل اجعلواه فيهم وفي غيرهم، وهذا تفسير. وهناك تفسير آخر، وهو أن المراد اعدلوا في العدو، إذ السياق فيه ووجوب العدل في العدو يستلزم وجوبه في الولي الأولى اهـ شيخنا.\rقوله: هُوَ (أي العدل) أشار به إلى أن الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: اعدلوا كقوله: من كذب عليّ كان شرا ففي كان ضمير يفهم من قوله كذب أي الكذب اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيه وعد ووعيد، فبين الأول بقوله. وَعَدَ اللَّهُ الخ وبيّن الثاني بقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (وعدا حسنا) الظاهر أنه مفعول مطلق، وعليه فالمفعول الثاني مقدر أو سدّ وقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ سده، وعلى الأول يكون الواقف قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وعلى الثاني لا يوقف عليه اهـ شيخنا.\rفي الكرخي: قوله: وعدا حسنا أشار به إلى أن المفعول الثاني لوعد محذوف وقد صرح في الآية الأخرى بأنه الجنة، ولو قدره المصنف لكان أحسن فالجملة من قوله: لهم مغفرة مفسرة للمحذوف تفسر السبب للمسبب، لأن الجنة مرتبة على الغفران وحصول الأجر، فحينئذ لا موضع لها من الإعراب، ولا يجوز أن يكون مفعولا لوعد، لأن وعد لا يعلق عن العمل كما تعلق ظن وأخواتها، ولم يقل وعملوا السيئات مع أن المغفرة إنما هي لفاعل السيئات، لأن كل واحد ممن ليس بمعصوم لا يخلو عن سيئات وإن كان ممن يعمل الصالحات. فالمعنى أن من آمن وعمل الحسنات غفرت له سيئاته، كما قال تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: 114] اهـ.\rوفي السمين: وعد يتعدى لاثنين أولهما الموصول، والثاني محذوف أي الجنة، وقد صرح بهذا المفعول في غير هذا الموضع ذكره الزمخشري، وعلى هذا فالجملة من قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لا محل لها لأنها مفسرة لذلك المحذوف تفسر السبب للمسبب، فان الجنة مسببة عن المغفرة، وحصول الأجر العظيم والكلام قبلها تام بنفسه، وذكر الزمخشري في الآية احتمالات أخر، أحدها: أن الجملة من قوله لهم مغفرة بيان للوعد كأنه قال قدم لهم وعدا، فقيل: أي شيء وعده فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ","part":2,"page":191},{"id":731,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 192\rوَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) هو الجنة\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ هم قريش أَنْ يَبْسُطُوا يمدوا إِلَيْكُمْ وعلى هذا فلا محل لها أيضا، وهذا أولى من الأول لأن تفسير الملفوظ به أولى من ادعاء تفسير شيء محذوف. والثاني: أن الجملة منصوبة بقول محذوف كأنه قيل وعدهم، وقال لهم مغفرة. والثالث:\rإجراء الوعد مجرى القول، لأنه ضرب منه ويجعل وعد واقعا على الجملة التي هي قوله لهم مغفرة كما وقع تركنا على قوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ [الصافات: 79] كأنه قيل: وعدهم هذا القول، وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد فقد وعدهم مضمون المغفرة والأجر العظيم، وإجراء الوعد مجرى القول مذهب كوفي اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ الذين كفروا مبتدأ أول، وأولئك مبتدأ ثان، وأصحاب خبره والجملة خبر الأول، وهذه الجملة مستأنفة أتى بها اسمية دلالة على الثبوت والاستقرار ولم يؤت بها في سياق الوعيد، كما أتى بالجملة قبل في سياق الوعد حسما لرجائهم. وهذه الآية تدل على أن الخلود في النار ليس إلا للكفار، لأن قوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يفيد الحصر والمصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال: أصحاب الصحراء أي الملازمون لها اهـ كرخي.\rقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ الخ بيان لتذكيرهم بنعمة رفع الضرر وما تقدم من قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تذكير لنعمة إيصال الخير لهم وهو الإسلام اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ظرف لقوله: نعمت اللّه لا لقوله: اذكروا، والنعمة في الحقيقة هي قوله:\rفكف أيديهم عنكم وذلك ما روي أن المشركين رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بعسفان في غزوة ذي أنمار، وهي غزوة ذات الرقاع وهي السابعة من مغازيه عليه السّلام، قاموا إلى الظهر معا، فلما صلوا ندم المشركون أن لا كانوا قد أكبروا عليهم، فقالوا: إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون بها صلاة العصر، وهموا أن يقعوا بهم إذا قاموا إليها فرد اللّه تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف. وقيل: هو ما روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعلي رضي اللّه تعالى عنهم يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين. فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سألت، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك اللّه تعالى يده ونزل جبريل عليه السّلام، فأخبره، فخرج عليه السّلام. وقيل هو ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل منزلا وتفرق أصحابه في شجر العضاه يستظلون بها، فعلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشجرة، فجاء اعرابي فسله وأخذه، وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال عليه السّلام: اللّه تعالى، فأسقط جبريل من يده سيفه، فأخذه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: من يمنعك مني؟ فقال: لا أحد اشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يقال: بسط إليه يديه إذا بطش به، وبسط إليه لسانه إذا شتمه وقوله فكف أيديهم عنكم معطوف على هم عليه، وهو النعمة التي أريد ذكرها وذكر الهم للايذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها، والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها وإظهار أيديهم في موضع","part":2,"page":192},{"id":732,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 193\rأَيْدِيَهُمْ ليفتكوا بكم فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وعصمكم مما أرادوا بكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)\r* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ بما يذكر بعد وَبَعَثْنا فيه الإضمار لزيادة التقرير أي منع أيديهم أن تمتد إليكم عقيب همهم بذلك لا أنه كفها عنكم بعد ما مدوها إليكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (ليفتكوا بكم) بضم التاء وكسرها وفي المصباح: فتكت به فتكا من بابي ضرب وقتل وبعضهم يقول فتكا مثلث الفاء بطشت به أو قتلته على غفلة وأفتكت بألف لغة اهـ.\rقوله: وَعَلَى اللَّهِ أي لا على غيره فلا تعتمدون على الكثرة والعدة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الخ كلام مستأنف مشتمل على ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل مسوق لتحريض المؤمنين على ذكر نعمة اللّه ومراعاة حق الميثاق وتحذير لهم من نقضه اهـ أبو السعود.\rواضافة الميثاق إلى بني إسرائيل على معنى على أي: ولقد أخذ اللّه الميثاق على بني إسرائيل وتقدم أن الميثاق هو العهد المؤكد باليمين، واسناد الأخذ إلى اللّه تعالى من حيث انه أمر به موسى، وإلّا فالذي أخذ الميثاق عليهم إنما هو موسى بأمر اللّه له بذلك.\rقوله: (بما يذكر بعد) أي من قوله: اني معكم لئن أقمتم الصلاة الخ. قوله: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً يجوز في منهم أن يتعلق بنقيبا وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من اثني عشر لأنه في الأصل صفة، فلما قدم نصب حالا، وأن يكون مضافا، والنقيب فعيل بمعنى فاعل مشتق من التنقيب، وهو التفتيش ومنه فنقبوا في البلاد، وسمي بذلك لأنه يفتش عن أحوال القوم وأسرارهم، وقيل: هو بمعنى مفعول كأن القوم اختاروه على علم منهم، وتفتيش عن أحوال، وقيل: هو للمبالغة كعليم وخبير اهـ سمين.\rروي أن بني إسرائيل لما رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون أمرهم اللّه بالسير إلى أريحاء بأرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا وجاهدوا من فيها وإني ناصركم، وأمر موسى أن يأخذ من كل سبط نقيبا أمينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به، فاختاروا النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء إليهم يتحسسون أحوالهم فرأوا خلقا أجسامهم عظيمة ولهم قوة وشوكة، فهابوهم فرجعوا، وكان موسى قد نهاهم أن يتحدثوا بما يرون من أحوال الكنعانيين فنكثوا الميثاق وتحدثوا إلا اثنين منهم.\rقيل: لما توجه النقباء لتحسس أحوال الجبارين لقيهم عوج بن عنق، وعنق أمه إحدى بنات آدم لصلبه، وكان عمره ثلاث آلاف سنة، وطوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثين ذراعا، وكان على رأسه حزمة حطب، فأخذ النقباء وجعلهم في الحزمة وانطلق بهم إلى امرأته فطرحهم بين يديها، وقال: اطحنيهم بالرحا. فقالت: لا بل نتركهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، فجعلوا يتعرفون أحوالهم. وكان من أحوالهم أن عنقود العنب عندهم لا تحمله إلا خمسة رجال منهم، وإن قشرة الرمانة تسع خمسة منهم، فلما خرج النقباء من أرضهم قال بعضهم لبعض: إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبي اللّه، ولكن اكتموه إلا عن موسى وهرون، ثم انصرفوا إلى موسى وكان معهم حبة من عنبهم فنكثوا الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 13","part":2,"page":193},{"id":733,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 194\rالتفات عن الغيبة أقمنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم وَقالَ لهم اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصرة لَئِنْ لام قسم أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ نصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بالانفاق في سبيله لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ عهدهم، وجعل كل منهم ينهى سبطه عن القتال ويخبره بما رأى إلا كالب ويوشع. وكان عسكر موسى، فرسخا في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم فجاء إلى جبل وقوّر منه صخرة على قدر عسكر موسى، ثم حملها على رأسها ليطبقها عليهم، فبعث اللّه الهدهد فنقر من الصخرة وسطها الحاذي لرأسه فانبثقت فوقعت في عنقه وطوقته فطرحته، وأقبل موسى فقتله، فأقبلت جماعة معهم الخناجر حتى حزوا رأسه اهـ أبو السعود.\rوهذه القصة ذكرها كثير من المفسرين والمحققون على أنها لا أصل لها وأنه لا عوج ولا عنق.\rقوله: (اقمنا) أي ولّينا وحكمنا، واسناد هذا الفعل إلى اللّه ومن حيث أمره به وإلا فالمباشر له إنما هو موسى عليه السّلام فهو الذي ولا هم ونقبهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (من كل سبط نقيب) وذلك أن بني إسرائيل اثنا عشر سبطا بعدد أولاد يعقوب كل أولاد واحد منهم سبط، فالأسباط في بني إسرائيل بمنزلة القبائل في العرب اهـ شيخنا.\rقوله: (بالوفاء بالعهد) أي على ما أمروا به من دخول الشأم ومحاربة الجبابرة وقوله: توثقة عليهم أي تأكيدا عليهم، وهو متعلق بقوله: وبعثنا منهم أو بقوله: يكون كفيلا على قومه اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَ لهم أي للنقباء أو لبني إسرائيل، وفيه التفات، وقوله بالعون والنصر أي فهو كناية عن عظمته وجلاله اهـ كرخي.\rقوله: (لام قسم) أشار إلى أن لام لئن هي اللام الموطئة للقسم المحذوف تقديره: واللّه لئن، وقوله: لأكفرن جواب القسم، وهو سادّ مسد جواب القسم، والشرط معا كما قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأنه جواب القسم فقط، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وقد تقدم مثله وتأخير الإيمان عن اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المرتبة عليه لما أنهم كانوا معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسّلام اهـ كرخي.\rقوله: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ في المختار: التعزير التوقير والتعظيم اهـ.\rوفي القاموس: والتعزير ضرب دون الحد وهو أشد الضرب والتفخيم والتعظيم ضد الإهانة كالعزر والتقوية والنصر اهـ.\rقوله: (نصرتموهم) أي منعتموهم من أيدي العدو وأصله الذب ومنه التعزير وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد اهـ كرخي.\rقوله: (بالإنفاق في سبيله) شبه الإنفاق في سبيل اللّه لوجه اللّه بالقرض على سبيل المجاز، لأنه إذا أعطى المستحق ماله لوجه اللّه تعالى، فكأنه أقرضه إياه اهـ خطيب.","part":2,"page":194},{"id":734,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 195\rفَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ الميثاق مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) أخطأ طريق الحق والسواء في الأصل الوسط فنقضوا الميثاق قال اللّه تعالى\rفَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ أبعدناهم عن رحمتنا وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً لا تلين لقبول الإيمان يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ الذي في التوراة من نعت محمد وغيره عَنْ مَواضِعِهِ التي وضعه اللّه عليها أي يبدلونه وَنَسُوا تركوا حَظًّا نصيبا مِمَّا ذُكِّرُوا أمروا بِهِ في التوراة من اتباع محمد وَلا تَزالُ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تَطَّلِعُ تظهر عَلى خائِنَةٍ أي خيانة مِنْهُمْ بنقض العهد وغيره إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ممن أسلم فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وهذا منسوخ بآية وتقدم لهذا بسط في سورة البقرة، والمراد بالزكاة الواجبة، وبالفرض هنا الصدقة المندوبة وخصها بالذكر تنبيها على شرفها، وحينئذ فلا يرد أن قوله تعالى: أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً داخل تحت إيتاء الزكاة فما فائدة الاعادة. وقرضا يجوز أن يكون مصدرا محذوف الزوائد وعامله أقرضتم أي إقراضا ويجوز أن يكون بمعنى الفرض فيكون مفعولا به اهـ كرخي.\rقوله: (أخطأ طريق الحق) أي الذي هو الدين المشروع، فإن قيل: كيف قال ذلك مع أن من كفر قبل كذلك؟ فالجواب: نعم لكن الكفر بعد ما ذكر من النعم أقبح منه قبله، لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر اهـ كرخي.\rقوله: (فنقضوا الميثاق) أي بتكذيبهم الرسل الذين جاؤوا بعد موسى وقتلهم أنبياء اللّه ونبذهم كتابه وتضييعهم فرائضه اهـ كرخي.\rقوله: (أبعدناهم من رحمتنا) يشير به إلى أن فيه إطلاق الملزوم، وعكسه: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة اهـ كرخي.\rقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ استئناف لبيان مرتبة قسوة قلوبهم، فإنه لا مرتبة أعظم من أخذ الأجر على تغيير كلام اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: (تركوا) أشار به إلى بيان المراد هنا بالنسيان لأنه وقع في القرآن لمعان اهـ كرخي.\rقوله: عَلى خائِنَةٍ في خائنة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها اسم فاعل والهاء للمبالغة كراوية ونسابه أي على شخص خائن. والثاني: أن التاء للتأنيث وأنث على معنى طائفة أو نفس أو فعله خائنة.\rالثالث: أنها مصدر كالعافية والعاقبة، ويؤيد هذا الوجه قراءة الأعمش على خيانة، وأصل خائنة خاونة فأعل إعلال قائمة ومنهم صفة لخائنة اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ استثناء من الضمير المجرور في منهم اهـ.\rقوله: (ممن أسلم) كابن سلام وأصحابه. قوله: (و هذا) أي الأمر بالعفو والصفح منسوخ بآية السيف أي قوله: تعالوا قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: 29] الآية، ومحل كونه منسوخة إذا كان المراد فاعف عنهم مطلقا سواء تابوا أو لا، وأما إن كان المراد فاعف عنهم أي عمن تاب منهم فلا نسخ اهـ أبو السعود بالمعنى.","part":2,"page":195},{"id":735,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 196\rالسيف\rوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى متعلق بقوله أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ كما أخذنا على بني قوله: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ لما ذكر نقض اليهود أتبعه بذكر نقض النصارى الميثاق، وأن في نقض العهد والميثاق، وإنما قال تعالى وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ولم يقل ومن النصارى، لأنهم الذين ابتدعوا هذا الاسم وسموا به أنفسهم، لا أن اللّه سماهم به أخذنا ميثاقهم يعني كتبنا عليهم في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فنسوا حظا مما ذكروا به يعني تركوا ما أمروا به من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. قال قتادة: لما تركوا العمل بكتاب اللّه وعصوا رسله، وضيعوا فرائضه، وعطلوا حدوده ألقى اللّه العداوة والبغضاء بينهم، وقيل: العداوة والبغضاء هي الأهواء المختلفة. وفي الهاء والميم من قوله بينهم قولان، أحدهما: أن المراد بهم اليهود والنصارى، فان العداوة والبغضاء حاصلة بينهم إلى يوم القيامة. والقول الثاني: أن المراد بهم فرق النصارى، فإن كل فرقة منهم تكفر الأخرى اهـ خازن.\rقوله: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى فيه خمسة أوجه:\rأحدها: وهو الظاهر أن من متعلق بقوله: أخذنا، والتقدير الصحيح أن يقال: وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، فيوقع من الذين بعد أخذنا ويؤخر عنه ميثاقهم، ولا يجوز أن يقدر، وأخذنا ميثاقهم من الذين فتقدم ميثاقهم على الذين قالوا، وإن كان ذلك جائزا من جهة كونهما مفعولين كل منهما جائز التقديم والتأخير لأنه يلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو لا يجوز إلا في مواضع محصورة. نص على ذلك جماعة منهم مكي وأبو البقاء.\rوالثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوف قامت صفته مقامه. والتقدير: ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم، فالضمير في ميثاقهم، يعود على المحذوف.\rوالثالث: أنه خبر مقدم، ولكن قدروا المبتدأ موصوف حذف وبقيت صلته والتقدير ومن الذين قالوا أنا نصارى من أخذنا ميثاقهم، فالضمير في ميثاقهم عائد على من، والكوفيون يجيزون حذف الموصول.\rوالرابع: أن تتعلق من بأخذنا كالوجه الأول، لكن يجعل الضمير في ميثاقهم عائدا على بني إسرائيل، ويكون المصدر من قوله ميثاقهم مصدرا تشهيا. والتقدير وأخذنا من النصارى ميثاقا مثل بني إسرائيل، كقولك: أخذت من زيد ميثاق عمرو أي ميثاقا مثل ميثاق عمرو، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري، فإنه قال: أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى أي مثل ميثاقهم من الإيمان باللّه ورسله.\rالخامس: أن من الذين معطوف على منهم من قوله تعالى: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ أي من اليهود. والمعنى ولا تزال تطلع على خائنة من اليهود، ومن الذين قالوا إنا نصارى ويكون قوله:\rأخذنا ميثاقهم على هذا مستأنفا اهـ سمين.\rإذا عرفت هذا عرفت أن كلام الشارح جار على الوجه الأول من هذه الوجوه الخمسة وأن قوله:\rكما أخذنا على بني إسرائيل اليهود إيضاح لمعنى الكلام، وليس من تمام الإعراب وجملة قوله: وَمِنَ","part":2,"page":196},{"id":736,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 197\rإسرائيل اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ في الإنجيل من الإيمان وغيره ونقضوا الميثاق فَأَغْرَيْنا أوقعنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بتفرقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى الخ معطوفة على قوله: ولقد أخذ اللّه ميثاق بني إسرائيل أي: ولقد أخذ اللّه الميثاق على اليهود فنقضوه وأخذ على النصارى فنقضوه، تأمل.\rقوله: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إنما نسب نسبتهم نصارى لأنفسهم دون أن يقال ومن النصارى إيذانا بأنهم في قولهم: نحن أنصار اللّه في معزل من الصدق، وإنما هو تقوّل محض منهم وليسوا من أنصار اللّه في شيء وإظهار الكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم، فإن إدعاءهم لنصرته تعالى يستدعي ثباتهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: والنصير الناصر وجمعه أنصار كشريف وأشراف، وجمع الناصر نصر كصاحب وصحب، والنصارى جمع نصران ونصرانة، كالندامى جمع ندمان وندمانة، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب، ونصره تنصيرا جعله نصرانيا. وفي الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه» اهـ.\rوفي المصباح: ورجل نصراني بفتح النون وامرأة نصرانية ويقال: انه نسبة إلى قرية اسمها نصرى ولهذا قيل في الواحد نصري على القياس، والنصارى جمعه مثل مهري ومهارى ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين اهـ.\rقوله: (أوقعنا) أي وجه اللزوم، وعبارة البيضاوي: فأغرينا من غرى بالشيء إذا لصق به اهـ.\rوفي المصباح: غري بالشيء غرى من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراء فأغري به إغرى بالبناء للمفعول والاسم الغراء بالفتح والمد، والغراء مثل كتاب ما يلصق معمول من الجلود، وقد يعمل من السمك. والغرا مثل العصا لغة فيه، وغروت الجلد أغروه من باب عدا ألصقه بالغراء وقوس مغرورة، اغريت بين القوم مثل أفسدت وزنا ومعنى، وغروت غروا من باب قتل عجيب ولا عجب اهـ.\rقوله: (بينهم) فيه وجهان، أحدهما: أنه ظرف لأغرينا. والثاني: أنه حال من العداوة فيتعلق بمحذوف ولا يجوز أن يكون ظرفا لعداوة، لأن المصدر لا يتقدم معموله عليه، وإِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أجاز فيه أبو البقاء أن يتعلق بأغرينا أو بالعداوة أو بالبغضاء، أي أغرينا إلى يوم القيامة بينهم العداوة والبغضاء، وأنهم يتعادون إلى يوم القيامة، أو يتباغضون إلى يوم القيامة. وعلى ما قاله أبو البقاء تكون المسألة من باب الأعمال، ويكون قد وجد التنازع بين ثلاثة عوامل، ويكون من اعمال الثالث للحذف من الأول والثاني، وتقدم تحرير ذلك وأغرينا من أغراه بكذا أي ألزمه إياه، وأصله من الغراء الذي يلصق به ولامه واو. والأصل فأغرونا وإنما قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة، ومنه قولهم بيت مغرو أي معمول بالغراء. يقال: غري بكذا يغرى غرا، فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة فيقال أغريته بكذا اهـ سمين.\rقوله: (بتفرقهم) أي إلى الفرق الثلاث فضمير بينهم للنصارى خاصة، وقيل لهم ولليهود فالفرق","part":2,"page":197},{"id":737,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 198\rتكفر الأخرى وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ في الآخرة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) فيجازيهم عليه\rيا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ تكتمون مِنَ الْكِتابِ التوراة والإنجيل كآية الرجم وصفته وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من ذلك فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ هو نور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَكِتابٌ قرآن مُبِينٌ (15) بيّن ظاهر\rيَهْدِي بِهِ أي اثنتان يهود ونصارى، أي أغرينا العداوة بين اليهود والنصارى، وعلى الأول بالفرق الثلاث هم النسطورية والملكانية واليعقوبية اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ التفات إلى خطاب الفريقين على أن الكتاب جنس شامل للتوراة والإنجيل اثر بيان أحوالهما من الخيانة وغيرها من فنون القبائح، ودعوة لهم إلى الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن، وإيرادهم بعنوان أهلية الكتاب لا لانطواء الكلام المصدر به على ما يتعلق بالكتاب وللمبالغة في التشنيع عليهم، فإن أعليه الكتاب من موجبات مراعاته العمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا من الكتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون اهـ أبو السعود.\rقوله: يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ يعني أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يظهر كثيرا مما أخفوا وكتموا من التوراة والإنجيل، وذلك أنهم أخفوا آية الرجم وصفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وغير ذلك. ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيّن ذلك وأظهره وهذه معجزة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لم يقرأ كتابهم ولم يعلم ما فيه، فكان إظهار ذلك معجز له وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني مما يكتمونه فلا يتعرض له ولا يؤاخذهم به لأنه لا حاجة إلى إظهاره، والفائدة في ذلك أنهم يعلمون كون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عالما بما يخفونه وهو معجزة له أيضا، فيكون ذلك داعيا لهم إلى الإيمان به، خازن، وجملة يبين لكم في محل نصب على الحال من رسولنا. أي جاءكم رسولنا في هذه الحالة، ومما متعلق بمحذوف لأنه صفة لكثيرا، أو ما موصولة اسمية وتخفون صلتها والعائد محذوف أي من الذي كنتم تخفونه، ومن الكتاب يتعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف اهـ سمين.\rقوله: (كآية الرجم) هذا بالنسبة لكتم اليهود، وأما بالنسبة لكتم النصارى فلم يمثل له الشارح، ومثل له أبو السعود ببشارة عيسى بأحمد في الإنجيل اهـ.\rقوله: (و يعفو عن كثير) أي لا يظهر كثيرا مما تخفونه إذا لم تدع إليه داعيه دينية صيانة لكم عن زيادة الافتضاح كما يفصح أنه التعبير عن عدم الإظهار بالعفو وفيه الحث على عدم الإخفاء ترغيبا وترهيبا والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلة في حكمها وقيل: يعفو عن كثير منكم ولا يؤاخذه اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ الخ جملة مستأنفة مسوقة لبيان أن فائدة مجيء الرسول ليست منحصرة فيما ذكر في بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع لا تحصى اهـ أبو السعود.","part":2,"page":198},{"id":738,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 199\rبالكتاب اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ بأن آمن سُبُلَ السَّلامِ طرق السلامة وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان بِإِذْنِهِ بإرادته وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) دين الإسلام\rلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ حيث جعلوه إلها وهم اليعقوبية فرقة من النصارى قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ أن يدفع مِنَ عذاب اللَّهَ قوله: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أي من سبق في علمه أنه يتبع وإلا فمن اتبع بالفعل لا معنى لهدايته اهـ شيخنا.\rقوله: (طرق السلامة) عبارة الخازن: سبل السّلام. قال ابن عباس: يريد دين الإسلام لأنه دين اللّه وهو السّلام وسبيله دينه الذي شرعه لعباده، وبعث به رسله، وأمر عباده باتباعه. وقيل: سبل السّلام سبل دار السّلام، فيكون من باب حذف المضاف اهـ.\rقوله: سُبُلَ السَّلامِ أي طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب، أو سبيل اللّه وهو شريعته التي شرعها للناس. قيل: هو مفعول ثان ليهتدي، والحق أن انتصابه بنزع الخافض على حدّ قوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: 155] وإنما يعدى إلى الثاني بإلى أو باللام كما في قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]. وقوله: وَيُخْرِجُهُمْ الضمير لمن، والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في تبع باعتبار اللفظ، وقوله: من الظلمات أي ظلمات فنون الكفر والضلال، وقوله: إِلَى النُّورِ أي الإيمان بإذنه بتيسيره أو بإرادته ويهديهم إلى صراط مستقيم هو أقرب بالطرق إلى اللّه تعالى، ومؤد إليه لا محالة، وهذه الهداية غير الهداية إلى سبل السّلام، وإنما عطفت عليها تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ [هود: 58] اهـ أبو السعود.\rقوله: (حيث جعلوه) أي المسيح اهـ.\rقوله: (و هم اليعقوبية) أي القائلون بالاتحاد، وهؤلاء نصارى نجران استدلوا بصفات عيسى من الاحياء والأنباء بالغيب على الإلهية، فهو مثل قولك: الكريم زيد أي حقيقة الكرم في زيد، وعلى هذا قالوا: إن اللّه هو عيسى ابن مريم، ومعناه بت القول على أن حقيقة اللّه هو ذلك أن الخبر إذا عرف بالألف واللام أفاد القصر سواء كان التعريف فيه عهديا أو جنسيا، فإذا ضم معه ضمير الفصل ضاعف تأكيد معنى القصر، فإذا صدرت الجملة بأن بلغ الكمال في التحقيق اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود، وقيل: لم يصرح به أحد مهم لكن حيث أعتقوا اتصافه بصفات اللّه الخاصة وقد اعترفوا بأن اللّه تعالى موجود فلزمهم القول بأنه المسيح لا غير اهـ.\rقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ أي قل لهم تبكيتا وإظهارا لبطلان قولهم الفاسد والاستفهام إنكاري توبيخي كما أشار له المفسر، وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن أحد مع تحقق الإلزام والتبكيت بنفيها عن المسيح فقط بأن يقال: فهل يملك شيئا الخ لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه سبحانه وإثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني وتعميم إرادة الإهلاك للكل مع حصول المقصود بالاقتصار عليه لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره تعالى،","part":2,"page":199},{"id":739,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 200\rشَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلها لقدر عليه وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شاءه قَدِيرٌ (17)\rوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى أي كل منهما نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ أي كأبنائه في القرب والمنزلة وهو كأبينا في الرحمة والشفقة وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ لهم يا محمد فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ وتخصيص أمه بالذكر مع اندراجها في ضمن من في الأرض لزيادة تأكيد عجز المسيح اهـ أبو السعود.\rوالفاء في قوله: فَمَنْ يَمْلِكُ عاطفة لهذه الجملة على جملة مقدرة قبلها، والتقدير قل كذبوا أو ليس بالأمر، كذلك فمن يملك. وقوله: مِنَ اللَّهِ فيه احتمالان، أظهرهما: أنه متعلق بالفعل قبله.\rوالثاني: ذكره أبو البقاء أنه حال من شيئا يعني من حيث انه كان صفة في الأصل للنكرة تقدم عليها فانتصب حالا اهـ سمين.\rقوله: إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ هذه الجملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط، والتقدير إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وامه، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره. قوله: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني أن عيسى شاكل من في الأرض في الصورة الخلق، والتركيب وتغير الصفات والأحوال، فلما سلمتم كونه تعالى خالقا للكل وجب كونه خالقا لعيسى، وقوله: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من باب عطف العام على الخاص حتى يبالغ في نفي الإلهية عنهما فكأنه نص عليهما مرتين: مرة بذكرهما مفردين، ومرة باندراجهما في العموم، وهذا إيضاح ما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير اهـ كرخي.\rبقوله: (مقدر عليه) أي فلما عجزه يقينيا لا ريب فيه ظهر كونه بمعزل عما تقولون في حقه اهـ.\rأبو السعود.\rقوله: (كأبنائه الخ) أشار به إلى أن النبوة هنا المحبة والرأفة لا الحقيقة، أو المراد بأبناء اللّه خاصته، كما يقال أبناء الدنيا وأبناء الآخر. وقيل: فيه إضمار تقديره أبناء أنبياء اللّه، ونظيره إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: 10] اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود. قالت اليهود والنصارى: نحن أبناء اللّه وأحباؤه حكاية لما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة، وبيان لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما، وبيان بطلانه، أي قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه المسيح، كما قيل لأشياع أبي حبيب، وهو عبد اللّه ابن الزبير الحبيبيون، وكما يقول أقارب الملوك عند الفاخرة نحن الملوك. وقال ابن عباس إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا جماعة من اليهود إلى الإسلام وخوفهم بعقاب اللّه تعالى فقالوا: كيف تخوفنا به؟ نحن أبناء اللّه وأحباؤه. وقيل: إن النصارى يتلون في الإنجيل إن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.\rوقيل: أرادوا أن اللّه تعالى كالأب لنا في الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة.\rوبالجملة: أنهم كانوا يدعون أن لهم فضلا ومزية عند اللّه تعالى على سائر الخلق، فردّ عليهم ذلك وقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قل إلزاما لهم وتبكيتا، فلم يعذبكم بذنوبكم أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد اعترفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل، ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع اهـ.","part":2,"page":200},{"id":740,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 201\rبِذُنُوبِكُمْ إن صدقتم في ذلك ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم فأنتم كاذبون بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ من جملة من خَلَقَ من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه لا اعتراض عليه وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المرجع\rيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ شرائع الدين عَلى فَتْرَةٍ انقطاع مِنَ الرُّسُلِ إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول ومدة ذلك خمسمائة وستون سنة قوله: (إن صدقتم في ذلك) أشار به إلى أن الفاء في جواب شرط مقدر، وهو ظاهر كلام الزمخشري اهـ كرخي.\rقوله: مِمَّنْ (جملة من) خَلَقَ هذه النسخة هي الصواب لا خلافها خطأ، وصورة النسخة الأخرى من جملة من خلق، ففيها تفكيك رسم القرآن أفاده القاري، وذلك لأن ممن تكتب ميمين ونونا في بعضها، وعند التفكيك تصير ميما ونونا معا ثم ميما ونونا كذلك تأمل. قوله: (لكم) خبر مقم.\rوقوله: (مالهم) مبتدأ مؤخر وكذا يقال فيما بعده اهـ.\rقوله: (لا اعتراض عليه) أي لأنه القادر الفعال بالاختيار اهـ كرخي.\rقوله: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي إليه وحده.\rقوله: يُبَيِّنُ لَكُمْ فيما الجملة في محل نصب على الحال.\rقوله: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أي لأن فتور الإرسال وانقطاع الوحي يحوج إلى بيان الشرائع والأحكام، وعلى فترة متعلق بجاءكم على الظرفية، كما في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة: 102] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال، وانقطاع من الوحي، ومزيد احتياج إلى بيان الشرائع والأحكام الدينية، أو بمحذوف وقع حالا من ضمير يبين أو من ضمير لكم، أي يبين لكم ما ذكر حال كونه على فترة من الرسل، أو حال كونكم عليها أحوج ما كنتم إلى البيان، ومن الرسل متعلق بمحذوف وقع صفة لفترة. أي كائنة من الرسل مبتدأ من جهتهم اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: واختلف العلماء في قدر مدة الفترة، فروي عن سليمان قال: فترة ما بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ستمائة سنة أخرجه البخاري وقال قتادة: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ستمائة سنة، وما شاء اللّه من ذلك. وعنه: أنه خمسمائة سنة وستون سنة، وقال ابن السائب: خمسمائة وأربعون سنة، وقال الضحاك: إنها أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. ونقل ابن الجوزي، عن ابن عباس أن بين ميلاد عيسى وميلاد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خمسمائة سنة وتسعا وستين سنة، وهي الفترة. وكان بين عيسى ومحمد أربعة من الرسل، فلذلك قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ [يس: 14] قال: والرابع لا أدري من هو اهـ.\rقوله: (إذ لم يكن بينه وبين عيسى الخ) هذا هو الراجح، ومقابله أنه كان بينهما أربعة رسل كما تقدم: ثلاثة من بني إسرائيل، والرابع من غيرهم، وهو خالد بن سنان الذي قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «نبي ضيعه قومه» اهـ خازن.\rقوله: (و مدة ذلك خمسمائة وتسع وستون سنة) هكذا في بعض النسخ، وفي أكثرها خمسمائة","part":2,"page":201},{"id":741,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 202\rأَنْ لا تَقُولُوا إذا عذبتم ما جاءَنا مِنْ زائدة بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ فلا عذر لكم إذا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) ومنه تعذيبكم إن لم تتبعوه\rوَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أي منكم أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أصحاب خدم وحشم وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك\rيا قَوْمِ ادْخُلُوا وستون سنة، وكل من القولين منقول في الخازن وغيره كما تقدم، ومدة ما بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة اهـ أبو السعود.\rقوله: واذكر إِذْ قالَ مُوسى. الخ جملة مستأنفة لبيان ما فعلوا بعد أخذ الميثاق، وإذ نصب بفعل مقدر كما قال الشارح خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق صرف الخطاب عن أهل الكتاب ليعدد عليه ما صدر عن بعضهم، أي اذكرهم وقت قول موسى وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة لأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا، فإذا استحضر كان ما وقع فيه بتفاصيله كأنه مشاهد عيانا اهـ أبو السعود.\rوقال الطبري: هذا تعريف من اللّه لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بتمادى هؤلاء في الغي، وبعدهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم وشدة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم اللّه عليهم، وتتابع أياديه لديهم فسل نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك عما نزل به من الشدائد التي حصلت له من مخالفة قومه وتعاصيهم عليه اهـ خازن.\rقوله: (أصحاب خدم) قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، ولم يكن لمن قبلهم خدم. وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا». وقال السدي: وجعلكم ملوكا أي أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية، ومن كان مسكنه واسعا وفيه نهر جار فهو ملك اهـ خطيب.\rوفي المصباح: الخدم جمع خادم يقال للذكر والأنثى والحشم خدم الرجل. قال ابن السكيت:\rهي كلمة في معنى الجمع ولا واحد لها من لفظها وفسرها بعضهم بالعيال والقرابة، ومن يغضب له إذا أصابه أمر، وحشم حشما من باب تعب إذا غضب ويتعدى بالألف، فيقال: أحشمته، وبالحركة أيضا فيقال: حشمه حشم من باب ضرب وحشم يحشم مثل خجل يخجل وزنا ومعنى، واحتشم إذا غضب، وإذا استحيا أيضا اهـ.\rقوله: مِنَ الْعالَمِينَ المراد بالعالمين الأمم الخالية إلى زمانهم. وقيل: المراد بهم عالمو زمانهم اهـ أبو السعود. ولا حاجة لهذا التخصيص، لأن فلق البحر وتظليل الغمام وأمثالهما لم يوجد في غيرهم اهـ كرخي، حتى في هذه الأمة اهـ.\rقوله: (من المن والسلوى) فيه أن نزولهما كان في التيه، وهذا التذكير من موسى كان قبل التيه كما هو صريح سوق الآية فليتأمل اهـ شيخنا.\rقوله: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الخ لما ذكرهم بنعمة اللّه عليهم أمرهم بالخروج إلى الجهاد","part":2,"page":202},{"id":742,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 203\rالْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ المطهرة الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أمركم بدخولها وهي الشام وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ تنهزموا خوف العدو فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) في سعيكم\rقالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ من بقايا عاد طوالا ذوي قوة وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) لها\rقالَ لهم رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ مخالفة أمر اللّه وهما يوشع وكالب من النقباء الذين بعثهم موسى في كشف أحوال الجبابرة أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالعصمة فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عدوهم فقال: ادخلوا الأرض المقدسة يعني المطهرة سميت مقدسة لأنها طهرت من الشرك، وصارت مسكنا للأنبياء والمؤمنين، وقيل: المقدسة المباركة. قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السّلام جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك، والأرض هي الطور وما حوله.\rوقيل: أريحاء فلسطين وبعض الأردن، وقيل: دمشق. وقيل: هي الشام كلها اهـ خازن.\rقوله: (أمركم بدخولها) بهذا اندفع سؤال أورده الخازن صورته: كيف قال التي كتب اللّه لكم وقال فإنها محرمة عليهم، وكيف الجمع بينهما؟ اهـ.\rوأجاب عنه بأجوبة عديدة. ومحصل ما أشار إليه الشارح أن المراد بكتبها لهم أمرهم بدخولها، وهذا لا ينافي تحريمها عليهم مدة لمخالفتهم اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (أمركم بدخولها) أي أو كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم إن آمنتم وأطعتم فلا ينافيه قوله فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، لأن الوعد مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط اهـ.\rقوله: وَلا تَرْتَدُّوا أي ترجعوا إلى مصر، فإنهم لما سمعوا بأخبار الجبارين بكوا وقالوا: يا ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل لنا رئيسا ينصرف بنا إلى مصر اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلى أَدْبارِكُمْ حال من فاعل ترتدوا أي لا ترتدوا منقلبين، ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل قبله.\rقوله: فَتَنْقَلِبُوا فيه وجهان، أظهرهما: أنه مجزوم عطفا على فعل النهي، والثاني: أنه منصوب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي وخاسِرِينَ حال. وقرأ ابن محيصن هنا وفي جميع القرآن: يا قوم، مضموم الميم. ويروي قراءة عن ابن كثير، ووجهها أنه لغة في المضاف لياء المتكلم كقراءة قل رب احكم بالحق، وقرأ ابن السميفع: يا قومي ادخلوا بفتح الباء. قوله: فَإِنَّا داخِلُونَ أي فإنا داخلون الأرض حذف المفعول للدلالة عليه اهـ سمين.\rقوله: قالَ رَجُلانِ وصفهما بصفتين، الأولى: قوله من الذين يخافون. الثانية: قوله وأنعم اللّه عليهما. قوله: (و هما يوشع) أي ابن نون، وهو الذي نبىء بعد موسى، وقوله: (و كالب) أي ابن يوقنا وهو بفتح اللام وكسرها اهـ.\rقوله: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا في هذه الجملة خمسة أوجه، أظهرها: أنها صفة ثانية فمحلها الرفع، وجيء هنا بأفصح الاستعمالين من كونه قدم الوصف بالجار على الوصف بالجملة لقربه من المفرد.","part":2,"page":203},{"id":743,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 204\rعن موسى بخلاف بقية النقباء فأفشوه فجبنوا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ باب القرية ولا تخشوهم فإنهم أجساد بلا قلوب فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ قالا ذلك تيقنا بنصر اللّه وإنجاز وعده وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)\rقالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ الثاني: أنها معترضة وهو أيضا ظاهر. الثالث: أنها حال من الضمير في يخافون قاله مكي. الرابع: أنها حال من رجلان، وجاءت الحال من النكرة لتخصصها بالوصف. الخامس: أنها حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وهو من الذين لوقوعه صفة لموصوف، وإذا جعلتها حالا فلا بد من إضمار قد مع الماضي على خلاف سلف في المسألة اهـ سمين.\rقوله: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي باغتوهم وامنعوهم من الخروج إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا بخلاف ما إذا دخلتم عليهم القرية بغتة فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر اهـ شيخنا.\rقوله: (بلا قلوب) أي قوية. قوله: (قالا ذلك) أي قولهما فإنكم غالبون. وقوله: (تيقنا) أي لأنهما كانا جازمين بصدق موسى وبنصر اللّه وإنجاز وعده لما عهداه من صنع اللّه بموسى صلّى اللّه عليه وسلّم في قهر أعدائه اهـ كرخي.\rقوله: (و إنجاز وعده) أي المذكور في قوله: وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ. قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها غير مؤثرة اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي باللّه وبصحة نبوة موسى اهـ كرخي.\rقوله: ما دامُوا فِيها ما مصدرية ظرفية، وداموا هي دام الناقصة وخبرها الجار بعدها، وهذا الظرف بدل من أبدا، وهو بدل بعض من كل لأن الأبد يعم الزمن المستقبل كله، ودوام الجبارين فيها بعضه. وظاهر عبارة الزمخشري يحتمل أن يكون بدل كل من كل أو عطف بيان، والعطف قد يقع بين النكرتين على خلاف فيه تقدم اهـ سمين.\rقوله: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ إنما قالوا هذه المقالة لأن مذهب اليهود التجسيم، فكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على اللّه، وقال بعضهم: إن قالوا هذا على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهم كفار، وإن قالوه على وجه الخلاف لأمر اللّه فهم فسقة، وقال بعضهم: إنما أرادوا بقولهم أنت وربك أخاه هرون، لأنه كان أكبر من موسى، والأصح أنهم إنما قالوا ذلك جهلا منهم باللّه تعالى وبصفاته، ومنه قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: 91] اهـ خازن.\rقوله: وَرَبُّكَ فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مرفوع عطفا على العامل المستتر في اذهب، وجاز ذلك للتأكيد بالضمير على حد قوله:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطف فافصل بالضمير المنفصل\r\rالثاني: أنه مرفوع بفعل محذوف أي وليذهب ربك، ويكون من عطف الجمل، وقد تقدم لي نقل هذا القول والرد عليه ومخالفته لنص سيبويه عند قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:\r35]. الثالث: أنه مبتدأ والخبر محذوف والواو للحال. الرابع: أن الواو للعطف وما بعدها مبتدأ","part":2,"page":204},{"id":744,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 205\rفَقاتِلا هم إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) عن القتال\rقالَ موسى حينئذ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَإلا أَخِي ولا أملك غيرهما فأجبرهم على الطاعة فَافْرُقْ فافصل بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25)\rقالَ تعالى له فَإِنَّها أي الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أن يدخلوها أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ يتحيرون فِي الْأَرْضِ وهي تسعة فراسخ قاله ابن عباس فَلا تَأْسَ محذوف الخبر أيضا، ولا محل لهذه الجملة من الإعراب لكونها دعاء، والتقدير وربك يعينك اهـ سمين.\rقوله: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر اهـ أبو السعود.\rوهنا وحده هو الظرف المكاني الذي لا يتصرف إلا بجره بمن أو إلى وها قبله للتنبيه كسائر أسماء الإشارات، وعامله قاعدون اهـ سمين.\rقوله: وَأَخِي أي لأنه كان يطيعه، وكان أكبر من موسى بسنة، وإنما قال هذا وإن كان معه في طاعته يوشع بن كالب لأنه لم يثق بحالهما، وجوز أن يكونا منقلبين مع بني إسرائيل اهـ خازن.\rوأخي فيه ستة أوجه، أظهرها: أنه منصوب عطفا على نفسي، والمعنى ولا أملك إلا أخي مع ملكي لنفسي يدنو غيرهما. الثاني: أنه منصوب عطفا على اسم إن وخبره محذوف للدلالة اللفظية عليه. أي وإن أخي لا يملك إلا نفسه. الثالث: أنه مرفوع عطفا على محل اسم إن لأنه بعد استكمال الخبر على خلاف في ذلك وإن كان بعضهم قد ادعى الإجماع على جوازه. الرابع: أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف للدلالة المتقدمة، ويكون قد عطف جملة غير مؤكدة على جملة مؤكدة بأن. الخامس:\rأنه مرفوع عطفا على الضمير المستكن في أملك، والتقدير ولا يملك أخي إلا نفسه، وجاز ذلك للفصل بقوله: إلا نفسي، وقال بهذا الزمخشري، ومكي، وابن عطية، وأبو البقاء. السادس: أنه مجرور عطفا على الياء في نفسي أي إلا نفسي ونفس أخي، وهو ضعيف على قواعد البصريين للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد تقدم ما فيه اهـ سمين.\rقوله: (فأجبرهم) أي الغير ففيه مراعاة معنى غير. قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا الخ أي احكم لنا بما نستحقه واحكم عليهم بما يستحقونه، وقيل: بالتبعيد بيننا وبينهم اهـ أبو السعود.\rوقوله: (فافصل) نبه به على بيان المراد من فافرق هنا، لأنه ورد لمعان هنا، منها قوله تعالى:\rوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: 50] أي فقلنا لك اهـ كرخي.\rقوله: أَرْبَعِينَ سَنَةً ظرف لقوله يتيهون، فتكون التحريم على هذا غير مؤقت بهذه المدة أو هو ظرف لمحرمه، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة، والأول تفسير كثير من السلف، وأما الوجه الثاني فيدل عليه ما روي أن موسى عليه الصلاة والسّلام سار بعده بمن بقي منهم ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء اللّه ثم قبض اهـ كرخي.\rقوله: (و هي تسعة فراسخ) أي عرضا في ثلاثين فرسخا طولا اهـ خازن.","part":2,"page":205},{"id":745,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 206\rتحزن عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26) روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدؤوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين قيل وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذابا لأولئك وسأل قوله: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ وذلك أن موسى ندم على دعائه عليهم فقيل له: لا تندم ولا تحزن، فإنهم أحقاء بذلك لفسقهم اهـ أبو السعود.\rوالأسى: الحزن. يقال: أسي بكسر العين أسى بفتحها ولام الكلمة يحتمل أن تكون من واو، وهو الظاهر لقولهم رجل أسوان بزنة سكران، أي كثير الحزن، وقالوا في تثنيته أسوان، ويحتمل أن تكون من ياء، فقد حكي رجل أسيان أي كثير الحزن فتثنيته على هذا أسيان اهـ سمين.\rوفي المصباح: أسي أسى من باب تعب حزن فهو أسى مثل حزين، وأسوت بين القوم أصلحت، وآسيته بنفسي بالمد سويته، ويجوز إبدال الهمزة واوا في لغة اليمن فيقال واسيته اهـ.\rوفي المختار: وأسا على مصيبته من باب عدا أي حزن، وقد أسي: أي حزن له اهـ.\rقوله: (قيل وكانوا ستمائة ألف الخ) فإن قلت: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا المقدار الصغير من الأرض أربعين سنة بحيث لم يخرج منه أحد؟ قلت: هذا من باب خرق العادة وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد اهـ خازن.\rقوله: (و مات هارون وموسى في التيه) ومات موسى بعد هارون بسنة اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: وقال الحسن وغيره ان موسى لم يمت في التيه، وإنه فتح أريحاء. وكان يوشع على مقدمته، فقاتل الجبارين من الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء اللّه أن يقيم، ثم قبضه اللّه تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق، وهو أصح الأقاويل اهـ.\rوعبارة الخطيب: واختلفوا هل مات موسى وهارون في التيه أو لا؟ فقال البيضاوي: الأكثرون أنهما كانا معهم في التيه وأنهما ماتا فيه مات هارون قبل موسى وموسى بعده بسنة. قال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موسى، وكانا خرجا إلى بعض الكهوف، فمات هارون فدفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا: قتله لحبنا إياه، وكان محببا في بني إسرائيل، فتضرع موسى إلى ربه فأوحى اللّه تعالى إليه أن انطلق بهم إلى هارون فإني باعثه فانطلق بهم إلى قبره فناداه: يا هارون فقام من قبره ينفض رأسه قال: أنا قتلتك؟ قال: لا ولكني مت. قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا. وعاش موسى صلّى اللّه عليه وسلّم بعده سنة.\rوروي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فقال ملك الموت: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد اللّه تعالى عينه. وقال له: ارجع إلى عبدي فقل له الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت من شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تموت فالآن من قريب. قال: رب أدنني من الأرض المقدسة رمية","part":2,"page":206},{"id":746,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 207\rموسى ربّه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه كما في الحديث ونبىء حجر». قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطور عند الكثيب الأحمر». قال وهب: خرج موسى ليقضي حاجة فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة اللّه لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبد لمن اللّه بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعا. فقالت الملائكة: يا صفي اللّه تحب أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك. قال: فنزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل نفس، فقبض اللّه تعالى روحه، ثم سوت عليه الملائكة.\rوقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض اللّه روحه، وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى عليه السّلام، وانقضت الأربعون سنة بعث اللّه تعالى يوشع عليه السّلام نبيا فأخبرهم أن اللّه تعالى قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدقوه وبايعوه، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق، وأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر وفتحوها في الشهر السابع ودخلوها فقاتلوا الجبارين وهزموهم، وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها، وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس تغرب، وتدخل ليلة السبت، فقال: اللهم اردد الشمس عليّ، وقال للشمس: إنك في طاعة اللّه وأنا في طاعة اللّه، فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء اللّه قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين.\rوروى أحمد في مسنده حديثا إن الشمس لم تحبس على بشر إلا يوشع ليالي سار إلى بيت المقدس، ثم تتبع ملوك الشأم فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشأم كلها لبني إسرائيل، وفرق عماله في نواحيها وجمع الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى اللّه تعالى إلى يوشع إن فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه، فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر، وكان قد غله فجعله في القربان، وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان، ثم مات يوشع ودفن في جبل إبراهيم، وكان عمره مائة وستة وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعا وعشرين سنة. فسبحان الباقي بعد فناء خلقه اهـ بحروفه.\rقوله: (و كان رحمة لهما الخ) عبارة الخازن: وكان ذلك التيه عقوبة لبني إسرائيل ما خلا موسى وهارون ويوشع وكالب، وإن اللّه تعالى سهله عليهم وأعانهم عليه، كما سهل على إبراهيم النار وجعلها بردا وسلاما، انتهت.\rقوله: (و عذابا لأولئك) أي لا من كل الوجوه، فإنهم شكوا إلى موسى حالهم من الجوع والعري وغيرهما، فدعا اللّه تعالى فأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم من الكسوة ما يكفيهم، فكان أحدهم يعطى كسوته على مقداره وهيئته. وأتى موسى بحجر من جبل الطور، فكان يضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينا، وأرسل عليهم الغمام يظلهم اهـ خازن. ويطلع لهم بالليل عمود من نور يضيء لهم، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ويتسع بقدره اهـ أبو السعود.\rقوله: (أن يدنيه) أي يقربه من الأرض المقدسة أي أن يدفن بقربها لكونها مطهرة مباركة، وينبغي","part":2,"page":207},{"id":747,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 208\rيوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم وروى أحمد في مسنده حديث إن الشمس لم تحبس على بشر لا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس\r* وَاتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ على قومك نَبَأَ تحري الدفن في الأرض المباركة بقرب نبي أو ولي وإنما يسأل الدفن فيها خوفا من أن يعرف قبره فيفتتن به الناس اهـ خازن.\rقوله: (رمية بحجر) أي قدر رمية بحجر. قوله: (و نبىء يوشع) هو أحد الرجلين المتقدمين، وقوله: (بعد الأربعين) أي مدة التيه اهـ.\rوعبارة الخطيب: فلما مات موسى عليه السّلام وانقضت الأربعون سنة بعث اللّه يوشع عليه السّلام نبيا، فأخبرهم أن اللّه تعالى قد أمرهم بقتال الجبارين فصدقوه وبايعوه الخ. قوله: (بمن بقي) وهم أولادهم الذين لم يبلغوا عشرين سنة على ما تقدم من أنهم انقرضوا كلهم اهـ شيخنا.\rقوله: (لم تحبس على بشر) أي قبل يوشع وإلا فهي حبست بعد لنبينا مرتين، بل ولبعض الأولياء اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال القاضي: وقد روي أن نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم حبست له الشمس مرتين إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردّها اللّه عليه حتى صلى العصر. روى ذلك الطحاوي، وقال: رواته ثقات. والثانية صبيحة ليلة الإسراء حين انتظر العير حيث أخبر بقدومها عند غروب الشمس اهـ.\rقوله: (ليالي سار الخ) ظاهره أنها حبست مرارا ليوشع مع أن المشهور أنها حبست له مرة واحدة في ليالي السير، فليالي السير ظرف لحبسها، وهذا لا يقتضي حبسها أكثر من مرة اهـ شيخنا.\rقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ معطوف على الفعل المقدر في قوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الخ يعني:\rاذكر يا محمد لقومك وأخبرهم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل في قول جمهور المفسرين. ونقل عن الحسن والضحاك أن ابني آدم اللذين قربا ما كانا ابني آدم لصلبه، وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل، ويدل عليه قوله تعالى في آخر القصة: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ [المائدة: 32] الآية. والصحيح: ما ذهب إليه جمهور المفسرين لأن اللّه تعالى قال في آخر القصة فبعث اللّه غرابا يبحث في الأرض لأن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلّم من فعل الغراب.\r(ذكر قصة القربان وسببه وقصة قتل قابيل وهابيل)\rذكر أهل العلم بالأخبار والسير أن حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاما وجارية إلا شيئا فإنها وضعته مفردا عوضا عن هابيل واسمه هبة اللّه، لأن جبريل عليه السّلام قال لحواء لما ولدته هذا هبة اللّه لك بدلا عن هابيل، وكان آدم يوم ولد شيث ابن مائة سنة وثلاثين سنة، وجملة أولاد آدم تسعة وثلاثون في عشرين بطنا. عشرون من الذكور وتسعة عشر من الإناث. أولهم قابيل وتوأمته أقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث، ثم بارك اللّه في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد","part":2,"page":208},{"id":748,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 209\rخبر ابْنَيْ آدَمَ هابيل وقابيل بِالْحَقِ متعلق باتل إِذْ قَرَّبا قُرْباناً إلى اللّه وهو كبش لهابيل ولده أربعين ألفا. واختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم: غشي آدم حواء بعد مهبطها إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن، ثم هابيل وتوأمته لبودا في بطن. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت بقابيل وأخته فلم تجد عليهما وحما ولا صبا ولا طلقا ولم تدر دما وقت الولادة، فلما هبطا إلى الأرض تغشاها، فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم، وكان إذا كبر أولادهما زوج غلام هذه البطن جارية البطن الأخرى، وكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء غير توأمته التي ولدت معه، لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فلما كبر قابيل وأخوه هابيل، وكان بينهما سنتان، فلما بلغوا أمر اللّه آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل، ويزوج هابيل اقليما أخت قابيل، وكانت أقليما أحسن من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي وأنا أحق بها، ونحن من أولاد الجنة، وهما من أولاد الأرض، فقال له أبوه آدم: إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن اللّه لم يأمرك بهذا، وإنما هو من رأيك، فقال لهما آدم: قربا للّه قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها، وإن لم تكن مقبولة لم تنزل النار بل تأكلها الطيور والسباع، فخرجا من عند آدم ليقربا القربان، وكان قابيل صاحب زرع فقرّب صبرة من قمح رديء، وقيل: قرب حزمة من سنبل القمح، واختارها من أردا زرعه، ثم أنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها وأضمر في نفسه لا أبالي أتقبل أم لا لا يتزوج أحد أختي غيري. وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه، وقيل: قرب حملا سمينا وأضمر في بنفسه رضا اللّه، فوضعا قربانيهما على جبل، ثم دعاء آدم فنزلت النار من السماء، فأكلت قربان هابيل، وقيل: بل رفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السّلام قاله سعيد ابن جبير وغيره اهـ خازن مع بعض زيادات من القرطيس.\rقوله: (متعلق بأتل) يعني أنه صفة لمصدره المحذوف أي اتل تلاوة ملتبسة بالحق والصدق حسما تقرر مع بعض الأولين اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله بالحق فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه حال من فاعل اتل أي اتل ذلك حال كونك ملتبسا بالحق أي بالصدق، الثاني: أنه حال من المفعول وهو نبأ أي اتل نبأهما ملتبسا بالحق والصدق موافقا لما في كتب الأولين لتقوم عليهم الحجة برسالتك، الثالث: أنه صفة لمصدر اتل أي اتل ذلك تلاوة ملتبسة بالحق والصدق، كان هذا هو اختيار الزمخشري لأنه بدأ به، وعلى كل من الأوجه الثلاثة فالباء للمصاحبة وهي متعلقة بمحذوف اهـ.\rقوله: إِذْ قَرَّبا أي قرب كل منهما. إذ ظرف للنبأ. أي اتل قصتهما وخبرهما الواقع في ذلك الوقت اهـ أبو السعود.\rوالقربان فيه احتمالان لأن أحدهما وبه قال الزمخشري أنه اسم لما يتقرب به إلى اللّه عز وجل من صدقة أو ذبيحة أو نسك أو غير ذلك، يقال: قرب صدقه وتقرب بها، لأن تقرب مضارع قرب.\rوالاحتمال الثاني: أن يكون مصدرا في الأصل، ثم أطلق على الشيء المتقرب به، كقولهم نسج اليمن الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 14","part":2,"page":209},{"id":749,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 210\rوزرع لقابيل فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم قالَ له لَأَقْتُلَنَّكَ قال لم قال لتقبل قربانك دوني قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)\rلَئِنْ لام قسم بَسَطْتَ مددت إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) في قتلك\rإِنِّي أُرِيدُ أَنْ وضرب الأمير، ويؤيد ذلك أنه لم يثن والموضع موضع تثنية لأن كلا من قابيل وهابيل له قربان يخصه، والأصل إذ قربا قربانين، إنما لم يثن لأنه مصدر في الأصل، وللقائل بأنه اسم لما يتقرب به لا مصدر أن يقول إنما لم يثن، لأن المعنى كما قاله أبو علي الفارسي: إذ قرب كل واحد منهما قربانا، كقوله:\rفَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: 4] أي كل واحد منهم ثمانين جلدة اهـ سمين.\rقوله: (أضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم) عبارة الخازن. فأضمر لأخيه الحسد إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت وغاب عنهم، فأتى قابيل هابيل وهو في غنمه، وقال له: لأقتلنك. فقال هابيل:\rولم تقتلني؟ قال قابيل: لأن اللّه تقبل قربانك وردّ قرباني، وتريد أن تنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس بأنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي، فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل اللّه من المتقين يعني أن حصول التقوى شرط في قبول القربان، فلذلك كان أحد القربانين مقبولا دون الآخر، لأن التقوى من أعمال القلوب، وكان قد أضمر في قلبه الحسد لأخيه على تقبل قربانه وتوعده بالقتل، وقال: إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، وإنما يتقبل اللّه من المتقين فأجابه بجوابين مختصرين، انتهت.\rقوله: ما أَنَا بِباسِطٍ الخ يحتمل أن ذلك منه لعدم جواز دفع الصائل إذ ذاك كما يؤخذ من قوله بعد: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: أنه كان في شرع آدم يجب على المظلوم الاستسلام ويحرم عليه الدفع عن نفسه اهـ.\rوفي شرعنا في مذهب الشافعي ليس للمظلوم الاستسلام إلا إذا كان ظالمه مسلما محقون الدم، فإن كان كافرا أو مهدرا وجب عليه الدفع عن نفسه اهـ.\rوهذه الجملة جواب القسم المحذوف، وهذا على القاعدة المقررة من أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب سابقهما إلا في صورة تقدم التنبيه عليهما اهـ سمين.\rقوله: إِنِّي أُرِيدُ تعليل ثان، وإنما لم يعطف على التعليل قبله تنبيها على كفاية كل منهما في الغلبة اهـ أبو السعود.\rفإن قلت: إرادة المعصية من الغير لا تجوز، فكيف يريدها هابيل؟ وأجيب: بأن المراد أن هذه الإرادة منه بفرض أن يكون قاتلا له. وقال الزمخشري: ليس ذلك بحقيقة الإرادة لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة طلب الثواب، فكأنه صار مريدا لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة اهـ خازن.\rوفي السمين: قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فيه ثلاث تأويلات، أحدها: أنه على","part":2,"page":210},{"id":750,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 211\rتَبُوءَ ترجع بِإِثْمِي بإثم قتلي وَإِثْمِكَ الذي ارتكبته من قبل فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك فأكون منهم قال تعالى وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29)\rفَطَوَّعَتْ زينت لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ فصار مِنَ الْخاسِرِينَ (30) بقتله ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم فحمله على ظهره\rفَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ينبش حذف همزة الاستفهام أي إني أريد وهو استفهام إنكاري لأن إرادة المعصية قبيحة. ويؤيد هذا التأويل قراءة من قرأ إني أريد بفتح النون وهي أني التي بمعنى كيف أي كيف أريد ذلك. والثاني: أن لا محذوفة تقريره اني أريد ألّا تبوء بإثمي كقوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15] أي أن لا تضلوا وأن لا تميد، وهو مستفيض. وهذا أيضا فرار من أثبات الإرادة له.\rوالثالث: أن الإرادة على حالها وهي إما إرادة مجازية أو حقيقية على حسب اختلاف أهل التفسير في ذلك، وجازت إرادة ذلك به لمعان ذكروها من جملتها أنه ظهرت له قرائن تدل على قرب أجله، وأن أخاه كافر، وإرادة العقوبة بالكافر حسنة، وقوله: بإثمي في محل نصب على الحال من فاعل تبوء أي ترجع حاملا وملابسا له اهـ.\rقوله: (الذي ارتكبه من قبل) كالحسد ومخالفة أمر أبيه، وعبارة الكرخي: من قبل أي الذي كان مانعا من تقبل قربانك وهو توعدك بقتلي اهـ.\rقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ يعني زينت له وسهلت عليه القتل، وذلك أن الإنسان إذا تصور ان قتل النفس من أكبر الكبائر صار ذلك صارفا له عن القتل فلا يقدم عليه، فإذا سهلت عليه نفسه هذا الفعل فعله بغير كلفة اهـ خازن.\rقوله: فَقَتَلَهُ قال ابن جريج: لما قصد قابيل هابيل لم يدر كيف يقتله، فتمثل له إبليس وقد أخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر آخر وقابيل ينظر، فعلمه القتل، فوضع قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم صابر، وقيل: بل اغتاله وهو نائم فقتله. واختلف في موضع قتله، فقال ابن عباس: على جبل نود، وقيل: على عقبة حراء، وقيل: بالبصرة عند مسجدها الأعظم، وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة. وقال أصحاب الأخبار لما قتل قابيل هابيل تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض، فقصدته السباع لتأكله فحمله قابيل على ظهره في جراب أربعين يوما، وقال ابن عباس سنة حتى أروح وأنتن، فأراد اللّه أي يري قابيل سنة في موتى بني آدم في الدفن، فبعث اللّه غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه حفيرة ثم ألقاه فيها وواراه بالتراب، وقابيل ينظر فذلك قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ يعني يحفرها ويثير ترابها ليريه كيف يواري سوأة أخيه. يعني ليري اللّه أو ليري الغراب قابيل كيف يواري ويستر جيفة أخيه، فلما رأى قابيل من فعل الغراب قال: يا ويلتا أي لزمه الويل وحضره وهي كلمة تحسر وتلهف، وتستعمل عند وقوع الداهية، وذلك أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، فلما علم ذلك من فعل الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه، وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وعدم معرفته، فعدّ ذلك تلهفا وتحسرا على ما فعل، فقال: يا ويلتا وفيه اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب. قال","part":2,"page":211},{"id":751,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 212\rالمطلب بن عبد اللّه: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض ممن عليها سبعة أيام، وشربت الأرض دم المقتول كما تشرب الماء، فناداه اللّه تعالى: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ فقال: ما أدري ما كنت عليه رقيبا. فقال اللّه تعالى: إن دم أخيك ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ فقال: فأين دمه إن كنت قتلته فحرّم اللّه على الأرض من يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا.\rويروى أن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل كان آدم بمكة فاشتاك الشجر أي ظهر له شوك، وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، واغبرت الأرض، فقال آدم: قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند، فوجد قابيل قد قتل أخاه هابيل، وقيل: لما رجع آدم سأل قابيل عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلا. فقال: بل قتلته، ولذلك اسودّ جلدك، وقيل: إن آدم مكث بعد قتل هابيل مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر فقال:\rتغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح\r\rتغير كل ذي طعم ولون ... وقلّ بشاشة الوجه المليح\r\rويروى عن ابن عباس أنه قال: من قال إن آدم قال شعرا فقد كذب، وإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم والأنبياء كلهم في النهي سواء، ولكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني أنت وصيي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه، فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، وهو أول من خط العربية، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعرا وزاد فيه أبياتا منها:\rومالي لا أجود بسكب دمعي ... وهابيل تضمنه الضريح\r\rأرى طول الحياة علي غمّا ... فهل أنا من حياتي مستريح\rقال الزمخشري: ويروى أنه رثاه بشعر وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء عليهم السّلام معصومون من الشعر. قال الإمام فخر الدين الرازي: ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال: فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق إلا بالحمقى من المتعلمين، فكيف ينسب إلى من جعل اللّه علمه حجة على الملائكة. قال أصحاب الأخبار: فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيثا وتفسيره هبة اللّه، يعني أنه خلف من هابيل وعلمه اللّه تعالى ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وصار وصي آدم وولي عهده. وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا بألا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس قال له: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت النار فهو أول من عبد النار، وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه بالحجارة، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابنه فقال ابن الأعمى لأبيه: هذا أبوك قابيل، فرماه بحجارة فقتله، فقال ابن الأعمى لأبيه: قتلت أباك قابيل فرفع الأعمى يده ولطم ابنه فمات، فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي، وقتلت ابني بلطمتي، فلما مات قابيل علقت إحدى رجليه بفخذه وعلق بها، فهو معلق بها إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيث دارت","part":2,"page":212},{"id":752,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 213\rفي التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت معه حتى واراه لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي يستر سَوْأَةَ جيفة أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ عن أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) على حمله وحفر له وواراه\rمِنْ أَجْلِ ذلِكَ الذي فعله قابيل كَتَبْنا عَلى بَنِي عليه حظيرة من نار في الصيف، وحظيرة من ثلج في الشتاء، فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة، قالوا:\rواتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من الطبول والزمور والعيدان والطنابير، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والفواحش، حتى أغرقهم اللّه تعالى جميعا بالطوفان في زمن نوح عليه السّلام، فلم يبق من ذرية قابيل أحد وللّه الحمد، وأبقي اللّه ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة اهـ خازن.\rقوله: (ينبش في التراب) في المصباح نبشه نبشا من باب قتل استخرجه من الأرض، ونبشت الأرض نبشا كشفتها، ومنه نبش الرجل القبر والفاعل نباش للمبالغة، ونبشت السر أفشيته اهـ.\rقوله: (و يثيره على غراب) أي بعد أن نبش الحفيرة ووضعه فيها اهـ.\rقوله: (ليريه) إما متعلق ببعث فالضمير المستتر في الفعل للّه أو يبحث فهو للغراب، ويرى من أرى التي بمعنى عرف المتعدية لمفعول فتتعدى بالهمزة لاثنين الأول الضمير البارز، والثاني جملة كيف الخ. وكيف في محل نصب على الحال معمول ليواري اهـ شيخنا.\rوفي السمين، قوله: لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي هذه اللام يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنها متعلقة ببحث أي ينبش ويثير التراب للإرادة. الثاني: أنها متعلقة ببعث وكيف معمول ليواري، وجملة الاستفهام معلقة للرؤية البصرية، فهي في محل المفعول الثاني سادة مسده، لأن رأى البصرية قبل تعديتها بالهمزة متعدية لواحد، فاكتسبت بالهمزة آخر، وتقدم نظيرتها في قوله: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: 260] اهـ.\rقوله: (جيفة) أَخِيهِ يشير بهذا إلى أن المراد بسوأة أخيه جسده، فإنه مما يستقبح بعد موته، وخصت السوأة بالذكر للاهتمام بها، ولأن سترها آكد اهـ كرخي.\rقوله: يا وَيْلَتى هي كلمة جزع وتحسر والألف بدل من ياء المتكلم، والمعنى يا ويلتي احضري، فهذا أوانك، والويل والويلة الهلكة اهـ أبو السعود.\rقوله: يا وَيْلَتى أي يا هلاكي، تعال فهو اعتراف على نفسه باستحقاق العقاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، كأن الويل غير حاضر عنده، فناداه ليحضر أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا اهـ.\rقوله: أَعَجَزْتُ تعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنَ النَّادِمِينَ (على حمله) أو على عدم اهتدائه للدفن الذي تعلمه من الغراب، أو على فقد أخيه واسود جسده وتبرأ منه أبواه، فلا يقال هذا يقتضي أن قابيل كان تائبا. والندم توبة لخبر «الندم توبة» فلا يستحق النار لأن مجرد الندم ليس بتوبة، لأن التوبة إنما تتحقق بالإقلاع، وعزم أن لا يعود","part":2,"page":213},{"id":753,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 214\rوتدارك ما يمكن تداركه فلم يندم ندم التائبين اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يعني بسبب ذلك القتل الذي حصل كتبنا أي فرضنا، وأوجبنا على بني إسرائيل. فإن قلت من أجل ذلك: معناه من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل، وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل، وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل. قلت:\rقال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله، والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك يعني من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره.\rويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك، ويجعله من تمام الكلام الأول، فعلى هذا يزول الإشكال، لكن جمهور المفسرين، وأصحاب المعاني على أن قوله من أجل ذلك ابتداء كلام متعلق بكتبنا، فلا يوقف عليه، فعلى هذا قال بعضهم إن قوله من أجل ذلك، ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما ذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب هذا القتل الحرام، منها قوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ وفيه إشارة إلى أنه حصلت له خسارة في الدين والدنيا والآخرة، ومنها قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ وفيه إشارة إلى أنه في أنواع من الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دافع لذلك البتة. فقوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد المحرم شرعنا القصاص على القاتل. فإن قلت: فعلى هذا تكون مشروعية القصاص حكما ثابتا في جميع الأمم، فما الفائدة في التخصيص ببني إسرائيل؟ قلت: إن وجوب القصاص وإن كان عاما في جميع الأديان والملل، إلّا أنه تعالى حكم في هذه الآية بأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ولا يشك أن المقصود منه المبالغة في عقاب قاتل النفس عدوانا، وأن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل، وذلك يدل على قساوة قلوبهم وبعدهم عن اللّه عز وجل، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصة تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما أقدم عليه اليهود من الفتك بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبأصحابه، فتخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة مناسب للكلام وتوكيد للمقصود واللّه أعلم اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وخص بني إسرائيل بالذكر، وقد تقدم أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا، لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، فغلظ الامر على بني إسرائيل في الكتاب بسبب طغيانهم وسفكهم الدماء اهـ. وفي السيد على الكشاف: وخص بني إسرائيل مع أن الحكم عام لكثرة القتل فيهم، حتى أنهم تجرؤوا على قتل الأنبياء اهـ.\rوالأجل في الأصل مصدر أجل شرا إذا جناه استعمل في كل تعليل الجنايات كما في قولهم من جراك فعلته أي من ان جررته أي جنيته، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل، وقرئ من أجل بكسر الهمزة وهي لغة فيه. وقرئ من اجل بحذف الهمزة والقاء فتحتها على النون ومن لابتداء الغاية متعلقة بقوله: كتبنا على بني إسرائيل وتقديمها عليه للقصر. أي من ذلك ابتداء الكتب، ومنه نشأ لا من شيء آخر اهـ أبو السعود.","part":2,"page":214},{"id":754,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 215\rإِسْرائِيلَ أَنَّهُ أي الشأن مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ قتلها أَوْ بغير فَسادٍ أتاه فِي الْأَرْضِ من كفر أو زنا أو قطع طريق أو نحوه فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها بأن امتنع من قتلها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قال ابن عباس من حيث انتهاك حرمتها وصونها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ أي بني إسرائيل رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ المعجزات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك ونزل في العرنيين لما قدموا المدينة قوله: (قتلها) يشير بهذا إلى تقدير مضاف صرح به غيره. وفي البيضاوي بغير قتل نفس يوجب القصاص اهـ.\rوفي السمين: قوله: (بغير نفس) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالفعل قبله. والثاني: أنه في محل حال من ضمير الفاعل في قتل أي قتلها ظلما. ذكره أبو البقاء اهـ.\rقوله: أَوْ (بغير) فَسادٍ أشار به إلى ما عليه الجمهور من أن أو فساد مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافة غير إليها، وقرأ الحسن بنصبه بإضمار فعل أي عمل فساد اهـ كرخي.\rقوله: (أو نحوه) أي المذكور من الأمور الثلاثة. قوله: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ما في فكأنما في الموضعين كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها، وجميعا حال من الناس أو تأكيد، ومناط التشبيه اشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والتجرىء على اللّه تعالى، وتجسير الناس على القتل، وفي استتباع القود واستجلاب غضب اللّه تعالى وعذابه العظيم، ومن أحياها أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد في الأرض، إما ينهى قاتلها عن قتلها أو باستنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه، فكأنما أحيا الناس جميعا. وجه التشبيه ظاهر، والمقصود تهويل امر القتل وتفخيم شأن الإحياء بتصوير كل منهما بصورة لائقة به في إيجاب الرهبة من التعرض لها، والرغبة في المحاماة عليها، ولذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبىء عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقرير ما بعده في الذهب، فإن الضمير لا يفهم منه الأول إلا شأن مبهم له خطر، فبقي الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده فضل تمكن كأنه قيل: إن الشأن الخطر هذا اهـ أبو السعود.\rقوله: (من حيث انتهاك حرمتها) أي حرمة النفس المقتولة. يعني أن من انتهك حرمة نفس كمن انتهك حرمة النفوس في التحري، وهدم بناء اللّه. والتشبيه من هذه الحيثية لا ينافي أن المشبه به أعظم جرما، وقوله: (و صونها) يعني أن من صان نفسا بأن امتنع من قتلها كمن صان جميع النفوس في مراعاة حق اللّه وحفظ حدوده وبنائه الذي لا يقدر عليه إلا هو، فالكلام من قبيل اللف والنشر المرتب اهـ شيخنا.\rقوله: لَمُسْرِفُونَ خبر إن واللام لام الابتداء زحلقت للخبر، وكل من قوله: بعد ذلك وقوله:\rفي الأرض متعلق بمفسرون، وكون اللام لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها محله إذا كانت في محلها، فإن زحلقت إلى الخبر عمل ما بعدها فيما قبلها اهـ شيخنا.\rقوله: (و نزل في العرنيين) جمع عرني نسبة لعرينة قبيلة من العرب، كجهني نسبة لجهينة،","part":2,"page":215},{"id":755,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 216\rوهم مرضى فأذن لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واستاقوا الإبل\rإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بمحاربة المسلمين وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بقطع الطريق أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أو لترتيب الأحوال فالقتل وقوله: (فأذن لهم النبي) أي بعد أن أظهروا الإسلام نفاقا، وقوله: (و استاقوا الإبل) أي فبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في طلبهم فجيء بهم فأمر بهم فسمرت أعينهم وقطعت أيديهم وتركوا في الحرة يعضون الحجارة، ويستسقون فلا يسقون. وسمر الأعين معناه أنه أحمى مسامير الحديد وكحل بها أعينهم حتى ذهب ضوءها، وهذا وإن كان من قبيل المثلة المحرمة، لكنه فعله بهم إما قبل تحريمها أو لأنهم فعلوا بالراعي مثل هذا الفعل، وكانوا ثمانية، وكانت الإبل خمسة عشر، وكان الراعي مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، واسمه يسار النوبي وكانت السرية التي أرسلها في طلبهم عشرين فارسا أميرهم كرز بن جابر الفهري اهـ من المواهب.\rقوله: (أن يخرجوا إلى الإبل) أي إبل الصدقة اهـ خازن.\rقوله: يُحارِبُونَ اللَّهَ أي أولياء اللّه وأولياء رسوله وهم المسلمون، فالكلام على حذف مضاف كما أشار له المفسر بقوله: بمحاربة المسلمين اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي، قوله: (بمحاربة المسلمين) فيه إشارة إلى ذكر اللّه تمهيد لرسوله، فإن محاربة المسلمين في حكم محاربة الرسول، لأن ما ذكر من حكم قطاع الطريق شامل للقطاع على المسلمين، ولو بعد الرسول بأعصار، لأنهم يحاربونه حيث يحاربون من هو على طريقته وأهل شريعته اهـ.\rقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً هذا هو معنى محاربة المسلمين، وفي نصب فسادا ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله أي يحاربون ويسعون لأجل الفساد وشرط النصب موجود.\rوالثاني: أنه مصدر واقع موقع الحال أي ويسعون في الأرض مفسدين أو ذوي فساد أو جعلوا نفس الفساد مبالغة. والثالث: أنه منصوب على المصدر أي أنه نوع من العامل قبله لأن يسعون معناه في الحقيقة يفسدون فسادا اسم مصدر قائم مقام الإفساد. والتقدير يفسدون في الأرض بسعيهم فسادا، وفي الأرض الظاهر أنه متعلق بالفعل قبله، كقوله سعى في الأرض ليفسد فيها اهـ سمين.\rقوله: أَنْ يُقَتَّلُوا الخ التفعيل للكثير وهو هنا باعتبار المتعلق أي أن يقتلوا واحدا بعد واحد اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ خِلافٍ في محل نصب على الحال من أيديهم وأرجلهم أي تقطع مختلفة بمعنى أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، والنفي الطرد. والأرض المراد بها ههنا ما يريدون الإقامة فيها، أو يراد من أرضهم، فإن عوض من المضاف إليه عند من يراه اهـ سمين. وفي الكرخي: أو ينفوا من الأرض إلى مسافة قصر فما فوقها، لأن المقصود في النفي الوحشة والبعد عن الأهل والوطن، فإذا عين الإمام جهة للمنفي طلب غيرها ولا يتعين الحبس كما سيأتي اهـ.\rقوله: (أو لترتيب الأحوال) المراد بالترتيب هنا التقسيم والتنويع، أي تقسيم عقوبتهم تقسيما","part":2,"page":216},{"id":756,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 217\rلمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثا بعد القتل وقيل قبله قليلا ويلحق بالنفي ما أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره ذلِكَ الجزاء المذكور لَهُمْ خِزْيٌ ذل فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) هو عذاب النار\rإِلَّا الَّذِينَ تابُوا من المحاربين والقطاع مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما أتوا رَحِيمٌ (34) بهم موزعا على حالتهم وجناياتهم. قال ابن جريج: أو في جميع القرآن للتخيير إلا في هذه الآية. قال الشافعي رضي اللّه عنه: وبه أقول اهـ كرخي.\rقوله: (و أخذ المال) أي نصاب السرقة، وقوله: والقطع أي فقط لمن أخذ المال، وقوله: قاله ابن عباس أي قال هذا التفسير اهـ.\rقوله: (إن الصلب ثلاثا) أي لا أقل، قوله: بعد القتل أي قبله، فالأصح مسلط على المسألتين.\rوعبارة المنهاج في باب قاطع الطريق: فإن قتل وأخذ مالا قتل ثم صلب مكتفا معترضا على نحو خشبة ثلاثا من الأيام بلياليها وجوبا ثم ينزل إن لم يخف تغيره قبلها، وإلا أنزل وقت التغير، وقيل: يبقى وجوبا حتى يهترىء ويسيل صديده تغليظا عليه، وفي قوله: يصلب حيا قليلا، ثم ينزل فيقتل، والمراد بالقليل أدنى زمن ينزجر به غيره عرفا اهـ مع بعض زيادات للرملي. قوله: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ذلك إشارة إلى الجزاء المتقدم وهو مبتدأ، وفي قوله لهم في الدنيا خزي ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون لهم خبرا مقدما وخزي مبتدأ مؤخرا، وفي الدنيا صفة له فيتعلق بمحذوف. والثاني: أن يكون خزي خبرا لذلك، ولهم متعلق بمحذوف على أنه حال من خزي لأنه في الأصل صفة له، فلما قدم عليه انتصب حالا. والثالث: أن يكون لهم خبرا لذلك وخزي فاعل ورفع الجار هنا الفاعل لما اعتمد على المبتدأ اهـ سمين.\rقوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ الخ استحقاق الأمرين إنما هو للكافر، وأما المسلم فإنه إذا أقيم عليه الحد في الدنيا سقطت عنه عقوبة الآخرة. فالآية محمولة على الكافر أو أن فيها تقديرا في قوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ الخ أي إن لم تقم عليه الحدود المذكورة في الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الاستثناء من المحاربين.\rوالثاني: أنه مرفوع بالابتداء والخبر قوله: فالآية فإن اللّه غفور رحيم، والعائد محذوف أي غفور له ذكر هذا الثاني أبو البقاء، وحينئذ يكون استثناء منقطعا بمعنى لكن التائب يغفر له اهـ سمين.\rقوله: (و القطاع) تقدم أن القطاع هم المحاربون فالعطف للتفسير. قوله: (ليفيد أنه لا يسقط الخ) تحريره أنه إن كان مشركا سقطت عنه الحدود مطلقا، لأن توبته تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وما بعدها، وإن كان مسلما سقط عنه حق اللّه فقط، كما يفهمه قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فالقتل يسقط وجوبه جوازه قصاصا إذ هو باق لولي القتيل إن شاء عفا، وإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ المال، فيسقط عنه القطع، فإن جمع بين القتل وأخذ المال فيسقط تحتم القتل ويجب ضمان المال اهـ كرخي.","part":2,"page":217},{"id":757,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 218\rعبر بذلك دون فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود اللّه دون حقوق الآدميين كذا ظهر لي ولم أر من تعرض له واللّه أعلم فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع ولا يصلب وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قوليه أيضا\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه وَابْتَغُوا اطلبوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ما يقربكم إليه من طاعته قوله: (كذا ظهر لي) أي من حيث فهمه من الآية، فقوله: أو لم أر من تعرض له أي من المفسرين من حيث أخذه من الآية، وإن كان في نفسه ظاهرا، لكن قوله: (إلا حدود اللّه) كأن مراده بها خصوص المتعلقة بالحرابة لا مطلقا، وعبارة المنهج في شرحها: وتسقط عنه بتوبة قبل القدرة عليه لا بعدها عقوبة تخصه من قطع يد ورجل، وتحتم قتل وصلب لآية إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فلا يسقط عنه ولا عن غيره بها قود ولا مال، ولا باقي الحدود من حد زنا وسرقة وشرب وقذف، لأن العمومات الواردة فيها لم تفصل بين ما قبل التوبة وما بعدها بخلاف قاطع الطريق، ومحل عدم سقوط باقي الحدود بالتوبة في الظاهر، أما بينه وبين اللّه تعالى فتسقط، انتهت.\rقوله: (فإذا قتل وأخذ المال الخ) هذا تفريع على قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا الخ، فقوله: يقطع أي جوازا ولا وجوبا، فإذا عفا ولي القتل عنه سقط قتله، فالتوبة أفادته سقوط تحتم القتل وسقوط الصلب من أصله اخ شيخنا.\rوذكره للقطع مع القتل سبق قلم لما هو مقرر أنه إذا أخذ المال وقتل يندرج القطع في القتل، فليس عليه قطع حتي يقال إنه يسقط عنه بالتوبة، ولو قال: فلو أخذ المال من غير قتل، ثم تاب قبل القدرة عليه، فإنه يسقط عنه القطع. وفي الروضة: وإن كان قد أخذ المال فقط، ثم تاب سقط قطع الرجل، وكذا قطع اليد على المذهب اهـ.\rقوله: (و هو أصح قولي الشافعي) ومقابله أنه يصلب ولا يسقط الصلب بتوبته اهـ من شرح المحلي على المنهاج. قوله: (و لا تفيد توبته بعد القدرة عليه الخ) هذا مفهوم قوله من قبل أن تقدروا عليهم. قوله: (و هو أصح قوليه أيضا) ومقابله أنها تفيد كالتي قبل القدرة فتسقط عنه العقوبات التي تخصه ومنها الصلب اهـ من شرح المحلي على المنهاج. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما بين عظم شأن القتل بالفساد في الأرض، وأشار في أثناء ذلك إلى مغفرته لمن تاب أمير المؤمنين بأن يتقوه في كل ما يأتون وما يذرون اهـ أبو السعود.\rقوله: (بأن تطيعوه) أي بترك المعاصي. قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ في إليه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالفعل قبله. والثاني: أنه متعلق بنفس الوسيلة. قال أبو البقاء: لأنها معنى المتوسل به، فلذلك عملت فيها قبلها يعني أنها ليست بمصدر حتى يمتنع أن يتقدم معمولها عليها اهـ سمين.\rوفي المصباح: وسلت إلى اللّه بالعمل أسل من باب وعد رغبت وتقربت، ومنه اشتقاق الوسيلة وهي ما يتقرب به إلى الشيء، والجمع الوسائل والوسيل قيل جمع وسيلة، وقيل: لغة فيها وتوسل إلى ربه توسيلة تقرب إليه بعمل اهـ.","part":2,"page":218},{"id":758,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 219\rوَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لإعلاء دينه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) تفوزون\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ ثبت أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36)\rيُرِيدُونَ يتمنون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) دائم\rوَالسَّارِقُ قوله: (من طاعته) أي فعل المطلوبات. قوله: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لما كان في كل من ترك المعاصي المشتهاة للنفس، وفعل الطاعات المكروهة لها كلفة ومشقة عقب الأمر بهما بقوله:\rوَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي محاربة أعدائه البارزة والكامنة اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ كلام مستأنف لتأكيد وجوب الامتثال بالأوامر السابقة وترغيب للمؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه، وخبر إن الجملة الشرطية أي مجموع الشرط والجزاء اهـ أبو السعود.\rقوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ قد تقدم الكلام على أن الواقعة بعد لو، وأن فيها مذهبين، ولهم خبر لأن، وما في الأرض اسمها وجميعا توكيد له أو حال منه ومثله في نصبه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على اسم أن وهو ما الموصولة. والثاني: أنه منصوب على المعية وهو رأي الزمخشري، ومعه ظرف واقع موقع الحال واللام في ليفتدوا متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو لهم، وبه من عذاب متعلقان بالافتداء، والضمير في به عائد على ما الموصولة وجيىء بالضمير مفردا وأن تقدمه شيئان وهما ما في الأرض ومثله إما لتلازمها فهم في حكم شيء واحد، وإما لأنه حذف من الثاني لدلالة ما في الأول عليه كقوله: وإني وقيار بها الغريب، أي لو أن لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثله معه ليفتدوا به، وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور. وعذاب بمعنى تعذيب وبإضافته إلى يوم خرج يوم عن الظرفية، وما نافية وهي جواب لو وجاء على الأكثر من كون الجواب المنفي بغير لام، والجملة الامتناعية في محل رفع خبر إن اهـ سمين.\rقوله: ما فِي الْأَرْضِ أي من أصناف أموالها وذخائها وسائر منافعها قاطبة اهـ أبو السعود.\rقوله: لِيَفْتَدُوا بِهِ أي ليجعلوا كلا منهما فدية لأنفسهم اهـ كرخي.\rقوله: (يتمنون) أي بقلوبهم. قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الخ شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى، ولما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال صرح بالسارقة مع أن المعهود في الكتاب والسنّة ادراج النساء الأحكام الواردة في شأن الرجال، وقدم السارق هنا والزانية في آية الزانية والزاني، لأن الرجال إلى السرقة أميل والنساء إلى الزنا أميل اهـ شيخنا.\rوقرأ الجمهور والسارق والسارقة بالرفع وفيها وجهان: أحدهما: وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصريين أن السارق مبتدأ محذوف الخبر تقديرا فيما يتلى عليكم أو فيما فرض السارق والسارقة. أي حكم السارق، ويكون قوله: فَاقْطَعُوا بيانا لذلك الحكم المقدر فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبي، والكلام على هذا جملتان الأولى خبرية والثانية أمرية. والثاني: وهو مذهب الأخفش، ونقل عن المبرد وجماعة كثيرة أنه مبتدأ أيضا والخبر الجملة الأمرية من قوله: فاقطعوا، وإنا دخلت الفاء في الخبر بلأنه تشبه الشرط إذ","part":2,"page":219},{"id":759,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 220\rوَالسَّارِقَةُ أل فيهما موصولة مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أي يمين كل منهما من الكوع وبينت السنة أن الذي يقطع فيه ربع دينار فصاعدا وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وبعد ذلك يعزر جَزاءً نصب على المصدر بِما كَسَبا نَكالًا عقوبة لهما مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي، والصفة صلتها فهي في قولك: والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا، وأجاز الزمخشري الوجهين اهـ سمين. وهذا الثاني هو الذي ذكره المفسر.\rقوله: (و لشبهه بالشرط) أي في العموم، وقوله: (دخلت الفاء الخ) أي فهو في قوة قولك: من سرق فاقطعوه، وهذه الفاء تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها بالاتفاق فلا يكون الكلام من باب التفسير اهـ كرخي.\rقوله: (أي يمين كل منهما) هذا مستفاد من القراءة الشاذة وهي السارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم، وقوله: (من الكوع) مستفاد من السنّة اهـ شيخنا.\rقوله: (ربع دينار) أي عند الشافعي. قوله: (من مفصل القدم) بفتح الميم بوزن مسجد، وأما مفصل بكسر الميم بوزن منبر فهو اللسان اهـ شيخنا.\rقوله: (يعزر) أي بما يراه الإمام. قوله: (نصب على المصدر) أي والعامل فيه إما المذكور لملاقاته له في المعنى، وإما محذوف يلاقيه في اللفظ، أي فجازوهما جزاء اهـ شيخنا. وفي السمين.\rوجَزاءً فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل أي فجازوهما جزاء.\rوالثاني: أنه مصدر أيضا لكنه منصوب على معنى نوع المصدر، لأن قولك فاقطعوا في قوة قولك جازوهما بقطع الأيدي جزاء. والثالث: أنه منصوب على الحال وهذه الحال يحتمل أن تكون من الفاعل أي مجازين لهما بالقطع، وأن تكون من المضاف إليه في أيديهما أي حال كونهما مجازين.\rوجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأن المضاف جزء كقوله: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً [الحجر: 47]. الرابع: أنه مفعول من أجله أي لأجل الجزاء وشروط النصب موجودة اهـ.\rقوله: بِما كَسَبا ما مصدرية والباء سببية بسبب كسبهما، أو موصولة أي بسبب ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي اهـ أبو السعود.\rقوله: نَكالًا منصوب كما نصب جزاء ولم يذكر الزمخشري فيهما غير المفعول من أجله. قال الشيخ: تبع في ذلك الزجاج، ثم قال: وليس بجيد إلا إن كان الجزاء هو النكال، فيكون ذلك على طريق البدل، وأما إذا كانا متباينين فلا يجوز ذلك إلا بواسطة حرف العطف. قلت: النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه على أن الذي ينبغي أن يقال هنا ان جزاء مفعول من أجله، والعامل فيه فاقطعوا، فالجزاء علة للأمر بالقطع ونكالا مفعول من أجله أيضا العمل فيه جزاء، فالنكال علة للجزاء، فتكون العلة معللة بشيء آخر، فتكون كالحال المتداخلة كما تقول: ضربته تأديبا له إحسانا إليه، فالتأديب علة للضرب والإحسان علة التأديب اهـ سمين.","part":2,"page":220},{"id":760,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 221\rحَكِيمٌ (38) في خلقه\rفَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ رجع عن السرقة وَأَصْلَحَ عمله فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) في التعبير بهذا ما تقدم فلا يسقط بتوبته حق الآدمي من القطع ورد المال نعم بينت السنة أنه إن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع وعليه الشافعي\rأَلَمْ تَعْلَمْ الاستفهام فيه للتقرير أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) ومنه التعذيب والمغفرة\r* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ صنع الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة وفي المصباح: نكل به ينكل من باب قتل نكلة قبيحة أصابه بنازلة ونكل به بالتشديد مبالغة والاسم النكال.\rقوله: حَكِيمٌ (في خلقه). ومن حكمته شرع هذه الشرائع والحدود المنطوية على الحكم والمصالح اهـ أبو السعود.\rقوله: (رجع عن السرقة) أشار به إلى أنه مصدر مضاف لفاعله أي من بعد أن ظلم غيره اهـ كرخي.\rقوله: وَأَصْلَحَ (عمله) ومن جملة الإصلاح رد ما سرقه أو بذله لصاحبه. قوله: (في التعبير بهذا) أي قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ. يعني دون أن يقول فلا تحدوه، وقوله: ما تقدم أي من قوله ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود اللّه دون حقوق الآدميين، كما أشار لذلك بقوله: فلا يسقط عنه بتوبته الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أن عفا) أي المستحق، وفي نسخه إن عفى عنه. قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد. وقوله: للتقرير أي بما بعد منفي. قوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي ونحن نعتقد أن المغفرة تابعة للمشيئة في حق غير التائب، فيدخل السارق في عموم قوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، وإن لم يتب خلافا للمعتزلة، وإنما قدم التعذيب لأن السياق للوعيد، ولما بين أنه مالك الملك أمر نبيه بتفويض الأمر إليه، وعدم المبالاة بمكايدة الأعداء فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ الخ اهـ كرخي.\rولم يخاطب النبي بوصف الرسالة في جميع القرآن إلا في موضعين في هذه السورة هذا، وما يأتي وبقية خطاباته بوصف النبوة اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَحْزُنْكَ قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي اهـ خطيب.\rوهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا للكفرة عن أن يحزنوه، لكنه في الحقيقة نهي له عن التأثر من ذلك والمبالاة به على أبلغ وجه آكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومبادئه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله، وقد وجه النهي إلى المسبب ويراد به النهي عن السبب كما في قوله: لا أرينك ههنا يريد نهيه عن حضوره بين يديه اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي يظهرونه) على حذف مضاف أي يظهرون آثاره أي الأمور التي تقويه من الأقوال","part":2,"page":221},{"id":761,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 222\rمِنَ للبيان الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ بألسنتهم متعلق بقالوا وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وهم المنافقون وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا قوم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ الذي افترته أحبارهم سماع قبول سَمَّاعُونَ منك لِقَوْمٍ لأجل قوم آخَرِينَ من اليهود لَمْ يَأْتُوكَ وهم أهل خيبر زني والأفعال كالتهيؤ لقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (إذا وجدوا فرصة) الفرصة بالضم الزمان المنتظر المترقب لفعل المطلوب فيه، وفي المصباح والفرصة اسم من تفارص القوم الماء القليل لكل منهم نوبة، فيقال يا فلان جاءت فرصتك أي نوبتك ووقتك الذي تسعى فيه، فسارع له وانتهز الفرصة أي شمر لها مبادرا، والجمع فرص مثل غرفة وغرف اهـ.\rقوله: (متعلق بقالوا) أي لا بآمنا بمعنى أن قولهم لم يجاوز أفواههم، وإنما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم اهـ سمين.\rفقوله: وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ حال. قوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا خبر مقدم وسماعون مبتدأ مؤخر، وهو في الحقيقة نعت لمبتدأ محذوف كما قدره الشارح، وهو صيغة مبالغة معدول عن سامعون، وقوله: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ الخ مبتدأ ثان، أي وصف ثان للمبتدأ المقدر. هذا الإعراب جرى عليه الشارح، وعليه فالجملة المذكورة مستأنفة الأولى، والأحسن أن يكون ومن الذين هادوا معطوفا على البيان وهو قوله من الذين قالوا فيكون البيان بشيئين المنافقين واليهود، وعلى صنيع الشارح يكون البيان بشيء واحد وهو المنافقون اهـ شيخنا.\rقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي من أحبارهم جمع حبر بكسر الحاء وفتحها هو العالم، وأما المداد فهو بالكسر فقد كما في السمين اهـ شيخنان.\rقوله: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ أي أن هؤلاء القوم من اليهود لهم صفتان سماع الكذب من أحبارهم، ونقله إلى عوامهم وسماع الحق منك ونقله لأحبارهم ليحرفوه، وقوله: لأجل قوم أي فيكونوا وسائط بينك وبين قوم آخرين، والوسائط هم قريظة والقوم الآخرون هم يهود خيبر، وقد أشار المفسر إلى هذا تأمل اهـ شيخنا.\rوقد حمل الشارح اللام على التعليل وحملها غيره على أنها بمعنى من. وعبارة أبي السعود:\rواللام بمعنى من، والمعنى مبالغون في قبول كلام قوم آخرين، وأما كونها لام التعليل بمعنى سماعون منه عليه السّلام لأجل قوم آخرين وجهوهم عيونا يبلغونهم ما سمعوا منه عليه السّلام، أو كونها متعلقة بالكذب على أن سماعون الثاني مكرر للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين ولا يكاد يساعده النظم الكريم أصلا اهـ.\rقوله: آخَرِينَ وقوله: لَمْ يَأْتُوكَ وقوله: يُحَرِّفُونَ صفات ثلاث للقوم المسموع لأجلهم لا للقوم السامعين اهـ شيخنا.\rقوله: لَمْ يَأْتُوكَ أي لأنهم لبغضهم وتكبرهم لا يقربون مجلسك ولا يحضرونه اهـ سمين.\rقوله: (و هم) أي القوم الآخرون. وقوله: (زنى فيهم محصنان) أي شريفان فيهم، أي زنى","part":2,"page":222},{"id":762,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 223\rفيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن حكمهما يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ الذي في التوراة كآية الرجم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ التي وضعه اللّه عليها أي يبدلونه يَقُولُونَ لمن أرسلوهم إِنْ أُوتِيتُمْ هذا الحكم المحرف أي الجلد أي أفتاكم به محمد فَخُذُوهُ فاقبلوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بل أفتاكم بخلافه فَاحْذَرُوا أن تقبلوه وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ إضلاله فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً في دفعها أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر شريف بشريفة وهما محصنان، وحدهما في التوراة الرجم، وقوله: فكرهوا رجمهما أي لشرفهما.\rفبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا النبي عن ذلك، وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم النبي بالرجم فأبوا، فقال جبريل له: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «هل تعرفون شابا أبيض أعور يقال له ابن صوريا؟» قالوا: نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض بما في التوراة. قال:\r«فأرسلوا إليه فأحضروه» ففعلوا، فأتاهم فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم. قال:\r«و أنت أعلم اليهود؟» قال: كذلك يزعمون. قال النبي لهم: «أترضون به حكما؟» قالوا: نعم. قال النبي له: «أنشدك اللّه الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟» قال: نعم والذي ذكرتني به لو لا أني خشيت أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت، فوثب عليه سفلة اليهود. فقال: خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل النبي عن أشياء كان يعرفها من أعلامه، فأجابه عنها، فأسلم وأمر النبي بالزانيين فرجما عند باب المسجد اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي يبدلونه) بأن يزيلوه من موضعه ويضعوا غيره مكانه. قوله: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ أي يقول المرسلون، وهم يهود خيبر لمن أرسلوهم، وهم قريظة. والجملة الشرطية من قوله: إن أوتيتم مفعول بالقول، وهذا مفعول ثان لأوتيتم، والأول نائب الفاعل، وقوله: فخذوه جواب الشرط والفاء واجبة لعدم صلاحية الجزاء، لأن يكون شرطا، وكذلك الجملة من قوله: وإن لم تؤتوه فاحذروا، وقوله: ومن يرد من مبتدأ وهي شرطية، وقوله: فلن تملك جوابها، والفاء أيضا واجبة لما تقدم وشيئا مفعول به أو مصدر، ومن اللّه متعلق بتملك، وقيل: هو حال من شيئا لأنه صفته في الأصل اهـ سمين.\rقوله: (بل أفتاكم بخلافه) في نسخة بأن. قوله: (إضلاله) الأولى ضلاله، لأنه هو الذي يوصف المخلوق والذي تتعلق به الإرادة، وقد عبر به غيره اهـ.\rقوله: (في دفعها) أي الفتنة. قوله: أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين من المنافقين واليهود، وما في اسم الإشارة منم معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد وهو مبتدأ خبره قوله: الذين لم يرد اللّه أن يطهر قلوبهم أي من رجس الكفر وخبث الضلالة، لأنهما كهم فيهما، وإصرارهم عليها، وإعراضهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية بالكلية، كما ينبىء عنه وصفهم بالمسارعة في الكفر أولا، وشرح فنون ضلالتهم آخرا. والجملة استئناف مبين لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم وقبح صنيعهم الموجب لها لا واقعة منه تعالى ابتداء اهـ أبو السعود.","part":2,"page":223},{"id":763,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 224\rولو أراده لكان لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ذل بالفضيحة والجزية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) هم\rسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ بضم الحاء وسكونها أي الحرام كالرشا فَإِنْ جاؤُكَ لتحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ هذا التخيير منسوخ بقوله وأن احكم بينهم الآية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا وهو أصح قولي الشافعي فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب إجماعا وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بالعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) العادلين في الحكم أي يثيبهم\rوَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ بالرجم استفهام تعجيب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق بل ما هو أهون عليهم ثُمَ قوله: (و لو أراده لكان) استدلال على النفي المذكور وعدم كينونته معلوم بالمشاهدة. قوله:\rلَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ الجملتان استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل أفعالهم وأحوالهم الموجبة للعقاب، كأنه قيل: مما فما لهم من العقوبة؟ فقيل: لهم في الدنيا الخ اهـ أبو السعود. قوله: (ذل بالفضيحة) أي للمنافقين بظهور نفاقهم بين المسلمين، وقوله: والجزية أي لليهود اهـ أبو السعود. قولهه: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ خبر لمبتدأ محذوف كما قدره الشارح وكرر تأكيدا لما قبله وتمهيدا لما بعده اهـ أبو السعود.\rقوله: (بضم الحاء وسكونها) قراءتان سبعيتان. قوله: (أي الحرام) مأخوذ من سحته إذا استأصله سمي به لأنه مسحوت البركة أو لأنه يسحت عمر صاحبه اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وسحته من باب قطع وأسحته استأصله، وقرئ فيسحتكم بعذاب بضم الياء اهـ.\rقوله: فَإِنْ جاؤُكَ الخ لما بين تفاصيل أحوالهم المختلفة الموجبة لعدم المبالاة بهم خوطب ببعض ما ينبىء عليه من الأحكام اهـ أبو السعود.\rقوله: (هذا التخيير منسوخ الخ) وليس في هذه السورة منسوخ إلا هذا، وقوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [المائدة: 2] على ما سبق في الشرح اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو أصح قولي الشافعي) ومقابله لا يجب الحكم بينهم لقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ لكن لا تتركهم على النزاع، بل تحكم الحكم بينهم أو تردهم إلى حاكم ملتهم اهـ من المحلي على المنهاج.\rقوله: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ الخ وقوله: وإن حكمت الخ الف ونشر مشوش بالنسبة لقوله:\rفَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أعرض عنهم، وقوله: فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي إذا عادوك لإعرضك عنهم، فإن اللّه يعصمك من الناس اهـ شيخنا.\rقوله: وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ عندهم خبر مقدم، والتوراة مبتدأ مؤخر، والجملة حال من الواو، وفي يحكمونك، وقوله: فيها حكم اللّه حال من التوراة، وقوله: ثم يتولون معطوف على يحكمونك اهـ.\rقوله: (استفهام تعجيب) أي إيقاع للمخاطب في العجب أي التعجب. والتعجب من وجهين،","part":2,"page":224},{"id":764,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 225\rيَتَوَلَّوْنَ يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ التحكيم وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)\rإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً من الضلالة وَنُورٌ بيان للأحكام يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ من بني إسرائيل الَّذِينَ أَسْلَمُوا انقادوا للّه لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ العلماء منهم الأول: قوله وعندهم التوراة الخ، والثاني: قوله: ثم يتولون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي بكتابهم لإعراضهم عنه أولا وعما يوافقه ثانيا أو بك وبه اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ كلام مستأنف سيق لبيان علو شأن التوراة ووجوب مراعاة أحكامها، وأنها لم تزل مرعية من الأنبياء ومن يقتدي بهم كابرا عن كابر مقبولة لكل أحد من الحكام والمتحاكمين محفوظة عن المخالفة والتبديل، تحقيقا لما وصف به المحرفون من عدم إيمانهم بها، وتقريرا لكفرهم وظلمه اهـ أبو السعود.\rقوله: بِهَا النَّبِيُّونَ جملة مستأنفة مبنية لرفعة رتبتها وسمو طبقتها، وقد جوز كونه حالا من التوراة، فتكون حالا مقدرة أي يحكمون بأحكامها، ويحملون الناس عليها، وبه تمسك من ذهب إلى أن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ اهـ أبو السعود.\rوالمراد بالنبيين الذين بعثوا بعد موسى عليه السّلام، وذلك أن اللّه بعث من بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها، ومعنى أسلموا أي انقادوا لأمر اللّه تعالى والعمل بكتابه، وهذا على سبيل المدح لهم وفيه تعريض باليهود، وأنهم بعدوا عن الإسلام الذي هو دين الأنبياء عليهم السّلام اهـ خازن.\rقوله: الَّذِينَ أَسْلَمُوا صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح دون التخصيص والتوضيح، لكن لا للقصد إلى مدحهم بذلك حقيقة، فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعا، فيكون وصفهم به بعد وصفهم بها تنزلا من الأعلى إلى الأدنى، بل لتنويه شأن الصفة، فإن إبراز وصف في معرض مدح العظماء مبني عن عظم قد الوصف لا محالة كما في وصف الأنبياء بالصلاح، ووصف الملائكة بالإيمان عليهم السّلام، ولذلك قيل أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريض باليهود بأنهم بمعزل من الإسلام والاقتداء بدين الأنبياء عليهم السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: لِلَّذِينَ هادُوا متعلق بيحكم أي يحكمون بها فيما بينهم، واللام إما لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضا بإسقاط التبعة عنه، أو إما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له، كأنه أمر نافع لكلا الفريقين ففيه تعريض بالمحرفين، وقيل: التقدير للذين هادوا عليهم فحذف ما حذف لدلالة ما ذكر عليه، وقيل: هو متعلق بأنزلنا. وقيل: بهدى ونور وفيه الفصل بين المصدر ومعموله، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة لهما أي هدى ونور كائنان للذين هادوا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ أي الزهاد والعلماء من ولد هارون عليه السّلام الذين التزموا","part":2,"page":225},{"id":765,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 226\rوَالْأَحْبارُ الفقهاء بِمَا أي بسبب الذي اسْتُحْفِظُوا استودعوه أي استحفظهم اللّه إياه مِنْ كِتابِ اللَّهِ أن يبدلوه وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ أنه حق فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والرجم غيرهما وَاخْشَوْنِ في كتمانه وَلا تَشْتَرُوا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود. وعن ابن عباس: الربانيون الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره، والأحبار هم الفقهاء واحده حبر بالفتح أو الكسر. والثاني أفصح وهو رأي الفراء مأخوذ من التحبير والتحسين، فإنهم يحبرونه ويزينونه وهو عطف على النَّبِيُّونَ أي هم أيضا يحكمون بأحكامها وتوسيط المحكوم لهم بين المعطوفين للإيذان بأن الأصل في الحكم بهاه وحمل الناس على ما فيها هم النبيون، إنما الربانيون والأحبار خلفاء ونواب عنهم في ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: (الفقهاء) أي فعطفهم على الربانيون عطف خاص على عام. وفي الخازن: وهل يفرق بين الربانيين والأحبار أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: لا فرق، والربانيون والأحبار بمعنى واحد، وهم العلماء والفقهاء، وقيل: الربانيون أعلى درجة من الأحبار، لأن اللّه تعالى قدمهم في الذكر على الأحبار، وقيل: الربانيون هم الولاة والحكام، والأحبار هم العلماء، وقيل: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود.\rقوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ أجاز فيه أبو البقاء ثلاثة أوجه، أحدها: أن بما بدل من قوله بها بإعادة العامل لطول الفصل، قال: وهو جائز وإن لم يطل أي يجوز إعادة العامل في البدل وإن لم يطل. قلت: وإن لم يفصل أيضا. والثاني: أن يكون متعلقا بفعل محذوف أي يحكم الربانيون بما استحفظوا. الثالث: أنه مفعول به أي يحكمون بالتوراة بسبب استحفاظهم ذلك. وهذا الوجه الأخير هو الذي نحا إليه الزمخشري، فإنه قال: بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة أي بسبب سؤال أنبيائهم إياه أن يحفظوه منهم التبديل والتغيير، وهذا على أن الضمير يعود على الربانيين والأحبار دون النبيين، فإنه قدر الفاعل المحذوف النبيين، وأجاز أن يعود الضمير في استحفظوا على النبيين والربانيين والأحبار، وقدر الفاعل المنوب عنه الباري تعالى أي بما استحفظهم اللّه يعني بما كلفهم حفظه، وقوله من كتاب اللّه. قال الزمخشري: ومن كتاب اللّه للنبيين يعني أنها لبيان الجنس المبهم في بما، فإن ما يجوز ان تكون موصولة اسمية بمعني الذي والعائد محذوف أي بما استحفظوه، وأن تكون مصدرية أي باستحفاظهم، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من أحد شيئين إما من ما الموصولة أو من عائدها المحذوف وفيه نظر من حيث المعنى. وقوله: وكانوا في حيز الصلة أي وبكونهم شهداء عليه أي رقباء لئلا يبدل، فعليه متعلق بشهداء، والضمير في عليه يعود على كتاب اللّه، وقيل: على الرسول أي شهداء على نبوته ورسالته، وقيل: على الحكم والأول هو الظاهر اهـ سمين.\rقوله: مِنْ كِتابِ اللَّهِ من بيان لما وقوله: أن يبدلوه أي لفظا أو معنى، وأن مصدرية. والتقدير استحفظوا من التبديل أو كراهة أن يبدلوه اهـ قاري. وقوله: (أيها اليهود) أي الذين في زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فهذا الخطاب لهم اهـ خازن.\rقوله: (في كتمانه) هكذا في بعض النسخ، والضمير عائد على ما، وهذا ظاهر، وفي بعض","part":2,"page":226},{"id":766,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 227\rتستبدلوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا تأخذونه على كتمانها وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) به\rوَكَتَبْنا فرضنا عَلَيْهِمْ فِيها أي التوراة أَنَّ النَّفْسَ تقتل بِالنَّفْسِ إذا النسخ في كتمانها والضمير عائد أيضا على ما، وكأن التأنيث باعتبار معناها فإنها واقعة على أمور متعددة اهـ شيخنا.\rقوله: بِآياتِي الباء داخلة على المتروك اهـ.\rقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلف العلماء في هذه الآية ونظيرتيها الآيتين أي فيمن نزلت، فقال جماعة: نزلت الثلاث في الكفار ومن غير حكم اللّه من اليهود، وقال ابن عباس: في خصوص بني قريظة والنضير، وقال ابن مسعود، والحسن، والنخعي: هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود، وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وحكم بغير حكم اللّه فقد كفر وظلم وفسق اهـ من الخازن.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ذكر الكفر هنا مناسب لأنه جاء عقب قوله: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا، وهذا كفر فناسب ذكر الكفر هنا اهـ أبو حيان. قال أبو السعود: أي ومن لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات اللّه اقتضاه بينا اهـ.\rقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها معطوف على أنزلنا، والضمير في عليهم للذين هادوا وفي فيها للتوراة وأن النفس بالنفس أن واسمها وخبرها في محل نصب على المفعولية بكتبنا. والتقدير وكتبنا عليهم أخذ النفس بالنفس، وقرأ الكسائي والعين وما عطف عليها بالرفع، وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة بنصب الجميع. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر بالنصب فيما عدا الجروح، فإنهم يرفعونها.\rفأما قراءة الكسائي فوجهها أبو علي الفارسي بوجهين، أحدهما: أن تكون الواو عاطفة جملة اسمية على جملة فعلية فتعطف الجمل كما تعطف المفردات بمعنى أن قوله: والعين مبتدأ وبالعين خبره، وكذا ما بعده. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية من قوله: وكتبنا على هذا فيكون ذلك ابتداء تشريع وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة. قالوا: وليست مشتركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ ولا في المعنى. الوجه الثاني: من توجيهي الفارسي أن تكون الواو عاطفة جملة اسمية على الجملة من قوله أن النفس بالنفس لكي من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، فإن معنى كتبنا عليهم أن النفس بالنفس قلنا لهم النفس بالنفس، فالجمل مندرجة تحت الكتب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ. وأما قراءة نافع ومن معه فالنصب عطف على اسم أن لفظا وهي النفس والجار بعده خبر وقصاص خبر والجروح أوى وأن الجروح قصاص، وهذا ليس من عطف الجمل، بل من عطف المفردات عطفنا الاسم على الاسم والخبر على الخبر، كقولك: إن زيدا قائم وعمرا منطلق، عطف عمرا على زيد ومنطلقا على قائم، ويكون الكتب شاملا للجميع وأما قراءة أبي عمرو ومن معه فالمنصوب كما تقدم في قراءة نافع، لكنهم لم ينصبوا الجروح قطعا له عما قبله وفيه ثلاثة أوجه:\rالوجهان المذكوران في قراءة الكسائي، وقد تقدم إيضاحهما، والوجه الثالث أنه مبتدأ وخبره قصاص، يعني أنه ابتداء تشريع وتعريف حكم جديد. وقرأ نافع الأذن بالأذن سواء كان مفردا أو مثنى بسكون الذال، وهو تخفيف للمضموم كعنق في عنق، والباقون بضمها وهو الأصل، ولا بد من حذف مضاف","part":2,"page":227},{"id":767,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 228\rقتلتها وَالْعَيْنَ تفقأ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ يجدع بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ تقطع بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ تقلع بِالسِّنِ وفي قراءة بالرفع في الأربعة وَالْجُرُوحَ بالوجهين قِصاصٌ أي يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أي بالقصاص بأن مكن من نفسه فَهُوَ في قوله: والجروح قصاص إما من الأول وإما من الثاني وسواء قرئ برفعه أو نصبه: تقديره، وحكم الجروح قصاص أو الجروح ذات قصاص، والقصاص المقاصة. وقد تقدم الكلام عليه في البقرة اهـ سمين.\rقوله: أَنَّ النَّفْسَ أي الجانية بالنفس المجني عليها، فمدخول الباء وهو المجني عليه في هذا وما عطف عليه اهـ.\rقوله: (تقتل) بِالنَّفْسِ الخ تبع فيما قدره الزمخشري وهذا تفسير معنى، وإلّا فالإعراب يقتضي أن يكون العامل في المجرورات كونا مطلقا لا مقيدا، لكن الجار هنا باء المقابلة والمعارضة فيقدر لها ما يقرب من الكون المطلق وهو مأخوذ وقدر الحوفي يستقر اهـ كرخي.\rقوله: (يجدع) أي يقطع وجدع كقطع وزنا ومعنى كما في المصباح. قوله: (و في قراءة بالرفع في الأربعة) أي قراءة سبعية وعليها فكل جملة من الأربع معطوفة على جملة أن في قوله: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، ويؤول كتبنا بقلنا لما في الكتابة من معنى القول أي وقلنا فيها العين بالعين. وقوله بالوجهين أي الرفع والنصب، ومتى رفعت الأربعة وجب الرفع في الجروح، ومتى نصبت جاز فيه الوجهان هذا هو تحقيق القراءة في هذا المقام اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ المراد بالجروح ما يشمل الأطراف، ولذا قال المفسر كاليد والرجل الخ اهـ.\rقوله: (فيها) هو نائب الفاعل. قوله: (و نحو ذلك) كالشفتين والأنثيين والقدمين اهـ كرخي.\rقوله: (و ما لا يمكن) مبتدأ أي والذي لا يمكن فيه القصاص فيه الحكومة، فجعله فيه الحكومة خبر وذلك كرضّ في اللحم، وكسر في العظم، وجراحة في بطن يخاف منها التلف اهـ خازن.\rوالحكومة جزء من دية النفس نسبته إليها كنسبة ما نقص من قيمة المجني عليه بفرضه رقيقا، فلو كانت قيمته بلا جناية عشرة وبها تسعة فالحكومة عشر الدية تأمل.\rقوله: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أي فالجاني الذي تصدق به، قوله: فَهُوَ أي القصاص فالكفارة ليست مجرد التمكين، بل القصاص المرتب عليه. وقوله: لما أتاه بدل من الضمير المجرور باللام أي للذنب الذي أتاه أي ارتكبه اهـ شيخنا.\rوهذا الذي سلكه المفسر في تقرير الآية أحد وجوه ثلاثة ذكرها المفسرون. وعبارة الخطيب:\rفمن تصدق به أي القصاص بأن مكن من نفسه، فهو أي التصدق بكفارة له أي لما آتاه فلا يعاقب ثانيا في الآخرة. وقيل: ضمن تصدق به أصحاب الحق فالتصدق به كفارة للكفر اللّه تعالى من سيئاته ما","part":2,"page":228},{"id":768,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 229\rكَفَّارَةٌ لَهُ لما أتاه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ في القصاص وغيره فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)\rوَقَفَّيْنا أتبعنا عَلى آثارِهِمْ أي النبيين بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله مِنَ تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته. وعن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما: تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به، وقيل فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه انتهت.\rوعبارة شرح الرملي على المنهاج: بالقود أو العفو أو أخذ الدية لا تبقى مطالبة أخروية، وما أفهمه كلام الشرح والروضة من بقائها محمول على حقه تعالى إذ لا يسقطه إلا توبة صحيحة ومجرد التمكين من القود لا يفيد إلا إن انضم إليه ندم من حيث المعصية وعزم على عدم العود انتهت.\rقال ابن القيم: والتحقيق أن القائل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق للّه تعالى، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلّم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل وخوفا من اللّه تعالى وتوبة نصوحا سقط حق اللّه بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح والعفو وبقي للمقتول يعوضه اللّه عنه يوم القيامة عن عبده التائب ويصلح بينه وبينه اهـ.\rوأما لو سلم القاتل نفسه اختيارا من غير ندم ولا توبة أو قتل كرها فيسقط حق الوراث فقط، ويبقى حق اللّه تعالى لأنه لا يسقطه إلا التوبة كما علمت، ويبقى حق المقتول أيضا، لأنه لم يصل له شيء من القتل، ويطالبه به في الآخرة ولا يقال يعوضه اللّه عنه مثل ما تقدم لأنه لم يسلم نفسه تائبا تأمل. قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ نزلت هذه الآية حين اصطلحوا على أن لا يقتل الشريف بالوضيع، ولا الرجل بالمرأة اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وكان بنو النضير إذا قتلوا من قريظة إدوا إليهم نصف الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا اليهم الدية كاملة فغيروا حكم اللّه الذي أنزل التوراة، قال ابن عباس: فما لهم يخالفون فيقتلون النفسين بالنفس ويفقؤون العينين بالعين اهـ.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ذكر الظلم هنا مناسب لأنه جاء عقب اشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح، فناسب ذكر الظلم المنافي القصاص وعدم التسوية فيه، وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين النضير وقريظة اهـ أبو حيان.\rقوله: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ الخ شروع في بيان أحكام الإنجيل إثر بيان أحكام التوراة، وهو عطف على أنزلنا التوراة في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ اهـ أبو السعود.\rوقد تقدم معنى قفينا وأنه من قفا يقفو أي تبع قفاه أي أرسلناه عقبهم، وقوله: على آثارهم بعيسى كل من الجارين متعلق بقفينا على تضمينه معنى جئنا به على آثارهم وأقفائهم، والتضعيف في قفينا ليس للتعدية، لأن قفا متعد لواحد قبل التضعيف. قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:\r36] فما موصولة بمعنى الذي هي مفعوله، وتقول العرب: قفى فلان أثر فلان أي تبعه، فلو كان التضعيف للتعدية إلى اثنين لكان التركيب وقفيناهم عيسى ابن مريم فهو مفعول ثان وعيسى مفعول أول، ولكنه ضمن كما تقدم، فلذلك تعدى بالباء اهـ سمين.\rقوله: عَلى آثارِهِمْ الضمير إما للنبيين في قوله: يحكم بها النبيون، وإما لمن كتب عليهم تلك","part":2,"page":229},{"id":769,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 230\rالتَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً من الضلالة وَنُورٌ بيان للأحكام وَمُصَدِّقاً حال لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ لما فيها من الأحكام وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) قلنا\rوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ من الأحكام وفي قراءة بنصب يحكم وكسر لامه عطفا على معمول آتيناه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ الأحكام، والأول أظهر لقوله في موضع آخر وقفينا بعيسى ابن مريم مصدقا حال من عيسى. قال ابن عطية: وهي حال مؤكدة، وكذلك قال في مصدق الثانية: وهو ظاهر، فإن من لازم الرسول والإنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا مصدقين ولما متعلق به، وقوله: من التوراة بيان للموصول اهـ سمين.\rقوله: وَآتَيْناهُ معطوف على قفينا، وقوله: فيه هدى ونور حال من الإنجيل، وهدى فاعل به، لأنه اعتمد بوقوعه حال، وأعربه أبو البقاء مبتدأ وخبرا والجملة حال، والأولى أحسن لأن الحال بالمفرد أولى، وأيضا يدل عليه عطف مصدقا المفرد عليه وعطف المفرد على المفرد الصريح أولى من عطفه على المؤول اهـ كرخي.\rقوله: (حال) أي من الإنجيل أيضا فهي مؤكدة لأن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضا اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ التَّوْراةِ ببيانه.\rقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً جعله كله هدى بعد ما جعله مشتملا عليه، حيث قيل: فيه هدى للمبالغة اهـ أبو السعود.\rقوله: (قلنا) لْيَحْكُمْ وعلى هذا التقدير يكون هذا إخبارا عما فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه. ثم حذف القول لأن ما قبله: وكتبنا وقفينا يدل عليه وحذف القول كثير اهـ خازن.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بنصب يحكم أي بأن مضمرة بعد لام كي، وقوله: وكسر لامه أي التي هي لام كي، وقوله: عطفا على معمول آتيناه المراد بالمعمول فيه: وهدى وموعظة للمتقين، وهذان بناء على أنهما منصوبان على أنهما مفعول له، فحينئذ يصح العطف كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل للهدى والموعظة وحكمهم به. وأما على نصبهما على الحالية فيبعد عطف العلة على الحال، فالأولى عليه أن يكون معمولا لمقدر أي وآتيناه الإنجيل ليحكموا به اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قرأ حمزة بكسر اللام ونصب الفعل بعدها اجعلها لام كي، فنصب الفعل بعدها بإضمار إن على ما تقرر غير مرة، فعلى هذه القراءة يجوز أن تتعلق اللام بآتينا أو بقفينا إن جعلنا هدى وموعظة مفعولا لهما، أي قفيا للهدى والموعظة، وللحكم أو آتيناه للهدى والموعظة والحكم، وإن جعلا حالين معطوفين على مصدقا تعلق، وليحكم بمحذوف دل عليه اللفظ كأنه قيل: وللحكم آتيناه وذلك اهـ.\rقوله: (إن جعلنا هدى وموعظة) مفعولا لهما يتعين على هذا الجعل تقدير علة أخرى يعطف عليها وهدى وموعظة، إذ بدون ذلك التقدير تصير الواو ضائعة لا موقع لها. والتقدير وآتيناهم الإنجيل","part":2,"page":230},{"id":770,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 231\rبِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47)\rوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِ متعلق بأنزلنا مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً شاهدا عَلَيْهِ والكتاب بمعنى إثباتا لنبوته وإرشادا للخلق وهدى وموعظة. أي لأجل الإثبات والإرشاد والهدى والموعظة أشار إليه الشهاب.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ذكر الفسق هنا مناسب لأنه خرج عن أمر اللّه إذ تقدمه قوله:\rوليحكم أهل الإنجيل وهو أمر كما قال تعالى: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [البقرة: 34] أي خرج عن طاعته اهـ أبو حيان.\rقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ معطوف على قوله إنا أنزلنا التوراة وما عطف عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (متعلق بأنزلنا) هذا التغيير فيه تسمح، وذلك لأن هذا الجار والمجرور في محل الحال من الكتاب، أو من فاعل أنزلنا، أو من الكاف في إليك، وعلى كل فالباء للملابسة والمصاحبة، كما قال في السمين، ومن المعلوم أن الجار والمجرور إذا وقع حالا يكون متعلقا بمحذوف مأخوذ من معنى الباء، فلعل مراده بالتعلق العمل في متعلقه بالمحذوف من حيث العامل في الحال هو العامل في صاحبها تأمل. قوله: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ حال من الكتاب أي حال كونه مصدقا لما تقدم، إما من حيث إنه نازل حسبما نعت فيه أو من حيث إنه موافق له في القصص والمواعيد والدعوة إلى الحق والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وأما ما يتراءى من مخالفته في بضع جزئيات الأحكام المتغيرة بسبب تغير الأعصار، فليس بمخالفة في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن كلا من تلك الأحكام حق الإضافة إلى عصره متضمن للحكمة التي يدور عليها أمر الشريعة، وليس في المتقدم دلالة على أبدية أحكامه المنسوخة حتى يخالفة الناسخ المتأخر، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقا من غير تعرض لبقائها وزوالها، بل نقول هو ناطق بزوالها مع أن الناطق بصحة ما ينسخها نطق بنسخها وزوالها اهـ أبو السعود.\rقوله: (شاهدا) أي على الكتب التي قبله، ومن هذا المعنى قول حسان:\rإن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب\rيريد أنه شاهد ومصدق لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: المهيمن الأمين. وعبارة أبي السعود: ومهيمنا عليه أي رقيبا على سائر الكتب المحفوظة من التغيير، لأنه يشهد لها بالصحة والثبات، ويقرر أصول شرائعها، وما يتأيد من فروعها ويؤيد أحكامها المنسوخة ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاء وقت العمل بها، انتهت.\rوفي السمين: الجمهور على كسر الميم الثانية اسم فاعل، وهو حال من الكتاب الأول لعطفه على الحال منه، وهي مصدقا. ويجوز في مصدقا ومهيمنا أن يكونا حالين من الكاف في إليك، والمهيمن الرقيب والحافظ أيضا. واختلفوا فيه هل هو أصل بنفسه أي أنه ليس مبدلا من شيء، يقال:\rهيمن يهيمن فهو مهيمن، كبيطر ويبيطر فهو مبيطر. وقيل: إن هاءه مبدلة من همزة، وأنه اسم فاعل من آمن من غيره من الخوف، والأصل مؤأمن بهمزتين أبدلت الثانية ياء كراهية اجتماع همزتين، ثم أبدلت","part":2,"page":231},{"id":771,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 232\rالكتب فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إليك وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عادلا عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ أيها الأمم شِرْعَةً شريعة وَمِنْهاجاً الأولى هاء، وهذا ضعيف إذ فيه تكلف لا حاجة إليه مع أن له نظائر يمكن إلحاقه بها كمبيطر وأخواته، وأيضا فإن همزة مؤأمن اسم فاعل من آمن قاعدتها الحذف فلا يدعى فيها أنها ثبتت ثم أبدلت هاء، وهذا مما لا نظير له. وقرأ ابن محيصن ومجاهد مهيمنا بفتح الميم الثانية على أنه اسم مفعول بمعنى أنه حوفظ عليه من التغيير والتبديل، والحافظ هو اللّه تعالى لقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] اهـ.\rقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن كون القرآن العظيم حقا مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم ومهيمنا عليه من موجبات الحكم المأمور به، أي إذا كان شأن القرآن كما ذكرنا فاحكم بين أهل الكتاب عند تحاكمهم إليك بما أنزل اللّه، أي بما أنزله إليك فإنه مشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في الكتب الإلهية، وتقديم بينهم للاعتناء ببيان تعميم الحكم لها، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على عليه ما في حيز الصلة للحكم والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (عادلا) عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ أشار بهذا إلى أن الجار والمجرور في محل الحال من فاعل تتبع، وهذا أحد وجهين ذكرهما السمين، ونصه: قوله عما جاءك فيه وجهان. أحدهما: وبه قال أبو البقاء أنه حال أي عادلا عما جاءك، وهذا فيه نظر من حيث إن عن حرف جر ناقص لا يقع خبرا عن الجثة، فكذا لا يقع حالا عنها وحرف الجر الناقص إنما يتعلق بكون مطلق لا بكون مقيد، لأن المقيد لا يجوز حذفه، والثاني: أن عن على بابها من المجاوزة، لكن بتضمين تتبع معنى تتزحزح، وتنحرف أي لا تنحرف متبعا اهـ.\rقوله: مِنَ الْحَقِ فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من الضمير المرفوع في جاء. والثاني: أنه حال من نفس ما الموصولة فيتعلق بمحذوف ويجوز أن تكون بيانية اهـ سمين.\rقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ كلام مستأنف جيء به لحمل أهل الكتابين من معاصريه عليه السّلام على الانقياد لحكمه عليه السّلام بما أنزل إليه القرآن الكريم، ببيانه أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من الكتابين، وإنما الذي كلف العمل بهما من مضى قبل نسخهما من الأمم السالفة، والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس كافة، لكن لا للموجودين خاصة، بل للماضين أيضا بطريق التغليب.\rواللام متعلقة بجعلنا وهو اخبار عن جعل ماض لا إنشاء وتقديمها عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل ولا يعد في توسيط جعلنا بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: 14] الخ. والمعنى لكل أمة كائنة منكم أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عينا، ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة، لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عينت لها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السّلام شرعتهم التوراة، والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما السّلام شرعتهم الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون من سائر المخلوقات فشرعتكم القرآن ليس إلا، فآمنوا به وآمنوا بما فيه اهـ أبو السعود.","part":2,"page":232},{"id":772,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 233\rوعبارة الخازن: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. الخطاب في منكم للأمم ثلاث أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أجمعين بدليل أن اللّه قال قبل هذه الآية: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: 44] ثم قال بعد ذلك وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثم قال؛ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ثم جمع فقال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً. والشرعة الشريعة يعني لكل أمة شريعة، فالتوراة شريعة والإنجيل شريعة والقرآن شريعة والدين واحد، وهو التوحيد، وأصل الشريعة من الشرع، وهو البيان والإظهار، من شرع أي بين وأوضح. وقيل: هو من الشروع في الشيء، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يقصدها الناس فيشربون ويسقون منها. وقيل: الشريعة الطريقة ثم استعير ذلك للطريقة الإلهية المؤدية إلى الدين، والمنهاج الطريق الواضع. قال بعضهم: الشريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين. وقال آخرون: بينهما فرق لطيف وهو أن الشريعة التي أمر اللّه بها عباده هي عبادته. والمنهاج الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة. قال ابن عباس: في قوله شرعة ومناجا سنّة وسبيلا، وقال قتادة: سبيلا وسنّة، فالسنن مختلفة للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة يحل اللّه عز وجل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل التغير هو التوحيد والإخلاص للّه والإيمان بما جاءت به جميع الرسل عليهم السّلام. وقال علي بن أبي طالب: الإيمان منذ بعث آدم عليه السّلام شهادة أن لا إله إلا اللّه، والإقرار بما جاء من عند اللّه، ولكل قوم شريعة ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالة على عدم التباين بين طرق الأنبياء منها، قوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: 13] إلى قول: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13]، ومنها قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90]. ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهما منها هذه الآية وهي قوله:\rلِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وطريق الجمع بين هذه الآيات أن كل آية دلت على عدم التباين فهي محمولة على أصول الدين من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكل ذلك جاءت به الرسل من عند اللّه، فلم يختلفوا فيه. وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينهما، فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبد اللّه عباده في كل وقت بما شاء، فهذا هو طريق الجمع بين الآيات واللّه أعلم بأسرار كتابه، واحتج بهذه من قال: إن شرع من قبلنا لا يلزمنا لأن قوله:\rلِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة، فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر اهـ بحروفه.\rقوله: (لكل) التنوين عوض عن المضاف إليه تقديره لكل أمة أو لكل نبي وجعلنا يحتمل أن يكون متعديا لاثنين بمعنى صيرنا فيكون لكل مفعولا ثانيا مقدما وشرعة مفعولا أولا مؤخرا. وقوله:\rمِنْكُمْ متعلق بمحذوف أي أعني منكم، ولا يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لكل، لأنه يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف بقوله جعلنا، وهي جملة أجنبية ليس فيها تأكيد، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصل به اهـ سمين.\rقوله: شِرْعَةً في المصباح: الشرعة بالكسر الدين، والشرع والشريعة مثله مأخوذ من","part":2,"page":233},{"id":773,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 234\rطريقا واضحا في الدين يمشون عليه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً على شريعة واحدة وَلكِنْ فرقكم فرقا لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم فِي ما آتاكُمْ من الشرائع المختلفة لينظر المطيع منكم والعاصي فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ سارعوا إليها إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً بالبعث فَيُنَبِّئُكُمْ بِما الشريعة، وهي مورد الناس للاستسقاء سميت بذلك لوضوحها وظهورها، وجمعها شرائع، وشرع اللّه لنا كذا يشرعه أظهره وأوضحه، والمشرعة بفتح الميم والراء شريعة الماء. قال الأزهري: ولا تسميها العرب مشرعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار، ويكون ظاهرا أيضا ولا يستسقى منه برشاء، فإن كان من ماء الأمطار فهو الكرع بفتحتين، والناس في هذا الأمر شرع بفتحتين وتسكن الراء للتخفيف أي سواء اهـ.\rوقوله: وَمِنْهاجاً في المختار: النهج بوزن الفلس، والمنهج بوزن الذهب، والمنهاج الطريق الواضح، ونهج الطريق أبانه، ونهجه أيضا سلكه، وبابهما قطع، والنهج بفتحتين تتابع النفس، وبابه طرب اهـ.\rوفي المصباح: النهج مثل فلس الطريق الواضح، والمنهج والمنهاج مثله ونهج بفتحتين نهوجا وضح واستبان، وأنهج بالألف مثله ونهجته وأنهجته أوضحته يستعملان لازمين ومتعديين اهـ.\rقوله: أُمَّةً واحِدَةً أي جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل اهـ شيخنا.\rقوله: (لينظر المطيع الخ) أي ليعلم أي ليظهر متعلق علمه، وهو امتياز المطيع من العاصي.\rوعبارة أبي السعود: لِيَبْلُوَكُمْ ليخبركم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونها هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها بمقتضى المشيئة الإلهية المبنية على أساس الحكم البالغة، والمصالح النافعة لكم في معاشكم ومعادكم، أو تزيغون عن الحق وتتبعون الهوى، وتستبدلون المضرة بالجدوى، وتشترون الضلالة بالهدى اهـ.\rقوله: (سارعوا إليها) عبارة البيضاوي: فابتدروها انتهازا للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم انتهت.\rقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ استئناف مسوق سياق التعليل لاستباق الخيرات اهـ أبو السعود.\rوجميعا حال من كم في مرجعكم، والعامل في هذه الحال المصدر المضاف إلى كم، فإن كم يحتمل أن يكون فاعلا، والمصدر ينحل لحرف مصدري. وفعل مبني للفاعل، والأصل ترجعون جميعا ويحتمل أن يكون مفعولا لم يسم فاعله على أن المصدر ينحل لفعل مبني للمفعول أي يرجعكم اللّه، وقد صرح بالمعنيين في مواضع اهـ سمين.\rقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ من نبأ غير مضمن معنى اعلم، فلذلك تعدى الواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين","part":2,"page":234},{"id":774,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 235\rكُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) من أمر الدين ويجزي كلا منكم بعمله\rوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنِ لا يَفْتِنُوكَ يضلوك عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بالعقوبة في الدنيا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الأخرى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49)\rأَفَحُكْمَ المحق والمبطل ما لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، وإنما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الاخبار اهـ.\rقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ الخ في محل نصب عطفا على الكتاب، والتقدير، وأنزلنا إليك الكتاب وأن تحكم به بينهم أي والحكم بينهم اهـ سمين.\rوليس هذا مكررا مع ما تقدم لأنهما نزلا في حكمين مختلفين، فالأولى نزلت في شأن رجم المحصنين، وهذه نزلت في الدماء والديات كما يستفاد ذلك من شرح القصة اهـ خازن.\rقوله: أَنْ يَفْتِنُوكَ فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله على تقدير لام العلة ولا النافية وهو ما جرى عليه الشارح الآخر أنه بدل اشتمال من المفعول كأنه قال: واحذرهم فتنتهم كقولك أعجبني زيد علمه اهـ من السمين.\rقال ابن عباس: إن كعب بن أسيد وعبد اللّه بن صوريا وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك ونصدقك. فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه هذه الآية: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني احكم بينهم يا محمد بالحكم الذي أنزله اللّه في كتابه وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني فيما أمروك به اهـ خازن.\rقوله: عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي احذر أن يصرفوك عن بعضه، ولو كان أقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي بجميعها، فلم يعاقبهم في الدنيا إلا على البعض، كما عاقبهم بالقتل والسبي والجلاء، وأما في الآخرة فيجازيهم على الجميع، كما قال المفسر اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: ببعض ذنوبهم، أي بذنب توليهم عن حكم اللّه عز وجل، وإنما عبر عنه بذلك إيذانا بأن لهم ذنوبا كثيرة هذا مع كمال عظمه واحد من جملتها، وفي هذا الإيهام تعظيم للتولي اهـ.\rقوله: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ الفاء للعطف على مقدار دخلت عليه الهمزة يقتضيه المقام أي أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية، والمراد بالجاهلية إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، وقد جرى المفسر على هذا. وإما أهل الجاهلية وحكمهم وما كانوا عليه من المفاضلة بين القتلى من النضير وقريظة اهـ أبو السعود.","part":2,"page":235},{"id":775,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 236\rالْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ بالياء والتاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا استفهام إنكاري وَمَنْ أي لا أحد أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ عند قوم يُوقِنُونَ (50) به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرونه وفي الخازن: قال مقاتل: كانت بين بني النضير وقريظة دماء، وهما حيّان من اليهود، وذلك قبل أن يبعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه، فقال بنو قريظة: بنو النضير إخواننا أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا، وأرش جراحتنا على النصف من جراحتهم، فاقض بيننا وبينهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا أحكم أن دم القرظي كدم النضيري ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة». فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك، فإنك لنا عدو إنك لتجتهد في وضعنا وتصغيرنا، فأنزل اللّه: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ اهـ.\rقوله: (من المداهنة) في المختار: المداهنة المصانعة اهـ.\rوفي القاموس؛ والمداهنة إظهار خلاف ما في الضمير كالإدهان اهـ.\rوقيل: في معناها انها بذل الدين لأجل الدنيا عكس المداراة، فإنها بذل الدنيا لإصلاح الدين.\rقوله: (إذا تولوا) ظرف ليبغون أي يبغون ويطلبون وقت توليتهم عنك اهـ.\rقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم اللّه تعالى، أو مساو له، وإن كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارهاه اهـ أبو السعود، وحكما منصوب على التمييز اهـ سمين.\rقوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اللام بمعنى عند كما قال الشارح متعلقة بأحسن، ومفعول يوقنون محذوف كما قدره الشارح بقوله: به أي باللّه أو بحكمه، وأنه أعدل الأحكام، أو بالقرآن احتمالات ثلاثة أبداها السمين. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم، وقوله: آمنوا أي ولو ظاهرا، وإن كان سبب نزولها في غير المخلصين فقط وهم المنافقون، كعبد اللّه بن أبي واضرابه الذين كانوا يسارعون في موالاة اليهود ونصارى نجران، وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا يؤمنون أن تصيبهم صروف الزمان، كما قال تعالى: يَقُولُونَ نَخْشى الخ اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين، لأن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم، فقال قوم: نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه، وعبد اللّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وذلك أنما اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثيرا عددهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى اللّه وإلى رسوله من ولاية اليهود ولا مولي لي إلا اللّه ورسوله، فقال عبد اللّه بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود فأني أخاف الدوائر ولا بدّ لي منهم، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه»، فقال: إذن أقبل، فأنزل اللّه هذه الآية. وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس، وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ","part":2,"page":236},{"id":776,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 237\r* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ توالونهم وتوادونهم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ لاتحادهم في الكفر وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ من جملتهم إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) بموالاتهم الكفار\rفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد كعبد اللّه بن أبي المنافق يُسارِعُونَ فِيهِمْ في موالاتهم يَقُولُونَ معتذرين عنها نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا قال تعالى فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ بالنصر لنبيّه بإظهار دينه أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ منه أمانا إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر: أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا، فأنزل اللّه هذه الآية ينهاهم عن موالاة اليهود والنصارى اهـ.\rقوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ الخ أي لا يتخذ أحد منكم أحدا منهم وليا. وقوله: بَعْضُهُمْ إلخ حملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي وتأكيد إيجاب الاجتناب عن النهي عنه أي بعض كل فريق من ذينك الفريقين أولياء بعض آخر من فرقه لا من الفريق الآخر لما هو معلوم من أن الفريقين بينهما غاية العداوة، وإنما أوتر الإجمال تعويلا على ظهور المراد لوضوح انتفاء الموالاة بين الفريقين رأسا اهـ أبو السعود.\rقوله: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ومن ضرورة موالاة بعضهم لبعض اجتماع الكل على مضارتكم، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة اهـ أبو السعود.\rقوله: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي فهو من أهل دينهم لأنه يوالي أحد أحدا إلا وهو عنه راض، فإذا رضي عنه رضي دينه، فصار من أهل ملته وهذا على سبيل المبالغة في الزجر اهـ من الخازن.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تعليل لكون من يواليهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان، بل يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلال اهـ أبو السعود.\rقوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بيان لكيفية موالاتهم ولسببها، ولما يؤول إليه أمرهم والرؤية بصرية، فجملة يسارعون حال، وعلمية فهي مفعول ثان، والأول أنسب بظهور نفاقهم، وإنما قيل: في قلوبهم مبالغة في بيان رغبتهم فيها مستغرقون في موالاة، وإنما مسارعتهم في التنقل من بعض مراتبها إلى بعض آخر منها اهـ أبو السعود.\rوهذه الفاء إما للسببية المحضة أي بسبب ان اللّه لا يهدي القوم الظالمين المتصفين بما ذكر ترى الذين الخ، أو للعطف على قوله إن اللّه لا يهدي الخ من حيث المعنى اهـ كرخي.\rقوله: يَقُولُونَ نَخْشى الخ حال من ضمير يسارعون والدوائر من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها اهـ أبو السعود.\rوفرق الراغب بين الدائرة الدولة بأن الدائرة هي الخط المحيط، ثم عبر بها عن الحادثة، وإنما تقال في المكروه والدولة في المحبوب اهـ.\rقوله: (أو غلبة) أي غلبة الكفار على المؤمنين.\rقوله: (فلا يميرونا) أي اليهود والنصارى أي لا يعطون الميرة بكسر الميم وهي الطعام، ويقال","part":2,"page":237},{"id":777,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 238\rبهتك ستر المنافقين وافتضاحهم فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الشك وموالاة الكفار نادِمِينَ (52)\rوَيَقُولُ بالرفع استئنافا بواو ودونها وبالنصب عطفا على يأتي الَّذِينَ آمَنُوا لبعضهم إذا هتك سترهم تعجبا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ غاية اجتهادهم فيها إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ في الدين قال تعالى حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ الصالحة فَأَصْبَحُوا صاروا مار أهله إذا أتاهم بالميرة، وأمارهم كذلك والأول أفصح اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم وقطعا لعللهم الباطلة، وأطماعهم الفارغة وتبشيرا للمؤمنين بالظفر، فإن عسى منه تعالى وعد محتوم لا يتخلف اهـ أبو السعود.\rقوله: فَيُصْبِحُوا أي المنافقين المتعللون بما مرّ وهو عطف على يأتي داخل معه في حيز خبر عسى، وإن لم يكن فيه ضمير يعود على اسمها، فإن فاء السببية مغنية عن ذلك لأنها تجعل الجملتين كجملة واحدة اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالرفع استئنافا) أي بيانيا وهو جواب سؤال نشأ مما سبق كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (بواو ودونها) مجموع القراءات ثلاث، فقرأ عاصم وحمزة والكسائي بإثبات الواو مع الرفع، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بحذفها مع الرفع، وقرأ أبو عمرو بإثبانها مع النصب وتوجيهها أن الرفع مع الواو على طريق الاستئناف والرفع بدونها على أن الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا في جواب سؤال نشأ من قوله: فعسى اللّه يأتي بالفتح الخ، كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ وأن النصب مع الواو بطريق العطف على أو على فيصبحوا اهـ من السمين.\rوعبارة أبي السعود: وبالنصب عطفا على يأتي كأنه قيل: فعسى اللّه أن يأتي بالفتح ويقول الذين آمنوا والأوجه عطفه على يصبحوا، لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط، والمعنى ويقول الذين آمنوا بعضهم لبعض كما قال الشارح اهـ.\rقوله: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا الهمزة للاستفهام التعجبي أي يقول المؤمنون بعضهم لبعض مشيرين للمنافقين متعجبين من حالهم حيث انعكس مطلوبهم، والهاء للتنبيه، وأولاء اسم إشارة مبتدأ والموصول خبره وها بعده صلته. وقوله: انهم لمعكم جملة لا محل لها من الإعراب، لأنها تفسير وحكاية لمعنى أقسموا، لكن لا بألفاظهم، وإلا لقيل أنا معكم وجهد الإيمان أغلظها، وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال أي مجتهدين، أو على المصدرية أي أقسموا اقسام اجتهاد اليمين اهـ أبو السعود. وكلام الشارح أوفق بالثاني.\rقوله: (قال تعالى) حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أشار إلى أن آخر قول المؤمنين عن حال المنافقين إنهم لمعكم، وإن قوله حبطت أعمالهم من قول اللّه تعالى وهو عليه جمهور المفسرين، وقيل: هو من قول المؤمنين واستظهره أبو حيان. واعلم أن عبارة الكشاف هكذا حبطت أعمالهم من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا مكلفين بها في أعين الناس، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط","part":2,"page":238},{"id":778,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 239\rخاسِرِينَ (53) الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ بالفك والإدغام يرجع مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ إلى الكفر إخبار بما علم اللّه تعالى وقوعه وقد ارتد جماعة بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بدلهم بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال صلّى اللّه عليه وسلّم «هم قوم هذا» وأشار إلى أبي موسى الأشعري أعمالهم، أو من قول اللّه عز وجل شهادة لهم بحبوط أعمالهم. قال السعد التفتازاني: إنما قال في الأول فيه معنى التعجب إذ ليس للمؤمنين بذلك شهادة ولا فيه فائدة بخلاف ما إذا كان من قول اللّه، فإنه شهادة بذلك وحكم فيه تعجيب للسامعين انتهى اهـ كرخي.\rقوله: (الصالحة) أي بحسب الظاهر. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لما نهى فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى وبيّن مستدعيه للارتداد شرع في بيان حال المرتدين على الإطلاق اهـ أبو السعود.\rقوله: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ من شرطية فقط لظهور أثرها، وقوله: فسوف جوابها وهي مبتدأ وفي خبرها الخلاف المشهور، وبظاهره يتمسك ممن لا يشترط عود ضمير على اسم الشرط من جملة الجواب، ومن التزم ذلك قدر ضميرا محذوفا تقديره فسوف يأتي اللّه بقوم غيرهم فهم في غيرهم يعود على من باعتبار معناها اهـ سمين. وقدره الشرح بقوله؛ بدلهم. قوله: (بالفك والإدغام) إشارة إلى أن قراءة نافع وابن عامر بالفك أي بدالين مكسورة فساكنة مخففتين على الأصل وباق بالإدغام تخفيفا، وحركت الثانية بالفتحة تخفيفا، وكلاهما في مصاحف المدينة والشام اهـ كرخي.\rقوله: (و قد ارتد جماعة الخ) عبارة الخازن: وذكر صاحب الكشاف أن إحدى عشرة فرقة من العرب ارتدت ثلاث في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار لقب به لأنه كان له حمار يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، وهو الأسود العنسي بفتح العين وسكون النون، وكان كاهنا تنبأ باليمن، واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه اللّه تعالى على يد فيروز الديلمي فبيته وقتله فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقتله ليلة قتله، فسرّ المسلمون بذلك وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الغد، وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول. وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب تنبأ، وكتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مسيلمة رسول اللّه أما بعد، فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك فكتب إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وستأتي قصة قتله. وبنو أسد وهم قوم طلحة بن خويلد تنبأ، فبعث إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد فقاتله فانهزم بعد القتال إلى بر الشام، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وارتد سبع فرق في خلافة أبي بكر الصديق وهم: فزارة قوم عيينة بن حصن الفزاري وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل وبنو يربوع قوم مالك بن بريدة اليربوعي، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر بن وائل قوم الخطمي بن يزيد، فكفى اللّه أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه. وفرقة واحدة ارتدت في زمن خلافة عمر بن الخطاب، وهم غسان قوم جبلة ابن الأيهم. فكفى اللّه أمرهم على يد عمر رضي اللّه عنه، انتهت.\rقوله: (بدلهم) أي بدل المرتدين فالضمير عائد على من باعتبار معناها، وأشار بهذا التقدير إلى","part":2,"page":239},{"id":779,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 240\rرواه الحاكم في صحيحه أَذِلَّةٍ عاطفين عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ أشداء عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الرابط بين المبتدأ الذي هو من وخبره، وهذا لا يحتاج إليه إلا على المرجوح من أن الخبر هو الجزاء وحده. وأما على القولين الآخرين من أنه الشرط وحده الراجح أو المجموع، فالرابط موجود وهو الضمير المستتر في يرتد والبارز المجرور في قوله: عن دينه اهـ شيخنا.\rقوله: بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ هؤلاء القوم هم الأشعريون، كما قال الشارح، وقيل: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة وما نعي الزكاة، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من بني عبد القيس، فإنهم ثبتوا ونصر اللّه بهم الدين. ولما ارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة همّ أبو بكر بقتالهم، فكره ذلك الصحابة، وقال بعضهم: هم أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء، قال بعض الصحابة: وما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. وبعث أبو بكر خالد بن الوليد في جيش كثير إلى بني حنيفة، فأهلك اللّه مسيلمة منهم على يد وحشي غلام مطعم بن عدي قاتل حمزة، فكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام، أراد بذلك أنه في حال الجاهلية قتل حمزة وهو خير الناس، وفي حال إسلامه قتل مسيلمة الكذاب وهو شر الناس اهـ من الخازن.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 240\r\rله: بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ هؤلاء القوم هم الأشعريون، كما قال الشارح، وقيل: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة وما نعي الزكاة، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من بني عبد القيس، فإنهم ثبتوا ونصر اللّه بهم الدين. ولما ارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة همّ أبو بكر بقتالهم، فكره ذلك الصحابة، وقال بعضهم: هم أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء، قال بعض الصحابة: وما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. وبعث أبو بكر خالد بن الوليد في جيش كثير إلى بني حنيفة، فأهلك اللّه مسيلمة منهم على يد وحشي غلام مطعم بن عدي قاتل حمزة، فكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام، أراد بذلك أنه في حال الجاهلية قتل حمزة وهو خير الناس، وفي حال إسلامه قتل مسيلمة الكذاب وهو شر الناس اهـ من الخازن.\rقوله: يُحِبُّهُمْ في محل جر صفة لقوم، ويحبونه معطوف عليه، فهو في محل جر أيضا، فوصفهم بصفتين: وصفهم بكونه تعالى يحبهم وبكونهم يحبونه، وقدمت محبة اللّه تعالى على محبتهم لشرفها وسبقها، إذ محبته تعالى لهم عبارة عن إلهامهم الطاعة وإثابته إياهم عليها اهـ سمين.\rومحبتهم به طاعتهم لأوامره ونواهيه، وعبارة أبي السعود: يحبهم أي يرتد بهم خيري الدنيا والآخرة، ويحبونه أي يريدون طاعته ويتحرزون عن معاصيه انتهت.\rقوله: أَذِلَّةٍ جمع ذليل لا جمع ذلول فإن جمعه ذلل اهـ أبو السعود.\rوقوله: (عاطفين) فأشار بهذا إلى أن أذلة مضمن معنى عاطفين لأجل تعديته بعلى، وكان أصله أن يتعدى باللام والمعنى عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل لهم والتواضع، وهذا مقتبس من قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: 24] ولما قال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أوهم أنهم أذلاء محقرون مهانون، فدفع ذلك الإبهام بقوله أعزة على الكافرين أي متغلبين عليهم، ووقع الوصف في جانب المحبة بالجملة الفعلية، لأن الفعل يدل على التجدد والحدوث، وهو مناسب، فإن محبتهم للّه تعالى تجدد طاعته وعبادته كل وقت ومحبة اللّه إياهم تجدد ثوابه وإنعامه عليهم كل وقت. ووقع الوصف في جانب التواضع للمؤمنين والغلظة على الكافرين بالاسم الدال على المبالغة دلالة على ثبوت ذلك واستقراره، فإنه عريق فيهم، والاسم يدل على الثبوت والاستقرار، وقدم الوصف بالمحبة منهم ولهم على وصفهم بأذلة وأعزه، لأنهما ناشئتان عن المحبتين، وقدم وصفهم المتعلق بالمؤمنين على وصفهم المتعلق بالكافرين، فإنه آكد وألزم منه ولشرف المؤمنين أيضا اهـ سمين.","part":2,"page":240},{"id":780,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 241\rاللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فيه كما يخاف المنافقون لوم الكفار ذلِكَ المذكور من الأوصاف فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ كثير الفضل عَلِيمٌ (54) بمن هو أهله ونزل لما قال ابن سلام يا رسول إن قومنا هجرونا\rإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) خاشعون قوله: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ يعني لا يخافون عذل عاذل فينصرهم الدين، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار لومهم، فبين اللّه تعالى في هذه الآية أن من كان قويا في الدين، فإنه لا يخاف في نصره لدين اللّه بيده أو بلسانه لومة لائم، وهذه صفة المؤمنين المخلصين إيمانهم للّه تعالى اهـ خازن.\rوفي المختار؛ اللوم العذل تقول لامه على كذا من باب قال، ولومه أيضا واللائمة الملامة اهـ.\rقوله: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ عطف على يجاهدون بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة في سبيل اللّه وبين التصلب في الدينا وفيه تعريض بالمنافقين، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يكادون يعملون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وقيل. هو حال من فاعل يجاهدون بمعنى أنهم يجاهدون وحالهم خلاف حال المنافقين اهـ أبو السعود.\rقوله: (المذكور من الأوصاف) أي الستة التي أولها يحبهم اثنان منها بطريق الإفراد وأربعة بطريق الجملة اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: من الأصناف أي التي وصف بها القوم من المحبة والذلة والعزة الخ، لأن ذلك يشار به إلى المفرد والمثنى والمجموع، كما تقدم مع زيادة في قوله: عوان بين ذلك اهـ.\rقوله: يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ جملة مستأنفة أو خبر ثان لذلك اهـ كرخي.\rقوله: (نزل لما قال ابن سلام الخ) عبارة الخازن: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود، قال: أتولى اللّه ورسوله والمؤمنين يعني أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rوقال جابر بن عبد اللّه: نزلت في عبد اللّه بن سلام، وذلك أنه جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال؛ يا رسول اللّه:\rإن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا، وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية فقرأها عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال عبد اللّه بن سلام: رضينا باللّه ربا وبرسوله نبيا، وبالمؤمنين أولياء. قيل: الآية عامة في حق جميع المؤمنين، لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فعلى هذا يكون قوله الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون صفة لكل مؤمن، ويكون المراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين، لأن المنافقين كانوا يدعون أنهم مؤمنون إلا أنهم لم يكونوا يداومون على فعل الصلاة والزكاة، فوصف اللّه تعالى المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة يعني بإتمام ركوعها وسجودها في مواقيتها، ويؤتون الزكاة يعني ويؤدون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم، انتهت.\rقوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ مبتدأ وخبر ورسوله والذين آمنوا عطف على الخبر. قال الزمخشري:\rقد ذكر في الخبر جماعة، فهلا قيل أولياءكم. بأن الولاية بطريق الأصالة للّه تعالى، ثم نظم في سلك إثباتها لرسوله والمؤمنين، ولو جيء به جمعا فقيل: إنما أولياءكم لم يكن في الكلام أصل وتبع اهـ سمين.","part":2,"page":241},{"id":781,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 242\rأو يصلون صلاة التطوع\rوَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فيعينهم وينصرهم فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ قوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ قال الزمخشري: بدل من الذين آمنوا أو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، وإنما لم يجعل صفة للذين آمنوا لأن الوصف بالموصول على خلاف الأصل، لأنه يؤول بالمشتق وليس بمشتق، وأيضا لأن الذين آمنوا وصف، والوصف لا يوصف إلا إذا جرى مجرى الاسم كالمؤمن بخلاف الذين آمنوا، فإنه في معنى الحدوث، ألا ترى أنه جعل الذي يوسوس صفة للخناس لأنه ليس في معنى الحدوث اهـ من الكرخي.\rقوله: وَهُمْ راكِعُونَ حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر وهم خاشعون متواضعون للّه، وهذا يناسب الاحتمال الأولى في كلام الشارح، وأما على الثاني في كلامه فهو حال من فاعل الفعل الأول اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وهم راكعون حال من فاعل الفعلين. أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهم خاشعون ومتواضعون للّه تعالى، وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة والركوع ركوع الصلاة. والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان، ومسارعتهم إليه. روي أنها نزلت في علي رضي اللّه عنه حين سأله سائل وهو راكع، فطرح إليه خاتمه كأنه كان مرجا من خنصره غير محتاج في إخراجه إلى كثير عمل يؤدي إلى فساد الصلاة، ولفظ الجمع لترغيب الناس في مثل فعله رضي اللّه عنه، وفيه دلالة على أن صدقة التطوع تسمى زكاة، انتهت.\rوعبارة السمين: قوله وَهُمْ راكِعُونَ في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها معطوفة على ما قبلها من الجمل فتكون صلة للموصول، وجاء بهذه الجملة اسمية دون ما قبلها، فلم يقل ويركعون اهتماما بهذا الوصف، لأنه أظهر أركان الصلاة. والثاني: أنها واو الحال وصاحبها الواو في يؤتون، والمراد بالركوع الخضوع أي يؤتون الصدقة وهم متواضعون للفقراء الذين يتصدقون عليهم، ويجوز أن يراد به الركوع حقيقة، كما روي عن أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه أنه تصدق بخاتمه وهو راكع، انتهت.\rقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ الخ من شرطية جوابها محذوف قدره بقوله: (فيعينهم وينصرهم) والضمير يعينهم عائد على من باعتبار معناها، وجملة فيعينهم خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو يعينهم الخ، والجملة الاسمية هي جواب من، ولذلك قرنت بالفاء. إذ لو لا هذا التقدير لامتنعت الفاء ووجب الجزم. وعبارة السمين: ومن يتول اللّه من شرطية في محل رفع بابتداء. وقوله فإن حزب اللّه يحتمل أن يكون جوابا للشرط به يحتج من لا يشترط عود ضمير على اسم الشرط إذا كان مبتدأ والقائل أن يقول إنما جاز ذلك، لأن المراد بحزب اللّه هو نفس المبتدأ، فيكون من باب تكرار المبتدأ بمعناه، ويحتمل أن يكون الجواب محذوفا لدلالة الكلام عليه أي ومن يتول اللّه ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب اللّه الغالب أو ينصر أو نحوه، ويكون قوله فإن حزب اللّه دال عليه. وقوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ في محل جزم إن جعل جوابا للشرط، ولا محل له إن جعل دالا على الجواب، وقوله: هم يحتمل أن يكون فصلا وأن يكون مبتدأ، والغالبون خبره، والجملة خبر أن، وقد تقدم الكلام على ضمير الفصل، وفائدته والحزب الجماعة فيها غلظة وشدة فهو جماعة خاصة اهـ.","part":2,"page":242},{"id":782,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 243\rالْغالِبُونَ (56) لنصره إياهم أوقعه موقع فإنهم بيانا لأنهم من حزبه أي أتباعه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً مهزوءا به وَلَعِباً مِنَ للبيان الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ المشركين بالجر والنصب أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك موالاتهم الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) صادقين في إيمانكم\rوَالذين إِذا نادَيْتُمْ دعوتم إِلَى الصَّلاةِ بالأذان اتَّخَذُوها أي الصلاة هُزُواً وَلَعِباً بأن يستهزئوا بها ويتضاحكوا ذلِكَ الاتخاذ بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) ونزل قال اليهود للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمن تؤمن من الرسل فقال باللّه وما أنزل إلينا الآية وفي الخازن: والحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه يعني أهمه اهـ.\rقوله: الْغالِبُونَ بالحجة والبرهان، فإنها مستمرة أبدا لا بالدولة والصولة، وإلا فقد غلب حزب اللّه غير مرة حتى في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا المفعول الثاني هو قوله أولياء، ودينكم مفعول أول لاتخذوا وهزوا ولعبا مفعول ثاني. وقوله: من الذين أوتوا فيه وجهان، أحدهما: أنه في محل نصب على الحال وصاحبها فيه وجهان: أحدهما: أنه الموصول الأول، والثاني: أنه فاعل اتخذوا. والثاني:\rمن أن الوجهين الأولين أنه بيان للموصول الأول فتكون من لبيان الجنس، وقوله: من قبلكم متعلق بأوتوا لأنهم أوتوا الكتاب قبل المؤمنين، والمراد بالكتاب الجنس اهـ سمين.\rقوله: (بالجر) أي عطفا على الدين المجرور بمن، فيفيد العطف حينئذ أن المشركين مستهزئون، وقوله (و النصب) أي عطفا على الذين الواقع مفعولا به، فلا يفيد العطف حينئذ أن المشركين مستهزئون فيستفاد من آية أخرى اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذا نادَيْتُمْ عطف على صلة الذين الواقع مفعولا به، كما أشار الشارح حيث قال:\rوالذين إذا ناديتم الخ ولو كان معطوفا على الموصول المجرور لقال الشارح: ومن الذين ناديتم الخ، فجملة إذا ناديتم من شرطها وجوابها صلة ثانية اهـ.\rقوله: اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً قال الكلبي: كان منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا وصلوا لا صلوا أو يضحكون على طريقة الاستهزاء، فأنزل اللّه هذه الآية. وقيل: إن الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا الاذان دخلوا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقالوا: يا محمد لقد ابتدعت شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى من قبلك من الأمم، فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت الأنبياء قبلك ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح العير فما أقبح هذا الصوت وهذا الأمر فأنزل اللّه وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ الآية، وأنزل وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية اهـ خازن.\rقوله: (و نزل لما قال اليهود) أي طائفة منهم كأبي يسار ورافع بن أبي رافع، ومرادهم بهذا السؤال أنه إن لم يؤمن بعيسى تبعوه، وإن آمن به خالفوه لكراهتهم لعيسى، وقوله: (بمن تؤمن) أي بأي","part":2,"page":243},{"id":783,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 244\rفلما ذكر عيسى قالوا لا نعلم دينا شرا من دينكم\rقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ تنكرون مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ إلى الأنبياء وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) عطف على أن آمنا المعنى ما رسول تؤمن؟ وقوله: من الرسل بيان لمن، باللّه متعلق بمحذوف تقديره أو من باللّه كما صرح به غيره من الشراح، وكما هو صريح آية البقرة اهـ شيخنا. وقوله الآية: أي إلى قوله مسلمون اهـ.\rقوله: (فلما ذكر عيسى الخ) عبارة الخازن: فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: واللّه لا نؤمن بمن آمن به انتهت.\rقوله: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا قرأ الجمهور بكسر القاف، وقرأه النخعي وابن أبي عبلة وأبو حيوة بفتحها، وهاتان القراءتان مفرعتان على الماضي، وفيه لغتان: الفصحى هي التي حكاها ثعلب في فصيحه نقم بفتح القاف ينقم بكسرها، والأخرى نقم بكسر القاف ينقم بفتحها، وحكاها الكسائي ولم يقرأ قوله تعالى: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا بالفتح [البروج: 8] وقوله: إِلَّا أَنْ آمَنَّا مفعول لتنقمون بمعنى تكرهون، وهو استثناء مفرغ، ومنا متعلق به أي ما تكرهون وتنكرون اهـ سمين.\rقوله: مِنَّا أي من أوصافنا وأحوالنا. قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ أي من سائر الكتب. قوله:\rوَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ قراءة الجمهور أن بفتح الهمزة، وقراءة نعيم بكسرها على الاستئناف. فأما قراءة الجمهور، فيحتمل أن تكون أن في محل رفع أو نصب أو جر، فالرفع من وجه، وهو أن يكون مبتدأ والخبر محذوف. قال الزمخشري: والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت عندكم لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل إلا أن حب الرئاسة وجمع الأموال حملكم على العناد. وأما النصب فمن ثلاثة أوجه، أحدها: أن يعطف على أن آمنا، واستشكل بهذا التخريج من حيث أنه يصير التقدير: هل تكرهون إلا إيماننا وفسق أكثركم، وهم لا يعترفون بأن أكثرهم فاسق حتى يكوهوه، وأجاب عن ذلك الزمخشري وغيره بأن المعنى، وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه.\rوالثاني: من أوجه النصب أن يكون معطوفا على أن آمنا أيضا، ولكن في الكلام مضاف محذوف لفهم المعنى: تقديره واعتقاد أن أكثركم فاسقون، وهو معنى واضح، فإن الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم فاسقون. الثالث: أنه منصوب على المعية، وتكون الواو بمعنى تقديره، وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون، ذكر هذه الأوجه أبو القاسم الزمخشري. وأما الجر فمن وجهين:\rأحدهما أنه عطف على المؤمن به. قال الزمخشري: أي وما تنقمون منا إلا الإيمان باللّه وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون، وهذا معنى واضح. قال ابن عطية: وهذا مستقيم المعنى لأن إيمان المؤمنين، وبأن أهل الكتاب المستمرين على الكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فسقه، وهو مما ينفقون. الثاني: أنه مجرور عطفا على علة محذوفة تقديرها تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم وشهواتكم اهـ من السمين.\rقوله: (المعنى ما تنكرون الخ) لما كان العطف مشكلا من حيث انه مقتضي استثناء فسقهم من صفتنا إذ المستثنى منه صفات المؤمنين حيث قال: منا وفسقهم ليس منا. وحاصل التأويل أن فسقهم","part":2,"page":244},{"id":784,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 245\rتنكرون إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبوله المعبر عنه بالفسق اللازم عنه وليس هذا مما ينكر\rقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِشَرٍّ مِنْ أهل ذلِكَ الذي تنقمونه مَثُوبَةً ثوابا بمعنى جزاء عِنْدَ اللَّهِ هو مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أبعده عن رحمته وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ بالمسخ وَمن مستعمل في ملزمه وهو عدم قبولهم للإيمان، وهذا العدم مستعمل في لازمه العرفي الشرعي وهو مخالفتنا لهم واتصافنا بقبول الإيمان، فيكون المجاز بمرتبتين، وإن كان الشارح لم يتعرض للثانية انتهى شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: عطف على أن آمنا أي فحمله النصب، ولما لم يصح عطفه عليه ظاهرا، لأن التقدير حينئذ هل تنكرون إلا إيماننا، وفسق أكثركم، وهم لا يعترفون بذلك حتى ينكرونه أشار إلى تصحيحه حيث قال: المعنى ما تنكرون إلا إيماننا، فالاستثناء مفرغ. وقوله: ومخالفتكم مخالفتنا إياكم في عدم قبوله أي الإيمان المعبر عنه، أي عن هذا العدم فالفسق اللازم عنه. أي هل تنقمون منا إلا مجموع هذه الحالة من أنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويمكن أن يحمل الكلام على الحذف أي ما تكرهون منا إلا إيماننا وتصريحنا بأن أكثركم فاسقون، والمعنى يدل عليه اهـ.\rقوله: (و مخالفتكم) مصدر مضاف لمفعوله أي ومخالفتنا إياكم في عدم قبوله، أي الإيمان حيث اتصفتم بذلك العدم، ونحن خالفناكم فيه وقبلناه أي الإيمان فاتصفنا بقبوله لا بعدم قبوله اهـ شيخنا.\rقوله: (و ليس هذا مما ينكر) أي ليس المذكور من الأمرين المستثنين. ومراده بهذا بيان أن الاستفهام إنكاري اهـ شيخنا.\rقوله: (هل أنبئكم) أي قل لليهود السائلين لك جوابا لقولهم لا نعلم دينا شرا من دينكم أي بيّن لهم الأشر حقيقة، فإنهم أخطؤوا فيه اهـ خازن.\rقوله: مِنْ (أهل) ذلِكَ هذا يقتضي التفضيل في الذوات بدليل قوله: من لعنه اللّه الخ،، وقوله أولئك شر، وعلى هذا فيقدر في قولهم دينا شرا من دينكم أي لا نعلم أهل دين شرا من أهل دينكم اهـ شيخنا.\rقوله: (الذي تنقمونه) وهو ديننا. قوله: (مثوبة) تمييز لشرا، والظاهر أنه من تمييز النسبة المفرد، لأن الشر واقع على الأشخاص، والمثوبة هي الجزاء، فلا يفسر أشر بها، وكان أصل التركيب من قبح مثوبته أي جزاؤه اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى جزاء) كان عليه أن يقول بمعنى عقوبة إذ هي المرادة هنا لا مطلق الجزاء الصادق بها وبالخبر. والمثوبة بمعنى الثواب، فهي مختصة بالإحسان، وقد استعملت هنا في العقوبة تهكما على حد فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21] انتهى خازن.\rقوله: (هو) مَنْ لَعَنَهُ الخ أشار به إلى أن من في محل رفع خبر لمبتدأ، فإنه لما قال: هل أنبئكم بشر من ذلك فكأن قائلا من قال من ذلك فقيل هو من لعنه اللّه، ونظيره قوله تعالى: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [الحج: 72] أي هو النار، ويحتمل أن تكون من موصولة وهو الظاهر","part":2,"page":245},{"id":785,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 246\rعَبَدَ الطَّاغُوتَ الشيطان بطاعته وراعى في منهم معنى من وفيما قبله لفظها وهم اليهود وفي قراءة بضم باء عبد وإضافته إلى ما بعده اسم جمع لعبد ونصبه بالعطف على القردة أُولئِكَ شَرٌّ ونكرة موصوفة. فعلى الأول لا محل للجملة التي بعدها، وعلى الثاني لها محل بحسب ما يحكم به على من من أوجه الإعراب، ويصح كون محلها الجر على البدل من بشر والنصب بمضمر دل عليه أنبئكم أي أعرفكم من لعنه اللّه اهـ كرخي.\rقوله: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ الخ ما صدق الصفات المذكورة اليهود خاصة فهم موصوفون بما ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ قال ابن عباس: إن الممسوخين كلاهما أصحاب السبت، فشبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير، وقيل: إن مسخ القردة كان في أصحاب السبت من اليهود، ومسخ الخنازير كان في الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى اهـ خازن.\rوقد جرى الجلال وغيره من الشراح على القول الثاني فما سيأتي في تفسير قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [المائدة: 78] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (بطاعته) فكل من أطاع أحدا في معصية اللّه فقد عبده، وذلك الأحد طاغوت اهـ خازن.\rوفي المختار: والطاغوت الكاهن والشيطان، وكل من رأس في الضلال ويكون واحدا كقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [لنساء: 60] ويكون جمعا كقوله تعالى: أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ [البقرة: 257] والجمع الطواغيت اهـ.\rقوله: (و فيما قبله) أي وما بعده وهو عبد على قراءته فعلا ماضيا اهـ.\rقوله: (و هم اليهود) أي الموصوفون بالصفات المذكورة هم اليهود، وفي قوله وهم مراعاة معنى من اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية وعليها فصلات الموصول ثلاث، وعلى الأولى أربع، وقوله: اسم جمع لعبد أي وقياس جمعه أعبد، كما قال ابن مالك: لفعل اسم صح عينا أفعل اهـ شيخنا.\rوجملة القراءات في هذه الآية أربع وعشرون قراءة اثنتان سبعيتان، أولاهما: وعبد الطاغوت على أن عبد فعل ماضي مبني للفاعل، وفيه ضمير يعود على من كما تقدم وهي قراءة جمهور السبعة سوى حمزة. والثانية: وعبد الطاغوت بضم الياءى وفتح الدال وخفض الطاغوت، وهي قراءة حمزة وتوجيهها، كما قال الفارسي هو أن عبد واحد يراد به الكثير مثل قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: 34] وليس بجمع عبد، لأنه ليس في أبنية الجمع مثله. وأما القراءات الشاذة فقرأ أبي وعبدوا بواو الجمع مراعاة لمعنى من، وهي واضحة، وقرأ الحسن وعبد الطاغوت بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب الطاغوت، وقرأ الأعمش والنخعي وعبد مبنيا للمفعول إلى آخر ما ذكره السمين.\rقوله: أُولئِكَ أي الموصوفون بما ذكر شر مكانا، وأولئك شر مبتدأ وخبر مكانا نصب على","part":2,"page":246},{"id":786,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 247\rمَكاناً تمييز لأن مأواهم النار وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) طريق الحق وأصل السواء الوسط وذكر شرّ وأضلّ في مقابلة قولهم لا نعلم دينا شرا من دينكم\rوَإِذا جاؤُكُمْ أي منافقو اليهود قالُوا التمييز ونسب الشر للمكان وهو لأهله كناية عن نهايتهم في ذلك، وشر هنا على بابه من التفضيل.\rوالمفضل عليه فيه احتمالان، أحدهما: أنهم المؤمنون ويقال عليه كيف يقال ذلك المؤمنون لا شر عندهم البتة؟ فأجيب بجوابين، أحدهما: ما ذكره النحاس وهو أن مكانهم في الآخرة شر من مكان المؤمنين في الدنيا لما يلحقهم فيها من الشر، يعني من الهموم الدنيوية والحاجة والاعسار وسماع الأذى والهم من جانبهم، والثاني: من الجوابين أنه على سبيل التنزول والتسليم للخصم على زعمه إلزاما له بالحجة كأنه قيل شر من مكانهم في زعمكم فهو قريب من المقابلة في المعنى. والثاني من الاحتمالين: أن المفضل عليه طائفة من الكفار أي أولئك الملعونون المغضوب عليهم المجعول منهم القردة والخنازير العابدون الطاغون شر مكانا من غيرهم من الكفرة الذين لم يجمعوا بين هذه الخصال الذميمة اهـ سمين.\rقوله: (تمييز) أي تمييز نسبة أي أولئك قبح مكانهم على حد قوله، والفاعل انصبن بافعلا البيت.\rوالمراد بالمكان النار كما أشار له الشارح فهي الجزء المعبر عنه فيما سبق بالمثوبة، فالمراد منها ومن المكان واحد اهـ شيخنا.\rقوله: (الوسط) أي بين الطول والقصر. قوله: (و ذكر شر) أي المجرور في قوله: بشر، والمرفوع في قوله: أولئك شر مكانا، وقوله: في مقابلة الخ أي مشاكلة ولهم المذكور، لكن المشاكلة في الشر ظاهرة وفي أصل من حيث ان قولهم المذكور في المعنى يرجع إلى قولهم لا نعلم دينا أضل من دينكم، لأن الأشر أضل، والأضل أشر. وغرض الشارح بهذا جواب سؤال محصلة أن الصيغ الثلاثة للتفضيل المقتضي للمشاركة، وزيادة مع أن المفضل عليه وهو ديننا، ونفس المسلمين لا شرفيه بالكلية. ومحصل الجواب أن هذا التعبير مشاكلة لتعبيرهم.\rوفي الكرخي: قوله: وأضل في مقابلة قولهم الخ فيه إشارة إلى أن أشر على بابه هنا من التفضيل والمفضل عليه المؤمنون، وأن نسبة المؤمنين إلى الشر، وإن كان لا شر عندهم ألبتة إنما هو على سبيل التنزل والتسليم للخصم على ما زعمه إلزاما له بالحكم في مقابلة قولهم، أو المراد من صفتي التفضيل الزيادة مطلقا لا بالإضافة إلى المؤمنين في الشر والضلال أي المؤمنين لم يشاركوا الكفار في الشر والضلال كما مر اهـ.\rقوله: وَإِذا جاؤُكُمْ هذا الضمير في المعنى عائد على من في قوله: من لعنه اللّه الخ، لكن على ضرب من التجوز، وذلك لأن من واقعة على اليهود الذين تقدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والضمير عائد على بعض اليهود المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذين هم من ذرية أولئك، ومن نسلهم. والمعنى: وإذا جاؤُكُمْ أي جاءك ذريتهم ونسلهم. وعبارة أبي السعود: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا نزلت في أناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يظهرون له الإيمان نفاقا، فالخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والجميع للتعظيم أوله مع من عنده من المسلمين، فالجمع على حقيقته انتهى.","part":2,"page":247},{"id":787,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 248\rآمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا إليكم متلبسين بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا من عندكم متلبسين بِهِ ولم يؤمنوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) ه من النفاق\rوَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي اليهود يُسارِعُونَ يقعون سريعا فِي الْإِثْمِ الكذب وَالْعُدْوانِ الظلم وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ الحرام كالرشا لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) ه عملهم هذا\rلَوْ لا هلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ منهم عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ الكذب وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63) ه ترك نهيهم\rوَقالَتِ الْيَهُودُ لما ضيق عليهم بتكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن كانوا أكثر الناس مالا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كنوا به عن البخل تعالى اللّه قوله: وَقَدْ دَخَلُوا الخ، وقوله: وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا الخ الجملتان حالان من فاعل قالوا وبالكفر حالان من فاعل دخلوا وخرجوا اهـ شيخنا.\rقوله: (من النفاق) أي وغرضهم من هذا النفاق المبالغة في الجدل والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد والبغض والعداوة لهم اهـ كرخي.\rقوله: وَتَرى كَثِيراً ترى بصرية فقوله: يسارعون حال من كثيرا أو نعت ثان أو علمية المذكورة مفعول ثان، والأول أنسب لما فيه من الإشارة إلى ظهور حالهم حتمية يمكن تعاين بالبصر، والمسارعة في الشيء المبادرة اليه بسرعة، ولا تستعمل إلا في الخير وضدها العجلة، فذكر المسارعة هنا لفائدة، وهي الإشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيها اهـ أبو السعود والخازن.\rقوله: (كالرشا) بضم الراء وكسرها تبعا للمفرد، فمكسورها جمع رشوة بالكسر ومضمومها جمع رشوة بالضم، وأما الرشا بالكسر والمد، وهو الحبل الذي يستقى به، فمفرد وجمعه أرشية ككساء وأكسية اهـ شيخنا.\rقوله: لَوْ لا يَنْهاهُمُ الخ تخصيص وتوبيخ لعلمائهم وعبادهم عن تركهم النهي عن المنكر، وأتى في توبيخ العلماء بقوله: يصنعون الذي هو أبلغ مما قيل في حق عوامهم، وذلك لأن العمل لا يقال فيه صنع وصنعة إلا إذا صار عادة فذمت علماؤهم بوجه أبلغ من ذم عوامهم. وفيه أيضا ذم لعلماء المسلمين على توانيهم في النهي عن المنكرات، ولذلك قال ابن عباس: هذه أشد آية في القرآن يعني في حق العلماء، وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها اهـ أبو السعود والخازن.\rقوله: الرَّبَّانِيُّونَ أي العباد. وَالْأَحْبارُ أي العلماء اهـ.\rقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ الخ نزلت في فنحاص اليهودي، ولما قال هذه المقالة الشنيعة ولم ينهه بقية اليهود ورضوا بقوله. نسب القول إلى جملتهم اهـ خازن.\rقوله: (لما ضيق عليهم الخ) أي ضيق عليهم الرزق. قال ابن عباس: إن اللّه كان قد بسط على اليهود حتى كانوا أكثر الناس أموالا، وأخصبهم ناحية، فلما عصوا اللّه تعالى في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكذبوا، كف عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص: يد اللّه مغلولة يعني محبوسة مقبوضة عن الرزق والبذل والعطاء، فنسبوا إلى اللّه البخل والقبض تعالى اللّه عن ذلك اهـ خازن.\rقوله: (مقبوضة) أي ممسوكة.","part":2,"page":248},{"id":788,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 249\rعن ذلك قال تعالى غُلَّتْ أمسكت أَيْدِيهِمْ عن فعل الخيرات دعاء عليهم وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ مبالغة في الوصف بالجود وثني اليد لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ من توسيع وتضييق لا اعتراض عليه وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ قوله: (دعاء عليهم) معمول لقوله: قال تعالى على أنه مفعول من أجله، ويصح رفعه خبر مبتدأ محذوف وقوله: ولعنوا من جملة الدعاء عليهم، فهو عطف على الدعاء الأول وقوله بما قالوا سببية.\rقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ عطف على مقدر يقتضيه المقام أي ليس الأمر كذلك، بل هو في غاية الجود اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: اختلف العلماء في معنى اليد على قولين، أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين، أن يد اللّه صفة من صفات صفاته كالسمع والبصر والوجه، فيجب علينا الإيمان بها وإثباتها له تعالى، بلا كيف ولا تشبيه، فقد نقل الفخر الرازي عن أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة قائمة بذات اللّه، وهي صفة سوى المقدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء. قال: والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيده على سبيل الكرامة لآدم واصطفائه له، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة امتنع كون آدم مصطفى بذلك، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء.\rوالقول الثاني: قول جمهور المتكلمين وأهل التأويل، فإنهم قالوا اليد تذكر في اللغة على وجوه، أحدها: الجارحة وهي معلومة. ثانيها: النعمة. ثالثها: القدرة. رابعها: الملك. يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه. أما الجارحة فمنتفية عنه تعالى بشهادة العقل والنقل. وأما المعاني الثلاثة الباقية فممكنة في حقه تعالى، لأن أكثر العلماء من المتكلمين ذهبوا إلى أن اليد في حق اللّه تعالى عبارة عن القدرة، وعن الملك وعن النعمة. وههنا إشكالان، أحدهما: أن يقال إذا فسرت اليد في حق اللّه تعالى بالقدرة، فقدرة اللّه تعالى واحدة، فما وجه تثنيتها في الآية؟ وأجيب عنه بأن اليهود لما جعلوا قوله تعالى يد اللّه مغلولة كناية عن البخل، أجيبوا على وفق كلامهم، فقال: بل يداه مبسوطتان أي ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل، بل هو جواد كريم على سبيل الكمال، فإن من أعطى بيده فقد أعلى على أكمل الوجوه. والإشكال الثاني: أن اليد إذا فسرت بالنعمة فنعم اللّه كثيرة لا تحصى بنص القرآن، فما وجه التثنية هنا؟ وأجيب بأن التثنية بحسب الجنس أي أن النعم جنسان من نعمة الدنيا ونعمة الدين ونعمة الظاهر ونعمة الباطن ونعمة المنع ونعمة الدفع، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع كثيرة لا نهاية لها، فالمراد بالتثنية المبالغة في وصف النعمة اهـ ملخصا.\rوقوله: أما الجارحة فممتنعة عليه تعالى الخ. هذا الامتناع إنما هو عند المؤمنين، وأما اليهود فتقدم أنهم مجسمة، فيصح حمل اليد على الجارحة بحسب اعتقادهم الفاسد. قوله: (مبالغة) أي هذا مبالغة في الوصف بالجود.\rقوله: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أن لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة. والثاني: أنها في محل رفع لأنها خبر ثان ليداه، وكيف في مثل هذا التركيب","part":2,"page":249},{"id":789,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 250\rمِنْ رَبِّكَ من القرآن طُغْياناً وَكُفْراً لكفرهم به وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فكل فرقة منهم تخالف الأخرى كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أي لحرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي كلما أرادوه ردهم وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أي مفسدين بالمعاصي وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) بمعنى أنه يعاقبهم\rوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَاتَّقَوْا الكفر لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ شرطية نحو: كيف تكون أكون ومفعول المشيئة محذوف، وكذلك جواب هذا الشرط أيضا محذوف مدلول عليه بالفعل المتقدم على كيف. والمعنى ينفق كيف يشاء أن ينفق ينفق ويبسطه في السماء كيف يشاء أن يبسطه يبسط فحذف مفعول يشاء وهو أن وما بعدها وقد تقدم أن مفعول يشاء، ويريد لا يذكر أن إلا لغرابتهما، ولا جائز أن يكون ينفق المتقدم عاملا في كيف، لأن لها صدر الكلام وما له صدر الكلام لا يعمل فيه إلا حرف الجر أو المضاف اهـ سمين.\rقوله: (من توسيع وتضييق) أي على مقتضى الحكمة والمصلحة، فإنه لا يشاء إلا ذلك. قال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [الشورى: 27] وقال:\rيَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: 26] اهـ كرخي.\rقوله: وَلَيَزِيدَنَ لام القسم وقوله: كَثِيراً مِنْهُمْ وهم علماؤهم ورؤساؤهم وقوله:\rطُغْياناً مفعول ثان. قوله: الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ قال أبو حيان: العداوة أخص من البغضاء، لأن كل عدو مبغض، وقد يبغض من ليس بعدو انتهى اهـ كرخي.\rقوله: (فكل فرقة منهم) أي اليهود فهو فرق كالجبرية والقدرية والمشبهة والمرجئة، وكذا النصارى فرق كالملكانية والنسطورية واليعقوبية والماردانية، فإن قلت: المسلمون أيضا فرق متعادون، فكيف يكون ذلك عيبا في اليهود والنصارى؟ قلت: افتراق المسلمين إنما حدث بعد عصر النبي والتابعين، أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم، فحسن جعل ذلك عيبا في اليهود والنصارى في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على النبي اهـ من الخازن.\rقوله: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً الخ تصريح بما أشير إليه من عدم وصول ضررهم للمسلمين، أي كلما أرادوا محاربة النبي ورتبوا مبادئها وأسبابها ردّهم اللّه وقهرهم، وذلك لعدم اجتماعهم وائتلافهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (كلما أرادوه) أي الحرب، والكثير فيه التأنيث. وفي المختار الحرب مؤنثة، وقد تذكر اهـ.\rقوله: (ردهم) أي اللّه ردهم قوله: فَساداً يجوز أن يكون مصدرا من المعنى، وحينئذ لك اعتباران، أحدهما رد الفعل لمعنى الصدر، والثاني المصدر لمعنى الفعل، وأن يكون حالا أي يسعون سعي فساد، أو يفسدون سعيهم فساد، أو يسعون مفسدين، وأن يكون مفعولا من أجله أي يسعون لأجل الفساد اهـ سمين.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ الخ بيان لحالهم في الآخرة. قوله: وَاتَّقَوْا (الكفر) يقطع","part":2,"page":250},{"id":790,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 251\rوَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)\rوَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بالعمل بما فيهما ومنه الإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من الكتب مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ بأن يوسع عليهم الرزق ويفيض من كل جهة مِنْهُمْ أُمَّةٌ جماعة مُقْتَصِدَةٌ تعمل به ومنهم من آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ بئس ما شيئا يَعْمَلُونَ (66) ه\r* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ جميع ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ولا تكتم شيئا خوفا أن تنال بمكروه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أي لم الهمزة لأجل المحافظة على سكون اللفظ القرآني. قوله: وَلَأَدْخَلْناهُمْ تحرير اللام لتأكيد الوعد بيانا لحالهم في الدنيا. قوله: (من الكتب) ككتاب شعياء، وكتاب دانيال، وكتاب أرمياء، وزبور داود.\rوعبارة الخازن: وما أنزل إليهم من ربهم فيه قولان، أحدهما: أن المراد به كتب أنبيائهم القديمة مثل:\rكتاب شعياء، وكتاب أرمياء، وزبور داود، ففي هذه الكتب أيضا ذكر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فيكون المراد بإقامة هذه الكتب الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم. والقول الثاني: أن المراد بما أنزل لهم من ربهم القرآن لأنهم مأمورون بالإيمان به فكأنه نزل إليهم من ربهم اهـ.\rقوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ أي لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات السماء والأرض، أو يكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجنوها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض بيّن بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا لقصور الفيض.\rولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم، وجعل لهم خير الدارين اهـ.\rومفعول أكلوا محذوف لقصد التعميم أو للقصد إلى نفس الفعل، كما في قوله: فلان يعطى ويمنع، ومن في الموضعين لابتداء الغاية اهـ أبو السعود.\rقوله: (بأن يوسع عليهم الرزق) هذا في أهل الكتاب القائلين يد اللّه مغلولة الذين ضيق عليهم عقوبة لهم، فلا يرد كون كثير من المتقين العاملين في غاية الضيق، فالتوسع والتضيق ليسا من الإكرام والإهانة. قال تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: 15] إلى قوله: كُلا* أي أن اللّه تعالى يجعل ضيق الرزق كسعته نعمة فيبعض عباده. ونقمة على آخرين، فلا يلزم من توسيع الرزق الإكرام ولا من تضييقه الإهانة اهـ كرخي.\rقوله: مُقْتَصِدَةٌ أي عادلة غير غالبة ولا مقصرة، فالاقتصاد في الشيء والاعتدال فيه اهـ.\rقوله: (به) أي المذكور في التوراة وما بعدها اهـ.\rقوله: وَكَثِيرٌ مبتدأ وقوله: ساء خبره. قوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ روي عن الحسن أن اللّه لما بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ضاق ذرعا، وعرف أن من الناس من يكذبه، فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: (جميع) ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي من الأحكام ما يتعلق بها، وأما الأسرار التي اختصت بها فلا يجوز لك تبليغها اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: جميع ما أنزل إليك أشار به إلى أن ما موصولة بمعنى الذي لا نكرة موصوفة لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما قرره، والنكرة لا تفي بذلك، إذ تقديرها بلغ شيئا مما أنزل","part":2,"page":251},{"id":791,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 252\rتبلغ جميع ما أنزل إليك فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ بالإفراد والجمع لأن كتمان بعضها ككتمان كلها وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أن يقتلوك وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس حتى نزلت فقال «انصرفوا فقد عصمني اللّه» رواه الحاكم إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67)\rقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين معتد به إليك، ومن ثم قالوا الدعوة مثل الصلاة إذا نقص منها ركن بطلت اهـ.\rقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ظاهر هذا التركيب اتحاد الشرط والجزاء، لأنه يؤول ظاهرا إلى وإن لم تفعل فما فعلت مع أنه لا بد أن يكون الجواب مغايرا للشرط لتحصل الفائدة، ومتى اتحدا اختل الكلام، وأجاب عن ذلك ابن عطية بقوله: أي وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ما بلغته غير معتد به، فصار المعنى وإن لم تستوف، وأمر بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا. وقد أشار الجلال إلى هذا بقوله: أي لم تبلغ جميع ما أنزل إليك لأن كتمان بعضها ككتمان كلها اهـ من السمين.\rقوله: (بالإفراد والجمع) أشار به إلى قراءة ابن عامر ونافع وشعبة بجمع، وكسر تاء جمع تأنيث سالم لاختلاف أنواع الرسالة وناف بتوحيد، وفتح تاء واسم الجنس المضاف يشمل أنواعها، فاتخذت القراءتان اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ أي يحفظك. قوله: (أن يقتلوك) أشار بهذا إلى تقدير مضاف في الآية أي من قتل الناس، وهذا جواب سؤال صورته كيف هذا مع أنه قد شج وجهه، وكسرت رباعيته يوم أحد وأوذي بضروب الأذى، فكيف الجمع بين هذا وهذه الآية؟ وحاصل الجواب أن المراد أن يعصمه من خصوص القتل، فلا ينافي أن يقع له غيره اهـ خازن.\rقوله: (و كان صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس) عبارة القرطبي: روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: سهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقدمه المدينة ليلة فقال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة».\rقال: «فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح». قال: «من هذا؟» قال: سعد بن إبي وقاص .. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما جاء بك؟» فقال: وقع في نفسي خوف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجئت أحرسه، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم نام. وفي غير الصحيح قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح، فقال:\r«من هذا؟» قال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك فنام عليه الصلاة والسّلام حتى سمعت غطيطه، ونزلت هذه الآية فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأسه من قبة أدم، وقال: «انصرفوا أيها الناس فقد عصمني اللّه» انتهت.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي إلى ما يريدون بك، وهذا تعليل لما قبله اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود أن اللّه لا يهدي القوم الكافرين تعليل لعصمته تعالى له عليه السّلام. أي لا يمكنهم مما يريدون بك من الأضرار اهـ.\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ الخ قال ابن عباس: جاء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة وقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وتؤمن بما عندنا من التوراة، فقال: «بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فأنا بريء من احداثكم»، فقالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولم","part":2,"page":252},{"id":792,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 253\rحَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان بي وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من القرآن طُغْياناً وَكُفْراً لكفرهم به فَلا تَأْسَ تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) إن لم يؤمنوا بك أي لا تهتم بهم\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود مبتدأ وَالصَّابِئُونَ فرقة منهم وَالنَّصارى ويبدل من المبتدأ مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ نؤمن لك ولا نتبعك، فأنزل اللّه: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ اهـ خازن.\rقوله: (معتد به) أي حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه اهـ كرخي.\rقوله: (بما فيه) أي المذكور من الأمور الثلاثة. قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ الخ جملة مستأنفة مبينة لشدة شكمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد، وعدم إفادة التبليغ نفعا وتصديرها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولها، والمراد بالكثير المذكور علماؤهم ورؤساؤهم، ونسبة الإنزال إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع نسبته فيما مر إليهم للانباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة اهـ أبو السعود.\rقوله: (تهتم به) أي لأنهم لا يستحقون العناية اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي إيمانا حقا لا نفاقا وخبر إن محذوف تقديره فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، دل عليه المذكور، وقوله: وَالَّذِينَ هادُوا مبتدأ فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف، وقوله: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى عطف على هذا المبتدأ، وقوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ الخ خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة، وقوله: مَنْ آمَنَ الخ بدل من كل منها بدل بعض فهو مخصص، فكأنه قال:\rالذين آمنوا من اليهود ومن النصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فالاخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر بشرط الإيمان لا مطلقا. هذا حاصل ما درج عليه الشارح في الإعراب، وفي المقام وجوه تسعة أخرى ذكرها السمين، وما مشى عليه الجلال أوضح وأظهر من كل منها تأمل.\rقوله: (فرقة منهم) أي من اليهود، هذا قول، والمشهور في الفقه أنهم فرقة من النصارى، وقيل: انهم طائفة أقدم من النصارى كانوا يعبدون الكواكب السبعة. وقيل: كانوا يعبدون الملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: (و يبدل) أي بدل بعض منه أي من المبتدأ الذي هو الفرق الثلاث اهـ.\rقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ويجوز في من وجهان، أحدهما: أنها شرطية وقوله: فَلا خَوْفٌ الخ جواب الشرط، وعلى هذا فآمن في محل جزم بالشرط، وقوله: فلا خوف في محل جزم لكونه جوابه، والفاء لازمة. والثاني: أن تكون موصولة والخبر فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشروط، فآمن على هذا لا محل له لوقوعه صلة وقوله: فلا خوف محله الرفع لوقوعه خبرا، والفاء جائزة الدخول لو كان في غير القرآن، وعلى هذين الوجهين فمحل من رفع بالابتداء، ويجوز على كونها موصولة أن تكون في محل نصب بدلا من اسم أن وما عطف عليه أو تكون بدلا من المعطوف فقط، وهذا على الخلاف في الذين آمنوا هل المراد بهم المؤمنون حقيقة أو المؤمنون نفاقا. وعلى كل تقدير من التقادير المتقدمة، فالعائد من هذه الجملة على من محذوف تقديره من آمن منهم كما صرح به في موضع آخر اهـ سمين.","part":2,"page":253},{"id":793,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 254\rوَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) في الآخرة خبر المبتدأ ودال على خبر إن\rلَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ على الإيمان باللّه ورسله وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ منهم بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ من الحق كذبوه فَرِيقاً منهم كَذَّبُوا وَفَرِيقاً منهم يَقْتُلُونَ (70) كزكريا ويحيى والتعبير به دون قتلوا حكاية للحال الماضية للفاصلة\rوَحَسِبُوا ظنوا أَلَّا وهذا كله مبني على غير ما سلكه الشارح في الإعراب حيث جرى على أن من بدل من المبتدآت الثلاثة اهـ.\rقوله: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي في التوراة، وهذا كلام مبتدأ مسوق لبيان بعض آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي باللّه لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد، وسائر الشرائع، والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة اهـ أبو السعود.\rقوله: (منهم) أشار بتقدير هذا العائد إلى أن الجملة الشرطية صفة لرسلا. وعبارة السمين: قال الزمخشري: كلما جاءهم رسول جملة شرطية وقعت صفة لرسلا والعائد محذوف، أي رسول منهم.\rثم قال: فإن قلت: أين جواب الشرط، فإن قوله فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ناب عن الجواب، وليس جوابا لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين. قلت: محذوف يدل عليه قوله فريقا كذبوا وفريقا يقتلون كأنه قيل: كلما جاءهم رسول ناصبوه وعادوه، وقوله: فريقا كذبوا مستأنف جواب سؤال، كأنه قيل:\rكيف فعلوا برسلهم اهـ.\rوقرر أبو السعود أن الجملة الشرطية ليست صفة، بل هي مستقلة واقعة في جواب شرط مقدر.\rونصه: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم جملة شرطية مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الاخبار بأخذ الميثاق، وجواب الشرط محذوف كأنه قيل: فماذا فعلوا بالرسل؟ فقيل: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغي والفساد من أحكام الحق والشرائع عصوه وعادوه، وقوله: فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ جواب مستأنف عن استفسار كيفية ما أظهروه من آثار المخالفة المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال، كأنه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل: فريقا منهم كذبوا من غير أن يتعرضوا لهم بشيء آخر من المضار، وفريقا آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم، بل قتلوهم أيضا اهـ.\rقوله: (كذبوه) أفاد بتقدير هذا أن كلما شرطية، وأن جوابها محذوف، لكن لو قدره عاما ينطبق على القسمين المذكورين بقوله: فريقا كذبوا الخ، لكان أوضح كأن يقول عصوه وعادوه كما قدره غيره. قوله: فَرِيقاً كَذَّبُوا أي من غير قتل كعيسى ومحمد، فقول الشارح: كزكريا الخ مثال لقوله:\rوَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: (دون قتلوا) أي المناسب لكذبوا في الماضوية وقوله: حكاية للحال الماضية. وصورتها أن يفرض ما حصل فيما مضى حاصلا وقت التكلم، ويعبر عنه بالمضارع الدال على حال التكلم، وقوله: (للفاصلة) عبارة غيره. وللمحافظة على رؤوس الآي فكأنه سقط من الشارح واو العطف، فالتعبير المذكور معلل من العلتين اهـ شيخنا.","part":2,"page":254},{"id":794,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 255\rتَكُونَ بالرفع فأن مخففة والنصب فهي ناصبة أي تقع فِتْنَةٌ عذاب بهم على تكذيب الرسل قوله: وَحَسِبُوا الخ وسبب هذا الحسبان الفاسد أنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله. وقيل: في بيان السبب أنهم كانوا يعتقدون أن آباءهم وأسلافهم يدفعون عنهم العذاب في الآخرة اهـ خازن.\rقوله: (بالرفع) أي رفع تكون في قراءة أبي عمرو، وحمزة والكسائي، فإن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره أنه، ولا نافية، وأصله أنه لا تكون فتنة، وإدخال فعل الحسبان عليها وهي للتحقيق تنزيلا له منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم، وقوله: والنصب أي في قراءة الباقين، فهي ناصبة أي لتكون أي وحسب على بابها من الشك وسدّ مسدّ مفعولي حسب على القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند والمسند إليه اهـ كرخي.\rوحاصل استعمال ان أنها إن وقعت بعد مادة العلم وما في معناه كاليقين تعين الرفع بعدها وتعين أنها مخففة عن الثقيلة، وإن وقعت بعد مادة غيره مما لا يحتمله كالشك والظن تعين النصب بعدها وتعين أنها المصدرية، وإن وقعت بعدما يحتمل العلم غيره كالحسبان، كما هنا جاز فيما بعدها الوجهان، فالرفع على جعل الحسبان بمعنى العلم والنصب على جعله بمعنى الظن، وقول الشارح ظنوا يتخرج على الوجهين، فعلى الرفع المراد بالظن العلم، وعلى النصب هو باق على حقيقته اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: والحاصل أنه متى وقعت ان بعد علم وجب أن تكون المخففة، وإذا وقعت بعد ما ليس بعلم ولا شك وجب أن تكون الناصبة، وإن وقعت بعد فعل يحتمل اليقين، والشك جاز فيه وجهان باعتبارين ان جعلناه يقينا جعلناها المخففة ورفعنا ما بعدها وإن جعلناه شكا جعلناها الناصبة ونصبنا ما بعدها، والآية الكريمة من هذا الباب، وكذلك قوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: 89] وقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: 2]، لكن لم يقرأ في الأولى إلا بالرفع ولم يقرأ في الثانية إلا بالنصب، لأن القراءة سنة متبعة، وهذا تحرير العبادة، وفيها وكلا التقديرين كونها المخففة الناصبة فهي سادة مسدّ المفعولين عند جمهور البصريين ومسد الأول والثاني محذوف عند أبي الحسن أي حسبوا عدم الفتنة كائنا أو حاصلا: وحكى بعض النحويين أنه ينبغي لمن رفع أن يفصل أن ميم لا في الكتابة لأن هاءه الضمير فاصلة في المعنى، ومن نصب لم يفصل لعدم الحائل بينهما. قال أبو عبد اللّه: هذا إنما شاع في غير المصحف أما المصحف فلم يرسم إلا على الاتصال اهـ.\rقلت: وفي هذه العبارة تجوز إذ لفظ الاتصال يشعر بأن تكتب ألّا فتوصل أن يلاقي الخط، فينبغي أن يقال لا يثبت لأن صورة أو يثبت لها صورة منفصلة اهـ بحروفه.\rقوله: (أي تقع) بالنصب والرفع على القراءتين، وهذا تفسير لتكون، فهي تامة على القراءتين وفتنة فاعلها اهـ شيخنا.","part":2,"page":255},{"id":795,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 256\rوقتلهم فَعَمُوا عن الحق فلم يبصروه وَصَمُّوا عن استماعه ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لما تابوا ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا ثانيا كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71) فيجازيهم به\rلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ سبق مثله وَقالَ لهم الْمَسِيحُ يا بَنِي قوله: فَعَمُوا وَصَمُّوا عطف على حسبوا والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة، وركبوا المحارم، وقتلوا شعياء وقيل: حبسوا أرمياء عليه السّلام، وليس إشارة إلى عبادتهم العجل كما قيل، فإنها وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم، لكنها في عصر موسى عليه السّلام ولا تعلق بما حكى عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءوا إليهم بعده عليه السّلام، ثم تاب اللّه عليهم حين تابوا، ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعدما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بختنصر أسارى في غاية الذل والمهانة، فوجه اللّه عز وجل ملكا عظيما من ملوك فارس إلى بيت المقدس يعمره ونجا بقايا بني إسرائيل من أسر بخنتصر بعد مهلكه وردهم إلى وطنهم وتراجع من تفرق منهم في الآفاق، فعمره ثلاثين سنة، فكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه، وذلك قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء: 6]. وأما ما قيل من أن المراد قبول توبتهم من عبادة العجل، فقد عرفت أن ذلك مما لا تعلق له بالمقام، ثم عموا وصموا وهو إشارة إلى المرة الأخيرة من مرتي إفسادهم، وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى عليه السّلام، وليس إشارة إلى طلبهم الرؤية كما قيل لما عرفت سره، فإن فنون الجنايات الصادرة عنهم لا تكاد تتناهى. خلا أن انحصار ما حكي عنهم ههنا في المرتين وترتبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السّلام ويقضي بأن المراد ما ذكرناه، واللّه عنده علم الكتاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (بدل من الضمير) أي في الفعلين، وبهذا الإعراب خرجت الآية عن أن تكون على لغة أكلوني البراغيث،، لأن التخريج على تلك اللغة هو أن نجعل الواو اللاحقة للفعل علامة جمع الذكور، وليست ضميرا ولا فاعلا، ويجعل كثير هو الفاعل اهـ.\rوفي الكرخي: وهذا الإبدال في غاية البلاغة، فإنه لما قال: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا أوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك، فلما قال: كثير منهم علم أن هذا الحكم حاصل للكثير منهم لا للكل، وقوله:\rفَعَمُوا وَصَمُّوا عطفه بالفاء، وقوله: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا عطفه بثم وهو معنى حسن، وذلك أنهم عقب الحسبان حصل لهم العمى والصمم من غير تراخ. وأسند الفعلين إليهم بخلاف قوله فأصمهم وأعمى أبصارهم، لأن هذا فيمن لم تسبق له هداية، وأسند الفعل الحسن لنفسه في قوله: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وعطف قوله ثم تاب بحرف التراخي دلالة على أنهم تمادوا في الضلال إلى وقت التوبة اهـ.\rقوله: بِما يَعْمَلُونَ أي بما عملوا وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ولرعاية الفواصل اهـ أبو السعود.\rقوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا وهم اليعقوبية من النصارى، وهذا شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطال أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود، فقالت هذه الطائفة إن مريم ولدت إلها،","part":2,"page":256},{"id":796,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 257\rإِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ فإني عبد ولست بإله إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ في العبادة غيره فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ منعه أن يدخلها وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ زائدة أَنْصارٍ (72) يمنعونهم من عذاب اللّه\rلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ آلهة ثَلاثَةٍ أي أحدها والآخرن عيسى وأمه وهم فرقة من النصارى وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من ومعنى هذا عندهم أن اللّه تعالى حلّ في ذات عيسى واتحد، بها اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالَ الْمَسِيحُ جملة حالية من الواو في قالوا ورابطها محذوف قدره بقوله لهم، أي والحال أنه قال لهم ما ذكر حين إرساله إليهم. وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور، لأنه لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية اهـ من الخازن.\rقوله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ الخ هذا إما من تمام كلام عيسى، وإما من كلام اللّه تعالى احتمالان اهـ أبو السعود.\rقوله: (منعه أن يدخلها) أي فالتحريم مستعمل في المنع مجازا لانقطاع التكليف في الدار الآخرة اهـ شيخنا.\rقوله: ما لِلظَّالِمِينَ فيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها وفيه إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بوصف الظم اهـ أبو السعود.\rقوله: (يمنعونهم من عذاب اللّه) صيغة الجمع ههنا للإشعار بأن نصرة الواحد أمر غير محتاج إلى التعرض لنفيه لشدة ظهوره، وإنما ينفى التعرض لنفي نصرة الجمع. والمراد بالظالمين هنا المشركون بقرينة ما قبله إذ الظالمون من المسلمين لهم ناصر وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لشفاعته لهم يوم القيامة اهـ كرخي.\rقوله: (و الآخران عيسى وأمه) هذا وجه في تفسير التثليث عندهم. وهناك وجه آخر للمفسرين، وهو أن النصارى يقولون إن الإله جوهر واحد مركب من ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس، فهذه الثلاثة إله واحد كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة أي كلام اللّه، وبالروح الحياة، وقالوا إن الكلمة التي هي كلام اللّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله، والابن إله والروح إله، والكل إله واحد اهـ خازن.\rقوله: (و هم فرقة من النصارى) وهم النسطورية والمرقوسية اهـ.\rقوله: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ من زائدة في المبتدأ. قال الزمخشري: من في قوله وما من إله للاستغراق وهي المقدرة مع التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا اللّه، وخبر المبتدأ محذوف، وإلا أداة حصر لا عمل لها، وإله واحد بدل من الضمير في الخبر المحذوف. والمعنى ما إله كائن في الوجود إلا إله واحد على وزان إعراب لا إله إلا اللّه، ولو ذهب إلى أن قوله إلا إله خبر المبتدأ، وتكون المسألة من باب الاستثناء المفرغ، كأنه قيل: ما إله إلا إله متصف بالوحدانية ما ظهر له منع، لكن أرهم قالوه، وفيه مجال للنظر اهـ من السمين. وهذه الجملة من كلام اللّه تعالى رد عليهم اهـ.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 17","part":2,"page":257},{"id":797,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 258\rالتثليث ويوحدوا لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ثبتوا على الكفر مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) مؤلم وهو النار\rأَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ مما قالوه استفهام توبيخ وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ (74) به\rمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فهو يمضي مثلهم وليس بإله كما زعموا وإلا لما مضى وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ مبالغة في الصدق كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كغيرهما من الحيوانات ومن كان كذلك لا يكون إلها لتركبه وضعفه وما قوله: لَيَمَسَّنَ جواب قسم محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة هذا عليه، والتقدير واللّه إن لم ينتهوا ليمسن. جاء هذا على القاعدة المقررة وهي أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب سابقهما ما لم يسبقهما ذو خبر، وقد يجاب الشرط مطلقا، وقد يقدم أيضا أن فعل الشرط حينئذ لا يكون إلا ماضيا لفظا أو معنى لا لفظا كهذه الآية. فإن قيل: السابق هنا الشرط أو القسم مقدرا فيكون تقديره متأخرا.\rفالجواب أنه لو قصد تأخر القسم في التقدير لأجيب الشرط، فلما أجيب القسم علم أنه مقدر التقديم، وسئل بعضهم عن هذا فقال: لام التوطئة للقسم قد تحذف ويراعى حكمها كهذه الآية، إذ التقدير ولئن لم كما صرح بهذا في غير موضع، كقوله: لئن لم ينته المنافقون، ونظير هذه الآية قوله: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف: 23] وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:\r121]. وتقدم أن هذا النوع من جواب القسم يجب أن يتلقى باللام، وأن يتصل بإحدى النونين عند البصريين إلا ما قدمت لك استثناءه اهـ سمين.\rقوله: (أي ثبتوا على الكفر) يشير به إلى أن من في قوله: منهم للتبعيض، لأن كثيرا منهم تابوا من النصرانية، فالتعريف على هذا للعهد. وقال أبو البقاء: منهم في موضع المحال إما من الذين أو من ضمير الفاعل في كفروا، وجرى الزمخشري على أنها بيانية اهـ كرخي.\rقوله: أَفَلا يَتُوبُونَ الفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الباطلة فلا يتوبون الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (استفهام توبيخ) أي وإنكار أي إنكار الواقع واستبعاده لا إنكار الوقوع اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ الواو للحال. قوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ استئناف مسوق لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه، وبيان حقيقة حاله عليه السّلام، وحال أمه بالإشارة أولا إلى أشرف ما لها من نعوت الكمال التي بها صارا من جملة أكمل أفراد الجنس، وآخر إلى الوصف المشترك بينهما، وبين جميع أفراد البشر، بل أفراد الحيوان استنزالا لهم بطريق التدريج من رتبة الإصرار على ما تقولوا عليهما، وإرشادا لهم إلى التوبة والاستغفار أي هو مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها اهـ أبو السعود.\rقوله: (مضت) أي ذهبت وفنيت اهـ. قوله: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي وما أمه أيضا إلا كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق، ويبالغن في الإنصاف به فما رتبتهما إلا رتبة بشرين أحدهما نبي والآخر صحابي فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواصهم اهـ أبو السعود.","part":2,"page":258},{"id":798,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 259\rينشأ منه من البول والغائط انْظُرْ متعجبا كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ على وحدانيتنا ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى كيف يُؤْفَكُونَ (75) يصرفون عن الحق مع قيام البرهان\rقُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ (76) بأحوالكم والاستفهام للإنكار\rقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى لا تَغْلُوا تجاوزوا الحد فِي دِينِكُمْ غلوا غَيْرَ الْحَقِ بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه فوق حقه وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قوله: كَيْفَ نُبَيِّنُ منصوب بنبين بعده، وتقدم ما فيه في قوله: كيف تكفرون باللّه، ولا يجوز أن يكون معمولا لما قبله لأن له صدر الكلام، وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب معمولة للفعل قبلها، وكيف معلقة له عن العمل في اللفظ. قوله: ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ كالجملة قبلها وأنى بمعنى كيف، ويؤفكون ناصب لأنى ويؤفكون بمعنى يصرفون، وفي تكرير الأمر بقوله انظر ثم انظر دلالة على الاهتمام بالنظر، وأيضا فقد اختلف متعلق النظرين، فإن الأول أمر بالنظر في كيفية إيضاح اللّه تعالى لهم الآيات وبيانها بحيث أنه لا شك فيها ولا ريب. والأمر الثاني: بالنظر في كونهم صرفوا عن تدبرها والإيمان بها أو بكونهم قبلوا عما أريد بهم. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله ثم انظر؟ قلت: معناه ما بين التعجبين يعني أنه بين لهم الآيات بيانا عجبا، وإن إعراضهم عنها أعجب منها اهـ. يعني أنه من باب التراخي في الترتيب لا في الأزمنة ونحوه، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون كما سيأتي اهـ سمين.\rقوله: قُلْ أَتَعْبُدُونَ أمر له صلّى اللّه عليه وسلّم بإلزامهم وتبكيتهم بعد تعجبه من أحوالهم اهـ أبو السعود.\rقوله: ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً يعني به عيسى عليه السّلام، وإيثار ما على من لتحقيق ما هو المراد من كونه بمعزل عن الألوهية رأسا ببيان انتظامه عليه السّلام في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا، وهو عليه السّلام وإن كان يملك ذلك بتمليكه تعالى إياه، لكنه لا يملكه في ذاته ولا يملك مثل ما يضر اللّه تعالى به من البلايا والمصائب، وما ينفع من الصحة والسعادة اهـ أبو السعود.\rوما يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، وأن تكون نكرة موصوفة، والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب اهـ سمين.\rقوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هو يجوز أن يكون مبتدأ، ويجوز أن يكون بدلا وهذه الجملة الظاهرة فيها أنها لا محل لها من الإعراب، ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل أتعبدون أي أتعبدون غير اللّه. والحال أن اللّه هو المستحق للعبادة، لأنه يسمع كل شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلام الزمخشري، فإنه قال: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ متعلق بأتعبدون أي: أتشركون باللّه ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولون وما تعتقدون أتعبدون العاجز واللّه السميع العليم اهـ.\rوالرابط بين الحال وصاحبها والواو، ومجيء هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة، فإن السميع يسمع ما يشكى إليه من الضر وطلب النفع، ويعلم مواقعهما كيف يكونان اهـ سمين.\rقوله: (غلوا) غَيْرَ الْحَقِ أشار إلى أن قول الحق نعت لمصدر محذوف مؤكد من حيث","part":2,"page":259},{"id":799,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 260\rقَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ بغلوهم وهم أسلافهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً من الناس وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) عن طريق الحق والسواء في الأصل الوسط\rلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ بأن دعا عليهم فمسخوا قردة وهم أصحاب أيلة وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بأن دعا المعنى، قاله السفاقسي، ويصح كونه حالا من ضمير الفاعل في تغلوا أي تغلوا مجاوزين الحق اهـ كرخي.\rقوله: (بأن تضعوا عيسى) كما فعلت اليهود فقالوا فيه إنه ابن زنا، وقوله: أو ترفعوه الخ كما فعلت النصارى فقالوا فيه إنه إله اهـ شيخنا.\rقوله: أَهْواءَ قَوْمٍ الأهواء جمع هوى، وهو ما تدعو شهوة النفس إليه. قال الشعبي: ما ذكر اللّه تعالى الهوى في القرآن إلا وذمه، وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع موضع الشر لأنه لا يقال فلان يهوى الخير، إلا أنه يقال فلان يحب الخير ويريده اهـ خازن.\rقوله: مِنْ قَبْلُ أي قبل مبعث النبي، وقوله: (بغلوهم) أي في عيسى حيث وضعوه جدا أو رفعوه جدا، وهذا الغلو ضلال عن مقتضى العقل، وقوله: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع، فحصلت المغايرة اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: وفائدة قوله: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ بعد قوله قد ضلوا من قبل أن المراد بالضلال الأول ضلالهم الإنجيل، وبالثاني ضلالهم عن القرآن اهـ.\rقوله: (و السواء في الأصل الوسط) أي المراد به هنا الدين الحق.\rقوله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي من اليهود والنصارى، فاليهود لعنوا على لسان داود، والنصارى لعنوا على لسان عيسى، والفريقان من بني إسرائيل اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ في محل نصب على الحال وصاحبها، إما الذين كفروا وإما الواو في محل كفروا وهما بمعنى واحد. وقوله: على لسان داود وعيسى ابن مريم المراد باللسان الجارحة، لا اللغة، كذا قاله الشيخ، يعني أن الناطق بلعن هؤلاء لسان هذين النبيين، وجاء قوله على لسان بالإفراد، دون التثنية والجمع، فلم يقل على لساني على التثنية لقاعدة كلية، وهي أن كل جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا إلى كليهما من غير تفريق جاز فيهما ثلاثة أوجه، لفظ الجمع، وهو المختار ويليه التثنية عند بعضهم، وعند بعضهم الإفراد مقدم على التثنية، فيقال: قطعت رؤوس الكبشين، وإن شئت قلت رأسي الكبشين، ومنه فقد صغت قلوبكما، وفي النفس من كون المراد باللسان الجارحة شيء، ويؤيد ذلك ما قاله الزمخشري، فإنه قال: نزل اللّه لعنهم في الزبور على لسان داود، وفي الإنجيل على لسان عيسى وقوة هذا تأبى كونه للجارحة، ثم إني رأيت الواحدي ذكر عن المفسرين الاثنين ورجع ما قلته اهـ سمين. وكان داود بعد موسى وقبل عيسى.\rقوله: (بإن دعا عليهم) أي لما اعتدوا في السبت واصطادوا الحيتان فيه، فقال في دعائه عليهم:\rاللهم العنهم واجعلهم قردة، فمسخوا قردة وستأتي قصتهم في سورة الأعراف. وقوله: في عيسى بأن","part":2,"page":260},{"id":800,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 261\rعليهم فمسخوا خنازير وهم أصحاب المائدة ذلِكَ اللعن بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78)\rكانُوا لا يَتَناهَوْنَ أي لا ينهى بعضهم بعضا عَنْ معاودة مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) ه فعلهم هذا\rتَرى يا محمد كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة بغضا لك لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ من العمل دعا عليهم أي لما أكلوا من المائدة، ادخروا ولم يؤمنوا فقال: اللهم العنهم واجعلهم قردة وخنازير، فمسخوا قردة وخنازير، وستأتي قصتهم في الشارح اهـ من الخازن.\rقوله: (و هم أصحاب المائدة) وكانوا خمسة آلاف ليس فيهم امرأة ولا صبي، فمسخوا كلهم قردة وخنازير اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا مبتدأ وخبر، وقوله: وَكانُوا يَعْتَدُونَ في هذه الجملة الناقصة وجهان، أظهرهما: أن تكون عطفا على صلة ما هو عصوا أي ذلك بسبب عصيانهم وكونهم معتدين.\rوالثاني: أنها استئنافية أخبر اللّه عنهم بذلك. قال الشيخ: ويقوي هذا ما جاء بعده كالشرح له وهو قوله: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ اهـ سمين.\rقوله: عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لما وصف المنكر بكونهم فعلوه بالفعل أشكل النهي عنه، لأن ما وقع بالفعل لا ينهى عنه، فدفع الشارح هذا الإشكال بتقدير المضاف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: عن منكر فعلوه متعلق بيتناهون وفعلوه صفة لمنكر. قال الزمخشري: ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهي بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله اهـ.\rوفي أبي السعود: وليس المراد بالتناهي أن ينهى كل واحد منهم الآخر عما يفعله من المنكر كما هو المعنى المشهور لصيغة التفاعل، بل المراد مجرد صدور النهي من أشخاص متعددة من غير اعتبار أن يكون كل واحد منهم ناهيا ومنهيا كما في تراءوا الهلال اهـ.\rقوله: (فعلهم) هو المخصوص بالذم، وقوله: (هذا) أي المذكور وهو ترك النهي اهـ.\rقوله: تَرى أي تبصر وقوله: كَثِيراً مِنْهُمْ أي أهل الكتاب، وقوله: يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يوالونهم ويصادقونهم. قوله: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ ما هي الفاعل، وقوله: أَنْ سَخِطَ الخ هو المخصوص بالذم على حذف مضاف، أي موجب سخطه تعالى اهـ أبو السعود.\rوالموجب هو عملهم المعبر عنه بما فما كناية عن عملهم، فالمخصوص بالذم والفاعل في المعنى شيء واحد، ويمكن تنزيل الشارح على هذا الإعراب، فقوله: من العمل بيان لما، وقوله لمعادهم: نعت للعمل وله الموجب لهم نعت ثان له، وقوله: أن سخط مفعول للنعت الثاني، وهذا حل معنى لا حل إعراب، فقوله الموجب لهم يؤخذ منه عند حل الإعراب المضاف المقدر، أي موجب أن سخط اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله الموجب لهم أن سخط اللّه عليهم أشار به إلى أن المخصوص بالذم هو سبب سخط اللّه، وهو مأخوذ من قول الكشاف، والمعنى موجب سخط اللّه، فإن نفس السخط المضاف إلى","part":2,"page":261},{"id":801,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 262\rلمعادهم الموجب لهم أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80)\rوَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِ محمد وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أي الكفار أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81) خارجون عن الإيمان\rلَتَجِدَنَ يا محمد أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ أي قرب مودتهم الباري سبحانه لا يقال فيه هو المخصوص بالذم قاله الحلبي. وأعربه ابن عطية بدلا من ما ورده أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، وأن سخط لا يكون فاعلا لبئس ولا نعم ورد بأن التوابع قد يغتفر فيها ما لا يغتفر في المتبوعات، وأعربه غيره خبرا لمبتدأ محذوف أي هو أن سخط اللّه اهـ.\rقوله: (من العمل) وهو موالاتهم لكفار مكة. قوله: (الموجب لهم) الذي أوجب لهم سخط اللّه عليهم. قوله: وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة المخصوص بالذم. فالتقدير سخط اللّه عليهم وخلودهم في العذاب.\rقوله: وأُنْزِلَ إِلَيْهِ أي من القرآن. قوله: مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ أي لم يتخذوهم أولياء، وبيان الملازمة أن الإيمان بما ذكر وازع عن توليهم قطعا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ أما البعض منهم فقد آمن. قوله: لَتَجِدَنَ اللام للقسم، وهذا كلام مستأنف لتقرير ما قبله من قبائح اليهود اهـ أبو السعود.\rوقال ابن عطية: اللام للابتداء وليس بشيء، بل هي لام يتلقى بها القسم، وأشد الناس مفعول أول وعداوة نصب على التمييز وللذين متعلق به قرن باللام، لما كان فرعا في العمل عن الفعل ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء لأنها مبنية عليها، ويجوز أن يكون للذين صفة لعداوة فيتعلق بمحذوف، واليهود مفعول ثان. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون اليهود هو الأول، وأشد هو الثاني: وهذا هو الظاهر إذ المقصود أن يخبر اللّه تعالى عن اليهود بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، وعن النصارى بأنهم أقرب الناس مودة لهم، وليس المراد أن يخبر عن أشد الناس وأقربهم بكونهم من اليهود والنصارى. فإن قيل: متى استويا تعريفا وتنكيرا وجب تقديم المفعول الأول، وتأخير الثاني كما يجب في المبتدأ والخبر، وهذا من ذاك. فالجواب أنه إنما يجب ذلك حيث ألبس أما إذا دل دليل على عدم اللبس، فيجوز التقديم والتأخير اهـ سمين.\rقوله: (لتضاعف كفرهم) تعليل لأشد، وفي نسخة يتضاعف فالباء سببية. قوله: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ الخ، فإن قلت: كفر النصارى أشد من كفر اليهود، لأن النصارى ينازعون في الألوهية فيدعون للّه ولدا، واليهود إنما ينازعون في النبوة فينكرون نبوة بعض الأنبياء، فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟\rقلت: هذا مدح في مقابلة ذم وليس مدحا على الإطلاق، وأيضا الكلام في عداوة المسلمين وقرب مودتهم، لا في شدة الكفر وضعفه، وقد قال بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين، ومذهب النصارى أن الأذى حرام، فحصل الفرق بين اليهود والنصارى. وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد وطلب الرئاسة، ومن كان كذلك كان شديد","part":2,"page":262},{"id":802,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 263\rللمؤمنين بِأَنَ بسبب أن مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ علماء وَرُهْباناً عبادا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة نزلت في وفد النجاشي العداوة لغيره، وأما النصارى فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذاتها وترك طلب الرئاسة، ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحدا ولا يعاديه، بل يكون ألين عريكة في طلب الحق، فلهذا قال ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ الخ اهـ خازن.\rقوله: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أي أنصار دين اللّه وموادون لأهل الحق اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ مبتدأ وخبر، ومنهم خبر أن، وقسيسين اسمها، وأن اسمها وخبرها في محل جر بالباء، والباء ومجرورها خبر ذلك. وقسيسين جمع قسيس على فعيل، ومثال مبالغة كصديق وهو هنا رئيس النصارى وعالمهم، وأصله من تقسس الشيء إذا اتبعه وتطلبه بالليل، يقال: تقسست أصواتهم أي تتبعتها بالليل، ويقال لرئيس النصارى قس وقسيس، وللدليل بالليل قسقاس وقسقس قاله الراغب. وقال غيره: القس بفتح القاف تتبع الشيء، ومنه سمي عالم النصارى قسيسا لتتبعه العلم، ويقال قس الأثر، وقصه بالصاد أيضا، ويقال: قس وقس بفتح القاف وكسرها، وقسيس. وزعم ابن عطية أنه أعجمي معرب، وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وما فيه، وبقي منهم رجل يقال له قسيس، يعني بقي على دينه لم يبدله، فمن بقي على هديه ودينه قيل له قسيس، فعلى هذا القس والقسيس مما اتفق فيه اللغتان. قلت: وهذا يقوي قول ابن عطية، ولم ينقل أهل اللغة في هذا اللفظ القس بضم القاف لا مصدرا ولا وصفا، فأما قس بن ساعدة الأيادي فهو علم، فيجوز أن يكون مما غير عن طريق العلمية، ويكون أصله قس أو قس بالفتح أو الكسر، كما نقله ابن عطية، وقس بن ساعدة كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه عليه السّلام: «يبعث أمة وحده»، وقسيسون جمع قسيس تصحيحا كما في الآية الكريمة اهـ سمين.\rقوله: (نزلت) أي قوله لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً الخ، كما قاله أبو عباس في وفد النجاشي الخ.\rوعبارة الخازن: قال ابن عباس وغيره من المفسرين في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قالوا: إن قريشا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فآذوهم وعذبوهم فافتتن من افتتن منهم، وعصم اللّه من شاء منهم، ومنع اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما نزل بأصحابه، ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين ولم يكن قد أمر بالجهاد، أمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: «إن بها ملكا صالحا لا يظلم، ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل اللّه للمسلمين فرجا»، فخرج إليه أحد عشر رجلا وأربع نسوة سرا منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والزبير بن العوام، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل ابن بيضاء. فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذه هي الهجرة الأولى، ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون، فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة من","part":2,"page":263},{"id":803,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 264\rالقادمين عليهم من الحبشة قرأ صلّى اللّه عليه وسلّم سورة يس فبكوا وأسلموا وقالوا ما أشبه هذا بما كان المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. فلما كانت وقعة بدر وقتل اللّه فيها صناديد الكفار. قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم، فدخل عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن ربيعة فقالا له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، وزعم أنه نبي وأنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، وإن قومنا يسألونك أن تردهم إلينا، فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم فأحضروا، فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن أولياء اللّه، فقال: ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء اللّه، فلما دخلوا عليهم سلموا فقال الرهط من المشركين: أيها الملك ألا ترى أنا صدقناك إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيي بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد اللّه ورسوله وكلمة اللّه وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم أنها العذراء البتول. قال: فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم، فقال: هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرؤوا، فقرأ جعفر سورة مريم، وهناك قسيسون ورهابين وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل اللّه فيهم ذلك منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون إلى آخر الآيتين، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون، فرجع عمرو وصاحبه خائبين، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وبخير جوار إلى أن هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه وذلك في سنة ست من الهجرة. وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت مع زوجها، ومات عنها، فأرسل النجاشي جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد خطبها، فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحا كانت لها وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها، فأنكحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على صداق مبلغه أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النجاشي، فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة، فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين دينارا فلم تأخذها، قالت: إن الملك أمرني ألّا آخذ منك شيئا وقالت: أنا صاحبة ذهب الملك وثيابه، وقد صدقت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وآمنت به، وحاجتي إليك أن تقرئيه السّلام قالت: نعم وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود. وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحاصر خيبر، قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخيبر، فخرج من قدم معي، وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فدخلت عليه فكان يسألني عن النجاشي، فقرأت عليه السّلام من أبرهة جارية الملك، فرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السّلام، وأنزل اللّه عز وجل عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ\rعادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: 7]، يعني أبا سفيان، وذلك بتزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أم حبيبة. ولما بلغ أبا سفيان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تزوج أم حبيبة قال: ذلك الفحل لا يجدع أنفه. وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابنه أزهى في ستين من أصحابه، وكتب إليه: يا رسول اللّه إني أشهد أنك رسول اللّه صادقا","part":2,"page":264},{"id":804,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 265\rينزل على عيسى قال تعالى\rوَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ من القرآن تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا صدقنا بنبيّك وكتابك فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) المقرين مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفرا وأسلمت للّه رب العالمين وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسّلام عليك يا رسول اللّه. فركبوا في سفينة أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بخيبر، ووافى مع جعفر سبعون رجلا عليهم الثياب الصوف منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة، وثمانية من الشام، فقرأ عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة يس إلى آخرها، فبكى القوم حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السّلام، فأنزل اللّه هذه الآية فيهم، وهي قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى يعني وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر، وهم السبعون، وكانوا من أصحاب الصوامع.\rوقيل: نزلت في ثمانين رجلا: أربعين من نصارى نجران من بني الحرث بن كعب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء بها عيسى عليه السّلام، فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آمنوا به وصدقوه، فأثنى عليهم بقوله: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يعني لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق؛ انتهت مع بعض زيادة للقرطبي.\rقوله: وَإِذا سَمِعُوا الخ صنيع الشارح يقتضي أنه مستأنف حيث قال: (قال تعالى): ولذلك جعله بعضهم أو الربع. وقال أبو السعود إنه عطف على يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون، وأن أعينهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن. شيخنا.\rوالظاهر أن الضمير في سمعوا يعود على النصارى المتقدمين بعمومهم، وقيل: إنما يعود لبعضهم وهو من جاء من الحبشة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قال ابن عطية: لأن كل النصارى ليسوا كذلك اهـ سمين.\rوفي الخازن: قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه لما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم قال: فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة: قوله: تَفِيضُ أي تمتلئ بالدمع فتفيض أي تصب اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: فإن قلت: ما معنى تفيض من الدمع؟ قلت: معناه تمتلئ حتى تفيض، لأن الفيض ألّا يمتلئ الإناء حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي ينشأ من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة مقام السبب أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك: دمعت عينه دمعا، ومن الدمع متعلق بتفيض، ويكون معنى من ابتداء الغاية، والمعنى تفيض من كثرة الدمع اهـ.\rقوله: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ من الأولى لابتداء الغاية، وهي متعلقة بتفيض، والثانية يحتمل أن تكون لبيان الجنس، أي بينت جنس الموصول قبلها، ويحتمل أن تكون للتبعيض. وقد أوضح أبو القاسم هذا غاية الإيضاح، قال رحمه اللّه: فإن قلت أي فرق بين من ومن في قوله مما عرفوا من الحق؟","part":2,"page":265},{"id":805,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 266\rبتصديقهما\rوَقالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِ القرآن أي لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وَنَطْمَعُ عطف على نؤمن قلت: الأولى لابتداء الغاية على أن الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه، والثانية لبيان الموصول الذي ما عرفوا، ويحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فاشتد بكاؤهم منه، فكيف إذا عرفوه كله وقرؤوا القرآن وأحاطوا بالسنة، انتهى اهـ سمين.\rقوله: يَقُولُونَ الاستئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا يقولون اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: يقولون في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفة فلا محل لها أخبر اللّه عنهم بهذه المقالة الحسنة. الثاني: أنها حال من الضمير المجرور في أعينهم، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه، لأن المضاف إليه جزؤه، فهو كقوله تعالى: ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً [الحجر:\r47]. الثالث: أنها حال من فاعل عرفوا، وهو الواو والعامل فيها عرفوا اهـ.\rقوله: وَما لَنا جملة مستأنفة كما أشار له، وقوله: لا نُؤْمِنُ حال من الضمير في لنا، والعامل ما فيه من الاستقرار أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين على توجيه الإنكار إلى السبب، والمسبب جميعا على حد وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22] لا إلى سبب فقط مع تحقق المسبب على حد فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الانشقاق: 20] اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: قوله: أي لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه يؤخذ منه أن ما في موضع رفع بالابتداء ولنا الخبر، ولا نؤمن في موضع الحال، وهي محل الفائدة وعاملها ما تعلق به المجرور أي أي شيء يستقر لنا في انتفاء الإيمان اهـ.\rقوله: ما جاءَنا مِنَ الْحَقِ في محل ما وجهان، أحدهما: أنه في محل جر نسقا على الجلالة، أي باللّه وبما جاءنا، وعلى هذا فقوله من الحق فيه احتمالان، أحدهما: أنه حال من فاعل جاءنا أي جاءنا في حال كونه من جنس الحق. والاحتمال الآخر أن تكون من لابتداء الغاية، والمراد بالحق اللّه تعالى، وتتعلق من حينئذ بجاءنا، كقولك: جاءنا فلان من عند زيد. والثاني: أن محلها رفع بالابتداء، والخبر قوله من الحق، والجملة في موضع الحال. كذا قاله أبو البقاء، ويصير التقدير: وما لنا لا نؤمن باللّه، والحال أن الذي جاءنا كائن من الحق، والحق يجوز أن يراد به القرآن، فإنه حق في نفسه، ويجوز أن يراد به الباري تعالى كما تقدم، والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه قوله لنا اهـ سمين.\rقوله: (عطف على نؤمن) أي لا على نؤمن كما وقع للزمخشري إذ العطف عليه يقتضي إنكار عدم الإيمان، وإنكار الطمع وليس مراد، بل المراد إنكار عدم الطمع أيضا. وجوز أبو حيان أن يكون معطوفا على نؤمن على أنه منفي كنفي نؤمن. التقدير، وما لنا لا نؤمن ولا نطمع، فيكون في ذلك الإنكار لانتفاء إيمانهم، وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين: الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين اهـ.\rوذكر ذلك أبو البقاء باختصار، ولم يطلع عليه أبو حيان فبحثه وقال: لم يذكروه اهـ كرخي.","part":2,"page":266},{"id":806,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 267\rأَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) المؤمنين الجنة قال تعالى\rفَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) بالإيمان\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86). ونزل لما هم قوم من الصحابة أن يلازم الصوم والقيام ولا يقربوا النساء والطيب ولا يأكلوا اللحم ولا يناموا على الفراش\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما قوله: (الجنة) مفعول ثان. قوله: بِما قالُوا أي قولهم ربنا آمنا ورتب الثواب المذكور على القول، لأنه قد سبق وصفه بما يدل على إخلاصهم فيه، والقول إذا اقترن بالإخلاص فهو الإيمان اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ لما ذكر اللّه الوعد لمؤمني أهل الكتاب ذكر الوعيد لمن بقي منهم على الكفر اهـ خازن.\rوعطف التكذيب على الكفر مع أنه ضرب منه، لأن القصد بيان حال المكذوبين، وذكرهم في مقابلة المصدقين جمعا بين الترغيب والترهيب اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نزل لما هم قوم الخ) عبارة الخازن: قال علماء التفسير: إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر الناس يوما ووصف القيامة فرقّ الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم:\rأبو بكر، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، وعثمان بن مظعون، وتشاوروا واتفقوا على أنهم يترهبون ويلبسون المسوح، ويجيبوا مذاكيرهم، ويصوموا الدهر، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء، ولا الطيب، وأن يسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتى دار عثمان ابن مظعون، فلم يصادفه. فقال لامرأته: «أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟» فكرهت أن تكذب، وكرهت أن تفشي سر زوجها فقالت: يا رسول اللّه إن كان قد أخبرك عثمان فقد صدق، فانصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما جاء عثمان أخبرته بذلك، فأتى هو وأصحابه العشرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ألم أخبر أنكم اتفقتم على كذا وكذا».\rفقالوا: بلى يا رسول اللّه، وما أردنا إلا الخير. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إني لم أومر بذلك»، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ثم جمع الناس وخطبهم فقال: «ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب وشهوات الدنيا وإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم، فشدد اللّه عليهم فتلك بقاياهم في الديارات والصوامع» فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ انتهت.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي ما طاب ولذّ منه، كأنه لما تضمن","part":2,"page":267},{"id":807,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 268\rأَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا تتجاوزوا أمر اللّه إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)\rوَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً مفعول والجار والمجرور قبله حال متعلق به وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)\rلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ الكائن فِي أَيْمانِكُمْ هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف كقول الإنسان لا واللّه وبلى واللّه وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ بالتخفيف والتشديد وفي قراءة ما سلف مدح النصارى على الترهب، وترغيب المؤمنين في كسر النفس، ورفض الشهوات عقب ذلك النهي عن الإفراط في الباب، أي لا تمنعوها أنفسكم، كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمنا على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا اهـ أبو السعود.\rقوله: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي لا تعتقدوا تحريم الطيبات المباحات، فإن من اعتقد تحريم شيء أحله اللّه فقد كفر، أما ترك لذات الدنيا وشهواتها والانقطاع إلى اللّه والتفرغ لعبادته من غير إضرار بالنفس، ولا تفويت حق الغير ففضيلة لا منع منها، بل مأمور بها، وقوله: ولا تعتدوا يعني ولا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: معناه ولا تجبوا أنفسكم فسمي جب المذاكير اعتداء، وقيل:\rمعناه ولا تعتدوا بالإسراف في الطيبات اهـ خازن.\rقوله: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي تمتعوا بأنواع الرزق، وإنما خص الأكل، لأنه أغلب الانتفاع بالرزق اهـ شيخنا.\rقوله: حَلالًا فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مفعول به أي كلوا شيئا حلالا، وعلى هذا الوجه ففي الجار وهو قوله: مما رزقكم وجهان، أحدهما أنه حال من حلالا لأنه في الأصل صفة لنكرة، فلما قدم عليها انتصب حالا. والثاني: أن من لابتداء الغاية في الأكل أي ابتدئوا أكلكم الحلال من الذي رزقه اللّه لكم. الوجه الثاني: من الأوجه المتقدمة أنه حال من الموصول أو من عائده المحذوف أي رزقكموه، فالعامل فيه رزقكم. الوجه الثالث: إنه نعت لمصدر محذوف، أي أكلا حلالا وفيه تجوز اهـ سمين.\rقوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وهو عندنا أن يحلف على شيء يظن أنه كذلك كما يظن، وهو قول مجاهد قيل: كانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة، فلما نزل النهي قالوا: كيف بأيماننا؟ فنزلت، وعند الشافعي رحمه اللّه: ما يبدو من المرء من غير قصد، كقوله: لا واللّه، وبلى واللّه، وهو قول عائشة رضي اللّه عنها اهـ أبو السعود. وفي بمعنى من كما قاله القرطبي.\rقوله: (كقول الإنسان) أي من غير قصد الحلف فإن قصد به الحلف انعقدت اليمين اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة عاقدتم)، والثلاثة سبعية، فأما التخفيف فهو الأصل، وأما التشديد فيحتمل أوجها، أحدها: أنه للتكثير لأن المخاطب به جماعة. والثاني: أنه بمعنى المجرد فيوافق القراءة الأولى ونحوه قدر وقدر. والثالث: أنه يدل على توكيد اليمين نحو: واللّه الذي لا إله إلا هو، وأما عاقدتم، فيحتمل أن يكون بمعنى المجرد نحو: جاوزت الشيء وجزته، وأن يكون على بابه، وإليه يشير صنيع الجلال حيث قال عليه وهذا الذي قدره راجع لقراءة عاقدتم، والمعنى بما عاقدتم عليه الإيمان، فعدى","part":2,"page":268},{"id":808,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 269\rعاقدتم الْأَيْمانَ عليه بأن حلفتم عن قصد فَكَفَّارَتُهُ أي اليمين إذا حنثتم فيه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ لكل مسكين مد مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ منه أَهْلِيكُمْ أي أقصده وأغلبه لا أعلاه ولا أدناه أَوْ كِسْوَتُهُمْ بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار ولا يكفي دفع ما بعلى لتضمنه معنى عاهدتم، كما قال تعالى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ [الفتح: 10]، ثم اتسع فحذف الجار أولا فاتصل الضمير بالفعل، فصار بما عاقدتموه الإيمان، ثم حذف الضمير العائد من الصلة إلى الموصول اهـ من السمين.\rوهذا كله مبني على أن ما موصول اسمي، ويحتمل أن تكون مصدرية على القراءات الثلاث وجرى عليه أبو السعود ونصه: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أي بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها عليه بالقصد والنية، والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتموه إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف للعلم به اهـ.\rقوله: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ مبتدأ وخبر، والضمير في فكفارته فيه أربعة أوجه، أحدها: أن يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام، وإن لم يجر له ذكر أي فكفارته الحنث. الثاني: أنه يعود على ما إن جعلناها موصولة اسمية وهو على حذف مضاف. أي فكفارة نكثه، كذا قدره الزمخشري. والثالث:\rأن يعود على العقد لتقدم الفعل الدال عليه. الرابع: أن يعود على اليمين، وإن كانت مؤنثة لأنها بمعنى الحلف قالهما أبو البقاء، وليسا بظاهرين، وإطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل، أي فكفارته أن يطعم الحانث عشرة، وفاعل المصدر بحذف كثيرا وأهليكم مفعول أول لتطعمون، والثاني محذوف أي تطعمونه أهليكم وأهليكم جمع سلامة، وفقد من الشروط كونه ليس علما ولا صفة الذي حسن ذلك أنه كثيرا ما يستعمل استعمال مستحق، لكذا في قولهم هو أهل لكذا أي مستحق له، فأشبه الصفات فجمع جمعها، قال تعالى: شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا [الفتح: 11] قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: 6] اهـ سمين.\rقوله: (و إن كانت مؤنثة الخ) فيه قصور، فقد صرح غيره كالقرطبي بأن اليمين تذكر وتؤنث.\rقوله: عَشَرَةِ مَساكِينَ ولا يتعين كونهم من فقراء بلد الحالف اهـ حلبي على المنهج. قوله: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أي من غالب قوت بلد الحالف. أي: محل الحنث اهـ حلبي على المنهج.\rقوله: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ في محل نصب مفعول ثان لإطعام، والأول عشرة. أي: أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون، والعائد على ما محذوف، كما أشار إليه الشيخ المصنف، وتبع في التقدير المذكور أبا البقاء، ولو قال من أوسط ما تطعمونه كما قال الحلبي لكان أحسن، أو مرفوع على البدل من إطعام. قال الطيبي: وهذا هو الأظهر في إعرابه، والمعنى: إطعام من أوسط ما تطعمون، فههنا مضاف مقدر اهـ كرخي.\rقوله: (كقميص) أي وكمنديل، فإنه يكفي لا عرقية فإنها لا تكفي. قوله: (دفع ما ذكر) أي من الطعام والكسوة. قوله: (و عليه الشافعي) أي خلافا لأبي حنيفة رضي اللّه عنه في تجويزه صرف طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد في عشرة أيام اهـ كرخي.","part":2,"page":269},{"id":809,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 270\rذكر إلى مسكين واحد وعليه الشافعي أَوْ تَحْرِيرُ عتق رَقَبَةٍ أي مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار حملا للمطلق على المقيد فَمَنْ لَمْ يَجِدْ واحدا مما ذكر فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ كفارته وظاهره أنه لا يشترط التتابع وعليه الشافعي ذلِكَ المذكور كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أن تنكثوها ما لم تكن على فعل برّ أو إصلاح بين قوله: (كما في كفارة القتل والظهار) ذكر الظهار سبق قلم، لأن كفارته لم يذكر فيها الأيمان، وإنما ثبت فيها بقياسها على كفارة القتل كما يعلم بمراجعة الآيتين، ولهذا اقتصر غيره من المفسرين على القتل. قوله: (حملا للمطلق) أي هنا على المقيد أي في كفارة القتل جمعا بين الدليلين، كما عليه الشافعي خلافا لأبي حنيفة، حيث قال: لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف السبب، فيبقى المطلق على إطلاقه، فيجوز عتق الكافرة إلا في القتل اهـ كرخي.\rقوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ خبر مبتدأ محذوف على إعراب الشارح. قوله: (و عليه الشافعي) أي خلافا للثوري وأبي حنيفة رضي اللّه عنهما حيث قالا بوجوب التتابع قياسا على كفارة القتل والظهار بدليل قراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وردّ بأنها سقطت أي نسخت تلاوة وحكما لتعذر سقوطها بلا نسخ، لأن اللّه تعالى أخبر بحفظ كتابه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] على أنه قيل إنها لم تثبت عن ابن مسعود والخصال تخييرية، والأولى منها الثالث ثم الثاني اهـ كرخي.\rقال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته، وفضّل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام اهـ خازن.\rوهذا النقل عن الشافعي لعله عن مذهبه القديم، وإلّا فالمفتى به في الجديد أن العجز المجوز للانتقال للصوم أن لا يملك كفاية العمر الغالب وإن ملك قوت أيام أو شهور أو سنين اهـ.\rقوله: (أن تنكثوها) أي عن أن تنكثوها. والنكث: النقض وهو الحنث كأن يحلف على فعل فلم يفعل أو على عدمه فيفعل، ونكث من باب ضرب اهـ شيخنا.\rقوله: (ما لم يكن) أي ونقضها ومخالفتها على فعل برأي في، أو لأجل فعل بر، كأن حلف ألّا يصلي الضحى، فالأفضل أن يحنث ويصليها، وعليه أن يقول أو ترك منهي، كأن حلف أن يفعل الحرام أو المكروه، فيجب في الأول ويسن في الثاني أن يحنث ولا يفعل وقوله: (أو إصلاح) كأن حلف لا يتكلم بينهم في أمر، فاقتضى الحال التكلم لدفع فتنة بينهم مثلا اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: واحفظوا أيمانكم يعني قللوا أيمانكم، ففيه النهي عن كثرة الحلف، وقيل في معنى الآية. وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ عن الحنث إذا حلفتم لئلا تحتاجوا إلى التكفير، وهذا إذا لم يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على ذلك، فالأفضل، بل الأولى أن يحنث نفسه ويكفر لما روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إني واللّه إن شاء لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير». أخرجاه في الصحيحين اهـ.","part":2,"page":270},{"id":810,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 271\rالناس كما في سورة البقرة كَذلِكَ أي مثل ما يبين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) ه على ذلك\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ المسكر الذي يخامر العقل وَالْمَيْسِرُ القمار وَالْأَنْصابُ الأصنام وَالْأَزْلامُ قداح الاستقسام رِجْسٌ خبيث مستقذر مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ الذي يزينه فَاجْتَنِبُوهُ أي الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)\rإِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إذا أتيتموها لما قوله: (ما ذكر) أي حكم اليمين. قوله: (آياته) أي أعلام شريعته وأحكامها اهـ أبو السعود.\rقوله: (على ذلك) أي البيان فإنه من أجل النعم. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الخ، وقوله: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ الخ، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم بيّن اللّه في هذه الآية أنهما غير داخلين في جملة الطيبات، أي الحلالات، بل هما من جملة المحرمات اهـ خازن.\rقوله: (الذي يخامر العقل) أي يستره ويغطيه وإن اتخذ من غير العنب اهـ شيخنا.\rقوله: (القمار) أي اللعب بالملاهي كالطاب والمنقلة والطاولة، فالقمار مصدر قامر، ويقال أيضا: مقامرة على حد قوله: لفاعل الفعال والمفاعلة. وسمي القمار أي اللعب ميسرا لأن فيه أخذ المال بيسر اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْأَنْصابُ جمع نصب كجمل أو نصب بضمتين سميت الأصنام بذلك لأنها تنصب للعبادة اهـ شيخنا.\rقوله: رِجْسٌ خبر عن الأربعة، فلا حذف في الكلام، وقوله: (مستقذر) أي يعده أصحاب العقول قبيحا ينبغي التباعد عنه اهـ شيخنا.\rوفي السمين، قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح يقال: رجس ورجس بكسر الجيم وبفتحها يرجس رجسا إذا عمل قبيحا، وأصله من الرجس بفتح الراء وهو شدة صوت الرعد. وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس، فجعل الرجس الشر والرجز العذاب والركس العورة والنتن اهـ.\rوفي القاموس: ورجس كفرح وكرم إذا عمل عملا قبيحا اهـ.\rقوله: (مستقذر) أي عند العقول، قوله: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ في محل رفع صفة لرجس. قوله:\r(الذي يزينه) أي من الأمور التي يزينها للنفس فليس المراد بعمل ما يعمله بيده. قوله: (المعبر به) أي الذي أطلق على هذه الأمور، وذلك لأنه خبر عن كل منها، فقد سمي كل منها رجسا. قوله: (أن تفعلوه) بدل من الهاء. قوله: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ الخ سبب نزول هذه الآية أن عمر قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فطلب النبي عمر فقرئت عليه فقال:\rاللهم بيّن لنا في الخمر والميسر بيانا شافيا فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] فدعا النبي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ الآية فدعا النبي عمر فقرئت عليه فقال: انتهينا يا رب اهـ خازن.","part":2,"page":271},{"id":811,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 272\rيحصل فيهما من الشر والفتن وَيَصُدَّكُمْ بالاشتغال بهما عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ خصها بالذكر تعظيما لها فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) عن إتيانهما أي انتهوا\rوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا المعاصي فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن الطاعة فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) الابلاغ البين وجزاؤكم علينا\rلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا أكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم إِذا مَا اتَّقَوْا المحرمات وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثبتوا على التقوى قوله أيضا: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ الخ تقرير لبيان ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية، وقوله: وَيَصُدَّكُمْ الخ إشارة إلى مفاسدهما الدينية اهـ أبو السعود.\rفإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى، ثم أفرد الخمر والميسر في هذه الآية؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين بدليل قوله: يا أيها الذين آمنوا، والمقصود نهيهم عن شرب الخمر واللعب بالقمار، وإنما ضم الأنصاب والأزلام للخمر والميسر لتأكيد تحريم الخمر والميسر، فلما كان المقصود من الآية الأولى النهي عن الخمر والميسر أفرد بالذكر آخرا اهـ خازن.\rوأكد تحريمها في هذه الآية بتأكيدات كثيرة حيث صدرت الجملة بإنما وقرنا بالأنصاب والأزلام وسميا رجسا من عمل الشيطان، وأمر بالاجتناب عن عينهما، وجعل ذلك سببا يرجى منه الفلاح اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي بسببهما. قوله: (من الشر والفتن) لف ونشر مرتب. قوله:\r(خصها بالذكر) أي مع دخولها في ذكر اللّه. قوله: (أي انتهوا) أشار إلى أن الاستفهام هنا بمعنى الأمر، بل أبلغ لأن الاستفهام عقب ذكر هذه المعايب أبلغ من الأمر بتركها، كأنه قيل: قد بينت لكم المعايب، فهل تنتهون عنها مع هذا أم أنتم قيمون عليها كأنكم لم توعظوا اهـ كرخي.\rوقوله: وَأَطِيعُوا الخ معطوف على الاستفهام من حيث تضمنه الأمر، كما قال الشارح اهـ.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ جواب الشرط محذوف أي: فجزاؤكم علينا كما أشار له الشارح لا على الرسول، لأنه ليس عليه إلا البلاغ المبين اهـ شيخنا.\rقوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة: يا رسول اللّه فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؟. وفي رواية قال أبو بكر: يا رسول اللّه كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ فنزل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: جُناحٌ أي إثم. قوله: (أكلوا من الخمر والميسر) أي تناولوا من الخمر شربا، وتناولوا من الميسر أخذ المال. أي ليس علهم جناح في شرب الخمر، وأخذ المال في الميسر أي القمار قبل التحريم اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا مَا اتَّقَوْا ظرف منصوب بما يفهم من الجملة السابقة، وهي ليس على الذين آمنوا وما","part":2,"page":272},{"id":812,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 273\rوالإيمان ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا العمل وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) بمعنى أنه يثيبهم\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ ليختبرنكم اللَّهُ بِشَيْءٍ يرسله لكم مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أي الصغار منه أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ الكبار منه وكان ذلك بالحديبية وهم محرمون فكانت الوحش والطير تغشاهم في في حيزها. والتقدير لا يأثمون ولا يؤاخذون وقت اتقائهم، ويجوز أن يكون ظرفا محضا، وأن يكون فيه معنى الشرط وجوابه محذوف أو متقدم على ما مر اهـ سمين.\rقوله: فِيما طَعِمُوا أي مما لم يحرم عليهم لقوله: إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي اتقوا المحرم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحات، ثم اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر والميسر، وآمنوا بتحريمه، ثم اتقوا أي ثم استثمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا وتحروا الأعمال الجميلة، واشتغلوا بها، ويحتمل أن يكون هذا التكرار باعتبار المراتب الثلاث البدء في العمر والوسط فيه والمنتهى، أو باعتبار ما يتقى، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيا من العقاب والشبهات تحرزا للنفس عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات تحفظا للنفس عن الخسة وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة، أو باعتبار الحالات الثلاث، وهي استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين اللّه: ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسّلام في تفسير الإحسان من قوله: «أن تعبد اللّه» الخ اهـ من البيضاوي مع بعض تصرف. قوله: ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا أي ثم اتقوا الظلم مع ضم الإحسان إلى تقوى الظلم، فالمراد بالتقوى الأولى ترك المحرمات، وبالثانية المداومة عليه، وبالثالثة اتقاء الظلم اهـ خازن.\rقوله: لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ اللام لام قسم، أي واللّه ليبلونكم اللّه أي ليختبرن طاعتكم من معصيتكم، والمعنى يعاملكم معاملة المختبر الجاهل بعاقبة الأمر، وإلّا فحقيقة الإخبار محالة عليه تعالى بشيء من الصيد يعني بصيد البر دون البحر، وقيل: أراد الصيد في حالة الإحرام دون الحلال والتقليل والتحقير في بشيء ليعلم أن الاصطياد في حالة الإحرام ليس بفتنة من الفتن العظام التي تزل فيها أقدام الثابتين، ويكون التكليف فيها صعبا شاقا كالابتلاء ببذل الأموال والأرواح وإنما هو ابتلاء سهل كما ابتلي أصحاب السبت بصيد السمك فيه، لكن اللّه عز وجل بفضله وكرمه عصم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يصطادوا شيئا في حالة الابتلاء، ولم يعصم أصحاب السبت فاصطادوا فمسخوا قردة وخنازير اهـ خازن.\rقوله: مِنَ الصَّيْدِ من لبيان الجنس أو تبعيضية إذ لا يحرم كل الصيد، بل صيد البر خاصة، وصيد بمعنى صيد لا بمعنى المصدر لأنه حدث، والعين تنالها الأيدي والرماح لا الحدث اهـ كرخي.\rقوله: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ على التوزيع، فالأيدي للصغار، والرماح للكبار كما قال الشارح، وفي الخازن: تناله أيديكم يعني الفرخ والبيض، وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد ورماحكم. يعني كبار الصيد مثل حمر الوحش ونحوها اهـ.\rقوله: (و كان ذلك) أي الابتلاء بالحديبية، أي سنة ست، وقوله وهم: محرمون أي بالعمرة.\rقوله: (فكانت الوحش) أي الوحوش، فالوحوش اسم جمع واحده وحشي، وهو ما لا يستأنس من حيوان البر، وقوله: والطير قيل اسم جمع، وقيل: جمع طائر كصاحب وصحب وراكب وركب، الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 18","part":2,"page":273},{"id":813,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 274\rرحالهم لِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ حال أي غائبا لم يره فيجتنب الصيد فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ النهي عنه فاصطاده فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ محرمون بحج أو عمرة وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ بالتنوين ورفع ما بعده أي فعليه جزاء وقوله: وتغشاهم أي تأتيهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذا باليد وطعنا بالرمح اهـ أبو السعود.\rقوله: (علم ظهور) أي للخلق أي ليظهر لهم من يخافه أي ليتميز من يخافه ممن لا يخافه. وفي البيضاوي فذكر العلم، وأراد وقوع المعلوم وظهوره أو تعلق العلم اهـ.\rقوله: (حال) أي من فاعل يخافه أي يخاف اللّه حالة كونه غائبا عن اللّه، ومعنى كون العبد غائبا عن اللّه أنه لم ير اللّه تعالى فقوله: لم يره تفسير للغيب أو حال من المفعول. أي من يخاف اللّه حال كونه تعالى ملتبسا بالغيب عن العبد أي: غير مرئي له، وقوله: فيجتنب الصيد بالنصب في جواب النفي أو بالرفع عطفا على يخافه اهـ شيخنا.\rقوله: (فيجتنب الصيد) إشارة إلى أن فائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي وإلّا فلا حاجة إلى البلوى بشيء من الصيد اهـ كرخي.\rقوله: بَعْدَ ذلِكَ (النهي عنه) كأن المراد بالنهي هو ما يفهم من قوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ يفهم أن الاصطياد في الإحرام منهي عنه. وعبارة أبي السعود: فمن اعتدى بعد ذلك أي بعد بيان أن ما وقع ابتلاء من جهته تعالى لما ذكر من الحكمة لا بعد تحريمه أو النهي عنه كما قاله بعضهم. إذ النهي والتحريم ليس أمرا حادثا تترتب عليه الشرطية بالفاء ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون، لأن نفس الابتلاء لا يصلح مدارا لتشديد العذاب، بل ربما يتوهم كونه عذرا مسوغا لتخفيفه، وإنما الموجب للتشديد بيان كونه ابتلاء، لأن الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة وعدم مبالاة بتدبير اللّه تعالى، وخروج عن طاعته، وانخلاع عن خوفه، وخشيته بالكلية. أي: فمن تعرض للصيد بعدما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤد إلى تمييز المطيع من العاصي، فله عذاب أليم لما ذكر من أنه مكابرة محضة أو لأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم اللّه تعالى في أمثال هذه البلايا الهينة لا يكاد يراعيه في عظائم المداحض. والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين اهـ.\rقوله: (فاصطاده) عطف تفسير لاعتداء اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ شروع في بيان ما يتدارك به اسم الاعتداء إثر بيان ما يلحقه من العذاب، والتصريح بقوله: لا تَقْتُلُوا الخ مع كونه معلوما مما قبله لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبه عليه، وأل في الصيد للعهد حسما سلف اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ في محل نصب على الحال من فاعل تقتلوا، وحرم جمع حرام، وحرام يقع على المحرم وإن كان في الحل، وعلى من في الحرم وإن كان حلالا، وهما سيان في النهي عن قتل الصيد اهـ سمين.\rقوله: (بحج أو عمرة) أي أو بهما أو مطلقا. قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ومقتول المحرم","part":2,"page":274},{"id":814,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 275\rهو مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي شبهه في الخلقة وفي قراءة بإضافة جزاء يَحْكُمُ بِهِ أي بالمثل رجلان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي اللّه عنهم في النعامة ببدنة، وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في من الصيد ميتة وإن ذبحه بقطع حلقومه ومريئه، وذلك لأن المحرم ممنوع من ذبحه لمعنى فيه، كذبح المجوسي اهـ كرخي.\rومنكم محل نصب على الحال من فاعل قتل أي كائنا منكم، وقوله: متعمدا حال أيضا من فاعل قتل، فعلى رأي من يجوز تعدد الحال يجوز ذلك هنا، ومن منع يقول إن منكم للبيان حتى لا تتعدد الحال، ومن يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر وأن تكون موصولة والفاء لشبهها بالشرطية ولا حاجة إليه اهـ سمين.\rقوله: مُتَعَمِّداً سيأتي في الشارح أن الخطأ مثل العمد في الكفارة المذكورة، فالتقييد لبيان الواقع حين نزول الآية لأنها نزلت في أبي اليسر حيث قتل حمار وحش وهو محرم عمدا اهـ خازن.\rقوله: مِنَ النَّعَمِ حال من مثل أو صفة له، أو خبر ثان عن المبتدأ الذي قدره الشارح لمثل، وقوله: يَحْكُمُ بِهِ في موضع رفع صفة لجزاء أو في موضع نصب على الحال منه اهـ سمين.\rقوله: (و في قراءة بإضافة جزاء) قال الواحدي: ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل، لأن عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنه لا جزاء عليه لما لم يقتله، وقال مكي: ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جمال، لأنها توجب جزاء مثل الصيد المقتول. قلت: ولا التفات إلى هذا الاستبعاد، فإن أكثر القراء عليها، وقد أجاب الناس عن ذلك بأجوبة سديدة، منها: أن جزاء مصدر مضاف لمفعوله تخفيفا، وأصل فعليه جزاء مثل ما قتل أي أن يجزى مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول عجبت من ضرب زيدا من ضرب زيد. ذكر ذلك الزمخشري وغيره. ومنها أن مثل زائدة كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ومنها: أن الإضافة بيانية اهـ سمين.\rقوله: ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي أصحاب عدالة، واشتراط العدالة لأن ما جعلوه مدارا لمماثلة بين الصيد والنعم من ضرب مشاكلة ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التباين بينهما في بقية الأحوال مما لا يهتدي إليه كبار أئمة الاجتهاد والإرشاد إلا المؤيدون بالقوة القدسية، ألا ترى أن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أوجب في قتل الحمام شاة بناء على ما أثبت بينهما من المماثلة من حيث أن كلا يعب ويهدر، مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات، كما بين الضب والنون، وحينئذ فلا يصح تفويض هذه المباحث العويصة إلا إلى رأي عدلين من آحاد الناس اهـ أبو السعود.\rقوله: (و قد حكم ابن عباس الخ) لما كانت النعم هي الإبل والبقر والغنم مثل الشارح بثلاثة أمثلة لكل جنس منها مثال. قوله: (لأنه يشبهها) الأظهر أن يقول لأنها تشبهه، وذلك لأن المشابهة مسندة في الآية للجزاء لا للمقتول، وإن كانت في الواقع قائمة به، وقوله: في العب أي شرب الماء بلا مص اهـ شيخنا.","part":2,"page":275},{"id":815,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 276\rالحمام لأنه يشبهها في العب هَدْياً حال من جزاء بالِغَ الْكَعْبَةِ أي يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان ونصبه نعتا لما قبله وإن أضيف لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفا فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته أَوْ عليه كَفَّارَةٌ غير الجزاء وإن وجده هي طَعامُ مَساكِينَ من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد وفي قراءة بإضافة كفارة لما بعده وهي للبيان أَوْ عليه عَدْلٍ مثل ذلِكَ الطعام صِياماً يصومه عن كل مد يوما وإن وجده وجب ذلك عليه لِيَذُوقَ وَبالَ ثقل جزاء أَمْرِهِ الذي فعله عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من وفي المصباح: عبّ الرجل الماء عبا من باب قتل شربه من غير نفس، وعبّ الحمام شرب من غير مص كما تشرب الدواب، وأما باقي الدواب، فإنها تحسوه جرعا بعد جرع اهـ.\rقوله: (حال من جزاء) أي على كل من القراءتين فيه أو منصوب على المصدرية أي يهديه هديا أو منصوب على التمييز اهـ من السمين.\rقوله: بالِغَ الْكَعْبَةِ المراد بها جميع الحرم كما قال الشارح. قوله: (فإن لم يكن الصيد مثل الخ) كان الأولى تأخير هذا عن بقية خصال مثل، وقوله: فعليه قيمته أي يشتري بها طعاما يعطيه لكل مسكين مد أو يصوم عن كل مد يوما، فهو مخير بين أمرين فيما لا مثل له، وبين ثلاثة فيما له مثل اهـ.\rقوله: (و إن وجده) أي الجزاء. قوله: (من غالب قوت البلد) أي مكة وقوله: ما يساوي خبر مبتدأ محذوف أي هي ما يساوي الخ. قوله: (و هي للبيان) أي بيان جنس الكفارة. قوله: صِياماً تمييزا لعدل كقولك: على التمرة مثلها زبدا لأن المعنى أو قدر ذلك صياما اهـ كرخي.\rقوله: (و إن وجده) أي الطعام. قوله: (وجب ذلك) أي الجزاء المذكور بأقسامه الثلاثة، وقوله:\rليذوق بذلك المحذوف الذي قدره الشارح، ولو قال: ووجب ذلك عليه لكان أولى، لأن عبارته توهم أن قوله وجب جواب أن في قوله، وإن وجده مع أنه ليس ذلك. وقوله: وبال أمره المراد بأمره قتل الصيد، وقوله: (الذي فعله) وهو قتل الصيد اهـ.\rقوله: وَبالَ أَمْرِهِ يعني جزاء ذنبه، والوبال في اللغة: الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره، يقال مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وإنما سمى اللّه ذلك وبالا لأن إخراج الجزاء ثقيل على النفس لما فيه من تنقيص المال، وثقل الصوم على النفس من حيث إن فيه إنهاك البدن اهـ خازن.\rوفي السمين: وقال الراغب: الوابل المطر الثقيل القطر ولمراعاة الثقل قيل لأمر الذي يخاف ضرره وبال. قال تعالى: فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ [التغابن: 5] ويقال طعام وبيل وكلأ وبيل يخاف وباله. قال تعالى: فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا [المزمل: 16]. وقال غيره: والوبال في اللغة ثقل الشيء في المكروه يقال: مرعى وبيل إذا كان يستوخم، وماء وبيل إذا كان لا يستمرأ واستوبلت الأرض كرهتها خوفا من وبالها، والذوق هنا استعارة بليغة اهـ.\rقوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ أي لم يؤاخذ به، وذلك لأنه إذ ذاك كان مباحا اهـ شيخنا.","part":2,"page":276},{"id":816,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 277\rقتل الصيد قبل تحريمه وَمَنْ عادَ إليه فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره ذُو انْتِقامٍ (95) ممن عصاه وألحق بقتله متعمدا فيما ذكر الخطأ\rأُحِلَّ لَكُمْ أيها الناس حلالا كنتم أو محرمين صَيْدُ الْبَحْرِ أن تأكلوه وهو ما لا يعيش إلا فيه كالسمك بخلاف ما وفي الكرخي: قوله: قبل تحريمه أي قبل هذا النهي والتحريم، أي: فالعفو ههنا المراد به مجرد عدم المؤاخذة فلا يرد السؤال، وهو أن العفو فرع المعصية وهي تحصل باشتغال المحرم بالصيد بعد نزول آية التحريم، فما معنى العفو عن قتل الصيد قبل تحريمه اهـ.\rقوله: وَمَنْ عادَ (إليه) أي إلى قتل الصيد، ومن يجوز أن تكون شرطية فالفاء جوابها، وينتقم خبر لمبتدأ محذوف أي فهو ينتقم اللّه منه، ولا يجوز الجزم مع الفاء البتة ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لما أشبه الشرط، فالفاء زائدة والجملة بعدها خبر ولا حاجة إلى إضمار مبتدأ بعد الفاء بخلاف ما تقدم. وقال أبو البقاء: حسن دخول الفاء كون فعل الشرط ماضيا لفظا اهـ سمين.\rقوله: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أي مع لزوم الكفارة، وهذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في المرة الثانية والثالثة، فيتكرر الجزاء بتكرر القتل. وهذا قول الجمهور اهـ خازن.\rقوله: ذُو انْتِقامٍ الانتقام شدة العقوبة والمبالغة فيها اهـ خازن.\rقوله: (فيما ذكر) أي لزوم الفدية، وإن كان الخطأ لا إثم فيه والعمد فيه الإثم، والمراد بالخطأ هنا ما قابل العمد فيشمل النسيان وحالة الإغماء وحالة النوم وحالة الجنون تأمل. قوله: صَيْدُ الْبَحْرِ المراد به جميع المياه العذبة والملحة بحرا كان أو نهرا أو غديرا اهـ خازن،.\rقوله: (أن تأكلوه) أي وأن تصيدوه. قوله: (كالسمك) أي المعروف وكغيره مما لا يعيش إلا في البحر، ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير، فهذا كله حلال عند الشافعي اهـ شيخنا.\rقوله: (كالسرطان) أي والضفدع والتمساح. قوله: (ما يقذفه ميتا) أي ما يقذفه البحر من الحيوانات التي فيه، ويؤخذ من هذا أن الضمير في طعامه عائد على البحر. قوله: مَتاعاً مفعول لأجله، أي أحل لكم صيد البحر وطعامه تمتيعا أي لأجل تمتعكم وانتفاعكم، ويصح أن يكون مفعولا مطلقا. أي متعكم بما ذكر تمتيعا اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: تمتيعا أشار به إلى ما صرح به الكشاف وغيره من أن متاعا مفعول مطلق لأنه مصدر، والمراد هنا مصدر الفعل المتعدي لا اللازم بمعنى أحل لكم طعامه تمتيعا تأكلونه طريا، ولسيارتكم يتزودونه قديدا، كما تزود موسى عليه السّلام الحوت في مسيره إلى الخضر اهـ.\rقوله: لَكُمْ (تأكلونه) الخطاب للحاضرين المقيمين. قوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ الخ ذكر اللّه تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة، أحدها: في أولها. هو قوله:\rغَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: 1]. الثاني: قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ","part":2,"page":277},{"id":817,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 278\rيعيش فيه وفي البرّ كالسرطان وَطَعامُهُ ما يقذفه ميتا مَتاعاً تمتيعا لَكُمْ تأكلونه وَلِلسَّيَّارَةِ المسافرين منكم يتزودونه وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ وهو ما يعيش فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه ما دُمْتُمْ حُرُماً فلو صاده حلال فللمحرم أكله كما بينته السنة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)\r* جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ المحرم قِياماً لِلنَّاسِ يقوم حُرُمٌ. الثالث: هذه الآية وكل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم اهـ خازن.\rقوله: (و هو ما يعيش فيه) الأولى: ما لا يعيش إلا فيه اهـ.\rقوله: (فلو صاده حلال) أي لنفسه أو لحلال آخر أو لمحرم، لكن من غير دلالة من المحرم على الصيد اهـ شيخنا.\rقوله: (كما بينته السنّة) عبارة الخازن، ويدل عليه ما روي عن أبي قتادة الأنصاري قال: كنت جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في منزل في طريق مكة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم، وذلك عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف النعل، فلم يؤذنوني وأحبوا لو أبصرته فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوهما لي، فقالوا: لا واللّه لا نعينك عليه فغضبت ونزلت، فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا، وخبأت العضد فأدركنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألته عن ذلك فقال: «هل معكم شيء منه؟» فقلت: نعم فناولته العضد فأكل منها وهو محرم. زاد في رواية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم: «إنما هي طعمة أطعمكموها اللّه». وفي رواية: «هو حلال فكلوه». وفي رواية قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه»، قالوا: لا، قال: «كلوا ما بقي من لحمه» أخرجاه في الصحيحين. انتهت.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في صيد البحر أن تحرموه في الإحرام وفي صيد البر أن تصطادوه فيه، أو واتقوا اللّه في جميع الجائزات والمحرمات اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالتجاء إلى ذلك الغير فلا غير يلتجأ إليه، بل الأمر محصور فيه تعالى اهـ شيخنا.\rوقوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ فيه وجهان، أحدهما: أنه بمعنى صير فيتعدى لاثنين أولهما الكعبة، والثاني قياما. والثاني: يكون بمعنى خلق فيتعدى لواحد وهو الكعبة وقياما نصب على الحال، وقال بعضهم: أن جعل هنا بمعنى بين، وحكم هذا ينبغي أن يحمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة، إذ لم ينقل أهل العربية أنها تكون بمعنى بين ولا حكم، ولكن يلزم من الجعل البيان. وأما البيت فانتصابه على أحد وجهين البدل، وإما عطف البيان، وفائدة ذلك أن بعض الجاهلية وهم خثعم سموا بيتا الكعبة اليمانية فجيء بهذا البدل أو البيان تبيينا له من غيره. وقال الزمخشري: البيت الحرام عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك. واعترض عليه الشيخ بأن شرط البيان الجمود والجمود لا يشعر بمدح، وإنما يشعر به المشتق، ثم قال: إلا أن يريد أنه لما وصف البيت الحرام اقتضى المجموع ذلك، فيمكن والكعبة لغة كل بيت مربع، وسميت الكعبة كعبة لذلك، وأصل","part":2,"page":278},{"id":818,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 279\rبه أمر دينهم بالحج إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه، وفي قراءة قيما بلا ألف مصدر قام غير معل وَالشَّهْرَ الْحَرامَ بمعنى الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قياما لهم بأمنهم القتال فيها وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ قياما لهم اشتقاق ذلك من الكعب الذي وهو أحد أعضاء الآدمي. قال الراغب: كعب الرجل الذي عند ملتقى الساق والقدم، والكعبة كل بيت على هيئتها في التربيع، وبها سميت الكعبة، وذو الكعاب بيت كان في الجاهلية لبني ربيعة وامرأة كاعب تكعب ثدياها اهـ سمين.\rقوله: (و دنياهم بأمن داخله الخ) هذا يقتضي أن المراد بالبيت الحرام جميع الحرم، وبه صرح الخازن حيث قال: وأراد بالبيت الحرام جميع الحرام اهـ.\rقوله: (وجبي ثمرات الخ) أي جمعها ونقلها كما في المختار. قوله: (و في قراءة) أي سبعية لابن عامر قيما بوزن عنب، وقوله: غير معل أي غير مقلوبة ياؤه عن واو، بل اكتفى بانقلابها عنها في أصله الذي هو قيام بالألف، فاختصر وحذفت منه الألف وأبقيت الياء على ما كانت عليه فهو غير معل من حيث النظر لحالته الآن، وإن كان أصله الذي بالألف معلا، وكونه غير معل بالمعنى المذكور لا ينافي أنه مقصور أي محذوف الألف فهو غير معل وهو مقصور اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: مصدر أي كشيع بفتح عينه غير معل يعني أن القياس أن تصح واوه كما صحت واو عوج وعوض ونحوهما إذ من جعله معلا فإنما هو بالحمل على قام إذ أصله قوم فقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها، وتقدمت هذه القراءة في أول سورة النساء، وستأتي في آخر سورة الأنعام اهـ.\rوعبارة البيضاوي: وقرأ ابن عامر قيما على أنه مصدر على فعل كشيخ أعلت عينه، لأنه واوي فقلبت واوه لمناسبة الكسر قبلها كما أعلت في فعله، وهو قام إذ أصله قوم انتهت مع زيادة لشيخ الإسلام عليه. قوله: وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ عطف على الكعبة، فالمفعول الثاني أو الحال محذوف لفهم المعنى أي جعل اللّه أيضا الشهر الحرام، والهدي والقلائد قياما اهـ سمين.\rقوله: (بأمنهم القتال فيها) وذلك أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، وكانوا إذا دخلت الأشهر الحرم أمسكو عن القتال والغارة فيها، فكانوا يأمنون بالأشهر الحرم، وكانت سببا لقيام مصالح الناس اهـ خازن.\rقوله: وَالْقَلائِدَ أي التي كانوا يقلدون بها أنفسهم يأخذونها من لحاء شجر الحرم إذا رجعوا من مكة ليأمنوا على أنفسهم من العدو، فإنهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا أنه راجع من الحرم، فلا يتعرضون له، فعلى هذا العطف للمغايرة إذ المراد بالهدي الحيوان الذي يهدى لمكة، وبالقلائد الأشخاص الذين يتقلدون بلحاء شجر الحرم. وفي الخازن: وذلك أنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم بذلك، وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوا أنفسهم من لحاء شجر الحرم، فلا يتعرض لهم أحد اهـ.\rوجعله أبو السعود من عطف الخاص على العام حيث قال: والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهي البدن خصت بالذكر، لأن الثواب فيها أكثر وبهاء الحج بها أظهر اهـ.","part":2,"page":279},{"id":819,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 280\rبأمن صاحبهما من التعرض له ذلِكَ الجعل المذكور لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) فإن جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن\rاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لأعدائه وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لأوليائه رَحِيمٌ (98) بهم\rما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الإبلاغ لكم وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون من العمل وَما تَكْتُمُونَ (99) تخفون منه فيجازيكم به\rقُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ الحرام وَالطَّيِّبُ الحلال وَلَوْ أَعْجَبَكَ أي سرك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ في تركه قوله: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا الظاهر من صنيع الشارح حيث لم يقدر شيئا أن ذلك مبتدأ، ولتعلموا خبر أي ذلك كائن لتعلموا الخ، وبعضهم جعل اسم الإشارة معمولا لمحذوف أي شرعنا لكم ذلك لتعلموا الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وذلك فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف أي الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير. والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي ذلك الحكم هو الحق لا غيره. الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق أي شرع اللّه ذلك، وهذا أقواها لتعلق لام العلة به، وتعلموا منصوب بإضمار أن بعد لام كي وأن اللّه وما في حيزها سادة مسد المفعولين، أو أحدهما على حسب الخلاف المتقدم وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ نسق على أن اللّه قبلها اهـ.\rقوله: (لجلب المصالح) أي لأجل جلب المصالح لكم، وقوله: (دليل الخ) خبر أن. قوله: ما عَلَى الرَّسُولِ الخ تشديد في إيجاب القيام لما أمر به أن الرسول قد أتى بما وجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة ولا عذر لكم في التفريط اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا الْبَلاغُ اسم قائم مقام المصدر، كما يشير إليه قول الشيخ إلا بلاغ، وعبّر القاضي كالكشاف بقوله: أتى بما أمر به من التبليغ اهـ. وذلك لقصد المبالغة والتكثير في زيارة الفعل، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى غالبا ومعناهما الإيصال يقال: بلغ الرسالة بلاغا أي تبليغا ومعلوم أن الأول من المزيد. والثاني من المجرد وأن المجاز أبلغ من الحقيقة كما أطبق عليه البلغاء اهـ كرخي.\rوفي رفعه وجهان، أحدهما: أنه فاعل بالجار قبله لاعتماده على النفي أي ما استقر على الرسول إلا البلاغ. الثاني: أنه مبتدأ وخبره الجار قبله، وعلى كل من التقديرين فالاستثناء مفرغ اهـ سمين.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الخ وعد ووعيد. قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ (أي سرك) والخطاب لكل أحد من الذين أمر النبي بخطابهم، والواو لعطف الشرطية على مثلها مقدرة. أي: لو لم يعجبك كثرة الخبيث، ولو أعجبك وكلتاهما في موضع الحال من فاعل لا يستوي أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروضة، وقد حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه تقديره فلا يستويان اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ (في تركه) بأن يتحروا تركه ظاهرا وباطنا، ولا تحتالوا في تركه بالتأويل والشبه فتتركوا ما لا غرض لكم فيه دون ما لكم فيه الغرض اهـ شيخنا.","part":2,"page":280},{"id":820,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 281\rيا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) تفوزون. ونزل لما أكثروا سؤاله صلّى اللّه عليه وسلّم\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ تظهر لَكُمْ تَسُؤْكُمْ لما فيها من المشقة وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ قوله: (لما أكثروا سؤاله) أي عن أمور لا تعنيهم لكون التكليف بها يشق عليهم، أو لكونها مستورة وإظهارها يفضحهم، فالأولى كسؤالهم عن الحج هل هو كل عام، والثاني كسؤال بعضهم عن أبيه بقوله: أين أبي؟ فقال له النبي: «أبوك في النار» اهـ شيخنا.\rقوله: عَنْ أَشْياءَ ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، ووزنه الآن لفعاء، وذلك أنه جمع شيء بوزن فعل كفلس، فجمعه شيئا بوزن فعلاء، فالهمزة الأولى لام الكلمة، والألف بعدها والهمزة الأخيرة زائدتان، فدخله القلب المكاني فقدمت الهمزة التي هي لام الكلمة فصار أشياء بوزن لفعاء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: عن أشياء متعلق بتسألوا. واختلف النحويون في أشياء على خمسة مذاهب، أحدها: وهو رأي الخليل، وسيبويه، والمازني، وجمهور البصريين أنه اسم جمع من لفظ شيء فهو مفرد لفظا جمع معنى، كطرفاء وقصباء وأصله شيئاء، بهمزتين بينهما ألف، ووزنه فعلاء كطرفاء، فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألف لاسيما، وقد سبقهما حرف علة وهي الياء، وكثر دور هذه اللفظة في لسانهم، فقلبوا الكلمة بأن قدموا لامها وهي الهمزة الأولى على فائها، وهي الشين، فقالوا: أشياء فصار وزنه لفعاء، ومنع من الصرف لألف التأنيث الممدودة. المذهب الثاني: وبه قال الفراء أن أشياء جمع لشيء كهين، والأصل في شيء على فعيل كلين ثم خففت إلى شيء كما خففوا لينا وهينا وميتا إلى لين وهين وميت، ثم جمع بعد تخفيفه وأصله أشياء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء بزنة أفعلاء، فاجتمع همزتان لام الكلمة، والتي للتأنيث والألف تشبه الهمزة، والجمع ثقيل، فخففوا الكلمة بأن قلبوا الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها، فاجتمع ياءان أولاهما مكسورة فحذفوا الياء التي هي عين الكلمة تخفيفا فصار أشياء، ووزنه الآن بعد الحذف أفلاء، فمنع من الصرف لأجل ألف التأنيث. وهذه طريقة مكي بن أبي طالب في تصريف هذا المذهب. المذهب الثالث: وبه قال الأخفش أن أشياء جمع شيء بزنة فلس أي ليس مخففا من شيء كما يقوله الفراء: بل جمع شيء وقال: إن فعلا يجمع على أفعلاء، فصار أشياء بهمزتين بعد ياء، ثم عمي فيه ما عمل في مذهب الفراء. المذهب الرابع: وهو قول الكسائي وأبي حاتم أنه جمع شيء، كبيت وأبيات وضيف وأضياف، واعترض الناس هذا القول بأنه يلزم منه منع الصرف لغير علة. إذ لو كان على أفعال لانصرف كأبيات. المذهب الخامس: أن وزنه أفعلاء أيضا جمعا لشيء بزنة ظريف، وفعيل يجمع على أفعلاء كنصب وأنصباء، وصديق وأصدقاء، ثم حذفت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة، وفتحت الياء لتعلم ألف الجمع فصار أشياء ووزنها بعد الحذف أفعاء اهـ.\rقوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها الضمير في عنها يحتمل أن يعود على نوع الأشياء المنهي عنها لا عليها أنفسها قاله ابن عطية. ونقله الواحدي عن صاحب النظم ونظره بقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] يعني آدم ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً [المؤمنون: 13]. قال:\rيعني ابن آدم، فعاد الضمير على ما دل عليه الأول، ويحتمل أن يعود عليها أنفسها قال الزمخشري","part":2,"page":281},{"id":821,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 282\rالْقُرْآنُ أي في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تُبْدَ لَكُمْ المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بمعناه. وقوله: حين نزل القرآن في هذا الظرف احتمالان، أحدهما: وهو الذي يظهر ولم يذكر الزمخشري غيره أنه منصوب بتسألوا قال الزمخشري: وإن تسألوا عنها أي عن هذه التكاليف الصعبة حين ينزل القرآن في زمان الوحي، وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحي إليه تبد لكم تلك التكاليف التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرضوا أنفسكم لغضب اللّه لتفريطكم فيها، ومن هنا قلت لك أن الضمير في عنها عائد على الأشياء الأول لا على نوعها. والثاني: أن الظرف منصوب بتبدلكم أي تظهر لكم تلك الأشياء حين نزول القرآن اهـ سمين.\rقوله: (المعنى إذا سألتم الخ) يشير إلى أن في الآية تقديما وتأخيرا، فالشرطية الأولى مؤخرة في المعنى عن الثانية، وكذا فعل النهي مؤخر في المعنى عنهما، فقوله: إذا سألتم الخ معنى الشرطية الثانية، وقوله: ومتى أبداها معنى الشرطية الأولى اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: وقال القاضي: الجملة الشرطية وما عطف صفتان لأشياء؛ المعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم، وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم، وهما كمقدمتين ينتجان ما يمنع السؤال، وهو أنه مما يغمهم والعاقل لا يفعل ما يغمه اهـ.\rيعني أنه علم من الكلام الأول أن الأول للعاقل أن يشتغل بما يهمه، ومن الكلام الثاني أن المسؤول مما يغمهم، فحصل من هاتين المقدمتين أن السؤال لا ينبغي للعاقل أن يشتغل به. ويرد عليه أن المقدمة الأولى كافية في المطلوب المذكور، ولا يحتاج إلى الثانية، والجواب: أن الحاصل من المقدمة الأولى المنع من السؤال عن أشياء إن ظهرت كان ظهورها موجبا للغم، لكن لا يعلم من مجردها أن السؤال عنها موجب للغم، وإنما يعلم بانضمام المقدمة الثانية اهـ.\rوفي السمين ما نصه: قال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، لأن التقدير عن الأشياء إن تسألوا عنها تبد لكم حين نزول القرآن، وإن تبد لكم تسؤكم، ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب إلا أنه لا يقال في ذلك تقديم وتأخير، فإن الواو لا تقتضي ترتيبا فلا فرق، ولكن إنما قدم هذا أولا على قوله.\rوإن تسألوا لفائدة وهي الزجر عن السؤال، فإنه قدم لهم أن سؤالهم عن أشياء متى ظهرت أساءتهم قبل أن يخبرهم بأنهم إن سألوا عنها بدت لهم لينزجروا وهو معنى لائق اهـ.\rوفي الخازن ما يقتضي أنه لا يحتاج إلى ملاحظة التقديم والتأخير، بل النظم على ظاهره واضح، ونصه: وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم معناه إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي، وليس في ظاهره شرح ما تحتاجون إليه ومست حاجتكم إليه، فإذا سألتم عنه، فحينئذ يبد لكم.\rومثال هذا أن اللّه عز وجل لما بين عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، والحامل ولم يكن في عدد هؤلاء دليل على عدة التي ليست ذات قرء ولا حاملا، فسألوا عنها، فأنزل اللّه عز وجل جوابهم في قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ [الطلاق: 4] الآية اهـ.\rوفي القرطبي ما نصه: قوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حين ينزل القرآن تبد لكم فيه غموض، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال، ثم قال: وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم فأباحه لهم، فقيل:","part":2,"page":282},{"id":822,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 283\rبإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا عنها قد عَفَا اللَّهُ عَنْها عن مسألتكم فلا تعودوا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)\rقَدْ سَأَلَها أي الأشياء قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أنبياءهم فأجيبوا ببيان والمعنى وأن تسألوا عن غيرها مما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في عنها ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] يعني آدم ثم قال: ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً [المؤمنون: 13] أي ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال. والمعنى: وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل، أو تحريم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم، فحينئذ تبدلكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال. مثاله: أنه بين عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وترك اللائي يئسن من المحيض، فالنهي إذا عن شيء لم يكن لهم حاجة إلى السؤال عنه، فأما ما مست الحاجة إليه فلا اهـ.\rقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْها استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المسألة، بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة، وقد عفا اللّه عنها. أي عفا اللّه عن مسألتكم السالفة منكم حيث لم يفرض عليكم الحج كل عام جزاء لمسألتكم وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية، كسائر مسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله عَفَا اللَّهُ عَنْها فيه وجهان، أحدهما: أنه في محل جر، لأنه صفة أخرى لأشياء، والضمير على هذا في عنها يعود على أشياء، ولا حاجة إلى إدعاء التقديم والتأخير في هذا، كما قاله بعضهم قال تقديره لا تسألوا عن أشياء عفا اللّه عنها أن تبدلكم إلى آخر الآية، لأن كلا من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفة لأشياء، فمن أين أن هذه الجملة مستحقة للتقديم على ما قبلها، وكأن هذا القائل إنما قدرها متقدمة ليتضح أنها صفة لا مستأنفة. والثاني: أنها لا محل لها لاستئنافها والضمير في عنها هذا يعود على المسألة المدلول عليها بلا تسألوا، ويجوز أن يعود على أشياء، وإن كان في الوجه الأول يتعين هذا لضرورة الربط بين الصفة والموصوف اهـ.\rقوله: (فلا تعودوا) أي لمثلها. قوله: قَدْ سَأَلَها أي سأل مثلها في كونها محذورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: والظاهر أن الضمير في سألها يعود على أشياء، لكن قال الزمخشري: فإن قلت:\rكيف قال لا تسألوا عن أشياء ثم قال قد سألها ولم يقل سأل عنها؟ قلت: ليس يعود على أشياء حتى يعدى إليها بمن، وإنما يعود على المسألة المدلول عليها بقوله: لا تسألوا أي قد سأل المسألة قوم، ثم أصبحوا بها أي بمرجوعها كافرين. ونحا ابن عطية منحاه. قال الشيخ: ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف، وقد صرح به بعض المفسرين أي سأل أمثالها أي أمثال هذه المسألة وأمثال هذه السؤالات اهـ.\rقوله: (أنبياءهم) أي كما سأل قوم صالح الناقة، وسأل قوم عيسى المائدة، وسأل قوم موسى رؤية اللّه جهرة اهـ خازن.","part":2,"page":283},{"id":823,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 284\rأحكامها ثُمَّ أَصْبَحُوا صاروا بِها كافِرِينَ (102) بتركهم العمل بها\rما جَعَلَ شرع اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ كما كان أهل الجاهلية يفعلونه روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا قوله: ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها أي بسببها كافِرِينَ بتركهم العمل بها فإن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم في أشياء، فإذا أمروا بها تركوها: فهلكوا اهـ أبو السعود.\rوفي الشهاب: لما لم يكن كفرهم بنفس المسألة بل المسؤول عنه أجابوا بأنه على حذف مضاف أي بجواب المسألة أو الباء سببية اهـ.\rقوله: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ رد وإبطال لما ابتدعه أهل الجاهلية اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ بَحِيرَةٍ من زائدة في المفعول لوجود الشرطين المعروفين، وجعل يجوز أن يكون بمعنى سمى ويتعدى لمفعولين أحدهما محذوف. والتقدير ما جعل أي ما سمى اللّه حيوانا بحيرة، قاله أبو البقاء: وقال ابن عطية، والزمخشري وأبو البقاء إنها تكون بمعنى شرع، ووضع أي ما شرع اللّه ولا أمر بها. وقال ابن عطية: وجعل في هذه الآية لا تكون بمعنى خلق، لأن اللّه خلق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى صيّر لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان، فمعناه ما بين اللّه ولا شرع، ومنع الشيخ هذه النقولات كلها بأن جعل لم يعد اللغويون من معانيها شرع، وخرج الآية على التصيير، ويكون المفعول الثاني محذوفا أي ما صير اللّه بحيرة مشروعة، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، فدخول تاء التأنيث عليها لا ينقاس، ولكن لما جرت مجرى الأسماء الجوامد أنثت واشتقاقها من البحر والبحر السعة، ومنه بحر الماء لسعته. واختلف أهل اللغة في البحيرة عند العرب ما هي اختلافا كثيرا، فقال أبو عبيد: هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر فتشق أذنها وتترك فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء، وإذا لقيها الضعيف لم يركبها. وروي ذلك عن ابن عباس.\rوقال بعضهم: إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظر في الخامس، فإن كان ذكرا ذبحوه وأكلوه، وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها ترعى وترد الماء، ولا تركب ولا تحلب، فهذه هي البحيرة، وروي هذا عن قتادة. وقال بعضهم: البحيرة الأنثى التي تكون خامس بطن كما تقدم بيانه إلا أنه لا يحل للنساء منافعها كلبن وصوف، فإن ماتت حل لهن أكلها. وقال بعضهم: البحيرة بنت السائبة، وسيأتي تفسير السائبة، فإذا ولدت السائبة أنثى شقوا أذنها وتركوها مع أمها ترعى، وترد الماء، ولا تركب حتى للضعيف، وهذا قول مجاهد، وابن جبير. وقال بعضهم: هي التي منع درها أي لبنها لأجل الطواغيت، فلا يحلبها أحد، وقال بهذا سعيد بن المسيب، وقيل: هي التي تترك في المرعى بلا راع، قاله ابن سيد الناس، وقيل: إذا ولدت خمس اناث شقوا أذنها وتركوها، وقيل غير ذلك، ووجه الجمع بين هذه الأقوال الكثيرة أن العرب كانت تختلف أفعالها في البحيرة اهـ سمين.\rقوله: وَلا سائِبَةٍ السائبة قيل: كان الرجل إذا قدم من سفر أو شفي من مرض يسيب بعيرا فلم يركب ويفعل به ما تقدم في البحيرة، وهذا قول أبي عبيدة: وقيل هي الناقة تنتج عشر اناث، فلا تركب، ولا يشرب لبنها إلا ضعيف أو ولد، قاله الفراء: وقيل: ما ترك لآلهتهم، فكان الرجل يجيء بماشيته","part":2,"page":284},{"id":824,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 285\rيسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت فيتركها عندهم، ويسبل لبنها. وقيل: هي الناقة تترك ليحج عليها حجة، ونقل ذلك عن الشافعي وقيل: هو العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث. والسائبة هنا فيها قولان، أحدهما: أنها اسم فاعل على بابه من ساب يسيب أي سرح كسيبت الماء وهو مطاوع سيبته يقال: سيبته فساب وانساب. والثاني: أنه بمعنى مفعول نحو عيشة راضية ومجيء فاعل بمعنى مفعول قليل جدا نحو ماء دافق اهـ سمين.\rقوله: وَلا وَصِيلَةٍ الوصيلة فعيلة بمعنى فاعلة على ما سيأتي في تفسيرها، واختلف أهل اللغة فيها هل هي من جنس الغنم، أو من جنس الإبل، ثم اختلفوا بعد ذلك أيضا، فقال الفراء: هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين، فإذا ولدت في آخرها عناقا وجديا قيل: وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة. وقال الزجاج: هي الشاة ولدت ذكرا كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم. وقال ابن عباس رضي اللّه عنه: هي الشاة تنتج سبعة أبطن، فإن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكرا ذبحوه، وأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا أو أنثى قالوا وصلت أخاها، فيتركونها معه لا يذبح ولا ينتفع بها الرجال دون النساء، وقالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. وقيل: هي الشاة تنتج عشر اناث متواليات في خمسة أبطن ثم ما ولدت بعد ذلك، فللذكر دون الإناث، وبهذا قال ابن إسحاق وأبو عبيدة. وقيل: هي الشاة تنتج خمسة أبطن أو ثلاثة، فإن كان جديا ذبحوه، وإن كان أنثى أبقوها، وإن كان ذكرا أو أنثى قالوا وصلت أخاها هذا كله عند من يخصها بجنس الغنم، وأما من قال إنها من الإبل فقال: هي الناقة تبكر فتلد أنثى، ثم تثني بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم، ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر اهـ.\rقوله: وَلا حامٍ الحامي اسم فاعل من حمى يحمي أي منع، واختلف فيه تفسير أهل اللغة، فعن الفراء أنه الفحل يولد لولد ولده، فيقولون: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يستعمل ولا يطرد عن مرعى ولا ماء ولا شجر، وقال بعضهم: هو الفحل ينتج من بين أولاده ذكورها وأناثها عشر اناث، روى ذلك ابن عطية. وقال بعضهم: هو الفحل يولد من صلبه عشرة أبطن فيقولون قد حمي ظهره فيتركونه كالسائبة فيما تقدم، وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود، وإليه مال أبو عبيدة والزجاج. وروي عن الشافعي أنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقال ابن دريد: هو الفحل ينتج له سبع اناث متواليات، فيحمي ظهره فيفعل به ما تقدم، وقد عرفت منشأ خلاف أهل اللغة في هذه الأشياء، وأنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب وآرائهم الفاسدة فيها اهـ سمين.\rقوله: (يفعلونه) أي الجعل المذكور. قوله: (قال البحيرة التي) أي في الناقة التي يمنع درها أي لبنها للطواغيت أي: الأصنام التي كانوا يعبدونها أي لخدامها، فقوله فلا يحلبها أحد أي غير خدام الطواغيت اهـ شيخنا.","part":2,"page":285},{"id":825,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 286\rوأعفوه من الحمل عليه فلا يحمل عليه شيء وسموه الحامي وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في ذلك ونسبته إليه وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) أن ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم قالُوا حَسْبُنا كافينا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين والشريعة قال تعالى أَحسبهم ذلك وَلَوْ وطلب من باب طلب فعلا ومصدرا وقد يخفف المصدر بتسكين اللام. قوله: (و السائبة كانوا يسيبونها) أي هي الناقة التي كانوا يسيبونها أي بالنذر، فكان أحدهم إذا مرض أو مرض له أحد يقول إن شفاني اللّه أو شفى مريضي سيبت ناقة، فإذا حصل مقصوده سيبها اهـ شيخنا.\rقوله: (في أول نتاج الإبل) لو قال في أول نتاجها، لكان أوضح اهـ شيخنا.\rقوله: (الضراب المعدود) وهو عشر مرات، فكان إذا أحبل الأنثى عشر مرات تركوه للطواغيت إلى آخر باقي الشرح وتقدم عن السمين. وروي عن الشافعي أنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين اهـ.\rقوله: (و دعوه) أي تركوه، وقوله: وأعفوه أي تركوه من الحمل، فهو بمعنى ما قبله. قوله:\rوَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي علماؤهم يفترون أي حيث يفعلون ما يفعلون، ويقولون أمرنا اللّه بهذا، هذا شأن رؤسائهم وكبارهم وأكثرهم، أي وهم أراذلهم وعوامهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما يشهد به سياق النظم لا يعقلون أنه افتراء باطل، حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم، فاستمروا في أشد التقليد، وهذا بيان لقصور عقولهم، وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (في ذلك) أي الجعل المذكور. قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لعوامهم المعبر عنهم بالأكثر في قوله: وأكثرهم لا يعقلون، وقوله: تَعالَوْا فعل أمر مبني على حذف النون وأصله تعالا وحذفت الألف لالتقاء الساكنين والنون لبناء الفعل على حذفها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي إلى حكمه) إشارة لتقدير مضاف في قوله: وإلى الرسول أي إلى حكمه، وقوله: من تحليل الخ بيان لكل من قوله: ما أنزل اللّه ومن حكم الرسول اهـ شيخنا.\rقوله: حَسْبُنا مبتدأ. وقوله: ما وَجَدْنا خبر وقال هنا ما وجدنا، وفي البقرة ما ألفينا، وقال هنا لا يعلمون، وهناك لا يعقلون للتفنن أي ارتكاب فنون وأساليب من التعبير، وهذا ما استحسنه أبو حيان والسمين اهـ شيخنا.\rقوله: (أحسبهم ذلك ولو الخ) أشار به إلى أن الواو في أولو واو الحال دخلت عليهما همزة الإنكار، والتقدير أحسبهم دين آبائهم بمعنى كافيهم إلخ اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون قيل: الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب أي أحسبهم ذلك، ولو كان آباؤهم جهلة ضالين. وقيل: للعطف على شرطية أخرى مقدرة قبلها وهو الأظهر، والتقدير أحسبهم ذلك، أو أيقولون هذا القول لو لم يكن آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب، ولو كانوا لا يعلمون الخ وكلتاهما في موضع","part":2,"page":286},{"id":826,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 287\rكانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104) إلى الحق والاستفهام للانكار\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي احفظوها وقوموا بصلاحها لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قيل المراد لا يضركم من ضل من أهل الكتاب وقيل المراد غيرهم لحديث أبي ثعلبة الخشني سألت عنها رسول الحال أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل حال مفروضة، وقد حذفت الأولى في الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة. كيف؛ وأن الشيء إذا تحقق عند المانع، فلأن يتحقق عند عدمه أولى، كما في قولك أحسن إلى فلان إن أساء إليك أي أحسن إليه إن لم يسيء إليك، وإن أساء أي أحسن إليه كائنا على كل حال مفروضة، وقد حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها دلالة ظاهرة.\rإذ الإحسان حيث أمر به عند المانع، فلأن يؤمر به عند عدمه أولى، وعلى هذا السر يدور ما في إن ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجواب لو محذوف لدلالة ما سبق عليه أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون حسبهم ذلك، أو يقولون ذلك وما في لو من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم، لا إلى نفس الأمر، وفائدته المبالغة في الإنكار والتعجيب ببيان أن ما قالوه موجب للإنكار والتعجب. إذ كون آبائهم جهلة ضالين في الاحتمال البعيد، فكيف إذا كان ذلك واقعا لا ريب فيه اهـ.\rقوله: (و الاستفهام للإنكار) أي مع التوبيخ. قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الجمهور على نصب أنفسكم وهو منصوب على الإغراء بعليكم، لأن عليكم هنا اسم فعل، إذ التقدير ألزموا أنفسكم أي هدايتها وحفظها مما يؤذيها، فعليكم هنا يرفع فاعلا تقديره عليكم أنتم، ولذلك يجوز أن يعطف عليه مرفوع نحو عليكم أنتم، وزيد الخير كأنك قلت الزموا أنتم الخير، واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها نحو إليك ولديك ولمكانك، والصحيح أنه موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء، وهذا مذهب سيبويه. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل، وفيه بعد لنصب ما بعده، وذهب الفراء إلى أنه مرفوع، وقد حققت هذه المسائل بدلالتها مبسوطة في شرح التسهيل. وقرأ نافع ابن أبي نعيم أنفسكم رفعا فيما حكاه عنه صاحب الكشاف، وهي مشكلة وتخريجها على أحد وجهين:\rإما الابتداء وعليكم خبره مقدم، والمعنى على الإغراء أيضا فإن الإغراء قد جاء بالجملة الابتدائية، ومنه قراءة بعضهم ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها [الشمس: 13] وهذا تحذير وهو نظير الإغراء، وإما على أن يكون توكيدا للضمير المستتر في عليكم، لأنه كما تقدم تقديره قائم مقام الفاعل إلا أنه شذّ توكيده بالنفس من غير توكيد بضمير منفصل والمفعول على هذا محذوف تقديره عليكم أنتم أنفسكم صلاح حالكم وهدايتكم اهـ سمين.\rوقوله: في موضع جر أي بالحرف في نحو عليك، وإليك بحسب ما كان وبالإضافة في نحو لديك ومكانك، وكون الكاف في عليك وأخواته ضميرا مذهب الجمهور، وذهب ابن بابشاذ إلى أنها حرف خطاب اهـ من حواشي الأشموني.\rقوله: (أي احفظوها) أي من المعاصي وقوموا بصلاحها أي بفعل الطاعات اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل (المراد) لا يَضُرُّكُمْ فعلى هذا تكون الآية تسلية للمؤمنين على ما حصل لهم من الحزن على عدم إيمان الذين كفروا حين دعوهم إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول، فامتنعوا، وقالوا:\rحسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. وقوله: وقيل المراد غيرهم وهم عصاة المؤمنين، فعلى هذا معنى عليكم","part":2,"page":287},{"id":827,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 288\rاللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك» رواه الحاكم وغيره إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أنفسكم أي بعد أن أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فلم يفد أمركم ونهيكم فبعد ذلك ألزموا حال أنفسكم، فإن لم تفعلوا ذلك ضركم ضلال من ضل، لأن الإقرار على الضلال ضلال اهـ شيخنا.\rقوله: (و قيل المراد الخ) أشار به إلى أن الآية ليست نازلة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جاء عن أبي بكر رضي اللّه عنه أنه قال: تعدونها رخصة واللّه ما نزل آية أشد منها، وإنما المراد لا يضركم من ضلّ من أهل الكتاب كما جاء عن مجاهد وابن جبير هي في اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود ما نصه: ولا يتوهم أن في هذه الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا، ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما نفى به الطاقة قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه».\rوقد روي أن الصديق رضي اللّه عنه قال يوما على المنبر: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم اللّه بعقاب» فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فيقول أحدكم عليّ نفسي، واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن اللّه عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون خياركم، فلا يستجاب لهم.\rوعنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من قوم عمل فيهم منكر وسن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إلا وحق على اللّه أن يعمهم بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم». والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة، وكانوا يتمنون إيمانهم وهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعوون عنه بالأمر والنهي، وقيل: كان الرجل إذا أسلم لاموه، وقالوا له: سفهت آباءك وضللتهم أي نسبتهم إلى السفاهة والضلال، فنزلت تسلية له بأن ضلال آبائه لا يضره ولا يشينه اهـ.\rقوله: (أبي ثعلبة الخشني) نسبه إلى خشينة قبيلة من العرب. وفي المصباح: ورجل خشن قوي شديد، ويجمع على خشن بضمتين مثل نمر ونمر والأنثى خشنة وبمصغرها سمي حي من العرب، والنسبة إليه خشني بحذف الياء والهاء، ومنه أبو ثعلبة الخشني اهـ.\rقوله: (سألت عنها) أي عن هذه الآية، وقوله: فقال أي في بيان معناها. قوله: (شحا مطاعا) الشح نهاية البخل مع الحرص مطاعا أي يطيعه صاحبه وهو بالقصر أي ميل النفس إلى القبائح متبعا.\rأي: يتبعه صاحبه ودنيا مؤثرة بالهمزة وعدمه أي يؤثرها صاحبها على الآخرة وإعجاب أي سرور وفرح، كل ذي رأي برأيه فلا يقبل نصيحة الغير اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي أيها المؤمنون الطائعون. أي: ومرجعهم أيضا أي مرجع من ضل، ففي الآية اكتفاء على حد سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81]، وفي هذا وعد ووعيد للفريقين","part":2,"page":288},{"id":828,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 289\rجَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) فيجازيكم به\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أسبابه حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ خبر بمعنى الأمر أي ليشهد وإضافة شهادة لبين على الاتساع وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي غير ملتكم إِنْ وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخد بعمل غيره اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ استئناف مسوق لبيان الأحام المتعلقة بأمور دنياهم أثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم اهـ أبو السعود.\rقوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ هذه الآية، واللتان بعدها من أشكل القرآن حكما وإعرابا وتفسيرا، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها، حتى قال مكي بن أبي طالب رحمه اللّه في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب أي القرآن وأشكله. قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر. قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. وقال السخاوي: لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها. قلت: وأنا أستعين اللّه تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومه، فنسأل اللّه العون في تهذيبه إلى آخر ما في عبارة السمين فارجع إليه إن شئت اهـ.\rواختلفوا في هذه الشهادة فقيل هي الشهادة المعروفة التي هي الاخبار بحق الغير وقيل: هي حضور وصية المحتضر كما ستأتي الإشارة إليه في الشارح، وعبارة الخطيب المعنى أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من أهل دينه على وصيته، أو ما يوصي إليهما احتياطا فإن لم يجدهما فآخران من غيرهم الخ. قوله: اثْنانِ خبر للمبتدأ الذي هو شهادة بينكم على تقدير اثنين، أو ذو شهادة بينكم اثنان، واحتيج إلى هذا الحذف ليتطابق المبتدأ والخبر، وذلك لأن الشهادة لا تكون هي الاثنان. إذ الجثة لا تكون خبرا عن المصادر، فأضمر مصدر يكون خبرا عن مصدر، وهذا ما أشار إليه الشيخ المصنف، كالسفاقسي وغيره. وجوز الزمخشري أن يكون شهادة مبتدأ، والخبر محذوف أي فيما فرض عليكم شهادة، واثنان فاعل بشهادة أي أن يشهد اثنان، وهذا ما جرى عليه ابن هشام، وهو الأولى لأن الصريح ليس كغيره اهـ كرخي.\rقوله: (خبر بمعنى الأمر) أي هذه الجملة وهي قوله شهادة بينكم الخ خبرية ومعناها الطلب، وشهادة مبتدأ، واثنان خبره وما بينهما اعتراض، وقوله أي ليشهد من أشهد الرباعي، فيكون شهادة بينكم مصدرا نائبا عن فعل الأمر، وهذا هو المناسب لقوله فيما يأتي المعنى ليشهد المحتضر الخ، ويصح أن يقرأ هنا ليشهد من شهد الثلاثي، ويكون اثنان على هذا فاعلا بالمصدر اهـ شيخنا.\rقوله: (على الاتساع) أي التجوز. يعني وحق الشهادة أن تضاف إلى المشهود به كأن يقال شهادة الحقوق أي الشهادة بها فاتسع فيها، وأضيفت إلى البين إما باعتبار جريانها بينهم، أو باعتبار تعلقها بما يجري بينهم من الخصومات اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله على الاتساع أي في الظرف، وذلك لأن الإضافة إليه أخرجته عن الظرفية، الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 19","part":2,"page":289},{"id":829,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 290\rأَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ سافرتم فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما توقفونهما صفة آخران مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي صلاة العصر فَيُقْسِمانِ يحلفان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم فيها ويقولان لا وصيرته مفعولا به على السعة، وبينكم كناية عن التنازع والتشاجر، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع، لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند التنازع والمراد من المسلمين اهـ.\rقوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ عطف على اثنان تابع له فيما ذكر من الخبر أو الفاعلية اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ أَنْتُمْ الخ قيد قوله أو آخران، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على لفظ إذا حضر أحدكم الموت لكان التركيب هكذا إن هو ضرب في الأرض فأصابته اهـ سمين.\rقوله: إِنْ أَنْتُمْ مرفوع بمضمر يفسره ما بعده تقديره إن ضربتم، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، فقوله: ضربتم لا محل له من الإعراب، لكونه مفسرا، وقوله: فأصابتكم عطف على الشرط، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن سافرتم فقاربكم الأجل حينئذ وما معكم من أهل الإسلام أحد، فليشهد آخران أي فاستشهدوا آخرين، أو فالشاهدان آخران اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي ما نصه: المسألة الثامنة قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ في الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهب الاثنان إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهم وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة أي تستوثقوا منهما اهـ.\rقوله: (صفة آخران) أي قوله تحبسونهما صفة لقوله آخران، والتقدير أو آخران من غيركم يحبسان، وقوله: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ معترض، واستفيد منه أن أن العدول إلى آخرين من غير الملة إنما يكون مع ضرورة السفر، وحضور الموت، وشهادة أهل الذمة منسوخة عند أكثر العلماء بقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] وجازت في أول الإسلام لقلة المسلمين، وتعذر الشهود ولا محل للشرط، وجوابه من الإعراب لأنه اعتراض بين الصفة والموصوف، وجوابه محذوف وهو: فأشهدوا آخرين من غيركم اهـ كرخي.\rقوله: (أي صلاة العصر) وعدم تعيينها في الآية لتعينها عندهم للتحليف بعدها، لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار ولأن جميع الملل يعظمون هذا الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب اهـ أبو السعود.\rوقال الحسن: صلاة الظهر، وقيل أي صلاة كانت، وقيل: من بعد صلاتهما على أنهما كافران اهـ قرطبي.\rقوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ عطف على تحبسونهما، وجواب قوله: إن ارتبتم محذوف لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه، والجملة الشرطية معترضة بين القسم وجوابه للتنبيه على اختصاص الحبس والحلف بحال الارتياب أي إن ارتاب الوارث منكم بخيانة أو أخذ شيء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما من بعد الصلاة أبو السعود اهـ.","part":2,"page":290},{"id":830,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 291\rنَشْتَرِي بِهِ باللّه ثَمَناً عوضا نأخذه بدله من الدنيا بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله وَلَوْ كانَ المقسم له أو المشهود له ذا قُرْبى قرابة منه وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ التي أمرنا بها إِنَّا إِذاً إن كتمناها لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)\rفَإِنْ عُثِرَ اطلع بعد حلفهما عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً وعبارة الكرخي: قوله: فيقسمان معطوف على تحبسونهما، وإن ارتبتم معترض بين يقسمان، وجوابه وهو لا نشتري وجواب الشرط محذوف تقديره إن ارتبتم فحلفوهما، هذا ما جرى عليه الأكثر.\rومشى الشيخ المصنف على ما اختاره الجرجاني، وهو أن هنا قولا مقدرا فقال: ويقولان الخ أي فيقسمان باللّه، ويقولان هذا القول في إيمانهما اهـ.\rوفي السمين: قوله: إن ارتبتم شرط، وجوابه محذوف تقديره إن ارتبتم فيهما، فحلفوهما، وهذا الشرط وجوابه المقدر معترض بني القسم، وجوابه وليست هذه الآية مما اجتمع فيه شرط وقسم، فأجيب سابقهما وحذف جواب الآخر لدلالة جوابه عليه لأن تيك المسألة شرطها أن يكون جواب القسم صالحا لأن يكون جوابا للشرط، حتى يسد مسد جوابه نحو: اللّه أن تقم لأكرمنك، لأنك إن قدرت أن نقم أكرمك صح، وهنا لا يقدر جواب الشرط ما هو جواب للقسم، بل يقدر جوابه قسما برأسه. ألا ترى أن تقديره هنا إن ارتبتم فحلفوهما، ولو قدرته إن ارتبتم فلا نشتري لم يصح، فقد اتفق هنا أنه اجتمع شرط وقسم، وقد أجيب سابقهما وحذف جواب الآخر، وليس من تلك القاعدة. وقال الجرجاني: إن ثم قولا محذوفا تقديره فيقسمان باللّه، ويقولان هذا القول في إيمانهما، فالعرب تضمر القول كثيرا كقول تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23] أي يقولون سلام عليكم، ولا أدري ما حمله على إضمار هذا القول اهـ. وعلى هذا فلا تكون جملة الشرط معترضة.\rقوله: لا نَشْتَرِي بِهِ في هذه الهاء ثلاثة أقوال، أحدهما: أنها تعود على اللّه تعالى. الثاني:\rأنها تعود على القسم. الثالث: وهو قول أبي علي أنها تعود على تحريف الشهادة، وهذا القول من حيث المعنى، وعلى القول بأنها عائدة على اللّه يقدر مضاف محذوف. أي لا نشتري بيمين اللّه أو قسمه، لأن الذات المقدسة لا يقال فيها ذلك، والاشتراء هنا هل هو باق على حقيقته أو يراد به البيع؟\rقولان أظهرهما الأول وبيان ذلك مبني على نصب ثمنا وهو منصوب على المفعولية اهـ سمين.\rقوله: (بأن نحلف أو نشهد به الخ) يشير بهذا إلى التفسيرين الآتيين في قوله المعنى ليشهد الخ، فقوله بأن نحلف راجع الثاني الوجهين الآتيين. وقوله أو نشهد راجع لأولهما، وقوله كاذبا كان الأولى، والظاهر أن يقول كذبا كما في عبارة الخازن اهـ شيخنا.\rقوله: (لأجله) أي العوض اهـ كرخي.\rقوله: وَلَوْ كانَ (المقسم له) هذا ناظر للقول الثاني فيما يأتي قوله، أو المشهود له ناظر للأول اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا نَكْتُمُ معطوف على لا نشتري داخل معه في حكم القسم اهـ أبو السعود.\rقوله: (التي أمرنا بها) بيان لوجه إضافة الشهادة للّه اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنْ عُثِرَ مبني للمفعول والقائم مقام فاعله الجار بعده أي: فإن اطلع على استحقاقهما","part":2,"page":291},{"id":831,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 292\rأي فعلا ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما في توجه اليمين عليهما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوصية وهم الورثة ويبدل من آخران الْأَوْلَيانِ بالميت أي الإثم: يقال: عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على شيء لم يطلع عليه غيره، وأعثرته على كذا أطلعته عليه، ومنه قوله تعالى: أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [الكهف: 21] اهـ سمين.\rوفي المختار: وعثر عليه اطلع، وبابه نضر ودخل وأعثره عليه غيره أي أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [الكهف: 21] اهـ.\rقوله: عَلى أَنَّهُمَا أي الشاهدين، أو الوصيين على الخلاف في أن الاثنين وصيان أو شاهدان على الوصية اهـ.\rقوله: (أو كذب) أو مانعة خلو، وقوله: في الشهادة أي أو في اليمين. قوله: (مثلا) أي أو عند شخص غيرهما باعاه له، كما سيأتي في القصة اهـ شيخنا.\rقوله: (أنهما ابتاعاه من الميت) هذا على قوله في القصة، وقوله: أو وصي لهما به هذا على قول آخر فيها، وسيعلم قول ثالث من قوله أو دفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصى له به، فتلخص أن فيما ادعياه أقوالا ثلاثة قيل: ادعيا أنهما اشترياه من الميت، وقيل: ادعيا أنه وصى لهما به، وقيل: ادعيا أنه وصى لغيرهما به ودفعه للغير: قوله: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما آخران مبتدأ، وفي الخبر احتمالات، أحدها: قوله من الذين استحق وجاز الابتداء به لتخصصه بالوصف، وهو الجملة من يقومان. والثاني:\rأن الخبر يقومان، ومن الذين استحق صفة المبتدأ ولا يضر الفصل بالخبر بين الصفة وموصوفها والمسوغ أيضا للابتداء به اعتماده فاء على الجزاء. الثالث: أن الخبر قوله الأوليان نقله أبو البقاء، وقوله يقومان، ومن الذين استحق كلاهما في محل رفع صفة لآخران، ويجوز أن يكون أحدهما صفة، والآخر حالا وجاءت الحال من النكرة لتخصصها بالوصف، وفي هذا الوجه ضعف من حيث إنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة محدثا عنها، والنكرة حديثا وعكس ذلك قليل جدا أو ضرورة اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ جعل الشارح نائب الفاعل محذوفا فقدره بالوصية، وكان المعنى عليه من الذين استحق عليهم، أي: استحق لهم أي لأجلهم الوصية، أي: الإيصاء برد التركة إليهم، وهم ورثة الميت، وأوضح من هذا جعل نائب الفاعل ضميرا يعود على الإثم كما صنع غيره من الشراح، وعبارة البيضاوي من الذين جنى عليهم وهم الورثة. انتهت.\rقال التفتازاني: يشير إلى أن استحقاق الإثم عليهم كناية عن هذا المعنى، وذلك لأن معنى استحق الشيء لاق به أن ينسب إليه، والجاني للإثم المرتكب له يليق أن ينسب إليه الإثم، فاستحقاقه الإثم بمعنى ارتكابه، فالذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم، وارتكب الذنب بالقياس إليهم هم الورثة، شيخ الإسلام.\rقوله: (و يبدل من آخران) أي بدلا فيه معنى عطف البيان اهـ.","part":2,"page":292},{"id":832,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 293\rالأقربان إليه وفي قراءة الأولين جمع أول صفة أو بدل من الذين فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ على خيانة الشاهدين ويقولان لَشَهادَتُنا يميننا أَحَقُ أصدق مِنْ شَهادَتِهِما يمينهما وَمَا اعْتَدَيْنا تجاوزنا الحق في اليمين إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) المعنى ليشهد المحتضر على وصيته اثنين أو يوصي إليهما من أهل دينه أو غيرهم إن فقدهم لسفر ونحوه فإن ارتاب الورثة فيهما فادعوا أنهما خانا بأخذ شيء أو دفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصى له به فليحلفا إلى آخر فإن اطلع على امارة تكذيبهما فادعيا دافعا له حلف أقرب الورثة على قوله: الْأَوْلَيانِ تثنية أو أي أقرب فقلبت الألف ياء على حد قوله: آخر مقصور تثني اجعله يا اهـ شيخنا.\rقوله: (الأولين) أي الأقربين للميت، وقوله جمع أول بمعنى أسبق، والمراد هنا أسبق في القرية، فيكون بمعنى أقرب وبمعنى أولى. قوله: فَيُقْسِمانِ عطف على يقومان، وقوله: على خيانة الشاهدين هذا على القول بأن الاثنين شاهدان، وكان عليه أن يقول أو الوصيين لأجل القول الآخر، وقوله: ويقولان أي في حلفهما اهـ.\rقوله: (يميننا) أي فالمراد بالشهادة اليمين، كما في قوله تعالى: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور: 6] اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَا اعْتَدَيْنا هذا من جملة يمينها. قوله: إِنَّا إِذاً أي إذا اعتدينا. قوله: (المعنى ليشهد الخ) أي معنى الآيتين ويشير بهذا إلى تفسيرين في الآية، وعبارة الخازن: واختلفوا في هذين الاثنين فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي. وقيل: هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما، ولأنه تعالى قال: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصي اثنين، وإن كان يصح أن يكون واحدا للتقوية والتأكيد، وعلى الثاني تكون الشهادة في الآية بمعنى الحضور، كقولك:\rشهدت وصية فلان بمعنى حضرتها. انتهت.\rفيكون المعنى على الثاني شهادة بينكم أي حضور الوصية الواقعة بينكم أي التي يحضرها. اثنان الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أو يوصى) أي بدفعها أي تركته إلى ورثته ويوصي، هكذا في النسخ بثبوت الياء، والصواب حذفها لأنه معطوف على المجزوم بلام الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: (من أهل دينه) حال من اثنين، أو من الضمير في قوله إليهما. قوله: (بأخذ الشيء) أي وقد ادعيا أنهما اشترياه من الميت، أو أنه وصى لهما به فتحت هذه الكلمة قولان من الأقوال الثلاثة المتقدمة، وذكر الثالث بقوله: أو دفعه إلى شخص، وقوله زعما أي الاثنان الخائنان اهـ.\rقوله: (إلى آخره) أي آخر المذكور في الآية الأولى، وآخرها قوله: لمن الآثمين. قوله: (دافعا له) أي لما أدعى عليهما به من خيانتهما في التركة، والدافع ما ذكره سابقا بقوله: وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به اهـ شيخنا.","part":2,"page":293},{"id":833,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 294\rكذبهما وصدق ما ادعوه والحكم ثابت في الوصيين منسوخ في الشاهدين وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة واعتبار صلاة العصر للتغليظ وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها وهي ما رواه البخاري أن رجلا من بني سهم قوله: (و الحكم ثابت الخ) الحكم هو التحليف. قوله: (للتغليظ) وهو سنة لا واجب.\rقوله: (و تخصيص الحلف في الآية باثنين) أي مع أنه يصح من واحد ومن أكثر من اثنين اهـ.\rقوله: (و هي ما رواه البخاري) الخ عبارته مع شرح القسطلاني عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: خرج رجل من بني سهل، وهو بزيل بضم الموحدة وفتح الزاي مصغرا عند ابن عساكر، ولابن منده من طريق السدي، عن الكلبي بديل بن أبي مارية بدال مهملة بدل الزاي، وليس هو بديل بن ورقاء، فإنه خزاعي، وهذا تميمي. وفي رواية ابن جريج أنه كان مسلما مع تميم الداري الصحابي المشهور، وكان نصرانيا، وكان ذلك قبل أن يسلم وعدي بن بداء من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وعدي بن بداء بفتح الموحدة وتشديد الدال المهلمة ممدود مصروف، وكان عدي نصرانيا. قال الذهبي: لم يبلغنا إسلامه، فمات بديل السهمي بأرض ليس بها مسلم، وكان لما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، فلما قدموا إليهم بتركته فقدوا بفتح القاف جاما بفتح الجيم وتخفيف الميم. قال في الفتح: أي إناء، وتعقبه العيني فقال: هذا تفسير للخاص بالعام، وهو لا يجوز لأن الإناء أعم من الجام، والجام هو الكأس اهـ.\rوالذي ذكره البغوي وغيره من المفسرين أنه إناء من فضة منقوش بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال.\rوكذا في رواية ابن جريج، عن عكرمة إناء من فضة مخوص بذهب بضم الميم وفتح الخاء والواو المشددة آخره صاد مهملة أي خطوط طوال كالخوص كانا أخذاه من متاعه وفي رواية ابن جريج، عن عكرمة أن السهمي المذكور مرض، فكتب وصيته بيده، ثم وضعها في متاعه، ثم أوصى إليهما، فما مات فتحا متاعه ثم قدما على أهله، فدفعا إليهم ما أرادا، ففتح أهله متاعه، فوجدوا الوصية وفقدوا أشياء، فسألوهما عنها فجحدا فرفعوهما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية إلى قوله: لَمِنَ الْآثِمِينَ فأحلفهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم وجدا الجام بمكة فقالوا: أي الذين وجد الجام عندهم ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة من أوليائه، أي: من أولياء بزيل السهمي، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما. يعني يميننا أحق من يمينها، وأن الجام لصاحبهم. قال:\rوفيهم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ زاد أبو ذر: إذا حضر أحد كم الموت. انتهت بالحرف.\rوعبارة الخطيب: فلما قدموا الشام مرض بديل، فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما بها. وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات ففتشاه، وأخذا منه إناء من فضة وزنه ثلاثمائة مثقال منقوش بالذهب، وكان بديل أراد به ملك الشام، ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة دفعا المتاع إلى أهل الميت، ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه، فجاءوا تميما وعديا، فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا؟ قالا: لا. قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا: لا. قالوا: فهل طال مرضه","part":2,"page":294},{"id":834,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 295\rخرج مع تميم الداري وعدي بن بداء أي وهما نصرانيان فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فرفعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت فأحلفهما ثم وجد الجام بمكة فقال ابتعناه من تميم وعدي فنزلت الآية الثانية فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا وفي رواية الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه، وإنا فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال من فضة؟ قالا: ما ندري إنما أوصى لنا بشيء وأمرنا أنما ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأصروا على الإنكار وحلفا فأنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* الآية، فلما نزلت هذه الآية صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر باللّه الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك وخلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما، فبلغ ذلك بني سهم، فأتوهما فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه، فقالوا: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه. قالا: لم يكن عندنا بينة، وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك، فرفعوها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت فإن عثر، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان وحلفا الخ انتهت.\rقوله: (و هما نصرانيان) وأما السهمي فكان مسلما. قوله: (فمات السهمي الخ) عطف على مقدر بعلم من الرواية الأخيرة الآتية أي فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما تركه إلى أهله، فمات الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فقدروا) أي الورثة جاما، وقوله: مخوصا بالذهب، أي مجعولا عليه بالذهب خطوطا كالخوص، وفي بعض النسخ مموها، وفي بعض العبارات منقوشا. قوله: (فنزلت) أي هذه الآية وقوله: فأحلفهما أي على أنهما ما اطلعا على الجام ولا كتماه اهـ من القرطبي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 295\r\rله: (فقدروا) أي الورثة جاما، وقوله: مخوصا بالذهب، أي مجعولا عليه بالذهب خطوطا كالخوص، وفي بعض النسخ مموها، وفي بعض العبارات منقوشا. قوله: (فنزلت) أي هذه الآية وقوله: فأحلفهما أي على أنهما ما اطلعا على الجام ولا كتماه اهـ من القرطبي.\rقوله: (فقال) أي الرجل المكي الذي وجد عنده الجام، وكان قد ابتاعه بألف درهم اهـ شيخنا.\rقوله: (فقام رجلان) سيأتي تعيين أحدهما في رواية الترمذي، وقوله: فحلفا أي، ودفع النبي الجام لهما اهـ شيخنا.\rقوله: (و في رواية الترمذي الخ) نقلها لاشتمالها على تعيين أحد الرجلين، وقوله: وفي رواية مرض الخ أتى بها لاشتمالها على أصل القصة، وتصريحها بأنه أوصى إليهما اهـ شيخنا.\rوقوله: (و رجل آخر منهم) هو المطلب بن أبي وداعة، كما تقدم في عبارة القسطلاني. قوله:\r(ذلك الحكم المذكور من رد اليمين) أي من شرع رده. يعني أن الشاهدين أو الوصيين إذا علما أنهما إن لم يصدقا بتوجه اليمين على الورثة، فيحلفون وينتزعون من الشاهدين ما أخذاه، ويفتضحان بظهور كذبهما حملهما ذلك على أحد أمرين: إما الصدق في الشهادة والحلف من أول الأمر، وإما ترك الحلف الكاذب، فيظهر كذبهم ونكولهم، فبأحد الأمرين يحصل المقصود لأنهم إذا صدقوا ولم يخونوا، فالأمر ظاهر، وإن خانوا وامتنعوا من الحلف خوفا من الفضيحة حلف الورثة وانتزعوا ما خان به الشهود تأمل اهـ شيخنا.","part":2,"page":295},{"id":835,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 296\rوكانا أقرب إليه وفي رواية فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله فلما مات أخذا الجام ودفعا إلى أهله ما بقي\rذلِكَ الحكم المذكور من ردّ اليمين على الورثة أَدْنى أقرب إلى أَنْ يَأْتُوا أي الشهود أو الأوصياء بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة أَوْ أقرب إلى أن يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الخيانة والكذب وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108) الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير اذكر\r* يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ هو يوم القيامة فَيَقُولُ لهم توبيخا لقومهم ما ذا أي الذي أُجِبْتُمْ به حين دعوتم إلى التوحيد قالُوا لا عِلْمَ لَنا قوله: (من رد اليمين) أي توجه اليمين كما تقدم، وليس الرد هنا على قاعدة اليمين المردودة لعدم نكولهم، أو منها كما أشار إليه الخازن بقوله: وإنما ردت اليمين على أولياء الميت، لأن الوصيين ادعيا أن الميت باعهما الإناء أي الجام، وأنكر ورثة الميت، فلذلك ردت اليمين عليهم اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: رد اليمين على الوارث مع أن حقها أن تكون من الوصي لأنه مدعى عليه إما لظهور خيانة الوصيين، فإن تصديق الوصي باليمين إنما كان لأمانته، وقد تبين خلافه، وأما لتغير الدعوى انتهت بإيضاح. وقوله: وإما لتغير الدعوى أي انقلابها بأن صار المدعى عليه الذي هو الوصي مدعيا للملك، والوارث مدعى عليه، فلذا لزمته اليمين لا للرد اهـ شهاب.\rقوله: أَدْنى أَنْ يَأْتُوا وقوله: أو يخافوا المقام لتثنية الضمير، وإنما جمع لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين وغيرهما من بقية الناس. وفي الخازن: أن يأتي الوصيان وسائر الناس اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى أن) يَخافُوا أشار إلى أن يخاوفوا منصوب بالعطف على يأتوا، وأن أو بمعنى الواو، واختار السفاقسي أنها لأحد الشيئين. إما أداء الشهادة صدقا، أو الامتناع عن أدائها كذبا وهو الأوجه اهـ كرخي.\rقوله: (فلا يكذبوا) أي فلا يأتوا باليمين الكاذبة أي: فلا يحلفوا. وعبارة أبي السعود: فلا يحلفوا على موجب شهادتهم إن لم يأتوا على وجهها فيظهر كذبهم بنكولهم انتهت. وفي الخازن:\rفربما لا يحلفون كاذبين إذا خانوا اهـ.\rقوله: (إلى سبيل الخير) متعلق بيهدي. قوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ شروع في بيان ما جرى بينه تعالى، وبين الكل على وجه الإجمال اهـ أبو السعود.\rقوله: فَيَقُولُ (لهم توبيخا لقومهم) لما كان على كل من السؤال والجواب إشكال، أما السؤال فلأنه تعالى علام الغيوب، فما معنى سؤاله؟ فأجابوا بأنه لقصد التوبيخ للقوم، وأما الجواب فلأن الأنبياء قد نفوا العلم عن أنفسهم مع علمهم بما أجيبوا به، فيلزم الكذب عليهم، فأجابوا عنه بوجوه: الأول أنه ليس لنفي العلم، بل كناية عن إظهار التشكي والالتجاء إلى اللّه بتفويض الأمر كله إليه. الثاني أنه لنفي العلم في أول الأمر لذهولهم من الخوف، ثم يجيبون في ثاني الحال، وبعد رجوع","part":2,"page":296},{"id":836,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 297\rبذلك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه لشدة هول يوم القيامة وفزعهم ثم يشهدون على أممهم لما يسكتون اذكر\rإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ العقل وهو في حال شهادتهم على الأمم، فلا يكون قولهم لا علم لنا منافيا لما أثبت اللّه تعالى لهم الشهادة على أممهم اهـ شهاب.\rقوله: فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ يعني فيقول اللّه تبارك وتعالى للرسل: ماذا أجابكم أممكم لا ما الذي رد عليك قومك حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي. وفائدة هذا السؤال توبيخ أمم الأنبياء الذين كذبوهم قالوا يعني الرسل لا علم لنا. قال ابن عباس: معناه لا علم لنا كعلمك فيهم لأنك تعلم ما أضمروا وما أظهروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا وأبلغ، فعلى هذا القول إنما نفوا العلم عن أنفسهم وإن كانوا علماء، لأن علمهم صار كلا علم بالنسبة لعلم اللّه. وقال جمع من المفسرين: إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول فيها العقول عن مواضعها فيفزعون من هول ذلك اليوم، ويذهلون عن الجواب، ثم إذا ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم بالتبليغ، وهذا فيه ضعف ونظر، لأن اللّه تعالى قال في حق الأنبياء: لا يحزنهم الفزع الأكبر. وذكر الإمام فخر الدين الرازي وجها آخر، وهو أن الرسل عليهم السّلام لما علموا أن اللّه تعالى عالم لا يجهل، وحليم لا يسفه، وعادل لا يظلم علموا أن قولهم لا يفيد خيرا، ولا يدفع شرا، فرأوا أن الأدب في السكوت، وفي تفويض الأمر إلى علم اللّه تعالى وعدله، فقالوا: لا علم لنا اهـ خازن.\rقوله: (أي الذي) أُجِبْتُمْ (به) فيه إشارة إلى أن ما اسم استفهام مبتدأ، وذا بمعنى الذي خبرها، وأجبتم صلتها. وقال أبو البقاء: إن ماذا في موضع نصب بأجبتم وحرف الجر محذوف، أي:\rبماذا أجبتم وماذا هنا بمنزلة اسم واحد. قال: ويضعف أن يجعل بمعنى الذي هنا لأنه لا عائد هنا، وحذف العائد مع حرف الجر ضعيف. قال أبو حيان: وما ذكره أبو البقاء أضعف لأنه لا ينقاس حذف حرف الجر إنما سمع ذلك في ألفاظ مخصوصة، ولعل الشيخ المصنف أشار إلى ذلك اهـ كرخي.\rقوله: قالُوا لا عِلْمَ لَنا صيغة الماضي للدلالة على التقرر والتحقق، وهذا القول رد للأمر إلى علمه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: (بذلك) أي بالذي أجبنا به. قوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يعني إنك تعلم ما غاب عنا من باطل الأمور، ونحن نعلم ما نشاهد ولا نعلم ما في البواطن. وقيل: معناه إنك لا يخفى عليك ما عندنا من العلوم، وإن الذي سألتنا عنه ليس يخفى عليك لأنك أنت علام الغيوب، ومعناه العالم بأصناف المعلومات على تفاوتها ليس يخفى عليه خافية اهـ خازن.\rقوله: (ذهب عنهم علمه) أي علم ما أجيبوا به، وحينئذ فلا يرد. كيف قالوا ذلك مع أنهم عالمون بماذا أجيبوا، فيلزم الإخبار بخلاف الواقع، وقالوا بمعنى يقولوا لأن القول إنما هو يوم القيامة اهـ كرخي.\rقوله: (لما يسكنون) أي حين يسكنون أي يسكن فزعهم وروعهم اهـ.\rقوله: إِذْ قالَ اللَّهُ الخ الماضي هنا بمعنى المضارع، لأن هذا القول يقع يوم القيامة مقدمة","part":2,"page":297},{"id":837,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 298\rنِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ بشكرها إِذْ أَيَّدْتُكَ قويتك بِرُوحِ الْقُدُسِ جبريل تُكَلِّمُ النَّاسَ حال من الكاف في أيدتك فِي الْمَهْدِ أي طفلا وَكَهْلًا يفيد نزوله قبل الساعة لأنه لقوله: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116] اهـ سمين.\rومثله الكرخي وما سلكه الشارح من تقدير العامل أحد وجهين: وعبارة البيضاوي: إذ قال اللّه بدل من يوم يجمع اللّه، والماضي بمعنى الآتي على حد وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ [الأعراف: 44] في أن الماضي أقيم مقام المضارع، وفي أن إذ واقعة موقع إذا التي للمستقبل لتحقق الوقوع، فكأنه واقع أو نصب بإضمار اذكر، انتهت.\rقوله: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ تقدم الكلام في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها، وابن صفة لعيسى نصب لأنه مضاف، وهذا قاعدة كلية مفيدة، وذلك أن المنادى المفرد المعرفة الظاهرة الضمة إذا وصف بابن أو ابنة، ووقع الابن أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ، ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أحكام، منها: أنه يجوز اتباع المنادى المضموم لحركة نون ابن فيفتح نحو يا زيد بن عمرو، ويا هند ابنة بكر بفتح الدال من زيد، وهند وضمها، فلو كانت الضمة مقدرة مثل ما نحن فيه، فإن الضمة مقدرة على ألف عيسى، فهل يقدر بناؤها على الفتح اتباعا كما في الضمة الظاهرة خلاف الجمهور على عدم جوازه، إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للاتباع، وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة، وأجاز الفراء ذلك إجراء للمقدر مجرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء، فإنه قال: يجوز أن تكون على الألف من عيسى فتحة، لأنه قد وصف بابن، وهو بين علمين، وأن تكون فيها ضمة، وهو مثل قولك: يا زيد بن عمرو بفتح الدال وضمها، وهذا الذي قاله غير بعيد اهـ سمين.\rقوله: عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ متعلق بنفس النعمة إن جعلت مصدرا أي: اذكر انعامي عليك، أو بمحذوف إن جعلت اسما أي: اذكر نعمتي كائنة عليكما، وليس المراد بأمره بذكره يومئذ أي يوم القيامة تكليفه شكرها، والقيام بواجبها، إذ ليس هناك تكليف، بل المراد توبيخ الكفرة المختلفين في شأنه وشأن أمه إفراطا وتفريطا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَعَلى والِدَتِكَ أي من أنه تعالى أنبتها نباتا حسنا وطهرها واصطفاها على نساء العالمين اهـ خازن.\rقوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ ظرف لنعمتي، أي: اذكر انعامي عليكما وقت تأييدي لك أو حال منها أي:\rاذكرها كائنة وقت تأييدي والمعنى واحد أي قويتك اهـ أبو السعود.\rفكان جبريل يسير معه حيث سار يعينه على الحوادث التي تقع ويلهمه المعارف والعلوم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وفي إذ وجهان، أحدهما: أنه منصوب بنعمتي كأنه قيل اذكر إذ أنعمت عليك وعلى أمك في وقت تأييدي لك. والثاني: أنه بدل من نعمتي بدل اشتمال، وكأنه في المعنى تفسير للنعمة اهـ.\rوقد عدد عليه من النعم سبعا: إذ أيدتك، وإذا علمتك، وإذ تخلق، وإذ تبرئ، وإذ تخرج الموتى، وإذ كففت، وإذ أوحيت اهـ.","part":2,"page":298},{"id":838,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 299\rرفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ كصورة الطَّيْرِ والكاف اسم بمعنى مثل مفعول بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي بإرادتي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ حين هموا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات قوله: فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ذكر تكليمه في حال الكهولة لبيان أن كلامه في تينك الحالين كان على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: والمعنى إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهول في كمال العقل اهـ.\rقوله: وَكَهْلًا أي بعد نزوله إلى الأرض، فإنه ينزل وهو في سن الكهولة، وعبارة القرطبي:\rويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة، وقال أبو العباس: كلمهم في المهد حين برأ أمه وقال إني عبد اللّه الآية، وأما كلامه وهو كهل، فإذا أنزله اللّه أنزله وهو في صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة، والكهل فيقول لهم: إني عبد اللّه كما قال في المهد فهاتان بينتان وحجتان اهـ.\rقوله: (كما سبق في آل عمران) الذي سبق له هناك أنه رفع، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وهذا هو سن الكهولة، فلا وجه لقوله هنا لأنه رفع قبل الكهولة اهـ.\rقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ معطوف على قوله إذ أيدتك منصوب بما نصبه، والكتاب الكتابة وهي الخط والحكمة الفهم والاطلاع على أسرار العلوم اهـ من أبي السعود والخازن.\rقوله: وَإِذْ تَخْلُقُ أي تصور. قوله: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ تقدم في آل عمران أنه كان صور لهم صورة الخفاش، وكان ذلك بطلبهم فراجعه إن شئت. قوله: فَتَنْفُخُ فِيها الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة المضاف إليها، لأن الثانية مشبه بها، وهي من خلق اللّه، بل إلى الأولى المشبهة المدلول عليها بالكاف، لأنها من تقديره ومن نفخه، فالضمير عائد على الهيئة المقدرة لا على الملفوظ بها اهـ كرخي.\rقوله: فَتَكُونُ طَيْراً أي خفاشا بإذني. قوله: وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي الأعمى المطموس البصر والبرص معروف اهـ خازن.\rقوله: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى عطف على إذ تخلق أعيد فيه. إذ لكون إخراج الموتى من قبورهم معجزة باهرة ونعمة جليلة حقيقية بتذكير وقتها صريحا. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية. وتقدم للشارح في آل عمران أن عيسى أحيا أربعة، فراجعه إن شئت وتكرير قوله بإذني في المواضع الأربعة للاعتناء بتحقيق الحق ببيان أن تلك الخوارق ليست من قبل عيسى اهـ أبو السعود مع زيادة في السمين.\rوقال هنا بإذني أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي آل عمران بإذن اللّه مرتين، لأن هناك موضع إخبار فناسب الإيجاز، وهنا مقام تذكير بالنعمة والامتنان فناسب الإسهاب اهـ.\rقوله: وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني واذكر نعمتي عليك إذ كففت وصرفت عنك اليهود، ومنعتك منهم حين أرادوا قتلك إذ جئتهم بالبينات يعني بالدلالات الواضحات لما أتى بهذه المعجزات","part":2,"page":299},{"id":839,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 300\rفَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ ما هذا الذي جئت به إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وفي قراءة ساحر أي عيسى\rوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أمرتهم على لسانه أَنْ أي بأن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا آمَنَّا بهما وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) اذكر\rإِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ أي يفعل رَبُّكَ وفي قراءة بالفوقانية ونصب ما بعده أي تقدر أن تسأله أَنْ العجيبة الباهرة قصد اليهود قتله، فخلصه اللّه منهم ورفعه إلى السماء اهـ خازن.\rقوله: إِذْ جِئْتَهُمْ ظرف لكففت لكن لا باعتبار المجيء بالبينات فقط، بل باعتبار ما يعقبه ويترتب عليه من همهم بقتله، فلذا قال الشارح: حين هموا بقتلك إذ جئتهم الخ اهـ من أبي السعود.\rقوله: إِلَّا سِحْرٌ قرأ الاخوان هنا وفي هود والصف إلا سحر اسم فاعل، والباقون إلا سحر مصدرا في الجميع، والرسم يحتمل القراءتين فأما قراءة الجماعة فيحتمل أن تكون الإشارة إلى ما جاء به من البينات أي ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارق إلا سحر، وقيل: يحتمل أن تكون الإشارة إلى عيسى جعلوه نفس السحر مبالغة نحو: رجل عدل أو على حذف مضاف، وأما قراءة الأخوين فساحر اسم فاعل والمشار إليه عيسى اهـ سمين.\rقوله: إِلَى الْحَوارِيِّينَ يعنى ألهمتهم وقذفت في قلوبهم فهو وحي إلهام، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى النحل، والحواريون هم أصحاب عيسى وخواصه اهـ خازن.\rقوله: (على لسانه) المقام للخطاب ففيه التفات منه إلى الغيبة، وهذا جواب عما يقال إن الحواريين ليسوا بأنبياء، فكيف يوحى إليهم؟ فأجاب بأن الوحي إليهم بواسطة عيسى وعلى لسانه فالوحي في الحقيقة إنما هو له. قوله: أَنْ آمِنُوا بِي في أن وجهان، أظهرهما: أنها تفسيرية لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القول لا حروفه. والثاني: أنها مصدرية بتأويل متكلف أي أوحيت إليهم الأمر بالإيمان، وهنا قالوا آمنا ولم يذكر المؤمن به، وهناك آمنا باللّه فذكره. والفرق أن هناك تقدم ذكر اللّه فقط، فأعيد المؤمن به فقيل باللّه وهنا ذكر شيئان قبل ذلك، وهما أن آمنوا بي وبرسولي، فلم يذكر ليشمل المذكورين وفيه نظر وهنا بأننا وهناك بأنا بالحذف، وقد تقدم غير مرة أن هذا هو الأصل، وإنما جيء هنا بالأصل لأن المؤمن به متعدد فناسبه التأكيد اهـ سمين.\rقوله: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الإظهار في موضع الإضمار اهـ أبو مسعود.\rقوله: (أي يفعل) أي فالسؤال إنما هو عن الفعل دون القدرة عليه تعبيرا عنه يلازمه اهـ أبو السعود.\rوذلك لأنهم كانوا مؤمنين موقنين بقدرة اللّه على هذا الفعل، والمعنى إذا سألت ربك هل ينزلها أولا. وقوله: ونصب ما بعدها وهو لفظ الرب على المفعولية، لكن بتقدير مضاف أي هل تستطيع سؤال ربك كما أشار له المفسر بقوله: أي تقدر أن تسأله. وعبارة السمين: قوله: هَلْ يَسْتَطِيعُ قرأ الجمهور يستطيع بباء الغيبة ربك مرفوعا بالفاعلية، والكسائي تستطيع بتاء الخطاب لعيسى، وربك بالنصب على التعظيم، وقاعدته أنه يدغم لام هل في أحرف منها هذا المكان وبقراءة الكسائي قرأت","part":2,"page":300},{"id":840,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 301\rيُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ لهم عيسى اتَّقُوا اللَّهَ في اقتراح الآيات إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) عائشة، وكانت تقول الحواريون أعرف باللّه من أن يقولوا هل يستطيع ربك، كأنها رضي عنها نزهتهم عن هذه المقالة أن تنسب إليهم وبها قرأ معاذ أيضا وعلي وابن عباس، وسعيد بن جبير في آخرين، وحينئذ فقد اختلفوا في هذا القراءة هل تحتاج إلى حذف مضاف أم لا. فجمهور المعربين يقدرون هل تستطيع سؤال ربك أو لا؟ قال الفارسي: وقد يمكن أن يستغنى عن تقديره سؤال على أن يكون المعنى هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك فيؤول المعنى إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ. قال الشيخ: وما قاله غير ظاهر، لأن فعله تعالى، وإن كان مسببا عن الدعاء فهو غير مقدور لعيسى. واختار أبو عبيد هذه القراءة قال: لأن القراءة الأخرى تشبه أن يكون الحواريون شاكين، وهذا لا توهم ذلك. قلت:\rوهذا بناء من الناس على أنهم كانوا مؤمنين وهذا هو الحق. قال ابن الأنباري: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريون أنهم شكوا في قدرة اللّه تعالى، وبهذا يظهر أن قول الزمخشري أنهم ليسوا مؤمنين ليس بجيد، وكأنه خارق للإجماع. قال ابن عطية: ولا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين، وأما القراءة الأولى فلا تدل له لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة، منها أن معناه هل يسهل عليك أن تسأل ربك كقولك لآخر هل تستطيع أن تقوم وأنت تعلم استطاعته لذلك؟ ومنها: سألوه سؤال مستخبر هل ينزله أم لا؟ فإن كان ينزل فسأله لنا. ومنها: أن المعنى هل يفعل ذلك وهل يقع منه إجابة لذلك اهـ.\rقوله: أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً المائدة الخوان عليه طعام، فإن لم يكن عليه طعام، فليس بمائدة هذا هو المشهور إلا أن الراغب قال: المائدة الطبق الذي عليه الطعام، وتقال أيضا للطعام إلا أن هذا مخالف لما عليه المعظم. وهذه المسألة لها نظائر في اللغة لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه الطعام، وإلا فهو خوان، ولا يقال كأس إلا وفيها خمر، وإلا فهي قدح، ولا يقال: ذنوب وسجل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دلو، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوغ وإلا فهو إهاب، ولا يقال قلم إلا وهو مبري، وإلّا فهو أنبوب. واختلف اللغويون في اشتقاقها فقال الزجاج: هي من ماد يميد من باب باع إذا تحرك، ومنه قوله رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15] ومنه ميد البحر وهو ما يصيب راكبه، فكأنها تميد بما عليها من طعام. قال: وهي فاعلة على الأصل. وقال أبو عبيد: هي فاعلة بمعنى مفعولة مشتقة من مادة بمعنى أعطاه وامتاده بمعنى استعداه، فهي بمعنى مفعولة كعيشة راضية، وأصلها أنها ميد بها صاحبها أي أعطيها والعرب تقول مادني فلان يميدني إذا أحسن إلي وأعطاني، وقال أبو بكر الأنباري: سميت مائدة لأنها غياث، وعطاء من قول العرب ماد فلان فلانا إذا أحسن إليه اهـ سمين.\rوفي المصباح: الخوان ما يؤكل عليه معرب وفيه ثلاث لغات: كسر الخاء، وهي الأكثر، وضمها حكاه ابن السكيت، وإخوان بهمزة مكسورة حكاه ابن فارس، وجمع الأولى في الكثرة خون الأصل بضمتين مثل كتاب وكتب، لكنه سكن تخفيفا، وفي القلة أخونة، وجمع الثانية أخاون اهـ.\rوفيه أيضا: وماده ميدا من باب أعطاه، والمائدة مشتقة من ذلك وهي فاعلة بمعنى مفعولة، لأن المالك مادها للناس أي أعطاها إياها. وقيل: مشتقة من ماد يميد إذا تحرك، فهي اسم فاعل على الباب اهـ.\rوفي القرطبي مسألة جاء في حديث سلمان بيان المائدة، وأنها كانت سفرة لا مائدة ذات قوائم،","part":2,"page":301},{"id":841,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 302\rقالُوا نُرِيدُ سؤالها من أجل أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَ تسكن قُلُوبُنا بزيادة اليقين وَنَعْلَمَ نزداد علما أَنْ مخففة أي أنك قَدْ صَدَقْتَنا في ادعاء النبوة وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)\rقالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا أي يوم نزولها والسفرة مائدة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وموائد العرب اهـ. ثم قال: فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه والمائدة مد وبسط من الثياب والمناديل، والسفرة ما أسفر عما في جوفه، وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها، وعن الحسن قال: الأكل على الخوان فعل الملوك، وعلى المنديل فعل العجم، وعلى السفر فعل العرب اهـ.\rوالسفرة في الأصل طعام يتخذه المسافر، والغالب حمله في جلد مستدير، فنقل اسمه لذلك الجلد فسمي باسمه، كما سميت المزادة رواية ولأن للجلد المذكور معاليق تنضم وتفرج، فللانفراج سميت سفرة، لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها اهـ من المناوي على الشمائل.\rقوله: قالَ اتَّقُوا اللَّهَ أي في أمثال هذا السؤال إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي بكمال قدرته تعالى وبصحة نبوتي أو إن صدقتم في ادعاء الإيمان والإسلام، فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات، وقيل: أمرهم بالتقوى ليصير ذلك ذريعة لحصول المسؤول كقوله تعالى:\rوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 3] اهـ أبو السعود.\rقوله: (في اقتراح الآيات) أي في سؤال الآيات التي لم يسبق لها مثل. وفي المصباح: واقترحته ابتدعته من غير سبق مثال اهـ.\rقوله: قالُوا نُرِيدُ (سؤالها الخ) بيان للسبب الحامل لهم على السؤال أي ليس سببه إزالة شبهة في قدرته تعالى على تنزيلها، بل سبب سؤالنا أنا نزيد الخ اهـ شيخنا. أي: وليس غرضنا بالسؤال اقتراح الآيات، ولا التعنت في سؤالها لأنا جازمون وموقنون بقدرة اللّه عليها وبرسالتك. وفي أبي السعود: قالوا نريد أن نأكل منها تمهيد عذر، وبيان لما دعاهم إلى السؤال أي لسنا نريد بالسؤال إزاحة شبهتنا في قدرته تعالى على تنزيلها، أو في صحة نبوتك حتى يقدح ذلك في الإيمان والتقوى، بل نريد أن نأكل منها أي أكل تبرك، وقيل: أكل حاجة وتمتع اهـ.\rقوله: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا أي لكمال قدرته تعالى، وإن كنا مؤمنين به من قبل، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي مما يوجب ازدياد الطمأنينة وقوة اليقين اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أنك) قَدْ صَدَقْتَنا فيه أنه إذا كانت مخففة كان اسمها ضمير الغيبة، كما قدره غير الشارح، فتقديره ضمير الخطاب على شذوذ من مجيئه ضمير خطاب مصرح به، أو يقال إن هذا مجرد حل معنى اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الشَّاهِدِينَ أي نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم، وعليها متعلق بالشاهدين إن جعلت اللام للتعريف وبيان لما يشهدون عليه إن جعلت موصولة، كأنه قيل: على أي شيء تشهدون، فقيل: عليها، فإن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول، أو هو حال من اسم كان أو متعلق يفسره من الشاهدين اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ عِيسَى أي لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك، فقام واغتسل ولبس المسح","part":2,"page":302},{"id":842,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 303\rعِيداً نعظمه ونشرفه لِأَوَّلِنا بدل من لنا بإعادة الجار وَآخِرِنا ممن يأتي بعدنا وَآيَةً مِنْكَ على قدرتك ونبوتي وَارْزُقْنا إياها وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)\rقالَ اللَّهُ مستجيبا له إِنِّي مُنَزِّلُها بالتخفيف والتشديد عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ أي بعد نزولها مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115) فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره، وقال: اللهم ربنا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: تَكُونُ لَنا عِيداً المعنى نتخذ يوم نزولها عيدا نعظمه ونصلي فيه نحن ومن يجيء بعدنا، فنزلت في يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا اهـ خازن.\rوالعيد مشتق من العود، لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري:\rالنحويون يقولون يوم العيد بالفرح والسرور، وعيد الفرح لا يعود بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد. وقال الراغب. العيد حالة تعاود الإنسان، والعائدة كل نفع يرجع إلى الإنسان بشيء، ومنه العود للبعير المسن إما لمعاودة السير والعمل فهو بمعنى فاعل، وإما لمعاودة السنين إياه ومرورها عليه، فهو بمعنى مفعول وصغروه على عبيد وكسروه على أعياد، وكان القياس عويد لزوال موجب قلب الواو ياء، لأنها إنما قلبت لسكونها بعد كسرة كميزان، وإنما فعلوا ذلك فرقا بينه وبين عود الخشب اهـ سمين.\rقوله: لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً في السمين: عذابا اسم مصدر بمعنى التعذيب، أو مصدر على حذف الزوائد نحو عطاء ونبات لأعطى وأنبت، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين، والهاء في لا أعذبه عائدة على عذاب الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، والتقدير فإني أعذبه تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا، والجملة في محل نصب صفة لعذابا اهـ.\rقوله: مِنَ الْعالَمِينَ أي عالمي زمانهم أو العالمين مطلقا، فإنهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وقال عبد اللّه بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون اهـ خازن.\rقوله: (فنزلت الملائكة) الخ. روي أنه لما دعا اللّه وأجيب نزلت سفرة حمراء مدورة، وعليها منديل بين غمامتين من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكي عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: باسم اللّه خير الرازقين: وقيل: لم يكشفها هو بل قال: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها، ويسمي اللّه، فقام شمعون رئيس الحواريين، فقال: يا روح اللّه أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: ليس من هذا ولا من هذا، ولكنه شيء اخترعه اللّه بقدرته فكلوا مما سألتم، فقالوا: يا روح اللّه: كن أنت أول من يأكل منها. فقال: معاذ اللّه أن آكل منها يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا أهل الفاقة والمرض والبرص والجذام والمقعدين، فقال: كلوا مما رزق اللّه لكم الهناء، ولغيركم البلاء، فأكلوا منها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة، وفي رواية وهم سبعة آلاف وثلاثمائة، فلما أتموا الأكل طارت المائدة، وهم ينظرون، حتى توارت عنهم، ولم يأكل منها مريض أو زمن أو مبتلى إلا عوفي،","part":2,"page":303},{"id":843,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 304\rأحوات فأكلوا منها حتى شبعوا قاله ابن عباس وفي حديث أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير\rوَاذكر إِذْ قالَ أي يقول اللَّهُ لعيسى في القيامة توبيخا لقومه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها، فمكثت تنزل أربعين صباحا فإذا نزلت اجتمع إليها الأغنياء والفقراء والكبار والصغار والرجال والنساء يأكلون منها اهـ خازن.\rوفي القرطبي: فكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود ترعى يوما وتشرب يوما، فمكثت أربعين يوما تنزل ضحى، ولا تزال هكذا حتى يفيء الفيء من موضعه، فيأكل الناس منها، ثم ترجع إلى السماء، والناس ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم، فلما تمت أربعون يوما أوحى للّه لعيسى عليه السّلام: يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء، فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء اهـ.\rقوله: (عليها سبعة أرغفة الخ) وفي رواية خمسة أرغفة، وفي رواية رغيف واحد رواية أن ذلك الخبز كان من شعير، وعبارة أبي السعود: فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسما، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من أصناف البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح اللّه أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ قال: ليس منهما، ولكن شيء اخترعه اللّه تعالى بالقدرة العالية. وفي رواية عن كعب تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام إلا اللحم. وقال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. وقال عطية العوفي: نزلت سمكة من السماء فيها طعم كل شيء اهـ.\rقوله: (فمسخوا) أي فمسخ اللّه منهم ثلاثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلا مع نسائهم، ثم أصبحوا خنازير، ولما أبصرت الخنازير عيسى بكت وجعلت تضيف به، وجعل يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا أيام ثم هلكوا اهـ خازن.\rوفي القرطبي: فعاشوا سبعة أيام، وقيل أربعة أيام، ثم دعا اللّه عيسى أن تقبض أرواحهم، فأصبحوا لا يدرى هل الأرض ابتلعتهم أو ما اللّه فاعل بهم اهـ.\rقوله: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ معطوف على إذ قال الحواريون منصوب بما نصبه من المضمن المخاطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أو بمضمر مستقل معطوف على ذلك أي: اذكر الناس وقت قوله عز وجل له عليه الصلاة والسّلام في الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم بإقراره عليه السّلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادته عز وجل وصيغة الماضي لما مر من الدلالة على التحقيق والوقوع اهـ أبو السعود.\rوقوله: (في الآخرة) هذا أحد قولين وهو الصحيح. وفي السمين: وهل هذا القول وقع وانقضى أو سيقع يوم القيامة؟ قولان للناس، فقال بعضهم: لما رفعه إليه قال له ذلك، وعلى هذا فإذا قال على موضوعهما من المضي الظاهر، وقال بعضهم: سيقولون ذلك يوم القيامة، وعلى هذا فإذا بمعنى إذ،","part":2,"page":304},{"id":844,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 305\rلِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ عيسى وقد أرعد سُبْحانَكَ تنزيها لك عمّا لا يليق بك من الشريك وغيره ما يَكُونُ ما ينبغي لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ خبر ليس، ولي للتبيين وقال بمعنى يقول كونها بمعنى إذا أهون من قول أبي عبيد أنها زائدة، لأن زيادة الأسماء ليس بالسهلة اهـ.\rقوله: (توبيخا لقومه) أشار به إلى جواب سؤال صورته ما وجه سؤال اللّه لعيسى هذا السؤال مع علمه عز وجل بأنه لم يقله اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على أنه حال من فاعله أي: متجها وجاوزين اللّه أو بمحذوف هو صفة الإلهين أي: كائنين من دونه تعالى، وإيّا ما كان، فالمراد اتخاذها بطريق اشراكهما معه سبحانه، كما في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [البقرة:\r165] وقوله عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18] وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ تعالى [يونس: 18] إلى قوله: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18] إذ به يتأنى التبوبيخ والتقريع والتبكيت، ومن توهم أن ذلك بطريق الاستقلال، ثم اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم لم يخلقها اللّه تعالى، بل هما خلقاها، فصح أنهما اتخذوها في حق بعض الأشياء إلهين مستقلين، ولم يتخذوه تعالى إلها في حق البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحل وأما من تعمق، فقال: إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ولم يعبده تعالى، فقد غفل عما يجديه واشتغل بما لا يعنيه كدأب من قبله، فإن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمهم بضرب من التأويل اهـ أبو السعود.\rقوله: (و قد أرعد) قال أبو روق: إذا سمع عيسى عليه السّلام هذا الخطاب وهو قوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّه ارتعدت مفاصله وتفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم اهـ خازن.\rقوله: تنزيها لك أشار به إلى أن اتخاذهما إلهين تشريك لهما معك في الألوهية لا إفرادهما بذلك إذ لا شبهة في ألوهيتك وأنت منزه عن الشريك. فضلا أن يتخذ إلهان دونك على ما يشعر به ظاهر العبارة، نبه عليه الشيخ سعد الدين التفتازاني اهـ كرخي.\rقوله: أَنْ أَقُولَ في محل رفع لأنه اسم يكون، والخبر في الجار قبله أي ما ينبغي لي قوله، وما يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب، فإن ما منصوبة بأقول نصب المفعول به، لأنها متضمنة لجملة فهو نظير. قلت: كلام وعلى هذا فلا يحتاج إلى أن يؤول أقول: بمعنى ادعى أو اذكر كما فعله أبو البقاء، وفي ليس ضمير يعود على ما هو اسمها وفي خبرها وجهان، أحدهما: أنه لي أي ما ليس مستقرا لي وثابتا. وأما بحق على هذا ففيه ثلاثة أوجه ذكر أبو البقاء منها وجهين، أحدهما: أنه حال من الضمير في لي. والثاني: أن يكون مفعولا تقديره ما ليس يثبت لي بسبب حق، فالباء تتعلق بالفعل المحذوف لا بنفس الجار، لأن المعاني الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 20","part":2,"page":305},{"id":845,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 306\rإِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما أخفيه فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي ما تخفيه من معلوماتك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)\rما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ وهو أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ لا تعمل في المفعول به. والوجه الثاني: في خبر ليس أنه بحق، وعلى هذا ففي لي ثلاثة أوجه، أحدها: أنه تبين كما في قوله سقيا لك أي فيتعلق بمحذوف تقديره أعني لي، والثاني: أنه حال من بحق لأنه لو تأخر لكان صفة له، والثالث: أنه متعلق بنفس حق لأن الباء زائدة وحق بمعنى مستحق أي ما ليس مستحقا لي اهـ سمين.\rقوله: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ كنت وإن كانت ماضية في اللفظ، فهي مستقلة في المعنى والتقدير أن تصح دعواي لما ذكره، وقدره الفارسي بقوله أن أكن الآن قلته فيما مضى، لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل، وقوله: فقد علمته أي فقد تبين وظهر علمك به كقوله: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: 90] اهـ سمين.\rقوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي هذه لا يجوز أن تكون عرفانية، لأن العرفان كما قدمته يستدعي سبق جهل أو يقترن به على معرفة الذات دون أحوالها حسبما قاله الناس، فالمفعول الثاني محذوف أي تعلم ما في نفسي كائنا وموجودا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء. وأما ولا أعلم ما في نفسك، فهي وإن كان يجوز فيها أن تكون عرفانية إلا أنها لما صارت مقابلة لما قبلها ينبغي أن تكون مثلها. والمراد بالنفس هنا على ما قاله الزجاج أنها تطلق ويراد به حقيقة الشيء، والمعنى قوله: تعلم ما نفسي واضح، والمعنى تعلم ما أخفيه من سري وغيبتي أي ما غاب ولم أظهره ولا أعلم ما تخفيه أنت ولا تطلعنا عليه، ففي النفس مقابلة وازدواج، وهذا منتزع من قول ابن عباس وعليه حام الزمخشري، فإنه قال: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وأتى بقوله: ما في نفسك على جهة المقابلة والمشاكلة، لقوله: ما في نفسي فهو كقوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: 54] وكقوله إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 14] اهـ سمين.\rقوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يدل بمنطوقه على أنه تعالى يعلم الغيب فيكون مقررا لقوله تعلم ما في نفسي، ويدل بمفهومه على أنه لا يعلم الغيب غيره فيكون مقررا لقوله ولا أعلم ما في نفسك ودل بتصدير الجملة بأن وتوسط ضمير الفصل وبناء المبالغة والجمع المعرف باللام أن شيئا لا يعزب عن علمه البتة، كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ هذا استثناء مفرغ فإن ما منصوبة بالقول لأنها وما في حيزها في تأويل مقول، وقدر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية، وما يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة اهـ سمين. فائدة: حيث وقعت ما قبل ليس أو لم أو لا أو بعد إلا فهي موصولة نحو: ما ليس لي بحق ما لم تعلم ما لا تعلمون إلا ما علمتنا، وحيث وقعت بعد كاف التشبيه، فهي مصدرية، حيث وقعت بعد الباء، فإنها تحتملهما نحو بما كانوا يظلمون، وحيث وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر احتملت الموصولية والاستفهامية نحو: ما تبدون وما كنتم تكتمون ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ولتنظر نفس ما قدمت لغد وحيث وقعت في القرآن قبل إلا فهي نافية إلا في ثلاثة عشر موضعا مما آتيتوهن إلا أن يأتين ما نكح من النساء إلا ما قد سلف وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، ولا أخاف ما","part":2,"page":306},{"id":846,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 307\rوَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً رقيبا أمنعهم مما يقولون ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني بالرفع إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ الحفيظ لأعمالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك شَهِيدٌ (117) مطلع عالم به\rإِنْ تُعَذِّبْهُمْ أي من أقام على الكفر منهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أي لمن آمن منهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (118) في صنعه\rقالَ اللَّهُ هذا أي تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه إلا موضعي هود من قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: 107] فهي فيهما مصدرية فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا يأكلن ما قدمتم إلا قليلا مما تحصنون، وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا اللّه وما خلقنا السموات والأرض وما بينها إلا بالحق حيث كان قاله في الاتقان اهـ كرخي.\rقوله: (و هو) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أشار به إلى أن الاستثناء مفرغ، وأن أن مصدرية محلها رفع بإضمار هو على أنه تفسير لما أمرتني به، يوافقه قول القاضي: ولا يجوز أن تكون أن مفسرة لأن الأمر منه إلى اللّه تعالى، وهو لا يقول اعبدوا اللّه ربي وربكم اهـ.\rوتعقب بأنه يجوز أن عيسى نقل معنى كلام اللّه بهذه العبارة كأنه قال: ما قلت لهم شيئا سوى قولك لي قل لهم أن اعبدوا اللّه ربي وربكم وضع القول موضع الأمر نزولا على قضية الأدب الحسن كي لا يجعل نفسه وربه معا آمرين اهـ كرخي.\rقوله: شَهِيداً خبر ثان وعليهم متعلق به، وما مصدرية ظرفية أي فتقدر بمصدر مضاف إلى زمان ودام صلتها، ويجوز فيها التمام والنقصان، فإن كانت تامة كان معناها الإقامة، ويكون فيهم متعلقا بها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، والمعنى وكنت عليهم شهيدا مدة إقامتي فيهم فلم يحتج هنا إلى منصوب، وتكون حينئذ متصرفة، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضي، ولم تكتف بمرفوع، فيكون فيهم في محل نصب خبرا لها، والتقدير مدة دوامي مستقرا فيهم، وقد تقدم أنه يقال دام يدام كخاف يخاف اهـ سمين.\rقوله: (قبضتني بالرفع إلى السماء) أي أخذتني وافيا بالرفع إلى السماء والتوفي يستعمل في أخذ الشيء وافيا أي كاملا والموت نوع منه. قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: 42] اهـ أبو السعود، وهذا جواب عن سؤال هو أن عيسى حي في السماء، فكيف قال: فلما توفيتني مع أن السؤال إنما يتوجه على قول من يقول إن السؤال والجواب وجدا يوم رفعه إلى السماء، وأما من قال أنهما يكونان يوم القيامة وعليه جرى الشيخ المصنف كالجمهور فلا إشكال اهـ كرخي.\rقوله: (الحفيظ لأعمالهم) أي والمراقب لأحوالهم اهـ كرخي.\rقوله: (لا اعتراض عليك) هذا إشارة إلى الجواب في نفس الأمر وقوله: فإنهم الخ تعليل له اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لمن آمن منهم) أي فلا يرد أن يقال كيف جاز لعيسى عليه السّلام أن يقول وإن تغفر","part":2,"page":307},{"id":847,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 308\rيوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ في الدنيا كعيسى صِدْقُهُمْ لأنه يوم الجزاء لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ لهم فتعرض بسؤاله للعفو عنهم مع علمه بإنه تعالى قد حكم بأنه من يشرك باللّه، فقد حرم عليه الجنة اهـ كرخي.\rقوله: قالَ اللَّهُ مستأنف ختم به حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع اللّه الرسل عليهم السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: يَوْمُ يَنْفَعُ الجمهور على رفعه من غير تنوين ونافع على نصبه من غير تنوين، ونقل الزمخشري عن الأعمش يوما بنصبه منونا، وابن عطية عن الحسن بن العباس الشامي يوم يرفعه منونا، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحة على المبتدأ والخبر، فالجملة في محل نصب بالقول، وجملة ينفع الصادقين في محل جر بالإضافة. وأما قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أن هذا مبتدأ ويوم خبره كالقراءة الأولى، وإنما بنى الظرف لإضافته إلى الجملة الفعلية، وإن كانت معربة، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا عليه بهذه القراءة، وأما البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صدرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض وخرجوا هذه القراءة على أن يوم منصوب على الظرف، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ أي هذا وقع أو يقع في يوم ينفع وينفع في محل خفض بالإضافة، وأما قراءة التنوين فرفعه على الخبرية كقراءة الجماعة ونصبه على الظرف كقراءة نافع، إلا أن الجملة بعده في القراءتين في محل الوصف لما قبلها، والعائد محذوف، فيكون محل هذه الجملة إما رفعا أو نصبا اهـ سمين.\rقوله: في الدنيا كعيسى أراد به أنه في معنى الشهادة لصدق عيسى في قوله يوم القيامة:\rسبحانك ما يكون لي آخر كلامه جوابا عن قوله: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الخ، وفيه إشارة إلى أن المراد بالصدق الصدق في الدنيا، فإن النافع ما كان حال التكليف اهـ كرخي.\rقوله: (لأنه يوم الجزاء) أشار به إلى أن انتفاعهم به في الدنيا كلا انتفاع لفنائها، وأما صدق إبليس بقوله: إن اللّه وعدكم وعد الحق الخ، فلا ينفعه لكذبه في الدنيا التي هي دار العمل اهـ كرخي.\rقوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ استئناف مسوق لبيان النفع المذكور، كأنه قيل: ما لهم من النعيم اهـ أبو السعود. فهذا نفعهم لأن بلغهم أقصى أمانيهم.\rوقال الراغب: رضا العبد عن اللّه أنه لا يكره ما يجري به قضاؤه ورضا اللّه عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لأمره ومنتهيا عن نهيه.\rوقال الجنيد: الرضا يكون على قدر قوة العلم والرسوخ والمعرفة والرضا حال يصحب العبد في الدنيا والآخرة، وليس محله محل الخوف والرجاء والصبر والإشفاق وسائر الأحوال التي تزول عن العبد في الآخرة، بل العبد يتنعم في الجنة بالرضا، ويسأل اللّه تعالى حتى يقول لهم رضاي أحلكم داري أي برضاي عنكم، وهل رضيتم قال محمد بن الفضل: الروح والراحة في الرضا واليقين والرضا باب اللّه الأعظم، ومحل استرواح العابدين، وسيأتي لها مزيد في سورة البينة اهـ كرخي.","part":2,"page":308},{"id":848,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 309\rتَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) ولا ينفع الكاذبين في الدنيا صدقهم فيه كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب\rلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها وَما فِيهِنَ أتى بما تغليبا لغير العاقل وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر.\rقوله: (بطاعته) أي بإقامته لهم في الطاعة فهو مضاف للفاعل، ويصح أن يكون مضافا للمفعول أي بطاعتهم له اهـ شيخنا.\rقوله: (و لا ينفع الكاذبين الخ) محترز قوله الصادقين في الدنيا الخ. قوله: (كالكفار) أي وكإبليس فإنه يتكلم يوم القيامة بكلام صدق ولا ينفعه كما قصه اللّه تعالى عنه بقوله: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ [إبراهيم: 22] الآية اهـ من الخازن. قوله: (لما يؤمنون) أي حين يؤمنون كما سيأتي في قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: 84] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا في حق المسيح وأمه أي له تعالى خاصة ملك السموات والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرهم يتصرف فيها كيف يشاء إيجاد وإعداما وإحياء وإماتة وأمرا ونهيا من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخل في ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: (تغليبا لغير العاقل) أي ولم يأت بمن تغليبا للعاقل لأن غير العاقل هو الأكثر المناسب لمقام إظهار العظمة والكبرياء، وكون الكل في ملكوته وتحت قدرته لا يصلح شيء منها للألوهية سواه فيكون تنبيها على قصورهم عن رتبة الربوبية اهـ كرخي.\rقوله: (و خص العقل ذاته الخ) أشار إلى أن اللّه تعالى، وإن دخل في قوله كل شيء فإنه شيء لا كالأشياء، فقد خص العقل ذاته، فليس عليها بقادر أي لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات لا بالواجبات ولا المستحيلات، فالمراد بشيء كل موجود يمكن إيجاده اهـ كرخي.","part":2,"page":309},{"id":849,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 310\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنعام مكية وآياتها خمس وستون ومائة\rإلا وَما قَدَرُوا اللَّهَ الآيات الثلاث وإلا قُلْ تَعالَوْا الآيات الثلاث وهي مائة وخمس أو ست وستون آية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الآيات الست المدنيات ومعها سبعون ألف ملك، ومع آية منها بخصوصها اثنا عشر ألف ملك وهي: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: 59] الآية. نزلوا بها ليلا ولهم زجل بالتسبيح والتحميد، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الكتاب فكتبوها من ليلتهم.\rوعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض ترتج» ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات ثم خر ساجدا.\rوعن كعب الأحبار قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة هود، وذكر غيره من المفسرين أن التوراة افتتحت بقوله تعالى: قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.\rوختمت بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] الآية.\rوعن جابر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ [الأنعام: 3] وكل اللّه له أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة، وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه، فيكون بينه وبينه سبعون حجابا، فإذا كان يوم القيامة قال اللّه تعالى: «امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك» اهـ قرطبي.\rوفي الخطيب: تنبيه: قال بعض العلماء: اختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة، أحدهما:\rأنها نزلت دفعة واحدة. والثاني: أنه شيعها سبعون ألفا من الملائكة. والسبب في ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين اهـ.","part":2,"page":310},{"id":850,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 311\rالْحَمْدُ وهو الوصف بالجميل ثابت لِلَّهِ وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما احتمالات أفيدها الثالث قاله الشيخ في سورة الكهف الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين وَجَعَلَ خلق الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أي كل ظمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها وهذا من دلائل وحدانيته ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مع قيام قوله: (الآيات الثلاث) وآخرها قوله: وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: 93] وقوله:\rالآيات الثلاث وآخرها قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ اهـ.\rقوله: (و هو) أي الحمد اللغوي الوصف بالجميل، وهذا الحد ذكره الزمخشري في الفائق.\rواشترط صاحب المطالع وغيره في ذلك كون الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل أي ظاهرا وباطنا ليخرج نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم، فإنه على جهة التهكم لا على جهة التعظيم، وأما الحمد الإصلاحي فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما اهـ كرخي.\rقوله: (و هل المراد الإعلام بذلك) أي بثبوت الحمد للّه، وهذا الاحتمال هو المراد بقولهم الجملة خبرية لفظا ومعنى، وقوله: أو الثناء هو المراد بقولهم: الجملة إنشائية. وقوله: أو هما. والمراد بقولهم: إنها مستعملة في الخبر والإنشاء على سبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه اهـ.\rقوله: (للإيمان به) أي بما ذكر من ثبوت الحمد للّه، أي أن الإعلام به فائدته أن يؤمن الخلق به اهـ.\rقوله: (أفيدها الثالث) وتوجيه ذلك أن قائل الحمد للّه لا يقصد به الإخبار عن حمد غيره ولا الإعلام به اللذين هما فائدة الخبر، أو لازم فائدته كما تقرر ذلك في فن المعاني، وإنما يقصد إيجاد وصفه وصدور الحمد منه لله تعالى، إذ الثواب إنما هو على ذلك لا على مجرد الإخبار اهـ كرخي.\rقوله: (قاله الشيخ) أي قال ما ذكره وهو قاله: وهو الوصف بالجميل إلى آخر العبارة اهـ.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قدم السموات لشرفها لأنها متعبد الملائكة ولم يقع فيها معصية، ولتقدم وجودها كما قاله القاضي ومراده: أن السموات على هذه الهيئة متقدمة على الأرض الكائنة على هذا الهيئة الموجودة، لأنه تعالى قال في سورة النازعات: أَمِ السَّماءُ بَناها رفع سمكها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: 39] فإنه صريح في أن بسط الأرض مؤخر عن تسوية السماء كما سيأتي إيضاحه اهـ كرخي.\rقوله: (أي كل ظلمة ونور) فيدخل فيها ظلمة الجهل والكفر ونور العلم والإيمان والليل والنهار والكسوف وغير ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (لكثرة أسبابها) أي محالها، فكل جرم كثيف له ظله أي ظل فظلمه ظلمته، وأما الأجرام النيرة فلا ظل لها فلا ظلمة لها وهي قليلة كالنار والكواكب اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها. وفي شيخ الإسلام عليه قوله: لكثرة أسبابها، إذ ما من جرم إلا وله ظل، والظل هو الظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد","part":2,"page":311},{"id":851,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 312\rهذا الدليل بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) يسوون غيره في العبادة\rهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ قَضى أَجَلًا لكم تموتون عند انتهائه وَأَجَلٌ مُسَمًّى مضروب عِنْدَهُ لبعثكم ثُمَ وهو النار، ولا ترد الأجرام النيرة كالكواكب لأن مرجع كل نير إلى النار، على ما قيل: إن الكواكب أجرام نورية نارية، وأن الشهب تنفصل من نار الكواكب فصح أن النور من جنس النار اهـ.\rقوله: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ثم هذه ليست للترتيب الزماني، وإنما هي للتراخي بين الرتبتين، والمراد استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح من الدلالات، وهذه عطف إما على قوله الحمد للّه، وإما على قوله خلق السموات. قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى ثم قلت استبعاد أن يعدلوا به مع وضوح آيات قدرته وكذلك ثم أنتم تمترون استبعاد أن يمتروا بعد ما ثبت أنه يحييهم ويميتهم ويبعثهم اهـ سمين.\rقوله: بِرَبِّهِمْ يجوز أن يتعلق بكفروا، فيكون يعدلون بمعنى يميلون عنه من العدول ولا مفعول له حينئذ، ويجوز أن يتعلق بيعدلون وقدم للفاصلة، وفي الباء حينئذ احتمالان، أحدهما: أن تكون بمعنى عن ويعدلون من العدول أيضا، أي يعدلون عن ربهم إلى غيره. والثاني: أنها للتعدية، ويعدلون من العدل وهو التسوية بين الشيئين، أي ثم الذين كفروا يسوون بربهم غيره من المخلوقين فيكون المفعول محذوفا اهـ سمين.\rقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي من جميع أنواعه. فلذلك اختلفت ألوان بني آدم وعجنت طينتهم بالماء العذب والملح والمر، فلذلك اختلفت أخلاقهم اهـ خازن.\rقوله: (بخلق أبيكم آدم منه) أشار إلى قول الأكثر أن في الكلام حذف مضاف وهو ما قدره، ومن لابتداء الغاية لأنه أخذ ترابه من وجه الأرض أحمرها وأبيضها وغيرهما، فاختلفت أخلاقهم، ثم صور منه آدم ثم نفخ فيه الروح، وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم عليه السّلام وهو المخلوق منه حقيقة لتوضيح منهاج القياس والمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السّلام منه، حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد بشر الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السّلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه. وذهب المهدوي وغيره إلى أنه لا حذف، وأن الإنسان مخلوق ابتداء من طين لخبر: «ما من مولود يولد إلا ويذر على النطفة من تراب حفرته»، أو لأن النطفة من الغذاء وهو من الطين، وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر ودلائل صحة البعث، مع أن ما ذكر من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها كما ورد في قوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [يس: 81] الآية. لما أن محل النزاع بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر وهم بشؤون أنفسهم أعرف وبالتعامي عن الحجة النيرة أقبح اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ قَضى أَجَلًا أي كتبه وقدره. والأجل الأول من وقت الولادة إلى وقت الموت.\rوالأجل الثاني من وقت الموت إلى وقت البعث وهو مدة البرزخ، فلكل أحد أجلان أجل إلى الموت","part":2,"page":312},{"id":852,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 313\rأَنْتُمْ أيها الكفار تَمْتَرُونَ (2) تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر\rوَهُوَ اللَّهُ مستحق للعبادة فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الإنسان تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث، وذلك قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [فاطر: 11] اهـ خازن.\rوفي السمين: وقضى إن كان بمعنى أظهر فثم للترتيب الزماني على أصلها، لأن ذلك متأخر عن الخلق وهي صفة فعل، وإن كان بمعنى كتب وقدر فهي للترتيب في الذكر لأنها صفة ذات، وذلك مقدم على خلقنا اهـ.\rقوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى (مضروب) أي مقدر عنده لا علم لكم به بخلاف الأجل فلكم به علم في الجملة، فلذلك أضاف الثاني إليه دون الأول اهـ شيخنا.\rقوله: (تشكون في البعث) يشير إلى أن الآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث ويؤخذ منه صحة الحشر والنشر اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ اللَّهُ مبتدأ وخبر. وقوله: فِي السَّماواتِ متعلق بالخبر من حيث ملاحظة الوصف الذي تضمنه، وهو كونه معبودا، فاللّه فيه معنى العبادة. وقد أشار الشارح إلى هذا اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: في السموات متعلق بالمعنى الوصفي الذي ينبئ عنه الاسم الجليل، إما باعتبار أصل اشتقاقه، وإما باعتبار أنه اسم اشتهر فيما اشتهرت به الذات من صفات الكمال، فلوحظ منها ما يقتضيه المقام من المالكية والعبادة، وليس المراد بما ذكر من الاعتبارين أن الاسم الجليل يحمل على معناه اللغوي، بل مجرد ملاحظة أحد المعاني المذكورة في ضمنه كما لوحظ مع اسم الأسد في قوله: أسد عليّ إلى آخره ما اشتهر به من وصف الجراءة اهـ.\rوفي الكرخي: في السموات وفي الأرض متعلق بالمعنى الوصفي الذي يتضمنه لفظ اللّه من صفات الكمال، كما تقول، هو حاتم في طيء على تضمين معنى الجواد الذي اشتهر به، كأنك قلت:\rهو جواد في طيء، ولا يتعلق بلفظ اللّه لأنه اسم لا صفة، أو معنى كونه تعالى فيهما أنه عالم بما فيهما على التشبيه والتمثيل. قال التفتازاني: شبهت حالة علمه بهما بحالة كونه فيهما، لأن العالم إذا كان في مكان كان عالما به وبما فيه بحيث لا يخفى عليه شيء منه اهـ.\rوفي السمين: قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ. في هذه الآية أقوال كثيرة لخصت جميعها في اثني عشر وجها، وذلك أن هو فيه قولان، أحدهما: هو ضمير اسم اللّه تعالى يعود على ما عادت عليه الضمائر قبله. والثاني: أنه ضمير القصة، قال أبو علي. قال الشيخ: وإنما فر إلى هذه لأنه لو عاد على اللّه لصار التقدير اللّه اللّه، فيتركب الكلام من اسمين متحدين لفظا ومعنى ليس بينهما نسبة إسنادية. قلت: الضمير إنما هو عائد على ما تقدم من الموصوف بتلك الصفات الجليلة، وهي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور وخلق الناس من طين إلى آخرها، فصار في الإخبار بذلك فائدة من غير شك، فعلى قول الجمهور يكون هو مبتدأ واللّه خبره، وفي السموات متعلق بنفس الجلالة","part":2,"page":313},{"id":853,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 314\rما تسرون وما تجهرون به بينكم وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3) تعملون من خير وشر\rوَما تَأْتِيهِمْ أي لما تضمنه من معنى العبادة كأنه قيل: وهو المعبود في السموات، وهو قول الزجاج وابن عطية والزمخشري قال الزمخشري: في السموات متعلق بمعنى اسم اللّه كأنه قيل: وهو المعبود فيها ومنه وهو الذي في السماء إله. وقال الزجاج: هو متعلق بما تضمنه اسم اللّه من المعاني كقولك: يا أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب. قال ابن عطية: هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى، وإيضاحه: أنه أراد أن يدل على خلقه وآيات قدرته وإحاطته واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذا كلها في قوله وهو اللّه الذي له هذه كلها في السموات وفي الأرض، كأنه قال: وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت في السموات وفي الأرض، كما تقول: زيد السلطان في الشام والعراق، فلو قصدت ذات زيد لكن محالا، فإذا كان مقصد قولك الآمر الناهي الذي يولي ويعزل كان نطقا صحيحا فأقمت السلطنة مقام هذه الصفات، كذلك في الآية الكريمة أقمت اللّه مقام تلك الصفات. قال الشيخ: ما ذكره الزجاج وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى، لكن صناعة النحو لا تساعد عليه لأنهما زعما أن في السموات متعلق باسم اللّه لما تضمنه من تلك المعاني، ولو صرح بتلك المعاني لم يعمل جميعها بل العمل من حيث اللفظ الواحد منها، وإن كان في السموات متعلقا بجميعها من حيث المعنى، بل الأولى أن يتعلق بلفظ اللّه لما تضمنه من معنى الألوهية وإن كان علما، لأن العمل يعمل في الظرف لما تضمنه من المعنى. الوجه الثاني: أن في السموات متعلق بمحذوف هو صفة للّه تعالى، حذفت لفهم المعنى فقدره بعضهم وهو اللّه المعبود وبعضهم وهو اللّه المدبر، وحذف الصفة قليل جدا. الوجه الثالث: قال النحاس: وهو أحسن ما قيل فهي إن الكلام تم عند قوله وهو اللّه، والمجرور متعلق بمفعول يعلم وهو سركم وجهركم، أي يعلم سركم وجهركم فيهما، وهذا ضعيف جدا لما فيه من تقديم معمول المصدر عليه، وقد عرفت ما فيه. الوجه الرابع: أن الكلام تم أيضا عند الجلالة ويتعلق الظرف بنفس العلم وهذا ظاهر ويعلم على هذين الوجهين مستأنف إلى آخر عبارته اهـ.\rقوله: وَجَهْرَكُمْ ذكره للمقابلة إذ ذكر علمه بالسر مغن عن الجهر، أي لأنه مفهوم منه بالأولى، وتعليق علمه عز وجل بما ذكر خاصة مع شموله لجميع ما فيهما حسما تفيده الجملة السابقة لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين اهـ كرخي.\rقوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ يعني من خير ومن شر. بقي في الآية سؤال وهو أن الكسب إما أن يكون من أعمال القلوب، وهو المسمى بالسر، أو من أعمال الجوارح وهو المسمى بالجهر، فالأفعال لا تخرج عن هذين النوعين يعني السر والجهر، فقوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ يقتضي عطف الشيء على نفسه وذلك غير جائز فما معنى ذلك؟ وأجيب عنه بأنه يجب حمل قوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ على ما يستحقه الإنسان على فعله وكسبه من الثواب والعقاب، والحاصل أنه محمول على المكتسب فهو كما يقال هذا المال كسب فلان أي مكتسبه، ولا يجوز على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه.\rذكره الإمام فخر الدين اهـ. خازن.\rقوله: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ كلام مستأنف وارد لبيان كفرهم بآيات اللّه تعالى","part":2,"page":314},{"id":854,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 315\rأهل مكة مِنْ زائدة آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ من القرآن إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4)\rفَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ بالقرآن لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ عواقب ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5)\rأَلَمْ يَرَوْا في وإعراضهم عنها بالكلية بعد ما بين في الآية الأولى إشراكهم باللّه تعالى وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد، وفي الآية الثانية امتراءهم في البعث وإعراضهم عن بعض آياته وما نافية، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو للدلالة على الاستمرار التجددي، ومن الأولى مزيدة للاستغراق والثانية تبعيضية واقعة مع مجرورها صفة لآية وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتقحيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها، والمراد بها. إما الآيات التنزيلية فإتيانها نزولها، والمعنى ما ينزل إليهم آية من الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع اللّه تعالى المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته تعالى على كافة الكائنات وإحاطة علمه بجميع أحوال الخلق وأعمالهم الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها قوله: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي على وجه التكذيب والاستهزاء كما ستقف عليه. وأما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من أعاجيب المصنوعات فإتيانها ظهورها لهم، والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذكر من جلائل شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته تعالى إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان بمكونها اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا كانُوا عَنْها هذه الجملة الكونية في محل نصب على الحال وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير في تأتيهم. والثاني: أنه من آية، وذلك لتخصصها بالوصف. وتأتيهم يحتمل أن يكون ماضي المعنى لقوله: كانوا، ويحتمل أن يكون مستقبل المعنى لقوله: فسوف يأتيهم، واعلم أن الفعل الماضي لا يقع بعد إلا بأحد شرطين، إما وقوعه بعد فعل كهذه الآية الكريمة، أو اقترانه بقد نحو ما زيد إلا قد قام، وهنا التفات من خطابهم بقوله: خَلَقَكُمْ إلى غيبة في قوله: وَما تَأْتِيهِمْ اهـ سمين.\rقوله: فَقَدْ كَذَّبُوا ضمنه معنى استهزؤوا فعداه بالباء، والظاهر كما قال السفاقسي: إن الفاء لتعقيب الإعراض بالتكذيب فهي عاطفة على الجملة قبلها، وجعلها الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كانوا معرضين عن الآيات فلا تعجب فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها، وهو الحق لما جاءهم وفيه تكلف. وهذه المرتبة أزيد من الأولى لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به، بل قد يكون غافلا عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذبا فقد زاد على الإعراض اهـ كرخي.\rقوله: بِالْحَقِ من إقامة الظاهر مقام المضمر إذا الأصل فقد كذبوا بها أي بالآية ولما ظرف زمان والعامل فيه كذبوا، والأنباء: جمع نبأ، وهو ما يعظم وقعه من الأخبار، وفي الكلام حذف أي يأتيهم مضمون الأنباء وبه متعلق بخبر كانوا وما يجوز أن تكون موصولة اسمية والضمير في به عائد عليها، ويجوز أن تكون مصدرية. قال ابن عطية: أي أنباء كونه مستهزئين، وعلى هذا فالضمير لا يعود إليها لأنها حرفية بل يعود على الحق. وعند الأخفش يعود إليها لأنه اسم عند اهـ سمين.\rقوله: (عواقب) بالرفع تفسير للأنباء، أي المراد بالأنباء هنا عواقب استهزائهم. وعبارة أبي السعود: وأنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة التي نطقت بها آيات الوعيد، وفي لفظة","part":2,"page":315},{"id":855,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 316\rأسفارهم إلى الشام وغيرها كَمْ خبرية بمعنى كثيرا أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أمة من الأمم الماضية مَكَّنَّاهُمْ أعطيناهم مكانا فِي الْأَرْضِ بالقوّة والسعة ما لَمْ نُمَكِّنْ نعط لَكُمْ فيه الأنباء إيذان بغاية العظم لما أن النبأ لا يطلق إلا على خبر الواقع وحملها على العقوبات الآجلة أو على ظهور الإسلام وعلو كلمته يأباه الآيات الآتية اهـ.\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة، وهذا شروع في توبيخهم ببذل النصح لهم، ورأى بصرية كما هو المتبادر من قول الشارح في أسفارهم. وجملة أهلكنا سدت مسد مفعولها أو علمية، والجملة المذكورة سدت مسد مفعوليها، وكم مفعول مقدم لأهلكنا، ومن قبلهم على حذف المضاف أي من قبل زمنهم ووجودهم، ومن لابتداء الغاية، وأما من قوله: مِنْ قَرْنٍ فللبيان أي بيان كم وهي تمييز لها اهـ شيخنا.\rوالمعنى ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الأخبار، كم أمة أهلكنا من قبل أهل مكة: أي من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اهـ أبو السعود.\rقوله: (في أسفارهم) أي للتجارة. وقوله: (إلى الشام) أي في الصيف، وإلى غير الشام كاليمن في الشتاء كما سيأتي في سورة قريش. قوله: (من الأمم الماضية) كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم اهـ كرخي.\rقوله: مَكَّنَّاهُمْ أي القرن، وجمع الضمير باعتبار كون القرن جمعا في المعنى، وجملة مكناهم والجملتان بعدها نعوت لقرنا أي قرنا موصوفا بالصفات الثلاثة، ومع ذلك فقد أهلكناهم بذنوبهم ولم ينفعهم ولم يدفع عنهم التمكين وما بعده من الصفات، فيخاف على قريش أن ينزل بهم الهلاك مثل ما نزل بمن قبلهم مع أن من قبلهم كانوا أعظم شأنا منهم، لكن لما كذبوا الأنبياء الهلاك، فقريش إذا استمروا على التكذيب يخشى عليهم مثلهم اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ عداه بنفسه، وقوله: ما لم نمكن لكم عداه بالحرف، والفرق بينهما أن مكنه في كذا معناه أثبته فيه ومنه ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وأما مكن له فمعناه جعل له مكانا ومنه: إنا مكنا له في الأرض أو لم نمكن لهم حرما آمنا، هذا قول الزمخشري. وأما الشيخ فإنه يظهر من كلامه التسوية بينهما فإنه قال: وتعدى مكن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر والأكثر تعديته باللام نحو مكنا ليوسف، إنا مكنا له، أو لم نمكن لهم. وقال أبو عبيدة: مكناهم ومكنا لهم لغتنان فصيحتان، نحو: نصحته ونصحت له. قلت: وبهذا قال أبو علي والجرجاني اهـ سمين.\rقوله: (أعطيناهم مكانا) لو أخر لفظ مكانا عن ما ليكون تفسيرا لها لكان أوضح، لأنه إذا ضمن مكنا معنى أعطينا كما قال كانت ما مفعولا به بمعنى المكان كما في السمين. وقوله: (بالقوة والسعة) نعت لمكانا أي أعطيناهم مكانا ملتبسا ومصحوبا بالقوة والسعة. وفي عبارته ضيق وبسطها يعلم من الخازن ونصه: يعني أعطيناهم ما لم نعطكم يا أهل مكة. وقيل: أمددنا لهم في العمر والبسطة في الأجسام والسعة في الأرزاق مثل ما أعطي قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم اهـ.\rقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ في ما هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون موصلة بمعنى الذي وهي","part":2,"page":316},{"id":856,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 317\rالتفات عن الغيبة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً متتابعا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ تحت مساكنهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بتكذيبهم الأنبياء وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)\rوَلَوْ نَزَّلْنا حينئذ صفة لمصدر محذوف، والتقدير التمكين الذي لم نمكن لكم والعائد محذوف أي الذي لم نمكنه لكم. والثاني: أن تكون مفعولا بها لكن على المعنى، لأن معنى مكناهم أعطيناهم ما لم نعطكم، ذكره أبو البقاء. قال الشيخ: هذا تضمين، والتضمين لا ينقاس. الثالث: أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها، والعائد محذوف أي شيئا لم نمكنه لكم، ذكره أبو البقاء أيضا. قال الشيخ: وهذا أقرب إلى الصواب اهـ سمين.\rقوله: (فيه التفات) أي في الخطاب في لكم الذي هو خطاب لأهل مكة. وقوله: (عن الغيبة) أي التي يقتضيها السياق في قوله: أَلَمْ يَرَوْا فلو قال: ما لم نمكن لهم لكان جاريا على الظاهر، والمعنى مكنا القرون الماضية ما لم نمكن لأهل مكة اهـ شيخنا.\rوالالتفات له فوائد منها: تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فائدته العامة. ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عنايته وخصصه بالمواجهة اهـ كرخي.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ إن جعلنا جعل تصييرية كان تجري مفعولا ثانيا، وإن جعلناها اتخاذية كان حالا اهـ سمين.\rفَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب، فما أغنت عنهم تلك العدد والأسباب، فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار. وأما قوله تعالى: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن قرنا آخرين بدلا من الهالكين، فلبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه. وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى اهـ أبو السعود.\rقوله: آخَرِينَ صفة لقرنا لأنه اسم جمع كقوم ورهط، فلذلك اعتبر معناه. والقرن لفظ يقع على معان كثيرة، فيطلق على الجماعة من الناس سموا بذلك لاقترانهم في مدة من الزمان، ومنه قوله عليه السّلام «خير القرون قرني» ويطلق على المدة من الزمان أيضا. وقيل: إطلاقه على الناس والزمان بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز. والراجح الثاني، لأن المجاز خير من الاشتراك. وإذا قلنا بالراجح فالأظهر أن الحقيقة هي القوم لأن غالب ما يطلق عليهم والغلبة مؤذنة بالأصالة غالبا، ثم اختلف الناس في كمية القرن حالة إطلاقه على الزمان، فالجمهور أنه مائة سنة واستدلوا بقوله عليه السّلام لعبد اللّه بن بشر المازني «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة. وقيل: مائة وعشرون، قاله إياس بن معاوية وزرارة بن أبي أوفى. وقيل: ثمانون، نقله صالح عن ابن عباس. وقيل: سبعون، قاله الفراء:\rوقيل: ستون لقوله عليه السّلام: «معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين». وقيل: أربعون، حكاه محمد بن سيرين يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وكذلك الزهراوي يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: ثلاثون، حكاه","part":2,"page":317},{"id":857,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 318\rعَلَيْكَ كِتاباً مكتوبا فِي قِرْطاسٍ رق كما اقترحوه فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك النقاش. وعن أبي عبيدة: كانوا يرون أن ما بين القرنين ثلاثون سنة، وقيل: عشرون، وهو رأي الحسن البصري، وقيل: ثمانية وعشرون عاما، وقيل: هو المقدار الوسط من أعمار أهل ذلك الزمان، واستحسن هذا بأن أهل الزمن القديم كانوا يعيشون أربعمائة سنة وثلاثمائة وألفا وأكثر وأقل، وقدر بعض الناس في قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي أهل قرن لأن القرن والزمان، ولا حاجة إلى ذلك إلا على اعتقاد أنه حقيقة فيه مجاز في الناس، وقد تقدم أن الراجح خلافه اهـ سمين.\rقوله: (مكتوبا) أشار به إلى أن الكتاب مصدر بمعنى اسم المفعول وهو الشيء الذي يكتب من المعاني والألفاظ، قوله: فِي قِرْطاسٍ متعلق به ولو أريد بالكتاب الصحيفة التي كتبت بالفعل لضاع قوله: فِي قِرْطاسٍ فلم يبق له معنى. قوله: (رق) في المصباح: والرق بالفتح الجلد يكتب فيه، والكسر لغة قليلة وقرأ بها بعضهم في قوله في رق منشور اهـ.\rوتفسير الشارح القرطاس بالرق تفسير بالأخص، وفسره البيضاوي بالورق وهو تفسير بالأخص أيضا، والقرطاس في اللغة أعم منهما. ففي المصباح: والقرطاس ما يكتب فيه وكسر القاف أشهر من ضمها، والقرطاس وزان جعفر لغة اهـ.\rوفي القاموس: القرطاس مثلث القاف وكجعفر ودرهم الكاغد اهـ.\rوفي المصباح: الكاغد معروف بفتح الغين وبالدال المهملة وربما قيل بالذال المعجمة وهو معرب اهـ.\rوفي القاموس: الكاغد القرطاس اهـ.\rوفي السمين: القرطاس الصحيفة يكتب فيها تكون من ورق وكاغد وغيرهما ولا يقال قرطاس إلا إذا كان مكتوبا، وإلا فهو طرس وكاغد اهـ.\rقوله: (كما اقترحوه) أي طلبوه كما سيأتي في قوله تعالى: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [الإسراء: 93]، اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: واقتراحه ابتدعته من غير سبق مثال اهـ.\rوفي المختار: واقترح عليه شيئا سأله إياه من غير سبق روية اهـ.\rوفي أبي السعود: وقال الكلبي ومقاتل نزلت في النضر بن الحرث وعبد اللّه بن أبي أمية ونوفل ابن خويلد حيث قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند اللّه تعالى وأنك رسوله اهـ.\rقوله: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ الضمير المنصوب يجوز أن يعود على القرطاس وأن يعود على الكتاب بمعنى المكتوب، وبأيديهم متعلق بلمسوه والباء للاستعانة كعملت بالقدوم، ولقال جواب لو، وجاء على الأفصح من اقترن جوابها المثبت باللام اهـ سمين.\rقوله: (لأنه أنفى للشك) أي لأن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس، ولأن الغالب أن اللمس بعد المعاينة اهـ كرخي.","part":2,"page":318},{"id":858,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 319\rلَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) تعنتا وعنادا\rوَقالُوا لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مَلَكٌ يصدقه وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً كما اقترحوا فلم يؤمنوا لَقُضِيَ الْأَمْرُ بهلاكهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) يمهلون لتوبة أو معذرة كعادة اللّه فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا\rوَلَوْ جَعَلْناهُ أي المنزل إليهم مَلَكاً لَجَعَلْناهُ أي الملك رَجُلًا أي على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوة للبشر على رؤية الملك وَلو أنزلناه وجعلناه رجلا لَلَبَسْنا قوله: لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه إظهار في مقام الإضمار اهـ.\rقوله: إِنْ هذا إن نافية وهذا مبتدأ وإلا سحر خبره فهو استثناء مفرغ، والجملة المنفية في محل نصب بالقول وأوقع الظاهر موقع المضمر في قوله: لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا شهادة عليهم بالكفر، والجملة الامتناعية لا محل لها من الإعراب لاستئنافها اهـ سمين.\rقوله: وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الظاهر أن هذه الجملة مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بفرط تعنتهم وتصلبهم في كفرهم اهـ سمين. ولو لا هذه تحضيضية كما قال الشارح فلا جواب لها.\rوقد أجاب اللّه تعالى مقالتهم بجوابين الأول، قوله: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً الخ والثاني: قوله:\rوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (يصدقه) أي يخبرنا بصدقه في دعوى النبوة اهـ شيخنا. قوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ جواب لو، لكن شرطها المذكور ليس كافيا في ترتب جوابها عليه، فلذلك أشار الشارح إلى أن في الكلام حذفا بقوله فلم يؤمنوا، وهذا المحذوف معطوف على شرطها فهو من جملته اهـ شيخنا.\rقوله: (من إهلاكهم) أي من غير إمهال. وقوله: (عند وجود مقترحهم) أي مطلوبهم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي المنزل إليهم) كان الظاهر أن يقول إليه طلبوا نزول الملك إليه، لكن النازل إليه نازل إليهم كما تقدم في قوله: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي فلم يفدهم طلب نزول الملك، لأنه لو نزل لهم الملك لنزل على صورة رجل فيقولوا له: ما أنت إلا بشر مثلنا، ويستمرون يطلبون الملك فلا تنقطع شبهتهم، فنزول الملك لا يفيدهم شيئا بل يزدادون في الحيرة والاشتباه اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: والمعنى لو جعلنا النذير الذي اقترحوه ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا، لعدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك على هيكله، وفي إيثار رجلا على بشرا إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل اهـ.\rقوله: (إذ لا قوة للبشر الخ) عبارة الخازن وذلك أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق عند رؤيته، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس كما جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة دحية الكلبي، وكما جاء الملكان إلى داود عليه السّلام في صورة رجلين، وكذلك أتت الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السّلام، ولما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل في صورته التي خلق صعق لذلك وغشي عليه اهـ.","part":2,"page":319},{"id":859,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 320\rشبهنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) على أنفسهم بأن يقولوا ما هذا إلا بشر مثلكم\rوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَحاقَ نزل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ قوله: وَلَلَبَسْنا جواب شرط مقدر، تقديره: ولو جعلنا رجلا للبسنا الخ، وكان يكفي الشارح في التقدير الاقتصار على هذا المقدر، فما زاده من قوله ولو أنزلناه ليس ضروريا اهـ شيخنا.\rقوله: (شبهنا عليهم) أي خلطنا عليهم ما يلبسون ما يخلطون على أنفسهم اهـ بيضاوي. وفي الكرخي: زدناهم ضلالا على ضلالهم اهـ.\rقوله: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ عطف على جواب لو، مبني على الجواب الأول، وقرئ بحذف لام الجواب اكتفاء بما في المعطوف عليه، يقال: لبست الأمر على القوم ألبسه إذا شبهته وجعلته مشكلا عليهم، وأصله الستر بالثوب. وقرئ الفعلان بالتشديد للمبالغة أي ولخلطنا عليهم بتمثيله رجلا ما يلبسون على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له إنما أنت بشر ولست بملك، ولو استدل على ملكيته بالقرآن المعجز الناطق بها أو بمعجزات أخر غير ملجئة إلى التصديق لكذبوه كما كذبوا النبي عليه السّلام، ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم الأمر الأول والتعبير عن تمثله تعالى له رجلا باللبس، إما لكونه في صورة اللبس أو لكونه سببا للبسهم ولوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة، وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ملكا، كأنه قيل. لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم، وقد جوز أن يكون المعنى وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات اللّه البينة اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: وإنما كان فعلهم تلبسيا لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا:\rإنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلا للحقهم من اللبس مثل ما لحق لضعفائهم، فيكون اللبس نقمة من اللّه وعقوبة لهم على ما كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء اهـ.\rقوله: ما يَلْبِسُونَ في ما قولان، أحدهما: أنها موصولة بمعنى الذي أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم. قاله أبو البقاء، وتكون ما حينئذ مفعولا بها. الثاني: أنها مصدرية أي وللبسنا عليهم مثل ما يلبسون على غيرهم ويشكونهم. وقرأ ابن محيصن: ولبسنا بلام واحدة هي فاء الفعل ولم يأت بلام في الجواب اكتفاء بها في المعطوف عليه. وقرأ الزهري: وللبسنا بلامين وتشديد الفعل على التكثر اهـ سمين.\rقوله: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو بكسر الدال على أصل التقاء الساكنين، والباقون بالضم على الاتباع ولم يبال بالساكن لأنه حاجز غير حصين، وقد قررت هذه القاعدة بدلائلها في البقرة عند قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ* وبرسل متعلق باستهزئ ومن قبلك صفة لرسل اهـ سمين.\rقوله: (فيه تسلية) أي وفيه وعيد أيضا لأهل مكة، كما أشار له بقوله: فكذا يحيق بمن استهزأ بك اهـ شيخنا.\rقوله: سَخِرُوا مِنْهُمْ السخرية: الاستهزاء والتهكم، يقال: سخر منه وبه. ويقال: استهزأ به فلا يتعدى بمن اهـ سمين.","part":2,"page":320},{"id":860,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 321\rيَسْتَهْزِؤُنَ (10) وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك\rقُلْ لهم سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) الرسل من هلاكهم بالعذاب ليعتبروا\rقُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ قوله: ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ما هذه عبارة عن الشيء المستهزأ به، وهو الرسل وشرائعهم، ولا معنى لنزول هذا بهم، فحينئذ يحتمل أن ما مصدرية وأن المصدر المنسبك مستعمل في المسبب عنه الذي ذكره الشارح بقوله: (و هو العذاب) فإنه مسبب عن الاستهزاء، وهذا يبعده عود الضمير عليها، ولا يعود إلا على الأسماء، ويحتمل أنها باقية على الاسمية ويكون قد استعمل اسم السبب في المسبب، لكن فيه أن السبب إنما هو الاستهزاء وهي عبارة عن المستهزأ به فليتأمل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا فاعل حاق ما كانوا وما يجوز أن تكون موصولة اسمية والعائد الهاء في به، وبه متعلق بيستهزئون، ويستهزئون خبر لكان، ومنهم متعلق بسخروا على أن الضمير يعود على الرسل، قال تعالى: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ [هود: 38] والذي يظهر أن الضمير في به يعود على الرسول الذي يتضمنه الجمع، فكأنه قيل: فحاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسل المندرج في جملة الرسل، وأما على رأي الأخفش وابن السراج فيعود على ما المصدرية لأنها عندهما اسم، وحاق ألفه منقلبة عن ياء بدليل يحيق كباع يبيع، والمصدر حيق وحوق وحيقان كالغليان والنزوان، ومعنى حاق: أحاط، وقيل: عاد عليه وبال مكره. قاله الفراء: وقيل: دار، والمعنى: يدور على الإحاطة والشمول ولا يستعمل إلا في الشر. وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل ما كانوا. نقل الواحدي عن أكثر المفسرين ذلك أي عقوبة ما كانوا أو جزاء ما كانوا، ثم قال وهذا إذا جعلت ما عبارة عن القرآن والشريعة، وما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن جعلت ما عبارة عن العذاب الذي كان عليه السّلام توعدهم به إن لم يؤمنوا استغنيت عن تقدير المضاف، والمعنى فحاق بهم العذاب الذي يستهزئون به وينكرونه اهـ.\rقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي لتعرفوا أحوال أولئك الأمم، وقوله: ثُمَّ انْظُرُوا أي تفكروا، وكلمة ثم إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتم إلى بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، فالتراخي المفاد بثم من حيث أن انتهاء السير بعيد عن ابتدائه، وإما لإظهار ما بين وجوب السير ووجوب النظر من التفاوت، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلة إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله:\rفَانْظُروا* الآية، بخلاف وجوب النظر فإنه ذاتي مقصود في نفسه. وأما ما قيل من أن الأمر الأول لإباحة السير للتجارة ونحوها، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم، وثم لتباعد ما بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام اهـ أبو السعود ببعض تصرف.\rقوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ كيف: خير مقدم، وعاقبة اسمها، ولم يؤنث فعلها لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنها في تأويل المآل والمنتهى، فإن العاقبة مصدر على وزن فاعلة وهو محفوظ في ألفاظ تقدم ذكرها وهي منتهى الشيء وما يصير إليه، والعاقبة إذا أطلقت اختصت بالثواب. قال تعالى:\rوَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128] وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة كقوله تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى [الروم: 10] فكان عاقبتهما أنهما في النار فصح أن تكون استعارات كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21 والتوبة: 34 والانشقاق: 24] وكيف معلقة للنظر الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 21","part":2,"page":321},{"id":861,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 322\rوَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ إن لم يقولوه لا جواب غيره كَتَبَ قضى عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فضلا منه وفيه تلطف في دعائهم إلى الإيمان لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ليجازيكم بأعمالكم لا رَيْبَ شك فهي في محل نصب على إسقاط الخافض لأن معناها هنا التفكر والتدبر اهـ سمين.\rقوله: (من هلاكهم) بيان للعاقبة. قوله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ الخ هذه حجة قاطعة لا يقدرون على التخلص منها أصلا اهـ أبو السعود.\rولمن. خبر مقدم واجب التقديم لاشتماله على ما له صدر الكلام، فإن من استفهامية والمبتدأ ما وهي بمعنى الذي. والمعنى قل لمن الذي في السموات والأرض أي استقر وثبت لمن. قوله: قُلْ لِلَّهِ قيل إنما امره أن يجيب أولا، وإن كان المقصود أن يجيب غيره، ليكون أول من بادر إلى الاعتراف بذلك اهـ سمين.\rقوله: قُلْ لِلَّهِ تقرير لهم، وتنبيه على أنه المتعين للجواب بالاتفاق، بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق به قوله: وإن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن اللّه. وقوله: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ جملة مستقلة غير داخلة تحت الأمر بالقول اهـ أبو السعود.\rقوله: (إن لم يقولوه) أي إن لم يقولوا هذا الجواب المذكور فقله أنت، وقوله: لا جواب غيره الأظهر التفريع أو التعليل أي فلا جواب غيره، أو لأنه لا جواب غيره اهـ شيخنا.\rقوله: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي قضى وأوجب إيجاب تفضل لا أنه مستحق عليه تعالى، وقيل: معناه القسم، وعلى هذا فقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ جوابه لما تضمنه من معنى القسم، وعلى هذا فلا يوقف على قوله: الرَّحْمَةَ. وقال الزجاج: إن الجملة من قوله ليجمعنكم في محل نصب على أنها بدل من الرحمة، لأنه فسر قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ أنه أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم فهو تفسير للرحمة. وقد ذكر الفراء هذين الوجهين، أعني أن الجملة تمت عند قوله: الرَّحْمَةَ وأن لَيَجْمَعَنَّكُمْ بدل منها، فقال: إن شئت جعلت الرَّحْمَةَ غاية الكلام، ثم استأنفت بعدها لَيَجْمَعَنَّكُمْ، وإن شئت جعلتها في موضع نصب، كما قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54] أنه من عمل منكم سوءا، قلت: واستشهاده بهذه الآية حسن جدا. ورد ابن عطية هذا بأن قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب قسم، وجملة الجواب وحدها لا موضع لها من الإعراب، وإنما يحكم على موضع جملتي القسم والجواب بمحل الإعراب، والذي ينبغي في هذه الآية أن يكون الوقف عند قوله: الرَّحْمَةَ وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب قسم محذوف، أي واللّه لَيَجْمَعَنَّكُمْ والجملة القسمية لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب، وإن تعلقت به من حيث المعنى، وإلى على بابها أي لَيَجْمَعَنَّكُمْ في القبور مبعوثين أو محشورين إلى يوم القيامة. وقيل: هي بمعنى اللام كقوله إنك جامع الناس ليوم، وقيل: بمعنى في أي لَيَجْمَعَنَّكُمْ في يوم القيامة، وقيل: زائدة أي لَيَجْمَعَنَّكُمْ يوم القيامة اهـ سمين.\rقوله: فضلا منه أي إيجابا على وجه التفضل والاحسان، وذلك لأنه وعد بالرحمة، فصارت الرحمة واجبة بمقتضى الوعد لأن إخلاف الوعد نقص، وهو على اللّه محال، وفيه رد على من قال إن","part":2,"page":322},{"id":862,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 323\rفِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتعريضها للعذاب مبتدأ خبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12)\r* وَلَهُ تعالى ما سَكَنَ حل فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي كل شيء فهو ربه وخالقه ومالكه وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقال الْعَلِيمُ (13) بما يفعل\rقُلْ لهم أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أعبده فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما الرحمة واجبة عليه مطلقا لا بالوعد، والمراد بالرحمة ما يعم الدارين، ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده والإمهال على الكفار اهـ كرخي.\rقوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إن قيل ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم والأمر بالعكس أجيب بأن سبق القضاء بالخسران والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم أصلا اهـ كرخي. أي فمعنى خسروا أنفسهم، قضي عليهم بالخسران، فصح السبب في قولهم: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ اهـ.\rقوله: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من السكنى، فيشمل المتحرك والساكن، ولذلك فسره الشارح بحل أي استقر، فيشمل القسمين أو هو من السكون ضد التحرك، واكتفى بأحد الضدين لدلالته على الآخر، وخص الساكن بالذكر دون المتحرك، لأن الساكن من المخلوقات أكثر عددا من المتحرك، أو لأن السكون هو الأصل والحركة طارئة اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: وَلَهُ ما سَكَنَ الخ جملة من مبتدأ وخبر وفيها قولان، أظهرهما: أنها استئناف اخبار بذلك. والثاني: إنها في محل نصب نسقا على قول اللّه أي على الجملة المحكية بقل، أي قل هو اللّه وقل له ما سكن، وما موصولة بمعنى الذي، ولا يجوز غير ذلك، وسكن: قيل معناه ثبت واستقر، ولم يذكر الزمخشري غيره. وقيل: هو سكن مقابل تحرك فعلى الأول، لا حذف في الآية الكريمة. قال الزمخشري: وتعديه بغي كما في قوله: وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، ورجح هذا التفسير ابن عطية. وعلى الثاني اختلفوا، فمنهم من قال لا بد من محذوف لفهم المعنى وقدر ذلك المحذوف معطوفا، فقال: تقديره وله ما سكن وما تحرك كقوله في موضع آخر تقيكم الحر أي والبرد وحذف المعطوف فاش في كلامهم، ومنهم من قال: لا حذف لأن كل متحرك قد يسكن، وقيل: لأن المتحرك أقل والساكن أكثر فلذلك أوثر بالذكر اهـ.\rقوله: (حل) هو من باب قعد، فهو بضم الحاء في المضارع. وفي المصباح: وحللت بالبلد حلولا من باب قعد إذا نزلت به ويتعدى أيضا بنفسه فيقال حللت البلد اهـ.\rقوله: (فهو ربه الخ) بيان لمعنى اللام في وله اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ (لهم) أَغَيْرَ اللَّهِ أي قل لهم ما ذكر ردا عليهم حيث دعوك إلى دين أبائك اهـ شيخنا.\rقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أي معبودا بطريق الاستقلال أو الاشتراك، وإنما سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل إيذانا بأن المنكر هو اتخاذ غير اللّه وليا، لا اتخاذ الولي مطلقا كما في قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا [الأنعام: 164] اهـ أبو السعود.\rقوله: (أعبده) يحتمل أنه تفسير للفعل وهو الظاهر، ويحتمل أنه تفسير لوليا، فيكون إشارة إلى أنه بمعنى معبودا اهـ شيخنا.","part":2,"page":323},{"id":863,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 324\rوَهُوَ يُطْعِمُ يرزق وَلا يُطْعَمُ يرزق، لا قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ للّه من هذه الأمة وَقيل لي لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) به\rقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بعبادة غيره عَذابَ وعبارة الكرخي: قوله: أعبده أشار به إلى أن المراد بالولي المعبود لأن الإنكار بما ذكر رد لمن دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الشرك، فناسب تفسير الولي بالمعبود اهـ.\rقوله: فاطِرِ السَّماواتِ بدل من اللّه أو صفه له، وقد تعرف بالإضافة لأنه بمعنى الماضي بدليل قراءة فطر بالفعل الماضي، فالتقت الصفة والموصوف في التعريف اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: فطر اللّه الخلق فطرا من باب قتل خلقهم والاسم الفطرة اهـ.\rوفي السمين: والفطر الإبداع والإيجاد من غير سبق مثال، ومنه فاطر السموات أي موجدها على غير مثال يحتذى. وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى فطر وفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي أنشأتها وابتدأتها، ويقال: فطرت كذا وفطر هو فطورا وانفطر انفطارا وفطرت الشاة حلبتها بإصبعين، وفطرت العجين خبزته من وقته. وقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: 30] إشارة منه إلى ما فطر أي أبدع، وركز في الناس من معرفته. ففطرة اللّه ما ركز القوة المدركة لمعرفته وهو المشار إليه بقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25] «و عليه كل مولود يولد على الفطرة»، الحديث. وهذا أحسن ما سمعت في تفسير فطرة اللّه في الكتاب والسنة اهـ.\rوفي الكرخي: والفطير ضد الخمير وهو العجين الذي لم يختمر، ولك شيء أعجلته عن إدراكه فهو فطير، ويقال: إياك والرأي الفطير، ويقال: عندي خبز خمير وخبز فطير اهـ.\rقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري، أي لا ينبغي لي ولا يمكن مني أن أعبد غيره اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ الخ أي قلة جوابا ثانيا عن دعائهم لك إلى دين آبائك اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي انقاد للّه، وقوله: من هذه الأمة، أي فهو من جملة أمته من حيث إنه مرسل لنفسه بمعنى أنه يجب عليه الإيمان برسالة نفسه وبما جاء به من الشريعة والأحكام، كما أنه مرسل لغيره وهو أول من انقاد لهذا الدين اهـ شيخنا.\rومن يجوز أن تكون نكرة موصوفة واقعة موقع اسم جمع أي أول فريق أسلم، وأن تكون موصولة أي أول الفريق الذي أسلم وأفرد الضمير في أسلم: إما باعتبار لفظ فريق المقدر، وإما باعتبار لفظ من اهـ كرخي.\rقوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ معطوف على أمرت بتقدير عامل كما أشار له المفسر، والمعنى إني أمرت بما ذكر ونهيت عن الإشراك اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَلا تَكُونَنَ فيه تأويلان، لا أحدهما: أنه على إضمار القول، أي وقيل لي لا تكونن. قال أبو البقاء: ولو كان معطوفا على ما قبله لفظا وأن لا أكون، وإليه نحا الزمخشري،","part":2,"page":324},{"id":864,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 325\rيَوْمٍ عَظِيمٍ (15) هو يوم القيامة\rمَنْ يُصْرَفْ بالبناء للمفعول أي العذاب وللفاعل أي اللّه والعائد محذوف عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ تعالى أي أراد له الخير وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) النجاة الظاهرة\rوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بلاء كمرض وفقر فَلا كاشِفَ رافع لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فإنه قال: ولا تكونن أي وقيل لي لا تكونن ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشر. والثاني: أنه معطوف على أمرت حملا على المعنى، المعنى قل إني قيل لي كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين فهما جميعا محمولان على القول، لكن جاء الأول بغير لفظ القول وفيه معناه فحمل الثاني على المعنى، وقيل عطف على قل أمر بأن يقول كذا ونهى عن كذا اهـ.\rقوله: قُلْ إِنِّي أَخافُ أي قل جوابا ثالثا اهـ.\rقوله: (بعبادة غيره) أي أو بمخالفة أمره ونهيه، أي عصيان كل فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا، وفيه بيان لكمال اجتنابه صلّى اللّه عليه وسلّم المعاصي على الإطلاق اهـ كرخي.\rقوله: عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مفعول لأخاف، وفيه تعريض باستحقاقهم له، والشرط معترض بين الفعل والمفعول به، وجوابه محذوف دل عليه بالجملة. إن عصيت ربي استحقيت العذاب العظيم اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، ولذلك جيء بفعل الشرط ماضيا. وهذه الجملة الشرطية فيها وجهان. أحدهما: أنها معترضة بين الفعل وهو أخاف، وبين مفعوله وهو عذاب. والثاني: أنها في محل نصب على الحال. قال الشيخ: كأنه قيل إني أخاف عاصيا ربي وفيه نظر، إذ المعنى يأباه، وأخاف وما في حيزه خبر لإن، وإن ما في حيزها في محل نصب بقل اهـ.\rقوله: مَنْ يُصْرَفْ من شرطية، ويصرف فعل الشرط والضمير في عنه عائد عليها على كل من القراءتين، ومن عليهما واقعة على الشخص أي شخص يصرف العذاب عنه، أو يصرف اللّه العذاب عنه، فقد رحمة اللّه، فقوله: والعائد محذوف فيه مسامحة وذلك لأن العائد هو الضمير في عنه، والمحذوف على القراءة الثانية إنما هو مفعول الفعل وهو ضمير يعود على العذاب، فكأنه قيل: من يصرفه اللّه عنه فمراده بالعائد مفعول الفعل وأيضا تعبيره بالعائد فيه مسامحة أخرى، لأنه يقتضي أن من موصولة مع أنها شرطية بدليل جزم الفعل بعدها، والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: وَذلِكَ أي صرف العذاب أو الرحمة أو كل منهما الْفَوْزُ الْمُبِينُ. قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ أي ينزله بك. قوله: (كمرض وفقر) أي وسوء حال، فالضر إما في النفس كقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن كعدم جارحة ونقص ومرض، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا هُوَ فيه وجهان، أحدهما: أنه بدل من محل لا كاشف فإن محله الرفع على الابتداء، والثاني: أنه بدل من الضمير في الخبر اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ جوابه محذوف تقديره فلا راد له غيره كما في آية يونس، وإن يردك","part":2,"page":325},{"id":865,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 326\rكصحة وغنى فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) ومنه مسك به ولا يقدر على رده عنك غيره\rوَهُوَ الْقاهِرُ القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليا فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ في خلقه الْخَبِيرُ (18) ببواطنهم كظواهرهم. ونزل لما قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إيتنا بما يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروك\rقُلْ بخير فلا راد لفضله وقوله: فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لكل من الجوابين المذكور في الشرطية الأولى والمحذوف في الثانية اهـ.\rقوله: (و منه مسك به) أي بالمذكور من الضر والخير، وقوله: ولا يقدر على رده أي المذكور من الضر والخير أو المراد ولا يقدر على رده أي الضر، ويكون في الكلام اكتفاء أي ولا على إيصاله أي الخير اهـ.\rقوله: (الذي لا يعجزه شيء) أي فالقهر، إما إن يراد به الغلبة أو التذليل، وما هنا من الأول، وكذا قوله: إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ [الأعراف: 127] ومن الثاني فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: 9] اهـ كرخي.\rوعبارة الخازن: يعنى وهو الغالب لعباده القاهر لهم وهو مقهورون تحت قدرته وهو القاهر والقهار، ومعناه الذي يدبر خلقه بما يريد وإن شق عليهم فلا يستطيع أحد من خلقه رد تدبيره والخروج من تحت قهره وتقديره، وهذا معنى القاهر في صفة اللّه تعالى لأن القادر الذي لا يعجزه شيء أراده، ومعنى فوق عباده هنا أن قهره قد استعلى على خلقه، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه ولا ينفك عنه، فكل من قهر شيئا فهو مستعمل عليه بالقهر والغلبة. وقال ابن جرير الطبري: معنى القاهر المتعبد خلقه العالي عليهم، وإنما قال فوق عباده لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئا أن يكون مستعليا عليه، فمعنى الكلام حينئذ واللّه الغالب عباده المذلل لهم العالي عليهم بتذليله إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه اهـ.\rقوله: (مستعليا) فَوْقَ عِبادِهِ أي استعلاء يليق به، أي هو فوق عباده بالمنزلة والشرف لا بالجهة، وفي تقديره مستعليا إشارة إلى أن الظرف في محل الحال وأنه متعلق بهذا المحذوف اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: فَوْقَ عِبادِهِ فيه أوجه أظهرها أنه منصوب باسم الفاعل قبله، والفوقية هنا عبارة عن الاستعلاء والغلبة. والثاني: أنه مرفوع على أنه خبر ثان أخبر عنه بشيئين، أحدهما: أنه قاهر، والثاني: أنه فوق عباده بالغلبة والقهر. والثالث: أنه منصوب على الحال من الضمير في القاهر كأنه قيل وهو القاهر مستعليا أو غالبا ذكره المهدوي وأبو البقاء اهـ.\rقوله: (و نزل لما قالوا) أي أهل مكة، فقالوا: يا محمد أرنا من يشهد أنك رسول اللّه فإنا لا نرى أحدا نصدقه، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر اهـ خازن.\rقوله: (إيتنا) بقلب الهمزة الثانية ياء على حد قوله، ومدا أبدل ثاني الهمزتين الخ اهـ شيخنا.","part":2,"page":326},{"id":866,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 327\rلهم أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً تمييز محول عن المبتدأ قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوه لا جواب غيره هو شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقي وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ أخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ عطف على ضمير أنذركم أي بلغه القرآن من الانس والجن أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قوله: (محول عن المبتدأ) والأصل شهادة أي شيء أكبر أو أي شيء شهادته أكبر، ويعلم من هذا جواز إطلاق الشيء على اللّه تعالى وهو كذلك، ولكن بشرط التقييد بأن يقال هو شيء لا كسائر الأشياء اهـ شيخنا.\rقوله: قُلِ اللَّهُ اللّه مبتدأ خبره محذوف أي اللّه أكبر شهادة، وقوله: شَهِيدٌ خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح، فالكلام جملتان لا جملة واحدة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: بعد أن قرر مثل هذا: والجملة من قوله قُلِ اللَّهُ جواب لأي من حيث اللفظ والمعنى ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ وشهيد خبرها، والجملة على هذا جواب لأي من حيث المعنى أي أنها دالة على الجواب وليست بجواب اهـ.\rقوله: (لا جواب غيره) أي لأنه لا جواب غيره. قوله: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ المراد بشهادة اللّه إظهار المعجزة على يد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن حقيقة الشهادة ما بني به المدعي وهو كما يكون بالقول يكون بالفعل، ولا شك أن دلالة الفعل أقوى من دلالة القول لعروض الاحتمالات في الألفاظ دون الأفعال، فإن دلالتها لا يعرض لها الاحتمال وأن المعجزة نازلة من قوله تعالى: «صدق عبدي في كل ما يبلغ عني» اهـ كرخي.\rقوله: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ المعنى شهيد بيننا وتكرير البين لتحقيق المقابلة اهـ أبو السعود.\rقوله: (على صدقي) أي لأنه أعجزهم عن المعارضة كما دل عليه سبب النزول، وقد أقامها بقوله وأوحي إلي هذا القرآن ناطقا بالحجج فلا يرد كيف اكتفى من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الجواب بقوله: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مع أن ذلك لا يكفي من غيره، والاقتصار على ذكر الإنذار لما أن الكلام مع الكفار اهـ كرخي.\rقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَ الخ بمنزلة التعليل لما قبله، يعني أن اللّه يشهد لي بالنبوة لأنه أوحى إلي هذا القرآن ونزوله علي شهادة من اللّه بأني رسوله اهـ خازن.\rقوله: وَمَنْ بَلَغَ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه في محل نصب عطفا على المنصوب في لأنذركم وتكون من موصولة، والعائد عليها من صلتها محذوف أي ولأنذر الذي بلغه القرآن. والثاني:\rأن في بلغ ضميرا مرفوعا يعود على من ويكون المفعول محذوفا وهو منصوب المحل أيضا نسقا على مفعول لأنذركم والتقدير ولأنذر الذي بلغ الحلم، فالعائد هنا مستقر في الفعل. والثالث: أن من مرفوعة المحل نسقا على الضمير المرفوع في لأنذركم، وجاز ذلك لأن الفصل بالمفعول والجار والمجرور أغنى من تأكيده، والتقدير لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن اهـ سمين.\rقوله: (أي بلغه القرآن) أي ممن يأتي إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم.","part":2,"page":327},{"id":867,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 328\rاستفهام إنكاري قُلْ لهم لا أَشْهَدُ بذلك قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) معه من الأصنام\rالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أي محمدا بنعته في كتابهم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي وكلمه اهـ خازن.\rقوله: لَتَشْهَدُونَ لام الابتداء المؤكدة زحلقت لخبر إن، وأصل التركيب إنكم تشهدون، فدخلت الهمزة على إن واللام على الخبر اهـ شيخنا.\rوهذه الجملة الاستفهامية يحتمل أن تكون منصوبة المحل لكونها في حيز القول وهو الظاهر، كأنه أمر أن يقول أي شيء أكبر شهادة وأن يقول أئنكم لتشهدون، ويحتمل أن لا تكون داخلة في حيزه فلا محل لها حينئذ، وأخرى صفة لآلهة لأن ما يعقل يعامل جمعه معاملة المؤنثة الواحدة اهـ سمين.\rقوله: (استفهام إنكار) أي لا تنبغي ولا تصح منكم هذه الشهادة لأن المعبود واحد لا تعدو فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (بذلك) أي أن مع اللّه آلهة أخرى أي بل أجحد ذلك وأنكره اهـ خازن.\rويجوز في ما هذه وجهان، أظهرهما: أنها كافة لإن عن عملها وهو مبتدأ وإله خبره وواحد صفته. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي، وهو مبتدأ وإله خبره، وهذه الجملة صلة وعائد.\rوالموصول في محل نصب اسما لأن وواحد خبرها، والتقدير إن الذي هو إله واحد، ذكره أبو البقاء وهو ضعيف. ويدل على صحة الوجه الأول تعينه في قوله تعالى إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: 171] إذ لا يجوز فيه أن تكون موصولة لخلو الجملة عن ضمير الموصول. وقال أبو البقاء: وهذا الوجه أليق بما قبله، ولا أدري ما وجه ذلك اهـ سمين.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي وهذا تكذيب لهم في قوله أي العرب أن اليهود والنصارى لا يعرفونه. روي أن النبي لما قدم المدينة وأسلم عبد اللّه بن سلام قال له عمر: إن اللّه أنزل على نبيه بمكة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الآية، فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد اللّه بن سلام: يا عمر! لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني: فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول اللّه حقا ولا أدري ما تصنع النساء اهـ خازن.\rوالموصول مبتدأ ويعرفونه خبر والضمير المنصوب يجوز عوده على الرسول أو على القرآن لتقدمه في قوله وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ أو على التوحيد لدلالة قوله قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أو على كتابهم، أو على جميع ذلك، وأفرد الضمير اعتبارا بالمعنى كأنه قيل: يعرفون ما ذكرنا وقصصنا اهـ سمين.\rقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ نعت للذين آتيناهم الكتاب، فهو عبارة عن اليهود والنصارى، ويؤيد ذلك قول الشارح منهم الظاهر في عوده على أقرب مذكور، وهو الذين آتيناهم وأجاز بعضهم أن يكون مستأنفا وهو بعيد من صنيع الشارح اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في محله أربعة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ وخبره","part":2,"page":328},{"id":868,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 329\rأَنْفُسَهُمْ منهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) به\rوَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ القرآن إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) بذلك\rوَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا توبيخا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) أنهم شركاء للّه\rثُمَّ لَمْ الجملة من قوله فهم لا يؤمنون، ودخلت الفاء لما عرفت من شبه الموصول بالشرط. الثاني: أنه نعت للذين آتيناهم الكتاب، قاله الزجاج. الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين خسروا أنفسهم.\rالرابع: أنه منصوب على الذم، وهذان الوجهان مفرعان على النعت لأنهما مقطوعان عنه وعلى الأقوال الثلاثة يكون قوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ من باب عطف جملة اسمية على مثلها، ويجوز أن يكون عطفا على خسروا وفيه نظر من حيث إنه ترتب عدم الإيمان على خسرانهم، والظاهر أن الخسران هو المترتب على عدم الإيمان، وعلى الوجه الأول يكون الذين خسروا أعم من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين، وعلى غيره يكون خاصا بأهل الكتاب والتقدير الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ منهم أي من أهل الكتاب اهـ.\rومعنى هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين أن اللّه تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار اهـ كرخي.\rقوله: (أي لا أحد) أَظْلَمُ الخ أي لجمعهم بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل، افتراؤهم على اللّه بما هو باطل غير ثابت، وتكذيبهم ما هو ثابت بالحجة هذا ما جرى عليه الكشاف وغيره من جمعهم بين الأمرين، أو لأن المعنى لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين فكيف بمن جمع بينها اهـ كرخي.\rقوله: مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وهم مشركو العرب بدليل قول الشارح بنسبة الشريك إليه، وقوله: أو كذب بآياته وهم أهل الكتاب الذين أنكروا معرفته وكذبوا قوله تعالى: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ وقوله: (بذلك) أي المذكور من افتراء الكذب وتكذيب آيات اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (بذلك) بمعنى أنهم لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب اهـ كرخي.\rقوله: وَ(اذكر) أي الناس تحذيرا لهم أي اذكر هذا اليوم من حيث ما يقع فيه المذكور بقوله:\rثم نقول الخ، وقوله: نحشرهم أي كل الخلق أو العابدين للآلهة الباطلة مع معبوداتهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه منصوب بفعل مضمر بعده، وهو على ظرفيته أي ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، وحذف ليكون أبلغ في التخويف. والثاني: أنه معطوف على ظرف محذوف، وذلك الظرف معمول لقوله لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ والتقدير أنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم، قاله محمد بن جرير. الثالث: أنه منصوب بقوله: انظر كيف كذبوا وفيه بعد لبعده من عامله لكثرة الفواصل. الرابع: أنه مفعول به باذكر مقدرا. الخامس: أنه مفعول به أيضا وناصبه احذروا واتقوا يوم نحشرهم، كقوله: واخشوا يوما وهو كالذي قبله فلا يعد خامسا. وقرأ الجمهور نحشرهم بنون العظمة، وكذا ثم نقول وقرأ حميد ويعقوب بياء الغيبة فيهما وهو اللّه تعالى،","part":2,"page":329},{"id":869,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 330\rتَكُنْ بالتاء والياء فِتْنَتُهُمْ بالنصب والرفع أي معذرتهم إِلَّا أَنْ قالُوا أي قولهم وَاللَّهِ رَبِّنا بالجر نعت والنصب نداء ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) قال تعالى\rانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كَذَبُوا عَلى والجمهور ضم الشين من نحشرهم وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان في المضارع من باب ضرب وقتل، كما في المصباح: والضمير المنصوب في نحشرهم يعود على المفترين الكذب، وقيل: على الناس كلهم، فيندرج هؤلاء فيهم والتوبيخ مختص بهم، وقيل: يعود على المشركين وأصنامهم ويدل عليه قوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الصافات: 22] وجميعا حال من مفعول نحشرهم، ويجوز أن يكون توكيدا عند من أثبته من النحويين كأجمعين، وعطف هنا بثم للتراخي الحاصل بين الحشر والقول ومفعولا تزعمون محذوفان للعلم بهما أي تزعموهم شركاء أو تزعمون أنها شفعاؤكم، وقوله: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ إن جعلنا الضمير في نحشرهم عائد على المفترين الكذب كان ذلك من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، إذ الأصل: ثم نقول لهم، وإنما أظهر تنبيها على قبح الشرك اهـ.\rقوله: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ إضافتها إليهم لما أن شركتها ليست إلا بتسميتهم وتقولهم الكاذب، وهذا السؤال المنبئ عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا [الصافات: 22] الآية، إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من التبري من الجانبين وانقطاع ما بينهم من الأسباب والعلائق، حسبما يحكيه قوله تعالى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ الخ [يونس: 28] ونحو ذلك من الآيات الكريمة، أما لعدم حضورها حينئذ حقيقة بإبعادها عن ذلك الموقف، وإما بتنزيل عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة بمنزلة عدم حضورها حقيقة، إذ ليس السؤال عنها من حيث ذواتها، بل إنما هو من حيث إنها شركاء كما يعرب عنه الوصف بالموصول، ولا ريب في أن عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف، فهي من حيث شركاء غائبة لا محالة وإن كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو غيرها اهـ كرخي.\rقوله: (أنهم شركاء للّه) فإن المحذوفة مع معموليها سادة مسد المفعولين المحذوفين اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتاء والياء) فعلى الأولى يجوز في فتنتهم الرفع على أنه اسم يكون وخبرها إلا أن قالوا، والنصب على العكس، وعلى هذه القراءة يتعين الجر في ربنا، وعلى الثانية يتعين النصب في فتنتهم على التوجيه السابق، ويتعين النصب أيضا في ربنا فالقراءات ثلاثة وإن كانت عبارة الشارح توهم أنها أكثر. وحاصل الثلاثة أن قراءة التاء فيها قراءتان: الرفع والنصب في فتنتهم مع تعين الجر في ربنا، وإن قراءة الياء يتعين فيها النصب في كل من فتنتهم وربنا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي معذرتهم) أي جوابهم، وسماه فتنة لأن كذب اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا أي فقد كذبوا في الآخرة كما كان دأبهم في الدنيا، فكذبوا في هذا القول من وجهين أصله وتوكيده بالقسم اهـ شيخنا.\rقوله: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وحينئذ يختم على أفواههم وتشهد جوارحهم، والجمع بين هذا وبين قوله: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: 42] هو أن في القيامة مواقف مختلفة ففي بعضها لا يتكتمون","part":2,"page":330},{"id":870,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 331\rأَنْفُسِهِمْ بنفي الشرك عنهم وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) ه على اللّه من الشركاء\rوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ إذا قرأت وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية ل أَنْ لا يَفْقَهُوهُ يفهموا القرآن وَفِي وفي بعضها يكتمون بل يكذبون ويحلفون كما في قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] مع قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ [الرحمن: 39] اهـ كرخي.\rقوله: كَيْفَ كَذَبُوا كيف منصوب على حد نصبها في قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة:\r28] وقد تقدم بيانه، وكيف وما بعدها في محل نصب بانظر لأنها معلقة لها عن العمل وكذبوا، وإن كانوا معناه مستقبلا لأنه في يوم القيامة فهو لتحققه أبرزه في صورة الماضي وقوله: (و ضل) يجوز أن يكون نسقا على كذبوا، فيكون داخلا في حيز النظر، ويجوز أن يكون استئناف إخبار فلا يندرج في حيز المنظور إليه. وقوله: ما كانُوا يجوز في ما أن تكون مصدرية أي وضل عنهم افتراؤهم، وهم قول ابن عطية، ويجوز أن تكون موصولة اسمية، أي: وضل عنهم الذي كانوا يفترونه، فعلى الأول لا يحتاج إلى ضمير عائد على ما عند الجمهور، وعلى الثاني لا بد من ضمير عند الجميع اهـ سمين.\rقوله: ما كانُوا يَفْتَرُونَ ه أشار به إلى أن ما موصولة، والعائد محذوف اهـ كرخي. وتقدم أن فيها احتمالين اهـ.\rقوله: (من الشركاء) بيان لما وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها من الإلهية والشركة والشفاعة، ونحوها للمبالغة في أمرها حتى كأنها نفس المفتري اهـ أبو السعود.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الخ قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان وأبو جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف والحرث بن عامر يستمعون القرآن، فقالوا للنضر: يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول غير أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا. فقال أبو جهل: كلا، لا تقر بشيء من هذا.\rوفي رواية: الموت أهون علينا من هذا اهـ خازن.\rوقال: هنا يستمع وفي يونس يستمعون بالجمع، لأن ما في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد، وما في يونس في جميع الكفار فناسب الجمع فأعيد الضمير على معنى من، وفي الأول على لفظها وإنما لم يجمع، ثم في قوله: ومنهم من ينظر إليك لأن الناظرين إلى المعجزات أقل من المستمعين للقرآن اهـ كرخي.\rقوله: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً جعل هنا يحتمل أن تكون للتصيير فتتعدى لاثنين، أولهما:\rأكنة، والثاني: الجار قبله فيتعلق بمحذوف أي صيرنا الأكنة مستقرة على قلوبهم. ويحتمل أن تكون بمعنى خلق فتتعدى لواحد ويكون الجار قبله حالا فيتعلق المحذوف، لأنه لو تأخر لوقع صفة لأكنة ويحتمل أن تكون بمعنى ألقى، فتتعلق على بها كقولك: ألقيت على زيد كذا. وقوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: 39] وهذه الجملة تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بما تضمنته من الختم على قلوبهم وسمعهم، ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال، والتقدير","part":2,"page":331},{"id":871,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 332\rآذانِهِمْ وَقْراً صمما فلا يسمعونه سماع قبول وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ ومنهم من يستمع إليك في حال كونه مجعولا على قلبه كنانا وفي آذانه وقرا، فعلى الأول يكون قد عطف جملة فعلية على اسمية، وعلى الثاني تكون الواو للحال وقد مقدرة بعدها عند من يقدرها قبل الماضي الواقع حالا، والأكنة: جمع كنان وهو الوعاء الجامع. وقال بعضهم: الكن بالكسر ما يحفظ فيه الشيء وبالفتح المصدر يقال كننته كنا أي جعلته في كن وجمع على أكنان. قال تعالى: مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً [النحل: 81] والكنان: الغطاء الساتر والفعل من هذه المادة يستعمل ثلاثيا ورباعيا.\rيقال: كننت الشيء وأكننته كنا، وإكنانا إلا أن الراغب فرق بين فعل وأفعل فقال: وخص كننت بما يستر من بيت أو ثوب أو غير ذلك من الأجسام. قال تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: 49] وأكننت بما يستر في النفس. قال تعالى: أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: 235] قلت: ويشهد لما قاله. قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: 78] وقوله تعالى: ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ [النمل: 74] وكنان يجمع على أكنة في القلة والكثرة لتضعيفه اهـ سمين.\rقوله: أَكِنَّةً جمع كنان كأزمة جمع زمام وأعنة جمع عنان. وفي المصباح: كننته أكنه من باب رد سترته في كنه بالكسر وهو السترة، وأكننته بالألف أخفيته. وقال أبو زيد: الثلاثي والرباعي لغتان في الستر وفي الإخفاء جميعا واكتن الشيء واستكن استتر والكنان الغطاء وزنا ومعنى والجمع أكنة مثل أغطية اهـ.\rقوله: وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً في المصباح: الوقر بالكسر حمل البغل والحمار ويستعمل في البعير، وأوقر بعيره بالألف، وقرت الأذن توقر من باب تعب ووقرت تقر من باب تعب ووقرت تقر من باب وعد ثقل سمعها ووقرها اللّه وقرا من باب وعد يستعمل لازما ومتعديا، والوقار الحمل والرزانة وهو مصدر وقر بالضم مثل جمل جمالا. ويقال أيضا: وقر يقر من باب وعد فهو وقور مثل: رسول، والمرأة وقور أيضا فعول بمعنى فاعل مثل صبور شكور، والوقار العظمة أيضا، ووقرت وقرا من باب وعد جلس بوقار، وأوقرت النخلة بالألف كثر حملها فهي موقرة، وموقر بحذف الهاء وأوقرت بالبناء للمفعول صار عليها حمل ثقيل اهـ.\rوالحاصل أن المادة تدل على الثقل والرزانة ومنه الوقار للتؤدة والسكينة اهـ سمين.\rقوله: (فلا يسمعونه) أي القرآن. قوله: حَتَّى إِذا جاؤُكَ حتى هذه ابتدائية أي تبتدأ بعدها الجمل.\rقوله: يُجادِلُونَكَ حال من الواو في جاؤوك. وقوله: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب إذا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ويصح أن تكون غائبة أيضا. وكذا في الكرخي، ونصه: حتى إذا جاؤوك أي بلغ عنادهم إلى أنهم إذا جاؤوك في حال كونهم يجادلونك، يقول الذين كفروا الخ. وهذا جواب إذا هو العامل فيها اهـ كرخي.","part":2,"page":332},{"id":872,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 333\rالَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما هذا القرآن إِلَّا أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (25) كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطور بالضم\rوَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عَنْهُ عن اتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَيَنْأَوْنَ يتباعدون عَنْهُ فلا يؤمنون به وقيل نزلت في أبي طالب كان ينهى عن أذاه ولا يؤمن به وَإِنْ ما يُهْلِكُونَ قوله: إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في المختار: والأساطير الأباطيل والواحد أسطورة بالضم وإسطارة بالكسر اهـ.\rوفي السمين: وأساطير فيه أقوال، أحدها: أنه جمع لواحد مقدر، واختلف في ذلك المقدر، فقيل: أسطورة. وقيل: أسطور. وقيل: أسطار. وقيل: إسطير. وقال بعضهم: بل لفظ بهذه المفردات. والثاني: أنه جمع جمع، فأساطير جمع أسطار، وأسطار جمع سطر بفتح الطاء، وأما سطر بسكونها فجمعه في القلة على أسطر، وفي الكثرة على سطور كفلس وأفلس وفلوس. والثالث: أنه جمع جمع الجمع، فأساطير جمع أسطار، وأسطار جمع أسطر وأسطر جمع سطر، وهذا مروي عن الزجاج، وهذا ليس بشيء، فإن أسطار ليس جمع أسطر بل هما مثالا جمع قلة. الرابع: أنه اسم جمع.\rقال ابن عطية: وقيل هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهذا ليس بشيء لأن النحويين قد نصوا على أنه إذا كان على صيغة منتهى الجموع لم يسموه اسم جمع، بل يقولون هو جمع كعبابيد وشماطيط، وظاهر كلام الراغب أن أساطير جمع سطر بفتح الطاء، فإنه قال: وجمع سطر يعني بالفتح أسطار، وأساطير. وقال المبرد: هو جمع أسطورة نحو: أرجوحة وأراجيح وأحدوثة وأحاديث، ومعى الأساطير: الأحاديث الباطلة اهـ.\rقوله: (كالأضاحيك) جمع أضحوكة بالضم وكذلك الأعاجيب اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ في الضميرين أعني هم وهاء عنه أوجه، أحدها: أن المرفوع يعود على الكفار والمجرور يعود على القرآن، وهو أيضا الذي عاد إليه الضمير المنصوب في يفقهوه والمشار إليه بقولهم إن هذا. والثاني: إن هم يعود على من تقدم ذكرهم من الكفار، وفي عنه يعود على الرسول.\rوعلى هذا ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، فإن قوله: جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فخرج من هذا الخطاب إلى الغيبة. وقيل: يعود المرفوع على أبي طالب وأتباعه اهـ سمين.\rقوله: عَنْهُ على حذف مضاف كما أشار له المفسر. قوله: وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ في المصباح: نأى نأيا من باب سعى بعد يتعدى بنفسه وبالحرف وهو الأكثر، فيقال: نأيته ونأيت عنه ويتعدى الهمزة إلى الثاني، فيقال: أنأيته عنه اهـ.\rقوله: (و قيل نزلت في أبي طالب الخ) وحينئذ فجمع الضمير المرفوع من حيث استتباعه لاتباعه.\rوقوله: (كان ينهى عن أذاه الخ) فعلى الأول وهم ينهون عنه يعني عن اتباعه، وعلى الثاني يعني أذاه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و قيل نزلت الخ) أشار إلى أن قوله: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ نزلت في عمه أبي طالب وهو قول ابن عباس وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير والقائل بأنها نزلت في المشركين كما قرره الشارح جماعة منهم: الكلبي والحسن، والنهي عنه نهي عن تعظيمه. وعلى الأول عن تحقيره وجمع","part":2,"page":333},{"id":873,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 334\rبالنأي عنه إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن ضرره عليهم وَما يَشْعُرُونَ (26) بذلك\rوَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا عرضوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا تنبيه لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) برفع الفعلين استئنافا ونصبهما في جواب التمني ورفع الأول ونصب الثاني وجواب لو رأيت الضمير لاستعظام فعله، ولا يخفى على الناظر في الآيات أن الوجه الأول قاله التفتازاني، وذلك أن جميع الآيات المتقدمة في ذم طريقتهم، فكذلك ينبغي أن يكون قوله: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ محمولا على أمر مذموم، وإذا حملناه على أن أبا طالب كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النظم. وأيضا قوله تعالى بعد ذلك: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ يعين به ما تقدم ذكره، ولا يليق ذلك بالنهي عن أذيته لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك اهـ.\rقوله: (بالنأي عنه) عبارة أبي السعود: بالنهي والنأي انتهت.\rقوله: (بذلك) أي بإهلاكهم أنفسهم. قوله: (و لو ترى يا محمد الخ) شروع في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في الدنيا، والخطاب للنبي أو لكل أحد اهـ أبو السعود.\rوجواب لو محذوف لفهم المعنى والتقدير لرأيت شيئا عظيما وهولا مفظعا وحذف الجواب كثير في التنزيل، وترى يجوز أن تكون بصرية ومفعولها محذوف أي ولو ترى حالهم، ويجوز أن تكون القلبية، والمعنى ولو صرفت فكرك الصحيح لأن تتدبر حالهم لازددت يقينا. وفي لو هذه وجهان، أظهرهما: أنها الامتناعية فينصرف المضارع بعدها للمضي، فإذ باقية على أصلها من دلالتها على الزمن الماضي، وهذا وإن كان لم يقع بعد لأنه سيأتي يوم القيامة إلا أنه أبرز في صورة الماضي لتحقق الوعد.\rوالثاني: أنها بمعنى إن الشرطية وإذ بمعنى إذا والذي حمل هذا القائل على ذلك كونه لم يقع بعد، وقد تقدم تأويله. وقرأ الجمهور وقفوا مبنيا للمفعول من وقف ثلاثيا، وعلى يحتمل أن تكون على بابها وهو الظاهر. وقيل: يجوز أن تكون بمعنى في وليس بذاك. وقرأ ابن السميفع وزيد بن علي وقفوا مبنيا للفاعل، ووقف يتعدى ولا يتعدى، وفرقت العرب بينهما بالمصدر، فمصدر اللازم على فعول ومصدر المتعدي على فعل، ولا يقال أوقفت. قال أبو عمرو بن العلاء: لم أسمع شيئا في كلام العرب أوقفت فلانا إلا أني لو رأيت رجلا واقفا فقلت له: ما أوقفك ههنا لكان عندي حسنا، وإنما كان حسنا لأن تعدي الفعل بالهمزة مقيس نحو ضحك زيد وأضحكته أنا، ولكن سمع غيره في وقف المتعدي أوقفته اهـ سمين.\rقوله: نُرَدُّ (إلى الدنيا) أي لنؤمن بدليل قوله الآتي للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا أي بآياته الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتقائها إذ هي التي تخطر حينئذ ببالهم ويتحسرون على ما فرطوا في حقها أو بجميع آياته اهـ أبو السعود.\rقوله: (برفع الفعلين الخ) هذه قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير والكسائي. وقوله: (و نصبهما) هذه قراءة حمزة وحفص عن عاصم. وقوله: (و رفع الأول ونصب الثاني الخ) هذه قراءة ابن عامر وأبي","part":2,"page":334},{"id":874,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 335\rأمرا عظيما قال تعالى\rبَلْ للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني بَدا ظهر لَهُمْ ما بكر. فأما قراءة الرفع فيهما ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن الرفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما وهو نرد، ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء: الرد إلى دار الدنيا وعدم تكذيبهم بآيات ربهم وكونهم من المؤمنين. والثاني: أن الواو واو الحال والمضارع خبر مبتدأ مضمر والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من مرفوع نرد والتقدير يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيكون تمني الرد مقيدا بهاتين الحالتين، فيكون الفعلان أيضا داخلين في المتمنى. والثالث: أن قوله ولا نكذب يكون خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المشتملة على أداء التمني، وما في حيزها فليست داخلة في التمني أصلا وإنما أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربهم، وأنهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عطف عليها في محل نصب بالقول كان التقدير فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وقالوا نحن لا نكذب وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ومعنى الآية أخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال ردوا أو لم يردوا، وأما نصبهما فبإضمار أن بعد الواو التي بمعنى مع كقولك: ليت لي مالا وأنفق منه، فالفعل منصوب بإضمار أن، وأن مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر، والواو حرف عطف فتستدعي معطوفا عليه وليس قبلها في الآية إلا فعل، فكيف يعطف اسم على فعل فلا جرم أنا نقدر مصدرا متوهما نعطف هذا المصدر المنسبك من أن وما بعدها عليه، والتقدير يا ليتنا لنا رد وانتفاء تكذيب بآيات ربنا، وكون من المؤمنين أي يا ليتنا لنا رد مع هذين الشيئين فيكون عدم التكذيب، والكون من المؤمنين متمنيين أيضا فهذه الثلاثة الأشياء أعني الرد وعدم التكذيب والكون من المؤمنين متمناة بقيد الاجتماع لا أن كل واحد متمنى وحده، لأن كما قدمت لك أن شرط إضمار أن بعد هذه الواو أن تصلح مع مكانها، فالنصب يعي أحد محتملاتها في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن وشبهه. وأما قراءة ابن عامر برفع الأول ونصب الثاني فظاهره مما تقدم لأن الأول يرتفع على حد ما تقدم من التأويلات، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه، إلا أن المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله: نُرَدُّ أي تمنوا الرد مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جعلنا ولا نكذب معطوفا على نرد أو حالا منه، وأما إذا جعلنا ولا نكذب مستأنفا فيجوز ذلك أيضا ولكن على سبيل الاعتراض، ويحتمل أن يكون من تمام ولا نكذب أي لا يكون منا تكذيب مع كونه من المؤمنين، ويكون قوله: ولا نكذب حينئذ على حاله أعني من احتماله العطف على مفرد والحالية أو الاستئناف ولا يخفى حينئذ دخول كونهم من المؤمنين في التمني وخروجه منه بما قدرته لك. وقرئ شاذا عكس قراءة ابن عامر أي بنصب نكذب، ورفع نكون وتخريجها على ما تقدم، إلا أنها يضعف فيها جعل ونكون من المؤمنين حالا لكونه مصارعا مثبتا إلا بتأويل بعيد، وهو تقدير مبتدأ ويدل على هذا قراءة أبيّ شاذا ونحن نكون من المؤمنين اهـ سمين.\rقوله: (للإضراب عن إرادة الإيمان الخ) أي عما ينبئ عنه التمني من الإيمان، أي ليس ذلك عن هزيمة صادقة ناشئة عن رغبة في الإيمان، بل لأنه ظهر لهم الخ أبو السعود.\rوعبارة زاده يعني أن بل هنا ليست للانتقال بلا لإبطال كلام الكفرة، أي ليس الأمر كما قالوه من","part":2,"page":335},{"id":875,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 336\rكانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ يكتمون بقولهم واللّه ربنا ما كنا مشركين بشهادة جوارحهم فتمنوا ذلك وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا فرضا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الشرك وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) في وعدهم بالإيمان\rوَقالُوا أي منكرو البعث إِنْ ما هِيَ أي الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)\rوَلَوْ أنهم لو ردوا إلى الدنيا لآمنوا، يعني أن التمني الواقع منهم يوم القيامة ليس لأجل كونهم راغبين في الإيمان، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه، فإنهم لما قالوا: يا ليتنا نكون كذا فكأنهم قالوا ردنا لأجل ذلك، فأبطل اللّه هذا الكلام الضمني لهم اهـ.\rقوله: ما كانُوا يُخْفُونَ وهو الشرك، فكانوا يخفونه ويسترونه بقولهم: واللّه ربنا ما كنا مشركين اهـ شيخنا.\rقوله: (بشهادة جوارحهم) متعلق ببدا، والباء سببية. وقوله: فتمنوا ذلك أي الإيمان ضجرا لا محبة وإرادة له اهـ كرخي.\rفالتمني الذي استنتجه الشارح من التقرير قبله غير التمني الذي أبطله الإضراب. قوله: (فرضا) أخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس: أن لو الواردة في القرآن لا تكون أبدا اهـ كرخي.\rقوله: لِما نُهُوا عَنْهُ من الشرك أي للحكم الأزلي به اهـ كرخي.\rقوله: (في وعدهم بالإيمان) أي الذي في ضمن تمنيهم اهـ كرخي.\rوَقالُوا إِنْ هِيَ عطف على عادوا داخل في حيز الجواب، والمعنى لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه. وقالوا: إِنْ هِيَ الخ اهـ أبو السعود.\rلكن المتبادر من صنيع الشارح أن هذا كلام مستأنف. وعبارة السمين: قوله: وَقالُوا هل هذه الجملة معطوفة على جواب لو والتقدير ولو ردوا لعادوا ولقالوا أو هي مستأنفة ليست داخلة حيز لو وهي معطوفة على قوله: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ثلاثة أوجه، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والأخير، فإنه قال: وَقالُوا عطف على لعادوا أي لو ردوا لكفروا ولقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا كما كانوا يقولون قبل معاينة العذاب، ويجوز أن يعطف على قوله: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ على معنى وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء. والوجه الأول منقول عن أبي زيد، إلا أن ابن عطية رده فقال: وتوقيف اللّه لهم في الآية بعدها على البعث والإشارة إليه في قوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ يرد على هذا التأويل، وقد يجاب عن هذا باختلاف حالين فإن إقرارهم بالبعث حقيقة إنما هو في الآخرة وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا فاعترافهم به في الدار الآخرة غير مناف لإنكارهم إياه في الدنيا اهـ.\rقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا إن نافية وهي مبتدأ، وحياتنا خبرها أي ليس لنا حياة غير هذه الحياة التي نحن فيها في الدنيا وما نحن بمبعوثين بعد الموت. ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات وهي ضمير مبهم يفسره خبره أي لا يعلم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة اهـ سمين.","part":2,"page":336},{"id":876,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 337\rتَرى إِذْ وُقِفُوا عرضوا عَلى رَبِّهِمْ لرأيت أمرا عظيما قالَ لهم على لسان الملائكة توبيخا أَلَيْسَ هذا البعث والحساب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه لحق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) به في الدنيا\rقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث حَتَّى غاية للتكذيب إِذا جاءَتْهُمُ قوله: إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه من باب الحذف تقديره على سؤال ربهم أو ملك ربهم أو جزاء ربهم. والثاني: أنه من باب المجاز لأنه كناية عن الجنس للتوبيخ كما يوقف العبد بين يدي سيده ليعاتبه، ذكر ذلك الزمخشري اهـ سمين.\rقوله: قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها استئنافية في جواب سؤال مقدر تقديره ماذا قال لهم ربهم إذا وقفوا عليه، قال: قال لهم أليس هذا بالحق. والثاني: أن تكون الجملة حالية وصاحب الحال ربهم كأنه قيل: وقفوا عليه قائلا لهم أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ اهـ سمين.\rقوله: قالُوا بَلى وَرَبِّنا أكدوا اعترافهم باليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقيته وإيذانا بصدور ذلك عنهم للرغبة والنشاط اهـ أبو السعود.\rقال ابن عباس: في القيامة مواقف ففي موقف يعترفون بما ينكرونه في الدنيا، وفي موقف ينكرون ويقولون واللّه ربنا ما كنا مشركين اهـ خازن.\rقوله: (إنه لحق) نبه به على أن بل تقع جوابا لاستفهام دخل على نفي فتقيد إبطاله اهـ كرخي.\rفهذا بيان لمفاد بلى، وبيان للمقسم عليه اهـ.\rقوله: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ الفاء لترتيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا لكي لا على أن مدار التعذيب هو اعترافهم بذلك، بل هو كفرهم السابق بما اعترفوا بحقيته الآن كما نطق به قوله:\rبِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم في الدنيا بذلك أو بكل ما يجب الإيمان به في الدنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ الذين حكيت أحوالهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (البعث) تفسير للقاء اللّه. قوله: (غاية للتكذيب) أي لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له، أي ما زال بهم التكذيب إلى حسراتهم وقت مجيء الساعة اهـ كرخي.\rقوله: جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ المراد بالساعة وقت مقدمات الموت، فالكلام على حذف المضاف أي جاءتهم مقدمات الساعة وهي الموت وما فيه من الأهوال، فلما كان الموت من مبادئ الساعة سمي باسمها، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من مات فقد قامت قيامته» اهـ أبو السعود بتصرف. قوله: بَغْتَةً في نصبها أربعة أوجه، أحدها: أنها مصدر في موضع الحال من فاعل جاءتهم أي مباغتة أو من مفعوله أي مبغوتين. الثاني: أنها مصدر على غير المصدر لأنها معنى جاءتهم بغتتهم بغتة فهو كقولهم أتيته ركضا. الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف من لفظها أي تبغيهم بغتة. الرابع: بفعل من غير لفظها أي أتتهم بغتة والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتداد له ولا جعل بال منه حتى لو استشعر الإنسان به، ثم جاءه بسرعة لا يقال فيه بغتة والألف واللام على الساعة للغلبة كالنجم والثريا لأنها الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 22","part":2,"page":337},{"id":877,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 338\rالسَّاعَةُ القيامة بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا هي شدة التألم ونداؤها مجاز أي هذا أوانك فاحضري عَلى ما فَرَّطْنا قصرنا فِيها أي الدنيا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ بأن تأتيهم عند البعث في أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فتركبهم أَلا ساءَ بئس ما يَزِرُونَ (31) يحملون حملهم غلبت على يوم القيامة، وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها على اللّه تعالى. وقوله: (قالوا) جواب إذا اهـ سمين.\rقوله: (هي شدة التألم) أي شدة التلهف والتحسر على ما فات. وقوله: (فاحضري) ليس القصد طلب حضورها بل الاعتراف بما وقع لهم من شدة الندم والتحسر عليه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: (يا حسرتا) هذا مجاز لأن الحسرة لا يتأتى منها الإقبال وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر وكأنهم نادوا الحسرة وقالوا: إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك، ومثله: يا ويلنا، والمقصود التنبيه على خطأ المنادي حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء اهـ.\rقوله: عَلى ما فَرَّطْنا فِيها أي في العمل الصالح فيها، والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على فعله، والضمير المجرور عائد على الدنيا وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ الواو للحال وصاحب الحال الواو في قالوا، أي قالوا: يا حَسْرَتَنا في حالة حملهم أوزارهم، وصدرت هذه الجملة بضمير مبتدأ ليكون ذكره مرتين، فهو أبلغ.\rوالحمل هنا قيل مجاز عن مقاساتهم العذاب الذي سببه الأوزار. وقيل: هو حقيقة. وفي الحديث: «إنه يمثل له عمله بصورة قبيحة منتنة الريح فيحملها»، وخص الظهر لأن يطيق من الحمل ما لا يطيقة غيره من الأعضاء كالرأس والكاهل. وهذا كما تقدم في قوله: فلمسوه بأيدهم لأن اليد أقوى في الإدراك اللمسي من غيرها، والأوزار: جمع وزر كحمل وأحمال وعدل وأعدال، والوزر في الأصل: الثقل. ومنه زرته: أي حملته شيئا ثقيلا، ووزير الملك من هذا لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤنة رعيته وحشمه ومنه أوزار الحرب لسلاحها وآلها. وقيل: الأصل في ذلك الوزر بفتح الواو والزاي وهو الملجأ الذي يلتجئ إليه من الجبل. قال تعالى: كَلَّا لا وَزَرَ [القيامة: 11] ثم قيل للثقل وزر تشبيها بالجبل، ثم استعير الوزر للذنب تشبيها به في ملاقاة المشقة منه. والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة والعظمة اهـ سمين.\rوفي المصباح: الوزر الإثم والوزر الثقل، ومنه يقال: وزر من باب وعد إذا حمل الإثم. وفي التنزيل: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] أي لا تحمل عنها حملها من الإثم، والجمع أوزار مثل حمل وأحمال اهـ.\rقوله: (أن تأتيهم عند البعث الخ) عبارة الخازن: قال قتادة والسدي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني فقد طالما ركبتك في الدنيا فذلك قوله: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً [مريم: 85] بمعنى ركبانا. وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا.","part":2,"page":338},{"id":878,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 339\rذلك\rوَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي الاشتغال بها إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ وفي قراءة ولدار الآخرة أي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) بالياء والتاء ذلك فيؤمنون\rقَدْ للتحقيق نَعْلَمُ إِنَّهُ أي الشأن لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك. فذلك قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ الآية اهـ.\rقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا الخ لما حقق فيما سبق أن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يلقون فيها من الخطوب ما يلقون بين بعده حال تينك الحياتين في أنفسهما، واللعب ما يشغل النفس عما تنتفع به، واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل، اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي الاشتغال بها) يشير به إلى تقدير مضاف أي ما أشغالها وأعمالها. وقوله: (و أما الطاعات الخ) جواب عما يرد على الحصر من أن بضع أعمال الحياة الدنيا غير لهو ولعب، وهي الطاعات، وحاصل الجواب أنها ليست من أشغالها وأعمالها، فتم الحصر الحقيقي اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ أي التي هي محل الحياة الأخرى اهـ أبو السعود.\rفقد تم بيان حال الحياتين. قوله: (و في قراءة ولدار الآخرة أي بالإضافة) وفي هذه القراءة تأويلان، أحدهما: قول البصريين إنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، والتقدير ولدار الساعة الآخرة أو ولدار الحياة الآخرة يدل عليه وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ومثله قولهم: حبة الحمقاء ومسجد الجامع وصلاة الأولى ومكان الغربي. التقدير: حبة البقلة الحمقاء ومسجد المكان الجامع وصلاة الساعة الأولى ومكان الجانب الغربي وحسن ذلك أيضا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيرا، وكذلك كل ما جاء مما يوهم فيه إضافة الموصوف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، وهو ممتنع لأن الإضافة إما للتعريف أو للتخصيص، والشيء لا يعرف نفسه ولا يخصصها. والثاني: وهو قول الكوفيين أنه إذا اختلف لفظ الموصوف وصفته جازت إضافته إليها وأوردوا ما قدمته من الأمثلة. قال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: بارحة الأولى ويوم الخميس وحق اليقين، وإنما يجوز عند اختلاف اللفظين، وقراءة ابن عامر موافقة لمصحفه فإنها رسمت في مصاحف الشاميين بلام واحدة واختارها بعضهم لموافقتها لما أجمع عليه في يوسف وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وفي مصاحف الناس بلامين اهـ سمين.\rقوله: خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي خير من الحياة الدنيا لأن منافعها خالصة عن المضار، ولذاتها غير متعقبة بالآلام، لا بل مستمرة على الدوام اهـ أبو السعود.\rويجوز أن يكون أفعل لمجرد الوصف بالخيرية كقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: 24] اهـ سمين.\rأَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على مقدر والفاء عاطفة على ذلك المقدر، وتقديره على قراءة التاء أتغفلون فلا تعقلون، أو ألا تتفكرون فلا تعقلون، وعلى قراءة الياء أيغفلون أو ألا يتفكرون فلا يعقلون اهـ أبو السعود.","part":2,"page":339},{"id":879,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 340\rلك من التكذيب فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ في السر لعلمهم أنك صادق وفي قراءة بالتخفيف أي لا ينسبونك إلى الكذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ وضعه موضع المضمر بِآياتِ اللَّهِ القرآن يَجْحَدُونَ (33) يكذبون\rوَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا قوله: (بالتاء) أي ويكون فيه التفات. قوله: (ذلك) أي أن الدار الآخرة خير من الحياة الدنيا اهـ.\rقوله: (قد نعلم إنه ليحزنك) استئناف مسوق لتسلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحزن الذي يعتريه مما حكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه ببيان أنه عليه السّلام بمكانة من اللّه تعالى، وأن ما يفعلون في حقه فهو راجع إليه تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة أشد انتقام، وكلمة قد لتأكيد العلم بما ذكر المفيد لتأكيد الوعيد، كما في قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: 64] وقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ [الأحزاب: 18] ونحوهما بإخراجها إلى معنى التكثير، والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة متعلقاته، ونعلم متعد إلى اثنين وما بعده ساد مسدهما، فإنه معلق عن العمل بلام الابتداء، وكسرت إن لدخول اللام في حيزها. واسم إن ضمير الشأن وخبرها الجملة المفسرة له، والموصول فاعل يحزنك وعائده محذوف أي الذي يقولونه، وهو ما حكي عنهم من قولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: 83] ونحو ذلك. وقرئ ليحزنك من أحزن المنقول من حزن اللازم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ الفاء للتعليل. فإن قوله: قَدْ نَعْلَمُ الخ بمعنى لا يحزنك كما يقال في مقام المنع، والزجر نعلم ما تفعل ووجه التعليل بأن التكذيب في الحقيقة لي وأنا الحليم الصبور، فتخلق بأخلاقي، ويحتمل أن يكون المعنى إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لي فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهم اهـ شهاب.\rوفي السمين: وقال الزمخشري: المعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى اللّه لأن رسوله المصدق فهم لا يكذبونك في الحقيقة إنما يكذبون اللّه بجحود آياته فانته عن حزنك كقول السيد لغلامه وقد أهانه بعض الناس ولم يهينوك وإنما أهانوني، وعلى هذه الطريقة إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه اهـ.\rقوله: (في السر) دفع بهذا التناقض بين نفي التكذيب هنا وبين إثباته في قوله: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ إذ معناه يكذبون على ما قاله، وحاصل الدفع أن المنفي التكذيب في السر والمثبت التكذيب في العلانية. وقد صرح الخازن بالأمرين. وبعضهم دفع التناقض بأن المنفي تكذيبه هو والمثبت تكذيب ما جاء به. وعن علي رضي اللّه عنه أن أبا جهل قال للنبي: إنا لا نكذبك ولكن نكذب الذي جئت به اهـ من الخازن.\rقوله: (أي لا ينسبونك إلى الكذب) أشار بهذا إلى أن الهمزة على هذه القراءة التي هي من أكذبه للنسبة. وعبارة الكرخي: الهمزة للمصادفة أي لا يلقونك كاذبا أي لا يصادفونك، أو للنسبة أي لا ينسبوك إلى الكذب اعتقادا أو للتعدية، أي لا يقولون لك أنت كاذب بل رويت الكذب اهـ.\rقوله: يَجْحَدُونَ أي في العلانية، والتعبير عن التكذيب بالجحود للإيذان بأن آياته تعالى","part":2,"page":340},{"id":880,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 341\rحَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا بإهلاك قومهم فاصبر حتى يأتيك النصر باهلاك قومك وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ مواعيده وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) ما يسكن به قلبك\rوَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم عَلَيْكَ واضحة بحيث يشاهد صدقها كل أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها بطريق الجحود الذي هو الإنكار مع العلم اهـ أبو السعود.\rوالجحد والجحود نفي ما في القلب ثباته أو إثبات ما في القلب نفيه اهـ كرخي.\rوقيل: الجحد إنكار المعرفة فليس مرادفا للنفي من كل وجه اهـ سمين.\rقوله: (فيه تسلية للنبي) وذلك لأن عموم البلوى مما يهون أمرها بعض تهوين وتصدير الكلمة بالقسم لتأكيد التسلية اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلى ما كُذِّبُوا ما مصدرية أي على تكذيبهم وإيذائهم، والمراد بإيذائهم إما عين تكذيبهم وإما ما يقارنه من فنون الإيذاء اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأُوذُوا يجوز فيه أربعة أوجه، أظهرها: أنه عطف على قوله كذبت، أي كذبت الرسل، وأوذوا فصبروا على كل ذلك. والثاني: أنه معطوف على فصبروا أي فصبروا وأوذوا.\rوالثالث: وهو بعيد أن يكون معطوفا على كذبوا فيكون داخلا في صلة الحرف المصدري، والتقدير فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم. والرابع: أن يكون مستأنفا. قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون الوقف تم على قوله كذبوا، ثم استأنف فقال: وأوذوا. وقرأ الجمهور وأوذوا بواو بعد الهمزة من آذى يؤذي رباعيا. وقرأ ابن عامر في رواية شاذة وأذوا من غير واو بعد الهمزة، وهو من أذيت الرجل ثلاثيا لا من آذيت رباعيا اهـ سمين.\rقوله: حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا الظاهر أن هذه الغاية متعلقة بقوله فصبروا أي كان غاية صبرهم نصر اللّه إياهم، وإن جعلنا وأوذوا عطفا عليه كانت غاية لهما وهو واضح جدا، وإن جعلناه مستأنفا كانت غاية له فقط، وإن جعلناه معطوفا على كذبت كانت الغاية للثلاثة والنصر مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف أي نصرنا إياهم وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى التكلم إذ قبله بآيات اللّه، فلو جاء على ذلك لقيل نصره وفائدة الالتفات إسناد النصر إلى ضمير المتكلم المشعر بالعظمة اهـ سمين.\rقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ المراد بكلمات اللّه تعالى ما ينبئ عنه بقوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [الصافات: 173] وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21] من المواعيد السابقة للرسل عليهم السّلام الدالة على نصرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا لا نفس الآيات المذكورة ونظائرها، فإن الإخبار بعدم تبدلها إنما يفيد عدم تبدل المواعيد الوارده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة دون المواعيد السابقة للرسل عليهم السّلام، ويجوز أن يراد بكلماته تعالى جميع كلماته التي من جملتها تلك المواعيد الكريمة، ويدخل فيها المواعيد الواردة في حقه عليه السّلام دخولا أوليا، والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم، إن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه أحد في فعل من الأفعال، ولا يقع منه تعالى خلف في قول من الأقوال اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ جملة قسمية جيء بها لتحقيق ما منحوا من النصر، وتأكيد","part":2,"page":341},{"id":881,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 342\rإِعْراضُهُمْ عن الإسلام لحرصك عليهم فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً ما في ضمنه من الوعد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو لتقرير جميع ما ذكر من تكذيب الأمم وما ترتب عليه من الأمور، والجار والمجرور في محل رفع على أنه فاعل، إما باعتبار مضمونه أي بعض نبأ المرسلين، أو بتقدير الموصوف أي بعض من نبأ المرسلين كما مر في تفسير قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: 8] الآية. وأيا ما كان، فالمراد ينبئهم عليه السّلام على الأول نصره تعالى إياهم بعد التي واللتيا، وعلى الثاني جميع ما جرى بينهم وبين أممهم على ما ينبئ عنه قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [البقرة: 214] الآية. وقيل في محل النصب على الحالية من المستكن في جاء العائد إلى ما يفهم من الجملة السابقة، أي ولقد جاءك هذا الخبر كائنا من نبأ المرسلين اهـ أبو السعود.\rفقول الجلال ما يسكن به قلبك حل معنى لا حل إعراب اهـ.\rقوله: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ كلام مستأنف مسوق لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد من التسلية ببيان أنه أمر لا محيد عنه أصلا، وإعراضهم مرتفع بكبر، والجملة في محل نصب على أنها خبر لكان مفسرة لاسمها الذي هو ضمير الشأن ولا حاجة إلى تقدير قد، وقيل: اسم كان إعراضهم وكبر جملة فعلية في محل النصب على أنها خبر لكان مقدم على اسمها لأنه فعل رافع لضمير مستتر كما هو المشهور اهـ أبو السعود.\rوالإتيان بلفظ كان مع استقامة المعنى بدونها ليبقى الشرط على مضيه ولا تقلبه أن للاستقبال، لأن كان لقوة دلالتها على المضي لا تقلبها كلمة إن إلى الاستقبال، بخلاف سائر الأفعال اهـ كرخي.\rوسبب نزول هذه الآية أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نفر من قريش فقالوا: يا محمد ائتنا بآية من عند اللّه كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدقك؟ فأبى اللّه أن يأتيهم بآية ما اقترحوا فأعرضوا عنه فشق ذلك عليه لما أنه كان شديد الحرص على إيمان قومه، فكان إذا سألوه آية يود أن ينزلها اللّه طمعا في إيمانهم فنزلت هذه الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ الخ شرطية أخرى محذوفة الجواب وقعت جوابا للشرط الأول، والمعنى: إن شق عليك إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من البينات وعم عدّهم لها من الآيات، وأحببت أن تجيبهم إلى ما سألوه اقتراحا فإن استطعت الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ تَبْتَغِيَ أي تطلب هذا معناه الأصلي، والمراد هنا تتخذ والتعبير بالابتغاء للإيذان بأن ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطاع ابتغاؤه، فكيف باتخاذه وفيه من الدلالة على المبالغة في حرصه على إسلام قومه وتراميه إلى حيث لو قدر أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاء لإيمانهم ما لا يخفى اهـ أبو السعود.\rقوله: (سربا) أي تنفذ فيه إلى جوف الأرض اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: والنفق السرب النافذ في الأرض وأصله في حجرة اليربوع ومنه النافقاء والقاصعاء وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض سربا ويجعل له بابين، وقيل: ثلاثة النافقاء والقاصعاء والرامياء، ثم","part":2,"page":342},{"id":882,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 343\rمصعدا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ مما اقترحوا فافعل المعنى أنك لا تستطيع ذلك فاصبر حتى يحكم اللّه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدايتهم لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) بذلك\rإِنَّما يَسْتَجِيبُ دعاءك إلى الإيمان الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سماع تفهم واعتبار يدفق بالحفر ما يقارب وجه الأرض، فإذا نابه أمر دفع تلك القشرة الدقيقة وخرج وقد تقدم لك استيفاء هذه المادة عند ذكر ينفقون والمنافقون، وقوله في الأرض ظاهره أنه متعلق بالفعل قبله ويجوز أن يكون صفة لنفقا فيتعلق بمحذوفة هي صفة المجرد التوكيد، إذ النفق لا يكون إلا في الأرض. وجوز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالا من فاعل تبتغي أي وأنت في الأرض. قال: وكذلك في السماء يعني من جواز الأوجه الثلاثة، وهذا الوجه الثالث ينبغي أن لا يجوز لخلوه عن الفائدة والسلم. قيل:\rالدرج، وقيل: السبب. تقول العرب: اتخذني سلما لحاجتك، أي سببا، وهو مشتق من السلامة.\rقالوا: لأنه يسلم به إلى المصعد، والسلم مذكر. وحكى الفراء تأنيثه اهـ.\rقوله: فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي من تحت الأرض أو فوق السماء اهـ شيخنا.\rقوله: (هدايتهم) الأولى جمعهم على الهدى لأن مفعول المشيئة بعد لو يؤخذ من جوابها، لكنه راعى مآل المعنى. وقوله: (و لكن لم يشأ ذلك) فيه استثناء نقيض المقدم واستنتاج نقيض التالي، وهذا عندهم لا ينتج لعدم لزومه واطراده، لكنهم قد يستعملونه في مادة المساواة بين المقدم والتالي كما هنا ففيها يحصل الانتاج اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ نهي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان عليه من الحرص الشديد على إسلامهم والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعا في إيمانهم مرتب على بيان عدم تعلق مشيئته تعالى بهدايتهم، والمعنى وإذا عرفت أنه تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين فلا تكونن بالحرص الشديد على إسلامهم أو الميل إلى نزول اقتراحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم، إما اختيارا فلعدم توجههم إليه، وإما اضطرارا فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختيار، ويجوز أن يراد بالجاهلين على الوجه الثاني المقترحون، ويراد بالنهي منعه عليه السّلام من المساعدة على اقتراحهم وإيرادهم بعنوان الجهل دون الكفر ونحوه لتحقيق مناط الهي الذي هو الوصف الجامع بينه عليه السّلام وبينهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني لا يشتد تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع على إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم، وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ له الخطاب تبعيدا له عن هذه الحالة اهـ.\rقوله: (ذلك) أي بأنه لو أراد إيمانهم لآمنوا، أي بأن ما أراده يكون وما لا فلا اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الخ تقرير لما مرّ من أن على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقر، وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى والاستجابة الإجابة المقرونة بالقبول اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالْمَوْتى الخ مقابل لقوله إنما يستجيب الخ، كأنه قال: والذين لا يستجيبون ولا يسمعون يبعثهم اللّه اهـ خازن.","part":2,"page":343},{"id":883,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 344\rوَالْمَوْتى أي الكفار شبههم بهم في عدم السماع يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في الآخرة ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) يردون فيجازيهم بأعمالهم\rوَقالُوا أي كفار مكة لَوْ لا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالناقة والعصا والمائدة قُلْ لهم إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ بالتشديد والتخفيف آيَةٌ مما اقترحوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) أن نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم إن جحدوها\rوَما مِنْ وفي السمين: قوله: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها جملة من مبتدأ وخبر سيقت للإخبار بقدرته، وأن من قدر على بعث الموتى يقدر على إحياء قلوب الكفرة بالإيمان، فلا تتأسف على من كفر. والثاني: أن الموتى منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، ورجح هذه الوجه على الرفع بالابتداء لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها فهو نظير قوله تعالى: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: 31] بعد قوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى: 8].\rوالثالث: إنه مرفوع نسقا على الموصول قبله، والمراد بالموتى الكفار أي إنما يستجيب المؤمنون السامعون من أول وهلة، والكافرون الذين يحييهم اللّه تعالى بالإيمان ويوفقهم له، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله: يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في محل نصب على الحال، إلا أن هذا القول يبعده قوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ إلا أن يكون من ترشيح المجاز، وتقدمت له نظائر وقرئ يرجعون من رجع اللازم اهـ.\rقوله: (في عدم السماع) أي النافع: قوله: يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي يحييهم. وقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ إشارة للحشر. قوله: (فيجازيهم بأعمالهم) جواب عن سؤال وهو: ما فائدة قوله ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ مع أنه مفهوم في قوله: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ لأنهم إذا بعثوا من قبورهم فقد رجعوا إلى اللّه بالحياة بعد الموت، وحاصل الجواب: أنه ليس مفهوما منه لأن المراد به وقوفهم بين يديه للحساب والجزاء وهو غير البعث الذي هو الإحياء بعد الموت اهـ كرخي.\rقوله: وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ الخ حكاية لبعض آخر من جناياتهم وأباطيلهم بعد حكاية ما قالوا في حق القرآن، وقد بلغت بهم الضلالة والطغيان إلى حيث لم يقنعوا بما شاهدوا من الآيات حتى تجرؤوا على ادعاء أنها ليست من قبيل الآيات، وإنما هي ما اقترحوه من الخوارق المعقبة للعذاب كما قالوا:\rاللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: 32] الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: (كالناقة والعصا والمائدة) وفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وإحياء الموتى يشير إلى أنهم طلبوا معجزة ظاهرة من جنس معجزات سائر الأنبياء وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الآيات لتركهم الأعتداد بما أنزل عليه كأنه لم ينزل عليه شيء من الآيات عنادا منهم اهـ كرخي.\rقوله: (بلاء عليهم) أي لعدم نفعهم. وقوله: (لوجوب هلاكهم الخ) أي كما هو سنة اللّه. والمراد الوجوب العادي أي المستمر بطريق جري العادة اهـ كرخي.\rقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ الخ كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره،","part":2,"page":344},{"id":884,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 345\rزائدة دَابَّةٍ تمشي فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ في الهواء بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها ما فَرَّطْنا تركنا فِي الْكِتابِ اللوح المحفوظ مِنْ زائدة شَيْءٍ فلم نكتبه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) فيقضي بينهم ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول لهم كونوا ترابا ليكون كالدليل على أنه قادر على تنزيل الآية، وإنما لم ينزلها محافظة على الحكم البالغة اهـ أبو السعود.\rقوله: (تمشي) فِي الْأَرْضِ قدر المتعلق خاصا لوجود الدليل عليه وهو التصريح بمتعلق بجناحيه وهو يطير، فكان قرينة على تقدير المشي هنا اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا أُمَمٌ أي طوائف متخالفة والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل وما من دواب ولا طيور إلا أمم أمثالكم أي كل أمة منها مثلكم اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي قوله: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي كل نوع منها على طريقة قد سخره اللّه عليها بالطبع فهي ما بين ناسجة كالعنكبوت ومدخرة كالنمل وغير ذلك اهـ.\rقال العلماء: جميع ما خلق اللّه عز وجل لا يخرج عن هاتين الحالتين إما إن يدب على الأرض أو يطير في الهواء، حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير تسبح في الهواء وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقا له لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد، وإنما ذكر الجناح في قوله: بِجَناحَيْهِ للتأكيد كقوله: كتبت بيدي ونظرت بعيني اهـ خازن.\rقوله: (في تدبير خلقها) أي وفي أنها تعرف ربها وتوحده وتسبحه وتصلي له كما أنتم تعرفونه وتوحدونه وتسبحونه وتصلون له، وفي أنها يفهم بعضها عن بعض ويألف بعضها بعضها، كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضا ويفهم بعضهم عن بعض، وفي أن الذكر منها يعرف الأنثى وفي أنها تبعث بعد الموت للحساب اهـ من الخازن.\rقوله: ما فَرَّطْنا يقال: فرط الشيء أي ضيعه وتركه وفرط في الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه، والجملة اعتراض مقررة لمضمون ما قبلها اهـ أبو السعود.\rقوله: (اللوح المحفوظ) أي من الشيطان ومن تغيير شيء منه وطوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وهو من درة بيضاء في الهواء فوق السماء السابعة، قاله ابن عباس اهـ من الجلال في سورة البروج.\rوفي السمين: واختلفوا في الكتاب ما المراد به، فقيل: اللوح المحفوظ. وعلى هذا فالعموم ظاهر لأن اللّه أثبت ما كان وما يكون فيه. وقيل: القرآن، وعلى هذا فهل العموم باق؟ منهم من قال نعم، وأن جميع الأشياء مثبت في القرآن إما بالصريح وإما بإيماء. ومنهم من قال: إنه يراد به الخصوص، والمعنى من شيء يحتاج إليه المكلفون اهـ.\rقوله: إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ بيان لأحوال الأمم في الآخرة بعد بيان أحوالها في الدنيا وإيراد","part":2,"page":345},{"id":886,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 346\rوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن صُمٌ عن سماعها سماع قبول وَبُكْمٌ عن النطق بالحق فِي الظُّلُماتِ الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ إضلاله يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ هدايته يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (39) دين الإسلام\rقُلْ يا محمد لأهل مكة أَرَأَيْتَكُمْ أخبروني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ ضميرها بصيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم في وجوه المماثلة السابقة اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيقضي بينهم الخ) يشير به إلى أنه عائد على الأمم كلها من الطير الدواب، ولما كانت ممتثلة ما أراد اللّه منها أجريت مجرى العقلاء اهـ كرخي.\rقوله: (للجماء) أي فاقدة القرون اهـ مختار.\rوفي المصباح: وجمت الشاة جما من باب تعب إذا لم يكن لها قرن، فالذكر أجم والأنثى جماء والجمع جم، مثل: أحمر وحمراء وحمر اهـ.\rقوله: (ثم يقول لهم) أي الأمم. قوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا متعلق بقوله ما فرطنا في الكتاب من شيء، والموصول عبارة عن المعهودين في قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الأنعام: 25 ومحمد: 16] الآيات. ومحلة الرفع على الابتداء خبره ما بعده اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي الظُّلُماتِ خبر ثالث، وهو عبارة عن العمي كما في قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: 18 و171] والمراد به بيان كمال عراقتهم في الجهل بسوء الحال، فإن الأصم الأبكم إذا كان بصيرا ربما يفهم شيئا بإشارة غيره، وإن لم يفهمه بعبارته، وكذا ربما يفهم ما في ضميره بإشارته وإن كان عاجزا عن العبارة، وأما إذا كان مع ذلك أعمى أو كان في الظلمات فينسد عليه باب الفهم والتفهيم بالكلية اهـ أبو السعود.\rوقيل: إنه حال من الضمير المستكن في الخبر اهـ سمين.\rوفسر الشارح الظلمات بالكفر، وفيه تسمح من حيث تفسير الجمع بالمفرد، وعبارة غيره أي ظلمات الكفر أو ظلمات الجهل والعناد والتقليد اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: في الظلمات يعني في ظلمات الكفر حائرين مترددين فيها لا يهتدون سبيلا اهـ.\rقوله: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ الخ تحقيق للحق وتقرير لما سبق من حالهم ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلا، وهو مبتدأ خبره ما بعده ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمر من وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة في تعلقها به اهـ أبو السعود.\rقوله: (أخبروني) استعمل أرأيت في الإخبار مجاز، أي أخبروني عن حالتكم العجيبة، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه أو الإبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكها في الطلب، ففيه مجازان استعمال رأى التي بمعنى علم أو أبصر في الأخبار، واستعمل الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار اهـ شهاب.\rقال أبو حيان في النهر: ومذهب البصريين إن التاء هي الفاعل وما لحقها حرف خطاب يدل على","part":2,"page":346},{"id":887,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 347\rاللَّهِ في الدنيا أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ القيامة المشتملة عليه بغتة أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لا إِنْ كُنْتُمْ اختلاف المخاطب. ومذهب الكسائي: أن الفاعل هو التاء، وأن أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول. ومذهب الفراء: أن التاء هي حرف خطاب كهي في أنت، وأن أداة الخطاب بعده هي في موضع الفاعل استعيرت فيه ضمائر النصب للرفع، ولا يلزم من كون أرأيت بمعنى أخبرني أن يتعدى تعديته، لأن أخبروني يتعدى بعن، نقول: أخبرني عن زيد، وأ رأيت يتعدى لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني، كقولك: أرأيتك زيدا ما صنع، فما بمعنى أي شيء مبتدأ، وصنع في موضع الخبر، والمفعولان في هذه الآية الأول منهما محذوف تقديره أرأيتكم إياه أي العذاب، لأن المسألة من باب تنازع عاملين: رأى وأتى في معمول واحد هو عذاب اللّه أو الساعة، فرأى يطلبه مفعولا أولا وأتى يطلبه فاعلا فأعمل الثاني وأضمر في الأول ضمير منصوب كما هو مذهب البصريين، والمفعول الثاني لأرأيتكم هو جملة الاستفهام وهي قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ والرابط لهذه الجملة الاستفهامية بالمفعول المحذوف في أرأيتكم مقدرة تقديره أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لكشفه. ويرد على مذهب الكسائي أمران، أحدهما: أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، كقولك: أرأيتك زيدا ما فعل؟ فلو جعلت الكاف مفعولا لكانت المفاعيل ثلاثة. وثانيهما: أنه لو كان مفعولا لكان هو الفاعل في المعنى، لأن كلا من الكاف والتاء واقع على المخاطب، وليس المعنى على ذلك، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك، ولذلك قلت: أرأيتك زيدا، وزيد ليس هو المخاطب ولا هو بدل منه.\rوقال الفراء كلاما حسنا رأيت أن أذكره فإنه متين نافع. قال: للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان، أحدهما رؤية العين، فإذا أردت هذا عديت الرؤية بالضمير إلى المخاطب وتتصرف تصرف سائر الأفعال. تقول للرجل: أرأيتك على غير هذه الحال تريد: هل رأيت نفسك ثم تثني وتجمع، فتقول:\rأرأيتما كما أرأيتموكم أرأيتكن، والمعنى الآخر تقول: أرأيتك وأنت تريد معنى أخبرني كقولك: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل أي أخبرني، وتترك التاء إذا أردت هذا المعنى موحدة على كل حال، تقول:\rأرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن، وإنما تركت العرب التاء واحدة لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه، فاكتفوا من علامة المخاطب بذكرها في الكاف وتركوا التاء في التذكير والتوحيد مفردة، إذ لم يكن الفعل واقعا اهـ.\rواعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب في نحو أرأيتك زيدا ما صنع، فالجمهور على أن زيدا مفعول أول والجملة بعده في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني.\rوقال ابن كيسان: إن الجملة الاستفهامية في أرأيتك زيدا ما صنع بدل من أرأيتك. وقال الأخفش: إنه لا بد من أرأيت التي بمعنى أخبرني من الاسم المستخبر عنه، ويلزم الجملة التي بعده الاستفهام، لأن أخبرني موافق لمعنى الاستفهام. إذ تقرر هذا فلنرجع إلى الآية الكريمة فنقول وباللّه التوفيق: اختلف الناس في هذه الآية على ثلاثة أقوال، أحدها: أن المفعول الأول والجملة الاستفهامية التي سدت مسد الثاني محذوفان لفهم المعنى، والتقدير أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم أو اتخاذكم غير اللّه إلها هل يكشف ضركم ونحو ذلك فعبادتكم أو اتخاذكم مفعول أول والجملة الاستفهامية سادة مسد الثاني والتاء هي الفاعل والكاف حرف خطاب. والثاني: أن الشرط وجوابه وسيأتي بيانه قد سدا مسد","part":2,"page":347},{"id":888,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 348\rصادِقِينَ (40) في أن الأصنام تنفعكم فادعوها\rبَلْ إِيَّاهُ لا غيره تَدْعُونَ في الشدائد المفعولين لأنهما قد حصلا المعنى المقصود، فلم يحتج هذا الفعل إلى مفعول وليس بشيء لأن الشرط وجوابه لم يعهد فيهما أن يسدا مسد مفعولي ظن وكون الفعل غير محتاج لمفعول إخراج له عن وضعه، فإن عنى بقوله: سدا مسدهما أنهما دالان عليهما فهو المدعي. والثالث: أن المفعول الأول محذوف والمسألة من باب التنازع بين: أرأيتكم وأتاكم، والمتنازع فيه هو لفظ العذاب وهذا اختيار الشيخ، ولنورد كلامه ليظهر فإنه كلام حسن قال: فنقول الذي نختاره أنها باقية على حكمها من التعدي إلى اثنين، فالأول منصوب والثاني لم نجده بالاستقراء إلا جملة فاستفهامية أو قسمية، فإذا تقرر هذا فنقول المفعول الأول في هذه الآية محذوف والمسألة من باب التنازع تنازع أرأيتكم وفعل الشرط في عذاب اللّه فاعمل الثاني وهو أتاكم فارتفع عذاب به، ولو أعمل الأول لكان التركيب عذاب اللّه بالنصب ونظير ذلك اضرب إن جاءك زيد على إعمال جاءك، ولو نصب لجاز وكان من إعمال الأول. وأما المفعول الثاني فهو الجملة الاستفهامية وهي أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول المحذوف محذوف تقديره أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لكشفه. والمعنى: قل أرأيتكم عذاب اللّه إن أتاكم أو الساعة إن أتتكم أغير اللّه تدعون لكشفه أو لكشف نوازلها انتهى. سمين.\rقوله: إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في جواب الشرط خمسة أوجه، أحدها: أنه محذوف قدره الزمخشري بقوله: إن أتاكم عذاب اللّه من تدعون. قال الشيخ: وإصلاحه أن يكون فمن تدعون بالفا، لأن جواب الشرط إذا وقع جملة استفهامية فلا بد فيه من الفاء. والثاني: أنه أرأيتكم. قاله الحوفي وهو فاسد لوجهين، أحدهما: أن جواب الشرط لا يتقدم عند جمهور البصريين، وإنما جوزه الكوفيون وأبو زيد والمبرد. والثاني: أن الجملة المصدرية بالهمزة لا تقع جوابا للشرط البتة، وإنما يقع من الاستفهام ما كان بهل أو اسم من أسماء الاستفهام. الثالث: أنه أغير اللّه وهو ظاهر عبارة الزمخشري. قال الشيخ: ولا يجوز أن يتعلق الشرط بقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ لأنه لو تعلق به لكان جوابا له، لكنه لا يقع جوابا لأن جواب الشرط إذا كان استفهاما بالحرف لا يقع إلا بهل. الرابع: أن جواب الشرط محذوف تقديره إن أتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة دعوتم اللّه ودل عليه قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ. الخامس: أنه محذوف أيضا ولكنه مقدر من جنس ما تقدم في المعنى تقديره إن إتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة فاخبروني عنه أتدعون غير اللّه لكشفه، كما تقول: أخبرني عن زيد إن جاءك ما تصنع به، أي إن جاءك فاخبرني عنه فحذف الجواب لدلالة أخبرني عليه. ونظيره: أنت ظالم إن فعلت، أي فأنت ظالم فحذف فأنت ظالم لدلالة ما تقدم عليه، وهذا اختاره الشيخ قال: وهو جار على قواعد العربية وادعى أنه لم يره لغيره اهـ سمين.\rقوله: (بغتة) راجع لقوله إن أتاكم أو أتتكم. قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ تقديره أإلها غير اللّه تدعون وهو استفهام وتوبيخ وتقريع. وقوله: تَدْعُونَ أي لكشف ما حل بكم اهـ. من أبي حيان.\rقوله: (فادعوها) الأولى فادعوه أي الغير لكنه راعى المعنى. قوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ إضراب انتقالي عن النفي الذي علم من الاستفهام، قوله: ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي الذي تدعونه إليه أي إلى كشفه، وأشار إلى هذا المضاف المحذوف بقوله يكشفه الواقع بدلا من الهاء في إليه، أي يكشف ما\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 349\r\rله: (فادعوها) الأولى فادعوه أي الغير لكنه راعى المعنى. قوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ إضراب انتقالي عن النفي الذي علم من الاستفهام، قوله: ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي الذي تدعونه إليه أي إلى كشفه، وأشار إلى هذا المضاف المحذوف بقوله يكشفه الواقع بدلا من الهاء في إليه، أي يكشف ما","part":2,"page":348},{"id":889,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 349\rفَيَكْشِفُ اللّه ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أن يكشفه عنكم من الضر ونحوه إِنْ شاءَ كشفه وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ (41) معه من الأصنام فلا تدعونه\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ زائدة قَبْلِكَ رسلا فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ شدة الفقر وَالضَّرَّاءِ المرض لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) يتذللون فيؤمنون\rفَلَوْ لا فهلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا أي لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضي له تدعون إلى كشفه وإليه متعلق بتدعون والضمير حينئذ يعود على ما الموصولة أي الذي تدعون إلى كشفه اهـ من السمين.\rقوله: (من الضر) كالمرض. وقوله: (و نحوه) كالفقر اهـ.\rقوله: إِنْ شاءَ جوابه محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه أي إن شاء أن يكشف كشف، وادعاء تقديم جواب الشرط هنا واضح لاقترانه بالفاء، فهو أحسن من قولهم: أنت ظالم إن فعلت، لكن يمنع من كونه جوابا هنا أنها سببية مرتبة أي أنها أفادت ترتب الكشف على الدعاء، وأن الدعاء سبب فيه على أن لنا خلافا في فاء الجزاء هل تفيد السببية أو لا اهـ سمين.\rقوله: وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ الظاهر في ما أن تكون موصولة اسمية والمراد بها ما عبد من دون اللّه مطلقا، العقلاء وغيرهم إلا أنه غلب غير العقلاء عليهم كقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [النحل: 49] والعائد محذوف أي ما تشركونه مع اللّه في العبادة اهـ سمين.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا تسلية أخرى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي لا تضجر من حالهم فإن هذه عادة الأمم قبلهم مع أنبيائهم اهـ شيخنا.\rقوله: (فكذبوهم) قدره ليصح ترتب قوله فأخذناهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَخَذْناهُمْ أي عاقبناهم بالبأساء والضراء. وفي المصباح: أخذه اللّه أهلكه، وأخذه بذنبه عاقبه عليه وآخذه بالمد كذلك اهـ.\rقوله: بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ صيغتنا تأنيث لا مذكر لهما على ما أفعل كأحمر وحمراء كما هو القياس، فإنه لم يقل أضرر ولا أبأس صفة بل للتفصيل اهـ شهاب.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ هذا الترجي بحسب عقول البشر اهـ شيخنا.\rقوله: فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا إذ منصوب بتضرعوا، فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه وهو جائز حتى في المفعول به، تقول: لو لا زيدا ضربت. وتقدم أن حرف التخضيض مع الماضي يكن معناه التوبيخ والتضرع تفعل من الضراعة وهي الذلة والهيئة المنبئة عن الانقياد إلى الطاعة. يقال: ضرع يضرع ضراعة، فهو ضارع وضرع وللسهولة والتذلل المفهومة من هذه المادة اشتقوا منها للثدي اسما فقالوا له: ضرع اهـ سمين.\rقوله: (أي لم يفعلوا) أي التضرع مع قيام المقتضي له وهو البأساء والضراء، وأشار المفسر بذلك إلى التخصيص بمعنى النفي اهـ شيخنا.","part":2,"page":349},{"id":890,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 350\rوَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم تلن للإيمان وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) من المعاصي فأصروا عليها\rفَلَمَّا نَسُوا تركوا ما ذُكِّرُوا وعظوا وخوفوا بِهِ من البأساء والضراء فلم يتعظوا فَتَحْنا بالتخفيف والتشديد عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم استدراجا لهم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا فرح بطر أَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) آيسون من كل وفي الكرخي: ومعناه نفي التضرع كما أشار إليه الشيخ المصنف، ولكنه جاء بلو لا ليفيد أنهم لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، وذلك أن لو لا إذا دخلت على الماضي أفادت اللوم والتنديم والتوبيخ، كأنه قيل: لم يتضرعوا وليتهم تضرعوا وكانوا متمكنين منه غير ممنوعين، ولو نفي التضرع صريحا، لم يدل على عدم المانع من التضرع، ومن ثم قال التفتازاني: وذلك إنما لم يكن له في ترك الفعل عذر مانع عنه اهـ.\rقوله: وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ استدراك وقع بين الضدين، أي فلم يتضرعوا إليه تعالى برقة القلب والخضوع ولكن ظهر منهم نقيضه حيث قست قلوبهم، أي استمرت على ما هي عليه من القساوة أو ازدادت قساوة اهـ أبو السعود. فهذا من أحسن مواقع الاستدراك اهـ شيخنان.\rقوله: (فلم تلن للإيمان) أشار به إلى أن المراد بالقساوة الكفر، فالتضرع سببه الإيمان والقسوة سببها الكفر، ألا ترى أنك تقول آمن فتضرع، وقسا قلبه فكفر وهو مبني على أن التحضيض للطلب، ولكن قضية كلام الكشاف أنه في معنى النفي كما مرت الإشارة إليه اهـ كرخي.\rقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ هذه الجملة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون استئنافية أخبر تعالى عنهم بذلك. والثاني: وهو الظاهر أنها داخلة في حيز الاستدراك فهي نسق على قوله: قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وهذا رأي الزمخشري فإنه قال: لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم، وقد تقدم ذلك. وما في قوله ما كانوا يحتمل أن تكون موصولة اسمية أي الذي كانوا يعملونه، وأن تكون مصدرية أي زين لهم عملهم كقوله: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] وببعد جعلها نكرة موصوفة اهـ سمين.\rقوله: (فأصروا عليها) أي ولم يخطروا ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما هو إلا لأجلها اهـ أبو السعود.\rقوله: (فلم يتعظوا) تفسير لتركوا. قوله: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ الخ وإنما أخذوا في حالة الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم اهـ خازن.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) بعيتان. قوله: حَتَّى إِذا فَرِحُوا الخ حتى هنا ابتدائية أي تبتدأ بعدها الجمل أي يبتدىء بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية وهي مع ذلك غاية لقوله: فتحنا، أو لما يدل هو عليه كأنه قيل: وفعلوا ما فعلوا حتى إذا اطمأنوا بما فتح لهم وبطروا أخذناهم الخ أبو السعود.\rقوله: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ إذا هي الفجائية وفيها ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه أنها ظرف مكان،","part":2,"page":350},{"id":891,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 351\rخير\rفَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي آخرهم بأن استؤصلوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) على نصر الرسل وإهلاك الكافرين\rقُلْ لأهل مكة أَرَأَيْتُمْ اخبروني إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ أصمكم وَأَبْصارَكُمْ أعمالكم وَخَتَمَ طبع عَلى قُلُوبِكُمْ فلا تعرفون شيئا مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ بما ومذهب جماعة منهم الرؤاسي أنها ظرف زمان، ومذهب الكوفيين أنها حرف. فعلى تقدير كونها ظرف مكان أو ظرف زمان الناصب لها خبر المبتدأ أي أبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها، والإبلاس والإطلاق. وقيل: الحزن الحاصل من شدة اليأس، ومنه اشتق إبليس وقد تقدم في موضعه وأنه هل هو أعجمي أم لا اهـ سمين.\rوفي الخازن: فإذا هم مبلسون المبلس اليأس المنقطع رجاؤه، ولذلك يقال لمن سكت عند انقطاع حجته وجوابه: قد أبلس اهـ.\rوفي المختار: أبلس من رحمة اللّه أي يئس. والإبلاس أيضا الانكسار والحزن. يقال: أبلس فلان إذا سكت غما اهـ.\rقوله: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الجمهور على أن قطع مبنيا للمفعول دابر مرفوع به. وقرأ عكرمة:\rقطع مبنيا للفاعل وهو أن اللّه تعالى دابر مفعول به، وفيه التفات إذ هو خروج من تكلم في قوله:\rأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً إلى غيبة والدابر التابع من خلف يقال دبر الولد والده ودير فلان القوم يدبرهم دبورا وديرا. وقيل: الدابر الأصل يقال: قطع اللّه دابره أي أصله، قاله الأصعمي. وقال أبو عبيد: دابر القوم آخرهم ومنه دبر السهم الهدف أي سقط خلفه اهـ سمين.\rقوله: (بأن استؤصلوا) أشار به إلى أن المراد بقطع آخرهم قطع جميعهم باللزوم العادي اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (على نصر الرسل) عبارة الخازن. قال الزجاج: حمدا للّه نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم. ومعنى هذا أن قطع دابرهم نعمة أنعم اللّه بها على الرسل الذين أرسلوا إليهم فكذبوهم، فذكر الحمد تعليما للرسل لمن آمن به ليحمدوا اللّه على كفايته إياهم شر الذين ظلموا، وليحمد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ربهم إذا أهلك المشركين المكذبين، وقيل: معناه الثناء الكامل والشكر الدائم للّه رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته بإظهار حجتهم على من خالفهم وإهلاك أعدائهم واستئصالهم بالعذاب اهـ.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ المفعول الأول محذوف تقديره أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذهما اللّه، والجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني، وقد تقدم أن الشيخ يجعله من التنازع.\rوجواب الشرط محذوف على نحو ما مر ولم يؤت هنا بكاف الخطاب وأتى به هناك لأن التهديد هناك أعظم فناسب التأكيد بالإتيان بكاف الخطاب، ولما لم يؤت بالكاف وجب ثبوت علامة الجمع في التاء لئلا يلتبس، ولو جيء معها بالكاف لاستغنى بها كما تقدم، وتوحيد السمع وجمع الأبصار مفهوم مما تقدم في البقرة اهـ سمين ..\rقوله: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ أي أي فرد من الآلهة الثابتة بزعمكم، فقول الشارح بزعمكم متعلق","part":2,"page":351},{"id":892,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 352\rأخذه منكم بزعمكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين الْآياتِ الدلالات على وحدانيتنا ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) يعرضون عنها فلا يؤمنون\rقُلْ لهم أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ليلا أو نهارا هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) الكافرون أي ما يهلك إلا هم\rوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ من آمن بالجنة وَمُنْذِرِينَ من كفر بالنار فَمَنْ آمَنَ بهم وَأَصْلَحَ عمله فَلا بهذا، فكان الأنسب تقديمه هنا بأن يقول من إله غير اللّه بزعمكم اهـ شيخنا.\rقوله: (بما أخذه منكم) أفاد أن الهاء في به تعود على الجميع ووحدها ذهابا به مذهب اسم الإشارة، والاستفهام هنا للإنكار اهـ كرخي.\rقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ تعجيب لرسول اللّه من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة، أي انظر كيف نكررها ونقررها مصروفة من أسلوب إلى أسلوب، وقوله: ثم هم يصدقون عطف على تصرف داخل في حكمه وهو العمد في التعجيب اهـ أبو السعود. أي هو محط التعجب.\rوفي السمين: وكيف معمولة لنصرف ونصبها إما على التشبيه بالحال أو التشبيه بالظرف، وهي معلقة لانظر فهي في محل نصب بإسقاط حرف الجر، وهذا كله ظاهر مما تقدم ويصدفون معناه يعرضون، يقال: صدف عن الشيء صدفا وصدوفا أي أعرض اهـ.\rوفي المختار: صدف عنه أعرض وبابه ضرب وجلس وأصدفه عن كذا أماله عنه اهـ.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ تنازع أرأيت وأتاكم في عذاب اللّه، فأعملنا الثاني وأضمرنا في الأول على قياس ما سبق، والمفعول الثاني جملة الاستفهام اهـ شيخنا.\rقوله: (ليلا أو نهارا) هذا تفسير ابن عباس قاله الحسن. وما جرى عليه القاضي من أن المراد بالبغتة العذاب الذي يأتيهم فجأة من غير سبق علامة، والمراد بالجهر العذاب الذي يأتيهم مع سبق علامة تدل عليه هو الأولى لأنه لو جاءهم نهارا وهم لا يشعرون بقدومه لم يكن جهرة اهـ كرخي.\rقوله: (الكافرون) أشار به إلى أن المراد هلاك سخط وغضب، فلا يرد أن غيرهم يهلكون لكن لا سخطا وتعذيبا بل إثابة ورفع درجة اهـ كرخي.\rوالاستفهام بمعنى نفي ولذلك دخلته إلا وهو استثناء مفرغ كما أشار له المفسر اهـ.\rقوله: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ الخ كلام مستأنف مسوق لبيان وظائف منصب الرسالة على الإطلاق، وتحقيق لما في عهدة الرسل، وإظهار أن ما يقترحه الكفرة عليهم ليس مما يتعلق بالرسالة أصلا اهـ أبو السعود.\rوفي السمين قوله: إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ حال من المرسلين: وفي هذه الحال معنى العملية أي لم نرسلهم لأن نقترح عليهم الآيات بل لأن يبشروا وينذروا اهـ.\rوفي السمين: قوله: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ يجوز في من أن تكون شرطية وأن تكون موصولة، وعلى كلا التقديرين فمحلها رفع بالابتداء والخبر فلا خوف، فإن كانت شرطية فالفاء في جواب","part":2,"page":352},{"id":893,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 353\rخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) في الآخرة\rوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) الشرط، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون محل الجملتين الجزم وعلى الثاني لا محل للأولى، ومحل الثانية الرفع وحمل على اللفظ فأفرد في آمن وأصلح وعلى المعنى فجمع في فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ويقوي كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا اهـ سمين.\rقوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي بلحوق العذاب. قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي بفوات الثواب.\rقوله: فِي الْآخِرَةِ* راجع للشقين اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مقابل قوله: فمن آمن، وكأنه قال: ومن لم يؤمن اهـ.\rقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم اهـ سمين.\rقوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ الخ استئناف مسوق لإظهار تبريه عما يقترحونه عليه، أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارة تنزيل الآيات وأخرى غير ذلك أي لا أدعى أن خزائن مقدوراته مفوضة إليّ أتصرف فيها كيف أشاء حتى تقترحوا علي نزول الآيات وإنزال العذاب وقلب الجبال ذهبا وغير ذلك مما لا يليق بشأني. قوله: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ عطف على محل عندي أي لا أدعي أيضا أني أعلم الغيب من أفعاله تعالى حتى تسألوني متى وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوها، ولا أقول لكم إني ملك حتى تكلفوني من الأمور الخارقة للعادة ما لا يطيقه البشر كالرقي في السماء أو حتى تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في أمري، والمعنى إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا، بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة اللّه تعالى والعمل بمقتضاه فحسب، حسبما ينبىء عنه قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: قل لا أقول لكم الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين لا أقول لكم عندي خزائن اللّه نزلت حين اقترحوا عليه الآيات، فأمره اللّه تعالى أن يقول لهم: إنما بعثت بشيرا ونذيرا ولا أقول لكم عندي خزائن اللّه جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي، والمعنى ليس عندي خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون، لأنهم كانوا يقولون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إن كنت رسولا من اللّه فاطلب منه أن يوسع عيشنا ويغني فقرنا، فأخبر أن ذلك بيد اللّه تعالى لا بيدي ولا أعلم الغيب يعني فأخبركم بما مضى وما سيقع في المستقبل وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بما تريدون ولا أقول لكم إني ملك، وذلك أنهم قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء فأجابهم بقوله: ولا أقول لكم إني ملك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدون فلست أقول شيئا من ذلك ولا أدعيه فتنكرون قولي وتجحدون أمري، وإنما نفى عن نفسه الشريفة هذه الأشياء تواضعا للّه تعالى واعترافا بالعبودية، وأن لا يقترحوا عليه الآيات العظام إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ يعني ما أخبركم إلا بوحي من اللّه أنزله عليّ. ومعنى الآية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعلمهم أنه لا يملك خزائن اللّه التي منها يرزق ويعطي، وأنه لا الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 23","part":2,"page":353},{"id":894,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 354\rيخرجون عن الطاعة\rقُلْ لهم لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ التي منها يرزق وَلا أني أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما غاب عني ولم يوح إلي وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من الملائكة إِنْ ما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى الكافر وَالْبَصِيرُ المؤمن لا أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) في ذلك فتؤمنون\rوَأَنْذِرْ خوف بِهِ أي بالقرآن الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ أي غيره وَلِيٌ ينصرهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم وجملة النفي حال من ضمير يحشروا وهي محل الخوف والمراد بهم المؤمنون العاصون لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) اللّه بإقلاعهم عما هم فيه وعمل يعلم الغيب فيخبر بما كان وبما سيكون وأنه ليس بملك حتى يطلع على ما لا يطلع عليه البشر إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه عز وجل فما أخبر عنه من غيب فإنما هو بوحي اللّه إليه اهـ.\rقوله: خَزائِنُ اللَّهِ أي الأمكنة التي تحفظ فيها الرزق. قوله: وَلا أَعْلَمُ معطوف على الأمكنة التي تحفظ فيها الرزق. قوله: وَلا أَعْلَمُ معطوف على عندي بإعادة النافي كما أشار له المفسر بما قدره اهـ شيخنا.\rقوله: (من الملائكة) أي من جنس الملائكة فأقدر على ترك الأكل مثلا اهـ كرخي.\rقوله: أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ الفاء عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيؤمنون) معطوف على تتفكرون المنفي أي أفلا تؤمنون فليس جوابا للنفي وإلا لنصب اهـ شيخنا.\rوالفرق بين كون ما بعد الفاء جوابا للنفي وكونه ليس جوابا أنه إذا قصد تسبب مدخول الفاء عما قبلها كان ما بعدها واقعا في جواب النفي يتسبب جواب الشرط عنه، وإن لم يقصد التسبب بل قصد نفي كل من الفعلين على حياله لم يكن جوابا للنفي، وحينئذ يجب رفعه، ولهذا قال الأشموني:\rواحترز بفاء الجواب عن الفاء التي لمجرد العطف نحو ما تأتينا، فتكرمنا بمعنى ما تأتينا فما تكرمنا، فيكون الفعلان مقصودا نفيهما. انتهى. فتلخص أن مدار النصب وعدمه دائر مع قصد المتكلم وملاحظته، فقول الشارح: فتؤمنون يصح نصبه أيضا إذا لو لوحظ تسببه على ما قبله، بل هو الأظهر من حيث المعنى كما لا يخفى، فلو نصبه الشارح لكان أولى اهـ.\rقوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ الخ بعد ما حكى لرسوله أن الكفرة لا يتعظون ولا يخافون أمره بتوجيه الإنذار إلى من يتوقع منه الاتعاظ والخوف في الجملة وهم المؤمنون العاصون اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي محل الخوف) أي المخوف به لأن معناها يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم، ولا بد من هذه الحال لأن كل محشور، فالمخوف منه إنما هو الحشر على هذه الحالة، والمعنى خوّف العاصين بالعذاب لعلهم يتقون اهـ كرخي.\rقوله: (و المراد بهم) أي الذين يخافون. قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ متعلق بأنذر. قوله: الَّذِينَ","part":2,"page":354},{"id":895,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 355\rالطاعات\rوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ بعبادتهم وَجْهَهُ تعالى لا شيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه وأراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك طمعا في إسلامهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ زائدة شَيْءٍ إن كان باطنهم غير مرضي يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي يعبدونه كما قال ابن عباس، وعنه أيضا يعني بالغداة صلاة الصبح، وبالعشي صلاة العصر، ويروى عنه أن المراد منه الصلوات الخمس وإنما ذكر هذين الوقتين تنبيها على شرفهما اهـ خازن.\rقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ حال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له فيه وتقيده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد اهـ أبو السعود.\rقوله: (لا شيئا من أعراض الدنيا) بالغين المعجمة أو بالعين المهملة اهـ قاري.\rقوله: (و هم الفقراء) كعمار وبلال وصهيب. قوله: (و كان المشركون طعنوا فيهم) أي في دينهم وطلبوا أن يطردهم الخ، أي استكبارا منهم عن مجالستهم لفقرهم ورثاثه حالهم اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: جاء الأقرع بن حابس التيمي وعتبة بن حصن الفزاري وعباس بن مرداس وهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا مع ناس من ضعفاء المؤمنين كعمار بن ياسر وصهيب وبلال، فلما رأوهم حوله حقروهم وقالوا: يا رسول اللّه لو جلست في صدر المجلس وأبعدت عنك هؤلاء ورائحة جبابهم، وكانت عليهم جبب من صوف لها رائحة كريهة لمداومة لبسها لعدم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي: «ما أنا بطارد المؤمنين» قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا. فأتى بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب فنزل جبريل بقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية، فألقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصحيفة ثم دعانا وهو يقول: «سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة» فكنا نقعد معه وإذا أراد يقوم قام وتركنا فأنزل اللّه وَاصْبِرْ نَفْسَكَ [الكهف: 28] الآية. فكان يقعد معنا بعد ذلك وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التي يريد أن يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم اهـ.\rقوله: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ هذا بمنزلة التعليل يعني لا تكلف أمرهم ولا يكلفون أمرك. وقيل: ما عليك حساب رزقهم فتطردهم عنك ولارزقهم عليك إنما هو على اللّه اهـ خازن.\rقوله: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ هذا تتميم ومجرد فائدة، وإلا فالكلام قد تم بدونه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ما هذه يجوز أن تكون الحجازية الناصبة للخبر فيكون عليك في محل النصب على أنه خبرها عند من يجوز إعمالها في الخبر المقدم، إذا كان ظرفا أو حرف جر. وأما إذا كانت تميمية أو منعنا إعمالها في الخبر المتقدم مطلقا كان عليك في محل رفع خبرا مقدما والمبتدأ هو من شيء زيدت فيه من. قوله: مِنْ حِسابِهِمْ قالوا: من تبعيضية وهي في محل نصب على الحال، وصاحب الحال هو من شيء لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفة له، وصفة","part":2,"page":355},{"id":896,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 356\rوَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) إن فعلت ذلك النكرة متى قدمت انتصبت على الحال، فعلى هذا يتعلق المحذوف والعامل في الحال الاستقرار في عليك ويجوز أن يكون من شيء في محل رفع بالفاعلية ورافعه عليك لاعتماده على النفي ومن حسابهم حال أيضا من شيء والعامل فيها الاستقرار والتقدير ما استقر عليك شيء من حسابهم. قوله: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ كالذي قبله إلا أنه هنا يمتنع بعض ما كان جائزا هناك، وذلك أن قوله من حسابك لا يجوز أن ينصب على الحال لأنه يلزم تقدمه على عالمه المعنوي وهو ممتنع أو ضعيف لا سيما وقد تقدمت هنا على العامل فيها وعلى صاحبها، وقد تقدم لك أن الحال إذا كانت ظرفا أو حرف جر كان تقديمها على العامل المعنوي أحسن منه، إذا لم يكن كذلك فحينئذ لك أن تجعل قوله من حسابك بيانا لا حالا ولا خبرا حتى تخرج من هذا المحذور، وكون من هذه تبعيضية غير ظاهر، وقدم خطابه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجملتين تشريفا له، ولو جاءت الجملة الثانية على نمط الأولى لكان التركيب: وما عليهم من حسابك من شيء فتقدم المجرور بعلى كما قدمته في الأولى، لكنه عدل عن ذلك لما تقدم، وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البديع رد العجز على الصدر كقولهم عادات السادات سادات العادات. وقال الزمخشري: بعد كلام قدمه في معنى التفسير: فإن قلت أما كفى قوله ما عليك من حسابهم من شيء حتى ضم إليه وما ممن حسابك عليهم من شيء قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة ومؤداهما، وهو المعنى بقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164 والإسراء:\r15 وفاطر: 18 والزمر: 7] ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا، كأنه قيل لا يؤاخذ كل واحد لا أنت ولا هم بحساب صاحبه اهـ.\rقوله: مِنْ حِسابِهِمْ أي أعمالهم، وقوله من زائدة أي في المبتدأ. قوله: (إن كان باطنهم غير مرضي) أي كما طعن المشركون فيهم بذلك فقالوا إنهم يريدون بعبادتهم ومجالستهم لك أمور الدنيا كالأكل والشرب اهـ شيخنا.\rقوله: فَتَطْرُدَهُمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على جواب النفي بأحد معنيين فقط، وهو انتفاء الطرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم، لأنه لا ينتفي بانتفاء المسبب بانتفاء سببه.\rولنوضح ذلك في مثال، وهو: ما تأتينا فتحدثنا بنصب فتحدثنا وهو يحتمل معنيين، أحدهما: انتفاء الإتيان وانتفاء الحديث، كأنه قيل: ما يكون منك إتيان فكيف يقع منك حديث؟ وهذا المعنى هو مقصود الآية الكريمة أي ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه، فكيف يقع طرد؟ والمعنى الثاني:\rانتفاء الحديث وثبوت الإتيان كأنه قيل: ما تأتينا محدثا بل تأتينا غير محدث، وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة والعلماء وإن أطلقوا قولهم إنه منصوب على جواب النهي، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني. والثاني: أن يكون منصوبا على جواب النهي. وأما قوله: فتكون ففي نصبه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب عطفا على فتطردهم، والمعنى: الإخبار بانتفاء حسابهم والطرد والظلم المسبب عن الطرد. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون عطفا على فتطردهم على وجه السبب لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم. والثاني: من وجهي النصب أنه منصوب على جواب النهي في قوله: ولا تطرد الذين، ولم يذكر مكي ولا الواحدي ولا أبو البقاء غيره اهـ سمين.","part":2,"page":356},{"id":897,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 357\rوَكَذلِكَ فَتَنَّا ابتلينا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدمناه بالسبق إلى الإيمان لِيَقُولُوا أي الشرفاء والأغنياء منكرين أَهؤُلاءِ الفقراء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا بالهداية أي لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) له فيهديهم بلى\rوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ لهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ قضى رَبُّكُمْ عَلى قوله: وَكَذلِكَ فَتَنَّا الكاف في محل مصب على أنها نعت لمصدر محذوف، والتقدير: ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمة ببعض، والإشارة بذلك إلى الفتون المدلول عليه بقوله فتنا اهـ سمين.\rقوله: بَعْضَهُمْ أي الناس يعني وكذلك ابتلينا الغني بالفقير والفقير بالغني والشريف بالوضيع والوضيع بالشريف، فكل أحد مبتلى بضده، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم، فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم. وأما فتنة الفقراء بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب عيشهم فكان ذلك فتنة لهم اهـ خازن.\rقوله: لِيَقُولُوا في هذه اللام وجهان، أظهرهما: وعليه أكثر المعربين أنها لام كي والتقدير ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا. والثاني: أنها لام الصيرورة أي العاقبة كقوله: لدوا للموت وابنوا للخراب. وقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] ويكون قوله أهؤلاء الخ صادرا على سبيل الاستخفاف بالمؤمنين اهـ سمين.\rقوله: (أي الشرفاء) أي الذين هم البعض الأول. وقوله: منكرين، أي فالاستفهام للإنكار، وقوله: أهؤلاء أي الذين هم البعض الثاني. قوله: (منكرين) أي لوقوع المن على الفقراء رأسا على طريقة قولهم: لو كان خيرا ما سبقونا إليه، هذا هو غرضهم وليس غرضهم تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوع المن لهم اهـ أبو السعود بالمعنى. قوله: أَهؤُلاءِ يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب المحل عل الاشتغال بفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر العامل في ضميره بواسطة على، ويكون المفسر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والتقدير: أفضل اللّه هؤلاء من عليهم أو اختارهم ولا محل لقوله منّ اللّه عليهم لكونها مفسرة وإنما رجح هنا إضمار الفعل لأنه وقع بعد أداة يغلب إيلاء الفعل لها. والثاني: أنه مرفوع المحل على أنه مبتدأ، والخبر من اللّه عليهم وهو وإن كان سالما من الإضمار الموجود في الوجه الذي قبله، إلا أنه مرجوح لما تقدم، وعليهم متعلق بمن ومن بيننا يجوز أن يتعلق به أيضا. قال أبو البقاء: ميزهم علينا، ويجوز أن يكون حالا. وقال أبو البقاء أيضا: أي من عليهم منفردين، والجملة من قوله: أهؤلاء من اللّه في محل نصب بالقول وقوله: بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ الفرق بين الباءين أن الأولى لا تعلق لها لكونها زائدة في خبر ليس، والثانية متعلقة بأعلم وتعدى العلم بهذا لم ضمنه من معنى الإحاطة وكثيرا ما يقع ذلك في عبارة العلماء فيقولون: علم بكذا، والعلم بكذا تقدم اهـ سمين.\rقوله: (قال تعالى) أبي ردا عليهم. قوله: (بلى) جواب الاستفهام التقريري. قوله: وَإِذا جاءَكَ","part":2,"page":357},{"id":898,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 358\rالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا هم الذين نهى عن طردهم وصفوا بالإيمان بآيات اللّه، كما وصفوا سابقا بالمداومة على عبادته تنبيها على إحرازهم لفضيلة العلم وفضيلة العمل، وأخير الوصف بالعلم مع تقدمه على الوصف بالعمل لأن مدار الوعد بالرحمة والمغفرة هو الإيمان، كما أن مدار النهي عن الطرد فيما سبق هو المداومة على العبادة اهـ أبو السعود.\rوإذا منصوب بجوابه أي: فقل سلام عليكم وقت مجيئهم أي أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح اهـ سمين.\rقوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ مبتدأ وخبر وجاز الابتداء ربه وان كان نكرة لأنه دعاء، والدعاء من المسوغات اهـ سمين.\rوهذا السّلام يحتمل أنه سلام التحية أمر أن يبدأهم به إذا قدموا عليه خصوصية لهم، وإلا فالسنة أنه من القادم لا من الجالس ويحتمل أنه سلامه تعالى عليهم إكراما لهم أمر بتبليغه لهم، وقوله:\rكَتَبَ الخ. وقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ الخ من جملة المقول فأمر أن يقول لهم أمورا ثلاثة شيخنا.\rقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ الخ الجملة استئنافية، ومع ذلك هي تفسير للرحمة اهـ أبو السعود.\rوهذا على قراءة الكسر، وأما على قراءة الفتح فقد بينها الشارح. وقوله: (و في قراءة بالفتح بدل من الرحمة) والحاصل أن القراءات ثلاثة وكلها سبعية كسر الأولى والثانية وفتحهما، وفتح الأولى وكسر الثانية، فمتى كسرت الأولى تعين كسر الثانية، ومتى فتحت الأولى جاز في الثانية وجهان، هذا حاصل ما أشار إليه الشارح. وعبارة السمين: قرأ ابن عمر وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير وأبو عمر وحمزة والكسائي بالكسر فيهما، ونافع بفتح الأولى وكسر الثانية، وهذا القراءات الثلاثة في المتواتر.\rفأما القراءة الأولى ففتح الأولى من أربعة أوجه، أحدهما: أنها بدل من الرحمة بدل شيء من شيء، والتقدير كتب على نفسه أنه من عمل الخ، فإن نفس هذه الجملة المتضمنة للاخبار بذلك رحمة.\rوالثاني: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ والخبر محذوف أي عليه أنه من عمل الخ. والثالث: أنها فتحت على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: لأنه من عمل، فلما حذفت اللام جرى في محلها الخلاف المشهور. الرابع: أنها مفعول بكتب، والرحمة مفعول من أجله أي كتب أنه من عمل لأجل رحمته إياكم. وأما فتح الثانية فمن ثلاثة أوجه، أحدها: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ والخبر محذوف، أي فغفرانه ورحمته حاصلان أو كائنان، أو فعليه غفرانه ورحمته. والثاني: أنها في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي فأمره أو شأنه أنه غفور رحيم. الثالث: أنها تكرير للأولى، وكررت لما طال الكلام، وعطفت عليها بالفاء، وهذا منقول عن أبي جعفر النحاس. وأما القراءة الثانية فكسر الأولى من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفة وأن الكلام تم قبلها وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. والثاني: أنها كسرت بعد قول مقدر، أي قال اللّه تعالى ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله والثالث: أنه أجرى كتب مجرى قال فكسرت بعده كما تكسر بعد القول الصريح، وأما كسر الثانية فمن وجهين، أحدهما: أنها على الاستئناف بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبرا لمن الموصولة أو جوابا لها إن كانت شرطا. والثاني: أنها عطف على الأولى وتكرير لها.","part":2,"page":358},{"id":899,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 359\rنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ أي الشأن وفي قراءة بالفتح بدل من الرحمة مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ منه حيث ارتكبه ثُمَّ تابَ رجع مِنْ بَعْدِهِ بعد عمله عنه وَأَصْلَحَ عمله فَأَنَّهُ أي واللّه غَفُورٌ له رَحِيمٌ (54) به وفي قراءة بالفتح أي فالمغفرة له\rوَكَذلِكَ كما بينا ما ذكر نُفَصِّلُ نبين الْآياتِ القرآن ليظهر الحق فيعمل به وَلِتَسْتَبِينَ تظهر سَبِيلُ طريق الْمُجْرِمِينَ (55) فتجتنب وفي قراءة بالتحتانية وفي أخرى بالفوقانية ونصب سبيل خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم\rقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادتها قَدْ وأما القراءة الثالثة فيؤخذ فتح الأولى وكسر الثانية مما تقدم في كسرهما وفتحهما بما يليق من ذلك وهو ظاهر اهـ.\rقوله: بِجَهالَةٍ حال من فاعل عمل أي عمله وهو جاهل بحقيقة ما يتبعه من المضار، والتقييد بذلك للإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر، فإذا عمله فلا يكون الا مع الجهل اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: بجهالة أي جاهلا بمقدار ما يستحقه من العقاب وما يفوته من الثواب، وقيل:\rإنه وإن علم أن عاقبة ذلك المسوء مذموم، إلا أنه آثر اللذة العاجلة القليلة على الآجلة الكثيرة ومن فعل هذا فهو جاهل اهـ.\rقوله: (أصلح عمله) أي بالتوبة مما سبق منه. قوله: (كما بيننا ما ذكر) أي من أول السورة إلى هنا اهـ أبو حيان. قوله: وَلِتَسْتَبِينَ معطوف على محذوف كما قدره المفسر. قوله: (و في قراءة التحتانية) أي ورفع سبيل، فالحاصل أن القراءات ثلاثة سبعية، فمتى قرئ الفعل بالفوقانية جاز في سبيل النصب والرفع، والتاء مختلفة المعنى لأنها في حالة النصب حرف خطاب، وفي حالة الرفع للتأنيث، ومتى قرئ بالتحتانية تعين الرفع في سبيل اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتحتانية) وذلك لأن السبيل يذكر ويؤنث، فتأنيث الفعل بناء على تأنيثه، وتذكيره بناء على تذكيره اهـ أبو السعود.\rفالتذكير في قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف: 146] والتأنيث كقوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [يوسف: 108] اهـ كرخي.\rقوله: (خطاب للنبي) أي ولتستبين أنت أي تستوضح وتعلم سبيلهم فتعاملهم بما يليق اهـ أبو السعود.\rقوله: (قل إني نهيت) أمر بالرجوع إلى مخاطبة المصرين على الشرك إثر ما أمر بمعاملة أهل التبشير بما يليق بحالهم، أي قل لهم قطعا لأطماعهم الفارغة في ركونك إليهم إنني منعت وصرفت بالدلائل العقلية والسمعية كما في آية غافر: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي [غافر: 66] أي عن أن أعبد الذين تدعون وهي الأصنام وعبر عنها بصيغة العاقل بحسب زعمهم اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ في محل أن الخلاف المشهور إذ هي على حذف حرف تقديره: نهيت","part":2,"page":359},{"id":900,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 360\rضَلَلْتُ إِذاً إن اتبعتها وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)\rقُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان مِنْ رَبِّي وَقد كَذَّبْتُمْ بِهِ بربي حيث أشركتم ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب إِنِ ما الْحُكْمُ في ذلك وغيره إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُ القضاء الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) الحاكمين وفي عن أن أعبد. وقوله: قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً إذا حرف جواب وجزاء ولا عمل لها هنا لعدم فعل تعمل فيه، والمعنى إن اتبعت أهواءكم ضللت وما اهتديت فهي في قوة شرط وجزاء اهـ سمين.\rقوله: قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ كرر الأمر مع قرب العهد اعتناء بالمأمور به أو إيذانا باختلاف القولين من حيث أن الأول: حكاية لما هو من جهته تعالى وهو النهي، والثاني: حكاية لما هو من جهته عليه السّلام وهو الانتهاء عما ذكر من عبادة ما يعبدونه اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ ضَلَلْتُ استئناف مؤكد لانتهائه عما نهي عنه. وقوله: وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ عطف على ضللت، والعدول إلى الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار اهـ أبو السعود.\rقوله: (إن أتبعها) أي الأهواء. قوله: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي تحقيق للحق الذي هو عليه إثر إبطال الذي هم عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بيان) أي دليل وبرهان واضح، وهو القرآن من ربي، أي منزل من عند ربي اهـ.\rقوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بوحدانيته، وهذه الجملة إما حالية أو مستأنفة بتقدير قد أو بدونها جيء بها لاستقباح مضمونها واستبعاد وقوعه مع تحقيق ما يقتضي عدمه من البينة الواضحة، اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة سبقت للاخبار بذلك. والثاني:\rفي محل نصب على الحال، وحينئذ هل يحتاج إلى إضمار قد أم لا، والهاء في به يجوز أن تعود على ربي وهو الظاهر. وقيل: على القرآن لأنه كالمذكور. وقيل: على بينة لأنها في معنى البيان. وقيل:\rلأنها التاء فيها للمبالغة، والمعنى على أمر بين من ربي في محل جر صفة لبينة اهـ.\rقوله: (حيث أشركتم) أي أشركتم غيره معه. قوله: ما عِنْدِي ما نافية، وقوله: ما تَسْتَعْجِلُونَ ما موصولة. وقوله: (من العذاب) بيان لما الثانية، وسبب هذه الآية أن النبي كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم، وكانوا يستعجلون به استهزاء كما في آية الأنفال وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: 32] اهـ خازن.\rقوله: (في ذلك) أي في التقديم والتأخير اهـ أبو السعود.\rقوله: يَقُصُّ الْحَقَ أي يحكم، ولم يرسم يقض إلا بضاد، كأن الياء حذفت خطأ كما حذفت لفظا لالتقاء الساكنين، كما حذفت في قوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: 5] وكما حذفت الواو من سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [العلق: 18] لما تقدم. وأما نصب الحق بعده ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي يقضي القضاء الحق. والثاني: أنه ضمن يقضي معنى ينفذ، فلذلك عداه إلى المفعول به. الثالث: أن قضى بمعنى صنع فيتعدى بنفسه من غير تضمين. الرابع: أنه","part":2,"page":360},{"id":901,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 361\rقراءة يقص أي يقول\rقُلْ لهم لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأن أعجله لكم وأستريح ولكنه عند اللّه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) متى يعاقبهم\rوَعِنْدَهُ تعالى مَفاتِحُ الْغَيْبِ خزائنه أو الطرق الموصلة إلى علمه لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وهي الخمسة التي في على إسقاط حرف الجر، أي يقضي بالحق، فلما حذف انتصب مجروره. اهـ سمين.\rقوله: (و في قراءة يقص) من قص الحديث أو من قص الأثر أي تتبعه. قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3] وعلى هذه القراءة فالحق مفعول به اهـ سمين.\rقوله: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي لو أنه مفوض إلي من جهته تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ الاستعجال المطالبة بالشيء قبل وقته، فلذلك كانت العجلة مذمومة والإسراع تقديم الشيء في وقته، فلذلك كانت السرعة محمودة اهـ خازن.\rويفهم منه أن تعدى استعجل بالباء من حيث تضمينه معنى المطالبة وإلا فالذي في كتب اللغة أنه إنما يتعدى بنفسه اهـ.\rقوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي فصل. وقوله: (بأن أعجله) أي ما تستعجلون. قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فيه حذف مضافين أي بوقت عقوبتهم، كما أشار إلى ذلك المفسر بقوله: متى يعاقبهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ بيان لاختصاص المقدورات الغيبية به تعالى من حيث العلم إثر بيان اختصاص كلها به تعالى من حيث القدرة والمعنى أن ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدورا لي حتى ألزم بتعجيله. ولا معلوما لدي فأخبركم بوقت نزوله، بل هو مما يختص به تعالى قدرة وعلما فينزله حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح اهـ أبو السعود.\rقوله: (خزائنه) فتكون المفاتح جمع مفتح الميم وكسر التاء كمخزون وزنا ومعنى، فالمفتح في اللغة هو المخزن والمفاتح الخزائن وقوله: (أو الطرق)، فعلى هذا تكون المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء وهو الآلة المعلومة، ويؤيد الثاني قراءة مفاتيح. هكذا يستفاد هذا التوزيع من البيضاوي. وفي الخازن: المفتاح الذي يفتح به المغلاق وجمعه مفاتيح، ويقال فيه: مفتح بكسر الميم وفتح التاء وجمعه مفاتح، والمفتح بفتح الميم وكسر التاء الخزانة، وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهي مفتح وجمعه مفاتح، فقوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ يحتمل أن يكون المراد منه المفاتيح التي يفتح بها، ويحتمل أن يكون المراد منه الخزائن، فعلى التفسير الأول يكون قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق، فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها فهو عالم، وكذلك ههنا أن اللّه تعالى لما كان عالما بجميع المعلومات ما غاب منها وما لم يغب عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة، وعلى التفسير الثاني يكون المعنى وعنده خزائن الغيب والمراد منه القدرة الكاملة على كل الممكنات اهـ.\rوفي السمين: في المفاتح ثلاثة أقوال، أحدها: أنه جمع مفتح بكسر الميم، والقصر مع فتح التاء","part":2,"page":361},{"id":902,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 362\rقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ* الآية كما رواه البخاري وَيَعْلَمُ ما يحدث فِي الْبَرِّ القفار وَالْبَحْرِ القرى التي على الأنهار وَما تَسْقُطُ مِنْ زائدة وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ وهو الآلة التي يفتح بها كمنبر ومنابر. والثاني: أنه جمع مفتح بفتح الميم وكسر التاء كمسجد، وهو المكان، ويؤيده تفسير ابن عباس بقوله: هي خزائن المطر. والثالث: أنه جمع مفتاح بكسر الميم والألف، وهو الألة أيضا إلا أن هذا فيه ضعف من حيث إنه كان ينبغي أن تقلب ألف المفرد ياء، فيقال:\rمفاتيح كدنانير، ولكنه قد نقل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع محراب محارب، وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مد في مفرده، كقولهم: دراهم وصياريف في جمع درهم وصيرف، فزادوا في هذا ونقصوا من ذاك. وقد قرئ مفاتيح بالياء وهي تؤيد أن مفاتح جمع مفتاح، وإنما حذفت مدته. وجواز الواحدي أن يكون مفاتح جمع مفتح بفتح التاء والميم كمذهب على أنه مصدر فعلي، هذا مفاتح جمع مفتح بمعنى الفتح كان المعنى: وعنده فتوح الغيب، أي هو يفتح الغيب على من يشاء من عباده اهـ.\rقوله: لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ في محل نصب على الحال من مفاتح، والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف لوقوعه خبرا. وقال أبو البقاء: أو نفس الظرف إن رفعت به مفاتح، أي إن رفعته به فاعلا، وذلك على رأي الأخفش وتضمنه الاستقرار لا بد منه على كل قول، فلا فرق بين أن ترفع به الفاعل أو تجعله خبرا اهـ سمين.\rقوله: (و هي الخمسة التي في قوله تعالى الخ) عبارة الخازن: واختلف قول المفسرين في مفاتح الغيب، فقيل: مفاتح الغيب خمس وهي ما روي عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللّه تعالى: لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا اللّه، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا اللّه، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يدري أحد متى يجيء المطر». وفي رواية أخرى: «لا يعلم ما تغيض الأرحام ألا اللّه، ولا يعلم ما في غد إلا اللّه، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا اللّه، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا اللّه، ولا يعلم متى الساعة إلا اللّه»، أخرجه البخاري. وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب.\rوقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: هو انقضاء الآجال وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم. وقال ابن عباس: إنها خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار والأرزاق اهـ.\rقوله: وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ الخ بيان لتعلق علمه بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات، وقوله:\rوَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ الخ بيان لتعلق علمه بأحوالها بعد بيان تعلقه بذواتها اهـ أبو السعود.\rقوله: (القفار) جمع قفر، وهو المفازة التي لا ماء بها ولا نبات مصباح.\rوهذا قول مجاهد، وعبارة الخازن. قال مجاهد: البر: المفاوز، والقفار والبحر: القرى والأمصار، ولا يحدث فيها شيء إلا وهو يعلمه. وقال جمهور المفسرين: هو البر والبحر المعروفان، لأن جميع الأرض إما بر أو بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبدعاته ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه اهـ.\rقوله: إِلَّا يَعْلَمُها حال من ورقة إلا عالما هو بها لأنه مسقطها بإرادته اهـ كرخي.","part":2,"page":362},{"id":903,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 363\rالْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ عطف على ورقة إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) هو اللوح المحفوظ والاستثناء بدل اشتمال من الاستثناء قبله\rوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ يقبض أرواحكم عند النوم وَيَعْلَمُ ما والمعنى: أنه يعلم عدد ما يسقط من الورق، وما يبقى على الشجر من ذلك اهـ خازن.\rقوله: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ الخ قيل: هي الحبة المعروفة تكون في بطن الأرض قبل أن تنبت، وقيل: هي الحبة التي في الصخرة التي في أسفل الأرضين. وقوله: وَلا رَطْبٍ الخ الرطب ما ينبت، واليابس ما لا ينبت. وقيل: الرطب الحي، واليابس الميت. وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأن جميع الأشياء إما رطبة أو يابسة، فإن قلت إن جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ فلم أفردها بالذكر؟ قلت: ذكرها من قبيل التفصيل بعد الإجمال، وقد ذكر البر والبحر لما فيهما من العجائب، ثم الورقة لأنها يراها كل أحد، لكن لا يعلم عددها إلا اللّه، ثم ذكر ما هو أضعف من الورقة وهو الحبة، ثم ذكر مثالا يجمع الكل وهو الرطب واليابس اهـ خازن.\rقوله: (عطف على ورقة) أي الثلاثة معطوفة على ورقة، لكن لا يناسب تسليط السقوط عليها كما لا يخفى، إذ لا يناسب وما يسقط رطب ولا يابس، فالمعنى: وما من حبة ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهذا يستفاد من عبارة غيره كأبي السعود حيث قال في حل المعنى، أي ولا حبة في ظلمات الأرض إلا يعلمها وكذا قوله: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ. وفي السمين: قوله: وَلا حَبَّةٍ عطف على لفظ ورقة، ولو قرئ بالرفع لكان على الموضع، وفي ظلمات صفة لحبة. وقوله: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ معطوفان أيضا على لفظ ورقة، وقرأهما الحسن وابن إسحاق بالرفع على المحل وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يكونا مبتدأين والخبر قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ اهـ.\rقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ في هذا الاستثناء غموض، فقال الزمخشري: قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ كالتكرير لقوله: إِلَّا يَعْلَمُها لأن معنى إِلَّا يَعْلَمُها وإِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ واحد وأبرزه الشيخ في عبارة قريبة من هذه، فقال: وهذا الاستثناء جار مجرى التوكيد، لأن قوله وَلا حَبَّةٍ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ معطوف على من ورقة، والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته، ولا امرأة. فالمعنى إلا أكرمتها ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة اهـ سمين.\rقوله: (و الاستثناء بدل اشتمال) أي على تفسير الكتاب بما ذكره، وقيل: هو بدل كل بناء على تفسير الكتاب بعلم اللّه تعالى. وعبارة الخطيب: إلا في كتاب مبين فيه قولان، أحدهما: أنه على اللّه الذي لا يغير ولا يبدل. والثاني: أنه اللوح المحفوظ، لأن اللّه تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض، فهو على الأول بدل من الاستثناء الأول بدل الكل وعلى الثاني بدل الاشتمال اهـ.\rقوله: (يقبض أرواحكم عند النوم) هذا مبني على أن في الجسد روحين: روح الحياة وهي لا تخرج إلا بالموت، وروح التمييز وهي تخرج بالنوم، فتفارق الجسد فتطوف بالعالم وترى المنامات ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه، وسيأتي إيضاح هذه المسألة في سورة الزمر إن شاء اللّه تعالى. وفي زيادة","part":2,"page":363},{"id":904,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 364\rجَرَحْتُمْ كسبتم بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي النهار برد أرواحكم لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى هو أجل الحياة ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ بالبعث ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) فيجازيكم به\rوَهُوَ الْقاهِرُ على البيضاوي هناك ما نصه: وعلى ما ذكره المصنف ليس في ابن آدم إلا روح واحدة يكون لابن آدم بحسبها ثلاثة أحوال: حالة يقظة وحالة نوم وحالة موت. فباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان وباطنه تعلقا كاملا تثبت له حالة اليقظة، وباعتبار تعلقها. بظاهر الإنسان فقط تثبت له حالة النوم، وباعتبار انقطاع تعلقها عن الظاهر والباطن تثبت له حالة الموت اهـ.\rفعلى هذا معنى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ يقطع أرواحكم عن التعلق ببواطنكم، أي يقطع تعلقها بالباطن، ومعنى يبعثكم فيه يرد تعلقها بالباطن اهـ.\rقوله: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ الظاهر أن ما مصدرية، وإن كان كونها موصولة اسمية أكثر، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة بما بعدها، والعائد على كلا التقديرين الأخيرين محذوف، وكذا عند الأخفش وابن السراج على القول الأول اهـ سمين.\rوفي المصباح: وجرح من باب نفع، واجترح عمل بيده واكتسب، ومنه قيل: لكواسب الطير والسباع. جوارح: جمع جارحة لأنها تكسب بيدها اهـ.\rوالتقييد بالظرفين جرى على الغالب، إذ الغالب أن النوم في الليل والكسب في النهار، وخص النهار بالذكر دون الليل لأن الكسب فيه أكثر، لأنه زمن حركة الإنسان، والليل زمن سكونه اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ عطف على يتوفاكم، وتوسيط الفعل بينهما لبيان ما في بعثهم من عظم الإحسان إليهم بالتنبيه على ما يكسبونه من السيئات اهـ أبو السعود.\rقوله: (يرد أرواحكم) أي يوقظكم، قال القاضي: أطلق البعث ترشيحا للتوفي أي لما استعير التوفي من الموت للنوم، كان البعث الذي هو في الحقيقة الإحياء بعد الموت ترشيحا، لأنه أمر يلائم المستعار منه اهـ كرخي.\rقوله: لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى الجمهور على ليقضى مبنيا للمفعول، وأجل رفع به وفي الفاعل المحذوف احتمالان، أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى. والثاني: أنه ضمير المخاطبين، أي لتقضوا أي لتستوفوا آجالكم. وقرأ أبو رجاء وطلحة: ليقضي مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى أجلا مفعولا به ومسمى صفة، فهو مرفوع على الأول ومنصوب على الثاني، ويترتب على ذلك خلاف للقراء في إمالة ألفه واللام في ليقضي متعلقة بما قبلها من مجموع الفعلين: أي: يتوفاكم ثم يبعثكم لأجل ذلك اهـ سمين.\rقوله: مُسَمًّى أي معين عند اللّه. قوله: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ أي فوقية تليق بحاله، والمعنى أنه هو الغالب المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياءا وإماتة وإثابة وتعذيبا الى غير ذلك اهـ كرخي.","part":2,"page":364},{"id":905,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 365\rمستعليا فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ملائكة تحصي أعمالكم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ قوله: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يعني أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم، والمراد بالحفظة الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم من الخير والشر والطاعة والمعصية وغير ذلك من الأقوال والأفعال، قيل: إن مع كل إنسان ملكان: ملك عن يمينه وملك عن شماله، فإذا عمل حسنة كتبها عليه صاحب اليمين؛ وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال اصبر لعله ينوب منها، أن لم يتب منها كتبها عليه صاحب الشمال، وفائدة جعل الملائكة موكلين بالانسان أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأفعاله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رؤوس الاشهاد كان ذلك أزجر له عن فعل القبيح وترك المعاصي، وقيل: المراد بقوله وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً هم الملائكة الذين يحفظون بني آدم ورزقه وأجله وعمله اهـ خازن.\rقوله: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه عطف على اسم الفاعل الواقع صلة لأل، لأنه في معنى يفعل والتقدير وهو الذي يقهر عباده، ويرسل فعطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله. والثاني: أنها جملة فعلية عطفت على جملة اسمية وهي قوله: وَهُوَ الْقاهِرُ. الثالث: أنها معطوفة على الصلة وما عطف عليها وهو قوله: يتوفاكم ويعلم وما بعده أي وهو الذي يتوفاكم ويرسل عليكم اهـ سمين.\rقوله: حَتَّى إِذا جاءَ حتى هذه التي يبتدأ بها الكلام، وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها، كانه قيل: ويرسل عليكم حفظة تحفظ أعمالكم مدة حياتكم حتى إذا انتهت مدة أحدكم كائنا ما كان وجاءه أسباب الموت ومباديه توفته رسلنا اهـ أبو السعود.\rقوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا يعني أعوان ملك الموت الموكلين بقبض أرواح البشر، فإن قلت: قال اللّه تعالى في آية أخرى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: 42] وقال في آية أخرى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11] وقال هنا: توفته رسلنا فكيف الجمع بين هذه الآيات؟\rقلت: وجه الجمع بين هذه الآيات أن المتوفي في الحقيقة هو اللّه تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر اللّه ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه فحصل الجمع بين الآيات. وقيل: المراد من قوله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ملك الموت وحده، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له. وقال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، وجعلت له أعوان يتبعون الأنفس ثم يقبضها منهم. وقال أيضا: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين، وقيل: إن الأرواح إذا كثرت عليه يدعوها فتستجيب له اهـ خازن.\rوفي الكرخي: والدنيا كلها بين ركبتي ملك الموت، وجميع الخلائق بين عينيه ويداه يبلغان المشرق والمغرب، وكل ما نفد أجله يعرفه بسقوط صحيفة من تحت العرش عليها اسمه، فعند ذلك يبعث أعوانه من الملائكة ويتصرفون بحسب ذلك اهـ.\rوفي القرطبي: وقال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا، أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة","part":2,"page":365},{"id":906,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 366\rوفي قراءة توفاه رُسُلُنا الملائكة الموكلون بقبض الأرواح وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) يقصرون فيما يؤمرون به\rثُمَّ رُدُّوا أي الخلق إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ مالكهم الْحَقِ الثابت العدل ليجازيهم أَلا لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ فيهم وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك\rقُلْ يا محمد لأهل مكة مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أهوالهما وسبعة من ملائكة العذاب، فإذا قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء، وإذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها ثم يصعدون بها إلى السماء، ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عليين اهـ.\rقوله: (و في قراءة توفاه) أي بالإمالة المحضة وهي التي للكسر أقرب، وهذه قراءة حمزة وهي تحتمل وجهين: أظهرهما: أنه ماض وإنما حذفت تاء التأنيث لوجهين: أحدهما: كونه تأنيثا مجازيا.\rوالثاني: الفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول. والثاني: أنه مضارع وأصله تتوفاه بتاءين فحذفت إحداهما على خلاف في أيتهما اهـ سمين.\rقوله: (الملائكة الموكلون الخ) أي فهم غير الحفظة. قوله: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ هذه الجملة تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها حال من رسلنا. والثاني: أنها استئنافية سيقت للإخبار عنهم بهذه الصفة اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ رُدُّوا عطف على توفته. وقوله: (أي الخلق) أي المذكورون بقوله أحدكم ففيه التفات والسر في الانفراد أولا والجمع ثانيا وقوع التوفي على الافراد، والرد على الاجتماع اهـ أبو السعود.\rقوله: (مالكهم) أشار به إلى جواب عما يقال الآية في المؤمنين والكافرين جميعا. وقد قال في آية أخرى: وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [محمد: 11] فكيف الجمع بينهما؟ وحاصل الجواب أن المراد بالمولى هنا المالك أو الخالق أو المعبود. وثم الناصر فلا منافاة اهـ كرخي.\rقوله: أَلا لَهُ الْحُكْمُ أي لا لغيره لا بحسب الظاهر ولا بحسب الحقيقة بخلاف الدنيا فإنه وإن لم يكن حاكم في الحقيقة غيره فيها، لكن فيها بحسب الظاهر حكام متعددة اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ أي لأنه لا يحتاج إلى فكر وعد اهـ كرخي.\rقوله: (لحديث بذلك) وفي حديث آخر أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي قل توبيخا وتقريرا لهم بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية من ينجيكم من شدائدهما الهائلة التي تبطل الحواس وتدهش العقول، ولذلك استعير لها الظلمات المبطلة لحاسة البصر. يقال لليوم الشديد: يوم مظلم ويوم ذو كواكب أو من الخسف في البر والغرق في البحر اهـ أبو السعود.\rوقوله: ويوم ذو كواكب أي أنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وفي ظهور الكواكب فيه لأن الكواكب لا تظهر إلا في الظلمة اهـ شهاب.","part":2,"page":366},{"id":907,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 367\rفي أسفاركم حين تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً علانية وَخُفْيَةً سرا تقولون لَئِنْ لام قسم أَنْجانا وفي قراءة أنجانا أي اللّه مِنْ هذِهِ الظلمات والشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) المؤمنين\rقُلِ لهم وعبارة الخازن: قل من ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم وتحيرتم وأظلمت عليكم الطرق فيه، ومن الذي ينجيكم من ظلمات البحر إذا ركبتم فيه فأخطأتم الطريق وأظلمت عليكم السبل فلم تهتدوا، وقيل: ظلمات البر والبحر مجاز عنا فيهما من الشدائد والأهوال، وقيل: حمله على الحقيقة أولى فظلمة البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل، وظلمة السحاب، فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب، وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك، فالمقصود أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى اللّه تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد، وهو المراد من قوله: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً فإذا اشتد بكم الأمر تخلصون له الدعاء تضرعا منكم إليه واستكانة أي جهرا وخفية يعني سرا اهـ.\rقوله: تَدْعُونَهُ في موضع جر، بالإضافة لما قدره الشارح اهـ. شيخنا.\rوفي السمين: تدعونه في محل نصب على الحال، إما من مفعول ينجيكم وهو الظاهر أي ينجيكم داعين إياه، وإما من فاعله مدعوا من جهتكم اهـ.\rوما جرى عليه الشارح بعيد جدا لأن حذف المضاف إلى الجملة لم يعهد وكأنه حل معنى فقط لا حل إعراب اهـ.\rقوله: تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً يجوز فيهما وجهان، أحدهما: أنهما مصدران في موضع الحال، أي تدعونه متضرعين ومخفين. والثاني: أنهما مصدران من معنى العامل لا من لفظه كقوله قعدت جلوسا.\rوقرأ الجمهور: خفية بضم الخاء. وقرأ أبو بكر: بكسرها وهما لغتان كالعدوة والعدوة، والأسوة والإسوة. وقرأ الأعمش: وخيفه كالتي في الأعراف وهي من الخوف فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون مفعولا من أجله لو لا تضرعا من المعنى اهـ سمين.\rقوله: لَئِنْ أَنْجانا الظاهر أن الجملة القسمية تفسير للدعاء قبلها، ويجوز أن تكون منصوبة على إضمار القول، فيكون ذلك القول في محل نصب على الحال من فاعل تدعونه أي تدعونه قائلين ذلك اهـ سمين.\rوقد اجتمع هنا شرط وقسم فحذف جواب المؤخر منهما وهو الشرط على القاعدة اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ هذِهِ متعلق بالفعل قبله، ومن لابتداء الغاية، وهذه إشارة الى الظلمات لأنها تجري مجرى المؤنثة الواحدة، وكذلك في منها يعود على الظلمات كما تقدم، وقوله: وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ عطف على الضمير المجرور بأعادة حرف الجر وهو واجب عند البصريين وقد تقدم اهـ سمين.\rقوله: (الشدائد) عطف تفسير. قوله: (المؤمنين) أخذه من قوله بعده (ثم أنتم تشركون) اهـ شيخنا.","part":2,"page":367},{"id":908,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 368\rاللَّهُ يُنَجِّيكُمْ بالتخفيف والتشديد مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ غم سواها ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) به\rقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ من السماء كالحجارة والصيحة أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كالخسف أَوْ يَلْبِسَكُمْ يخلطكم شِيَعاً فرقا مختلفة الأهواء وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالقتال، قال صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزلت «هذا أهون وأيسر ولما نزل ما قبله أعوذ بوجهك» رواه البخاري. وروى مسلم قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي قرأ بكل منهما من قرأ أنجيتنا بتاء الخطاب، أي أن من قرأ بتاء الخطاب افترق فرقتين في ينجيكم، وأما من قرأ أنجانا بدون تاء فيقرأ ينجيكم بالتشديد لا غير، فمجموع القراءات ثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ هُوَ الْقادِرُ استئناف مسوق لبيان أنه تعالى هو القادر على إلقائهم في المهالك أثر بيان أنه هو المنجي لهم منها، وقوله: أَنْ يَبْعَثَ أي يرسل عذابا من فوقكم متعلق بعذابا أو متعلق بمحذوف وقع صفة لعذابا، أي عذابا كائنا من جهة الفوق اهـ أبو السعود.\rقوله: (من السماء الخ) هذا أحد تفسيرين، وعبارة الخازن: من فوقكم يعني الصيحة والحجارة والريح والطوفان، كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، أو من تحت أرجلكم يعني الرجف والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون. وقال ابن عباس ومجاهد: عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ يعني أثمة السوء والسلاطين الظلمة أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني عبيد السوء. وقال الضحاك: مِنْ فَوْقِكُمْ يعني من قبل كباركم أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني السفلة اهـ.\rقوله: (كالحجارة) أي التي نزلت على أصحاب الفيل، والصيحة: أي الصرخة أي صرخة جبريل التي صرخها على ثمود قوم صالح فتهلكوا اهـ شيخنا.\rقوله: (كالخسف) أي الذي وقع بقارون. قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ عطف على يبعث أي يخلطكم فرقا أي يفرقكم فرقا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة متابعة لإمام، ومعنى خلطهم انتشاب القتال بينهم وهذه عبارة الزمخشري فجعله من اللبس الذي هو الخلط، وبهذا التفسير الحسن ظهر تعدي يلبس إلى المفعول وشيعا نصب على الحال وهي جمع شيعة كسدرة وسدر، والشيعة من يتقوى بهم الإنسان، والجمع شيع كما تقدم، وأشياع كذا قاله الراغب والظاهر أن أشياعا جمع شيع كعنب وأعناب وضلع وأضلاع، وشيع جمع شيعة فهو جمع الجمع اهـ سمين.\rوفي الخازن: شيعا جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وأشياع وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا، وقيل الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان اهـ.\rوفي القاموس: وشيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره والفرقة على حدة وتقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته حتى صار اسما لهم خاصة والجمع أشياع وشيع كعنب اهـ.\rقوله: وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ هذا هو ما عليه الناس اليوم من الاختلافات وسفك بعضهم دماء بعض اهـ خازن.\rوالبأس العذاب كما في المصباح. قوله: (لما نزلت) أي آية يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ","part":2,"page":368},{"id":909,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 369\rحديث «سألت ربي أن لا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها». وفي حديث لما نزلت قال «أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها» بعد انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ الدلالات على قدرتنا لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) يعلمون أن ما هم عليه باطل\rوَكَذَّبَ بِهِ بالقرآن قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ الصدق قُلْ بَعْضٍ. وقوله: (أهون وأيسر) أي مما قبله ولما نزل ما قبله أي قوله: عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ الخ اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال عند قوله عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ: «أعوذ بوجهك».\rوعند قوله تعالى: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ «أعوذ بوجهك» وعند قوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (هذا أهون أو هذا أيسر) اهـ.\rفعلى هذا الواو في كثير من نسخ الشارح بمعنى أو التي للشك من الراوي. وفي بعض النسخ بأو وهي ظاهرة.: (أعوذ بوجهك) أي قال هذا مرتين، مرة عند نزول قوله: عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ وأخرى عند نزول قوله أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما تقدم في عبارة أبي السعود. قوله: فمنعنيها أي منعني هذه المسألة أي لم يجبني في هذه الدعوة لما سبق في علمه القديم أن القتال يقع بينهم لا محالة، فكان أول ابتدائه في زمن علي ومعاوية وآخره إلى قيام الساعة اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وعن خباب بن الأرت قال: صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة فأطالها، فقالوا: يا رسول اللّه صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال: «أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة إني سألت ربي فيها ثلاثا فأعطاني اثنين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالجدب فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» أخرجه الترمذي اهـ.\rقوله: (و في حديث لما نزلت) أي هذه الآية. وقوله: قال إما أنها أي الأمور الأربعة عذابا من فوقكم وعذابا من تحت أرجلكم وتفريقكم فرقا ونصب القتال بينكم فهذه الأربعة كائنة قبل القيامة، لكن الأخيران قد وقعا منذ عصر الصحابة والأولان تفضل اللّه بتأخير وقوعهما إلى قرب الساعة اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال أبو العالية: في قوله: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً الآية، هنّ أربعة وكلهنّ عذاب فوقع ثنتان بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان وهما واقعتان ولا بد الخسف والمسخ اهـ.\rقوله: (و لم يأت تأويلها) أي الآية أو الأمور الأربعة أي صرفها عن ظاهرها بل هي باقية على ظاهرها. وقوله: بعد أي بعد نزولها اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَذَّبَ بِهِ الهاء في به تعود على العذاب المتقدم في عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ قاله الزمخشري. وقيل: تعود على القرآن. وقيل: تعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة.\rوقيل: تعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا بعيد لأنه خوطب بالكاف عقيبه، فلو كان كذلك لقال وكذب بك قومك وادعاء الالتفات فيه أبعد اهـ سمين.\rقوله: وَهُوَ الْحَقُ في هذه الجملة وجهان الظاهر منهما أنها استئناف والثاني أنها حال من الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 24","part":2,"page":369},{"id":910,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 370\rلهم لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) فأجازيكم إنما أنا منذر وأمركم إلى اللّه وهذا قبل الأمر بالقتال\rلِكُلِّ نَبَإٍ خبر مُسْتَقَرٌّ وقت يقع فيه ويستقر ومنه عذابكم وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) تهديد لهم\rوَإِذا رَأَيْتَ الهاء في به أي كذبوا به حال كونه حقا وهو أعظم في القبح اهـ سمين.\rقوله: (الصدق) أي لأنه منزل من عند اللّه أو لأنه واقع لا محالة اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي بحفيظ. وكل إلي أمركم لأمنعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق بالقتال، والمعنى لست مأمورا بقتالكم فتكون منسوخة، فلهذا قال الشارح: وهذا قيل الأمر بالقتال اهـ شيخنا.\rوعليكم متعلق بما بعده وهو بوكيل، وقدم لأجل الفواصل، ويجوز أن يكون حالا من قوله بوكيل لأنه لو تأخر لجاز أن يكون صفة له، هذا عند من يجيز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف، وهو اختيار جماعة اهـ سمين.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) مراده بهذه العبارة أن هذا منسوخ، لكن دعوى النسخ لا تصح على التفسير الذي ذكره هو حيث قال: (فأجازيكم) فإن هذا المعنى وهو أن المجازة ليست من تلقائه ثابت قبل الأمر بالقتال وبعده، فجمع الشارح بين التفسير المذكور وبين دعوى النسخ تلفيق بين قولين، وعبارة الخازن: قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين لست عليكم بحفيظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الحق، بل إنما أنا منذر واللّه المجازي لكم على أعمالكم. وقيل: معناه إنما أدعوكم إلى اللّه وإلى الإيمان به ولم أؤمر بحربكم، فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآية السيف اهـ.\rقوله: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي لكل شيء ينبأ به من الأنباء من جملتها عذابكم، أو لكل خبر من الأخبار التي من جملتها خبر مجيئه مستقر، أي وقت استقرار ووقوع ألبتة، أو وقت استقرار بوقوع مدلوله اهـ أبو السعود.\rويجوز رفع مستقر بالابتداء وخبره الجار قبله، وبالفاعلية عند الأخفش بالجار قبله، ويجوز أن يكون مستقر اسم مصدر أي استقرار أو مكانه أو زمانه اهـ سمين.\rوقد حمله الشارح على أنه اسم زمان أي وقت استقرار، وإن كان يصح جعله اسم مكان اهـ شيخنا.\rقوله: (وقت يقع فيه) أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، قوله: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ الخ إذا منصوب بجوابها وهو فأعرض أي أعرض عنهم في هذا الوقت، ورأيت هنا يحتمل أن تكون البصرية وهو الظاهر، ولذلك تعدت لواحد. قال الشيخ: ولا بد من تقدير حال محذوفه أي: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا وهم خائضون فيها، أي: وإذا رأيتهم ملتبسين بالخوض فيها اهـ.\rقلت: ولا حاجة إلى ذلك، لأن قوله الذين يخوضون في قوة الخائضين، واسم الفاعل حقيقة في الحال بلا خلاف، فيحمل هذا على حقيقته فيستغني عن حذف هذه الحال التي قدرها وهي حال","part":2,"page":370},{"id":911,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 371\rالَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا القرآن بالاستهزاء فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تجالسهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة يُنْسِيَنَّكَ بسكون النون والتخفيف وفتحها والتشديد الشَّيْطانُ فقعدت معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى أي تذكره مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) فيه وضع الظاهر موضع المضمر وقال المسلمون إن قمنا كلما خاضوا لم نستطع أن نجلس في المسجد وأن نطوف فنزل\rوَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللّه مِنْ حِسابِهِمْ أي الخائضين مِنْ زائدة شَيْءٍ مؤكدة، ويحتمل أن تكون علمية وضعفه الشيخ بأنه يلزم عليه حذف المفعول الثاني، وحذفه إما اختصارا، فإن كان الأول فممنوع اتفاقا وإن كان الثاني فالصحيح المنع، حتى منع ذلك بعض النحويين اهـ سمين.\rقوله: يَخُوضُونَ الخوض في اللغة هو الشروع في الماء والعبور فيه، ويستعار للأخذ في الحديث والشروع فيه يقال تخاوضوا في الحديث وتفاوضوا فيه، لكن أكثر ما يستعمل الخوض في الحديث على وجه اللعب والعبث اهـ خازن.\rقوله: فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الضمير للآيات والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو باعتبار كونها حديثا، فإن وصف الحديث بمغايرتها يشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ قرأ العامة تخفيف السين من أنساه كقوله وما أنسانيه إلا الشيطان فأنساه الشيطان ذكر ربه. وقرأ ابن عامر بتشديدها من نساه، والتعدي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرة وبالتضعيف أخرى كما تقدم في أنجى وأسهل وسهل، والمفعول الثاني محذوف في القراءتين تقديره وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ الذكر أو الحق، والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى أي وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ما أمرت من ترك مجالسة الخائضين بعد تذكرك له فلا تقعد بعد ذلك معهم، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلا عليهم بصفة الظلم. وجاء الشرط الأول بإذا لأن خوضهم في الآيات محقق، وفي الشرط الثاني بإن لأنه إنساء الشيطان له ليس أمرا محققا بل قد يقع وقد لا يقع، وهو معصوم منه ولم يجيء مصدر على فعلي غير ذكري اهـ سمين. قوله: (و التخفيف والتشديد) أي للسين. وقوله: وفتحها أي النون اهـ.\rقوله: (أي تذكره) أي النهي المفهوم من السياق اهـ شيخنا.\rقوله: (فيه وضع الظاهر الخ) للنعي عليهم بأنهم بذلك الخوف ظالمون واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم اهـ أبو مسعود قوله (و قال المسلمون الخ) وذلك دخول على الآية الآتية وبيان لسبب نزولها اهـ.\rقوله: وَما عَلَى الَّذِينَ الجار والمجرور خبر مقدم. وقوله: مِنْ شَيْءٍ مبتدأ ومن مزيده فيه. قوله: (إذا جالسوهم) أي فمجالستهم مباحة بشرط الوعظ والنهي عن المنكر، فالنهي السابق في قوله: وَإِذا رَأَيْتَ الخ مخصوص بما إذا لم يصحب الجلوس معهم نهي عن المنكر. وقوله: وَما عَلَى الَّذِينَ الخ مخصص لقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الخ اهـ شيخنا.","part":2,"page":371},{"id":912,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 372\rإذا جالسوهم وَلكِنْ عليهم ذِكْرى تذكرة لهم وموعظة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) الخوض\rوَذَرِ اترك الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الذي كلفوه لَعِباً وَلَهْواً باستهزائهم به وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فلا تتعرض لهم وهذا قبل الأمر بالقتال وَذَكِّرْ عظ بِهِ بالقرآن الناس ل أَنْ قوله: وَلكِنْ ذِكْرى فيه أربعة أوجه: أحدها: أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر وقدره بعضهم أمرا أي ولكن ذكروهم ذكرى، وبعضهم قدره خبرا أي ولكن يذكرونهم ذكرى. والثاني: أنه مبتدأ خبره محذوف أي ولكن عليهم ذكرى أو عليكم ذكرى أي تذكيرهم. الثالث: أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو ذكرى أي النهي عن مجالستهم والامتناع منها ذكرى. الرابع: أنه عطف على موضع شيء المجرور بمن أي ما على المتقين من حسابهم شيء ولكن عليهم ذكرى فيكون من عطف المفردات، وأما على الأوجه السابقة فهو من عطف الجمل اهـ سمين.\rقوله: اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً اتخذوا، يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعد لواحد على أنه بمعنى اكتسبوا وعملوا، ولعبا ولهوا على هذا مفعول من أجله أي اكتسبوه لأجل اللهو واللعب.\rوالثاني: أنه متعد إلى اثنين، أولهما: دينهم. وثانيهما: لعبا ولهوا اهـ سمين.\rقوله: (الذين كلفوه) وهو دين الإسلام. لَعِباً وَلَهْواً كعبادة الحجر وتحريم البحائر، وكذا من جعل طريقته الخمر والزمر والرقص ونحوه. وأشار بما قدره إلى جواب ما يقال المشركون لا دين لهم من الأديان المشروعة، فكيف أضيف إليهم دين وأخبر عنه أنهم اتخذوه لعبا ولهوا، وهذا حاصل أحد الأجوبة في الكشاف فعلى هذا المراد بالدين المقيد وليس المراد مطلق الدين اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً أي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلا وآجلا كعبادة الصنم وتحريم البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه لعبا ولهوا حيث سخروا به أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عباداتهم زمان لعب ولهو.\rوالمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم، ويجوز أن يكون تهديدا لهم كقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً [المدثر: 12] ومن جعله منسوخا بأية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم وترك التعرض لهم اهـ.\rوفي زكريا عليه ما نصه: لا خفاء أنه لا دين للمشركين من الأديان المشروعة، وقد أضيف لهم دين وأخبر عنهم بأنهم اتخذوه لعبا ولهوا، وقد ذكر الشارح لذلك ثلاث معان، الأول: أنهم اتخذوا ما يشتهونه كعبادة الأصنام ونحوها دينا لهم. الثاني: أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوا وهو دين الإسلام لعبا ولهوا، بحيث سخروا به. الثالث: أن المراد بدينهم العيد الذي جعل ميقات عبادتهم اهـ.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ. قوله: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ أصل البسل في اللغة التحريم والمنع، ومنه هذا عليك بسل أي حرام ممنوع اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود: وأصل الابسال والبسل المنع، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه، أو لأنه ممتنع، والباسل: الشجاع لامتناعه من قرنه، وهذا بسيل عليك أي حرام ممنوع اهـ.","part":2,"page":372},{"id":913,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 373\rلا تُبْسَلَ نَفْسٌ تسلم إلى الهلاك بِما كَسَبَتْ عملت لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيٌ ناصر وَلا شَفِيعٌ يمنع عنها العذاب وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ تفد كل فداء لا يُؤْخَذْ مِنْها ما تفدى به أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ ماء بالغ نهاية الحرارة وفي المختار: وأبسله أسلمه فهو بسيل. وقوله تعالى: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ وقال أبو عبيد: أن تسلم والمستبسل الذي يسلم نفسه على الموت أو الضرب، وقد استبسل أي أن يطرح نفسه في الحرب ويريد أن يقتل أو يقتل لا محاله اهـ.\rقوله: لَيْسَ لَها الخ استئناف أو حال من نفس أو صفة لها اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ في من وجهان، أظهرهما: أنها لابتداء الغاية. والثاني: أنها زائدة. نقله ابن عطية وليس بشيء، وإذا كانت لابتداء الغاية ففيما تتعلق به وجهان، أحدهما: أنها حال من ولي لأنها لو تأخرت لكانت صفة له فتتعلق بمحذوف، وهو حال. والثاني: أنها خبر ليس فتتعلق بمحذوف أيضا هو خبر ليس، وعلى هذا فيكون لها متعلقا بمحذوف على البيان وقد مر له نظائر ومِنْ دُونِ اللَّهِ فيه حذف مضاف أي من دون عذابه وجزائه اهـ سمين.\rقوله: (تفد كل فداء) أي تفتد بكل فداء كما عبر به الخازن وعدل بهذا المعنى من باب ضرب.\rوفي المصباح: يقال عدلت هذا بهذا عدلا منّ باب ضرب إذا جعلته مثله قائما مقامه، والعدل أيضا الفدية. قال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها اهـ.\rوفي البيضاوي: والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي وكل نصب على المصدر اهـ.\rقوله: (ما تفدى به) جعل الشارح الضمير النائب عن الفاعل راجعا للمفعول، وهو المفدى به ولا يصح رجوعه للعدل لأنه هنا مصدر باق على مصدريته، فليس مثله في قوله: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ [البقرة: 48] فإنه هناك بمعنى المفدي به لا المصدر اهـ أبو السعود.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا يجوز أن يكون الذين خبر أو لهم شراب خبرا ثانيا، وأن يكون لهم شراب حالا إما من الضمير في أبسلوا وإما من الموصول نفسه، وشراب فاعل لاعتماد الجار قبله على ذي الحال، ويجوز أن يكون لهم شراب مستأنفا فهذه ثلاثة أوجه في لهم شراب، ويجوز أن يكون الذين بدلا من أولئك أو نعتا لهم فيتعين أن تكون الجملة من لهم شراب خبرا للمبتدأ، فيحصل في الموصول أيضا ثلاثة أوجه كونه خبرا أو بدلا أو نعتا، فجاءت مع ما قبلها ستة أوجه في هذه الآية. وشراب يجوز رفعه من وجهين: الابتدائية والفاعلية. وشراب فعال بمعنى مفعول، وفعال بمعنى مفعول كطعام بمعنى مطعوم لا ينقاس، لا يقال أكال بمعنى مأكول وضراب بمعنى مضروب، والإشارة بذلك في قول الزمخشري، والحوفي إلى الذين اتخذوا فلذلك أتى بصيغة الجمع. وفي قول ابن عطية وأبي البقاء:\rإلى الجنس المفهوم من قوله: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ إذ المراد به عموم الأنفس، فلذلك أشير إليه بالجمع اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا أي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة.","part":2,"page":373},{"id":914,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 374\rوَعَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) بكفرهم\rقُلْ أَنَدْعُوا أنعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا بعبادته وَلا يَضُرُّنا بتركها وهو الأصنام وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا نرجع مشركين بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإسلام كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ أضلته الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ متحيرا لا يدري أين يذهب حال من الهاء لَهُ أَصْحابٌ رفقة يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أي ليهدوه إلى الطريق يقولون له ائْتِنا قوله: لَهُمْ شَرابٌ استئناف لبيان كيفية الإبسال وعاقبته، كأنه قيل: ماذا لهم حين أبسلوا بما كسبوا؟ أو خبر ثان عن أولئك اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الخ قيل: نزلت في أبي بكر حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عباده الأصنام، فتوجه الأمر إلى النبي حينئذ للإيذان بما بينه وبين الصديق من الاتصال والاتحاد تنويها بشأن الصديق أي: أنعبد متجاوزين عبادة اللّه الجامع لجميع صفات الألوهية التى من جملتها القدرة على ذلك النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا إذا عبدناه ولا ضرنا إذا تركناه، وأدنى مراتب المعبودية القدرة على ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا عطف على ندعو داخل في حكم الإنكار والنفي، أي ونرد إلى الشرك والتعبير عنه بالرد على الأعقاب لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح اهـ أبو السعود.\rقوله: بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إذ ظرفية، أي بعد وقت هدانا اللّه، أي بعد وقت هداية اللّه لنا أو بمعنى أن المصدرية وهو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ أصله من الهوى، وهو النزول من علو إلى سفل، فكأن الشياطين حيث حيرته في الأرض طلبت هويه فيها اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: كالذي ذهبت به مردة الجنّ في المهامه اهـ استفعال من هوى يهوي إذ ذهب اهـ.\rوفي المختار: والمهمه المفازة البعيدة والجمع المهامه اهـ.\rوفي هذه الكاف وجهان، أحدهما: أنه نعت مصدر محذوف، أي نرد ردا مثل رد الذي استهوته.\rوالثاني: أنها في محل نصب على الحال من مرفوع نرد، أي مشبهين الذي استهوته الشياطين، فمن جوز تعدد الحال جعلها حالا ثانية إن جعل على أعقابنا حالا ومن يجوز ذلك جعل هذه الحال بدلا من الحال الأول أو لم يجعل على أعقابنا حالا بل متعلقا بنرد اهـ سمين.\rقوله: فِي الْأَرْضِ فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه متعلق بقوله استهوته. الثاني: أنه حال من مفعول استهوته. الثالث: أنه حال من حيران. الرابع: أنه حال من الضمير المستكنّ في حيران، وحيران حال إما من هاء استهوته على أنها بدل من الأولى، أو عند من يجيز تعددها، وإما من الذي، وإما من الضمير المستكن في الظرف، وحيران مؤنثه حيرى، فلذلك لم ينصرف. والفعل حار يحار حيرة وحيران وحيرورة اهـ سمين.\rقوله: لَهُ أَصْحابٌ الخ جملة في محل نصب صفة لحيران أو حال من الضمير فيه، أو هي مستأنفة اهـ شيخنا.","part":2,"page":374},{"id":915,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 375\rفلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجملة التشبيه حال من ضمير نرد قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى وما عداه ضلال وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ أي بأن نسلم لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71)\rوَأَنْ أي بأن أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ تعالى وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) قوله: (و الاستفهام الخ) هو قوله: أندعو أي لا ينبغي لنا ولا يمكن أن نعبد غير اللّه بعد أن هدانا لأنا لو فعلنا ذلك لكنا مثل من حيرته الشياطين إلى آخر التمثيل. وقوله: (و جملة التشبيه الخ) أي فهي في حيز النفي فالتشبيه منفي لا مثبت اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أندعو استفهام توبيخ وإنكار، والجملة في محل نصب بالقول، وما مفعوله وهي موصولة أو نكرة موصوفة، ومن دون اللّه متعلق بندعو. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون حالا من الضمير في ينفعنا، ولا معمولا لينفعنا لتقدمه على ما، وكل من الصلة والصفة لا يعمل فيها قبل الموصول والموصوف اهـ.\rقوله: (حالا من ضمير نرد) أي أنرد على أعقابنا مشبهين بالذي استهوته مردة الجن اهـ أبو السعود.\rقوله: (الذي هو الإسلام) يشير به إلى أن الهدى على نوعين كما صرحوا به، هدى دلالة وإرشاد وهو في وسع الرسل وغيرهم، وهدى هو توفيق وتأييد وهو مختص باللّه تعالى لا يقدر عليه غيره اهـ كرخي.\rوقوله: وَأُمِرْنا الخ عطف على إن هدى اللّه هو الهدى داخل تحت القول اهـ أبو السعود.\rوقوله: لِنُسْلِمَ في هذه اللام أقوال، أحدها: أن مفعول الأمر محذوف تقديره وأمرنا بالإخلاص لنسلم. الثاني: قاله الزمخشري هي تعليل للأمر بمعنى أمرنا، وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. الثالث: أن اللام زائدة أي أمرنا أن نسلم. الرابع: أن اللام بمعنى الباء أي نسلم. الخامس: أن اللام وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع أن، أن أنهما يتعاقبان تقول: أمرتك لتقوم وأن تقوم اهـ سمين.\rقوله: (أي بأن أقيموا) أشار به إلى أن قوله: وَأَنْ أَقِيمُوا معطوف على محل لنسلم كأنه قيل:\rوأمرنا أيضا بإقامة الصلاة والاتقاء، وهذا تبع فيه الكشاف اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: وَأَنْ أَقِيمُوا فيه أقوال، أحدهما: أنه في محل نصب بالقول نسقا على قوله أن هدى اللّه هو الهدى أي قل هذين الشيئين. والثاني: أنه نسق على لنسلم والتقدير: وأمرنا بكذا للإسلام ولنقيم الصلاة، وأن توصل بالأمر كقوله: كتبت إليه بأن قم، حكاه سيبويه. والثالث: أنه معطوف على مفعول الأمر المقدر، والتقدير وأمرنا بالإيمان وبإقامة الصلاة. وقال الزمخشري: فإن قلت علام عطف قوله: وَأَنْ أَقِيمُوا قلت: على موضع لنسلم كأنه قيل وأمرنا أن نسلم وَأَنْ أَقِيمُوا قال الشيخ: وظاهر هذا التقدير أن لنسلم في موضع المفعول الثاني لأمرنا وعطف عليه وَأَنْ أَقِيمُوا فتكون اللام على هذا زائدة. والرابع: أنه محمول على المعنى إذ المعنى قيل لنا أسلموا وَأَنْ أَقِيمُوا اهـ.","part":2,"page":375},{"id":916,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 376\rتجمعون يوم القيامة للحساب\rوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أي محقا وَاذكر يَوْمَ يَقُولُ للشيء كُنْ فَيَكُونُ هو يوم القيامة يقول للخلق قوموا فيقوموا قَوْلُهُ الْحَقُ الصدق الواقع لا محالة وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الثانية من إسرافيل لا ملك قوله: وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ جملة مستأنفة موجبة لامتثال ما أمر به من الأمور الثلاثة اهـ أبو السعود.\rقوله: (محقا) أي لا هازلا ولا عابثا. وأشار به إلى أن بالحق في محل نصب على الحال، وقد تقدم له هذا مرارا اهـ كرخي.\rقوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ الخ مستأنف كما أشار له الشارح بتقدير العامل لبيان أن خلقه لما ذكر من السموات والأرض لا يتوقف على مادة ولا مدة، بل يتم بمحض الأمر التكويني، والمراد بالقول المذكور حقيقته أو بالمراد به التمثيل والتشبيه تقريبا للعقول، لأن سرعة قدرته تعالى أقل زمنا من زمن النطق بكن اهـ شيخنا.\rقوله: فَيَكُونُ هي هنا تامة، وكذلك قوله: كُنْ فتكتفي بمرفوع ولا تحتاج إلى منصوب، وفي فاعلها أوجه، أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه اللّه تعالى يوم القيامة. الثاني: أنه ضمير الصور المنفوخ فيها، ودل عليه قوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ والثالث: أنه ضمير اليوم أي فيكون ذلك اليوم العظيم. والرابع: أن الفاعل هو قوله والحق صفته، أي فيوجد قوله: الْحَقُ ويكون على هذا قد تم على الحق اهـ سمين.\rقوله: قَوْلُهُ الْحَقُ فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مبتدأ الحق نعته وخبره قوله: يَوْمَ يَقُولُ والثاني: أنه فاعل بقوله: فَيَكُونُ والحق نعته أيضا، وقد تقدم هذان الوجهان. والثالث: أن قوله مبتدأ والحق خبره أخبر عن قوله بأنه لا يكون إلا حقا. الرابع: أنه مبتدأ أيضا والحق نعته ويوم ينفخ خبره، وعلى هذا فقوله: وَلَهُ الْمُلْكُ جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين المبتدأ وخبره، فلا محل لها حينئذ من الإعراب اهـ سمين.\rقوله: (لا محالة) بفتح الميم مصدر ميمي من حال يحول يقال: لا محالة أي لا بد وبالضم اسم مفعول من أحال يحيل. يقال: هو محال أي باطل اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ إنما أخبر عن ملكه يومئذ وإن كان الملك له تعالى خالصا في كل وقت في الدنيا والآخرة، لأنه لا منازع له يومئذ يدعي الملك وأنه المنفرد يومئذ، وأن من كان يدعي الملك بالباطل من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم واعترفوا بأن الملك للّه الواحد القهار، وأنه لا منازع له فيه، وعلموا أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور اهـ خازن.\rقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فيه أوجه، أحدها: أنه خبر لقوله: قَوْلُهُ الْحَقُ وقد تقدم هذا بتحقيقه. الثاني: أنه بدل من يَوْمَ يَقُولُ فيكون حكمه حكم ذاك. الثالث: أنه ظرف لتحشرون أي:\rوهو الذي إليه تحشرون في يوم ينفخ في الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس الملك أي: وَلَهُ الْمُلْكُ","part":2,"page":376},{"id":917,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 377\rفيه لغيره لمن الملك اليوم للّه عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد وَهُوَ الْحَكِيمُ في خلقه الْخَبِيرُ (73) بباطن الأشياء كظاهرها\rوَاذكر* إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ هو لقبه في ذلك اليوم. الخامس: أنه منصوب بقوله: يَقُولُ. السادس: أنه منصوب بعالم الغيب بعده.\rالسابع: أنه منصوب بقوله: قَوْلُهُ الْحَقُ اهـ سمين.\rقوله: فِي الصُّورِ هو نائب كما ذكره السمين.\rقوله: (القرن) أي المستطيل، وفيه جميع الأرواح، وفي ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة اهـ من السمين.\rوفي الخازن: واختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه، وهو لغة أهل اليمن. قال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق، ويدل في صحة هذا القول ما روي عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ما الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ» فكأن ذلك ثقل على أصحابه فقالوا: كيف نفعل يا رسول اللّه كيف نقول؟ قال: «قولوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل على اللّه توكلنا» وربما قال: «توكلنا على اللّه» أخرجه الترمذي. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيها إحياؤها بنفخ الروح فيها، وهذا قول الحسن ومقاتل، والقول الأول أصح لما تقدم في الحديث ولقوله تعالى في آية أخرى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ولإجماع أهل السنة أن المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث للحساب اهـ.\rقوله: (النفخة الثانية) وهو نفخة البعث للحساب والنفخة الأولى ونفخة الصعق أي الموت. قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] اهـ شيخنا.\rقوله: (لمن الملك اليوم الخ) كل من السؤال وجوابه منه تعالى فيتجلى في ذلك اليوم على خلقه ويسأل هذا السؤال ويجيب نفسه بنفسه، افاده المحلي في سورة غافر اهـ شيخنا.\rقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ في رفعه أوجه، أحدهما: أنه خبير مبتدأ مضمر أي هو عالم الغيب. الثاني: أنه فاعل بقوله: يقول: أي يوم؟ يقول: عالم الغيب. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف يدل عليه الفعل المبني للمفعول، كأنه لما قال: يُنْفَخُ فِي الصُّورِ سأل سائل فقال: من الذي ينفخ؟\rفقيل: عالم الغيب أي ينفخ فيه عالم الغيب أي يأمر بالنفخ فيه كقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ [النور؛ 36] أي يسبحه رجال ومثله، وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم في قراءة من بنى زين للمفعول، ورفع قتل وشركائهم كأنه قيل من زينه لهم؟ فقيل: زينه شركائهم اهـ سمين.\rقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ منصوب على المفعولية بمضمر كما قدره الشارح، وهذا المضمر معطوف على قل أندعو لا على أقيموا كما قيل لفساد المعنى، أي واذكر لهم أي لقريش بعد أن انكرت","part":2,"page":377},{"id":918,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 378\rعليهم عبادة ما لا يقدر على نفع ولا ضر وقت قول إبراهيم الذي يدعون أنهم على ملته اهـ أبو السعود.\rقوله: لِأَبِيهِ آزَرَ اختلف العلماء في لفظة آزر، فقال مجاهد: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة. وقال البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة تارخ، فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: آزر وتارخ، مثل يعقوب وإسرائيل اسمان لرجل واحد، فيحتمل أن يكون اسمه آزر وتارخ لقب له، وبالعكس، فاللّه سماه آزر وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارخ ليعرف بذلك، وكان آزر أبو إبراهيم من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة. وفي القاموس: في باب الثاء المثلثة، وكوثى بالضم قرية بالعراق ومحلة بمكة لبني عبد الدار اهـ.\rوقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه اللّه بهذا الاسم لأن من عبد شيئا أو أحبه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسما له فهو كقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: 71] وقيل: معناه وإذ قال إبراهيم لأبيه عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والأول أصح، لأن آزر اسم أبي إبراهيم لأن اللّه تعالى سماه به، وكان أهل تلك البلاد وهم الكنعانيون يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض فيجعلون لكل نجم صنما، فإذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم عند ذلك النجم. فقال إبراهيم منكرا على أبيه منبها له على ظهور فساد ما هو مرتكبه: أتتخذ أي أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى، بأن تجعل أصناما آلهة تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر الخ اهـ خطيب.\rوفي السمين: والجمهور على أن آزر بزنة آدم مفتوح الزاي والراء وإعرابه حينئذ على أوجه، أحدها: أنه بدل من أبيه أو عطف بيان له إن كان آزر لقبا له، وإن كان صفة بمعنى المخطئ كما قاله الزجاج، أو العوج كما قاله الفراء، أو الشيخ الهرم كما قاله الضحاك، فيكون نعتا لأبيه أو حالا منه بمعنى وهو في حال اعوجاج أو خطأ. وينسب للزجاج: وإن قيل إن آزر اسم صنم كان يعبده أبو إبراهيم فيكون حينئذ عطف بيان لأبيه أو بدلا منه، ويكون على حذف مضاف أي لأبيه عابد آزر، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا فيكون عابد صفة لأبيه أعرب هذا بإعرابه أو يكون منصوبا على الذم، وآزر ممنوع من الصرف. واختلف في علة منعه فقال الزمخشري: والأقرب أن يكون وزن آزر فاعل كغابر وشالخ وفالغ فعلى هذا هو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. وقال أبو البقاء: وزنه أفعل ولم ينصرف للعجمة والتعريف على قول من لم يشتقه من الازر أو الوزر ومن اشتقه من واحد منهما. قال: هو عربي ولم يصرف للتعريف ووزن الفعل، وإذا قلنا بكونه صفة على ما قاله الزجاج بمعنى المخطئ أو بمعنى العوج أو بمعنى الهرم كما قاله الفراء والضحاك، فيشكل منع صرفه ويشكل ايضا وقوعه صفة للمعرفة، وقد يجاب عن الاول بأن الإشكال يندفع بادعاء وزنه على أفعل فيمتنع حينئذ للوزن والصفة كأحمر وبابه. وأما على قول الزمخشري فلا يتمشى ذلك، وعلى الثاني بأنا لا نسلم أنه نعت لأبيه حتى يلزم وصف المعارف بالنكرات، بل هو منصوب على الذم. وقرأ أبي بن كعب وعبد اللّه بن عباس والحسن ومجاهد في آخرين بضم الراء على أنه منادى حذف حرف ندائه كقوله","part":2,"page":378},{"id":919,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 379\rواسمه تارخ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً تعبدها استفهام توبيخ إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ باتخاذها فِي ضَلالٍ تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا [يوسف: 29] ويؤيده ما في مصحف أبي يا آزر بإثبات حرف النداء، وهذا إنما يتمشى على دعوى أنه علم. وأما على دعوى وصفيته لأن حذف حرف النداى قليل معها اهـ.\rفائدة: قد جرى المفسرون على أن آزر اسم أبيه وهو مشكل بما تقرر السير من أن جميع نسبه صلّى اللّه عليه وسلّم مطهر من عبادة الأصنام بدليل قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: 219] ويجاب بأن محل ذلك ما دام النور المحمدي في أصلابهم، أما بعد انتقاله منهم فتجوز عليهم عبادة الاصنام وغيرها من سائر أنواع الكفر، تأمل. قوله: أَصْناماً جمع صنم، وهو والتمثال والوثن بمعنى وهو الذي يتخذ من خشب أو خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب أو فضة على صورة الإنسان اهـ خازن.\rقوله: إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ أي الذين يتبعونك في عبادتها، والرؤية إما علمية فالظرف مفعولها الثاني، وإما بصرية فهو حال من المفعول. والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (كما أريناه) أي بعين البصيرة لأنه تعالى أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه على غير الحق فخالفهم، فجازاه اللّه بأن أراه بعين البصر ملكوت السموات والأرض. وفي الخازن: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معناه: وكما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه وما كانوا عليه من الضلال في عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ المستقبل في قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ لأنه تعالى كان أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه على غير الحق فخالفهم فجزاه اللّه بأن أراه بعد ذلك ملكوت السموات والأرض فحسنت هذه العبارة لهذا المعنى، والملكوت الملك زيدت فيه التاء للمبالغة كالرهبوت والرغبوت والرحموت من الرهبة والرغبة والرحمة. قال ابن عباس: يعني خلق السموات والارض. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير:\rيعني آيات السموات والارض، وذلك أنه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب، وحتى رأى مكانه في الجنة فذلك قوله: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا [العنكبوت: 27] يعني أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر إلى أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب. قال البغوي: وروي عن سلمان ورفعه بعضهم عن علي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له تبارك وتعالى: يا إبراهيم أنت رجل مجاب الدعوة فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال أي خصال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت، وفي رواية: وإن تولى فأن جهنم من ورائه. قال قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. واختلف في هذه الرؤية هل كانت بعين البصر أو بعين البصيرة على قولين، أحدهما: أنها كانت بعين البصر الطاهر فشق لإبراهيم السموات حتى رأى العرش وشق له الأرض حتى رأى ما في بطنها. والقول الثاني: أن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأن ملكوت السموات والأرض عبارة عن الملك، وذلك لا يعرف إلا بالعقل فبان بهذا أن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة، إلا أن يقال","part":2,"page":379},{"id":920,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 380\rعن الحق مُبِينٍ (74) بين\rوَكَذلِكَ كما أريناه إضلال أبيه وقومه نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ ملك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليستدل به على وحدانيتنا وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) بها وجملة وكذلك وما بعدها اعتراض وعطف على قال\rفَلَمَّا جَنَ أظلم عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قيل هو الزهرة قالَ المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض اهـ.\rوفي السمين: قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ في هذه الكاف ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها للتشبيه وهي في محل نصب نعتا لمصدر محذوف فقدره الزمخشري، ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت. وقدره المهدوي: وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم، قال الشيخ: وهذا بعيد من دلالة اللفظ. قلت: إنما كان بعيدا لأن المحذوف من غير الملفوظ، ولو قدره بقوله: وكما أريناك يا محمد الهداية لكان قريبا لدلالة اللفظ والمعنى عليه معا، وقدره أبو البقاء بوجهين، أحدهما:\rقال هو نصب على إضمار أريناه تقديره، وكما رأى أباه وقومه في ضلال مبين أريناه ذلك، أي ما حآه صواب بإطلاعنا إياه عليه. والثاني: قال ويجوز أن يكون منصوبا بنرى التي بعده على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره نريه ملكوت السموات والأرض رؤية كرؤية ضلال أبيه اهـ.\rقلت: فقوله على إضمار أريناه لا حاجة إليه البتة، ولأنه يقتضي عدم ارتباط قوله: نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ بما قبله. الثاني أنها للتعليل لمعنى اللام أي لذلك الإنكار الصادر منه عليهم والدعاء إلى اللّه في زمن كان يدعى فيه غير اللّه آلهة نريه ملكوت. الثالث أن الكاف في محل رفع على خبر ابتداء مضمر، أي والأمر كذلك كما رآه من ضلالهم نقل الوجهين الأخيرين أبو البقاء وغيره، ونري هذا مضارع والمراد به حكاية حال ماضية، ونري يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين لأنها في الأصل بصرية فأكسبتها همزة النقل مفعولا ثانيا وجعلها ابن عطية منقولة من رأى بمعنى عرف وكذلك الزمخشري اهـ.\rقوله: مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هل يختص الملكوت بملك اللّه تعالى أم يقال له ولغيره؟\rفقال الراغب: والملكوت مختص بملك اللّه تعالى، وهذا هو الذي ينبغي. وقال الشيخ: ومن كلامهم له ملكوت اليمن وملكوت العراق فعلى هذا لا يختص اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الْمُوقِنِينَ اليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة، لأن الإنسان في أول الحال لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت صارت سببا لحصول اليقين والطمأنينة في القلب اهـ خازن.\rقوله: (و ما بعدها) أي إلى قوله: مِنَ الْمُوقِنِينَ وقوله اعتراض أي بين قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ وبين الاستدلال عليهم بوحدانيته تعالى بالمذكور في قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ الخ كما أشار إلى ذلك المصنف بقوله: وعطف على قال اهـ كرخي.\rوفي السمين: والجملة المشتملة على التشبيه أو التعليل معترضة بين قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ منكرا على أبيه وقومه عبادة الأصنام وبين الاستدلال على ذلك بقوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ اهـ.\rقوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ يجوز أن تكون هذه الجملة نسقا على قوله وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الخ","part":2,"page":380},{"id":921,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 381\rعطفا للدليل على مدلوله فيكون قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ معترضا كما تقدم، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ. قال ابن عطية: الفاء في قوله لما جَنَ رابطة جملة ما بعدها بما قبلها وهي ترجح أن المراد بالملكوت ما فصل في هذه الآية والأول أحسن وإليه نحا الزمخشري، جَنَ ستر وقد تقدم اشتقاق هذه المادة عند ذكر الجنة، وهنا خصوصية لذلك الفعل المسند إلى الليل يقال جنّ عليه الليل وأجنّ عليه بمعنى أظلم فيستعمل قاصرا، وجنه وأجنه فيستعمل متعديا، فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل لزوما وتعديا، إلا أن الأجود في الاستعمال جنّ عليه الليل وأجنه الليل فيكون الثلاثي لازما والرباعي منعديا اهـ سمين.\rذكر القصة في ذلك قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار والسير: ولد إبراهيم عليه السّلام في زمن نمروذ بن كنعان الملك، وكان نمروذ أول من وضع التاج رأسه ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنما يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه. ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء. وقال السدي: رأى نمروذ في منامه كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهان وسألهم عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاكك وزول ملكك وهلاك أهل دينك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في ناحيته، وأمر بعزل النساء عن الرجال وجعل على كل عشرة رجلا يحفظهم، فإذا حاضت المرأة خلوا بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت من الحيض حالوا بينهما، قالوا: فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم. وقال محمد بن إسحاق: بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت صغيرة لم يعرف الحبل في بطنها. وقال السدي: فخرج نمروذ بالرجال إلى العسكر وعزلهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود فمكث بذلك ما شاء اللّه ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه فأحضر إلى عنده وقال له: إن لي إليك حاجة أحب أن أوصيك بها، ولم ابعثك فيها إلا لثقتي بك فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك. فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة الملك ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم، فلما دخل على أم إبراهيم ونظر إليها فلم يتمالك حتى واقعها فحملت من ساعتها بإبراهيم. قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمروذ: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة، فأمر نمروذ بذبح الغلمان. فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها الطلق خرجت هاربة مخافة أن يطلع فيها فيقتل ولدها.\rقالوا: فوضعت في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ثم رجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع كذا، فانطلق إليه أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سريا في النهر فواراه فيه وسد بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها فوضعت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه باب المغارة، ثم رجعت إلى بيتها وكانت تختلف إليه لتنظر ما فعل فتجده حيا وهو يمص إبهامه. قال أبو روق: قالت أم إبراهيم: لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص","part":2,"page":381},{"id":922,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 382\rمن أصبع ماء ومن أصبع لبنا ومن أصبع سمنا ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا. وقال ابن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلاما فمات فصدقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة فلم يمكث في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره، ونظر في السماء فرأى كوكبا، قال: هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب ثم طلعت الشمس قال: هكذا الخ، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وعرف دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فلما رجعت به أمه أخبرته أنه ابنه وأخبرته بما صنعت به. فسر بذلك وفرح فرحا شديدا. وقيل: إنه مكث في السرب سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة. قالوا: فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا. قال: فمن ربك؟\rقالت: أبوك. قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت. ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض لم أخبرته بما قال نحدث فأتاه أبوه آزر فقال إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال:\rأمك. قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا. قال فمن ربك؟ قال: نمروذ. قال: فمن رب نمروذ؟ فلطمه لطمة وقال له: اسكت. فلما جنّ عليه الليل دنا من باب السرب فنظر في خلال الصخر فأبصر كوكبا فقال هذا ربي. ويقال: إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل وغنم. فقال إبراهيم: لا بد لهذه من إله هو ربها وخالقها، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع ويقال إنها الزهرة وكانت تلك الليلة من آخر الشهر آخر طلوع القمر، فرأى الكوكب قبل القمر فذلك قوله عز وجل: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ يعني أسود بظلامه رأى كوكبا قال: هذا ربي. ثم اختلف العلماء في وقت هذه الرؤية وفي وقت هذا القول، هل كان قبل البلوغ أو بعده على قولين، أحدهما: أنه كان قبل البلوغ في حال طفوليته وذلك قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن لهذا القول الذي صدر من إبراهيم في هذا الوقت اعتبار ولا يترتب عليه حكم، لأن الأحكام إنما تثبت بعد البلوغ. وقيل: إن إبراهيم لما خرج من السرب في حال صغره ونظر إلى السماء وما فيها من العجائب، وكان قد خصه اللّه بالعقل الكامل والفطرة السليمة، تفكر في نفسه وقال: لا بد لهذه الخلائق من خالق ومدبر وهو إله الخلق، ثم نظر في حال تفكره فرأى الكوكب وقد أزهر، فقال: هذا ربي على ما سبق إلى وهمه، وذلك في حال طفوليته وقبل النظر في معرفة أحكام الرب سبحانه وتعالى. واستدل أصحاب هذا القول على صحته بقوله: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ قالوا: وهذا يدل على نوع تحير وذلك لا يكون إلا في حال الصغر وقبل البلوغ وقيام الحجة، وهذا القول ليس بسديد ولا مرض لأن الأنبياء معصومون في كل حال من الأحوال، وأنه لا يجوز أن يكون للّه عز وجل رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو باللّه عارف وله موحد من كل منقصة منزه ومن كل معبود سواه بريء، وكيف يتوهم هذا على إبراهيم وقد عصمه وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السموات والأرض ورأى الكوكب، قال معتقدا: هذا ربي حاشى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك لأن منصبه أعلى وأشرف من ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم. والقول الثاني الذي عليه جمهور المحققين: أن هذه الرؤية وهذا القول كان بعد بلوغ إبراهيم وحين شرفه اللّه بالنبوة وأكرمه بالرسالة ثم اختلف أصحاب هذا القول ثم اختلف أصحاب","part":2,"page":382},{"id":923,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 383\rلقومه وكانوا نجامين هذا رَبِّي في زعمكم فَلَمَّا أَفَلَ غاب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) أن هذا القول في تأويل الآية ومعناها فذكروا فيها وجوها، الوجه الأول: أن إبراهيم عليه السّلام أراد أن يستدرج قومه بهذا القول ويعرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم وعبادتها لأنهم كانوا يرون أن كل الأمور إليها فأراهم إبراهيم أنه معظم ما عظموه، فلما أفل الكوكب والشمس والقمر أراهم النقص الداخل على النجوم بسبب الغيبة والأفول ليثبت خطأ ما كانوا يعتقدون فيها من الألوهية ومثل هذا كمثل الحواري الذي ورد على قوم كانوا يعبدون صنما فأظهر تعظيمه فأكرموه لذلك حتى صاروا يصدرون عن رأيه في كثير من أمورهم، إلى أن دهمهم عدو لا قبل لهم به، فشاوروه في أمر هذا العدو فقال: الرأي عندي أن تدعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما نزل بنا، فاجتمعوا حول الصنم يتضرعون إليه فلم يغن شيئا، فلما تبين لهم أنه لا يضر ولا ينفع ولا يدفع دعاهم الحواري وأمرهم أن يدعوا اللّه عز وجل ويسألوه أن يكشف عنهم ما نزل بهم، فدعوا اللّه مخلصين فصرف عنهم ما كانوا يحذرون فأسلموا جميعا. الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السّلام قال هذا القول على سبيل الاستفهام وهو استفهام إنكار وتوبيخ لقومه تقديره أهذا ربي الذي تزعمون وإسقاط حرف الاستفهام كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الأنبياء: 34] ويعني أفهم الخالدون والمعنى أيكون هذا ربا؟\rودلائل النقص فيه ظاهرة. الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السّلام قال ذلك على وجه الاحتجاج على قومه يقول هذا ربي بزعمكم، فلما غاب قال: لو كان إلها كما تزعمون لما غاب، فهو كقوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: 49] يعني عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى عليه السّلام بقوله تعالى: انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً [طه: 97] يريد إلهك بزعمك. الوجه الرابع:\rأن في هذه الآية إضمار يقولون، أي قال يقولون هذا ربي، وإضمار القول كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة: 127] أي يقولان ربنا تقبل منا.\rالوجه الخامس: أن اللّه تعالى قال في حقه: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ثم قال بعده فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ والفاء تقتضي التعقيب فدل هذا على أن هذه الواقعة بعد أن أراه اللّه ملكوت السموات والأرض بعد الإيقان ومن كان معه بهذه المنزلة الشريفة العالية، لا يليق بحاله أن يعبد الكواكب أو يتخذها ربا اهـ خازن.\rقوله: رَأى كَوْكَباً جواب لما اهـ كرخي.\rوعلى هذا فقوله: قال هذا ربي مستأنف، وقيل: إن جملة رَأى كَوْكَباً في محل. وقوله:\rقالَ هذا رَبِّي هو جواب لما أي فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ رائيا كوكبا قال الخ اهـ من السمين.\rقوله: (قيل هو الزهرة) بفتح الهاء بوزن تؤدة كوكب في السماء الثالثة اهـ.\rقوله: (قال لقومه) أي إرادة لهدايتهم وبطلان معتقدهم ليؤمنوا في زعمهم واعتقادهم، أو قاله على سبيل الاستهزاء لا على الحقيقة والاعتقاد، لأن هذا لا يكون أبدا وهذا شأن من ينصف خصمه عالما ببطلانه ثم ينكر عليه فيبطله بالحجة اهـ كرخي.\rقوله: (و كانوا نجامين) القياس منجمين كما في عبارة غيره أي عالمين بمطالع النجوم وحسابها.","part":2,"page":383},{"id":924,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 384\rأتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال لأنهما من شأن الحوادث فلم ينجع فيهم ذلك\rفَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً طالعا قالَ لهم هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي يثبتني على الهدى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) تعريض لقومه بأنهم على ضلال فلم ينجع فيهم ذلك وقيل: معنى نجامين أنهم كانوا يعبدون النجوم كما كانوا يعبدون الشمس والقمر ايضا كما تقدم عن الخطيب. قوله: (في زعمكم) أي الجملة خبرية لا استفهامية كما قيل اهـ.\rقوله: فَلَمَّا أَفَلَ في المصباح: أفل الشيء أفلا وأفولا من بابي ضرب وقعد غاب ومنه أفل فلان عن البلد إذا غاب عنها والأفيل الفصيل وزنا ومعنى، والجمع إفال بالكسر. وقال الفارابي:\rالإفال بنات المخاض فما فوقه. وقال أبو زيد: الأفيل الفتى من الأبل. وقال الأصمعي: ابن تسعة أو ثمانية. وقال ابن فارس جمع الأفيل إفال، والإفال: صغار الغنم اهـ.\rقوله: (لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال) أي لأن الأفول حركة، والحركة تقتضي حروث المتحرك وإمكانه فيمتنع أن يكون المتحرك ربا وإلها اهـ كرخي.\rقوله: (فلم ينجع فيهم ذلك) أي لم يؤثر ويفد، وهو من باب خضع. يقال: نجع نجوعا كما في المختار. وفي المصباح: ونجع الدواء والوعظ والعلف: ظهر أثره اهـ.\rقوله: بازِغاً حال من القمر، والبزوغ: الطلوع. يقال: بزغ بفتح الزاي يبزغ بضمها، واستعمل قاصرا ومتعديا. يقال: بزع البيطار الدابة: أي أسال دمها فبزغ هو أي سال، هذا هو الأصل.\rثم قيل: لكل طلوع بزوغ ومنه بزغ ناب الصبي والبعير تشبيها بذلك اهـ سمين.\rوفي المصباح: بزغ البيطار والحاجم بزغا من باب قتل شرط، وأسال الدم وبزغ باب البعير بزوغا: طلع. وبزغت الشمس: طلعت. فهي بازغة اهـ.\rقوله: قالَ لهم هذا رَبِّي أي بزعمكم كما تقدم. قوله: (يثبتني على الهدى) أي وإلا فالهدى حاصل للأنبياء بحسب الفطرة والخلقة فلا يتصور نفيه اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: (يثبتني على الهدى) إذ لا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، لأن كل ذلك كان حاصلا لإبراهيم اهـ.\rقوله: (تعريض لقومه الخ) إنما عرض بضلالهم في أمر القمر لأنه أيس منهم في أمر الكوكب، ولو قاله في الأول لما انصفوا ولا أصغوا، ولهذا صرح في الثالثة بالبراءة منها، وأنهم على شرك، أي فالتعريض هنا لاستدرك الخصم إلى الإذعان والتسليم اهـ كرخي.\rقوله: (فلم ينجع فيهم ذلك) أي الدليل المذكور. قوله: (ذكره لتذكير خبره) أي وهو ربي، وهذا كالمتعين لأن المبتدأ والخبر عبارة عن شيء واحد، والرب سبحانه وتعالى عن شبهة التأنيث، ألا تراهم قالوا في صفته علام ولم يقولوا علامة، وإن كان علامة أبلغ صيانة له عن علامة التأنيث اهـ كرخي.","part":2,"page":384},{"id":925,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 385\rفَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا ذكره لتذكير خبره رَبِّي هذا أَكْبَرُ من الكوكب والقمر فَلَمَّا أَفَلَتْ وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) باللّه من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث فقالوا له ما تعبد قال\rإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ قصدت بعبادتي لِلَّذِي فَطَرَ خلق السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي اللّه حَنِيفاً مائلا إلى الدين القيم وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) به\rوَحاجَّهُ قَوْمُهُ جادلوه في دينه وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن تركها قالَ أَتُحاجُّونِّي بتشديد النون وتخفيفها بحذف إحدى النونين وهي نون الرفع عند النحاة قوله: هذا أَكْبَرُ أي جرما وضوءا ونفعا فسعة جرم الشمس مائة وعشرون سنة كما قاله الغزالي اهـ.\rقوله: مِمَّا تُشْرِكُونَ ما مصدرية أي بريء من أشراككم، أو موصولة أي من الذي تشركونه مع اللّه في عبادته، فحذف العائد، ويجوز أن تكون موصوفة والعائد أيضا محذوف، إلا أن حذف عائد الصفة أقل من حذف عائد الصلة، فالجملة بعد ما لا محل لها على القولين الأولين ومحلها الجر على الثالث اهـ سمين.\rوقد جرى المفسر على أنها موصولة حيث بينها بقوله: من الأصنام والأجرام، والأجرام عبارة عن الكواكب والقمر والشمس اهـ شيخنا.\rقوله: فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي وما فيهما، ومن جملته معبوداتكم وهي الأصنام والكواكب والشمس والقمر، فهي مخلوقة له فلا يصح أن تكون آلهة، وقد أبطل الأول بقوله: إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ الخ والثاني بقوله: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ والثالث بقوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ والرابع بقوله: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي اهـ شيخنا.\rقوله: حَنِيفاً حال من التاء في وجهت. قوله: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ روي أنه لما شب إبراهيم وكبر وجعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها له ليبيعها، فيذهب بها وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها: اشربي استهزاء بقومه حتي فشا فيهم استهزاؤه جادلوه فذلك قوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و هددوه) عطف تفسير على جادلوه فمحاجتهم كانت بالتهديد لا بالبرهان لعدمه عندهم ومحاجته كانت بالبرهان، ففرق بين المقامين اهـ.\rوفي زاده على البيضاوي: يعني أنه عليه السّلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة أوردوا عليه حججا على صحة أقوالهم بأن قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، ومثل قولهم:\rأجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب، ومثل: أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في ألوهية هذه الأصنام وقعت في الآفات اهـ شيخنا.\rقوله: (أن تصيبه بسوء) كخبل وجنون اهـ خازن.\rوقوله: (إن تركها) أن ترك عبادتها. قوله: قالَ أَتُحاجُّونِّي الخ استئناف وقع جوابا لسؤال نشأ الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 25","part":2,"page":385},{"id":926,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 386\rونون الوقاية عند القراء أتجادلونني فِي وحدانية اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ تعالى إليها وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ ه بِهِ من الأصنام أن تصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء إِلَّا لكن أَنْ يَشاءَ من حكاية محاجتهم، كأنه قيل: قال حين حاجوه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتشديد النون) أي إدغام نون الرفع في نون الوقاية. وقوله: (و تخفيفها) أي لئلا يجتمع مشددان في كلمة واحدة وهما الجيم والنون اهـ كرخي.\rقوله: (و هي نون الرفع) وهي الأولى عند النحاة. قال سيبويه وغيره من البصريين: لأنها المعهود حذفها. وقوله: (و نون الوقاية) وهي الثانية عند الفراء. قال الأخفش: في قوم لأنها التي يحصل بها الثقل، ولأن الأولى دالة على الإعراب، فبقاؤها أولى. وبرهن كل على مختاره بما يطول بنا الكلام في ذكره اهـ كرخي.\rفمن أدلة سيبويه على أن المحذوف هو الأولى أنها نائبة عن الضمة: وهي قد تحذف تخفيفا كما في قراءة أبي عمر: وينصركم ويأمركم ويشعركم، فكذا ما ناب عنها. ودليل الفراء على أن المحذوف هو الثانية أن الثقل إنما حصل بها اهـ شيخنا.\rقوله: وَقَدْ هَدانِ يرسم بلا ياء لأنها من ياءات الزوائد. وفي النطق يجب حذفها في الوقف، ويجوز إثباتها وحذفها في الوصل اهـ شيخنا.\rوقوله: (إليها) أي إلى وحدانيته. وفي السمين: وجملة وَقَدْ هَدانِ في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان، أظهرهما: أنه الياء في أَتُحاجُّونِّي أي أتجادلونني في اللّه حال كوني مهديا من عنده. والثاني: أنها حال من اللّه أي أتخاصموني فيه حال كونه هاديا لي، فحجتكم لا تجدي شيئا لأنها داحضة اهـ.\rقوله: وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عليه السّلام بأنه لا يخاف ما يشركون به ربا ثقة به، وكانوا قد خوفوه من ضرر يحصل به بسبب سب آلهتهم. ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال باعتبارين، أحدهما: أن تكون ثانية عطفا على الأولى فيكون الحالان من الياء في أَتُحاجُّونِّي والثاني: أنها حال من الياء في هداني فتكون جملة حالية من بعض جملة حالية فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذه الوجه قبل الفعل المضارع لما تقدم من أن الفعل المضارع المنفي بلا حكمه حكم المثبت من حيث إنه لا تباشره الواو اهـ سمين.\rقوله: ما تُشْرِكُونَ ه أشار إلى أن ما موصولة، فالهاء في به تعود على ما، والمعنى: ولا أخاف الذي تشركون اللّه به أو تعود على اللّه، والمحذوف هو العائد على ما، ويجوز أن تكون مصدرية، وعلى هذا فالهاء في به لا تعود على ما عند الجمهور بل تعود على اللّه تعالى، والتقدير: ولا أخاف إشراككم باللّه والمفعول محذوف أي ما تشركون غير اللّه به اهـ كرخي.\rقوله: (لكن) عادته أن الاستثناء إذا كان منقطعا يعبر فيه بلكن، وهو هنا كذلك، فأن المشيئة ليست مما يشركونه به، والمصدر المأخوذ من الفعل وأن مبتدأ خبره محذوف، تقديره: لكن مشيئة ربي أخافها اهـ شيخنا.","part":2,"page":386},{"id":927,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 387\rرَبِّي شَيْئاً من المكروه يصيبني فيكون وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي وسع علمه كل شيء أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) هذا فتؤمنون\rوَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ باللّه وهي لا تضر ولا تنفع وَلا وعبارة الكرخي: قوله: (لكن) أشار به إلى أن الاستثناء منقطع، وهو ما جرى عليه ابن عطية والحوفي، وهو أحد قولي أبي البقاء والكواشي. قال الحوفي: وتقديره لكن مشيئة اللّه إياي بضر أخافها. والثاني: أنه متصل وهو أظهر القولين، لأنه من جنس الأول والمستثنى منه الزمان، كما أشار إلى ذلك في الكشاف بقوله: إلا وقت مشيئة ربي شيئا يخاف، فحذف الوقت يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط، لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلا أن يشاء ربي شيئا من المكروه يصيبني من جهتها اهـ.\rقوله: (يصيبني) صفة لشيئا، وهو إشارة إلى تقدير مضاف أي إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي إصابة بشيء لي من المكروه. (فيكون) بالنصب عطفا على مدخول أن، أو بالرفع استئنافا أي، فهو يكون اهـ شيخنا.\rقوله: وَسِعَ رَبِّي أي أحاط. وقوله: كُلَّ شَيْءٍ مفعول به. وقوله: عِلْماً تمييز محول عن الفاعل كما أشار له المفسر. وفي السمين: عِلْماً فيه وجهان، أظهرهما: أنه تمييز محول عن الفاعل تقديره وسع علم ربي كل شيء كقوله: واشتعل الرأس شيبا، أي شيب الرأس. والثاني: أنه منصوب على المفعول المطلق لأن معنى وسع علم. قال أبو البقاء: لأن ما يسع الشيء فقد احاط به والعالم بالشيء محيط بعلمه. والجملة من قوله: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً بالتعليل للاستثناء أي فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه من قلبي بسبب من الأسباب لأنه أحاط بكل شيء علما اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ أي تعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات لا تضر ولا تنفع، فلا تتذكرون أنها غير قادرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (هذا) أي سعة علمه. قوله: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ استئناف مسوق لنفي الخوف عنه بالطريق الإلزامي بعد نفيه عنه بحسب الواقع، ونفس الأمر بقوله سابقا وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ اهـ أبو السعود.\rفعلى هذا يكون المخوف منه هنا هو ما سبق، وهو هناك إصابة الأصنام له بسوء، فينبغي أن يكون هنا كذلك، وينسحب هذا المعنى إلى قوله: أَحَقُّ بِالْأَمْنِ فيكونه المراد بالأمن في حقه الأمن من إصابة الأصنام له بسوء، وفي حقهم الأمن من عاقبة الشرك وهو العذاب في الآخرة. والشراح قد فسروا الأمن في جانب الفريقين بالأمن من العذاب في الآخرة، وقد عرفت أن هذا لا يناسب جانبه كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rوقد تقدم الكلام على كيف في أول البقرة وهذه نظيرتها. وما يجوز فيها ثلاثة أوجه: كونها موصولة اسمية، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والعائد على الأولين محذوف أي ما أشركتموه باللّه أو إشراككم باللّه غيره. وقوله: وَلا تَخافُونَ يجوز في هذه الجملة أن تكون نسقا على أخاف فتكون","part":2,"page":387},{"id":928,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 388\rتَخافُونَ أنتم من اللّه أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ في العبادة ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ بعبادته عَلَيْكُمْ سُلْطاناً حجة وبرهانا وهو القادر على كل شيء فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أنحن أم أنتم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) من الأحق به أي وهو نحن فاتبعوه قال تعالى\rالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا يخلطوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أي شرك كما فسر بذلك في حديث الصحيحين أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ من العذاب داخلة في حيز التعجب والإنكار وأن تكون حالية أي كيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم، ولا بد من إضمار مبتدأ قبل المضارع المنفي بلا، لما تقدم غير مرة، أي كيف أخاف الذي تشركون أو عاقبة إشراككم حال كونكم آمنين من مكر اللّه الذي أشركتم به غيره، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رابط يعود على ذي الحال، لا يضر ذلك لأن الواو نفسها رابطة اهـ سمين.\rقوله: (و هي لا تضر الخ) فيه مراعاة معنى ما. قوله: ما لَمْ يُنَزِّلْ مفعول لأشركتم، وهي موصولة اسمية أو نكرة، ولا تكون مصدرية لفساد المعنى، وبه وعليكم متعلقان بينزل، ويجوز في عليكم وجه آخر وهو أن يكون حالا من سلطانا، لأنه لو تأخر عنه لجاز أن يكون صفة له اهـ سمين.\rقوله: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي من الموحد والمشرك، ولم يقل أينا أحق بالأمن أنا أم أنتم احترازا عن تزكية نفسه، والمراد من الأحق الحقيق فمعنى أحق بالأمن أنه كامل الاستحقاق لأن الواقع أنه ليس للمشرك أمن أصلا اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن شرطية وجوابها محذوف قدره الشارح بقوله: فاتبعوه وقدره غيره بقوله: فأخبروني اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) الَّذِينَ آمَنُوا الخ عبارة السمين: قوله: الَّذِينَ آمَنُوا هل هو من كلام إبراهيم، أو من كلام قومه، أو من كلام اللّه تعالى ثلاثة أقوال للعلماء، وعليها يترتب الإعراب. فإن قلنا إنها من كلام إبراهيم جوابا عن السؤال في قوله: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ وكذا إن قلنا إنها من كلام قومه وأنهم أجابوا بما هو حجة عليهم، كان الموصول خبر ومبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا وإن جعلناه لمجرد الإخبار من الباري تعالى كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه، أحدهما: أنه الجملة بعده فإن أولئك مبتدأ ثان، والأمن مبتدأ ثالث، ولهم خبره، والجملة خبر أولئك، وأولئك وخبره خبر الأول.\rالثاني: أن يكون أولئك بدلا أو عطف بيان، ولهم خبر الموصول، والأمن فاعل به لاعتماده. الثالث:\rكذلك، إلا أن لهم خبر مقدم والأمن مبتدأ مؤخر والجملة خبر الموصول. وأما على قولنا بأن الذين خبر مبتدأ محذوف فيكون أولئك مبتدأ فقط وخبره الجملة بعد أو الجار وحده، والأمن فاعل به، والجملة الأولى على هذا منصوبة بقول مضمر. أي قال لهم الَّذِينَ آمَنُوا إن كانت من كلام الخليل أو قالوا هم الَّذِينَ آمَنُوا الخ إن كانت من كلام قومه. فقوله: ولم يلبسوا يجوز فيه وجهان، أحدهما:\rأنها معطوفة على الصلة فلا محل لها حينئذ. والثاني: أن تكون الواو للحال والجملة بعدها في محل نصب على الحال، أي آمنوا غير ملبسين إيمانهم بظلم اهـ.\rقوله: (في حديث الصحيحين) ففيهما عن ابن مسعود قال: لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا الخ شق ذلك على المسلمين وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول اللّه* صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم","part":2,"page":388},{"id":929,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 389\rوَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)\rوَتِلْكَ مبتدأ ويبدل منه حُجَّتُنا التي احتج بها إبراهيم على وحدنية اللّه من أفول الكواكب وما بعده والخبر آتَيْناها إِبْراهِيمَ أرشدناه لها حجة عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ تسمعوا قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك باللّه، إن الشرك لظلم عظيم». وفي رواية: «ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه» وذكره اهـ خازن.\rوذهب المعتزلة إلى أن المراد بالظلم في الآية المعصية لا الشرك بناء على أن خلط أحد الشيئين بالآخر يقتضي اجتماعهما، ولا يتصور خلط الايمان بالشرك لأنهما ضدان لا يجتمعان، وهذه الشبهة ترد عليهم بأن يقال: كما أن الإيمان لا يجامع الكفر، فكذلك المعصية لا تجامع الإيمان عندكم لكونه اسما لفعل الطاعات واجتناب المعاصي، فلا يكون مرتكب الكبيرة مؤمنا عندكم ولهم أن يجيبوا عنها بأن الإيمان كثيرا ما يطلق على نفس التصديق، بل ربما لا يفهم من ذكره بلفظ الفعل إلا هذا حتى أنه يعطف عليه عمل الصالحات في مواضع كثيرة. وذهب أهل السنة إلى أن المراد من الظلم ههنا الإشراك تمسكا بالحديث. وقالوا: إن أريد بالإيمان مطلق التصديق سواء كان باللسان أو بغيره، فظاهر أنه يجامع الشرك، وكذا أن أريد به تصديق القلب لجواز أن يتصدق المشرك بوجود الصانع دون وحدانيته كما قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106] اهـ زاده على البيضاوي.\rقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا إشارة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إلى قوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَ، أو من قوله: أَتُحاجُّونِّي إلى قوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَ وقوله: آتَيْناها إِبْراهِيمَ أي أرشدنا إليها وعلمناه إياها، وقوله: عَلى قَوْمِهِ متعلق بحجتنا إن جعل خبر تلك، وبمحذوف إن جعل بدلا منه، أي آتيناها حجة على قومه اهـ بيضاوي.\rوعبارة السمين: تلك إشارة إلى الدلائل المتقدمة من قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ إلى قوله:\rوَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ويجوز في حجتنا وجهان، أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ، وفي آتيناها حينئذ وجهان، أحدهما: أنه في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة ويدل على ذلك التصريح بوقوع الحال في نظيرتها، كقوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النحل: 52]، والثاني: أنه في محل رفع على أنه خبر ثان أخبر عنه بخبرين، أحدهما مفرد والآخر جملة. والثاني:\rمن الوجهين الأولين أن يكون حجتنا بدلا أو بيانا لتلك، والخبر الجملة الفعلية اهـ.\rقوله: (من أفول الكواكب الخ) فعلى هذا يكون اسم الإشارة وهو تلك راجعا إلى قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إلى هنا اهـ شيخنا.\rوقوله: وما بعده وهو القمر والشمس اهـ.\rقوله: (أرشدناه لها) أي بإلهام أو بوحي قولان، وقوله: حجة حال من الهاء في آتيناها، وأشار الشارح بفلك إلى أن قوله: عَلى قومه حال متعلق بمحذوف هو الحال في الحقيقة اهـ شيخنا.\rقوله: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ فيه وجهان، أظهرهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الثاني:\rجوزه أبو البقاء وبدأ به أنها في موضع الحال من آتيناها يعني من فاعل آتيناها، أي في حال كوننا رافعين ولا تكون حالا من المفعول، إذ لا ضمير فيها يعود إليه اهـ كرخي.","part":2,"page":389},{"id":930,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 390\rنَشاءُ بالإضافة والتنوين في العلم والحكمة إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (83) بخلقه\rوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ابنه كُلًّا منهما هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ أي قبل إبراهيم قوله: (بالإضافة) أي فالمفعول به هو درجات وقوله: والتنوين أي فالمفعول به هو من نشاء ودرجات مفعول فيه أي نرفع من نشاء رفعه في درجات أي رتب اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ خطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم على ما قاله السمين وأبو حيان، فهذا رجوع إلى الخطاب وفي قوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الخ على حسب ما قدره الشارح هناك اهـ شيخنا.\rقوله: وَوَهَبْنا لَهُ الخ عطف على قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا فإن عطف كل من الفعلية والاسمية على الأخرى مما لا نزاع في جوازه اهـ أبو السعود.\rولما أظهر إبراهيم عليه السّلام دينه وغلب خصمه بالحجج القاطعة والبراهين القوية والدلائل الصحيحة التي فهمه اللّه تعالى إياها وهداه إليها عدد نعمه عليه وإحسانه، فإنه رفع ذريته في عليين وأبقى النبوة في ذريته إلى يوم الدين، فقال تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ يعني لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ الخ اهـ خازن.\rوالمقصود من تلاوة هذه النعم على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفه، لأن شرف الوالد يسري إلى الولد.\rوجملة ما ذكر في هذه الآية ثمانية عشر رسولا وبقي سبعة وهم آدم وإدريس وشعيب وصالح وهود وذو الكفل ومحمد، فهؤلاء الخمسة والعشرون هم الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا اهـ شيخنا.\rقوله: كُلًّا هَدَيْنا أي للشرع الذي أوتيه إبراهيم فإنهما مقتديان به اهـ أبو السعود.\rقوله: وَنُوحاً هَدَيْنا بين آدم ونوح ألف ومائة سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، ونوح بن لمك: بفتح اللام وسكون الميم وبالكاف. وقيل ملكان بفتح الميم وسكون اللام وبالنون. ابن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة وكسر اللام وبالخاء المعجمة. ابن إدريس. وكان بين إدريس ونوح ألف سنة وبعث نوح لأربعين سنة ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ستين سنة. وقيل: بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين، وإبراهيم ولد على رأس ألفي سنة من آدم، وبينه وبين نوح عشرة قرون. وعاش إبراهيم مائة وخمسا وسبعين سنة وولده إسماعيل عاش مائة وثلاثين سنة وكان له حين مات أبوه تسع وثمانون سنة، وأخوه إسحاق ولد بعده بأربع عشرة سنة وعاش مائة وثمانين سنة ويعقوب بن إسحاق عاش مائة وسبعا وأربعين، ويوسف ابن يعقوب عاش مائة وعشرين سنة وبينه وبين موسى أربعمائة سنة، وبين موسى وإبراهيم خمسمائة وخمس وستون سنة، وعاش موسى مائة وعشرون سنة وبين موسى وداود خمسمائة وتسع وستون سنة، وعاش مائة سنة وولده سليمان عاش نيفا وخمسين سنة وبينه وبين مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نحو ألف وسبعمائة سنة، وأيوب عاش ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة بلائه سبع سنين، ويونس هو ابن متى وهي أمه اهـ من التحبير في علم التفسير للسيوطي.\rوعبارة الزرقاني على المواهب: ونوح بن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف، ابن","part":2,"page":390},{"id":931,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 391\rوَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي نوح داوُدَ وَسُلَيْمانَ ابنه وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ بن يعقوب وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)\rوَزَكَرِيَّا وَيَحْيى ابنه وَعِيسى ابن مريم يفيد أن الذرية تتناول أولاد البنت وَإِلْياسَ ابن أخي هرون أخي موسى كُلٌ منهم مِنَ متوشلخ بفتح الميم وشد الفوقية المضمومة وسكون الواو وفتح المعجمة واللام خاء معجمة، ابن أخنوخ وهو إدريس اهـ.\rقوله: (أي قبل إبراهيم) أي بعشرة قرون اهـ من التحبير. قوله: مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ الخ داود وما عطف عليه معطوف على نوح، فالناصب له هدينا ومن ذريته حال منه، وما عطف عليه أي هدينا نوحا وهدينا داود وسليمان الخ حال كونهم من ذريته أي ذرية نوح وزكريا وما عطف عليه معطوف على داود المعطوف على نوح، وكذلك إسماعيل وما عطف عليه فجملة الأربعة عشر التي بعد نوح منصوبة بفعل الهداية الذي نصب نوحا اهـ السمين.\rقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ (أي نوح) عبارة الخازن: اختلفوا في هذا الضمير إلى من يرجع فقيل:\rيرجع إلى إبراهيم يعني ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان. وقيل: يرجع إلى نوح وهو اختيار جمهور المفسرين، لأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ولأن اللّه تعالى ذكر في جملة هذه الذرية لوطا وهو ابن أخي إبراهيم، ولم يكن من ذريته، فثبت بهذا أن هاء الكتابة ترجع إلى نوح. وقال الزجاج: كلا الاحتمالين جائز لأن ذكرهما جميعا قد جرى انتهت.\rقوله: وَأَيُّوبَ أي وذو الكفل ابنه، وأيوب هو ابن أموص بن رازخ بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. وقوله: مُوسى هو ابن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب. وقوله: وَهارُونَ هو أخو موسى وكان أكبر من موسى بسنة اهـ خازن.\rقوله: (كما جزيناهم) أي شرفناهم وفضلناهم بأنواع الكرامات اهـ أبو السعود.\rقوله: (يفيد أن الذرية) وذلك لأن عيسى ليس له أب، بل له أم تنسب إلى نوح اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِلْياسَ بالهمز أوله تركه، قيل: هو ابن أخي هارون أخي موسى. وقيل: غيره اهـ من المحلي.\rفي سورة الصافات قال ابن مسعود: الياس هو إدريس وله اسمان مثل: يعقوب وإسرائيل. وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران، وهذا هو الصحيح، لأن أصحاب الأنساب يقولون: إن إدريس جد نوح، لأن نوحا بن لمك بن متوشلخ بن أخنوج وهو إدريس اهـ خازن.\rأي فلا يصح أن يكون إلياس هو إدريس لأنه يلزم عليه جعل الجد من ذرية فرعه اهـ شيخنا.\rوإدريس ابن شيث بن آدم لصلبه اهـ من التحبير.\rقوله: (ابن أخي هارون الخ) كذلك وقع للشارح تبعا لشيخه المحلي في سورة الصافات وهو أحد قولين والقول الآخر الذي مشى عليه جمهور المفسرين أنه من أسباط هارون وأنه ابن ياسين بن فنحاص ابن عيزار ابن هارون بن عمران، والشارح نفسه قد جرى على هذا الذي جروا عليه في كتاب التحبير،","part":2,"page":391},{"id":932,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 392\rالصَّالِحِينَ (85)\rوَإِسْماعِيلَ بن إبراهيم وَالْيَسَعَ اللام زائدة وَيُونُسَ وَلُوطاً بن هاران أخي إبراهيم وَكلًّا منهم فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) بالنبوة\rوَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ عطف على كلا أو نوحا ومن للتبعيض لأن بعضهم لم يكن له ولد وبعضهم كان في ولده كافر فلو قال ابن أخي موسى لوافق ما قالوه اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْيَسَعَ هو ابن أخطوب بن العجوز اهـ خازن.\rوقرأ الجمهور اليسع بلام واحدة ساكنة وفتح الياء بعدها، وقرأ الأخوان: الليسع بلام مشددة وياء ساكنة بعدها، فقراءة الجمهور فيها تأويلان، أحدهما: أنه منقول من فعل مضارع، والأصل يوسع بكسر السين ثم حذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة، ثم فتحت السين بعد حذف الواو لأجل حرف الحلق وهو العين، مثل: يهب ويقع ويدع ويلغ، ثم سمي به مجردا عن الضمير وزيدت فيه الألف واللام، وقيل: الألف واللام فيه للتعريف كأنه قدر تنكيره. والثاني: أنه اسم أعجمي لا اشتقاق له، وأما قراءة الأخوين فأصله ليسع كضيغم وصيرف، وهو اسم أعجمي، ودخول الألف واللام فيه على الوجهين المتقدمين. واختار أبو عبيد قراءة التخفيف فقال: سمعنا اسم هذا النبي في جميع الأحاديث اليسع ولم يسمه أحد منهم الليسع، وهذا لا حجة فيه لأنه روى اللفظ بأحد لغتيه، وإنما آثر الرواة هذه اللفظة لخفتها لا لعدم صحة الأخرى. وقال القراء: قراءة التشديد أشبه بأسماء العجم، وقد تقدم أن في نون يونس ثلاث لغات، وكذلك في سين يوسف اهـ سمين.\rقوله: (بن هاران) في القاموس هاران بن تارخ أخو إبراهيم وأبو لوط عليهما السّلام اهـ.\rقوله: وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ اعلم أن اللّه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل، ولكن هنا لطيفة أوجبت الترتيب هنا وهي أن اللّه خص كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعا، ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان، وقد أعطى اللّه داود وسليمان من ذلك حظا وافرا، ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد، وقد خص اللّه بهذه أيوب ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف، فإنه صبر على البلاء والشدة حتى أعطاه اللّه ملك مصر مع النبوة. ثم من المراتب المعتبرة في فضل الأنبياء كثرة المعجزات وكثرة البراهين، وقد خص اللّه موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر، ومن المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا وقد خص اللّه بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ثم ذكر اللّه بعد هؤلاء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ولوط فإذا اعتبرت هذه اللطيفة كان هذا الترتيب حسنا. واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه اهـ خازن.\rقوله: (عطف على كلا) أي فالعامل فيه فضلنا.\rوقوله: (أو نوحا) أي فالعامل فيه هدينا أي وفضلنا أو هدينا من آبائهم الخ. وقوله: (من للتبعيض) أي على كل من العطفين، وظاهره أن التبعيض معتبر في كل من الآباء والذرية والإخوان، والظاهر أنه لا يحتاج إليه في الأخير لأن إخوانهم كلهم مهديون، لأن المراد بهدى أو تفضيل الآباء","part":2,"page":392},{"id":933,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 393\rوَاجْتَبَيْناهُمْ اخترناهم وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)\rذلِكَ الدين الذي هدوا إليه هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا فرضا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88)\rأُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ بمعنى الكتب وَالْحُكْمَ الحكمة وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي بهذه الثلاثة هؤُلاءِ أي أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها أرصدنا لها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) هم المهاجرون والانصار\rأُولئِكَ والذرية، والإخوان تفضيلهم أو هداهم بالإيمان، ويحتاج إلى التبعيض في مدخولها الأول من حيث إن بعض آبائهم لم يكن مسلما كما قاله الخازن، ويمثل له بآزر على ما سبق. فالتفضيل أو الهداية لبعض آبائهم لا لكلهم، ويحتاج إليه أيضا في الثاني كما أشار له الشارح بقوله: (و بعضهم كان في ولده كافر) وأما قوله: (لأن بعضهم الخ) فلم يظهر به التبعيض في الآباء ولا في الذرية، لأنا إذا قلنا: وفضلنا أو هدينا بعض ذرياتهم لم يخرج من لا ولد له، وغاية تصحيح العبارة بالنسبة إليه جعل الإضافة إلى المجموع، أي: ومن ذريات مجموعهم، وهذا لا يقتضي أن لكل منهم ذرية. فالحاصل أن الشارح سكت عن تقرير التبعيض في المجرور الأول والثالث وقرره في الثاني بوجهين، أولهما: غير صحيح.\rوالثاني: صحيح تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: (لأن بعضهم لم يكن له ولد) كيحيى وعيسى اهـ كرخي.\rقوله: وَاجْتَبَيْناهُمْ عطف على فضلنا. وتكرير الهداية في قوله: وَهَدَيْناهُمْ الخ لتكرير التأكيد وتمهيدا لبيان ما هدوا إليه أبو السعود.\rقوله: (ذلك الدين الذي هدوا إليه) وهو التوحيد بدليل قوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا الخ. فقد فسر الإشارة بالدين المدلول عليه بالسياق. وعبارة السمين: قوله: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ المشار إليه هو المصدر المفهوم من الفعل قبله، إما الاجتباء وإما الهداية، أي ذلك الإجتباء هدى اللّه أو ذلك الهدى إلى الطريق المستقيم هدى اللّه، ويجوز أن يكون هدى اللّه خبرا، وأن يكون بدلا من ذلك، والخبر يهدي به. وعلى الأول يكون هدى اللّه حالا والعامل فيه اسم الإشارة، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا ومن عباده تبيين أو حال إما من من وإما من عائده المحذوف اهـ.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الخ إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر، وليس لكل منهم كتاب، فالمراد بإيتاء الكتاب لكل منهم تفهيم ما فيه أعم من أن يكون ذلك بالإنزال عليه ابداء أو بوراثته من قبله اهـ أبو السعود بالمعنى.\rقوله: (الحكمة) أي العلم. وقوله: وَالنُّبُوَّةَ أي الرسالة. قوله: (أرصدنا لها) أي أعددنا ووفقنا لها: أي للإيمان بها والقيام بحقوقها اهـ.\rقوله: لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أي في وقت من الأوقات، بل هم مستمرون على الإيمان بها. فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تفيد دوام الثوبت، كذلك السلبية تفيد دوام النفي بمعونة المقام لا نفي الدوام كما حقق في مقامه اهـ أبو السعود.\rوالباء في بها متعلقة بكافرين قدمت عليه لرعاية السجع، والباء في بكافرين زائدة في خبر ليس اهـ سمين.","part":2,"page":393},{"id":934,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 394\rالَّذِينَ هَدَى هم اللَّهُ فَبِهُداهُمُ طريقهم من التوحيد والصبر اقْتَدِهْ بهاء السكت وقفا ووصلا وفي قراءة بحذفها وصلا قُلْ لأهل مكة لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي القرآن أَجْراً تعطونيه إِنْ هُوَ ما القرآن إِلَّا ذِكْرى عظة لِلْعالَمِينَ (90) الإنس والجن\rوَما قَدَرُوا أي اليهود اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموه حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته إِذْ قالُوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أولئك مبتدأ والذين خبره، وجملة في هدى اللّه صلة، والعائد محذوف كما قدره الشارح. قوله: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ احتج بهذه الآية بعض العلماء على أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من جميع الأنبياء، وذلك جميع خصال الكمال التي كانت متفرقة فيهم أمر بالاقتداء بهم فيها، أي بالتخلق بها ليحوز الجميع، فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومة، وإبراهيم صاحب كرم، وإسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء والمحن، وداود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب صاحب صبر على البلاء، ويوسف جامعا بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى والياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق، ويونس صاحب تضرع، فأمر محمد أن يقتدي بهم وجمع له جميع ما تفرق فيهم اهـ خازن بالمعنى.\rقوله: (من التوحيد والصبر) أي دون الفروع المختلفة الشرائع، ودون المنسوخة، فإنها بعد النسخ لا تتبع اهـ شيخنا.\rقوله: (بهاء السكت) وهي حرف يجتلب للاستراحة عند الوقف، فثبوتها وقفا لا إشكال فيه، وأما ثبوتها وصلا فاجراء ومعاملة له مجرى الوقف، كما قال في الخلاصة:\rوقف بها السكت على الفعل المعل ... بحذف آخر كأعط من سأل\r\rثم قال:\rوربما أعطى لفظ الوصل ما ... للوقف نثرا وفشا منتظما\r\rاه شيخنا. قوله: (و في قراءة) أي لحمزة والكسائي بحذفها وصلا، أي بإثباتها وقفا، فيثبتانها عند الوقف ويحذفانها عند الوصل على أصل قاعدتها اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على القرآن أو على البليغ، فإن مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر لهما ذكر أجر، أي عوضا من جهتكم كما لم يسأله من قبلي من الأنبياء عليهم السّلام، وهذا من جملة ما أمر عليه السّلام بالاقتداء بهم فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (عظة) عبارة أبي السعود: عظة وتذكيرا لهم كافة من جهته تعالى فلا يختص بقوم دون آخرين اهـ.\rقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ يقال: قدر يقدر من باب نصر ينصر، وأصل القدر السبر والحزر. يقال:\rقدر الشيء إذا سبره وحزره ليعرف مقداره، ثم استعمل في معرفة الشيء، وحق قدره نصب على المصدرية والأصل قدره الحق، ثم أضيفت الصفة إلى الموصوف اهـ السعود.\rقوله: (أي اليهود) كفنحاص بن عازوراء، وكمالك بن الصيف، فقد جاء يخاصم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال","part":2,"page":394},{"id":935,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 395\rوقد خاصموه في القرآن ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ لهم مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ بالياء والتاء في المواضع الثلاثة قَراطِيسَ أي يكتبونه في دفاتر مقطعة له النبي: «أنشدك اللّه الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن اللّه تعالى يبغض الحبر السمين» أي العالم الجسيم، وكان مالك المذكور كذلك، وكان فيها ما ذكر، فقال: نعم، وكان يحب إخفاء ذلك، لكن أقن لإقسام النبي عليه، فقال له النبي: «أنت حبر سمين» يعني فتكون مبغوضا. فغضب، وقال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال أصحابه الذين معه: ويحك ولا على موسى؟ فقال: «و اللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء» فلما سمعت اليهود تلك المقالة عتبوا عليه وقالوا: أليس اللّه أنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا؟ قال أغضبني محمد فقلته. فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول على اللّه غير الحق.\rفعزلوه من الحبرية وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف اهـ خازن.\rقوله: إِذْ قالُوا أي وقت أن قالوا ما ذكر، فقولهم المذكور فيه تنقيص للّه وجهل به، لأن من عظمته لطفه بعباده بإنزال الكتب عليهم، فنفوا هذا الوصف الجميل عنه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إذ قالوا منصوب بقدروا، وجعله ابن عطية منصوبا بقدره، وفي كلام ابن عطية ما يشعر بأنها للتعليل ومن شيء مفعول به زيدت فيه من لوجود شرطي الزيادة اهـ.\rقوله: (قل هلم) أي في الرد عليهم. قوله: نُوراً أي بينا بنفسه وهدى للناس أي مبينا لغيره اهـ أبو السعود.\rونورا منصوب على الحال، وفي صاحبه وجهان، أحدهما: أنه الهاء في به، فالعالم فيها جاء.\rوالثاني: أنه الكتاب، فالعامل فيها أنزل وللناس صفة لهدى اهـ سمين.\rقوله: (الياء والتاء الخ) عبارة السمين: قرأه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة، وكذلك يبدونها ويخفون والباقون بتاء الخطاب في الأفعال الثلاثة، فأما الغيبة فللحمل على ما تقدم من الغيبة في قوله:\rوَما قَدَرُوا اللَّهَ الخ. وعلى هذا فيكون في قوله: وَعُلِّمْتُمْ تأويلان، أحدهما: أنه خطاب لهم أيضا، وإنما جاء به على طريقة الالتفات. والثاني: أنه خطاب للمؤمنين من قريش اعترض به بين الأمر بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ وبين قوله قُلِ اللَّهُ، وأما قراءة تاء الخطاب ففيها مناسبة لقوله وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ ورجحها مكي وجماعة لذلك، قال: وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك ولأن أكثر القراء عليه اهـ.\rقوله: (في المواضع الثلاثة) أي يجعلون ويبدون ويخفون. قوله: (يجعلونه) قَراطِيسَ يجوز أن يكون جعل بمعنى صير وأن يكون بمعنى ألقى أي يضعونه في كاغد، وهذه الجملة في محل نصب على الحال، إما من الكتاب وإما من الهاء في به كما تقدم في نُوراً وَهُدىً وقَراطِيسَ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه على حذف حرف الجر أي في قَراطِيسَ وورق فهو شبيه بالظرف المبهم، فلذلك تعدى إليه الفعل بنفسه. والثاني: أنه على حذف مضاف أي يجعلونه ذا قراطيس. والثالث:\rأنهم نزلوه منزلة القراطيس، وقد تقدم تفسير القراطيس، والجملة من قوله: يبدونها في محل نصب صفة لقراطيس، وأما يخفون فقال أبو البقاء: إنها صفة أيضا لها وقدر ضميرا محذوفا أي ويخفون منها","part":2,"page":395},{"id":936,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 396\rتُبْدُونَها أي ما يحبون إبداءه منها وَتُخْفُونَ كَثِيراً مما فيها كنعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَعُلِّمْتُمْ أيها اليهود في القرآن ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ من التوراة ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه قُلِ اللَّهُ أنزله إن لم يقولوه لا جواب غيره ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ باطلهم يَلْعَبُونَ (91)\rوَهذا كثيرا. وأما مكي فقال: ويخفون مبتدأ لا موضع له من الإعراب انتهى سمين.\rقوله: (مقطعة) أي مفصولا بعضها من بعض فجعلوها أجزاء نحو نيف وثمانين جزءا، وفعلوا ذلك ليتمكنوا من إخفاء ما أرادوا إخفاءه فيجعلون ما يريدون إخفاءه على حدة ليتمكنوا من إخفائه بخلاف ما لو جمعوا الكل في مجلد واحد كالمصحف، فربما اطلع غيرهم على جميع ما فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (مما فيها) أي في القراطيس التي نسخوها من التوراة وعبارة الخازن: يبدونها يعني القراطيس المكتوبة، ويخفون كثيرا أي مما كتبوه من القراطيس، وهو ما عندهم من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته في التوراة اهـ.\rوعبارة البيضاوي: وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمهم على تحريفها بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة، وإخفاء بعض لا يشتهونه انتهت، وهي تقتضي أن البعض الذي يخفونه هو الذي لم يجعلوه في القراطيس، وعليها يكون قال الشارح (مما فيها) معناه مما في التوراة، وذلك الكثير هو الذي لم يكتبوه في القراطيس، فما أحبوا إظهاره كتبوه، وما لم يحبوه لم يكتبوه ولم ينقلوه منها، اهـ.\rقوله: (كنعت محمد) أي كآية الرجم وكآية أن اللّه يبغض الحبر السمين، فهذه آية في التوراة أي العالم الضخم جسمه اهـ شيخنا.\rقوله: وَعُلِّمْتُمْ يجوز أن يكون على قراءة الغيبة في يجعلونه، وما عطف عليه مستأنفا وأن يكون حالا، وإنما أتى به خطابا لأجل الالتفات. وأما على قراءة تاء الخطاب فهو حال، ومن اشترط قد في الماضي الواقع حالا أضمرها هنا، أي: وقد علمتم اهـ سمين.\rقوله: (في القرآن) أي من القرآن بدليل مقابلته بقوله: (من التوراة) وعبارة البيضاوي: وعلمتم على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما تعلموا أنتم ولا آباؤكم زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم، ونظيره إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش اهـ.\rقوله: (ببيان ما التبس الخ) الباء سببية متعلقة بقوله: وَعُلِّمْتُمْ اهـ.\rقوله: قُلِ اللَّهُ الجلالة يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون فاعلا لفعل محذوف، أي قل أنزله اللّه، وهذا هو الصحيح للتصريح بالفعل في قوله: ليقولن خلقهن العزيز العليم. والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره اللّه أنزله ووجه مناسبته مطابقة الجواب للسؤال، وذلك أن جملة السؤال اسمية فلتكن جملة الجواب كذلك اهـ سمين.\rقوله: فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ يجوز أن يكون فِي خَوْضِهِمْ متعلقا بذرهم، وأن يتعلق","part":2,"page":396},{"id":937,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 397\rالقرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَلِتُنْذِرَ بالتاء والياء عطف على معنى ما قبله أي أنزلناه للبركة والتصديق ولتنذر به أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها أي أهل مكة وسائر الناس وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) خوفا من عقابها\rوَمَنْ أي لا بيلعبون، وأن يكون حالا من مفعول ذَرْهُمْ وأن يكون حالا من فاعل يَلْعَبُونَ فهذه أربعة أوجه.\rوأما يَلْعَبُونَ فيجوز أن يكون حالا من مفعول ذَرْهُمْ ومن منع تعدد الحال لواحد لم يجز حينئذ أن يكون في خوضهم حالا من مفعول ذَرْهُمْ بل يجعله إما متعلقا بذرهم كما تقدم، أو بيلعبون أو حالا من فاعله، ويجوز أن يكون يَلْعَبُونَ حالا من ضمير خوضهم، وجاز ذلك لأنه في قوة الفاعل، لأن المصدر مضاف لفاعله. والتقدير ذرهم يخوضوا لاعبين وأن يكون حالا من الضمير المستقر في خوضهم إذا جعلناه حالا لأنه تضمن معنى الاستقرار فتكون حالا متداخلة اهـ سمين.\rقوله: يَلْعَبُونَ أي يستهزئون ويسخرون اهـ خازن.\rوفي القاموس: لعب كسمع لعبا بكسر العين ضد جد اهـ فاللعب يشمل الهزل والسخرية والاستهزاء. قوله: وَهذا كِتابٌ مبتدأ وخبر. وقوله: أَنْزَلْناهُ الخ. صفات للخبر وقدم وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة بخلاف قوله: وهذا ذكر مبارك أنزلناه. قالوا: لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل اللّه على بشر من شيء بخلافه هناك، ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا، والثانية اسما صريحا لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار، وهو مقصود هنا أي بركته ثابتة مستقرة اهـ سمين.\rقوله: مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي موافق للكتب التي قبله في التوحيد وتنزيه اللّه والدلالة على البشارة والنذارة اهـ خازن.\rقوله: (أي أنزلناه للبركة الخ) فهذه العلة مأخوذة من الوصف من حيث إن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية الاشتقاق اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَلِتُنْذِرَ قرأ الجمهور: بتاء الخطاب للرسول عليه السّلام وأبو بكر عن عاصم بياء الغيبة والضمير للقرآن وهو الظاهر، أي ينذر بمواعظة وزواجره، ويجوز أن يعدو على الرسول عليه السّلام للعلم به. وهذه اللام فيها وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بأنزلنا عطفا على مقدر، فقدره أبو البقاء ليؤمنوا ولتنذر.\rوقدره الزمخشري فقال: ولتنذر معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب، كأنه قيل: أنزلناه للبركات ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، والثاني: أنها متعلقة بمحذوف متأخر أي ولتنذر أنزلناه اهـ.\rقوله: (أي أهل مكة) إشارة إلى تفسير أم القرى وإلى حذف مضاف في الكلام، وإنما ذكرت بهذا الاسم المنبىء عن كونها أعظم القرى، وقبلة لأهلها إيذانا بأن إنذار أهلها أصل مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة اهـ من أبي السعود.\rقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي إيمانا يعتد به بخلاف بعض أهل الكتاب فلا يرد كيف قال","part":2,"page":397},{"id":938,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 398\rأحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بإدعاء النبوة ولم ينبأ أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ نزلت في مسيلمة وَمن مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وهم المستهزئون قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا في وصف القرآن ذلك مع أن كثيرا ممن يؤمن بالآخرة من اليهود والنصارى وغيرهم لا يؤمنون به اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ الخ وذلك لأن الذي يؤمن بالآخرة يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب، ومن كان كذلك فيرغب في تحصيل الثواب ودرء العقاب عنه، وذلك لا يحصل إلا بالنظر التام، فإذا نظر وتفكر علم أن دين محمد أشرف الأديان وشريعته أعظم الشرائع اهـ.\rفلزم من الإيمان بالآخرة على الوجه المذكور الإيمان بمحمد أو بالقرآن على الاحتمالين في الضمير في به، وهذا الموصول يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه مرفوع بالابتداء وخبره يؤمنون به ولم يتحد المبتدأ والخبر لتغاير متعلقيهما، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ وإلا فيمتنع أن تقول الذي يقوم يقوم واللذين يؤمنون يؤمنون، وعلى هذا فذكر الفضلة هنا واجب ولم يتعرض النحويون لذلك ولكن تعرضوا لنظائره. والثاني: أنه منصوب عطفا على أُمَّ الْقُرى أي ولتنذر الذين آمنوا بالآخرة فيكون قوله: يُؤْمِنُونَ بِهِ حالا من الموصول وليست حالا مؤكدة لما تقدم لك من تسويغ وقوعه خبرا، وهو اختلاف المتعلق والهاء في به تعود على القرآن أو على الرسول وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ حال. وذكر أبو علي في الروضة: أن أبا بكر قرأ على صلواتهم اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ يعني أن الإيمان بالآخرة يحمل على المحافظة على الصلاة وتخصيصها بالذكر لأنها أشرف العبادات، إلا فالإيمان يحمل على الإيمان بمحمد، وذلك يحمل على المحافظة على جميع الطاعات اهـ خازن.\rقوله: (خوفا من عقابها) أي الآخرة. قوله: (بادعاء النبوة) أي مثلا وإلا فوجوه الكذب كثيرة اهـ.\rقوله: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَ عطف خاص على عام كما قاله أبو حيان، وهذا بقطع النظر عن تفسير الشارح الافتراء ادعاء النبوة، أما بالنظر إليه فيكون عطف تفسير هذا وفيه أن كلا من عطف التفسير لا يكون بأو، والأحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان، وتكون أو للتنويع في كذب مسيلمة، يعني أنه تارة ادعى النبوة، بأن قال: أنا نبي، وتارة ادعى الإيحاء، بأن قال: إن اللّه أوحى إليّ وإن كان يلزم النبوة، أي مفهومها في نفس الأمر الإيحاء النبوة، هذا ويفهم من صنيع الشارح الآتي أن أو بمعنى الواو حيث قال: بدعوى النبوة والإيحاء كذبا اهـ شيخنا.\rقوله: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَ عطف على افترى وإلي في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، وجوز أبو البقاء أن يكون القائم مقامه ضمير المصدر، قال: تقديره أوحي إلي الوحي أو الإيحاء، والأول أولى لأن فيه فائدة جديدة بخلاف الثاني: فإن معنى المصدر مفهوم من الفعل قبله اهـ سمين.\rقوله: (نزلت في مسيلمة) أي قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(من) مَنْ قالَ: الخ أشار به إلى أن من في محل جرّ لأنه نسق على من المجرورة بمن اهه كرخي.","part":2,"page":398},{"id":939,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 399\rوَلَوْ تَرى يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ المذكورون فِي غَمَراتِ سكرات الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ إليهم بالضرب والتعذيب يقولون لهم تعنيفا أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ إلينا لنقبضها الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ الهوان بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِ بدعوى النبوة والإيحاء كذبا وَكُنْتُمْ قوله: سَأُنْزِلُ أي سآتي وأنظم وأجمع وأتكلم مثل ما أنزل اللّه أي قرآنا مثل الخ أو بمثل الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ومثل يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المفعول به أي سأنزل قرآنا مثل ما أنزل اللّه، وما على هذا موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أي مثل الذي أنزله أو مثل شيء أنزله.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 399\r\rفي السمين: ومثل يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المفعول به أي سأنزل قرآنا مثل ما أنزل اللّه، وما على هذا موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أي مثل الذي أنزله أو مثل شيء أنزله.\rوالثاني: أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره سأنزل إنزالا مثل ما إنزال اللّه وما على هذا مصدرية أي مثل إنزال اللّه اهـ.\rقوله: (و هم المستهزئون) أي من كفار قريش اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ تَرى بصرية ومفعولها محذوف أي ولو ترى الظالمين إذ هم في غمرات الموت أي وقت كونهم فيها اهـ شيخنا.\rقوله: (المذكورون) أي بقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى الخ وقوله: أَوْ قالَ الخ وقوله:\rوَمَنْ قالَ الخ يدل على هذا قوله فيما يأتي بعد قوله غير الحق بدعوى النبوة والايحاء كذبا مع قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ الظاهر في أنه خطاب للمستهزئين اهـ شيخنا.\rقوله: فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ خبر المبتدأ، والجملة في محل خفض بالظرف، والغمرات: جمع غمرة، وهي الشدة الفظيعة وأصلها من غمره الماء إذا ستره، كأنها تستر بغمها من تنزل اهـ سمين.\rوفي المختار: وقد غمره الماء أي علاه وبابه نصر، والغمرة: الشدة والجمع غمر بفتح الميم كنوبة ونوب وغمرات الموت: شدائده اهـ.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ جملة في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في قوله: فِي غَمَراتِ وأَيْدِيهِمْ خفض لفظا وموضعه نصب، وإنما سقطت النون تخفيفا اهـ سمين.\rقوله: (يقولون لهم الخ) أشار به إلى أن قوله: أَخْرِجُوا منصوب المحل بهذا القول المضمر، وهذا القول في محل نصب على الحال من الضمير في باسطوا. وفي الحديث: «أن أرواح الكفار تأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج» فيفيد أن أرواح الكفار لا تخرج بغيره وليس المراد كما أشار إليه من أخرجوا طلب إخراج الأنفس والأرواح منهم، لأنهم غير قادرين عليه بل إيذاؤهم وتغليظ الأمر عليهم اهـ كرخي.\rقوله: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ في هذا الظرف وجهان، أحدهما: أنه منصوب بأخرجوا بمعنى أخرجوها من أبدانكم، فهذا القول في الدنيا ويجوز أن يكون في يوم القيامة. والمعنى: خلصوا أنفسكم من العذاب، فالوقف على قوله: الْيَوْمَ والابتداء بقوله: تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ والثاني: أنه منصوب بتجزون، والوقف حينئذ على أنفسكم والابتداء بقوله: الْيَوْمَ والمراد باليوم يحتمل أن يكون وقت","part":2,"page":399},{"id":940,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 400\rعَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) تستكبرون عن الإيمان بها وجواب لو: لرأيت أمرا فظيعا\rوَيقال لهم إذا بعثوا لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى منفردين عن الأهل والمال والولد كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي حفاة الاحتضار، وأن يكون يوم القيامة وعذاب الهون مفعول ثان، والأول قام مقام الفاعل، والهون:\rالهوان. قال تعالى: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ [النحل: 59] وأضاف العذاب إلى الهون إيذانا بأنه متمكن فيه وذلك لأن ليس كل عذاب يكون فيه هون لأنه قد يكون على سبيل الزجر والتأديب كضرب الوالد ولده، ويجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته وذلك أن الأصل العذاب الهون وصفه به مبالغة ثم أضافه إليه على حد الإضافة في قولهم بقلة الحمقاء ونحوه، ويدل على أن الهون بمعنى الهوان قراءة عبد اللّه وعكرمة له كذلك اهـ سمين.\rقوله: بِما كُنْتُمْ ما مصدرية أي بكونكم قائلين غير الحق وكونكم مستكبرين، والباء متعلقة بتجزون أي بسببه وغير الحق نصبه من وجهين، أحدهما: أنه مفعول به أي تذكرون غير الحق.\rوالثاني: أنه نعت مصدر محذوف أي تقولون القول غير الحق. وقوله: وَكُنْتُمْ يجوز فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه عطف على كنتم الأولى فتكون صلة لما كما تقدم. والثاني: أنها جملة مستأنفة سيقت للأخبار بذلك، وعن آياته متعلق بخبر كان وقدم لأجل الفواصل اهـ سمين.\rقوله: (و يقال لهم إذا بعثوا) أشار به إلى أن هذا القول قول الملائكة الموكلين بعقابهم وقيل: هو قول اللّه تعالى ومنشأ هذا الخلاف أن اللّه تعالى هل يتكلم مع الكفار أم لا، وقد تقدم على ذلك، والأولى أقوى لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التشريك اهـ كرخي.\rقوله: فُرادى منصوب على الحال من فاعل جئتمونا. وجئتمونا فيه وجهان، أحدهما: أنه بمعنى المستقبل أي تجيئونا، وإنما أبرزه في صورة الماضي لتحققه كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] ونادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ [الأعراف: 46]. والثاني: أنه ماض، والمراد به حكاية الحال بين يدي اللّه تعالى يوم يقال لهم ذلك، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضيا بالنسبة إلى ذلك اليوم، واختلف الناس في فُرادى هل هو جمع أم لا، والقائلون بأنه جمع اختلفوا في مفرده. فقال الفراء:\rفرادى جمع فرد وفريد وفرد وفردان فجوز أن يكون جمعا لهذه الأشياء. وقال ابن قتيبة: هو جمع كسكران وسكارى وعجلان وعجالى. وقال قوم: هو جمع فريد كرديف وردافى وأسير وأسارى، قاله الراغب. وقيل: هو اسم جمع لأن فردا لا يجمع على فرادى وقول من قال إنه جمع له فإنما يريد في المعنى، ومعنى فرادى فرد اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: وفرادى جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى وقرئ فرادا بالتنوين كغراب وفراد وكثلاث وفردى كسكرى اهـ.\rفهذه أربع قراءات الأولى هي المتواترة والثلاثة بعدها شواذ كما في السمين. قوله: كَما خَلَقْناكُمْ في هذه الكاف أوجه، أحدهما: أنها منصوبة المحل على الحال من فاعل جئتمونا، فمن أجاز تعدد الحال أجاز ذلك من غير تأويل، ومن منع ذلك جعل الكاف بدلا من فرادى. والثاني: أنها في محل نصب نعتا لمصدر محذوف أي مجيئا مثل: مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة، وقدره مكي","part":2,"page":400},{"id":941,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 401\rعراة غرلا وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ أعطيناكم من الأموال وَراءَ ظُهُورِكُمْ في الدنيا بغير اختياركم وَيقال لهم توبيخا ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الأصنام الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ أي في استحقاق منفردين انفرادا مثل جاءكم أول مرة، والأول أحسن لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة الوصف عليه. الثالث: أن الكاف في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في فرادى، أي مشبهين بابتداء خلقكم. كذا قدره أبو البقاء وفيه نظر لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم، وصوابه أن يقدر مضاف أي مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم اهـ سمين.\rفتلخص من كلامه أن ما مصدرية والمعنى أن حالتكم في مجيئكم منفردين كحالتكم حين خلقكم أول مرة. قوله: أَوَّلَ مَرَّةٍ أي المرة الأولى، فإن الإنسان خلق مرتين: الأولى ولادته والثانية إحياؤه للبعث اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَوَّلَ مَرَّةٍ منصوب على ظرف الزمان والعامل فيه خلقناكم ومرة في الأصل مصدر لمر يمر مرة، ثم اتسع فيها فصارت زمانا، قال أبو البقاء: وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل. وقال الشيخ: وانتصب أول مرة على الظرف أي أول زمان ولا يقدر أول خلق لأن أول خلق يستدعي خلقا ثانيا ولا يخلق ثانيا إنما ذلك إعادة ولا خلق، يعني أنه لا يجوز أن تكون المرة على بابها من المصدرية، ويقدر أول من الخلق لما ذكر اهـ.\rقوله: (أي حفاة الخ) تفسير للتشبيه، أي أن مجيئكم الآن مشابه لخروجكم من بطون أمهاتكم من حيث أنكم في الحالين حفاة عراة غرلا. وغرل: جمع أغرل، كحمر جمع أحمر. والأغرل ذو القلفة ويقال لها الغرلة بضم الغين وسكون الراء اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ فيها وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل جئتمونا، وقد مضمرة على رأى أي وقد تركتم. والثاني: أنها لا محل لها لاستئنافها، وما مفعولة بترك، وهي موصولة اسمية ويضعف جعلها نكرة موصوفة، والعائد محذوف أي ما خولناكموه، وترك هنا متعدية لواحد لأنها بمعنى التخلية، ولو ضمنت معنى صير تعدت لاثنين، وخول يتعدى لاثنين لأنه بمعنى أعطى، وملك، الخول: ما أعطاه اللّه من النعم، فمعنى خولته كذا ملكته الخول كقولهم مولته أي ملكته المال. وقوله: وَراءَ ظُهُورِكُمْ متعلق بتركتم، ويجوز أن يضمن ترك هنا معنى صير فيتعدى لاثنين أولهما الموصول والثاني الظرف فيتعلق بمحذوف أي وصيرتم بالترك الذي خولناكموه كائنا وراء ظهوركم اهـ سمين.\rوفي المختار: وخول الشيء تخويلا ملكه إياه، والتخول: التعهد وفي الحديث كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة. أي يتعهدنا، وخول الرجل حشمه الواحد خائل اهـ.\rوفي القاموس: والخولي: الراعي الحسن القيام على المال، والجمع خول بالتحريك اهـ.\rقوله: (بغير اختياركم) متعلق بتركتم. قوله: أَنَّهُمْ فِيكُمْ أشار الشارح إلى أن في الكلام حذف مضافين، وهذا الظرف متعلق بخبر أن قدم عليه اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 26","part":2,"page":401},{"id":942,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 402\rعبادتكم شُرَكاءُ للّه لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وصلكم أي تشتت جمعكم وفي قراءة بالنصب ظرف أي وصلكم بينكم وَضَلَ ذهب عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) في الدنيا من شفاعتها\r* إِنَّ اللَّهَ قوله: بَيْنَكُمْ هو هنا مصدر بأن يبين بينا بمعنى البعد، ويطلق على الضدين كالبعد والقرب والوصل والانقطاع، والمراد به هنا الوصل كما قال الشارح أي الاتصال أي العلقة والارتباط اهـ شيخنا عن السمين.\rقوله: (أي وصلكم بينكم) هذا تفسير للضمير المستكن في تقطع على هذه القراءة فهو عائد على ما يفهم من الشركاء إذ يفهم منها الوصل أي الارتباط والتعلق، والمعنى: لقد تقطع هو أي وصلكم بينكم أي في بينكم، أي التقطع كائن في بينكم اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: بَيْنَكُمْ قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص عنه بينكم نصبا والباقون بينكم رفعا. فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحسنها: أن الفاعل مضمر يعود على الاتصال، والاتصال وإن لم يكن مذكورا حتى يعود عليه ضمير، لكنه تقدم ما يدل عليه وهو لفظ شركاء، فإن الشركة تشعر بالاتصال والمعنى لقد تقطع الاتصال بينكم فانتصب بينكم على الظرفية.\rالثاني: أن الفاعل هو بينكم، وإنما بقي على حاله منصوبا حملا له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش. وقال الواحدي: لما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه في أغلب أحواله، ثم قال في قوله: ومنا دون ذلك، فدون في موضع رفع عنده وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحون ومنا الطالحون، إلا أن الناس لما حكوا هذا المذهب لم يتعرضوا لبناء هذا الظرف، بل صرحوا بأنه معرب منصوب وهو مرفوع المحل. قالوا: وإنما بقي على نصبه اعتبارا بأغلب أحواله. وفي كلام الشيخ: لما حكى مذهب الأخفش ما يصرح بأنه مبني فإنه قال: وخرجه الأخفش على أنه فاعل، ولكنه مبنى حملا على أكثر أحواله وفيه نظر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون علة للبناء، وعلل البناء محصورة ليس هذا منها، ثم قال الشيخ: وقد يقال لإضافته إلى مبني كقوله إلى مبنى كقوله: ومنا دون ذلك، وهذا ظاهر في أنه جعل حمله على أكثر أحواله علة لبنائه. الثالث: قال الزمخشري: لقد تقطع بينكم، لقد وقع التقطيع بينكم كما تقول جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد القول إلى مصدره بهذا التأويل اهـ.\rوأما القراءة الثانية ففيها وجهان، أحدهما: أن بين اسم غير ظرف وإنما معناها الوصل، أي لقد تقطع وصلكم ثم للناس بعد ذلك عبارتان: عبارة تؤذن بأن بين مصدر بان يبين بينا بمعنى بعد فيكون من الأضداد أي أنه مشترك اشتراكا لفظيا يستعمل للوصل والفراق كالجون للأسود والأبيض ويعزى هذا لأبي عمرو وابن جني والمهدوي والزهراوي. وقال الزجاج، والرفع أجود ومعناه لقد تقطع وصلكم فقد أطلق هؤلاء أن بين بمعنى الوصل؛ وعبارة تؤذن بأنه مجاز، ووجه المجاز كما قاله الفارسي أنه لما استعمل بين مع البين المتلابسين في نحو: بيني وبينك شركة، وبيني وبينك رحم وصداقة، صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة، وعلى خلاف الفرقة فلهذا جاء لقد تقطع بينكم أي وصلكم. والثاني: أن هذا كلام محمول على معناه، إذ المعنى لقد تفرق جمعكم وتشتت، وهذا لا","part":2,"page":402},{"id":943,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 403\rفالِقُ شاق الْحَبِ عن النبات وَالنَّوى عن النخل يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان والطائر يصلح أن يكون تفسير إعراب انتهت مع بعض تصرف. قوله: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِ الخ لما تقدم الكلام على تقرير التوحيد والنبوة أردفه بذكر الدلائل على كمال قدرته وعلمه وحكمته تنبيها على المقصود الأعظم، وهو معرفة اللّه بصفاته وأفعاله، وأنه المبدع للأشياء، ومن كان كذلك كان هو المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها، فالمعنى: أن الذي يستحق أن يعبد هو الذي فلق الحب والنوى لا غير اهـ خازن.\rقوله: فالِقُ الْحَبِ يجوز أن تكون الإضافة محضة على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي، لأن ذلك قد كان، ويدل عليه قراءة عبد اللّه بن مسعود: فلق فعلا ماضيا، ويجوز أن تكون الإضافة غير محضة، على أنه بمعنى الحال والاستقبال، وذلك على حكاية الحال، فيكون الحب مجرور اللفظ منصوب المحل، والفلق هو شق الشيء. وقيده الراغب بإبانة بعضه عن بعض. وفسر بعضهم فالق هنا بمعنى خالق. قيل: ولا يعرف هذا لغة، وهذا لا يلتفت إليه لأن هذا منقول عن ابن عباس والضحاك أيضا اهـ سمين.\rقوله: (شاق) الْحَبِ (عن النبات) فيشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورق أخضر، ويشق النواة اليابسة فيخرج منها شجرة صاعدة في الهواء، والحب هو الذي له نوى كالحنطة والشعير، والنوى ضد الحب كالرطب والخوخ والمشمش اهـ خازن.\rقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ الجملة إما خبر ثان، وإما مستأنفة، والمراد بالحي ما ينمو من الحيوان والنبات، وبالميت ما لا ينمو كالنطفة والحبة اهـ أبو السعود.\rفالمراد بالحي كل ما ينمو وإن لم يكن فيه روح، وبالميت ضده ولو كان أصل حيوان اهـ.\rوفي زاده: وإنما لم يحمل الحي والميت على معناهما الحقيقي لأن قوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وقع في موضع البيان لقوله: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ولذلك ترك العاطف بينهما، فلو حملا على أصول معناهما لما صلحت الجملة لأن تكون بيانا لما قبلها، ولما كانت مطابقة له. وقوله:\rوَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ لما لم يصلح بيانا له لم يحسن عطفه على يُخْرِجُ الْحَيَ فلذلك جعل معطوفا على فالِقُ وذلك بلفظ اسم الفاعل مثله اهـ.\rقوله أيضا: يُخْرِجُ الْحَيَ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنها جملة مستأنفة فلا محل لها.\rوالثاني: أنها في محل رفع خبرا ثانيا لإن. وقوله: وَمُخْرِجُ يجوز فيه وجهان أيضا، أحدهما: أنه معطوف على فالِقُ ولم يذكر الزمخشري غيره، أي إِنَّ اللَّهَ فالِقُ وَمُخْرِجُ أخبر عنه بهذين الخبرين، وعلى هذا فيكون يُخْرِجُ على وجهيه وعلى كونه مستأنفا يكون معترضا على جهة البيان لما قبله من معنى الجملة. والثاني: أن يكون معطوفا على يُخْرِجُ وهل يجعل الفعل في تأويل اسم ليصح عطف الاسم عليه، أو يجعل الاسم في تأويل الفعل ليصح عطفه عليه احتمالان مبنيان على ما تقدم في يُخْرِجُ إن قلنا إنه مستأنف فهو فعل غير مؤول باسم، فيرد الاسم إلى معنى الفعل فكان مُخْرِجُ في قوة يُخْرِجُ، وإن قلنا إنه خبر ثان فهو في تأويل اسم واقع موقع خبر ثان، فلذلك عطف عليه اسم صريح اهـ سمين.","part":2,"page":403},{"id":944,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 404\rمن النطفة والبيضة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ النطفة والبيضة مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ الفالق المخرج اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان\rفالِقُ الْإِصْباحِ مصدر بمعنى الصبح أي شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً يسكن فيه (من النطفة والبيضة) لف ونشر مرتب. قوله: (مصدر) أي معناه الدخول في الصباح، يقال:\rأصبح إصباحا دخل في الصباح، والصبح: الفجر. وفي المصباح: الصبح الفجر، والصباح مثله وهو أول النهار، والصباح أيضا خلاف المساء، وأصبحنا: دخلنا في الصباح اهـ.\rوفي السمين: كسر الهمزة وهو المصدر، يقال: أصبح يصبح إصباحا، وقال الليث والزجاج:\rإن الصبح والصباح والأصباح واحد، وهو أول النهار. وقيل: الأصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو إضاءة الفجر. نقل ذلك عن مجاهد والظاهر أن الإصباح في الأصل مصدر سمي به الصبح. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر.\rالأصباح بفتح الهمزة وهو جمع صبح، نحو: فقل وأقفال وبرود وأبراد اهـ.\rقوله: (أي شاق عمود الصبح الخ) إيضاحه قول الكشاف: فإن قلت فيما معنى فلق الصبح والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد فالق ظلمة الأصباح بمعنى أنه على حذف مضاف وهي الغبش في آخر الليل. والثاني: أن يراد فالِقُ الْإِصْباحِ الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره، يقال: انشق عمود الفجر وانصدع، يسمى الفجر فلقا بمعنى مفلوق اهـ كرخي.\rوفي زاده: فإن قيل ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس كذلك، فإنه تعالى فلق الظلمة عن الصبح الخارج منها، أجيب بجوابين، الأول: كما أنه تعالى يشق الظلمة الخالصة الواقعة في الليل ويخرج منها عمود الصبح وهو الصبح الكاذب الذي تعقبه ظلمة، كذلك يشق ذلك العمود ويخرج منه الظلمة الخالصة ويخرج منه أيضا بياض النهار وإسفاره، فيصح أن يقال إنه تعالى فالِقُ الْإِصْباحِ الأول عن ظلمة آخر الليل وعن بياض النهار أيضا. والجواب الثاني: أن المراد فالق ظلمة الإصباح على حذف مضاف، والمراد بظلمة الأصباح الغبش الذي يلي الإصباح المستطيل الكاذب اهـ.\rوَجَعَلَ اللَّيْلَ في قراءة الجمهور: بخفض الليل بالإضافة مناسبة لقوله فالِقُ الْإِصْباحِ وقرأ الكوفيون: وجعل الليل سكنا بنصبه على أنه مفعول به وسكنا المفعول الثاني أو حال اهـ كرخي.\rوهذه قراءة عاصم وحمزة والكسائي من السبعة اهـ خطيب.\rوالسكن ما سكنت إليه واسترحت به، يريد أن الناس يسكنون في الليل سكون راحة، لأن اللّه جعل الليل لهم، كذلك قال ابن عباس: إن كل ذي روح يسكن فيه، لأن الإنسان قد أتعب نفسه في النهار فاحتاج إلى زمان يستريح فيه، ويسكن عن الحركة اهـ خازن.\rوفي المصباح: والسكن ما يسكن إليه من أهل ومال وغير ذكل، وهو مصدر سكنت إلى الشيء من باب طلب اهـ.","part":2,"page":404},{"id":945,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 405\rالخلق من التعب وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بالنصب عطفا على محل الليل حُسْباناً حسابا للأوقات والباء محذوفة وهو حال من مقدر أي يجريان كما في آية الرحمن ذلِكَ المذكور تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (96) بخلقه\rوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ في الأسفار قَدْ فَصَّلْنَا بينا الْآياتِ الدلالات على قدرتنا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) يتدبرون\rوَهُوَ الَّذِي قوله: (من التعب) أي الحاصل في النهار اهـ خازن.\rقوله: (عطفا على محل الليل) وهو النصب، أي وحسبانا عطف على سكنا، ففيه العطف على معمولي عامل واحد. وفي الكرخي: قوله عطفا على محل الليل وهو النصب كما علمت مناسبته لتاليه كجعل لكم النجوم وأنشأكم اهـ.\rقوله: حُسْباناً مصدر حسب كالحسبان بالكسر فكل من المضموم الحاء ومكسورها مصدر حسب كالحساب، فلهذا الفعل ثلاثة مصادر اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: حسبت المال حسبا من باب قتل أحصيته عددا. وفي المصدر أيضا حسبة بالكسر وحسبانا بالضم وحسبت زيدا قائما أحسبه من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس حسبانا بالكسر بمعنى ظننت اهـ.\rقوله: (حسابا للأوقات) أي على أوقات مختلفة تحسب بها الأوقات التي تتعلق بها العبادات والمعاملات اهـ أبو السعود.\rوالحساب العد، والظاهر أن في الكلام مضافا محذوفا أي علامتي حسبان. وفي زاده: فإنه تعالى قدر حركة الشمس مقدارا من السرعة والبطء بحيث تتم دورتها في سنة، وقدر حركة القمر بحيث تتم دورته في شهر، وبهذا التقدير تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة كنضج الثمار وأمور الحرث والنسل باختلاف منازل القمر وتجدد الأهلة في كل شهر تعلم آجال الديون ومواقيت الأشياء. قال تعالى: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ [البقرة: 189]. وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: 5] اهـ.\rقوله: (أو الباء محذوفة) أي فهو منصوب بنزع الخافض، وهو متعلق بمحذوف. وعبارة السمين: وقال مكي عن الأخفش إنه منصوب على إسقاط الخافض والتقدير يجريان بحسبان اهـ.\rقوله: (و هو حال من مقدر) لو قال وهو متعلق بمقدر كما في عبارة غير لكان أحسن اهـ.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ الظاهر أن جعل بمعنى خلق فتكون متعدية لواحد، ولكم متعلق يجعل وكذا لتهتدوا. فإن قيل: كيف يتعلق حرفا جر متحدان في اللفظ والمعنى؟ فالجواب: أن الثاني بدل من الأول بدل اشتمال بإعادة العامل، فإن لتهتدوا جار ومجرور إذ اللام لام كي والفعل بعدها منصوب بإضمار أن عند البصرين، والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم ونظيره في القرآن لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً فلبيوتهم بدل من لمن يكفر بإعادة العامل اهـ سمين.","part":2,"page":405},{"id":946,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 406\rأَنْشَأَكُمْ خلقكم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي آدم فَمُسْتَقَرٌّ منكم في الرحم وَمُسْتَوْدَعٌ منكم في الصلب وفي قراءة بفتح القاف أي مكان قرار لكم قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) ما يقال لهم\rوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا فيه التفات عن الغيبة بِهِ بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ قوله: أَنْشَأَكُمْ إنما قال هنا أنشأ لأنه موافق لقوله وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ ولقوله بعده وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ بخلاف بقية السور اهـ كرخي.\rقوله: (هي آدم) فكل أفراد النوع الإنسان ترجع إليه حتى حواء باعتبار أنها خلقت من ضلعه الأيسر، وحتى عيسى باعتبار أن أمه من ذريته اهـ خازن.\rقوله: (مستقر) يقال قر في مكانه واستقر فمن كسر القاف قال المستقر بمعنى القار ومن فتحها جعله مكان استقرار. وأما المستودع فيجوز أن يكون اسما للإنسان الذي استودع ذلك المكان، وذلك على قراءة الكسر. ويجوز أن يكون المكان نفسه أي المستودع فهي، فمن قرأ فَمُسْتَقَرٌّ بفتح القاف جعل المستودع مكانا. ومن كسر القاف جعل المعنى منكم من استقر ومنكم من استودع والفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع لأن المستقر من القرار والمستودع معرض للرد، وجعل الحصول في الرحم استقرارا وفي الصلب استيداعا لأن النطفة تبقى في صلب الآباء زمانا قصيرا، والجنين يبقى في بطن الأم زمانا طويلا، فلما كان المكث في بطن الأم أكثر من المكث في صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب اهـ خازن.\rقوله أيضا فَمُسْتَقَرٌّ (منكم) على قراءة كسر القاف يكون مبتدأ خبره محذوف. تقديره: منكم كما قدره المفسر ولو قومه على المبتدأ فقال فمنكم مستقر لكان أوضح، وعلى قراءة الفتح مبتدأ أيضا والخبر مقدر، لكن تقديره لكم أي فلكم مكان استقرار كما صنع الشارح، ويقاس عليه التقدير في مستودع اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة بفتح القاف الخ) وأما مستودع فهو بفتح الدال لا غير، لكن على قراءة الكسر في مستقر يكون معنى مستودع شيء مودوع النطفة في الصلب وعلى قراءة الفتح يكون معنى مستودع مكان استيداع وهو الصلب نفسه اهـ شيخنا.\rقوله: يَفْقَهُونَ أي غوامض الدقائق استعمال الفكرة وتدقيق النظر، فإن لطائف صنعه تعالى لأطوار تخليق بني آدم مما يحار في فهمه الألباب، وهذا هو السر في إيثار يَفْقَهُونَ هنا على يعلمون كما ورد في شأن النجوم، لأن ذلك أمر ظاره اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: وخص ما هنا بالفقه وهو تدقيق النظر لأن الاستدلال بالأنفس أدق من الاستدلال بالنجوم في الآفاق لظهورها، فلهذا كان الاستدلال بها أقوى. قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [غافر: 57] أكبر من خلق الناس اهـ.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً هذا مناسب لما قبله لأن لما امتن على خلقه بإيجادهم حيث قال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ الخ ذكر هنا ما يحتاج إليه معاشهم وبقاؤهم. ويناسب أيضا قوله:\rإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الأنعام: 95] فهذا يناسب أول الكلام السابق وآخره اهـ شيخنا.","part":2,"page":406},{"id":947,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 407\rينبت فَأَخْرَجْنا مِنْهُ أي النبات شيئا خَضِراً بمعنى أخضر نُخْرِجُ مِنْهُ من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها وَمِنَ النَّخْلِ خبر ويبدل منه مِنْ طَلْعِها أول ما يخرج منها والمبتدأ قِنْوانٌ عراجين دانِيَةٌ قريب بعضها من بعض وَأخرجنا به قوله: فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بسببه، فالسبب واحد والمسببات كثيرة. وقوله: (فيه التفات) وسره كمال العناية بشأن هذا المخرج، أي أخرجناه ما ذكر بعظمتنا وقدرتنا اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ الخ شروع في تفصيل ما أجمل من الإخراج، وقد بدأ بتفصيل حال النجم أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئا خضرا اهـ أبو السعود.\rقوله: خَضِراً اسم فاعل، يقال: خضر الشيء فهو خضر وأخضر كعور فهو عور وأعور، فخضر وأخضر بمعنى كما قال الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: نُخْرِجُ مِنْهُ التعبير بالمضارع مع أن المقام للماضي لاستحضار الصورة الغربية اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: نُخْرِجُ مِنْهُ أي من الخضر. والجمهور على نخرج مسندا إلى ضمير المعظم نفسه. وقرأ ابن محيصن، والأعمش: يخرج بياء الغيبة مبنيا للمفعول، حب بالرفع قائم مقام الفاعل. وعلى كل من القراءتين تكون الجملة صفة لخضرا، وهذا هو الظاهر، وجوزوا فيها أن تكون مستأنفة، ومتراكب رفعا ونصبا صفة لحب بالاعتبارين اهـ.\rقوله: (يركب بعضه بعضا) من باب سمع، وفي القاموس: ركبه يركبه كسمعه يسمعه ركوبا ومركبا علاه كارتكب والاسم الركبة بالكسر اهـ.\rقوله: وَمِنَ النَّخْلِ الخ شروع في تفصيل حال الشجر إثر بيان حال النجم اهـ أبو السعود.\rوالنخل اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث. قال تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: 7] وقال تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: 20] اهـ شيخنا.\rقوله: (و يبدل منه) أي بدل بعض. قوله: (أول ما يخرج منها) أي قبل انشقاق الكيزان عنه، فيقال له في هذه الحالة: طلع، فإذا انشقت عنه الكيزان سمي عذقا، وهو القنو اهـ شيخنا.\rقوله: قِنْوانٌ جمع تكسير مفرده قنو كصنو وصنوان، وهذا الجمع يلتبس بالمثنى حالة الوقف، فإذا قلت عندي قنوان وسكنت النون لا يدري أنه مثنى أو جمع ويمتازان بحركات النون، فنون المثنى مكسورة دائما ونون هذا الجمع تتوارد عليها، الحركات الثلاث بحسب الإعراب ويمتازان أيضا في الناسب، فإذا نسبت إلى المثنى ردتته إلى المفرد، فقلت: قنوى، وإذا نسبت إلى الجمع أبقيته على حاله لأنه جمع تكسير، فقلت: قنواتي، ويمتازان أيضا في الإضافة فنون المثنى تسقط لها بخلاف نون جمع التكسير، فتقول في المثنى: هذان قنواك، وفي الجمع: هذه قنوانك، ويقال: مثل هذا في صنوان مثنى وجمعا اهـ شيخنا.\rقوله: (قريب بعضها من بعض) أي أو قريبة من المتناول اهـ بيضاوي.","part":2,"page":407},{"id":948,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 408\rجَنَّاتٍ بساتين مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً ورقهما حال وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ثمرهما انْظُرُوا يا مخاطبين نظر اعتبار إِلى ثَمَرِهِ بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب إِذا أَثْمَرَ أول ما يبدو كيف هو وَإلى يَنْعِهِ نضجه إذا وخص القريبة بالذكر لزيادة النعمة فيها، وذكر الطلع مع النخل لأنه طعام وإدام دون سائر الأكمام، وتقديم النبات لتقدم القوت على الفاكهة اهـ كرخي.\rقوله: وَجَنَّاتٍ معطوف على نبات على صنيع الشارح، وكذا الزيتون والرمان معطوفان على نبات على القاعدة في تكرر المعطوفات أنها على الأول، وقيل: كل على ما قبله وينبني على الخلاف ما إذا قلت مررت بك وبزيد وبعمرو، فإذا عطفت وبعمرو على بك كان الإتيان بالباء واجبا، وإذا عطفته على بزيد كان الإتيان بها جائزا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وجنات الجمهور على كسر التاء من جنات لأنها منصوبة نسقا على نبات أي فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عطف الخاص على العام تشريفا لهذين الجنسين على غيرهما، كقوله تعالى: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: 98] وعلى هذا فقوله: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ جملة معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة، وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيما للمنة به، لأنه من أعظم أقوات العرب، ولأنه جامع بين التفكه والقوت، ويجوز أن ينتصب جنات نسقا على خضرا. وجوز الزمخشري وجعله الأحسن أن ينتصب على الاختصاص كقوله: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء: 162]. وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم وَجَنَّاتٍ بالرفع وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف، واختلفت عبارة المعربين في تقديره فمنهم من قدره متقدما، ومنهم من قدره متأخرا، فقدره الزمخشري متقدما أي وثم جنات. وقدره أبو البقاء: ومن الكرم جنات، وهذا تقدير حسن لمقابلته لقوله: وَمِنَ النَّخْلِ أي ومن النخل كذا ومن الكرم كذا. والثاني: أن يرتفع عطفا على قنوان تغليبا للجوار هذا نص الأنباري. والثالث: أن يعطف على قنوان. قال الزمخشري: أي على معناه: قال: أي يخرج من النخل قنوان وجنات من أعناب أي من نبات أعناب اهـ.\rقوله: مُشْتَبِهاً يقال: مشتبه ومتشابه بمعنى كما يقال اشتبه وتشابه كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (ورقهما) أي لونا وشكلا. قوله: (حال) أي من الزيتون والرمان معا ولا يرد عليه أنه كان يقال مشتبهين وذلك لأن الشارح جعلها حالا سببية حيث جعل فاعلها اسما ظاهرا محذوفا. وكأنه لعلمه من المقام، هذا هو المناسب في فهم كلامه اهـ شيخنا.\rقوله: إِلى ثَمَرِهِ أي ثمر كل واحد مما ذكر اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و هو جمع ثمرة) أي على كل من الفتح والضم اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا أَثْمَرَ أي فتجده ضعيفا لا نفع فيه، وإلى ينعه أي فتجدوه قد صار قويا جامعا لمنافع جمة اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(إلى) يَنْعِهِ مصدر ينع بكسر النون ينع بفتحها فهي مكسورة في الماضي مفتوحة","part":2,"page":408},{"id":949,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 409\rأدرك كيف يعود إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الايمان بخلاف الكافرين\rوَجَعَلُوا لِلَّهِ مفعول ثان شُرَكاءَ مفعول أول ويبدل منه الْجِنَ حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان وَقد في المضارع ويصح العكس، والمصدر على كل حال ينع منع اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: وينعه الجمهور على فتح الياء وسكون النون. وقرأ ابن محيصن: بضم الياء وهي قراءة قتادة والضحاك. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة واليماني: يانعة. ونسبها الزمخشري لابن محيصن فيجوز أن يكون عنه قراءتان. والينع بالفتح والضم مصدر ينعت الثمرة أي نضجت، والفتح لغة الحجاز والضم لغة بني نجد. ويقال أيضا: ينع بضم الياء والنون ينوع بواو بعد ضمتين. وقيل: الينع بالفتح جمع يانع كتاجر وتجر وصاحب وصحب. ويقال: ينعت الثمرة وأينعت ثلاثيا ورباعيا، بمعنى:\rوقيل أينعت الثمرة وينعت احمرت قاله الفراء. ويقال: ينع يينع بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، هذا قول أبي عبيدة. وقال الليث بعكس هذا، أي بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع، وناسب ختام هذه الآية بقوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ كون ما تقدم دالا على وحدانيته وإيجاده المصنوعات المختلفة فلا بد لها من مدبر مع أنها نابته من أرض واحدة وتسقى بماء واحد، وهذه الدلائل إنما تنفع المؤمنين المتدبرين دون غيرهم اهـ.\rوفي المختار: ينع الثمر أي نضج وبابه ضرب وجلس وقطع وخضع اهـ.\rقوله: (كيف يعود) أي كيف يصير قويا ينتفع به، وهذا على أن الضمير في يعود ويثمر يحتمل أنه للينع الذي هو النضح والاستواء ويكون معنى يعود يحصل ويتجدد. قوله: إِنَّ فِي ذلِكُمْ الإشارة إلى جميع ما تقدم من قوله: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِ إلى هنا. قوله: (خصوا بالذكر الخ) يشير بهذا إلى أن قوة الدلالة وظهورها لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر اللّه للعبد حصول الإيمان، فأما من سبق قضاء اللّه له بالكفر لم تنفعه هذه الدلالة اهـ كرخي.\rقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ الخ الضمير لعبده الأوثان وهم مشركوا العرب، بدليل قول الشارح: حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان، وهذا شروع في بيان معاملتهم لخالقهم بعد أن بين الامتنان عليهم بإيجادهم وبما يحتاجون إليه في معاشهم، فكان مقتضى ذلك أن لا يشركوا معه غيره لكنهم خالفوا مقتضى العقل السليم اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول ثان) لو جعله متعلقا بشركاء وجعله هو الثاني والجن هو الأول، لكان أوضح اهـ شيخنا.\rوفي السمين: الجمهور على نصب الجن، وفيه خمسة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أن الجن هو المفعول الأول والثاني هو شركاء قدم واللّه متعلق بشركاء، والجعل هنا بمعنى التصيير وفائدة التقديم كما قال الزمخشري استعظام أن يتخذ للّه شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا، ولذلك قدم اسم اللّه على الشركاء اهـ.\rومعنى كونهم جعلوا الجن شركاء للّه هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون المضار والحيات والسباع","part":2,"page":409},{"id":950,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 410\rخَلَقَهُمْ فكيف يكونون شركاءه وَخَرَقُوا بالتخفيف والتشديد أي اختلفوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ حيث قالوا عزير ابن اللّه والملائكة بنات اللّه سُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى عَمَّا كما جاء في التفسير. وقيل: ثم طائفة من الملائكة يسمون الجن كان بعض العرب يعبدها. الثاني: أن يكون شركاء مفعولا أول، وللّه متعلق بمحذوف على أنه المفعول الثاني. والجن بدل من شركاء. أجاز ذلك الزمخشري وابن عطية والحوفي وأبو البقاء ومكي. وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب: الجن رفعا على تقديرهم الجن جوابا لمن قال جعلوا للّه شركاء، فقيل: هم الجن ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه والاستنقاص بمن جعلوه شريكا للّه تعالى إلى آخر ما ذكره في عبارته اهـ.\rقوله: (و قد خلقهم) أشار به إلى أن الجملة في محل الحال والمعنى على تقدير العلم، كأنه قيل: وقد علموا أن اللّه خلقهم لا الجن اهـ كرخي.\rقوله: وَخَرَقُوا الضمير لليهود والنصارى ومشركي العرب، فاليهود والنصارى خرقوا له البنين، ومشركوا العرب خرقوا له البنات، فكلام الشارح على هذا التوزيع اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتخفيف) أي في قراءة الجمهورة بمعنى الاختلاق. ويقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه وافتراه وافتعله بمعنى كذب اهـ كرخي.\rوخرق من باب ضرب كما في المصباح. وعبارة السمين: قرأ الجمهور: خرقوا بتخفيف الراء.\rوابن عمر كذلك أيضا، إلا أنه شدد الراء. والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاختلاق، قال الفراء:\rيقال خلق الإفك وخرقه واختلقه وافتراه وافتعله وخرصه بمعنى كذب فيه والتشديد للتكثير، لأن القائلين بذلك خلق كثير وجم غيره. وقيل: هما لغتان، والتخفيف هو الأصل، وأما قراءة الحاء المهملة فمعناها التزوير أي زوروا له أولادا، لأن المزور محرف ومغير للحق إلى الباطل. قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ فيه وجهان، أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف أي خرقوا له خرقا بغير علم، قاله أبو البقاء وهو ضعيف المعنى. والثاني: وهو الأحسن أن يكون منصوبا على الحال من فاعل خرقوا، أي افتعلوا الكذب مصاحبين للجهل، وهو عدم العلم اهـ.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، بل رميا بقول عن عمي وجهالة من غير فكر وروية أو بغير علم بمرتبة ما قالوه، وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره اهـ أبو السعود.\rقوله: (حيث قالوا عزير ابن اللّه) كان عليه أن يقول والمسيح ابن اللّه، فاليهود قالوا الأول، والنصارى قالوا الثاني، فعلى هذا يكون المراد بالجمع ما فوق الواحد، إذ لم يدع اللّه إلا ابنان عزير والمسيح. وقوله: (و الملائكة بنات اللّه) مقالة العرب اهـ شيخنا. قوله: سُبْحانَهُ هذا من جانبه تعالى فنزه ذاته بنفسه تنزيها لائقا به.\rقوله: وَتَعالى معطوف على الفعل المقدر العامل في سبحانه، أي تنزه بذاته تنزيها اهـ أبو السعود.","part":2,"page":410},{"id":951,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 411\rيَصِفُونَ (100) بأن له ولدا هو\rبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما من غير مثال سبق أَنَّى كيف يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ زوجة وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ من شأنه أن يخلق وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)\rذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وحدوه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) قوله: (بأن له ولدا) عبارة أبي السعود: أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكا أو ولدا اهـ.\rقوله: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قرأ الجمهور برفع العين وفيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو بديع، فيكون الوقف على قوله: وَالْأَرْضِ فهي جملة مستقلة بنفسها.\rالثاني: أنه فاعل بقوله تعالى: أي تعالى بديع السموات، وتكون هذه الجملة الفعلية معطوفة على الفعل المقدر قبلها، وهو الناصب لسبحان، فإن سبحان كما تقدم من المصادر اللازم إضمار ناصبها.\rالثالث: أنه مبتدأ وخبره ما بعده من قوله: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ إلى آخر عبارته اهـ سمين.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ أنى بمعنى كيف أو من أين وفيها وجهان، أحدهما: أنه خبر كان الناقصة، وله في محل نصب على الحال وولد اسمها، ويجوز أن تكون منصوبة على التشبيه بالحال أو الظرف كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة: 28] والعامل فيها قال أبو البقاء: يكون، وهذا على رأي من يجيز في كان أن تعمل في الأحوال والظروف وله خبر يكون وولد اسمها، ويجوز في يكون أن تكون تامة وهذا أحسن، أي كيف يوجد له ولد وأسباب الولدية منتفية اهـ سمين.\rوهذه الجملة مستأنفة مسوقة كالتي قبلها لبيان استحالة ما نسبوه إليه وتقدير تنزيهه عنه. وقوله:\rوَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ حال مؤكدة للاستحالة المذكورة، فإن انتفاء أن يكون له صاحبة مستلزم لانتفاء أن يكون له ولد ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة، وإن أمكن وجوده بلا والد اهـ أبو السعود.\rقوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ هذه الجملة إما مستأنفة سيقت لتحقيق ما ذكر من الاستحالة، أو حال مقررة لها، أي: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ والحال أنه خلق جميع الأشياء ومن جملتها ما سموه ولدا له، فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه اهـ أبو السعود.\rقوله: (من شأنه أن يخلق) احترز به عن ذاته وصفاته اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكُمُ إشارة إلى المنعوت بما ذكر من خلق السموات والأرض وإبدعهما ومن أنه بكل شيء عليم ومن أنه خلق كل شيء، فإذا كانت هذه الصفات ملاحظة في اسم الإشارة حصل التكرار في قوله: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إذ يصير المعنى الذي خلق كل شيء خالق كل شيء، ويجاب بأنه قوله فيما سبق: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي في الماضي كما تنبىء عنه صيغة الماضي، وبأن قوله هنا خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أي مما سيكون فلا تكرار، وهكذا أجاب أبو السعود. وفي الكرخي: ذلِكُمُ مبتدأ، اللّه خبر أول، ربكم خبر ثان، لا إله إلا هو خبر ثالث، خالق كل شيء رابع، فَاعْبُدُوهُ والفاء هنا لمجرد السببية من غير عطف، إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر وعكسه، أي هو حكم ترتب على تلك الأوصاف، وهي علل مناسبة له، فحيث وجدت وجد وحيث فقد وبما تقرر علم أن فائدة ذكر خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ في الآية بعد قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ جعله توطئة لقوله تعالى: فَاعْبُدُوهُ وأما قوله:\rوَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فإنما ذكر استدلال على نفي الولد اهـ.","part":2,"page":411},{"id":952,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 412\rحفيظ\rلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي لا تراه وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وحديث الشيخين «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» وقيل المراد لا تحيط به وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أو قوله: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ معطوف على جملة ذلِكُمُ الخ وقوله: وَكِيلٌ أي متولي جميع أمور خلقه الذين أنتم من جملتهم ففوضوا أموركم إليه وأقصروا عبادتكم عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ جمع بصر وهو حاسة النظر أي القوة الباصرة، وقد يقال للعين من حيث إنها محلها أي الحاسة اهـ بيضاوي.\rقوله: (و هذا) أي النفي المذكور مخصوص أي مقصور على زمن الدنيا. ووله: (لرؤية المؤمنين) علة للتخصيص الذي هو القصر أي لثبوت رؤية المؤمنين الخ. وقوله: (مخصوص) يقتضي أنه عام وهو كذلك، لأن حكم الفعل المنفي من قبيل العام كما هو مقرر في الأصول اهـ شيخنا.\rقوله: (لقوله تعالى الخ) تعليل للعلة. قوله: (و قيل المراد لا تحيط به) أي وعلى هذا القيل يكون العموم على إطلاقه فلا يحيط به بصر أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة لعدم انحصاره اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال جمهور المفسرين: معنى الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، والأبصار ترى الباري جل جلاله ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، وقال سعيد بن المسيب في تفسير قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ: تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقد تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة، وقالوا: إن اللّه تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه، وإن رؤيته مستحيلة عقلا لأن اللّه أخبر أن الأبصار لا تدركه، وإدراك البصر عبارة عن الرؤية، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ بمعنى لا تراه الأبصار، وهذا يفيد العموم. ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة والإجماع من الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة. قال اللّه تبارك وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة:\r22] ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث اهـ.\rقوله أيضا: (و قيل المراد لا تحيط به) أي فالمنفي إنما هو الأحاطة به تعالى والشمول لا أصل الرؤية، وخرج بالبصر رؤية القلب التي هي عبارة عن أمر يخلقه اللّه تعالى في القلب في المنام، وهو الرؤيا، أو عن دوام استحضار صفاته تعالى بصفات الجلال ونعوت الإكرام، وهو المسمى عند الصوفية بمقام الشهود اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فيه تفسيران على أسلوب لا تدركه الأبصار، الأول قوله: (أي يراها)، والثاني: قوله: (أو يحيط بها علما) اهـ شيخنا.","part":2,"page":412},{"id":953,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 413\rيدرك البصر وهو لا يدركه أو يحيط به علما وَهُوَ اللَّطِيفُ بأوليائه الْخَبِيرُ (103) بهم قل يا محمد\rقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ حجج مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ ها فآمن فَلِنَفْسِهِ أبصر لأن ثواب قوله: وَهُوَ اللَّطِيفُ (بأوليائه) هذا يقتضي أن اللطيف مأخوذ من اللطف بمعنى الرأفة. قال بعضهم: ولا يظهر لهذا مناسبة، بل هو مأخوذ من اللطف بمعنى خفاء الإدراك، ويكون راجعا لقوله:\rلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وقوله: الْخَبِيرُ راجعا لقوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ. وعبارة البيضاوي:\rيجوز أن يكون هذا من باب اللف والنشر المرتب أي لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف، وهو الذي لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها انتهت.\rقوله: قَدْ جاءَكُمْ الخ استئناف وارد على لسان النبي. و(البصائر) جمع بصيرة وهي النور التي تبصر به النفس أي الروح، كما أن البصر هو النور الذي تبصر به العين، والمراد بالبصائر هنا الحجج والأدلة اهـ أبو السعود.\rوإطلاق البصائر عليها مجاز من إطلاق اسم المسبب على السبب اهـ شيخنا. والمراد بها هنا آيات القرآن اهـ كرخي.\rوفي السمين: والبصائر جمع بصيرة وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء ومنه قيل:\rللدم الدال على القتيل بصيرة، والبصيرة مختصة بالقلب كالبصر بالعين، هذا قول بعضهم. وقال الراغب: يقال لقوة القلب المدركة بصر، قال تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: 17] ومِنْ رَبِّكُمْ يجوز أن يتعلق بالفعل قبله وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لما قبله، أي بصائر كائنة من ربكم، ومن في الوجهين لابتداء الغاية مجازا اهـ.\rوفي القاموس: البصر محرك حسم العين والجمع أبصار مثل: سبب وأسباب، ومن القلب نظره وخاطره والبصير المبصر والجمع بصراء والعالم وبالهاء عقيدة القلب والفطنة والجحة اهـ.\rقوله: (فمن أبصرها) أي اهتدى بها. وقوله: فَلِنَفْسِهِ قدر الشارح متعلقة فعلا مؤخرا للاختصاص، ولو قدرة اسما لكان أولى ليصح الإتيان بالفاء لكون الجملة حينئذ اسميه بخلاف ما لو كانت فعلية والفعل ماض فلا تدخل عليها الفاء وليوافق ما بعده وهو قوله فَعَلَيْها حيث قدر له اسما مبتدأ وجعل الجملة اسمية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ يجوز في من أن تكون شرطية وأن تكون موصولة، فالفاء جواب الشرط على الأول ومزيدة في الخبر لشبه الموصول باسم الشرط على الثاني، ولا بد قبل لام الجر من محذوف يصح به الكلام، والتقدير: فالإبصار لنفسه ومن عمي فالعمى عليها، والعمى مبتدآن والجار بعدهما هو الخبر، والفاء داخلة على هذه الجملة الواقعة جوابا أو خبرا وإنما حذف مبتدؤها للعلم به. وقدر الزجاج قريبا من هذا فقال: فَلِنَفْسِهِ نفع ذلك ومن عمي فعليها ضرر عماها. قال الشيخ: وما قدرناه. من المصدر أولى وهو: فالإبصار والعمى لوجهين، أحدهما: أن المحذوف يكون مفردا لا جملة والجار يكون عمدة لا فضلة. والثاني: وهو أقوى أنه لو كان التقدير","part":2,"page":413},{"id":954,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 414\rإبصاره له وَمَنْ عَمِيَ عنها فضل فَعَلَيْها وبال إضلاله وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) رقيب لأعمالكم إنما أنا نذير\rوَكَذلِكَ كما بينا ما ذكر نُصَرِّفُ نبين الْآياتِ ليعتبروا وَلِيَقُولُوا أي الكفار في عاقبة الأمر دَرَسْتَ ذاكرت أهل الكتاب وفي قراءة درست أي كتب فعلا لم تدخل الفاء سواء كانت من شرطية أو موصولة مشبهة بالشرط، لأن الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامدا ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه بالشرط، لم تدخل الفاء في جواب الشرط ولا في خبر المبتدأ لو قلت: من جاءني فأكرمته لم يجز بخلاف تقديرنا فإنه لا بد فيه من الفاء ولا يجوز حذفها إلا في الشعر اهـ.\rقوله: (لأن ثواب إبصاره) أي نفعه. قوله: وَمَنْ عَمِيَ أي ومن ضل كما قال الشارح، وإنما عبر عن الضلال بالعمى تقبيحا له وتنفيرا عنه. اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، فقدره الزجاج ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما يتلى عليكم وقدره غيره نصرف الآيات في غير هذه السورة تصريفا مثل التصريف في هذا السورة اهـ سمين.\rقوله: (ليعتبروا) قدره ليعطف عليه وَلِيَقُولُوا والحاصل أنه علل تبين الآيات بعلل ثلاث، أولاها محذوفة واللام في الأولى والأخيرة لام العلة حقيقة بخلافها في الثانية فهي لام العاقبة كما أشار له المفسر بقوله: (في عاقبة الأمر) كالتي في قوله لدوا للموت وابنوا للخراب ولا يصح أن تكون لام العلة حقيقة لأنه ليس المقصود من تبيين الآيات أن يقولوا هذه المقالة الشنعاء اهـ شيخنا.\rولام العاقبة هي التي تدخل على شيء ليس مقصودا من أصل الفعل ولا حاملا عليه اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: وَلِيَقُولُوا الجمهور على كسر اللام وهي لام كي والفعل بعدها منصوب بإضمار أن فهو في تأويل مصدر مجرور بها على ما عرف غير مرة، وسماها أبو البقاء وابن عطية لام الصيرورة كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8]. وجوز أبو البقاء فيها الوجهين أعني كونها لام العاقبة أو العلة حقيقة فإنه قال: واللام لام العاقبة أي أن أمرهم يصير إلى هذا.\rوقيل: إن قصد بالتصريف أن يقولوا دَرَسْتَ عقوبة لهم، يعني فهذه علة صريحة. وقد أوضح بعضهم هذا فقال: المعنى نصرف هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفرا ولنبينه لبعضهم فيزداد إيمانا ونحوه يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا اهـ.\rقوله: (؟ دارست) بوزن قاتلت، وقوله: (و في قراءة درست) بوزن قتلت وهاتان سبعيتان وبقي سبعية ثالثة درست بوزن قتلت أي قدمت وعفت اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وأما القراءات التي في (؟ دارست) فثلاث في المتواتر، فقرأ ابن عامر درست بوزن ضربت، وابن كثير وأبو عمرو (؟ دارست) بزنة قاتلت، والباقون درست بوزن ضربت أنت، فأما قراءة ابن عامر فمعناها بليت وقدمت وتكررت على الأسماع يشيرون إلى أنها من أحاديث الأوّلين. كما قالوا أساطير الأوّلين وأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو فمعناها (دارست) يا محمد غيرك من أهل الأخبار الماضية والقرون الخالية حتى حفظتها من نقلتها، كما حكي عنهم فقالوا: إنما يعلمه بشر لسان الذي","part":2,"page":414},{"id":955,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 415\rالماضين وجئت بهذا منها وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)\rاتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)\rوَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً رقيبا يلحدون إليه أعجمي. وفي التفسير: أنهم كانوا يقولون: هو يدارس سلمان، وأما قراءة الباقين فمعناها حفظت وأتقنت لدرس أخبار الأوّلين كما حكي عنهم، فقالوا: أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا، أي يكرر عليها بالدرس ليحفظها، وقرئ هذا الحرف في الشاذ عشر قراءات أخر، فاجتمع فيه ثلاث عشرة قراءة. فقرأ ابن عباس بخلاف عنه، وزيد بن علي والحسن البصري وقتادة:\rدرست فعلا ماضيا مبنيا للمفعول مسندا لضمير الآيات. وقرئ درست فعلا ماضيا مشددا مبنيا للفاعل المخاطب، فيحتمل أن يكون للتكثير أي درست الكثيرة، وقرئ درست كالذي قبله إلا أنه مبني للمفعول أي درسك غيرك الكتب، فالتضعيف للتعدية، وقرئ دورست، مسندا لتاء المخاطب من دارس كقاتل إلا أنه بني للمفعول فقلبت ألفه الزائدة واوا، والمعنى: دارسك غيرك. وقرئ: دارست بتاء ساكنة للتأنيث لحقت آخر الفعل. وقرئ: درست بفتح الدال وضم الراء مسندا إلى ضمير الآيات، وهو مبالغة في درست بمعنى بليت وقدمت وانمحت أي اشتد درسها وبلاها. وقرأ أبي درس فاعله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقرأ الحسن في رواية درسن فعلا ماضيا لنون الإناث وهي ضمير الآيات، وكذا هي في بعض مصاحف ابن مسعود. وقرئ: درسن كالذي قبله، إلا أنه بالتشديد بمعنى اشتد درسها وبلاها.\rوقرئ دارسات جمع دراسة بمعنى قديمات أو بمعنى ذات دروس اهـ.\rقوله: (ذاكرت) أي قرأت معهم وعليهم فتعلمت هذا القرآن منهم فهو من الكتب الماضية، ولم تجيء به من عند اللّه ابتكارا. وقوله: دَرَسْتَ أي قرأت عليهم وتعلمت منهم. وقوله: (و جئت بهذا) أي القرآن منها راجع لكل من المعنيين اهـ شيخنا. وقوله: وَلِنُبَيِّنَهُ الضمير للآيات باعتبار المعنى أي بتأويلها بالكتاب أو للقرآن، وإن لم يذكر لكونه معلوما، أو للمصدر أي للتبيين أو التصريف اهـ بيضاوي.\rقوله: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ لما حكي عن المشركين قبائحهم وعدم ثباتهم على مقتضى الآيات عقب ذلك بأمره بالثبات على مقتضاها وبعدم الاعتداد بهم وبأباطيلهم، أي دم على ما أنت عليه من الشرائع والأحكام التي عمدتها التوحيد. وقوله: وَأَعْرِضْ معطوف على اتبع وما بينهما اعتراض مؤكد لإيجاب اتباع الوحي لا سيما في أمر التوحيد اهـ أبو السعود.\rقوله: ما أُوحِيَ إِلَيْكَ يجوز في ما أن تكون اسمية والعائد هو القائم مقام الفاعل وإليك فضلة، ويجوز أن تكون مصدرية والقائم مقام الفاعل حينئذ الجار والمجرور، أي الإيحاء الجائي من ربك ومن لابتداء الغاية مجازا فمن ربك متعلق بأوحى، وقيل بل هو حال من ما نفسها، وقيل: بل هو حال من الضمير المستتر في أوحى وهو بمعنى ما قبله اهـ سمين.\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ جملة اعتراضية بين المتعاطفين اهـ خازن.\rوقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي لأن إشراكهم بمشيئة اللّه بدليل قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الخ اهـ شيخنا.","part":2,"page":415},{"id":956,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 416\rفنجازيهم بأعمالهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال\rوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ هم مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً اعتداء وظلما بِغَيْرِ أي أترك قتالهم، فعلى هذا يكون الأمر بالإعراض منسوخا بآية القتال اهـ خازن.\rوهذا هو المناسب لقول الشارح، وهذا قبل الأمر بالقتال اهـ شيخنا.\rوقيل: إنها محكمة والمعنى لا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى رأيهم ومن جعله منسوخا بآية السيف حمل الإعراض على ما يعم الكف عنهم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعول المشيئة محذوف أي عدم إشراكهم اهـ.\rقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي من جهتهم تقوم بأمورهم وتدبر مصالحهم، وعليهم في الموضعين متعلق بما بعده اهتماما أو رعاية للفواصل اهـ أبو السعود.\rلكن قوله من جهتهم يناسب قوله تقوم بأمورهم الخ ولا يناسب قول الشارح (فتجبرهم الخ) فالمناسب له أن يكون المراد وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ من جهتنا فيكون مساويا في المعنى لقوله:\rوَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ولينظر ما فائدته بعده على صنيع الشارح اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وهذه الجملة في معنى الجملة قبلها، لأن معنى ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ هو معنى: وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي رقيبا اهـ.\rقوله: (فتجبرهم) يستعمل ثلاثيا ورباعيا كما في المصباح ونصه: وأجبرته على كذا بالألف حملته عليه قهرا وغلبة فهو مجبر، هذه لغة عامة العرب، وفي لغة لبني تميم وكثير من أهل الحجاز يتكلم بها جبرته جبرا من باب قتل. وقال الأزهري: جبرته وأجبرته لغتان جيدتان اهـ.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ والإشارة راجعة إلى قوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وإن كان بعيدا في اللفظ لكونه قريبا في المعنى اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الخ قال ابن عباس: لما نزلت إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98] قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم اللّه أن يسبوا أوثانهم فيسبوا اللّه عدوا بغير علم. وقال قتادة: كان المؤمنين يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم، فنهاهم اللّه عن ذلك لئلا يسبوا اللّه فإنهم قوم جهلة لا علم لهم باللّه عز وجل، وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش انطلقوا بنا لندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهي عنا ابن أخيه فأنا نستحي أن نقتله بعد موته. فتقول العرب: كان عمه يمنعه فلما مات قتلوه فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو ابن العاص والأسود بن أبي البختري إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وأذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له أبو طالب: إن هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «و ما يريدون» قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. فقال له أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أرأيتم إن أعطيتكم هذا فهل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم وأدت لكم الخراج»","part":2,"page":416},{"id":957,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 417\rعِلْمٍ أي جهلا باللّه كَذلِكَ كما زينا لهؤلاء ما هم عليه زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ من الخير والشر فأتوه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) فيجازيهم به\rوَأَقْسَمُوا أي قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكهما وعشرة أمثالها فما هي؟ فقال: «قولوا لا إله إلا اللّه» فأبوا ونفروا.\rفقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي. فقال: «يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها» فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنسبن من يأمرك. فأنزل اللّه: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني لا تسبوا أيها المؤمنون الأصنام التي يعبدها المشركون فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني فيسبوا اللّه ظلما بغير علم لأنهم جهلة باللّه عز وجل. قال الزجاج: نهوا قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت تعبدها المشركون. وقال ابن الأنباري: هذه الآية منسوخة أنزلها اللّه عز وجل والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة، فلما قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ونظائرها بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] وقيل: إنما نهوا عن سب الأصنام وإن كان في سبها طاعة وهو مباح لما يترتب على ذلك من المفاسد التي هي أعظم من ذلك هو سب اللّه عز وجل وسب رسوله، وذلك من أعظم المفاسد، فلذلك نهوا عن سب الأصنام. وقيل: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تسبوا آلهتهم فيسبوا ربكم» فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم. فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام فحقيقتها النهي عن سب اللّه تعالى لأنه سبب لذلك اهـ خازن.\rقوله: فَيَسُبُّوا اللَّهَ الظاهر أنه منصوب على جواب النهي بإضمار أن بعد الفاء، أي لا تسبوا آلهتهم فقد يترتب عليه ما تكرهون من سب اللّه، ويجوز أن يكون مجزوما نسقا على فعل النهي قبله كقولهم لا تمددها فتشقها اهـ سمين.\rقوله: (اعتداء) أشار به إلى أن عدوا مفعول مطلق وهو ملاق في المعنى ليسبوا، أو إلى أنه مفعول من أجله. وفي السمين: قوله: عدوا في نصبه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر لأنه نوع من العامل فيه لأن السب من جنس العدو. والثاني: أنه مفعول من أجله أي لأجل العدو، وظاهر كلام الزجاج أنه خلط القولين فجعلهما قولا واحدا، فإنه قال وعدوا منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدوا عدوا. قال: ويكون على إرادة اللام والمعنى فيسبوا اللّه للظلم. والثالث: أنه منصوب:\rعلى أنه واقع موقع الحال المؤكدة، لأن السب لا يكون إلا عدوا اهـ.\rقوله: (أي جهلا منهم باللّه) أي بما يجب في حقه ويذكر به اهـ أبو السعود.\rقوله: كَذلِكَ زَيَّنَّا كذلك نعت لمصدر محذوف، أي زينا لهؤلاء أعمالهم تزيينا، مثل تزييننا الكل أمة عملهم، وقيل: تقديره مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين زينا لكل أمة عملهم، وهو قريب من الأول اهـ سمين.\rقولهم: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ الخ معطوف على ما قدره الشارح وهو قوله: (فأتوه) اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَقْسَمُوا أي حلفوا وسمي الحلف قسما لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب. وقوله: (أي غاية الخ) وذلك أنهم وذلك أنهم كانوا يقسمون بآبائهم وآلهتهم، فإذا كان الأمر عظيما أقسموا باللّه، والجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة وانتصب جهد على المصدرية. وقوله:\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 27","part":2,"page":417},{"id":958,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 418\rكفار مكة بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي غاية اجتهادهم فيها لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ مما اقترحوا لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها كما يشاء وإنما أنا نذير وَما يُشْعِرُكُمْ يدريكم بإيمانهم إذا لَئِنْ جاءَتْهُمْ الخ أخبار عنهم من اللّه لا حكاية لقولهم وإلا لقيل لئن جاءتنا الخ اهـ أبو حيان.\rقوله: (أي غاية اجتهادهم فيها الخ) أشار به إلى أن جهد مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف اهـ شيخنا.\rقوله: (مما اقترحوا) أي طلبوا، وعبارة الخازن: قال محمد بن كعب القرظي والكلبي: قالت قريش: يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان له عصا يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، فأتنا بآية حتى نصدقك ونؤمن بك؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أي شيء تحبون؟» قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا وابعث لنا بعض موتانا نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن فعلت ما تقولون أتصدقونني؟» قالوا: نعم. واللّه لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. وسأل المسلمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجعل يدعو اللّه عز وجل أن يجعل الصفا ذهبا فجاء جبريل فقال: لك ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوك لنعذبنهم وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بل يتوب تائبهم». فأنزل اللّه عز وجل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعني: وحلفوا باللّه جهد أيمانهم.\rيعني: أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل باللّه فهو جهد يمينه اهـ.\rقوله: لَيُؤْمِنُنَ أي وليس غرضهم بذلك إلا التهكم وعدم الاعتداد بما شاهدوا من الآيات اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي لا عندي، فالمراد بالعندية أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره، لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي أمرها في حكمه وقضائه لا تتعلق بها قدرة أحد بوجه من الوجوه حتى يمكنني أن أتصدى لاستنزالها اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ أي يعلمكم، أي وأي شيء يعلمكم بإيمانهم، أي تعلمون ذلك، فما استفهامية مبتدأ وجملته يشعركم خبرها، والكاف مفعول أول والثاني محذوف قدره بقوله: (بأيمانهم) وأشار بقوله: (أي أنتم الخ) إلى أن الاستفهام إنكاري. وقوله: أَنَّها الخ مستأنف جواب سؤال نشأ من الجملة قبله كأنه قيل: فحينئذ ما حالهم إذا جاءت؟ فقيل: من جانب اللّه تعالى أنها إِذا جاءَتْ الخ وهو مع ذلك بمنزلة التعليل للنفي المستفاد من الاستفهام، وهذا كله على قراءة كسران اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ ما استفهامية مبتدأ والجملة بعدها خبر، وفاعل يشعركم يعود عليها وهي تتعدى لاثنين: الأول ضمير الخطاب، والثاني: محذوف، أي وأي شيء يعلمكم إيمانهم إذا جاءتهم الآيات التي اقترحوها. وقرأ العامة: أنها بفتح الهمزة. وابن كثير وأبو عمرو وأبو","part":2,"page":418},{"id":959,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 419\rجاءت أي أنتم لا تدرون ذلك أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) لما سبق في علمي وفي قراءة بالتاء خطابا للكفار وفي أخرى بفتح أن بمعنى لعل أو معمولة لما قبلها\rوَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ نحول قلوبهم عن الحق فلا يفهمونه وَأَبْصِرْهُمْ عنه فلا يبصرونه فلا يؤمنون كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أي بكر: بخلاف عنه بكسرها، فأما قراءة الكسر فاستجودها الخليل وغيره لأن معناها استئناف أخبار بعدم إيمان من طبع على قلبه ولو جاءتهم كل آية. وأما قراءة الفتح فقد وجهها الناس على أوجه، أظهرها:\rأنها بمعنى لعل. حكى الخليل: أتيت السوق أنك تشتري لنا منه شيئا، أي لعلك، فهذا من كلام العرب كما حكاه الخليل شاهدا على كون أن بمعنى علل ويدل على ذلك أنها في مصحف أبي، وقراءته وما أدراكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. ونقل عنه: وما يشعركم لعلها إذا جاءت، ورجحوا ذلك بأن لعل قد كثر ورودها في مثل هذا التركيب كقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17] وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: 3]. الثاني: أن تكون لا مزيدة، وهذا رأي الفراء وشيخه، قال: ومثله ما منعك أن لا تسجد، أي أن تسجد فيكون التقدير وما يشعرهم أنها إذ جاءت يؤمنون والمعنى على هذا أنها لو جاءت لم يؤمنوا. الثالث: أن ما حرف نفي يعني أنه نفي شعوركم بذلك، وعلى هذا فليطلب ليشعركم فلعل. فقيل: هو ضمير اللّه تعالى أضمر للدلالة عليه اهـ.\rوهذا كلام مستأنف من جهته تعالى لبيان الحكمة الداعية إلى ما أشعر به الجواب السابق من عدم مجيء الآيات، خوطب به المسلمون فقط أو مع النبي اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أنتم لا تدرون ذلك) أشار به إلى أنه استفهام إنكار، لكن على أن مرجع الإنكار هو وقوع المشعر به، بل هو نفس الإشعار مع تحقق المشعر به في نفسه أي أي شيء يعلمكم أَنَّها إِذا جاءَتْ الخ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة الخ) لو أخر هذا عن قوله: (و في أخرى الخ) لكان أولى، لأنه يقرأ بالتاء إلا من يقرأ أن بالفتح، والحاصل: أن القراءات ثلاثة لا أربعة كما وهم بعضهم كسر إن، ويتعين معها الياء في لا يُؤْمِنُونَ وفتحها ويجوز معها الياء والتاء، وهذا في القراءات السبعية. وقوله: (خطابا للكفار) أي في التاء والكاف في يشعركم، فالخطاب لهم في الموضعين. وأما على قراءة الياء فيكون الخطاب في يشعركم للمؤمنين اهـ شيخنا. قوله: (أو معمولة لما قبلها) أي على أنها المفعول الثاني، ولا مزيدة، أي: وما يشعركم إيمانهم أي: لا تعلمون إيمانهم، فلا حذف على هذه القراءة مع هذا التوجيه بخلاف كونها بمعنى لعل بخلاف قراءة الكسر، فالثاني عليهما محذوف، والشارح إنما تعرض لتقديره على قراء الكسر، إذ كلامه أولا فيها اهـ شيخنا.\rقوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها وما عطف عليها من قوله:\rوَنَذَرُهُمْ عطف على يؤمنون داخل في حكم وما يشعركم بمعنى وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم وما يشعركم أنا نذرهم، وهذا يساعده ما جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد.\rوالثاني: أنها استئناف إخبار وجعله الشيخ الظاهر، والظاهر ما تقدم اهـ سمين.\rقوله: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ متعلق بما قدره الشارح، وهو قوله: فَلا يُؤْمِنُونَ* المراد فَلا*","part":2,"page":419},{"id":960,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 420\rبما أنزل من الآيات أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ نتركهم فِي طُغْيانِهِمْ ضلالهم يَعْمَهُونَ (110) يترددون متحيرين\r* وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما اقترحوا وَحَشَرْنا جمعنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا بضمتين جمع قبيل أي فوجا فوجا وبكسر القاف وفتح الباء أي معاينة فشهدوا يُؤْمِنُونَ* ثانيا، أي عند نزول مقترحهم لو نزل بدليل قوله: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي عند نزول الآيات السابقة على اقتراحهم كانشقاق القمر اهـ شيخنا.\rقوله: وَنَذَرُهُمْ عطف على لا يؤمنون داخل في حكم الإنكار مقيد بما قيد به مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة، فبين أنه ليس على ظاهره بل معناه أن يخليهم وشأنهم ويطبع على قلوبهم اهـ أبو السعود.\rقوله: يَعْمَهُونَ في محل الحال أو مفعول ثان، لأن الترك بمعنى التصيير. وفي المصباح:\rعمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيرا مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه اهـ.\rقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ أي ولو أننا آتيناهم ما طلبوه ولم نقتصر عليه بل زدنا عليه فجمعنا لهم جميع أنواع المخلوقات يشهدون بصدقك الخ اهـ شيخنا.\rوهذا تصريح بما أشعر به قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ الخ من الحكم الداعية إلى ترك إجابة ما اقترحوه اهـ أبو السعود.\rقوله: (كما اقترحوا) أي بقولهم: لو لا أنزل علينا الملائكة. وقولهم: لو ما تأتينا بالملائكة.\rوقولهم: فأتوا بآبائنا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ أي زيادة على ما اقترحوه كل شيء، أي من أصناف المخلوقات:\rكالسباع والطيور اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع قبيل) بمعنى الكفيل بصحة الأمر ونظيره رغيف ورغف وقضيب وقضب. وقوله:\r(أي فوجا) الفوج الجماعة، أي جماعات، فالعموم في كل شيء للأنواع والأصناف لا للأفراد. وفي المصباح: الفوج الجماعة من الناس والجمع أفواج مثل ثوب وأثواب وجمع الأفواج أفاويج اهـ.\rوقوله: (و بكسر القاف وفتح الباء الخ) وعلى هذه القراءة فهو مصدر منصوب على الحال أي معاينين ومشافهين للكفار، أي حالة كون الكفار معاينين ورائين للأصناف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله قبلا قرى الكوفيون هنا. وفي الكهف: بضم القاف والباء وفيها أوجه، أحدها: أن يكون قبلا جمع قبيل بمعنى كفيل كرغيف ورغف وقضيب ونصيب ونصب وانتصابه على الحال. قال الفراء والزجاج: جمع قبيل بمعنى كفيل أي كفلاء بصدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. والثاني: أن يكون جمع قبيل بمعنى جماعة جماعة أو صنفا صنفا، والمعنى وحشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر المخلوقات. والثالث: أن يكون قبلا بمعنى قبلا كالقراءة الأخرى في أحد وجهيها وهو المواجهة، أي مواجهة ومعاينة، ومنه آتيك قبلا لا دبرا، أي آتيك من قبل وجهك. وقال تعالى: إِنْ","part":2,"page":420},{"id":961,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 421\rبصدقك ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لما سبق في علم اللّه إِلَّا لكن أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم فيؤمنون وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) ذلك\rوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا كما جعلنا هؤلاء أعداءك ويبدل كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف: 26]. وقرأ نافع وابن عامر قبلا هنا. وفي الكهف: بكسر القاف وفتح الباء وفيها وجهان، أحدهما: أنها بمعنى مقابلة أي مشاهدة ومعاينة وانتصابه على هذا على الحال من كل. قاله أبو عبيدة والفراء والزجاج ونقله الواحدي أيضا عن جميع أهل اللغة. يقال: لقيته قبلا أي عيانا. والثاني: أنها بمعنى ناحية وجهة قاله المبرد وجماعة من أهل اللغة كأبي زيد، وانتصابه حينئذ على الظرف كقولهم لي قبل فلان دين وما قبلك حق اهـ.\rقوله: (فشهدوا) أي الملائكة وما بعدهم. قوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا اللام لام الجحود وأن مضمرة بعدها وجوبا، وهي في الحقيقة متعلقة بمحذوف هو الخبر، أي ما كانوا أهلا للإيمان اهـ شيخنا.\rقال ابن عباس: وما كانوا ليؤمنوا هم أهل الشقاء، إلا أن يشاء اللّه هم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان اهـ خازن.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ حمله الشارح على الانقطاع حيث فسر إلا بلكن على عادته في أن المنقطع يفعل فيه كذلك ووجه أن من آمن منهم غير من أخبر عنه بعدم الإيمان، ولو أنزلت إليه الملائكة إلى آخر ما تقدم اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: إلا لكن أن يشاء أشار تبعا لأبي البقاء والحوفي إلى أن الاستثناء منقطع، أي لأن المشيئة ليست من جنس إرادتهم، واستبعده أبو حيان وجرى على أنه متصل، وكذلك البيضاوي وكثير من المعربين كالسفاقسي قالوا: والمعنى ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال إلا من حال مشيئته أو في سائر الأزمان إلا في زمن مشيئته. وقيل: هو استثناء من علة عامة، أي ما كانوا ليؤمنوا الشيء من الأشياء إلا لمشيئة اللّه الإيمان وهو الأولى واللّه أعلم بمراده اهـ.\rوعلى الانقطاع تكون أن ومدخولها في تأويل مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: لكن مشيئة اللّه إيمانهم تحصل أو نحو ذلك. قوله: (فيؤمنون) لم يجعله الشارح منصوبا عطفا على المنصوب قلبه، فحينئذ يجعل مستأنفا أي فهم يؤمنون اهـ شيخنا.\rقوله: يَجْهَلُونَ ذلك أن أنهم لو أتوا ما اقترحوا بل وبزيادة عليه لم يؤمنوا فإقسامهم باللّه جهد أيمانهم على الإيمان إقسام على ما لا يشعرون به اهـ قاري.\rوعبارة البيضاوي: ولكن أكثرهم يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم اهـ.\rقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا الخ استئناف مسوق لتسلية النبي عما يشاهده من عداوة قريش له وما بنوه عليها من الأقاويل الباطلة ببيان أن ذلك ليس مختصا بك بل هو أمر ابتلي به كل من سبقك من الأنبياء، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد لما بعده اهـ أبو السعود.","part":2,"page":421},{"id":962,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 422\rمنه شَياطِينَ مردة الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي يوسوس بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ مموهة من قوله: (و يبدل منه شياطين) محصل هذا الإعراب أن جعل ينصب مفعولين، أولهما عدوا والثاني لكل نبي، والشياطين بدل من المفعول الأول وبعضهم أعرب عدوا مفعولا ثانيا مقدما ولكل نبي حالا منه قدم عليه، وشياطين مفعولا أول مؤخرا. وعبارة السمين: قال الواحدي: ومعناه جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله: وَكَذلِكَ عطفا على معنى ما تقدم من الكلام، وما تقدم يدل على معناه على أنه جعل له أعداء، وجعل يتعدى لاثنين بمعنى صير. وأعرب الزمخشري وأبو البقاء والحوفي شياطين مفعولا أول والثاني عدوا ولكل نبي حالا من عدوا لأنه صفته في الأصل أو متعلق بالجعل قلبه، ويجوز أن يكون المفعول الأول عدوا ولكل نبي هو الثاني قدم، وشياطين بدل من المفعول الأول اهـ.\rقوله: (مردة) الْإِنْسِ جمع مارد، وهو المتمرد المستعد للشر. واختلف العلماء في معنى شياطين الإنس والجن على قولين، أحدهما: أن المراد شياطين من الإنس وشياطين من الجن، والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا:\rوشياطين الأنس أشد تمردا. من شياطين الجن، لأن شيطان الجن إذا عجز من إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه بشيطان الإنس ليفتنه. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن وذلك أني إذا تعوذت باللّه ذهب شيطان الجن وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي. القول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس، وأضيفت الشياطين على معنى أنهم يغوونهم، وهذا قول عكرمة والضحاك والكلبي والسدي. ورواية عن ابن عباس قالوا: والمراد بشياطين الإنس التي مع الإنس وبشياطين الجن التي مع الجن، وذلك أن إبليس قسم جنده قسمين، فبعث فريقا منهم إلى الجن وفريقا إلى الإنس، والفريقان شياطين الجن والإنس بمعنى أنهم يغوونهم ويضلونهم، وكل من الفريقين أعداء للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولأوليائه من المؤمنين والصالحين. ومن ذهب إلى هذا القول قال: ويدل على صحته أن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس، والإضافة تقتضي المغايرة،\rفعلى هذا تكون الشياطين نوعا مغايرا للإنس والجن وهم أولاد إبليس، وعداوة الإنس للأنبياء ظاهرة، وأما عداوة شياطين الجن لهم فهي من حيث إنهم يبغضونهم، وإن لم يبلغوا مرادهم فيهم، ومن حيث إنهم يعاونون أعداءهم من الإنس عليهم. وقوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعني يلقي ويسر بعضهم إلى بعض ويناجي بعضهم بعضا وهو الوسوسة التي يلقيها إلى من يريد إغواءه. فعلى القول الأول أن شياطين الإنس والجن يسر بعضهم إلى بعض ما يفتنون به المؤمنين والصالحين، وعلى القول الثاني: أن أولاد إبليس يلقي بعضهم بعضا في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن:\rأضللت صاحبي بكذا وكذا فأضل أنت صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض اهـ خازن.\rقوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام عداوتهم، وتحقيق وجه الشبه والمشبه به، أو حال من الشياطين أو نعت لعدو، أو الوحي عبارة عن الإيحاء، والقول السريع أي يلقي ويوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض كل من الفريقين إلى بعض آخر اهـ أبو السعود.","part":2,"page":422},{"id":963,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 423\rالباطل غُرُوراً أي ليغروهم وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أي الايحاء المذكور فَذَرْهُمْ دع الكفار وَما يَفْتَرُونَ (112) من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال\rوَلِتَصْغى عطف على غرورا أي تميل إِلَيْهِ أي الزخرف أَفْئِدَةُ قلوب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا يكسبوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) من الذنوب فيعاقبوا عليه. ونزل لما طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعل بينه وبينهم حكما قل\rأَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي أطلب حَكَماً قاضيا بيني وبينكم وَهُوَ قوله: من الباطل قيد به لأن الزخرف يطلق على كل مزين حقا كان أو باطلا، فلذلك قيد بقوله: (من الباطل) اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ليغروهم) بابه قعد. قوله: (المذكور) في ضمن الفعل اهـ شيخنا.\rقوله: وَما يَفْتَرُونَ ما موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد على كل محذوف أي: وما يفترونه، أو مصدرية. وعلى كل قول فمحلها نصب وفيه وجهان، أحدهما: أنه نسق على المفعول في فذرهم أي اتركهم واترك افتراءهم والثاني: أنها مفعول معه وهو مرجوح لأنه متى أمكن العطف من غير ضعف في التركيب أو في المعنى كان أولى من المفعول معه اهـ سمين.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ اهـ.\rقوله: (عطف على غرورا) وإنما لم ينصب لأنه ليس مصدرا ولاختلاف الفاعل، ففاعل هذا المغرور وفاعل الأول الغارون اهـ أبو السعود.\rوقوله: وفاعل الأول أي الفعل المعلل. وفي الكرخي: قوله: عطف على غرورا، أي الذي هو مفعول له وما بينهما اعتراض، والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض ولتصغي ولكن لما كان المفعول الأول مستكملا لشروط النصب، نصب وهذا فات فيه شرط النصب وهو صريح المصدرية، واتحاد الفاعل فإن فاعل الوحي بعضهم وفاعل الإصغاء الأفئدة، فلذا وصل الفعل بحرف العلة اهـ.\rقوله أيضا: (عطف على غرورا) أي فاللام للتعليل فهي مكسورة، وأن مقدرة بعدها جوازا، وكذا يقال في بقية العلل وهي قوله: وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِيَقْتَرِفُوا ترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل فيكون الرضا، فيكون الفعل أي الاقتراف، فكل واحد مسبب عما قبله اهـ أبو حيان.\rقوله: (من الذنوب) بيان لما، وقوله فيعاقب عليه أشار به إلى تقدير مضاف، أي وبال وعاقبة ما هم مقترفون اهـ شيخنا.\rقوله: (و نزل لما طلبوا) أي مشركوا قريش، وقوله: (أن يجعل بينه وبينهم حكما) أي من أحبار اليهود أو من أساقفه النصارى ليخبرهم بما في كتابهم من أمر النبي اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ الخ كلام مستأنف وارد على إرادة القول والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام، أي: قل لهم أأميل إلى زخارف الشياطين فابتغي حكما اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: ويجوز نصب غير من وجهين، أحدهما: أنه مفعول لأبتغي مقدما عليه، وولى","part":2,"page":423},{"id":964,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 424\rالَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ القرآن مُفَصَّلًا مبينا فيه الحق من الباطل وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ التوراة كعبد اللّه بن سلام وأصحابه يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ بالتخفيف والتشديد مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) الشاكين فيه والمراد بذلك التقرير للكفار انه حق\rوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الهمزة لما تقدم في قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ويكون حكما حينئذ إما حالا وإما تمييزا لغير، ذكره الحوفي وأبو البقاء وابن عطية. والثاني: أن ينتصب غير على الحال من حكما لأنه في الأصل يجوز أن يكون وصفا له، وحكما هو المفعول به فتحصل في نصب غير وجهان، وفي نصب حكما ثلاثة أوجه كونه حالا أو تمييزا، أو مفعولا والحكم أبلغ من الحاكم. قيل: لأن الحكم من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم فإنه يصدق بمرة. وقيل: لأن الحكم لا يحكم إلا بالعدل والحاكم قد يجوز اهـ.\rقوله: (قاضيا) إشارة إلى المراد من الحكم هنا وإسنادا لابتغاء المنكر إلى نفسه عليه الصلاة والسّلام لا إلى المشركين كما في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ مع أنهم الباغون لإظهار النصفة أو لمراعاة قولهم اجعل بيننا وبينك حكما اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الخ جملة حالية مؤكدة لإنكار ابتغاء غيره تعالى حكما، ونسبة الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى السياق نسبته إلى المتحاكمين لاستمالتهم نحو المنزل واستدعائهم إلى قبول حكمه بإبهام قوة نسبته إليهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الخ مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مسوق من جهته تعالى لتحقيق حقية الكتاب وتقرير كونه منزلا من عنده ببيان أن الذين وثقوا بحكمهم من علماء اليهود والنصارى عالمون بحقيته وكونه من عند اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: (الكتاب التوراة) عبارة الخطيب. الكتاب أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور اهـ.\rقوله: يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي الكتاب الذي هو القرآن بالتخفيف والتشديد سبعيتان وقوله: بِالْحَقِ الباء للملابسة اهـ. قوله: (الشاكين فيه) أي في أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه منزل الخ، وكذا يقال في قوله: (و المراد بذلك) فالضمير والإشارة راجعان لشيء واحد اهـ شيخنا.\rوأشار بقول: (و المراد بذلك التقرير للكفار الخ) إلى جواب عن سؤال وهو أن هذا الخطاب غير ملائم بحسب الظاهر، لأن النهي المذكور محال في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم. وحاصل الجواب أن متعلق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقية القرآن، وهو أحد الأجوبة في الكشاف، والثاني أنه من باب التهييج والتحريض على الأمر، والثالث أن الخطاب له، لكن المقصود الغير، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم حاشاه من ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (أنه حق) أي بأنه حق. قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الخ شروع في بيان كمال الكتاب المذكور من حيث ذاته أثر بيان كماله من حيث إضافته إليه تعالى بكونه منزلا منه بالحق. والمعنى: لا أحد يقدر على تحريف القرآن كما فعل بالتوراة، فيكون هذا ضمانا له من اللّه بالحفظ كقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] أولا نبي ولا كتاب بعده ينسخه اهـ أبو السعود.\rقوله أيضا: وَتَمَّتْ أي بلغت الغاية كلمات ربك. قرأ عاصم وحمزة والكسائي كلمة على","part":2,"page":424},{"id":965,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 425\rبالأحكام والمواعيد صِدْقاً وَعَدْلًا تمييز لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ بنقض أو خلف وَهُوَ السَّمِيعُ لما التوحيد دون ألف على إرادة الجنس، وباقيهم بألف على الجمع لتنوعها أمرا ونهيا ووعدا اهـ كرخي.\rوترسل بالتاء على كل من قراءة الجمع وقراءة الافراد، وكذا كل موضع اختلف فيه القراء جمعا وإفرادا فإنه يكتب بالتاء المجرورة على كل من القراءتين باتفاق المصاحف إلا موضعين من ذلك، فقد اختلف فيهما المصاحف: أحدهما بيونس والآخر بغافر، وعبارة ابن الجزري مع شرحها لشيخ الإسلام.\r. وكل ما اختلف ... جمعا وفردا فيه بالتاء عرف\r\rأي رسم بها وذلك في قوله تعالى: آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: 7] بيوسف قرأها ابن كثير بالتوحيد والباقون بالجمع، وفي قوله فيها: وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ [يوسف: 10] قرأها بالجمع نافع والباقون بالتوحيد. وفي قوله: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ [العنكبوت: 50] بالعنكبوت قرأها ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع. وفي قوله: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ: 37] بسبأ قرأها حمزة بالتوحيد والباقون بالجمع. وفي قوله: فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ [فاطر: 40] بفاطر قرأها نافع وابن عامر وشعبة والكسائي بالجمع والباقون بالتوحيد. وفي قوله: جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: 33] بالمرسلات قرأها حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع. وفي قوله:\rوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً بالأنعام قرأها عاصم وحمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع. وفي قوله: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [يونس: 33] بأول يونس قرأها نافع وابن عامر بالجمع والباقون بالتوحيد، واختلف المصاحف في ثاني يونس إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [يونس: 96] وفي قوله في غافر: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [غافر: 6] والقياس فيهما التاء، قرأهما نافع وابن عامر بالجمع والباقون بالتوحيد انتهت.\rقوله: (تمييز) أي على التوزيع، أي صدقا في أخباره وعدلا في أحكامه، فلا جور فيها. وفي الكرخي: صدقا في الأخبار والمواعيد وعدلا في الأحكام لأنه منزه عن الظلم. وقوله: تمييز تبع فيه أبا البقاء والطبري. قال ابن عطية: وهو غير صواب، ولعل مراده أن كلمات اللّه من شأنها الصدق والعدل والتمييز، إنما يفسر ما انبهم، وليس في ذلك إبهام، وأعربه الكواشي حالا من ربك أو مفعولا له.\rوعلى الأول يكون الصدق باقيا على معناه الحقيقي لأن المعنى تمت من جهة الصدق والعدل، وعلى الثاني يكون بمعنى الصادق والعادل اهـ.\rقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ لما وصفها بالتمام وهو في كلامه تعالى يقتضي عدم قبول النقص والتغيير. قال: لا مبدل لكلماته اهـ خازن.\rوهذا إما استئناف مبين لفضله على غيره أثر بيان فضله في نفسه، وإما حال من فاعل تمت على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط اهـ أبو السعود.\rقوله: (بنقض أو خلف) لف ونشر مرتب. قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ (لما يقال) ومنه قول المتحاكمين اهـ.","part":2,"page":425},{"id":966,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 426\rيقال الْعَلِيمُ (115) بما يفعل\rوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أي الكفار يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه إِنْ ما يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ في مجادلتهم لك في أمر الميتة إذ قالوا ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم وَإِنْ ما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) يكذبون في ذلك\rإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أي عالم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فيجازي كلا منهم\rفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أي قوله: (أي الكفار) تفسير للأكثر. قوله: (في مجادلتهم لك الخ) وذلك أن المشركين قالوا للنبي:\rأخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: «اللّه قتلها» قالوا: أنت تزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتلها الكلب والصقر حلال وما قتله اللّه حرام اهـ خازن.\rقوله: (في أمر الميتة) أي أو في عقائدهم وهو ظنهم أن آبائهم كانوا على الحق فهم على آثارهم مهتدون اهـ كرخي.\rقوله: (إذ قالوا ما قتل اللّه الخ) عبارة أبي السعود: إذ قالوا للمسلمين إنكم تعبدون اللّه فما قتله اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم اهـ.\rقوله: إِلَّا يَخْرُصُونَ أصل الخرص الحزر والتخمين، ومنه خرص النخلة وسمي الكذب خرصا لما يدخله من الظنون الكاذبة اهـ خازن.\rقوله: (يكذبون في ذلك) أي في قولهم: ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم. قوله: إِنَّ رَبَّكَ الخ تقرير لمضمون الشرطية وما بعدها وتأكيد لما تفيده من التحذير اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُ في كون أفعل التفضيل على بابه إشكال، وذلك أن الإضافة تقتضي أن اللّه بعض الضالين، لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، فلذلك تخلص الشارح من الاشكال يجعله بمعنى اسم الفاعل اهـ شيخنا.\rوفي السمين ما نصه: في أعلم هذه وجهان، أحدهما: أنها ليست للتفضيل بل بمعنى اسم فاعل في قوة الفعل كأنه قيل إن ربك هو يعلم. قال الواحدي: ولا يجوز ذلك، لأنه لا يطابق قوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. والثاني: أنها على بابها من التفضيل، ثم اختلف هؤلاء في محل فقال بعض البصريين: هو جر بحرف مقدر حذف وبقي علمه لقوة الدلالة قوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وهذا ليس بشيء لأنه لا يحذف الجار ويبقى أثره إلى في مواضع تقدم النبيه عليها، وما ورد بخلافها فضرورة.\rالثاني: أنها في محل نصب على إسقاط الخافض. الثالث: وهو قول الكوفيين أنها نصب بنفس أعلم فإنها عندهم تعمل عمل الفعل. الرابع: أنها منصوبة بفعل مقدر يدل عليه أعلم، قاله الفارسي اهـ.\rوعبارة أبي السعود: ومن موصولة أو موصوفة في محل النصب لا بنفس أعلم، فإن أفعل التفضيل لا ينصب الظاهر في مثل هذه الصورة، بل بفعل دل هو عليه، أو استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر يضل والجملة معلق عنها الفعل المقدر اهـ.\rقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمر مرتب على النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحريم الحلال وتحليل الحرام اهـ أبو السعود.","part":2,"page":426},{"id":967,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 427\rذبح على اسمه إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)\rوَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ من الذبائح وَقَدْ فَصَّلَ بالبناء للمفعول وللفاعل في الفعلين لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ في آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ وفي الخازن: فكلوا هذا جواب لقول المشركين للمسلمين أتأكلوا ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم فقال اللّه للمسلمين فكلوا الخ اهـ.\rوفي الكرخي ما نصه: في هذه الفاء وجهان، أحدهما: أنها جواب شرط مقدر. قال الزمخشري: بعد كلام فقيل للمسلمين: إن كنتم محقين في الإيمان فكلوا. والثاني: عاطفة على محذوف. قال الواحدي: ودخلت الفاء للعطف على ما دل عليه أول الكلام كأنه قيل كونوا على الهدى فكلوا، والظاهر أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة، كأنه قيل: اتبعوا ما أمركم اللّه من أكل المذكى دون الميتة فكلوا الخ اهـ.\rومعنى ذكر اسم اللّه عليه ذكره عند ذبحه. قوله: (أي ذبح على اسمه) سيأتي إيضاح هذا في كلام الشارح بعد قوله: ولا تأكلوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَما لَكُمْ الخ هذه تأكيد لإباحة ما ذبح على اسم اللّه اهـ خازن. أي: وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه وتأكلوا من غيره اهـ كرخي.\rقوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ أي بين وميز، والواو للحال. قوله: (بالبناء للمفعول وللفاعل في الفعلين) أي فصل وحرم وبقي ثالثة سبعية وهي بناء الأول للفاعل. والثاني للمفعول، فالقراءات السبعية ثلاثة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ببنائهما للمفعول، ونافع وحفص عن عاصم ببنائها للفاعل، وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ببناء الأول للفاعل وبناء الثاني للمفعول، ولم يأت عكس هذه. وقرأ عطية العوفي كقراءة الأخوين، إلا أنه خفف الصاد من فصل، والقائم في مقام الفاعل هو الموصول والعائد على ما على قراءة المفعول هو الضمير في حرم عليكم، والفاعل قراءة من بنى للفاعل ضمير اللّه تعالى والعائد عليها محذوف أي حرمه والجملة في محل نصب على الحال اهـ.\rقوله: (في آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الخ) هذه الآية تقدمت في المائدة وحينئذ في المقام إشكال، أورده فخر الدين الرازي وحاصله أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية من آخر القرآن نزولا بالمدينة وقوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ الخ يقتضي أن ذلك التفصيل قد تقدم على هذا المحل، والمدني متأخر عن المكي، فيمتنع كونها متقدمة. ثم قال: بل الأولى أن يقال: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ الخ أي في قوله تعالى بعد هذه الآية في هذه السورة قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الأنعام: 145] الآية.\rوهذه وإن كانت مذكورة بعدها هنا بقليل، إلا أن هذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد. قال كاتبه: وقد ذكر المفسرون وجها وهو أن اللّه علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول، فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة على ما في المائدة بقول: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ الخ باعتبار تقدمه على الترتيب، وإن كان متأخرا في النزول، واللّه أعلم بمراده اهـ خازن.","part":2,"page":427},{"id":968,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 428\rالْمَيْتَةُ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ منه فهو أيضا حلال لكم المعنى لا مانع لكم من أكل ما ذكر وقد بين لكم المحرم أكله وهذا ليس منه وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بفتح الياء وضمها بِأَهْوائِهِمْ بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها بِغَيْرِ عِلْمٍ يعتمدونه في ذلك إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) المتجاوزين الحلال في الحرام\rوَذَرُوا اتركوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ علانيته وسره والإثم قيل الزنا وقيل كل معصية إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ في الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ استثناء منقطع اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: إلا ما اضطررتم إليه مما حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة اهـ.\rقال التفتازاني: ظاهره أن ما موصولة فيكون الاستثناء منقطعا لأن ما اضطر إليه حلال فلا يدخل تحت ما حرم عليكم إلا أن يقال المراد بما حرم جنس ما حرم ولك أن تجعله استثناء من ضمير حرم، وما مصدرية في معنى المدة أي الأشياء التي حرمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها، أي فيكون الاستثناء متصلا وفيه أنه لا يكون حينئذ استثناء متصلا بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر اهـ زكريا وزاده.\rوفي الكرخي ما نصه: قوله: منه أي مما حرم، والاستثناء كما قال الحوفي منقطع، وقال أبو البقاء: متصل من طريق المعنى لأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه، وذلك يتضمن إباحة الأكل مطلقا. وأشار المصنف إلى ذلك بقوله: (فهو أيضا حلال لكم الخ) وحاصله أن الاستثناء من الجنس فهو متصل اهـ.\rقوله: (المعنى لا مانع لكم الخ) أي فالاستفهام للإنكار. قوله: لَيُضِلُّونَ قرأ الكوفيون بضم الياء، وكذا التي في يونس ربنا ليضلوا والباقون بالفتح، وسيأتي لذلك نظائر في سورة إبراهيم وغيرها.\rوالقراءتان واضحتان فإنه يقال: ضل في نفسه وأضل غيره، والمفعول محذوف على قراءة الكوفيين وهي أبلغ في الذم، فإنها تتضمن قبح فعلتهم حيث ضلوا في أنفسهم واضلوا غيرهم كقوله تعالى:\rوَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] وقراءة الفتح لا تحوج إلى حذف فرجحها بعضهم بهذا الاعتبار، وأيضا فإنهم أجمعوا على الفتح في ص عند قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26]، وقوله: بِأَهْوائِهِمْ متعلق بيضلون والباء سببية أي بسبب اتباعهم أهواءهم وشهواتهم. وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بمحذوف لأنه حال أي يضلون مصاحبين للجهل أي ملتبسين بغير علم اهـ سمين.\rقوله: (من تحليل الميتة وغيرها) أي مما ذكر معها في آية المائدة اهـ.\rقوله: (قيل الزنا) وكانوا يعتقدون حل السر منه. وقوله: (و قيل كل معصية) فالسر أعمال القلب كالرياء والحسد والكبر والعجب، والعلانية أعمال الجوارح اهـ خازن.\rوفي الكرخي: قوله: والإثم قيل الزنا الخ، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا، وكان الشريف منهم يستحي فيسر به وغير الشريف لا يبالي به فيظهره فحرمها اللّه عز وجل، وهذا ما عليه أكثر المفسرين كما قاله البغوي اهـ.\rقوله: سَيُجْزَوْنَ أي إن لم يتوبوا وأراد اللّه عقابهم اهـ خازن.","part":2,"page":428},{"id":969,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 429\rيكتسبون\rوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بأن مات أو ذبح على اسم غيره وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمدا أو نسيانا فهو حلال قاله ابن عباس وعليه الشافعي وَإِنَّهُ أي الأكل قوله: (و إلا فما ذبحه المسلم) أي وإن لم نسلك هذا التخصيص بل أبقينا هذا العام على ظاهره فلا يصح، لأن ما ذبحه المسلم الخ والدليل على هذا التخصيص ما في بقية الآية وهو قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ الخ فالفسق في ذكر اسم غير اللّه في الذبح كما قال في آخر السورة قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الأنعام: 145] إلى قوله: أَوْ فِسْقاً أهل لغير اللّه به فصار هذا الفسق الذي أهل لغير اللّه به مفسر لقوله وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وإذا كان كذلك كان قوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مخصوصا بما أهل لغيره اللّه به اهـ شيخنا.\rوأما الميتة فحكمها معلوم من مواضع أخر كآية المائدة وآية قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ [الأنعام: 145] الآتية، فالحاصل أنه كان الأولى للشارح حمل الآية على ما ذبح على اسم غير اللّه والدليل على ذلك قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وتفسير الفسق بقوله الآتي أو فسقا أهل لغير اللّه به. وفي الخازن ما نصه: قال ابن عباس: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها. ويقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام، وسياق الآية يؤيد ما قاله عطاء.\rواختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم اللّه عليها، فذهب قوم إلى تحريمها سواء تركها عمدا أو نسيانا، وهو قول ابن سيرين والشعبي ونقله الأمام فخر الدين عن مالك، ونقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم اللّه عليه من طعام أو شراب فهو حرام، واحتجوا على ذلك بظاهر هذه الآية.\rوقال النووي وأبو حنيفة: إن ترك التسمية عامدا لا تحل، وإن تركها ناسيا حلت. وقال الشافعي: تحل الذبيحة سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، ونقله البغوي عن ابن عباس ومالك. ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين فيما إذا ترك التسمية عامدا وإن تركها ناسيا حلت، فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم اللّه عليها، قال: المراد من الآية الميتات، وما ذبح على اسم الأصنام بدليل أن اللّه تعالى قال في سياق الآية: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق اهـ.\rقوله: (و عليه الشافعي) أي خلافا للحنفية في أنه إن ترك التسمية عمدا لا يحل أو نسيانا فيحل تمسكا بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وأجاب الأول: بأن المراد ما ذكر عليه اسم غير اللّه بدليل أنه سماه فسقا. وأيضا في الحديث حين سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن متروك التسمية قال:\r«كلوا، فإن تسمية اللّه في قلب كل مؤمن». وفي الحديث أيضا ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم اللّه عليها. وجملة وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ حالية وإن اللام لإنكارهم فسقيته وصرحوا بجوازه في نحو لقيته وإنك لراكب، وعليه فلا يبالي بتخالفهما وهو مذهب سيبويه. وقيل: إنها مستأنفة. قالوا: ولا يجوز أن تكون منسوقة على ما قبلها لأن الأولى طلبية وهذه خبرية وتسمى هذه الواو واو الاستئناف اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ هذه الجملة فيها أوجه، أحدها: أنها مستأنفة، فالواو لا يجوز أن تكون نسقا على ما قبلها، لأن الأولى طلبية وهذه خبرية وتسمى هذه الواو واو الاستئناف.","part":2,"page":429},{"id":970,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 430\rمنه لَفِسْقٌ خروج عما يحل وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ يوسوسون إِلى أَوْلِيائِهِمْ الكفار لِيُجادِلُوكُمْ في تحليل الميتة وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فيه إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) ونزل في أبي جهل وغيره والثاني: أنها منسوقة على ما قبلها ولا يبالي بتخالفهما وهو مذهب سيبويه وقد تقدم تحقيق ذلك، وقد أوردت من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره. والثالث: أنها حالية أي لا تأكلوه والحال أنه فسق اهـ.\rقوله: (أي الأكل منه) أشار بهذا إلى أن الضمير عائد على مصدر الفعل المذكور كما ذكره السمين اهـ.\rقوله: وَإِنَّ الشَّياطِينَ أي إبليس وجنوده بدليل قوله: (يوسوسون) اهـ.\rقوله: لِيُجادِلُوكُمْ أي الكفار الذين هم أولياء الشياطين وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: «اللّه قتلها». قالوا: تزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتله الصقر والكلب حلال وما قتله اللّه حرام. فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rواللام في لِيُجادِلُوكُمْ متعلقة بيوحون أي يوحون لأجل مجادلتكم وأصل يوحون يوحيون فأعل اهـ سمين.\rقوله: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ قيل: إن لام التوطئة للقسم مقدرة فلذلك أجيب القسم المقدر بقوله:\rإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده وجاز الحذف لأن فعل الشرط ماض اهـ سمين.\rقوله: إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أي لأن من أحل شيئا مما حرم اللّه أو حرم شيئا مما أحل اللّه فهو مشرك، لأنه أثبت حاكما غير اللّه، ومن كان كذلك فهو مشرك اهـ خازن.\rوفي الكرخي: فإن من ترك طاعة اللّه إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك اهـ.\rقوله: (و نزل في أبي جهل وغيره) عبارة الخازن: اختلف المفسرون في هذين المثالين: هل هما مخصوصان بإنسانين معينين، أو هما عامان في كل مؤمن وكافر؟ فذكروا في ذلك قولين، أحدهما:\rلأن الآية في رجلين معينين ثم اختلفوا فيهما، فقال ابن عباس في قوله: وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يريد حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كمن مثله في الظلمات، يريد بذلك أبا جهل بن هشام وذلك أن أبا جهل رمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وكان حمزة قد رجع من صيد وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل وجعل يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا.\rفقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا، تعبدون الحجارة من دون اللّه أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه فأسلم حمزة يومئذ فأنزل اللّه هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. وقال مقاتل: نزلت في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي جهل، وذلك أن أبا جهل قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحي إليه، واللّه لا نؤمن إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية.\rالقول الثاني: وهو قول الحسن في آخرين: إن هذه الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر، وهذا هو","part":2,"page":430},{"id":971,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 431\rأَوَمَنْ كانَ مَيْتاً بالكفر فَأَحْيَيْناهُ بالهدى وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان كَمَنْ مَثَلُهُ مثل زائدة أي كمن هو فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها وهو الكافر لا كَذلِكَ كما زين للمؤمنين الإيمان زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) من الكفر والمعاصي\rوَكَذلِكَ كما جعلنا فساق مكة أكابرها جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها الصحيح لأن المعنى إذا كان حاصلا دخل فيه كل أحد اهـ.\rقوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً الهمزة للإنكار والواو لعطف هذه الاسمية على مثلها مأخوذة من قوله:\rوَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ الخ أي أأنتم مثلهم ومن كان ميتا الخ اهـ أبو السعود بالمعنى.\rوعبارة السمين: أو من كان قد تقدم أن هذه الهمزة يجوز أن مقدمة من تأخير، وهو رأي الجمهور، وأن تكون على حالها وبينها وبين الواو فعل مضمر تقديره أيستويان ومن كان الخ ومن في محل رفع بالابتداء وكمن خبره وهي موصولة ويمشي في محل نصب صفة لنورا ومثله مبتدأ. وفي الظلمات خبره والجملة صلة من، ومن مجرورة بالكاف والكاف ومجرورهما كما تقدم في محل رفع خبر لمن الأولى، وليس بخارج في محل نصب على الحال من الموصول أي مثل الذي استقر في الظلمات حال كونه مقيما فيها الخ اهـ.\rوهذا مثل ضربه اللّه حال المؤمن والكافر فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحياه وأعطاءه نورا يهندي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها اهـ خازن.\rقوله: (بالهدى) أي الإيمان. قوله: فِي النَّاسِ أي فيما بينهم آمنا من جهتهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (يتبصر به) أي يتعرف، وقوله: (و هو) أي النور اهـ.\rقوله: (مثل زائدة) أي لأن المثل معناه الصفة والمستقر في الظلمات ذواتهم لا صفاتهم لكن الذي جرى عليه المعرب أنها غير زائدة وأنها مبتدأ اهـ.\rقوله: الظُّلُماتِ أي ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى البصيرة اهـ خازن.\rقوله: (لا) أي لا يستويان، أي لا يستوي المؤمن والكافر، وأشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري اهـ شيخنا.\rقوله: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ قال أهل السنة: المزين هو اللّه تعالى ويدل عليه قوله تعالى:\rزَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصولها لا يكون إلا بخلق اللّه تعالى فدل بذلك على أن المزين هو اللّه تعالى، وقالت المعتزلة: المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم اهـ خازن.\rقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ الخ يعني: وكما جعلنا في مكة أكابر في مكة أكابر وعظماء جعلنا في كل قرية أكابر وعظماء. وقيل: هو معطوف على ما قبله ومعناه: كما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية أكابر جمع لأكبر ولا يجوز أن يكون مضافا لأنه لا يتم المعنى بل في الآية تقديم وتأخير تقديره وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها وإنما جعل المجرمين أكابر","part":2,"page":431},{"id":972,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 432\rلِيَمْكُرُوا فِيها بالصد عن الإيمان وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن وباله عليهم وَما يَشْعُرُونَ (123) بذلك\rوَإِذا جاءَتْهُمْ أي أهل مكة آيَةٌ على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ به لأنهم أقدر على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم، وذلك سنة اللّه أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فساقهم أكابرهم اهـ خازن.\rقوله: أَكابِرَ مفعول أول لجعل وأكابر مضاف ومجرميها مضاف إليه. والثاني: في كل قرية وجب تقديمه ليصح عود الضمير عليه، فهو على حد قوله:\rكذا إذا عاد عليه مضمر ... بما به عنه مبينا يخبر\r\rهذا أحسن الأعاريب وإن كان المتبادر من صنيع الشارح أن مجرميها هو الأول وأكابر هو الثاني، وذلك لأن قوله فساق مكة مقابل مجرميها، والظاهر في عبارته أن فساق هو الأول وأكابر هو الثاني.\rوهذا الإعراب مناقش فيه من جهة العربية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا قيل: كذلك نسق على كذلك قلبها ففيها ما فيها، وقدره الزمخشري بأن معناها: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك في كل قرية أكابر مجرميها واللام في ليمكروا يجوز أن تكون للعاقبة، وأن تكون للعلة مجازا، وجعل تصييرية فتتعدى لاثنين، واختلف في تقريرهما. والصحيح أن يكون في كل قرية مفعولا ثانيا قدم على الأول، والأول: أكابر مضافا لمجرميها. والثاني: أن يكون في كل قرية مفعولا ثانيا وأكابر هو الأول ومجرميها بدل من أكابر ذكر ذلك أبو البقاء. الثالث: أن يكون أكابر مفعولا ثانيا قدم ومجرميها مفعولا أول أخر، والتقدير:\rجعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجار بنفس الفعل قبله، ذكر ذلك ابن عطية. قال الواحدي رحمه اللّه: والآية على التقديم والتأخير تقديره جعلنا مجرميها أكابر ولا يجوز أن يكون أكابر مضافة لأنه لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل، لأنك إذا قلت جعلت زيدا وسكت لم يفد الكلام حتى تقول رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك، ولأنك إذا أضفت الأكابر فقد أضفت النعت إلى المنعوت، وذلك لا يجوز عند البصريين. الرابع: أن المفعول الثاني محذوف، قالوا: وتقديره جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها فساقا ليمكروا، وهذا ليس بشيء لأنه لا يحذف شيء إلا بالدليل، والدليل على ما ذكروه غير واضح اهـ.\rقوله: (بالصد عن الإيمان) أي مثلا قال أبو عبيدة: المكر الخديعة والحيلة والغدر والفجور. زاد بعضهم: والغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل. وقال مجاهد: جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة يصرفون عن الناس الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويقولون هو كذاب ساحر كاهن، فكان هذا مكرهم اهـ خازن.\rقوله: وَما يَشْعُرُونَ حال من الضمير في يمكرون، وقوله بذلك أي بأن وبال مكرهم عليهم.\rقوله: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ أي علامة قالوا لن نؤمن به أي برسالته حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه يعني من النبوة وذلك أن الوليد بن المغيرة قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا. فأنزل اللّه هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال:","part":2,"page":432},{"id":973,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 433\rحَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ من الرسالة والوحي إلينا لأنا أكثر مالا وأكبر سنا قال تعالى اللَّهِ زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحي إليه واللّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. فأنزل اللّه هذه الآية. وإذا جاءتهم آية يعني حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، قالوا: يعني الوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام أو كل واحد من رؤساء الكفر ويدل عليه الآية التي قبلها وهي قوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها فكان من مكر كفار قريش أن قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه، يعني من النبوة، وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة حسدا منهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وفي قولهم: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه قولان، أحدهما: وهو المشهور أن القوم أولهما أن تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين. والقول الثاني: وهو قول الحسن، ومنقول عن ابن عباس أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، قالوا: لن نؤمن لك يعني لن نصدقك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه يعني حتى يوحي إلينا ويأتينا جبريل يصدقك بأنك رسول اللّه. فعلى هذا القول لم يطلبوا النبوة وإن طلبوا أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه رسول اللّه تعالى، وعلى القول الأول يكونوا قد طلبوا أن يكونوا أنبياء، ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ يعني أنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها ومن ليس أهلا لها، أنتم لستم أهلا لها ولأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها خصوصا لمن عنده حسدة ومكر وغدر اهـ خازن.\rقوله: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ قال بعضهم: يسن الوقف هنا ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين. ووجدت بخط بعض الفضلاء ما نصه دعاء عظيم يدعى به بين الجلالتين بسورة الأنعام وهو: اللهم من الذي دعاك فلم تجبه ومن الذي استجارك فلم تجره ومن الذي سألك فلم تعطه ومن الذي استعان بك فلم تعنه ومن الذي توكل عليك فلم تكفه يا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه بك أستغيث أغثني يا مغيث واهدني هداية من عندك واقض حوائجنا واشف مرضانا واقض ديوننا واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا بحق القرآن العظيم والرسول الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين اهـ.\rقوله: (و الوحي إلينا) أي أن يوحي اللّه إلينا ملائكة تخبرنا بصدقك. وفي نسخة: ويوحي إلينا وعليها يكون معطوفا على نؤتى. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم. قوله: (لفعل دل عليه أعلم) أي لا نفس أعلم، لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به الصريح إلا إن أولته بعالم، وهذا جواب عن سؤال وهو أن حيث هنا ليست ظرفا لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان آخر، لأن علمه تعالى لا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن جوز كونه بمعنى اسم الفاعل أو الصفة المشبهة أي لمجرد الصفة من غير تفضيل نحو وهو أهون عليه بمعنى هين فمعناه أنه يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة فيه لا شيئا آخر في المكان. لكن قال أبو حيان: الظاهر إقرارها على الظرفية المجازية وتضمين أعلم معنى ما يتعدى إلى الظرف، فيكون التقدير اللّه أنفذ علما حيث يجعل أي هو نافذ العلم في هذا الموضع الذي يجعل فيه رسالاته. وقال السفاقسي: الظاهر أنه باق على معناه من الظرفية، والإشكال إنما يرد من حيث مفهوم لظرف كم من موضع ترك فيه المفهوم لقيام الدليل عليه لا سيما وقد قام في هذا الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 28","part":2,"page":433},{"id":974,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 434\rأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ بالجمع والإفراد وحيث مفعول به لفعل دل عليه أعلم أي يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بقولهم ذلك صَغارٌ ذل عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124) أي بسبب مكرهم\rفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ بأن يقذف في قلبه نورا فينفسح له ويقبله كما ورد في حديث وَمَنْ الموضع الدليل القاطع على ذلك اهـ. لكن الأول أوجه. والثاني أقيس اهـ كرخي.\rقوله: (بقولهم ذلك) أي لن نؤمن حتى نؤتى الخ. قوله: عِنْدَ اللَّهِ يجوز أن ينصب بيصيب، ويجوز أن ينصب بصغار لأنه مصدر، وأجازوا أن يكون صفة لصغار فيتعلق بمحذوف وقدره الزجاج، فقال ثابت: عند اللّه والصغار الذل والهوان يقال فيه صغر ككرم كما في القاموس، وصغر من باب تعب كما في المصباح، والمصدر صغر كعنب وصغر كقفل وصغار كسحاب والصغر ضد الكبر يقال فيه صغر بالضم فهو صغير وصغر كفرح صغرا كعنب وصغرا كشجر وصغرانا كعثمان اهـ.\rوالعندية هنا مجاز عن حشرهم يوم القيامة أو عن حكمه وقضائه بذلك، كقولك: ثبت عند فلان القاضي كذا أي في حكمه، ولذلك قدم الصغار على الصغار على العذاب لأنه يصيبهم في الدنيا وبما كانوا الباء للسببية وما مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي اهـ سمين.\rقوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يقال: شرح اللّه صدره فانشرح أي وسعه لقبول الإيمان والخير فوسع، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال أن نفعة زائد وخيره راجح وربحه ظاهر مال بطبعه إليه وقويت رغبته فيه فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر.\rوقيل: الشرح الفتح والبيان، يقال: شرح اللّه لفلان أمره إذا أوضحه وأظهره وشرح المسألة إذا كانت مشكلة وأوضحها وبينها، فقد ثبت أن للشرح معنيين، أحدهما: الفتح ومنه يقال شرح الكافر بالكفر صدرا أي فتحه لقبوله ومنه قوله تعالى: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [النحل: 106] وقوله:\rأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزمر: 22] يعني فتحه ووسعه لقبوله. والثاني: أن الشرح نور يقذفه اللّه تعالى في قلب العبد فيعرف بذلك النور الحق فيقبله وينشرح صدره له. ومعنى الآية: فمن يرد اللّه أن يهديه للإيمان باللّه ورسوله وبما جاء به من عنده يوفقه له ويشرح صدره لقبوله ويهونه عليه ويسهله له بفضله وكرمه ولطفه به وإحسانه إليه، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه فيضيء به ويتسع له صدره. ولما نزلت هذه الآية سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شرح الصدر فقال: «هو نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح» قيل: فهل لذلك أمارة؟ قال: «نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت». وأسنده الطبري عن ابن مسعود قال: قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزلت عليه هذه الآية: فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام؟ قال: «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» قالوا: فهل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقي الموت» اهـ خازن.\rقوله: (بأن يقذف في قلبه) الباء للتصوير. قوله: (في قلبه) تصوير لصدره اهـ شيخنا. قوله:\r(كما ورد في حديث) هو ما تقدم في عبارة الخازن. قوله: يَجْعَلْ صَدْرَهُ يجوز أن يكون جعل بمعنى","part":2,"page":434},{"id":975,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 435\rيُرِدِ اللّه أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بالتخفيف والتشديد عن قبوله حَرَجاً شديد الضيق بكسر الراء صفة وفتحها مصدر وصف به مبالغة كَأَنَّما يَصَّعَّدُ وفي قراءة يصاعد وفيهما صير وأن يكون بمعنى خلق وأن يكون بمعنى سمى، وهذا الثالث ذهب إليه المعتزلة كالفارسي وغيره من معتزلة النحاة، لأن اللّه تعالى لا يصير ولا يخلق أحدا، كذلك فعلى الأول يكون ضيقا مفعولا ثانيا عند من شدده وهم العامة غير ابن كثير، وكذلك عند من خففها ساكنة ويكون فيها لغتان: التثقيل والتخفيف كميت وهين. وقيل: المخفف مصدر ضاق يضيق ضيقا كقوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ [النحل: 127] يقال ضاق يضيق ضيقا وضيقا الضاد بفتح وكسرها وبالكسر. قرأ ابن كثير في النحل والنمل: ففي جعله مصدرا يجيء فيه الأوجه الثلاثة في المصدر الواقع وصفا لجثة نحو رجل عدل وهي حذف مضاف أو المبالغة أو وقوعه موقع اسم الفاعل أي يجعل صدره ذا ضيق أو ضائقا أو نفس الضيق مبالغة وإذا كان جعل بمعنى خلق يكون ضيقا حالا، وإذا كان بمعنى سمى كان ضيقا مفعولا ثانيا والكلام عليه بالنسبة إلى التشديد والتخفيف وتقرير المعاني كالكلام عليه أولا وحرجا وحرجا بفتح الراء وكسرها هو المتزايد في الضيق فهو أخص من الأول، فكل حرج ضيق من غير عكس وعلى هذا فالمفتوح والمكسور بمعنى واحد ونصبه على القراءتين إما على كونه نعتا لضيقا، وإما على كونه مفعولا به تعدد، وذلك أن الأفعال النواسخ إذا دخلت على مبتدأ وخبر متعدد كان الخبران أو الأكثر على حالهما فكما يجوز تعداد الخبر مطلقا أو بتأويل في المبتدأ والخبر الصريحين، فكذلك في المنسوخين تقول: زيد كاتب شاعر فقيه، ثم تقول: ظننت زيدا كاتبا شاعرا فقيها، فتقول زيدا مفعول أول وكاتبا مفعول ثان وشاعرا مفعول ثالث وفقيها مفعول رابع كما تقول خبر ثان وثالث ورابع ولا يلزم من هذا أن يتعدى الفعل لثلاثة ولا أربعة لأن ذلك بالنسبة إلى تعدد الألفاظ، فليس هذا كقولك في أعلمت زيدا عمرا فاضلا إذ المفعول الثالث هنا ليس متكررا لشيء واحد، وإنما بينت هذا لأن بعض الناس وهم في فهمه اهـ سمين.\rقوله: (بالتخفيف) أي تخفيف الياء بحذف الياء الثانية التي هي عين الكلمة فيصير وزنه فعلا بوزن ضربا وقوله: (و التشديد) أي تشديد الياء ووزنه فيعل كهين وميت اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وإذا قلنا إنه يخفف من المشدد فهل المحذوف الياء الأولى أو الثانية، خلاف مرت له نظائر اهـ.\rقوله: (شديد الضيق) أي زائد الضيق بحيث لا يدخله الحق فهو أخص من الأول، فكل حرج ضيق من غير عكس اهـ كرخي.\rقوله: (بكسر الراء) أي على أنه اسم فاعل ففعله حرج فهو حرج كفرح فهو فرح. وقوله: (صفة) أي اسم فاعل، أي أنه مشتق بدليل مقابلته بقوله: (و فتحها) مصدر، ومحل هاتين القراءتين عند تشديد ضيق، وأما عند تخفيفه فيقرأ صاحب هذه القراءة حرجا بفتح الراء لا غير، ويقرأ يصعد فيما سيأتي بوزن يعلم، فالقراءتان في يصاعد اللتان فيهما تشديد الصاد محلهما عند من يشدد الياء في ضيقا تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ أي كأنه يصعد أي يتكلف الصعود فلا يستطيعه، وكأن هذه هي التي من","part":2,"page":435},{"id":976,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 436\rإدغام التاء في الأصل في الصاد في أخرى بسكونها فِي السَّماءِ إذا كلف الإيمان لشدته عليه كَذلِكَ الجعل يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ العذاب أو الشيطان أي يسلطه عَلَى الَّذِينَ لا أخوات أن، فلما اتصلت بها ما كفتها عن العمل وهيأتها للدخول على الفعل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وهذه الجملة التشبيهية يحتمل أن تكون مستأنفة شبه فيها حال من جعل اللّه صدره ضيقا حرجا بأنه بمنزلة من يكلف الصعود إلى السماء المظلمة أو إلى مكان مرتفع وعر كالعقبة، وجوزوا فيها وجهين آخرين، أحدهما: أن تكون مفعولا آخر تعدد ما قبلها. والثاني: أن تكون حالا، وفي صاحبها احتمالان، أحدهما: هو الضمير المستكن في ضيقا والثاني: هو الضمير في حرجا وفي السماء متعلق بما قبله اهـ.\rوالمعنى أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام شق عليه جدا كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء، ولا يقدر على ذلك. وقيل: يجوز أن يكون المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام وتكبرا. وقيل: ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى السماء وليس يقدر على ذلك. وقيل: هو من المشقة وصعوبة الأمر فيكون المعنى أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام فإنه يتكلف مشقة وصعوبة في ذلك كمن يتكلف الصعود إلى السماء وليس يقدر على ذلك اهـ خازن.\rقوله: (و فيهما) أي في هاتين القراءتين، وقد علمت أنهما عند من يشدد الياء في ضيق. وقوله:\r(إدغام التاء في الأصل) فالأصل يتصعد ويتصاعد فقلبت التاء صادا ثم سكنت وأدغمت في الصاد اهـ.\rوقوله: (و في أخرى بسكونها) أي بوزن يعلم ومنه إليه يصعد الكلم الطيب اهـ شيخنا.\rفالقراءات ثلاثة: فابن كثير يصعد بإسكان الصاد وتخفيف العين مضارع صعد إذا ارتفع، وشعبة يصاعد بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين مضارع تصاعد فأصله يتصاعد فأدغم تخفيفا كما تقدم، والباقون يصعد بتشديد الصاد والعين من غير ألف بينهما كيذكر مشددا مضارع صعد مضاعفا فأصله يتصعد بفوقية فأدغم تخفيفا اهـ كرخي.\rقوله: (كذلك الجعل) أي جعل صدره ضيقا حرجا. وفي السمين: قوله: كذلك يجعل هو كنظائره، وقدره الزجاج مثل ما قصصنا عليك يجعل أي فيكون مبتدأ وخبرا أو نعت مصدر محذوف، فلك أن ترفع مثل وأن تنصبها بالاعتبارين عنده والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب كما قدره الناس وهو مثل ذلك الجعل أي جعل الصدر ضيقا حرجا يجعل اللّه الرجس، كذا قدره مكي وغيره. ويجعل يحتمل أن يكون بمعنى يلقي وهو الظاهر فيتعدى لواحد بنفسه وللآخر بحرف الجر، ولذلك تعدى عنا بعلى والمعنى كذلك يلقي اللّه العذاب على الذين لا يؤمنون ويجوز أن يكون بمعنى صير أي يصير مستعليا عليهم محيطا بهم، والتقدير الصناعي مستقرا عليهم. وقوله: مُسْتَقِيماً حال من صراط والعامل فيه أحد شيئين إما ها لما فيها من معنى التنبيه، وإما ذا لما فيه من معنى الإشارة، وهي حال مؤكدة لا مبينة لأن صراط اللّه لا يكون إلا كذلك اهـ.\rقوله: (أي يسلطه) تفسير للجعل على التفسير الثاني في الرجس، وأما تفسيره على الأول فمعناه يلقي ويصب اهـ شيخنا.","part":2,"page":436},{"id":977,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 437\rيُؤْمِنُونَ (125)\rوَهذا الذي أنت عليه يا محمد صِراطُ طريق رَبِّكَ مُسْتَقِيماً لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكدة للجملة والعامل فيها معنى الإشارة قَدْ فَصَّلْنَا بينا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظون وخصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون\rلَهُمْ دارُ السَّلامِ أي السلامة وهي الجنة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127)\rوَاذكر قوله: وَهذا (الذي أنت عليه) وهو الإسلام أو القرآن أو التوفيق اهـ شيخنا.\rقوله: (المؤكدة للجملة) فيه مسامحة، لأنه لو كان كذلك لكان عاملها واجب الإضمار كما قال ابن مالك:\rوإن تؤكد جملة فمضمر ... عاملها ولفظها يؤخر\r\rفلا يصح قوله: والعامل فيه الخ، فالحق أنها مؤكدة لصاحبها وهو صراط ربك. وقوله: (معنى الإشارة) فيه مسامحة، فكان الأولى أن يقول والعامل فيه اسم الإشارة باعتبار ما فيه من معنى الفعل فإنه في معنى أشير فهو على حد قوله:\rوعامل ضمن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخرا لن يعملا\r\rاه شيخنا. قوله: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ هم أصحاب محمد ومن تبعهم بإحسان اهـ شيخنا.\rقوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة فلا محل لها، كأن سائلا سأل عما أعد اللّه لهم؟ فقيل له: ذلك، ويحتمل أن تكون حالا من فاعل يذكرون، ويحتمل أن يكون وصفا لقوم، وعلى هذين الوجهين فيجوز أن يكون الحال أو الوصف الجار والمجرور فقط ويرتفع دار السّلام بالفاعلية، وهذا عندهم أولى لأنه أقرب إلى المفرد من الجملة، والأصل في الوصف والحال والخبر الإفراد فما قرب إليه فهو أولى، وعِنْدَ رَبِّهِمْ حال من دار والعامل فيها الإستقرار في لَهُمْ دارُ السَّلامِ والسّلام والسلامة بمعنى كاللذاذ واللذاذة، ويجوز أن ينتصب عند بنفس السّلام لأنه مصدر، أي: يسلم عليهم عند ربهم، أي: في جنته، ويجوز أن ينتصب بالاستقرار في لهم وَهُوَ وَلِيُّهُمْ يحتمل أيضا الاستئناف، وأن يكون حالا أي لهم دار السلامة، والحال أن اللّه وليهم وناصرهم، وبِما كانُوا الباء سببية وما بمعنى الذي أو نكرة أو مصدرية اهـ سمين.\rقوله: (أي السلامة) أي من جميع المكاره، أي السلامة الدائمة التي لا تنقطع، سميت الجنة بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة كما قال تعالى في وصفها ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:\r46]. وقيل: المراد بالسلام التحية كما قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23] وقال: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [إبراهيم: 23] وقال: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً [مريم: 62] اهـ خازن.\rقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ في المراد بهذه العندية وجوه، أحدها: أنها معدة عنده كما تكون الحقوق معدة مهيأة وحاضرة كقوله: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [البينة: 8]. وثانيها: أن هذه العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر موصوف بالقرب من اللّه بالشرف والرتبة لا بالمكان والجهة لتنزهه تعالى عنهما. ثالثها:","part":2,"page":437},{"id":978,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 438\rيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالنون والياء أي اللّه الخلق جَمِيعاً ويقال لهم يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ باغوائكم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ الذين أطاعوهم مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ انتفع هي كقوله تعالى في صفة الملائكة وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الأنبياء: 19]. وقوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم وأنا عند ظن عبدي بي» وقال: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55] اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي متولي إيصال الخير إليهم بسبب أعمالهم الصالحة اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وهو وليهم أي مواليهم أو ناصرهم بما كانوا يعملون أي بسبب أعمالهم أو متوليهم بجزائها فيتولى إيصاله إليهم اهـ.\rيعني أن الولي إن كان بمعنى المحب أو الناصر كانت الباء للسببية، أي يحبهم وينصرهم بسبب أعمالهم وإن كان بمعنى متولي الأمور والمتصرف فيها، فالباء للملابسة أي متولي أمورهم ملتبسا بجزاء أعمالهم على حذف المضاف وهو الجزاء اهـ زاده.\rقوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِ استفيد من صنيع الشارح أن الكلام جملتان حيث قدر لكل فعلا مستقلا اهـ شيخنا.\rقوله: (الخلق) أي كلهم إنسهم وجنهم مؤمنهم وكافرهم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: الضمير لمن يحشر من الثقلين اهـ. أي وغيرهما كما في الكشاف اهـ زاده.\rقوله: جَمِيعاً حال من الهاء أو توكيد لها اهـ شيخنا.\rقوله: (و يقال لهم) أي لبعضهم وهو عصاة الجن يا مَعْشَرَ الْجِنِ في محل نصب بذلك القول الضمير، والمعشر الجماعة والجمع معاشر لقوله عليه الصلاة والسّلام «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».\rوقوله: مِنَ الْإِنْسِ في محل نصب على الحال أي أولياؤهم حال كونهم من الإنس، ويجوز أن تكون من لبيان الجنس لأن أولياؤهم كانوا إنسا وجنا. والتقدير: أولياؤهم الذين هم الإنس وربنا حذف منه حرف النداء اهـ سمين.\rقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ أي أكثرتم من الإنس أي من إغوائكم إياهم، ففي الكلام مضاف محذوف ولو قدره الشارح هكذا من إغواء الإنس لكان أولى اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الخ لعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين وهم الإنس دون المضلين وهم الجن للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا اهـ أبو السعود.\rقوله: (انتفع الإنس بتزيين الجن لهم الخ) عبارة الخازن: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني استمتع الإنس بالجن والجن بالإنس. فأما استمتاع الإنس بالجن فقال الكلبي: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فنزل بأرض قفراء خاف على نفسه من الجن فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شهر سفهاء قومه فيبيت في جوارهم، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أنهم قالوا سدنا الإنس حتى عاذوا بنا فيزدادون","part":2,"page":438},{"id":979,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 439\rالانس بتزيين الجن لهم الشهوات والجن بطاعة الإنس لهم وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا وهو يوم القيامة وهذا تحسر منهم قالَ تعالى لهم على لسان الملائكة النَّارُ مَثْواكُمْ مأواكم خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من الأوقات التي يخرجون فيها لشرب الحميم فإنه خارجها كما قال ثم إن بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. وقيل: استمتاع الانس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم الأمور التي كانوا يهونونها ويسهلون سبيلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس للجن فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. وقيل: استمتاع الإنس بالجن كما كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات وأصناف الطيبات ويسهلونها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس هي طاعة الإنس للجن فيما يأمرونهم به وينقادون لحكمهم، فصار الجن كالرؤساء للإنس والإنس كالاتباع اهـ أبو السعود.\rقوله: (و الجن بطاعة الانس لهم) أي وفي ذلك حصول غرض الجن حيث قبلوا ما ألقوا إليهم اهـ. أبو السعود.\rقوله: (و هذا) أي قولهم المذكور تحسر منهم أي على حالهم إذا قالوه اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث اهـ كرخي.\rقوله: خالِدِينَ فِيها حال من الكاف في مثواكم، والعامل فيه فعل مقدر إن جعل مثوى اسم مكان لأنه لا يعمل أو هو نفسه إن جعل مصدرا بمعنى الإقامة، وعلى الثاني يكون في الكلام حذف مضاف ليصح الإخبار أي ذات إقامتكم وتكون الكاف فاعلا بالمصدر اهـ شيخنا.\rقوله: (من الأوقات) تبع السيوطي في هذا التفسير شيخه المحلي في سورة الصافات، وهو مخالف في ذلك لظاهر قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة:\r37] والعجب من الشارح أنه اختار هذا التفسير هنا مع أنه في كتابه الدر المنثور قال: إن السلف على أن الكفار لا يخرجون من النار أصلا قاري.\rوفي حواشي البيضاوي: لما كان الخطاب للكفرة وهم لا يخرجون منها وجهوه بأن المراد النقل من النار إلى الزمهرير، أي ينقلون من عذاب النار ويدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يقطع بعضهم من بعض فيطلبون الرد إلى الجحيم اهـ من الشهاب وزاده.\rقوله أيضا: (من الأوقات الخ) إيضاحه أن الاستثناء يصح أن يكون من الجنس باعتبار الزمان أو المكان أو العذاب لدلالة خالدين عليها، أي خالدين في كل زمان إلا زمن مشيئة اللّه، أو خالدين في مكان وعذاب مخصوصين إلا أن يشاء اللّه نقلهم إلى غيرهما، أو هو في قوم مخصوصين، فما بمعنى من التي للعقلاء والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم اللّه وهم من آمن في الدنيا اهـ كرخي.\rقوله: (يشرب الحميم) هو ماء شديد الحرارة يلجؤون إلى شربه إذا استغاثوا من شدة حر النار اهـ شيخنا.","part":2,"page":439},{"id":980,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 440\rمرجعهم لإلى الجحيم وعن ابن عباس أنه فيمن علم اللّه أنهم يؤمنون فما بمعنى من إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (128) بخلقه\rوَكَذلِكَ كما متعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض نُوَلِّي من الولاية بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً أي على بعض بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) من المعاصي\rيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي من مجموعكم أي بعضكم الصادق بالإنس أو رسل قوله: (و عن ابن عباس أنه) أي الاستثناء. قوله: (كما متعنا عصاة الإنس والجن الخ) عبارة السمين: وكذلك نولي أي كما خذلنا عصاة الإنس والجن حتى استمتع بعضهم ببعض، كذلك نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة فهي نعت لمصدر محذوف، أو في محل رفع، أي الأمر مثل تولية بعض الظالمين، وهو رأي الزجاج في غير موضع اهـ.\rقوله: (من الولاية) أي الامارة أي نؤمر ونسلط بعضهم على بعض. قوله: بِما كانُوا الباء سببية وما موصولة والضمير عائد على البعض الثاني اهـ.\rقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الخ شروع في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشرين بما يتعلق بخاصة أنفسهم إثر حكاية توبيخ معشر الجن بإغراء الإنس وإضلالهم إياهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي من مجموعكم أي بعضكم الصادق بالإنس الخ) فيه إشارة إلى جواب كيف قال ذلك والرسل إنما كانت من الإنس خاصة على الصحيح. والجواب من وجهين، أحدهما: أن الخطاب للإنس وإن تناولهما اللفظ فالمراد أحدهما كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن:\r22] وإنما يخرج من الملح دون العذب كما سيأتي. وقال تعالى: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح:\r16] وإنما هو في سماء واحدة. والثاني: أن المراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم ولوا إلى قومهم منذرين كما قال: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ [الأحقاف: 29] الآية.\rوالحاصل: أن الرسل من الإنس والجن تبع، أو للرسل رسل من الجن إليهم. وقال الضحاك ومقاتل:\rإنه بعث إليهم رسل منهم لظاهر الآية اهـ كرخي.\rوفي السمين: منكم في محل رفع صفة لرسل فيتعلق بمحذوف. وقوله: يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ يحتمل أن يكون صفة ثانية، وجاءت مجيئا حسنا حيث تقدم ما هو قريب من المفرد على الجملة، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال. وفي صاحبها وجهان، أحدهما: هو رسل، وجاز ذلك وإن كان نكرة لتخصصها بالوصف. والثاني: أنه الضمير المستتر في منكم. وقوله: رُسُلٌ مِنْكُمْ زعم الفراء أن في الآية حذف مضاف أي: ألم يأتكم رسل من أحدكم يعني من جنس الإنس، قال:\rكقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح: 16] وإنما هو في بعضها، فالتقدير يخرج من أحدهما وجعل القمر في إحداهن، فحذف للعلم به وإنما احتاج الفراء إلى ذلك لأن الرسل عنده مختصة بالإنس، يعني أنه لم يعتقد أن اللّه أرسل للجن رسلا منهم بل إنما أرسل إليهم الإنس كما يروي في التفسير. وعليه قام الإجماع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل للإنس والجن، وهذا هو الحق، أعني: أن الجن لم يرسل منهم إلا بواسطة رسالة الإنس كما جاء في الحديث عن الجن الذين لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين، ولكن لا يحتاج إلى تقدير","part":2,"page":440},{"id":981,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 441\rالجن نذرهم، الذين يستمعون كلام الرسل فيبلغون قومهم يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا أن قد بلغنا قال تعالى: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فلم يؤمنوا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130)\rذلِكَ أي إرسال الرسل أَنْ اللام مقدرة وهي مخففة مضاف وإن قلنا إن رسل الجن من الإنس للمعنى الذي ذكرته وهو أنه يطلق عليهم رسل مجازا لكونهم رسلا بواسطة رسالة الإنس وقد زعم قوم أن اللّه أرسل للجن رسولا منهم يسمى يوسف اهـ.\rقوله: (نذرهم) جمع نذير. قوله: يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يتلونها مع التوضيح والتبيين نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3]، أي نبين لك أحسن البيان والقاص من يأتي بالقصة اهـ.\rوفي المصباح: وقصصت الخبر قصّا من باب رد حدثته على وجهه، والاسم القصص بفتحتين اهـ.\rقوله: قالُوا شَهِدْنا استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ؟ فقيل:\rقالوا شهدنا الخ اهـ أبو السعود أي أقررنا واعترفنا.\rقوله: (أن قد بلغنا) في نسخة أي قد بلغنا أي وصل إلينا ما ذكر من إرسال الرسل وإنذارهم إيانا، فالمشهود به هنا إرسال الرسل وإنذارهم، والمشهود به فيما سيأتي كفرهم، فلا تكرار في الإخبار عن شهادتهم مرتين اهـ شيخنا.\rويصح ضبطه بالبناء للمفعول كما تقتضيه عبارة الخازن، ونصها: اعترفوا بأن الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذروهم لقاء يومهم هذا، وأنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم، وذلك حين تشهد عليهم جوارحهم بالشرك. قوله: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ يعني في الدنيا، فإن قلت: كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا الشرك والكفر في قوله: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] فحينئذ يختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر، فذلك قوله تعالى: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ فإن قلت: لم كرر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت: شهادتهم الأولى اعتراف منهم بما كانوا عليه في الدنيا من الشرك والكفر والتكذيب.\rوفي قوله: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ذم لهم وتخطئة لرأيهم، ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا ولذاتها فكان عاقبة أمرهم أنهم اضطروا بالشهادة على أنفسهم بالكفر. والمقصود من شرح حالهم تحذير السامعين وزجرهم عن الكفر والمعاصي اهـ خازن.\rالحياة الدنيا ولذاتها فكان عاقبة أمرهم أنهم اضطروا بالشهادة على أنفسهم بالكفر. والمقصود من شرح حالهم تحذير السامعين وزجرهم عن الكفر والمعاصي اهـ خازن.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ خبره أن لم يكن ربك الخ بحذف اللام، والمعنى: ذلك ثابت لأن الشأن لم يكن ربك الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هي مخففة) أي من الثقيلة واسمه ضمير الشأن. والتقدير: ذلك لأنه أي الشأن لم يكن ربك الخ. قوله: بِظُلْمٍ يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من ربك أو","part":2,"page":441},{"id":982,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 442\rأي لأنه لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ منها وَأَهْلُها غافِلُونَ (131) لم يرسل إليهم رسولا يبين لهم\rوَلِكُلٍ من العاملين دَرَجاتٌ جزاء مِمَّا عَمِلُوا من خير وشر وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) بالياء والتاء\rوَرَبُّكَ الْغَنِيُ عن خلقه وعبادتهم ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يا أهل مكة بالاهلاك وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ من الخلق كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) أذهبهم ولكنه أبقاكم رحمة لكم\rإِنَّ ما تُوعَدُونَ من الساعة من الضمير في مهلك، أي: لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم ويجوز أن يكون حالا من القرى أي ملتبسة بذنوبها، والمعنيان منقولان في التفسير. والثاني: أن يتعلق بمهلك على أنه مفعول وهو بعيد وقد ذكره أبو البقاء اهـ سمين.\rقوله: وَأَهْلُها الواو للحال اهـ سمين.\rقوله: (لم يرسل إليهم الخ) تفسير للغفلة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِكُلٍ أي من المكلفين من الثقلين اهـ أبو السعود.\rفالجن كالإنس في أنهم يثابون ويعاقبون اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله وَلِكُلٍ حذف المضاف إليه للعلم به، أي ولكل فريق من الجن والإنس.\rوقوله: مِمَّا عَمِلُوا في محل رفع نعت لدرجات. وقيل من المؤمنين خاصة. وقيل: ولكل من الكفار خاصة لأنها جاءت عقيب خطاب الكفار، إلا أنه يبعد قوله: دَرَجاتٌ وقد يقال: إن المراد بها هنا المراتب، وإن غلب استعمالها في الخبر اهـ.\rقوله: دَرَجاتٌ فسرها الشارح بقوله: جزاء، وكأن المسوغ لتفسير الجمع بالمفرد كون الجزاء مصدر، أو ما مصدرية أو موصولة، ومن الداخلة عليها ابتدائية أو تعليلية أو بيانية اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: دَرَجاتٌ أي مراتب مما عملوا، أي من أعمالهم أو من جزائها أو من أجلها اهـ.\rقوله: (بالياء والتاء) أي قرأ ابن عامر بخطاب إسنادا للمخاطبين مناسبة للاحقه إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وباق بغيب إسنادا لغائبين مناسبة لسابقه وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ اهـ كرخي. قوله: رَبُّكَ الْغَنِيُ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون الغني ذو الرحمة وصفان وإن يشأ وما بعده هو الخبر اهـ كرخي.\rقوله: ذُو الرَّحْمَةِ ومن جملة رحمته إرسال الرسل للخلق وبقاؤهم بلا استئصال بالهلاك، فهذا الوصف يناسب سابق الكلام ولاحقه اهـ شيخنا.\rقوله: (بالإهلاك) أي إهلاك جميعكم أي استئصالكم بالموت في وقت واحد، وإلا فموتهم على التدريج واقع لا محالة اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَسْتَخْلِفْ أي ينشيء ويوجد بدليل قوله: كَما أَنْشَأَكُمْ كأنه قيل: وينشىء من بعدكم أي بعد إذهابكم ما يشاء إنشاء كائنا كإنشائكم من ذرية الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ أي من نسل قوم لم يكونوا على مثل صفتكم، بل كانوا طائعين","part":2,"page":442},{"id":983,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 443\rوالعذاب لَآتٍ لا محالة وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) فائتين عذابنا\rقُلْ لهم يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ حالتكم إِنِّي عامِلٌ على حالتي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ موصولة مفعول العلم وهم أهل سفينة نوح وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم اهـ أبو السعود.\rوهذا الجار متعلق بأنشأكم ويجوز في من أن تكون لابتداء الغاية أي ابتداء إنشائكم من ذرية قوم، ويجوز أن تكون تبعيضية قاله ابن عطية اهـ كرخي.\rقوله: (من الساعة) بيان لما فهي اسم أن وخبرها لآت وهو منقوص كقاض، واللام لام التوكيد زحلقت للخبر اهـ شيخنا.\rقوله: (فائتين عذابنا) أي هاربين منه، بل هو مدرككم لا محالة، يقال: أعجزني فلان أي فاتني فلم أقدر عليه، والمراد بيان دوام انتفاء الإعجاز لا بيان انتفاء دوام الإعجاز، فإن الجملة الاسمية كما تدل على دوام الثبوت كذلك تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرف النفي على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام كما حقق في موضعه اهـ كرخي.\rقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ المقصود من هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه فهو كقوله: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ اهـ خازن.\rواختلف في ميم مكان ومكانة فقيل: هي أصلية وهما من مكن يمكن. وقيل: زائدة وهما من الكون، فالمعنى على الأول اعملوا على ممكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم فالمكانة مصدر.\rوعلى الثاني: اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها اهـ سمين. والشارح قد فسرها بالحالة فيكون جاريا على زيادة الميم اهـ.\rقوله: (حالتكم) أي التي أنتم عليها وهي الكفر والعداوة. وقوله: إِنِّي عامِلٌ على حالتي من الإسلام والمصابرة اهـ خازن.\rقوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ سوف لتأكيد مضمون الجملة، وهذه الجملة تعليل لما قبلها والعلم عرفاني، ومن إما استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء وخبرها جملة، تكون وهي مع خبرها في محل نصب لسدها مسد مفعول تعلمون. أي: فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق اللّه هذه الدار لها، وإما موصولة فمحلها النصب على أنها مفعول لتعلمون، أي فسوف تعلمون الذي له عاقبة الدار اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: مَنْ تَكُونُ في من هذه وجهان، أحدهما: أن تكون موصولة وهو الظاهر فهي في محل نصب مفعول به وعلم هنا متعدية لواحد لأنها بمعنى العرفان. والثاني: أن تكون استفهامية فتكون في محل رفع بالابتداء. وتكون له عاقبة الدار تكون واسمها وخبرها في محل رفع خبر لها وهي خبرها في محل نصب إما لسدها مسد مفعول واحد إن كانت علم عرفانية، وإما لسدها مسد اثنين إن كانت يقينية اهـ.\rقوله: (مفعول العلم) أي العرفاني فهو متعد لواحد. قوله: (أي العاقبة المحمودة) وهي","part":2,"page":443},{"id":984,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 444\rتَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم إِنَّهُ لا يُفْلِحُ يسعد الظَّالِمُونَ (135) الكافرون\rوَجَعَلُوا أي كفار مكة لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ خلق مِنَ الْحَرْثِ الزرع وَالْأَنْعامِ نَصِيباً يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ بالفتح والضم وَهذا لِشُرَكائِنا فكانوا إذا سقط في نصيب الاستراحة واطمئنان الخاطر، وهذه حاصلة في الدار الآخرة التي هي الجنة، فحصلت المغايرة بين الظرف والمظروف اهـ شيخنا.\rقوله: (أنحن أم أنتم) الظاهر أن هذا إنما يناسب جعل من استفهامية كما قال به بعضهم، ولا يظهر له وجه على كونها موصولة الذي مشى عليه الشارح إذا المعنى عليه تعلمون الفريق الذي له عاقبة الدار وهو المسلم، وهذا المعنى لا مجال للاستفهام فيه اهـ.\rقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ استئناف، وكأنه في جواب سؤال مقدر كأنه قيل وما عاقبتم اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ الخ لما بين تعالى قبح طريقتهم وما كانوا عليه من إنكار البعث، وغير ذلك عقبه بذكر أنواع من أحكامهم الفاسدة تنبيها على ضعف عقولهم اهـ خازن.\rوجعل هنا متعد لمفعولين، الأول: نصيبا، والثاني: للّه ومن الحرث حال من نصيبا أو متعلق بجعلوا أو متعد لواحد أي عينوا وميزوا نصيبا وكل من الطرفين متعلق بجعلوا اهـ شيخنا أو الثاني بدل من الأول. قوله: مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ وكذا من الثمار وسائر أموالهم اهـ خازن.\rقوله: (و لشركائهم نصيبا) أشار بهذا إلى أن في الآية حذف أحد القسمين ولم يذكر اكتفاء بقوله:\rفَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ الخ اهـ أبو السعود.\rوفي زاده: ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد وهو قوله: هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا اهـ.\rروي أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث ونتاج للّه ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئا منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحون عندها، ثم إن رأوا ما عينوه للّه أزكى بدلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حبا لها. وفي قوله: مِمَّا ذَرَأَ تنبيه على فرط جهالتهم، فإنهم أشركوا للخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: وكانوا يجبرون ما جعلوه لها مما جعلوه للّه، ولا يجبرون ما جعلوه له مما جعلوه لها، وكان إذا أصابهم قحط استعانوا بما جعلوه للّه وأكلوا منه، ووفروا ما جعلوه لها ولم يأكلوا منه، فإذا هلك ما جعلوه لها أخذوا بدله مما جعلوه للّه، ولا يفعلون كذلك فيما جعلوه لها اهـ.\rقوله: بِزَعْمِهِمْ الباء متعلقة بقالوا أو بما تعلق به للّه من نحو مستقر اهـ زكريا.\rومن المعلوم أن الزعم هو الكذب، وإنما نسبوا للكذب في هذه المقالة مع أن كل شيء للّه، لأن هذا الجعل لم يأمرهم اللّه به فهو مجرد اختراع منهم اهـ من البيضاوي.","part":2,"page":444},{"id":985,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 445\rاللّه شيء من نصيبها التقطوه أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه وقالوا إن اللّه غني عن هذا كما قال تعالى فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ أي لجهته وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ بئس ما يَحْكُمُونَ (136) حكمهم هذا\rوَكَذلِكَ كما زين وفي أبي السعود: وإنما قيد الأول بالزعم للتنبيه على أنه في الحقيقة جعل للّه تعالى غير مستتبع لشيء من الثواب كالتطوعات التي يبتغي بها وجه اللّه تعالى، لا لما قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم اللّه تعالى به، فإن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثاني، ويجوز أن يكون ذلك تمهيدا لما بعده على معنى أن قولهم: هذا لِلَّهِ مجرد زعم منهم لا يعملون بمقتضاه الذي هو اختصاصه تعالى به اهـ.\rوقوله: للتنبيه على أنه في الحقيقة الخ إيضاح هذا أنهم جعلوه للّه على وجه أنه يستحقه من جهتهم لا على وجه التقرب به إليه، والجعل بالمعنى المذكور كذب غير موافق للشرع، فإن اللّه يملك كل شيء لذاته ولا يتوقف ملكه لشيء على أن يجعله المخلوق له كما فعل هؤلاء، فإنهم جعلوه للّه من قبل أنفسهم فيعطوه له من عندهم وهذا زعم وكذب اهـ.\rقوله: (بالفتح والضم) أي في هذه الكلمة والكلمة الآتية، وهاتان قراءتان سبعيتان. فقراءة الجمهور بالفتح على لغة أهل الحجاز وهي الفصحى، وقرأه بالضم الكسائي وحده على لغة بني أسد اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: زعم زعما من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات فتح الزاي لأهل الحجاز، وضمها لبني أسد، وكسرها لبعض قيس. ويطلق الزعم بمعنى القول، ومنه: زعمت الحنفية وزعم سيبويه أي قال وعليه قوله تعالى: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ [الإسراء: 92] أي قلت أي كما أخبرت ويطلق على الظن. يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد ومنه قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن: 7] قال الأزهري: أكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه ولا يتحقق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. قال المرزوقي: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب. وقال ابن القوطية: زعم زعما، قال: خبرا لا يدري أحقا هو أو باطلا. قال الخطابي: ولهذا قيل: زعم مطية الكذب وزعم غير مزعم. قال: غير مقول صالح وادعى ما لا يمكن اهـ.\rوفي السمين: بزعمهم فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بقالوا، أي قالوا ذلك القول بزعم لا بيقين واستبصار. وقيل: هو متعلق به تعلق به الاستقرار من قوله اللّه. وقرأ العامة: بفتح الزاي في الموضعين، وهذه لغة الحجاز وهي الفصحى. وقرأ الكسائي: بزعمهم بالضم وهي لغة بني أسد وهل المفتوح والمضموم بمعنى واحد أو المفتوح مصدر والمضموم اسم خلاف مشهور. وفي لغة لبعض قيس وبني تميم كسر الزاي ولم يقرأ بهذه اللغة فيما علمت اهـ.\rقوله: (التقطوه) أي وردوه إلى نصيبها. وقالوا: هي فقيرة محتاجة اهـ شيخنا.\rقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ ما عبارة عن الحكم، فالهاء التي قدرها الشارح مفعول مطلق بدليل الجعل المخصوص الذي قدره الشارح الحكم والمخصوص والفاعل فيما صدق واحد. وفي السمين:","part":2,"page":445},{"id":986,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 446\rلهم ما ذكر زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ بالوأد شُرَكاؤُهُمْ من وأعربها الحوفي هنا فقال: ما بمعنى الذي، والتقدير: ساء الذي يحكمون حكمهم فيكون حكمهم مبتدأ وما قبله الخبر، وحذف لدلالة يحكمون عليه، ويجوز أن تكون ما تمييزا على مذهب من يجيز ذلك في بئسما فتكون في موضع نصب والتقدير: ساء حكما حكمهم ولا يكون يحكمون صفة لما لأن الغرض الإبهام، ولكن في الكلام حذف يدل عليه ما والتقدير ساء ما يحكمون فحذفت ما الثانية اهـ.\rقوله: (هذا) اسم الإشارة بدل أو عطف بيان من حكمهم اهـ.\rقوله: وَكَذلِكَ زَيَّنَ هذا في محل نصب نعتا لمصدر محذوف كنظائره، فقدره الزمخشري بتقديرين، فقال: ومثل ذلك التزيين، وهو تزيين الشرك في قسمة الأموال بين اللّه والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين، قال الشيخ: قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون ذلك مستأنفا غير مشار به إلى ما قبله، فيكون المعنى وهكذا زين. وفي هذه الآيات قراءات كثيرة والمتواتر منها ثنتان: الأولى قراءة العامة زين مبنيا للفاعل وقتل نصب على المفعولية، وأولادهم خفض بالإضافة، وشركاؤهم رفع على الفاعلية وهي قراءة واضحة المعنى والتركيب. وقرأ ابن عامر: زين مبنيا للمفعول قتل رفعا ما لم يسم فاعله، أولادهم نصبا على المفعول بالمصدر شركائهم خفضا على إضافة المصدر إليه فاعلا، وهذه القراءة متواترة صحيحة. وقد تجرأ كثير من الناس على قارئها بما لا ينبغي، وهو أعلى القراء السبعة سندا وأقدمهم هجرة، أما علو سنده فإنه قرأ على أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وفضالة بن عبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة المخزومي. ونقل يحيى البرماوي أنه قرأ على عثمان نفسه. وأما قدم هجرته فإنه ولد في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وناهيك به أن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري أخذ من أصحاب أصحابه وترجمته متسعة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن البصري، وعبد الملك صاحب ابن عامر: زين مبنيا للمفعول قتل رفعا على ما تقدم أولادهم خفضا بالإضافة شركاؤهم رفعا على الفاعلية، وقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر إلا أنهم خفضوا الأولاد أيضا وتخريجها سهل، وهو أن يجعل شركاؤهم بدلا من أولادهم بمعنى أنهم يشركونهم في النسب والمال وغير ذلك.\rوقرأت فرقة من أهل الشام ورويت عن ابن عامر أيضا: بكسر الزاي بعدها ساكنة على أنه فعل ماض مبني للمفعول على حد، قيل: وبيع وقتل مرفوع على ما لم يسم فاعله أولادهم بالنصب وشركائهم بالخفض، والتوجيه واضح مما تقدم فهي كالقراءة الأولى سواء غاية ما في الباب أنه أخذ من زان الثلاثي وبنى للمفعول فاعل اهـ من السمين.\rقوله: لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اللام متعلقة بزين، وكذلك اللام في قوله: لِيُرْدُوهُمْ فإن قيل:\rكيف تعلق حرفا جر بلفظ واحد ومعنى واحد بعامل واحد من غير بدلية ولا عطف؟ فالجواب: أن معناهما مختلف، فإن الأولى للتعدية والثانية للعلية. وقال الزمخشري: إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل، وإن كان من السدنة فهي للصيرورة. يعني أن الشيطان يفعل التزيين وغرضه بذلك الإرداء، فالتعليل فيه واضح. وأما السدنة فإنهم لم يزينوا لهم ذلك وغرضهم إهلاكهم لما كان مآل حالهم إلى الإرداء أتى باللام الدالة على العاقبة والمآل اهـ سمين.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 2 447\r\rف تعلق حرفا جر بلفظ واحد ومعنى واحد بعامل واحد من غير بدلية ولا عطف؟ فالجواب: أن معناهما مختلف، فإن الأولى للتعدية والثانية للعلية. وقال الزمخشري: إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل، وإن كان من السدنة فهي للصيرورة. يعني أن الشيطان يفعل التزيين وغرضه بذلك الإرداء، فالتعليل فيه واضح. وأما السدنة فإنهم لم يزينوا لهم ذلك وغرضهم إهلاكهم لما كان مآل حالهم إلى الإرداء أتى باللام الدالة على العاقبة والمآل اهـ سمين.\rقوله: (بالوأد) وهو دفن الإناث بالحياة مخافة الفقر والعيلة والسبي وكما كانوا يقتلون الإناث","part":2,"page":446},{"id":987,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 447\rالجن بالرفع فاعل زين وفي قراءة ببنائه للمفعول ورفع قتل ونصب الأولاد به وجر شركائهم بإضافته وفيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ولا يضر وإضافة القتل إلى الشركاء لأمرهم به لِيُرْدُوهُمْ يهلكوهم وَلِيَلْبِسُوا يخلطوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ بالوأد كانوا ينحرون الذكور لآلهتهم، فكان الرجل يحلف لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب لينحرن عبد اللّه اهـ خازن.\rوفي المصباح: وأد ابنته وأدا من باب وعد دفنها حية فهي موءودة، والوأد: الثقل. يقال: وأده إذا أثقله اهـ.\rقوله: (من الجن) أي أو من السدنة اهـ بيضاوي.\rقوله: (فاعل زين) أي الذي هو لفظ القرآن، ويصح أيضا من حيث المعنى أن يكون فاعل زين الذي هو لفظ الشارح في قوله: (كما زين لهم ما ذكر) أي زين لهم شركاؤهم ما ذكر أي قسمة أموالهم بين اللّه وأصنامهم. قوله: (و في قراءة) أي سبعية. قوله: (بإضافته) أي إضافة قتل إلى شركائهم إضافة للفاعل على سبيل الإسناد المجازي كما قال: (و إضافة القتل الخ) اهـ شيخنا. وقوله: (و إضافة القتل) مبتدأ وقوله لأمرهم به خبر، والفاعل الحقيقي لهذا المصدر هو الكثير القاتلون لأولادهم، وحقيقة الإسناد وكذلك زين لكثير قتلهم أولادهم بسبب أمر شركائهم لهم به. قوله: وَلِيَلْبِسُوا عطف على لِيُرْدُوهُمْ فعلل التزيين بشيئين: بالإرداء وبالتخليط وإدخال الشبهة عليهم في دينهم. والجمهور على وَلِيَلْبِسُوا بكسر الباء من لبست عليه الأمر ألبسه بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع إذا أدخلت عليه فيه الشبهة وخلطته فيه. وقرأ النخعي: وَلِيَلْبِسُوا بفتح الباء، فقيل: هي لغة في المعنى المذكور، تقول: لبست عليه الأمر بفتح الباء وكسرها ألبسه وألبسه، والصحيح أن لبس بالكسر بمعنى لبس الثياب وبالفتح بمعنى الخلط، والصحيح أنه استعار اللبس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط حتى كأنهم لبسوها كالثياب وصارت محيطة بهم اهـ سمين.\rقوله: (يخلطوا) أي يدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل وإبراهيم فرجعوا عنه لتلبيس الشياطين اهـ خازن.\rقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أي عدم فعلهم ذلك ما فعلوه، أي ما زين لهم من القتل واللبس اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: ولو شاء اللّه ما فعلوه، أي ما فعل المشركون ما زين لهم أو ما فعل الشركاء التزيين أو الفريقان جميع ذلك. وفي السمين: قوله: ما فَعَلُوهُ الضمير المرفوع لكثير والمنصوب للقتل للتصريح به ولأنه المسوق للحديث عنه. وقيل: المرفوع للشركاء والمنصوب للتزيين. وقيل:\rالمنصوب للبس المفهوم من الفعل قبله وهو بعيد. قوله: فَذَرْهُمْ الفاء فاء الفصيحة، أي: إذا كان بمشيئة اللّه فذرهم وافتراءهم أو ما يفترونه من الإفك، فإن فيما شاء اللّه حكما بالغة إنما نملي لهم ليزدادوا إثما اهـ أبو السعود.","part":2,"page":447},{"id":988,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 448\rفَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137)\rوَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ من خدمة الأوثان وغيرهم بِزَعْمِهِمْ أي لا حجة لهم فيه وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها فلا تركب كالسوائب والحوامي وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم ونسبوا ذلك إلى اللّه افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) عليه\rوَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ قوله: وَقالُوا حكاية لنوع آخر من من أنواع كفرهم، وهذه إشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله: أَنْعامٌ فهو وحرث خبر عن اسم الاشارة. وقوله: حِجْرٌ فعل بمعنى مفعول كذبح وطحن بمعنى مذبوح ومطحون يستوي فيه الواحد والكثير والمذكور والمؤنث، لأن أصله المصدر ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث اهـ أبو السعود.\rفجعلوا نصيب الآلهة أقساما ثلاثة، الأول: ما ذكره بقوله: حِجْرٌ. والثاني: ما ذكره بقوله:\rوَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها. الخ والثالث: قوله: وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا الخ وفي الخازن: هذه أنعام أي البحائر والسوائب والوصائل والحوامي اهـ.\rقوله: حِجْرٌ أي محجورة، أي ممنوعة، أي محرمة. قوله: لا يَطْعَمُها أي الأنعام والحرث، أي لا يأكلها، وهذه الجملة صفة ثانية لأنعام وحرث اهـ شيخنا.\rقوله: (و غيرهم) أي من الرجال دون النساء اهـ شيخنا.\rقوله: بِزَعْمِهِمْ حال من فاعل. قالوا أي قالوا ما ذكر ملتبسين بزعمهم الباطل. والمفعول جمل ثلاثة، الأولى: هذه أنعام وحرث الخ. الثانية: وأنعام حرمت ظهورها الخ باعتبار أنه خبر لمبتدأ محذوف. والثالثة: قوله: وأنعام لا يذكرون الخ باعتبار المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: (فيه) أي القول المذكور. وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله هذه أنعام الخ، أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم: وهذه أنعام حرمت الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (كالسوائب الخ) عبارة أبي السعود: يعنون بها البحائر والسوائب والحوامي اهـ.\rقوله: وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ أي وهذه أنعام لا يذكرون الخ. قوله: لا يَذْكُرُونَ صفة لأنعام، لكنه غير واقع في كلامهم المحكي كنظائره، بل مسوق من جهته تعالى تعيينا للموصوف وتمييزا له عن غيره اهـ أبو السعود.\rقوله: (و نسبوا ذلك) أي التقسيم المذكور، أي تقسيم الأنعام التي هي نصيب الآلهة إلى أقسام ثلاثة، أحدها: ما ذكره بقوله: حِجْرٌ لا يَطْعَمُها. الخ الثاني: ما ذكره بقوله: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها، الخ والثالث: ما ذكره بقوله: وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: افْتِراءً عَلَيْهِ معمول لمحذوف كما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rوفي السمين: فيه أربعة أوجه، أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه مفعول من أجله، أي: قالوا ما","part":2,"page":448},{"id":989,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 449\rالْأَنْعامِ المحرمة وهي السوائب والبحائر خالِصَةٌ حلال لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا أي النساء وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالرفع والنصب مع تأنيث الفعل وتذكيره فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ تقدم لأجل الافتراء على الباري تعالى. الثاني: أنه مصدر على غير المصدر لأن قوله المحكي عنهم افتراء فهو نظير قعد القرفصاء وهو قول الزجاج. الثالث: أنه مصدر عامله من لفظه مقدر، أي: افتروا ذلك افتراء. الرابع: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قالوا ذلك حال افترائهم، وهي تشبه الحال المؤكدة لأن هذا القول المخصوص لا يكون قائله إلا مفتريا. وقوله على اللّه يجوز تعلقه بافتراء على القول الأول والرابع، وعلى الثاني والثالث بقالوا لا بافتراء، لأن المصدر المؤكد لا يعمل وجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لافتراء، وهذا جار على كل قول من الأقوال السابقة اهـ.\rقوله: بِما كانُوا يَفْتَرُونَ أي بسببه أو بدله اهـ سمين.\rقوله: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ الخ حكاية لنوع آخر من أنواع كفرهم. قوله: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ قال ابن عباس وقتادة والشعبي: أرادوا أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد منها ميتا أكله الرجال والنساء جميعا، وهو قوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ اهـ خازن.\rقوله: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ أي أجنتها التي في بطونها. وقوله الأنعام المحرمة وهي ما في قوله: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وتقدم أنها أقسام ثلاثة بدليل الكاف السابقة في كلامه، فيزاد على هذين النوعين الحوامي التي سبق ذكرها في كلامه اهـ.\rقوله: خالِصَةٌ خبر عن ما باعتبار معناها: وقوله: وَمُحَرَّمٌ خبر لها باعتبار لفظها، فعلى هذا تكون التاء في خالصة للتأنيث، وهذا من جملة ما قيل لكنه بعيد من قول الشارح (حلال) فالظاهر أن المناسب له أن التاء للنقل إلى الاسمية، أو للمبالغة كما في علامة ونسابة. وقد قيل هنا بهذين التوجيهين أيضا. وعبارة الكرخي: ويجوز أن يكون على المبالغة كعلامة ونسابة وراوية والخاصة والعامة، أو على المصدر على وزن فاعلة كالعافية والعاقبة، وذكر محرم للحمل على اللفظ وهذا نادر لا نظير له، وإنما عهده مراعاة المعنى ثم اللفظ في من وما اهـ.\rقوله: (أي للنساء) عبارة أبي السعود: أي جنس أزواجنا وهن الإناث انتهت.\rقوله: (مع تأنيث الفعل) أي باعتبار معنى ما وهو الأجنة، وهذا عند النصب، وأما عند الرفع فباعتبار تأنيث الميتة، وقوله: (و تذكيره) أي باعتبار لفظ ما وهذا عند النصب وعند الرفع، باعتبار أن تأنيث الميتة مجازي، فالقراءات أربعة وكلها سبعية. وفي السمين: قوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً قرأ ابن كثير يكن بياء الغيبة ميتة رفعا، وابن عامر تكن بتاء التأنيث ميتة رفعا، وعاصم في رواية أبي بكر تكن بتاء التأنيث ميتة نصبا. والباقون بكل كابن كثير ميتة كأبي بكر، والتذكير والتأنيث واضحان لأن تأنيث الميتة مجازي لأنها تقع على الذكر والأنثى من الحيوان، فمن أنث فباعتبار اللفظ، ومن ذكر فباعتبار المعنى.\rهذا عند من يرفع ميتة بتكن، أما من ينصبها فإنه يسند الفعل حينئذ إلى الضمير فيذكر باعتبار لفظ ما في قوله: ما فِي بُطُونِ ويؤنث باعتبار معناها، ومن نصب ميتة، فعلى خبر كان الناقصة ومن رفع الفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 29","part":2,"page":449},{"id":990,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 450\rسَيَجْزِيهِمْ اللّه وَصْفَهُمْ ذلك بالتحليل والتحريم أي جزاءه إِنَّهُ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (139) بخلقه\rقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا بالتخفيف والتشديد أَوْلادَهُمْ بالوأد سَفَهاً جهلا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مما ذكر افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140)\r* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ خلق جَنَّاتٍ بساتين مَعْرُوشاتٍ مبسوطات على الأرض كالبطيخ فيحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون التامة وهذا هو الظاهر: أي: وإن وجد ميتة أو حدثت وأن تكون الناقصة وحينئذ يكون خبرها محذوفا، أي: وإن يكن هناك أو في البطون ميتة، وهو رأي الأخفش اهـ.\rقوله: فَهُمْ أي ذكورهم وإناثهم فيه شركاء، أي: يأكلون منه جميعا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَصْفَهُمْ (ذلك) أي المذكور من الحرث والأنعام وأجنتها. وقوله: (أي جزاءه) إشارة إلى أن قوله: وَصْفَهُمْ على حذف مضاف، أي: سيجزيهم جزاء وصفهم لما ذكر بالتحليل والتحريم، فوصفهم ما ذكر بما ذكر ذنب فسيجزيهم اللّه جزاءه أي: سيوصل لهم جزاءه ويوقعه بهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ أي فلأجل حكمته وعلمه لا يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ أي في الدنيا باعتبار السعي في نقص عددهم وإزالة ما أنعم اللّه به عليهم، وفي الآخرة باستحقاق العذاب الأليم اهـ خازن.\rوالجملة: جواب قسم محذوف، وقوله: سَفَهاً الخ متعلق بقتلوا على أنه علة له أي لخفة عقلهم وجهلهم لأن اللّه هو الرزاق لهم ولأولادهم اهـ أبو السعود.\rروى البخاري عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى قوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ اهـ خازن.\rقوله: (بالوأد) أي للبنات، أي: وبالنحر للذكور على ما تقدم. قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي بغير حجة. وقوله: وَحَرَّمُوا معطوف على قتلوا، فهو صلة ثانية اهـ شيخنا.\rقوله: (مما ذكر) أي الحرث والأنعام. وقوله: افْتِراءً عَلَى اللَّهِ معمول لحرموا اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ ضَلُّوا أي عن الطريق المستقيم. قوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي إلى الحق بعد ضلالهم، فعلم أن فائدته بعد قوله: قَدْ ضَلُّوا أنهم بعد ما ضلوا لم يهتدوا مرة أخرى اهـ كرخي.\rقوله: مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ أصل العرش في اللغة شيء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش. يقال: عرشت الكرم أعرشه عرشا من بابي ضرب ونصر، وعرشته تعريشا إذا جعلته كهيئة السقف، واعترش العنب العريش إذا علاه وركبه. واختلفوا في معنى قوله: مَعْرُوشاتٍ فقال ابن عباس: المعروشات ما انبسط على الأرض وانتشر مثل: الكرم والقرع والبطيخ ونحو ذلك غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الشجر. وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش ومنه ما لا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطا. وقيل: المعروشات ما غرسه","part":2,"page":450},{"id":991,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 451\rوَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ بأن ارتفعت على ساق كالنخل وَأنشأ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ثمره وحبه في الهيئة والطعم وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً ورقمها حال وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ طعمهما كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ قبل النضج وَآتُوا حَقَّهُ زكاته يَوْمَ حَصادِهِ بالفتح والكسر من الناس في البساتين واهتموا به فعرشوه من كرم أو غيره، وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ هو ما أنبته اللّه في البراري والجبال من كرم وشجر اهـ خازن.\rقوله: (كالبطيخ) هذا يقتضي أن البطيخ يسمى بستانا وجنة، مع أن البستان في اللغة اعتبر في حقيقته أن يكون فيه شجر أو نخل أو هما. وفي القاموس: والبستان الحديقة، ثم قال: والحديقة الروضة ذات الشجر والجمع حدائق، والبستان من النخل والشجر أو كل ما أحاط به البناء أو القطعة من النخل اهـ.\rقوله: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ عطف على جنات، وإنما أفردهما مع أنهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات، والمراد بالزرع جميع الحبوب التي يقتات بها اهـ زاده.\rقوله: مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ حال مقدرة لأن النخل والزرع وقت خروجه لا أكل منه حتى يكون مختلفا أو متفقا، وهو مثل قولهم: مررت برجل معه صقر صائد به غدا اهـ كرخي.\rقوله: أُكُلُهُ أي أكل كل واحد منهما، فالضمير راجع لكل واحد منهما، والمراد بالأكل المأكول، أي: مختلف المأكول من كل منهما في الهيئة والطعم اهـ شيخنا.\rقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ أي ثمر كل واحد إذا أثمر، ولما ذكر اللّه الامتنان على عباده بخلق هذه الجنات المحتوية على أنواع الثمار، ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو الانتفاع بها، وهذا أمر إباحة لأنه لما أوجب الزكاة في الحبوب والثمار كان ذلك مظنة توهم تحريم الأكل على المالك لمكان شركة الفقراء معه، فبين إباحة الأكل في هذا الوقت رعاية لحق النفس، فإنها مقدمة على رعاية حق الغير اهـ خازن.\rقوله: (قبل النضج) أما بعده فيحرم الأكل منه لتعلق الزكاة به، كما هو مبسوط في كتب الفروع.\rقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ يعني يوم جذاذه وقطعه، واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقال ابن عباس وأنس بن مالك: هو الزكاة المفروضة. فإن قلت على هذا التفسير إشكال وهو أن فرض الزكاة كان بالمدينة وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل قوله: وَآتُوا حَقَّهُ على الزكاة المفروضة.\rقلت: ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس وقتادة أن هذه الآية نزلت بالمدينة، فعلى هذا القول تكون الآية محكمة نزلت في حكم الزكاة، وإن قلنا إن هذه الآية مكية تكون منسوخة بآية الزكاة لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل في قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ أنه حق سوى الزكاة فرض يوم الحصاد وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر، وهذا قول علي بن الحسن وعطاء ومجاهد وحماد. وقال مجاهد: كانوا يلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر. وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيلقونه في جانب","part":2,"page":451},{"id":992,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 452\rالعشر أو نصفه وَلا تُسْرِفُوا بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) المتجاوزين ما حد لهم\rوَأنشأ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فما سقط منه أكله. وعلى هذا القول فهل هذا الأمر أمر وجوب أو ندب فيه قولان، أحدهما: أنه أمر وجوب فيكون منسوخا بآية الزكاة ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» والقول الثاني: أمر ندب واستحباب فتكون الآية محكمة، فإن قلت: فعلى القول الأول كيف تؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل، وإنما يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف؟ قلت: معناه قدروا إخراج الواجب منه يوم حصاده فإنه قريب من زمان التنقية والجفاف، ولأن النخل يجب إخراج الحق منه يوم حصاده وهو الصرام والزرع محمول عليه، إلا أنه لا يمكن إخراج الحق منه إلا بعد التصفية. وقيل: معناه وَآتُوا حَقَّهُ الذي وجب يوم حصاده بعد التصفية. وقيل: إن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وبلوغه، وإنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه، لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في مالكه اهـ خازن.\rقوله: (بالفتح والكسر) عبار السمين: قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء والباقون بكسرها، وهما لغتان في المصدر، كقولهم: جذاذ وجذاذ وقطاف وقطاف. قال سيبويه: جاؤوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال، وربما قالوا فيه فعال يعني أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر، فإن المصدر الأصلي إنما هو الحصد، والحصد ليس فيه دلالة على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف الحصاد والحصاد اهـ.\rقوله: وَلا تُسْرِفُوا (بإعطاء كله) عبارة الخازن: وَلا تُسْرِفُوا الخ الإسراف: تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان وإن كان في الإنفاق أشهر. وقيل: السرف تجاوز ما حد لك، وسرف المال إنفاقه في غير منفعة، ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة اللّه فهو سرف وإن كان قليلا. قال ابن عباس في رواية عنه: عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة فقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فأنزل اللّه هذه الآية وَلا تُسْرِفُوا. قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء.\rوقال الزجاج: وقال الزجاج: وعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه قد صح في الحديث: «إبدأ بمن تعول». وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة، فتأويل الآية على هذا القول لا تجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد، إلا أن الأول في البذل والإعطاء والثاني في الإمساك والبخل. وقال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام، وهذا القول أيضا يرجع إلى مجاوزة الحد، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حد له. وقال الزهري: معناه لا تنفقوا في معصية اللّه عز وجل اهـ.\rقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ الخ شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقوّلوا على اللّه في شأنها بالتحريم والتحليل اهـ أبو السعود.\rقوله: حَمُولَةً وَفَرْشاً منصوبان على أنهما نسق على جنات، أي: وأنشأنا من الأنعام حمولة،","part":2,"page":452},{"id":993,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 453\rوَفَرْشاً لا تصلح له كالإبل الصغار والغنم سميت فرشا لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ طرائقه في التحريم والتحليل إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) بين العداوة\rثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أصناف بدل من حمولة وفرشا مِنَ الضَّأْنِ زوجين والحمولة ما أطاق الحمل عليه من الإبل والفرش صغارها، هذا هو المشهور في اللغة. وقيل: الحمولة كبار النعم، أعني: الإبل والبقر والغنم والفرش صغارها. قال: ويدل له أنه أبدل منه قوله بعد ذلك ثمانية أزواج من الضأن اثنين كما سيأتي. وقال الزجاج: أجمع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل.\rقال أبو زيد: يحتمل أن يكون تسمية بالمصدر، لأن الفرش في الأصل مصدر، والفرش لفظ مشترك بين معان كثيرة منها ما تقدم ومنها متاع البيت والفضاء الواسع واتساع خف البعير قليلا والأرض الملساء ونبات يلتصق بالأرض. وقيل: الحمولة كل ما حمل عليه من إبل وبقر وبغل وحمار، والفرش ما اتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش اهـ سمين.\rقوله: (لا تصلح له الخ) كأن تأنيث الضمائر العائدة على الفرش المذكر باعتبار كونه حيوانات، فليتأمل. وفي بعض النسخ لا يصلح بالتذكير وهو ظاهر. وقوله: (سميت) أي الإبل الصغار والغنم.\rقوله: (لدنوها منها) أي ولأنها تفرش على الأرض عند الذبح اهـ بيضاوي.\rقوله: مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي: من الثمار والزروع والأنعام اهـ خازن.\rقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ الزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه ويحصل منهما النسل، وكذا يطلق على الاثنين فهو مشترك، والمراد هنا الإطلاق الأول اهـ من الخازن وأبي السعود.\rقوله: (أصناف) أربعة ذكور من كل من الإبل والبقر والغنم وأربعة إناث كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين التيس والعنز، فالتيس للذكر والعنز للأنثى اهـ شيخنا.\rوهذه الأزواج الأربعة تفصيل للفرش، ولعل تقديمها في التفصيل مع تأخر أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضة للأكل الذي هو معظم ما يتعلق به الحل والحرمة، وهو السر في الاقتصار على الأمر بالأكل من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب، وغير ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتها اهـ أبو السعود. والضأن قيل: جمع ضائن للذكر وضائنة للأنثى. وقيل: اسم جمع، وكذا يقال في المعز سواء سكنت عينه أو فتحت اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: المعز اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، الواحد شاة وهي مؤنثة وتفتح العين وتسكن وجمع الساكن أمعز ومعيز مثل: عبد وأعبد وعبيد، والمعزى ألفها للإلحاق لا للتأنيث ولهذا تنون في النكرة وتصغر على معيز، ولو كانت الألف للتأنيث لم تحذف، والذكر ما عز والأنثى ما عزة اهـ.\rوفيه أيضا: والعنز الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول. قوله: اثْنَيْنِ بدل من ثمانية أزواج أن","part":2,"page":453},{"id":994,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 454\rاثْنَيْنِ ذكر وأنثى وَمِنَ الْمَعْزِ بالفتح والسكون اثْنَيْنِ قُلْ يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذلك إلى اللّه آلذَّكَرَيْنِ من الضأن والمعز حَرَّمَ اللّه عليكم أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ذكرا كان أو أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ جوزنا البدل من البدل، ومن متعلقة بالفعل المقدر وإلا فمن الضأن بدل من الأنعام واثنين بدل من حمولة وفرشا اهـ قاري.\rوفي السمين: في نصب اثنين وجهان، أحدهما: أنه بدل من ثمانية أزواج وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: والدليل على ثمانية أزواج ثم فسرها بقوله: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وبه صرح أبو البقاء فقال: واثنين بدل من ثمانية، وقد عطف عليه بقية الثمانية. والثاني: أنه منصوب بأنشأ مقدرا وهو قول الفارسي ومن تتعلق بما نصب اثنين اهـ.\rقوله: (بالفتح والسكون) سبعيتان. قوله: (لمن حرم ذكور الأنعام) أي بعض ذكورها. وقوله:\r(و إناثها أخرى) أي بعض إناثها، أي: مع أنه يلزمه أن يحرم كل الذكور فقط أو كل الإناث فقط، أو جميع الذكور والإناث على ما سيأتي إيضاحه اهـ شيخنا.\rقوله: آلذَّكَرَيْنِ فيه قراءتان لا غير مدا لهمزة مدا لازما بقدر ثلاث ألفات، وتسهيل الهمزة الثانية على حد قوله في الخلاصة:\rهمز أل كذا ويبدل ... مدا في الاستفهام أو يسهل\r\rاه شيخنا.\rقوله أيضا: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ الذكرين منصوب بما بعده، وسبب إيلائه الهمزة ما تقدم في قوله:\rأأنت قلت للناس: وأم عاطفة الانثيين على الذكرين، وكذلك أم الثانية عاطفة ما الموصولة على ما قبلها، فمحلها نصب تقديره أم الذي اشتملت عليه أرحام الانثيين، فلما التقت ميم أم ساكنة مع ما بعدها وجب الإدغام، أم في قوله أم كنتم شهداء منقطعة ليست عاطفة لأن بعدها مستقلة بنفسها فتقدر ببل والهمزة، والتقدير: بل أكنتم شهداء وإذ منصوب بشهداء أنكر عليهم وتهكم بهم في نسبتهم إلى الحضور في وقت الإيصاء بذلك، وبهذا إشارة إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات عندهم. وقوله:\rقُلْ آلذَّكَرَيْنِ وقوله: نَبِّئُونِي وقوله أيضا: آلذَّكَرَيْنِ ثانيا وقوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ جمل اعتراض بين المعدودات وقعت تفصيلا لثمانية أزواج. قال الزمخشري: فإن قلت كيف فصل بين المعدود وبين بعضه ولم يوال بينه؟ قلت: قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود، وذلك أن اللّه من على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على من حرمها والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتشديد للتحليل والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد اهـ سمين.\rقوله: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ أي ناشىء عن طريق الإخبار من اللّه بأنه حرم ما ذكر، وهذا أمر تعجيز إذ هم لا يعترفون بنبوة النبي، فلا طريق لهم إلى معرفة أمثال ذلك إلا بالمشاهدة والسماع، وقد نفاه بقوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ الخ اهـ خازن.","part":2,"page":454},{"id":995,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 455\rعن كيفية تحريم ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) فيه المعنى من أين جاء التحريم فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام أو الانوثة فجميع الإناث أو اشتمال الرحم فالزوجان فمن أين التخصيص؟ والاستفهام للإنكار\rوَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ بل كُنْتُمْ شُهَداءَ حضورا إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا قوله: (عن كيفية) أي جهة أو سبب تحريم الخ، هل هي الذكورة أو الأنوثة أو اشتمال الرحم.\rوقوله: (تحريم ذلك) أي ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى، أي: بعض كل كما تقدم. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (فيه) أي: في تحريم ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (المعنى من أين جاء التحريم) يشير بهذا إلى أن أم متصلة لأنه تقدم عليها همزة يطلب بها وبأم التعيين، وسميت بذلك لأن ما بعدها وما قبلها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، ولأن الاستفهام معها على حقيقته بخلاف الواقعة بعد همزة التسوية، لأن المعنى ليس على الاستفهام وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب لأنه خبر اهـ كرخي.\rقوله: (فجميع الإناث) أي حرام. وقوله: (فالزوجان) أي: كل من الذكور والإناث حرام. أي:\rيلزمكم تحريم جمع الأنعام الموجودة في الخارج ذكورها وإناثها إن قلتم إن علة تحريم بعض الذكور أو بعض الإناث هي اشتمال الرحم وذلك لأن كل ذكر من النعم وكل أنثى كذلك قد اشتمل عليه الرحم حين كان جنينا فلم خصصتم التحريم بعد النتاج ببعض الذكور تارة وبعض الإناث أخرى اهـ شيخنا.\rقوله: (فمن أين التخصيص) أي تخصيص تحريم البحيرة والوصيلة والسائبة والحام بالإبل دون بقية النعم من البقر والغنم والمعز، ذكر ذلك المعنى الفخر ونسبه لنفسه اهـ خازن. لكنه بعيد من السياق اهـ شيخنا.\rقوله: (و الاستفهام) أي: في المواضع الثلاثة آلذكرين أم الأنثيين، أما اشتملت للإنكار أي إنكار أن اللّه حرمها، والمقصود إنكار أصل فعل التحريم، لكنه أورد في صورة إنكار المفعول ليطابق ما كانوا يدعونه من التفصيل في المفعول والترديد فيه فيكون الإنكار بطريق برهاني من جهة أنه لا بد للفعل من متعلق، فإذا نفى جميع متعلقاته على التفصيل لزم نفي الفعل اهـ قاري.\rوفي أبي السعود: والاستفهام للإنكار، أي: إنكار أن اللّه سبحانه حرم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة، وإظهار كذبهم في ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى مسندين ذلك كله إلى اللّه سبحانه، وإنما عقب تفصيل كل واحد من نوعي الصغار ونوعي الكبار بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكار مع حصول التبكيت بإيراد الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة، بأن يقال: الذكور حرم أم الأناث أم ما اشتملت عليه أرحام الإناث لما في التثنية والتكرير من المبالغة في التبكيت والإلزام اهـ.\rقوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أم منقطعة وهي التي بمعنى بل، والهمزة وبل للانتقال من توبيخهم بنفي العلم عنهم المستفاد من قوله: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إذ هو أمر تعجيز، أي: لا علم لكم بذلك إلى","part":2,"page":455},{"id":996,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 456\rالتحريم فاعتمدتم ذلك لا بل أنتم كاذبون فيه فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بذلك لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)\rقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ شيئا مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بالياء والتاء مَيْتَةً بالنصب وفي قراءة بالرفع توبيخهم بنفي حضورهم وقت إيصائهم بالتحريم، والهمزة المقدرة معها للإنكار، ولذلك قال الشارح في جوابها: لا، أي لم تكونوا شهداء اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أي: هل شاهدتم اللّه حرم هذا عليكم ووصاكم به فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى اللّه تعالى اهـ.\rقوله: (حضورا) أي: حاضرين مشاهدين تحريم بعض وتحليل بعض آخر اهـ قاري.\rقوله: إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ أي، وقت أن وصاكم، أي: في زعمكم اهـ شيخنا.\rقوله: (فاعتمدتم ذلك) أي الإيصاء. وقوله: (فيه) أي في التحريم. قوله: كَذِباً (بذلك) أي: بنسبة ذلك التحريم إليه اهـ قاري.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بمحذوف حال من فاعل افترى، أي: افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم، وإنما وصفوا بعدم العلم بذلك مع أنهم عالمون بعدم صدوره عنه إيذانا بخروجهم في الظلم عن حدود النهايات اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ لا أَجِدُ الخ لما بكتهم فيما سبق وألزمهم بأن ما يقولونه في أمر التحريم كذب أمر رسوله هنا بأن يبين لهم ما حرمه عليهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ أي القرآن، وفيه إيذان بأن مناط الحل والحرمة هو الوحي لا محض العقل، اهـ أبو السعود.\rقوله: (شيئا] مُحَرَّماً أشار إلى أن محرما صفة لموصوف اهـ كرخي.\rقوله: عَلى طاعِمٍ أي أيا كان من الذكور أو من الإناث، فهذا رد لقولهم: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ [الأنعام: 139] خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: يَطْعَمُهُ من باب فهم اهـ مختار.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَكُونَ استثناء من محرما الذي هو ذات فهو منقطع إذ الكون ميتة الخ ليس من جنس الأشياء المحرمة، إذ هي ذوات اهـ شيخنا.\rوفي السموات: في هذا الاستثناء وجهان، أحدهما: أنه متصل. قال أبو البقاء: استثناء من الجنس وموضعه نصب، أي: لا أجد محرما إلا الميتة. والثاني: أنه منقطع. قال مكي: وأن يكون في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وقال الشيخ: وإلا أن يكون استثناء منقطع لأنه كون وما قبله عين، ويجوز أن يكون موضعه نصبا بدلا على لغة تميم، ونصبا على الاستثناء على لغة الحجاز. وظاهر كلام الزمخشري أنه متصل، فإنه قال: محرما أي طعاما من المطاعم التي حرمتموها، إلا أن يكون","part":2,"page":456},{"id":997,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 457\rمع التحتانية أَوْ دَماً مَسْفُوحاً سائلا بخلاف غيره كالكبد والطحال أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ حرام أَوْ إلا أن يكون فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي ذبح على اسم غيره فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء ميتة، أي: إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة. وقرأ ابن عامر في رواية: أوحى بفتح الهمزة والحاء مبنيا للفاعل اهـ.\rقوله: (بالياء والتاء) الأول ظاهر والثاني باعتبار مراعاة خبر يكون. وقوله: (مع التحتانية) صوابه مع الفوقانية، وتكون حينئذ تامة، فالقراءات ثلاثة لأنه إذا نصب ميتة جاز في الفعل الوجهان، وإذا رفع تعين في الفعل التأنيث، وعلى قراءة الرفع يكون قوله: أَوْ دَماً الخ معطوفا على المستثنى، وهو أن يكون مع ما بعده أي: إلا وجود مَيْتَةً أَوْ دَماً الخ وعلى قراءة النصب يكون معطوفا على ميتة، والمراد بالميتة هنا ما مات بنفسه لأجل عطف قوله: أَوْ فِسْقاً فإنه من أفراد الميتة شرعا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وقرأ ابن عامر إلا أن تكون ميتة بالتأنيث، ورفع ميتة يعني إلا أن توجد ميتة فتكون تامة عنده، ويجوز أن تكون الناقصة والخبر محذوف تقديره إلا أن تكون هناك ميتة. وقال أبو البقاء:\rويقرأ برفع ميتة على أن تكون تامة وهو ضعيف لأن المعطوف منصوب. قلت: كيف يضعف قراءة متواترة؟ وأما قوله: لأن المعطوف منصوب فلذلك غير لازم لأن النصب على قراءة من رفع ميتة يكون نسقا على محل أن تكون الواقعة مستثناة. تقديره: إلا أن تكون ميتة ولا دما مسفوحا وإلا لحم خنزير وقرأ ابن كثير وحمزة: تكون بالتأنيث ميتة بالنصب على أن اسم تكون مضمر عائد على مؤنث. أي:\rإلا أن تكون المأكولة ميتة، ويجوز أن يعود الضمير من تكون على محرما، وإنما أنث الفعل لتأنيث الخبر. وقرأ الباقون بالتذكير ميتة نصبا واسم يكون يعود على قوله محرما، أي: إلا أن يكون ذلك المحرم. وقدره أبو البقاء ومكي وغيرهما: إلا أن يكون المأكول أو ذلك ميتة اهـ.\rقوله: (بالنصب) أي فيهما. قوله: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً هو على قراءة العامة معطوف على خبر يكون وهو ميتة، وعلى قراءة ابن عامر وأبي جعفر يكون معطوفا على المستثنى وهو أن يكون، وقد تقدم تحرير ذلك. ومسفوحا صفة لدما، والسفح الصب، وقيل: السيلان، وهو قريب من الأول.\rوسفح يستعمل قاصرا ومتعديا. يقال: سفح زيد دمعه ودمه، أي: اهراقه وسفح هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي يقال: سفح. وفي اللازم يقال: سفوح. ومن المتعدي قوله تعالى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً فإن اسم المفعول التام لا يبنى إلا من متعد، ومن اللازم ما أنشده أبو عبيدة لكثير عزة:\rأقول ودمعي واكف عند رسمها ... عليك سلام اللّه والدمع يسفح\r\rاه سمين.\rقوله: فَإِنَّهُ أي لحم الخنزير لأنه المحدث عنه، وإن كان غيره من باقي أجزائه أولى بالتحريم، فلذلك خص اللحم بالذكر لكونه معظم المقصود من الحيوان فغيره أولى اهـ شيخنا.\rقوله: أَوْ فِسْقاً أي ذا فسق، أي معصية. فهذا من قبيل المبالغة على حد زيد عدل، إذ من المعلوم أن الفسق هو الخروج عن الطاعة والعين المحرمة ذات وصفها بالفسق مجاز، وفي زاده جعل","part":2,"page":457},{"id":998,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 458\rمما ذكر فأكله غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ له ما أكل رَحِيمٌ (145) به ويلحق بما ذكر بالسنة كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير\rوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي اليهود حَرَّمْنا كُلَّ ذِي العين المحرمة عين الفسق مبالغة في كون تناولها فسقا اهـ.\rقوله: أَوْ فِسْقاً فيه وجهان، أحدهما: أنه عطف على خبر يكون أيضا، أي: إلا أن يكون فسقا، وأُهِلَ في محل نصب لأنه صفة له كأنه قيل: أَوْ فِسْقاً مهلا به لغير اللّه وجعل العين المحرمة نفس الفسق مبالغة أو على حذف مضاف، ويفسره ما تقدم في قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: 121]. الثاني: أنه منصوب عطفا على محل المستثنى، أي: إلا أني كون ميتة أو إلا فسقا، وقوله: فَإِنَّهُ رِجْسٌ اعترض بين المتعاطفين اهـ سمين.\rقوله: فَمَنِ اضْطُرَّ أي أصابته الضرورة الداعية إلى أكل شيء مما ذكر. وقوله: (مما ذكر) أي الأمور الأربعة. قوله: غَيْرَ باغٍ أي: على مضطر آخر مثله وَلا عادٍ أي متجاوز قد الضرورة، وهذان حالان للتقيد، والتقييد بالأولى ليس لبيان أنه لو لم يوجد القيد لتحققت الحرمة المبحوث عنها، بل للتحذير من حرام آخر هو أخذ حق مضطر آخر، فإن من أخذ لحم الميتة من يد مضطر آخر وأكله فإن حرمته ليست باعتبار كونه لحم الميتة، بل باعتبار كونه حقا للمضطر الآخر، وبالثانية لتحقق زوال الحرمة المبحوث عنها قطعا. فإن التجاوز عن القدر الذي يسد الرمق حرام من حيث إنه لحم الميتة اهـ أبو السعود.\rوعبارة الشارح نفسه في سورة البقرة فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله غيره باغ خارج على المسلمين ولا عاد متعد عليهم بقطع الطريق اهـ.\rقوله: فَإِنَّ رَبَّكَ الخ جواب الشرط محذوف، أي: فلا مؤاخذة عليه، وهذا المذكور تعليل له اهـ شيخنا.\rقوله: (و يلحق بما ذكر) أي من الأمور الأربعة، وكان الأولى تقديم هذا على قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ الخ وهذا جواب عن سؤال تقديره لمحرمات غير محصورة فيما ذكر، والآية تقتضي الحصر فيه.\rوحاصل الجواب الذي أراده أن الحصر بالنسبة إلى المحرم في القرآن بدليل قوله فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ فلا ينافي أن هناك محرمات أخر بالسنة اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي خاصة لا على من عداهم من الأولين والآخرين، فهذا رد عليهم في قولهم: لسنا أول من حرمت عليهم، وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا. اهـ أبو السعود.\rقوله: حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ قال ابن عباس: هو النعامة والبعير ونحو ذلك من الدواب، وكل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل البعير والنعامة والأوز والبط. قال القتيبي: هو كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفرا على الاستعارة اهـ خازن.\rوفي السمين: وفي الظفر لغات خمس أعلاها ظفر بضم الظاء والفاء وهي قراءة العامة، وظفر بسكون العين وهي تخفيف لمضمومها، وبها قرأ الحسن في رواية أبي بن كعب والأعرج، وظفر:","part":2,"page":458},{"id":999,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 459\rظُفُرٍ وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنعام وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما الثروب وشحم الكلى إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أي ما علق بها منه أَوِ حملته الْحَوايا الأمعاء جمع حاوياء أو حاوية أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ منه هو شحم الألية فإنه أحل لهم ذلِكَ بكسر الظاء والفاء، ونسبها الواحدي لأبي السمال قراءة، وظفر: بكسر الظاء وسكون الفاء، وهي تخفيف لمكسورها. ونسبه الناس للحسن أيضا قراءة، واللغة الخامسة أظفور، ولم يقرأ بها فيما علمت، وجمع الثلاثي أظفار وجمع أظفور أظافير وهو القياس وأظافر من غير مد وليس بقياس اهـ.\rقوله: (كالإبل والنعام) أي: والأوز والبط اهـ شيخنا.\rقوله: (الثروب) جمع ثرب بسكون الراء بوزن فلس، وهو شحم رقيق يغشي الكرش والأمعاء كما في القاموس. وقوله: (و شحم الكلى) جمع كلية بضم الكاف أو كلوة كذلك اهـ شيخنا.\rوتفسير الثروب بما ذكر نظرا لمعناها اللغوي، والمراد بها هنا الشحم الذي على الكرش فقط، كما فسره به القرطبي، ولا يراد به ما يشمل الشحم الذي على الأمعاء لئلا يناقض الاستثناء في قوله:\rأَوِ الْحَوايا فإن الحوايا هي الأمعاء وشحمها حلال بمقتضى الاستثناء، فإدخاله في الثروب المحرمة يوجب التناقض في الكلام، فتلخص أن الذي حرم عليهم من الشحوم هو شحم الكرش والكلى، وأن ما عدا ذلك حلال لهما ه.\rقوله: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ما موصولة في محل نصب على الاستثناء المتصل من الشحوم، أو نكرة موصوفة والعائد على كل محذوف كما قدره بقوله: منه الشحم الذي حملته ظهورهما اهـ.\rقوله: (أي ما علق بها منه) أي الشحم. قوله: أَوِ (حملته) الْحَوايا عبارة السمين: قوله:\rأَوِ الْحَوايا في موضع رفع عطفا على ظهورهما أي: وإلا الذي حملته الحوايا من الشحم فإنه أيضا غير محرم، وهذا هو الظاهر اهـ.\rقوله: (الأمعاء) وسميت بما ذكر لأنها محتوية، أي: ملتفة كالحقة وكالحوية التي توضع على ظهر البعير ويركب عليها، أو لاحتوائها واشتمالها على الفضلات كالبعر، فإن الفضلات تستحيل في الكرش ثم تستقر في الأمعاء حتى تخرج منها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: الحوايا: قيل هي المباعز. وقيل المصارين والأمعاء. وقيل: كل ما يحويه البطن، فاجتمع واستدار. وقيل: هو الدوّارة التي في بطن الشاة اهـ.\rوفي المصباح: المعي: المصران وقصره أشهر من مده وجمعه أمعاء، مثل: عنب وأعناب.\rوجمع المدود أمعية مثل حمار وأحمرة اهـ.\rقوله: (جمع حاوياء) كقاصعاء وقواصع. وقوله: (أو حاوية) كزاوية وزوايا هذان قولان في مفرد الحوايا. وبقي ثالث وهو حوية كهدية وهدايا، ففي مفرده أقوال ثلاثة. وقال الفارسي: يصح أن يكون جمعا لكل من الثلاثة، فإن كان مفردها حاوية أو حاوياء فوزنها فواعل كضوارب، كزاوية وزوايا،","part":2,"page":459},{"id":1000,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 460\rالتحريم جَزَيْناهُمْ به بِبَغْيِهِمْ بسبب ظلمهم بما سبق في سورة النساء وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) في إخبارنا ومواعيدنا\rفَإِنْ كَذَّبُوكَ فيما جئت به فَقُلْ لهم رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة وفيه تلطف بدعائهم إلى الايمان وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عذابه إذا جاء عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)\rسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا نحن وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ وقاصعاء وقواصع، والأصل حواوي كضوارب قلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة، ثم قلبت الهمزة ياء فاستثقلت الكسرة على الياء فقلبت فتحة، فتحرك حرف العلة وهي الياء التي هي لام الكلمة بعد فتحة، فقلبت ألفا فصارت حوايا ففيه أربعة أعمال، وإن شئت قلت: قلبت الواو همزة مفتوحة فتحركت الياء وافتتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصارت همزة مفتوحة بين ألفين يشبهانها، فقلبت الهمزة ياء ففيه ثلاثة أعمال، واختلف أهل التصريف في ذلك وإن قلنا إن مفردها حوية فوزنها فعائل كطرائق والأصل حوائي، فقلبت الهمزة ياء مكسورة ثم فتحت تلك الياء ثم قلبت الياء الثانية التي هي لام الكلمة ألفا فصار حوايا، ففيه ثلاثة أعمال، فاللفظ متحد والعمل مختلف اهـ سمين.\rقوله: (و هو شحم الإلية) فهو متصل بالعصعص وهو عظم، وهذا يكون في الضأن اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وقوله: جَزَيْناهُمْ خبر والعائد محذوف قدره بقوله به. قوله: (بما سبق في سورة النساء) أي: من قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ [النساء: 155] إلى أن قال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ الخ [النساء: 160] فكانوا كلما ارتكبوا معصية من هذه المعاصي عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم، وهم ينكرون ذلك ويدعون أنها لم تزل محرمة على الأمم قبلهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (في أخبارنا ومواعيدنا) أو هو تعريض بكذبهم حيث قالوا: حرمها إسرائيل على نفسه بلا ذنب منا فنحن مقتدون به اهـ كرخي.\rقوله: (فيما جئت به) أي الذي من جملته التحليل والتحريم اهـ شيخنا.\rقوله: (حيث لم يعاجلكم الخ) أي: فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال اهـ أبو السعود.\rقوله: (و فيه تلطف بدعائهم إلى الإيمان) وحينئذ فلا يرد، كيف قال في الجواب ذلك مع أن المحل محل عقوبة، فكان الأنسب أن يقال فقل ربكم ذو عقوبة شديدة، وإنما قال بعد ذلك: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ الخ نفيا للاغترار بسعة رحمته في الاجتراء على معصيته ولئلا يغتروا برجاء رحمته عن خوف نقمته، وذلك أبلغ في التهديد اهـ كرخي.\rقوله: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ الجملة خبر ثان عن المبتدأ الذي هو ربكم، أو هي معطوفة على الاسمية برمتها. وعلى كل فهو من جملة المقول. وقوله: عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يحتمل أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على التسجيل عليهم بذلك، والأصل ولا يرد بأسه عنكم اهـ كرخي.\rقوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا الخ لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرم، أخبر اللّه عنهم بما سيقولونه عنادا وهذا إخبار من اللّه فهو صادق وقد وقع مقتضاه","part":2,"page":460},{"id":1001,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 461\rشَيْءٍ فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به قال تعالى كَذلِكَ كما كذب هؤلاء كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا عذابنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ بأن اللّه راض بذلك كما حكى عنهم في سورة النحل بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا الخ [النحل:\r35] اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي ما نصه: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي إظهارا أنهم على الحق لا اعتذارا عن ارتكاب هذه القبائح اهـ.\rقوله: لَوْ شاءَ اللَّهُ أي لو شاء عدم تحريمنا وعدم إشراكنا، وهذه المقدمة صادقة لكن مرادهم مقدمة أخرى لم يصرحوا بها هي محل كذبهم ومحل المناقشة الآتية، وهي ما قدره الشارح بقوله: (فهو راض به) اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا آباؤُنا معطوف على نار وجاز العطف لوجود الفصل بلا، فتقدير الشارح لفظ نحن تفسير لنا لا لصحة العطف. وقوله: وَلا حَرَّمْنا معطوف على ما أشركنا اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (نحن) وَلا آباؤُنا أشار إلى أن ضمير الفصل مقدر ليصح العطف على الضمير المرفوع في أشركنا، ومال في ذلك إلى ما قيل أنه يجب أن يكون الضمير المؤكد قبل حرف العطف لا بعد حرف العطف، ولكن الأكثر على الاكتفاء على المؤكد بزيادة لا وهذا على مذهب البصريين. وأما الكوفيون فيجوز عندهم من غير تأكيد ولا فصل قال ذلك هنا، وقال في النحل: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ [النحل: 35] الآية. بزيادة من دونه مرتين وبزيادة نحن، لأن الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحريم أشياء من دون اللّه فلم يحتج إلى من دونه، فحذف وتبعه في الحذف نحن طردا للتخفيف، بخلاف العبادة فإنها غير مستنكرة وإنما المستنكر عبادة شيء مع اللّه، ولا يدل لفظها على تحريم شيء كما دل عليه أشرك فلم يكن بد من تقييده بقوله من دونه وناسب استيفاء الكلام فيه بزيادة نحن وظاهر أن ذكر التحريم في آية لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا تصريح بما أفاده أشركنا اهـ.\rقوله: مِنْ شَيْءٍ من زائدة في المفعول، أي: ما حرمنا شيئا ومن دونه متعلق بحرمنا أي ما حرمنا من غير إذنه لنا في ذلك اهـ سمين.\rقوله: (قال تعالى) أي تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (كما كذب هؤلاء)، عبارة البيضاوي: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: مثل هذا التكذيب لك في أن اللّه منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم اهـ.\rوأشار بذلك إلى أن الكاف صفة لمصدر محذف: أي: كذب الذين من قبلهم تكذيبا مثل ذلك التكذيب، والإشارة إلى التكذيب المدلول عليه بقوله: لَوْ شاءَ اللَّهُ الخ اهـ زاده.\rقوله: حَتَّى ذاقُوا أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا الخ اهـ من السمين.\rقوله: مِنْ عِلْمٍ يحتمل أن يكون مبتدأ وعندكم خبر مقدم وأن يكون فاعلا بالظرف لاعتماده","part":2,"page":461},{"id":1002,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 462\rفَتُخْرِجُوهُ لَنا أي لا علم عندكم إِنْ ما تَتَّبِعُونَ في ذلك إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) تكذبون فيه\rقُلْ إن لم تكن لكم حجة فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ التامة فَلَوْ شاءَ هدايتكم لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149)\rقُلْ هَلُمَ أحضروا شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا الذي حرمتموه فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ على الاستفهام، ومن زائدة على كلا التقديرين اهـ سمين.\rقوله أيضا: مِنْ عِلْمٍ أي من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم فتخرجوه لنا أي فتظهروه لنا وتبينوه كما بينا لكم خطأ قولكم وفعلكم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَتُخْرِجُوهُ منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية الواقعة بعد النفي معنى، وهو الاستفهام الإنكاري اهـ شيخنا.\rقوله: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ جواب شرط مقدر قد قدره الشارح. قوله: الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وهي إنزال الكتب وإرسال الرسل اهـ خازن.\rقوله: (التامة) أي الكاملة التي لا نقصان فيها، أو البالغة غاية النهاية والوضوح التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها اهـ كرخي.\rقوله: فَلَوْ شاءَ (هدايتكم) أي إلى الحجة البالغة. وقوله: لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي فالمنتفي في الخارج مشيئة هداية الكل وإلا فقد هدى بعضهم اهـ خازن.\rقوله: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ هلم هنا اسم فعل بمعنى احضروا، وشهداءكم مفعول به، فإن اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم، واعلم أن هلم فيها لغتان: لغة الحجازيين ولغة التميميين.\rفأما لغة الحجاز فإنها فيها بصيغة واحدة سواء أسندت لمفرد أم مثنى أم مجموع مذكر أم مؤنث، نحو:\rهلم يا زيد يا زيدان يا زيدون يا هند يا هندان أو يا هندات، وهي على هذه اللغة عند النحاة اسم فعل لعدم تغيرها، والتزمت العرب فتح الميم على هذه اللغة وهي حركة بناء بنيت على الفتح تخفيفا، وأما لغة تميم وقد نسبها الليث إلى بني سعد فتلحقها الضمائر كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلما هلموا هلمن هلمن. وقال الفراء: يقال هلمين يا نسوة وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف، هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة وليس بشيء والتزمت العرب فيها أيضا على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في ردّ وشدّ من الضم والكسر اهـ سمين.\rقوله أيضا: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ إنما أمروا بإحضارهم لتلزمهم الحجة ويظهر ضلالهم وأنه لا متمسك لهم سوى تقليدهم، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة إليهم الدالة على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَإِنْ شَهِدُوا أي بعد مجيئهم وحضورهم، قوله: فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي: فلا تصدقهم فيما يقولون، بل بين لهم فساده، فإن تسليمه موافقة لهم في الشهادة الباطلة اهـ بيضاوي.","part":2,"page":462},{"id":1003,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 463\rبِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) يشركون\r* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ أقرأ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وقوله: فإن تسليمه الخ أي: فكان بمنزلة الشهادة فأطلق عليه اسم الشهادة استعارة صريحة أصلية، ثم اشتق منه قوله: فَلا تَشْهَدْ فيكون استعارة تبعية اهـ زاده.\rوقيل: هو مجاز مرسل من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، لأن الشهادة من لوازم التسليم. وقيل:\rهو كناية. وقيل: مشاكلة. وزاد قوله: بل بين لهم فساده لأن السكوت قد يشعر بالرضا اهـ شهاب.\rقوله: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ الخ يعني أن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى، فلا تتبع أنت أهواءهم اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عطف على الموصول قبله لتعداد صفاتهم القبيحة، وإن كان المصداق واحدا وهو مشركو العرب، وكذا يقال في قوله: وَهُمْ بِرَبِّهِمْ الخ فإنه عطف على لا يُؤْمِنُونَ والمعنى ولا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات اللّه وبين الكفر بالآخرة وبين الإشراك به اهـ أبو السعود.\rقوله: (يشركون) عبارة البيضاوي: يجعلون له عديلا انتهت.\rقوله: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ لما بين اللّه تعالى فساد مقالة الكفار فيما زعموا أن اللّه أمرهم بتحريم ما حرموه على أنفسهم، فكأنهم سألوا وقالوا: أي شيء حرم اللّه؟ فأمر اللّه عز وجل نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم: «تعالوا». تعال من الخاص الذي صار عاما وأصله أن يقول من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عم، وقيل: أصله أن تدعو الإنسان إلى مكان مرتفع وهو من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنما دعاه إلى ما فيه رفعة وشرف ثم كثر في الاستعمال، والمعنى، تعالوا وهلموا أيها القوم أتل، يعني: أقرأ ما حرم ربكم عليكم، يعني: الذي حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا شك فيه ولا ظنا ولا كذبا كما تزعمون أنتم، بل هو وحي أوحاه اللّه إلى اهـ خازن.\rقوله: أَتْلُ ما حَرَّمَ في ما هذه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف، أي الذي حرمه، والموصول في محل نصب مفعولا به. والثاني: أن تكون مصدرية، أي:\rأتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يتلى وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به، أي: أتل محرم ربكم الذي حرمه هو. والثالث: أنها استفهامية في محل نصب بحرّم بعدها، وهي معلقة لأتل. والتقدير:\rأتل أي شيء حرم ربكم وهذا ضعيف لأنه لا يعلق إلا أفعال القلوب وما حمل عليها. وأما عليكم ففيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بحرم أي: وهو اختيار البصريين. والثاني: أنه متعلق بأتل وهو اختيار الكوفيين. يعني: أن المسألة من باب الأعمال، وقد عرفت أن اختيار البصريين إعمال الثاني، واختيار الكوفيين إعمال الأول اهـ سمين.\rوحاصل ما ذكرنا في هاتين الآيتين إلى يذكرون من المحرمات عشرة أشياء بجعل وأوفوا الكيل والميزان اثنين وتسعة بجعلهما واحدا: خمسة بصيغ النهي وأربعة بصيغ الأمر، وتؤول الأوامر بالنهي لأجل التناسب اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وهذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار. وعن ابن عباس","part":2,"page":463},{"id":1004,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 464\rأَلَّا مفسرة تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ أحسنوا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ بالوأد رضي اللّه عنهما: هذه آية محكمات لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ الآيات اهـ.\rوتقدم عن غيره أن أول التوراة أول هذه السورة إلى قوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: (أن) (مفسرة) عبارة السمين: في أن أوجه، أحدها: أن أن تفسيرية لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ولا ناهية وتشركوا مجزوم بها، وهذا وجه ظاهر وهو اختيار الفراء، فإن قلت إذا جعلت أن مفسرة لفعل التلاوة هو متعلق بما حرم ربكم وجب أن يكون ما بعده منهيا عنه محرما كله كالشرك، وما بعده مما دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأوامر؟ قلت: لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعا فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه علم أن التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث العهد. قال الشيخ: وأما عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين، أحدهما: أنها ليست معطوفة على المناهي قبلها لئلا يلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حيز أن التفسيرية، بل هي معطوفة على قوله: أَتْلُ ما حَرَّمَ أمرهم أولا بأمر يترتب عليه ذكر معناه، ثم أمرهم ثانيا بأوامر، وهذا معنى واضح. والثاني: أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي وداخلة تحت أن التفسيرية، ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون أن مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه، والتقدير: وما أمركم به فحذف وما أمركم به لدلالة ما حرم عليه، لأن معنى ما حرم ربكم عليكم ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى: تعالوا أتل ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون أن تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم وفعل الأمر المحذوف، وهذا لا نعلم فيه خلافا بخلاف الجمل المتباينة بالخبر وبالاستفهام والإنشاء، فإن في جواز العطف فيها خلافا اهـ.\rالوجه الثاني: أن تكون أن ناصبة للفعل بعدها وهي وما في حيزها في محل نصب بدلا من ما حرم. الوجه الثالث: أنها الناصبة أيضا وهي وما في حيزها بدل من العائد المحذوف، إذ التقدير ما حرمه وهذا في المعنى كالذي قبله ولا على هذين الوجهين زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها في قوله تعالى: أَلَّا تَسْجُدَ [الاعراف: 12] ولئلا يعلم، فإن قلت: فما تصنع بقوله: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على أن لا تشركوا إذا جعلت أن هي الناصبة حتى يكون المعنى أتل عليكم نفي الإشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما قلت أجعل قوله:\rوَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً علة للاتباع بتقدير اللام كقوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن: 18] بمعنى ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر كأنه قيل:\rواتبعوا صراطي لأنه مستقيم أو واتبعوا صراطي إنه مستقيم. الوجه الرابع: أن تكون أن الناصبة وما في حيزها منصوب على الإغراء بعليكم، ويكون الكلام قد تم عند قوله ربكم، ثم ابتدأ فقال: عليكم أن لا تشركوا أي الزموا نفي الإشراك وعدمه، وهذا وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ضعيف","part":2,"page":464},{"id":1005,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 465\rمِنْ أجل إِمْلاقٍ فقر تخافونه نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ الكبائر كالزنا لتفكيك التركيب عن ظاهره، ولأنه يتبادر إلى الذهن. الوجه الخامس: أنها وما في حيزها في محل نصب أو جر على حذف لام العلة. والتقدير: أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا، وهذا منقول عن أبي إسحاق: الوجه السادس: أن تكون هي وما بعدها في محل نصب بإضمار فعل تقديره أوصيكم أن لا تشركوا لأن قوله وبالوالدين إحسانا محمول على أوصيكم بالوالدين وهو مذهب أبي إسحاق أيضا.\rالوجه السابع: أن تكون أن وما في حيزها في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي المحرم أن لا تشركوا، وهذا يحوج إلى زيادة لا لئلا يفسد المعنى. الوجه الثامن: أنها في محل رفع أيضا على الابتداء، والخبر الجار قبله والتقدير: عليكم عدم الإشراك ويكون الوقف على قوله ربكم كما تقدم في وجه الإغراء، وهو مذهب أبي بكر بن الأنباري فإنه قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع بعليكم كما تقول عليكم الصيام والحج. الوجه التاسع: أن تكون في موضع رفع بالفاعلية بالجار قبلها وهو ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم، والتقدير: استقر عليكم عدم الإشراك اهـ.\rقوله: مِنْ (أجل) إِمْلاقٍ من سببية متعلقة بالفعل المنهي عنه، أي لا تقتلوا أولادكم لأجل الإملاق، والإملاق الفقر في قول ابن عباس. وقيل: الجوع بلغة لخم. وقيل: الإسراف. يقال: أملق أي أسرف في نفسه، قاله محمد بن نعيم اليزيدي. وقيل: الإنفاق يقال أملق ماله أي أنفقه، قاله المنذر ابن سعيد. والإملاق الإفساد أيضا، قاله شمر. قال: وأملق يكون قاصرا ومتعديا، يقال: أملق الرجل إذا افتقر فهذا قاصر، وأملق ما عنده الدهر أي أفسده اهـ سمين.\rوفي المصباح: أملق إملاقا افتقر واحتاج، وملقت الثوب ملقا من باب قتل غسلته وملقته ملقا، وملقت له أيضا توددت له من باب تعب، وتملقت له كذلك اهـ.\rقوله: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ هذا تعليل للنهي قبله، وكان ظاهر السياق أن يقدم، ويقال: نحن نرزقهم وإياكم كما في آية الإسراء لأن الكلام في الأولاد، ولكن قدم هنا خطاب الآباء ليكون كالدليل على ما بعده. وقال: هنا من إملاق وفي الإسراء خشية إملاق. قال بعضهم: لأن هذا في الفقر الناجز فيكون خطابا للآباء الفقراء، وما في الإسراء في المتوقع فيكون خطابا للآباء الأغنياء فلعلهم كان فقراؤهم يقتلون أولادهم وأغنياؤهم كذلك اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وفي هذه الآية قدم المخاطبين، وفي الإسراء قدم ضمير الأولاد عليهم، فقال:\rنحن نرزقهم وإياكم. فقيل: للتفنن في البلاغة، وأحسن منه أن يقال الظاهر من قوله من إملاق حصول الإملاق للوالد لا توقعه وخشيته، فبدىء أولا بالعدة برزق الآباء بشارة لهم بزوال ما هم فيهم من الإملاق. وأما في آية الإسراء فظاهرها أنهم موسرون وإنما يخشون حصول الفقر، ولذلك قال: خشية إملاق، وإنما تخشى الأمور المتوقعة فبدىء فيها بضمان رزقهم فلا معنى لقتلكم إياهم، فهذه الآية تفيد النهي للآباء عن قتل الأولاد وإن كانوا متلبسين بالفقر، والأخرى عن قتلهم وإن كانوا موسرين، ولكن يخافون وقوع الفقر وإفادة معنى جديد أولى من ادعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتأكيد اهـ.\rالفتوحات الإلهية/ ج 2/ م 30","part":2,"page":465},{"id":1006,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 466\rما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي علانيتها وسرها وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ كالقود وحد الردة ورجم المحصن ذلِكُمْ المذكور وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) تتدبرون\rوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي أي بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ وهي ما فيه صلاحه حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ بأن قوله: ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ بدل اشتمال من الفواحش وتعليق النهي بقربانها، إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها، وإما لأن قربانها داع إلى مباشرتها وتوسيط النهي عنها بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقا كما وقع في سورة بني إسرائيل باعتبار أنها مع كونها في نفسها جناية عظيمة في حكم الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في حق العزل: «هذا وأد خفي» اهـ كرخي.\rقوله: ما ظَهَرَ مِنْها بأن اطلع عليها الناس. وقوله: وَما بَطَنَ بأن لم يطلع عليه إلا اللّه اهـ.\rقوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ هذا شبيه بذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأنه، لأن الفواحش يندرج فيها قتل النفس، فجرد منها هذا استعظاما له وتهويلا، ولأنه قد استثنى منه في قوله: إِلَّا بِالْحَقِ ولو لم يذكر هذا الخاص لم يصح الاستثناء من عموم الفواحش. فلو قيل في غير القرآن لا تقربوا الفواحش إلا بالحق لم يكن شيئا. وقوله: إِلَّا بِالْحَقِ في محل نصب على الحال من فاعل تقتلوا، أي: لا تقتلوها إلا ملتبسين بالحق، ويجوز أن يكون وصفا لمصدر محذوف، أي: إلا قتلا ملتبسا بالحق، وهو أن يكون القتل للقصاص أو للردة أو للزنا بشرطه، كما جاء مبينا في السنة اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا بِالْحَقِ استثناء مفرغ، أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا ملابستكم بالحق اهـ أبو السعود.\rفهذا الاستثناء راجع لقوله لا تقتلوا لا لقوله حرم، والباء للملابسة هي ومدخولها حال من الواو في تقتلوا والأولى أن قوله إِلَّا بِالْحَقِ مفعول مطلق أي إلا القتل الملتبس بالحق، يدل على هذا قول الشارح كالقود الخ، فإن القود قتل اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكُمْ مبتدأ. وقوله: المذكور أي من الأمور الخمسة. وقوله: وَصَّاكُمْ أي أمركم به خبر مبتدأ اهـ شيخنا.\rوفي أبي حيان: ذلكم إشارة إلى جميع ما تقدم، وفي لفظ وَصَّاكُمْ من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإحسان، ولما كان العقل هو مناط التكليف قال: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا اهـ.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي بالخصلة التي) هِيَ أَحْسَنُ أشار إلى أن الاستثناء مفرغ وأنه نعت مصدر، وأتى بصيغة التفضيل تنبيها على أنه يتحرى في ذلك ويفعل الأحسن، ولا يكتفي بالحسن وتخصيصه مع أن حال البالغ كذلك، لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفهم ولعظم إثمه اهـ كرخي.","part":2,"page":466},{"id":1007,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 467\rيحتلم وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ بالعدل وترك البخس لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها طاقتها في ذلك فإن أخطأ في الكيل والوزن واللّه يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في حديث وَإِذا قُلْتُمْ في حكم أو غيره فَاعْدِلُوا بالصدق وَلَوْ كانَ المقول له أو عليه ذا قُرْبى قرابة وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) بالتشديد تتعظون والسكون\rوَأَنَ قوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي لليتيم اهـ. قوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ليس غاية للنهي، إذ ليس المعنى، فإذا بلغ أشده فاقربوه، لأن هذا يقتضي إباحة أكل الولي له بعد بلوغ الصبي، بل هو غاية لما يفهم من النهي، كأنه قيل: احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه إليه اهـ أبو السعود.\rبالمعنى والأشد قيل: هو اسم مفرد لفظا ومعنى، وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه.\rوقيل: هو جمع، وعلى هذا فمفرده شدة كنعمة أو شد ككلب أو شد كضر أقوال ثلاثة فى مفرده اهـ من السمين.\rقوله: (بأن يحتلم) هذا تفسير للأشد باعتبار أول زمانه في الأحقاف تفسيره بأن يبلغ ثلاثا وثلاثين سنة، وهذا تفسير له باعتبار آخر زمانه، وذلك لأن الأشد عبارة عن قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته، وهذا مبدؤه من البلوغ وانتهاؤه إلى الثلاثة والثلاثين اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: والأشد استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال اهـ.\rقوله: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ هما الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل مصدر ثم أطلق على الآلة والميزان في الأصل مفعال من الوزن ثم نقل لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يستصبح به ويقاس، وأصل ميزان موزان ففعل به ما فعل بميقات، وقد تقدم في البقرة وبالقسط حال من فاعل أوفوا أي أوفوهما مقسطين أي ملتبسين بالقسط، ويجوز أن يكون حالا من المفعول، أي: أوفوا الكيل والميزان بالقسط أي تامين اهـ سمين.\rقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْساً الخ اعتراض جيء به بين المتعاطفين للإيذان بأن مراعاة العدل في الكيل والميزان أمر عسر، كأنه قيل: عليكم بما في وسعكم وما عداه معفو عنكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (طاقتها في ذلك) أي الإيفاء. قوله: (فإن أخطأ في الكيل) الظاهر فإن أخطأت أي النفس، ولعل التذكير باعتبار كونها شخصا اهـ قاري.\rقوله: (فلا مؤاخذة عليه) أي لا إثم، ومع ذلك يضمن ما أخطأ فيه كما كتب الفروع اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذا قُلْتُمْ أي أو فعلتم فعلا. قوله: فَاعْدِلُوا (بالصدق) أي في القول بمعنى: لا تتركوا الصدق، وأفهم أنه في الفعل أولى كما في قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ [الإسراء: 23] فلا يرد أن يقال لم خص العدل بالقول، مع أن الفعل أحوج إلى العدل، فإن الضرر الناشىء من الجور الفعلي أقوى من الضرر الناشىء من الجور القولي اهـ كرخي.\rقوله: وَبِعَهْدِ اللَّهِ مضاف لفاعله، أي ما عهد إليكم من الأمور المعدودة، أو مفعوله أي ما عهدتم اللّه من الإيمان والنذور وغيرهما اهـ. أبو السعود.\rقوله: ذلِكُمْ أي ما ذكر من الأمور الأربعة. وقوله: (وصاكم به) أي أمركم به. قوله:","part":2,"page":467},{"id":1008,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 468\rبالفتح على تقدير اللام والكسر استئنافا هذا الذي وصيتكم به صِراطِي مُسْتَقِيماً حال لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ لما كانت الخمسة المذكورة قبل قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ من الأمور الظاهرة الجلية مما يجب تعقلها وتفهمها ختمت بقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ولما كانت هذه الأربعة خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والذكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ اهـ أبو حيان.\rقوله: (و السكون) صوابه، والتخفيف إذ لا سكون هنا بل الذال مفتوحة على كلا القراءتين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وتذكرون حيث وقع يقرؤه الأخوان وعاصم في رواية حفص بالتخفيف والباقون بالتشديد، والأصل تتذكرون، فمن خفف حذف إحدى التاءين، وهل هي تاء المضارعة أو تاء التفعل خلاف مشهور، ومن ثقل أدغم التاء في الذال اهـ.\rقوله: (و أن الفتح) أي مع التشديد أو التخفيف. وقوله: (على تقدير اللام) أي لام التعليل على كل من الوجهين، فعلى التشديد يكون هذا اسم أن وصراطي خبرها، وعلى التخفيف يكون اسمها ضمير الشأن محذوفا: وهذا صراطي مبتدأ وخبر. والجملة خبرها وهذه اللام المقدرة على كل من التخفيف والتشديد متعلقة باتبعوه، أي: اتبعوه لأنه مستقيم وقوله استئنافا، ومع ذلك فيه معنى العلة لما بعده، فتلخص أن القراءات السبعية ثلاثة: الكسر واحد والفتح مع التشديد والتخفيف اهـ ملخصا من السمين.\rقوله: وَأَنَّ هذا صِراطِي هذا إشارة إلى ما ذكر في هاتين الآيتين من الأوامر والنواهي، قاله مقاتل. وقيل: الإشارة إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة اهـ أبو السعود.\rقوله: صِراطِي أي ديني مستقيما، أي: لا اعوجاج فيه، وقد تشعبت منه طرق: فمن سلك الجادة نجا ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. روى الدارقطني عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما خطا ثم قال: «هذا سبيل اللّه» ثم خط خطوطا عن يمنيه وخطوطا عن شماله ثم قال:\r«هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها» ثم قرأ هذه الآية، وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر ابن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، قال: كنا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن شماله ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: «هذا سبيل اللّه»، ثم تلا هذه الآية: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وهذه السبل تعم اليهودية والمجوسية والنصرانية وسائر أهل الملل وأهل البدع وأهل الضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلمات، وهذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد.\rقاله ابن عطية اهـ قرطبي.\rقوله: (حال) أي من صراطي مؤكدة، والعامل فيها اسم الإشارة اهـ شيخنا.","part":2,"page":468},{"id":1009,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 469\rفَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الطرق المخالفة له فَتَفَرَّقَ فيه حذف إحدى التاءين تميل بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)\rثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وثم لترتيب الأخبار تَماماً للنعمة عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ بالقيام به وَتَفْصِيلًا بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه قوله: (الطرق المخالفة) أي الأديان المخالفة له. قوله: فَتَفَرَّقَ منصوب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي، والجمهور على فتفرق بتاء خفيفة والبزي بتشديدها، فمن خفف حذف إحدى التاءين ومن شدد أدغم وبكم يجوز أن يكون مفعولا به في المعنى أي فتفرقكم، ويجوز أن يكون حالا أي وأنتم معها اهـ سمين.\rقوله: (دينه) أي الذي هو الإسلام اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكُمْ إشارة إلى ما مر من اتباع دينه وترك غيره من الأديان اهـ شيخنا.\rقوله: وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كرر التوصية على سبيل التوكيد، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف وأمر تعالى باتباعه ونهى عن سيئات الطريق، ختم ذلك بالتقوى التي هي اتقاء النار، إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية اهـ أبو حيان.\rقوله: (و ثم لترتيب الأخبار) وذلك لأن إيتاء موسى كان قبل نزول القرآن، ولو كانت للترتيب الحقيقي لأفاد الترتيب عكس الواقع، والمعنى قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 151] وهو كذا وكذا إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثم أخبركم بأنا آتينا موسى الكتاب الخ اهـ خازن.\rوفي السمين: وأصل ثم المهلة في الزمان، وقد تأتي للمهلة في الأخبار. وقال الزجاج: هو معطوف على أتل تقديره أتل ما حرم ثم أتل ما أتينا. وقيل: هو عطف على وصاكم به. قال: فإن قلت كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة لم يزل يتواصاها كل أمة على لسان نبيها فكأنه قيل ذلكم وصيناكم به يا بني آدم قديما وحديثا، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب. وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ [الأنبياء: 72]. وقال ابن عطية مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه قال: ثم مما وصيناه أنا آتينا موسى الكتاب، ويدل على ذلك أن موسى عليه السّلام متقدم بالزمن على محمد عليه السّلام.\rوقال ابن القشيري: في الكلام محذوف تقديره ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد عليه السّلام. وقال الشيخ: والذي ينبغي أن تستعمل للعطف كالواو من غير اعتبار مهلة، وبذلك قال بعض النحويين. قلت: وهذه استراحة وأيضا لا يلزم من انتفاء المهلة انتفاء الترتيب، وكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مهلة على أن الغرض في هذه الآية عدم الترتيب في الزمان اهـ.\rقوله: تَماماً يجوز فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله، أي لأجل تمام نعمتنا.\rالثاني: أنه حال من الكتاب أي حال كونه تماما. الثالث: أنه نصب على المصدر لأنه بمعنى آتيناه إيتاء تمام لا نقصان. الرابع: أنه حال من الفاعل أي متممين. الخامس: أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه ويكون على حذف الزوائد، والتقدير: أتممناه إتماما، وعلى الذي متعلق بتماما أو بمحذوف على أنه صفة، هذا إذا لم يجعل مصدرا مؤكدا فإن جعل مصدرا تعين جعله صفة اهـ سمين.","part":2,"page":469},{"id":1010,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 470\rفي الدين وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ أي بني إسرائيل بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث يُؤْمِنُونَ (154)\rوَهذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ يا أهل مكة بالعمل بما فيه وَاتَّقُوا الكفر لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أنزلناه ل\rأَنْ لا تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ اليهود والنصارى مِنْ قَبْلِنا قوله: عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ أي فعل الحسن بسبب القيام به، فأحسن لازم هذا ما تقتضيه عبارته.\rوعبارة أبي السعود: أي على من أحسن القيام به كائنا من كان اهـ.\rوعليها فالباء في كلام الشارح زائدة في المفعول اهـ. والقيام بالكتاب عبارة عن العمل بأحكامه اهـ.\rقوله: (أي بني إسرائيل) أي المدلول عليهم بذكر موسى وإيتاء الكتاب اهـ أبو السعود.\rقوله: بِلِقاءِ رَبِّهِمْ متعلق بيؤمنون قدم عليه للفاصلة. قوله: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ يجوز أن يكون كتاب وأنزلناه مبارك أخبارا عن اسم الإشارة عند من يجيز تعدد الخبر مطلقا، أو بالتأويل عند من لم يجوز ذلك، ويجوز أن يكون أنزلناه ومبارك وصفين لكتاب عند من يجيز تقديم الوصف غير الصريح على الوصف الصريح اهـ سمين.\rقوله: مُبارَكٌ أي كثير المنافع دينا ودنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاتَّبِعُوهُ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وكونه منزلا من جنابه تعالى مستتبعا للمنافع الدينية والدنيوية موجب لاتباعه أي إيجاب اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاتَّقُوا (الكفر) الأولى واتقوا مخالفته أي الكتاب. قوله: أَنْ تَقُولُوا فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله. قال الشيخ: والعامل فيه أنزلناه مقدرا مدلولا عليه بنفس أنزلناه الملفوظ به. تقديره: أنزلناه أن تقولوا. قال: ولا جائر أن يعمل فيه أنزلناه الملفوظ به، لئلا يلزم الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، وذلك أن مبارك إما صفة وإما خبر وهو أجنبي على كل من التقريرين، وهذا الذي منعه هو ظاهر قول الكسائي والفراء. والثاني: أنه مفعول به والعامل فيه واتقوا أي واتقوا قولكم كيت وكيت. وقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ معترض جار مجرى التعليل وعلى كونه مفعولا من أجله يكون تقديره عند البصريين على حذف مضاف تقديره كراهية أَنْ تَقُولُوا وعند الكوفيين يكون تقديره لأن لا تقولوا، كقوله تعالى: رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم، وهذا مطرد عندهم في هذا النحو اهـ سمين.\rقوله: أَنْ تَقُولُوا أي يوم القيامة، قوله: إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ أي جنسه المنحصر في التوراة والزبور والإنجيل لقولهم من قبلنا، وأما الصحف فليست من جنس الكتاب في العرف اهـ ابن الكمال.\rوتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان اشتهرا من بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام اهـ أبو السعود.\rوقال ابن الكمال: دل هذا على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب، إذ لو كانوا منهم لكانوا ثلاث طوائف اهـ.","part":2,"page":470},{"id":1011,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 471\rوَإِنْ مخففة واسمها محذوف أي إنا كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ قراءتهم لَغافِلِينَ (156) لعدم معرفتنا لها إذ ليست بلغتنا\rأَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ لجودة أذهاننا فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ بيان مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لمن اتبعه فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ أعرض عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ أي أشده بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) قوله: (أي أنا) كُنَّا هذا التقدير يقتضي أن أن المخففة الداخلة على الفعل الناسخ عاملة، مع أن المنصوص أنها لا تعمل. وفي السمين: وإن كنا أن مخففة من الثقيلة عند البصريين وهي هنا مهملة، ولذلك وليتها الجملة الفعلية، وقد تقدم تحقيق ذلك. وقال الزمخشري: بعد أن قرر مذهب البصريين كما قدمته، والأصل أنه كنا عن دراستهم فقدر لها اسما محذوفا هو ضمير الشأن كما يقدر النحويون ذلك في أن بالفتح إذا خففت، وهذا مخالف لنصوصهم وذلك لأنهم نصوا على أن بالكسر إذا خففت ووليتها الجملة الفعلية الناسخة، فلا عمل لها لا في ظاهر ولا في ضمير اهـ.\rوفي الشهاب: قوله: إنه كنا كذا قدره الزمخشري وليس مراده تقدير معمول للمخففة كما صرح به السفاقسي، بل لما بين أن أصلها الثقيلة أتى معها بالضمير لأنها لا تكون إلا عاملة، وكذا من قدرها بأنا كنا فلا يرد قول أبي حيان أن المخففة إذا لزمت اللام في أحد جزأيها ووليها الناسخ فهي مهملة اهـ.\rقوله: (قراءتهم) أي لكتبهم أي لم نفهم معنى ما قرؤوه لأنه بالعبرانية أو السريانية أو غيرهما، ونحن عرب لا نعرف إلا العربية اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: درست العلم درسا من باب قتل ودراسة أيضا اهـ.\rقوله: (الغافلين) يعني لا علم لنا بما في كتابهم لأنه ليس بلغتنا، والمراد بهذه الآية إثبات الحجة على أهل مكة وقطع عذرهم بإنزال القرآن بلغتهم. والمعنى: وأنزلنا القرآن بلغتهم لئلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا بلسانهما ولغتهما فلم نفهم ما فيهما، فقطع اللّه عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم اهـ خازن.\rقوله: أَوْ تَقُولُوا منفي أيضا أي انقطع اعتذاركم بهذا أيضا أي لا عذر لكم في القيامة بقولكم:\rلَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الخ وذلك لأنه قد أنزل عليكم الآن أي في الدنيا في حياتكم اهـ.\rقوله: لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ أي إلى الحق الذي هو المقصد الأقصى أو إلى ما فيه من الأحكام.\rقوله: فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ متعلق بمحذوف تنبىء عنه الفاء الفصيحة، إما معلل به أي لا تعتذروا بذلك فقد جاء الخ، وإما شرط له أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم، فقد حصل ما فرضتم وجاءكم بينة الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ الخ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن مجيء القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذب به، أي: وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أعرض) عَنْها بين بهذا أن صدف لازم وقد يستعمل متعديا، ولذا قال أبو السعود:\rوصدف أي صرف الناس عنها اهـ.","part":2,"page":471},{"id":1012,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 472\rهَلْ يَنْظُرُونَ ما ينتظر المكذبون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي أمره بمعنى عذابه أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أي علاماته الدالة على الساعة يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وهي طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ وفي القاموس: وصدف عنه يصدف أعرض وصدف فلانا صرفه كأصدفه اهـ.\rوفي المختار: صدف عنه أعرض وبابه ضرب وجلس وأصدفه عن كذا أماله عنه اهـ.\rقوله: سُوءَ الْعَذابِ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي العذاب السيء اهـ أبو السعود.\rقوله: بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الباء سببية وما مصدرية أي بسبب إعراضهم أو صدهم اهـ من الكرخي.\rوعبارة الخازن: بسبب إعراضهم أو تكذيبهم بآيات اللّه اهـ.\rقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ يعني أهل مكة وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظرين شبهوا بالمنتظر اهـ بيضاوي.\rقوله: (ما كانوا منتظرين) الخ أي لإنكارهم يوم القيامة وما فيه. وقوله: (شبهوا) الخ فالمعنى لا يقع بهم شيء إلا هذه الأمور والحصر إضافي أي إلا الإيمان فلا يحصل لهم أصلا اهـ شيخنا.\rفهذا استئناف مسوق لبيان أنهم لا يتأتى منهم الإيمان اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالتاء والياء) أي لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي اهـ أبو السعود.\rقوله: (الدالة على الساعة) أي قربها وهي عشرة، أي: العلامات الكبرى عشرة وهي: الدجال، والدابة، وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر اهـ من أبي السعود والخازن.\rقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ الجمهور على نصب اليوم وناصبه ما بعد لا، وهذا على أحد الأقوال الثلاثة في لا، وهي: أنها يتقدم معمول ما بعدها عليها مطلقا أو لا يتقدم مطلقا أو يفصل بين أن يكون جواب قسم فيمتنع أو لا فيجوز اهـ سمين.\rقوله: (و هي طلوع الشمس الخ) تفسير للبعض في الموضعين، وكأن التأنيث في المبتدأ بالنظر لمرجع الضمير وهي الآيات. وفي نسخة وهو طلوع وهي ظاهرة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي طلوع الشمس من مغربها) كما روى الطبراني بسنده عن أبي ذر، قال: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوما: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس إذا غربت»، قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: «إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي فارجعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم، فإذا أراد اللّه أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول: يا رب إن مسيري بعيد، فيقول لها: «اطلعي من حيث غربت» فقال الناس: يا رسول اللّه! فقال: «آية تلك الليلة أن تطول قدر ثلاث ليال، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ثم يقضون صلاتهم والميل مكانه لم","part":2,"page":472},{"id":1013,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 473\rآمَنَتْ مِنْ قَبْلُ الجملة صفة نفس أَوْ نفسا لم تكن كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً طاعة أي لا تنفعها ينقض، ثم يأتون مضاجعهم فينامون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب» اهـ خازن.\rقوله: (كما في حديث الصحيحين) في البخاري مع شرحه للقسطلاني ما نصه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها» ويؤيد ما رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور عن الحاكم أبي عبد اللّه: أن أول الآيات ظهور الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى ولو لم ينفع الكفار إيمانهم أيام عيسى لما صار الدين واحدا، فإذا قبض عيسى ومن معه من المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها أي الأرض وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أي لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل طلوعها إيمانه بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع، لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة، وذلك لا يفيد شيئا كما قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: 85] اهـ.\rوفي الخازن: قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبل اللّه منه العمل بعد نزول الآية، كما قبل منه قبل ذلك، فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية فلا يقبل منه، لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل اللّه عذابا على أمة فآمنوا وصدقوا فإنه لا ينفعهم ذلك لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة اهـ.\rقوله: لا يَنْفَعُ نَفْساً أي نفسا كافرة أو مؤمنة عاصية، ويكون قوله: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ راجعا للأولى. وقوله: أَوْ كَسَبَتْ راجعا للثانية، ويكون التقدير لا ينفع نفسا إيمانها ولا توبتها من المعاصي، ففي الكلام حذف دل عليه قوله: أَوْ كَسَبَتْ ويكون فاعل لا ينفع أمر أن حذف منهما واحد، وقد أشار الشارح للحذف بقوله: أي لا تنفعها توبتها اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ قَبْلُ أي قبل إتيان الآيات اهـ خازن.\rقوله: (الجملة) أي جملة لم تكن آمنت من قبل صفة نفس وجاز الفصل بالفاعل بين الموصوف وصفته، لأنه ليس بأجنبي لاشتراك الموصوف، وهو المفعول والفاعل في العامل وهذا هو المشهور، ويصح كونها حالا من الهاء أو مستأنفة اهـ كرخي.\rقوله: أَوْ (نفسا لم تكن) كَسَبَتْ الخ أشار بهذا إلى معطوف على المنفي، وظاهر الآية يدل للمعتزلة القائلين بأن الإيمان المجرد عن الطاعة لا ينفع صاحبه، وذلك لأن قوله: لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لم تكن كسبت فيه خيرا صريح في ذلك، ورد بأن في الآية حذفا كما تقدم تقديره، فمبنى الشبهة على أن الفاعل واحد هو المذكور فقط ومبنى ردها على أنه متعدد المذكور وآخر مقدر اهـ شيخنا.","part":2,"page":473},{"id":1014,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 474\rتوبتها كما في الحديث قُلِ انْتَظِرُوا أحد هذه الأشياء إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) ذلك\rإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ قوله: (كما في الحديث) روي عن صفوان بن غسان المرادي، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «باب من قبل المغرب مسيرة عرضه، أو قال: يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة خلقه اللّه تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» أخرجه الترمذي، وقال:\rحديث حسن صحيح اهـ خازن.\rوفي كتاب الإشاعة في أشراط الساعة ما نصه: ومن الأشراط العظام طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذان أيهما سبق الآخر فالآخر على أثره، فإن طلعت الشمس قبل خرجت الدابة ضحى يومها أو قريبا من ذلك، وإن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد. وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير وتطوى الدواوين وتجف الأقلام لا يزاد في حسنة ولا ينقص من سيئة ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا». وروى ابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله اللّه غاية لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع فلا يؤذن لهما فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس وهم أهل الأوراد وحملة القرآن فينادي بعضهم بعضا فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، ثم يرسل اللّه جبريل إلى الشمس والقمر فيقول: إن الرب تعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فترجع الشمس والقمر فيطلعان من مغربهما، فبينما الناس كذلك يتضرعون إلى اللّه عز وجل والغافلون في غفلاتهم، إذ نادى مناد ألا إن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما، فينظر الناس وإذا بهما أسودان كالعكمين لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة: 9] والعكم بالكسر الغرارة، أي كالغرارتين العظيمتين، ومنه يقال لمن يشد الغرائر على الجمل العكام فيرتفعان مثل البعيرين المقرنين ينازع كل منهما صاحبه استباقا، ويتصايح أهل الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها وتضع كل ذات حمل حملها، فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة، وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة، فإذا بلغت الشمس والقمر وسط السماء جاءهما جبريل فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب فيغربهما في باب التوبة، ثم يرد المصراعين فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك يحب أن يفعله قبل ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك فذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها الآية. قال عمر بن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: وما باب التوبة يا رسول اللّه؟ فقال:\r«يا عمر خلق اللّه بابا للتوبة جهة المغرب فهو من أبواب الجنة مصراعان من ذهب مكلّلان بالدر والجواهر ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلقه اللّه تعالى إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عبد من عباد اللّه توبة نصوحا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب». قال أبي بن كعب: يا","part":2,"page":474},{"id":1015,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 475\rرسول اللّه! فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا؟ فقال: «يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النار ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس بعد ذلك فيلحون على الدنيا ويعمرونها ويجرون فيها الأنهار ويغرسون فيها الأشجار ويبنون فيها البنيان ثم تمكث الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، السنة منها بقدر شهر والشهر بقدر جمعة والجمعة بقدر يوم واليوم بقدر ساعة». وروى أبو نعيم عن ابن عمر قال: لا تقوم الساعة حتى تعبد العرب ما كان يعبد آباؤها عشرين ومائة عام بعد نزول عيسى ابن مريم وبعد الدجال اهـ.\rويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئا إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقى مؤمن ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل المرأة في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد وأفضلهم من يقول لو تنحيت عن الطريق لكان أحسن، فيكونون على مثل ذلك حتى لا يولد لأحد من نكاح، ثم يعقم اللّه النساء ثلاثين سنة ويكون كلهم أولاد زنا شرار الناس عليهم تقوم الساعة. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه قال: إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر إلهي مرني أسجد لمن شئت. فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدنا ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا هو الوقت المعلوم اهـ.\rقوله: قُلِ انْتَظِرُوا أمر تهديد على حد اعملوا ما شئتم وذلك لأنهم لا ينتظرون ما ذكر لإنكارهم للبعث وما بعده. وقوله: إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ذلك أي وقوعه بكم لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة اهـ أبو السعود.\rأي فنرى سوء العاقبة لكم وحسنها لنا. وفي الخازن: قل انتظروا ما وعدتم به من مجيء الآيات، ففيه وعيد وتهديد أنا منتظرون يعني ما وعدكم ربكم من العقاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا. قال بعض المفسرين: وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من المشركين والمكذبين بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الوقت، والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا، فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة اللازمة أبدا. وقيل: إن قوله: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ المراد منه الكف عن قتال الكفار، فتكون الآية منسوخة بآية القتال. وعلى القول الأول تكون الآية محكمة اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ الخ اختلف في المراد من هذه الآية فقال الحسن: هم جميع المشركين لأن بعضهم عبد الأصنام. وقالوا: هذه شفعاؤنا عند اللّه. وبعضهم عبد الملائكة، وقالوا:\rإنهم بنات اللّه وبعضهم عبد الكواكب، فكان هذا هو تفريق دينهم. وقال مجاهد: هم اليهود. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: هم اليهود والنصارى لأنهم تفرقوا فكانوا فرقا مختلفة. وقال أبو هريرة في هذه الآية: هم أهل الضلالة من هذه الأمة، وروى ذلك مرفوعا، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة»، أسنده الطبري. فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة وألا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة. وروى أبو داود والترمذي عن معاوية","part":2,"page":475},{"id":1016,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 476\rباختلافهم فيه فأخذوا بعضه وتركوا بعضه وَكانُوا شِيَعاً فرقا في ذلك وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به وهم اليهود والنصارى لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ فلا تتعرض لهم إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة».\rوعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة». قالوا: ومن هي يا رسول اللّه؟\rقال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» أخرجه الترمذي اهـ خازن.\rقوله: (فأخذوا بعضه) أي كما تقدم حكايته عنهم في سورة النساء بقوله: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: 150] وتقدم تفسيره هناك اهـ شيخنا.\rقوله: شِيَعاً (فرقا) تتشيع كل فرقة إلى إمام منهم، أي تتبعه وتقتدي به اهـ شيخنا.\rقوله: (في ذلك) أي في دينهم. قوله: (أي تركوا دينهم الخ) فيه أنهم أخذوا بعضه، فكيف يقال إنهم تركوه ويجاب بأن ترك البعض ترك للكل اهـ أبو السعود.\rوالمعنى تركوا جملته وترك الجملة يصدق بترك بعضها. قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي من القتال، أي لست مأمورا به، وهذا ما جرى عليه الشارح بدليل قوله: (و هذا منسوخ الخ) وفي السمين:\rقوله لست منهم في شيء في محل رفع خبر إن ومنهم خبر ليس، إذ به تتم الفائدة وعلى هذا فيكون في شيء متعلقا بالاستقرار الذي تعلق به منهم، أي لست مستقرا منهم في شيء أي من تفريقهم، ويجوز أن يكون في شيء هو الخبر ومنهم حال مقدمة عليه، وذلك على حذف مضاف أي لست في شيء كائن من تفريقهم، فلما قدمت الصفة نصب حالا اهـ.\rوالمعنى: لست من البحث عن تفريقهم والتعرض لمن يعاصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة.\rوقيل: من قتالهم في شيء سوى تبليغ الرسالة وإظهار شعائر الدين الحق الذي أمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخا بآية السيف اهـ أبو السعود.\rوهذا على قول من يقول إن المراد من الآية اليهود والنصارى، ومن قال المراد من الآية أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة، قال: معناه لست منهم في شيء، أي أنت منهم بريء وهم منك برآء.\rتقول العرب: إن فعلت كذا فلست منك ولست مني، أي كل واحد منا بريء من صاحبه اهـ خازن.\rقوله: (فلا تتعرض لهم) أي بالقتل، قوله: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ الخ عبر عن إظهاره بالتنبىء لما بينهما من الملابسة في أنهما سببا للعلم إيذانا بأنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته، أي يظهره لهم على رؤوس الاشهاد اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هذا) أي قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ منسوخ. قوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي جاء بها يوم القيامة كما ذكره في سورة النمل، والباء للملابسة، أي جاء يوم القيامة ملتبسا بها ومتصفا بأنه قد عملها في الدنيا، وهذا استئناف لبيان قدر جزاء العالمين والتقييد بالعشرة لأنه أقل مراتب التضعيف،","part":2,"page":476},{"id":1017,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 477\rاللَّهِ يتولاه ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ في الآخرة بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف\rمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي لا إله إلا اللّه فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي جزاء عشر حسنات وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي جزاؤه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) ينقصون من جزائهم شيئا\rقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويبدل من محله دِيناً قِيَماً مستقيما مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)\rقُلْ إِنَ وإلا فقد جاء الوعد به إلى سبعين وإلى سبعمائة وإلى أنه بغير حساب اهـ شيخنا.\rقوله: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي جزاء عشر الخ، فهو على حذف مضاف كما أشار له الشارح.\rوالأمثال جمع مثل وهو مذكر، فكان قياسه عشرة بالتاء على القاعدة. وأشار الشارح إلى الجواب عن هذا بأن المعدود محذوف وهو غير موصوف أمثالها كما قدره بقوله: عشر حسنات والحسنات مؤنث فناسب تذكير العدد اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إنما ذكر العدد والمعدود مذكر لأوجه منها: أن الإضافة لها تأثر كما تقدم غير مرة، فاكتسب المذكر من المؤنث التأنيث فأعطي حكم المؤنث في سقوط التاء من عدده، ولذلك يؤنث فعله حالة إضافته لمؤنث نحو: يلتقطه بعض السيارة، ومنها أن هذا المذكر عبارة عن مؤنث فروعي المراد منه دون اللفظ، ومنها أنه روعي الموصوف المحذوف، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ثم حذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه وترك العدد على حاله، ومثله: مررت بثلاثة نسابات ألحقت التاء في عدد المؤنث مراعاة للموصوف المحذوف إذ الأصل بثلاثة رجال نسابات. وقال أبو علي: اجتمع هنا أمران كل منهما يوجب التأنيث، فلما اجتمعا قوي التأنيث: أحدهما أن الأمثال في المعنى حسنات فجاز التأنيث، والآخر أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرا اهـ.\rقوله: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وهي الشرك، فمن فسر الحسنة بما ذكر فسر السيئة بالشرك إذ غاية ما هنا قولان كما في الخازن، هذا والآخر حمل الحسنة والسيئة على العموم. قال الخازن: وهذا أولى لأن حمل اللفظ على العموم أولى اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي إن جوزي اهـ شيخنا.\rوالكلام على حذف المضاف كما ذكره بقوله: (أي جزاؤه) ولفظة مثل مقحمة، والمعنى: فلا يجزى إلا جزاءها لا أزيد منه، وإنما ذكر لفظ المثل مشاكلة لما قبله اهـ.\rقوله: وَهُمْ أي العاملون لا يظلمون. قوله: (ينقصون من جزائهم) هذا بالنظر إلى الثواب، أي: ولا يزادون في العقاب شيئا، فالظلم يكون بأحد أمرين: نقص الثواب وزيادة العقاب. والشق الثاني صرح به غير الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي الخ شروع في بيان ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعون أنهم عليه مع أنهم فارقوه بالكلية، أي قل: إنني أرشدني ربي بالوحي وبما نصب من الآيات التكوينية إلى صراط الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و يبدل من محله) أي محل إلى صراط، ومحله النصب لأنه المفعول الثاني، وهدى","part":2,"page":477},{"id":1018,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 478\rصَلاتِي وَنُسُكِي عبادتي من حج وغيره وَمَحْيايَ حياتي وَمَماتِي موتي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162)\rلا يتعدى تارة بإلى كما هنا وتارة بنفسه كما في قوله: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 20] اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: دينا قيما نصبه من أوجه، أحدها: أنه مصدر على المعنى، أي: هداني هداية دين قيم، أو على إضمار عرفني دينا قيما، أو الزموا دينا. وقال أبو البقاء: إنه مفعول ثان لهداني وهو غلط، لأن المفعول الثاني هو المجرور بإلى فاكتفى به. وقال مكي: إنه منصوب على البدل من محل إلى صراط اهـ وقيما نعت. قوله: (مستقيما) أي لا عوج فيه. وقوله: ملة بدل من دينا. وقوله:\rحنيفا حال من إبراهيم، وكذا قوله: وما كان الخ فهو عطف حال على أخرى اهـ شيخنا.\rوهذا رد على الذين يدعون أنهم على ملته من أهل مكة واليهود اهـ أبو السعود.\rقوله: حَنِيفاً الأصل في الحنيف المائل عن الضلالة إلى الاستقامة، والعرب تسمي كل من اختتن أو حج حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم اهـ خازن.\rوفي القاموس: الحنيف كأمير الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه وكل من حج أو كان على دين إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم، وتحنف عمل عمل الحنيفية أو اختتن أو اعتزل عبادة الأصنام إليه مال اهـ.\rوفي المختار: الحنيف المسلم وتحنف الرجل أي عمل عمل الحنيفية. ويقال: احتنف. ويقال:\rأحنف أي اعتزل الأصنام وتعبد اهـ.\rقوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي أعيد الأمر لأن المأمور به متعلق بفروع الشرائع، وما سبق متعلق بأصولها اهـ أبو السعود.\rوهذا غير ظاهر لأن كون الصلاة وما بعدها للّه من قبيل الأصول لا الفروع كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: (عبادتي الخ) أي فهو عطف عام على خاص.\rقوله: وَمَحْيايَ وَمَماتِي بفتح الأول وسكون ياء الثاني وبالعكس قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: قرأ نافع ومحياي بسكون ياء المتكلم، وفيها الجمع بين ساكنين، والباقون بالفتح، وفتح الياء من مماتي نافع وسكنها الباقون اهـ.\rوفي الشهاب: وقراءة نافع وإن كان فيه الجمع بين ساكنين، إلا أنه نوى فيها الوقف فلهذا جاز التقاؤهما اهـ.\rقوله: لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قدره بعضهم إخلاصها للّه، وبعضهم مخلوقة للّه والأولى التوزيع بأن يقدر الأمران معا الإخلاص بالنظر للعبادة والخلق بالنظر للحياة والممات فتأمل. قوله: (في ذلك) أي المذكور من الأمور الأربعة. قوله: (أي التوحيد) أي أو الإخلاص. قوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ هذا بيان لمسارعته إلى امتثال الأمر، وأن ما أمر به ليس من خصائصه بل الكل مأمورون به يقتدي به من أسلم منهم فيه اهـ أبو السعود.","part":2,"page":478},{"id":1019,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 479\rشَرِيكَ لَهُ في ذلك وَبِذلِكَ أي التوحيد أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) من هذه الأمة\rقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا إلها أي لا أطلب غيره وَهُوَ رَبُ مالك كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ذنبا إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ تحمل نفس وازِرَةٌ آثمة وِزْرَ نفس أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ قوله أيضا: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي المنقادين للّه. ولما أورد أن المسلمين بهذا المعنى تقدم عليه كثير منهم من الأنبياء وأممهم أجاب عنه الشارح بأن المراد الأولية النسبية اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي ما نصه: فإن قيل: أو ليس إبراهيم والنبيون قبله؟ قلنا عنه جوابان، أحدهما: أنه أولهم من حيث إنه مقدم عليهم في الخلق وفي الجواب يوم ألست بربكم. ثانيهما: أنه أول المسلمين من أهل ملته اهـ. قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك أَغَيْرَ اللَّهِ الخ وذلك أن الكفار قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ارجع إلى ديننا اهـ خازن.\rوفي الخطيب: وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم اهـ.\rقوله: (أي لا أطلب غيره) أشار به إلى أن الاستفهام للنفي وغير مفعول به لأبغي، وحينئذ فنصب ربا على التمييز كما صرح به الكرخي أو القرطبي، وهذا غير متعين بل يجوز جعله حالا. وقوله: إلها عطف بيان على ربا تفسيرا له هو هكذا ثابت في بعض النسخ وساقط من بعض آخر. قوله: وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ أي فكيف يكون المملوك شريكا لمالكه اهـ.\rقوله: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ الخ وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا، ولنحمل خطاياكم إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا، فقوله: وَلا تَكْسِبُ الخ رد لقولهم المذكور بالمعنى الأول، وقوله: وَلا تَزِرُ الخ رد لقولهم المذكور بالمعنى الثاني اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا عَلَيْها الظاهر أنه أي هذا الجار والمجرور حال، أي: إلا حالة كون ذنبها عليها من حيث عقابه، أي: مستعليا عليها بالمضرة أو حالة كونه مكتوبا عليها لا على غيرها، أي: لا تكسب ذنبا من الذنوب إلا حالة كونه عليها بأحد المعنيين السابقين، هذا غاية ما يفهم في إعراب هذا الظرف اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ الخ أي ولا غير وازرة أيضا، فلا تحمل نفس طائعة أو عاصية ذنب غيرها، وإنما قيد في الآية بالوازرة موافقة لسبب النزول وهو أن الوليد بن المغيرة كان يقول للمؤمنين اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم وهو وازر وآثم إثما كبيرا اهـ.\rقوله: وِزْرَ (نفس) أُخْرى فإذا كان الوزر مضافا إليها مباشرة أو تسببا كالأمر به والدلالة عليه فعليها وزر مباشرتها له وتسببها فيه، كما قال: وليحملن أثقالهم الخ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة الآية. وكذا ما ورد من حمل سيئات المظلوم على الظالم والمديون ونحو ذلك كخبر «من عمل سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فلا يرد ما قيل إن هذا مناف لنحو قوله تعالى:\rوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ [العنكبوت: 13] الآية. ولخبر «من عمل سيئة» الحديث اهـ كرخي.\rقوله: بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي من الأديان والملل. قوله: خَلائِفَ الْأَرْضِ الإضافة على معنى في كما أشار له الشارح، وقوله جمع خليفة كصحيفة وصحائف فهذا من قبيل قوله:","part":2,"page":479},{"id":1020,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 480\rتَخْتَلِفُونَ (164)\rوَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضا فيها وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ بالمال والجاه وغير ذلك لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم فِي ما آتاكُمْ أي أعطاكم إياه ليظهر المطيع منكم والعاصي إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (165) بهم.\rوالمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد\rاهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والخلائف جمع خليفة ككرائم جمع كريمة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة اهـ.\rوفي المصباح: والخليفة أصله خليف بغير هاء، لأنه بمعنى الفاعل دخلته الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة. ويقال: خليفة آخر بالتذكير، ومنهم من يقول خليفة أخرى بالتأنيث، ويجمع باعتبار أصله على خلفاء، مثل: شريف وشرفاء، وباعتبار اللفظ على خلائف اهـ.\rقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ الخ يعني أنه تعالى خالف بين أحوال عباده، فجعل منهم الحسن والقبيح والغني والفقير والشريف والوضيع والعالم والجاهل والقوي والضعيف. وهذا التفاوت ليس لأجل العجز عن المساواة بينهم أو الجهل أو البخل، فإنه منزه عن ذلك، وإنما هو لأجل الابتلاء، والامتحان، وهو قوله: لِيَبْلُوَكُمْ الخ أي: ليعاملكم معاملة المبتلي والمختبر، وهو أعلم بأحوال عباده منهم اهـ خازن.\rقوله: (و غير ذلك) كالشرف والقوة. قوله: (أعطاكم) أي من المال والجاه والفقر أيكم يشكر وأيكم يصبر اهـ كرخي.\rقوله: سَرِيعُ الْعِقابِ (لمن عصاه) أي لأن ما هو آت قريب أو سريع التمام عند إرادته تعالى لتعاليه عن استعمال المبادي والآلات. والمعنى: سريع العقاب إذا جاء وقته فلا يرد كيف قال سريع العقاب، مع أنه حليم والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. وقال هنا: باللام في الجملة الثانية فقط. وقاله في الأعراف: باللام المؤكدة في الجملتين لأن ما هنا وقع بعد قوله: مَنْ جاءَ الخ وقوله: وَهُوَ الَّذِي فأتى باللام المؤكدة في الجملة الثانية فقط ترجيحا للغفران على سرعة العقاب، وما هناك وقع بعد قوله وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ [الأعراف: 165]، وقوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة: 65 والأعراف: 166] فأتى باللام في الجملة الأولى لمناسبة ما قبلها، وفي الثانية تبعا للام في الأولى اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ جعل خبر إن في هذه الآية من الصفات الذاتية الواردة على بناء المبالغة وأكده باللام، وجعل خبر إن السابقة صفة جارية على غير من هي له للتنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغ فيهما، وعلى أنه معاقب بالعرض مسامح في العقوبة اهـ أبو السعود.\rوقوله: بالذات يعني أن مغفرته ورحمته لا تتوقف على شيء. وقوله: بالعرض يعني أن عقابه لا يكون إلا بعد صدور ذنب، فهذا معنى الذات والعرض اهـ شهاب.\rبعونه تعالى تم الجزء الثاني من الفتوحات الإلهية ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف.","part":2,"page":480},{"id":1021,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 3\rالمجلد الرابع\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يوسف مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة\rالر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن، والإضافة بمعنى من الْمُبِينِ (1) المظهر للحق من الباطل\rإِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ يا بسم اللّه الرحمن الرّحيم لما ختمت سورة هود بقوله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ [هود: 120] الخ ذكرت هذه السورة بعدها لأنها من أنباء الرسل وقد ذكر أولا ما لقي الأنبياء من قومهم، وذكر في هذه ما لقي يوسف من إخوته ليعلم ما قاسوه من أذى الأجانب والأقارب، فبينهما أتم المناسبة، والمقصود تسلية النبي بما لاقاه من أذى الأقارب والأباعد اهـ شهاب.\rوفي الخازن وسبب نزول هذه السورة ما رواه الضحاك عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فأنزل اللّه هذه السورة اهـ.\rوفي الخطيب واختلف في سبب نزول هذه السورة، فعن سعيد بن جبير أنه قال: لما أنزل القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكان يتلوه على قومه فقالوا: يا رسول اللّه لو قصصت علينا، فنزلت هذه السورة فتلاها عليهم، فقالوا: يا رسول اللّه لو حدثتنا، فنزل قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً [الزمر:\r23] فقالوا: لو ذكرتنا فنزل أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ [الحديد 16]. وعن ابن عباس أنه قال: سألت اليهود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف فنزلت السورة اهـ.\rوسورة: مبتدأ ومكية خبر أول ومائة الخ خبر ثان قوله: (هذه الآيات) أي آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة اهـ خازن.\rقوله: (المظهر للحق الخ) أي فهو من أبان المتعدي، وسيأتي في قوله: عَدُوٌّ مُبِينٌ* أنه من اللازم. وفي الخازن: المبين أي البين حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه، وقال الزجاج: مبين للحق من الباطل والحلال من الحرام، فهو من أبان بمعنى أظهر، وقيل: إنه بيّن فيه قصص الأولين وشرح أحوال المتقدمين اهـ.\rقوله: (من الباطل) متعلق بالمظهر على تضمينه معنى المميز اهـ.\rقوله: قُرْآناً يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون بدلا من ضمير أنزلناه أو حالا موطئة منه،","part":4,"page":3},{"id":1022,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 4\rأهل مكة تَعْقِلُونَ (2) تفهمون معانيه\rنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا بإيحائنا إِلَيْكَ والضمير في أنزلناه على هذين القولين يعود على الكتاب، وقيل: قرآنا مفعول به، والضمير في أنزلناه ضمير المصدر، وعربيا نعت للقرآن، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من الضمير في قرآنا إذا تحمل ضميرا يعني إذا جعلناه حالا مؤولا بمشق أي: أنزلناه مجتمعا في حال كونه عربيا، والعربي منسوب للعرب، لأنه نزل بلغتهم، وواحد العرب عربي: كما أن واحد الروم رومي اهـ سمين.\rواختلف العلماء هل يمكن أن يقال في القرآن شيء غير عربي؟ قال أبو عبيدة: ومن قال فيه شيء غير عربي فقد أعظم على اللّه القول، واحتج بهذه الآية: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا.\rوروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن فيه من غير العربي مثل سجيل والمشكاة وأليم واستبرق ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح المختار، لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب إن شاء اللّه، ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل، لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة، فظهر بهذا البيان صحة القولين، وأمكن الجمع بينهما اهـ خازن.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ علة لإنزاله بهذه الصفة أي أنزلناه مجموعا أو مقروءا بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه أو تستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أن قصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء اهـ بيضاوي.\rقوله: (تفهمون معانيه) أي لأنه نازل بلغتكم.\rقوله: نَحْنُ نَقُصُ من باب رد، والمصدر قصصا بالفك وقصا بالادغام، وفي المصباح:\rقصصت الخبر قصا من باب قتل حدثته على وجهه، والاسم القصص بفتحتين، وقصصت الأثر تتبعته اهـ.\rوفي البيضاوي: القصص هنا بمعنى المفعول كالنقص والسلب بمعنى المنقوص والمسلوب اهـ.\rقوله: أَحْسَنَ الْقَصَصِ مفعول مطلق أي قصصا أحسن القصص، والمفعول به هذا القرآن، فقد تنازع فيه نقص وأوحينا، فأعمل الثاني وأضمر الثاني في الأول، ثم حذف لكونه فضلة، والتقدير نقصه أي القرآن اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وهذا القرآن يجوز فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أن ينتصب على المفعول به بأوحينا والثاني: أن تكون المسألة من باب التنازع أعني بين نقص وبين أوحينا، فإن كلا منهما يطلب هذا القرآن، وتكون المسألة من إعمال الثاني، وهذا إنما يتأتى على جعلنا أحسن منصوبا على المصدر، ولم يقدر لنقص مفعولا محذوفا. وفي انتصاب أحسن وجهان، أحدهما: أن يكون منصوبا على المفعول به، وذلك إذا جعلت القصص مصدرا واقعا موقع المفعول كالخلق بمعنى المخلوق، أو جعلته فعلا بمعنى مفعول كالقبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض، أي: نقص عليك أحسن الأشياء المقتصة. والثاني: أن يكون منصوبا على المصدر المبين إذا جعلت القصص مصدرا غير مراد","part":4,"page":4},{"id":1023,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 5\rهذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ مخففة أي وإنه كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) اذكر\rإِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعقوب يا أَبَتِ بالكسر دلالة على ياء الإضافة المحذوفة والفتح دلالة على ألف محذوفة به المفعول، ويكون المقصوص على هذا محذوفا أي نقص عليك أحسن الاقتصاص، وأحسن يجوز أن يكون أفعل تفضيل على بابه، وأن يكون لمجرد الوصف بالحسن، ويكون من باب إضافة الصفة لموصوفها أي القصص الحسن اهـ.\rوفي الخازن: أصل القصص في اللغة من قص الخبر إذا تتبعه، وإنما سميت الحكاية قصة، لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا، والمعنى نحن نبين لك أخبار الأمم السالفة أحسن البيان. وقيل: المراد خصوص قصة يوسف، وإنما كانت أحسن القصص لما فيها من الحكم والنكت وسير الملوك والمماليك والعلماء ومكر النساء والصبر على الأذى والتجاوز عنه أحسن التجاوز، وغير ذلك الفوائد الشريفة. قال خالد بن معدان: سورة يوسف، وسورة مريم تتفكه بهما أهل الجنة في الجنة، وقال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها اهـ.\rقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الباء سببية متعلقة بنقص، وما مصدرية أي بسبب إيحائنا اهـ سمين.\rقوله: وَإِنْ كُنْتَ الجملة حال، وقوله: (أي وأنه) أي: والشأن، وقوله: لَمِنَ الْغافِلِينَ أي: عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط اهـ بيضاوي.\rقوله: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ الخ في العامل في إذ أوجه، أظهرها أنه منصوب يقال يا بني أي قال يعقوب يا بني وقت قول يوسف له كيت وكيت، وهذا أسهل الوجوه إذ فيه ابقاء إذ على كونها ظرفا ماضيا، وقيل: الناصب له الغافلين، قال مكي: وقيل هو منصوب بنقص أي نقص عليك وقت قوله:\rكيت وكيت، وهذا فيه إخراج إذ عن المضى وعن الظرفية وإن قدرت المفعول محذوفا أي: نقص عليك الحال وقت قوله: (لزم إخراجها عن المضي) وقيل: هو منصوب بضمير، أي اذكر، وقيل: هو منصوب على أنه بدل من أحسن القصص بدل اشتمال. قال الزمخشري: لأن الوقت يشتمل على القصص وهو المقصوص اهـ سمين.\rويوسف اسم عبراني، ولذلك منع من الصرف، وعاش يوسف من العمر مائة وعشرين سنة، وعاش أبوه يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وعاش جده إسحاق مائة وثمانين سنة، وعاش جده إبراهيم مائة وخمسا وسبعون ذكره السيوطي في التحبير قوله: (بالكسر) أي كسر تاء التأنيث اللفظي التي هي عوض عن ياء المتكلم المحذوفة، وأصله يا أبي فحذفت الياء وأتى بالتاء عوضا عنها، ونقلت كسرة ما قبل الياء وهو الباء للتاء ثم فتحت الباء على القاعدة في فتح ما قبل تاء التأنيث، وقوله: والفتح والأصل عليه يا أبي بكسر الباء وفتح الياء ففتحت الباء ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها: ثم حذفت الألف وعوض عنها تاء التأنيث، وفتحت للدلالة على أن أصلها الألف المنقلبة عن الياء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: يا أَبَتِ قرأ ابن عامر بفتح التاء، والباقون بكسرها، وهذه التاء عوض من ياء المتكلم، ولذلك لا يجوز الجمع بينهما إلا ضرورة، وهذا أي تعويض تاء التأنيث عن ياء المتكلم","part":4,"page":5},{"id":1024,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 6\rقلبت عن الياء إِنِّي رَأَيْتُ في المنام أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ تأكيد لِي مختص بلفظين يا أبة يا أمة، ولا يجوز في غيرهما من الأسماء لو قلت يا صاحبة لم يجز البتة، وممن نص على كونها للتأنيث سيبويه، فإنه قال: سألت الخليل عن التاء في يا أبة فقال: هي بمنزلة التاء في خالة وعمة يعني أنها للتأنيث، ويدل على كونها للتأنيث أيضا كتبهم إياها هاء وقياس من وقف بالتاء أن يكتبها تاء كبنت وأخت. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز لحوق تاء التأنيث بالمذكر؟ قلت:\rكما جاز نحو قولك حمامة ذكر وشاة ذكر ورجل ربعة وغلام يفعة. قلت: يعني أنها جيء بها لمجرد تأنيث اللفظ كما في الألفاظ المستشهد بها، ثم قال الزمخشري: فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟ قلت: لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أن كل واحد منها زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره. قلت: وهذا قياس بعيد لا يعمل به عند الحذاق، فإنه يسمى الشبه الطردي يعني أنه شبه في السورة اهـ.\rقوله: إِنِّي رَأَيْتُ (في المنام) أي فتنصب مفعولين، الأول: أحد عشر، والثاني: ساجدين، وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فرأى أن أحد عشر كوكبا نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر فسجدوا له، وكان سن يوسف إذا ذاك اثنتي عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل:\rسبع سنين، والمراد بالسجود تواضعهم له ودخولهم تحت أمره، وقيل: المراد حقيقة السجود، لأنه كان التحية فيما بينهم السجود. قال ابن عباس: بين رؤيا يوسف هذه وبين تحققها بمصر واجتماعه بأبويه وأخوته أربعون سنة، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة، وقال النووي: قال المازني: مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن اللّه يخلق في القلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا كان تلك الاعتقادات تسر خلقها اللّه بغير حضرة الشيطان، وإذا كانت تغم خلقها بحضرته، فهذا معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان» وليس معناه أن الشيطان يفعل شيئا اهـ خازن.\rوفي الخطيب: وعن أبي قتادة قال: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:\r«الرؤيا الصالحة من اللّه، فإذا رأى أحدكم ما يحبه فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم وشرها فإنها لا تضره».\rوعن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من اللّه فليحمد اللّه عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ باللّه من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره».\rوعن أبي رزين العقيلي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها سقطت» قال: وأحبسه قال: «و لا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا» وأضيفت الرؤيا المحبوبة للّه إضافة تشريف بخلاف الرؤية المكروهة وإن كانتا جميعا من خلق اللّه تعالى وتدبيره وإرادته ولا فعل للشيطان فيها، ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها، فيستحب إذا رأى الشخص في منامه ما يحب أن يحدث به من يحب، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به، وليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من شرها وليتفل ثلاثا وليتحول عن جنبه الآخر فإنها لا تضره، فإن اللّه تعالى جعل هذه","part":4,"page":6},{"id":1025,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 7\rساجِدِينَ (4) جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء\rقالَ يا بُنَيَّ لا الأسباب سببا للسلامة من المكروه كما جعل الصدقة سببا لوقاية المال. قال الحكماء: لأن الرؤية الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤية الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين. قالوا: والسبب فيه أن رحمة اللّه تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمن طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وأتم، ولهذا لم تظهر رؤية يوسف عليه السّلام إلا بعد أربعين سنة، وهو قول أكثر المفسرين. وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون حين اجتمع عليه أبواه وإخوته وخروا له ساجدين اهـ.\rقوله: أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وهي: جريان. والطارق. والذيال. وقابس.\rوعمودان. والفليق. والمصبح. والصروخ. والفرع. ووثاب. وذو الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له اهـ بيضاوي.\rوقوله: (جريان) بفتح الجيم وكسر الراء المهملة وتشديد الياء التحتية منقول من اسم طرف القميص، وقابس بقاف وموحدة وسين مقتبس النار، وعمودان تثنية عمود، والفليق نجم منفرد، والمصبح ما يطلع قبل الفجر، والفرع بفاء وراء مهملة ساكنة وعين نجم عند الدلو، ووثاب بتشديد المثلثة سريع الحركة، وذو الكتفين تثنية كتف نجم كبير. وهذه نجوم غير مرصودة خصت بالرؤيا لغيبتهم عنه اهـ شهاب.\rقوله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ يحتمل وجهين.\rأحدهما: أنها جملة كررت للتوكيد لما طال الفصل بالمفاعيل كررت كما كررت أنكم في قوله:\rأَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [المؤمنون: 35] كذا قاله الشيخ، وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللّه تعالى.\rوالثاني: أنه ليس بتأكيد، وإليه نحا الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: ما معنى تكرار رأيتهم؟\rقلت: ليس بتكرار إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له كأن يعقوب عليه السّلام قال له عند قوله إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: كيف رأيتها سائلا عن حال رؤيتها؟ فقال:\rرَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ.\rقلت: وهذا أظهر لأنه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد أو التأسيس فحمله على الثاني أولى اهـ سمين.\rقوله: (جمع) أي ساجدين بالياء والنون أي بصيغة جمع العقلاء للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء، وهذا كثير شائع أنه إذ لابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فإنه يعطى حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة والمقاربة، كقوله تعالى في صفة الأصنام: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: 198] وكقوله: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل: 18] اهـ كرخي.\rقوله: قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ الخ فهم يعقوب من رؤياه أن اللّه يصطفيه لرسالته ويفوقه","part":4,"page":7},{"id":1026,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 8\rتَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً يحتالوا في هلاكك حسدا لعلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمس أمك والقمر أبوك إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) ظاهر العداوة\rوَكَذلِكَ كما رأيت يَجْتَبِيكَ يختارك رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا وَيُتِمُ على إخوته فخاف عليه حسدهم اهـ بيضاوي.\rقوله: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً كاد يتعدى بنفسه كما في قوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً [هود: 55] وعدى هنا باللام لتضمنه معنى فعل يتعدى بها، ولذا قال الشارح: يحتالوا في هلاكك. قال الزمخشري: فإن قلت هلا قال فيكيدوك كما قال فكيدوني؟ قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون أفيد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو فيحتالوا لك، ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر وكيدا: مفعول به أي يصنعوا لك كيدا أي أمرا يكيدونك به اهـ سمين.\rقوله: (و الشمس أمك الخ) هذا قول ابن جريح. وقال قتادة: الشمس أبوه والقمر أمه، وفي الخازن: وكانت النجوم في التأويل إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه والقمر أمه في قول قتادة: وقال السدي: القمر خالته لأن أمه راحيل كانت قد ماتت، وقال ابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر اهـ.\rولم يوجه قول قتادة ولعله لأن الشمس أقوى إشراقا وضياء وتفسيرها بالأب أنسب لأنه نبي رسول. وعبارته أي الخازن عند قوله: (آوى إليه أبويه) نصها: قال أكثر المفسرين: هو أبوه يعقوب وخالته ليا، وكانت أمه قد ماتت في نفاس بنيامين، وقال الحسن: هو أبوه وأمه وكانت حية بعد، وقيل إن اللّه أحياها ونشرها من قبرها حتى تسجد ليوسف تحقيقا لرؤياه والأول أصح اهـ.\rقوله: (ظاهر العداوة) فهو من اللازم.\rقوله: وَكَذلِكَ (كما رأيت) الأظهر كما اجتباك لهذه الرؤية. وفي البيضاوي: وكذلك أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤية الدالة على شرف وعز وكمال نفس يجتبيك ربك للنبوة والملك أو لأمور عظام، والاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك اهـ.\rوفي الخازن: واجتباء اللّه العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعي من العبد، وذلك مختص بالأنبياء وببعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين اهـ.\rقوله: وَيُعَلِّمُكَ مستأنف ليس داخلا في حيز التشبيه والتقدير وهو يعلمك، والأحاديث جمع تكسير، فقيل لواحد ملفوظ به وهو حديث، ولكنه شذّ جمعه على أحاديث، وله نظائر في الشذوذ كأباطيل وأفاظيع وأعاريض في باطل وفظيع وعريض، وزعم أبو زيد أن لها واحدا مقدرا وهو أحدوثة ونحوه، وليس باسم جمع، لأن هذه الصيغة مختصة بالتكسير، وإذا كانوا قد التزموا ذلك فيما لم يصرح له بمفرد من لفظه نحو: عباديد وشماطيط وأبابيل ففي أحاديث أولى اهـ سمين.\rقوله: (تعبير الرؤيا) تفسير للتأويل والأحاديث فالمراد بالرؤيا ما يرى في النوم، وسمي أحاديث لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة، وأحاديث الشيطان والنفس إن كانت كاذبة اهـ بيضاوي.","part":4,"page":8},{"id":1027,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 9\rنِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ أولاده كَما أَتَمَّها بالنبوة عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ (6) في صنعه بهم\r* لَقَدْ كانَ فِي خبر يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ وهم أحد عشر آياتٌ عبر لِلسَّائِلِينَ (7) عن خبرهم اذكر\rإِذْ قالُوا أي بعض إخوة يوسف قوله: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة. أما نعمة الدنيا؛ فالإكثار من الأولاد، والخدم والأتباع، والتوسع في المال، والجاه، والجلالة في قلوب الخلق، وحسن الثناء، والحمد. وأما نعمة الآخرة؛ فالعلوم الكثيرة، والأخلاق الفاضلة اهـ كرخي.\rوقوله: عَلَيْكَ يجوز أن يتعلق بيتم، وأن يتعلق بنعمته، وكرر على في قوله: وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ليمكن العطف على الضمير المجرور، كما هو مذهب البصريين، وقد تقدم بيانه اهـ سمين.\rقوله: وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ لم يقل بالنبوة كسابقه ولاحقه لعله للخلاف فيهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ يجوز أن يكونا بدلا من أبويك أو عطف بيان أو على إضمار أعني اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ الأول إشارة إلى قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: 124]، والثاني: إشارة إلى أنه تعالى مقدس عن العبث، فلا يضع النبوة إلا في نفس قدسية، فإن قلت: هذه البشارات التي ذكرها يعقوب هل كان قاطعا بصحتها أم لا، فإن كان قاطعا بصحتها فكيف حزن على يوسف، وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله، وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه، وكيف قال لإخوته أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون مع علمه أن اللّه سينجيه ويبعثه رسولا؟ وإن قلنا إنه عليه الصلاة والسّلام ما كان عالما بهذه الأحوال، فكيف قطع بها، وكيف حكم بوقوعها جزما من غير تردد؟ فالجواب: قال ابن الخطيب: لا يبعد أن يكون قوله: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ مشروطا بأن لا يكيدوه، لأن ذكر ذلك قد تقدم، وأيضا فيبعد أن يقال إنه عليه السّلام كان قاطعا بأن يوسف سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضائق الشديدة ثم يتخلص منها ويصل إلى تلك المناصب، وكان خوفه بهذا السبب، ويكون معنى قوله: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ الزجر عن التهاون في حقه، وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه اهـ خازن.\rقوله: (و هم أحد عشر) وهم: يهوذا، وروبيل، وشمعون، ولاوي، وريالون، ويشجر، وهؤلاء من بنت خالة يعقوب ليا تزوجها يعقوب أولا، فلما توفيت تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف. وقيل: جمع بينهما ولم يكن الجمع محرما حينئذ، وأربعة آخرون: دان، ويفآلى، وجاد، وآشر من سريتين زلفة وبلهة اهـ بيضاوي.\rوقول الجلال أحد عشر بيان لأخوته، وإدخال بنيامين فيهم، لأن له مدخلا في القصة في الجملة، وإن لم يكن له مدخل في قوله: إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ الخ، فلم يحضر هذه الواقعة بخصوصها. هكذا يستفاد من أبي السعود فلا تنافي بين قول الشارح أحد عشر، وقول البيضاوي: عشر لأنه نظر للذين صدر منهم الحسد والالقاء في البئر والبيع اهـ شيخنا.\rقوله: آياتٌ لِلسَّائِلِينَ أي وغيرهم، ففيه اكتفاء، وذلك أن اليهود لما سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن","part":4,"page":9},{"id":1028,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 10\rلبعضهم لَيُوسُفُ مبتدأ وَأَخُوهُ شقيقه بنيامين أَحَبُ خبر إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ جماعة إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ خطأ مُبِينٍ (8) بيّن بإيثارهما علينا\rاقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً أي قصة يوسف، وقيل: سألوا عن انتقال أولاد يعقوب من أرض كنعان إلى أرض مصر، فذكر قصة يوسف مع إخوته، فوجدوها مطابقة لما في التوراة فعجبوا منه، فعلى هذا تكون هذه القصة دالة على نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأن ما أتى به وحي سماوي وعلم قدسي أوحاه اللّه إليه وعرفه به، ومعنى آياتٌ لِلسَّائِلِينَ عبر للمعتبرين، فإن هذه القصة تشتمل على أنواع من العبر والمواعظ والحكم، فمنها رؤيا يوسف وما حقق اللّه فيها، ومنها: حسد إخوته له وما آل إليه أمرهم، ومنها: صبر يوسف على ما فعلوا به وما آل إليه أمره من الملك، ومنها: حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ المراد، وغير ذلك من الآيات اهـ خازن.\rقوله: (أي بعض إخوة يوسف) المراد بالإخوة هنا العشرة غير يوسف وبنيامين كما في الخازن، وقوله: لَيُوسُفُ اللام موطئة للقسم تقديره واللّه ليوسف الخ اهـ من الخازن.\rقوله: (بنيامين) بكسر الباء وصحح بعضهم فتحها ففيه الوجهان اهـ شهاب.\rوهو أصغر من يوسف.\rقوله: أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا أفعل تفضيل، وهو مبني من حب المبني للمفعول وهو شاذ، وإذا بنيت أفعل التفضيل من مادة الحب والبغض تعدى إلى الفاعل المعنوي بإلى، وإلى المفعول المعنوي باللام أو بقي. فإذا قلت: زيد أحب إليّ من بكر كان معناه أنك تحب زيدا أكثر من بكر، فالمتكلم هو الفاعل، وكذلك إذا قلت هو أبغض إليّ منه كان معناه أنت المبغض وإذا قلت: زيد أحب لي من عمرو، أو أحب في منه كان معناه إن زيدا يحبني أكثر من عمرو، وعلى هذا جاءت الآية الكريمة فإن الأب هو فاعل المحبة واللام في ليوسف لام الابتداء أفادت توكيد المضمون بالجملة. وقوله:\rأَحَبُ خبر المثنى، وإنما لم يطابق لما عرفت من حكم أفعل التفضيل، والواو في ونحن عصبة للحال، فالجملة بعدها في محل نصب على الحال، والعصبة ما زاد على عشرة. وعن ابن عباس ما بين عشرة وأربعين، وقيل: الثلاثة نفر، فإذا زادوا إلى تسعة فهم رهط، فإذا بلغوا العشرة فصاعدا فعصبة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل: من عشرة إلى خمسة عشر. وقيل: ستة وقيل: تسعة. والمادة تدل على الإحاطة من العصابة لاحاطتها بالرأس اهـ سمين.\rوقوله: (و هو شاذ) وعليه يشكل وقوعه في القرآن إلا أن يجاب بأنه شاذ قياسا فصيح استعمالا لوروده في أفصح الفصيح تأمل. قوله: (بإيثارهما علينا) أي فمرادهم الخطأ في أمر الدنيا وما يصلحها، فيقولون: نحن أنفع له من يوسف فهو مخطىء في صرف محبته إليه، لأنا أكبر منه سنا، وأشد قوة، وأكثر منفعة، فنقوم بمصالحه من أمر دنياه وإصلاح أمر مواشيه، وليس مرادهم من الضلال الضلال عن الدين إذ لو أرادوا ذلك لكفروا اهـ خازن.\rقوله: اقْتُلُوا يُوسُفَ الخ لما قوي الحسد فيهم قالوا لا بد من تبعيد يوسف عن أبيه، وذلك لا يحصل إلا بأحد أمرين: إما القتل، وإما التغريب إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه تفترسه","part":4,"page":10},{"id":1029,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 11\rبأرض بعيدة يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ بأن يقبل عليكم ولا يلتفت لغيركم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي بعد قتل يوسف أو طرحه قَوْماً صالِحِينَ (9) بأن تتوبوا\rقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهودا لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ الأسود، أو يموت في تلك الأرض البعيدة اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم، فتشاوروا في كيده اهـ.\rفإن قلت: الذي فعله إخوة يوسف بيوسف هو محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، وكذلك نسبة أبيهم إلى الضلال وهو من محض العقوق وهو من الكبائر أيضا، وكل ذلك قادح في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، فما الجواب عنه؟ قلت: لأن هذه الأفعال إنما صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم، والمعتبر في عصمة الأنبياء هو وقت حصول النبوة لا قبلها. وقيل: كانوا وقت هذه الأفعال مراهقين غير بالغين ولا تكليف عليهم قبل البلوغ، فعلى هذا لم تكن هذه الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء عليهم السّلام اهـ خازن.\rوفي الكرخي: فإن قلت: كيف قالوا ذلك وهم أنبياء؟ قلنا: لم يكونوا أنبياء على الصحيح، وبتقدير أنهم كانوا أنبياء فإنما قالوا ذلك قبل نبوتهم. فالجواب: بأن ذلك من الصغائر أو بأنهم قالوه في صغرهم ضعيف اهـ.\rوقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم هذا على جرائم كثيرة من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة وترك العهد والكذب مع أبيهم، وقد عفا اللّه عن ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة اللّه. وقال بعض أهل العلم: عزموا على قتله وعصمهم اللّه رحمة بهم، ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعا وكل ذلك قبل أن نبأهم اللّه اهـ.\rقوله: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً في نصبه ثلاثة أوجه، أحدهما: أن يكون منصوبا على إسقاط الخافض أي في أرض كقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16] وإليه ذهب الحوفي وابن عطية. الثاني: النصب على الظرفية قال الزمخشري: أي أرض منكورة مجهولة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها واخلائها من الناس، ولأنها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة. والثالث:\rأنها مفعول ثان، وذلك أن يضمن اطرحوه معنى انزلوه، وأنزلوه يتعدى لاثنين قال تعالى: أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً [المؤمنون: 29] وتقول: أنزلت زيدا الدار، والطرح: الرمي، ويعبر به عن الاقتحام في المخاوف. ويخل لكم: جواب الأمر وفيه الأدغام والاظهار، وقد تقدم تحقيقهما عند قوله تعالى:\rيَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ [آل عمران: 85] اهـ سمين.\rقوله: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ المراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه اهـ كرخي.\rقوله: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ الخ وذلك أنهم لما علموا أن الذي عزموا عليه من الكبائر والذنوب قالوا: نتوب من هذا الفعل ونكون من الصالحين في المستقبل اهـ خازن.\rقوله: (بأن تتوبوا) وقيل: صالحين مع أبيكم يصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم اهـ بيضاوي.","part":4,"page":11},{"id":1030,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 12\rوَأَلْقُوهُ اطرحوه فِي غَيابَتِ الْجُبِ مظلم البئر، وفي قراءة بالجمع يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ المسافرين إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك\rقالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى قوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ الخ أي فلم ير هذا القائل القتل، ولا طرحه في أرض خالية قفراء، بل في بئر تشرب منها المارة فإنه أقرب لخلاصه اهـ شهاب.\rفمحصل ذلك أنه اختار خصلة ثالثة هي أرفق بيوسف من تينك الخصلتين. قوله: (هو يهودا) بدال مهملة وأصله بمعجمة بالعبرانية، لكن تصرفت فيه العرب فأهملوها اهـ شيخنا.\rوقال قتادة: هو روبيل وهو ابن خالته، وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه، فنهاهم عن قتله وقال: القتل كبيرة عظيمة، والأصح أن قائل هذه المقالة هو يهودا لأنه كان أقربهم إليه سنا اهـ خازن.\rقوله: (مظلم البئر) أي ما أظلم منه أي قعره. قال الهروي: والغيابة سد أو طاق في البئر قريب الماء يغيب ما فيه عن العيون. وقال الكلبي: الغيابة تكون في قعر الجب، لأن أسلفه واسع ورأسه ضيق، فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه. وقال الزمخشري: هي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله، والجب البئر التي لم تطو، وسمي بذلك إما لكونه محفورا في جبوب الأرض أي ما غلظ منها، وإما لأنه قطع في الأرض، ومنه الجب في الذكر اهـ سمين.\rوفي القرطبي: وجمع بين الغيابة والجب، لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين. قيل هو بئر بيت المقدس، وقيل: هو بأردن. وقال وهب بن منبه، ومقاتل: هو على ثلاثه فراسخ من منزل يعقوب اهـ.\rقوله: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ وذلك لأن هذا الجب كان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين، والالتقاط أخذ الشيء من الطريق أو من حيث لا يحتسب، ومنه اللقطة يعني يأخذه بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى فيستريحوا منه اهـ خازن.\rوالسيارة جمع سيّار أي المبالغ في السير اهـ خطيب.\rوفي المختار: والسيارة القافلة اهـ.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ فيه إشارة إلى ترك الفعل، فكأنه قال: لا تفعلوا شيئا من القتل والتغريب، وإن عزمتم على الفعل ولا بدّ فافعلوا هذا القدر إي إلقاءه في البئر اهـ خازن.\rقوله: قالُوا يا أَبانا الخ مبني على مقدمات محذوفة، وذلك أنهم قالوا أولا ليوسف اخرج معنا إلى الصحراء إلى مواشينا فنستبق ونصيد، وقالوا له: سل أباك أن يرسلك معنا، فسأله فتوقف يعقوب، فقالوا له: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا الخ. وما: مبتدأ. ولك خبرها. أي أي شيء ثبت لك. وقوله: لا تَأْمَنَّا حال، وقوله: وَإِنَّا الخ حال من الحال اهـ شيخنا.\rقوله: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحركة واتفقوا أيضا على ادغامها مع الاشمام اهـ خطيب.\rوفي أبي السعود: ومن الشواذ ترك الإدغام اهـ.","part":4,"page":12},{"id":1031,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 13\rيُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) لقائمون بمصالحه\rأَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً إلى الصحراء يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالنون والياء فيهما ننشط ونتسع وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12)\rقالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا أي ذهابكم وفي السمين: وقرأ العامة تأمنا بالإخفاء وهو عبارة عن تضعيف الصوت بالحركة والفصل بين النونين، لأن النون تسكن رأسا فيكون ذلك اخفاء لا إدغاما، وقرأ بعضهم ذلك بإشمام، وهو عبارة عن ضم الشفتين إشارة إلى حركة الفعل مع الإدغام الصريح، كما يشير إليه الواقف وفيه عسر كبير. قالوا:\rوتكون الإشارة إلى الضمة بعد الإدغام وقبل كماله، وقرأ أبو جعفر بالإدغام الصريح من غير إشمام، وقرأ الحسن ذلك بالإظهار مبالغة في بيان إعراب الفعل وللمحافظة على حركة الإعراب، واتفق الجمهور على الاخفاء أو الاشمام كما تقدم تحقيقه اهـ.\rقوله: (لقائمون بمصالحه) عبارة الخازن: المراد بالنصح هنا القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، والمعنى وإنا لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا لأبيهم أرسله معنا. فقال يعقوب: إني ليحزنني أن تذهبوا به، فحينئذ قالوا:\rما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ، ثم قالوا أَرْسِلْهُ مَعَنا الخ اهـ.\rقوله: غَداً أي في غد فهو منصوب على الظرفية، والغد اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (بالنون والياء فيهما) أي في نرتع ونلعب سبعيتان. أي: قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بمثناة تحتية على إسناد الفعل ليوسف، والباقون بنون المتكلم إسنادا للكل، والرتع التمتع في أكل الفواكه ونحوها، واللعب بالاستباق والانتضال تمرينا لقتال الأعداء لا للهو، وسماه لعبا لشبهه به، كما أشار إليه في التقرير فلا يرد كيف قالوا ذلك مع أنهم كانوا بالغين عاقلين وأنبياء أيضا على قول، وكيف رضي يعقوب بذلك منهم على قراءة النون اهـ كرخي.\rورتع من باب نفع كما في المصباح. قوله: (نتسع) أي نتفسح بأكل الثمار والفواكه راجع لنرتع، وننشط أي بالمسابقة ورمي السهام راجع لنلعب، فالمراد بلعبهم المسابقة بالسهام كما سيأتي في قولهم إنا ذهبنا نستبق اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: الرتع: هو الاتساع في الملاذ يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، والأصل في الرتع أكل البهائم في الخصب من الربيع، ويستعار للإنسان إذ أريد به الأكل الكثير، واللعب معروف. قال الراغب: يقال لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا، وسئل أبو عمرو بن العلاء كيف قالوا نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، ويحتمل أن يكون اللعب المراد به هنا الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لجابر: «هلا بكرا تلاعبك وتلاعبها» أيضا، فإن لعبهم كان الاستباق وهو غرض صحيح مباح لما فيه من تعلم المحاربة والإقدام على الاقران في الحرب بدليل قوله: نستبق، وإنما سماه لعبا لأنه في صورة اللعب، وقيل: معناه نرتع ونلعب نتنعم ونأكل ونلهو وننشط اهـ.\rقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ جملة حالية اهـ سمين.","part":4,"page":13},{"id":1032,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 14\rبِهِ لفراقه وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ المراد به الجنس وكانت أرضهم كثيرة الذئاب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) مشغولون\rقالُوا لَئِنْ لام قسم أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ جماعة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) عاجزون. فأرسله معهم\rفَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا عزموا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ وجواب لما محذوف أي فعلوا ذلك بأن نزعوا قميصه بعد ضربه وإهانته وإرادة قتله وأدلوه، قوله: لَيَحْزُنُنِي اللام زائدة في خبر إن، وقوله: (لفراقه) علة ليحزنني، والحزن ألم القلب بفراق المحبوب اهـ خازن.\rقوله: (كثيرة الذئاب) هذا هو السبب في خوفه عليه، وقيل: سببه أنه كان رأى في المنام أن ذئبا شدّ على يوسف، فكان يخاف عليه اهـ خازن.\rوالذئب: يهمز ولا يهمز، وبعدم الهمز قرأ السوسي والكسائي وورش، وفي الوقف لا يهمزه حمزة اهـ سمين.\rقوله: (مشغولون) أي بالمسابقة.\rقوله: قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ الخ أي قالوا ذلك جوابا عن عذره الثاني، وهو قوله: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، وأما عذره الأول وهو قوله: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي الخ فلم يجيبوا عنه إما لكونه الحزن زمنه قصير لانقضائه برجوعهم، وإما لأنه ليس غرضهم إزالة الحزن عنه، بل إيقاعه فيه والثاني هو المتعين اهـ شيخنا.\rقوله: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ جملة حالية، وقوله: إِنَّا إِذاً جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم، وقوله: عاجزون أي والواقع أنا أقوياء اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: وخاسرون هنا إما من الخسار بمعنى الهلاك أو من خسران التجارة، وكلاهما غير مراد هنا، فهو إما مجاز عن الضعف والعجز لأنه يشبهه، أو سببه كما في قوله تعالى: وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [المؤمنون: 34] أي عاجزون أو المراد به استحقاقهم له، أو أن يدعي عليهم به وأشار البيضاوي إلى أنه يجوز أخذ ذلك من عدم الربح في التجارة بقوله مغبونون اهـ.\rقوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ الخ مرتب على مقدر قدره الشارح بقوله: فأرسله معهم، وذلك المقدر معطوف على قوله سابقا أرسله معناه غدا الخ شيخنا.\rقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التلاقي ثمانون سنة لم تجف فيها عينا يعقوب، وما على الأرض أكرم على اللّه منه اهـ خازن من عند قوله: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ.\rقوله: (عزموا) أي على إلقائه إشارة إلى معنى أصل الاجماع أي: أصل معنى الاجماع العزم المصمم، وأنه على حذف الجار من متعلقه أي على أن يجعلون اهـ شهاب.\rقوله: (و جواب لما محذوف الخ) عبارة البيضاوي: وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب والبئر بئر القدس، أو بئر بأرض الأردن أو بئر بين مصر ومدين، أو بئر على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب عليه السّلام، وجواب لما محذوف مثل فعلوا به ما فعلوه من الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى","part":4,"page":14},{"id":1033,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 15\rفلما وصل إلى نصف البئر ألقوه ليموت فسقط في الماء ثم أوى إلى صخرة فنادوه فأجابهم يظن الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه، فصار يصيح ويستغيث، فقال يهودا: أما عاهدتموني على ألّا تقتلوه، فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها، فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به. فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك، وأوحينا إليه وكان ابن سبع عشر سنة. وقيل:\rكان مراهقا أوحي إليه في صغره، كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهما السّلام. وفي القصص إن إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النار جرّد عن ثيابه، فأتاه جبريل عليه السّلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، ودفعه إسحاق إلى يعقوب، فجعله في تميمة علقها بيوسف، فأخرجه جبريل عليه السّلام وألبسه إياه. لتنبئنهم بأمرهم هذا لتحدثنهم بما فعلوا بك، وهم لا يشعرون أنك يوسف لعلو شأنك، وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للحلي والهيئات، وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون. إلى أن قال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف الخ، فبشره بما يؤول إليه أمره إيناسا له، وتطييبا لقلبه. وقيل: هم لا يشعرون متصل بأوحينا أي آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: قيل: إن يعقوب لما بعثه مع إخوته أخرج له قميص إبراهيم عليه الصلاة والسّلام الذي كساه اللّه إياه من الجنة حين ألقي في النار، فجعله يعقوب في قصبة من فضة، وجعلها في عنق يوسف، فألبسه الملك إياه حين ألقي في الجب فأضاء له الجب اهـ.\rوعبارة الجلال نفسه في قوله: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا نصها. وهو قميص إبراهيم الذي ألبسه حين ألقي في النار كان في عنقه في الجب، وهو من الجنة أمره جبريل بإرساله، وقال: إن فيه ريحها، ولا يلقى على مبتلى إلا عوفي اهـ.\rقوله: (أي فعلوا ذلك) أي جعله في غيابة الجب، وقوله: (بأن نزعوا قميصه) أي بعد إدلائه في البئر اهـ.\rقوله: (و أدلوه) معطوف على نزعوا، والإدلاء الإرسال كما سيأتي في كلامه، والمراد أنهم أدلوه قائما اهـ شيخنا.\rقوله: (ألقوه) أي بأن قطعوا الحبل وألقوه معه اهـ شيخنا.\rقوله: (ثم أوى) أي التجأ إلى صخرة أي في قعر البئر، وقوله: (فنادوه) أي ليختبروه هل مات أو لا. قيل: إنه نزل عليه ملك فحلّ يديه وأخرج له الصخرة من البئر فأجلسه عليها. قال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤه، فكان يغنيه عن الطعام والشراب، ودخل عليه جبريل فأنس به، فلما أمسى نهض جبريل ليذهب، فقال: إنك إذا خرجت استوحشت. فقال له: إذا رهبت شيئا فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري، فلما قالها يوسف حفته الملائكة واستأنس في الجب. وقال محمد بن أسلم الطائي: لما ألقي يوسف في الجب قال: يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير","part":4,"page":15},{"id":1034,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 16\rرحمتهم فأرادوا رضخه بصخرة فمنعهم يهودا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ في الجب وحي حقيقة وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بعد اليوم بِأَمْرِهِمْ بصنيعهم هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) بك حال الإنباء\rوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً وقت المساء يَبْكُونَ (16)\rقالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ نرمي وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ثيابنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ بمصدق لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) عندك لا تهمتنا في هذه القصة لمحبة يوسف فكيف وأنت تسيء الظن مغلوب اجعل لي فرجا مما أنا فيه فما بات فيه، وقيل: إنه مكث في الجب ثلاثة أيام، وكان إخوته يرعون حوله، وكان يهودا يأتيه بالطعام اهـ خازن.\rقوله: (أو دونها) قيل: خمسة عشر، وقيل: اثني عشر، وقيل: سبعة عشر اهـ خازن.\rقوله: (تطمينا لقلبه) متعلق بأوحينا أي: فهذا الوحي ليس إرسالا بأحكام ولا إنباء أي: إعطاء للنبوة لما علمت أن سنه لم يبلغ أوانها الذي هو الأربعون، بل هو تطمين لقلبه خصوصا في هذا المكان في هذه الحالة، فجاءه جبريل وآنسه، ويوضح هذا ما سيأتي له في قوله: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ* الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (تطمينا لقلبه) أي حيث أعلمه بأنه سيخلصه مما هو فيه ويصيره مستوليا عليهم، ويصيرون تحت أمره وقهره اهـ خازن.\rقوله: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ الخ أي كما سيأتي في قوله: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ [يوسف:\r58] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من الهاء في لتنبئنهم كما يدل عليه قوله حال الإنباء اهـ شيخنا.\rقوله: (بك) أي بأنك أنت يوسف.\rقوله: عِشاءً أي وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب، فلما بلغوا منزل يعقوب جعلوا يبكون ويصرخون، فسمع أصواتهم ففزع من ذلك، وقال لهم: سألتكم باللّه هل أصابكم شيء، وأين يوسف؟ فقالوا: يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا الخ اهـ خازن.\rقوله: (نرمي) أي نتناضل بالسهام حتى يظهر أينا أسبق رميا وهذا معنى قولهم سابقا ونلعب اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا الخ في هذا الكلام منهم فتح باب اتهامهم كما لا يخفى على صاحب الذوق اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ جعل لها الشارح جوابا محذوفا قدره بقوله لا تهمتنا، وبعد ذلك لا يظهر كونها امتناعية، لأن الغرض ثبوت الاتهام لا نفيه، ولو بمعنى أن الذي هو القليل فيها لأنه لا يظهر معه قوله: فكيف الخ فليتأمل اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود وكلمة لو في أمثال هذه المواضع لبيان تحقق ما يفيد الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بادخالها على أبعدها","part":4,"page":16},{"id":1035,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 17\rبنا\rوَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ محله نصب على الظرفية أي فوقه بِدَمٍ كَذِبٍ أي ذي كذب بأن ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وذهلوا عن شقه وقالوا إنه دمه قالَ يعقوب لما رآه صحيحا وعلم كذبهم بَلْ سَوَّلَتْ زينت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ففعلتموه به فَصَبْرٌ جَمِيلٌ لا جزع فيه وهو خبر منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية، لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي، فلأن يتحقق مع غيره أولى، ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال، ويكتفي عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجمع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وقد مر تفصيله في سورة البقرة عند قوله: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة: 170] وفي سورة الأعراف عند قوله: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ [الأعراف: 88] اهـ بحروفه.\rقوله: (محله نصب الخ) لكن على أنه معمول لحال محذوفة من دم، والتقدير وجاؤوا بدم كذب حال كونه كائنا فوق قميصه، ولا يصح أن يكون ظرفا لجاؤوا لئلا يلزم أن مجيئهم مستعل على القميص بالركوب أو غيره، وهذا غير مراد كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ذي كذب) أشار به إلى أن في الآية وصف الدم بالمصدر على سبيل المبالغة، فكأنه نفسه صار كذبا، والفاعل والمفعول يسميان بالمصدر، كما يقال: ماء سكب أي مسكوب، والفاعل كقوله: إن أصبح ماؤكم غورا، وكما سموا المصدر بهما قالوا للعقل المعقول، وللجلد المجلود، ومنه قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: 6] اهـ كرخي.\rقوله: (بأن ذبحوا سخلة) هي الصغيرة من ولد الغنم وقت ولادتها ضأنا كان أو معزا اهـ.\rقوله: (و ذهلوا عن شقه) أي عن أن يشقوه أي القميص أي يخرقوه ويمزقوه لأن العادة أن الذئب إذا أكل الإنسان يقد قميصه أي يقطعه ويخرقه وهم ذهلوا عن هذه الحيلة حتى لا تتم لهم الحيلة اهـ شخينا.\rقوله: (لما رآه) أي رأى القميص صحيحا حتى قال ما أحلم هذا الذئب يأكل ابني من قميصه ولا يقده، وقال ذلك توبيخا لهم وإنكارا عليهم اهـ شيخنا.\rوقيل: إنهم أتوه بذئب وقالوا: هذا أكله. فقال يعقوب: أيها الذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي، فأنطقه اللّه عز وجل وقال: واللّه ما أكلت ولدك ولا رأيته قط، ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال له يعقوب: فكيف وقعت بأرض كنعان؟ قال: جئت لصلة الرحم وهو قرابة لي فأخذوني وأتوا بي إليك، فأطلقه يعقوب، وأصل التسويل تقدير معنى في النفس مع الطمع في اتمامه. قال صاحب الكشاف: سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء أي سهلت لكم أنفسكم أمرا عظيما فعلتموه بيوسف وهو نتموه في أنفسكم وأعينكم، فعلى هذا يكون معنى قوله: (بل سولت) ردا لقولهم فأكله الذئب، كأنه قال ليس الأمر كما تقولون أكله الذئب. بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً آخر غير ما تصفون اهـ خازن.\rوفي الشهاب قوله: من السول بفتحتين وهو استرخاء العصب ونحوه، فكان المسول بذله فيم حرص عليه اهـ.","part":4,"page":17},{"id":1036,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 18\rمبتدأ محذوف أي أمري وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ المطلوب منه العون عَلى ما تَصِفُونَ (18) تذكرون من أمر يوسف\rوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ مسافرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبا من جب يوسف فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي يرد الماء ليستقي منه فَأَدْلى أرسل دَلْوَهُ في البئر فتعلق بها يوسف فأخرجه فلما رآه قالَ يا بُشْرى وفي قراءة بشرى ونداؤها مجاز أي احضري فهذا وقتك هذا غُلامٌ قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قيل: من الصبر الجميل أن لا تتحدث بمصيبتك ولا تزكين نفسك اهـ خازن.\rقوله: (لا جزع فيه) الأولى كما جاء في الحديث أن يقول لا شكوى فيه لأحد غير اللّه وقوله: (أي أمري) أي صبري صبر جميل اهـ شيخنا.\rقوله: (المطلوب منه العون) أي: فالسين والتاء للطلب فالجملة إنشائية دعائية، وقوله: عَلى ما تَصِفُونَ أي: على تحمل ما تصفون اهـ شيخنا.\rقوله: (مسافرون) أي جماعة مسافرون سموا سيارة لسيرهم في الأرض، وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر فاخطؤوا الطريق، فنزلوا قريبا من الجب، وكان في قفراء بعيدة عن العمارة ترده المارة والرعاة، وكان ماؤه ملحا، فلما نزله يوسف عذب اهـ خازن.\rقوله: (من مدين) أي من جهة مدين وهي قرية جهة الشام.\rقوله: فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ ذكر على المعنى، ولو قال: فأرسلت واردها لكان على لفظ وجاءت قاله القرطبي اهـ كرخي.\rقوله: وارِدَهُمْ وهو مالك بن ذعر الخزاعي اهـ بيضاوي.\rوهو من أهل مدين اهـ خازن.\rقوله: فَأَدْلى دَلْوَهُ في المختار: الدلو التي يستقى بها ودلا الدلو نزعها وبابه عدا، وأدلاها أرسلها في البئر اهـ.\rوفي القاموس: ودلوت الدلو ودليتها أرسلتها في البئر ودلاها جذبها ليخرجها، والدلو مؤنث وقد يذكر اهـ.\rقوله: (فأخرجه) أي بعد أن مكث فيها ثلاثة أيام هذه مدة إقامته فيها اهـ خازن.\rوفيه أيضا أن جدران البئر بكت عليه حين أخرج منه اهـ.\rقوله: قالَ يا بُشْرى وكان يوسف أحسن ما يكون من الغلمان، وقد أعطي شطر الحسن، وقيل: ورثه من جدته سارة، وكانت قد اعطيت سدس الحسن، فكان حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين والعصدين والساقين، خميص البطن، صغير الصرة، وكان إذا تبسم ظهر النور من ضواحكه، وإذا تكلم ظهر من ثناياه، ولا يستطيع أحد وصفه اهـ خازن.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بشرى بوزن كبرى.","part":4,"page":18},{"id":1037,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 19\rفعلم به إخوته فأتوه وَأَسَرُّوهُ أي أخفوا أمره جاعليه بِضاعَةً بأن قالوا هذا عبدنا أبق، وسكت يوسف خوفا من أن يقتلوه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19)\rوَشَرَوْهُ باعوه منهم بِثَمَنٍ بَخْسٍ قوله: (فعلم به إخوته) قيل: باشتهار أمره حين أخرج، وقيل: بإعلام أخيه يهودا لهم لأنه كان يأتيه بالطعام فأتاه فلم يجده، فأعلمهم بأنه لم يجده في البئر اهـ شيخنا.\rوفي قصص الأنبياء: إن إخوة يوسف نظروا إلى القافلة واجتماعها على الجب فأتوهم، وكانوا يظنون أن يوسف مات، فرأوه أخرج حيا فضربوه وشتموه، وقالوا: هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم، ثم قالوا له بالعبرانية لا تنكر العبودية نقتلك فأقر بها، فاشتراه ابن ذعر الخزاعي اهـ شهاب.\rقوله: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً جعل الضمير لإخوته وهو أحد قولين وقيل للسيارة. قال مجاهد: أسرّه مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين كانوا معه، وقالوا: إنه بضاعة استبضعناه لبعض أهل المال لنبيعه لهم بمصر، وإنما قالوا ذلك خيفة أن يطلبوا منه الشركة فيه، وعلى هذا القول فالضمير في شروه وكانوا لمالك وأصحابه، وإنما زهدوا في شرائه لقول إخوته لهم أنه عبد أبق، فظنوا أنه معيب اهـ خازن.\rقوله: (جاعليه) أي حال كونهم جاعلين إياه بضاعة أي شيئا متمولا، فبضاعة منصوب على الحال من الواو في أسروه، وهذا بحسب الظاهر، وإلّا ففي الحقيقة هو مفعول لعامل محذوف هو الحال في الحقيقة كما قدره الشارح بقوله: جاعليه. وفي الخطيب: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته، وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه بضاعة اهـ.\rقوله: (و أبق) في القاموس: أبق العبد كسمع وضرب ومنع ونصر أبقا بالسكون، وأبقا بالتحريك، وإباقا ككتاب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد عمل اهـ.\rقوله: (و سكت يوسف) أي لأنهم خوفوه بالقتل سرا اهـ خازن.\rقوله: بِما يَعْمَلُونَ أي بما يترتب على عملهم القبيح بحسب الظاهر من الأسرار والفوائد المنطوية تحت باطنه، فإن هذا البلاء الذي فعلوه به كان سببا لوصوله إلى مصر وتنقله في أطوار حتى صار ملكها، فرحم اللّه به العباد والبلاد خصوصا في سني القحط الذي وقع بها كما سيأتي. قوله:\r(باعوه) فالضمير المرفوع عائد على إخوته، وقوله: منهم أي من السيارة أي لهم أي لبعضهم، وهو الذي ورد الماء، وتقدم أنه مالك بن ذعر الخزاعي. وتقدم عن الخازن احتمال آخر، وهو أن الضمير في شروه يعود السيارة أي اشترته السيارة من إخوته، وإنما أخذوه بثمن بخس وكانوا زاهدين في شرائه، لأنهم ظنوه معيبا لقول إخوته هذا عبدنا قد أبق منا.\rقوله: بَخْسٍ أي حرام، لأن ثمن الحر حرام والحرام يسمى بخسا، لأنه مبخوس البركة أي منقوصها، أو المراد بالبخس القليل اهـ خازن.\rوفي المصباح: بخسه بخسا من باب نفع نقصه أو عابه اهـ.","part":4,"page":19},{"id":1038,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 20\rناقص دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ عشرين أو اثنين وعشرين وَكانُوا أي إخوته فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) فجاءت به السيارة إلى مصر فباعه الذي اشتراه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين\rوَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو قطفير العزيز لِامْرَأَتِهِ زليخا أَكْرِمِي مَثْواهُ مقامه عندنا عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وكان حصورا وَكَذلِكَ كما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه قلب قوله: (ناقص) أي عن قيمته لو كان رقيقا. قوله: دَراهِمَ بدل من ثمن، وقوله: مَعْدُودَةٍ فيه إشارة إلى قلتها، لأنهم في ذلك الزمان كانوا لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما ويأخذونه عدا، ويزنون ما بلغها وهو أوقية اهـ خازن.\rقوله: وَكانُوا فِيهِ أي في يوسف من الزاهدين، وأصل الزهد قلة الرغبة أي غير راغبين فيه، لأن غرضهم إبعاده عنهم لا تحصيل ثمنه، ويصح رجوع الضمير في فيه لثمنه وقلة رغبتهم فيه ليشتريه المسافرون، لأنهم لو شددوا في الثمن لربما تركوه بلا شراء، وغرض إخوته إبعاده عنهم اهـ خازن.\rقوله: (بعشرين دينارا) وقيل: لما دخلوا مصر وعرضوه للبيع تدافع الناس في ثمنه حتى بلغ وزنه ذهبا وقيل: فضة، وقيل: مسكا. وقيل: حريرا. وكان وزنه أربعمائة رطل اهـ خازن.\rوقوله: (و زوجي نعل)، والمراد به الفرد أي فردتي نعل اهـ.\rوروي أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه اللّه الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة اهـ بيضاوي.\rقوله: (و هو قطفير العزيز) عبارة البيضاوي وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير وأطفير، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي، وقد آمن بيوسف ومات في حياته انتهت.\rأو قطفير هذا وزير الملك المذكور كما في الخازن اهـ.\rقوله: لِامْرَأَتِهِ متعلق بقال لا باشترى. وزليخاء بفتح الزاي وكسر اللام والمد كما في القاموس اهـ شيخنا. أو بضم الزاي وفتح اللام وسيأتي عن الشهاب.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 20\r\rله: لِامْرَأَتِهِ متعلق بقال لا باشترى. وزليخاء بفتح الزاي وكسر اللام والمد كما في القاموس اهـ شيخنا. أو بضم الزاي وفتح اللام وسيأتي عن الشهاب.\rقوله: أَكْرِمِي مَثْواهُ المثوى موضع الإقامة أي أحسني تعهده اهـ.\rقوله: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي إن أردنا بيعه وبعناه بربح أو ينفعنا بأن يكفينا بعض أمورنا ومصالحنا إذا قوي وبلغ، أو نتخذه ولدا أي نتبناه وكان حصورا ليس له ولد اهـ خازن.\rفالمراد من نفعه أحد أمرين: إما الربح فيه إذا باعوه، أو معاونته لهم إن أبقوه، وهذان غير اتخاذه ولدر. ويصح أن تكون أو مانعة خلو فتجوز الجمع اهـ.\rقوله: (و كان حصورا) أي لا يأتي النساء أو كان عقيما كما جرى عليه القاضي البيضاوي والأصفهاني تبعا للكشاف اهـ كرخي.\rقوله: (و عطفنا عليه قلب العزيز) أي خلقنا فيه الحنو والميل والمحبة فإن العطف معناه الحنو.\rوفي المصباح: عطفت الناقة على ولدها من باب ضرب حنت عليه ودرّ لبنها اهـ.","part":4,"page":20},{"id":1039,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 21\rالعزيز مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر حتى بلغ ما بلغ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا أي لنملكه أو الواو زائدة وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ تعالى لا يعجزه شيء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (21) ذلك\rوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وهو ثلاثون سنة أو وثلاث آتَيْناهُ حُكْماً حكمة وَعِلْماً فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا وَكَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) لأنفسهم\rوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زليخا عَنْ نَفْسِهِ أي قوله: مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي جعلناه على خزائنها ومكن يتعدى بنفسه على حد، ولقد مكناكم في الأرض، وباللام كما هنا، والمراد نعطيه مكانة ورتبة عالية في الأرض اهـ شيخنا.\rقوله: (حتى بلغ ما بلغ) أي من السلطنة:. قوله: (أي لنمكنه) أي مكناه في الأرض لنملكه ما فيها ولنعلمه، وهذا على عدم زيادة الواو وعلى زيادتها يقال مكنا له في الأرض لنعلمه اهـ شيخنا.\rونملكه من الملك بكسر الميم أي نجعله مالكا لما فيها، أو من الملك بضمها أي نجعله ملكا وسلطانا على أهلها اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد لا دافع لأمره ولا راد لقضائه ولا يغلبه شيء اهـ خازن.\rقوله: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: وهو قول سيبويه أنه جمع مفرده شدة نحو نعمة وأنعم. والثاني: قول الكسائي أن مفرده شد بزنة قفل. الثالث: أنه جمع لا واحد له من لفظه قاله أبو عبيدة: وخالفه الناس في ذلك، وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. قال الراغب:\rوفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله اهـ سمين.\rولم يقل هنا واستوى كما قال في شأن موسى في سورة القصص، لأن موسى كان قد بلغ أربعين سنة، وهي مدة النبوة فقد استوى وتهيأ لحمل أسرار النبوة، وأما يوسف فلم يكن إذ ذاك قد بلغ هذا السن اهـ شيخنا.\rقوله: (حكمة) وهي العلم مع العمل، وقيل: هي النبوة كما في الخازن، لكن هذا لا يناسب قول الشارح قبل أن يبعث نبيا اهـ شيخنا.\rقوله: (كما جزيناه) أي أنعمنا عليه بهذه النعم كلها اهـ خازن.\rوقوله: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (لأنفسهم) أي بالإيمان والاهتداء كما قاله ابن عباس، أو الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السّلام قاله الضحاك اهـ كرخي.\rوفي الخازن: ومن الإحسان الصبر على النوائب كما صبر يوسف اهـ.\rقوله: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها رجوع إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه. وقوله تعالى: قوله: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ إلى هنا اعتراض جيء به أنموذجا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه عليه السّلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة، وأنه عليه السّلام محسن في جميع أعماله لم يصدر عنه في حالتي السراء والضراء","part":4,"page":21},{"id":1040,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 22\rطلبت منه أن يواقعها وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ للبيت وَقالَتْ له هَيْتَ لَكَ أي هلم واللام ما يخل بنزاهته، ولا يخفى أن مدار حسن التخلص إلى هذا الاعتراض قبل تمام الآية الكريمة إنما هو التمكين البالغ المفهوم من كلام العزيز. والمراودة المطالبة من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء، ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ، وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه، فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما.\rوهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقام مقامه ويطلق عليه اسمه، كما في قولهم: كما تدين تدان، أي: كما تجزي تجزى، فإن فعل البادي، وإن لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: إذا قمتم إلى الصلاة، فإذا قرأت القرآن. وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن مطالبة الدائن لأجل المماطلة التي هي من جانب الغريم، ومماطلة الغريم لأجل المطالبة التي هي من جانب الدائن، وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السّلام نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال، فبنيت الصيغة على ذلك، وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل، وأوقع على صاحب السبب، فتأمل. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة وقيل: الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة، فالمعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده، وهو يحتال أن يأخذه منه وهو عبارة عن التمحل في مواقعته إياه والعدول عن اسمها للمحافظة على الستر أو للاستهجان بذكره، ويراد الموصول لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك. قيل لواحدة: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خير فيه؟ قلت: قرب الوساد وطول السواد ولإظهار كمال نزاهته عليه السّلام فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت ملكتها ينادي بكونه عليه السّلام في أعلى معارج العفة والنزاهة اهـ أبو السعود.\rقوله: (هي زليخا) بفتح الزاي وكسر اللام وهو المشهور، وقيل: إنه بضم أوله على هيئة المصغر اهـ شهاب.\rقوله: (أي طلبت منه) أي برفق، وهذا التفسير من الشارح يشير إلى أن المفاعلة ليست على بابها اهـ.\rوفي المصباح: وراودته على الأمر مراودة وروادا من باب قاتل طلبت منه فعله، وكأن في المراودة معنى المخادعة، لأن الطالب يتلطف في طلبه تلطف الخادع ويحرص حرصه اهـ.\rقوله: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وكانت سبعة كما في البيضاوي وغيره، والتشديد للتكثير لتعدد المحال اهـ سمين. والمحال هي الأبواب.","part":4,"page":22},{"id":1041,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 23\rللتبيين وفي قراءة بكسر الهاء وأخرى بضم التاء. قالَ مَعاذَ اللَّهِ أعوذ باللّه من ذلك إِنَّهُ أي الذي اشتراني رَبِّي سيدي أَحْسَنَ مَثْوايَ مقامي فلا أخونه في أهله إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) الزناة\rوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ قصدت منه الجماع وَهَمَّ بِها قصد ذلك لَوْ لا أَنْ قوله: هَيْتَ لَكَ بفتح الهاء والتاء ككيف وليت، وقوله: وفي قراءة بكسر الهاء أي: وفتح التاء بوزن قيل وغيض وقوله: (و أخرى بضم التاء) أي: مع فتح الهاء كحيث والقراءات الثلاث سبعية وبقي قراءتان سبعيتان أيضا وهما هئت بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وفتح التاء وضمها، فالقراءات السبعية خمسة، وهذه كلها لغات في هذه الكلمة وهي في كلها اسم فعل بمعنى هلم أي: أقبل وتعال اهـ شيخنا.\rفمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفا نحو: أين وكيف؟ ومن ضمها كابن كثير فقد شبهها بحيث، ومن كسرها فعلى أصل التقاء الساكنين اهـ سمين. وذكر فيها قراءات أربع أخر شاذة.\rقوله: (و اللام للتبين) أي تتبين المفعول أي المخاطب فكأنها تقول الكلام معك والخاطب لك اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ولك متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأنها قالت: أقول لك أو الخطاب لك كهي في سقيا لك ورعيا لك اهـ.\rقوله: مَعاذَ اللَّهِ مصدر بمعنى الفعل كما قال الشارح، لكن في السمين ما نصه: قوله: مَعاذَ اللَّهِ منصوب على المصدر بفعل محذوف أي: أعوذ باللّه معاذا. يقال: عاذ يعوذ عياذا وعياذة ومعاذا وعوذا اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: أعوذ باللّه من ذلك أشار إلى أن معاذ اللّه منصوب على أنه مصدر نائب عن فعله، كسبحان اللّه بمعنى أسبح اللّه اهـ.\rقوله: إِنَّهُ رَبِّي تعليل لما قبله. قوله: (أي الذي اشتراني) عبارة السمين: قوله: إنه يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن وما بعده جملة خبرية له ومراده بربه سيده، ويحتمل أن تكون الهاء ضمير الباري تعالى، وربي يحتمل أن يكون خبرها وأحسن جملة حالية لازمة، وأن يكون مبتدأ وأحسن جملة خبرية له والجملة خبر لإن، وقد أنكر جماعة الأول. قال مجاهد، والسدي، وابن إسحاق: يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق أنه ربه ولو بمعنى السيد، لأنه ليس مملوكا في الحقيقة انتهت.\rقوله: (سيدي) أي بحسب الظاهر وإلّا فهو حر في نفس الأمر، وقوله: أَحْسَنَ مَثْوايَ أي تعهدي بقوله لك أكرمي مثواه اهـ بيضاوي.\rوفي أبي السعود: إنه ربي أحسن مثواي أي أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي، فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه، وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه اهـ.\rقوله: (الزناة) أي الزنى لأن ظلم على الزاني والمزني بأهله اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ لام القسم.\rقوله: (قصدت منه الجماع) أي مع العزم والتصميم، وقوله: (قصد ذلك) أي بمقتضى الطبع","part":4,"page":23},{"id":1042,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 24\rرَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال ابن عباس مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله، وجواب لو لا لجامعها كَذلِكَ أريناه البرهان لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ الخيانة وَالْفَحْشاءَ الزنا البشري من غير رضا ولا عزم ولا تصميم، والقصد على هذا الوجه لا مؤاخذه فيه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: والمراد بهمه عليه السّلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف، بل الحقيقة بالمدح والأجر الجزيل من اللّه تعالى من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم اهـ.\rوفي الخازن ما نصه: قال بعض المحققين: الهم همان: هم ثابت وهو ما كان معه عزم وقصد وعقيدة رضا مثل هم امرأة العزيز فالعبد مأخوذ به، وهم عارض وهو الخطرة في القلب وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل: هم يوسف فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل به اهـ.\rوفي الشهاب: وقال الإمام: المراد بالهم في الآية خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع، كالصائم يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه ولكن يمنعه دينه عنه اهـ.\rقوله: (قال ابن عباس مثل له يعقوب الخ) عبارة الخازن: قال قتادة وأكثر المفسرين: إن يوسف رأى صورة يعقوب عليه السّلام وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟\rوقال الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضا على أصبعيه. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: مثل له يعقوب فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقال السدي: نودي يا يوسف أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق عليه، وإن مثلك إن واقعتها كمثله إذا وقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئا، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها كمثله إذا مات ودخل النمل في قرنه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. وقيل: إنه رأى معصما بلا عضد مكتوب عليه وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [الانفطار: 11] فولى هاربا ثم رجع فعاد المعصم وعليه مكتوب وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] فولى هاربا، ثم عاد فرأى ذلك الكف وعليه مكتوب وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281] الآية، ثم عاد فقال تعالى لجبريل عليه السّلام: أدرك عبدي يوسف قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضا على أصبعه يقول: يا يوسف اتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند اللّه في الأنبياء؟ وقيل: إنه مسه بجناجه فخرجت شهوته من أنامله. قال محمد بن كعب القرظي: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت فرأى مكتوبا في حائط: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32]. وفي رواية عن علي ابن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة إليه وسترته بثوب فقال لها يوسف عليه السّلام: لم فعلت هذا؟ قالت: استحيت منه أن يراني على معصية فقال يوسف: أتستحين ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه شيئا فأنا أحق أن أستحي من ربي وهرب، فذلك قوله تعالى: لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ اهـ.\rقوله: (فخرجت شهوته) أي منيه. قوله: (و جواب لو لا الخ) من المعلوم أنها حرف امتناع لوجود، فالمعنى امتنع وانتفى جماعه لها لوجود رؤيته البرهان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: المعنى لو لا رؤيته برهان ربه لهمّ بها، لكنه امتنع همه بها لوجود رؤية برهان ربه","part":4,"page":24},{"id":1043,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 25\rإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) في الطاعة وفي قراءة بفتح اللام أي المختارين\rوَاسْتَبَقَا الْبابَ فلم يحصل منه هم البتة، كقولك: لو لا زيد لأكرمتك، فالمعنى أن الإكرام امتنع لوجود زيد، وبهذا يتخلص من الإشكال الذي يورد هنا، وهو كيف يليق بنبي أن يهم بامرأة اهـ.\rقوله: كَذلِكَ هذه الكاف مع مجرورها في محل نصب بمحذوف كما قدره المفسر، واللام في لتصرف متعلقة بذلك المحذوف، ويصح أن تكون في محل رفع، والتقدير الأمر مثل ذلك أو عصمته كذلك والنصب أجود لمطالبة حرف الجر للأفعال أو معانيها اهـ سمين.\rقوله: (الخيانة) أي خيانة السيد اهـ بيضاوي.\rقوله: الْمُخْلَصِينَ قرأ هذه اللفظة حيث وردت إذا كانت معرفة بأل مكسورة اللام ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بفتحها. فالكسر على أنه اسم فاعل والمفعول محذوف تقديره المخلصين أنفسهم أو دينهم، والفتح على أنه اسم مفعول من أخلصهم اللّه أي اجتباهم واختارهم أو أخلصهم من كل سوء، وقرأ الكوفيون في مريم إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً [مريم: 51] بفتح اللام بالمعنى المتقدم، والباقون بكسرها بالمعنى المتقدم اهـ سمين.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية.\rقوله: وَاسْتَبَقَا الْبابَ متصل بقوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، وقوله: كذلك الخ اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريرا لنزاهته عليه السّلام كقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: 75] والمعنى لقد همت به وأبى هو. واستبقا.\rأي: تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص، ولذلك وحد بعد الجمع فيما سبق وحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إلى المجرور نحو: وإذا كالوهم أو ضمن الاستباق معنى الابتدار وإسناد السبق في ضمن الاستباق إليها مع أن مرادها مجرد منع يوسف، وهذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب، لأنها لما رأته يسرع إلى الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضا لتسبقه إليه وتمنعه عن الفتح والخروج، أو عبّر عن إسراعها أثره بذلك مبالغة اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: فلحقته على الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى اللّه تعالى، ولكنه عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه وهو ما كان من ورائه خوف فواته اهـ.\rوالألف في استبقا للتثنية لكن استباقهما مختلف في الغرض منه كما أشار إليه الشارح اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وأصل استبق أن يعدى إلى المفعول بإلى فحذف اتساعا أو هو على تضمين استبقا معنى ابتدرا فينصب مفعولا به، كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقدير، ووجد الباب هنا وجمعه قبل لأن إغلاق الباب للاحتياط لا يتم إلا بإغلاق الجميع وأما هروبه منها فلا يكون إلا إلى باب واحد حتى لو تعددت أمامه لم يقصد منها أولا إلى الأول، فلهذا وحد الباب هنا وجمعه ثم اهـ.","part":4,"page":25},{"id":1044,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 26\rبادر إليه يوسف للفرار وهي للتشبث به فأمسكت ثوبه وجذبته إليها وَقَدَّتْ شقت قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا وجدا سَيِّدَها زوجها لَدَى الْبابِ فنزهت نفسها ثم قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً زنا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ يحبس أي سجن أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) مؤلم بأن يضرب\rقالَ يوسف متبرئا هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ابن عمها، روي أنه كان في المهد فقال إِنْ قوله: (و هي للتثبت) أي التعلق به، وقوله: (فأمسكت ثوبه) أي فقطعت منه قطعة بقيت في يدها اهـ شيخنا.\rقوله: وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ فغلبها يوسف وخرج وخرجت خلفه وألفيا سيدها لدى الباب، فلما خرجا وجدا زوج المرأة قطفير وهو العزيز عند الباب جالسا، فخافت المرأة التهمة فسابقت يوسف بالقول وقالت لزوجها: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا، ثم خافت أن يقتله وهي شديدة الحب له، فقالت: إلا أن يسجن الخ، وإنما بدأت بذكر السجن لأن المحب لا يشتهي إيلام المحبوب، وإنما أرادت أن يسجن عندها يوما أو يومين ولم ترد السجن الطويل وهذه لطيفة فافهمها اهـ خازن.\rوفي الكرخي: قال ابن الخطيب: في الآية لطيفة وفي أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع، وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخرت ذكر العذاب، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، وأيضا لم تقل إن يوسف يجب أن يقابل بأحد هذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر بالشر، وأيضا قالت: إلا أن يسجن أي أن يسجن يوما أو يومين أو أقل على سبيل التخفيف، فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة، بل يقال يجب أن يجعل من المسجونين كما قال فرعون لموسى حين هدده. لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29] اهـ.\rقوله: (زوجها) أي أن المراد بالسيد الزوج لأنهم كانوا يستعملونه بهذا المعنى لملكه التصرف فيها، ولم يقل سيدهما لأنه لم يكن مالكا له حقيقة لحريته اهـ شهاب.\rقوله: (فنزهت نفسها) أي بادرت إلى تنزيه نفسها، وقوله: ثُمَّ قالَ تفسير لتنزيه نفسها اهـ شيخنا.\rقوله: ما جَزاءُ يجوز في ما هذه أن تكون نافية وأن تكون استفهامية، ومن يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة اهـ سمين.\rقوله: (أي سجن) مصدر من باب نصر فهو بفتح السين، وأما مكسورها فهو المكان الذي يسجن فيه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (أي سجن) أشار به إلى أن قوله: (أن يسجن) في قوة المصدر، ولذا عطف عليه أو عذاب أليم أي فأو للتنويع اهـ.\rقوله: قالَ هِيَ راوَدَتْنِي الخ وذلك أن يوسف لم يكن يريد أن يذكر هذا القول ولا يهتك سترها، ولكن لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه فقال ما قال اهـ خازن.","part":4,"page":26},{"id":1045,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 27\rكانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ قدام فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26)\rوَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ خلف ولم يقل هذه ولا تلك لفرط استحيائه وهو أدب حسن حيث أتى بلفظ دون الحضور اهـ كرخي.\rقوله: شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها كونه من أهلها أقوى في نفي التهمة عن يوسف مع ما وجد من كثرة العلامات الدالة على صدقه منها أنه كان في الظاهر مملوكا لها، والمملوك لا يبسط يده إلى سيدته، ومنها: أنهم شاهدوا يوسف خرج من عندها هاربا والطالب لا يهرب، ومنها: أنهم رأوها قد تزينت بأكمل الوجوه فكان إلحاق التهمة بها أولى، ومنها: أنهم عرفوا يوسف في المدة الطويلة فلم يروا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذه الحالة، فكان مجموع هذه العلامات دالا على صدقه مع شهادة الشاهد له بصدقة أيضا اهـ خازن.\rقوله: (ابن عمها) وقيل ابن خالها اهـ بيضاوي.\rقوله: (روي أنه كان في المهد)، وروي أنه كان شيخا كبيرا حكيما، واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها، فقال: قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، ولكن إن كان قميصه الخ اهـ من الخطيب.\rقوله: (فقال) إِنْ كانَ الخ تفسير لشهد يشير به إلى أنه ليس المراد حقيقة الشهادة، وهي الاخبار عند حاكم بلفظ أشهد وقوله: إِنْ كانَ الخ أي إن تبين وظهر أنه قد من قبل وقوله:\rفَصَدَقَتْ أي فقد ظهر صدقها وتبين، وكذا يقال في الشرطية الأخرى، فلا بد من هذا التأويل ليصح التعليق، وذلك لأن قدّ القميص أمر ثابت من قبل فلا معنى للتعليق عليه، والصدق بفرض القد المذكور ثابت من قبل أيضا فلا معنى لتعليقه أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ أي إن علم أنه قدّ من قبل فصدقت بتقدير قدّ لأنها تقرب الماضي إلى الحال أي: فقد صدقت، وكذا الحال في قوله: فَكَذَبَتْ وهي إن لم تصرح بأنه عليه السّلام أراد بها سوءا إلا أن كلامها حيث كان واضح الدلالة عليه أسند إليها الصدق والكذب بذلك الاعتبار، فإنهما كما يعرضان للكلام باعتبار منطوقه يعرضان له باعتبار ما يستلزمه، وبذلك الاعتبار يعرضان للانشاءات وهو من الكاذبين. وهذه الشرطية حيث لا ملازمة عقلية ولا عادية بين مقدمها وتاليها ليست من الشهادة في شيء، وإنما ذكرت توسيعا للدائرة وارخاء للعنان إلى جانب المرأة بإجراء ما عسى يحتمله الحال في الجملة بأن يقع القد من قبل بمدافعتها له عليه السّلام عن نفسها عند إرادته المخالطة، والتكشف مجرى الظاهر الغالب الوقوع تقريبا لما هو المقصود بإقامة الشهادة، أعني مضمون الشرطية الثانية التي هي قوله: وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ إلى التسليم والقبول عند السامع لكونه أقرب إلى الوقوع وأدل على المطلوب، وإن لم يكن بين طرفيها أيضا ملازمة وحكاية الشرطية بعد فعل الشهادة لكونها من قبيل الأقوال، أو بتقدير القول أي شهد قائلا الخ، وتسميتها شهادة مع أنه لا حكم فيها بالفعل بالصدق والكذب لتأديتها مؤداها، بل لأنها شهادة على الحقيقة وحكم بصدقه وكذبها. أما على تقدير كون الشاهد هو الصبي فظاهر إذ هو إخبار بهما من قبل علام الغيوب، والتصوير بصورة الشرطية للإيذان بأن ذلك ظاهر أيضا. وأما على تقدير كونه غيره فلأن","part":4,"page":27},{"id":1046,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 28\rفَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)\rفَلَمَّا رَأى زوجها قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ أي قولك ما جزاء من أراد الخ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَ أيها النساء عَظِيمٌ (28) ثم قال يا\rيُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الأمر ولا تذكره لئلا يشيع وَاسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) الآثمين الظاهر أن صورة الحال معلومة له على ما هي عليه إما مشاهدة أو إخبارا فهو متيقن بعدم مقدم الشرطية الأولى، وبوجود مقدم الشرطية الثانية، ومن ضرورته الجزم بانتفاء تالي الأولى وبوقوع تالي الثانية، فحينئذ هو إخبار بكذبها وصدقه عليه السّلام، لكنه ساق شهادتهما سوقا مأمونا من الجرح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهرا بين نفعها ونفعه. وأما حقيقة فلا تردد فيها قطعا لأن الشرطية الأولى تعليق لصدقها بما يستحيل وجوده من قد القميص من قبل، فيكون محالا لا محالة ومن ضرورة تقرر كذبها، والثانية تعليق لصدقه عليه السّلام بأمر محقق الوجود وهو القد من دبر فيكون محققا البتة اهـ أبو السعود.\rقوله: فَصَدَقَتْ على تقدير قد أي: فقد صدقت، وإنما احتيج لتقديرها لأجل أن يكون الجواب من المواضع التي لا تصلح للشرطية حتى يصح دخول الفاء، وإلّا فبقطع النظر عن تقديرها لا يصح دخول الفاء لأنه فعل ماض متصرف اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَ مبني على مقدر أي: تحقق صدقه وتبين له كذبها فخاطبها، وقال إنه من كيدكن اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ أي فيما يتعلق بأمر الجماع والشهوة لا عظيم على الإطلاق، إذ الرجال أعظم منهن في الحيل والمكائد في غير ما يتعلق بالشهوة اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: فإن قيل إنه تعالى قال وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [سورة النساء: 28]، فكيف وصف كيد المرأة بالعظم، وأيضا فكيد الرجل قد يزيد على كيد النساء؟ فالجواب عن الأول أن خلقة الإنسان ضعيفة بالنسبة إلى خلقة الملائكة والسموات والكواكب، وكيد النساء بالنسبة إلى كيد الشيطان عظيم، ولا منافاة بين القولين، وأيضا فالنساء لهن في هذا الباب من المكر والحيل ما لا يكون للرجال.\rقال الزمخشري وعن بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن اللّه تعالى يقول إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [النساء: 76]، وقال في حق النساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ اهـ.\rقوله: (أيها النساء) خاطب الجنس لأن الحيل والمكائد لا تختص بها، فكأنه قال: إن الحيل والكيد في جنسك أمر عظيم جبلي فيك وفي غيرك من الجنس اهـ شيخنا.\rقوله: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ كان العزيز قليل الغيرة، بل قال في البحر: إن تربة مصر تقتضي هذا، ولهذا لا ينشأ فيها الأسد ولو دخل فيها لا يبقى اهـ كرخي.\rقوله: (الآثمين) أي برمي يوسف بالخطيئة واتهامه بها، ولم يقل من الخاطئات تغليبا لجنس الرجال على النساء أو من الآثمين باتهامك يوسف وهو بريء وبخيانتك لزوجك اهـ خازن.","part":4,"page":28},{"id":1047,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 29\rواشتهر الخبر وشاع\r* وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ مدينة مصر امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عبدها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا تمييز أي دخل حبه شغاف قلبها أي غلافه إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ خطأ قوله: (و اشتهر الخبر) أي منها، وذلك أنها أخبرت بعض النساء بما حصل لها وأمرتهن بالكتم فلم يكتمن بل أشعن الأمر، وقلن امرأة العزيز الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ وكن خمسا وهنّ امرأة صاحب الملك، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة خبازه، وامرأة ساقيه، وامرأة صاحب سجنه فتحدثن فيما بينهن وقلن: امرأة العزيز تراود عبدها الكنعاني عن نفسه وهو يمتنع منها اهـ خازن.\rوالنسوة اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو امرأة وتأنيثها غير حقيقي بل باعتبار الجماعة، ولذلك لم يلحق فعلها تاء التأنيث، والمشهور كسر نونها، ويجوز ضمها في لغة، ونقلها أبو البقاء قراءة ولم أحفظه، وإذا ضمت نونه كان اسم جمع بلا خلاف، والنساء جمع كثرة أيضا ولا واحد له من لفظه اهـ سمين.\rقوله: امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ترسم امرأة هذه بالتاء المجرورة، وأما بالنطق فوقف عليها ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وأما الوصل فهو بالتاء للجميع اهـ خطيب.\rقوله: تُراوِدُ فَتاها خبر امرأة العزيز وجيء بالمضارع تنبيها على أن المراودة صارت محنة لها وديدنا دون الماضي، فلم يقلن راودت اهـ سمين.\rقوله: قَدْ شَغَفَها شغف فعل ماض والفاعل ضمير مستتر يعود على فتاها وحبا تمييز، كما قال الشارح أي: تمييز محول عن الفاعل كما أشار له، وقوله: (أي دخل حبه) مضاف لمفعوله أي: حبها إياه وشغاف بفتح الشين، وقوله (أي: غلافه) وهو جلدة محيطة بالقلب من سائر الجوانب اهـ شيخنا.\rوالمعنى أن حبه دخل الجلدة حتى أصاب القلب، وقيل: إن حبه قد أحاط بقلبها كإحاطة الشغاف بالقلب، قال الكلبي: حجب حبه قلبها حتى صارت لا تتعقل شيئا سواه اهـ خازن.\rوفي السمين: قوله: قَدْ شَغَفَها حُبًّا هذه الجملة يجوز أن تكون خبرا ثانيا، وأن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا إما من فاعل تراود، وإما من مفعوله، وحبا تمييز وهو منقول من الفاعلية إذا الأصل قد شغفها حبه، والعامة على شغفها بالغين المعجمة المفتوحة بمعنى خرق شغاف قلبها، وهو مأخوذ من الشغاف أي: حجاب القلب وهو جلدة رقيقة، وقيل: سويداء القلب، وقيل: داء يصل إلى القلب من أجل الحب، وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب ليست محيطة به، ومعنى شغف قلبه أي: خرق حجابه وأصابه فأحرقه بحرارة الحب اهـ.\rوفي المصباح: شغف الهوى قلبه شغفا من باب نفع، والاسم الشغف بفتحتين بلغ شغافه بالفتح وهو غشاؤه وشغفه المال زين له فأحبه فهو مشغوف به اهـ.\rقوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر وأحبت فتاها اهـ خازن.","part":4,"page":29},{"id":1048,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 30\rمُبِينٍ (30) بيّن بحبها إياه\rفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ غيبتهن لها أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ أعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً طعاما يقطع بالسكين للاتكاء عنده وهو الأترج وَآتَتْ أعطت كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ ليوسف اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أعظمنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ بالسكاكين ولم يشعرن بالألم قوله: بِمَكْرِهِنَ أي بحديثهن، وسمي مكرا لأنهن طلبن بذلك رؤية يوسف، وكان قد وصف لهن حسنه وجماله، فقصدن بهذا التحدث التحيّل في أن يرينه اهـ خازن.\rقوله: (غيبتهن) أي: اغتيابهن لها، وسميت الغيبة مكرا لإخفائها عن المغتاب كما يخفى المكر، فإن المكر التحيل بالسوء خفية اهـ شخنا.\rقوله: أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ أي: لتقيم عذرها عندهن، فصنعت لهن مائدة وضيافة ودعتهن وكن أربعين امرأة من أشراف المدينة وهن اللاتي عيّرنها اهـ خازن.\rوهذا قول ثان غير قوله سابقا: كن خمسا، ولعل أصل القول من الخمس لأنهن اللواتي أخبرتهن بأمرها، وهن أشعن الخبر في المدينة، فلا ينافي أن اللواتي حضرن الوليمة كن أربعين اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَعْتَدَتْ أي هيأت وأحضرت. قوله: (للاتكاء عنده) أي: وسمي الطعام متكأ للاتكاء عنده على الوسائد أي على عادة المتكبرين في أكل الفواكه حيث يتكىء على الوسائد ويأكلها بالسكين، فسمي الطعام كالأترج متكأ لحصول الاتكاء على الوسائد عند أكله الفواكه فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة. والخازن جعله بالاستعارة ونصه: وأعتدت لهن متكأ يعني: ووضعت لهن نمارق ومسانيد يتكئن عليها. وقال ابن عباس، وابن جبير، والحسن، وقتادة متكأ يعني طعاما، وإنما سمي متكأ لأن كل من دعوته ليطعم عندك، فقد أعددت له وسائد يجلس ويتكىء عليها فسمي الطعام متكأ على الاستعارة، ويقال اتكأنا عند فلان أي طعمنا عنده، والمتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث، ولذلك جاء النهي عنه في الحديث وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا آكل متكئا». وقيل: المتكأ الأترج، وقيل: هو كل شيء يقطع بالسكين أو يجز بها. يقال: إن امرأة العزيز زينت البيت بألوان الفواكه والأطعمة، ووضعت الوسائد، ودعت النسوة اللواتي عيّرنها بحب يوسف اهـ.\rقوله: (و هو الأترج) بضم الهمزة وسكون التاء وضم الراء جمع أترجة، ويقال فيه أترنج، وهذا هو الطعام الذي يقطع بالسكين اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الأترج بضم الهمزة وتشديد الجيم فاكهة معروفة الواحدة أترجة، وفي لغة ضعيفة ترنج. قال الأزهري: والأولى هي التي تكلم بها الفصحاء وارتضاها النحويون اهـ.\rقوله: وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً أي ليأكلن بها، وكان من عادتهن أن يأكلن اللحم والفواكه بالسكين اهـ خازن.\rوكانت تلك السكاكين خناجر اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهن وقد زينته وحبسته في مكان آخر، فلما رأينه الخ اهـ خازن.\rقوله: (أعظمنه) أي احترمنه وهبنه ودهشن عند رؤيته من شدة جماله، وكان قد أعطي شطر","part":4,"page":30},{"id":1049,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 31\rلشغل قلبهن بيوسف وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها له ما هذا أي يوسف بَشَراً إِنْ ما هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية. في الصحيح أنه أعطي شطر الحسن\rقالَتْ امرأة العزيز لما رأت ما حل بهن فَذلِكُنَ فهذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ في حبه، بيان لعذرها، وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ امتنع وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ به لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً الحسن، ويقال: إنه ورث حسن آدم يوم خلقه اللّه عز وجل، وقبل أن يخرج من الجنة. وقال الرازي:\rوعندي أنه يحتمل وجها آخر وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة، وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاختيار، وشاهدن فيه مهابة وهيئة الملائكة وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح وعدم الاعتذار لهن، وكان ذلك الجمال العظيم مقرونا بتلك الهيبة والهيئة، فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه، ووقع الرعب والمهابة في قلوبهن. قال: وحمل الآية على هذا الوجه أولى اهـ خازن.\rقوله: وَقَطَّعْنَ أي جرحن أيديهن حتى سال الدم، وليس المراد التقطيع الحقيقي هذا هو المراد من التفاسير اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن الألم لدهشتهن وشغل قلوبهن بيوسف. قال مجاهد: فما أحسسن إلا بالدم، وقال قتادة:\rأبنّ أيديهم حتى ألقينها، والأصح أنه كان قطعا من غير إبانة. وقال وهب: مات منهن جماعة اهـ.\rقوله: وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ بإثبات ألف بعد الشين وحذفها وهما قراءتان سبعيتان، وهذا بالنظر للنطق، وأما رسم المصحف فلا تكتب فيه ألف بعد الشين وإن نطق بها، وقوله: (تنزيها له) أي عن صفة العجز عن خلق هذا وأمثاله أي تنزيها للّه عن العجز حيث قدر على خلق مثل هذا اهـ شيخنا.\rقوله: ما هذا بَشَراً أي معاذ اللّه أن يكون هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم يعني على اللّه، والمقصود من هذا اثبات الحسن العظيم المفرط ليوسف، لأنه قد تقرر في النفوس أنه لا شيء أحسن من الملك، فلذلك وصفنه بكونه ملكا. وقيل: لما كان الملك مطهرا من بواعث الشهوة وجميع الآفات والحوادث التي تحصل للبشر وصفن يوسف بذلك اهـ خازن.\rقوله: (شطر الحسن) في المصباح المختار: شطر كل شيء نصفه اهـ.\rقوله: قالَتْ فَذلِكُنَ ذا اسم إشارة للقريب وكان حاضرا بالمجلس بدليل قوله الآتي: (فقلن له أطع مولاتك) وإنما قرن باللام للتعظيم، فلام البعد هنا لتعظيم رتبته لا لبعده عن المجلس أو لبعد رتبته وحالته عن رتبة غيره من البشر، فلذا فسرها الشارح بهذا التي للقريب، وقوله (الذي) خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي كما قال الشارح. قوله: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ الخ أي فامتنع من ذلك الفعل الذي طلبته منه، واللام لام قسم، وإنما صرحت بذلك لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن، لأنه قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته اهـ خازن.\rقوله: فَاسْتَعْصَمَ السين زائدة كما أشار له بقوله امتنع واعتصم اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لام قسم وإن شرطية وجواب الشرط محذوف على القاعدة في","part":4,"page":31},{"id":1050,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 32\rمِنَ الصَّاغِرِينَ (32) الذليلين، فقلن له أطع مولاتك\rقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ أمل إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ أصر مِنَ الْجاهِلِينَ (33) المذنبين والقصد بذلك الدعاء، فلذا اجتماعهما دلّ عليه القسم جواب المذكور تقديره يسجن ويكن اهـ شيخنا.\rقوله: ما آمُرُهُ به أشار إلى أن ما موصولة أي: الذي آمره به من قضاء شهوتي فالضمير للموصول، ويصح كونها مصدرية أي ولئن لم يفعل يوسف أمري أي: موجب أمري ومقتضاه اهـ كرخي.\rقوله: وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ أي: من الاذلاء، وهو من صغر بكسر الغين يصغر صغرا كفرح يفرح فرحا وصغارا، والصغير من صغر بالضم صغرا اهـ بيضاوي.\rقوله: قالَ رَبِ أي يا رب، وقوله: السِّجْنُ أي دخوله لما علمت من أن السجن بالكسر اسم للمكان والمحبوب دخوله لا ذاته اهـ شيخنا.\rقوله: أَحَبُّ إِلَيَ أي عندي، قال أبو حبان: وأحب ليست على بابها من التفضيل لأنه لم يحبب إليه ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شران فآثر أحدهما على الآخر، وإن كان في أحدهما مشقة وفي الآخر لذة اهـ كرخي.\rوقال بعضهم: لو لم يقل السجن أحب إلي لم يبتل به، فالأول بالعبد أن يسأل اللّه العافية اهـ خازن.\rقوله: مِمَّا يَدْعُونَنِي فعل مضارع مبني على سكون الواو، والنون الأولى نون النسوة، والثانية نون الوقاية فهو مثل النسوة يعفون. قالوا: وليست ضميرا بل هي لام الكلمة، فليس من الأفعال التي ترفع بالنون اهـ شيخنا.\rوأضاف الفعل إليهن لأنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن، وقيل: لأنهن لما قلن له أطع مولاتك صح إضافة الدعاء إليهن جميعا اهـ خازن.\rقوله: أَصْبُ إِلَيْهِنَ الصبوة الميل إلى الهوى، ومنه ريح الصبا، لأن النفس تستطيبها وتميل إليها اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: وصبا صبوا من باب قعد، وصبوة أيضا مثل شهوة مال اهـ.\rقوله: (و القصد بذلك) أي بقوله: وإلا تصرف عني الخ فكأنه يقول: اللهم اصرف عني كيدهن لأجل أن لا أصير من الجاهلين، لأنك إن لم تصرفه عني صرت منهم، إذ لا قدرة لي على الامتناع إلا بإعانتك وإسعافك لي اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وهذا فزع منه عليه السّلام، والتجاء إلى ألطاف اللّه تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جنات اللّه عز وجل وسلب القوى، والقدر عن أنفسهم مبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث: أدركني وإلّا هلكت اهـ.","part":4,"page":32},{"id":1051,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 33\rقال تعالى\rفَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ دعاءه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (34) بالفعل\rثُمَّ بَدا ظهر لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الدالات على براءة يوسف أن يسجنوه دل على هذا لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى إلى حِينٍ (35) ينقطع فيه كلام الناس فسجن\rوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ غلامان للملك أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه فرأياه يعبر الرؤيا فقالا: لنختبرنه قالَ قوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي للعزيز وأصحابه المشاركين له في الرأي، وذلك أنهم لما أرادوا لأم الحال وتسكين هذه الإشاعة، خصوصا وقد قالت زليخا لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني عند الناس يخبرهم أني راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر إليهم، وإما أن تسجنه، فظهر لهم سجنه لما فيه من المصلحة بحسب رأيهم مع علمهم ببراءته ونزاهته اهـ خازن.\rوبدا: فعل ماض وفاعله محذوف تقديره سجنه، كما قدره الشارح بقوله: أن يسجنوه، وقوله:\rلَيَسْجُنُنَّهُ لام قسم محذوف وذلك القسم وجوابه معمول لقول مضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال أي ظهر لهم كذلك قائلين واللّه ليسجننه اهـ سمين. وسجن من باب قتل كما في المصباح.\rقوله: حَتَّى حِينٍ وهو سبع سنين أو اثنا عشر سنة كما سيأتي في الشارح اهـ.\rقوله: وَدَخَلَ مَعَهُ أي في صحبته. أي: صاحباه في الدخول، فدخل الثلاثة في وقت واحد، وهذا معطوف على ما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (غلامان) وكانا عبدين للملك سمي أحدهما وهو الساقي (سرهم) وسمي الآخر وهو الخباز (برهم) والغلام يطلق على الإنسان من ولادته إلى شيبه كما في كتب اللغة، ففي القاموس:\rوالغلام الطار الشارب والكهل ضده، أو من حين يولد إلى أن يشيب والجمع أغلمة وغلمان، وهي غلامة اهـ.\rقوله: (للملك) أي: ملك مصر وهو الريان بن الوليد العمليقي ملك مصر اهـ من الخازن.\rوسيأتي في الشارح أيضا عند قوله: (و قال الملك الخ) فليس المراد به العزيز الذي اشترى يوسف، لأنه إذ ذاك كان وزيرا للملك الكبير، وكان يسمى قطفير كما سبق. وسبب سجن هذين الغلامين أن جماعة من أهل مصر أرادوا قتل الملك، فجعلوا لهما رشوة على أن يسما الملك في طعامه وشرابه، فأجابا ثم إن الساقي ندم ورجع، والخباز قبل الرشوة وسم الطعام، فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، فقال الخباز: لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب من الشراب فشرب، وقال للخباز: كل من الطعام فأبى، فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت فأمر بحبسهما فاتفق أنهما دخلا مع يوسف اهـ خازن.\rقوله: (فرأياه يعبر) أي يفسر، وعبارة الخازن: فلما دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام اهـ.\rولذلك جوزوا للخامل أن يعين نفسه حتى يعرف فيقتبس منه اهـ بيضاوي.\rقوله: (فقالا لنختبرنه) أي: فدعواهما الرؤيا غير صادقة، وإنما غرضهما مجرد تجربة صدق","part":4,"page":33},{"id":1052,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 34\rأَحَدُهُما وهو الساقي إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً أي عنبا وَقالَ الْآخَرُ صاحب الطعام إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا خبرنا بِتَأْوِيلِهِ بتعبيره إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قوله، كما سيصرح بهذا في آخر القصة حيث قال: فقالا ما رأينا شيئا، وقيل: إنهما رأيا حقيقة وقصدا تفسير ما رأياه كما سيأتي بسطه هناك عن الخازن اهـ.\rقوله: قالَ أَحَدُهُما مستأنف لا محل له من الإعراب، ولا يجوز أن يكون حالا لأنهما لم يقولا ذلك حال الدخول، ولا جائز أن تكون مقدرة لأن الدخول لا يؤول إلى الرؤيا، وكان بين دخولهم السجن وبين الرؤيا خمس سنين، وإني وما في حيزه في محل نصب بالقول، وأراني هنا متعد لمفعولين عند بعضهم إجراء للحلمية مجرى العلمية، فتكون الجملة من قوله: أَعْصِرُ خَمْراً في محل المفعول الثاني، ومن منع كانت عنده في محل الحال، وجرت الحلمية مجرى العلمية في اتحاد فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين ومنه الآية الكريمة، فإن الفاعل والمفعول متحدان في المعنى، إذ هما للمتكلم وهما ضميران متصلان، ومثله رأيتك في المنام قائما وزيد رآه قائما، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر، وإذا دخلت همزة النقل على هذه الحلمية تعدت لثالث، وقد تقدم في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً [الأنفال: 43] والخمر العنب، وأطلق عليه ذلك مجازا، لأنّه آيل إليه كما يطلق الشيء على الشيء باعتبار ما كان عليه كقوله: وَآتُوا الْيَتامى [النساء: 2] وقيل: بل الخمر هو العنب حقيقة في لغة غسان وأزدعمان. وعن المعتمر: لقيت أعرابيا حاملا عنبا في وعاء فقلت: ما تحمل؟ فقال خمرا.\rوقراءة أبيّ وعبد اللّه أعصر عنبا لا تدل على الترادف لإرادتهما التفسير لا التلاوة، وهذا كما في مصحف عبد اللّه فوق رأسي ثريدا، فإنه أراد التفسير فقط، وتأكل الطير منه صفة خبزا، وفوق يجوز أن يكون ظرفا للحمل، وأن يتعلق بمحذوف حالا من خبزا لأنه في الأصل صفة له، والضمير في قوله:\rنَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ قال الشيخ: عائد على ما قصا عليه أجري مجرى اسم الإشارة كأنه قيل: بتأويل ذلك، وقد سبقه إليه الزمخشري وجعله سؤالا وجوابا، وقال غيره: إنما وحد الضمير لأن كل واحد سأل عن رؤياه، فكأن كل واحد قال نبئني بتأويل ما رأيت. وترزقانه صفة لطعام اهـ سمين.\rقوله: (و هو الساقي) أي صاحب شراب الملك إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً يعني عنبا سمى العنب خمرا باسم ما يؤول إليه. يقال: فلان يطبخ الآجر أي يطبخ اللبن حتى يصير آجرا. وقيل: الخمر العنب بلغة عمان، وذلك أنه قال: رأيت في المنام كأني في بستان وفيه شجرة وعليها ثلاثة عناقيد من العنب، وكان كأس الملك في يدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه اهـ خازن.\rوعلى هذا لا يظهر قوله باسم ما يؤول إليه، لأن العنب الذي عصره لم يؤول للخمرية بل سقاه للملك عصيرا إلا أن يقال إنه يؤول للخمر في الجملة وإن لم يكن في خصوص تلك الواقعة اهـ.\rقوله: إِنِّي أَرانِي أي رأيتني، فالتعبير بالمضارع في الشقين حكاية للحال الماضية، وقوله:\rأَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً، وذلك أنه قال إني رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال، وفيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منها اهـ خازن.\rقوله: (خبّرنا) في نسخة أخبرنا. قوله: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني من العالمين بعبارة الرؤيا","part":4,"page":34},{"id":1053,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 35\rقالَ لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في منامكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في اليقظة قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما تأويله ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي فيه حث على إيمانهم ثم قواه والإحسان هنا بمعنى العلم، وسئل الضحاك ما كان إحسانه؟ فقال: كان إذا مرض إنسان في الحبس عاده وقام عليه، وإذا ضيق على أحد وسع عليه، وإذا احتاج أحد جمع له شيئا، وكان مع هذا يجتهد في العبادة ويصوم النهار ويقوم الليل كله للصلاة. وقيل: إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يسليهم ويقول: اصبروا وأبشروا. فقالوا: بارك اللّه فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في جوارك، فمن أين أنت؟ قال: أنا يوسف ابن صفي اللّه يعقوب ابن ذبيح اللّه إسحاق ابن خليل اللّه إبراهيم فقال له صاحب السجن: يا فتى واللّه لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأرفق بك وأحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت. وقيل: إن الفتيين لما رأيا يوسف قالا: إنا قد أحببناك منذ رأيناك، فقال لهما يوسف: أنشدكما باللّه لا تحباني فو اللّه ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من ذلك بلاء، وأحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست. ولما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبرها لهما حين سألاه لما علم ما فيها من المكروه لأحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة والدعاء إلى التوحيد، لأنه علم أن أحدهما هالك، فأراد أن يدخله في الإسلام فبدأ بإظهار المعجزة لهذا السبب، فقال: لا يأتيكما طعام الخ اهـ خازن. وقصة عمته سيأتي بسطها عند قوله: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ الخ.\rقوله: (مخبرا أنه عالم الخ) أي لأجل أن يقبلوا عليه ويؤمنوا به أي: وأخبرهما بما ذكر توطئة لدعائهما إلى الإيمان بقوله: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ الخ، وليس هو تعبير الرؤيا، وإنما تعبيرها هو قوله الآتي: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما الخ اهـ.\rقوله: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ حمله هذا المفسر على أن المراد إتيانه في المنام، والمعنى أي طعام رأيتماه في المنام وأخبرتماني به فسرته لكما قبل أن يقع في الخارج طبق وقوعه، وعلى هذا فلعله خص رؤية الطعام دون غيرها، لأنهما من أهل الطعام والشراب، وغالب رؤياهما تتعلق بهما، وجرى غيره على أن المراد إتيان الطعام لهما في اليقظة، فعلى هذا يكون هذا وعدا بأن يخبرهما بعلم الغيب عن كل طعام أتاهما قبل إتيانه من باب الكشف بنور النبوة، لأجل أن يعتقدا صدقه فيمتثلا قوله ودعاء لهما إلى الإسلام، هذا هو مقصوده بها الوعد. وفي الخازن ما نصه: قال: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قيل أراد به في النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما إلا أخبرتكما خبره في اليقظة. وقيل: أراد به في اليقظة يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه من منازلكما يعني تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره وكيفيته والوقت الذي يصل إليكما فيه قبل أن يأتيكما يعني قبل أن يصل إليكما وأي الطعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم وهذا مثل معجزة عيسى عليه السّلام حيث قال وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فقالا ليوسف: هذا من علم العرافين والكهنة، فمن أين لك هذا العلم؟\rفقال لهما: ما أنا بكاهن ولا عرّاف، وإنما ذلك إشارة إلى المعجزة والعمل الذي أخبرهما به اهـ.\rقوله: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي يعني أن هذا الذي أخبرتكما به وحي من اللّه أوحاه إليّ وعلم علمنيه اهـ خازن.","part":4,"page":35},{"id":1054,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 36\rبقوله إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ دين قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ تأكيد كافِرُونَ (37)\rوَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ ينبغي لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ لعصمتنا ذلِكَ التوحيد مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَشْكُرُونَ (38) للّه فيشركون ثم صرح بدعائهما إلى الإيمان فقال\rيا صاحِبَيِ ساكني السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ قوله: (فيه حث) أي فيما ذكر من قوله: لا يَأْتِيكُما الخ، حث أي تعريض وتلميح إلى طلب الإيمان منهما، ثم قواه أي قوى هذا الحث والتعريض بقوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ الخ، ثم صرح بالدعاء إلى الإيمان صريحا بقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: فيه حث على إيمانهما أي حيث أعلمهما بما خصه اللّه به من النبوة، وأن يقوله بوحي من اللّه تعالى لا من جهة الكهانة والاستثناء مفرغ. وفي موضع الجملة بعده وجهان، أحدهما: أنهما في محل نصب على الحال، وساغ ذلك من النكرة لتخصصها بالوصف. والثاني: أن تكون في محل رفع نعتا ثانيا لطعام، والتقدير لا يأتيكما طعام من رزق إلا حال كونه منبأ بتأويله الواقع قبل إتيانه، وإليه أشار في التقرير اهـ.\rقوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ الترك: عبارة عن عدم التلبس بالشيء من أول الأمر وعدم الالتفات إليه بالكلية اهـ من الخازن.\rقوله: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي الخ لما ادعى النبوة وأظهر المعجزة أظهر أنه من أهل بيت النبوة، وقد كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب مشهورين بها وبالرسالة، وذكر الفخر الرازي أنه نبىء في السجن اهـ من الخازن.\rقوله: ما كانَ لَنا أي لا يصح ولا يمكن لنا الخ، وقوله: مِنْ شَيْءٍ أي شيء كان من ملك أو انسي أو جني، فضلا أن نشرك به صنما لا يسمع ولا يبصر اهـ خازن.\rقوله: (زائدة) أي في المفعول. قوله: (لعصمتنا) أي فليس المراد من قوله: ما كانَ لَنا أنه حرم ذلك عليهم، بل المراد أنه تعالى طهره وطهر آباءه عن الكفر، كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: 35] فهذا جواب عن سؤال وهو أن حال كل المكلفين كذلك، فالجواب ما ذكر من أنه ليس المراد الخ اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أي بالوحي، وَعَلَى النَّاسِ أي: وعلى سائر الناس ببعثتنا لإرشادهم وتنبيههم عليه، ولكن أكثر الناس المبعوث إليهم لا يشكرون هذا الفضل فيعرضون عنه ولا ينتبهون، أو من فضل اللّه علينا وعليهم بنصب الدلائل وإنزال الآيات، ولكن أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلون بها، فيلغونها كمن يكفر النعمة ولا يشكرها اهـ بيضاوي.\rقوله: (ثم صرح) معطوف على قوله ثم قواه.\rقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ يجوز أن يكون من باب الإضافة للظرف، إذ الأصل يا صاحبي في السجن، ويجوز أن يكون من باب الإضافة إلى الشبيه بالمفعول به، والمعنى يا ساكني السجن كقوله (أصحاب النار) اهـ سمين.","part":4,"page":36},{"id":1055,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 37\rخَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) خبر استفهام تقرير\rما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي غيره إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها سميتم بها أصناما أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ حجة وبرهان إِنِ ما الْحُكْمُ القضاء إِلَّا لِلَّهِ وحده أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ التوحيد الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (40) ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون\rيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما أي الساقي فيخرج بعد ثلاث فَيَسْقِي رَبَّهُ سيده خَمْراً على عادته وَأَمَّا الْآخَرُ فيخرج بعد ثلاث فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ هذا تأويل رؤياكما فقالا ما رأينا شيئا فقال قُضِيَ تم الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) سألتما عنه قوله: مُتَفَرِّقُونَ أي من ذهب وفضة وحديد وخشب وحجارة وغير ذلك اهـ خازن.\rقوله: (استفهام تقرير) أي طلب الإقرار بجواب الاستفهام. أي: أقروا واعلموا أن اللّه هو الخير اهـ شيخنا.\rقوله: ما تَعْبُدُونَ الخ خطاب لأهل السجن جميعا لا لخصوص الصاحبين اهـ خازن.\rقوله: (سميتم بها أصناما) أي من غير حجة تدل على تحقيق مسمياتها فيها، فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة. والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الإلهية عقل ولا نقل آلهة، ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها اهـ بيضاوي.\rقوله: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا الخ يجوز في أمر أن يكون مستأنفا وهو الظاهر، وأن يكون حالا اهـ سمين.\rقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ الخ لما فرغ من الدعاء إلى اللّه وعبادته رجع إلى تعبير رؤياهما، فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ الخ اهـ خازن.\rقوله: (فيخرج بعد ثلاث) أي من الأيام، وهي العناقيد الثلاثة التي عصرها، ففسر الثلاثة ببقائه السجن ثلاثة أيام اهـ خازن.\rقوله: (سيده) أي الملك. قوله: وَأَمَّا الْآخَرُ (فيخرج بعد ثلاث) أي من الأيام وهي السلال الثلاث، ففسرها بثلاث أيام يمكثها في السجن اهـ شيخنا.\rقوله: (فقالا ما رأينا شيئا) أي وإنما ادعينا أنا رأينا لنختبرك ونجربك، وهذا أحد قولين، والآخر أنهما رأيا حقيقة. وفي الخازن ما نصه: وكان يوسف لما دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام فقال أحد الغلامين لصاحبه. هلم فلنجرب هذا العبد العبراني فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئا. قال ابن مسعود: ما رأيا شيئا إنما تحالما ليجربا يوسف، وقال قوم: بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقة، فرآهما وهما مهمومان، فسألهما عن شأنهما، فذكرا، أنهما غلامان للملك وقد حبسهما، وقد رأيا رؤيا قد أهمتهما، فقال يوسف: قصّا عليّ ما رأيتما فقصّا عليه ما رأياه اهـ.\rقوله: قُضِيَ أي وجب حكم اللّه عليكما بالذي أخبرتكما به رأيتما أو لم تريا شيئا، فالمراد بالأمر ما يؤول إليه أمركما، ولذلك وحده فإنهما وإن استفتيا في أمرين، لكنهما أرادا استبانة عاقبة ما نزل بهما اهـ بيضاوي.","part":4,"page":37},{"id":1056,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 38\rصدقتما أم كذبتما\rوَقالَ لِلَّذِي ظَنَ أيقن أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا وهو الساقي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ سيدك فقل له إن في السجن غلاما محبوسا ظلما. فخرج فَأَنْساهُ أي الساقي الشَّيْطانُ ذِكْرَ يوسف عند رَبِّهِ فَلَبِثَ مكث يوسف فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) قيل سبعا وقيل وفي السمين: قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ قال الزمخشري: ما استفتيا في أمر واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا من أجله اهـ.\rقوله: (سألتما) أي فالمضارع بمعنى الماضي.\rقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا الظان هو يوسف عليه السّلام لا صاحبه، لأن التوصية المذكورة لا تدور على ظن الناجي، بل على ظن يوسف، وهو بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى:\rإِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة: 20] فالتعبير بالوحي كما ينبىء عنه قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ الخ، وقيل: هو بمعناه والتعبير بالاجتهاد، وكذا قوله قُضِيَ الْأَمْرُ اجتهادي أيضا اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْهُمَا حال أي حال كون الناجى من جملة الاثنين، وقوله وهو الساقي تفسير للموصول. قوله: (سيدك) وهو الملك. وقوله: (غلاما محبوسا) أي طال حبسه ظلما خمس سنين قوله: (أي الساقي) هذا أحد قولين في تفسير الضمير، والقول الآخر أنه يعود على يوسف. وعبارة الخازن: في هاء الكناية في أنساه قولان.\rأحدهما: أنها تعود إلى الساقي، وهو قول جماعة من المفسرين، والمعنى فأنساه الشيطان أن يذكر يوسف عند الملك. قالوا: لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل الساقي حيث أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف.\rوالقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن هاء الكناية ترجع إلى يوسف، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه عز وجل حتى ابتغى الفرج من غيره، واستعان بمخلوق مثله، وذلك غفلة عرضت ليوسف عليه السّلام، فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر، وإن كان جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف على المقامات، ورتبته أعلى المراتب، وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار يوسف مؤاخذا بهذا القدر، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.\rفإن قلت: كيف تمكن الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه؟ قلت: بشغل الخاطر، وإلقاء الوسوسة، فإنه قد صح في الحديث: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». فأما النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن القلب بالكلية فلا يقدر عليه اهـ. قوله: (قيل سبعا) خمس منها قبل قوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، واثنتان بعد ذلك، هذا هو الصحيح، قوله: (و قيل اثني عشر) ما يضعفه أن البضع يقال على العدد من الثلاثة إلى التسعة، فالاثنا عشر ليست من استعمالاته اهـ شيخنا.\rوعلى هذا القول الثاني كان مكثه قبل القول المذكور خمسا وبعده سبعا وفي البيضاوي: وفي الحديث: «رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس» اهـ.","part":4,"page":38},{"id":1057,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 39\rاثنتي عشرة\rوَقالَ الْمَلِكُ ملك مصر الريان بن الوليد إِنِّي أَرى أي رأيت سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَ يبتلعهن سَبْعَ من البقر عِجافٌ جمع عجفاء وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ أي وفي القرطبي: وفي المدة التي لبثها مسجونا ثلاثة أقوال، أحدها: سبع سنين قاله ابن جريج، وقتادة، ووهب بن منبه. قال وهب: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. الثاني: اثنتا عشرة قاله ابن عباس، الثالث: أربع عشرة سنة قاله الضحاك. وقال مقاتل، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا، واشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته فهو قطعة من العدد، فعاقب اللّه يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. وقال وهب بن منبه: حبس يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين. وقال عبد اللّه بن راشد البصري، عن سعيد بن أبي عروبة أن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة انتهى اهـ.\rقوله: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى الخ لما دنا فرج يوسف وأراد اللّه اخراجه من السجن رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى في منامه سبع بقرات سمان قد خرجن من البحر، ثم خرج بعدهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال والضعف، فابتلعت العجاف السمان ودخلن في بطونهن، ولم ير منهن شيء ولم يتبين على العجاف شيء منها، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعا أخر يابسات قد استحصدن، فالتوت اليابسات على الخضر حتى علون عليهن، ولم يبق من خضرتهن شيء، فقلق الملك واضطرب، وذلك لأنه لما شاهد الناقص الضعيف قد استولى على القوي الكامل حتى غلبه وقهره أراد أن يعرف ذلك، فجمع سحرته وكهنته ومعبريه، وأخبرهما بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها، فاعجز اللّه بقدرته جماعة الكهنة والمعبرين عن تأويل هذه الرؤيا ومنعهم من الجواب، ليكون ذلك سببا لخلاص يوسف من السجن اهـ خازن.\rقوله: إِنِّي أَرى أي في منامي، وقوله: (أي رأيت) أشار به إلى أنه من التعبير بالمستقبل عن الماضي، كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: 102] أي تلته، ويجوز أن يكون حكاية حال ماضية اهـ كرخي.\rقوله: سِمانٍ صفة لبقرات، وهو جمع سمينة، ويجمع سمين أيضا عليه، يقال: رجال سمان، كما يقال نساء كرام ورجال كرام، والسمن مصدر سمن يسمن فهو سمين، فالمصدر والاسم جاءا على غير قياس: إذ قياسهما سمنا بالفتح فهو سمن نحو: فرح فرحا فهو فرح اهـ.\rوفي المصباح: سمن يسمن من باب تعب، وفي لغة من باب قتل إذا كثر لحمه وشحمه، ويتعدى بالهمزة والتضعيف اهـ.\rقوله: (جمع عجفاء) أي جمع سماعي، والقياسي عجف على حد قول ابن مالك:\rفعل لنحو أحمر وحمراء\r\rلكنه حمل على سمان لأنه نقيضه اهـ بيضاوي.\rقوله: خُضْرٍ أي انعقد حبها، وقوله: وَأُخَرَ يابِساتٍ أي قد بلغت أوان الحصاد، وأخر","part":4,"page":39},{"id":1058,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 40\rسبع سنبلات يابِساتٍ قد التوت على الخضر وعلت عليها يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ بينوا لي تعبيرها إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) فاعبروها\rقالُوا هذه أَضْغاثُ أخلاط أَحْلامٍ وَما نَحْنُ نسق على سبع لا على سنبلات، ويكون قد حذف اسم العدد من قوله: وَأُخَرَ يابِساتٍ. والتقدير وسبعا أخر، وإنما حذف لأن التقسيم في البقرات يقتضي التقسيم في السنبلات اهـ سمين.\rقوله: (و علت عليها) أي وامتصت الرطوبة التي فيها اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ هم السحرة والكهنة والمعبرون للرؤيا اهـ خازن.\rقوله: تَعْبُرُونَ من باب نصر ينصر، ويستعمل أيضا بالتشديد كعلم يعلم تعليما اهـ شيخنا.\rأي إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهو المجاوزة، وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها بالتشديد تعبيرا، واللام للبيان أو لتقوية العامل اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، كما تقول عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه اهـ.\rوفي المصباح: عبرت النهر عبرا من باب قتل، وعبورا أيضا قطعته إلى الجانب الآخر، وعبرت الرؤيا عبرا أيضا وعبارة فسرتها وبالتثقيل مبالغة، وفي التنزيل إن كنتم للرؤيا تعبرون اهـ.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا فيه أوجه.\rأحدها: أن اللام فيه مزيدة فلا تعلق لها بشيء، وزيدت لتقدم المعمول مقوية للعامل، كما زيدت فيه إذا كان العامل فرعا كقوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: 107، والبروج: 16] ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة، وبعضهم يقول الأكثر أن لا تزاد، ويحترز بالأكثر من قوله: رَدِفَ لَكُمْ فزيدت فيه اللام ولا تقدم ولا فرعية.\rالثاني: أن يضمن تعبرون معنى ما يتعدى باللام تقديره إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا.\rالثالث: أن يكون للرؤيا هو خبر كنتم، كما تقول كان فلانا لهذا الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا منه.\rوعلى هذا فيكون في تعبرون وجهان، أحدهما: أنه خبر ثان لكنتم. الثاني: أنه حال من الضمير المرتفع بالجار لوقوعه خبرا اهـ سمين.\rقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي هذه أضغاث أحلام وهي تخاليطها جمع ضغث، وأصله ما جمع وحزم من أخلاط النبات كالحزمة من الحشيش فاستعير الرؤيا الكاذبة، وإنما جمعوا للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان أو لتضمنه أشياء مختلفة. وقوله: وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة. أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدمة ثانية للعذر بجهلهم بتأويله اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و إنما جمعوا) أي جمعوا الضغث وجعلوه خبرا لهذه الرؤيا مع أنها ليست إلا رؤيا واحدة للمبالغة، فإن لفظ الجمع كما يدل كثرة الذوات يدل أيضا على المبالغة في الاتصاف اهـ زاده.","part":4,"page":40},{"id":1059,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 41\rبِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44)\rوَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما أي من الفتيين وهو الساقي وَادَّكَرَ فيه إبدال التاء وفي أبي السعود ما نصه: أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليطها جمع ضغث، وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحزم، ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان وتراها في المنام، والأحلام جمع حلم وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها والإضافة على معنى من أي هي أضغاث من أحلام أخروجها من جنس الرؤيا التي لها عاقبة تؤول إليها ويعتنى بأمرها وجمعوها، وهي رؤيا واحدة مبالغة في وصفها بالبطلان، كما في قولهم: فلان يركب الخيل ويلبس العمائم لمن لا يملك إلا فرسا واحدة وعمامة فردة، أو لتضمنها أشياء مختلفة من البقرات السبع السمان والسبع العجاف، والسنابل السبع الخضر والأخر اليابسات، فتأمل حسن موقع الأضغاث مع السنابل فاللّه در شأن التنزيل اهـ.\rوفي السمين ما نصه: أضغاث خبر مبتدأ مضمر أي هي أضغاث يعنون ما قصصته علينا، والجملة منصوبة بالقول، والأضغاث: جمع ضغث بكسر الضاد، وهو ما جمع من النبات سواء كان جنسا واحدا أو أجناسا مختلطة، وهو أصغر من الحزمة، وأكبر من القبضة، فمن مجيئه من جنس واحد قوله تعالى:\rوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً [ص: 44]. روي في التفسير أنه أخذ عثكالا من نخلة. وفي الحديث: أنه أتي بمريض وجب عليه حد ففعل به ذلك. وقال الزمخشري: وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم الواحد ضغث، وقال الراغب: الضغث قبضة ريحان أو حشيش أو قبضتان: قلت: وقد تقدم أنه أكبر من القبضة، والباء في بتأويل متعلقة بعالمين، وفي بعالمين لا تعلق لها لأنها زائدة إما في خبر الحجازية أو التميمية، وقولهم ذلك يحتمل أن يكون نفيا للعلم بالرؤيا مطلقا، وأن يكون نفيا للعمل بتأويل الأضغاث منها خاصة دون المنام الصحيح، وقال أبو البقاء: أي بتأويل أضغاث الأحلام، ولا بدّ من ذلك لأنهم لم يدعوا الجهل بتعبير الرؤيا اهـ.\rقوله: وَقالَ الَّذِي نَجا أي بعد أن جلس بين يدي الملك، وقال له: إن في السجن رجلا عالما بتعبير الرؤيا اهـ خازن.\rقوله: وَادَّكَرَ فيه وجهان، أحدهما: أنه جملة حالية إما من الموصول، وإما من عائده وهو فاعل نجا. والثاني: أنه عطف على نجا فلا محل له لنسقه عن ما لا محل له اهـ سمين.\rقوله: (فيه ابدال التاء) أي تاء الافتعال الزائدة، لأنه من الذكر، وقوله: (و إدغامها) أي الدال المنقلبة عن التاء، وقوله (في الدال) النسخة التي كتب عليها المحشي في الدال بعد قلبها دالا، وعلى كل حال ففي العبارة قلب إذ الدال المنقلبة عن التاء مدغم فيها لا مدغمة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والعامة على ادكر بدال مهملة مشددة وأصلها إذتكر افتعل من الذكر، فوقعت تاء الافتعال بعد الذال، فأبدلت دالا فاجتمع متقاربان فأبدل الأول من جنس الثاني وأدغم، وقرأ الحسن بذال معجمة ووجهوها بأنه ابدال للتاء من جنس الأول وأدغم، وكذا الحكم في مدكر كما سيأتي في سورته إن شاء اللّه تعالى اهـ.","part":4,"page":41},{"id":1060,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 42\rفي الأصل دالا وإدغامها في الذال أي تذكر بَعْدَ أُمَّةٍ حين حال يوسف أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) فأرسلوه فأتى يوسف فقال يا\rيُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ الكثير الصدق أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي الملك وأصحابه لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) تعبيرها\rقالَ تَزْرَعُونَ أي ازرعوا سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً متتابعة وهي قوله: بَعْدَ أُمَّةٍ بضم الهمزة وتشديد الميم وتاء منونة وهي المدة الطويلة، وقرأ الأشهب العقيلي: بكسر الهمزة وفسروها بالنعمة أي بعد نعمة أنعم بها عليه، وهي خلاصة من السجن ونجاته من القتل. وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي، وقتادة، والضحاك، وأبو رجاء أمه بفتح الهمزة وتخفيف الميم وهاء منونة، والأمه هو النسيان يقال أمه يأمه أمها، وأمها بفتح الميم وسكونها والسكون غير مقيس اهـ سمين.\rقوله: (حين) وهو سنتان أو سبع أو تسع، وسمي الحين من الزمان أمة لأنه جماعة أيام، والأمة الجماعة اهـ من الخازن.\rقوله: (حال يوسف) أي من كونه عالما بتعبير الرؤيا، ومن وصيته له بقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بلفظ الجمع. إما أنه أراد به الملك مع جماعة السحرة والكهنة المعبرين، أو أراد الملك وحده وخاطبه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم اهـ خازن.\rوفي الشهاب: أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي أخبركم بمن عنده تأويله، أو أدلكم عليه أو أخبركم إذا سألته عنه اهـ.\rقوله: فَأَرْسِلُونِ أي إلى من عنده علمه أو إلى السجن اهـ بيضاوي.\rقوله: (فأرسلوه) إشارة إلى أن في الكلام حذف جمل ثلاث وجملة مجيء الرسول ليوسف في السجن أربع مرات: الأولى في قوله: فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ، والثانية في قوله: فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ، والثالثة في قوله: وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ لِيَعْلَمَ الخ، والرابعة في قوله: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي الخ يعلم ذلك كله من صنيع الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (الكثير الصدق) وصفه بذلك لأنه قد جربه في السجن في تعبير الرؤيا وفي غيره اهـ شيخنا.\rقوله: أَفْتِنا أي بيّن لنا في سبع بقرات أي في رؤيا ذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي أعود إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد، إذ قيل: إن السجن لم يكن فيه لعلهم يعلمون تأويلها أو فضلك ومكانتك، وإنما لم يبت الكلام فيهما، لأنه لم يكن جازما بالرجوع، فربما اخترمته المنية دونه ولا يعلمهم اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: بته بتا من بابي ضرب وقتل قطعه، وفي المطاوع فانبتّ كما يقال فانقطع وانكسر اهـ.\rقوله: قالَ تَزْرَعُونَ الخ حاصل تفسيره أنه أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة.","part":4,"page":42},{"id":1061,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 43\rتأويل السبع السمان فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ أي اتركوه فِي سُنْبُلِهِ لئلا يفسد إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) فادرسوه\rثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السبع المخصبات سَبْعٌ شِدادٌ مجدبات صعاب وهي تأويل السبع العجاف يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ من الحب المزروع في السنين المخصبات أي تأكلونه فيهن إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) تدخرون\rثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السبع المجدبات عامٌ والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وأول ابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي ازرعوا) حمله على الأمر ليناسب قوله فَذَرُوهُ، وإلا فالمناسب إبقاؤه على الخبرية، لأنه إخبار عن حالتهم التي ستحصل، ولأنه تفسير للرؤيا والتفسير إخبار لا الزام اهـ شيخنا.\rقوله: دَأَباً قرأ حفص بفتح الهمزة والباقون بسكونها. وهما لغتان في مصدر دأب يدأب أي داوم على الشيء ولازمه، وهذا كما قالوا ضأن وضأن ومعز ومعز بفتح العين وسكونها، وفي انتصابه وجهان، أحدهما: وهو قول سيبويه أنه منصوب بفعل مقدر تقديره تدأبون دأبا. والثاني: أنه مصدر واقع موقع الحال، فيكون فيه الأوجه المعروفة إما المبالغة، وإما وقوعه موقع الصفة، وإما على حذف مضاف أي دائبين، أو ذوي دأب أو جعلهم نفس الدأب مبالغة اهـ سمين.\rوأصل معنى الدأب التعب، ويكنى به عن العادة المستمرة، لأنها تنشأ عن مداومة العمل اللازم له التعب اهـ شهاب.\rقوله: (و هي تأويل السبع السمان) أي والسبع الخضر اهـ شيخنا.\rقوله: فَما حَصَدْتُمْ إلى قوله: تَأْكُلُونَ هذه نصيحة منه لهم خارجة عن التعبير اهـ بيضاوي. وما يجوز أن تكون شرطية أو موصولة اهـ سمين.\rقوله: فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ أي وبقصبه ليكون القصب علفا للدواب اهـ خازن.\rوفي المصباح: وسنبل الزرع فنعل بضم الفاء والعين الواحدة سنبلة والسبل مثله الواحدة سبلة مثل قصب وقصبة، وسنبل الزرع أخرج سنبله وأسبل أخرج سبله اهـ.\rقوله: (لئلا يفسد) عبارة أبي السعود فذروه في سنبله ولا تدرسوه كيلا يأكله السوس، كما هو شأن غلال مضر ونواحيها اهـ.\rقوله: (فادرسوه) يقال درس يدرس ككتب يكتب فعلا ومصدرا كما يقتضيه صنيع القاموس.\rقوله: (و هي تأويل السبع العجاف) أي والسبع اليابسات أيضا. قوله: (أي تأكلونه فيهن) أي فالإسناد مجازي تطبيقا بين المعبر والمعبر به اهـ بيضاوي.\rوفي أبي السعود: وإسناد الأكل إليهن مع أنه حال الناس فيهن مجازي، كما في نهاره صائم، وفيه تلويح بأنه تأويل لأكل العجاف السمان، واللام في لهن ترشح لذلك، فكأن ما ادخر في السنابل من الحبوب شيء قد هيىء وقدم لهن، كالذي يقدم للنازل، وإلا فهو في الحقيقة للناس فيهن اهـ.\rقوله: (تدخرون) أي للبذر، والإحصان الإحراز، وهو يقال لجعل الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع اهـ خازن.","part":4,"page":43},{"id":1062,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 44\rفِيهِ يُغاثُ النَّاسُ بالمطر وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) الأعناب وغيرها لخصبه\rوَقالَ الْمَلِكُ لما جاءه الرسول وأخبره بتأويلها ائْتُونِي بِهِ أي بالذي خبرها فَلَمَّا جاءَهُ أي يوسف الرَّسُولُ وطلبه قوله: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ الخ هذه بشارة منه لهم زائدة على تعبير الرؤيا، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب على العادة الإلهية حيث يوسع على عباده بعد تضييقه عليهم اهـ بيضاوي.\rقوله: فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ من الغيث على أن الألف منقلبة عن ياء، أو من الغوث على أنها منقلبة عن واو، والغيث مصدر غاث اللّه البلاد يغيثها غيثا إذا أنزل بها الغيث وهو المطر، والغوث الفرج وزوال الهم والكرب وعلى هذا يكون فعله رباعيا. يقال: استغاث اللّه فأغاثه أي أنقذه من الكرب الذي هو فيه كالقحط اهـ زاده.\rوفي السمين: قوله النَّاسُ يجوز أن تكون الألف عن واو وأن تكون عن ياء إما الغوث وهو الفرج وفعله رباعي يقال: أغاثنا اللّه من الغوث، وإما من الغيث وهو المطر، يقال: غيثت البلاد أي مطرت وفعله ثلاثي يقال: غاثنا اللّه من الغيث اهـ.\rوفي المصباح: أغاثه إغاثه إذا أعانه ونصره فهو مغيث، والغوث اسم منه، واستغاث به فأغاثه وأغاثهم اللّه برحمته كشف شدتهم، وأغاثنا المطر من ذلك فهو مغيث وأغاثنا اللّه بالمطر والاسم الغياث بالكسر اهـ.\rوفيه أيضا: الغيث المطر وغاث اللّه البلاد غيثا من باب ضرب أنزل بها الغيث، ويبنى للمفعول فيقال غيثت الأرض تغاث وغاث الغيث الأرض غيثا من باب ضرب أيضا نزل بها، وسمي النبات غيثا تسمية باسم السبب، ويقال رعينا الغيث اهـ.\rقوله: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ بالياء والتاء سبعيتان وعلى كليهما فالصاد مكسورة وبابه ضرب، كما في المصباح والقاموس، وقوله: الأعناب أي يعصرونها خمرا أي ويعصرون غيرها كالزيتون زيتا والسمسم دهنا اهـ خازن.\rقوله: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ مرتب على محذوف ذكره الشارح بقوله: لما جاءه الرسول أي حين جاءه الرسول وكان عليه أن يقدمه فيقول: فجاءه الرسول فأخبره بتأويلها، فقال الملك الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ، وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بفتيا يوسف وما عبر به رؤياه استحسنه الملك، وعرف أن الذي قاله كائن لا محالة. قال: ائتوني به حتى أبصر هذا الرجل الذي قد عبّر رؤياي بهذه العبارة، فرجع الساقي إلى يوسف وقال له: أجب الملك، فذلك فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ الخ اهـ.\rقوله: (أي بالذي عبرها) يستعمل بالتخفيف والتشديد، والأول أفصح اهـ شيخنا.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ مرتب على محذوف أي: فذهب الرسول لطلبه، فلما جاءه الخ اهـ شيخنا.","part":4,"page":44},{"id":1063,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 45\rللخروج قالَ قاصدا إظهار براءته ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ أن يسأل ما بالُ حال النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي سيدي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) فرجع فأخبر الملك فجمعهن\rقالَ ما خَطْبُكُنَ شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ هل وجدتن منه ميلا إليكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ وضح الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) في قوله: قوله: قالَ (قاصدا إظهار براءته الخ) عبارة البيضاوي: إنما تأنى وتوقف في الخروج، وقدم سؤال النسوة والفحص على حاله لتظهر براءة ساحته، ويعلم أنه سجن ظلما فلا يقدر الحاسد على أن يتوسل به إلى تقبيح أمره، وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتوقى مواضعها. وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة»، وإنما قال: فاسأله ما بال النسوة ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجا للملك على البحث وتحقيق الحال اهـ.\rقوله: إِلى رَبِّكَ وهو الملك، وقوله: ما بالُ النِّسْوَةِ العامة على كسر النون، وضمها عاصم في رواية أبي بكر عنه وليست بالمشهورة، وكذلك قرأها أبو حيوة، وقرئ اللائي بالهمز وكلاهما جمع للتي والخطب الأمر والشأن الذي فيه خطر، وهو في الأصل مصدر خطب يخطب، وإنما يخطب في الأمور العظام اهـ سمين.\rوفي المختار: الخطب الأمر تقول ما خطبك. قال الأزهري: أي ما أمرك، وتقول هذا خطب جليل وخطب يسير وجمعه خطوب اهـ. وكانت النسوة أربعين كما تقدم.\rقوله: إِنَّ رَبِّي (سيدي الخ) عبارة الخطيب: إن ربي أي اللّه بكيدهن عليم حيث قلن أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهنّ والاستشهاد بعلم اللّه تعالى عليه، وأنه بريء مما عيب به، والوعيد لهنّ على كيدهنّ وقيل: المراد بربي الملك وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا له، وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهنّ اهـ.\rقوله: (فجمعهن) وكانت زليخا معهنّ اهـ خازن.\rقوله: إِذْ راوَدْتُنَ هذا الظرف منصوب بقوله ما خطبكنّ، لأنه في معنى الفعل، إذ المعنى ما فعلتن وما أدرتن به في ذلك الوقت اهـ سمين.\rوخاطبهنّ جميعا، والمراد امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها، وقيل: خاطبهنّ لأنهن قلن ليوسف أطع مولاتك، فكأن هذا بمنزلة مراودتهنّ اهـ من الخازن.\rقوله: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أي تنزيها له من أن يتصف بالعجز عن خلق بشر عفيف مثل هذا اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ سُوءٍ أي خيانة في شيء من الأشياء اهـ.\rقوله: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ الخ لما علمت أن هذه المناظرات والتفحصات إنما هي بسببها كشف الغطاء صرحت بما هو الواقع، وقالت: الآن حصحص الحق أي انكشف، ولما علمت زليخا أن يوسف راعى جانبها حيث قال: ما بالُ النِّسْوَةِ الخ ولم يذكرها مع أن الفتن كلها إنما نشأت من جهتها كافأته على ذلك باعترافها بأن الذنب منها بقولها: أنا رادوته عن نفسه الخ اهـ زاده.","part":4,"page":45},{"id":1064,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 46\rهِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فأخبر يوسف بذلك فقال\rذلِكَ أي طلب البراءة لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في أهله بِالْغَيْبِ حال وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) ثم تواضع للّه فقال\r* وَما أُبَرِّئُ والآن منصوب بما بعده، وحصحص معناه تبين وظهر بعد خفاء قاله الخليل. قال بعضهم: هو مأخوذ من الحصة، والمعنى بانت حصة الحق من حصة الباطل، كما تتميز حصص الأراضي وغيرها.\rوقيل: بمعنى ثبت واستقر. وقال الراغب: حصحص الحق وذلك بانكشاف ما يغمره، وحص وحصحص نحو كف وكفكف، وحصه قطعه إما بالمباشرة، وإما بالحكم. والحصة: القطعة من الجملة وتستعمل استعمال النصيب اهـ سمين.\rقوله: (وضح) أي اتضح. وفي المصباح: وضح يضح من باب وعد وضوحا انكشف وانجلى اهـ.\rقوله: (فأخبر يوسف) أي أخبر الرسول يوسف بذلك أي: بجواب النسوة المذكور، وقول زليخا ما ذكر وهو معطوف على مقدر أي فجاء الرسول إلى يوسف فأخبره بذلك فقال يوسف ذلِكَ لِيَعْلَمَ الخ اهـ شيخنا.\rوهذه هي المرة الثالثة من مرات مجيء الرسول ليوسف في السجن. قوله: (فقال) أي يوسف ذلك أي طلب البراءة بقوله ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ الخ أي: قال هذا القول، وهو في السجن لأن خروجه سيذكر في قوله: وَقالَ الْمَلِكُ الخ هكذا قد جرى الشارح على أن قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ من كلام يوسف، وعليه أكثر المفسرين، وجرى بعضهم على أنه من كلام زليخا.\rوفي أبي السعود: وقيل: إن هذا من كلام امرأة العزيز، والمعنى ذلك الذي قلت ليعلم يوسف عليه السّلام أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بما هو الحق الواقع، وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت في حقه ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي أي إلا نفسا رحمها اللّه بالعصمة كنفس يوسف إن ربي غفور لمن استغفر من ذنبه واعترف به رحيم له، فعلى هذا يكون تأنيه عليه السّلام في الخروج من السجن لعدم رضاه ملاقاة الملك، وأمره بين ففعل ما فعل حتى تتبين نزاهته، وأنه إنما سجن بظلم عظيم مع ما له من الفضل ونباهة الشأن ليتلقاه الملك بما يليق به من الاعظام والاجلال وقد وقع اهـ.\rقوله: لِيَعْلَمَ (العزيز) أي قطفير زوج زليخا الذي هو وزير الملك الكبير اهـ.\rقوله: بِالْغَيْبِ يجوز أن تكون الباء ظرفية قال الزمخشري: أي مكان الغيب وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة، ويجوز أن تكون الباء لحال إما من الفاعل على معنى وأنا غائب عنه خفي عن عينيه، وإما من المفعول على معنى وهو غائب عني خفي عن عيني اهـ سمين.\rقوله: لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا ينفذه ولا يمضيه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة اهـ بيضاوي.\rأي: فهداية الكيد على الأول مجاز عن تنفيذه، وعلى الوجه الثاني المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم، فأوقع الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزا للمبالغة، لأنه إذا لم يهد","part":4,"page":46},{"id":1065,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 47\rنَفْسِي من الزلل إِنَّ النَّفْسَ الجنس لَأَمَّارَةٌ كثيرة الأمر بِالسُّوءِ إِلَّا ما بمعنى من رَحِمَ رَبِّي فعصمه إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)\rوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أجعله خالصا لي دون شريك فجاءه الرسول وقال أجب الملك فقال وودع أهل السجن ودعا لهم ثم اغتسل ولبس ثيابا السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى اهـ شهاب.\rولعل المراد منه أني لو كنت خائنا لما خلصني اللّه من هذه الورطة، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت برئيا مما نسبوني إليه اهـ كرخي.\rقوله: (ثم تواضع للّه) أي قال القول المذكور تواضعا للّه، وإلّا فيستحيل في حقه أن تأمره نفسه بالسوء لعصمته اهـ شيخنا.\rقوله: ما أُبَرِّئُ نَفْسِي هذه الجملة حال من قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ الخ أي: من عامله المقدر أي: طلبت البراءة ليعلم الخ والحال أني لم أقصد بذلك تنزيه نفسي ولا براءتها الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (الجنس) أي الذي في ضمن جميع الأفراد، ولو عبر باستغراق لكان أظهر، فالاستثناء متصل. وما في قوله إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي واقعة على نفس من النفوس، فلذلك كانت بمعنى من كما قال فقوله فعصمه فيه مراعاة لفظ ما لا معناها، وإلا لقال فعصمها اهـ شيخنا.\rقوله: (كثيرة الأمر) أي لصاحبها بالسوء هو لفظ جامع لكل ما يهم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، والسيئة الفعلة القبيحة. واختلفوا في النفس الأمارة بالسوء ما هي، فالذي عليه أكثر المحققين من المتكلمين وغيرهم أن النفس الإنسانية واحدة ولها صفات منها: الأمارة بالسوء، ومنها اللوامة، ومنها المطمئنة. فهذه الثلاث مراتب هي صفات لنفس واحدة، فإذا دعت النفس إلى شهواتها ومالت إليها فهي النفس الأمارة بالسوء، وإذا منعتها النفس اللوامة ولامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات، فتحصل عند ذلك الندامة على ذلك العمل القبيح، وهذا من صفات النفس المطمئنة. وقيل: إن النفس أمارة بالسوء بطبعها، فإذا زكت وصفت من أخلاقها الذميمة صارت مطمئنة اهـ خازن.\rقوله: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي وذلك أنه لما تبين للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه طلب حضوره إليه، فقال: ائْتُونِي بِهِ يعني بيوسف أستخلصه لنفسي أي: أجعله خالصا لنفسي. والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع شوائب الاشتراك، وإنما طلب الملك أن يستخلص يوسف لنفسه، لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة العزيزة ولا يشاركهم فيها أحد من الناس، وإنما قال الملك لما عظم اعتقاده في يوسف لما علم من غزارة علم يوسف وحسن صبره وإحسانه إلى أهل السجن وحسن أدبه وثباته عند المحن كلها، فلهذا حسن اعتقاد الملك فيه، وإذا أراد اللّه تعالى أمرا هيأ أسبابه، فألهم الملك ذلك فقال ائْتُونِي بِهِ الخ اهـ خازن.\rقوله: (و دعا لهم) وقال في دعائه: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعم عنهم الأخبار، وقوله (ثم اغتسل) أي ولما خرج من السجن كتب على بابه هذا بيت البلوى وقبر الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء اهـ خازن.","part":4,"page":47},{"id":1066,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 48\rحسانا ودخل عليه فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ له إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) ذو مكانة وأمانة على أمرنا فماذا ترى أن نفعل؟ قال اجمع الطعام وازرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وادخر الطعام قوله: (و دخل عليه) أي فسلم يوسف على الملك بالعربية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟\rقال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له يوسف بالعبرانية فقال له: وما هذا اللسان أيضا؟ قال يوسف:\rهذا لسان آبائي. وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، ولم يعرف هذين اللسانين، وكان كلما تكلم بلسان أجابه يوسف به، وزاد عليه بالعربية والعبرانية، فأعجب الملك أمره مع صغر سنه، إذ كان عمره يومئذ ثلاثين سنة، فأجلسه إلى جنبه، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أي كلم الملك يوسف، لأن مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبدأ بالكلام فيها، وإنما يبدأ به الملك اهـ خازن.\rوفي أبي السعود: والضمير المستكن في كلمه ليوسف والبارز للملك. أي: فلما كلمه يوسف إثر مجيئه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا الخ اهـ.\rقوله: فَلَمَّا كَلَّمَهُ معطوف على ما قدره الشارح بقوله: (فجاءه الرسول) الخ وهو ثمان جمل قد اختصر الكلام بحذفها اهـ شيخنا.\rقوله: مَكِينٌ أَمِينٌ يقال: اتخذ فلان عند فلان مكانة أي منزلة، وهي الحالة التي يتمكن بها صاحبها مما يريد، وقيل: المكانة المنزلة والجاه، والمعنى قد عرفنا أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نسبت إليه، ومكين كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا اهـ خازن.\rوفي المصباح: مكن فلان عند السلطان مكانة وزان ضخم ضخامة عظم عنده وارتفع، فهو مكين، ومكنته من الشيء جعلت له عليه سلطانا وقدرة، فتمكن منه واستمكن قدر عليه وله مكنة أي قوة وشدة، وأمكنته منه بالألف مثل مكنته وأمكنني الأمر سهل وتيسر اهـ.\rقوله: (فماذا ترى أن نفعل قال اجمع الطعام الخ) أي قال ذلك في سياق تعبير الرؤيا للملك مشافهة بعد التعبير السابق وهو في السجن، فقد روي أن الملك قال ليوسف عليه السّلام: أحب أن أسمع تأويل رؤياي منك شفاها، قال: نعم أيها الملك، ورأيت سبع بقرات سمان شهب حسان غير عجاف كشف لك عنهن النيل، فطلعن من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينا أنت تنظر إليهن وقد أعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمئه أي طينه الأسود سبع بقرات عجاف شعث غبر ملصقات البطون ليس لهن ضرع ولا أخلاف، ولهن أنياب وأضراس، وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسن السمان افتراس السبع، فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، وحطمن عظامهن، ومشمشن مخهن، فبينا أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل، ثم لم يظهر فيهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن. إذا سبع سنبلات خضر وسبع سنبلات أخر سود يابسات في منبت واحد، عروقهن في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك أي شيء هذا هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد أصولهن في الثرى والماء، إذ هبت الريح فردت أوراق اليابسات السود على الخضر المثمرات، فاشتعلت فيهن النار فأحرقتهن فصرن","part":4,"page":48},{"id":1067,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 49\rفي سنبله فتأتي إليك الخلق ليمتاروا منك فقال: ومن لي بهذا؟\rقالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أرض مصر إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) ذو حفظ وعلم بأمرها وقيل: كاتب حاسب سودا، فهذا ما رأيت أيها الملك، ثم انتبهت مذعورا. فقال الملك: واللّه ما أخطأت فيها شيئا، فما شأن هذه الرؤيا، وإن كانت عجبا فما هي بأعجب مما سمعت منك، وما ترى من تأويل رؤياي أيها الصديق؟ قال يوسف عليه السّلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتجعل ما يتحصل من ذلك الطعام الخزائن بقصبه وسنبله، فإنه أبقى له، فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب، وتأمر الناس أن يرفعوا الخمس من زرعهم أيضا، فيكفيك ذلك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، وتأتيك الخلق من سائر النواحي للميرة، ويجتمع عندك من الكنوز والأموال ما لم يجتمع لأحد من قبلك. فقال الملك: ومن لي بهذا، ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه؟\rفعند ذلك قال يوسف: اجْعَلْنِي الخ اهـ خازن.\rوفي القرطبي: ومن لي بتدبير هذه الأمور، ولو جمعت أهل مصر جميعا ما طاقوا ذلك، ولم يكونوا فيه أمناء فقال يوسف عند ذلك: اجْعَلْنِي الخ اهـ.\rقوله: (في سنبله) أي وقصبه أيضا اهـ خازن.\rقوله: (فقال ومن لي بهذا) أي وأي شخص يتكفل لي بهذا الأمر ويعينني عليه.\rقوله: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يعني على خزائن الطعام والأموال، وأراد بالأرض أرض مصر. أي: اجعلني على خزائن أرضك التي تحت يدك، وقال الربيع بن أنس: اجعلني على خزائن خراج مصر ودخلها إني حفيظ عليم. أي: حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. وقيل: معناه إني حاسب كاتب، وقيل: حفيظ لما استودعني، عليم لما وليتني. وقيل: حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني. وقال الكلبي: حفيظ تقديره في السنين المخصبة للسنين المجدبة، عليم بوقت الجوع حين يقع. فعند ذلك قال الملك: ومن أحق بذلك منك، وولّاه ذلك.\rروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يرحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة».\rفإن قلت: كيف طلب يوسف عليه الصلاة والسّلام الإمارة والولاية مع ما ورد من النهي عنهما من كراهة طلبهما، لما صح من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وان أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها» أخرجاه في الصحيحين؟ قلت: إنما يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها، فإذا تعين عليه طلبها وجب ذلك عليه ولا كراهة فيه، فأما يوسف عليه الصلاة والسّلام فكان واجبا عليه طلب الإمارة لأنه مرسل من اللّه والرسول أعلم بمصالح الأمة من غيره، وإذا كان مكلفا برعاية المصالح، ولا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة وجب عليه طلبها، وقيل: إنه لما علم أنه سيحصل قحط وشدة إما بطريق الوحي من اللّه أو بغيره، وربما أفضى ذلك إلى هلاك معظم الخلق وكان في طلب الإمارة إيصال الخير والراحة إلى المستحقين وجب عليه طلب الإمارة لهذا السبب.","part":4,"page":49},{"id":1068,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 50\rوَكَذلِكَ كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر يَتَبَوَّأُ ينزل مِنْها حَيْثُ يَشاءُ بعد الضيق والحبس، وفي القصة: أن الملك توجّه وولاه مكان العزيز فان قلت: كيف مدح يوسف نفسه بقوله إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، واللّه تعالى يقول: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: 32]؟ قلت: إنما يكره تزكية النفس إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر والتوصل به إلى غير ما يحل، فهذا هو القدر المذموم في تزكية النفس، أما إذا قصد بتزكية النفس ومدها إيصال الخير والنفع إلى الغير فلا يكره ذلك ولا يحرم، بل يجب عليه ذلك. مثاله: أن يكون بعض الناس عنده علم نافع ولا يعرف به، فإنه يجب عليه أن يقول أنا عالم، ولما كان الملك قد علم من يوسف أنه عالم بمصالح الدين ولم يعلم أنه عالم بمصالح الدنيا نبهه يوسف بقوله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ على أنه عالم بما يحتاج إليه في مصالح الدنيا أيضا مع كمال علمه بمصالح الدين اهـ خازن.\rقوله: (و قيل كاتب حاسب) لف ونشر مرتب.\rقوله: مَكَّنَّا لِيُوسُفَ يجوز في هذه اللام أن تكون متعلقة بمكّنا على أن يكون مفعول مكنّا محذوفا تقديره مكنّا ليوسف الأمور، أو على أن يكون المفعول به حيث كما سيأتي، ويجوز أن تكون زائدة عند من يرى ذلك اهـ سمين.\rقوله: يَتَبَوَّأُ مِنْها تفسير للتمكين اهـ خازن.\rوفي السمين: قوله: يَتَبَوَّأُ هذه جملة حالية من يوسف، ومنها يجوز أن يتعلق بيتبوأ، وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من حيث، وحيث يجوز أن يكون ظرفا بيتبوأ، ويجوز أن يكون مفعولا به وقد تقدم تحقيقه في الأنعام اهـ.\rقوله: (بعد الضيق والحبس) أي حصل له التمكين بعد الصبر على الضيق في وضعه في الجب ورق العبودية، واتهامه فيما هو بريء منه وحبسه وغير ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (و في القصة أن الملك الخ) قال ابن عباس وغيره: لما انقضت السنة من يوم سأل يوسف الإمارة دعاه الملك فتوجه وقلده بسيفه وحلاه بخاتمه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر واليواقيت طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرة أذرع، وجعل له ثلاثين فراشا وستين مأدبة، وضرب له عليه حلة من استبرق، وأمره أن يخرج فخرج متوجا لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على ذلك السرير، ودانت ليوسف الملوك، وفوّض الملك الأكبر إليه ملكه، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. وقال الزمخشري: إن يوسف قال للملك: أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي، فقال له الملك: قد وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك، قال ابن إسحاق: قال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلمها ليوسف وسلم له سلطانه كله، وجعل أمره وقضاءه نافذا حتى بمملكته، ثم هلك قطيفر عزيز مصر في تلك الليالي، فزوج الملك يوسف امرأة العزيز بعد هلاكه، فلما دخل يوسف عليها قال لها:\rأليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قالت له: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك اللّه في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي وعصمك","part":4,"page":50},{"id":1069,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 51\rوعزله ومات بعد فزوجه امرأته فوجدها عذراء وولدت له ولدين وأقام العدل بمصر ودانت له اللّه. قالوا: فوجدها يوسف عذراء فأصابها، فولدت له ولدين ذكرين إفرائيم وميشا، وهما ابنا يوسف، واستولى يوسف على ملك مصر، وأقام فيها العدل، وأحبه الرجال والنساء، فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام أحسن التدبير، فبنى الحصون والبيوت الكثيرة، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق المال بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول وشدة لم ير الناس مثله. وقيل: إنه دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أصابه الجوع الملك، فجاع نصف الليل فنادى: يا يوسف الجوع الجوع، فقال يوسف: هذا أول أوان القحط، فهلك في السنة الأولى من سني القحط كل ما أعدوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف فباعهم في السنة الأولى بالنقود حتى لم يبق بمصر درهم ولا دينار إلا أخذه منهم، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر في أيدي الناس منها شيء، وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي والأنعام حتى لم يبق دابة ولا ماشية إلا احتوى عليها، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والجواري حتى لم يبق بأيدي الناس عبد ولا أمة، وباعهم في السنة الخامسة بالضياع والعقار حتى أتى عليها كلها، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا ملكه، فصاروا جميعهم عبيدا ليوسف عليه السّلام، فقال أهل مصر: ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من يوسف، فقال يوسف للملك كيف رأيت صنع اللّه بي فيما خولني، فما ترى في هؤلاء؟ قال الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع، قال: فإني أشهد اللّه وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أملاكهم. وقيل: إن يوسف كان لا يشبع من الطعام في تلك الأيام، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائع، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار. وقال مجاهد: ولم يزل يوسف يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم الملك وكثير من الناس، ومات الملك في حياة يوسف. أما العزيز فلم يثبت إيمانه بيوسف فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ [يوسف: 21] الخ اهـ خازن.\rوفي العرائس القدسية: أمر اللّه تعالى جبريل عليه السّلام فقال: يا جبريل ألا تنظر إلى عبيدي وإمائي من أهل مصر وغيرهم كيف يأكلون رزقي ويعبدون غيري، اهبط فقد سلطت عليهم الجوع والقحط سبع سنين. فهبط جبريل فصاح في الهواء: يا أهل مصر جوعوا سبع سنين، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع. قيل: لم يكن في تلك السنين اليابسة مطر، ولا نبات، ولا ريح تهب، ولا نهر يجري، ولا حمار ينهق، ولا ثور يصيح، ولا دابة تحمل، ولا طير يفرخ اهـ.\rقوله: (و مات) أي العزيز بعد أي بعد عزله. قوله: (فزوجه امرأته) قال وهب بن منبه: تزوجها يوسف بعد ما ذهب مالها، وعمي بصرها بكاء على يوسف، فصارت تتكفف الناس، فمنهم من يرحمها، ومنهم من لا يرحمها، وكان يوسف يركب في كل أسبوع في موكب زهاء مائة ألف من عظماء قومه، فقيل لها: لو تعرضت له لعله كان يسعفك بشيء، فلما ركب في موكبه قامت فنادت بأعلى","part":4,"page":51},{"id":1070,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 52\rالرقاب نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)\rوَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ من أجر الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (57) ودخلت سنة القحط وأصاب أرض كنعان والشام\rوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إلا بنيامين ليمتاروا لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الطعام بثمنه فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ صوتها: سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ فقدمت إليه فعرفها، فرقّ لها وبكى بكاء شديدا، ثم دعاها للزواج فأجابت، وأمر بها فهيئت وأصلح شأنها، ثم زفت إليه، فقام يوسف يصلي ويدعو اللّه تعالى، وقامت وراءه، فسأل اللّه تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها فردّ اللّه عليها ذلك حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته إكراما ليوسف عليه السّلام لما عف عن محارم اللّه تعالى، فأصابها فإذا هي عذراء، فعاشا في أرغد عيش.\rوروي أن اللّه ألقى في قلب يوسف عليه السّلام محبتها أضعاف ما كان في قلبها، فقال لها: ما شأنك لا تحبيني كما كنت أول مرة؟ فقالت: لما ذقت محبة اللّه تعالى شغلني ذلك عن كل شيء اهـ من القرطبي.\rقوله: (فوجدها عذراء) وذلك لأن العزيز كان حصورا لا يأتي النساء. قوله: (ولدين) وهما إفرائيم وميشا اهـ خازن.\rوميشا هو جد يوشع بن نون، وولدت له أيضا بنتا كما سيأتي في هذا التفسير وهي رحمة زوجة أيوب عليه السّلام اهـ خطيب.\rقوله: (و دانت) أي خضعت له الرقاب أي رقاب الملوك اهـ.\rقوله: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ يعني نختص بنعمتنا وهي النبوة من نشاء يعني من عبادنا اهـ خازن.\rقوله: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ لام قسم وقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا وهم المحسنون ففي الكلام إظهار في مقام الإضمار للتوصل إلى وصفهم بالإيمان والتقوى بعد وصفهم بالإحسان اهـ شيخنا.\rقوله: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ الخ وكانوا عشرة، وكان مسكنهم بالعربات من أرض فلسطين، والعربات ثغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشياه، فدعاهم يعقوب عليه الصلاة والسّلام وقال:\rبلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام، فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون إليه من الطعام، فخرجوا حتى قدموا مصر، فدخلوا على يوسف فعرفهم. قال ابن عباس، ومجاهد: بأول نظرة نظر إليهم عرفهم. وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه وهم له منكرون، يعني: لم يعرفوه اهـ خازن.\rقوله: (ليمتاروا) يقال مار أهله يميرهم ميرا، وامتار لهم إذا حمل لهم الطعام وجلبه من بلد آخر إليهم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: مارهم ميرا من باب باع أتاهم بالميرة بكسر الميم، وهي الطعام وامتارها لنفسه اهـ.","part":4,"page":52},{"id":1071,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 53\rأنهم إخوته وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) لا يعرفونه لبعد عهدهم به وظنهم هلاكه، فكلموه بالعبرانية فقال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: للميرة، فقال: لعلكم عيون، قالوا: معاذ اللّه، قال: فمن أين أنتم، قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي اللّه، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية وكان أحبنا إليه، وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم\rوَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ وفى لهم كيلهم قالَ قوله: (لما بلغهم الخ) من جملة المرتب عليه. قوله: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فكان عليه أن يضمه لقوله: ودخلت سنو القحط الخ بأن يقول ودخلت سنو القحط، وأصاب أرض كنعان والشام وبلغهم الخ، وجمع ما فعله يوسف معهم في هذه القصة بالوحي كما قاله بعض المفسرين اهـ شيخنا.\rقوله: (لا يعرفونه لبعد عهدهم به الخ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: كان بين أن ألقوه في الجب وبين دخولهم عليه مدة أربعين سنة، فلذلك أنكروه. وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك، وكان على رأسه تاج الملك. وقيل: لأنه كان قد لبس زي ملوك مصر عليه ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب، وكل واحد من هذه الأسباب مانع من حصول المعرفة، فكيف وقد اجتمعت فيه اهـ خازن.\rقوله: (ما أقدمكم) أي: أي شيء أقدمكم؟ وقوله: (فقالوا للميرة) أي قدمنا للميرة أي لأخذها وقوله: (فقال لعلكم عيون) أي: جواسيس تطلعون على عوراتنا وتخبرون بها أعداءنا اهـ شيخنا.\rقوله: (في البرية) نسبة للبر ضد البحر اهـ شيخنا.\rقوله: (ليتسلى به عنه) فلما تمت المحاورة المذكورة قال لهم: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟\rقالوا: أيها الملك إنا ببلاد غربة لا نعرف فيها أحدا قال: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أكتفي بذلك منكم. قالوا: إن أبانا يحزن لفراقه. قال: فاتركوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني به فاقترعوا فيما بينهم، فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف في واقعة الجب فخلفوه عنده اهـ خازن.\rقوله: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ أي هيأ لهم جهازهم، ففي المصباح: وجهزت المسافر بالتثقيل هيأت له جهازه وجهاز السفر أهبته وما يحتاج إليه في قطع المسافة بالفتح والكسر لغة قليلة اهـ.\rفكأن في الآية تضمينا ضمن جهز معنى أكرم أي: ولما أكرمهم بجهازهم أي بتحصيله لهم اهـ.\rوفي الخازن: قال ابن عباس: حمل لكل واحد منهم بعيرا من الطعام، وأكرمهم في النزول، وأحسن ضيافتهم، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم اهـ.\rقوله: (و في لهم) يقرأ بالتخفيف والتشديد، وكان لا يعطي أحدا أكثر من حمل بعير وإن كان عظيما للمساواة بين الناس اهـ شيخنا.\rقوله: بِأَخٍ لَكُمْ لم يقل بأخيكم بالإضافة مبالغة في عدم تعرفه بهم، ولذلك فرقوا بين مررت","part":4,"page":53},{"id":1072,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 54\rائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أي بنيامين لأعلم صدقكم فيما قلتم أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أتمه من غير بخس وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)\rفَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي ميرة وَلا تَقْرَبُونِ (60) نهي أو عطف على محل (فلا كيل) أي تحرموا ولا تقربوا\rقالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ سنجتهد في طلبه منه وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (61) ذلك\rوَقالَ لِفِتْيانِهِ وفي قراءة لفتيته: غلمانه اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ التي بها ثمن بغلامك وبغلام لك، فإن الأول يقتضي عرفانك بالغلام، وإن بينك وبين مخاطبك نوع عهد، والثاني لا يقتضي ذلك اهـ كرخي.\rقوله: قالَ ائْتُونِي أي إذا رجعتم لتمتاروا مرة أخرى، وفي الخطيب: وكان لا يبيع أحدا ممن يطلب الطعام أكثر من حمل بعير لئلا يضيق الطعام على الباقين اهـ.\rقوله: أَلا تَرَوْنَ غرضه ترغيبهم في العود إليه مرة أخرى. قوله: وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي للضيف أي خير المضيفين.\rقوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ أي إذا عدتم مرة أخرى، وقوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي الخ، وهذا نهاية التخويف لأنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام ولا يمكن إلا من عنده، فإذا منعهم من العود فقد ضيق عليهم، فلذلك قالوا سنراود الخ اهـ خازن.\rقوله: (أي ميرة) أي فالكيل في الآية بمعنى الكيل وهو الميرة وسيأتي أنها الطعام اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَقْرَبُونِ في القاموس: قرب ككرم، وقرب كسمع قربا وقربابا بالضم، وقربانا بالكسر دنا فهو قريب للواحد والجمع اهـ.\rفالمعنى هنا ولا تدنوا مني أي من بلادي، أي: لا تدخلوها فضلا عن وصولكم إليّ اهـ شيخنا.\rقوله: (نهي) أي فلا ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، وهذه النون نون الوقاية، وحذفت ياء المتكلم تخفيفا. وقوله: (أو عطف على محل فلا كيل) أي: وهو الجزم لأنه جواب الشرط، فلا نافية على الاحتمال الثاني، وناهية على الأول اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنَّا لَفاعِلُونَ أي لا نتوانى فيه اهـ.\rوقوله: (ذلك) أي المراودة والاجتهاد اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية، وقوله: لِفِتْيانِهِ وكلاهما جمع فتى كإخوة وإخوان في جمع أخ الأول للقلة والثاني للكثرة اهـ كرخي.\rوقوله: (علمانه) وهم الكيالون اهـ بيضاوي.\rقوله: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ فقد وكل بكل رجل واحدا من غلمانه يدس فيه البضاعة التي اشترى بها الطعام الذي في هذا الرحل اهـ شيخنا.\rواختلفوا في السبب الذي من أجله ردّ يوسف عليه الصلاة والسّلام عليهم بضاعتهم، فقيل:\rلأجل أنهم إذا فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم ردت إليهم علموا أن ذلك من كرم يوسف وسخائه،","part":4,"page":54},{"id":1073,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 55\rالميرة وكانت دارهم فِي رِحالِهِمْ أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ وفرغوا أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) إلينا لأنهم لا يستحلون إمساكها\rفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ إن لم ترسل أخانا إليه فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ بالنون والياء وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63)\rقالَ هَلْ ما آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ وقد فيعينهم ذلك على الرجوع سريعا، وقيل: إنه خاف أن لا يكون عند أبيه شيء آخر من المال، لأن الزمان كان زمان قحط وشدة، وقيل: إنه رأى أن في أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لوما لشدة حاجتهم إليه، وقيل: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه منّة ولا عيب، وقيل: أراد أن يريهم برّه وكرمه وإحسانه إليهم في رد بضاعتهم ليكون ذلك أدعى إلى العود إليه، وقيل: إنما فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم وأمانتهم تحملهم على رد البضاعة إليه إذا وجدوها في رحالهم لأنهم أنبياء وأولاد أنبياء، وهذا ما جرى عليه الجلال. وقيل: أراد برد البضاعة إليهم أن يكون ذلك عونا لأبيه ولإخواته على شدة الزمان اهـ خازن.\rقوله: (و كانت دراهم). وحكى الضحاك عن ابن عباس أنها كانت النعال والأدم. والرحال:\rجمع رحل وهي الأوعية التي يحمل فيها الطعام وغيره اهـ خازن.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي ولعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع اهـ بيضاوي.\rقوله: فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ أي رجع تسعة منهم لما تقدم أن يوسف احتبس عنده شمعون رهينة على أن يأتوه ببنيامين. قوله: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي حكم بمنعه بعد هذه المرة إن لم يذهب معنا بنيامين، وقوله: إليه أي: إلى العزيز، وقوله: نَكْتَلْ أي نرفع المانع من الكيل، ونكتل ما نحتاج إليه، وقوله: (بالنون والياء) أي: يكتل لنفسه وينضم اكتياله إلى اكتيالنا والقراءتان سبعيتان اهـ من البيضاوي.\rونكتل مجزوم في جواب الأمر، وأصله نكتيل بوزن نغتنم، فتحركت الياء التي هي عين الكلمة، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فوزنه الآن نفتل وبحسب الأصل نفتعل اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ أي يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل يعني: كيف آمنكم على ولدي بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم، وإنكم ذكرتم مثل هذا الكلام بعينه في يوسف وضمنتم لي حفظه، وقلتم وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، فما فعلتم؟ فلما لم يحصل الأمن والحفظ هنالك، فكيف يحصل هاهنا؟ وظاهر الكلام يدل على أنه أرسله معهم، وإنما أرسله معهم وقد شاهد ما فعلوا بيوسف، لأنه لم يشاهد فيما بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد مثل ما شاهد بينهم وبين يوسف، أو أن يعقوب شاهد منهم الخير والصلاح لما كبروا، فأرسله معهم أو أن شدة القحط وضيق الوقت أحوجه إلى ذلك اهـ خازن.\rوأصل آمنكم أأمنكم بهمزتين، فقلبت الثانية ألفا على القاعدة اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ منصوب على أنه نعت مصدر محذوف أو على الحال منه أي: إلا","part":4,"page":55},{"id":1074,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 56\rفعلتم به ما فعلتم فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وفي قراءة حافظا تمييز كقولهم للّه دره فارسا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) فأرجو أن يمن بحفظه\rوَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي ما استفهامية، أي: أيّ شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا، وقرئ بالفوقانية خطابا ليعقوب وكانوا ذكروا له إكرامه لهم هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا نأتي بالميرة لهم ائتمانا كائتماني لكم على أخيه شبه ائتمانه لهم على هذا بائتمانه لهم على ذاك اهـ سمين. وقوله: مِنْ قَبْلُ متعلق بكما أمنتكم، والمضاف إليه محذوف أي من قبل هذا الزمان، وقوله: (و قد فعلتم به ما فعلتم) أي: فخنتم العهد اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية، وقوله: (تمييز) أي على كل من القراءتين، وقوله: (كقولهم الخ) تنظير على القراءة الثانية. قوله: (فأرجو الخ) عبارة البيضاوي: فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمع عليّ مصيبتين اهـ.\rقال كعب الأحبار: لما قال يعقوب ذلك قال اللّه له: لأردن عليك كليهما حيثما توكلت عليّ واستحفظتني عليه اهـ.\rقوله: وَلَمَّا فَتَحُوا أي بحضرة أبيهم، وقوله: مَتاعَهُمْ أي رحالهم أي: الأوعية التي وضعوا فيها الميرة، وقوله: وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ أي التي دفعوها له وهي ثمن الميرة اهـ.\rقوله: (ما استفهامية) أي: في محل نصب مفعول مقدم اهـ سمين.\rقوله: (أعظم من هذا) فقد أحسن مثوانا وباع منا وردّ علينا متاعنا، فلا نطلب وراء ذلك إحسانا اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: وذلك أنهم كانوا قد ذكروا ليعقوب إحسان ملك مصر إليهم، وحثوا يعقوب على إرسال بنيامين معهم، فلما فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم قد ردت إليهم قالوا: أي شيء تطلب بعد هذا العيان من الإحسان والإكرام؟ أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن، وأرادوا بهذا الكلام تطييب قلب أبيهم اهـ.\rقوله: (و قرئ) أي شاذا، وقوله: (خطابا ليعقوب) أي: أي تطلب وراء هذا الإحسان، أو أي شيء تطلب من الدليل على صدقنا اهـ بيضاوي.\rوالأول أنسب بقول الشارح، وكانوا ذكروا له الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و كانوا ذكروا له إكرامه لهم) عبارة الخازن: عند قوله: (فلما رجعوا إلى أبيهم) قالوا: يا أبانا إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة، لو كان رجلا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب: إذا رجعتم إلى مصر فاقرؤوه مني السّلام، وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثم قال لهم يعقوب: أين شمعون؟ قالوا ارتهنه ملك مصر وأخبروه بالقصة، ثم قالوا يا أبانا منع منا الكيل وفيه قولان.\rأحدهما: أنهم لما أخبروا يوسف بأخيهم من أبيهم طلبوا منه الطعام لأبيهم وأخيهم المتخلف","part":4,"page":56},{"id":1075,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 57\rوهي الطعام وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ لأخينا ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) سهل على الملك لسخائه\rقالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً عهدا مِنَ اللَّهِ بأن تحلفوا لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ بأن تموتوا أو تغلبوا فلا تطيقوا الإتيان به فأجابوه إلى ذلك فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ بذلك قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ نحن وأنتم وَكِيلٌ (66) شهيد وأرسله معهم\rوَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مصر مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لئلا تصيبكم العين وَما أُغْنِي أدفع عَنْكُمْ بقولي ذلك مِنْ عند أبيهم، فمنعهم من ذلك حتى يحضر. فقولهم: منع منا الكيل إشارة إليه، وأراد بالكيل الطعام لأنه يكال.\rالقول الثاني: أنه سيمنع منا الكيل في المستقبل، وهو إشارة إلى قول يوسف، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون. وقال الحسن: يمنع منا الكيل إن لم نحمل معنا أخانا، وهو قوله تعالى إخبارا عنهم: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا الخ اهـ.\rقوله: هذِهِ بِضاعَتُنا استئناف موضح لقولهم ما نبغي اهـ بيضاوي.\rقوله: وَنَمِيرُ أَهْلَنا معطوف على محذوف أي نستعين بها ونمير أهلنا اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: فنرجع بها إليه بأخينا فيظهر له نصحنا وصدقنا ونمير أهلنا الخ اهـ.\rقوله: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي ما يكال للبعير أي لصاحبه وهو حمل بعير أي: ونزداد لأجل أخينا على أحمالنا حمل بعير، وقوله: ذلِكَ أي ذلك الحمل الذي نزداده كيل يسير هين على الملك، لأنه قد أحسن إلينا وأكرمنا بأكثر من ذلك اهـ خازن.\rقوله: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جواب القسم، إذ المعنى حتى تحلفوا باللّه لتأتنني به اهـ بيضاوي.\rوقوله: جواب القسم أي المدلول عليه بقوله موثقا، وفي الخازن: والموثق العهد المؤكد باليمين. وقيل: هو المؤكد بإشهاد اللّه عليه، ودخلت اللام في قوله: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ لأجل اليمين، والتقدير حتى تحلفوا باللّه لتأتنني به اهـ.\rقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ تقول العرب: أحيط بفلان إذا هلك أو قارب هلاكه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، والتقدير لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، أو من أعم العلل أي: لا تمتنعون من الإتيان به لعلة إلا للإحاطة بكم اهـ خازن.\rقوله: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ فقالوا في حلفهم باللّه رب محمد لنأتينك به، وقوله (بذلك) أي: بأن يأتوا به.\rقوله: مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وكانت أبواب مصر إذ ذاك أربعة اهـ خازن.\rقوله: (لئلا تصيبكم العين) عبارة الخازن: إنما أمرهم بذلك، لأنه خاف عليهم العين لأنهم كانوا قد اعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة، وكانوا أولاد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم المدينة لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين. وقد زعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين تأثيرا أن العائن ينبعث من عينيه قوة سمية تتصل بالمعيون فيهلك أو","part":4,"page":57},{"id":1076,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 58\rاللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ قدره عليكم وإنما ذلك شفقة إِنِ ما الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وحده عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ به وثقت وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) قال تعالى\rوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي يفسد. قالوا: ولا يمتنع هذا كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفاعي والعقارب تتصل بالملدوغ فيهلك، وإن كان غير محسوس لنا، فكذا العين، ومذهب أهل السنة أن المعيون إنما يفسد أو يهلك عند نظر العائن بفعل اللّه تعالى، أجرى اللّه تعالى أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: إنما أمرهم بذلك لأنهم كانوا ذوي شوكة وأبهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا جملة واحدة فيعانوا، ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذ، وكان الداعي إليها خوفه على بنيامين وللنفس آثار منها العين، والذي يدل عليه قوله عليه الصلاة والسّلام في دعوته: اللهم إني أعوذ بكلمات اللّه التامة من كل نفس هامة وعين لامة اهـ.\rوالعوذة بضم العين وبالذال المعجمة كالرقية لفظا ومعنى، وهذا الحديث رواه البخاري وأصحاب السنن عن ابن عباس قال ابن الأثير: الهامة واحدة الهوام وهي الحيات وكل ذي سم يقتل، وتطلق الهوام على كل ما يدب من الحيوان. واللامة: ذات اللمم وهو الضرر من ألم، ولم يقل ملمة للازدواج والمشاكلة بهامة، ويجوز أن يكون على ظاهره من لمه بمعنى جمعه أي جامعة للشر على المعيون اهـ شهاب.\rقوله: مِنَ اللَّهِ أي من قضائه وهو حال من شيء لأنه في الأصل وصف له أي من شيء كائن من اللّه أي من قضائه، ويشير له قول الشارح قدره عليكم، وقوله (زائدة) أي: في المفعول، وقوله: (قدره عليكم) أي: فإن قدر عليكم موتا فهو يصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين، فإن المقدر كائن، ولا ينفع حذر من قدر اهـ خازن.\rوقوله: وإنما ذلك أي القول المذكور شفقة. وفي أبي السعود: ولم يزد عليه السّلام إلغاء الحذر بالمرة. كيف لا وقد قال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] وقال تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء: 71] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة، بل هو تدبير في الجملة، وإنما التأثير وترتب المنفعة عليه من العزيز القدير، وإن ذلك ليس بمدافعة للقدر، بل هو استعانة باللّه وهرب منه إليه اهـ.\rقوله: وَلَمَّا دَخَلُوا أي المدينة بخلاف الدخول الآتي، فالمراد به دخولهم محل الملك، وقوله: مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أي من الأبواب المتفرقة، فقول الشارح أي متفرقين حل معنى اهـ شيخنا.\rوفي جواب لما هذه وجهان، أحدهما: أنه الجملة المنفية من قوله: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ، وفيه حجة لمن يدعي كون لما حرفا لا ظرفا، إذ لو كانت ظرفا لعمل فيها جوابها، إذ لا يصلح للعمل سواه.\rلكن ما بعد ما النافية لا يعمل فيما قبلها. والثاني: أن الجواب هو قوله: آوى إِلَيْهِ أَخاهُ. قال أبو البقاء: وهو جواب لما الأولى والثانية، كقولك لما جئتني ولما كلمتك أحببتني، وحسن ذلك أن","part":4,"page":58},{"id":1077,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 59\rمتفرقين ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ أي قضائه مِنْ زائدة شَيْءٍ إِلَّا لكن حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وهي إرادة دفع العين شفقة وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ لتعليمنا إياه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (68) إلهام اللّه لأصفيائه\rوَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى ضم دخولهم على يوسف عليه السّلام يعقب دخولهم من الأبواب. يعني: أن آوى جواب للأولى والثانية، وهو واضح اهـ سمين.\rقوله: ما كانَ يُغْنِي أي دخولهم متفرقين، ففاعل يغني ضمير التفرق المدلول عليه بالكلام المتقدم اهـ من السمين.\rوفي البيضاوي: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب واتباعهم له اهـ.\rوقوله: مِنْ شَيْءٍ مفعول يغني على زيادة من ومِنَ اللَّهِ حال منه مقدم عليه. وفي الكرخي: قوله: مِنْ شَيْءٍ يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية. أما الأول: فهو كقولك: ما رأيت من أحد، والتقدير ما رأيت أحدا، فتقدير الآية هنا أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء اللّه شيئا، وأما الثاني: فكقولك ما جاءني من أحد، وتقديره: ما جاءني أحد، فيكون التقدير هنا ما كان يغني عنهم من اللّه شيء مع قضائه اهـ.\rوقول الشارح أي قضائه أي مقضيه أي: الذي أراد وقوعه، فقد نسبوا للسرقة، وأخذ منهم بنيامين وتضاعفت المصيبة على يعقوب، وقوله: إِلَّا حاجَةً الخ حمله الشارح كغيره على الانقطاع حيث فسر إلّا بلكن على عادته، وقوله: وهي إرادة دفع العين في التعبير تسمح، إذ الحاجة التي أفادها ونفع فيها تفرقهم في الدخول إنما هي دفع العين عنهم لا نفس إرادة يعقوب، فإنها لم تندفع فالعبارة في المعنى من قبيل إضافة الصفة للموصوف، فكأنه قال: وهي دفع العين الذي أراده يعقوب وتقرير انقطاع الإستثناء أن المستثنى منه شيء قضاه فكأنه قال وهي دفع العين الذي أراده يعقوب وتقرير انقطاع الاستثناء أن المستثنى منه شيء قضاه اللّه وأراده، والمستثنى شيء لم يرده اللّه وهو إصابة العين لهم، فهذا لم يرده اللّه ولم يقضه، إذ لو أراده لوقع مع أنه لم يقع ولم يحصل، هذا تقرير الانقطاع. وإما مفاد الاستثناء فهو أن يقال إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها، وهي إصابة العين، فإن التفرق في الدخول أغناها أي دفعها بحسب الظاهر، وفي نفس الأمر إنما دفعها عدم إرادة اللّه تعالى لها. ومحصل الكلام أن يلاحظ ظاهر الحال في تقرير مفاد الاستثناء، ويلاحظ حقيقة الحال ونفس الأمر في تقرير كونه منقطعا كما تقرر، وقوله: قَضاها صفة لحاجة ومعنى قضاها أرادها، فإن يعقوب أراد دفع العين عنهم. وفسر البيضاوي قوله قَضاها بأنه أظهرها بقوله المذكور ووصاهم بها. قوله: (لتعليمنا إياه) أشار به إلى أن ما مصدرية، ويصح أن تكون موصولة، والمعنى: وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه، والمعنى: أنا لما علمناه هذه الأشياء حصل له العلم بتلك الأشياء اهـ خازن.\rقوله: (إلهام اللّه لأصفيائه) في نسخة لأوليائه.\rقوله: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ أي في محل حكمه آوى إِلَيْهِ أَخاهُ. قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف على يوسف قالوا: أيها الملك هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به فقد جئناك به،","part":4,"page":59},{"id":1078,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 60\rإِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) من الحسد لنا وأمره أن لا يخبرهم وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده\rفَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ هي صاع من ذهب مرصع بالجواهر فِي رَحْلِ أَخِيهِ بنيامين ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ نادى مناد بعد انفصالهم عن مجلس يوسف أَيَّتُهَا الْعِيرُ القافلة إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70)\rقالُوا وَأَقْبَلُوا قد فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرم نزلهم، ثم إنه أضافهم وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال لهم يوسف: لقد بقي هذا وحده، فقالوا: كان له أخ فهلك، قال لهم: فأنا أجلسه معي فأخذه فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله، فلما دخل الليل أمر لهم بمثل ذلك من الفراش، وقال كل اثنين ينامان على فراش واحد، فبقي بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام عندي على فراشي فنام بنيامين مع يوسف على فراشه، فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه أي ريح أبيه منه حتى أصبح، فلما أصبح قال لهم:\rإني أرى هذا الرجل وحيدا ليس معه ثان، فأنا أضمه إليّ فيكون معي في منزلي. ثم إنه أنزلهم وأجرى لهم الطعام، فقال روبيل: ما رأينا مثل هذا، فذلك قوله آوى إِلَيْهِ أَخاهُ يعني ضمه وأنزله معه في منزله. فلما خلا به قال له يوسف: ما اسمك؟ قال: بنيامين. قال: فهل لك من ولد؟ قال: عشرة بنين.\rقال: فهل لك من أخ لأمك؟ قال: كان لي أخ فهلك. قال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال بنيامين: ومن يجد أخا مثلك أيها الملك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عليه الصلاة والسّلام وقام إليه وعانقه، وقال له: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ الخ.\rوقال كعب: لما قال له يوسف إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال بنيامين: أنا لا أفارقك. فقال يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك عندي ازداد غمه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحمد. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك؟ فإني لا أفارقك. قال يوسف: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك. قال: فافعل ما شئت، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ الخ اهـ خازن.\rقوله: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ عبر هنا بالفاء إشارة إلى طلب سرعة سيرهم وذهابهم لبلادهم، لأن الغرض منه قد حصل وقد عرفت حالهم بخلاف المرة الأولى، كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم اهـ شيخنا.\rقوله: (هي صاع من ذهب) وكان يشرب فيه الملك، فيسمى سقاية باعتبار أول حاله، وصاعا باعتبار آخر أمره، لأن الصاع آلة الكيل اهـ شيخنا.\rقوله: (مرصع بالجوهر) أي مركب عليه جوهر. وفي المختار: الترصيع التركيب، وتاج مرصع بالجوهر، وسيف مرصع أي محلّى بالرصائع، وهي حلق يحلى بها الواحدة رصيعة اهـ.\rقوله: (نادى مناد) أي: مرارا كثيرة بدليل التفعيل، وكان ذلك النداء مع رفع الصوت اهـ شيخنا.\rقوله: (بعد انفصالهم عن مجلس يوسف) فأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وخرجوا من العمارة، ثم","part":4,"page":60},{"id":1079,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 61\rوَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا ما الذي تَفْقِدُونَ (71) ه\rقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ صاع الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم اهـ خازن.\rكما يشير له التعبير بثم التي للتراخي، بل قيل إنهم وصلوا إلى بلبيس وردوا من عندها اهـ شيخنا.\rقوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ العير في الأصل كل ما يحمل عليه من الإبل والحمير والبغال سمي بذلك لأنه يعير أي يذهب ويجيء، والمراد منه أصحاب الإبل ونحوها، فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة كما قاله السمين، وأشار الشارح للمراد منه بقوله القافلة اهـ.\rوفي المصباح: العير بالكسر اسم للإبل التي تحمل الميرة في الأصل، ثم غلب على كل قافلة اهـ.\rقوله: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فإن قلت: هل كان هذا النداء بأمر يوسف أم لا؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بيوسف مع علو منصبه وتشريف رتبته من النبوة والرسالة أن يتهم أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا مع علمه ببراءتهم عن تلك التهمة التي نسبوا إليها؟ قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة.\rأحدها: أن يوسف لما أظهر لأخيه أنه أخوه قال: لست أفارقك. قال: لا سبيل إلى ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما لا يليق. قال: رضيت بذلك، فعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام، بل قد رضي به فلا يكون ذنبا.\rالثاني: أن يكون المعنى إنكم لسارقون ليوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام فهو من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.\rالثالث: يحتمل أن يكون المنادي ربما قال ذلك على سبيل الاستفهام، وعلى هذا التقدير لا يكون كذبا.\rالرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف وهو الأقرب إلى ظاهر الحال، لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك أحد غيرهم غلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها، فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم اهـ خازن.\rقوله: وَ(قد) أَقْبَلُوا أي والحال أنهم أي إخوة يوسف اقبلوا عليهم أي على جماعة الملك المؤذن وأصحابه أي التفتوا إليهم وخاطبوهم بما ذكر اهـ شيخنا.\rقال أصحاب الأخبار: لما وصل الرسل إلى اخوة يوسف قالوا لهم: ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم ونوف إليكم الكيل ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك، ولا نتهم عليها غيركم، فذلك قوله تعالى: وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أي عطفوا على المؤذن وأصحابه اهـ خازن.\rقوله: ما ذا تَفْقِدُونَ ما استفهامية مبتدأ، وذا اسم موصول خبرها اهـ شيخنا أي: أي شيء ضاع منكم؟ والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه اهـ بيضاوي.","part":4,"page":61},{"id":1080,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 62\rحِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام وَأَنَا بِهِ بالحمل زَعِيمٌ (72) كفيل\rقالُوا تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) ما سرقنا قط\rقالُوا أي المؤذن وأصحابه فَما جَزاؤُهُ أي السارق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) في قولكم ما كنا سارقين ووجد فيكم\rقالُوا جَزاؤُهُ مبتدأ خبره مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ يسترق ثم أكد بقوله فَهُوَ أي السارق قوله: (صاع الملك) أي فالصاع والصواع لغتان معناهما واحد، وهو آلة الكيل، وتقدم أنه هو السقاية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: صُواعَ الْمَلِكِ هو المكيال وهو السقاية المتقدمة سماها تارة كذا وتارة كذا وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. وفيه قراءات كثيرة كلها لغات في هذا الحرف ويذكر ويؤنث، فالعامة صواع بزنة غراب والعين مهملة. وقرأ ابن جبير والحسن كذلك إلا أنه بالغين المعجمة، وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه حذف الألف وسكون الواو، وقرأ زيد بن علي صواع كذلك إلا أنه فتح الصاد جعله مصدرا لصاع يصوع صوعا، وقرأ أبو حيوة، وابن جبير، والحسن صواع بكسر الصاد، وقرأ أبو هريرة، ومجاهد صاع بزنة ناب وألفه كألفه في كونها منقلبة عن واو مفتوحة، وقرأ أبو رجاء صوع بزنة فرس، وقرأ عبد اللّه بن عون كذلك إلا أنه ضم الصاد، فهذه ثمان قراءات متواترها واحدة اهـ.\rقوله: حِمْلُ بَعِيرٍ (من الطعام) أي يكون جعلا له اهـ بيضاوي.\rوقوله: وَأَنَا بِهِ الخ هذا قول المؤذن وحده فهو الذي كفل وضمن اهـ شيخنا.\rقوله: تَاللَّهِ الخ قال المفسرون: قد حلفوا على أمرين، أحدهما: أنهم ما جاؤوا لأمر الفساد في الأرض والثاني: أنهم ما جاؤوا سارقين، وإنما قالوا هذه المقالة لأنه كان قد ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم، وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير والطاعة، حتى بلغ من أمرهم أنهم سدوا أفواه دوابهم لئلا تؤذي زرع الناس، ومن كانت هذه صفته فالفساد في حقه ممتنع، وكونهم غير سارقين لأنهم قد كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، ولم يستحلوا أخذها، ومن كانت هذه صفته فليس بسارق اهـ خازن.\rقوله: لَقَدْ عَلِمْتُمْ الخ فيه معنى القسم، فهو تأكيد للقسم قبله اهـ شيخنا.\rقوله: (و وجد) أي الصاع فيكم أي عندكم. قوله: قالُوا جَزاؤُهُ أي قال إخوة يوسف جزاؤه الخ، فأفتوا بشريعتهم، وجزاؤه على حذف مضاف أي جزاء سرقته من وجد، على حذف مضاف أيضا أي: استرقاق من وجد في رحله يشير إلى تقديره كلام الشارح بقوله يسترق، والمراد أنه يسترق سنة ثم يخلى سبيله فهذه شريعتهم اهـ شيخنا.\rقوله: (خبره) مَنْ وُجِدَ أي فهو إخبار بالمفرد، لأن من اسم موصول وما بعدها صلتها اهـ شيخنا. وفي السمين: قوله: جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فيه أوجه.\rأحدها: أن يكون جزاؤه مبتدأ، والضمير للسارق ومن شرطية أو موصولة مبتدأ ثان، والفاء","part":4,"page":62},{"id":1081,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 63\rجَزاؤُهُ أي المسروق لا غير وكانت سنة آل يعقوب كَذلِكَ الجزاء نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) بالسرقة فصرفوا ليوسف لتفتيش أوعيتهم\rفَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ففتشها قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ لئلا يتهم ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي السقاية مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ قال تعالى كَذلِكَ الكيد كِدْنا لِيُوسُفَ جواب الشرط أو مزيدة في خبر الموصول لشبهه بالشرط، ومن وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ الأول.\rوالثاني: أن يكون جزاؤه مبتدأ، والهاء تعود للمسروق، ومن وجد في رحله خبره، ومن بمعنى الذي، والتقدير وجزاء الصواع الذي وجد في رحله.\rالثالث: أن يكون جزاؤه خبر مبتدأ محذوف أي المسؤول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه اهـ.\rقوله: (ثم أكد) أي الكلام المذكور وهو قوله جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ بقوله، فهذه الجملة بمعنى التي قبلها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي السارق) أي استرقاقه جزاؤه أي جزاء سرقته اهـ.\rقوله: (و كانت) أي هذه الطريقة التي أجابوا بها سنّة أي طريقة وشريعة آل يعقوب لفظة آل زائدة اهـ شيخنا.\rقوله: كَذلِكَ (الجزاء) أي المذكور بقوله: جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، والمراد به استرقاق السارق، وقوله: نَجْزِي الظَّالِمِينَ من جملة كلامهم أي نحكم أو نفتي باسترقاق كل سارق، لأنه شرعنا المقرر فيما بيننا.\rقوله: (فصرفوا) أي فردوا وارجعوا من المكان الذي لحقهم فيه جماعة الملك، وتقدم أنهم وصلوا إلى خارج مصر. وقيل: إلى بلبيس اهـ شيخنا.\rقوله: (ففتشها) قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ قال أهل التفسير: إن إخوة يوسف لما أقروا أن جزاء السارق أن يسترق سنة، قال أصحاب يوسف: لا بد من تفتيش أوعيتهم واحدا واحدا. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر اللّه مما قذفهم به، حتى لم يبق إلا رحل بنيامين قال: ما أظن هذا أخذ شيئا، فقال اخوة يوسف: واللّه لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه اهـ خازن.\rقوله: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها في الضمير المنصوب قولان.\rأحدهما: أنه عائد على الصواع، لأن فيه التذكير والتأنيث كما تقدم، وقيل: بل لأنه حمل على معنى السقاية. قال أبو عبيدة: يؤنث الصواع من حيث يسمى سقاية ويذكر من حيث هو صواع.\rوالثاني: أن الضمير عائد على السرقة وفيه نظر، لأن السرقة لا تستخرج إلا بمجاز اهـ سمين.\rفلما خرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوة يوسف رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون له: أي شيء الذي صنعت بنا فضحتنا وسودت وجوهنا، يا بني راحيل ما زال لنا منكم","part":4,"page":63},{"id":1082,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 64\rعلمناه الاحتيال في أخذ أخيه ما كانَ يوسف لِيَأْخُذَ أَخاهُ رقيقا عن السرقة فِي دِينِ الْمَلِكِ حكم ملك مصر لأن جزاءه عنده الضرب وتغريم مثلي المسروق لا الاسترقاق إِلَّا أَنْ يَشاءَ بلاء متى أخذت هذه الصواع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما زال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، إن الذي وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم قالوا:\rفأخذ بنيامين رقيقا. وقيل: إن المنادي وأصحابه هم الذين تولوا تفتيشهم وهم الذين استخرجوا الصواع من رحل بنيامين اهـ خازن.\rقوله: كَذلِكَ (الكيد) أي الحيلة وهي استفتاء يوسف من إخوته. كدنا أي علمنا كما قال الشارح، فاللام زائدة. وعبارة الخازن: يعني ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف، وهذا إشارة إلى الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكما به ليوسف، والمعنى كما ألهمنا إخوة يوسف أن جزاء السارق أن يسترق، كذلك ألهمنا يوسف حتى دس الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته اهـ.\rوفي أبي السعود ما يقتضي أن اللام للتعليل ونصه: كدنا ليوسف صنعنا له ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه اهـ.\rقوله: (علمناه الاحتيال) أي الطريق السابق وهو استفتاء إخوته، فالمراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلب إخوة يوسف أن حكموا بأن السارق يسترق، وصار ذلك سببا لتمكن يوسف عليه السّلام من إمساك أخيه عند نفسه، واعلم أن الكيد يشعر بالحيلة والخديعة، وذلك في حق اللّه تعالى محال، إلا أنه قد تقدم أصل معتبر في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه الألفاظ في حق اللّه تعالى تحمل على نهاية الأغراض لا على بداياتها، فالكيد: السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إيقاع الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق اللّه تعالى محمول على هذا المعنى اهـ كرخي.\rوفى الخازن: ولفظ الكيد معناه الحيلة والخديعة وهذا في حق اللّه تعالى محال، فيجب تأويل هذه اللفظة بما يليق بجلال اللّه سبحانه وتعالى، فنقول: الكيد هنا جزاء المكيد يعني كما فعلوا بيوسف فعلنا بهم، فالكيد من الخلق الحيلة، ومن اللّه التدبير بالحق، والمعنى كما ألهمنا إخوة يوسف بأن حكموا أن جزاء السارق أن يسترق، كذلك ألهمنا يوسف حتى دس الصاع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته. وقال ابن الأعرابي: الكيد التدبير بالباطل وبالحق، فعلى هذا يكون المعنى:\rكذلك دبرنا ليوسف وقيل: صنعنا ليوسف اهـ.\rوجميع ما وقع من يوسف بينه وبين إخوته بالوحي اهـ شيخنا.\rقوله: ما كانَ (يوسف الخ) بمنزلة التعليل، وقوله: لِيَأْخُذَ لام الجحود اهـ شيخنا.\rقوله: (لأن جزاءه) أي السارق عنده الخ أي: وهذه الطريقة لا توصله إلى أخذ أخيه فما توصل إلا بطريقة وشريعة إخوته اهـ.\rقوله: (مثلي المسروق) أي مثلي قيمته؛ فالكلام على حذف كما صرح به الخازن. قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء منقطع كما يعلم من تقرير الشارح إذ الأخذ بدين الملك لا يشمل المراد بقوله:","part":4,"page":64},{"id":1083,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 65\rاللَّهُ أخذه بحكم أبيه أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة اللّه بإلهامه سؤال إخوته وجوابهم بسنتهم نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالإضافة والتنوين في العلم كيوسف وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ من المخلوقين عَلِيمٌ (76) أعلم منه حتى ينتهي إلى اللّه تعالى\r* قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ أي يوسف وكان سرق لأبي أمه صنما من ذهب فكسره لئلا يعبده فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ على ما قرره الشارح، فالمعنى ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ، ولكن أخذه بشريعة يعقوب اهـ شيخنا.\rقوله: (بحكم أبيه) أي بشريعة أبيه. قوله: (و جوابهم بسنتهم) أي شريعتهم. قوله: (بالإضافة والتنوين) سبعيتان. قوله: وَفَوْقَ خبر مقدم، وعليهم: مبتدأ مؤخر. قوله: (اعلم منه) أي من كل ذي علم منهم حال أي: حال كون العليم من جملة المخلوقين، وقوله: (حتى ينتهي) لا يحتاج إليه بعد التقييد بالمخلوقين، بل لا يصح. وفي الخازن: وفي الآية دليل على أن إخوة يوسف كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم اهـ.\rقوله: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ لما أخرج الصاع من رحل بنيامين افتضح الإخوة ونكسوا على رؤوسهم، فقالوا تبرئة لساحتهم: إِنْ يَسْرِقْ الخ. يعنون: أن هذه الواقعة ليست ببعيدة منه، فإن أخاه الذي هلك كان سارقا أيضا، ونحن لسنا على طريقتهما، لأنهما من أم أخرى اهـ زاده.\rوأتوا بكلمة ان لعدم تحققهم لها بمجرد خروج السقاية من رحله، وأما قولهم لأبيهم إن ابنك سرق فبناء على الظاهر ومدعى القوم، ويسرق لحكاية الحال الماضية، والمعنى إن كان سرق فليس ببدع لسبق مثله من أخيه اهـ شهاب.\rفيكون جواب الشرط محذوفا والمذكور دليله اهـ.\rقوله: (و كان سرق لأبي أمه صنما الخ) عبارة الخازن. واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام، فقال سعيد بن جبير، وقتادة: كان لجده أبي أمه صنم وكان يعبده، فأخذه يوسف سرا وكسره وألقاه في الطريق والجيف لئلا يعبده، وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوما فأخذ بيضة من البيت فناولها السائل، وقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا، وقال وهب: كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء. وذكر محمد بن إسحاق أن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق بعد موت أمه راحيل، فحضنته عمته وأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب عليه فأحبه، فقال لأخته: يا أختاه سلمي إليّ يوسف، فو اللّه ما أقدر أن يغيب عني ساعة واحدة، فقالت: لا أعطيكه. فقال: واللّه ما أنا بتاركه عندك. فقالت: دعه عندي أياما أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه ففعل ذلك، فعمدت إلى منطقة كانت لإسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر وكانت أكبر أولاد إسحاق وكانت عندها فشدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر، ثم قال: لقد فقدت منطقة إسحاق ففتشوا أهل البيت فوجدوها مع يوسف، وقال: إنه بسلام لي تعين يوسف، فقال يعقوب: إن كان قد فعل ذلك فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت، ولذلك قال إخوته إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون هذه السرقة. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال","part":4,"page":65},{"id":1084,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 66\rنَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها يظهرها لَهُمْ والضمير للكلمة التي في قوله قالَ في نفسه أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً من يوسف وأخيه لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له وَاللَّهُ أَعْلَمُ عالم بِما تَصِفُونَ (77) تذكرون في أمره\rقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً يحبه أكثر منا ويتسلى به كلها ما يوجب السرقة، ولكنها تشبه السرقة فعيروه بها عند الغضب اهـ.\rقوله: (لئلا يعبده) أي يدوم على عبادته. قوله: (و الضمير للكلمة) وهي قوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً، فصح قوله التي في قوله الخ، لأن قوله: قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً مشتمل على قوله: أنتم شر مكانا، وعلى هذا يكون في الكلام رجوع الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وفيه أيضا إطلاق الكلمة على الكلام والأول سائغ في مقام التفسير كما هنا، والثاني سائغ في اللغة اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: في هاء الكناية ثلاثة أقوال، بأحدها: أن الضمير يرجع للكلمة التي بعدها وهي قوله تعالى: قال يعني يوسف أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. والثاني: أن الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: فقد سرق أخ له من قبل، وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا القول يكون المعنى فأسرّ يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه ولم يجبهم عليها. والثالث: أن الضمير يرجع إلى الحجة، فيكون المعنى على هذا القول فأسر يوسف الاحتجاج عليهم في إدعائهم عليه السرقة ولم يبدها لهم. قال: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً يعني منزلة عند اللّه ممن رميتموه بالسرقة اهـ.\rقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي منزلة في السرقة من غيره، ونصبه على التمييز. والمعنى: أنتم شر منزلة عند اللّه ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف، لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقة، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: قال في نفسه أنتم شر مكانا وأسرّها أي هذه الكلمة. وتبع فيه أبا البقاء ولم يرتضه الحلبي، ورجعه إلى الحزازة التي حصلت من قولهم فقد سرق أخ له من قبل. قال شهاب الدين: ومثل هذا ينبغي أن لا يقال، فإن القرآن ينزه عنه اهـ كرخي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 66\r\rله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي منزلة في السرقة من غيره، ونصبه على التمييز. والمعنى: أنتم شر منزلة عند اللّه ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف، لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقة، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: قال في نفسه أنتم شر مكانا وأسرّها أي هذه الكلمة. وتبع فيه أبا البقاء ولم يرتضه الحلبي، ورجعه إلى الحزازة التي حصلت من قولهم فقد سرق أخ له من قبل. قال شهاب الدين: ومثل هذا ينبغي أن لا يقال، فإن القرآن ينزه عنه اهـ كرخي.\rقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ أي بحقيقة ما تصفون أي تذكرون اهـ.\rقوله: قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ الخ قال أصحاب الأخبار والسير: إن يوسف عليه الصلاة والسّلام لما استخرج الصاع من رحل أخيه بنيامين غضب روبيل لذلك، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب يسكن غضبه، وكان أقوى الإخوة وأشدهم. وقيل: هذا صفة شمعون بن يعقوب، وقيل إنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. قال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك، أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، فدخلوا على يوسف قال روبيل: أيها الملك لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا وضعت حملها، وقامت كل شعرة في جسد روبيل حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب هذا فمسه أو خذ بيده، فأتى له، فلما مسه سكن غضبه، فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك منا أحد، فقال روبيل: إن هذا بذر من بذر يعقوب. وقيل: إنه غضب ثانيا، فقام إليه يوسف فوكزه","part":4,"page":66},{"id":1085,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 67\rعن ولده الهالك ويحزنه فراقه فَخُذْ أَحَدَنا استعبده مَكانَهُ بدلا منه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) في أفعالك\rقالَ مَعاذَ اللَّهِ نصب على المصدر حذف فعله وأضيف إلى المفعول أي نعوذ باللّه من أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لم يقل من سرق تحرزا من الكذب إِنَّا إِذاً إن أخذنا غيره لَظالِمُونَ (79)\rفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا يئسوا مِنْهُ خَلَصُوا اعتزلوا برجله وأخذ يدا من يديه فوقع على الأرض وقال لهم: أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون أن لا أحد أشد منكم، فلما رأوا ما نزل بهم، ورأوا أن لا سبيل إلى الخلاص خضعوا وذلوا، وقالوا: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا، يعني في السن، ويحتمل أن يكون كبيرا في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء اهـ خازن.\rقوله: (استعبده) أي استرقه واستملكه بمقتضى حكم السرقة على مقتضى شريعة يعقوب كما تقدم. وقوله مَكانَهُ فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب على الظرفية والعامل فيه خذ. والثاني: أنه ضمن خذ معنى اجعل فيكون مكانه في محل المفعول الثاني، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الْمُحْسِنِينَ (في أفعالك) وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة إلينا، وقيل: إذا رددت بنيامين إلينا، وأخذت أحدنا مكانه كنت من المحسنين اهـ خازن.\rقوله: مَعاذَ اللَّهِ أي نعوذ باللّه أي نتعوذ باللّه تعوذا هذا هو مقتضى حل الاعراب اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا إِذاً إن أخذنا غيره إنما قدر معنى الشرط، لأن إذا حرف جواب وجزاء اهـ كرخي.\rقوله: لَظالِمُونَ بأخذه فيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلا، فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز ليوسف مع رسالته الإقدام على هذا التزوير وإيذاء الناس من غير ذنب، لا سيما وهو يعلم أنه إذا حبس أخاه عنده بهذه التهمة، فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد؟ فالجواب: لعله تعالى أمره بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل، كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر قاله ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب، وجزم صاحب الكشاف بأن هذه الواقعة كانت بوحي اهـ كرخي.\rقوله: (يئسوا) أي فالسين والتاء زائدتان للمبالغة كما في البيضاوي، وقوله: (منه) أي من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه وقيل: أيسوا من أخيهم أن يرد إليهم اهـ خازن.\rوفي السمين: فلما استيأسوا استفعل هنا بمعنى فعل المجرد. يقال: يئس واستيأس بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر. وقال الزمخشري: وزيادة السين والتاء للمبالغة نحو ما مرّ في استعصم اهـ.\rقوله: (اعتزلوا) أي اعتزلوا مجلسه وانحازوا على حدة نجيا أي: حالة كونهم متناجين أي متحدثين في التشاور في أمر هذه القضية، وخلص من باب قعد كما في المصباح اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: نَجِيًّا حال من فاعل خلصوا أي اعتزلوا في هذه الحالة مناجين، وإنما","part":4,"page":67},{"id":1086,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 68\rنَجِيًّا مصدر يصلح للواحد وغيره أي يناجي بعضهم بعضا قالَ كَبِيرُهُمْ سنا روبيل أو رأيا يهودا أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً عهدا مِنَ اللَّهِ في أخيكم وَمِنْ قَبْلُ ما زائدة فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ وقيل ما مصدرية مبتدأ خبره من قبل فَلَنْ أَبْرَحَ أفارق الْأَرْضَ أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي بالعودة إليه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بخلاص أخي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) أعدلهم\rارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا عليه إِلَّا بِما عَلِمْنا تيقنا من مشاهدة أفردت الحال وصاحبها جمع، إما لأن النجي فعيل بمعنى فاعل كالعشير، والخليط بمعنى المعاشر والمخالط كقوله: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا أي مناجيا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقا يقال: هم خليطك وعشيرك أي مخالطوك ومعاشروك، وإما لأنه صفة على فعيل بمنزلة صديق وبابه فوجد لأنه بزنة المصادر كالصهيل والرحيل والذميل، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل النجوى بمعناه، قال اللّه تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الإسراء: 47] وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورة في رجل عدل وبابه اهـ.\rقوله: (أو رأيا) أو لتنويع الخلاف. قوله: (في أخيكم) أي في رده. قوله: ما (زائدة) أي:\rفمن متعلقة بالفعل بعدها. وقوله: (و قيل مصدرية الخ)، والتقدير وتفريطكم من قبل أي كائن من قبل أي: وتفريطكم في أمر يوسف كائن من قبل تفريطكم في بنيامين، أو من قبل أخذكم العهد في شأن بنيامين اهـ شيخنا.\rقوله: (مبتدأ) فيه مسامحة، إذ المبتدأ إنما هو المصدر المأخوذ مما بعدها بواسطتها، واعترض هذا الاعراب بأن الظروف المنقطعة عن الاضافة لا تقع خبرا، ويجاب بأن محل ذلك ما لم يتعين المضاف إليه كما هنا. كما في البيضاوي. قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ (أفارق) الْأَرْضَ يشير إلى أن أبرح هنا تامة ضمنت معنى أفارق، فالأرض مفعول به ولا يجوز أن تكون تامة من غير تضمين، لأنها إذا كانت كذلك كان معناها ظهر وأذهب، ومعنى الظهور لا يليق، والذهاب لا يصل إلى الظرف المخصوص إلا بواسطة في تقول ذهبت في الأرض، ولا يجوز ذهبت الأرض، وقد جاء شيء لا يقاس عليه، واعلم أنه لا يجوز في أبرح أن تكون ناقصة لأنه لا ينتظم من الضمير الذي فيها ومن الأرض مبتدأ وخبر، ألا ترى أنك لو قلت: أنا الأرش لم يجز من غير في بخلاف أنا في الأرض اهـ كرخي.\rومراد كبيرهم من هذا الكلام الالتجاء إلى اللّه في إقامة عذره إلى والده يعقوب اهـ خازن.\rقوله: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي في نصبه وجهان، أظهرهما: عطفه على يأذن. الثاني: أنه منصوب باضمار أن في جواب النفي وهو قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ أي لن أبرح الأرض إلا أن يحكم اللّه، كقولهم:\rلألزمنك أو تقضيني حقي أي: إلا أن تقضيني. قال أبو حيان: ومعناها ومعنى الغاية متقاربان. قال شهاب الدين: والمعنى على الثاني بل سياق المعنى على عطفه على يأذن، فإنه غي الأمر بغايتين، إحداهما: خاصة وهي إذن أبيه، والثانية: عامة لأن إذن أبيه له في الانصراف من حكم اللّه اهـ كرخي.\rقوله: فَقُولُوا يا أَبانا الخ أمرهم بهذه المقالة مبالغة في إزالة التهمة عن أنفسهم عند أبيهم، لأنهم كانوا متهمين عنده بسبب وقعة يوسف اهـ خازن.","part":4,"page":68},{"id":1087,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 69\rالصاع في رحله وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ لما غاب عنا حين إعطاء الموثق حافِظِينَ (81) ولو علمنا أنه يسرق لم نأخذه\rوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها هي مصر أي أرسل إلى أهلها فاسألهم وَالْعِيرَ أي أصحاب العير الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وهم قوم من كنعان وَإِنَّا لَصادِقُونَ (82) في قولنا فرجعوا إليه وقالوا له ذلك\rقالَ بَلْ سَوَّلَتْ زينت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ففعلتموه اتهمهم لما سبق قوله: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إنما قالوا هذه المقالة ونسبوه إلى السرقة، لأنهم شاهدوا الصواع، وقد أخرج من متاعه، فغلب على ظنهم أنه سرقه، فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر لا في حقيقة الحال، ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم وَما شَهِدْنا الخ اهـ خازن.\rقوله: وَما شَهِدْنا أي بقولنا حين سألونا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه اهـ شيخنا.\rقوله: (حين إعطاء الموثق) أي برده. قوله: (و لو علمنا أنه يسرق الخ) عبارة البيضاوي: وما كنا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق، أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف اهـ.\rوعبارة الكرخي: وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ. قال مجاهد، وقتادة: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا، وإنما قلنا ونحفظ أخانا يعني مما لنا إلى حفظه منه سبيل. وقال ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين، وقيل: معناه أن حقيقة الحال غير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا اللّه، فلعل الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم ذلك اهـ.\rقوله: (أي أصحاب العير) حمل العير هنا على الدواب نفسها، وهذا هو المعنى الحقيقي لها كما سبق، فاحتاج إلى تقدير المضاف، وفيما سبق حملها على المعنى المجازي وهو نفس أصحابها، فاستغنى عن تقدير المضاف اهـ شيخنا.\rقوله: (و هم قوم كنعان) وكانوا جيران يعقوب اهـ خازن.\rقوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ هذا آخر الكلام الذي علمه لهم أخوهم الكبير اهـ خازن.\rوفي الكرخي: قوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ يعني سواء نسبتنا إلى التهمة أو لم تنسبنا فنحن صادقون، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم، لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، بل الإنسان إذا قدم ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده وأنا صادق في ذلك. يعني: فتأمل فيما ذكرناه من الدلائل والبينات اهـ.\rقوله: (فرجعوا) أي التسعة، وأشار بهذا إلى أن قوله: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ الخ مرتب على هذا المحذوف اهـ شيخنا.\rقوله: (و قالوا له ذلك) أي الذي علمه لهم، ومن جملته وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا. وفي الخازن ما نصه: يعني ولم نقل ذلك إلا بعد أن رأينا اخراج الصواع، وقد أخرج من متاعه. وقيل: معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وهذه ليست بشهادة إنما هو خبر عن صنيع ابنك أنه سرق بزعمهم، فيكون المعنى أن ابنك سرق في زعم الملك وأصحابه، لا أنا نشهد عليه بالسرقة وقيل: قال لهم يعقوب هبوا أنه سرق فما يدري هذا الملك أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم، وكان","part":4,"page":69},{"id":1088,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 70\rمنهم من أمر يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ صبرى عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ بيوسف وأخيه جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي الْحَكِيمُ (83) في صنعه\rوَتَوَلَّى عَنْهُمْ تاركا خطابهم وَقالَ يا أَسَفى الألف بدل من ياء الإضافة أي يا حزني عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ انمحق سوادهما وبدل بياضا الحكم كذلك عند الأنبياء قبله، وأورد على هذا القول كيف جاز ليعقوب إخفاء هذا الحكم حتى ينكر على بنيه ذلك؟\rوأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك الحكم كان مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما، فلهذا أنكر عليهم إعلام الملك بهذا الحكم لظنه أنه كافر اهـ.\rقوله: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ الخ هذا الاضطراب لا بدّ له من كلام قبله متقدم عليه يضرب بهذا عنه، والتقدير ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة بَلْ سَوَّلَتْ الخ اهـ سمين.\rقوله: أَمْراً وهو حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل، فآل أمركم إلى ما آل، وقيل: معناه بل خيلت لكم أنفسكم أنه سرق ما سرق اهـ خازن.\rقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر مبتدأ محذوف وهو ما قدره الشارح، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا جزع، وقيل: من جميل الصبر أن لا تتحدث بمصيبتك ولا تزكي نفسك اهـ خازن.\rقوله: عَسَى اللَّهُ الخ إنما قال يعقوب هذه المقالة، لأنه لما طال حزنه واشتد بلاؤه ومحنته علم أن اللّه سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب فقال ذلك على سبيل حسن الظن باللّه عز وجل، لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج. وقيل: إن يعقوب علم بما جرى عليه وعلى بنيه من أول الأمر، وهو رؤيا يوسف وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً، فلما تناهى الأمر قال: عسى اللّه أن يأتيني بهم جميعا اهـ خازن.\rقوله: (و أخويه) أي بنيامين وكبيرهم، وعبارة الخازن: بهم يعني بيوسف وبنيامين والأخ الثالث الذي أقام بمصر اهـ.\rقوله: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين، فحينئذ ساء حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهاج حزنه على يوسف، فعند ذلك أعرض عنهم وَقالَ: يا أَسَفى الخ اهـ خازن.\rولم يسترجع يعقوب بأن يقول: إنا اللّه وإنا إليه راجعون، لأن الاسترجاع خاص بهذه الأمة اهـ شيخنا.\rقوله: (الألف بدل من ياء الإضافة) أي فهي اسم لأنها بدل من اسم، والأصل يا أسفي بكسر الفاء وفتح الياء ففتحت الفاء فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولذلك تكتب هذه الألف ياء لأنها منقلبة عنها والأسف: أشد الحزن، وإنما تجدد حزنه على يوسف عند وجود هذه الواقعة، لأن الحزن القديم إذا صادفه حزن آخر كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن الأول، وقيل: إن يوسف وبنيامين لما كانا من أم واحدة، فكان يعقوب يتسلى عن يوسف ببنيامين، فلما حصل فراق","part":4,"page":70},{"id":1090,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 71\rمن بكائه مِنَ الْحُزْنِ عليه فَهُوَ كَظِيمٌ (84) مغموم مكروب لا يظهر كربه\rقالُوا تَاللَّهِ لا بنيامين زاد حزنه عليه وجدد حزنه على يوسف، لأن يوسف كان أصل المصيبة. وقد اعترض بعض الجهال على يعقوب في قوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ، فقال: هذه شكاية وإظهار جزع فلا يليق بعلى منصبه ذلك، وليس الأمر كما قال هذا الجاهل المعترض، لأن يعقوب عليه الصلاة والسّلام شكا إلى اللّه لا منه، فقوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ معناه يا رب ارحم أسفي على يوسف. وقيل: إن يعقوب لما عظمت مصيبته بلاؤه وقويت محنته قال: يا أسفى على يوسف أي أشكو إلى اللّه شدة أسفي على يوسف، ولم يشك إلى أحد من الخلق بدليل قوله: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ اهـ خازن.\rفمعنى يا أسفى أشكو إلى اللّه أسفي اهـ.\rقوله: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ أي عمي من الحزن. قال مقاتل: لم يبصر شيئا ست سنين، وقيل: إنه ضعف بصره من كثرة البكاء، وذلك أن الدمع يكثر عند غلبة البكاء فتصير العين كأنها بيضاء من ذلك الماء الخارج منها اهـ خازن.\rقوله: (انمحق سوادهما) ظاهر في أنه على حقيقته، كم قيل، والتزمه بعضهم بناء على جواز مثل هذا على الأنبياء بعد التبليغ. وقوله: (من بكائه) البكاء بالمد رفع الصوت، وبالقصر نزول الدمع من غير صوت، والمناسب هنا الثاني، لكن الرسم لا يساعد عليه لثبوت ياء بعد الألف فيقتضي أنه ممدود إذ لو كان مقصورا لكان بعد الألف هاء فقط كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rوهذه التفرقة منقولة عن المختار وهي أحد قولين، والقول الآخر الذي جرى عليه المصباح والقاموس أنه لا فرق بين الممدود والمقصور في أن كلّا يستعمل في رفع الصوت بالبكاء، وفي سيلان الدمع من غير صوت تأمل. قوله: فَهُوَ كَظِيمٌ أي مكظوم ممتلئ من الحزن ممسك عليه لا يبثه.\rقال قتادة: هو الذي يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا اهـ.\rوفي المصباح: كظمت الغيظ كظما من باب ضرب، وكظوما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ، وفي التنزيل: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: 134] وربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ فأنا كظيم ومكظوم، وكظم البعير كظوما لم يجتر اهـ.\rقوله: قالُوا تَاللَّهِ أي: قالوا ذلك تسلية له، فإن قلت: كيف حلفوا على شيء لم يعلموا حقيقته؟ قلت: بنوا ذلك على الأمر الأغلب الظاهر اهـ خازن.\rوإنما قدر الشارح أداة النفي، لأن القسم المثبت لا يجاب إلا بفعل مؤكد بالنون أو اللام أو بهما، فلما رأينا الجواب هنا خاليا منهما علمنا أن القسم على النفي أي أنه جوابه منفي لا مثبت، فلذلك قدر النفي، ولذلك قال بعض الحنفية: لو قال واللّه أجيئك غدا كان المعنى على النفي فيحنث بالمجيء لا بعدمه اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه، فحذفت لا لأنه لا يلتبس بالإثبات، فإن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي انتهت. أي: لأنه لو كان مثبتا كان باللام ونون التوكيد عند البصريين أو بأحدهما عند الكوفيين، فلو قيل: واللّه أحبك كان المراد لا أحبك وهو من قبيل التورية اهـ زاده.","part":4,"page":71},{"id":1091,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 72\rتَفْتَؤُا تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً مشرفا على الهلاك لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) الموتى\rقالَ لهم إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي هو الحزن الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الناس وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ لا إلى غيره فهو الذي تنفع قوله: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً في المصباح: حرض حرضا من باب تعب أشرف على الهلاك فهو حرض اهـ.\rقوله: (يستوي فيه الواحد وغيره) أي: المثنى والمجموع والمذكر والمؤنث. تقول: هو حرض وهما حرض وهم حرض وهنّ حرض اهـ كرخي.\rقوله: قالَ (لهم) أي قال يعقوب لهم عند ما رأى قولهم وغلظتهم عليه إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ. أصل البث إثارة الشيء وتفريقه، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر، قال ابن قتيبة: البث اشد الحزن، وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه كان هما، وإذا ذكره لغيره كان بثا، فالبث: أشد الحزن، والحزن الهم، فعلى هذا يكون المعنى إنما أشكو حزني العظيم وحزني القليل إلى اللّه لا إليكم.\rقال ابن الجوزي: روى الحاكم أبو عبد اللّه في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات يوم يا يعقوب: ما الذي أذهب بصرك، وما الذي قوّس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل فقال له: يا يعقوب إن اللّه يقرئك السّلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكو إلى غيري، فقال: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، فقال جبريل: اللّه أعلم بما تشكو».\rفإن قلت: هل في هذا ما يقدح في عصمة الأنبياء؟ قلت: لا. وإنما عوتب يعقوب بهذا، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإنما يطلب من الأنبياء من الأعمال على قدر منصبهم وشريف رتبتهم، ويعقوب عليه الصلاة والسّلام من أهل بيت النبوة والرسالة، ومع ذلك قد ابتلي كل واحد من آبائه بمحنة فصبر، فإبراهيم عليه الصلاة والسّلام حين ألقي في النار صبر ولم يشك إلى أحد، وإسماعيل ابتلي بالذبح فصبر وفوض أمره إلى اللّه، وإسحاق ابتلي بالعمى فصبر ولم يشك إلى أحد، ويعقوب ابتلي بفقد ولده يوسف وبعده بنيامين ثم عمي بعد ذلك أو ضعف بصره من كثرة البكاء عليهما، وهو مع ذلك صابر لم يشك إلى أحد شيئا مما نزل به، وإنما كانت شكايته إلى اللّه بدليل قوله:\rإِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، فاستوجب بذلك المدح العظيم والثناء الجميل في الدنيا والدرجات العلى في الآخرة، مع من سلف له من آبائه إبراهيم وإسحاق عليهما الصلاة والسّلام. وأما دمع العين وحزن القلب فلا يستوجب عتابا ولا عقوبة، لأن ذلك ليس إلى اختيار الإنسان، فلا يدخل تحت التكليف بدليل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكى على ولده إبراهيم عند موته وقال: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وما نقول إلا ما يرضي ربنا» فهذا القدر لا يقدر الإنسان على دفعه عن نفسه، فصار مباحا لا حرج فيه على أحد من الناس اهـ خازن.\rقوله: (حتى يبث) تفريع على النفي أي: فيبث أي يذكر وينشر على الناس لعدم القدرة على كتمه","part":4,"page":72},{"id":1092,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 73\rالشكوى إليه وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86) من أن رؤيا يوسف صدق هو حي، ثم قال\rيا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ اطلبوا خبرهما وَلا تَيْأَسُوا تقنطوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ رحمته من أجل عظمه، فعلى هذا الظاهر أن البث بمعنى المبثوث اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى غيره) أي: وإن كان غيري يبثه إلى غير اللّه، فأنا قد أقدرني اللّه على كتمه عن غيره فلا أبثه إلا له اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يعني أنه تعالى من رحمته وإحسانه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، وفيه إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف ويتوقع رجوعه إليه.\rروي أن ملك الموت زار يعقوب فقال له يعقوب: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن صورته، الكريم على ربه هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا. فطابت نفس يعقوب وطمع في رؤيته، فلذلك قال: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. وقيل: معناه وأعلم أن رؤيا يوسف حق وصدق، وأني وأنتم سنسجد له. وقال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة ملك مصر وكمال حاله في جميع أقواله وأفعاله أحست نفس يعقوب وطمع أن يكون هو يوسف، فعند ذلك قال يعقوب: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا الخ اهـ خازن.\rقوله: (و هي حي) أي لكنه لم يعرف مكانه ولا أين هو اهـ شيخنا.\rقوله: فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ التحسس طلب الخبر بالحساسة وهو قريب من التجسس بالجيم، وقيل: إن التحسس بالحاء يكون في الخير، وبالجيم يكون في الشر ومنه الجاسوس، وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس. قال ابن عباس: التمسوا، وقال ابن الأنباري: يقال تحسست عن فلان ولا يقال من فلان، وهنا قال من يوسف وأخيه، كأنه أقيمت من مقام عن، قال: ويجوز أن يقال إن من للتبعيض، ويكون المعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف وأخيه.\rروي عن عبد اللّه بن زيد بن أبي فروة أن يعقوب عليه السّلام كتب كتابا إلى يوسف عليه السّلام حين حبس عنده بنيامين: من يعقوب إسرائيل اللّه ابن إسحاق ذبيح اللّه ابن إبراهيم خليل اللّه إلى ملك مصر أما بعد، فإنا أهل بيت وكلّ بنا البلاء، أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار فصبر لأمر اللّه، وأما عمي إسماعيل فابتلي بالغربة في صغره فصبر لأمر اللّه، وأما أبي إسحاق فابتلي بالذبح ووضع السكين على قفاه ففداه اللّه، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي، ثم كان لي ابن آخر وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته إليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. فلما قرأ يوسف كتاب أبيه اشتد بكاؤه وقلّ صبره وأظهر نفسه لإخوته على ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى، فذلك قوله تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا الخ اهـ خازن.\rقوله: وَأَخِيهِ لم يقل وأخويه، لأنه كان يعلم أن الثالث مقيم بمصر، فليس حاله مجهولا عنده بخلاف يوسف وبنيامين اهـ شيخنا.\rقوله: (اطلبوا خبرهما) أي بالحاسة، لأن التحسس طلب الخير بالحاسة كالبصر، والسمع، وهو","part":4,"page":73},{"id":1093,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 74\rإِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) فانطلقوا نحو مصر ليوسف\rفَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ الجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفا أو غيرها فَأَوْفِ أتمّ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا بالمسامحة عن رداءة يستعمل في الخير والشر كالتجسس بالجيم على التحقيق اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وقيل بالحاء في الخبر وبالجيم في الشر، ولذلك قال هنا فتحسسوا، وفي الحجرات ولا تجسسوا وليس كذلك، فلذلك قرئ بالجيم هنا أيضا اهـ.\rقوله: (تقنطوا) بكسر النون وضمها وفتحها، فيأتي قنط من باب جلس ودخل وطرب وسلم، فيقال في مصدرة قنوط وقنط وقناطة اهـ شيخنا.\rعن المختار ونصه: القنوط اليأس، وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قنط وقنوط وقانط، فأما قنط يقنط بالفتح فيهما، وقنط بالكسر فيهما، فإنما هو من الجمع بين اللغتين اهـ.\rقوله: (رحمته) يعني أنه استعير الروح للرحمة، وايضاحه أن الروح مصدر بمعنى الرحمة، وأصله استراحة القلب من غمه، والمعنى لا تقنطوا من راحة تأتيكم من اللّه اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ الخ يعني أن المؤمن يصبر عند البلاء وينتظر الفرج والرحمة، فينال به خيرا، ويحمد اللّه عند الرخاء، والكافر بضد ذلك اهـ خازن.\rقوله: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فيه حذف واختصار تقديره: فخرجوا من عند أبيهم قاصدين مصر، فلما دخلوا عليه الخ اهـ خازن وقد أشار لهذا الشارح.\rقوله: مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ الخ فان قيل: إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه، فلم عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل؟ أجيب: بأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد وشدة الحاجة مما يرقق القلب، فقالوا: نختبره بهذه الأمور، فإن رقّ قلبه لنا ذكرنا المقصود وإلّا شكونا اهـ زاده.\rوفي أبي السعود: وإنما لم يبدؤوا بما أمروا به استجلابا للرأفة والشفقة ليبعثوا بما قدموا من رقة الحال رقة القلب والحنو اهـ.\rقوله: (مدفوعة) أي مردودة يردها كل بائع على المشتري لرداءتها، وفي القاموس: زجّاه ساقه ودفعه كزجاه وأزجاه، وبضاعة مزجاة قليلة أو لا يتم صلاحها اهـ.\rوفي المصباح: زجيته بالتثقيل دفعته برفق، والريح تزجي السحاب تسوقه رفيقا. يقال: أزجاه بوزن أرضاه، وزجاه بالتثقيل كزكاه اهـ.\rقوله: (زيوفا) أي معيبة، وقوله: (أو غيرها) عطف على دراهم وأو لتنويع الخلاف فقيل: إنها كانت صوفا وسمنا. وقيل: كانت نعالا. وقيل غير ذلك اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: زافت الدراهم تزيف زيفا من باب سار ردأت، ثم وصفت بالمصدر فقيل درهم","part":4,"page":74},{"id":1094,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 75\rبضاعتنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يثيبهم، فرق عليهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم ثم\rقالَ لهم توبيخا هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ من الضرب والبيع وغير ذلك وَأَخِيهِ من هضمكم له بعد فراق أخيه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) ما يؤول إليه أمر يوسف\rقالُوا بعد أن زيف وجمع على معنى الاسمية، فقيل زيوف مثل فلس وفلوس، وربما قيل زائف على الأصل، ودراهم زيف مثل راكع وركع، وزيفتها تزييفا أظهرت زيفها، قال بعضهم: الدراهم الزيوف هي المطلية بالزئبق المعقود بمزاوجة الكبريت، وكانت معروفة قبل زماننا وقدرها مثل سنج الميزان اهـ.\rقوله: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي ولا تنقصه في مقابلة رداءتها يعني أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد، فإنا نريد أن تقيم لنا الناقص مقام الزائد اهـ خازن.\rقوله: (بالمسامحة) وقيل: برد أخينا بنيامين اهـ خازن.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ لم يقولوا يجزيك بل عدلوا إلى الظاهر لشكهم في إيمانه، بل لتيقنهم كفره على عادة ملوك مصر في ذلك الوقت، فعبروا بهذه العبارة المحتملة اهـ شيخنا.\rقوله: (و أدركته الرحمة) عطف تفسير. قوله: (و رفع الحجاب) قيل: هو اللثام الذي كان يتلثم به، وقيل: هو الستر الذي كان يكلمهم من ورائه، وقيل هو تاج الملك الذي أوجب لبسه له عدم معرفتهم له. وفي الخازن: وروي عن ابن عباس أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان له في قرنه علامة تشبه الشامة، وكان ليعقوب مثلها، ولإسحاق مثلها، ولسارة مثلها فعرفوه بها، وقالوا: أئنك لأنت يوسف اهـ.\rقوله: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ اختلفوا في السبب الذي من أجله حمل يوسف وهيجه على هذا القول. فقال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرأفة على إخوته، فباح بالذي كان يكتم. وقيل: إنه أخرج لهم نسخة الكتاب الذي كتبوه ببيعه من مالك بن ذعر، وفي آخره وكتب يهودا، فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا: أيها الملك إنه كان لنا عبدا فبعناه منه، فغاظ ذلك يوسف وقال: إنكم تستحقون العقوبة وأمر بقتلهم، فلما ذهبوا بهم ليقتلوهم قال يهودا كان يعقوب يبكي ويحزن لفقد واحد منا، فكيف إذا أتاه الخبر بقتل بنيه كلهم، ثم قالوا: إن كنت فاعلا فابعث بأمتعتنا إلى أبينا، فإنه بمكان كذا وكذا، فذلك حين أدركته الرحمة والرأفة عليهم فبكى وقال هذا القول. وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه إليه فلم يتمالك أن بكى وقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه، وهذا استفهام يفيد تعظيم أمر هذه الواقعة، ومعناه ما أعظم ما ارتكبتم من أمر يوسف، وما أقبح ما قدمتم عليه من قطيعة الرحم وتفريقه من أبيه، وهذا كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت وهل تعرف من خالفت لم يرد بهذا نفس الاستفهام، ولكنه أراد تفظيع الأمر وتعظيمه، ويجوز أن يكون المعنى هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم اللّه إياهما من المكروه، واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف: 15] اهـ خازن.\rقوله: (من هضمكم له) الهضم: الظلم وهو من باب ضرب اهـ شيخنا.","part":4,"page":75},{"id":1095,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 76\rعرفوه لما ظهر من شمائله متثبتين أَإِنَّكَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَ أنعم اللَّهُ عَلَيْنا بالاجتماع إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ يخف اللّه وَيَصْبِرْ على ما يناله فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) فيه وفي المختار: هضم حقه هضما من باب ضرب، واهتضمه ظلمه فهو هضيم ومهتضم أي مظلوم وتهضمه مثله اهـ.\rوفي الخازن: فإن قلت: الذي فعلوه بيوسف معلوم ظاهر، فما الذي فعلوه بأخيه من المكروه حتى يقول لهم هذه المقالة، فإنهم لم يسعوا في حبسه، ولا أرادوا ذلك؟ قلت: إنهم لما فرقوا بينه وبين أخيه يوسف نغصوا عليه عيشه، وكانوا يؤذونه كلما ذكر يوسف، وقيل: إنهم قالوا له لما اتهم بأخذ الصواع ما رأينا منكم يا بني راحيل خيرا اهـ.\rقوله: إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ظرف لفعلتم أي فعلتم وقت جهلكم، وهذا يجري مجرى العذر لهم يعني أنكم إنما قدمتم على هذا الفعل القبيح المنكر حال كونكم جاهلين بما يؤول إليه أمر يوسف من الخلاص من الجب، وولاية الملك والسلطنة اهـ خازن.\rقوله: (من شمايله) بالياء جمع شمال بالكسر بمعنى الخق، وقوله: أي طالبين التثبت والتحقق فالاستفهام للتقرير اهـ شيخنا.\rقوله: (و إدخال ألف بينهما الخ) أي: فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rوبقي خامسة سبعية أيضا وهي أنك بهمزة واحدة اهـ سمين.\rقوله: لَأَنْتَ يُوسُفُ يجوز أن يكون أنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبر أن دخلت عليهما لام الابتداء، ويجوز أن يكون فصلا، ولا يجوز أن يكون توكيدا لاسم إن لأن هذه اللام لا تدخل على التوكيد اهـ سمين.\rقوله: قالَ أَنَا يُوسُفُ إنما لم يقل هو أنا بل عدل إلى هذا الظاهر تعظيما لما نزل به من ظلم اخوته وما عوضه اللّه من النصر والظفر والملك، فكأنه قال: أنا يوسف المظلوم الذي ظلمتموني وقصدتم قتلي بأن ألقيتموني في الجب، ثم بعتموني بأبخس الأثمان، ثم صرت إلى ما ترون، فكان تحت إظهار الاسم هذه المعاني كلها، ولهذا قال: وَهذا أَخِي مع أنهم يعرفونه، لأنه قصد أيضا أنه المظلوم كما ظلمتموني، ثم صرت أنا وهو إلى ما ترون اهـ خازن.\rقوله: إِنَّهُ أي الحال والشأن، وقوله: مَنْ يَتَّقِ قرأ قنبل بإثبات الياء وصلا ووقفا، والباقون بحذفها فيهما: فأما قراءة الجماعة فواضحة لأنه مجزوم، وأما قراءة قنبل فاختلف الناس فيها على قولين: أجودهما: أن اثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب. والثاني: أنه مرفوع غير مجزوم ومن موصولة والفعل صلتها، فلذلك لم تحذف لامه اهـ سمين.\rقوله: (على ما يناله) أي من البلاء. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الرابط بين جملة الشرط وبين جوابها إما العموم في المحسنين، وإما الضمير المحذوف أي المحسنين منهم، وإما لقيام","part":4,"page":76},{"id":1096,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 77\rوضع الظاهر موضع المضمر\rقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ فضلك اللَّهُ عَلَيْنا بالملك وغيره وَإِنْ مخففة أي إنا كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) آثمين في أمرك فأذلنا لك\rقالَ لا تَثْرِيبَ عتب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ خصه بالذكر لأنه مظنة التثريب فغيره أولى يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ أل مقامه، والأصل محسنيهم فقامت أل مقام ذلك الضمير اهـ سمين.\rقوله: (و غيره) كالصبر والعقل والصفح والحلم اهـ خازن.\rقوله: لَخاطِئِينَ يقال: خطئ إذا كان عن عمد، وأخطأ إذا لم يكن عن عمد، ولهذا قيل هنا خاطئين ولم يقل مخطئين اهـ خازن.\rولهذا قال الشارح آثمين اهـ شيخنا.\rقوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ في المصباح: ثرب عليه يثرب من باب ضرب عتب ولام بالمضارع بياء الغيبة سمي رجل من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فسميت المدينة باسمه. قال السهيلي: وثرّب بالتشديد مبالغة وتكثير ومنه قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ والثرب وزان فلس شحم رقيق على الكرش والإمعاء اهـ.\rوقوله: (عتب) أي لا تعيير ولا توبيخ أي: لا أوبخكم ولا أقرعكم اليوم اهـ خازن.\rوالعتب: بسكون التاء لأنه من باب نصر وضرب، وفي المختار: عتب عليه وجد وبابه ضرب ونصر اهـ.\rوقال الرازي: التثريب التعيير والاستقصاء في اللوم، والمعنى على ما جنح إليه المصنف أي لا تعداد للذنوب ولا توبيخ عليكم، يقال: ثرب فلان على فلان إذا بكته بفعله وعدد عليه ذنوبه اهـ كرخي.\rقوله: الْيَوْمَ خبر ثان أو متعلق بالخبر، فالوقف عليه وقوله: يَغْفِرُ اللَّهُ الخ استئناف. هذا هو الظاهر من صنيع الجلال، وقيل: إنه معمول ليغفر بعده، فالوقف على قوله عَلَيْكُمُ، والاستئناف بقوله: الْيَوْمَ الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وعليكم يجوز أن يكون خبرا للا، واليوم يحتمل أن يتعلق بما تعلق به هذا الخبر أي: لا تثريب مستقر عليكم اليوم، ويجوز أن يكون عليكم خبر لا واليوم خبرها أيضا، ولا يجوز أن يتعلق كل من الظرف والجار بتثريب، لأنه يصير مطولا شبيها بالمضاف، ومتى كان كذلك أعرب، ونون نحو لا خيرا من زيد عندك اهـ.\rقوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ جملة دعائية وهو بمنزلة التعليل اهـ.\rقوله: وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي: فإنه يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على التائب، ومن كرم يوسف عليه السّلام أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعونا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليّ بعين العبودية ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي","part":4,"page":77},{"id":1097,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 78\rالرَّاحِمِينَ (92) وسألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه فقال\rاذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا وهو قميص إبراهيم الذي لبسه حين ألقي في النار كان في عنقه في الجب وهو من الجنة أمره جبريل بإرساله وقال إن فيه ريحا ولا يلقى على مبتلى إلا عوفي فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ يصر بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)\rوَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ خرجت عن عريش مصر قالَ أَبُوهُمْ لمن حضر من بنيه وأولادهم إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أوصلته إليه الصبا بإذنه تعالى مسيرة ثلاثة أيام وأني من حفدة إبراهيم عليه السّلام اهـ بيضاوي.\rقوله: (و سألهم عن أبيه) أي عن حاله فقال: ما حال أبي بعدي اهـ خازن.\rقوله: (فقالوا ذهبت عيناه) أي: بصرهما.\rقوله: بِقَمِيصِي يجوز أن يتعلق بما قبله على أن الباء معدية كهي في ذهبت به، وأن تكون للحال فتعلق بمحذوف أي: اذهبوا معكم قميصي وهذا نعت له أو بيان أو بدل اهـ سمين.\rقوله: (حين ألقي في النار الخ) وذلك أنه لما جرد من ثيابه وألقي فيها عريانا أتاه جبريل عليه السّلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك القميص عند إبراهيم، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات ورثه يعقوب وجعله في قصبة من فضة وسدّ رأسها وعلقها في عنق يوسف حفظا من العين، فلما ألقي في الجب عريانا أتاه جبريل وأخرج له ذلك القميص من القصبة وألبسه إياه اهـ خازن.\rقوله: (بإرساله) أي إلى أبيه وقال، أي جبريل ليوسف: إن فيه ريحها الخ، ولهذا قال يوسف يَأْتِ بَصِيراً اهـ.\rقوله: يَأْتِ (يصر) بَصِيراً كقولك جاء إلينا محكما بمعنى صار ويشهد له فارتد بصيرا، أو يأت إليّ وهو بصير، وينصره قوله: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ قاله في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: أَجْمَعِينَ تأكيد للأهل أي بنسائكم وذراريكم ومواليكم اهـ كرخي.\rقوله: (خرجت من عريش مصر) أي خرجت من مصر ووصلت إلى العريش، ثم خرجت منه متوجهة إلى أرض كنعان، والعريش: بلدة معروفة آخر بلاد مصر وأول بلاد الشام وهذا أحد قولين، والثاني أنها خرجت من نفس مصر اهـ من الخازن.\rوفي المختار: وفصل من الناحية وخرج منها وبابه جلس اهـ.\rقوله: (من بنيه وأولادهم) هذا يقتضي أن أولاده لم يذهبوا إلى مصر جميعا، بل بقي بعضهم، وعبارة الخازن: من أولاد بنيه اهـ فلم يذكر بنيه.\rوعبارة زاده: من ولد ولده اهـ.\rقوله: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أي: أدركه بحاسة الشم أي أشمه اهـ شيخنا.\rوفي الكلام حذف المضاف أي: ريح قميص يوسف. أي ريح الجنة من قميص يوسف، فالإضافة لأدنى ملابسة. وعبارة الخطيب: قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح","part":4,"page":78},{"id":1098,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 79\rأو ثمانية أو أكثر لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) تسفهون لصدقتموني\rقالُوا له تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ خطئك الْقَدِيمِ (95) من إفراطك في محبته ورجاء لقائه على بعد العهد\rفَلَمَّا أَنْ زائدة جاءَ الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة من ذلك القميص. قال أهل المعاني: إن اللّه تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السّلام عند انقضاء مدة المحنة من المكان البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في مدة المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل اهـ.\rقوله: (أوصلته إليه الصبا) في المصباح: الصبا بوزن العصا الريح تهب من مطلع الشمس اهـ.\rوهذا مشكل لأن ريح الصبا تقابل الذاهب إلى الشام، وإذا كانت تقابله فكيف تحمل الريح من القميص الذي معه إلى جهة الشام، فمقتضى العادة أن التي حملته هي الدبور، لأنها هي التي تذهب من جهة مصر إلى الشام تأمل. قوله: (أو أكثر) قيل: عشرة. وقيل: شهر كما في القرطبي. قوله: لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ من المعلوم أن لو لا حرف امتناع لوجود، وأن ما يليها مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، وجوابها هنا محذوف قدره الشارح بقوله لصدقتمون، وأما الخبر فلم يتعرض لتقديره، وتقدير الكلام لو لا تفنيدكم لي موجود لصدقتمون أي: امتنع تصديقكم لي لوجود تفنيدكم لي، وأصل التفنيد من الفند وهو ضعف الرأي اهـ شيخنا.\rوفي السمين: التفنيد الإفساد يقال: فندت فلانا أي أفسدت رأيه ورددته اهـ.\rوفي المختار: الفند بالتحريك الكذب، وهو أيضا ضعف الرأي من الهرم والفعل منه أفند، والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي اهـ.\rوفي القاموس: الفند بالتحريك الخرق وإنكار العقل لهرم أو مرض والخطأ في القول والرأي، والكذب كالإفناد، ولا تقل عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي أبدا وفنده تفنيدا كذبه وعجزه وخطأ رأيه كأفنده اهـ.\rوفي المصباح: سفه سفها من باب تعب، وسفه بالضم سفاهة فهو سفيه، والأنثى سفيهة، والجمع فيهما سفهاء، والسفه نقص في العقل وسفهته تسفيها نسبته إلى السفه اهـ.\rوفي الكرخي: وقال في الكشاف: التفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرق وإنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها، لأن نقصان عقلها ذاتي لا حادث من عارض الهرم اهـ.\rقوله: قالُوا (له) أي قال أولاد أولاده وأهله الذين عنده، لأن أولاده لصلبه كانوا غائبين عنه، وقوله: لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يعني من ذكره يوسف ولا تنساه، لأنه كان عندهم أن يوسف كان قد مات وهلك، ويرون أن يعقوب قد لهج بذكره، فلذلك قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ، والضلال الذهاب عن طريق الصواب اهـ خازن.\rقوله: (على بعد العهد) سيأتي في هذا الشارح نفسه أن المدة كانت ثماني عشرة سنة، أو أربعين سنة، أو ثمانين سنة اهـ.","part":4,"page":79},{"id":1099,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 80\rالْبَشِيرُ يهودا بالقميص، وكان قد حمل قميص الدم فأحب أن يفرحه كما أحزنه أَلْقاهُ طرح القميص عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ رجع بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96)\rقالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97)\rقالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) أخر ذلك إلى السحر ليكون أقرب إلى الإجابة أو إلى ليلة الجمعة ثم توجهوا إلى قوله: (زائدة) فتستعمل زائدة بعد لما كما هنا، وكما في سورة العنكبوت في قوله: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً [العنكبوت: 33] اهـ شيخنا.\rقوله: (فأحب أن يفرحه) أي فقال لإخوته: إني ذهبت بالقميص ملطخا بالدم فأنا أذهب بهذا القميص فأفرحه كما أحزنته، فحمله وخرج به حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتى أباه، وكانت المسافة ثمانين فرسخا اهـ الخازن.\rفقد سبق العير وفارقهم من حين خروجهم من العريش وعلمه يعقوب في نظير هذه البشارة كلمات كان ورثها عن أبيه إسحاق، وهو عن أبيه إبراهيم وهي: يا لطيفا فوق كل لطيف الطف بي في أموري كلها كما أحب، ورضني في دنياي وآخرتي اهـ شيخنا.\rقوله: فَارْتَدَّ بَصِيراً أي لما انتعش فيه من القوة، وفي نصب بصيرا وجهان، أحدهما أنه حال أي رجع في هذه الحالة. والثاني: أنه خبرها بمعنى صار عند بعضهم، وبصيرا من بصر بالشيء كظريف من ظرف، وقيل: هو مثال مبالغة كعليم وفيه دلالة على أنه لم يذهب بصره بالكلية اهـ سمين.\rقوله: إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ الخ إما مقول القول أو مستأنف، والمقول محذوف تقديره ما قلته لكم من قولي يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا الخ، ومن قولي إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: ما لا تَعْلَمُونَ أي من حياة يوسف، وأن اللّه يجمع بيننا اهـ خازن.\rوتقدم للشارح تفسير هذا بقوله: من أن رؤيا يوسف صدق وهو حي.\rقوله: قالُوا يا أَبانَا الخ أي قالوا ذلك اعتذارا عما حصل منهم اهـ خازن.\rقوله: اسْتَغْفِرْ لَنا أي اطلب لنا غفر ذنوبنا اهـ.\rقوله: (أخر ذلك) أي الاستغفار إلى السحر فلما انتهى إلى وقت السحر قام إلى الصلاة متوجها إلى اللّه، فلما فرغ منها رفع يديه وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما أتوا إليّ وإلى أخيهم يوسف، فأوحى اللّه إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين، وقوله: (أو إلى ليلة الجمعة). قال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة نيفا وعشرين سنة، وقال طاوس: أخر الاستغفار إلى وقت السحر من ليلة الجمعة، فوافق ذلك ليلة عاشوراء، وقال الشعبي: سوف أستغفر لكم ربي قال: حتى أسأل يوسف، فإن كان قد عفا عنكم استغفرت لكم ربي اهـ من الخازن.\rوفي البيضاوي: ويؤيده ما روي أنه استقبل القبلة قائما يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبريل عليه السّلام وقال: إن اللّه قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد","part":4,"page":80},{"id":1100,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 81\rمصر وخرج يوسف والأكابر لتلقيهم\rفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ في مضربه آوى ضم إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أباه وأمه أو خالته وَقالَ لهم ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) فدخلوا وجلس مواثيقهم بعدك على النبوة، وهذا إن صح فهو دليل على نبوتهم وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم اهـ.\rقوله: (ثم توجهوا إلى مصر الخ) عبارة الخازن: قال أصحاب الأخبار: إن يوسف عليه الصلاة والسّلام بعث مع إخوته إلى أبيه مائتي راحلة وجهازهم ليأتوا بيعقوب وجميع أهله إلى مصر، فلما أتوه تجهز يعقوب للخروج إلى مصر، فجمع أهله وهم يومئذ اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، وقال مسروق: كانوا ثلاثة وسبعين، فلما دنا يعقوب من مصر كلم يوسف الملك الأكبر يعنى ملك مصر وعرفه بمجيء أبيه وأهله، فخرج يوسف في أربعة آلاف من الجند، وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب عليه الصلاة والسّلام، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يد ابنه يهودا، فلما نظر إلى الخيل والناس قال: يا يهودا هذا فرعون مصر؟ قال: لا بل هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد من صاحبه أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام، فقال له جبريل: خلّ يعقوب يبدأ بالسلام، فقال يعقوب: السّلام عليك يا مذهب الأحزان. وقيل: إنهما نزلا وتعانقا، وفعلا كما يفعل الوالد بولده والولد بوالديه، وبكيا. وقيل: إن يوسف قال لأبيه: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟\rقال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك اهـ.\rوفي البيضاوي: وكانوا حين خرجوا من مصر مع موسى عليه السّلام ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا سوى الذرية والهرمى اهـ.\rوكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف اهـ من القرطبي. فقد بورك فيهم كثيرا حتى بلغوا هذا العدد في مدة موسى مع أن بينه وبين يوسف أربعمائة سنة، كما في التحبير، وفي العرائس القدسية، فخرج يوسف في أربعة آلاف من الجند، لكل واحد منهم جبة من فضة وراية خز وقصب، فتزينت الصحراء بهم واصطفوا صفوفا، ولما صعد يعقوب عليه السّلام ومعه أولاده وحفدته ونظر إلى الصحراء مملوءة بالفرسان مزينة بالألوان، فنظر إليهم متعجبا فقال جبريل: انظر إلى الهواء فإن الملائكة قد حضرت سرورا بحالك كانوا باكين محزونين مدة لأجلك، وهاجت الفرسان بعضهم في بعض، وصهلت الخيول، وسبحت الملائكة، وضربت بالطبول والبوقات، فصارت كأنه يوم القيامة اهـ.\rقيل: وكان دخولهم يوم عاشوراء اهـ شهاب.\rقوله: (في مضربه) في المصباح ضربت الخيمة نصبتها والموضع المضرب مثال مسجد اهـ.\rقوله: (أو خالته) واسمها ليا. قال في الخازن: وهذا هو المعتمد لموت أمه راحيل في نفاسها ببنيامين اهـ.\rوهذا مبني على أنه تزوج راحيل في حياة أختها ليا، وكان ذلك جائزا في شريعته، وبقيت ليا حتى أدركت اجتماع يعقوب بيوسف، وتقدم أن هذا قول ضعيف، وأن الراجح أن ليا ماتت قبل أن يتزوج راحيل، وعلى هذا فلعله كان لهما اخت ثالثة تزوجها يعقوب بعدهما، وأدركت هذه القضية اهـ شيخنا.","part":4,"page":81},{"id":1101,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 82\rيوسف على سريره\rوَرَفَعَ أَبَوَيْهِ أجلسهما معه عَلَى الْعَرْشِ السرير وَخَرُّوا أي أبواه وإخوته لَهُ سُجَّداً سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان وَقالَ يا أَبَتِ هذا وقيل: إن اللّه أحيا له أمه ونشرها من قبرها حتى سجدت ليوسف تحقيقا لرؤياه اهـ من الخازن.\rقوله: ادْخُلُوا مِصْرَ وهذا الدخول غير الأول إذ ذاك إلى المحل الذي ضربه خارج البلد، وهذا الدخول إلى نفس مصر، فبعد أن تم التلاقي والسّلام قال لهم: ادخلوا مصر أي للإقامة بها اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ أي من المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول مع الأمن، لأن المقصود اتصافهم بالأمن في دخولهم، ونظيره قولك للغازي: ارجع سالما غانما إن شاء اللّه فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقا، ولكن مقيدا بالسلامة والغنيمة مكيفا بهما. والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء اللّه دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال قاله في الكشاف اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: آمنين من القحط وأصناف المكاره اهـ.\rوفي الخازن: قيل إن الناس كانوا يخافون من ملوك مصر فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم، فقال لهم يوسف: ادخلوا مصر آمنين على أنفسكم وأهليكم اهـ.\rقوله: (أجلسهما معه) والرفع النقل إلى العلو اهـ خازن.\rقوله: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال البيضاوي: والرفع مؤخر عن الخرور، وإن قدم لفظا للاهتمام بتعظيمه لهما اهـ.\rوبعد ذلك يحتمل أن السجود كان خارج البلد عند أول اللقاء، وهذا هو الظاهر إذ هذا وقت التحية، ويحتمل أنه كان بعد دخول البلد حين دخلوا عليه وهو على السرير وفيه نوع بعد، لأن الظاهر أنهم كانوا صحبته فيبعد أن يحيوه حينئذ اهـ شيخنا.\rقوله: (سجود انحناء الخ) فإن قلت: كيف استجاز يوسف أن يسجد له أبوه وهو أكبر منه وأعلى منصبا في النبوة والشيخوخة؟ قلت: يحتمل أن اللّه تعالى أمره بذلك لتحقيق رؤياه، ثم في معنى هذا السجود قولان، أحدهما: أنه كان انحناء على سبيل التحية كما تقدم فلا إشكال فيه حينئذ. والثاني: أنه كان على حقيقة السجود وهو وضع الجبهة على الأرض، وهذا مشكل لأن هذه الصورة لا ينبغي أن تكون إلا للّه تعالى. وأجيب: عن هذا الإشكال بأن السجود كان في الحقيقة للّه على سبيل الشكر، وإنما كان يوسف كالقبلة لهم كما سجدت الملائكة لآدم، ويدل على صحة هذا التأويل قوله: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً، فظاهر هذا يدل على أنهم لما صعدوا السرير خروا سجدا للّه، ولو كان ليوسف لكان قبل الصعود، لأن ذلك أبلغ في التواضع، فإن قلت: يدفع صحة هذا التأويل قوله رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ، وقوله: خَرُّوا لَهُ سُجَّداً فإن الضمير يرجع إلى أقرب المذكورات وهو يوسف. قلت: يحتمل أن يكون المعنى وخروا للّه سجدا لأجل يوسف واجتماعهم به، وقيل: يحتمل","part":4,"page":82},{"id":1102,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 83\rتَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إليّ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ لم يقل من الجب تكرما لئلا يخجل إخوته وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ البادية مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ أفسد الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بخلقه الْحَكِيمُ (100) في صنعه وأقام عنده أبوه أربعا وعشرين سنة أن للّه أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية، وهي أن إخوة يوسف ربما حملتهم الأنفة والتكبر عن السجود على سبيل التحية والتواضع، لا على سبيل العبادة، وكان ذلك جائزا في ذلك الزمان، فلما جاء الإسلام نسخت هذه الفعلة واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه اهـ خازن.\rقوله: وَقالَ يا أَبَتِ هذا أي السجود تَأْوِيلُ رُءْيايَ يعني: تصديق الرؤيا في حال الصغر، فمن قبل صفة لرؤياي أي: رؤياي الكائنة من قبل أي: من قبل الحوادث التي وقعت اهـ شيخنا.\rقوله: حَقًّا أي صدقا حيث وجدت في الخارج طبق ما في النوم. قوله: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي أنعم علي يقال: أحسن بي وإليّ بمعنى اهـ خازن.\rقوله: إِذْ أَخْرَجَنِي تعليل لما قبله. وقوله: (لم يقل من الجب تكرما لئلا يخجل إخوته) أي ولقوله لا تثريب عليكم اليوم، أو لأن مصيبة السجن كانت عنده أعظم لطول مدتها ولمصاحبته الأوباش وأعداء الدين فيه، بخلاف مصيبة الجب لقصر مدتها، ولكون المؤنس له فيها جبريل عليه السّلام وغيره من الملائكة اهـ كرخي.\rوفي الخازن: إنما ذكر انعام اللّه عليه في إخراجه من السجن وإن كان الجب أصعب منه استعمالا للأدب والكرم، لئلا يخجل إخوته بعد أن قال لهم لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، ولأن نعمة اللّه عليه في إخراجه من السجن كانت سببا لوصوله إلى الملك. وقيل: إن دخوله الجب كان بحسد إخوته، ودخوله السجن كان لزوال التهمة عنه، وكان ذلك من أعظم نعمه عليه اهـ.\rوخجل من باب طرب كما في المختار.\rقوله: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ يعني من البادية. والبدو: وهو البسيط من الأرض يبدو الشخص فيه من بعد يعني: يظهر، والبدو: خلاف الحضر. والبادية: خلاف الحاضرة، وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية فسكنوا البادية اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وقيل كان يعقوب تحول إلى البادية وسكنها، وإن اللّه تعالى لم يبعث نبيا من أهل البادية اهـ.\rقوله: (أفسد) في المختار: نزغ الشيطان بين القوم أفسد وبابه قطع اهـ.\rوفي الخازن: وأصل النزغ الدخول في أمر لإفساده اهـ.\rقوله: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ ضمنه معنى مدبر فعداه باللام اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لطيف لما يشاء أي: من أحوال خلقه. أي: لطيف التدبير له، إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهل دونها اهـ.","part":4,"page":83},{"id":1103,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 84\rأو سبع عشرة سنة وكانت مدة فراقه ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة وحضره الموت فوصى يوسف أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال\r* رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي متولي مصالحي فِي الدُّنْيا يعني أن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها ولنفوذ مشيئته، فإذا أراد شيئا سهل أسبابه أطلق عليه اللطيف، لأن ما يلطف يسهل نفوذه اهـ شهاب.\rقوله: (و كانت مدة فراقه الخ) عبارة الخازن: واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها، فقال سلمان الفارسي، وعبد اللّه بن شداد بن الهاد: أربعون سنة. وقال أبو صالح، عن ابن عباس: اثنان وعشرون سنة. وقال سعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي: ست وثلاثون سنة. وقال قتادة: خمس وثلاثون سنة.\rوقال عبد اللّه بن سودون: سبعون سنة. وقال الفضيل بن عياض: ثمانون سنة. حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي، وزاد غيره عن الحسن أن يوسف كان عمره حين ألقي في الجب سبع عشرة سنة، وأقام في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، وأقام مع أبيه وإخوته وأقاربه مدة ثلاث وعشرين سنة، وتوفاه اللّه وهو ابن مائة وعشرين سنة اهـ.\rقوله: (سنة) راجع للثلاثة قبله. قوله: (فوصى يوسف أن يحمله الخ) عبارة الخازن: فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند قبر أبيه إسحاق في الأرض المقدسة بالشام، فلما مات يعقوب عليه الصلاة والسّلام بمصر فعل يوسف ما أمر به أبوه، فحمل جسده في تابوت من ساج حتى قدم به الشام، فوافق ذلك موت عيصو أخي يعقوب، وكانا قد ولدا في بطن واحد، فدفنا في قبر واحد، وكان عمرهما مائة وسبعة وأربعين سنة، فلما دفن يوسف أباه رجع إلى مصر. قالوا: فلما جمع اللّه شمل يوسف عليه الصلاة والسّلام بأبيه وإخوته، وعلم أن نعيم الدنيا زائل سريع الفناء لا يدوم سأل اللّه حسن العاقبة والخاتمة الصالحة، فقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي الخ اهـ.\rقوله: (عند أبيه) أي إسحاق. وقوله: (فمضى بنفسه) أي زيادة في الامتثال. قوله: (و لما تم أمره) أي ملكه. وقوله: (و علم أنه) أي أمره الذي هو ملكه، وقوله: (إلى الملك الدائم) وهو نعيم الآخرة. وقوله: (فقال) أي في طلب الملك الدائم، فطلب ما يوصل له وهو الموت على الإسلام، فالطلب حاصل بقوله: تَوَفَّنِي الخ، وأما ما قبله فهو تقديم ثناء على اللّه على الدعاء على ما هو الأدب في الدعاء أن يقدم الداعي على دعائه ثناء على اللّه تعالى اعترافا بنعمه عليه، ثم يسأل مطلوبه اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْمُلْكِ أي بعضه من للتبعيض، والمراد بذلك البعض ملك مصر إذ لم يملك جميع أقطار الأرض إلا أربعة: اثنان مسلمان اسكندر وسليمان بن داود، واثنان كافران بختنصر وشداد بن عاد. وكذا هي للتبعيض في قوله مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ. وفي السمين: ومن في من الملك وفي من تأويل للتبعيض، والمفعول محذوف أي شيئا عظيما من الملك، فهي صفة لذلك المحذوف، وقيل:\rزائدة، وقيل لبيان الجنس، وفاطر يجوز أن يكون نعتا لرب، ويجوز أن يكون بدلا أو بيانا أو منصوبا باضمار أعني أو نداء ثانيا اهـ.","part":4,"page":84},{"id":1104,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 85\rوَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون سنة وتشاح المصريون في قبره فجعلوه في صندوق من مرمر ودفنوه في أعلى والملك عبارة عن الاتساع في الشيء المقدور لمن له السياسة والتدبير اهـ خازن.\rقوله: تَوَفَّنِي أي: اقبضني إليك مسلما، واختلفوا هل هو طلب الوفاة في الحال أم لا على قولين، أحدهما: أنه سأل اللّه الوفاة في الحال. قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف.\rقال أصحاب هذا القول: وأنه لم يأت عليه أسبوع حتى توفي. والقول الثاني: أنه سأل الوفاة على الإسلام إذا جاء أجله، ولم يتمن الموت في الحال. وقال الحسن: إنه عاش بعدها سنين كثيرة، فعلى هذا القول يكون معنى الآية تَوَفَّنِي إذا توفيتني على الإسلام، فهو طلب لأن يجعل اللّه وفاته على الإسلام، وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال. قال بعض العلماء: وكلا القولين محتمل، لأن اللفظ صالح للأمرين، ولا يبعد من الرجل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب، وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاد له ولا زوال، ولا يمنع من هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«لا يتمن أحدكم الموت لضر نزل به، فإن تمني الموت عند وجود الضر ونزول البلايا مكروه والصبر أولى» اهـ خازن.\rفإن قلت: كيف قال يوسف ذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلما؟ فالجواب: إما أنه حصل له حالة غلب عليه الخوف فيها، فذهل عن ذلك العلم في تلك الساعة، أو أنه دعا بذلك مع علمه إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليما لغيره. وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: فإن قيل: الأنبياء عليهم السّلام يعلمون أنهم يموتون على الإسلام لا محالة، فكان هذا الدعاء طلب تحصيل الحاصل، وهو لا يجوز وأجيب: بأن حال كمال المسلم أن يسلم لحكم اللّه تعالى على وجه يستقر عليه قلبه ويرضى بقضاء اللّه وتطمئن النفس وينشرح الصدر وينفسح القلب في هذا الباب، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب ههنا الإسلام بهذا المعنى، فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسّلام كان من أكابر الأنبياء والصلاح أول درجة المؤمنين، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية؟ أجيب: بأن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: يعني بأن يلحقه بآبائه إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب، والمعنى ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم اهـ.\rوأشار لهذا الجلال بقوله (من آبائي).\rقوله: (و مات) وقد خلف من امرأة العزيز ولدين وبنتا، فالولدان افرائيم وميشا، والبنت رحمة تزوجها أيوب اهـ خازن.\rولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعد يوسف مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا من دين يوسف وآبائه إلى أن بعث اللّه تعالى موسى عليه الصلاة والسّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: (و تشاح المصريون) أي أهل مصر في قبره أي في المحل الذي يدفن فيه، فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم لأجل بركته حتى هموا أن يقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن يدفنوه في أعلى","part":4,"page":85},{"id":1105,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 86\rالنيل لتعم البركة جانبيه فسبحان من لا انقضاء لملكه\rذلِكَ المذكور من أمر يوسف مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أخبار ما غاب عنك يا محمد نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ لدى إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ في كيده أي عزموه عليه وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) به أي لم تحضرهم فتعرف قصتهم فتخبر بها وإنما حصل لك علمها من جهة الوحي\rوَما أَكْثَرُ النَّاسِ أي أهل مكة وَلَوْ حَرَصْتَ على النيل، أي: في أقصاه من جهة الصعيد، لأجل أن يجري الماء عليه ويتفرق عنه بعد ذلك إلى جميع البلاد وتعم بركته الكل، فجعلوه في صندوق من مرمر، وهو نوع من الرخام أعلاه وأجوده، ودفنوه في الجانب الأيمن من النيل، فأخصب وأجدب الجانب الآخر، فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب وأجدب الجانب الأيمن، فدفنوه في وسط النيل أي: البحر، وقدروه بسلسلة فأخصب الجانبان فبقي أربعمائة سنة، فلما أمر اللّه موسى بالخروج من مصر أمره بأخذ يوسف معه، ودفنه في الأرض المقدسة بقرب آبائه، فلم يهتد إلى مكانه، فدلته عليه عجوز قيل إنها بنت ولد يعقوب، وشرطت عليه أن تكون معه في الجنة، فضمن لها ذلك، وشرطت عليه أيضا أن يدعو لها بأن ترجع شابة كلما هرمت، فدعا لها، فكانت كلما وصلت في السن خمسين سنة رجعت بنت ثلاثين، وعاشت ألفا وستمائة سنة، فحمله موسى ودفنه بالأرض المقدسة فهو الآن هناك اهـ شيخنا.\rقوله: (المذكور من أمر يوسف) أي: قصته وما جرى له مع إخوته وما صار إليه من الملك بعد الرق اهـ من الخازن.\rوذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب خبره، ونوحيه حال، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا أو حالا من الضمير في الخبر اهـ سمين.\rوقوله: نُوحِيهِ بمعنى الماضي، وفي هذه الآية دليل قاطع على صحة نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه كان أميا لم يقرأ الكتب، ولم يلق العلماء، ولم يسافر إلى غير بلده الذي نشأ فيه، ومع ذلك أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن تركيب وأفصح عبارة، فعلم أن اتيانه صلّى اللّه عليه وسلّم بها بوحي من اللّه اهـ خازن.\rقوله: (وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ تعليل لكل من الخبرين. قوله: إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وهو إلقاؤه في الجب. قوله: وَهُمْ يَمْكُرُونَ أي: يحتالون في إهلاكه والجملة حال. قوله: (من جهة الوحي) إذ قال في موضع آخر: ما كنت تعلمها الخ، وإنما حصل لك علمها من جهة الوحي، فيكون معجزا لأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لم يطالع الكتب، ولم يأخذ عن أحد من البشر، وما كانت بلده بلد العلماء، فإتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيها تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم، كيف لا يكون معجزا اهـ كرخي.\rقوله: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ الخ هذا تسلية له عن إعراضهم، وذلك أن اليهود وقريشا سألوه عن قصة يوسف، فأخبرهم بها على وفق ما عندهم في التوراة، ومع ذلك لم يسلموا، فحزن فأنزل اللّه تعالى وَما أَكْثَرُ النَّاسِ الآية اهـ خازن.\rقوله: وَلَوْ حَرَصْتَ جملة معترضة بين ما وخبرها، وجواب لو محذوف لدلالة ما تقدم عليه اهـ سمين.","part":4,"page":86},{"id":1106,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 87\rإيمانهم بِمُؤْمِنِينَ (103)\rوَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ أي القرآن مِنْ أَجْرٍ تأخذه إِنْ ما هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ عظة لِلْعالَمِينَ (104)\rوَكَأَيِّنْ وكم مِنْ آيَةٍ دالة على وحدانية اللّه فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها يشاهدونها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105) لا يتفكرون فيها\rوَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ حيث يقرون بأنه الخالق الرازق إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) به بعبادة الأصنام ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك يعنونها\rأَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ وفي المصباح: حرص عليه حرصا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحرص بالكسر، وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضا، وحرص حرصا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة اهـ.\rقوله: عَلَيْهِ أي: على تبليغه. قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي: قاطبة، وهذا كالتعليل لما قبله، لأن الوعظ العام ينافي أخذ الأجر من البعض. لأنه لا يختص بهم اهـ شهاب.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مبتدأ ومن آية تمييز، وهذا تسلية أخرى له صلّى اللّه عليه وسلّم. أي: لا تتعجب من إعراضهم عنك، فإن إعراضهم عن هذه الآيات الدالة على وحدانية اللّه تعالى أغرب وأعجب من إعراضهم عنك اهـ شيخنا.\rوقوله: وكم يشير به إلى أن كأين بمعنى كم التكثيرية الخبرية، وإن وردت للاستفهام، والآية هنا بمعنى الدليل الدال على ما ذكر اهـ شهاب.\rوقوله: فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صفة لآية، وقوله: يَمُرُّونَ خبر المبتدأ وهو كأين أي:\rوآيات كثيرة كائنة في السموات كالكواكب والأرض يمرون عليها وهم عنها. أي: والحال أنهم معرضون عنها اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: ويجوز أن يكون في السموات والأرض خبرا ويمرون عليها صفة آية اهـ.\rوفي أبي السعود: وكأين أي كأي عدد شئت من الآيات والعلامات الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته وحكمته غير هذه الآية التي جئت بها في السموات والأرض أي: كائنة فيهما من الأجرام الفلكية وما فيهما من النجوم وتغير أحوالها، ومن الجبال والبحار، وسائر ما في الأرض من العجائب الفائتة للحصر يمرون عليها أي: ويشاهدونها ولا يعبؤون بها وقرئ برفع الأرض على الابتداء ويمرون خبره وقرئ بنصبها على معنى ويطؤون الأرض يمرون عليها، وفي مصحف عبد اللّه والأرض يمشون عليها، والمراد ما يرون فيها من آثار الأمم الهالكة، وغير ذلك من الآثار والعبر اهـ.\rقوله: (بعبادة الأصنام) متعلق بمشركون على أن الباء سببية، ولذا قال بعبادة الأصنام أي: بسبب عبادتهم الأصنام اهـ.\rقوله: (يعنونها) أي يعنون بالشريك في قولهم إلا شريكا الخ الأصنام.\rقوله: أَنْ تَأْتِيَهُمْ أي: في الدنيا. قوله: (نقمة تغشاهم) عبارة البيضاوي: غاشية من عذاب اللّه أي: عقوبة تغشاهم وتشملهم اهـ.","part":4,"page":87},{"id":1107,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 88\rغاشِيَةٌ نقمة تغشاهم مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) بوقت إتيانها قبله\rقُلْ لهم هذِهِ سَبِيلِي وفسرها بقوله أَدْعُوا إِلَى دين اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ حجة واضحة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي آمن بي عطف على أنا المبتدأ المخبر عنه بما قبله وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عن الشركاء وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) من جملة سبيله أيضا\rوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي وفي قراءة بالنون وكسر الحاء إِلَيْهِمْ لا ملائكة مِنْ أَهْلِ الْقُرى الأمصار لأنهم أعلم ومن عذاب اللّه صفة لغاشية، وهم لا يشعرون بإتيانها غير مستعدين لها اهـ.\rقوله: (بوقت اتيانها) أي: الساعة، وقوله: (قبله) أي: قبل اتيانها، وهذا ظرف للنفي أي: انتفى شعورهم بها قبل اتيانها.\rقوله: (حجة واضحة) وقيل: البصيرة هي المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل اهـ خازن.\rقوله: (بما قبله) وهو قوله: عَلى بَصِيرَةٍ، فالتقدير أنا ومن اتبعني كائنان على بصيرة، فهذا كلام مستأنف، فالوقف على قوله: إِلَى اللَّهِ هذا ما جرى عليه الشارح في الإعراب، وقيل: إن قوله: (أنا فاعل) بأدعو ومن اتبعني معطوف عليه، الكلام جملة واحدة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ يجوز أن يكون مستأنفا وهو الظاهر، وأن يكون حالا من الياء، وعلى بصيرة حال من فاعل أدعو أي: أدعو كائنا على بصيرة، وقوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِي عطف على فاعل أدعو، ولذلك أكد بالضمير المنفصل، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أي: ومن اتبعني يدعو أيضا، ويجوز أن يكون على بصيرة خبرا مقدما، وأنا مبتدأ مؤخرا، ومن اتبعني عطف عليه، ويجوز أن يكون على بصيرة وحده حالا، وأنا فاعل به، ومن اتبعني عطف عليه أيضا، ومفعول أدعو يجوز أن لا يراد، ويجوز أن يقدر أي: ادعو الناس. وقرأ عبد اللّه هذا سبيلي بالتذكير وقدم أنه يذكر ويؤنث اهـ سمين.\rقوله: سُبْحانَ اللَّهِ أي وأسبح سبحان اللّه. قوله: (من جملة سبيله) راجع لقوله: وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فيحنئذ يكونان معطوفين على قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ الواقع تفسيرا لسبيله اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ رد على أهل مكة حيث قالوا: هلا بعث اللّه ملكا بذلك، والمعنى كيف يتعجبون من إرسالنا إياك مع أن سائر الرسل الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم كحالك اهـ خازن.\rقوله: (؟ يوحي) العامة على يوحي بالياء من تحت مبنيا للمفعول، وقرأ حفص نوحي بالنون مبنيا للفاعل اعتبارا بقوله: وَما أَرْسَلْنا، وكذلك قرأ ما في النحل وما في أول الأنبياء، ووافقه الاخوان على قوله نوحي إليه في الأنبياء على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، والجملة صفة لرجالا، ومن أهل القرى صفة ثانية، وكأن تقديم هذه الصفة على ما قبلها أكثر استعمالا، لأنها أقرب إلى المفرد، وقد تقدم تحريره في المائدة اهـ سمين.","part":4,"page":88},{"id":1108,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 89\rوأحلم بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي أهل مكة فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اللّه أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) بالياء والتاء أي يا أهل مكة هذا فتؤمنون\rحَتَّى غاية لما دل عليه وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أي فتراخى نصرهم حتى إِذَا اسْتَيْأَسَ يئس الرُّسُلُ وَظَنُّوا أيقن الرسل أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بالتشديد تكذيبا لا إيمان بعده والتخفيف أي ظن الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ بنونين مشددا قوله: (لجفائهم) مقابل لقوله لأنهم أعلم، وقوله: (و جهلهم) مقابل لقوله: وأحلم. قوله: (أي آخر أمرهم) تفسير للعاقبة، وقوله: (من اهلاكهم) بيان لآخر أمرهم الذي هو عاقبتهم قوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ إنما أضاف الدار إلى الآخرة، مع أن المراد بالدار هي الجنة وفي نفس الآخرة، لأن العرب قد تضيف الشيء إلى نفسه، كقولهم: حق اليقين، والحق هو اليقين نفسه اهـ خازن.\rوعبارة البيضاوي: ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة انتهت فعليها ليس في الكلام إضافة الشيء إلى نفسه.\rقوله: (يا اهل مكة) راجع لقراءة التاء، وقوله: هذا أي أن دار الآخرة خير.\rقوله: (غاية لما دل عليه) أي: للمقدر الذي دل عليه وَما أَرْسَلْنا الخ، وبينه بقوله أي:\rفتراخى نصرهم، وانظر ما وجه دلالة ما ذكر عليه، ويمكن أن يقال وجه الدلالة من قوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الخ، فإن هذا يشعر بعصيان قومهم وتراخي نصرهم عليهم. وعبارة البيضاوي: غاية لمحذوف دل عليه الكلام أي لا يعرهم تمادي أيامهم، فإن من قبلهم، أمهلوا حتى أيس الرسل الخ.\rوفي السمين: ليس في الكلام شيء يكون حتى غاية له، فمن ثم اختلف الناس في تقدير شيء يصح جعله مغيّى بحتى، فقدره الزمخشري وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا، فتراخى نصرهم حتى، وقدره القرطبي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا، ثم لم نعاقب أمتهم بالعقاب حتى إذا، وقدره ابن الجوزي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا، وأحسنها ما قدمته اهـ.\rقوله: (بالتشديد والتخفيف) سبعيتان: قوله: (أي ظن الأمم) والظن على هذا الاحتمال على حقيقته، قوله: (أن الرسل أخلفوا) بالبناء للمفعول أي: أخلفهم اللّه وعده إياهم بالنصر، فمعنى كذبوا بالتخفيف أخلفوا أي: أخلف اللّه وعدهم بالنصر، وعلى قراءة التخفيف يكون الظن على بابه كما يقتضيه صنيع الجلال حيث نبه على أنه في قراءة التشديد بمعنى اليقين، وسكت عنه على قراءة التخفيف، فيقتضي أنه باق على أصله تأمل. قوله: (من النصر) بيان لما. قوله: جاءَهُمْ جواب إذا. قوله: (بنونين) أي: مضارع نجى كعلم على التشديد، ومضارع أنجى كأكرم على التخفيف، وقد اشتمل كلامه على ثلاث قراءات، لكن الأولى وهي التشديد مع النونين شاذة ليست للسبعة ولا للعشرة، وهي قراءة الحسن، وأما اللتان بعدها فسبعيتان اهـ شيخنا.","part":4,"page":89},{"id":1109,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 90\rومخففا وبنون مشددا ماض مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) المشركين\rلَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي الرسل عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ أصحاب العقول ما كانَ هذا القرآن حَدِيثاً يُفْتَرى يختلق وَلكِنْ كان تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَتَفْصِيلَ تبيين كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدين وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) خصوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم.\rقوله: (و بنون مشددا) أي: جيمه مع ضم النون وتحريك الياء، فقوله: (ماض) أي: مبني للمفعول، ومن نشاء نائب فاعل هذه ومفعول به على اللتين قبلها اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ كانَ لام قسم، ولما قال في أول السورة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وفي آخرها لَقَدْ كانَ الخ دلّ على أن هذه القصة من أحسن القصص، وأن فيها عبرة لمن اعتبر اهـ خازن.\rقوله: فِي قَصَصِهِمْ تقدم أن القصص مصدر قص إذا تتبع الأثر والخبر، والمراد هنا المقصوص المحكي بدليل القراءة الشاذة قصصهم بكسر القاف اهـ شيخنا.\rقوله: عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ المراد بها التأمل والتفكر. وفي الخازن: معنى الاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، والمراد منه التأمل والتفكر.\rووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه وإخراجه من السجن وتمليكه مصر بعد العبودية وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة واليأس من الاجتماع قادر على إعزاز محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وإعلاء كلمته، وإظهار دينه، وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى الإخبار عن الغيوب، فكانت معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rوعبارة الكرخي: ووجه الاعتبار بقصصهم أنه قال في أول السورة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، ثم قال ههنا: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، وذلك تنبيه على أن حسن هذه القصة إنما هو لأجل حصول العبرة منها ومعرفة الحكمة والقدرة، فإن قيل: لم قال عبرة لأولي الألباب مع أن قوم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر؟ فالجواب: أن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يعتبر بها العاقل كما مرت الإشارة: انتهت.\rقوله: (أصحاب العقول) أي: السليمة اهـ كرخي.\rقوله: (هذا القرآن) أي: المتقدم ذكره في قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا اهـ شيخنا.\rقوله: تَصْدِيقَ أي مصدق الخ، وهذه أخبار أربعة أخبر بها عن كان المحذوفة التي قدرها الشارح اهـ شيخنا. قوله: وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند في القرآن بوسط أو بغير وسط اهـ بيضاوي.\rقوله: (في الدين) من الحلال والحرام والحدود والأحكام والقصص والمواعظ والأمثال، وغير ذلك اهـ خازن.","part":4,"page":90},{"id":1110,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 91\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الرعد مدنية إلا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا الآية، أو مدنية إلا وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآيتين وهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست وأربعون آية\rالمر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن والإضافة بمعنى من وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن مبتدأ خبره الْحَقُ لا شك فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يُؤْمِنُونَ (1) بأنه من عنده تعالى\rاللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي العمد بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (مكية الخ) الحاصل أنهم اختلفوا فيها على قولين: قيل: مكية، وقيل: مدنية، وقال بعضهم: المدني منها قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [الرعد: 12] إلى قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ [الرعد: 14] اهـ خازن.\rومن فضائل هذه السورة أن قراءتها عند المحتضر تسهل خروج روحه.\rقوله: تِلْكَ آياتُ يجوز في تلك أن يكون مبتدأ، والخبر آيات الكتاب، والمشار إليه آيات السورة، والمراد بالكتاب السورة، وقيل: إشارة إلى ما قص عليه من أنباء الرسل، وهذه الجملة لا محل لها إن قيل المر كلام مستقل أو قصد به مجرد التنبيه، وفي محل رفع على الخبر إن قيل المر مبتدأ ويجوز أن يكون تلك خبرا ل المر وآيات الكتاب بدل أو بيان، وقد تقدم تقرير هذا بإيضاح أول الكتاب وأعدته تطرية اهـ سمين.\rقوله: (هذه الآيات الخ) إشارة إلى أن تلك بمعنى هذه المشار بها للحاضر، والمشار إليه آيات هذه السورة أو القرآن، وهذا ما جرى عليه في الكشاف وجمهور المفسرين، وجرت طائفة على أن الإشارة بتلك لما مضى من أنباء الرسل المتقدم آخر السورة السابقة اهـ كرخي.\rوقوله: المشار بها للحاضر أي: باعتبار أنها لتلاوة بعضها، والبعض الآخر في معرض التلاوة وصارت كالحاضرة أو لثبوتها في اللوح أو مع الملك اهـ شهاب.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ الخ هذا شروع فى ذكر دلائل من العالم العلوي، وقوله: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ","part":4,"page":91},{"id":1111,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 92\rجمع عماد وهو الاسطوانة وهو صادق بأن لا عمد أصلا ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به وَسَخَّرَ ذلل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ منهما يَجْرِي في فلكه لِأَجَلٍ مُسَمًّى يوم القيامة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقضي أمر ملكه يُفَصِّلُ يبين الْآياتِ دلالات قدرته لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة بِلِقاءِ الْأَرْضَ الخ شروع في ذكر دلائل من العالم السفلي اهـ خازن.\rقوله: تَرَوْنَها في الضمير المنصوب وجهان، أحدهما: أنه عائد على عمد وهو أقرب مذكور، وحينئذ تكون الجملة في محل جر صفة لعمد. والثاني: أن الضمير عائد على السموات، ثم في هذه الجملة وجهان أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها، والثاني: انها في محل نصب على الحال من السموات، والتقدير رفعها مرئية لكم، وقرأ أبيّ ترونه بالتذكير مراعاة للفظ عمد أو هو اسم جمع، وهذه القراءة رجح بها الزمخشري كون الجملة صفة لعمد اهـ سمين.\rقوله: (أي العمد) إشارة إلى أن ترونها صفة للعمد، وقوله: (جمع عماد) أي: على غير قياس، والقياس أن يجمع على عمد بضم العين والميم، وقيل: إن عمد جمع عماد في المعنى أي: أنه اسم جمع لا جمع صناعي، وقوله: (و هو) أي: هذا النفي صادق الخ: وذلك برجوع النفي للصفة والموصوف معا، وهذا هو أصح القولين، وقيل: إن لها عمدا على جبل قاف، وهو جبل من زمرد محيط بالدنيا والسماء عليه مثل القبة، وهذا قول مجاهد وعكرمة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ هذا الجار في محل نصب على الحال من السموات أي:\rرفعها خالية من عمد، ثم في هذا الكلام وجهان، أحدهما: انتفاء العمد والرؤية جميعا أي: لا عمد فلا رؤية يعني لا عمد لها، فلا ترى، وإليه ذهب الجمهور. والثاني: أن لها عمدا ولكن غير مرئية، والعامة على فتح العين والميم وهو اسم جمع، وعبارة بعضهم أنه جمع نظرا إلى المعنى دون الصناعة، وقرأ أبو حيوة، ويحيى بن وثاب عمد بضمتين، ومفرده يحتمل أن يكون عمادا كشهاب وشهب، وكتاب وكتب، وأن يكون عمودا كرسول ورسل، وقد قرئ في السبع في عمد ممددة بالوجهين اهـ.\rقوله: (و هو الاسطوانة) بضم الهمزة والطاء وتسمى عمودا وسارية.\rقوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ثم هنا لمجرد العطف لا للترتيب لأن الاستواء على العرش غير مرتب على رفع السموات اهـ سمين.\rقوله: (استواء يليق به) هذا مذهب السلف قوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: ذللهما لما أراد منهما، فالحركة المستمرة على حد من السرعة تنفع في حدوث الكائنات وبقائها اهـ بيضاوي.\rقوله: لِأَجَلٍ مُسَمًّى فسره الشارح بيوم القيامة. وفي الشهاب: روي عن ابن عباس: كل منهما يجري إلى وقت معين، فإن الشمس تقطع الفلك في سنة، والقمر في شهر لا يختلف جري واحد منهما كما في قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [يس: 38] الآيتين. قيل: وهذا هو الحق في تفسير الآية اهـ.\rقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: أمر العالم العلوي والسفلي اهـ خازن.\rويدبر ويفصل حالان من الضمير في استوى. وقوله: (يقضي أمر ملكه) أي: يمضيه وينفذه","part":4,"page":92},{"id":1112,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 93\rرَبِّكُمْ بالبعث تُوقِنُونَ (2)\rوَهُوَ الَّذِي مَدَّ بسط الْأَرْضَ وَجَعَلَ خلق فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل نوع يُغْشِي يغطي اللَّيْلَ بظلمته النَّهارَ إِنَّ فِي كالإحياء والإماتة والخلق والرزق والإيجاد والإعدام، ويدخل فيه انزال الوحي، وبعث الرسل وتكليف العباد ونحو ذلك، وحمل التدبير على العموم أولى من حمله على نوع من أحوال العالم، كما جرى عليه جمع من المفسرين اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلَّكُمْ الخ أي: لأن من قدر على هذه الأشياء قادر على إحياء الإنسان بعد موته اهـ خازن.\rقوله: (بالبعث) أي: بسببه.\rقوله: مَدَّ الْأَرْضَ أي: بسطها طولا وعرضا لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان اهـ بيضاوي.\rقال الأصم: المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، فقوله: مَدَّ الْأَرْضَ يشعر بأنه تعالى جعل الأرض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه اهـ كرخي.\rوفي الجامع الصغير حديث رواه عن البيهقي، عن ابن عباس ولفظه: «أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وأن أول جبل وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال» اهـ.\rقوله: (ثوابت) أي: تمسكها عن الاضطراب. قوله: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يتعلق بجعل بعده أي: وجعل فيها زوجين اثنين من كل صنف من أصناف الثمرات وهو ظاهر. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من اثنين، لأنه في الأصل صفاته. والثالث: أن يتم الكلام على قوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، فيتعلق بجعل الأول على أنه من عطف المفردات يعني أنه عطف على معمول جعل الأولى تقديره أنه جعل في الأرض كذا وكذا من كل الثمرات. قال أبو البقاء:\rويكون جعل الثاني مستأنفا، ويغشى الليل قد تقدم الكلام فيه وهو مستأنف أو حال من فاعل الأفعال قبله اهـ سمين.\rقوله: زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ هذا بيان لأقل مراتب التعدد، وإلّا فالتعدد قد يكون بأكثر من ذلك، وقوله: (من كل نوع) متعلق باثنين أي: اثنين من كل نوع، فالثمرات جنس وأنواعها الرمان وغيره، وفي كل نوع اختلاف باللون وبالصغر والكبر وبالطعم والريح وغير ذلك اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وجعل فيها زوجين اثنين أي: اثنينية حقيقية، وهما الفردان اللذان كل منهما زوج الآخر، وأكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان، إذ يطلق الزوج على المجموع، ولكن اثنينية ذلك اعتبارية أي: جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين: إما في اللون كالأبيض والأسود، أو في الطعم كالحلو والحامض، أو في القدر كالكبير والصغير، أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك. قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي: يغشى النهار","part":4,"page":93},{"id":1113,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 94\rذلِكَ المذكور لَآياتٍ دلالات على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) في صنع اللّه\rوَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ بقاع مختلفة مُتَجاوِراتٌ متلاصقات فمنها طيب وسبخ وقليل الريع وكثيره وهو من دلائل قدرته تعالى وَجَنَّاتٌ بساتين مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ بالرفع عطفا على جنات والجر على أعناب وكذا قوله وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ جمع صنو وفي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها بالليل، كما أشار لذلك بقوله: (بظلمته) فالمفعول الأول هو الليل اهـ شيخنا.\rومعنى تغشية هذا بذلك الاتيان به مكانه أي: الاتيان به بدله. وفي أبي السعود: يغشي الليل والنهار أي: يستر النهار بالليل، والتركيب وإن احتمل العكس أيضا بالحمل على تقديم المفعول الثاني على الأول، فإن ضوء النهار أيضا ساتر لظلمة الليل، إلا أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي، وعد هذا في تضاعيف الآيات السفلية، وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرا باعتبار أن ظهوره في الأرض، فإن الليل إنما هو ظلها وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلا اهـ.\rقوله: يَتَفَكَّرُونَ يعني فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالسبب على المسبب، والفكر هو تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب، ولهذا روي تفكروا في آلاء اللّه، ولا تفكروا في اللّه، إذ اللّه منزه أن يوصف بصورة اهـ خازن.\rقوله: (و سبخ) أي: لا ينبت وهو بفتح الباء وكسرها وسكونها، كما يؤخذ من المصباح ونصه:\rسبخت الأرض سبخا من باب تعب، فهي سبخة بكسر الباء، وإسكانها تخفيف، وأسبخت بالألف لغة ويجمع المكسور على لفظة سبخات مثل كلمة وكلمات ويجمع الساكن على سباخ مثل كلبة وكلاب، وموضع سبخ، وأرض سبخة بفتح الباء أيضا أي: ملحة اهـ.\rقوله: (و هو) أي: الاختلاف من دلائل قدرته تعالى. قوله: مِنْ أَعْنابٍ جمع عنب. قوله:\r(بالرفع) ومتى رفع هذا ترفع الكلمات الثلاث بعده، ونخيل صنوان وغير صنوان، ومتى جر تجر الثلاثة المذكورة بعده، فهما قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص بالرفع في الأربعة، والباقون بالخفض، فالرفع في زرع ونخيل للنسق على قطع، وفي صنوان لكونه تابعا لنخيل وغير لعطفه عليه اهـ.\rقوله: وَنَخِيلٌ النخل والنخيل بمعنى والواحد نخلة اهـ مختار. لكن النخل يذكر ويؤنث، والنخيل مؤنث لا غير كما في المصباح.\rقوله: (جمع صنو) أي: في الكثرة، وجمعه في القلة أصناء كحمل وأحمال، والعامة على كسر الصاد. وقرأ المسلمي، وابن مصرف، وزيد بن علي بضمها وهو لغة قيس وتميم كذئب وذؤبان، وقرأ الحسن وقتادة بفتحها وهو اسم جمع لا جمع تكسير، لأنه ليس من أبنيته فعلان بالفتح، ونظير صنوان بالفتح السعدان اهـ سمين.","part":4,"page":94},{"id":1114,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 95\rوَغَيْرُ صِنْوانٍ منفردة يُسْقى بالتاء أي الجنات وما فيها والياء أي المذكور بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بالنون والياء بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ بضم الكاف وسكونها فمن حلو وحامض وهو من قوله: (و هي النخلات الخ) تفسير للصنوان الذي هو الجمع، فالصنو المفرد واحد هذه النخلات اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والصنو الفرع يجمعه وفروعا أخر أصل واحد والمثل، وفي الحديث: «عم الرجل صنو أبيه» أي: مثله، أو لأنهما يجمعهما أصل واحد اهـ.\rوفي المختار: إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو، والاثنان صنوان بكسر النون، والجمع صنوان برفعها اهـ.\rقوله: (بالتاء) ومتى قرئ بالتاء جاز يفضل وتفضل، ومتى قرئ بالياء تعين نفضل بالنون لا غير، فالقراءات ثلاثة لا أربعة كما يوهمه كلامه وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (و ما فيها) هذا يناسب قراءة الجر، إذ هي الحاكمة بأن الزرع وما بعده من الجنات ويبعده من قراءة الرفع فعليها يقال وما بعدها بدل وما فيها، وقوله أي: (المذكور) أي: من الجنات وما بعدها. قوله: بِماءٍ واحِدٍ ومع ذلك تراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح متفاضلة فيها وقد يكون من أصل واحد، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الكل بتقدير الفاعل المختار، لا بسبب الاتصالات الفلكية اهـ كرخي.\rوفي الخازن: والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حده جوهر سيال به قوام الأرواح اهـ.\rقوله: (بالنون والياء) أي: قرأ بالياء التحتية حمزة، والكسائي ليطابق قوله يدبر والباقون بنون العظمة وأنت خبير بأن القراء يتبعون فيما اختاروه من القراءات الأثر، لا الرأي، فإنه لا مدخل له فيها اهـ كرخي.\rقوله: (في الأكل) المراد بالأكل ما يؤكل منها وهو الثمر والحب، فالثمر من النخيل والأعناب، والحب من الزرع كأنه قال: ونفضل الحب والثمر بعضهما على بعض طعما وشكلا ورائحة وقدرا وحلاوة وحموضة وغضاضة، وغير ذلك من الطعوم، وفضلها أيضا في غير ذلك كاللون والنفع والضر، وإنما اقتصر على الأكل لأنه أعظم المنافع. وفي الخازن: قال مجاهد: هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد، وقال الحسن: هذا مثل ضربه اللّه لقلوب بني آدم كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعا متجاورات، وأنزل على وجهها ماء السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه نباتها، وتخرج هذه سباخها وملحها وخبيثها، وكل يسقى بماء واحد كذلك الناس خلقوا من آدم، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم وتخشع وتخضع، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع، وقال الحسن: واللّه ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان.\rقال اللّه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] اهـ.","part":4,"page":95},{"id":1115,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 96\rدلائل قدرته تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) يتدبرون\r* وَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد من تكذيب الكفار لك فَعَجَبٌ حقيق بالعجب قَوْلُهُمْ منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا تُراباً قوله: (بضم الكاف وسكونها) وفي المصباح: الأكل بضمتين، وإسكان الثاني للتخفيف المأكول اهـ.\rقوله: (و هو من دلائل قدرته) عبارة البيضاوي: وذلك أيضا مما يدل على الصانع الحكيم، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار اهـ.\rقوله: (يتدبرون) أي: يستعملون عقولهم بالتفكر فيها خص هذا بالعقل والأول بالتفكر، لأن الاستدلال باختلاف النهار أسهل، ولأن التفكر في الشيء سبب لتعقله والسبب مقدم على المسبب، فناسب تقديم التفكر على التعقل اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ تَعْجَبْ بتحقيق الباء وادغامها في الفاء قراءتان سبعيتان اهـ خطيب.\rوالعجب: تغير النفس برؤية المستبعد في العادة. وقال القرطبي: العجب تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك في حق اللّه تعالى محال اهـ كرخي.\rقوله: (من تكذيب الكفار لك) أي: مع أنك كنت مشتهرا بينهم موصوفا عندهم بالصادق الأمين، فلما جئت بالرسالة كذبوك اهـ.\rقوله: فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه خبر مقدم، وقولهم مبتدأ مؤخر، ولا بد من حذف صفة لتتم الفائدة أي: فعجب أي: عجب أو غريب ونحوه. والثاني: أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء ما ذكرته من الوصف المقدر، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة اهـ سمين.\rقوله: (حقيق بالعجب) أي: بأن تتعجب منه. قوله: (منكرين) حال. قوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنها منصوبة المحل لحكايتها بالقول. والثاني: أنها في محل رفع بدلا من قولهم، وبه بدأ الزمخشري، وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم، ويكون بدل كل من كل، لأن هذا هو نفس قولهم، وإذا هنا ظرف محض، وليس فيها معنى الشرط والعامل فيها مقدر يفسره لفي خلق جديد. تقديره: أئذا كنا ترابا نبعث أو نحشر، ولا يعمل فيها خلق جديد، لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها أيضا كنا، لإضافتها إليها.\rواختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافا منتشرا، وهو في أحد عشر موضعا في تسع سور من القرآن، ولا بد من تعيينها. فأولها ما في هذه السورة، والثاني والثالث في الإسراء بلفظ واحد أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: 49 و98] والرابع في المؤمنون أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون: 82 والصافات: 16] والخامس: في النمل أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل: 67] السادس: في العنكبوت إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [العنكبوت: 28] السابع: آلم السجدة أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10] والثامن والتاسع: في الصافات أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الصافات: 16] أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: 53]","part":4,"page":96},{"id":1116,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 97\rأَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ لأن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم وفي الهمزتين في الموضعين التحقيق وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركها وفي قراءة بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني وأخرى عكسه أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5) ونزل في استعجالهم العذاب استهزاء\rوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ العذاب قَبْلَ الْحَسَنَةِ الرحمة وَقَدْ خَلَتْ والعاشر: في الواقعة أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة: 47] والحادي عشر: في النازعات أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ [النازعات: 10] أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً [النازعات: 11] فهذه هي المواضع المختلف فيها ثم الوجه في قراءة من استفهم في الأول والثاني قصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيدا له، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود به، لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى اهـ من سمين.\rقوله: (لأن القادر الخ) علة لقوله: (فعجب) أي: إنما كان قولهم المذكور عجبا أي: حقيقا بالعجب، لأن القادر الخ اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: فعجب قولهم أي: منكرين البعث أَإِذا كُنَّا تُراباً أي: بعد الموت أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: نعاد خلقا جديدا بعد الموت كما كنا قبله ولم يعلموا أن القادر الخ اهـ.\rقوله: (و ما تقدم) أي: من رفع السموات بغير عمد وغيره من الأمور المتقدمة. قوله: (و في الهمزتين في الموضعين الخ) من هنا إلى قوله وتركها أربع قراءات، قوله: (و في قراءة) الخ ثلاث قراءات، لأنه حينئذ يجوز في الهمزتين التحقيق من غير ألف بينهما، ويجوز تسهيل الثانية بإدخال ألف وعدم الإدخال، ولا يجوز تحقيقهما مع إدخال الألف. قوله: (و أخرى عكسه) فيه قراءتان، لأنه على هذه القراءة يصح تحقيقهما بالادخال وعدمه، ولا يجوز تسهيل الثانية أصلا فمجموع القراءات تسعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (و تركها) أي: الألف أي: ترك إدخالها، وقوله: (و أخرى) أي: وفي أخرى. قوله:\rأُولئِكَ مبتدأ خبره الموصول أي: أولئك المنكرون بقدرته تعالى على البعث الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، فإن إنكارهم لقدرته كفر به عز وجل. وأولئك مبتدأ خبره قوله: الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وقوله: (و أولئك) أي الموصوفون بما ذكر من الصفات أصحاب النار الخ اهـ من أبي السعود.\rوالأغلال جمع غل بالضم، وهو طرق من حديد يجعل في العنق اهـ خازن.\rقوله: (و نزل في استعجالهم العذاب) عبارة الخطيب: ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم يهددهم تارة بعذاب يوم القيامة، وتارة بعذاب الدنيا قالوا له: فجئنا بهذا العذاب، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن، وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له، نزل ويستعجلونك أي: استهزاء وتكذيبا، والاستعجال طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي قدرته انتهت.\rوفي الخازن: الاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، وذلك أن مشركي مكة كانوا","part":4,"page":97},{"id":1117,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 98\rمِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ جمع المثلة بوزن السمرة أي عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى مع ظُلْمِهِمْ وإلا لم يترك على ظهرها دابة وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم وهو قولهم: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [لأنفال: 32] الآية اهـ.\rقوله: قَبْلَ الْحَسَنَةِ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالاستعجال ظرفا له. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة، قاله أبو البقاء اهـ سمين.\rقوله: (الرحمة) أي: بتأخير العذاب عنهم. قوله: وَقَدْ خَلَتْ يجوز أن تكون حالا، وهو الظاهر، وأن تكون مستأنفة، والعامة على فتح الميم وضم المثلثة الواحدة مثلة كسمرة وسمرات، وهي العقوبات الفاضحة سميت بذلك لما بين العقاب، والمعاقب عليه وهو الذنب من المماثلة في أن كلّا منهما مذموم، وقرأ ابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء قيل: وهي لغة الحجاز في مثلة، وقرأ ابن وثّاب بضم الميم وسكون الثاء، وهي لغة تميم، وقرأ الأعمش ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمر، وأبو بكر في رواية بضمهما اهـ سمين.\rقوله: (جمع المثلة) والمثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع غيره به اهـ خازن.\rقوله: (بوزن السمرة) بضم الميم وهي شجرة الطلع أي: الموز، وفي المصباح: السمر وزان رجل وسبع شجر الطلح، وهو نوع من العضاه الواحدة سمرة اهـ.\rوفيه أيضا: الطلح الموز الواحدة طلحة مثل: تمر وتمرة، والطلح من شجر العضاه الواحدة طلحة أيضا اهـ.\rوفي المختار: العضاه ككتاب كل شجر يعظم وله شوك، وواحدها عضاهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة اهـ.\rوفي المصباح: العضاه وزان كتاب من شجر الشوك كالطلح والعوسج، واستثنى بعضهم القتاد والسدر، فلم يجعله من العضاه. والهاء أصلية، وعضه البعير، عضها من باب تعب رعى العضاه، واختلفوا في الواحد وهو عضه بكسر العين وفتح الضاد فقيل بالهاء وهي أصلية أيضا، ومنهم من يقول اللام المحذوفة هاء، وربما ثبتت مع هاء التأنيث، فيقال: عضهة وزان عنبة اهـ.\rقوله: لَذُو مَغْفِرَةٍ المراد بها هنا الإمهال وتأخير العذاب، كما أشار بقوله: (و إلا الخ) اهـ شيخنا.\rقال أبو السعود: والمعنى إن ربك لغفور للناس لا يعجل لهم العقوبة وإن كانوا ظالمين، بل يمهلهم بتأخيرها وإن ربك لشديد العقاب فيعاقب من يشاء منهم حين يشاء فتأخير ما استعجلوه ليس للاهمال. وعنه عليه الصلاة والسّلام: لو لا عفو اللّه وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولو لا وعيده وعذابه لا تكل كل أحد اهـ.\rقوله: عَلى ظُلْمِهِمْ حال من الناس والعامل فيها قال أبو البقاء: مغفرة بمعنى أنه العامل من صاحبها اهـ سمين.","part":4,"page":98},{"id":1118,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 99\rالْعِقابِ (6) لمن عصاه\rوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالعصا واليد والناقة قال تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ مخوف للكافرين وليس عليك إتيان الآيات وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7) نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون\rاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى من ذكر وأنثى وواحد ومتعدد وغير ذلك وَما تَغِيضُ تنقص الْأَرْحامُ من والمعنى حال كونهم ظالمين أنفسهم بالمعاصي، فيجوز العفو قبل التوبة، لأن قوله لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ أي: حال اشتغالهم بظلم اهـ كرخي.\rقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم المستعجلون، وإنما عدل عن الاضمار إلى الموصول ذما لهم بكفرهم بآيات اللّه التي تخر لها الجبال حيث لم يرفعوا لها رأسا ولم يعدّوها من جنس الآيات، وقالوا لَوْ لا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (هلا) فلو لا تخصيصه اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) أي: إزالة لرغبته في حصول مقترحهم، فإنه كان شدد الرغبة في إيجاب مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم اهـ خطيب.\rقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. وهاد بإثبات الياء وحذفها في الوقف سبعيتان، وبحذفها في الرسم لا غير، وبحذفها في الوصل لا غير اهـ شيخنا.\rقوله: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى الخ شروع في بيان ما يدل على كمال عمله وقدرته وشمول قضائه وقدره، تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنما لم ينزله لعلمه بأن اقتراحهم للعناد دون الاسترشاد، وأنه قادر على هدايتهم، وإنما لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر اهـ بيضاوي.\rقال الشيخ: ويعلم هنا متعدية لواحد، لأنه لا يراد بها النسبة إنما المراد تعلق العلم بالمفردات.\rقلت: وإذا كانت كذلك كانت عرفانية. وقوله: ما تَحْمِلُ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون ما موصولة اسمية والعائد محذوف أي: تحمله. والثاني: أن تكون مصدرية فلا عائد. والثالث: أن تكون استفهامية وفي محلها وجهان، أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء، وتحمل خبره والجملة متعلقة للعلم. والثاني: أنها في محل نصب مفعول تحمل قاله أبو البقاء، وهو أولى لأنه لا يحوج إلى حذف عائد لا سيما عند البصريين، فإنهم لا يجيزون زيد ضربت ولم يذكر الشيخ غير هذا، ولم يتعرض لهذا الاعتراض وما في قوله: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ محتملة للأوجه المتقدمة وغاض وازداد سمع تعديهما ولزومهما، ولك أن تدعي حذف العائد على القول بتعديهما وأن تجعلها مصدرية على القول بمصدريتها اهـ سمين.\rقوله: (من ذكر الخ) بيان لما، وقوله: (غير ذلك) كحسن وقبيح، وطويل وقصير، وتام وناقص، فالمعنى يعلم حمل أو ما تحمله أي: يعلم حقيقته وصفته اهـ كرخي.\rقوله: ما تَغِيضُ (تنقص) الْأَرْحامُ الخ هذا ما عليه أكثر الفسرين، وحينئذ فما موصولة في","part":4,"page":99},{"id":1119,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 100\rمدة الحمل وَما تَزْدادُ منه وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8) بقدر وحدّ لا يتجاوزه\rعالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد الْكَبِيرُ العظيم الْمُتَعالِ (9) بالقهر بياء ودونها\rسَواءٌ مِنْكُمْ في علمه تعالى مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ مستتر على خلقه بِاللَّيْلِ الموضعين، فإذا قلنا: إنها مصدرية، فالمعنى أنه تعالى يعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا من أوقاته وأحواله اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وما تغيض يعني: وما تنقص الأرحام وما تزداد قال أهل التفسير: غيض الأرحام الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج الدم نقص الغذاء فينقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد وينمو، فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم. وقيل: إذا حاضت المرأة في وقت حملها ينقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرة، فإن رأت خمسة أيام دما وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، والنقصان في الغذاء زيادة في مدة الحمل.\rوقيل: النقصان السقط، والزيادة زيادتها على تسعة أشهر، فأقل مدة الحمل ستة أشهر، وقد يولد لهذه المدة ويعيش اهـ.\rقوله: (من مدة الحمل) بأن تنقص عن تسعة أشهر، وقوله: وَما تَزْدادُ بأن تزيد على تسعة أشهر، قوله: (منه) أي: من المذكور وهو مدة الحمل. قوله: عِنْدَهُ هذه عندية علم يعني: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على أكمل الوجوه اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بقدر وحدّ لا يتجاوزه) يشير إلى أن المراد بالعندية العلم بكمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين، ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وهي من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة اهـ.\rقوله: (ما غاب) أي: عنا وما شوهد أي: لنا. قوله: (العظيم) أي: الذي يصغر كل كبير بالإضافة إلى عظمته وكبريائه اهـ خازن.\rفهو تعالى يمتنع أن يكون كبيرا بحسب الجثة والمقدار، فوجب أن يكون بحسب القدرة الإلهية والمتعال المنزه عن كل ما لا يجوز عليه في ذاته كما أفاده الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: (بياء ودونها) قراءتان سبعيتان. أي: في كل من الوصل والوقف، وأما في الرسم فمحذوفة لا غير اهـ شيخنا.\rقوله: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ في سواء وجهان، أحدهما: أنه خبر مقدم، ومن أسر ومن جهر هو المبتدأ، وإنما لم يثن الخبر، لأنه في الأصل مصدر وهو هنا بمعنى مستو، وقد تقدم الكلام فيه أول هذا الموضوع، ومنكم على هذا حال من الضمير المستتر في سواء لأنه بمعنى مستو. والثاني: أنه مبتدأ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله: مِنْكُمْ اهـ سمين.\rقوله: (في علمه) متعلق بسواء، والتقدير من أسر القول الخ مستو في علمه تعالى، أي: من أنه يعلم الجميع، وقوله مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ أي: في نفسه، فلم يظهر عليه أحدا، ومن جهر به أي: أظهر","part":4,"page":100},{"id":1120,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 101\rبظلامه وَسارِبٌ ظاهر بذهابه في سربه أي طريقه بِالنَّهارِ (10)\rلَهُ للإنسان مُعَقِّباتٌ ملائكة تعتقبه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ قدامه وَمِنْ خَلْفِهِ ورائه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي بأمره من الجن عليه غيره وفي الخازن: المعنى سواء ما أضمرته القلوب وما نطقت به الألسنة، وسواء من أقدم على القبائح سرا في ظلمات الليل، ومن أتى بها ظاهرا بالنهار، فإن علمه تعالى محيط بالكل اهـ.\rقوله: وَسارِبٌ أي: ومن هو سارب، فلا بد من هذا التقدير، لأن الاستواء لا بدّ له من متعدد، وقوله: (ظاهر بذهابه الخ) عبارة الخازن: وسارب بالنهار أي: ذاهب في سربه ظاهرا، والسرب بفتح فسكون الطريق، وقال القتيبي: السارب المتصرف في حوائجه اهـ.\rقوله: (في سربه) بفتح السين وسكون الراء معناه الطريق كما قال الشارح. هكذا ضبطه الخازن والبغوي وغيرهما. وفي المصباح: سرب في الأرض سروبا من باب قعد ذهب، وسرب الماء سروبا، وسرب المال سربا من باب قتل رعى نهارا بغير راع فهو سارب، وسرب تسمية بالمصدر، والسرب أيضا الطريق، ومنه يقال حل سربه أي: طريقه، والسرب بكسر النفس وهو واسع السرب أي: رخي البال، ويقال واسع الصدر بطيء الغضب، والسرب بفتحيتن بيت في الأرض لا منفذ له وهو الوكر اهـ.\rقوله: (للإنسان) أي: مؤمن أو غيره.\rقوله: مُعَقِّباتٌ أي: ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل عقبها ملائكة النهار ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج الذين كانوا من قبل فيسألهم اللّه تعالى ويقول:\rكيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون. وهم خمسة بالليل وخمسة بالنهار: اثنان يكتبان الحسنات والسيئات الأول عن اليمين، والثاني عن الشمال، وواحد موكل بناصية العبد، فإذا تواضع للّه رفعه وإن تكبر وضعه، وآخر موكل بعينيه يحفظهما من الأذى، والخامس موكل بفمه يمنع عنه الهوام، فهؤلاء خمسة أملاك موكلون بالعبد في ليله وخمسة غيرهم في نهاره، فانظر إلى عظمة اللّه تعالى وقدرته وكمال شفقته عليك أيها العبد المسكين اهـ خازن.\rوفي الخطيب: إنهم عشرون لكل إنسان عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وهو الذي في شرح الجوهرة. وفي معقبات الاحتمالان، أحدهما: أن يكون جمع معقبة بمعنى معقب والتاء للمبالغة كعلامة ونسابة أي: ملك معقب، ثم جمع هذا كعلامات ونسابات. والثاني: أن يكون معقبة صفة لجماعة ثم جمع هذا الوصف كجمل وجمال وجمالات اهـ من السمين.\rقوله: (تعتقبه) أي: تعتقب حفظه. قوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لمعقبات، ويجوز أن يتعلق بمعقبات. ومن: لابتدء الغاية، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في الظرف الواقع خبرا، والكلام على هذه الأوجه تام عند قوله وَمِنْ خَلْفِهِ، ويجوز أن يتعلق بيحفظونه أي: يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.\rفإن قلت: كيف يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد، وهما من الداخلة على بين يديه ومن الداخلة على أمر اللّه، فالجواب: أن من الثانية مغايرة للأولى في المعنى كما ستعرفه اهـ سمين.\rقوله: (أي بأمره) أشار إلى أن من بمعنى الباء، وهي للسبب أي: بسبب أمر اللّه، وتدل له قراءة","part":4,"page":101},{"id":1121,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 102\rوغيرهم إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ لا يسلبهم نعمته حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الحالة الجميلة بالمعصية وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً عذابا فَلا مَرَدَّ لَهُ من المعقبات ولا غيرها وَما لَهُمْ لمن أراد اللّه بهم سوءا مِنْ دُونِهِ أي غير اللّه مِنْ زائدة والٍ (11) يمنعه عنهم\rهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً للمسافرين من الصواعق وَطَمَعاً للمقيم في المطر وَيُنْشِئُ يخلق علي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد بن علي، وعكرمة بأمر اللّه، وقيل: يحفظون عمله بإذن اللّه فحذف المضاف وهو عمل. قال ابن الأنباري: كلمة من معناها الباء وتقديره يحفظونه بأمر اللّه وإعانته، والدليل عليه أنه لا بد من المصير إليه، لأنه لا قدرة للملائكة، ولا لأحد من الخلق أن يحفظ أحدا من أمر اللّه ومما قضاه اللّه عليه أو هي على بابها. قال أبو البقاء: من أمر اللّه أي: من الجن والإنس، فتكون على بابها يعني أنه يراد بأمر اللّه نفس ما يحفظ منه كمردة الإنس والجن، فتكون من لابتداء الغاية اهـ.\rواستظهر السفاقسي الأول اهـ كرخي.\rومن هذا تعلم أن في عبارة الشارح تلفيقا. قوله: (من الجن وغيرهم) أي: في نومه ويقظته فتحفظة من الجن والإنس والهوام. قال كعب الأحبار: لو لا أن اللّه تعالى وكّل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطمعكم ومشربكم وعوراتكم لاختطفتكم الجن. وقال ابن عباس في معنى هذه الآية: يحفظونه من شر الجن وطوارق الليل والنهار، قال ابن جريج: معنى يحفظونه أي: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وهذا على قول من يقول إن الآية في الملكين القاعدين على اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات اهـ خازن.\rقوله: (من الحالة الجميلة) وهي الطاعة. وعبارة البيضاوي: إن اللّه لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة انتهت.\rقوله: وَإِذا أَرادَ العامل في إذا محذوف لدلالة جوابها عليه تقديره لم يرد أو وقع أو نحوهما، كما أشار إليه في التقرير. أي: لم يرد السوء الذي أراده اللّه ولا يعمل فيها جوابها، لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها وفيه دلالة على أن تخلف مراده تعالى محال اهـ كرخي.\rقوله: فَلا مَرَدَّ لَهُ أي: فلا رد. قوله: مِنْ (زائدة) أي: في المبتدأ وقوله: والٍ أي:\rناصر يلي أمرهم.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الخ لما خوف اللّه تعالى على عباده بقوله: وإذا أراد اللّه بقوم سوءا ذكر في هذه الآية من عظيم قدرته ما يشبه النعم من وجه ويشبه العذاب من وجه، فقال: هو الذي الخ اهـ خازن.\rقوله: الْبَرْقَ وهو لمعان يظهر من خلال السحاب اهـ خازن.\rقوله: خَوْفاً وَطَمَعاً حالان من الكاف في يريكم أي: حال كونكم خائفين وطامعين، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله ذكره أبو البقاء. ومنعه الزمخشري لعدم اتحاد الفاعل يعني: أن فاعل الارادة وهو اللّه تعالى غير فاعل الخوف والطمع وهو ضمير المخاطبين، فاختلف فاعل الفعل المعلل وفاعل","part":4,"page":102},{"id":1122,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 103\rالسَّحابَ الثِّقالَ (12) بالمطر\rوَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ هو ملك موكل بالسحاب يسوقه ملتبسا بِحَمْدِهِ أي يقول سبحان اللّه وبحمده وَيسبح الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي اللّه وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وهي نار تخرج من السحاب فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ فتحرقه، نزل في رجل بعث إليه العلة، وهذا يمكن أن يجاب عنه بأن المفعول في قوة الفاعل، فإن معنى يريكم يجعلكم رائين فتخافون وتطمعون اهـ سمين.\rقوله: (للمسافرين من الصواعق) أي: وللمقيمين الذين يضرهم المطر كمن يجفف التمر والزبيب والقمح، ومن جملة الخوف منه أن يكون في غير مكانه أو في غير زمانه اهـ خازن.\rقوله: وَيُنْشِئُ السَّحابَ السحاب: الغيم المنسحب في الهواء اهـ بيضاوي.\rوالسحاب: اسم جنس واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع وهو الثقال جمع ثقيلة ككريمة وكرام، وقوله (بالمطر) متعلق بالثقال اهـ شيخنا.\rقوله: الرَّعْدُ جرى الشارح هنا على أنه نفس الملك، فالرعد اسم الملك الذي يسوق السحاب، وقوله: (يسوقه) أي: بآلة من نار، وقوله: بِحَمْدِهِ الباء للملابسة في محل نصب على الحال، كما أشار له الشارح، والمسموع لنا هو نفس صوته إذا سبح التسبيح المذكور، وقيل: هو صوت الآلة التي يضرب بها السحاب أي: الصوت الذي يتولد عند الضرب اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال أكثر المفسرين: إن الرعد اسم الملك الذي يسوق السحاب، والمسموع منه تسبيحه، وقوله: وَالْمَلائِكَةُ من عطف العام على الخاص. قيل: المراد بهؤلاء الملائكة أعوان ملك السحاب جعل اللّه تعالى مع الملك الموكل بالسحاب المسمى بالرعد أعوانا من الملائكة، وقيل:\rالمراد جميع الملائكة وهو أولى اهـ.\rقوله: (أي يقول سبحان اللّه وبحمده) فإذا سبح لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل القطر قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ خِيفَتِهِ أي: هيبته وجلاله. قوله: (و هي) أي: مفردها نار تخرج الخ، وقيل: هي الصوت الشديد النازل من الجو، ثم يكون فيه نار أو عذاب أو موت اهـ خازن.\rوفي الكرخي: واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدا، لأنها نار تتولد في السحاب، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان، قال محمد بن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر اهـ.\rقوله: (نزل في رجل) من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفرا من أصحابه يدعونه إلى اللّه تعالى ورسوله فقال لهم: أخبرونا من رب محمد هذا الذي يدعوني إليه فهل هو من ذهب أم من فضة أم من حديد أم من نحاس؟ فاستعظم القوم كلامه فانصرفوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: ما رأينا أكفر قلبا ولا أجرأ على اللّه تعالى من هذا الرجل، فقال: «ارجعوا إليه» فرجعوا فلم يزدهم على مقالته الأولى شيئا، بل قال أخبث منها فرجعوا، إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم: «ارجعوا إليه» فرجعوا فبينما هم عنده يدعونه","part":4,"page":103},{"id":1123,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 104\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم من يدعوه، فقال: من رسول اللّه؟ وما اللّه؟ أمن ذهب هو، أو فضة، أم نحاس؟\rفنزلت به صاعقة فذهبت بقحف رأسه وَهُمْ أي الكفار يُجادِلُونَ يخاصمون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13) القوة أو الأخذ\rلَهُ تعالى دَعْوَةُ الْحَقِ أي كلمته وهي لا إله إلا اللّه وَالَّذِينَ يَدْعُونَ بالياء والتاء يعبدون مِنْ دُونِهِ أي غيره وهم الأصنام لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مما وينازعونه ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة، وأحرقت الكافر وهم جلوس عنده، فرجعوا ليخبروا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فبادرهم وقال لهم: «احترق صاحبكم»، فقالوا: من أين علمت؟ قال: «قد أوحي إليّ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء» اهـ خازن.\rوفي المصباح: رعدت السماء رعدا من باب قتل، ورعودا لاح منها الرعد اهـ.\rقوله: (من يدعوه) أي: نفرا يدعونه إلى الإيمان باللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (بقحف رأسه) في المختار القحف بكسر القاف عظم الرأس الذي فوق الدماغ اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ يُجادِلُونَ هذه الجملة مستأنفة أو في محل الحجال من من وأعاد عليها الضمير جمعا باعتبار معناها اهـ سمين.\rقوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي: المماحلة والمكايدة لأعدائه من محل بفلان إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه تمحل إذا تكلف استعمال الحيلة، ولعل أصله المحل بمعنى القحط، وقيل: فعال من المحال بمعنى القوة، فالميم أصلية، وقيل: أصله مفعل من الحول أو الحيلة أعل على غير قياس، ويعضده أنه قرئ بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و قيل مفعل) أي: والميم على هذا زائدة، وقوله: (أعل) على غير قياس إذ القياس فيه صحة الواو كمحور ومرود ومقود لأن شرط قلب الواو ألفا فتح ما قبلها اهـ شهاب.\rوفي القاموس: والمحال ككتاب الكيد وروم الأمر بالحيل والتدبير والقدرة والجبال والعذاب العقاب والعداوة، والمعادلة كالمماحلة والقوة والشدة والهلاك والاهلاك، ومحل به مثلث الحاء محلا ومحالا بسعاية إلى السلطان، وما حله مماحلة ومحالا قاواه حتى يتبين أيهما أشد اهـ.\rوجملة وهو شديد المحال حال من الجلالة الكريمة ويضعف استئنافها اهـ سمين.\rقوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ من اضافة الموصوف لصفته أي: الدعوة الحق المطابقة للواقع اهـ شيخنا.\rومعنى كونها له تعالى أنه شرعها وأمر بها وجعلها افتتاح الإسلام بحيث لا يقبل بدونها. قوله:\rوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مبتدأ خبره لا يستجيبون. قوله: (بالياء) هذه متواترة، قوله: (و التاء) هذه شاذة لا من السبعة، ولا من العشرة، وعليها فيقرأ كباسط بالتنوين، ويكون في قوله: لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ التفات اهـ شيخنا.\rقوله: (و هم الأصنام) وفي نسخة وهي الأصنام، وهذا تفسير للذين، وحينئذ عائد الموصول محذوف أي: يدعونهم، وأما الواو فليست عائدة عليه، إذ هو عبارة عن الأصنام المعبودة كما عرفت،","part":4,"page":104},{"id":1124,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 105\rيطلبونه إِلَّا استجابة كَباسِطِ أي كاستجابة باسط كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ على شفير البئر يدعوه لِيَبْلُغَ فاهُ بارتفاعه من البئر إليه وَما هُوَ بِبالِغِهِ أي فاه أبدا فكذلك ما هم بمستجيبين لهم وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء إِلَّا فِي ضَلالٍ (14) ضياع\rوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً كالمؤمنين وَكَرْهاً كالمنافقين ومن أكره بالسيف وَيسجد ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ والواو راجعة للكفار العابدين. قوله: لا يَسْتَجِيبُونَ أي: لا يجيبون، فالسين والتاء زائدتان، وقوله: كَباسِطِ كَفَّيْهِ مضاف لمفعوله اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا (استجابة) كَباسِطِ الخ أشار إلى أن الكلام على تقدير حذف مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ [فصلت: 49] وفاعل المصدر محذوف أي: كإجابة من بسط كفيه إليه اهـ كرخي.\rوعبارة الخازن: أي إلا استجابة كإستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه، فكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع اجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. والمعنى أنه تعالى شبه من يعبد الأصنام بالرجل العطشان الذي يرى الماء بعينه من بعيد، فهو يشير بكفيه إلى الماء ويدعو بلسانه، فلا يأتيه أبدا، وهذا معنى قول مجاهد. وعن عطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، فلا يبلغ إلى قعر البئر ليجر الماء، ولا الماء يرتفع إليه فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه له ولا هو يبلغه اهـ.\rقوله: (على شفير البئر) أي: حرفه وحافته. وقوله: (يدعوه) أي: الماء. وقوله: لِيَبْلُغَ متعلق بباسط وفاعل ليبلغ ضمير الماء، قوله: وَما هُوَ بِبالِغِهِ في هو ثلاثة أوجه، أحدها: أنه ضمير الماء والهاء في ببالغه للفم أي: وما الماء ببالغ فيه. والثاني: أنه ضمير الفم، والهاء في ببالغه للماء أي: وما الفم ببالغ الماء إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال، فنسبة الفعل إلى كل واحد وعدمها صحيحان. الثالث: أن يكون ضمير الباسط والهاء في ببالغه للماء وما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماء اهـ سمين.\rقوله: (أي: فاه) تفسير باعتبار المحل، إذ الضمير في محل جر بالإضافة وفي محل نصب من حيث إنه مفعول باسم الفعل وقوله: (فكذلك ما هم) أي: ليس الأصنام بمستجيبين لهم أي: للكفار والعابدين، فما نافية وهم واقع على الأصنام اهـ شيخنا.\rقوله: (عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء) الأول هو الظاهر إذ يعضده قوله: قبله وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فإن معناه يعبدون، والثاني قول ابن عباس وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال، لأن أصواتهم محجوبة عن اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: يضل عنهم إذا احتاجوا إليه فلا ينفعهم اهـ خازن.\rقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ أي: سجودا حقيقيا من في السموات من الملائكة والأرض أي: ومن في الأرض من الإنس والجن، وقوله: طَوْعاً يرجع لمن في السموات والأرض، فقول الشارح كالمؤمنين أي: من الثقلين أي: وكالملائكة، وقوله: وَكَرْهاً راجع لمن في الأرض فقط، وطوعا","part":4,"page":105},{"id":1125,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 106\rالبكر وَالْآصالِ (15) العشايا\rقُلْ يا محمد لقومك مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوه وكرها حالان من من أي: حالة كونهم طائعين وراضين بالسجود، وحال كونهم كارهين أي: غير راضين به، وظلالهم أي: ظلال من له ظل منهم، وهو الإنس لا الجن ولا الملك، إذ لا ظل لهما ومعنى سجود الظل سجوده حقيقة تبعا لصاحبه، وقوله: بِالْغُدُوِّ متعلق بيسجد التي في صدر الآية، وقوله: (البكر) جمع بكرة، وهي أول النهار، وقوله: وَالْآصالِ جمع أصيل وهو من بعد العصر إلى الغروب، وقوله: (العشايا) جمع عشية كهدية وهدايا، والعشية بمعنى الأصيل هذا وجه في نفسير الآية. ولهم وجه آخر وهو أظهر وهو أن المراد بالسجود الانقياد والذل والخضوع، والطوع الناشىء عن اختيار كالصادر من الإنسان، والكره الناشىء عن غير اختيار كالصادر من الجماد، ومعنى انقياد الظلال مطاوعتها لما أراده اللّه منها كطولها تارة وقصرها أخرى اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً في معنى هذا السجود قولان، أحدهما: أن المراد منه السجود على الحقيقة وهو وضع الجبهة على الأرض، ثم على هذا القول ففي هذه الآية وجهان.\rأحدهما: أن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد منه الخصوص، فقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني الملائكة، ومن في الأرض يعني المؤمنين طَوْعاً وَكَرْهاً يعني: من المؤمنين من يسجد طوعا وهم المؤمنون المخلصون للّه تعالى العبادة، وكرها يعني: المنافقين الداخلين في المؤمنين وليسوا منهم، فإن سجودهم للّه على كره منهم، لأنهم لا يرجون على سجودهم ثوابا، ولا يخافون على تركه عقابا، بل سجودهم وعبادتهم خوفا من المؤمنين.\rالوجه الثاني: وهو حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال وهو أن جميع الملائكة والمؤمنين من الإنس يسجدون للّه طوعا، ومنهم من يسجد له كرها كما تقدم، وأما الكفار من الجن والإنس فلا يسجدون للّه البتة، فهذا وجه الاشكال. والجواب عنه أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في الأرض أنه يسجد للّه، فعبّر عن الوجوب بالوقوع والحصول. وجواب آخر وهو أن يكون المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من السموات من ملك، ومن في الأرض من إنس وجن، فإنم يقرون للّه بالعبودية والتعظيم، ويدل عليه قول تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25].\rوالقول الثاني: في معنى هذا السجود هو الانقياد والخضوع وترك الامتناع، فكل من في السموات والأرض ساجد للّه بهذا المعنى وهذا الاعتبار، لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل فهم خاضعون منقادون له، وقوله تعالى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، الغدو والغدوة والغداة من أول النهار، وقيل: إلى نصف النهار، والغدوة بالضم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال: جمع أصيل وهو العشية، والآصال العشايا جمع عشية، وهي ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. قال المفسرون: إن ظل كل شخص يسجد للّه سواء ظن المؤمن والكفار، وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد للّه طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد للّه كرها وهو كاره، وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير اللّه، وظله يسجد للّه، قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق اللّه تعالى للظلال عقولا وأفهاما","part":4,"page":106},{"id":1126,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 107\rلا جواب غيره قُلْ لهم أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أي غيره أَوْلِياءَ أصناما تعبدونها لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وتركتم مالكهما استفهام توبيخ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ الكفر وَالنُّورُ الإيمان؟ لا أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ أي خلق تسجد بها وتخشع، كما جعل للجبال أفهاما حتى سبحت مع داود. وقيل: المراد بسجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب آخر وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، وإنما خص الغدو، والآصال بالذكر، لأن الظلال تعظم وتكثر من هذين الوقتين، وقيل: لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما بينهما انتهت بالحرف.\rقوله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ الخ لما قرر أن جميع الكائنات تنقاد له إجلالا عاد إلى الرد على المشركين بأن أمر رسوله أن يسألهم سؤال تقرير فقال له: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، ولما تعين لهم أن يجيبوا بالإقرار بأن لا رب سواه كلف رسوله أن يجيب هو عنهم بذلك تنبيها على أنهم يقرون بذلك، فكأنه حكاية لاعترافهم به، ثم ألزمهم الحجة فقال: قل أبعد إقرركم هذا تتخذون من دونه أولياء، ثم ضرب مثلا للذين يعبدون الأصنام وللذين يعبدون اللّه، فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الخ اهـ زاده.\rوقوله: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: خالقهما والمتولي أمورهما اهـ بيضاوي.\rوالاستفهام للتقرير اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ كأن في الكلام تقديرا بين الهمزة والفاء تقديره قل أأقررتم بالجواب المذكور فاتخذتم الخ، وفي أبي السعود: والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة أي: أعلمتم أن ربهما هو اللّه الذي ينقاد لأمره من فيهما كافة فاتخذتم الخ اهـ.\rقوله: (و تركتم مالكهما) أي: مالك النفع والضر، وفي نسخة مالكها أي: الأصنام. وقوله:\r(استفهام توبيخ) راجع للثاني، وهو قوله أَفَاتَّخَذْتُمْ الخ، وأما الأول فقد علمت أنه للتقرير اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي هذه أم المنقطعة فتقدر ببل، والهمزة عند الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم، وقد تقدم ذلك محررا، وقد يتقوى بهذه الآية من يرى تقديرها ببل فقط بوقوع هل بعدها، فلو قدرناها ببل والهمزة لزم اجتماع حرفي معنى، فنقدرها ببل وحدها، ولقائل أن يقول لا نسلم أن هل هذه استفهامية، بل بمعنى قد، وإليه ذهب جماعة، فقد ثبت مجيئها بمعنى قد إن لم تجامعها الهمزة، كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الإنسان: 1] أي: قد أتى فنا أولى، والسماع قد ورد بوقوع هل بعد أم وبعدمه، فمن الأول هذه الآية، ومن الثاني ما بعدها من قوله: أَمْ جَعَلُوا. وقوله: تَسْتَوِي قرأه الأخوان، وأبو بكر عن عاصم بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، والوجهان واضحان باعتبار أن الفاعل مجازي التأنيث، فيجوز في فعله التذكير والتأنيث كنظائر له مرت، والجملة في قوله:\rخَلَقُوا صفة لشركاء اهـ سمين.\rوقوله: الظُّلُماتُ جمعها لأن الكفر أنواع متعددة والإيمان شيء واحد، فلذلك أفرد النور","part":4,"page":107},{"id":1127,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 108\rالشركاء بخلق اللّه عَلَيْهِمْ فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم استفهام إنكار أي ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا شريك له في العبادة وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16) لعباده ثم ضرب مثلا للحق والباطل فقال\rأَنْزَلَ تعالى مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها بمقدار ملئها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً عاليا عليه هو ما على وجهه من قذر وقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري، فهو بمعنى النفي، وهذا راجع للاستفهامين هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى الخ أم هَلْ تَسْتَوِي الخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ جَعَلُوا أي: بل أجعلوا للّه شركاء خلقوا كخلقة الخ المعنى: أنهم ما اتخذوا للّه شركاء خالقين مثله حتى يتشابه الخلق عليهم، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق اللّه فاستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق اهـ بيضاوي.\rقوله: فَتَشابَهَ الْخَلْقُ تفريع على الصفة، وهي قوله خَلَقُوا كَخَلْقِهِ التي هي منفية في المعنى، وقوله: (فاعتقدوا) تفريع على قوله: فتشابه الخ، وقوله: (عبادتهم) أي: الأصنام (بخلقهم) أي: بسبب خلقهم كخلق اللّه، وهذا كله في حيز النفي كما علمت اهـ شيخنا. قوله: (أي ليس الأمر كذلك) راجع لقوله أم جعلوا الخ، النفي في الحقيقة راجع لقوله: خلقوا كخلقه، وقوله: أي: ليس الأمر وهو أنهم خلقوا كخلق اللّه كذلك، أي: ثابتا في الواقع أي: آلهتهم لم تخلق كخلق اللّه، وحينئذ لا تستحق العبادة إذ لا يستحقها إلا الخالق اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: والمعنى: أن هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء للّه ليس لها خلق يشبه خلق اللّه، حتى يقولوا إنها تشارك اللّه في الخالقية، فوجب أن لا تشاركه في الإلهية، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ولا خلق ولا أثر البتة، وإذا كان كذلك كان حكمهم بكونها شركاء للّه في الإلهية محض سفه وجهل اهـ.\rقوله: (لا شريك له فيه) أي: الخلق. قوله: وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يحتمل أن يكون من مقول القول، وأن يكون جملة مستأنفة اهـ شهاب.\rقوله: (ثم ضرب) الضرب بالتبيين كما سيأتي في الشارح في قوله: (كذلك يضرب اللّه الأمثال) حيث قال بيبن، وقوله: (مثلا) المراد به الجنس، إذ المذكور للحق مثلان، وهما الماء الصافي والجوهر الصافي، وللباطل مثلان زبد الماء وزبد الجوهر اهـ شيخنا، والمثل الوصف. ففي المصباح:\rضرب اللّه مثلا أي: وصفا اهـ.\rوفي القاموس: والمثل بالتحريك الحجة والحديث والصفة، ومنه مثل الجنة وتمثل بالشيء ضربه مثلا اهـ.\rقوله: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ أي: أنهار جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه، واستعمل للماء الجاري فيه وتنكيرها، لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع بقدرها أي: بقدرها أي: بمقدارها الذي علم اللّه تعالى أنه نافع عير ضار، أو بمقدارها في الصغر والكبر اهـ بيضاوي.","part":4,"page":108},{"id":1128,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 109\rوعبارة الخازن: أَوْدِيَةٌ جمع واد، وهو المنفرج بين الجبلين يسيل فيه الماء، فقوله فسالت أودية فيه اتساع وحذف تقديره سال في الأدوية، فهو كما يقال جرى النهر، والمراد جرى الماء في النهر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه بقدرها. قال ابن جريج: الصغير بقدره والكبير بقدره، وقيل:\rبمقدار ملئها، وإنما نكر أودية لأن المطر إذ نزل لا يعم جميع الأرض ولا يسيل في كل الأودية، بل ينزل في أرض دون أرض، ويسيل في واد دون واد، لهذا السبب جاء هذا بالتنكير. قال العلماء:\rوالأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس، لأنهم منها خلقوا.\rفالنوع الأول: من أنواع الأرض الطيبة التي تنتفع بالمطر، فتنبت به العشب فتنتفع الناس به، والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك، وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى والعلم فيحيي به قلبه ويحفظه ويعمل به ويعلمه غيره، فينتفع به وينفع غيره.\rالنوع الثاني: من أنواع الأرض أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة لغيرها، وهي إمساك الماء لغيرها لينتفع به الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة، ولكن ليس لهم أفهام باقية، فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم، فيأخذه منهم فينتفع به هو وغيره.\rالنوع الثالث: من أنواع الأرض أرض سبخة لا تنبت مرعى ولا تمسك ماء، كذلك النوع الثالث من الناس لهم قلوب حافظة وأفهام ثاقبة، فإذا بلغهم شيء من العلم لا ينتفعون به في أنفسهم ولا ينفعون غيرهم اهـ.\rقوله: بِقَدَرِها الباء للملابسة، وقوله: (ملئها) أي: يملؤها كل واحد بحسبه صغرا وكبرا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: بِقَدَرِها فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بسالت. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة لأودية. وقرأ العامة بفتح الدال، وزيد بن علي، والأشهب، وأبو عمرو في رواية بسكونها، وقد تقدم ذلك في البقرة، واحتمل بمعنى حمل فافتعل بمعنى المجرد، وإنما نكر الأودية وعرف السيل: لأن المطر ينزل في البقاع على المناوبة فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض، وتعريف السيل لأنه قد فهم من الفعل قبله وهو فسالت، وهو لو ذكر لكان نكرة، فلما أعيد أعيد بلفظ التعريف نحو: رأيت رجلا فأكرمت الرجل اهـ.\rقوله: زَبَداً الزبد وضر الغليان اهـ بيضاوي.\rوالوضر بفتحيتن وبالضاد المعجمة والراء المهملة وسخ الدسم ونحوه وهو مجاز عما يعلو الماء من الغثاء، وإنما خصه بالغليان وهو اضطراب الماء وشدة حركته، لأن الغثاء يحصل مع ذلك في الغالب اهـ شهاب.\rوقال زاده: وضر الغليان أي الخبث والوسخ المجتمع بسبب الغليان غالبا اهـ.\rوفي الخازن: الزبد ما يعلو على وجه الماء عند الزيادة كالحب، وكذلك ما يعلو على القدر عند","part":4,"page":109},{"id":1129,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 110\rونحوه وَمِمَّا يُوقِدُونَ بالتاء والياء عَلَيْهِ فِي النَّارِ من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس ابْتِغاءَ طلب حِلْيَةٍ زينة أَوْ مَتاعٍ ينتفع به كالأواني إذا أذيبت زَبَدٌ مِثْلُهُ أي مثل زبد السيل وهو خبثه الذي ينفيه الكير كَذلِكَ المذكور يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي مثلهما فَأَمَّا الزَّبَدُ من غليانها، والمعنى فاحتمل السيل الذي حدث من ذلك الماء زبدا رابيا يعني عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه، وههنا تم المثل ثم ابتدأ بمثل آخر فقال: وَمِمَّا يُوقِدُونَ الخ اهـ.\rقوله: وَمِمَّا يُوقِدُونَ الخ هذا خبر مقدم. زبد: مبتدأ مؤخر أي: وزبد مثله كائن مما توقدون الخ. وعبارة السمين: وهذا الجار خبر مقدم، ومبتدؤه زبد، ومثله صفة المبتدأ، والتقدير ومن الجواهر التي هي كالناس والذهب والفضة زبد أي: خبث مثله أي: مثل زبد الماء، ووجه المماثلة أن كلّا منهما ناشىء من الاكدار، انتهت.\rقال الشهاب: وهذه جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى لضرب مثل آخر اهـ.\rومن ابتدائية وما فسرها الشارح بالجواهر، وهذا خبر مقدم، وزبد مبتدأ مؤخر أي: وزبد مثل زبد السيل كائن وناشىء من الجواهر التي توقدون عليها النار اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: وقدت النار وقدا من باب وعد ووقودا، والوقود بالفتح الحطب وأوقدتها إيقادا، ومنه على الاستعارة كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: 64] أي: كلما دبروا مكيدة وخديعة أبطلها، وتوقدت النار اتقدت، والوقد بفتحتين النار نفسها، والموقد موضع الوقود مثل المجلس لموضع الجلوس، واستوقدت النار استوقدتها يتعدى ولا يتعدى اهـ.\rوفي الخازن: الايقاد جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء المذوب اهـ.\rقوله: (بالتاء والياء) سبعيتان. قوله: فِي النَّارِ متعلق بتوقدون أو حال من الضمير في عليه، وقوله: ابْتِغاءَ حلية أو متاع علة لتوقدون أي: توقدون طلبا لأن تحصلوا منه حليا يتزين به أو متاعا أي: شيئا يتمتع به وتقضى به الحوائج، كالأواني من النحاس وآلة الحرث والحرب من الحديد وغير ذلك، فالمراد بالزينة ما يتزين به وبالمتاع ما يتمتع أي: ينتفع به اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ فيه وجهان، أظهرهما: أنه مفعول من أجله. والثاني: أنه مصدر في موضع الحال أي: مبتغين حلية مفعول في المعنى أو متاع نسق على حلية اهـ.\rقوله: (إذا أذيبت) أي: الجواهر فهو متعلق بقوله: ابتغاء. قوله: مِثْلُهُ أي: في كونه يصعد ويعلو على أصله، وقوله: (الكير) هو منفاخ الحداد، وأما الكور فهو موقد النار أي: مكان إيقادها اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الكير بالكسر زق الحداد الذي ينفخ به، ويكون من جلد غليظ ذي حافات وجمعه كيرة مثل عنبة وأكيار، قال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: الكور بالواو المبنى بالطين، والكير بالياء الزق، والجمع أكيار مثل حمل وأحمال اهـ.\rقوله: (المذكور) أي: من الأمور الأربعة مثلين للحق وهما الماء والجوهر، ومثلين للباطل وهما","part":4,"page":110},{"id":1130,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 111\rالسيل وما أوقد عليه من الجواهر فَيَذْهَبُ جُفاءً باطلا مرميا به وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من الماء والجواهر فَيَمْكُثُ يبقى فِي الْأَرْضِ زمانا كذلك الباطل يضمحل وينمحق وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحق ثابت باق كَذلِكَ المذكور يَضْرِبُ يبين اللَّهُ الْأَمْثالَ (17)\rلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ أجابوه بالطاعة الْحُسْنى الجنة وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ وهم الكفار لَوْ أَنَ الزبدان. وقوله: يَضْرِبُ أي يبين الحق والباطل أي: الإيمان والكفر، وهما على تقدير مضاف كما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ أي: بقسميه كما أشار له الشارح وقوله: (من السيل) أي: الناشىء، والحاصل من السيل الخ، وهذان مثلان للباطل وقوله: وَأَمَّا الخ بيان لمثلي الحق، فالكلام على اللف والنشر المشوش، وقوله: (من الجواهر) بيان لما. قوله: جُفاءً حال، وقوله: (مرميا به) أي:\rيرميه الماء إلى الساحل، ويرميه الكير فلا ينتفع به اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والجفاء: قال ابن الأنباري المتفرق يقال: جفأت الريح السحاب أي: قطعته وفرقته، وقيل: الجفاء ما يرمي به السيل يقال: جفأت القدر بزبدها تجفأ من باب قطع، وجفأ السيل بزبده، وأجفأ وأجفل باللام. وفي همزة جفأ وجهان، أظهرهما: إنها أصل لثبوتها في تصاريف هذه المادة كما رأيت. والثاني: أنها بدل من واو وكأنه مختار أبي البقاء، وفيه نظر، لأن مادة جفا يجفو لا يليق معناها هنا، والأصل عدم الاشتراك اهـ.\rقوله: (يضمحل) أي: كما أشير له في الآية بقوله: فَيَذْهَبُ جُفاءً، وقوله: (و إن علا الخ) كما أشير له فيها بقوله: زبدا رابيا بقوله: زَبَدٌ مِثْلُهُ، وقوله: (و الحق ثابت) كما أن الماء ثابت لا يرمى زبده، والجوهر ثابت لا ينفيه الكير كما نفى خبثه اهـ شيخنا.\rقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ أي: مثل ذلك الضرب العجيب يضرب الأمثال في كل باب اظهارا لكمال اللطف والعناية في الإرشاد والهداية، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحق والباطل، إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول، أو يجعل ذلك إشارة إليهما جميعا، وبعد أن بين شأن كل من الحق والباطل حالا ومآلا أكمل بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما مآلا تكميلا للدعوة وترغيبا وترهيبا، فقال لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ وقت أن دعاهم إلى الحق الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ بيان لأهل الحق، وقوله: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ الخ بيان لأهل الباطل.\rقوله: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا الخ ابتداء كلام وهو خبر مقدم، والحسنى مبتدأ مؤخر، وهذا الاعراب أحسن من الآخر الذي قال به الزمخشري، وهو أن قوله: لِلَّذِينَ الخ متعلق بيضرب، وقوله:\rالْحُسْنى نعت لمصدر محذوف أي: الاستجابة الحسنى، والذين معطوف على الذين قبله، وقوله:\rلَوْ أَنَّ لَهُمْ استئناف كلام في ذكر ما أعد لغير المستجيبين، وكلام الشارح أوفق بالأول حيث فسر الحسنى بالجنة اهـ.","part":4,"page":111},{"id":1131,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 112\rلَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ من العذاب أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وهو المؤاخذة بكل ما عملوه لا يغفر منه شيء وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18) الفراش هي. ونزل في حمزة وأبي جهل\r* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ فآمن به كَمَنْ هُوَ أَعْمى لا يعلمه ولا يؤمن به، لا إِنَّما يَتَذَكَّرُ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) أصحاب العقول\rالَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ المأخوذ عليهم وهم في عالم الذر أو كل عهد وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) بترك الإيمان أو الفرائض\rوَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ قوله: وَالَّذِينَ مبتدأ أخبر عنه بثلاثة أخبار: الأول: قوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ الخ، والثاني: قوله:\rأُولئِكَ لَهُمْ الخ، والثالث: قوله: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ اهـ شيخنا.\rقوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ أي: يتمنون أن لهم الخ، وقوله: بِهِ أي: بالمذكور مما في الأرض ومثله. قوله: سُوءُ الْحِسابِ من إضافة الصفة للموصوف أي: الحساب السيىء وهو أي: الحساب السيىء المؤاخذة بكل ما عملوه الخ. قوله: (في حمزة وأبي جهل) أي: في شأنهما ومع هذا فالأولى حمل الآية على العموم، وإن كان السبب خاصا، والمعنى لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه، وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى، لأن الأعمى لا يهتدي لرشده، وربما وقع في مهلكة، وكذا الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد وهما واقعان في المهالك اهـ خازن.\rقوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ في هذا التركيب المذهبان المتقدمان من أن الفاء مؤخرة من تقديم أو عاطفة على محذوف هو مدخول الهمزة، والتقدير أيستوي المؤمن والكافر أفمن يعلم الخ والاستفهام للانكار كما أشار له الشارح أي: والاستبعاد أي: ومع ذلك يبعد استواؤهما. قوله: (العقول) أي: الكاملة.\rقوله: الَّذِينَ يُوفُونَ مبتدأ وخبره قوله: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، أو بدل من أولي الألباب، أو نعت له، وقوله: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ مستأنف اهـ شيخنا.\rوحاصل ما ذكر لهم من الصفات هنا ثمانية، الأولى: قوله: يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ، فعطفه على ما قبله من قبيل التوكيد، والأخيرة هي قوله: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: 22] اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 112\r\rحاصل ما ذكر لهم من الصفات هنا ثمانية، الأولى: قوله: يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ، فعطفه على ما قبله من قبيل التوكيد، والأخيرة هي قوله: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: 22] اهـ شيخنا.\rقوله: (المأخوذ عليهم) أي: بأن يؤمنوا إذا وجدوا في الخارج ولا يكفروا، وقوله: (أو كل عهد) أي: فريضة بدليل ما يأتي له بأن يؤدوا الفرائض ويجتنبوا المحرمات اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى، أو ما عهد اللّه تعالى عليهم في كتبه اهـ.\rأي: من الأوامر والنواهي، فالعهد على هذا ما ألزمه اللّه تعالى على كل أمة بالكتب الإلهية على ألسنة الرسل اهـ زاده.\rقوله: (بترك الإيمان) راجع للأول في تفسير العهد، قوله: (أو الفرائض) راجع للثاني.\rقوله: ما أَمَرَ اللَّهُ مفعوله محذوف تقديره ما أمرهم به، وأن يوصل بدل من الضمير المجرور اهـ شهاب أي: بوصله.","part":4,"page":112},{"id":1132,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 113\rأَنْ يُوصَلَ من الإيمان والرحم وغير ذلك وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي وعيده وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) تقدم مثله\rوَالَّذِينَ صَبَرُوا على الطاعة والبلاء وعن المعصية ابْتِغاءَ طلب وَجْهِ رَبِّهِمْ لا غيره من أعراض الدنيا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا في الطاعة مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ يدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ كالجهل بالحلم والأذى بالصبر أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) أي العاقبة المحمودة قوله: (من الإيمان) بيان لما ومعنى وصل الإيمان أن يؤمنوا بجميع الكتب والرسل ولا يفرقوا بين أحد منهم، وقوله: (و الرحم) قال اللّه تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته. وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله اللّه ومن قطعني قطعه اللّه» اهـ خازن.\rقوله: (و غير ذلك) كالتوادد مع الناس بعيادة المريض وتشييع الجنازة وغير ذلك اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (و غير ذلك) أي: من جميع أبواب البر كعيادة المريض وإجابة الدعوة قالوا: حتى الإحسان للهرة والدجاجة. قال الفضيل: لو أحسن الإنسان الإحسان كله وكان عنده دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين اهـ.\rقوله: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي: يخافونه مع التعظيم والإجلال اهـ شيخنا.\rفلا يعصونه فيما أمر به اهـ.\rقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أي: على ما يقتضيان حبسها عليه اهـ شيخنا.\rقوله: ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ يجوز أن يكون مفعولا له وهو الظاهر، وأن يكون حالا أي: مبتغين والمصدر مضاف لمفعوله اهـ سمين.\rوالكلام على حذف مضاف أي: ابتغاء ثوابه ورضاه. قوله: (لا غيره) بالجر، وقوله: (من أعراض الدنيا)، وفي نسخة أغراض بالغين المعجمة أي: كأن يصير ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل، أو لأجل أن لا يعاب على الجزع أو لأجل أن لا تشمت به الأعداء اهـ خازن.\rقوله: وَأَنْفَقُوا أي: نفقة واجبة ومندوبة اهـ خازن.\rقوله: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي: يدفعونها بها فيجازون الإساءة بالإحسان أو يتبعون السيئة الحسنة فتمحوها اهـ بيضاوي.\rوقوله: (يدفعونها بها) كدفع شتم غيرهم بالكلام الحسن، وإعطاء من حرمهم، وعفو من ظلمهم ووصل في قطعهم اهـ زاده.\rقوله: (كالجهل) أي: السفه والتعدي. قوله: أُولئِكَ مبتدأ قوله: (لهم) خبر مقدم، وعقبى الدار مبتدأ مؤخر، والجملة خبر عن المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون لهم خبرا أولئك عقبى فاعلا بالاستقرار، وقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ يجوز أن يكون بدلا من عقبى، وأن يكون بيانا، وأن يكون خبر","part":4,"page":113},{"id":1133,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 114\rفي الدار الآخرة هي\rجَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة يَدْخُلُونَها هم وَمَنْ صَلَحَ آمن مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وإن لم يعملوا بعملهم يكونون في درجاتهم تكرمة لهم وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) من أبواب الجنة أو القصور أول دخولهم للتهنئة يقولون\rسَلامٌ عَلَيْكُمْ هذا الثواب بِما صَبَرْتُمْ مبتدأ مضمر كما قدره الشارح، وأن يكون مبتدأ خبره يدخلونها اهـ سمين.\rقوله: عُقْبَى الدَّارِ أشار الشارح إلى أن النعت محذوف أي: العقبى المحمودة، وأن الإضافة على معنى في، وقوله: (هي) (جنات عدن) الضمير راجع للعقبى، فالعقبى المحمودة هي الجنة والدار الآخرة أعم منها، لأنها تشمل الجنة والنار، والدليل على هذا النعت المحذوف قوله: في المقابل ولهم سوء الدار اهـ شيخنا.\rوقيل: المراد بالدار دار الدنيا وعقباها أي: عاقبتها هي الجنة اهـ.\rوفي الخطيب: والعقبى الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر اهـ.\rقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ في المصباح: عدن بالمكان عدنا وعدونا من بابي ضرب وقعد أقام، ومنه جنات عدن أي جنات إقامة، واسم المكان معدن مثال مجلس، لأن أهله يقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأن الجوهر الذي خلقه اللّه فيه عدن به اهـ.\rقوله: (هم) وَمَنْ الخ تقديره ليس ضروريا في صحة العطف لوجود الفصل بالضمير المنصوب، فتقدير هذا المرفوع للإيضاح اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ آبائِهِمْ أي: أصولهم وأن علوا ذكورا كانوا أو إناثا اهـ شيخنا.\rومن آبائهم في محل نصب على الحال من من صلح ومن لبيان الجنس اهـ سمين.\rقوله: وَأَزْواجِهِمْ أي: اللاتي متن في عصمتهم. قوله: (و إن لم يعملوا) أي: الفرق الثلاث.\rقوله: (أو القصور) القصر كما في الخطيب خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل باب سلام الخ اهـ.\rقوله: (أول دخولهم) الضمير للموصوفين بما تقدم لا للملائكة أي: أن دخول الملائكة عليهم ليس مستمرا كل يوم، بل هو في أول دخولهم، وقوله: (للتهنئة) علة لقوله: يَدْخُلُونَ أي: يدخلون عليهم ليهنئوهم اهـ شيخنا.\rوالتقييد بأول دخولهم لم نره لغيره من المفسرين، بل في كلام غيره ما يدل على عدمه. وعبارة الخازن: قال مقاتل: إن الملائكة يدخلون في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم الهدايا والتحف من اللّه تعالى يقولون سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ انتهت.\rقوله: يقولون سَلامٌ عَلَيْكُمْ أشار إلى أن قوله: سَلامٌ مرفوع بالابتداء، وعَلَيْكُمْ: الخبر، والجملة محكية بقول محذوف كما قدره، وهو في معنى قائلين على أنه حال محذوفة وهذا بشارة بدوام السلامة المستفاد من العدول إلى الجملة الاسمية اهـ كرخي.","part":4,"page":114},{"id":1134,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 115\rبصبركم في الدنيا فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) عقباكم\rوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ البعد من رحمة اللّه وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) العاقبة السيئة في الدار الآخرة وهي جهنم\rاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وفي الخازن: سَلامٌ عَلَيْكُمْ دعاء لهم من الملائكة أي: سلمكم اللّه بما صبرتم من الآفات اهـ.\rقوله: (هذا الثواب) بِما صَبَرْتُمْ أشار إلى أنه خبر مبتدأ محذوف، وهذا مع قوله: فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ من جملة مفعول الملائكة. وفي القرطبي عن عبد اللّه بن سلام، وعلي بن الحسين رضي اللّه عنهم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الصبر فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فتقول: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم.\rفيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة اللّه، وصبرناها عن معاصي اللّه، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا. قال علي بن الحسين:\rفتقول لهم الملائكة سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، أي: نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى على هذا اسم، والدار هي الدنيا. وقال أبو عمران الجوني: فنعم عقبى الدار الجنة عن النار، وعنه عقبى الدار الجنة عن الدنيا اهـ.\rوقوله: الجنة عن النار بضم الجيم وكذا ما بعده.\rقوله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ الخ لما ذكر اللّه تعالى السعداء وما أعدلهم من الكرامات والخيرات ذكر بعده أحوال الأشقياء وما لهم من العقوبات، ونقض العهد ضد الوفاء به، وقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أي: من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف والقبول اهـ من الخازن.\rفعهد اللّه قوله: لست بربكم وميثاقه الاعتراف بقولهم بلى اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أي: من بعد أوثقوه به من الإقرار والقبول، فإن قيل: العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه بقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ؟ فالجواب: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف العبد به، والمراد بالميثاق الأدلة، لأنه تعالى قد يؤكد العهد بدلائل أخر سواء كانت تلك المؤكدات دلائل عقلية أو سمعية اهـ.\rقوله: ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الخ تقدم الشارح تفسيره بالإيمان والرحم وغير ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي جهنم) أي: العاقبة السيئة.\rقوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ الخ جواب عما يرد على قوله: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ، وهو أن من نقض عهد اللّه لو كانوا ملعونين في الدنيا ومعذبين في الآخرة لما فتح اللّه عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا، وتقرير الجواب ان فتح باب الرزق في الدنيا لا تعلق له بالكفر والإيمان، بل هو متعلق بمجرد مشيئته تعالى، قدر يضيق على المؤمن امتحانا لصبره وتكفيرا لذنوبه، ويوسع على الكافر استدراجا اهـ زاده.","part":4,"page":115},{"id":1135,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 116\rيضيقه لمن يشاء وَفَرِحُوا أي أهل مكة فرح بطر بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي بما نالوه فيها وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي جنب حياة الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (26) شيء قليل يتمتع به ويذهب\rوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالعصا واليد والناقة قُلْ لهم إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئا وَيَهْدِي يرشد إِلَيْهِ إلى دينه مَنْ أَنابَ (27) رجع إليه ويبدل من من\rالَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ تسكن قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي وعده أَلا قوله: وَيَقْدِرُ يقال: قدر أي: قتر وضيق على عياله اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: وقدر اللّه الرزق يقدره بكسر الدال ويقدره بضمها. وقرأ السبعة يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له بالكسر فهو أفصح اهـ.\rقوله: وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا مستأنف لبيان فتح أفعالهم مع ما وسعه عليهم اهـ شهاب.\rوليس معطوفا على صلة الذين قبله كما قيل أعني ينقضون، لأنه يستلزم تخلل الفاصل بين أبعاض الصلة وهو الخبر، وأيضا هو ماض وما قبله مستقبل اهـ زاده.\rقوله: (فرح بطر) أي: لا فرح سرور بفضل اللّه تعالى اهـ كرخي.\rوعبارة الخازن: يعني لما بسط اللّه عليهم الرزق أشروا وبطروا، والفرح لذة تحصل في القلب عند حصول المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام اهـ.\rقوله: فِي (جنب حياة) الْآخِرَةِ أشار إلى أن في للمقايسة وهي الداخلة بين مفعول سابق وفاضل لا حق، وإلى أنه في موضع الحال، والتقدير وما الحياة القريبة كائنة في جنب الآخرة وبالنسبة إليها، ولا يجوز أن يكون ظرفا للحياة ولا للدنيا، لأنهما لا يكونان في الآخرة اهـ كرخي.\rقوله: (فلا تغني عنه الآيات شيئا) أي: فلا تعتنوا وتهتموا بطلبها، لأن مجيئها لا يفيدكم شيئا، فينبغي لكم أن تهتموا وتطلبوا الهداية اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: فلا تغني عنه الآيات شيئا يعني: وإن أنزلت كل آية، فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد وشدة الشكيمة، والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء، وحينئذ فلا يرد كيف طابق هذا الجواب قولهم: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ اهـ.\rوفي زاده: ما وجه كون قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ الخ جوابا عن طلب الكفرة نزول آية، وتقرير الجواب أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم: وذلك لأن الآيات الباهرة التي ظهرت على يد الرسول بلغت في الكثرة وقوة الدلالة إلى حالة يستحيل فيها أن تصير مشتبهة على العاقل، فطلب آيات أخرى بعد ذلك موقع في غاية التعجب والاستنكار، فكأنه قال لهم ما أعظم عنادكم إن اللّه يضل من يشاء ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم، وإن أنزلت كل آية ويهدي إليه من أناب بما جئت به، بلى بأدنى منه من الآيات اهـ.\rقوله: (و يبدل) أي: بدل كل، وعبارة السمين: قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ يجوز فيه خمسة","part":4,"page":116},{"id":1136,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 117\rبِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) أي قلوب المؤمنين\rالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ خبره أوجه، أحدها: أن يكون مبتدأ خبره الموصول الثاني. وما بيهما اعتراض. والثاني: أنه بدل من من أناب. الثالث: أنه عطف بيان له. الرابع: خبر مبتدأ مضمر. الخامس: أنه منصوب بإضمار فعل اهـ.\rقوله: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ عبر بالمضارع، لأن الطمأنينة تتجدد بعد الإيمان حينا بعد حين اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: المضارع قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار ومنه الآية اهـ. وهذا ينفع في مواضع كثيرة.\rقوله: (تسكن) قُلُوبُهُمْ أي: عن القلق والاضطراب، وقوله: بِذِكْرِ اللَّهِ أي: لذكر اللّه أي:\rعند ذكر اللّه، أي: عند ذكر وعده بالخير والثواب، فالكلام على حذف مضاف كما قدره. وعبارة الشهاب: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي: لا تضطرب للمكاره لأنسها باللّه واعتمادها عليه اهـ.\rوفي أبي السعود: وقيل: تطمئن قلوبهم بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته. كقوله تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: 23] أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته أو بذكره تعالى أنسا به وتبتلا إليه اهـ.\rقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ أي: بذكره وحده دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنيويات اهـ أبو السعود.\rقوله: تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أي: بذكر وعده، كما قال الشارح فلا يخالف ما في سورة الأنفال من قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2] والوجل استشعار الخوف وحصول الاضطراب، وهو ضد الطمأنينة فيتراءى التنافي بين الآيتين، وحاصل دفعه أن الوجل عند ذكر الوعيد العقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب اهـ من الخازن.\rأو المراد هناك وجلت من هيبته واستعظامه، وهو لا ينافي اطمئنان الاعتماد والرجاء اهـ شهاب ..\rوفي الكرخي: فإن قيل: أليس قال في سورة الأنفال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2] والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هنا بالاطمئنان؟ فالجواب: أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا أن يتوبوا عن المعاصي فهناك الوجل، وإذا ذكروا ما وعد اللّه به من الثواب والرحمة سكنت قلوبهم، كما أشار إليه في التقرير، أو أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلّى اللّه عليه وسلّم نبيا حقا من عند اللّه، وأن شكهم في أنهم أتوا بالطاعات كاملة يوجب حصول الوجل في قلوبهم اهـ.\rقوله: (خبره) طُوبى فيه مسامحة، لأن الخبر جملة طوبى لهم، فطوبى: مبتدأ. ولهم: خبر، والجملة خبر المبتدأ، وجاز الابتداء بطوبى إما لأنها علم لشيء بعينه، وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء كسلام عليك، وويل له اهـ سمين.","part":4,"page":117},{"id":1137,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 118\rطُوبى مصدر من الطيب أو شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) مرجع\rكَذلِكَ كما أرسلنا الأنبياء قبلك أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا تقرأ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي القرآن وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ حيث قالوا لما أمروا قوله: (مصدر) أي: كبشرى ورجعى وزلفى، فالمصدر قد يجيء على وزن فعلى، وقوله: (من الطيب) فهو يأتي وأصله طيبى قلبت الياء واوا لوقوعها ساكنة إثر ضمة، كما قلبت في موقن وموسر من اليقين واليسر اهـ شيخنا.\rقوله: (أو شجرة في الجنة) أصلها في دار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي كل دار وغرفة في الجنة غصن منها لم يخلق اللّه لونا ولا زهرة إلا وفيها منها غير لون السواد فليس فيها، وينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل، كل ورقة منها تظل أمة. ثياب أهل الجنة تخرج من أكامها فتنبت الحلل والحلي، وتتفتق عما يركب كالفرس الملجمة وكالحلة والجذعة من الإبل اهـ خازن.\rوفي السمين: وهل هي اسم لشجرة بعينها أو اسم للجنة بلغة الهند أو الحبشة خلاف مشهور اهـ.\rقوله: وَحُسْنُ مَآبٍ عطف على طوبى.\rقوله: (و كما أرسلنا الأنبياء قبلك) عبارة الخطيب: أي مثل إرسال الرسل الذين قدمنا الإشارة إليهم في آخر سورة يوسف، وفي غيرها أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ أي: جماعة كثيرة انتهت.\rوعبارة السمين: قوله: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ الكاف في محل نصب كنظائرها. قال الزمخشري:\rمثل ذلك الإرسال أرسلناك إرسالا له شأن، وقيل: الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي [الرعد: 27] أي: كما هدى اللّه من أناب كذلك أرسلناك. وقال ابن عطية:\rالذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن اللّه يضل ويهدي لا بالآيات المقترحة. فكذلك أيضا فعلنا في هذه الأمة أرسلناك إليها بوحي لا بالآيات المقترحة، وقال أبو البقاء: كذلك الأمر كذلك فجعلها في موضع رفع. وقال الحوفي: الكاف للتشبيه في موضع نصب أي: كفعلنا الهداية والاضلال، والإشارة بذلك إلى ما وصف به نفسه من أن اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء اهـ.\rقوله: أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ أي: إلى أمة. قوله: قَدْ خَلَتْ جملة في محل جر صفة لأمة ولتتلو متعلق بأرسلناك، وقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية، وأن تكون حالية، والضمير في وهم عائد على أمة من حيث المعنى، ولو عاد على لفظها لكان التركيب وهي تكفر، وقيل: الضمير عائد على أمة وعلى أمم، وقيل: على الذين قالوا لو لا أنزل اهـ سمين.\rقوله: مِنْ قَبْلِها الضمير راجع للأمة باعتبار لفظها، والضميران بعده راجعان لها باعتبار معناها اهـ شيخنا.\rوقوله: (و الضميران بعده) أي: وهما وقوله: يَكْفُرُونَ كما مر في كلام السمين تأمل. قوله:\r(لما أمروا بالسجود له) كما ذكر في سورة الفرقان بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [الفرقان: 60] اهـ شيخنا.","part":4,"page":118},{"id":1138,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 119\rبالسجود له وما الرحمن قُلْ لهم يا محمد هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30) ونزل لما قالوا له إن كنت نبيا فسير عنا جبال مكة واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس ونزرع وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي\rوَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ نقلت عن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ شققت بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بأن يحيوا لما آمنوا بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً لا لغيره فلا فهذه الآية متقدمة على ما هنا في النزول وإن تأخرت عنها في المصحف والتلاوة. وعبارة الخطيب هناك وإذا قيل أي: من أي: قائل كان لهم أي: لهؤلاء الذين يتقلبون في نعمه اسجدوا أي:\rاخضعوا بالصلاة وغيرها للرحمن أي: الذي لا نعمة لكم إلا منه قالوا وما الرحمن متجاهلين في معرفته فضلا عن معرفة نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل. وقال ابن العربي: إنما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم بالصفة دون الموصوف، ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه بقولهم: أنسجد لما تأمرنا فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره والإنكار على الداعي إليه أيضا بأداة ما لا يعقل وزادهم أي: هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرا للنعمة وطمعا في الزيادة نفورا أي عن الإيمان والسجود انتهت.\rقوله: هُوَ رَبِّي أي: الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو ربي، وقوله: مَتابِ أي: توبتي ومرجعي اهـ كرخي.\rقوله: (فسير عنا) أي: انقلها عنا أي: بقرآنك أي: اقرأ عليها حتى تسير عنا، واقرأ على الأرض قرآنك حتى تتشقق عن الأنهار والعيون، واقرأ قرآنك على موتانا حتى يحيوا ويكلمونا بصدقك اهـ شيخنا.\rفقوله: سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أي: بسبب تلاوته عليها، وكذا يقال في قطعت به وكلم به اهـ.\rوعبارة الخازن: نزلت في نفر من مشركي مكة منهم أبو جهل بن هشام، وعبد اللّه بن أمية جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فأتاهم. وقيل: إنه مرّ بهم وهم جلوس، فدعاهم إلى اللّه عز وجل فقال عبد اللّه بن أمية: إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس الأشجار ونزرع ونتخذ البساتين، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسير معه، أو سخر لنا الريح لنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع في يومنا كما سخرت لسليمان الريح كما زعمت، فلست أهون على ربك من سليمان، وأحي لنا جدك قصيا فإن عيسى كان يحيي الموتى ولست بأهون على اللّه منه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الخ اهـ كلم.\rقوله: (و ابعث) أي: أحي لنا الخ.\rقوله: أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي: شققت من خشية اللّه تعالى عند قراءته فجعلت أنهارا أو عيونا اهـ خطيب.\rقوله: أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى تذكير كلم خاصة دون الفعلين قبله، لأن الموتى تشتمل على المذكر الحقيقي والتغليب له، فكان حذف التاء أحسن، والجبال والأرض ليسا كذلك اهـ كرخي.\rقوله: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي: بل للّه القدرة على كل شيء، وهو اضراب عما تضمنته لو من","part":4,"page":119},{"id":1139,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 120\rيؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره وإن أوتوا ما اقترحوا. ونزل لما أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا طمعا في إيمانهم أَفَلَمْ يَيْأَسِ يعلم الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ مخففة أي أنه لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً إلى الإيمان من غير آية وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا بصنعهم أي كفرهم قارِعَةٌ داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب معنى النفي أي: بل اللّه قادر على الاتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن ارادته لم تتعلق بذلك لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (و إن أوتوا) بالمد أي آتاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو اللّه تعالى ما اقترحوا أي: طلبوا. قوله: (لما أراد الصحابة) أي: أحبوا اظهار أي: وجود ما اقترحوا، فقالوا: يا رسول اللّه اطلب لهم ما اقترحوا عسى أن يؤمنوا اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أي أفلم يعلموا على لغة هوازن، أو قوم من النخع، أو على استعمال اليأس في معنى العلم لتضمنه معناه، لأن الآيس من الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك، ويؤيده قراءة علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين رضوان اللّه عليهم أجمعين أفلم يتبين بطريق التفسير اهـ كرخي. وأبو السعود.\rوفي المختار: واليأس: القنوط، وقد يئس من الشيء من باب فهم، وفيه لغة أخرى يئس ييئس بالكسر فيهما وهو شاذ، ويئس أيضا بمعنى علم في لغة النخع، ومنه قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا اهـ.\rوفيه أيضا: أيس من الأمر لغة في يئس وبابهما فهم اهـ.\rوفي السمين: أصل اليأس قطع الطمع في الشيء والقنوط منه، واختلف الناس ههنا فقال بعضهم: هو هنا على بابه، والمعنى أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان الكفار من قريش، وذلك أنهم لما سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول بهذه الآيات ليؤمن الكفار، وعلم اللّه أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم ييأس الذين آمنوا إيمانهم، قال الكسائي اهـ.\rوالهمزة داخلة على محذوف أي: أغفلوا عن كون الأمر جميعا للّه فلم يعلموا اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أنه) أي: الشأن. قوله: (إلى الإيمان من غير آية) ولكن لم يفعل ذلك لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، والمعنى أنه تعالى لم يهد جميع الناس لعدم مشيئته ذلك اهـ كرخي.\rقوله: تُصِيبُهُمْ خبر يزال، وقوله: بِما صَنَعُوا الباء سببية وما مصدرية كما أشار له الشارح. قوله: (تقرعهم) أي: تهلكهم وتستأصلهم. وفي المختار: قرع الباب من باب قطع، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية. قوله: أَوْ تَحُلُ يجوز أن يكون فاعله ضمير الخطاب أي:\rتحل أنت يا محمد، وأن يكون ضمير القارعة وهذا أبين وأظهر أي: تصيبهم قارعة أو تحل القارعة،","part":4,"page":120},{"id":1140,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 121\rأَوْ تَحُلُ يا محمد بجيشك قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ مكة حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ بالنصر عليهم إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31) وقد حل بالحديبية حتى أتى فتح مكة\rوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزىء بك وهذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَأَمْلَيْتُ أمهلت لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعقوبة فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32) أي هو واقع موقعه فكذلك أفعل بمن استهزأ بك\rأَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ رقيب عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ عملت من خير وشر وهو اللّه كمن ليس كذلك من الأصنام؟ لا. دل على هذا وموضعها نصب عطف على خبر يزال. وقرأ ابن جبير، ومجاهد يحل بالياء من تحت، والفاعل على ما تقدم إما ضمير القارعة، وإنما ذكر الفعل لأنها بمعنى العذاب، أو لأن التاء للمبالغة والمراد قارع، وأما ضمير الرسول، وقرئ أيضا من ديارهم جمعا وهي واضحة اهـ سمين.\rقوله: قَرِيباً أي: مكانا قريبا من دارهم، وهو الحديبية كما ذكره بعد اهـ شيخنا.\rوقوله: (و قد حل بالحديبية) أي: في السنة السادسة، ومنعوه من دخول مكة، وصالحوه على أن يمكنوه من الدخول في السنة التي بعدها، وقد دخل في السابعة، واعتمر وفتح مكة في الثامنة، وحج في العاشرة مرة، ولم يحج غيرها اهـ شيخنا.\rوقوله: (و قد حل بالحديبية) تفسير لقوله: أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً، وقوله: (حتى أتى فتح مكة) تفسير لقوله حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ. وفي أبي السعود: وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبعثها، وكانوا بين اغارة واختطاف وتخويف بالهجوم عليهم في ديارهم، فالإصابة والحلول حينئذ من أحوالهم، ويجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ خطابا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرادا به حلوله بالحديبية، والمراد بوعد اللّه ما وعد به من فتح مكة اهـ.\rقوله: فَأَمْلَيْتُ الاملاء أن يترك مدة طويلة من الزمان في دعة وأمن اهـ خازن.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ عِقابِ أي: كان عقابي على أي حالة. هل كان ظلما لهم أو كان عدلا، وبيّن الشارح جوابه بقوله: أي: هو واقع موقعه أي: هو عدل.\rقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها، وبما علمت من خير وشر، ويجازيها بما كسبت، فيثيبها إن أحسنت ويعاقبها إن أساءت، وجوابه محذوف تقديره كمن ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه، ومن كان عاجزا عن نفسه فهو عن غيره أعجز، وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفر اهـ خازن.\rويظهر منه أن الباء في قوله: بِما كَسَبَتْ بمعنى مع ومن وموصولة وصلتها هو قائم، والموصول مبتدأ وخبره محذوف تقديره كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، ودلّ على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، ونحوه قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزمر: 22] تقديره كمن قسا قلبه يدل عليه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه، وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلا للمبتدأ، وقد جاء مبينا كقوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: 17] أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى اهـ سمين. والاستفهام إنكاري، وجوابه محذوف","part":4,"page":121},{"id":1141,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 122\rوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ له من هم أَمْ بل أتُنَبِّئُونَهُ تخبرون اللّه بِما أي بشريك لا يَعْلَمُ ه فِي الْأَرْضِ استفهام إنكار أي لا شريك له إذ لو كان لعلمه، تعالى عن ذلك أَمْ بل قدره بقوله: (لا)، وقوله: (رقيب) أي: مطلع وعالم، وقوله: (دل) (على هذا) أي: المذكور من الأمرين وهما: الخبر المحذوف، وكون الاستفهام إنكاري. قوله: وَجَعَلُوا يجوز أن يكون استئنافا، وهو الظاهر جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره وقيل الواو للحال.\rوالتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجودة، والحال أنهم جعلوا له شركاء فأقيم الظاهر وهو اللّه مقام المضمر تقريرا للإلهية وتصريحا بها. وقيل: وجعلوا عطف على استهزىء بمعنى: ولقد استهزؤوا وجعلوا. وقال أبو البقاء: هو معطوف على كسبت أي: وجعلهم للّه شركاء اهـ سمين.\rقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ أي: صفوهم وبينوا أوصافهم، فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون به الشركة اهـ بيضاوي.\rقوله: (من هم)؟ أي: عينوا حقيقتهم من أي جنس ومن أي نوع، وفي الكلام حذف أي: وما أسماؤهم، وقوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ في قوة قوله: ولا يمكنكم أن تبينوا حقيقتهم إذ لا حقيقة لهم في نفس الأمر، وإلا لعلمها اللّه، واللازم باطل لعدم وجودها في نفس الأمر. وقوله: أَمْ بِظاهِرٍ في قوة قوله:\rلكنكم يمكنكم تسميتهم بأسماء باطلة خالية عن المسميات في نفس الأمر، فلهذا لم يقدر الشارح أم الثانية ببل والهمزة كما قدر التي قبلها، بل قدرها ببل وحدها، وذلك لأن المعنى في الأولى على النفي فقدر الهمزة التي للاستفهام الانكاري، وفي الثانية على الثبوت كما علمت. وفي زكريا على البيضاوي قال الطيبي: في هذه الآية احتجاج بليغ مبني على فنون من علم البيان.\rأولها: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كمن ليس كذلك احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لها.\rثانيها: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ من وضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه.\rثالثها: قُلْ سَمُّوهُمْ أي: عينوا أسماءهم فقولوا فلان وفلان فهو انكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول إن كان الذي تدعيه موجودا فسمه، لأن المراد بالاسم العلم.\rرابعها: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ احتجاج من باب نفي الشيء أعني العلم بنفي لازمه وهو المعلوم وهو كناية.\rخامسها: أم بظاهر من القول احتجج من باب الاستدراج والهمزة للتقرير لبعثهم على التفكر.\rالمعنى أتقولون بأفواهكم من غير روية وأنتم ألباء فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه.\rسادسها: التدرج في كل من الاضرابات على ألطف وجه، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها كان الاحتجاج المذكور مناديا على نفسه بالاعجاز وليس من كلام البشر اهـ.\rقوله: (استفهام انكار) أي: الاستفهام المفاد بالهمزة التي قدرت بها أم إنكاري. قوله: (عن","part":4,"page":122},{"id":1142,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 123\rتسمونهم شركاء بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بظن باطل لا حقيقة له في الباطن بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ كفرهم وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ طريق الهدى وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33)\rلَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالقتل والأسر وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ أشد منه وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه مِنْ واقٍ (34) مانع\r* مَثَلُ صفة الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ مبتدأ خبره محذوف أي فيما نقص عليكم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها ما يؤكل فيها دائِمٌ لا يفنى وَظِلُّها دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها ذلك) أي: الشريك. قوله: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أي: من غير حقيقة واعتبار معنى كتسمية الزنجي كافورا اهـ بيضاوي.\rقوله: (بظن باطل) أي: بسبب ظن باطل أي: ظنكم ألوهيتها، وقوله: (في الباطن) أي: نفس الأمر. وقوله: بَلْ زُيِّنَ إضراب عن محاجتهم بالكلية فكأنه يقول لا يفيد فيهم الاحتجاج اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: قوله: بَلْ زُيِّنَ الخ إضراب عن الاحتجاج عليهم، فكأنه قيل دع ذا فإنه لا فائدة فيه لأنهم زين لهم ما هم عليه من المكر والتمويه اهـ.\rوالمزين هو اللّه تعالى لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه، فتزين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط ولا يقدر على إضلال أحد وهدايته إلا اللّه تعالى، ويدل على هذا سياق الآية وهو قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ اهـ خازن.\rقوله: وَصُدُّوا بضم الصاد مبنيا للمفعول وبفتحها مبنيا للفاعل قراءتان سبعيتان، فالأولى معناها ومنعوا عن طريق الهدى، والثانية بمعنى أنهم منعوا الناس عنه، وقد يستعمل صدّ لازما بمعنى أعرض أي: أأعرضوا عنه. قوله: هادٍ بثبوت الياء وحذفها وقفا سبعيتان وفي الرسم محذوفة لا غير كالوصل.\rقوله: وَما لَهُمْ الخ لهم: خبر مقدم، وواق: مبتدأ مؤخر، ومن زائدة فيه، وقوله: من اللّه متعلق به مقدم عليه. والتقدير، وما واق من اللّه أي: من عذابه كائن لهم اهـ شيخنا.\rوإعراب واق إعراب المنقوص فهو بحركة مقدرة على الياء المحذوفة اهـ.\rقوله: (صفة) الْجَنَّةِ أي: التي هي مثل في الغرابة، وقوله: (أي): فيما أي: كائن فيما نقص أي: نقصه أي: تقرؤه ونتلوه عليكم. وقوله: تَجْرِي الخ تفسير لذلك المحذوف. وقيل: إن قوله:\rتَجْرِي هو نفس الخبر اهـ من بيضاوي.\rووجه الأخير أن المثل هنا بمعنى الصفة، فهو كقولك صفة زيد أنه طويل، ويجوز أن يكون تجري مستأنفا اهـ من السمين.\rقوله: أُكُلُها دائِمٌ أي: بحسب نوعه، فكل شيء أكل يتجدد غيره لا بحسب شخصه، إذ عين المأكول لا ترجع، وقوله: وَظِلُّها مبتدأ حذف خبره، كما أشار له الشارح. قوله: عُقْبَى الَّذِينَ","part":4,"page":123},{"id":1143,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 124\rتِلْكَ أي الجنة عُقْبَى عاقبة الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35)\rوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ كعبد اللّه بن سلام وغيره من مؤمني اليهود يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ لموافقته ما عندهم وَمِنَ الْأَحْزابِ الذين تحزبوا عليك بالمعاداة من المشركين واليهود مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ كذكر الرحمن وما عدا القصص قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ فيما أنزل إليّ أَنْ أي بأن أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ اتَّقَوْا أي: مآلهم ومنتهى أمرهم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي: التوراة والإنجيل. وقوله: (كعبد اللّه بن سلام) أي:\rوكعب الأحبار. وقوله: (من مؤمني اليهود) أي: ومن النصارى، وهم أي مؤمنو النصارى ثمانون رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة اهـ بيضاوي.\rوعبارة الخازن: في المراد بالكتاب هنا قولان.\rأحدهما: أنه القرآن والذين أوتوه المسلمون وهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد أنهم يفرحون بما يتجدد من الأحكام، والتوحيد، والنبوة، والحشر بعد الموت بتجدد نزول القرآن، ومن الأحزاب يعني الجماعات الذين تحزبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الكفار واليهود والنصارى من ينكر بعضه، وهذا قول الحسن وقتادة. فإن قلت: إن الأحزاب من الكفار وغيرهم من أهل الكتاب ينكرون القرآن فكيف قال: ومن الأحزاب من ينكر بعضه؟ قلت: إن الأحزاب لا ينكرون جملته لأنه قد ورد فيه آيات دالات على توحيد اللّه وإثبات قدرته وعلمه وحكمته، وهم لا ينكرون ذلك أبدا.\rوالقول الثاني: المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، والمراد بأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى مثل عبد اللّه بن سلام وأصحابه، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا: أربعون من نجران، وثلاثون من الحبشة، وعشرة ممن سواهم فرحوا بالقرآن لكونهم آمنوا به وصدقوه، ومن الأحزاب يعني بقية أهل الكتاب من اليهود والنصرى وسائر المشركين من ينكر بعضه. وقيل: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن، فلما أسلم عبد اللّه بن سلام ومن معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر اللّه تعالى لفظة الرحمن في القرآن فرحوا بذلك، فأنزل اللّه تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني مشركي مكة من ينكر بعضه، وذلك لما كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل اللّه تعالى وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي، وإنما قال: ومن الأحزاب من ينكر بعضه لأنهم كانوا لا ينكرون اللّه وينكرون الرحمن انتهت.\rقوله: (كذكر الرحمن) فالمشركون يعتقدون أن لا رحمن إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب، فلذلك قالوا: وما الرحمن لما قيل لهم اسجدوا للرحمن. وقوله: (و ما عدا القصص) أي:\rمن الأحكام المخالفة لما عندهم فينكرها اليهود، وأما القصص كقصة يوسف وغيرها فيسلمونها لموافقتها لما عندهم اهـ شيخنا.","part":4,"page":124},{"id":1144,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 125\rإِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) مرجعي\rوَكَذلِكَ الإنزال أَنْزَلْناهُ أي القرآن حُكْماً عَرَبِيًّا بلغة العرب تحكم به بين الناس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم فرضا بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بالتوحيد ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ زائدة وَلِيٍ ناصر وَلا واقٍ (37) من قبلك مانع من عذابه. ونزل لما عيروه بكثرة النساء\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً قوله: (مرجعي) أي: في الآخرة للجزاء.\rقوله: وَكَذلِكَ (الإنزال) أي: إنزال الكتب السابقة أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا حالان أي: حاكما بين الناس عربيا أي: بلغة العرب ليسهل عليهم فهمه وحفظه اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلغاتهم ولسانهم أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب، وهو القرآن عربيا بلسانك ولسان قومك، وإنما سمي القرآن حكما لأن فيه جميع التكاليف والأحكام والحلال والحرام والنقض والإبرام، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. وقيل: إن اللّه تعالى لما حكم على جميع الخلق بقبول القرآن والعمل بمقتضاه سماه حكما لذلك المعنى انتهت.\rقوله: (بين الناس) أي: فيما يقع لهم من الحوادث الفرعية، وإن خالفت ما في الكتب القديمة، إذ لا يجب توافق الشرائع اهـ شيخنا.\rقوله: (من ملتهم) كتقرير دينهم والصلاة إلى قبلتهم بعد ما حولت عنها اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قال جمهور المفسرين: إن المشركين دعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ملة آبائه، فتوعده اللّه تعالى على اتباع أهوائهم في ذلك. وقال ابن السائب: المراد به متابعة آبائهم في الصلاة لبيت المقدس بعدما جاءك من العلم يعني: بأنك على الحق، وأن قبلتك هي الحق. وقيل:\rظاهر الخطاب فيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد به غيره. وقيل: هو حث للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على تبليغ الرسالة والقيام بما أمر به، ويتضمن ذلك تحذير غيره من المكلفين، لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدرا وأعلى مرتبة إذا حذر كان غيره ممن دونه بطريق الأولى اهـ.\rقوله: (لما عيروه) أي: عابوه فقالوا إنه ليس له همة إلا في النساء، ويزعم أنه رسول اللّه، ولو كان كذلك لكان مشتغلا بالزهد وترك الدنيا. فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشبهة بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا الخ، فقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة، وسبعمائة سرية، وكان لأبيه داود مائة امرأة، ولم يقدح ذلك في نبوتهما. فكيف يجعلون هذا قادحا في نبوتك اهـ خازن.\rوفي الكرخي: اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال النبوة.\rفالشبهة الأولى: قولهم ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 7] وهذه الشبهة ذكرها اللّه تعالى في سورة أخرى.\rوالشبهة الثانية: قولهم الرسول الذي يرسله اللّه إلى الخلق لا بد وأن يكون من جنس الملائكة، كما قالوا لو لا أنزل عليكم ملك، وقالوا لو ما تأتينا بالملائكة.","part":4,"page":125},{"id":1145,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 126\rأولادا وأنت مثلهم وَما كانَ لِرَسُولٍ منهم أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنهم عبيد مربوبون لِكُلِّ أَجَلٍ مدة كِتابٌ (38) مكتوب فيه تحديده\rيَمْحُوا اللَّهُ منه ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ بالتخفيف الشبهة الثالثة: عابوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكثرة الزوجات وقالوا: لو كان رسولا من عند اللّه لما اشتغل بالنسوة، بل كان معرضا عنهنّ مشتغلا بالنسك والزهد. فأجاب اللّه تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وهذا أيضا يصلح أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة، فقد كان لسليمان عليه السّلام ثلاثمائة امرأة ممهرة وسبعمائة سرية، ولداود مائة.\rوالشبهة الرابعة: قولهم لو كان رسولا من عند اللّه لكان أي شيء طلبناه من المعجزات أتى به ولم يتوقف. فأجاب اللّه تعالى عنه وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.\rالشبهة الخامسة: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه فلما تأخر ذلك توسلوا بتأخره للطعن في نبوته وصدقه، فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يعني أن نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى اللّه بحصولها في أوقات معينة، ولكل حادث وقت معين، ولكل أجل كتاب، فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث. وتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا.\rالشبهة السادسة: قالوا لو كان صادقا في دعوى الرسالة لم ينسخ الأحكام التي نص اللّه تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة كالتوراة والإنجيل، لكنه نسخها وحرمها كما في القبلة، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل، فوجب أن لا يكون نبيا حقا فأجاب اللّه تعالى عنه يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ أي يديم اهـ.\rقوله: وَذُرِّيَّةً وقد كان لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم سبعة أولاد: أربع إناث وثلاثة ذكور، وكانوا في الترتيب في الولادة هكذا: القاسم، فزينب، فرقية، ففاطمة، فأم كلثوم، فعبد اللّه ويلقب بالطيب والطاهر، فإبراهيم وكلهم من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وماتوا جميعهم في حياته إلا فاطمة فعاشت بعده ستة أشهر اهـ شيخنا.\rقوله: وَما كانَ لِرَسُولٍ الخ جواب لشبهة أخرى أوردوها وهي طلب المعجزات على وفق مقترحهم، وتقرير الجواب أن المعجزة الواحدة كافية في إثبات النبوة، وقد أتاهم بمعجزات كثيرة فما بالهم يقترحون عليه غيرها، مع أن إتيان المعجزات ليس مفوضا إليه بل إلى مشيئته تعالى اهـ خازن.\rقوله: (مربوبون) أي: مقهورون ومغلوبون أي: محكوم عليهم ومتصرف فيهم بتدبير أمرهم.\rوفي المصباح: ورب زيد الأمر ربا من باب رد إذا ساسه وقام بتدبيره اهـ.\rوفيه أيضا: ساس زيد الأمر يسوسه سياسة دبره وقام بأمره اهـ.\rقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ رد لاستعجالهم الآجال والأعمار وإتيان المعجزات والعذاب، فقد كان يخوفهم بذلك فاستعجلوه عنادا، فرد اللّه عليهم بقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ اهـ خازن.\rوفسر الشارح الأجل بالمدة، فالمراد بها أزمنة الموجودات، فلكل موجود زمان يوجد فيه","part":4,"page":126},{"id":1146,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 127\rوالتشديد فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39) أصله الذي لا يتغير منه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص. وقوله: كِتابٌ المراد به صحف الملائكة التي تنسخها من اللوح المحفوظ، وقوله: (مكتوب فيه تحديده) أي: تحديد الأجل الذي هو الزمان، وقوله: (منه) أي: من الكتاب الذي هو صحف الملائكة وقوله: (من الأحكام) فيمحو الحكم المنسوخ ويثبت الحكم الناسخ، وقوله: (و غيرها) كالأرزاق والآجال، وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ عندية علم، والكتاب هو المذكور أولا بقوله: كتاب على القاعدة في أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عينا، وقد عرفت أن المراد به صحف الملائكة، والمراد بأمه على هذا أصله الذي نسخ منه وهو اللوح المحفوظ. وقوله:\r(الذي لا يغير منه شيء) مبني على أحد قولين، وهو: أن اللوح المحفوظ لا يقع فيه تغيير ولا تبديل ولا محو ولا إثبات، وقوله: (و هو) أي: أم الكتاب والتذكير باعتبار كونها أصلا. وقوله: (ما كتبه في الأزل) أي: كتب فيه أي: أمر القلم أن يكتب فيه في الأزل، والمراد بالأزل هنا على هذا ما قبل وجود العالم وإن كان حادثا، لأن أول ما خلق اللّه القلم ثم أمره أن يكتب في اللوح المحفوظ كل شيء، وهذا أحد تقريرين للمفسرين. والآخر: أن المراد بالكتاب في قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ اللوح المحفوظ، وقوله: يَمْحُوا اللَّهُ منه ما يَشاءُ الخ مبني على أن اللوح المحفوظ يقع فيه التغيير والتبديل والمحو والاثبات، وهو القول الآخر. وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ المراد بالكتاب هو الذي سبق ذكره وهو اللوح المحفوظ، وبأمه أصله وهو تعلق العلم القديم وتعلق الإرادة التنجيزي القديم، فهذا ليس فيه تغيير ولا تبديل وهو أم أي: أصل لسائر الكتب لأنها مترتبة ومبنية عليه، وعلى هذا فقوله: (و هو ما كتبه في الأزل) والمراد بالكتابة في الأزل القضاء، والتقدير الأزليان وهما يرجعان لتعلقي العلم والإرادة الأزليان، فليتأمل. وفي القرطبي: لكل أجل كتاب أي: لكل أمر قضاه اللّه كتاب عند اللّه قاله الحسن، وقيل: المعنى لكل مدة كتاب مكتوب وأمر مقدور ولا تقف عليه الملائكة وعنده أم الكتاب أي: أصل ما كتب من الآجال وغيرها. وقيل: أم الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وقد قيل: إنه يجري فيه التبديل. وسئل ابن عباس عن أم الكتاب، فقال: علم اللّه ما هو خالق وما خلقه وما هم عاملون، ولا تبديل في علم اللّه وهو قول كعب الأحبار اهـ.\rوفي أبي السعود: لِكُلِّ أَجَلٍ أي: لكل مدة ووقت من المدد والأوقات كتاب حكم معين يكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمة، فإن الشرائع كلها لإصلاح أحوالهم في المبدأ والمعاد، ومن قضية ذلك أن تختلف حسب اختلاف أحوالهم المتغيرة حسب تغير الأوقات، كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ أي: ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت ويثبت بدله ما فيه المصلحة، أو يبقيه على حاله غير منسوخ، أو يثبت ما يشاء إثباته مطلقا أعم منهما ومن الانشاء ابتداء، أو يمحو من ديوان الحفظة الذين ديدنهم كتب كل قول وعمل ما لا يتعلق به الجزاء، ويثبت الباقي أو يمحو سيئات التائب ويثبت مكانها الحسنة، أو يمحو الرزق ويزيد فيه، أو يمحو الأجل أو السعادة أو الشقاوة وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي: أصله وهو اللوح المحفوظ إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوب فيه كما هو اهـ.\rوفي الخازن: فإن قلت: مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلى","part":4,"page":127},{"id":1147,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 128\rشيء وهو ما كتبه في الأزل\rوَإِنْ ما فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف أي فذاك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل تعذيبهم فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ لا عليك إلا التبليغ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) إذا صاروا إلينا فنجازيهم\rأَوَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نقصد أرضهم نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بالفتح على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَاللَّهُ يوم القيامة، فكيف يستقيم مع هذا المحو والاثبات؟ قلت: المحو والاثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئا ولا يثبت شيئا إلا ما سبق به علمه في الأزل، وعليه يترتب القضاء اهـ.\rقوله: يَمْحُوا اللَّهُ الخ جواب لشبهة أخرى من طرفهم حاصلها أنهم قالوا: إن محمدا يأمر أصحابه اليوم بأمر كاستقبال بيت المقدس، ثم يأمرهم غدا بخلافه كاستقبال الكعبة، وما ذلك إلا لكونه يقوله من تلقاء نفسه، فأجابهم اللّه بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ الخ اهـ خازن.\rقوله: (فيه) أي: في الكتاب، وهذا متعلق بيثبت، وقوله: (من الأحكام) كاستقبال بيت المقدس والعدة بحول، فهذان الحكمان محاهما باستقبال الكعبة والعدة بأربعة أشهر وعشر، وقوله: (و غيرها) أي: غير الأحكام الفرعية كالعمر حيث يزيد بالصدقة وكالسعادة والشقاوة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو ما كتبه في الأزل) هو علم اللّه أو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير، والأم أصل الشيء والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له. ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة. ويؤيد الأول قول ابن عباس: الكتاب اثنان: كتاب يمحو اللّه ما يشاء فيه، وكتاب لا يغير وهو علم اللّه والقضاء المبرم، وأما نحو خبر صلة الرحم تزيد في العمر فمحمول على زيادة البركة أو على زيادة ما في اللوح المحفوظ لا ما في أم الكتاب اهـ كرخي.\rقوله: (أي فذاك) مبتدأ خبره محذوف قدره غيره بقوله: شافيك من أعدائك ودليل على صدقك، والجملة جواب الشرط. وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ شرط ثان لعطفه على الشرط قبله، وجوابه أيضا محذوف، وكان على الشارح التنبيه عليه. وتقديره: فلا تقصير منك ولا لوم عليك، وقوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الخ تعليل لهذا المحذوف، ولعل الشارح سكت عن التنبيه على حذف جواب الشرط الثاني، لأنه قد ذكر ما يدل عليه بخلاف الذي قبله فلم يذكر له دليل اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا استفهام إنكاري، والواو للعطف على المقدر أي: انكروا نزول ما وعدناهم أو شكوا أو لم ينظروا في ذلك ولم يروا اهـ أبو السعود.\rقوله: نَنْقُصُها حال من فاعل نأتي أو من مفعوله اهـ سمين.\rأي: نفتحها أرضا بعد أرض أفلا يعتبرون فيتعظون اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بالفتح على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم) بلدا بعد بلد بما ينقص من أطراف المشركين، ويزيد في أطراف المؤمنين. وقال قوم: هو خراب الأرض. أي: أو لم يروا نأتي الأرض نخربها ونهلك أهلها أفلا تخافون أن يفعل بكم ذلك. وعن ابن عباس أيضا: ننقصها من أطرافها المراد موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء. قال الواحدي: وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا","part":4,"page":128},{"id":1148,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 129\rيَحْكُمُ في خلقه بما يشاء لا مُعَقِّبَ لا راد لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41)\rوَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم بأنبيائهم كما مكروا بك فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً وليس مكرهم كمكره لأنه تعالى يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ فيعد لها جزاءها وهذا هو المكر كله لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون الموضوع هو الوجه الأول، ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لائق بهذا الموضع لأن قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نحدث في الدنيا من الاختلافات خرابا بعد عمارة، وموتا بعد حياة، وذلا بعد عز، ونقصا بعد كمال، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة، فما الذي يؤمنهم ان اللّه يقلب الأمر على هؤلاء الكفرة، ويصيرهم ذليلين بعد عزهم، ومقهورين بعد فرحهم، فناسب هذا الكلام ما قبله اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ يَحْكُمُ في الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة، وتربية المهابة، وتحقيق بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى اهـ أبو السعود.\rقوله: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أي: لا راد له، وحقيقة المعقب هو الذي يتعقب الشيء بالابطال، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يتعقب غريمه بالطلب، والمعنى أنه حكم للإسلام بالاقبال وعلى الكفر بالادبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره ومحل لا مع النفي النصب على الحال أي: يحكم نافذا حكمه خاليا من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب حكمه أحد بتغيير ولا نقص اهـ بيضاوي وخازن.\rقوله: وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيحاسبهم بعد زمن قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل، وأخرجهم من ديارهم في الدنيا، فلا تستبطىء عقابهم، فإنه آت لا محالة وكل آت قريب اهـ شهاب.\rوفي الخازن: وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ. قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام ممن حاسبه للمجازاة بالخير والشر، فمجازاة الكفار بالانتقام منهم، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم اهـ.\rقوله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمكر إيصال المكروه للممكور به خفية من حيث لا يشعر اهـ شيخنا.\rقوله: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً تعليل لمحذوف تقديره فلا عبرة بمكرهم ولا تأثير له، فحذف هذا اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله بقوله: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً أي: لا تأثير لمكرهم أصلا إذ هو عبارة عن إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يشعر به، وحيث كان جميع ما يأتون وما يذرون بعلم اللّه تعلى وقدرته، وإنما لهم مجرد الكسب من غير فعل ولا تأثير ظهر أن ليس لمكرهم بالنسبة إلى من مكروا بهم عين ولا أثر، وأن المكر كله للّه تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرهم من حيث لا يحتسبون اهـ من أبي السعود.\rقوله: (و ليس مكرهم كمكره) إذ معناه أن مكر الماكرين مخلوق له ولا يضر إلا بإرادته فإثباته لهم باعتبار الكسب، ونفيه عنهم باعتبار الخلق فلا يرد كيف أثبت لهم مكرا ثم نفاه عنهم بقوله: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً، وفيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمان له من مكرهم اهـ كرخي.\rقوله: (لأنه تعالى) يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ أشار إلى أن اكتساب العباد معلوم للّه تعالى،","part":4,"page":129},{"id":1149,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 130\rوَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ المراد به الجنس وفي قراءة الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه\rوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لك لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ لهم كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقي وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43) من مؤمني اليهود والنصارى.\rوخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، فكان الكل من اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: (فيعد) أي يهيىء.\rوقوله: (و هذا) أي: علمه بالمكسوب واعداد جزائه وهو المكر كله اهـ شيخنا.\rقوله: (لك) أي: خطابا وشفاها.\rقوله: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي: فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي وما يغني عن شاهد يشهد عليها اهـ بيضاوي.\rوقوله: ما يغني عن شاهد الخ جعل إظهار المعجزات الدالة على رسالته شهادة وهو فعل، والشهادة قول فأشار إلى أنه استعارة لأنه بغنى عن الشهادة بل هو أقوى منها اهـ شهاب.\rكَفى فعل ماض. والباء زائدة لتزيين اللفظ، واللّه فاعل، وشهيدا تمييز، وبيني وبينكم متعلق به. وقوله: (على صدقي) أي: حيث خلق المعجزات على يدي، وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ الخ معطوف على اللّه فهو فاعل أيضا وقوله: عِلْمُ الْكِتابِ أي: التوراة والانجيل، وقوله: (من مؤمني اليهود) ككعب الأحبار، وسلمان الفارسي، وعبد اللّه بن سلام اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أي: السماوي، فإنهم يعرفونه كابن سلام، وسلمان وغيرهما، وعلم الكتاب: مرتفع بالظرف فإنه معتمد على الموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره، وإنما قلنا ويجوز لأن الأجود أن الظرف إذا اعتمد يعمل عمل الفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه فاعل، كما تقول بالذي استقر في الدار أخوه اهـ كرخي.","part":4,"page":130},{"id":1150,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 131\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة إبراهيم مكية إلا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا الآيتين وهي إحدى أو اثنتان أو أربع أو خمس وخمسون آية\rالر اللّه أعلم بمراده بذلك هذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا محمد لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان بِإِذْنِ أمر رَبِّهِمْ ويبدل من إلى النور إِلَى بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (الآيتين) أي: إلى النار.\rقوله: لِتُخْرِجَ النَّاسَ أي: بدعائك إياهم إلى اتباع ما تضمنه الكتاب من التوحيد وغيره اهـ شهاب.\rقوله: مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ المراد من الظلمات ظلمات الكفر والضلالة والجهل، والمراد بالنور الإيمان. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه اللّه تعالى: وفيه دليل على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة، وطريق الحق ليس إلا واحدا، لأنه تعالى قال: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، فعبّر عن الجهل والكفر والضلال بالظلمات وهي صيغة جمع، وعبّر عن الايمان والهدى بالنور وهو لفظ مفرد، وذلك يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طريق العلم والايمان فليس إلا واحدا اهـ خازن.\rقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ فسر الإذن بالأمر، وعلى هذا فيكون المعنى لتأمرهم بالخروج من الظلمات إلى النور، وبعضهم فسره بالتوفيق والتيسير. وفي السمين: قوله: بِإِذْنِ يجوز أن يتعلق بالإخراج أي: بتسهيله وتيسيره، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل تخرج أي: مأذونا لك اهـ.\rوالاحتمال الثاني: هو اللائق بكلام السيوطي أي: حال كونك مأذونا من ربك أي: مأمورا بالإخراج. قوله: (و يبدل) أي: بإعادة العامل، فالإيمان يعبر عنه بالنور وبالصراط، لأنه نور في نفسه وطريق للخلود في الجنة المؤبد اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و يبدل من إلى النور) إلى صراط أي: بإعادة الجار وهو إلى، ولا يضر الفصل بقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بين المبدل منه والبدل، لأن بإذن معمول للعامل في المبدل منه وهو","part":4,"page":131},{"id":1151,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 132\rصِراطِ طريق الْعَزِيزِ الغالب الْحَمِيدِ (1) المحمود\rاللَّهِ بالجر بدل أو عطف بيان وما بعده صفة والرفع مبتدأ خبره الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2)\rالَّذِينَ نعت يَسْتَحِبُّونَ يختارون الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الإسلام وَيَبْغُونَها أي السبيل عِوَجاً معوجة لتخرج، وأجاز الزمخشري أن يكون مستأنفا كأنه قيل: إلى أي نور؟ فقيل: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وإضافة الصراط إلى اللّه تعالى لأنه المظهر له، وأفهم بتخصيص الوصفين أنه لا يزل سالكه ولا يخيب قاصده. وفي كلام الشيخ إشارة إلى أن العزيز هو القادر الغني عن جميع الحاجات، والحميد المستحق للحمد العالم المغني، لأن أول العلم باللّه العلم بكونه تعالى قادرا، ثم بعد ذلك يعلم كونه عالما، ثم بعد ذلك يعلم كونه غنيا، فلذلك قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد اهـ.\rقوله: (بدل) أي: من العزيز، والحميد نعت للعزيز، وهذا على القاعدة أن نعت المعرفة إذا تقدم على المنعوت يعرب بحسب العوامل، ويعرب المنعوت بدلا أو عطف بيان، والأصل (إلى صراط اللّه العزيز الحميد الذي الخ،) فالصفات ثلاث تقدم منها اثنتان وبقيت الثالثة مؤخرة اهـ شيخنا.\rقوله: (و ما بعده) وهو الذي وأما له ما في السموات وما في الأرض فصلة وكذا يقال في قوله:\r(خبره الذي الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ ووعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور بالويل، وهو نقيض الوأل وهو أي: الوأل النجاة اهـ أبو السعود.\rوقوله: وهو نقيض الوأل بالهمز، وفي المختار: الموئل الملجأ وقد وأل إليه أي: لجأ وبابه وعد ووؤلا بوزن وجود اهـ.\rثم قال: والويل واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لانماعت من حره اهـ.\rوَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ جملة دعائية، وويل: مبتدأ سوغ الابتداء به قصد الدعاء وللكافرين خبره، وقوله: مِنْ عَذابٍ بيان للويل فمن بيانية، فالمعنى وعذاب شديد كائن للكافرين. وقيل: إن الويل بمعنى التأوه فمن للتعدية، ولذلك قال أبو السعود: من عذاب شديد متعلق بويل على معنى يولولون ويضجون منه قائلين يا ويلاه كقوله: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [الفرقان: 13] اهـ.\rقوله: (نعت) أي: للكافرين، وهذا الاعراب معترض لما فيه من الفصل بين النعت والمنعوت بأجنبي، وهو قوله: مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ الذي هو بيان للمبتدأ الأجنبي من الخبر، وعلى هذا الاعراب يكون قوله: أُولئِكَ الخ مستأنفا، والأولى أن يعرب الذين يستحبون الخ مبتدأ، ويكون قوله:\rأُولئِكَ الخ خبره اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي: يطلبون لها عدولا وانحرافا عن الحق ليقدحوا فيه، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير اهـ بيضاوي.","part":4,"page":132},{"id":1152,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 133\rأُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) عن الحق\rوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ بلغة قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ليفهمهم ما أتى به فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (4) في صنعه\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا التسع وقلنا له أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ بني إسرائيل قوله: بَعِيدٍ (عن الحق) عبارة أبي السعود: في ضلال عن طريق الحق، بعيد: بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية، والبعد وإن كان من أحوال الضال إلا أنه قد وصف به وصفه مجاز للمبالغة، كجد جده وداهية دهياء، ويجوز أن يكون المعنى في ضلال ذي بعد أو فيه بعد، فإن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا، وقد يضل بعيدا. وفي جعل الضلال محيطا بهم إحاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة اهـ.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ شمل هذا العموم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، وحينئذ يقال إنه مرسل بلغة قومه وهم قريش، وإن كانت لغاتهم فيها نوع اختلاف مع أنه مرسل إلى الخلق كافة، أي:\rرسالته عامة لقومه وغيرهم، وإذا كانت لغته العربية فهي لغة قريش، فكيف غيره يفهم لغته من الأعاجم؟ ويجاب بأنه هو لغته عربية، ونوابه يخاطبون غير العرب بلغاتهم، فيحصل الفهم ولو بالواسطة اهـ شيخنا.\rوالأولى أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أيا كان، وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية، لأنه لم يتفق أنه يخاطب أحدا من أهلها ولو خاطبه لكلمه بها تأمل. قوله: مِنْ رَسُولٍ من زائدة في المفعول، وقوله: إِلَّا بِلِسانِ أي: إلا ملتبسا. قوله: فَيُضِلُّ اللَّهُ الخ فيه التفات عن التكلم إلى الغيبة اهـ.\rوهو استئناف إخبار، ولا يجوز نصبه عطفا على ما قبله، لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا للإضلال. قال الزجاج: لو قرئ بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز اهـ سمين.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى الخ شروع في تفصيل ما أجمله في قوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: بِآياتِنا أي: ملتبسا بها. وقوله: (التسع) تقدم منها ثمانية في الأعراف، وهي قوله:\rفَأَلْقى عَصاهُ الخ. وقوله: وَنَزَعَ يَدَهُ الخ، وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الخ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الخ، وواحدة في يونس وهي المذكورة في قول: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [يونس: 88] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ أن مفسرة والضابط موجود، وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وأرسلنا فيه معنى قلنا، فكان على الشارح أن يفسرها بأي: التفسيرية، ويقول أي: أخرج ويكون تفسيرا لأرسلنا. وأما تقديره القول المذكور فليس بيانا لشيء مقدر في الكلام عاملا في أن أخرج، وإنما هو إيضاح معنى اهـ شيخنا.","part":4,"page":133},{"id":1153,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 134\rمِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ بنعمه إِنَّ فِي ذلِكَ التذكير لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على الطاعة شَكُورٍ (5) للنعم\rوَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ المولودين وَيَسْتَحْيُونَ يستبقون نِساءَكُمْ لقول بعض الكهنة إن مولودا يولد في بني وفي الكرخي: قوله: (و قلنا له) أَنْ أَخْرِجْ أشار إلى أنّ أن تفسيرية لكونها على تقدير القول المقدر، ولا حاجة لذلك لأن في الإرسال معنى الوحي كما مرّ نظائره، ويصح كما في الكشاف كونها مصدرية: أي: بإخراج قومك، وهذه الباء المقدرة للتعدية والباء في بآياتنا للحال اهـ.\rقوله: (بنعمه) أشار إلى أن المراد بِأَيَّامِ اللَّهِ نعمه، ووجهه أن العرب تتجوز بنسبة الحدث إلى الزمان مجازا فتضيفه إليه، كقولهم: نهاره صائم وليله قائم ومكر الليل، ويترجح تفسير أيام اللّه ببلائه ونعمائه اهـ كرخي.\rوفي تفسير ابن جرير بأيام اللّه أي: بأنواع عقوباته الفائضة، ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة، فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه اهـ.\rوفي القاموس: وأيام اللّه نعمه ويوم أي يوم شديد وآخر يوم في الشهر اهـ.\rوفي المختار: وربما عبروا عن الشدة باليوم اهـ.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: دلالات لكل صبار شكور أي: لأنه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: قوله: (على الطاعة) أي: وعلى البلاء. وقوله: شَكُورٍ أي: كثير الشكر، والتعبير عنهم بذلك للإشعار بأن الصبر عنوان المؤمن أي: لكل من يليق به كمال الصبر والشكر والإيمان، ويصير أمره إليها لا لمن اتصف بها بالفعل، وتخصيص الآيات بهم لأنهم المنتفعون بها لأنها خافية عن غيرهم، فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم الصبار على الشكور لتقدم متعلق الصبر أعني البلاء على متعلق الشكر. أعني. النعماء، وكون الشكر عاقبة الصبر اهـ.\rقوله: وَ(اذكر) أي: اذكر يا محمد لقومك ما ذكر لعلهم يعتبرون. قوله: نِعْمَةَ اللَّهِ بمعنى الإنعام، وقوله: إِذْ أَنْجاكُمْ ظرف لها بالمعنى المذكور أو بدل اشتمال منها كذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: يَسُومُونَكُمْ الخ أحوال ثلاثة من آل فرعون، أو من ضمير المخاطبين اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: وَيُذَبِّحُونَ حال أخرى من آل فرعون، وفي البقرة دون واو، لأنه قصد به التفسير، فالسوم هنا غير السوم هناك اهـ.\rوقوله: يَسُومُونَكُمْ بمعنى يذيقونكم، وقوله: وَيُذَبِّحُونَ الخ عطف خاص، وفي أبي السعود: إنما عطفه على يسومونكم اخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد، وقوله: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي: يبقونهن في الحياة مع الذل، ولذلك عدّ من جملة البلاء اهـ.\rوفي الكرخي: فإن قيل: استحياء النساء كيف يكون ابتلاء؟ قلنا: كانوا يستخدمونهن","part":4,"page":134},{"id":1154,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 135\rإسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون وَفِي ذلِكُمْ الإنجاء أو العذاب بَلاءٌ إنعام أو ابتلاء مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)\rوَإِذْ تَأَذَّنَ أعلم رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ نعمتي بالتوحيد والطاعة لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7)\rوَقالَ مُوسى لقومه إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌ عن خلقه بالاستعباد، ويفردونهن عن الأزواج، وذلك من أعظم المضار اهـ.\rقوله: (يستبقون) أي: بلا قتل. قوله: (بعض الكهنة) جمع كاهن وهو المخبر عن المغيبات المستقبلة، وأما العرف فهو المخبر عن الأمور الماضية اهـ شيخنا.\rقوله: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ أي: ابتلاء واختبار، فاللّه تعالى يختبر عباده تارة بالنعم وتارة بالشدائد، كما قال: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: 168] فحينئذ كان على الشارح أن يقول في تفسير بلاء أي: ابتلاء واختبار بالنعم أو بالعذاب. قوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ من كلام موسى أيضا، وتأذن بمعنى آذن كوعد بمعنى أوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من التكلف والمبالغة اهـ بيضاوي.\rوهذا معطوف على نعمة اللّه أو على إذ أنجاكم، فالتقدير واذكر إذ قال موسى لقومه اذكروا إذ تأذن ربكم، أو اذكروا نعمة اللّه عليكم حين تأذن ربكم اهـ شيخنا.\rقوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ معمول لقول مقدر أي: وقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ الخ أو معمول لتأذن، لأنه يجري مجرى قال اهـ بيضاوي.\rوجواب الشرط محذوف دلّ عليه جواب القسم. وفي الخازن: لَئِنْ شَكَرْتُمْ يعني يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الانجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح لَأَزِيدَنَّكُمْ يعني: نعمة إلى نعمة، ولأضعفن لكم ما آتيتكم. قيل: بشكر الموجود عند المفقود، وقيل: لئن شكرتم بالطاعة، لأزيدنكم في الثواب، وأصل الشكر تصور النعمة واظهارها، وحقيقته الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه الطريقة.\rوههنا دقيقة وهي أن العبد إذا اشتغل بمطالعة أقسام نعم اللّه عز وجل عليه، وأنواع فضله وكرمه وإحسانه اليه اشتغل بشكر تلك النعم، وذلك يوجب المزيد، وبذلك يتأكد محبة العبد للّه عز وجل وهو مقام شريف ومقام أعلى منه، وهو أن يشغله حب النعم عن الالتفات إلى المنعم، وهذا مقام الصديقين نسأل اللّه القيام بواجب شكر النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرامة إحسانه وإنعامه اهـ.\rقوله: (دلّ عليه) أي: على هذا الجواب المحذوف، وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد، لأن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد اهـ بيضاوي.\rقوله: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا الخ لعله عليه السّلام إنما قال هذا عند ما عاين منهم دلائل العناد ومخائل الإصرار على الكفر والفساد، وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب اهـ أبو السعود.\rوقوله: إِنْ تَكْفُرُوا جواب الشرط محذوف أي: فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث","part":4,"page":135},{"id":1155,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 136\rحَمِيدٌ (8) محمود في صنعه بهم\rأَلَمْ يَأْتِكُمْ استفهام تقرير نَبَؤُا خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ قوم هود وَثَمُودَ قوم صالح وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ لكثرتهم جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الواضحة على صدقهم فَرَدُّوا أي الأمم أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أي إليها ليعضوا عليها من شدة الغيظ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم حرمتموها من مزيد الإنعام وعرضتموها للعذاب الشديد اهـ بيضاوي.\rقوله: جَمِيعاً أي: من الثقلين. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌ أي: عن شكركم وإيمانكم.\rحَمِيدٌ أي: مستحق للحمد في ذاته محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمه ذوات المخلوقين اهـ بيضاوي.\rقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ من كلام موسى أيضا أو كلام مبتدأ من اللّه اهـ بيضاوي.\rقوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مبتدأ، وقوله: لا يَعْلَمُهُمْ الخ خبره، والجملة اعتراض بين المفسر بفتح السين، وهو نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وتفسيره وهو جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ الخ، أو الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ عطف على ما قبله وهو قوم نوح، أو الذين من قبلكم، وقوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ اعتراض كما ذكر اهـ بيضاوي بإيضاح.\rوعبارة السمين: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يجوز أن يكون عطفا على الموصول الأول، أو على المبدل منه، وأن يكون مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلا اللّه، وجاءتهم خبر آخر، وعلى ما تقدم يكون لا يعلمهم حالا من الذين أو من الضمير المستكن في من بعدهم لوقوعه صلة اهـ.\rقوله: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ الخ مستأنف في جواب سؤال كأنه قيل: وما خبرهم أي: ما قصتهم وما شأنهم. فقال: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ الخ. وهذا في المعنى تفسير لنبأ الذين من قبلهم اهـ شيخنا.\rقوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ في معنى الأيدي والأفواه قولان.\rأحدهما: أن المراد به هاتان الجارحتان المعلومتان، ثم في معنى ذلك وجوه قال ابن عباس:\rعضوا على أيديهم غيظا أو عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال مجاهد، وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به. يقال: رددت قول فلان في فيه أي كذبته، وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم إلى أفواه أنفسهم يعني: إنهم وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة منهم إلى الرسل أن اسكتوا، وقال مقاتل: ردوا أيديهم على أفواه الرسل بسكوتهم بذلك. وقيل: إن الأمم لما سمعوا كلام الرسل عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم، كما يفعل الذي غلبه الضحك.\rالقول الثاني: أن المراد بالأيدي والأفواه غير الجارحتين فقيل: المراد بالأيدي النعم، ومعناه ردوا ما لو قبلوه لكان نعمة عليهم، يقال لفلان: عندي يد أي نعمة. والمراد بالأفواه تكذيبهم الرسل، والمعنى كذبوهم بأفواههم وردوا قولهم. وقيل: إنهم كفوا عن قبول ما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا. يقال: فلان رد يده إلى فيه إذا أمسك عن الجواب فلم يجب، وهذا القول فيه بعد لأنهم قد جاؤوا بالتكذيب، وهو أن الأمم ردوا على رسلهم وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا الخ اهـ خازن.\rقوله: (ليعضوا عليها) بفتح العين وضمها. وفي المصباح: عضضت اللقمة وبها وعليها عضا","part":4,"page":136},{"id":1156,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 137\rوَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) موقع في الريبة\r* قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌ استفهام إنكار أي لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه فاطِرِ خالق السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ إلى أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تعب في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نفع لغة قليلة، وفي أفعال ابن القطاع من باب قتل اهـ.\rقوله: إِنَّا كَفَرْنا إن مخففة من الثقيلة وأدغمت نونها في نون إنّا الذي هو اسمها، ويصح أن تكون المشددة، فلما اتصلت بنون الضمير اجتمع ثلاثة أمثال فحذفت واحدة منهن لتوالي الأمثال والمحذوف، إما الثانية من نوني إن المشددة، وإما نون الضمير وكذا يقال في قوله: وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ.\rقوله: (في زعمكم) أي: وإلا فهم لم يعترفوا برسالة رسلهم وإلا لكانوا مؤمنين اهـ خازن.\rقوله: وَإِنَّا لَفِي شَكٍ انظر كيف هذا مع جزمهم بالكفر أو لا إلا أن يقال كانوا فرقتين، إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت أو يقال المراد بقولهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي:\rالمعجزات والبينات، وبقولهم مما تدعوننا إليه الإيمان والتوحيد. وحاصله: أن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد فلا تخالف اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: فإن قيل: إنهم لما ذكروا أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون في صحة قولهم؟ فالجواب: كأنهم قالوا إنا كنا كافرين برسالتكم، وإن لم ندع هذا الجزم واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى هذا التقدير فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم اهـ.\rوعبارة الخازن: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل، فكأنهم حصل لهم شبهة توجب لهم الشك، فقالوا: إن لم تدع الجزم في كفرنا فلا أقل من أن نكون شاكرين مرتابين في ذلك انتهت.\rقوله: مِمَّا تَدْعُونَنا فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، فهو مسند لواو الجماعة، ونا مفعول به، وهذا بخلاف ما في سورة هود من قوله: مِمَّا تَدْعُونا فإن ذلك مسند لفرد وهو ضمير صالح عليه السّلام فهو مرفوع بضمة مقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، والفاعل ضمير مستتر يعود على صالح تقديره أنت، وأنا مفعول به اهـ شيخنا.\rقوله: (في الريبة) وهي قلق النفس ولا تطمئن إلى الشيء اهـ بيضاوي.\rقوله: قالَتْ رُسُلُهُمْ أي: جوابا لقولهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ الخ، وهو استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقال، كأنه قيل: فماذا قالت رسلهم؟ فأجيب: بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء أفي اللّه شك الخ، وأدخلت همزة الانكار على الظرف، لأن الكلام في المشكوك فيه لا في الشك أي: إنما ندعوكم إلى اللّه، وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة وظهور دلالتها عليه، وأشار إلى ذلك بقوله: فاطِرِ السَّماواتِ [الأنعام: 14 ويوسف: 101 وفاطر: 1 والزمر: 46 والشورى: 11] اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: يجوز في شك وجهان: أظهرهما: أنه فاعل بالجار قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه مبتدأ وخبره الجار، والأول أولى بل كان ينبغي أن يتعين لأنه يلزم من","part":4,"page":137},{"id":1157,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 138\rطاعته لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ من زائدة فإن الإسلام يغفر به ما قبله أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد وَيُؤَخِّرَكُمْ بلا عذاب إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أجل الموت قالُوا إِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) حجة ظاهرة على صدقكم\rقالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ ما نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ كما قلتم وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى الثاني الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المبتدأ بخلاف الأول، فإن الفاصل ليس أجنبيا إذ هو فاعل والفاعل كالجزء من رافعه اهـ.\rقوله: (عليه) أي: على توحيده. قوله: فاطِرِ الخ من جملة الدلائل على التوحيد، وقوله:\rيَدْعُوكُمْ جملة حالية أي: يدعوكم إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا، كما يوهمه قولكم مما تدعوننا إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: لِيَغْفِرَ اللام متعلقة بالدعاء أي: لأجل غفران ذنوبكم، ويجوز أن تكون اللام للتعدية كقولك دعوتك لزيد اهـ سمين.\rقوله: (من زائدة) هو مبني على ما أجازه الأخفش وأبو عبيدة من زيادتها في الايجاب، وجمهور البصريين لا يجيزون زيادتها إلا في النفي إذا جرت نكرة، ومن ثم جعلها بعضهم للبدل أي: بدل عقوبة ذنوبكم، ويحتمل أن يضمن يغفر معنى يخلص أي: يخلصكم من ذنوبكم، ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب، وهو أولى من دعوى زيادتها. وقوله: (أو تبعيضية الخ) أي: بعض ذنوبكم، وهو ما بينهم وبين اللّه تعالى من حقوقه سبحانه وتعالى دون المخلوق اهـ كرخي.\rقوله: وَيُؤَخِّرَكُمْ الخ معلق في المعنى كما تقتضيه الآية على الإيمان، ومعلوم أن الإيمان لا يترتب عليه تأخير الموت، فلذلك أجاب الشارح عن هذا بقوله: (بلا عذاب)، فالتأخير المترتب على الإيمان إنما هو تأخير العذاب أي: نفي العذاب الذي يصيب الكفرة في الدنيا كالخسف وغيره عنهم إذا آمنوا اهـ.\rقوله: إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي: لا فضل لكم علينا فلم تختصون بالنبوة دوننا، ولو شاء اللّه أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل منهم. وقوله: فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: يدل على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزية، أو على صحة ادعائكم النبوة كأنهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج، واقترحوا عليهم آية أخرى تعنتا ولجاجا في الكفر اهـ بيضاوي.\rقوله: تُرِيدُونَ يجوز أن يكون صفة ثانية لبشر وحمل على معناه لأنه بمنزلة القوم والرهط، كقوله: أبشر يهدوننا، وأن يكون مستأنفا. وقوله: أَنْ تَصُدُّونا. العامة على تخفيف النون وهي نون الضمير ونون الرفع محذوفة للناصب، وقرأ طلحة بالتشديد على ثبوت نون الرفع وادغامها في نون الضمير، وفيه تخريجان، أحدهما: أن أن مخففة من الثقيلة لا ناصبة. والثاني: أنها المصدرية وأهملت حملا لها على ما المصدرية اهـ سمين.\rقوله: قالَتْ لَهُمْ الخ سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل اللّه تعالى اهـ بيضاوي.","part":4,"page":138},{"id":1158,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 139\rمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بالنبوة وَما كانَ ما ينبغي لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره لأنا عبيد مربوبون وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) يثقوا به\rوَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ أي لا مانع لنا من ذلك وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا على أذاكم وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَ لتصيرن فِي مِلَّتِنا قوله: وَما كانَ الخ جواب لقولهم فأتونا الخ. ولنا: خبر كان مقدم، وأن نأتيكم بسلطان اسمها مؤخر، وبإذن اللّه حال، والباء للملابسة اهـ.\rقوله: (بأمره) أي: أمره لنا بالإتيان أي: إذنه لنا فيه، وفسر غيره الأمر بالإرادة، وهو أوضح.\rوقوله: (مربوبون) أي: مقهورون. قوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: في الصبر على معاداتكم، وعمموا الأمر للاشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا اهـ بيضاوي.\rفقوله: الْمُؤْمِنُونَ أي: الرسل وأتباعهم، وقوله وَما لَنا الخ فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لا مانع لنا) أي: لا عذر لنا في عدم التوكل عليه، وأشار بهذا إلى أن الاستفهام انكاري، وعبارة البيضاوي: أي أي عذر لنا في أن لا نتوكل على اللّه اهـ.\rوفي القرطبي: ما استفهام في موضع رفع بالابتداء، ولنا الخبر، وما بعدها في موضع الحال، والتقدير: أي: شيء لنا في ترك التوكل على اللّه والحال أنه قد هدانا الخ اهـ.\rفقول الشارح أي لا مانع لنا من ذلك المانع فيه بمعنى العذر، ومن بمعنى في أي: لا عذر لنا في ذلك أي في عدم التوكل. قوله: سُبُلَنا بسكون الباء وضمها سبعيتان أي: طرقه التي نعرفه بها، ونعلم أن الأمور كلها بيده اهـ بيضاوي.\rوعبارة أبي السعود: وَقَدْ هَدانا أي: والحال أنه قد فعل بنا ما يوجبه ويستدعيه حيث هدانا سبلنا أي: أرشد كلامنا سبيله ومنهاجه الذي شرع له، وأوجب عليه سلوكه في الدين، وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل، قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة: ولنصبرن على ما آذيتمونا بالعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه اهـ.\rقوله: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا جواب قسم محذوف أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (على أذاكم) إشارة إلى أن ما مصدرية وهو الأرجح لعدم الحاجة إلى رابط ادعى حذفه على غير قياس، ويجوز أن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج، إذ الأصل آذيتمونا به، ثم حذفت الباء فوصل الفعل إليه بنفسه اهـ كرخي.\rقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: فليدوموا ويثبتوا على التوكل عليه، والتوكل الأول بمعنى استحداث التوكل وإنشائه، فالتوكلان مختلفان اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ الخ لعل هؤلاء القائلين هم المتمردون العريقون في الكفر","part":4,"page":139},{"id":1159,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 140\rديننا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) الكافرين\rوَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ أرضهم مِنْ بَعْدِهِمْ بعد هلاكهم ذلِكَ النصر وإيراث الأرض لِمَنْ خافَ مَقامِي أي مقامه بين يدي وَخافَ وَعِيدِ (14) بالعذاب\rوَاسْتَفْتَحُوا استنصر الرسل باللّه على قومهم وَخابَ خسر من أولئك الأمم الكافرة الذين تقدمت مقالتهم الشنيعة في قوله: وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: 9] الخ ولذلك لم يقل وقالوا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (لتصيرن) جواب عما يقال إن العود يقتضي سبقية التلبس بما يعاد اليه، والرسل لم يسبق منهم تلبس بدين الكفرة أصلا لاستحالته في حقهم. وحاصل الجواب أن المراد بالعود الصيرورة أي:\rلتصيرن داخلين في ملتنا اهـ شيخنا.\rقوله: (ديننا) أي: الشرك. قوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي: إلى الرسل، أي: بعد هذه المخاطبات والمحاورات اهـ خازن.\rقوله: ذلِكَ إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين اهـ بيضاوي.\rوهو بمعنى ما قاله الشارح: وذلك مبتدأ خبره لمن خاف اهـ سمين.\rقوله: (أي مقامه بين يدي) أي: موقفه عندي في القيامة أشار إلى أن المقام اسم مكان. وفي السمين: ومقامي فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مقحم وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم. الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل. قال الفراء: مقامي مصدر مضاف لفاعله أي: قيامي عليه بالحفظ .. الثالث: أنه اسم مكان. قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدي للحساب كقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ [الرحمن: 46] اهـ.\rقوله: وَخافَ وَعِيدِ (بالعذاب) أو عذابي الموعود للكفار، على أن يكون الوعيد بمعنى الموعود، وهذا الآية تدل على أن الخوف من اللّه غير الخوف من وعيده، لأن العطف يقتضي التغاير اهـ كرخي.\rوقوله: وَعِيدِ أثبت الياء هنا، وفي (ق) في موضعين كل كذب الرسل فحق وعيد، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد وصلا وحذفهاه وفقا. ورش عن نافع، وحذفها الباقون وصلا ووقفا اهـ سمين.\rقوله: وَاسْتَفْتَحُوا وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا اللّه ودعوا عليهم بالعذاب اهـ خازن.\rوالعامة على استفتحوا فعلا ماضيا، وفي ضميره أقوال، أحدها: أنه عائد على الرسل الكرام، ومعنى الاستفتاح الاستنصار كقوله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال: 19] وقيل:\rطلب الحكم من الفتاحة. الثاني: أن يعود على الكفار أي: استفتح أمم الرسل عليهم كقوله: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: 32]. وقيل: عائد على الفريقين، لأن كلا طلب النصر على صاحبه، وقيل: يعود على قريش لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف، وأما على غيره من الأقوال فهو عطف على قوله: فأوحى إليهم ربهم. وقرأ ابن عباس،","part":4,"page":140},{"id":1160,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 141\rكُلُّ جَبَّارٍ متكبر عن طاعة اللّه عَنِيدٍ (15) معاند للحق\rمِنْ وَرائِهِ أي أمامه جَهَنَّمُ يدخلها وَيُسْقى فيها مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (16) هو ما يسيل من جوف أهل النار مختلطا بالقيح والدم\rيَتَجَرَّعُهُ يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ يزدرده لقبحه وكراهته وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ أي أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ بعد ومجاهد وابن محيصن واستفتحوا بكسر التاء الثانية على لفظ الأمر أمرا للرسل بطلب النصرة، وهي مقوية لعوده في المشهورة على الرسل. والتقدير قال لهم لنهلكن وقال لهم استفتحوا اهـ سمين.\rوفي القاموس: والفتح كالفتاحة بضم الفاء وكسرها الحكم بين الخصمين اهـ.\rقوله: وَخابَ معطوف على مقدر أي: فنصروا وسعدوا وربحوا وخاب كل جبار عنيد.\rيعني: وخسر. وقيل: هلك كل جبار، والجبار في صفة الإنسان يقال لمن تجبر بنفسه بادعاء منزلة علية لا يستحقها، وهو صفة ذم في حق الإنسان، وقيل: الجبار الذي لا يرى فوقه أحدا، وقيل: الجبار المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه. والعنيد: المعاند للحق ومجانبه، قاله مجاهد. وقال ابن عباس:\rهو المعرض عن الحق، وقال مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي يأبى أن يقول لا إله إلا اللّه، وقيل: هو المعجب بما عنده، وقيل: هو الذي يعاند ويخالف اهـ خازن.\rقوله: (معاند للحق) أشار إلى أن فعيلا بمعنى فاعل كالخليط بمعنى المخالط اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ جملة في محل جر صفة لجبار، ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار، وجهنم فاعل به، وقوله: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صفة معطوفة على الصفة قبلها عطف جملة فعلية على اسمية، فإن جعلت الصفة هي الجار وحده وعلقته بفعل كان من عطف فعلية على فعلية، وقيل: عطف على محذوف أي: يلقى فيها ويسقى اهـ سمين.\rوعلى هذا جرى الجلال حيث قدر يدخلها. قوله: (أي أمامه) فالوراء يستعمل في الضدين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وراء هنا على بابها. وقيل: بمعنى أمام فهو من الأضداد، وبهذا عنى الزمخشري بقوله: من بين يديه، وقال ثعلب: هو اسم لما توراى عنك سواء كان خلفك أو قدامك اهـ.\rقوله: صَدِيدٍ عطف بيان أو بدل من ماء. قوله: (ما يسيل الخ) وقال محمد بن كعب القرظي:\rهو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر اهـ خازن.\rقوله: يَتَجَرَّعُهُ أي: يكلف تجرعه ويقهر عليه، وقوله: (مرة الخ) أخذه من صيغة التفعل.\rوفي السمين: قوله: يَتَجَرَّعُهُ يجوز أن تكون الجملة صفة لماء، وأن تكون حالا من الضمير في يسقى، وأن تكون مستأنفة وتجرع تفعل، وفيه احتمالات، أحدها: أنه مطاوع جرعته بالتشديد نحو علمته فتعلم. والثاني: أن يكون للتكلف نحو تحلم أي: يتكلف جرعه ولم يذكر الزمخشري غيره.\rالثالث: أنه دال على المهلة نحو تفهمته أي: يتناوله شيئا فشيئا بالجرع كما يتفهم شيئا بالتفهيم.\rالرابع: أنه بمعنى جرعه المجرد نحو عدوت الشيء وتعديته اهـ.","part":4,"page":141},{"id":1161,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 142\rذلك العذاب عَذابٌ غَلِيظٌ (17) قوي متصل\rمَثَلُ صفة الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ مبتدأ ويبدل وفي أبي السعود: يَتَجَرَّعُهُ قيل هو صفة لماء أو حال منه، والأظهر أنه استئناف مبني على السؤال، كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه أي: يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لغلبة العطش، واستيلاء الحرارة عليه. يكاد يسيغه أي: لا يقارب أن يسيغه فضلا عن الإساغة، بل يغص به فيشربه بعد التي واللتيا جرعة غب جرعة، فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحال، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس، ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعا. وقيل: لا يكاد يدخله في جوفه. وعبّر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة وهي حال من فاعل يتجرعه، أو من مفعوله، أو منهما جميعا اهـ.\rوفي الخازن: قال بعض المفسرين: إن كاد صلة والمعنى يتجرعه ولا يسيغه، وقال صاحب الكشاف: دخل كاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة. وقال بعضهم: ولا يكاد يسيغه أي: يسيغه بعد إبطاء، لأن العرب تقول: ما كدت أقوم أي: قمت بعد إبطاء، فعلى هذا كاد على أصلها وليست بصلة. وقال ابن عباس: معناه لا يجيزه، وقيل: معناه يكاد لا يسيغه ويسيغه ليغلي في جوفه.\rعن أبي أمامة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال: «يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. كما قال: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: 15] وقال: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف: 29]» أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. وقوله: وقعت فروة رأسه إنما شبهها بالفروة للشعر الذي عليها اهـ.\rقوله: (أي أسبابه) عبارة الخازن: يعني أن الكافر يجد ألم الموت وشدته من كل مكان من أعضائه، وقال إبراهيم السهمي: حتى من تحت كل شعره من جسده، وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته ومن يمينه ومن شماله، وما هو بميت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة اهـ.\rقوله: (بعد ذلك العذاب) أشار إلى أن الضمير في ورائه للعذاب المتقدم، وقيل: عائد على كل جبار كما في السمين، وفي البيضاوي: وَمِنْ وَرائِهِ أي: من بين يديه عذاب غليظ أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس اهـ.\rقوله: (متصل) أي: متصل بعضه ببعض لا ينقطع ولا يفتر.\rقوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ هذا كلام مستأنف منقطع عما قبله، وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه تقديره فيما نقص أو فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وقوله: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ جملة من مبتدأ وخبر في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: وما ذلك المثل اهـ خازن.\rلكن جرى الشارح على غير هذا حيث قال: ويبدل منه أي: بدل اشتمال أو بدل كل، وعليه فيكون الكلام جملة واحدة. وفي السمين: قوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه أوجه، أحدها: وهو مذهب","part":4,"page":142},{"id":1162,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 143\rمنه أَعْمالُهُمْ الصالحة كصلة وصدقة في عدم الانتفاع بها كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ شديد هبوب الريح فجعلته هباء منثورا لا يقدر عليه، والمجرور خبر المبتدأ لا يَقْدِرُونَ أي الكفار مِمَّا كَسَبُوا عملوا في الدنيا عَلى شَيْءٍ أي لا يجدون له ثوابا لعدم شرطه ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الهلاك الْبَعِيدُ (18)\rأَلَمْ تَرَ تنظر يا مخاطب استفهام تقرير أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله أعمالهم كرماد مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مثلهم؟ فقيل: كيت وكيت. والثاني: أن يكون مثل مبتدأ وأعمالهم مبتدأ ثان وكرماد خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول. الثالث: أن يكون مثل مبتدأ وأعمالهم بدل منه بدل اشتمال وكرماد الخبر اهـ.\rقوله: (الصالحة كصلة الخ) عبارة الخازن: اختلفوا في هذه الأعمال ما هي؟ فقيل: هي ما عملوه من أعمال الخير في حال الكفر كالصدقة، وصلة الأرحام، وفك الأسير، واقراء الضيف، وبرّ الوالدين ونحو ذلك من أعمال البر والصلاح، فهذه الأعمال وإن كانت أعمال برّ لكنها لا تنفع صاحبها يوم القيامة بسبب كفره، لأن كفره أحبطها وأبطلها كلها. وقيل: المراد بالأعمال عبادتهم الأصنام التي طلبوا أنها تنفعهم فبطلت وحبطت ولم تنفعهم البتة، ووجه خسرانهم أنها أتعبوا أبدانهم في الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها، فصارت وبالا عليهم. وقيل: أراد بالأعمال الأعمال التي عملوها في الدنيا وأشركوا فيها غير اللّه، فإنها لا تنفعهم لأنها صارت كالرماد الذي ذرته الريح وصار هباء لا ينتفع به اهـ.\rقوله: كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ أي: حملته وأسرعت الذهاب به اهـ بيضاوي.\rوالرماد: معروف وهو ما سحقته النار من الأجرام، وجمعه في الكثرة على رمد وفي القلة على أرمد اهـ سمين.\rقوله: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ في الإسناد تجوز كما أشار له الشارح. وفي البيضاوي: العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة، كقولهم نهاره صائم وليله قائم. شبهت صنائعهم جمع صنيعة من الصدقة، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها لبنائها على غير أساس من معرفة اللّه تعالى وتوحيده برماد طيرته الريح العاصف انتهت.\rووجه الشبه أن الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا يبقى لها أثر اهـ زاده.\rوقد بين مقصوده ومحصله بقوله: لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ. قوله: (أي لا يجدون له ثوابا) عبارة أبي السعود: أي: لا يرون له أثرا من ثواب أو تخفيف عذاب، كدأب الرماد المذكور وهو فذلكة التمثيل اهـ.\rقوله: (لعدم شرطه) وهو الإيمان. قوله: ذلِكَ أي: ما دلّ عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شيء هو الضلال البعيد عن طريق الحق والصواب، أو عن فعل الثواب اهـ أبو السعود.","part":4,"page":143},{"id":1163,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 144\rالسَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ متعلق بخلق إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الناس وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) بدلكم\rوَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) شديد\rوَبَرَزُوا خرجوا أي الخلائق والتعبير فيه وفيما بعده بالماضي لتحقق وقوعه لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا المتبوعين إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً جمع تابع فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ دافعون عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من الأولى للتبيين قوله: (متعلق بخلق) أي: على أن الباء للسببية أو المصاحبة أي: خلقا ملتبسا بالحق أي:\rالحكمة وليس عبثا أو خلقا بسبب ولأجل الحق أي: الحكمة اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: وبالحق متعلق بخلق على أن الباء سببية، أو بمحذوف على أنها حالية إما من الفاعل أي: محقا وإما من المفعول أي: ملتبسة بالحق اهـ.\rقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني أيها الناس، ويأت بخلق جديد سواكم أطوع للّه منكم، والمعنى الذي قدر على خلق السموات والأرض قادر على إفناء قوم وإماتتهم وإيجاد خلق آخرين سواهم، لأن القادر لا يصعب عليه شيء، وقيل: هذا خطاب لكفار مكة يريد يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعدمكم ويخلق خلقا آخر مكانكم رتب ذلك على كونه خالقا للسموات والأرض استدلالا به عليه، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تحقيقهم، ثم أوجدهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع قادر أن يبدلهم بخلق آخر، ولم يمتنع عليه ذلك كما قال وما ذلك على اللّه بعزيز أي: بمعتذر أو متعسر، فإنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه كان حقيقا بأن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفا من عقابه يوم الجزاء.\rقوله: وَما ذلِكَ أي: الاذهاب الاتيان.\rقوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً يعني وخرجوا من قبورهم إلى اللّه ليحاسبهم ويجازيهم على قدر أعمالهم، والبراز بالفتح الفضاء، وبرز حصل في البراز، وذلك بأن يظهر بذاته كلها، والمعنى وخرجوا من قبورهم وظهروا إلى الفضاء، ومن برز حصل في البراز، وأورد بلفظ الماضي وان كان معناه الاستقبال، لأن كل ما أخبر اللّه عنه فهو حق وصدق كائن لا محالة، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود اهـ خازن.\rقوله: فَقالَ الضُّعَفاءُ أي: في الرأي، وقوله: تَبَعاً أي: في الدين الاعتقاد اهـ خازن.\rأي: وفي تكذيب ارسل والاعراض عن نصيحتهم، وقوله: (جمع تابع) كخدم، قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ أي: في هذا اليوم والاستفهام للتوبيخ اهـ.\rقوله: (من الأولى للتبيين) أي: للشيء الذي بعدها، فقدم البيان على المبين. والتقدير مغنون عنا بعض شيء هو أي: ذلك البعض عذاب اللّه. وعبارة السمين: في من ومن أوجه، أحدها: أن من الأولى للتبيين. والثانية للتبعيض تقديره مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب اللّه قاله الزمخشري.\rالثاني: أن يكونا للتبعيض معا بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب اللّه. أي: مغنون","part":4,"page":144},{"id":1164,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 145\rوالثانية للتبعيض قالُوا أي المتبوعين لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ لدعوناكم إلى الهدى سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ زائدة مَحِيصٍ (21) ملجأ\rوَقالَ الشَّيْطانُ إبليس لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واجتمعوا عليه إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ عنا بعض عذاب اللّه قاله الزمخشري أيضا. الثالث: أن من في من شيء مريدة، ومن في من عذاب اللّه تتعلق بمحذوف لأنها في الأصل صفة لشيء، فلما تقدمت نصبت على الحال اهـ.\rقوله: قالُوا أي: جوابا عن معاتبة الأتباع واعتذارا عما فعلوا بهم لو هدانا اللّه للإيمان في الدنيا لهديناكم ولكن ضللنا فأضللناكم أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا اهـ بيضاوي.\rقوله: سَواءٌ عَلَيْنا الخ فيه قولان، أحدهما: أنه من كلام المستكبرين. والثاني: أنه من كلام المستكبرين والضعفاء معا، وجاءت كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلا من المعاني مستقل بنفسه كاف في الاخبار، وقد تقدم الكلام في التسوية والهمزة بعده في أول البقرة اهـ سمين.\rوقوله: سَواءٌ خبر مقدم، وقوله: أَجَزِعْنا مبتدأ مؤخر أو بالعكس أي: مستو علينا الجزع والصبر ما لنا من محيص ملجأ ومهرب من العذاب من الحيص، وهو العدول على وجهة الفرار، وهو يحتمل أن يكون مكانا كالمبيت ومصدرا كالمغيب، ويجوز أن يكون قوله: سَواءٌ عَلَيْنا من كلام الفريقين، ويؤيده ما روي أنهم يقولون تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم. فيقولون:\rتعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون سواء علينا الخ اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: وجزع الرجل جزعا من باب تعب فهو جزع وجزوع مبالغة إذا ضعف عن حمل ما نزل به، ولم يجد صبرا وأجزعه غيره اهـ.\rوفي المختار: حاص عنه عدل وحاد وبابه باع، وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصا بفتح الياء يقال ما عنه محيص، أي: محيد ومهرب والانحياص مثله اهـ.\rقوله: (زائدة) أي: في المبتدأ. وقوله: (ملجأ) أي: محل نهرب فيه.\rقوله: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ يعني فرغ منه أخذ أهل النار في لوم ابليس وتقريعه وتوبيخه فيقوم فيها خطيبا. قال مقاتل: يوضع له منبر في النار من نار فيجتمع عليه أهل النار يلومونه فيقول لهم: ما أخبر اللّه تعالى بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ الخ اهـ خازن.\rوروى القرطبي أنهم يقولون له اشفع لنا، فإنك أضللتنا فيقوم خطيبا ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ الخ اهـ شهاب.\rقوله: (و أدخل الخ) عبارة البيضاوي: أي أحكم وفرغ منه اهـ.\rوهو معنى قول الشارح، وأدخل الخ أو المراد بالأمر قضاء اللّه وحكمه في أهل الموقف اهـ.\rقوله: وَعْدَ الْحَقِ أي: وعدا من حقه أن ينجز أو وعدا أنجزه اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: يجوز أن يكون من اضافة الموصوف لصفته أي: الوعد الحق، وأن يراد بالحق","part":4,"page":145},{"id":1165,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 146\rبالبعث والجزاء فصدقكم وَوَعَدْتُكُمْ أنه غير كائن فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ زائدة سُلْطانٍ قوة وقدرة أقهركم على متابعتي إِلَّا لكن أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ على إجابتي ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ بمغيثكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ بفتح الياء صفة الباري تعالى أي: وعدكم اللّه تعالى وعده، وأن يراد بالحق البعث والجزاء على الأعمال، فتكون إضافة صريحة اهـ.\rقوله: (فصدقكم الخ) أشار إلى أن في الكلام إضمارا من وجهين، الأول: التقدير إن اللّه وعدكم وعد الحق فصدقكم، ووعدتكم فأخلفتكم، وحذف لدلالة الحال على صدق ذلك الوعد لأنهم شاهدوه. والثاني: قوله: وعدتكم فأخلفتكم الوعد يقتضي مفعولا ثانيا، وحذف للعلم به تقديره ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب اهـ كرخي.\rقوله: (أنه) أي: ما ذكر من البعث والجزاء غير كائن أي: غير واقع. قوله: فَأَخْلَفْتُكُمْ أي:\rتبين خلف وعدي فجعل تبين خلف وعده كإخلافه منه اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ (زائدة) أي: في اسم كان، وقوله: أقهركم المقام للفاء كما عبر بها البيضاوي.\rقوله: إِلَّا (لكن الخ) أي: فالاستثناء منقطع. وفي السمين: فيه وجهان، أظهرهما: أنه استثناء منقطع لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة. والثاني: أنه متصل لأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهو نوع من التسلط اهـ.\rقوله: دَعَوْتُكُمْ أي بتسويلي وهو ليس من جنس السلطان اهـ بيضاوي.\rقوله: فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي: أجبتموني. عبارة البيضاوي: أسرعتم في إجابتي فلا تلوموني بالوسوسة، فان من صرح بالعداوة لا يلام بأمثال ذلك اهـ.\rوعبارة الخازن: يعني ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة، وقد سمعتم دلائل اللّه جاءتكم الرسل، وكان من الواجب عليكم ألّا تلتفتوا إليّ ولا تسمعوا قولي، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة، فكان اللوم بكم أولى لمتابعتكم لي من غير حجة ولا دليل. ما أنا بمصرخكم يعني بمغيثكم ولا منقذكم، وما أنتم بمصرخي يعني بمغيثي ولا منقذي مما أنا فيه. إني كفرت بما أشركتموني من قبل يعني: كفرت بجعلكم إياي شريكا له في عبادته، وتبرأت من ذلك، والمعنى: أن إبليس جحد ما يعتقده الكفار فيه من كونه شريكا للّه وتبرأ من ذلك انتهت.\rقوله: (على إجابتي) أي: ومخالفة ربكم. قوله: (بمغيثكم) أي: من العذاب، وقوله:\rبِمُصْرِخِيَ أي: بمغيثي من العذاب. وفي المصباح: صرخ يصرخ من باب قتل صراخا فهو صارخ، وصريخ إذا صاح وصرخ فهو صارخ إذا استغاث، واستصرخته فأصرخني استغثت به فأغاثني فهو صريخ أي: مغيث ومصرخ على القياس اهـ.\rقوله: (بفتح الياء وكسرها) سبعيتان والأصل بمصرخين لي جمع مصرخ كمسلمين جمع مسلم.","part":4,"page":146},{"id":1166,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 147\rوكسرها إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ بإشراككم إياي مع اللّه مِنْ قَبْلُ في الدنيا. قال تعالى إِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22) مؤلم\rوَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ حال مقدرة فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها من اللّه ومن الملائكة وفيما بينهم سَلامٌ (23)\rأَلَمْ تَرَ تنظر كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه كَلِمَةً طَيِّبَةً أي لا إله إلا فياء الجمع ساكنة، وياء الإضافة كذلك فحذفت اللام للتخفيف والنون للإضافة، فالتقى ساكنان وهما الياءان، فأدغمت ياء الجمع في ياء الإضافة، ثم حركت ياء الإضافة بالفتح على القراءة الأولى طلبا للخفة وتخلصا من توالي ثلاث كسرات، وكسرت على الثانية على أصل التخلص من التقاء الساكنين أو إتباعا لكسرة الخاء اهـ.\rقوله: إِنِّي كَفَرْتُ أي: الآن أي: جحدت وأنكرت بما أشركتموني، وقوله: (بإشراككم إياي مع اللّه) أي: من الإطاعة حيث أطعتموني كما أطعتموه، قوله: مِنْ قَبْلُ متعلق بأشركتموني، والمعنى تبرأت منه واستنكرته اهـ بيضاوي بإيضاح.\rقوله: (بإشراككم إياي مع اللّه) أي: في الطاعة، لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشرّ كما يطاع اللّه في أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته، أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها باتباعه لهم في ذلك، فكأنهم أشركوه اهـ شهاب.\rوفي السمين: ومعنى إشراكهم الشيطان باللّه طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان اهـ.\rقوله: (قال تعالى) إِنَّ الظَّالِمِينَ الخ وقيل: إنه من بقية كلام إبليس اهـ بيضاوي.\rقوله: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما شرح اللّه عز وجل حال الكفار الأشقياء بما تقدم من الآيات الكثيرة شرح أحوال المؤمنين السعداء وما أعد لهم في الآخرة من الأجر الجزيل الدائم بقوله: وَأُدْخِلَ الخ أي: أدخلتهم الملائكة اهـ خازن.\rقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق بأدخل، وهذا تعظيم لذلك الأجر، وكذا قوله: تَحِيَّتُهُمْ الخ اهـ من الخازن.\rقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لما شرح اللّه عز وجل أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ضرب مثلا فيه حكم هذين القسمين، فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ، أي: بعين قلبك فتعلم علم يقين بإعلامي إياك، فعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب فيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويدخل معه غيره، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، فيكون المعنى ألم تر أيها الإنسان كيف ضرب اللّه مثلا يعني شبها، والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة لتبيين أحدهما من الآخر وتصويره. وقيل: هو على قول سائر المفسرين تشبيه شيء بشيء آخر اهـ خازن.\rوفي الخطيب: والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول اهـ.\rقوله: كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي: وضعه وبينه، وكيف منصوب على الحال من المفعول الذي هو مثلا، والتقدير: ألم تر ضرب اللّه مثلا حالة كونه كيف: أي: حال كونه مسؤولا عن حاله من","part":4,"page":147},{"id":1167,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 148\rاللّه كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ هي النخلة أَصْلُها ثابِتٌ في الأرض وَفَرْعُها غصنها فِي السَّماءِ (24)\rتُؤْتِي تعطي أُكُلَها ثمرها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها بإرادته كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن وعمله يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت وَيَضْرِبُ يبين اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) يتعظون فيؤمنون\rوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ هي كلمة الكفر كَشَجَرَةٍ غرابته وأحكامه وتوضيحه ونحو ذلك. قوله: (و يبدل منه الخ) يقال عليه أنه لا معنى لقولك ضرب اللّه كلمة طيبة إلا بضم مثلا إليه، فمثلا هو المقصود بالنسبة، فكيف يبدل منه غيره، وهذا بناء على ظاهر قول النحاة إن المبدل منه في نية الطرح، وهو غير مسلم. وهذا الوجه مبني على تعدي ضرب لمفعول واحد اهـ شهاب.\rقوله: (و يبدل منه) أي: للتفسير وهو بدل كل. قوله: (أي لا إله إلا اللّه) وقيل: كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة قاله الزمخشري اهـ كرخي.\rقوله: كَشَجَرَةٍ نعت لكلمة، هذا بناء منه على أن ضرب متعد لواحد بمعنى اعتمد مثلا ووضعه، فإن كان بمعنى صير فهو متعد لاثنين كلمة المفعول الأول، ومثلا المفعول الثاني بمعنى جعلها مثلا، وعلى هذا كشجرة خبر مبتدأ محذوف أي: هي كشجرة طيبة كما قاله ابن عطية، وأجازه الزمخشري، وبالأول بدأ الزمخشري اهـ كرخي.\rقوله: كُلَّ حِينٍ الحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقداره هنا فقال مجاهد، وعكرمة: الحين هنا سنة كاملة، لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة. وقال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن: ستة أشهر يعني من وقت طلعها إلى حين صرامها. وروي ذلك عن ابن عباس أيضا.\rوقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر يعني: أن مدة حملها باطنا وظاهرا ثمانية أشهر، وقيل: أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران يعني من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. وقال الربيع بن أنس: كل حين يعني كل غدوة وعشية، لأن ثمر النخلة يؤكل أبدا ليلا ونهارا وصيفا وشتاء، فتؤكل منها الجمار والطلع والبلح والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت اهـ خازن.\rقوله: (كذلك الخ) بيان لتقرير وجود الصفات الثلاث التي في جانب المشبه به في جانب المشبه، فوجه الشبه الاشتراك في مطلق هذه الثلاث، وإن كانت هي في النخلة حسية، وفي الكلمة معنوية اهـ شيخنا.\rقوله: (و عمله يصعد إلى السماء) قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة أن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالابدان اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني وتقريب لها من الحس اهـ بيضاوي.","part":4,"page":148},{"id":1168,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 149\rخَبِيثَةٍ هي الحنظل اجْتُثَّتْ استؤصلت مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) مستقر وثبات كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة\rيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ هي كلمة التوحيد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ أي في القبر لما يسألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم فيجيبون بالصواب كما في حديث الشيخين وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الكفار فلا يهتدون للجواب بالصواب بل يقولون لا ندري كما في الحديث وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27)\r* أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ أي شكرها كُفْراً هم كفار قريش وَأَحَلُّوا أنزلوا قَوْمَهُمْ بإضلالهم إياهم قوله: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ الخ تغيير الاسلوب حيث لم يقل: وضرب اللّه مثلا كلمة خبيثة الخ للإيذان بأن ذلك غير مقصود بالضرب والبيان اهـ أبو السعود.\rقوله: (هي كلمة الكفر) أي: كل ما دلّ على الكفر من الكلام. قوله: اجْتُثَّتْ صفة لشجرة، ومعنى اجتثت قلعت جثتها أي: شخصها وذاتها من فوق الأرض، والجثة شخص الإنسان قاعدا نائما.\rيقال: اجتثيت الشيء إذا قلعته فهو افتعال من لفظ الجثة، وجثثت الشيء قلعته اهـ سمين.\rوالمعنى على التشبيه أي: كأنها اجتثت، وكأنها غير ثابتة بالكلية، وكأنها ملقاة على وجه الأرض، وقوله: ما لَها مِنْ قَرارٍ بمنزلة التعليل، وذلك لأنها لا تغوص في الأرض، بل عروقها في وجه الأرض، ولا غصون لها تصعد إلى جهة السماء بل ورقها يمتد على الأرض كشجر البطيخ، وثمرها رديء. وفي الحقيقة تسميتها شجرة مجاز، لأن الشجر ما له ساق، والنجم ما لا ساق له وهي من النجم فتسميتها شجرة للمشاكلة اهـ شيخنا.\rقوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الخ راجع للمثل الأول، وقوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الخ راجع للمثل الثاني. قوله:\rبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ أي: الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم في الحياة الدنيا، فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم كزكريا، ويحيى، وجرجيس، وشمعون، وكالذين فتنهم أصححاب الأخدود، وفي الآخرة فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف، ولا تدهشهم أهوال القيامة اهـ بيضاوي.\rقوله: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: فلا يزلون عن دينهم إذا افتتنوا، ويأمنون فيها من الأسر والقتل وغير ذلك مما يعصمه الإسلام اهـ.\rقوله: (لما يسئلهم الملكان) الخ فيقولان في السؤال: من ربك، وما دينك، وما كنت تقول في هذا الرجل المبعوث؟ فيقول في الجواب: ربي اللّه، وديني الإسلام، وأشهد أن هذا الرجل عبد اللّه ورسوله اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ أي: من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير اعتراض عليه اهـ بيضاوي.\rقوله: أَلَمْ تَرَ تعجيب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي شكرها) بأن وضعوا الكفر مكانه، أو بدلوا نفس النعمة كفرا، فإنهم لما كفروها","part":4,"page":149},{"id":1169,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 150\rدارَ الْبَوارِ (28) الهلاك\rجَهَنَّمَ عطف بيان يَصْلَوْنَها يدخلونها وَبِئْسَ الْقَرارُ (29) المقر هي\rوَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً شركاء لِيُضِلُّوا بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِهِ دين الإسلام قُلْ لهم تَمَتَّعُوا بدنياكم قليلا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ مرجعكم إِلَى النَّارِ (30)\rقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا سلبت عنهم فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها، كأهل مكة خلقهم اللّه، وأسكنهم حرمه، وجعلهم قوام بيته، ووسع عليهم أبواب رزقه، وشرفهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين، وأسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا أذلاء مسلوبين من النعمة موصوفين بالكفر اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: قوله: (أي: شكرها) أي: شكر نعمته كمحمد وما جاء به، وهذا أحد الوجهين في الآية، وهو أنه على حذف مضاف، والثاني: أنهم بدلوا نفس النعمة كفرا، فالتبديل على الأول تغيير في الوصف، والنعمة باقية لكنها موصوفة بالكفران، وعلى الثاني تغيير في الذات والنعمة زائلة مبدلة بالكفر اهـ ملخصا من الكشاف اهـ.\rقوله: وَأَحَلُّوا أي: بعض قريش وهو قبيلتان منهم، وهما بنو المغيرة، وبنو أمية وقومهم هم بقية قريش اهـ من الخازن.\rوفي البيضاوي: وعن عمر وعلي هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين اهـ.\rقوله: قَوْمَهُمْ أي: اتباعهم بإضلالهم أي: بسببه. قوله: دارَ الْبَوارِ في المصباح: بار الشيء يبور بورا بالضم هلك، وبار الشيء بوارا كسد على الاستعارة، لأنه إذا ترك صار غير منتفع به فأشبه الهالك من هذا الوجه اهـ.\rقوله: يَصْلَوْنَها حال منها أو من القوم أي: داخلين فيها مقاسين لحرها اهـ بيضاوي.\rوأشار بقوله: مقاسين لحرها إلى أن المراد دخول مخصوص، وإلا فمطلق الدخول قد استفيد من قوله وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ. وفي المصباح: صلّى اللّه بالنار وصليها صلى من باب تعب وجد حرها، والصلاة وزان كتاب حر النار، وصليت اللحم أصليه من باب رمى شويته اهـ.\rقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً سبعيتان أي: ليضلوا بأنفسهم، وهذا على الفتح أو ليضلوا غيرهم، وهذا على الضم وليس الضلال والإضلال وغرضهم من اتخاذ الأنداد، لكن لما كان نتيجة جعل كالغرض اهـ بيضاوي ومحصله أن اللام للعاقبة.\rوفي أبي السعود: وليس ذلك غرضا حقيقيا لهم من اتخاذ الأنداد، لكن لما كان ذلك نتيجة له شبه بالغرض وأدخل عليه اللام بطريق الاستعارة والتبعية اهـ.\rقوله: (بدنياكم) أو بعبادتكم الأوثان، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد بصيغة الأمر بقوله: قل تمتعوا إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به اهـ بيضاوي.\rقوله: (قليلا) أخذه من المعنى والسياق، وإلّا فمادة التمتع لا تدل على القلة بحسب اللغة ..\rقوله: قُلْ لِعِبادِيَ الخ مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه أي: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا","part":4,"page":150},{"id":1170,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 151\rيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فداء فِيهِ وَلا خِلالٌ (31) مخالة أي صداقة تنفع، هو يوم القيامة\rاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان في جواب الأمر أي: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا الخ يقيموا وينفقوا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ويجوز أن يقدرا بلام الأمر ليصح تعلق القول بهما اهـ.\rأي: ليقيموا الصلاة يعني بالواجبة، وإقامتها إتمام أركانها اهـ خازن.\rوعبادي يقرأ بثبوت الياء مفتوحة وبحذفها لفظا لا خطا، والقراءتان سبعيتان ويجريان في خمسة مواضع من القرآن هذا. وقوله في سورة الأنبياء: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:\r105] وقوله في العنكبوت: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:\r56] وقوله في سبأ: قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] وقوله في سورة الزمر: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: 53] اهـ شيخنا.\rقوله: وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ قيل: أراد بهذا الانفاق إخراج الزكاة الواجبة، وقيل: أراد به جميع الانفاق في جميع وجوه الخير والبر وحمله على العموم أولى ليدخل فيه إخراج الزكاة الانفاق في جميع وجوه البر، وقوله: سِرًّا يعني ينفقوا أموالهم في حال السر وحال العلانية وقيل: أراد بالسر صدقة التطوع وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة اهـ خازن.\rوسرا وعلانية منصوبان على المصدرية أي: انفاق سر وعلانية، أو على الحال أي ذوي سر وعلانية اهـ بيضاوي.\rقوله: لا بَيْعٌ فِيهِ فسره الشارح بالفداء، وهو قول أبي عبيدة، وأبقاه البيضاوي على ظاهره حيث قال لا بيع فيه فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو ما يفدي به نفسه اهـ.\rقوله: وَلا خِلالٌ صنيع الجلال يقتضي أن الخلال مفرد، وفي القرطبي أنه جمع خلة بالضم مثل قلة وقلال، فإن قلت: كيف نفى الخلة في هذه الآية، وفي آية البقرة مع أثباتها في آية الزخرف بقوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67]؟ قلت: الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفي الخلة بسبب ميل الطبيعة وشهوة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة اللّه، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط ونفاها عن غيرهم، وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله، وفي بعضها يتعاطف الاخلاء بعضهم على بعض إذا كانت المخالة للّه تعالى في محبته اهـ خازن.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ذكر لها الموصول سبع صلات تشتمل على عشرة أدلة على وحدانية اللّه تعالى وعلمه وقدرته اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يعني من السحاب. سمي السحاب سماء لارتفاعه مشتق من السمو وهو الارتفاع، وقيل: أن المطر ينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض، فأخرج به","part":4,"page":151},{"id":1171,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 152\rالثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ السفن لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بالركوب والحمل بِأَمْرِهِ بإذنه وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32)\rوَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ جاريين في فلكهما لا يفتران وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ لتسكنوا فيه وَالنَّهارَ (33) لتبتغوا فيه من فضله\rوَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ على حسب مصالحكم وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ بمعنى إنعامه لا تُحْصُوها لا تطيقوا أي: بذلك الماء من الثمرات رزقا لكم. الثمر: اسم يقع على ما يحصل من الشجر. وقد يقع على الزرع أيضا بدليل قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام: 141] وقوله:\rمِنَ الثَّمَراتِ بيان للرزق أي: رزقا هو الثمرات اهـ خازن.\rقوله: مِنَ الثَّمَراتِ المراد بها ما يشمل المطعوم والملبوس، وهو بيان للمفعول الذي هو رزقا أو حال هو منه، ويحتمل عكس ذلك اهـ بيضاوي.\rوقوله: عكس ذلك بأن يجعل من الثمرات هو المفعول ويجعل رزق حالا. قوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لما ذكر اللّه تعالى إنعامهم بإنزال المطر وإخراج الثمر لأجل الرزق والانتفاع بها ذكر نعمته على عباده بتسخير السفن الجارية على الماء لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر، فهي من تمام نعمة اللّه تعالى على عباده، وسخر لكم الأنهار ذللها لكم تجرونها حيث شئتم، ولما كان ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات، ولا في الشراب أيضا ذكر نعمته على عباده في تسخير الأنهار وتفجير العيون، لأجل هذه الحاجة فهو من أعظم نعم اللّه على عباده اهـ خازن.\rوفي أبي السعود: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بأن ألهمكم كيفية ذلك اهـ.\rقوله: دائِبَيْنِ الدأب: العادة المستمرة دائما على حالة واحدة، ودأب في السير داوم عليه.\rوالمعنى أن اللّه سخر الشمس والقمر يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر. وقيل: يدأبان في سيرهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وإصلاح النبات والحيوان، لأن الشمس سلطان النهار وبها يعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير اللّه عز وجل وإنعامه على عباده اهـ خازن.\rوفي المختار: دأب في عمله جد وتعب وبابه قطع وخضع فهو دأئب بالألف لا غير، والدائبان الليل والنهار، والدأب بسكون الهمزة العادة والشأن وقد يحرك اهـ.\rقوله: (في فلكهما) أي: محلهما ومقرهما وهو السماء الرابعة للشمس وسماء الدنيا للقمر، وقوله: لا يفتران من باب دخل أي: لا يضعفان بسبب الجري ولا ينكسران اهـ شيخنا.\rقوله: (لتبتغوا) أي: تطلبوا بالسعي في الكسب من فضله أي: بعض إحسانه.\rقوله: وَآتاكُمْ الخ أي: فلم يقتصر على النعم المتقدمة، بل اعطاكم ما لا يمكن عده اهـ خازن.\rقوله: مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي: كل نوع أو كل صنف سألتموه. أي: شأنه أن تسألوه","part":4,"page":152},{"id":1172,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 153\rعدها إِنَّ الْإِنْسانَ الكافر لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه\rوَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ مكة آمِناً ذا أمن وقد أجاب اللّه دعاءه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل، كما يشير لهذا قوله: (على حسب مصالحكم). وفي السمين:\rالعامة على إضافة كل إلى ما، وفي من قولان، أحدهما: إنها زائدة في المفعول الثاني أي: آتاكم كل ما سألتموه، وهذا إنما يتأتى على قول الأخفش. والثاني: أن تكون تبعيضية أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه وهو رأي سيبويه، وما يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية أو حرفية أو موصوفة، والمصدر واقع موقع المفعول أي: مسؤولكم، فإن كانت مصدرية فالضمير في سألتموه عائد على اللّه تعالى وعائد الموصول أو الموصوف محذوف أي: سألتموه إياه.\rقوله: (على حسب مصالحكم) أشار بهذا إلى جواب كيف قال وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ واللّه لم يعطنا كل ما سألناه، ولا بعضا من كل فرد مما سألناه، وإيضاحه أنه أعطانا بعضا من جميع ما سألناه لا من كل فرد فرد، ولكن لما كان البعض المذكور وهو الأكثر من جميع ما سألناه وهو الأصلح الأنفع لنا في معاشنا ومعادنا بالنسبة إلى البعض الذي منعه لمصلحتنا أيضا كان كأنه أعطانا جميع ما سألناه. وقيل: أعطى جميع السائلين بعضا من كل فرد مما سأله جميعهم، وإيضاحه أن يكون قد أعطى هذا شيئا مما سأله ذاك، وأعطى ذاك شيئا مما سأله هذا على ما اقتضته الحكمة والمصلحة في حقهما، كما أعطى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الرؤية ليلة المعراج، وهي مسؤول موسى عليه الصلاة والسّلام، وما أشبه ذلك اهـ. من الانموذج اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى إنعامه) هذا لا يتعين بل ابقاؤه على ظاهره أظهر. وفي السمين: النعمة هنا بمعنى المنعم به اهـ.\rقوله: (عدها) أي: عد أنواعها فضلا عن أفرادها، فإنها غير متناهية اهـ بيضاوي.\rقوله: (الكافر) وقال ابن عباس: يريد أبا جهل، وقوله لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يعني لنفسه كفار بنعمة ربه،. وقيل: الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه، فيضع الشكر في غير موضعه. كفار جحود لنعم اللّه تعالى عليه، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع. كفار في النعمة ويجمع ويمنع اهـ خازن.\rقوله: وَ(اذكر) أي: اذكر يا محمد لقومك لعلهم يعتبرون، فيرجعوا عن كفر هذه النعم التي كان سببها خليل اللّه إبراهيم اهـ شيخنا.\rقوله: هَذَا الْبَلَدَ فسّر الشارح هنا بمكة، وفسرها في سورة البقرة بالمكان، فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين: مرة قبل بنائها، ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي هناك ما نصه: ونكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم، لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلدا، فطلب من اللّه أن يجعل ويصير بلدا آمنا، وثم كانت بعد جعله بلدا اهـ.\rوفي السمين: قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قوله اجعل هذا بلدا آمنا وبين قوله:\rاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً؟ قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا","part":4,"page":153},{"id":1173,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 154\rفجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه وَاجْنُبْنِي بعدني وَبَنِيَ عن أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35)\rرَبِّ إِنَّهُنَ أي الأصنام أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ يخافون. وفي الثاني: أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا اهـ.\rقوله: (و لا يختلى خلاه) أي: لا يقطع خلاه بالقصر أي: حشيشه الرطب. وفي المختار:\rوالخلاء مقصور الرطب من الحشيش، الواحدة: خلاه وخليت الخلا قطعته واختليته أيضا اهـ.\rقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ يقال جنبه شرا وأجنبه إياه ثلاثيا ورباعيا، وهي لغة نجد، وجنبه إياه مشددا وهي لغة الحجاز هو المنع، وأصله من الجانب. وقال الراغب: وقوله تعالى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ من جنبته عن كذا أي: أبعدته منه، وقيل: من جنبت الفرس، وكأنه سأله أي يبعده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفية وأن نعبد على حذف حرف الجر أي: عن أن نعبد اهـ سمين.\rوفي القاموس: والجنب محركة أن يجنب فرسا إلى فرسه في السباق، فإذا فاز المركوب تحول إلى المجنوب اهـ.\rوفي المصباح: وجنبت الرجل الشر جنوبا من باب قعد أبعدته عنه، وجنبته بالتثقيل مبالغة اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 154\r\rفي المصباح: وجنبت الرجل الشر جنوبا من باب قعد أبعدته عنه، وجنبته بالتثقيل مبالغة اهـ.\rوفي المختار: وجنبه الشيء من باب نصر، وجنبه الشيء تجنيبا بمعنى أي: نحاه عنه، ومنه قوله تعالى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ اهـ.\rقوله: وَبَنِيَ أي: من صلبي، وقوله: عن أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ استشكل بأن عبادتها كفر، والأنبياء معصومون من الكفر بإجماع الأمة، فكيف حسن منه هذا السؤال؟ وأجيب: بأنه كان في حالة خوف أذهلته عن علم ذلك،. فإن الأنبياء أعرف باللّه من جميع الناس، فخوفهم أكثر من خوف غيرهم، فهو دعاء لنفسه في مقام الخوف، أو قصد به الجمع بينه وبين بنيه ليستجاب لهم ببركته اهـ كرخي.\rوفي الشهاب قوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ المراد طلب الثبات والدوام على ذلك اهـ.\rقوله: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ الخ تعليل لقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ، وأما إعادة النداء بقوله رَبِّ إِنَّهُنَ فلتأكيد النداء وكثرة الابتهال والتضرع اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ أي: فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من اضلالهن اهـ.\rقوله: إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ أفاد أن الضمير في إنهن وأضللن عائد على الأصنام، لأنها جمع تكسير غير عاقل، ونسبة الإضلال إليها مجاز من باب نسبة الشيء إلى سببه اهـ كرخي.\rأي: فهذا مجاز لأن الأصنام جمادات وحجارة لا تعقل شيئا حتى تضل من عبدها، إلا أنه لما حصل الضلال بعبادتها أضيف إليها، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرتهم، وإنما فتنوا بها وغروا بسببها اهـ خازن.","part":4,"page":154},{"id":1174,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 155\rالنَّاسِ بعبادتهم لها فَمَنْ تَبِعَنِي على التوحيد فَإِنَّهُ مِنِّي من أهل ديني وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ قوله: وَمَنْ عَصانِي شرط ومحله رفع بالابتداء، والجواب: فإنك غفور رحيم. والعائد محذوف أي: له اهـ سمين.\rقوله: (هذا) أي: قوله وَمَنْ عَصانِي الخ. وفي الخازن: قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم. وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، وشرح ابن الأنباري هذا فقال: ومن عصاني فخالفني في بعض الشرائع وعقد التوحيد فإنك غفور رحيم، إن شئت أن تغفر له، وهذا إذا كان مسلما. وذكر وجهين آخرين، أحدهما: أن هذا كان قبل أن يعلمه اللّه انه يغفر الشرك كما استغفر لأبويه، وقد تقرر أن ذلك غير محظور، فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما.\rوالوجه الآخر: قوله: وَمَنْ عَصانِي أي: بإقامته على الكفر فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يعني: إنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام وتهديه إلى الصواب.\rفإن قلت: قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه، الأول: أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنا، ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها.\rالوجه الثاني: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام معصومون من عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبني عن عبادتها.\rالوجه الثالث: أن إبراهيم سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه عن عبادة الأصنام، وقد وجد من بنيه كثير ممن عبد الأصنام مثل كفار قريش وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام.\rقلت: الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه. فالجواب عن الوجه الأول من وجهين، أحدهما: أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد اللّه، فلم يقدر أحد على تخريب مكة. وأورد على هذا ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» أخرجاه في الصحيحين. وأجيب عنه بأن قوله: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً يعني إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين فلا تعارض بين النصين. الوجه الثاني: أن يكون المراد اجعل هذا البلد ذا أمن وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم، كما أخبر اللّه تعالى بقوله: ويتخطف الناس من حولهم وأهل مكة آمنون من ذلك، حتى أن من التجأ إلى مكة أمن من على نفسه وماله، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة عن الحرم استوحشت، وإذا كانت داخل الحرم استأنست لعلمها أنه لا يهيجها أحد في الحرم، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد اللّه بمكة وحرمها.\rوأما الجواب عن الوجه الثاني: فمن وجهين أيضا، الأول: إن دعاء إبراهيم لنفسه لزيادة العصمة والتثبيت، فهو كقوله: وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128]. الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وان كان يعلم إن اللّه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء هضما للنفس واظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل اللّه ورحمته، وإن أحدا لا يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه","part":4,"page":155},{"id":1175,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 156\rرَحِيمٌ (36) هذا قبل علمه أنه تعالى لا يغفر الشرك\rرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعضها وهو إسماعيل مع أمه هاجر بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ هو مكة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي كان قبل الطوفان اللّه به، فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء.\rوأما دعاؤه لبنيه وهو الوجه الثالث من الاشكالات، فالجواب عنه من وجوه، الوجه الأول: أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه ولم يعبد منهم أحد صنما قط. الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء، ولا شك أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام قد أجيب فيهم. الوجه الثالث: قال الواحدي: دعا لمن أذن اللّه في أن يدعو له، فكأنه قال: وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم، لأن دعاء الأنبياء مستجاب، وقد كان من نسله من عبد الصنم، فعلى هذا الوجه يكون هذا الدعاء من العام المخصوص. الوجه الرابع: أن هذا مختص بالمؤمنين من أولاده، والدليل عليه أنه قال في آخر الآية فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه اهـ بحروفه.\rقوله: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي الخ هذه القصة كانت بعدما وقع له من الالقاء في النار، وفي تلك لم يسأل ولم يدع، بل اكتفى بعلم اللّه بحاله، وفي هذه قد دعا وتضرع، ومقام الدعاء أعلى وأجل من مقام تركه اكتفاء بعلم اللّه كما قاله العارفون، فيكون إبراهيم قد ترقى وانتقل من طور إلى طور من أطوار الكمال اهـ.\rقوله: (مع أمه هاجر) وسبب هذا الإسكان إن هاجر كانت جارية لسارة، فوهبتها لإبراهيم، فولدت منه إسماعيل، فغارت سارة منهما لأنها لم تكن قد ولدت قط، فأنشدته اللّه أن يخرجهما من عندها، فأمره اللّه تعالى بالوحي أن ينقلهما إلى أرض مكة، وأتى له بالبراق فركب عليه هو وهاجر والطفل فأتى من الشام ووضعهما في مكة ورجع من يومه، وكان يزورهما على البراق في كل يوم من الشام اهـ شيخنا.\rقوله: بِوادٍ أي وواد، والوادي المنخفض بين الجبلين، وقوله: غير ذي زرع أي لا يصلح للإنبات، لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئا اهـ شيخنا.\rقوله (الذي كان قبل الطوفان) أشار بهذا إلى أن إطلاق البيت عليه في ذلك الوقت باعتبار ما كان قبل الطوفان وأما وقت دعائه فلم يكن، وإنما كان تلال من رمل، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان، ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحا أيضا اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فإن قلت: كيف قال عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ولم يكن هناك بيت محرم، وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك؟ قلت: يحتمل أن اللّه عز وجل أوحى إليه، وأعلمه أن له هناك بيتا قد كان في سالف الزمان، وأنه سيعمر، فلذلك قال عند بيتك المحرم. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي جرى في سابق علمك، أنه سيحدث في هذا المكان اهـ.\rوفي البيضاوي: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أي الذي حرمت التعرض له والتهاون به، ولم يزل معظما ممنعا تهابه الجبابرة أو منع من الطوفان، فلم يستول عليه، ولذلك سمي عتيقا أي أعتق منه، ودعا بهذا","part":4,"page":156},{"id":1176,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 157\rرَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً قلوبا مِنَ النَّاسِ تَهْوِي تميل وتحن إِلَيْهِمْ قال ابن عباس:\rلو قال: أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان وما سيؤول إليه اهـ.\rوقوله: ودعا بهذا الدعاء أي المقيد بعندية البيت أول ما قدم إليه مع أنه لم يكن ذا ذاك بيتا، لأنه رفع وقت الطوفان، وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك كما تضمنه قوله فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أي قبل الطوفان، فإنه رفع وقته كما مر، أو باعتبار ما سيؤول إليه من بناء إبراهيم له اهـ زكريا وشهاب.\rقوله: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ اللام لام كي، وهي متعلقة بأسكنت أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم، وتكرير النداء وتوسيطه للإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم، ثم والمقصود من الدعاء توفيقهم لها. وقيل اللام لام الأمر، والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من اللّه أن يوفقهم لها اهـ بيضاوي.\rوقوله: (إلا لإقامة الصلاة الخ) أي أن الجار والمجرور متعلق بأسكنت المذكور بدليل قوله (و توسطه الخ). وعلى هذا فالحصر مستفاد من السياق، لأنه لما قال بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة، ولما قال عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أثبت أنه مكان عبادة، فلما قال لِيُقِيمُوا أثبت أن الاقامة عنده للعبادة، وقد نفى كونها للكسب، فجاء الحصر مع ما في تكرير ربنا من الاشارة إلى أنه هو المقصود، فلا حاجة إلى ما قيل إنه متعلق بأسكنت مقدر مؤخر غير الأول، وأن الحصر مستفاد من تقديره مؤخرا كما رجحه بعض الشراح اهـ شهاب.\rقوله: تَهْوِي إِلَيْهِمْ قرأ العامة تهوي بكسر الواو بمعنى تسرع وتطير شوقا إليهم، وأصله أن يتعدى باللام، وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل. وقرأ أمير المؤمنين علي، وزيد بن علي، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، ومجاهد بفتح الواو وفيه قولان، أحدهما: أن إلى زائدة أي تهواهم. والثاني: أنه ضمن معنى تنزع وتميل، ومصدر الأول على هوى بضم الهاء وفتحها، ومصدر الثاني على هوى كفتى وجوى اهـ سمين.\rقوله: (تميل وتحن إليهم) أي لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم، كما قاله ابن عباس، وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت، لا لأعيانهم. وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم اللّه حج البيت، ودعاء لسكان مكة من ذريتهم، لأنهم يرتفقون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت، فقد جمع إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته اهـ خازن.\rوفي المختار: الحنين الشوق وتوقان النفس، وقد حن إليه يحن بالكسر حنينا فهو حانّ والحنان الرحمة، وقد حن عليه يحن بالكسر حنانا ومنه قوله تعالى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا [مريم: 13] اهـ.\rقوله: (لحنت إليه فارس الخ) أي: للحج. وعبارة الخطيب: وقال سعيد بن جبير: لحجت إليه اليهود والنصارى والمجوس اهـ.\rقوله: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ أي: بعضها. قوله: (و قد فعل بنقل الطائف إليه) هذا إجابة لقوله","part":4,"page":157},{"id":1177,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 158\rيَشْكُرُونَ (37) وقد فعل بنقل الطائف إليه\rرَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي نسر وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (38) يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم\rالْحَمْدُ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ، وأما إجابة قوله: (فاجعل أفئدة الخ)، فقد حصلت بجرهم، وذلك أنه لما جاء بإسماعيل وأمه وضعهما عند البيت مكان زمزم، وليس بمكة أحد ولا بناء ولا ماء، ثم قام ابراهيم منطلقا فتبعته هاجر فقالت: أين تذهب وتتركني بهذا الوادي الذي ليس به إنس ولا شيء؟ فلم يلتفت، فقالت: اللّه أمرك بذلك؟ قال: نعم. فقالت: إذا لا يضيعني. ثم رجعت فانطلق ابراهيم ثم رفع يديه إلى السماء وقال: رب إني أسكنت حتى بلغ يشكرون، وترك عندها جرابا من تمر وسقاء من ماء، فلما نفذ الماء عطشت هي وابنها، فجاء جبريل وضرب موضع زمزم بعقبه أو بجناحه، فخرج الماء فجعلت تشرب منه، فمكثوا كذلك حتى مرت بهم قبيلة من جرهم كانوا ذاهبين إلى الشام فعطشوا، فرأوا الماء عندها، فقالوا لها: تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، فلما شب إسماعيل تعلم منهم العربية، وكان أنفسهم وأعجبهم، فزوجوه بامرأة منهم وماتت أمه بعد ما تزوج اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: أنهم لما أتوها قالوا لها: أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت اهـ.\rوقول الخازن: فقد حصلت بجرهم الخ بيان لأول آثار هذا الدعاء، وقد استمر قصد الحجاج والعمار لهذا البيت كل عام إلى آخر الزمان.\rقوله: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ أي: تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه، والمعنى أنك تعلم أحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا وأنت أرحم منا بنا، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك وتخشعا لعظمتك وتذللا لعزتك وافتقارا إلى ما عندك. وقيل: معناه تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة اسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع، وما نعلن يعني من البكاء، وقيل: ما نخفي يعني الحزن المتمكن في القلب،، وما نعلن يعني ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حيث قالت لإبراهيم: إلى من تكلنا؟ قال: إلى اللّه قالت: إذا لا يضيعنا اهـ خازن.\rقوله: (يحتمل أن يكون) أي: قوله: وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ الخ من كلامه تعالى أو من كلام إبراهيم عليه السّلام، وقد قيل: بكل منهما. فإن قيل بالأول فهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وإن قيل بالثاني ففيه وضع الظاهر موضع المضمر، وهو ما عليه الأكثرون تصديقا لإبراهيم عليه السّلام اهـ كرخي.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ هذا قاله إبراهيم في وقت آخر لا عقب ما تقدم من الدعاء، لأن الظاهر أنه عليه السّلام دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه، ووضعها عند البيت وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت اهـ زاده.\rوفي الكرخي: وزمان الدعاء والحمد مختلف، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ. وحاصله مع الايضاح أن هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء، فاندفع ما قيل إن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إنما دعا بهذا","part":4,"page":158},{"id":1178,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 159\rلِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي أعطاني عَلَى مع الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ ولد وله تسع وتسعون سنة وَإِسْحاقَ ولد وله مائة واثنتا عشرة سنة إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39)\rرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَاجعل مِنْ ذُرِّيَّتِي من يقيمها وأتى بمن لإعلام اللّه تعالى له أن منهم كفارا رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (40) المذكور\rرَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ هذا قبل أن يتبين له عداوتهما للّه عز وجل، وقيل الدعاء عند ما أسكن هاجر وابنها إسماعيل في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت لم يكن ولد إسحاق فكيف قال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ اهـ.\rقوله: عَلَى الْكِبَرِ فيه وجهان، أحدهما: أن على على بابها من الاستعلاء المجازي.\rوالثاني: أنها بمعنى مع قال الزمخشري: ومحل هذا الجار النصب على الحال من الياء في وهب لي اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ أي: مجيب الدعاء. كان إبراهيم قد دعا ربه، فسأله الولد بقوله: رب هب لي من الصالحين، فلما استجاب اللّه دعاءه قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ اهـ خازن.\rقوله: مُقِيمَ الصَّلاةِ أي مواظبا عليها اهـ بيضاوي.\rقوله: وَ(اجعل) مِنْ ذُرِّيَّتِي أشار بهذا إلى أن ومن ذريتي معطوف على ياء المتكلم. وفي السمين: قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على المفعول الأول لا جعلني أي: واجعل بعض ذريتي يقيم الصلاة، وهذا الجار في الحقيقة صفة لذلك المفعول والمحذوف أي وبعضا من ذريتي اهـ.\rقوله: وَتَقَبَّلْ دُعاءِ قرأ أبو عمرو، وحمزة، وورش والبزي بإثبات الياء وصلا ووقفا، والباقون بحذفها وصلا ووقفا، وقد روى بعضهم إثباتها وقفا أيضا اهـ سمين.\rقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي فإن قلت طلب المغفرة من اللّه إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة له من ذلك الذنب، وقد ثبتت عصمة الأنبياء من الذنوب فما وجه طلب المغفرة له؟ قلت:\rالمقصود منه الالتجاء إلى اللّه سبحانه وتعالى وقطع الطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، والاعتراف بالعبودية للّه تعالى والاتكال على رحمته اهـ خازن.\rقوله: (هذا قبل أن يتبين له عداوتهما للّه) أي: لأن المنع لا يعلم إلا بتوقيف، فلعله لم يجد منعا، فظن جوازه أو كان ذلك بشرط الإسلام، وهو جواب القائل كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين، والاستغفار للكافر حرام اهـ كرخي.\rقوله: (و قرئ) أي: شاذا في هذه، والتي بعدها، وقوله: وولدي بالتثنية فهو بفتح الواو واللام والدال، وقرئ أيضا ولدي بضم الواو وسكون اللام وكسر الدال جمع ولد، ورسم الشارح يحتمل القراءتين، فالقراءات الشاذة ثلاث اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَلِوالِدَيَ العامة على والدي بالألف بعد الواو وتشديد الياء، وابن حسين كذلك إلا أنه سكن الياء أراد والده وحده كقوله: (و اغفر لأبي). وقرأ الحسين بن علي، ومحمد وزيد ابنا علي بن الحسين ولولدي دون ألف تثنية ولد، ويعني بهما إسماعيل وإسحاق، وأنكرها الجحدري","part":4,"page":159},{"id":1179,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 160\rأسلمت أمه وقرئ والدي مفردا وولدي وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ يثبت الْحِسابُ (41) قال تعالى\rوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ الكافرون من أهل مكة إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ بلا عذاب بأن في مصحف ولأبوي فهي مفسرة لقراءة العامة. وروي عن ابن يعمر أنه قرأ ولولدي بضم الواو وسكون اللام وفيها تأويلان، أحدهما: أنه جمع ولد كأسد في أسد، وأن يكون لغة في الولد كالحزن والحزن والبخل والبخل، وقد قرئ بذلك في مريم، والزخرف، ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى اهـ.\rقوله: (يثبت) أي يوجد فهو مستعار في القيام على الرجل، كقولهم: قامت الحرب على ساقها اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: يوم يقوم الحساب يعني: يوما يبدو ويظهر فيه الحساب، وقيل: أراد يوم يقوم الناس فيه للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما عند السامع، وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة، واللّه تعالى لا يرد دعاء خليله إبراهيم، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة اهـ.\rقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ بفتح السين وكسرها قراءتان سبعيتان، وكذا يقال في قوله الآتي فلا تحسبن اللّه مخلف وعده رسله اهـ شيخنا.\rوالغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وهذا في حق اللّه محال، فلا بد من تأويل الآية، فالمقصود منه أنه تعالى ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد وتهديد للظالم وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم منه ولا يتركه مغفولا عنه. قال سفيان بن عيينة: فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.\rفإن قلت: قد تعالى اللّه وتنزه وتقدس عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أعظم الناس معرفة به أنه يكون غافلا، حتى قيل له وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ؟ قلت: إن كان المخاطب به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ففيه وجهان، أحدهما: التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب اللّه غافلا فهو قوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [الأنعام: 14] وكقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا [النساء: 136] أي اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان. الوجه الثاني: أن المراد بالنهي عن حسبانه غافلا الإعلام بأنه تعالى عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه شيء، وأنه ينتقم منهم فهو على سبيل الوعيد والتهديد لهم. والمعنى ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عنهم، ولكنه يعاملهم معاملة الرقيب الحفيظ عليهم المحاسب لهم على الصغير والكبير، وإن كان المخاطب غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا إشكال فيه ولا سؤال، لأن أكثر الناس غير عارفين بصفات اللّه، فمن جوز أن يحسبه غافلا فلجهله بصفاته اهـ خازن.\rقوله: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ الخ استئناف وقع تعليلا للنهي السابق أي: دم على ما أنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم ولا تحزن بتأخير ما استوجبوه من العذاب الأليم، لأن تأخيره للتشديد والتغليظ أو لا تحسبنه تاركا لعقوبتهم لما ترى من تأخيرها إنما ذلك لأجل هذا، أو لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل ولا يؤاخذهم بما عملوا لما ترى من أن التأخير إنما هو لهذه الحكمة وإيقاع","part":4,"page":160},{"id":1180,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 161\rلِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) لهول ما ترى، يقال شخص بصر فلان أي فتحه فلم يغمضه\rمُهْطِعِينَ مسرعين حال مُقْنِعِي رافعي رُؤُسِهِمْ إلى السماء لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ بصرهم التأخير عليهم، مع أن المؤخر إنما هو عذابهم لتهويل الخطب وتفظيع الحال ببيان أنهم متوجهون إلى العذاب موجهون لأمر ما اهـ أبو السعود.\rقوله: لِيَوْمٍ أي لأجل يوم، فاللام للعلة. وقيل: بمعنى إلى التي للغاية، وقرأ العامة يؤخرهم بالياء لتقدم اللّه الكريم، وقرئ نؤخرهم بنون العظمة، وتشخيص صفة ليوم ومعنى شخوص البصر حدة النظر وعدم استقراره في مكانه، ويقال شخص سمعه وبصره وأشخصهما صاحبهما، وشخص بصره أي لم يطرف جفنه، ويقال شخص من بلده أي بعد، والشخص سواد الإنسان المرئي من بعيد اهـ سمين.\rوفي المختار: وشخص بصره من باب خضع فهو شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف اهـ.\rقوله: تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي تشخص أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى اهـ بيضاوي.\rوقوله: أي تشخص أبصارهم يعني أن أل للعهد لا عوض عن المضاف إليه. قيل: ولو حمل على العموم كان أبلغ في التهويل وأسلم من التكرير، ووجهه أن قوله لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ في ذكره فائدة، وإن كان لا يسلم من التكرير رأسا وكأن المصنف اختاره لأنه المناسب لما بعده اهـ شهاب.\rوعبارة أبي السعود: أي ترتفع فيه أبصار أهل الموقف، فيدخل في زمرتهم الكفرة المعهودون دخولا أوليا أي: تبقى مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه اهـ.\rقوله: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ حالا من المضاف المحذوف. إذ التقدير أصحاب الأبصار، أو تكون الأبصار دلت على أربابها، فجاءت الحال من المدلول عليه، قاله أبو البقاء اهـ سمين.\rوفي المختار: أهطع الرجل إذا مد عنقه وصوب رأسه وأهطع في عدوه أسرع اهـ.\rوفي السمين: والإقناع رفع الرأس وإدامة النظر من غير التفات إلى غيره، قاله القتبي اهـ.\rوفي القاموس: وأقنعه أرضاه، ورأسه نصبه ورفعه أو لا يلتفت يمينا ولا شمالا وجعل طرفه موازيا اهـ.\rقوله: (مسرعين) أي إلى الداعي، وهو إسرافيل حيث يدعو إلى الحشر. وعبارة المحلي في سورة ق: واستمع يا مخاطب يوم ينادي المنادي هو إسرافيل من مكان قريب من السماء، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء اهـ.\rوقوله: (هو إسرافيل)، وقيل: هو جبريل والنافخ إسرافيل: قال الشهاب: وهو الأصح كما دلت عليه الآثار اهـ.\rقوله: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ في محل نصب على الحال أيضا من الضمير في مقنعي، ويجوز","part":4,"page":161},{"id":1181,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 162\rوَأَفْئِدَتُهُمْ قلوبهم هَواءٌ (43) خالية من العقل لفزعهم\rوَأَنْذِرِ خوف يا محمد النَّاسَ الكفار يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ هو يوم القيامة فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا رَبَّنا أَخِّرْنا بأن تردنا إلى الدنيا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ بالتوحيد وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ فيقال لهم توبيخا أَوَلَمْ تَكُونُوا أن يكون بدلا من مقنعي كذا قاله أبو البقاء. يعني: أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافا والطرف في الأصل مصدر، والطرف أيضا الجفن يقال: ما طبق طرفه أي جفنه على الآخر، والطرف أيضا تحريك الجفن اهـ سمين.\rقوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ يجوز أن يكون استئنافا وأن يكون حالا، والعامل فيه إما يرتد وإما ما قبله من العوامل، وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع، لأنه في معنى فارغة، ولو لم يقصد ذلك لقيل أهوية ليطابق الخبر مبتدأ اهـ سمين.\rوفي الكرخي: وفي كلام الشيخ المصنف إشارة إلى جواب ما قيل كيف أفرد هواء وهو خبر لجمع، وإيضاحه، أنه لما كان معنى هواء هنا فارغة منحوتة أفرد كما يجوز إفراد فارغة، لأن تاء التأنيث تدل على تأنيث الجمع الذي في أفئدتهم، ومثله أحوال صعبة وأحوال فاسدة ونحو ذلك اهـ.\rقوله: (خالية من العقل لفزعهم) عبارة البيضاوي: هواء أي خالية من الفهم لفرط الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان فيه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة اهـ.\rوفي الخازن: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ قال قتادة: خرجت قلوبهم من صدورهم فصارت في حناجرهم فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها، ومعنى الآية أَفْئِدَتُهُمْ خالية فارغة لا تعي شيئا ولا تعقل من شدة الخوف. وقال سعيد بن جبير: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي مترددة تهوي في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه، ومعنى الآية أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته اهـ. وفي المختار الهواء ممدودا ما بين السماء والأرض، والجمع أهوية وكل خال هواء اهـ.\rقوله: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ مفعول ثان لأنذر على حذف المضاف أي أنذرهم أهواله وعظائمه فهو مفعول به لا مفعول فيه. إذ لا إنذار في ذلك اليوم، وإنما الإنذار يقع في الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه إظهار في مقام الإضمار، وقوله: رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي: أخر العذاب عنا وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب اهـ بيضاوي.\rوعبارته أصرح من عبارة الشارح، وقوله: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي مدة من الزمان نستدرك فيها ما فاتنا اهـ.\rوقوله: نُجِبْ دَعْوَتَكَ جواب الأمر اهـ.\rقوله: (فيقال لهم) أي من قبل اللّه أو الملائكة. وعبارة أبي السعود: هذا على إضمار القول معطوف على فيقول، أي فيقال لهم توبيخا وتبكيتا: ألم تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم إذ ذاك اهـ.","part":4,"page":162},{"id":1182,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 163\rأَقْسَمْتُمْ حلفتم مِنْ قَبْلُ في الدنيا ما لَكُمْ مِنْ زائدة زَوالٍ (44) عنها إلى الآخرة\rوَسَكَنْتُمْ فيها فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر من الأمم السابقة وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من العقوبة فلم تنزجروا وَضَرَبْنا بينا لَكُمُ الْأَمْثالَ (45) في القرآن فلم تعتبروا\rوَقَدْ مَكَرُوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَكْرَهُمْ حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي علمه أو جزاؤه وَإِنْ ما كانَ مَكْرُهُمْ وإن عظم لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (46) المعنى لا يعبأ به ولا يضر إلا أنفسهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات وفي قراءة بفتح لام لتزول ورفع الفعل فإن مخففة والمراد تعظيم والاستفهام تقريري، وعبارة الشهاب: أي فيقال لهم أطلبتم الآن هذا ولم تطلبوه إذ أقسمتم، والقائل هو اللّه أو الملائكة اهـ.\rقوله: (حلفتم) كما حكى اللّه عنهم بقوله في سورة النحل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: 38] اهـ شيخنا.\rقوله: ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ جواب القسم، وإنما جاء بلفظ لقوله أَقْسَمْتُمْ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل ما لنا اهـ سمين.\rقوله: وَسَكَنْتُمْ معطوف على أقسمتم. قوله: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ فاعله محذوف أي حالهم وقوله: (كيف) معمول لفعلنا بهم، وقول الشارح (من العقوبة) تفسير لكيف، ولا يصح أن تكون كيف فاعلا بالفعل الذي قبلها، لأن الاستفهام له الصدارة اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه أي: حالهم وخبرهم وهلاكهم، وكيف نصب بفعلنا وجملة الاستفهام ليست معطوفة لتبين، لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون كيف فاعلا لأنها إما شرطية أو استفهامية، وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدمه. وقال بعض الكوفيين: إن جملة كيف فعلنا بهم هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلا، وقد تقدم هذا قريبا في قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف: 35] اهـ.\rقوله: وَقَدْ مَكَرُوا أي أهل مكة، وقوله: مَكْرَهُمْ مضاف لفاعله، وكذا يقال فيما بعده قوله: (حيث أرادوا قتله الخ) كما ذكر في سورة الأنفال بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:\r30] الخ وقوله: (أو تقييده) أي حبسه. قوله: لِتَزُولَ اللام لام الجحود، والفعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعدها اهـ.\rقوله: (لا يعبأ به) في المختار: وما عبأ به أي: ما بالى به وبابه قطع اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية، وقوله: (فإن مخففة) أي: واللام الداخلة على الفعل هي اللام الفارقة التي هي لام الابتداء، وقوله والمراد الخ أي على هذه القراءة الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: (و قيل المراد الخ) مقابل لقوله سابقا حيث أرادوا قتله الخ، وقوله: (و يناسبه الخ) أي:","part":4,"page":163},{"id":1183,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 164\rمكرهم وقيل المراد بالمكر كفرهم ويناسبه على الثانية تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا وعلى الأول ما قرئ وما كان\rفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ بالنصر إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجزه شيء ذُو انتِقامٍ (47) ممن عصاه اذكر\rيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ القيل المذكور على الثانية أي: على القراءة الثانية، وهي قراءة الإثبات، وقوله: يَتَفَطَّرْنَ أي يتشققن منه أي: من قولهم المذكور في تلك الآية المحكي بقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [الأنبياء: 26] ووجه المناسبة إثبات الزوال للجبال في المحلين، وقوله: (و على الأول) أي التفسير الأول للمكر، وفي نسخة وعلى الأولى أي القراءة الأولى، وهي كسر اللام الأولى، وفتح الثانية التي هي قراءة نصب الفعل، وقوله (ما قرئ) أي الذي قرئ، وقوله: (و ما كان بدل منه)، وهذه القراءة شاذة أي قرئ شاذا وما كان مكرهم الخ، وهذا القراءة تناسب قراءة النصب السابقة اهـ شيخنا.\rلكن قوله: (و على الأول الخ) لا يتقيد بالقيد الثاني وفي تفسير المكر، بل قراءة وما كان تناسب قراءة إن على أنها نافية من حيث النفي في كل سواء فسر المكر بكفرهم أو بتدبيرهم الذي اجتمعوا له في دار الندوة اهـ.\rقوله: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ الخ تفريع على ولا تحسبن اللّه الخ، فكأنه قيل: وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة وأخبرناك بما يلقونه من الشدائد، وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا، وبما أجبناهم به وقرعناهم به من عدم تأملهم في أحوال من سبقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعدما وعدنا رسلهم بإهلاكهم، فدم أنت على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا اهـ أبو السعود.\rومخلف مفعول ثان لتحسب، ووعده مفعول ثان لمخلف قدم على الأول، والأصل مخلف رسله وعده فقدم الثاني إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: مُخْلِفَ وَعْدِهِ العامة على إضافة مخلف إلى وعده، وفيها وجهان، أظهرهما: أن مخلف يتعدى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه اسم الفاعل تخفيفا.\rوالثاني: أنه متعد لواحد وهو وعده، وأما رسله فمنصوب بالمصدر فإنه ينحل بحرف مصدري وفعل تقديره مخلف ما وعد رسله، فما مصدرية لا بمعنى الذي، وقراءة جماعة مخلف وعده رسله بنصب وعده وجر رسله فصلا بالمفعول بين المتضايفين وهي كقراءة ابن عمر قتل أولادهم شركائهم اهـ.\rقوله: (اذكر) يَوْمَ أي اذكر يا محمد لقومك المنكرين للبعث يوم تبدل الخ. أي اذكر لهم ما يقع فيه لعلهم ينزجرون، وقوله: تُبَدَّلُ الْأَرْضُ أي هذه الأرض المشاهدة، وقوله: وَالسَّماواتُ معطوف على الأرض أي وتبدل هذه السموات بغيرها، وفي الآية حذف أي: وتبدل السموات غير السموات لدلالة ما قبله عليه وتقديم تبديل الأرض لقربها هنا، ولكون تبديلها أعظم أثرا بالنسبة إلينا اهـ من الكرخي.\rوفي هذا التبديل قولان للمفسرين، أحدهما: أنه تبديل ذاتهما فتبدل هذه الأرض بأرض بيضاء نقية كالفضة لم يسفك عليها دم ولم يقع فيها خطيئة. هكذا نقل الخازن هذا القول، فتعلم منه أن الجلال قد جرى عليه حيث قال نقية، ولفظ نقية لم يذكر إلا في هذا القول، وقد علمت أن المراد نقية من","part":4,"page":164},{"id":1184,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 165\rغَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في حديث المعاصي، وحينئذ فيتجه سؤال الصديقة له صلّى اللّه عليه وسلّم بقولها: أي الناس يومئذ لأنه إذا كان التبديل لذات الأرض فيسأل عن مقر الخلق وقت ذهاب ذاتها الأولى، وتبديل السموات على هذا القول هو تبديلها بسموات من ذهب. والقول الثاني: أن المراد تبديل صفتهما مع بقاء ذاتهما فتغير صفة الأرض بأن تندك جبالها، وتسوى وهداتها وأوديتها، وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارة وغيرها، فلا يبقى عليها شيء إلا ذهب، وتتغير صفة السموات بأن تتناثر كواكبها، وتكسف شمسها، ويخسف قمرها اهـ من الخازن.\rوبه تعلم أن الشارح جار على القول الأول فقط، وليس فيه إشارة إلى القولين. وعبارة القرطبي:\rيوم تبدل الأرض غير الأرض. غير نعت لمحذوف، والتقدير أرضا غير الأرض واختلف في كيفية تبديل الأرض، فقال كثير من الناس: إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه خرجه ابن ماجة.\rوذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب قال: حدثني ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وذكر الحديث.\rوروي مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تبدل الأرض غير الأرض يبسطها ويمدها مد الأديم لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يوم يزجر اللّه الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى ظهرها وبطنها» ذكره القونوي. وتبديل السموات تكوير شمسها وقمرها وتناثر نجومها قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها فمرة كالمهل، ومرة كالدهان حكاه ابن الانباري. وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في التذكرة، وذكرنا ما للعلماء في ذلك، وأن الصحيح إزالة عين هذه الأرض حسبما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد جاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السّلام عليك يا محمد وذكر الحديث، وفيه فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «هم في الظلمة دون المحشر» وذكر الحديث.\rوخرج عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط» خرجه ابن ماجة بإسناد مسلم هذا.\rوخرجه الترمذي عن عائشة، وأنها هي السائلة قال: هذا حديث حسن صحيح، فهذه الأحاديث تنص على أن السموات والأرض تبدل وتزال، ويخلق اللّه أرضا أخرى يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر.\rوفي صحيح مسلم عن سهل بن سعيد قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد». وقال حاتم: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول اللّه عز وجل: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ قال: تبدل الأرض خبزا يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الأنبياء: 8]. وقال ابن مسعود: إنها تبدل","part":4,"page":165},{"id":1185,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 166\rبأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة، وقال ابن عباس: بأرض من فضة بيضاء، وقال علي رضي اللّه عنه: تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب، وهذا تبديل للعين اهـ.\rوعبارته في التذكرة بعد ما ذكر هذه الأحاديث التي ذكرها هنا نصها.\rفصل هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسموات تبدل وتزال، ويخلق اللّه أرضا أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر وهو الصراط، لا كما قال كثير من الناس إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها. ثم قال: وذكر أبو الحسن شبيب بن أهيم بن حيدرة في كتاب الإفصاح أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأن الأرض والسموات يبدلان كرتين.\rأحدهما هذه الأولى وأنه سبحانه يغير صفاتها قبل نفخة الصعق، فتنتثر أولا كواكبها وتكسف شمسها وقمرها وتصير كالمهل، ثم تكشط عن رؤوسهم، ثم تسير الجبال، ثم تموج الأرض، ثم تصير البحار نيرانا، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر، فتصير الهيئة غير الهيئة والبنية غير البنية، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت السماء ودحيت الأرض وبدلت السماء سماء أخرى، وهو قوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [الزمر: 69] وبدلت الأرض أي مدت مد الأديم العكاظي، وأعيدت كما كانت فيها القبور والبشر على ظهرها وفي بطنها، وتبدل أيضا تبديلا ثانيا، وذلك إذا وقفوا في المحشر فتبدل لهم الأرض التي يقال لها الساهرة يحاسبون عليها. وهي أرض عفراء وهي البيضاء من فضة لم يسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم قط، وحينئذ يقوم الناس على الصراط وهو لا يسع جميع الخلق، وإن كان قد روي أن مسافته ألف سنة صعودا، وألف سنة هبوطا، وألف سنة استواء، ولكن الخلق أكثر من ذلك، فيقوم من فضل على الصراط على متن جهنم وهي كإهالة جامدة وهي الأرض التي قال عبد اللّه أنها أرض من نار يعرق فيها البشر، فإذا حوسب الناس عليها أعني الأرض المسماة بالساهرة، وجاوزا الصراط وحصل أهل الجنان من وراء الصراط في الجنان، وأهل النيران في النار، وقام الناس على حياض الأنبياء يشربون بدلت الأرض كقرصة النقي فأكلوا من تحت أرجلهم وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة أي قرصا واحدا يأكل منه جميع الخلق ممن دخل الجنة. وإدامهم زيادة كبد ثور الجنة وزيادة كبد النون اهـ.\rثم رأيت له في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي أن الخلائق وقت تبديل الأرض يكونون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها ونصه: وذكر أبو حامد في كتاب كشف علوم الآخرة عن ابن عباس والضحاك فقال: إن الخلائق إذا جمعوا في صعيد واحد الأولين والآخرين أمر الجليل جلّ جلاله بملائكة سماء الدنيا أن يتولوهم فيأخذ كل واحد منهم إنسانا وشخصا من المبعوثين إنسا وجنا ووحشا وطيرا، وحولوهم إلى الأرض الثانية أي التي تبدل وهي أرض بيضاء من فضة نورانية، وصارت الملائكة من وراء الخلق حلقة واحدة، فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات، ثم إن اللّه تعالى يأمر بملائكة السماء الثانية فيحدقون بهم حلقة واحدة، وإذا هم مثلهم عشرون مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الثالثة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فإذا هم مثلهم ثلاثون ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء","part":4,"page":166},{"id":1186,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 167\rالصحيحين، وروى مسلم حديث «سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط» وَبَرَزُوا خرجوا من القبور لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48)\rوَتَرَى يا محمد تبصر الْمُجْرِمِينَ الكافرين يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مشدودين مع شياطينهم فِي الْأَصْفادِ (49) القيود والأغلال الرابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فيكونون أكثر منهم بأربعين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فيكونون مثلهم خمسون مرة ثم تنزل ملائكة السماء السادسة فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة، وهم مثلهم ستون مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم سبعون مرة، والخلق تتداخل وتندمج حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الأذقان، وإلى الصدور، وإلى الحقوين، وإلى الركبتين، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام، ومنهم من يصيبه البلة بكسر الموحدة وتشديد اللام كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق، وقد قربت الشمس من رؤوسهم حتى لو مد أحدهم يده لنا لها وتضاعف حرها سبعين مرة قال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لاحترقت الأرض وذاب الصخر ونشفت الأنهار، فبينما الخلائق يموجون في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها اللّه حيث يقول يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ الخ اهـ.\rفتحصل من مجموع كلامه أن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى من فضة يكون قبل الصراط، وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة، وأن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط، وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة تأمل. وقوله: فيما تقدم وأدامهم زيادة كبد ثور الجنة الخ. ذكر في موضع آخر من التذكرة ما نصه:\rوإدامهم يومئذ ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا، وهذا الثور هو الذي كان يأكل من أطراف الجنة ينحر لهم يومئذ، وزيادة كبد الحوت قطعة منه كالأصبع. عن كعب الأحبار قال: إن اللّه تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا وإني أعطيتكم اليوم حوتا وثورا فيجزران لأهل الجنة تأمل: قوله: (أين الناس يومئذ) أي يوم تبدل الأرض. قوله: وَبَرَزُوا معطوف على تبدل، فهو بمعنى المضارع أي: واذكر يوم يبرز الخلائق جميعا من القبور ليستوفوا جزاء أعمالهم هذه هي علة الخروج كما سيأتي في الشرح أن قوله لِيَجْزِيَ الخ متعلق ببرزوا اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ معطوف على تبدل، وقوله: مُقَرَّنِينَ حال، وقوله: سَرابِيلُهُمْ حال ثانية، وقوله: وتغشى معطوف على الحال. قوله: (مشدودين مع شياطينهم) عبارة البيضاوي: قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير:\r7] أو قرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم اهـ.\rقوله: فِي الْأَصْفادِ جمع صفد بفتحتين وهو القيد، والأغلال جمع غل بضم الغين وهو طوق من حديد اهـ شيخنا.","part":4,"page":167},{"id":1187,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 168\rسَرابِيلُهُمْ قمصهم مِنْ قَطِرانٍ لأنه أبلغ لاشتغال النار وَتَغْشى تعلو وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50)\rلِيَجْزِيَ متعلق ببرزوا اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ من خير وشر إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (51) يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك\rهذا القرآن بَلاغٌ لِلنَّاسِ أي أنزل لتبليغهم وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا بما فيه من الحجج أَنَّما هُوَ أي اللّه إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ بإدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (52) أصحاب العقول.\rوفي الأصفاد متعلق بمقرنين: وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة لمقرنين، والمقرن من جمع في القرن وهو الحبل الذي يربط به. وفي التفسير: أن كل كافر يقرن مع شيطانه في سلسلة، والأصفاد جمع صفد وهو الغل والقيد يقال: صفده يصفده صفدا من باب ضرب قيده،، والاسم الصفد وصفده مشدد للتكثير اهـ سمين.\rقوله: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ المراد أنه تطلى جلودهم حتى يكون الطلاء كالقميص، وذلك ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه نتن ريحه وإسراع النار في جلودهم اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال إما من المجرمين، وإما من المقرنين، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر، والسرابيل الثياب، وسربلته: أي ألبسته السربال. والقطران ما يستخرج من شجر فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب ليذهب جربها لحدته وفيه لغات: قطران بفتح القاف وكسر الطاء وهي قراءة العامة، وقطران بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما، وقطران بكسر القاف وسكون الطاء بزنة سرحان، ولم يقرأ بها فيما علمت، وقرأ جماعة من قطر بفتح القاف وكسر الطاء وتنوين الراء آن بوزن عان وجعلوها كلمتين، والقطر النحاس. والآني اسم فاعل من أنى يأني أي تناهي في الحرارة، كقوله:\rوَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44] وعن عمر رضي اللّه عنه ليس بالقطران ولكنه النحاس اهـ.\rقوله: (لاشتعال النار) اللام بمعنى في أي أبلغ في اشتعالها.\rقوله: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ أي وقلوبهم أيضا اهـ بيضاوي.\rقوله: (متعلق ببرزوا) أي والجمل التي بينهما اعتراض كما في السمين. قوله: (في قدر نصف نهار الخ) أي فلا يشغله حساب عن حساب اهـ.\rقوله: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ الخ فيه من المحسنات رد العجز على الصدر، فقد افتتحت هذه السورة بقوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: 1] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أنزل لتبليغهم) أي إلى ما فيه رشدهم ونفعهم. أي: أنزل لا يصالهم للخير، وقوله:\rوَلِيُنْذَرُوا بِهِ معطوف على ما يفهم من المعنى، وهو ما ذكره الشارح بقوله (لتبليغهم) اهـ شيخنا.\rومحصل صنيعه أن البلاغ مصدر بمعنى اسم الفاعل أي: هذا مبلغ وموصل للناس إلى مراتب السعادة اهـ.\rقوله: (بما فيه من الحجج) الباء سببية اهـ.","part":4,"page":168},{"id":1188,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 169\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون\rالر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن والإضافة بمعنى من وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة\rرُبَما بالتشديد والتخفيف يَوَدُّ يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين لَوْ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سيأتي في الشارح أن الحجر واد بين المدينة والشام، وقوله: (تسع وتسعون آية) أي إجماعا، وقوله (مكية) أي إجماعا أيضا اهـ من الخازن.\rقوله: (هذه الآيات) أي آيات هذه السورة. قوله: (عطف) أي للتغاير اللفظي أي: إنما ساغ العطف، وإن كان المراد من الكتاب والقرآن واحدا لأجل التعدد في الاسم وقوله: (بزيادة) صفة أي مع زيادة صفة وهي مبين اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وتنكير القرآن للتفخيم، وكذا تعريف الكتاب اهـ.\rوفيه إشارة إلى التغاير بين المتعاطفين، وانهما مقصودان بالذات، فلذا عطف أحدهما على الآخر فالمقصود الوصفان اهـ شهاب.\rقوله: (بالتشديد والتخفيف) سبعيتان.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا أي بهذا الكتاب والقرآن فهذا مرتبط بما قبله اهـ.\rوقوله: (يوم القيامة) ظرف ليود. قوله: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ لو مصدرية والتعبير عن متمناهم بالغيبة نظرا للإخبار عنهم ولو نظر لصدوره منهم لقيل لو كنا اهـ زاده.\rوفي السمين: قوله: لَوْ كانُوا يجوز في لو وجهان، أحدهما: أن تكون الامتناعية وحينئذ يكون جوابها محذوفا تقديره لو كانوا مسلمين لسروا بذلك، أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول يود محذوف على هذا التقدير أي: ربما يود الذين كفروا النجاة دل عليه الجملة الامتناعية. والثاني: أنها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقديره وحينئذ يكون هذا المصدر المؤول هو المفعول للودادة أي: يودون كونهم مسلمين إن جعلناها كافة، وإن جعلناها نكرة كانت لو وما في حيزها بدلا من ما اهـ.","part":4,"page":169},{"id":1189,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 170\rكانُوا مُسْلِمِينَ (2) ورب للتكثير فإنه يكثر منهم تمني ذلك، وقيل للتقليل فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة\rذَرْهُمْ اترك الكفار يا محمد يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم وَيُلْهِهِمُ يشغلهم الْأَمَلُ بطول العمر وغيره عن الإيمان فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) عاقبة أمرهم وهذا قبل الأمر بالقتال\rوَما أَهْلَكْنا مِنْ زائدة قَرْيَةٍ أريد أهلها إِلَّا قوله: (و رب) أي التي هي حرف جر في الأصل، وقد كفت عن الجر هنا بدخول ما الزائدة المهيئة لها للدخول على الأفعال، لكنها إذا كفت بها لا تدخل إلا على الماضي، والمسوغ لذلك أن هذا المضارع بمنزلة الماضي في تحقق الوقوع من حيث إنه من أخبار اللّه، وهي صدق لا تتخلف، وقوله: (للتكثير) أي: بالنظر للمرات من التمني فلا ينافي القيل الآخر، لأنها للتقليل من حيث أزمان الإفاقة أي: فأزمان إفاقتهم قليلة بالنسبة لأزمان الدهشة وهذا لا ينافي أن التمني يقع كثيرا في تلك الأزمان القليلة بالنسبة لأزمان الدهشة فلا تخالف بين القولين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وما في ربما تحتمل وجهين، أحدهما: أنها المهيئة بمعنى أن رب مختصة بالأسماء، فلما جاءت ما هيأت دخولها على الأفعال. والثاني: أن ما نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على ما محذوف تتقديره رب شيء يوده الذين كفروا اهـ.\rقوله: (تدهشهم) في المختار: دهش الرجل تحير وبابه طرب، ودهش أيضا على ما لم يسم فاعله فهو مدهوش وأدهشه اللّه اهـ.\rقوله: ذَرْهُمْ هذا الأمر لا يستعمل له ماض إلّا قليلا استغناء عنه بترك، بل يستعمل منه المضارع نحو ونذرهم في طغيانهم ومن مجيء الماضي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «ذروا الحبشة ما وذرتكم»، ويأكلوا مجزوم على جواب الأمر، وقد تقدم أن ترك ووذر يكونان بمعنى صير، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفا أي: ذرهم مهملين، ولا يصح أن يكون يأكلوا هو الثاني ولا حالا إذ كان يجب رفعه اهـ سمين.\rقوله: (اترك الكفار) أي كفار مكة. قوله: يَأْكُلُوا مجزوم بحذف النون في جواب الأمر، وكذا يتمتعوا، وأما يلههم، فكذلك لكن بحذف الياء لأنه معتل ومسند للمفرد وهو الأمل اهـ شيخنا.\rقوله: وَيُلْهِهِمُ الهاء الأولى من بنية الفعل، والثانية مفعول به، والقراءات هنا ثلاث: كسر الهاء الثانية والميم وضمهما، وكسر الهاء، وضم الميم. وأما الهاء الأولى فمكسورة لا غير اهـ شيخنا وقوله: (يشغلهم) من باب قطع. قوله: (بطول العمر) الباء بمعنى اللام كما عبر بها غيره، وعبارة أبي السعود: ويلههم الأمل والتوقع لطول الأعمال وبلوغ الأوطار واستقامة الأحوال اهـ.\rوفي المصباح: أملته أملا من باب طلب ترقبته، وأكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله اهـ.\rقوله: (و هذا) أي قوله ذَرْهُمْ الخ. فهذه الآية منسوخة بآية القتال اهـ.\rقوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الخ لما هدد المكذبين المعاندين بقوله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بيّن هنا","part":4,"page":170},{"id":1190,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 171\rوَلَها كِتابٌ أجل مَعْلُومٌ (4) محدود لإهلاكها\rما تَسْبِقُ مِنْ زائدة أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (5) يتأخرون عنه\rوَقالُوا أي كفار مكة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن أن تأخير العذاب ليس مبنيا على الإهمال، بل إنما أمهلهم ليبلغوا الأجل المقدر لتعذيبهم، فقال: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الخ اهـ زاده.\rقوله: مِنْ زائدة أي في المفعول. قوله: (أريد أهلها) أي أريد بها أهلها فالمجاز في الظرف، ويصح أن يكون بالحذف اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ الجملة حالية، والمعنى وما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا في حال أن يكون لها كتاب أي أجل مؤقت لهلاكها اهـ أبو السعود.\rثم قال: أو الجملة صفة، لكن لا للقرية المذكورة بل للمقدرة التي هي بدل من المذكورة على المختار، فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة أي: ما أهلكنا قرية من القرى إلا قرية لها كتاب معلوم فليس فيه فصل بين الصفة والموصوف بإلا كما توهم اهـ.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ فيه أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنها واو الحال لك اعتباران أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجار والمجرور ويرتفع كتاب به فاعلا، والثاني يجعل الجار خبرا مقدما وكتاب مبتدأ حال لازمة. الوجه الثاني: أن الواو مزيدة وهذا يتقوى بقراءة ابن أبي عبلة إلا لها بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلة. الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة تأكيدا. قال الزمخشري: والجملة واقعة صفة لقرية، والقياس أن لا تتوسط هذه الواو بينهما كما فى قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما تقول: جاءني زيد عليه ثوبه، وجاءني وعليه ثوبه.\rقوله: مِنْ أُمَّةٍ فاعل تسبق ومن مزيدة للتأكيد وحمل على لفظ أمة في قوله أَجَلَها، فأفر وأنث وعلى معناها في قوله وَما يَسْتَأْخِرُونَ فجمع وذكر وحذف متعلق يستأخرون تقديره عنه للدلالة عليه ولوقوعه فاصلة اهـ سمين. والسين في يستأخرون زائدة كما أشار له الشارح.\rقوله: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ نادوا به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على التهكم. ألا ترى إلا ما نادو له وهو قولهم: إنك لمجنون، ونظير ذلك قول فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27] والمعنى إنك لتقول قول المجانين حتى تدعي أن اللّه تعالى نزل عيك الذكر أي: القرآن اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: قوله: (في زعمه) أشار به إلى أن في الآية حذفا أي يا أيها الذي تدعي أنك نزل عليك الذكر، وأشار به إلى جواب كيف وصفوه بالجنون مع قولهم نزل عليه الذكر أي: القرآن المستلزم ذلك لاعترافهم بنبوته، أو إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية لا اعترافا، كما قال فرعون لقومه:\rإِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27] اهـ.\rوالحاصل أنهم قالوا مقالتين تعنتا الأولى: يا أَيُّهَا الَّذِي الخ، والثانية: لَوْ ما تَأْتِينا الخ،","part":4,"page":171},{"id":1191,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 172\rفي زعمه إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)\rلَوْ ما هلا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) في قولك إنك نبي هذا القرآن من عند اللّه، قال تعالى\rما نُنَزِّلُ فيه حذف إحدى التاءين الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ وقد رد اللّه عليهم المقالتين على سبيل اللف والنشر والمشوش، فقوله: ما نُنَزِّلُ الخ رد للثانية، وقوله إِنَّا نَحْنُ الخ رد للأولى اهـ شيخنا.\rقوله: نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ العامة على نزل مشددا مبنيا للمفعول، وقرأ زيد بن علي نزل شيئا مبنيا للفاعل اهـ سمين.\rقوله: (في زعمه) أي لأنهم لا يعتقدون نزوله عليه إنما هو بحسب زعمه على اعتقادهم الفاسد اهـ شيخنا.\rقوله: لَوْ ما تَأْتِينا الخ لو ما حرف تحضيض كهلا، وتكون أيضا حرف امتناع لوجود، وذلك كما أن لو لا مترددة بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أن التحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظا وتقديرا عند البصريين، واختلف فيها هل هي بسيطة أم مركبة، فقال الزمخشري: لو ركبت تارة مع لا وتارة مع ما لمعنيين، وأما هل فلم تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض. واختلف أيضا في لو ما هل هي أصل بنفسها أو فرع من لو لا، وإن الميم مبدلة من اللام اهـ سمين.\rقوله: (هلا) تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ أي لتخبرنا بصدقك. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم في المقالتين، وأشار بهذا إلى أن آخر كلامهم إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ اهـ كرخي.\rقوله: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ قرأ أبو بكر ما تنزل التاء وفتح النون والزاي المشددة مبنيا للمفعول الملائكة مرفوع لقيامه مقام فاعله، وهو موافق لقوله: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: 25]، ولأنها لا تنزل بضم إلا بأمر اللّه تعالى فغيرها هو المنزل لها وهو اللّه تعالى. وقرأ الأخوان وحفص ما ننزل بنونين متواليتن، الأولى منهما: مضمومة. والثانية: مفتوحة وكسر الزاي المشددة مبنيا للفاعل المعظم نفسه، وهو الباري تعالى، والملائكة نصبا مفعولا به، وهو موافق لقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: 111] ويناسب قوله قبل ذلك: وَأَهْلَكْنَا وقوله بعده: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا وما بعده من ألفاظ التعظيم، والباقون من السبعة ما تنزل بفتح التاء والنون والزاي المشددة، والملائكة مرفوعة على الفاعلية، والأصل تتنزل بتاءين فحذفت إحداهما وهو موافق لقوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها [القدر: 4]، وقرأ زيد بن علي ما تنزل الملائكة مبنيا للفاعل، والملائكة مرفوع على الفاعلية، وهو كقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: 193] اهـ سمين.\rقوله: (إلا بالحق) أي إلّا تنزلا ملتبسا بالحق أي بالوجه الذي قدره واقتضته حكمته اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا بِالْحَقِ يجوز تعلقه بالفعل قبله أو بمحذوف على أنه حال من الفاعل أو المفعول أي ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري نعتا لمصدر محذوف أي إلا تنزلا ملتبسا بالحق اهـ.","part":4,"page":172},{"id":1192,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 173\rبالعذاب وَما كانُوا إِذاً أي حين نزول الملائكة بالعذاب مُنْظَرِينَ (8) مؤخرين\rإِنَّا نَحْنُ تأكيد لاسم إن، أو فصل نَزَّلْنَا الذِّكْرَ القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) من التبديل والتحريف والزيادة والنقص\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلا فِي شِيَعِ فرق الْأَوَّلِينَ (10)\rوَما كان يَأْتِيهِمْ قوله: أيضا: إِلَّا بِالْحَقِ أي لا بما قلتم واقترحتم من اخبارها لكم بصدقه، وقوله: (بالعذاب) أي بعذابكم اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بالعذاب) أي أو بالحكمة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونها وتشهد لكم بصدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، ومثله قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ [الاحقاف: 3] ولا حكمة أيضا في معالجتكم بالعقوبة، فإن منكم من ذراريكم من سبقت كلمتنا بالإيمان، وقوله: وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي: لو أنزلت عليهم الملائكة بالعذاب لم ينظروا ولم يؤخروا ساعة، وإذا حرف جواب وجزاء لأنه جواب لهم وجزاء الشرط مقدر تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم. قال صاحب النظم: إذا مركبة من إذ وأن وهي اسم بمنزلة حين تقول أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني، ثم ضم إليها أن فصار إذ إن ثم استثقلوا الهمزة فحذفوها، فصار إذن، ومجيء لفظة أن دليل على إضمار فعل بعدها. والتقدير: وما كانوا إذ كان ما طلبوا اهـ.\rقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي وليس إنزاله عليك بزعمك كما اعتقدوا أنه مختلق من عنده اهـ شيخنا.\rقوله: (تأكيد) أي لفظ نحن تأكيد لاسم إن أو فصل أي ضمير فصل، وفيه أن ضمير الفصل لا يكون إلا بين اسمين لا بين اسم وفعل كما هنا، وفيه أيضا أن ضمير الفصل لم يعهد إلا ضمير غيبة اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (أو فصل) هو خلاف قول جمهور النحاة، لأن شرط ضمير الفصل عندهم أن يقع بعد مبتدأ، أو ما أصله المبتدأ، وجوز الجرجاني وقوعه قبل فعل، فلعل الشيخ المصنف تبعه اهـ.\rقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ بخلاف سائر الكتب المنزلة، فقد دخل فيها التحريف والتبديل بخلاف القرآن، فإنه محفوظ من ذلك لا يقدر أحد من جميع الخلق الإنس والجن أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفا واحدا أو كلمة واحدة، وفي كيفية حفظه خلاف. قال بعضهم: حفظه اللّه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر، فعجز الخلق عن الزيادة والنقصان فيه لأنهم لو فعلوا زيادة أو نقصا لظهر ذلك لكل عاقل، فلم يقدر أحد على ذلك. وقال بعضهم: أعجز اللّه الخلق عن إبطاله بوجه من الوجوه، فقيض اللّه العلماء لحفظه والذب عنه إلى آخر الدهر اهـ خازن.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ لما أساؤوا في الأدب وخاطبوه عليه السّلام خطاب السفاهة حيث قالوا له إنك لمجنون سلاه اللّه وقال: إن عادة الجهال مع الأنبياء كانت هكذا، وكانوا يصبرون على أذى الجهال ويستمرون على الدعوة والإنذار، فاقتد بهم أنت في ذلك بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ","part":4,"page":173},{"id":1193,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 174\rمِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كاستهزاء قومك بك وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم\rكَذلِكَ نَسْلُكُهُ أي مثل إدخالنا التكذيب في قلوب أولئك ندخله فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) أي كفار مكة\rلا يُؤْمِنُونَ بِهِ بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) أي سنة اللّه فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم قَبْلِكَ أي رسلا إلا أنه لم يذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه اهـ زاده.\rقوله: فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ نعت للمفعول المحذوف الذي قدره الشارح والإضافة من قبيل إضافة الموصوف لصفته، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه أي أصله الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار، والمعنى نبأنا رجالا فيهم وجعلناهم رسلا فيما بينهم اهـ بيضاوي.\rوقوله: (من قبيل) إضافة الموصوف لصفته كقوله: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: 95] والأصل في الشيع الأولين، والبصريون يؤولون مثله على حذف المضاف إليه أي: في شيع الأمم الأولين اهـ. زاده.\rوفي المصباح: الشيعة الأتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ثم صارت الشيعة اسما لجماعة مخصوصة، والجمع شيع مثل سدرة وسدر والأشياع جمع الجمع اهـ.\rقوله: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ من زائدة في الفاعل، وفيه أن الإتيان قد مضى، فلذلك قدر الشارح كان لتدل على أن المعنى على المضي اهـ.\rوفي السمين: قوله: وَما يَأْتِيهِمْ قال الزمخشري: هذا حكاية حال ماضية، لأن ما لا تدخل على مضارع إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم، لكنه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال، كقوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [يونس: 15] اهـ.\rقوله: إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذه الجملة يجوز أن تكون حالا من مفعول يأتيهم، ويجوز أن تكون صفة لرسول، فيكون في محلها وجهان: الجر باعتبار اللفظ والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالا فهي حال مقدرة اهـ.\rقوله: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ الخ في المختار: السلك بالكسر الخيط وبالفتح مصدر سلك الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخله فيه فدخل وبابه نصر. قال اللّه تعالى: كذلك نسلكه في قلوب المجرمين.\rوأسلك لغة ولم يذكر في الأصل سلك الطريق إذا ذهب فيه وبابه دخل، وأظنه سها عن ذكره لأنه مما لا يترك قصدا اهـ.\rقوله: (أي مثل ادخالنا التكذيب) أي المأخوذ من الاستهزاء.\rقوله: لا يُؤْمِنُونَ في محل النصب على الحال، ويجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب، لأنها بيان لقوله كَذلِكَ نَسْلُكُهُ وقوله: وَقَدْ خَلَتْ جملة مستأنفة اهـ سمين.\rقوله: (من تعذيبهم الخ بيان لسنة الأولين.","part":4,"page":174},{"id":1194,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 175\rوهؤلاء مثلهم\rوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ في الباب يَعْرُجُونَ (14) يصعدون\rلَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ سدت أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) يخيل إلينا ذلك\rوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً اثني عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل، والعقرب والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو وَزَيَّنَّاها بالكواكب قوله: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي على كفار مكة أي لهم. قوله: فَظَلُّوا فِيهِ يقال ظل فلان يفعل كذا إذا فعله بالنهار. وفي هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه للملائكة، والمعنى لو كشفنا عن أبصار هؤلاء الكفار فرأوا بابا في السماء مفتوحا، والملائكة تصعد منه لما آمنوا. والقول الثاني: أنه للمشركين، والمعنى فظل المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون إلى ملكوت السموات وما فيها من الملائكة لما آمنوا، ولقالوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا اهـ خازن.\rقوله: إِنَّما سُكِّرَتْ بالتخفيف والتشديد سبعيتان، فعلى التخفيف يقال سكرت النهر سكرا من باب قتل سددته والسكر بالكسر ما يسد به اهـ مصباح.\rوقوله: (و التشديد) أي لأجل التكثير والمبالغة اهـ زاده.\rقوله: بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي سحر محمد عقولنا كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: وإيضاح ذلك أنهم قالو كلمة إنما وهي تفيد الحصر في المذكور آخرا، فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير، فكأنهم قالوا: سكرت أبصارنا لا عقولنا، ونحن وإن كنا نتخيل بأبصارنا هذه الأشياء، لكنا نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه أي لا حقيقة له، ثم قالوا: بل نحن كأنهم أضربوا عن الحصر في الأبصار، وقالوا: بل جاوز ذلك إلى عقولنا بسحر صنعه لنا اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً جعلنا يجوز أن يكون بمعنى خلقنا، فيتعلق به الجار، وأن يكون بمعنى صيرنا فيكون مفعوله الأول بروجا ومفعوله الثاني الجار فيتعلق بمحذوف اهـ سمين.\rقوله: بُرُوجاً أي منازل ومحال وطرقا تسير فيها الكواكب السبعة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي منازل الكواكب) أي محال نزولها وسيرها، وقوله: (المريخ) بكسر أوله، كما في المختار وهو كوكب في السماء الخامسة، وقوله: (و الزهرة) بضم أوله وفتح ثانية، وقوله (و عطارد) بفتح العين ويمنع الصرف لصيغة منتهى الجموع، وقوله: (و زحل) يمنع الصرف للعلمية والعدل كعمر اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: أن عطارد يصرف ويمنع من الصرف اهـ.","part":4,"page":175},{"id":1195,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 176\rلِلنَّاظِرِينَ (16)\rوَحَفِظْناها بالشهب مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (17) مرجوم\rإِلَّا لكن مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ خطفه فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18) كوكب يضيء ويحرقه أو يثقبه أو يخبله\rوَالْأَرْضَ قوله: لِلنَّاظِرِينَ أي بأبصارهم أو بصائرهم اهـ خازن.\rوفي السمين والنظر عيني، وقيل قلبي وحذف متعلقه ليعم اهـ.\rقوله: وَحَفِظْناها (بالشهب) وذلك أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات فيدخلونها ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، ولما ولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من السموات أجمعها اهـ خازن.\rقوله: مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي من دخوله.\rقوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أي من غير دخول، وهذا وجه الانقطاع والسمع بمعنى المسموع، وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا إلى السماء فيسترقوا السمع من الملائكة، وقوله: (خطفه) بفتح الخاء وكسر الطاء، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ [الصافات: 101] وبابه فهم اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: إِلَّا لكن تبع في كون هذا الاستثناء منقطعا أبا البقاء، والمعربون على أنه متصل، والتقدير إلا ما استرق السمع، فإنها لا تحفظ منه ومن في موضع نصب على القولين، وقال الحوفي: في موضع جر على البدل من كل شيطان ورد بأن ما قبل إلا موجب، والبدل لا يكون في الموجب.\rوأجيب: بأن قوله وَحَفِظْناها الخ في معنى النفي كقوله تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة: 249] وأجاز أبو البقاء أن تكون من في موضع رفع على الابتداء وفأتبعه الخبر وجاز دخول الفاء لأن من بمعنى الذي أو شرطية، وحينئذ يكون من باب الاستثناء المنقطع اهـ.\rوفي أبي السعود: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ محله النصب على الاستثناء المتصل إن فسر الحفظ بمنع الشياطين من التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة، أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع من دخولها والتصرف فيها اهـ.\rقوله: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ أي لحقه وتبعه. قوله: (كوكب يضيء) تفسير للشهاب كما في المختار، وأما المبين فمعناه البين الواضح الظاهر، وما جرى عليه الشارح أحد قولين للمفسرين، وهو أن الذي ينزل على الشيطان نفس الكوكب فيصيبه ثم يرجع مكانه، والقول الثاني: أن الشهاب الذي يصيب الشيطان شعلة نار تنفصل من الكوكب وتسميتها بالشهاب تجوز لانفصالها منه اهـ من الخازن.\rوصنيع البيضاوي يقتضي أن الشهاب بمعنى الشعلة هو الحقيقة والكثير، وبمعنى الكوكب هو القليل: ونصه: والشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق على الكوكب والسنان لما فيهما من البريق اهـ.\rوالسنان طرف الرمح اهـ.\rقوله: (يحرقه) بضم أوله وسكون ثانية وكسر ثالثه مخففا، وبضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه","part":4,"page":176},{"id":1196,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 177\rمَدَدْناها بسطناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت لئلا تتحرك بأهلها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) معلوم مقدر\rوَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ بالياء من الثمار والحبوب وَجعلنا لكم مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (20) من العبيد والدواب والأنعام فإنما يرزقهم اللّه\rوَإِنْ ما مِنْ زائدة مشددا، وقوله: (أو يثقبه) أي ينفذ منه، وقوله: (أو يخبله) بفتح الأول وسكون الثاني وكسر الثالث مخففا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: خبلته خبلا من باب ضرب فهو مخبول إذا أفسدت عضوا من أعضائه، أو أذهبت عقله، والخبال بفتح الخاء يطلق على الفساد والجنون اهـ.\rقوله أيضا: (يحرقه) أي فمنهم من يحرق أي يحرق وجهه أو جنبه أو يده، ومنهم من يثقبه، ومنهم من يخبله فيصير غولا في الوادي يضل الناس اهـ خازن.\rقوله: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها الأرض نصب على الاشتغال ولم يقرأ بغيره، لأنه أرجح من حيث العطف على جملة فعلية قبلها، وهي قوله: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً. وقال الشيخ: ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية كان النصب أرجح من الرفع. قلت: لم يعدوا هذا من القرائن المرجحة للنصب، وإنما عدّوا عطفها على جملة فعلية قبلها لا عطف جملة فعلية عليها، ولكنه القياس إذ يعطف فيه فعلية على مثلها بخلاف ما لو رفعت إذ يعطف فعلية على اسمية، لكنهم لم يعتبروا ذلك اهـ سمين.\rقوله: (بسطناها) أي على الماء، وقوله: وَأَلْقَيْنا أي جعلنا ووضعنا. وقوله: (جبالا ثوابت) أي رواسي جمع راسية كما في المختار. قوله: (لئلا تتحرك بأهلها) وذلك أن اللّه لما خلق الأرض على الماء ماجت واضطربت كالسفينة فأمسكها بالجبال اهـ شيخنا. قوله: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يجوز من أن تكون تبعيضية وهو الصحيح وأن تكون مزيدة عند الكوفيين والأخفش اهـ سمين.\rقوله: (معلوم مقدر) أي عند اللّه فيعلم القدر الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم، فيكون إطلاق الوزن عليه مجازا، لأن الناس لا يعرفون مقادير الأشياء إلا بالوزن اهـ خازن.\rقوله: مَعايِشَ جمع معيشة وهي ما يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من المطاعم والمشارب والملابس ونحو ذلك اهـ خازن.\rقوله: (بالياء) وذلك لأنها في المفرد أصلية، لأن مفرده معيشة من العيش، فالياء أصلية والمد في المفرد لا يقلب همزا في الجمع إلا إذا كان زائدا في المفرد كما قال ابن مالك:\rوالمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد\r\rاه شيخنا.\rوهذا في قراءة الجمهور، وقرئ بالهمز على التشبيه بشمائل، وقد ذكر في الأعراف وهي شاذة اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (أي من العبيد الخ) أي فأنتم تنتفعون بهذه الأشياء وخلقت","part":4,"page":177},{"id":1197,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 178\rشَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ مفاتيح خزائنه وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) على حسب المصالح\rوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ تلقح السحاب فيمتلىء ماء فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ السحاب ماءً مطرا لمنافعكم ولستم برازقين لها، وإنما الرازق للجميع هو اللّه، وهذا في غاية الامتنان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَمَنْ لَسْتُمْ يجوز في من خمسة أوجه: أحدها: وهو قول الزجاج إنه منصوب بفعل مقدر تقديره وأغنينا من لستم له برازقين كالعبيد والدواب والوحوش. الثاني: أنه منصوب عطفا على معايش أي: وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين من الدواب المنتفع بها. الثالث:\rأنه منصوب عطفا على محل لكم. الرابع: أنه مجرور عطفا على الكاف المجرورة باللام، وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي الكوفيين وبعض البصريين، وقد تقدم تحقيقه في البقرة عند قوله: وكفر به والمسجد الحرام. الخامس: أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف أي: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ جعلنا فيها معايش، وسمع من العرب ضربت زيدا وعمرو برفع عمرو مبتدأ محذوف الخبر أي وعمرو ضربته، ومن يجوز أن يراد بها العقلاء أي: ومن لستم له برازقين من مواليكم الذين تزعمون أنكم ترزقونهم وإن يراد بها غيرهم أي: من لستم له برازقين من الدواب، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم، وإليه ذهب جماعة من المفسرين، ويجوز أن يراد بها النوعان وهو حسن لفظا ومعنى اهـ.\rقوله: (من العبيد) أي والخدم وغيرهم من كل من تظنون أنكم ترزقونه ظنا كاذبا فاسدا اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ (زائدة) أي في المبتدأ وعندنا خبره وخزائنه فاعل به لاعتماده على النفي، ويجوز أن يكون عندنا خبرا لما بعده والجملة خبر الأول، والأول أولى لقرب الجار من المفرد، وذكر الخزائن تمثيل لكمال قدرته شبه قدرته على كل شيء بالخزائن المودوعة فيها الأشياء المعدة لإخراج كل شيء بحسب ما اقتضته حكمته تعالى، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rوالخزائن جمع خزانة وهي المكان الذي يخزن فيه الشيء للحفظ، والمراد مفاتيحها كما قال الشارح، والمراد أنه لا يتوصل إلى شيء منها إلا بإقدار اللّه وإعطائه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قال ابن الخطيب: وتخصيص قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ بالمطر تحكم محض، لأن قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه في البر والبحر، وهو تأويل قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ اهـ.\rقوله: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي إلا ملتبسا بقدر اهـ سمين.\rقوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع المرور اهـ خطيب.\rقوله: أيضا لَواقِحَ أي حوامل، لأنها تحمل الماء إلى السحاب فهي ملقحة. يقال: ناقة ملقحة إذا حملت الولد، وقال ابن مسعود يرسل اللّه الريح فتحمل الماء فتمجه في السحاب، ثم تمر به","part":4,"page":178},{"id":1198,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 179\rفَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22) أي ليست خزائنه بأيديكم\rوَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (23) الباقون نرث جميع الخلق\rوَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي من تقدم من الخلق من لدن آدم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) المتأخرين إلى يوم القيامة\rوَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ في فتدره كما تدر الملقحة ثم تمطره وقال أبو عبيد: يبعث اللّه الريح المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاما ثم يبعث اللواقع فتلقحه اهـ خطيب.\rقال أبو بكر بن يعيش: لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل فيها الرياح الأربعة، فالصبا تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه اهـ خازن.\rقوله: لَواقِحَ حال مقدرة من الرياح وفي اللواقح أقوال، أحدها: أنها جمع ملقح، لأنه من ألقح يلقح فهو ملقح فجمعه ملاقح فحذفت الميم تخفيفا. يقال: ألقحت الريح السحاب كما يقال ألقح الفحل الأنثى وهذا قول أبي عبيدة. والثاني: أنها جمع لاقح يقال لقحت الريح إذا حملت الماء، وقال الأزهري: حوامل تحمل السحاب كقولك: ألقحت الناقة فلقحت إذا حملت الجنين في بطنها فشبهت الريح بها. الثالث: أنها جمع لاقح على النسب كلابن وتامر أي ذات لقاح قاله الفراء اهـ سمين.\rوفي المختار: ألقح الفحل الناقة والريح السحاب، ورياح لواقح ولا تقل ملاقح وهو من النوادر اهـ.\rوفي القاموس: وألقحت الرياح الشجر فهي لواقح وملاقح اهـ.\rقوله: (تلقح السحاب) أي تمج الماء فيه. قوله: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلناه لكم سقيا أي معدا لسقي أنفسكم وأراضيكم ومواشيكم اهـ زاده.\rقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ نحن يجوز أن يكون مبتدأ ونحيي خبره، والجملة خبر إنا. ويجوز أن يكون تأكيدا لنا في إنا، ولا يجوز أن يكون فصلا لأنه لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره. وقال أبو البقاء:\rلا يكون فصلا لوجهين، أحدهما: أن بعده فعلا، والثاني: أنه معه اللام. قلت: الوجه الثاني غلط، فإن لام التوكيد لا يمتنع دخولها على الفصل كما نص على ذلك النحاة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ [آل عمران: 62] فقد جوزوا فيه الفصل مع اقترانه باللام اهـ سمين.\rقوله: (نرث جميع الخلق) أي فلا يبقى أحد سوانا فيزول ملك كل مالك، ويبقى جميع ملك المالكين لنا. والوارث: هو الباقي بعد ذهاب غيره، واللّه تعالى هو الباقي بعد فناء خلقه الذين أمتعهم في الدنيا بما آتاهم، فإذا أفنى جميع الخلائق رجع الذين كانوا يملكونه في الدنيا على المجاز إلى مالكه على الحقيقة وهو اللّه تعالى اهـ خازن.\rيعني: أن الوارث من يخلف الميت في تملك تركته وهو مستحيل في حقه تعالى لأنه مالك للموجودات بأسرها أصالة لا خلافه، فوجب جعله مستعارا لمعنى الباقي بعد فناء خلقه تشبيها له بوارث الميت في بقائه بعد فنائه اهـ زاده.","part":4,"page":179},{"id":1199,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 180\rصنعه عَلِيمٌ (25) بخلقه\rوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ آدم مِنْ صَلْصالٍ طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر مِنْ حَمَإٍ طين أسود مَسْنُونٍ (26) متغير\rوَالْجَانَ أبا الجن وهو إبليس خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل خلق آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ (27) هي نار لا دخان لها تنفذ في المسام\rوَاذكر إِذْ قوله: مِنْ صَلْصالٍ من: لابتداء الغاية أو للتبعيض، وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية، وأول ابتدائه أنه كان ترابا متفرق الأجزاء، ثم بل فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن واسود فصار حمأ مسنونا أي:\rمتغيرا ثم يبس فصار صلصالا اهـ قرطبي.\rوعلى هذه الأطوار والأحوال تتخرج الآيات الواردة في أطواره الطينية كآية خلقه من تراب وآية بشرا من طين، وهذه الآية التي نحن فيها اهـ.\rقوله: (إذ نقر) أي صدم وضرب بجسم آخر، والصلصال هنا بمعنى المصلصل كالزلزال بمعنى المزلزل، ويكون فعلال أيضا مصدرا نحو الزلزال وفي وزن هذا النوع أعني ما كررت فاؤه وعينه خلاف، فقيل: وزنه فعفع كررت الفاء والعين ولا لام للكلمة قاله الفراء، وغيره وهو غلط لأن أقل الأصول ثلاثة فاء وعين ولام، والثاني: أن وزنه فعفل وهو قول الفراء، والثالث: أن أصله فعل بتشديد العين وأصله صلل، فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس فاء الكلمة وهو مذهب كوفي. وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث، نحو لملم وكبكب، فإنك تقول فيهما لم وكب، فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع، والرابع: أن وزنه فعلل بتكرير اللام فقلبت الأولى منهما من جنس فاء الكلمة اهـ سمين.\rقوله: مِنْ حَمَإٍ من ابتدائية. قوله: (متغير) أي متغير الرائحة من طول مكثه حتى يتخمر اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أي منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فإن ما يسيل بينهما يكون منتنا ويسمى سنينا.\rقوله: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ منصوب على الاشتغال اهـ سمين.\rقوله: (و هو إبليس) وقيل: إن الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وهما نوعان يجمعهما وصف الاستتار عنا. وفي الجن مسلمون وكافرون، وهم يأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس منهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات إبليس أبوهم اهـ خازن.\rقوله: (هي نار لا دخان لها) وعن أبي صالح: السموم نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث اللّه أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب اهـ خطيب.\rقوله: (تنفذ في المسام) أي تدخل فيها الشدة لطفها وقوة حرارتها، فإذا دخلت في الإنسان قتلته اهـ خازن.\rوالمسام هي ثقب البدن جمع سم بكسر السين على غير قياس كمحاسن جمع حسن اهـ شيخنا.","part":4,"page":180},{"id":1200,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 181\rقالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)\rفَإِذا سَوَّيْتُهُ أتممته وَنَفَخْتُ أجريت فِيهِ مِنْ رُوحِي فصار حيا، وإضافة الروح إليه تشريف لآدم فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) سجود تحية بالانحناء\rفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) فيه تأكيدان\rإِلَّا إِبْلِيسَ هو أبو الجن كان بين الملائكة أَبى امتنع من أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)\rقالَ تعالى يا إِبْلِيسُ ما لَكَ ما منعك وفي السمين: والسموم ما يقتل من إفراط الحر من شمس أو ريح أو نار، لأنها تدخل في المسام فتقتل، وقيل: السموم ما كان ليلا والحرور ما كان نهارا. وقال ابن عباس: نار لا دخان لها، وقيل: هو من باب إضافة الموصوف اهـ.\rقوله: فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي صورته بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه ونفخت فيه من روحي، والنفخ إجراء الريح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لإضافة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، فإذا كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ رُوحِي من زائدة أو تبعيضية أي نفخت فيه روحا هي بعض الأرواح التي خلقتها أي أدخلتها وأجريتها فيه. قوله: (و إضافة الروح اليه) كما يقال: بيت اللّه وناقة اللّه وعبد اللّه اهـ خازن.\rقوله: فَقَعُوا الفاء في جواب إذا، وقعوا فعل أمر من وقع يقع أي: اسقطوا وخروا، وحذفت الواو من الأمر.\rقوله: (بالانحناء) أي لا بوضع الجبهة على الأرض الذي هو السجود الحقيقي، إذ هذا لا يكون إلا اللّه، وهذا أحد قوليه تقدم ذكرهما في سورة البقرة. والثاني أن المراد السجود الحقيقي وكان جائزا إذ ذاك أو أن المراد من قوله لَهُ أي لجهته بأن تسجدوا للّه متوجهين لآدم كالقبلة تشريفا له اهـ شيخنا.\rقوله: (فيه تأكيدان) أي للمبالغة وزيادة الاعتناء. وعبارة الكرخي: فيه تأكيد لزيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن، ولا يكون تحصيلا للحاصل، لأن نسبة أجمعون إلى كلهم كنسبة كلهم إلى أصل الجملة أو أجمعون يفيد معنى الاجتماع .. وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجدوا الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم، فلما قال كلهم زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم عند هذا بقي احتمال، وهو أنهم هل سجدوا دفعة واحدة، أو سجد كل واحد في وقت، فلما قال أجمعون ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة اهـ. وهو إيضاح لما سبق اهـ.\rقوله: (كان بين الملائكة) يشير بهذا إلى وجه الاستثناء، وأنه متصل باعتبار التغليب، ولذلك لم يفسر إلا بلكن على عادته في المنقطع اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء متصل، إما لأنه كان جنيا مفردا مغمورا بألوف من الملائكة، فعدّ منهم تغليبا، وإما لأن من الملائكة جنسا يتوالدون وهو منهم، وقوله أَبى أن يكون","part":4,"page":181},{"id":1201,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 182\rأَلَّا زائدة تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)\rقالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لا ينبغي لي أن أسجد لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33)\rقالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة وقيل من السماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) مع الساجدين استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء، فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد، وبقوله أَبى الخ علم أنه مع الاباء الاستكبار أو منقطع، فيتصل به ما بعده أي لكن إبليس أبى أن يكون معهم اهـ.\rقوله: قالَ (تعالى) يا إِبْلِيسُ الخ ظاهره يقتضي أن اللّه تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة، لأن إبليس قال في الجواب لم أكن لأسجد لبشر خلقته، فقوله خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، فقول بعض المتكلمين إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ضعيف. فإن قيل: كيف يعقل هذا مع أن مكالمة اللّه تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة؟ فالجواب: أن مكالمة اللّه تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كانت على سبيل الإهانة والاذلال فلا اهـ كرخي.\rقوله: (ما منعك) حل معنى حمله عليه مراعاة الآية الأخرى المذكورة، وإلّا فما استفهامية مبتدأ ولك خبرها، والاستفهام للتوبيخ والتقريع. وعبارة البيضاوي: أي غرض لك في أن لا تكون مع الساجدين انتهت. وعليها فليست لا زائدة اهـ.\rقوله: أَلَّا أي: من أن لا وقوله (زائدة) أي: بدليل ما في سورة ص ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: 75]، وعلى عدم زيادتها يكون المقدر في أي ما عذرك في أن لا تكون اهـ.\rقوله: (لا ينبغي لي أن أسجد) أي: لا يصح مني ولا يليق بحالي، فاللام لتأكيد النفي اهـ بيضاوي.\rقوله: لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ أي وخلقتني من نار، وهي أشرف من الطين المتغير المنتن، لأنها نيرة والطين كثيف مظلم اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وحاصل كلامه أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان روحانيا لطيفا، فكأنه يقول البشر جسماني كثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف، فكيف يسجد الأعلى للأدنى، وأيضا فآدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل إبليس هي النار، وهي أشرف العناصر، فكأن أصل إبليس أشرف من أصل آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فهذا مجموع شبه إبليس اهـ.\rقوله: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها الفاء في جواب شرط مقدر أي: فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها اهـ.\rقوله: (أي من الجنة الخ) إشارة للخلاف في قصة امتناع إبليس من السجود هل كانت قبل دخول آدم الجنة، أو وهو فيها كما هو مذكور في كتب السير؟ وقوله: رَجِيمٌ في المصباح: الرجيم بفتحتين الحجارة، والرجم القبر سمي بذلك لما يجتمع عليه على الأحجار، ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم اهـ.","part":4,"page":182},{"id":1202,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 183\rمطرود\rوَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (35) الجزاء\rقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) أي الناس\rقالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37)\rإِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) وقت النفخة الأولى\rقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي أي بإغوائك لي والباء للقسم وجوابه لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ المعاصي وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) وفي القاموس: الرجم اللعن والشتم والطرد والهجران اهـ.\rقوله: (مطرود) أي: عن الرحمة.\rقوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ قيل إن أهل السماء يلعنون إبليس كأهل الأرض فهو ملعون فيهما، وقوله: إِلى يَوْمِ الدِّينِ. فإن قلت: هل ينقطع اللعن عنه في الآخرة كما هو مقتضى الغاية؟ قلت: لا بل يزداد عذابا إلى اللعنة التي عليه، فكأنه قيل: وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم الدين، ثم تزداد بعد ذلك معها عذابا دائما مستمرا لا ينقطع اهـ خازن.\rوفي الكرخي: وتحديد اللعنة بيوم الدين لأنه يناسب أيام التكليف، وأما قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ [الاعراف: 44] الآية، فبمعنى آخر غير الطرد والابعاد، وهو التعذيب الذي تنسى عنده هذا، وهذا جواب ما يقال كيف غي اللعنة بيوم الدين مع أنه أثبتها فيه بقوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الاعراف: 44] أو لأنه أبعد غاية يصر بها الناس في كلامهم للتأبيد، كقوله تعالى: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هود: 108] اهـ.\rقوله: إِلى يَوْمِ الدِّينِ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في عليك، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة اهـ سمين.\rقوله: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي: يوم القيامة، وأراد بهذا السؤال أنه لا يموت أبدا لأنه إذا أمهل إلى يوم البعث الذي هو وقت النفخة الثانية لا يموت بعد ذلك لانقطاع الموت من حين النفخة الأولى، فعلم أنه إذا أمهل إلى يوم البعث أمهل إلى الأبد، فأجابه اللّه تعالى بقوله: قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ يعني الوقت الذي يموت فيه جميع الخلائق وهو وقت النفخة الأولى فتموت فيها ثم تبعث مع الناس، فمدة موته أربعون سنة وهي ما بين النفختين، ولم تكن إجابة اللّه له في الامهال إكراما له، بل زيادة في شقاوته وعذابه اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: أراد بهذا السؤال أن يجد فسحة في الاغواء ونجاة عند الموت إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني اهـ.\rقوله: (و الباء للقسم) واختار البيضاوي في الأعراف: كونها للسببية، ونقل كونها للقسم بصيغة التمريض، لأنه وقع في مكان آخر. قال: فَبِعِزَّتِكَ [ص: 82] والقصة واحدة، إلا أن أحدهما إقسام بصفة ذاته، والثاني إقسام بفعله، والفقهاء قالوا الإقسام بصفات الذات صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال ومنهم من فرق بينهما، ولأن جعل الاغواء مقسما به غير متعارف اهـ كرخي.\rقوله: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ الضمير في لهم لذرية آدم، وإن لم يجر لهم ذكر للعلم بهم اهـ سمين.\rقوله: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أي: أحملنهم على الغواية التي هي الكفر بدليل تفسير المستثنى بالمؤمنين","part":4,"page":183},{"id":1203,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 184\rإِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) أي المؤمنين\rقالَ تعالى هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) وهو\rإِنَّ عِبادِي أي المؤمنين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قوة إِلَّا لكن مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42) الكافرين\rوَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) أي من تبعك معك\rلَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أطباق لِكُلِّ بابٍ قوله: الْمُخْلَصِينَ أي: الذين أخلصوا في طاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي اهـ بيضاوي.\rقوله: قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَ أي على حفظه ومراعاته، وقوله: مُسْتَقِيمٌ نعت اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: أي: على رعايته كالحق الذي تجب مراعاته في تأكيد ثبوته، وتحقيق وقوعه.\rفالكلام على التشبيه عند أهل السنة كما في قوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:\r47] إذ لا تجب رعاية الأصلح عندنا اهـ.\rوفي أبي السعود: قال: هذا صِراطٌ عَلَيَ أي: حقّ عليّ أن أراعيه مستقيم لا عوج فيه، والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه، أو للإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إليّ من غير اعوجاج وضلال، والأظهر أن ذلك ردّ لما وقع في عبارة إبليس حيث قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [الأعراف: 16] الآية، اهـ.\rقوله: إِنَّ عِبادِي وهم المشار إليهم بالمخلصين ليس لك عليهم سلطان. أي: قوة وقدرة، وذلك أن إبليس لما قال لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، أوهم بذلك أن له سلطانا على غير المخلصين، فبين اللّه تعالى أنه ليس له سلطان على أحد من عبيده سواء كان من المخلصين أو لم يكن من المخلصين. قال أهل المعنى: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أن تلقيهم في ذنب يضيق عنهم عفوي، وهؤلاء صفوة اللّه الذين هداهم واختارهم من عباده إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ يعني: إلا من اتبع إبليس من الغاوين، فإن له عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين له فيما يأمرهم به اهـ خازن.\rوفي مع كونه تحقيقا لما قاله اللعين تفخم لشأن المخلصين، وبيان لمنزلتهم ولانقطاع محالب لاغواء عنهم، وأن إغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان، بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم اهـ أبو المسعود.\rقوله: (قوة) أي: قوة توقعهم بها في الكفر، فلا ينافي أن له عليهم قوة تزيين المعاصي غير الكفر اهـ.\rقوله: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أولها جهنم: ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقوله: لِكُلِّ بابٍ الخ يعني لكل دركة قوم يسكنونها، والجزء بعض الشيء، وجزأته جعلته أجزاء والمعنى: أن اللّه تعالى يجزىء أتباع إبليس سبعة أجزاء، فيدخل كل جزء وقسم دركة من النار، والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة، فلذلك اختلفت مراتبهم في النار. قال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار، يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، وفي الثانية","part":4,"page":184},{"id":1204,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 185\rمنها مِنْهُمْ جُزْءٌ نصيب مَقْسُومٌ (44)\rإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (45) تجري النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون اهـ خازن.\rوفي الخطيب: تنبيه تخصيص هذا العدد لأن أهلها سبع فرق، وقيل: جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، لأنها مصادر السيئات، فكانت مواردها الأبواب السبعة، ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية، والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحدا، فجعلت أبواب الجنان ثمانية اهـ.\rقوله: (أطباق) في المصباح: الطبق من أمتعة البيت جمعه أطباق مثل سبب وأسباب. وطباق أيضا مثل جبل وجبال، وأصل الطبق الشيء على مقدار الشيء مطبقا له من جميع جوانبه كالغطاء له، ومنه يقال أطبقوا على الأمر بالألف إذا اجتمعوا عليه متوافقين غير متخالفين اهـ.\rقوله: لِكُلِّ بابٍ أي طبقة منها أي: حالة كون الباب من تلك السبعة، وقوله: مِنْهُمْ نعت لجزء قدم عليه فيعرب حالا، والتقدير لكل باب كائن منها جزء حالة كونه منهم أي من الغاوين، والمراد بالجزء الحزب أي الطائفة والفريق اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أي مستغرقون فيهما خالدون لكل واحد جنة وعين، أو لكل منهم عدة منهما كقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: 46] اهـ أبو السعود.\rوقال ابن عباس: المراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك باللّه سبحانه والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين وهو الصحيح، لأن المتقي هو الآتي بالتقوى ولو مرة واحدة، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب ولو مرة، والقاتل هو الآتي بالقتل ولو مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضاربا وقاتلا أن يكون آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا أن يكون آتيا بجميع أنواع التقوى، لأن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى، لأن كل فرد من أفراد الماهية يجب كونه مشتملا على تلك الماهية، وبهذا التحقيق استدلوا على أن الأمر لا يفيد التكرار، وإذا ثبت ذلك فأجمعت الأمة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول الحكم بدخول الجنة. وقال الجبائي وجمهور المعتزلة: المتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي؛ قالوا لأنه اسم مدح لا يتناول إلا من كان كذلك اهـ كرخي.\rقوله: وَعُيُونٍ قال الرازي: يحتمل أن يكون المراد منها ما ذكره اللّه تعالى في قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: 15] الآية. ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار. فإن قيل: هل كل واحد من المتقين مختص بعيونه أو تجري تلك العيون بعضها إلى بعض. أجيب: بأن كل واحد من الوجهين محتمل، فيجوز أن يختص كل واحد بعين ينتفع هو بها، ومن يختص به من الحور والوالدان، ويكون ذلك على قدر حاجاتهم، وعلى حسب شهواتهم، ويحتمل أن تجري من بعضهم إلى بعض لأنهم يطهرون عن الحقد والحسد اهـ خطيب.","part":4,"page":185},{"id":1205,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 186\rفيها ويقال لهم\rادْخُلُوها بِسَلامٍ أي سالمين من كل مخوف أو مع سلام أي سلموا وادخلوا آمِنِينَ (46) من كل فزع\rوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ حقد إِخْواناً حال من هم عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47) حال أيضا أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم\rلا يَمَسُّهُمْ فِيها قوله: بِسَلامٍ في محل نصب على الحال من الواو في ادخلوها أي بسلام من اللّه على المعنى الأول، ومن بعضكم على بعض على المعنى الثاني، وقوله (أي سلموا) راجع للمعنى الثاني. أي:\rليسلم بعضكم على بعض سلام التحية. وقوله: (ادخلوا) دخول على قوله آمِنِينَ أي: أن قوله آمنين معمول لهذا المحذوف، لكنه ليس محتاجا إليه للتصريح به في الآية، فكان عليه أن يعربه أي آمنين حالا من الواو في ادخلوا اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وآمنين حال أخرى، وهي بدل من الأولى أي: بدل كل من كل، أو بدل اشتمال لأن الأمن مشتمل على التحية أو بالعكس، فإن قيل: إن اللّه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم ادخلوها؟ فالجواب: أنهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ اهـ.\rقوله: (من كل فزع) أي ومن زوال هذا النعيم.\rقوله: مِنْ غِلٍ الغل: الحقد الكامن في القلب، ويطلق على الشحناء والعداوة والبغضاء والحقد والحسد، فكل هذه الخصال المذمومة داخلة في الغل، لأنها كامنة في القلب وروي أن المؤمنين يوقفون على باب الجنة وقفة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة، وقد نقى اللّه قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد اهـ خازن.\rقوله: (حال من هم) أي ضمير صدورهم المضاف إليه، وجاز لأن المضاف جزء المضاف إليه، والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالا من فاعل ادخلوها على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء، ولا حاجة له بل هي حال مقارنة اهـ كرخي.\rقوله: عَلى سُرُرٍ جمع سرير وهو مجلس رفيع عال موطأ للسرور، وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ابن عباس: أي علي سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية اهـ خازن.\rقوله: (حال أيضا) أي من الضمير في إخوانا، ويجوز كونه صفة لإخوانا. وقال أبو البقاء: يجوز أن يتعلق بنفس إخوانا لأنه بمعنى متصافين أي متصافين على سرر، وفيه نظر من حيث تأويل جامد بمشتق بعيد منه اهـ كرخي.\rقوله: (لدوران الأسرة) جمع سرير (بهم) أي: أنهم إذا اجتمعوا وتلاقوا ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلا بوجهه لمن كان عنده، وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير، وهذا أبلغ في الأنس والإكرام اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، ويجوز أن تكون حالا من","part":4,"page":186},{"id":1206,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 187\rنَصَبٌ تعب وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (48) أبدا\r* نَبِّئْ خبر يا محمد عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الضمير في متقابلين اهـ كرخي.\rقوله: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي بفتح الياء فيهما وسكونها فيهما سبعيتان، وأنا تأكيد لاسم أن، أو ضمير فصل، أو مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر أن اهـ شيخنا.\rقوله: (للمؤمنين) أي للعصاة منهم.\rقوله: وَأَنَّ عَذابِي أي إن عذبت، وقوله هُوَ الْعَذابُ إما ضمير فصل أو مبتدأ، ولا يصح أن يكون تأكيدا، لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير اهـ شيخنا.\rتنبيه في هذه الآية لطائف.\rالأولى: أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه، وهذا تشريف عظيم. ألا ترى أنه قال لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1].\rالثانية: أنه تعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيدات بألفاظ ثلاثة. أولها: قوله أَنِّي، وثانيها: أَنَا، وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولما ذكر العذاب لم يقل إني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك، بل قال وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ.\rالثالثة: أنه أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة.\rوالرابعة: أنه لما قال نَبِّئْ عِبادِي كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتي، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع، كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي، فكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من اللّه تعالى.\rوعن أبي هريرة رضي اللّه عنه: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن اللّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأسكن منها عنده تسعة وتسعين، وأرسل في خلقه رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار».\rوعنه عبادة رضي اللّه عنه قال: بلغنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو اللّه ما تورع عن حرام، ولو يعلم قدر عذابه لجمع نفسه إلى قتلها».\rوعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه مر بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «اتضحكون وبين أيديكم النار» فنزل نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولما بالغ تعالى في تقرير النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ثم ذكر تعالى عقبه أحوال القيامة ووصف الأشقياء والسعداء أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم السّلام ليكون سماعها مرغبا في العبادة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، محذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء، وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم عليه السّلام، فقال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الخ اهـ خطيب.","part":4,"page":187},{"id":1207,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 188\rللمؤمنين الرَّحِيمُ (49) بهم\rوَأَنَّ عَذابِي للعصاة هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50) المؤلم\rوَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51) وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل\rإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي هذا اللفظ قالَ إبراهيم لما عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) خائفون\rقالُوا لا تَوْجَلْ تخف إِنَّا رسل ربك نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) ذي علم كثير هو إسحاق كما ذكر وقد ذكر هنا أربع قصص: قصة إبراهيم، ثم قصة لوط، ثم قصة شعيب، ثم قصة صالح وسيأتي تفصيلها اهـ شيخنا.\rقوله: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ هذا معطوف على ما قبله أي: وأخبر يا محمد عبادي عن ضيف إبراهيم، وأصل الضيف الميل، يقال: أضفت إلى كذا إذا ملت إليه والضيف من مال إليك نزولا بك، وصارت الضيافة متعارفة في القرى، وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في غالب كلامهم، وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف وضيفان، وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين أرسلهم اللّه ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط اهـ خازن.\rقوله: (و هم ملائكة) أي على صور غلمان حسان، وقوله: (منهم جبريل) أي: على كل من الأقوال الثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ إذ إما معمول لفعل مقدر أي: اذكر وإما ظرف على بابه والعامل فيه محذوف تقديره خبر ضيف أو نفس ضيف. وتوجيه ذلك أنه لما كان في الأصل مصدرا اعتبر ذلك فيه، ويدل على اعتبار مصدريته بعد الوصف به عدم مطابقته لما قبله تثنية وجمعا وتأنيثا في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصف، والوصف يعمل أو أنه على حذف مضاف أي: أصحاب ضيف إبراهيم أي: ضيافته، فالمصدر باق على حاله، فلذلك عمل اهـ كرخي.\rقوله: (أي هذا اللفظ) أي قالوا هذا اللفظ وهو لفظ سلاما يعني قالوه تحية لإبراهيم، ولم تذكر هنا تحيته لهم، وقد ذكرت في سورة هود، فالقصة هنا مختصرة. وفي الشهاب ما نصه: يجوز في سلاما أن يكون منصوبا بفعل مقدر مضارع أو ماض، ويجوز نصبه بقالوا أي اذكروا سلاما، ولم يذكر هنا رد السّلام ولا بقية القصة اختصارا، وتقدمت مبسوطة في سورة هود اهـ.\rقوله: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ أي لأن العادة أن الضيف إذا لم يأكل مما قدم له يكون خائنا خصوصا وقد دخلوا عليه بغير إذنه، وفي غير وقت دخول الضيفان اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا لا تَوْجَلْ العامة على فتح التاء من وجل كشرب يشرب والفتح قياس فعل، إلا أن العرب آثرت الكسر في بعض الأفعال إذا كانت فاؤه واوا. وقرأ الحسن لا توجل مبنيا للمفعول من الإيجال، وقرئ لا تأجل، والأصل توجل كقراءة العامة إلا أنه أبدل من الواو ألفا لا نفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرك، وقرئ أيضا لا تواجل من المواجلة اهـ سمين.\rقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، فإن المبشر لا يخاف منه اهـ بيضاوي.","part":4,"page":188},{"id":1208,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 189\rفي هود\rقالَ أَبَشَّرْتُمُونِي بالولد عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ حال أي مع مسه إياي فَبِمَ فبأي شيء تُبَشِّرُونَ (54) استفهام تعجب\rقالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ بالصدق فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) الآيسين\rقالَ وَمَنْ أي لا يَقْنَطُ بكسر النون وفتحها مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) الكافرون\rقالَ فَما خَطْبُكُمْ شأنكم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57)\rقالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) كافرين أي قوم قوله: أَبَشَّرْتُمُونِي قرأ الأعرج بشرتموني بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الإخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أداته للعلم بها اهـ سمين.\rقوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ بم متعلق بتبشرون، وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام، وقرأ العامة بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع، ولم يذكر مفعول التبشير، وقرأ نافع بكسرها والأصل تبشروني فحذفت الياء اكتفاء عنها بالكسرة اهـ سمين.\rقوله: (استفهام تعجب) أي من أن يولد له مع مس الكبر إياه، أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة، وكذلك قوله فَبِمَ تُبَشِّرُونَ أي فبأي أعجوبة تبشرون، أو فبأي شيء تبشرون، فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء اهـ بيضاوي.\rوقوله: (أي) فبأي أعجوبة الخ. الأول: على أن الاستفهام للتعجب والثاني: على أنه للإنكار اهـ شهاب.\rإذ لا وجه للاستفهام عن المبشر به بعد ما بينوه بأنه غلام عليم، فلذلك حمل الاستفهام في قوله:\rفَبِمَ على التعجب أو الإنكار اهـ زاده.\rقوله: قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ يعني بالصدق الذي قضاه اللّه بأن يخرج منك ولدا تكثر ذريته، وهو إسحاق اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: قالوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ أي: بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه، أو بطريقة هي حق، وهي: قول اللّه تعالى وأمره فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ أي: الآيسين من ذلك، فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر؟ وكان تعجب إبراهيم عليه السّلام باعتبار العادة دون القدرة، ولذلك قال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمة اللّه تعالى وكمال علمه وقدرته، كما قال اللّه تعالى:\rإِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: 87] اهـ.\rقوله: (بكسر النون وفتحها) سبعيتان. وفي المختار: القنوط اليأس، وبابه جلس ودخل وطرب وسلم، فهو قانط وقنوط اهـ. قرئ شاذا بضم النون كما في السمين.\rقوله: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي: زيادة على البشارة فإنها يكفي فيها واحد أي: فما شأن كثرتكم، فإن الظاهر أن لكم شأنا آخر غير البشارة اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أي: فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة، ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة، لأنهم كانوا عددا، والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في","part":4,"page":189},{"id":1209,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 190\rلوط لإهلاكهم\rإِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) لإيمانهم\rإِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ بشارة زكريا ومريم عليهما السّلام، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل، ولو كانت البشارة تمام المقصود لابتدأوه بها اهـ.\rقوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ فيه وجهان، أحدهما: أنه مستثنى متصل على أنه مستثنى من الضمير المستكن في مجرمين بمعنى أجرموا كلهم، إلا آل لوط، فإنهم لم يجرموا، ويكون قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ استئناف إخبار بنجاتهم بكونهم لم يجرموا، ويكون الإرسال حينئذ شاملا للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك ولإنجاء هؤلاء. والثاني: أنه استثناء منقطع، لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين البتة. قال الشيخ: وإذا كان استثناء منقطعا فهو مما يجب فيه النصب، لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجه العامل إلى المستثنى فيه، لأنهم لم يرسلوا إليهم إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ويكون قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ جرى مجرى خبر لكن في اتصاله بآل لوط، لأن المعنى لكن آل لوط ننجيهم اهـ سمين.\rوالمراد بال لوط أشياعه وأتباعه من أهل دينه اهـ خازن.\rقوله: (لإيمانهم) أي: فالاستثناء منقطع على هذا.\rقوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ فيه وجهان.\rأحدهما: أنه استثناء من آل لوط. قال أبو البقاء: والاستثناء إذا جاء بعد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافا إلى مبتدأ، كقولك: له عندي عشرة إلا أربعة إلا درهما، فإن الدرهم يستثنى من الأربعة فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت أحد عشر إلا أربعة أو عشرة إلا ثلاثة.\rالثاني: أنها مستثناة من الضمير المجرور في لمنجوهم. وقد منع الزمخشري الوجه الأول قائلا لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم، كما في قول المطلق: أنت طالق ثلاثة إلا اثنتين إلا واحدة، وفي قول المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما فأما في الآية فقد اختلف الحكمان لأن آل لوط متعلق بأرسلنا أو بمجرمين، وإلا امرأته قد تعلق بقوله لمنجوهم، فكيف يكون استثناء من استثناء اهـ كرخي.\rقوله: قَدَّرْنا ضمن معنى العلم، فلذلك علق باللام فكسرت إن، وإسناد التقدير لهم مجاز من حيث انهم رسل اللّه وواسطة بينه وبين خلقه اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قدرنا قضينا، وإنما أسندت الملائكة القدر لأنفسهم، وإن كان ذلك للّه عز وجل لاختصاصهم باللّه وقربهم منه، كما تفول خاصة الملك: نحن أمرنا نحن فعلنا، وان كانوا قد فعلوه بأمر الملك اهـ.\rوفي السمين: وقوله: إِنَّها كسرت إن من أجل اللام التي في خبرها، وهي معلقة لما قبلها، لأن فعل التقدير قد يعلق اجراء له مجرى العلم إما لكونه بمعناه، وإما لأنه مترتب عليه، قال الزمخشري: فإن قلت لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: قَدَّرْنا إِنَّها والتعليق من خصائص أفعال","part":4,"page":190},{"id":1210,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 191\rالْغابِرِينَ (60) الباقين في العذاب لكفرها\rفَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ أي لوط الْمُرْسَلُونَ (61)\rقالَ لهم إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) لا أعرفكم\rقالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا أي قومك فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) يشكون وهو العذاب\rوَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (64) في قولنا\rفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ امش خلفهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم قال الشيخ: وكسرت إنها اجراء لفعل التقدير مجرى العلم. قلت: وهذا لا يصلح علة لكسرها، وإنما يصلح علة لتعليقها الفعل قبلها، والعلة في كسرها ما قدمته من وجود اللام ولولاها لفتحت اهـ.\rقوله: لَمِنَ الْغابِرِينَ في المختار: غبر الشيء بقي وغبر أيضا مضى، وهو من الأضداد وبابه دخل اهـ.\rقوله: (لكفرها) أي: فالاستثناء منقطع.\rقوله: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الخ في الكلام حذف أي: فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط، وكان بينهما أربعة فراسخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لوطا) أي: فلفظة آل زائدة بدليل: ولقد جاءت رسلنا لوطا. وهذه القصة مختصرة هنا وتقدمت في سورة هود مبسوطة اهـ شيخنا.\rوقوله: الْمُرْسَلُونَ هم الملائكة الذين ضافوا إبراهيم.\rقوله: مُنْكَرُونَ أي: تنكركم نفسي وتجزع منكم، فأخاف أن تصيبوني بمكروه، ولا أعرف غرضكم ولا من أي القبائل أنتم اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: قال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بشر قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك ويشفيك من عدوك، وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه قبل مجيئه اهـ.\rقوله: وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ الباء للملابسة، والحق بمعنى المتيقن أي: ملتبسين أو ملتبسا أنت به لإبصارك له، ولو حمل على الخبر اليقين كان قوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ مكررا اهـ شهاب.\rقوله: فَأَسْرِ أي: سر في الليل، فقوله: بِقِطْعٍ أي: فيه أي في جزء من الليل، وقوله بأهلك وهم بنتاه، فلم يخرج من قريته إلا هو وبنتاه اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: في سورة هود فخرج لوط وطوى اللّه له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم اهـ.\rقوله: (امش خلفهم) أي: لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون اهـ شيخنا.\rقوله: (لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم) أي فيرتاع اهـ خازن.\rوربما أدى إلى موته وفي الكرخي: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي: إلى ورائه إذا سمع الصيحة","part":4,"page":191},{"id":1211,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 192\rوهو الشام\rوَقَضَيْنا أوحينا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ وهو أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) حال أي يتم استئصالهم في الصباح\rوَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مدينة سدوم وهم قوم لوط لما أخبروا أن في بيت لوط مردا حسانا وهم الملائكة يَسْتَبْشِرُونَ (67) حال طمعا في فعل الفاحشة بهم\rقالَ لئلا ترتاعوا من عظيم ما نزل بهم، فيكون لا يلتفت من التفات البصر لا من لفته عن الشيء يلفته إذا ثناه ولواه اهـ.\rقوله: حَيْثُ تُؤْمَرُونَ أي: إلى حيث كما قدره البيضاوي: وهو الشام تفسير لحيث، وقوله:\rتُؤْمَرُونَ أي: يأمركم جبريل اهـ.\rوفي السمين: قوله: حَيْثُ تُؤْمَرُونَ. حيث على بابها من كونها ظرف مكان مبهم، ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير واسطة على أنه قد جاء في الشعر تعديته إليها بفي. وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمان مستدلا بقوله: بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ،* ثم قال: وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ. أي: في ذلك الزمان وهو ضعيف، ولو كان كما قال لكان التركيب وامضوا حيث أمرتم، على أنه لو جاء التركيب هكذا لم يكن فيه دلالة اهـ.\rقوله: (أوحينا) إِلَيْهِ أشار به إلى أن قضينا ضمن معنى أوحينا، فعدي به، وهو إلى، وذلك مفعول القضاء والأمر بدل منه أو عطف بيان اهـ. كرخي.\rقوله: (و هو) أَنَّ دابِرَ الخ أشار به إلى أن الجملة خبر مبتدأ محذوف، والأكثر على أنه بدل من ذلك أو من الأمر إذا جعلته بيانا أي: ذلك الأمر مبهم بينه أن دابر هؤلاء، وقيل: على حذف الجار أي:\rبأن دابر؛ قاله الفراء اهـ كرخي.\rقوله: (حال) أي: من الضمير المستقر في مقطوع، وإنما جمع بتقدير جعله حالا من الضمير المذكور حملا على المعنى، فإن دابر هؤلاء في معنى مدبري هؤلاء أي: فيكون مقطوع بمعنى مقطوعين. وقدره الفراء وأبو عبيدة إذا كانوا مصبحين، فإن كان تفسير معنى فصيح، وأما الأعراب فلا ضرورة تدعو إلى هذا التقدير، أو هو حال من هؤلاء، والعامل معنى الإضافة لا معنى الإشارة إذ الإشارة ليست في حال الدخول إلى الصبح اهـ كرخي.\rقوله: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الخ تقدم أن هذا المجيء قبل قول الملائكة فأسر بأهلك، فما في سورة هود على الترتيب الواقعي، وما هنا على خلافه، والواو لا تفيد ترتيبا اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وذكر القصة في هود بترتيب الوقوع، وهنا أخر ذكر مجيئهم عن قول الرسل بل جئناك مع تقدمه ليستقل الأول ببيان كيفية نصرة الصابرين، والثاني بتساوي الأمم اهـ.\rقوله: (مدينة سذوم) من إضافة المسمى إلى الاسم أي: المدينة المسماة بسذوم بسين مهملة فذال معجمة، وأخطأ من قال مهملة مدينة من مدائن قوم لوط اهـ زكريا.\rعلى وزن فعول بفتح الفاء اهـ شهاب.\rقوله: يَسْتَبْشِرُونَ أي: يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط، والاستبشار إظهار الفرح والسرور اهـ خازن.","part":4,"page":192},{"id":1212,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 193\rلوط إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68)\rوَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (69) بقصدكم إياهم بفعل الفاحشة بهم\rقالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (70) عن إضافتهم\rقالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (71) ما تريدون من قضاء الشهوة فتزوجوهن، قال تعالى\rلَعَمْرُكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي وحياتك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ قوله: فَلا تَفْضَحُونِ يعني فيهم. يقال: فضحه يفضحه إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه اهـ خازن.\rوفي المختار: فضحه فافتضح أي: كشف مساوئه وبابه قطع، والاسم الفضيحة والفضوح أيضا بضمتين اهـ.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: في ركوب الفاحشة، ولا تخزون ولا تذلون من الخزي وهو الهوان، أو ولا تخجلون فيهم من الخزاية، وهي الحياء اهـ بيضاوي.\rقوله: عَنِ الْعالَمِينَ أي: عن تضييف أحد من الغرباء وادخاله قريتنا. وعبارة البيضاوي: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ عن أن تجير منهم أحدا، وتمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون لكل واحد، وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه أو عن ضيافة الناس وإنزالهم اهـ.\rقوله: هؤُلاءِ بَناتِي يجوز فيه أوجه، أحدهما: أن يكون هؤلاء، مفعولا بفعل مقدر أي:\rتزوجوا هؤُلاءِ بَناتِي بيان أو بدل. الثاني: أن يكون هؤلاء بناتي مبتدأ وخبرا، ولا بد من شيء محذوف تتم به الفائدة أي: فتزوجوهن. الثالث: أن يكون هؤلاء مبتدأ، وبناتي بدل أو بيان، والخبر محذوف أي: هن أطهر لكم كما جاء في نظيرها اهـ سمين.\rقوله: (فتزوجوهن) أي: إن أسلمتم، أو أنه كان في شريعته يحل تزوج الكافر بالمسلمة اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَمْرُكَ بفتح اللام وفتح العين لغة في العمر بضمتين، فهما بمعنى واحد، وهو مدة عيش الإنسان أي: مدة حياته في الدنيا، لكن لم يرد القسم في كلام العرب إلا بالضبط الأول أي: فتح اللام وفتح العين المهملة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: لَعَمْرُكَ مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، وإنهم وما في حيزه جواب القسم تقديره لعمرك قسمي أو يميني أنهم، والعمر والعمر بالفتح والضم هو البقاء إلا أنهم التزموا الفتح في القسم.\rقال الزجاج: لأنه أخف عليهم وهم يكثرون القسم بعمرك اهـ.\rوفي الكرخي: وفي الدر المنثور للشيخ المصنف: أخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما حلف اللّه بحياة أحد إلا بحياة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم». قال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وعمرك بفتح العين وسكون الميم لغة في العمر بضمهما وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح اهـ.\rقوله: إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي: غوايتهم وشدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم، والصواب الذي يشار به إليهم يعمهون يتحيرون، فكيف يستمعون نصحك، وقيل: الضمير لقريش والجملة اعتراض اهـ بيضاوي.","part":4,"page":193},{"id":1213,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 194\rيَعْمَهُونَ (72) يترددون\rفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ صيحة جبريل مُشْرِقِينَ (73) وقت شروق الشمس\rفَجَعَلْنا عالِيَها أي قراهم سافِلَها بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) طين طبخ بالنار\rإِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ دلالات على وحدانية اللّه لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) للناظرين المعتبرين\rوَإِنَّها أي قرى قوم لوط لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) أي في خلال قصة قوم لوط اهـ.\rويَعْمَهُونَ: حال إمان من الضمير المستكين في الجار أو من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إما نفس سكرة لأنها مصدر، وإما معنى الإضافة اهـ سمين.\rوعمه من باب تعب كما في المختار.\rقوله: مُشْرِقِينَ حال من مفعول أخذتهم أي: داخلين في الإشراق، والضمير في عاليها وسافلها للمدينة. وقال الزمخشري: لقرى قوم لوط، ورجح الأول بأنه تقدم ما يعود عليه لفظا بخلاف الثاني اهـ سمين.\rقوله: (وقت شروق الشمس) أي: طلوعها. قبل: كان ابتداء العذاب حين أصبحوا وكان تمامه حين أشرقوا، فلذلك قال أولا مقطوع مصبحين، وقال ههنا مشرقين اهـ زاده.\rقوله: فَجَعَلْنا مرت على أخذ الصيحة، وعبارة الخطيب: ثم بين سبحانه وتعالى ما تسبب عن الصيحة معقبا لها بقوله: فَجَعَلْنا عالِيَها الخ اهـ.\rوالمراد بعاليها وجه الأرض وما عليه، وقوله: (بأن رفعها جبريل) أي من الأرض السفلى اهـ شيخنا.\rقوله: (أي قراهم) وكانت أربعة فيها أربعمائة ألف مقاتل اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على من كان منهم خارجا عن قراهم بأن كان غائبا في سفر أو غيره اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المذكور) أي: من قصة إبراهيم وقصة لوط اهـ شيخنا.\rقوله: لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي: المتفكرين المتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قوله: لِلْمُتَوَسِّمِينَ متعلق بمحذوف على أنه صفة لآيات، والوجود أن يتعلق بنفس آيات، لأنها بمعنى العلامات، والتوسم: تفعل من الوسم، والوسم أصله التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم، وهو التأثير بجديدة في جلد البقر أو غيره. وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك، وفيه معنى التثبت، وقيل: أصله استقصاء التعرف يقال: توسمت أي تعرفت مستقصيا وجوه التعرف، وقيل: هو تفعل من الوسم وهو العلامة اهـ.\rقوله: لَبِسَبِيلٍ أي: في سبيل مقيم. أي: ثابت يسلكه الناس ويرون آثار القرى فيه اهـ بيضاوي.","part":4,"page":194},{"id":1214,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 195\rطريق قريش إلى الشام لم تندرس، أفلا يعتبرون بهم\rإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِلْمُؤْمِنِينَ (77)\rوَإِنْ مخففة أي إنه كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هي غيضة شجر بقرب مدين وهم قوم شعيب لَظالِمِينَ (78) بتكذيبهم شعيبا\rفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بأن أهلكناهم بشدة الحر وَإِنَّهُما أي قرى قوم لوط والأيكة لَبِإِمامٍ طريق مُبِينٍ (79) واضح، أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة\rوَلَقَدْ كَذَّبَ وقوله: (لم تندرس) أي: السبيل يعني آثارها.\rقوله: (لعبرة) لِلْمُؤْمِنِينَ أي: كل من آمن باللّه وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لانتقام اللّه من الجهال لأجل مخالفتهم، وأما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم وحصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، وجمع الآيات أولا باعتبار تعدد ما قص من حديث لوط وضيف إبراهيم، وتعرض قوم لوط لهم، وما كان من إهلاكهم، وقلب المدائن على من فيها، وإمطار الحجارة على من غاب عنها. ووحدها ثانيا باعتبار وحدة قرية قوم لوط المشار إليها بقوله: وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ، فلا يرد كيف جمع الآية أولا ووحدها ثانيا والقصة واحدة اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الخ شروع في قصة شعيب، وذكرت هنا مختصرة، وسيأتي بسطها في سورة الشعراء اهـ شيخنا.\rقوله: أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي: أصحاب بقعة الأشجار باعتبار إقامتهم فيها وملازمتهم لها، وكان عامة شجرهم المقل اهـ خازن أي: الدوم.\rقوله: (هي غيضة شجر) الغيضة: في الأصل اسم للشجر الملتف، والمراد بها هنا البقعة التي فيها شجر مزدحم، ففي الكلام مجاز من اطلاق اسم الحال على المحل اهـ شيخنا.\rوفي المختار: الأيك الشجر الكثير الملتف الواحدة أيكة مثل تمر وتمرة، فمن قرأ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ فهي الغيضة، ومن قرأ أصحاب ليكة فهي اسم القرية، وقيل: هما مثل مكة وبكة اهـ.\rقوله: (بشدة الحر) فسلطه اللّه عليهم سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك، فبعث اللّه لهم سحابة كالظلة فالتجؤوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث اللّه عليهم منها نارا فأحرقتهم جميعا اهـ خازن.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 195\r\rله: (بشدة الحر) فسلطه اللّه عليهم سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك، فبعث اللّه لهم سحابة كالظلة فالتجؤوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث اللّه عليهم منها نارا فأحرقتهم جميعا اهـ خازن.\rقوله: وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ في ضمير التثنية أقوال. أرجحها: عوده على قرى قوم لوط وأصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب لتقدمهما ذكرا. وقيل: يعود على لوط وشعيب وشعيب لم يجر له ذكر، ولكن دل عليه ذكر قومه، وقيل: يعود على الخبرين خبر إهلاك قوم لوط، وخبر إهلاك قوم شعيب. وقيل: يعود على أصحاب الأيكة وأصحاب مدين، لأنه مرسل إليهما، فذكر أحدهما مشعر بالآخر اهـ سمين.\rوسمي الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع أي: لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريد اهـ خازن.\rقوله: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ شروع في قصة صالح، وتقدمت في سورة هود بأبسط مما هنا اهـ شيخنا.","part":4,"page":195},{"id":1215,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 196\rأَصْحابُ الْحِجْرِ واد بين المدينة والشام وهم ثمود الْمُرْسَلِينَ (80) بتكذيبهم صالحا لأنه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد\rوَآتَيْناهُمْ آياتِنا في الناقة فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) لا يتفكرون فيها\rوَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82)\rفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) وقت الصباح\rفَما أَغْنى دفع عَنْهُمْ العذاب ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84) من بناء الحصون وجمع الأموال قوله: (واد بين المدينة والشام) وآثاره باقية يمر عليها ركب الشام في ذهابه إلى الحجاز اهـ خازن.\rقوله: (لأنه تكذيب الخ) بيان لتصحيح الجمع في المرسلين. وعبارة القاضي كالكشاف: ومن كذب واحدا من الرسل، فكأنما كذب الجميع، وإنما أتى بكلمة التشبيه مع أنهم ما كذبوا سائرهم لأنهم لم يواجهوهم بالتكذيب ولا قصدوهم به، ولكن لزمهم لأن الأنبياء على دين واحد في الأصول، ولا يجوز التفريق بينهم، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَآتَيْناهُمْ آياتِنا إنما أضاف الايتاء إليهم، وإن كان لصالح لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات. وقوله: (في الناقة) صفة للآيات أي: الكائنة في الناقة، كخروجها من الصخرة، وعظم جثتها، وقرب ولادتها، وغزارة لبنها اهـ خازن.\rقوله: (لا يفكرون فيها) أي: فيستدلون على صدقه، وذلك يدل على أن النظر والاستدلال واجب، وأن التقليد مذموم اهـ كرخي.\rقوله: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي: يتخذون منها بيوتا بقطع الصخر منها وبنائه بيوتا، وهذا هو المناسب لقول الشارح الآتي من بناء الحصون، وبه قال بعض المفسرين، وقال بعضهم المراد أنهم يتخذون بيوتا في الجبال ينقرونها بالمعاويل حتى تصير مساكن من غير بنيان اهـ شيخنا.\rوعبارة الجلال في سورة الأعراف: وَبَوَّأَكُمْ [الأعراف: 74] أسكنكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا تسكنونها في الصيف، وتنحتون من الجبال بيوتا تسكنونها في الشتاء، ونصبه على الحال المقدرة انتهت.\rقوله: بُيُوتاً بضم الباء وكسرها سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: آمِنِينَ حال أي: حال كونهم آمنين عليها من تخريب الأعداء لها ونقب اللصوص لها لشدة إحكامها اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ الخ عبارة هذا المفسر في سورة الأعراف: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [الأعراف: 78] الزلزلة الشديدة من الأرض، والصيحة من السماء انتهت.\rقوله: (من بناء الحصون وجمع الأموال) ظاهر في أنه بيان لما، وأنها نكرة موصوفة أي شيء يكسبونه والظاهر أنها بمعنى الذي والعائد محذوف أي: الذي يكسبونه، ويجوز أن تكون مصدرية أي:\rكسبهم اهـ كرخي.","part":4,"page":196},{"id":1216,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 197\rوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا محالة فيجازى كل أحد بعمله فَاصْفَحِ يا محمد عن قومك الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف\rإِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ لكل شيء الْعَلِيمُ (86) بكل شيء\rوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال صلّى اللّه عليه وسلّم هي الفاتحة رواه الشيخان لأنها تثنى في كل ركعة وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)\rلا قوله: إِلَّا بِالْحَقِ أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة والمصلحة بحيث لا يلائم استمرار الفساد واستقرار الشرور، ولذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم وإرشادا لمن بقي إلى الصلاح أو إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال كما ينبىء عنه قوله: قوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فينتقم اللّه تعالى فيها ممن هو كذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيجازي كل واحد بعمله) يشير إلى أنه بالبناء للمجهول، وعبارة البيضاوي تشير إلى أنه بالبناء للفاعل ونصبها، فينتقم اللّه لك فيها ممن كذبك اهـ.\rقوله: (و هذا منسوخ) هذا أحد قولين. والآخر أنه محكم وأن الأمر بالصفح الجميل لا ينافي قتالهم. ونص البيضاوي: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ولا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم، وقيل: هو منسوخ بآية السيف اهـ.\rوفي الخطيب: قال الرازي: وهو بعدي لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخا اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً الخ قال ابن الجوزي: سبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل أقبلت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البزر والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها، وأنفقناها في سبيل اللّه، فأنزل اللّه هذه الآية، وقال:\rقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل، ويدل على صحة هذا قوله: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [الحجر: 88، وطه: 131] الخ اهـ خازن.\rقوله: سَبْعاً أي: سبع آيات من المثاني أي: هي المثاني فبعد البسملة آية منها تكون الآية الأخيرة صِراطَ الَّذِينَ [الفاتحة: 7] إلى آخرها، وعلى مقابله تكون السابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 7]، ويكون رأس الآية التي قبلها أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7] اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنها تثنى) أي تكرر في كل ركعة. عبارة غيره: لأنها تثنى في كل صلاة بقراءتها في كل ركعة، وهذا أحد الوجوه في سبب تسميتها بالمثاني. وقيل: وجه التسمية أنها مقسومة بين العبيد وبين اللّه نصفين، فنصفها الأول ثناء على اللّه، ونصفها الثاني دعاء. وقيل: سميت مثاني لأن كلماتها مثناة مثل قوله: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ، فكل هذه الألفاظ مثناة. وقيل: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة بالمدينة معها سبعون ألف ملك.\rوقيل: لاشتمالها على الثناء على اللّه، وهو حمده وتوحيده وملكه، وهذا كله على القول بأن بالسبع المثاني هو الفاتحة، وقيل: المراد بها السبع الطوال أولها سورة البقرة وآخرها مجموع الأنفال وبراءة، فهما كالسورة الواحدة، ولهذا لم يفصل بينهما ببسملة، وسميت هذه السبع مثاني لأن القصص","part":4,"page":197},{"id":1217,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 198\rتَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا وَاخْفِضْ جَناحَكَ ألن جانبك لِلْمُؤْمِنِينَ (88)\rوَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ من عذاب اللّه أن ينزل بكم الْمُبِينُ (89) البين الإنذار\rكَما أَنْزَلْنا العذاب عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) اليهود والنصارى\rالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أي والأحكام والحدود ثنيت فيها، وقيل: المراد بالسبع المثاني الحواميم، وقيل: المراد بها جميع القرآن، ويكون عطف قوله: والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ من عطف الرديف، وسوغه التغاير اللفظي وقيل: غير ذلك اهـ من الخازن.\rوقوله: وقيل المراد بها جميع القرآن عبارة زاده. وقيل سبع صحائف جمع صحيفة بمعنى الكتاب، فإن القرآن العظيم سبعة أسباع كل سبع صحيفة وكتاب، فعلى هذا القول السبع المثاني هو القرآن كله، ودليل هذا القول قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: 23] وعلى هذا يكون عطف القرآن على السبع من قبيل عطف الصفات مع وحدة ذات الموصوف كما يأتي، والمعنى وَلَقَدْ آتَيْناكَ ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي: الجامع لهذين الوصفين اهـ.\rقوله: وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ هو من عطف الكل على البعض إن أريد بالقرآن المجموع الشخصي، أو من عطف العام على الخاص إن أريد به القدر المشترك الصادق على الكل والبعض اهـ كرخي.\rقوله: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تطمح ببصرك طموح راغب إلى ما متعنا به أزواجا منهم أي:\rأصنافا من الكفار، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات. وفي حديث أبي بكر رضي اللّه عنه: من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: أجلهم أي: لأجل عدم إيمانهم كما أشار إليه بقوله: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا [الكهف: 6]. قوله: (ألن جانبك) لِلْمُؤْمِنِينَ أي: تواضع لهم، وهذا كناية عن حسن التدبير والشفقة من خفض الطائر جناحه على الفروخ وضمها إليه اهـ كرخي.\rقوله: كَما أَنْزَلْنا متعلق بمحذوف دلّ عليه الانذار، وهو ما قدره الشارح بقوله: أن ينزل عليكم، والماضي بمعنى المستقبل إذ الذي نزل بأهل الكتاب، كما وقع لقريظة والنضير لم يكن واقعا وقت نزول الآية، لأنها مكية، وما وقع لهم كان بعد الهجرة، وكذا ما وقع للمقتسمين لطرق مكة لم يكن واقعا نزول الآية، لأنه إنما وقع لهم بعد الهجرة، كيوم بدر. وعلى كل ففي الكلام وقفة أخرى أبداها أبو السعود وهي: أن العذاب المنذر به ينبغي أن يشبه بشيء قد وقع يعرفه المنذرون حتى يحصل لهم تخويف، والمشبه به هنا قد علمت أنه غير واقع، فكأنه قال: أنذركم بعذاب مشابه لعذاب سيقع.\rوفي الكرخي ما نصه: قوله كَما أَنْزَلْنا العذاب قضيته أن الكاف متعلقة بمحذوف كما قدره، ولا يصح إلا بدلالة المعنى، لأن اللّه تعالى هو المنزل فهو كما يقول بعض خواص الملك: أمرنا بكذا، وإن كان الآمر هو الملك تقديره أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا، فيكون وصفا لمصدر محذوف أظهر منه ما قدمه الكشاف من أن التقدير ولقد آتيناك أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون فعلقها بآتيناك لأنه بمعنى أنزلنا عليك اهـ.","part":4,"page":198},{"id":1218,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 199\rكتبهم المنزلة عليهم عِضِينَ (91) أجزاء حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم: في القرآن سحر، قوله: عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ أي: الذين اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها كأوصاف محمد، وكآية الرجم، فاليهود آمنوا ببعض التوراة وهو ما وافق غرضهم وكفروا ببعضها وهو ما خالف غرضهم، وكذلك النصارى. وقوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ بيان للمقتسمين، والمراد بالقرآن القرآن بالمعنى اللغوي، فيصح تفسير الشارح له بكتبهم المنزلة عليهم، فقوله: (حيث آمنوا ببعض) أي: وهو ما وافق شهواتهم، وكفروا ببعض وهو ما خالفها كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ صفة مبينة للمقتسمين. قوله: عِضِينَ جمع عضة، وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء، وقيل: عضهة أي عضهته إذا بهته اهـ بيضاوي.\rوفي المختار: قال الكسائي: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون مثل عزة وعزون. قال اللّه تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قيل: نقصانه الواو وهو من عضوته أي: فرقته، لأن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه، فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا. وقيل: نقصانه الهاء وأصله عضهة، لأن العضة والعضين في لغة قريش السحر. يقولون للساحر عاضه اهـ.\rقوله: (و قيل المراد بهم الذين اقتسموا الخ) وكانوا اثني عشر اقتسموا طرق مكة أيام الموسم لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول، فأهلكهم اللّه يوم بدر اهـ بيضاوي.\rقوله: (و قال بعضهم) معطوف على اقتسموا، فهو من تتمة القيل لا قول ثالث، فالضمير في بعضهم راجع للذين اقتسموا لا للمفسرين، لكن الذي قاله المقتسمون على هذا القيل إن محمدا ساحر، إن محمدا شاعر، إن محمدا كاهن لا ما ذكره الشارح بقوله. (و قال بعضهم في القرآن الخ)، ولعله نظر للاستلزم، إذ وصف محمد بهذه الأوصاف يستلزم نسبتها للقرآن اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: واختلف في المقتسمين على أقوال سبعة.\rالأول: قال مقاتل والفراء هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم اللّه شر ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: صدق أولئك.\rالثاني: قال قتادة هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب اللّه، فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين.\rالثالث: قال ابن عباس هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وكذلك قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين فيقول بعضهم: هذه السورة لي وهذه لك.\rوهذا هو القول الرابع.\rالخامس: قال قتادة: اقتسموا كتابهم ففرقوه وبددوه.","part":4,"page":199},{"id":1219,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 200\rوبعضهم: كهانة، وبعضهم: شعر فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) سؤال توبيخ\rعَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93)\rفَاصْدَعْ يا محمد بِما تُؤْمَرُ أي اجهر به وأمضه وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) هذا قبل الأمر بالجهاد\rإِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) بك بإهلاكنا كلا منهم بآفة وهم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث\rالَّذِينَ السادس: قال زيد بن أسلم: المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين، كما قال تعالى: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النمل: 49].\rالسابع: قال الأخفش: هم قوم أقسموا أيمانا تحالفوا عليها. وقيل: إنهم العاص بن وائل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وأميه بن خلف، وشيبة بن الحجاج ذكره الماوردي اهـ بحروفه.\rقوله: (سؤال توبيخ) جواب عن سؤال حاصله أنه أثبت سؤالهم هنا، ونفاه في سورة الرحمن بقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ [الرحمن: 39] وحاصل الجواب أن المثبت هنا سؤال التوبيخ والتقريع والتعنيف، والمنفي هناك سؤال الاستعلام اهـ من الخازن.\rقوله: (أي اجهر به وأمضه) أي: نفذه. وعبارة الخازن: فاصدع بما تؤمر. قال ابن عباس:\rأظهر، وقال الضحاك: أعلم، وأصل الصدع الشق والفرق أي: افرق بين الحق والباطل، أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية بإظهار الدعوة وتبليغ الرسالة إلى من أرسل إليهم. قال عبد اللّه بن عبيدة: ما زال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو وأصحابه اهـ.\rوفي البيضاوي: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فاجهر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا، أو فافرق به بين الحق والباطل، وأصله الإبانة والتمييز. وما: مصدرية أو موصولة والراجع محذوف أي: بما تؤمر به من الشرائع اهـ.\rقوله: (هذا قبل الأمر بالجهاد) أي: فهو منسوخ اهـ.\rقوله: الْمُسْتَهْزِئِينَ (بك) وهم جماعة من قومه كانوا يسخرون منه ويبالغون في إيذائه والسخرية به أي: تولينا إهلاكهم. من كفيت فلانا المؤنة إذا توليتها له فلم تحوجه إليها اهـ ابن حجر على الهمزية.\rقوله: (و هم الوليد بن المغيرة) مرّ برجل نبّال وهو يجر إزاره، فتعلقت شظية من النبل بإزار الوليد، فمنعه الكبر أن يطأطئ رأسه وينزعها، فجعلت تضربه في ساقه فخدشته، فمرض منها فمات.\rوقوله: (و العاص بن وائل) خرج على راحلته يتنزه، فنزل شعبا فدخلت شوكة في أخمص رجله، فانتفخت حتى صارت مثل عنق البعير فمات مكانه. وقوله: (و عدي بن قيس) امتخط قيحا فقتله أي:\rصار القيح يجري من أنفه حتى مات. قوله: (و الأسود بن المطلب) رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعته عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك. وقوله: (و الأسود بن عبد يغوث) أصابه مرض الاستقساء فمات به اهـ من الخازن.","part":4,"page":200},{"id":1220,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 201\rيَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ صفة وقيل مبتدأ، ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره، وهو فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) عاقبة أمرهم\rوَلَقَدْ للتحقيق نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) من الاستهزاء والتكذيب\rفَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ أي قل سبحان اللّه وبحمده وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) المصلين\rوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الموت.\rقوله: (صفة) أي: جملة الذين يجعلون صفة المستهزئين.\rقوله: يَضِيقُ صَدْرُكَ أي: بحسب الطبيعة البشرية، وإن كان مفوضا جميع أموره لربه اهـ شيخنا.\rقوله: مِمَّا يَقُولُونَ أي: بسبب ما يقولون.\rقوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: فافزع إلى اللّه تعالى فيما نابك بالتسبيح والتحميد يكفك ويكشف الغم عنك، أو فنزهه عما يقولون حامدا له على أن هداك للحق اهـ بيضاوي.\rوالفاء في جواب شرط مقدر أي: إن ضاق صدرك بما يقولون بمقتضى الطبيعة البشرية، فالتجىء إلى اللّه فيما نابك بالاشتغال بهذه العبادات اهـ زاده.\rقوله: (المصلين) أي: ففي الكلام مجاز، وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ من عطف العام على الخاص.\rقوله: (الموت) سمي يقينا لأنه متيقن الوقوع والنزول لا يشك فيه أحد، وقال أبو حيان: إن اليقين من أسماء الموت اهـ.\rوفي الكرخي: أي المتيقن اللحوق لكل أحد أي: لأنه يقين لا شك فيه، وبنزوله يزول كل شك، ووقت العبادة بالموت إعلاما بأنها ليست لها نهاية دون الموت، فلا يرد ما قيل أي فائدة لهذا التوقيت، مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات، وإيضاح الجواب أن المراد: واعبد ربك في جميع زمان حياتك، ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادة، واللّه أعلم بمراده.","part":4,"page":201},{"id":1221,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 202\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النحل مكية إلا وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخرها. وهي مائة وثمان وعشرون آية\rلما استبطأ المشركون العذاب نزل\rأَتى أَمْرُ اللَّهِ أي الساعة وأتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه أي قرب فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ تطلبوه قبل حينه فإنه واقع لا محالة سُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة: مبتدأ، وقوله: مكية خبر أول، وقوله: (مائة الخ) خبر ثان. قوله: (إلا وإن عاقبتم الخ) عبارة الخازن: إلا قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ الخ فإنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة قاله ابن عباس.\rوفي رواية أخرى عنه أنها مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا [النحل: 95] إلى قوله: تَعْلَمُونَ.* وقال قتادة: هي مكية إلا خمس آيات، وقوله:\rوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا، وقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا.\rوقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخر السورة. وزاد مقاتل: قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ [النحل:\r106] الآية، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل: 112]، الآية. وقيل: كان يقال السورة النحل سورة النعم لكثرة تعداد نعم اللّه فيها انتهت.\rوعبارة الخطيب: وحكى الأصم عن بعضهم أنها كلها مدنية، وتسمى سورة النعم، والمقصود من هذه السورة الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص، وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحلة لما ذكر من شأنها في دقة الفهم من ترتيب بيوتها ورحبها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها، وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة، وغير ذلك من الأمور ووسمها بالنعم واضح اهـ.\rقوله: (العذاب) أي: عذابهم الواقع في القيامة اهـ شيخنا.\rوقال قوم: المراد بالأمر هنا عقوبة المكذبين وهو العذاب بالقتل بالسيف، وذلك أن النضر بن الحارث قال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: 32] الآية، فاستعجل العذاب فنزلت هذه الآية، وقتل النضر يوم بدر صبرا اهـ خازن.\rقوله: (أي قرب) أي قرب مجيئة، والمراد بأمر اللّه القيامة كما قال الشارح. قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا الرجل","part":4,"page":202},{"id":1222,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 203\rعَمَّا يُشْرِكُونَ (1) به غيره\rيُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي جبريل بِالرُّوحِ بالوحي مِنْ أَمْرِهِ بإرادته عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء أَنْ مفسرة أَنْذِرُوا خوّفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم يزعم أن القيامة قد قربت فامسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئا فنزل اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: 1] فأشفقوا فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فنزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ فوثب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد جاءت حقيقة، فنزل فلا تستعجلوه فاطمأنوا اهـ خازن.\rوفي السمين: في أتى وجهان، أحدهما: وهو المشهور أنه ماض لفظا مستقبل معنى إذ المراد به يوم القيامة، وإنما أبرز في صورة ما وقع وانقضى تحقيقا له ولصدق المخبر به. والثاني: أنه على بابه، والمراد به مقدماته وأوائله وهو نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ الاستعجال طلب الشيء قبل وقته اهـ خازن.\rقوله: (فإنه واقع لا محالة) أي ولا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه اهـ بيضاوي.\rقوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ تنازع فيه العاملان قبله، وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة تحقيرا لشأنهم وحطا لدرجتهم عن رتبة الخطاب، وفي قراءة سبعية بالتاء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: يحتمل أن ما مصدرية فلا عائد لها عند الجمهور أي: عن إشراكهم به غيره اهـ.\rوهذا هو الذي يتنزل عليه تقرير المفسر إذ لا عائد في العبارة على حله، فإن الضمير في به عائد على اللّه، وكذا في غيره، ويحتمل أن تكون موصولة كما قاله السمين، فيحتاج لتقدير العائد أي عما يشركونه به وما عبارة عن أصنام اهـ.\rقوله: (أي جبريل) وعبر عنه بالجمع تعظيما له. قوله: (بالوحي) أي الموحي به الذي من جملته التوحيد وغيره، فعبر بالروح عن الوحي على طريق الاستعارة التصريحية بجامع أن الروح به إحياء البدن، والوحي به إحياء القلوب من الجهالات اهـ شيخنا.\rقوله: (مفسرة) أي للروح الذي هو بمعنى الوحي، وعبارة البيضاوي: وأن مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول، أو مصدرية في موضع الجر بدلا من الروح أو النصب بنزع الخافض أو مخففة من الثقيلة، وقوله: رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود انتهت.\rفقوله: فَاتَّقُونِ فيه التفات إلى التكلم بعد الغيبة اهـ.\rوفي أبي السعود: فاتقون رجوع إلى مخاطبتهم أي المستعجلين على طريقة الالتفات والفاء فصيحة أي: إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على الأنبياء، وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا شريك له في الألوهية فاتقون في الإخلال بمضمونه اهـ.\rوقال الشهاب: إذا كان الانذار بمعنى التخويف، فالظاهر دخول فاتقون في المنذر به، لأنه هو المنذر به في الحقيقة، وإذا كان بمعنى الاعلام، فالمقصود بالاعلام هو الجملة الأولى وهذا متفرع عليها اهـ.\rقوله: (و أعلموهم) فسر الانذار بالاعلام ليلائم إيقاعه على قوله: أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا، كقوله:","part":4,"page":203},{"id":1223,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 204\rأَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خافون\rخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أي محقا تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) به من الأصنام\rخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ منيّ إلى أن صيره قويا شديدا فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ شديد الخصومة مُبِينٌ (4) بينها في نفي البعث قائلا من يحيي العظام وهي رميم فاعلم أنه لا إله إلا اللّه، وجاءت الحكاية على المعنى في قوله: إِلَّا أَنَا، ولو جاءت على اللفظ لكان إلا اللّه اهـ كرخي.\rقوله: فَاتَّقُونِ فيه تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية بقوله: أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فقد جمع هذه الآية بين الأحكام الأصلية والفرعية اهـ شيخنا.\rقوله: (أي محقا) أشار إلى أن بالحق في محل نصب على الحال كما في نظائره اهـ كرخي.\rقوله: (من الأصنام) أشار بهذا إلى أن ما اسمية موصولة أو موضوعة، لكن كان عليه تقدير العائد بأن يقول عما يشركونه به من الأصنام، وفي البيضاوي: عما يشركون منهما اهـ.\rأي: من السموات والأرض أي: عن الشركاء الذين أشركوهم باللّه، وهم بعض أهل السماء أو الأرض. وفي زاده عليه ما نصه: قوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ منهما إشارة إلى أن قوله: عما يشركون ليس تكرارا لما ذكر أول السورة، لأنه ذكر أولا لإبطال قول من يزعم أن الأصنام تدفع ما أراد اللّه من العذاب، كما أشار إليه هناك بقوله: (فيدفع الخ)، وذكر هنا لكونه نتيجة متفرعة على ما ذكره قبله من دليل الوحدانية، كأنه قيل: خالق السموات والأرض كيف يكون له شريك، مع أن ما يتصور أن يكون شريكا له إما شيء منهما، أو شيء يفتقر إليهما أو شيء لا يقدر على خلقهما اهـ.\rقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ أي: غير آدم. قوله: مِنْ نُطْفَةٍ متعلق بخلق، ومن لابتداء الغاية، والنطفة القطرة من الماء يقال: نطف رأسه ماء أي قطر. وقيل: هي الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل اهـ سمين.\rوفي المصباح: نطف الماء ينطف من باب قتل سال. وقال أبو زيد: نطفت القربة تنطف وتنطف نظفانا إذا قطرت، والنطفة: ماء الرجل والمرأة وجمعها نطف ونطاف، مثل: برمة وبرم وبرام، والنطفة أيضا الماء الصافي قل أو كثر ولا فعل للنطفة. أي: لا يستعمل لها فعل من لفظها اهـ.\rوفي المختار: أن نطف من باب قتل وضرب. قوله: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ أي: بعد ما قوي واشتد، كما ذكره الشارح. وفي الكرخي: قوله: مِنْ نُطْفَةٍ الخ أشار به إلى أن من لابتداء الغاية، وإن انتهاءها محذوف كما قرره، وبه يحصل الجواب عما قيل إن الفاء في قوله: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ تدل على التعقيب، وكونه خصيما لا يكون عقب خلقه من نطفة. وحاصله: أنه إشارة إلى ما تؤول حاله إليه فأجرى المنتظر مجرى الواقع، وهو من باب التعبير بآخر الأمر عن أوله، كقوله: أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف: 36] وقوله: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً [غافر: 13] أي: سبب رزق، وهو المطر، أو أنه أشار بذلك إلى سرعة نسيانهم مبتدأ خلقهم، وبما تقرر علم أيضا جواب ما قيل:\rالفاء تدل على التعقيب ولا سيما وقد وجد معها إذا التي تقتضي المفاجأة، وكونه خصيما مبينا لم يعقب خلقه من نطفة إنما توسطت بينهما وسائط كثيرة اهـ.","part":4,"page":204},{"id":1224,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 205\rوَالْأَنْعامَ الإبل والبقر والغنم بفعل مقدر يفسره خَلَقَها لَكُمْ من جملة الناس فِيها قوله: (إلى أن صيره) متعلق بمحذوف أي: واستمر ينقله من طور إلى طور إلى أن صيره قويا الخ.\rقوله: (في نفي البعث) متعلق بخصيم أي: خصيم ومجادل ومنازع في نفي البعث، والأولى إسقاط لفظ نفي بأن يقول في البعث إذ هو يخاصم في البعث بأن ينكره، إلا أن يقال إن في سببية أي:\rخصما بسبب نفيه للبعث اهـ شيخنا.\rقوله: (قائلا من يحيي العظام وهي رميم) أشار به إلى ما روي أن أبي بن خلف جاء بالعظم الرميم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا محمد أترى أي: أتظن أن اللّه يحيي هذا بعد ما رمّ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «نعم».\rوظاهر كلام البيضاوي يدل على تخصيص الآية بذلك القائل، لكن الصحيح في هذا المقام حملها على العموم فكلامه محمول على التمثيل، وما روي على تقدير صحته لا يدل على التخصيص، فإنه لا اعتبار بخصوص السبب إذا اقتضى المقام العموم كما تقرر. والحاصل: أن هذه ذكرت للتقرير والاستدلال على وجود الصانع الحكيم لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الغي والكفر اهـ كرخي.\rقوله: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ لما ذكر اللّه تعالى أنه خلق السموات والأرض ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان ذكر بعده ما ينتفع به الإنسان في سائر ضروراته، ولما كان أعظم ضروراته الأكل واللبس اللذين يقوم بهما بدنه بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك وهو الأنعام، فقال: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ. قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها ثم ابتدأ فقال لَكُمْ فِيها دِفْءٌ، ويجوز أيضا أن يكون تمام الكلام عند قوله لَكُمْ، ثم ابتدأ فقال: فيها دفء اهـ خازن.\rوتكون هذه الجملة حالية، وهذا الاحتمال الثاني هو الذي ينطبق عليه كلام الجلال اهـ.\rقوله: (جملة الناس) أي مع جملة الناس، وهذا يقتضي أن الخطاب في لكم على أسلوب فلا تستعجلوه في أنه لقريش وأضرابهم، مع أن من المفسرين من ذكر أن في هذه الآية التفاتا من الغيبة في الإنسان إلى الخطاب في لكم، فيقتضي أن المخاطب مطلق بني آدم المندرجين تحت الإنسان تأمل. قوله: فِيها دِفْءٌ في المختار: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، قال اللّه تعالى:\rلَكُمْ فِيها دِفْءٌ. وفي الحديث: «لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق» وهو أيضا السخونة اسم من دفئ الرجل من باب طرب وسلم، فالذكر دفآن، والأنثى دفأى مثل غضبان وغضبى ورجل دفئ بالقصر ودفيء بالمد اهـ.\rوفي المصباح: دفئ البيت يدفأ مهموزا من باب تعب. قالوا: ولا يقال في اسم الفاعل دفئ وزان كريم بل وزان تعب ودفئ الشخص، فالذكر دفآن والأنثى دفأى مثل غضبان وغضبي إذا لبس ما يدفئه، ودفؤ اليوم مثل قرب، والدفء وزان حمل خلاف البرد اهـ.\rوفي القاموس: والدفء بالكسر ويحرك نقيض حدة البرد كالدفاءة والجمع أدفاء ودفئ كفرح وكرم وتدفأ واستدفأ وأدفأ وأدفأه ألبسه الدفء، والدفآن المستدفئ كالدفئ، والدفء بالكسر نتاج الإبل وأوبارها والانتفاع بها وما أدفأ من الأصواف والأوبار اهـ.","part":4,"page":205},{"id":1225,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 206\rدِفْءٌ ما تستدفئون به من الأكسية والأردية من أشعارها وأصوافها وَمَنافِعُ من النسل والدر والركوب وَمِنْها تَأْكُلُونَ (5) قدم الظرف للفاصلة\rوَلَكُمْ فِيها جَمالٌ زينة حِينَ تُرِيحُونَ تردونها إلى مراحها بالعشي وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) تخرجونها إلى المرعى بالغداة\rوَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أحمالكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ واصلين إليه على غير الإبل إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ فتلخص أن الدفء بوزن حمل يطلق على أمور ثلاثة: على ضد البرودة وهو السخونة، وعلى ما يتدفأ به من الثياب، وعلى ما يتحصل من الإبل من نتاج ولبن ومنافع اهـ.\rقوله: (من الأكسية) بيان لما. وقوله: (من أشعارها) بيان للأكسية والاردية، وقوله:\rأَصْوافِها أي: وأوبارها اهـ.\rقوله: وَمَنافِعُ عطف عام على خاص، وقوله: (و الركوب) أي: بالنسبة للمجموع، وقوله:\rوَمِنْها أي: من لحومها تأكلون أي: أكلا معتادا، فلا ينافي أنه قد يؤكل من غيرها على سبيل التفكه أو التداوي اهـ شيخنا.\rقوله: (للفاصلة) أي للحصر.\rقوله: حِينَ تُرِيحُونَ الإراحة رد الدواب بالعشي إلى مراحها إي: مأواها بالليل، وقدم الإراحة على التسريح مع أنه خلاف الواقع، لأن الجمال في الإراحة وهو رجوعها إلى البيوت أكثر منه في وقت التسريح، لأن النعم تقبل من المرعى مملوءة البطون حافلة الضروع، فيفرح أهلها بها بخلاف تسريحها إلى المرعى، فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع، ثم تأخذ في التفرق والانتشار إلى الرعي في البرية، فظهر من هذا أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح فوجب تقديمها. قال أهل اللغة: وأكثر ما تكون هذه الإراحة أيام الربيع إذا سقط الغيث ونبت العشب والكلأ، وأحسن ما تكون النعم في ذلك الوقت، فامتنّ اللّه تعالى بالتجمل بها كما امتن بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، لأن الرعاة إذا سرحوا النعم بالغداة إلى المرعى وروحوا بالعشيء إلى الأفنية والبيوت يسمع للإبل رغاء، وللبقر خوار، وللشياه ثغاء يجاوب بعضها بعضا، فعند ذلك يفرح أربابها وتتجمل بها الأفنية والبيوت، ويعظم وقعها عند الناس اهـ خازن.\rقوله: تُرِيحُونَ مفعوله محذوف لأنه متعد، وقوله: تَسْرَحُونَ من باب قطع وخضع ومفعوله محذوف أيضا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: سرحت الإبل سرحا من باب نفع وسروحا أيضا رعت بنفسها، وسرحتها يتعدى ولا يتعدى، وسرحتها بالتثقيل مبالغة وتكثر اهـ.\rقوله: وَتَحْمِلُ أي: الانعام، والمراد بها هنا الإبل خاصة. وقوله: أَثْقالَكُمْ. والأثقال:\rجمع ثقل وهو متاع السفر وما يحتاج إليه من آلاته اهـ خازن.\rقوله: إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ الخ قال ابن عباس: أريد به اليمن ومصر والشام، ولعله نظر إلى أنها متاجر أهل مكة. وقال عكرمة: أريد مكة ولعله نظر إلى أن أثقالها وأحمالهم عند القفول من متاجرهم أكثر، وحاجاتهم إلى الحمولة أمس، والظاهر أنه عام لكل بلد بعيد اهـ أبو السعود.","part":4,"page":206},{"id":1226,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 207\rبجهدها إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (7) بكم حيث خلقها لكم\rوَخلق الْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً مفعول له، والتعليل بهما لتعريف النعم لا ينافي خلقها لغير ذلك كالأكل في الخيل الثابت بحديث الصحيحين وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8) من الأشياء العجيبة الغريبة\rوَعَلَى اللَّهِ قوله: إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ الشق: نصف الشيء، والمعنى لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها اهـ خازن.\rوفي المختار: الشق بالكسر نصف الشيء، والشق أيضا: المشقة، ومنه قوله تعالى: إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وهذا قد يفتح اهـ.\rوفي السمين: والعامة على كسر الشين، وقرأ أبو حفص عن نافع، وأبي عمرو بفتحها فقيل:\rهما مصدران بمعنى واحد أي: المشقة. وقيل: المفتوح المصدر والمكسور الاسم، وقيل: بالكسر نصف الشيء. وفي التفسير إلا بنصف أنفسهم كما تقول: لن تناله إلا بقطعة من كبدك على المجاز اهـ.\rوقوله: (بجهدها) بفتح الجيم.\rقوله: وَالْخَيْلَ اسم جنس لا واحد له من لفظه، بل معناه وهو فرس وسميت خيلا لاختيالها في مشيها، وقوله: وَالْبِغالَ جمع بغل وهو المتولد بين الخيل والحمير اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول له) أي كل منهما مفعول له، لكن جر الأول باللام لاختلاف الفاعل، لأن فاعل الركوب المخلوقون وفاعل الخلق هو اللّه ونصب الثاني لاتخاذ الفاعل، لأن المزين هو اللّه والخالق هو اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (و التعليل بهما) أي: الركوب والزينة، وقوله: (لا ينافي خلقها لغير ذلك) أي: المذكور من الركوب والزينة، وهذا جواب عما قيل هنا. ونص البيضاوي واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية، وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر اهـ.\rوفي الشهاب عليه ما نصه قوله: (و استدل به على حرمة الخ). هو أحد قولين للحنفية، وذكروا في وجه الاستدلال أن الآية واردة في مورد الامتنان والأكل من أجل منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأجل النعم ويمن بأدناها، وأشار المصنف إلى جواب عنه بأن كونه أدنى النعمتين غير مسلم، وأن ذكر بعض المنافع لا ينافي غيرها، والآية وردت للامتنان عليهم بما ألفوه واعتادوه، وهو الركوب والتزين بها لا الأكل اهـ وفي الخازن.\rفصل احتج بهذه الآية من يرى تحريم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم، ومالك، وأبو حنيفة، واستدلوا أيضا بأن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر، فلما لم يذكره اللّه علمنا","part":4,"page":207},{"id":1227,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 208\rتحريم أكله، ولأن اللّه خص الأنعام بالأكل حيث قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ وخص هذه بالركوب فقال:\rلِتَرْكَبُوها فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل. وذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: نحرنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه. أخرجه البخاري ومسلم.\rوروى الشيخان عن جابر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل. وفي رواية قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحوش. ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحمار الأهلي هذه رواية البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، وكنا قد أصابتنا مخمصة، فنهانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن البغال والحمير، ولم ينهانا عن الخيل. وأجاب من أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، وإنما خص هاتان المنفعتان بالذكر لأنهما معظم المقصود. قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله في الأنعام: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. وقال البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف اللّه عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحه لحوم الخيل بأن السنة مبينة للكتاب، ولما كان نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال مخلوقة للركوب والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم، ووردت السنة بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير أخذنا به جمعا بين النصين واللّه أعلم بمراده اهـ بحروفه.\rقوله: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ لما ذكر اللّه تعالى الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في جميع حالاته وضرورياته على سبيل التفصيل ذكر بعدها ما لا ينتفع به الإنسان في الغالب على سبيل الاجمال، كالطيور والسباع والوحوش، وقد أشار لهذا الشارح. أو يقال وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ أي في الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أو يقال: ويخلق ما لا تعلمون من السوس في النبات، والدود في الفاكهة اهـ شيخنا.\rقوله: (من الأشياء العجيبة) أي من الحيوانات، وأما غيرها فسيذكره بقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الخ هكذا فهم أبو حيان اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَلَى اللَّهِ أي تفضلا قصد السبيل على تقدير مضاف أي: وعلى اللّه بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من الضلالة اهـ خازن.\rوقد أشار له الشارح وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى: وعلى اللّه بيان السبيل القصد وهو الإسلام، والقصد بمعنى المقصود اهـ شيخنا.\rفقول الشارح: المستقيم أخذه من قصد. وفي السمين: والقصد مصدر يوصف به فهو بمعنى قاصد يقال: سبيل قصد وقاصد أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه اهـ.","part":4,"page":208},{"id":1228,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 209\rقَصْدُ السَّبِيلِ أي بيان الطريق المستقيم وَمِنْها أي السبيل جائِرٌ حائد عن الاستقامة وَلَوْ شاءَ هدايتكم لَهَداكُمْ إلى قصد السبيل أَجْمَعِينَ (9) فتهتدون إليه باختيار منكم\rهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ تشربونه وَمِنْهُ شَجَرٌ ينبت بسببه فِيهِ تُسِيمُونَ (10) ترعون دوابكم\rيُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ قوله: (أي بيان الطريق الخ) أي: بإرسال الرسل وإنزال الكتب. قوله: (أي السبيل) أي: السبيل لا بقيده المتقدم، وقوله: جائِرٌ صفة لموصوف محذوف أي: سبيل جائر وهو اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر اهـ الخازن.\rوفي السمين: قوله: وَمِنْها جائِرٌ الضمير يعود على السبيل لأنها تؤنث، قال تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [يوسف: 108]، أو لأنها في معنى سبل فأنث على معنى الجمع، وقيل: الضمير يعود على الخلائق، ويؤيده قراءة عيسى، وما في مصحف عبد اللّه ومنكم جائر، وقراءة علي فمنكم جائر بالفاء. والجور: العدول عن الاستقامة اهـ.\rقوله: لَهَداكُمْ أي: هداية موصلة بدليل تفريع الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ الخ لما ذكر نعمته على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة عقبه بذكر انزال المطر من السماء أي: السحاب، وهو من أعظم النعم على عباده اهـ خازن.\rقوله: لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ يصح أن يكون مبتدأ وخبرا مستأنفا أو صفة لماء، ويصح أن يكون قوله لَكُمْ صفة لماء أي: كائنا لكم. وقوله: مِنْهُ شَرابٌ مبتدأ وخبر، ويصح أن يكون ظرفا متعلقا بأنزل اهـ شيخنا.\rوالمعنى: أنا نشرب من ماء المطر، وهذا يوهم أنا لا نشرب من غيره كماء العيون والآبار، ولذا قال الخطيب: فإن قيل: ظاهر هذا أن شرابنا ليس إلا من المطر. أجيب: بأنه تعالى لم ينف أن نشرب من غيره، وبتقدير الحصر لا يمتنع أن يكون الماء العذب الذي تحت الأرض من جملة ماء المطر أسكن هناك بدليل قوله تعالى في سورة المؤمنون: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: 18] اهـ.\rقوله: وَمِنْهُ شَجَرٌ المراد بالشجر هنا مطلق النبات سواء كان له ساق أو لا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ومنه شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما ينبت على الأرض شجر اهـ.\rوفي السمين: والشجر هنا كل نبات من الأرض حتى الكلأ، وهو مجاز لأن الشجر ما كان له ساق اهـ.\rقوله: (ينبت بسببه) أي: فمن الثانية سببية، والأولى ابتدائية اهـ شيخنا.\rوقوله: فِيهِ أي: الشجر تسيمون اهـ.\rوقوله: (ترعون دوابكم) يقال: أسمت السائمة إذا خليتها ترعى، وسامت إذا رعت حيث شاءت اهـ خازن.","part":4,"page":209},{"id":1229,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 210\rالمذكور لَآيَةً دالة على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) في صنعه فيؤمنون\rوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ بالنصب عطفا على ما قبله والرفع مبتدأ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ بالوجهين مُسَخَّراتٌ بالنصب حال والرفع خبر بِأَمْرِهِ بإرادته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ قوله: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ الخ لما ذكر في الحيوانات تفصيلا واجمالا ذكر في الثمار تفصيلا واجمالا، فبدأ بذكر الزرع وهو الحب الذي يقتات، لأن به قوام بدن الإنسان، وثنّى بذكر الزيتون لما فيه من الأدم والدهن، وثلّث بذكر النخيل لما في ثمرها من الغذاء والتفكه، وأعقبها بالأعناب لأنها تشبه النخل في التغذي والتفكه، ثم ذكر سائر الثمار إجمالا لينبه بذلك على عظيم قدرته وجزيل نعمته على عباده اهـ خازن.\rوفي الكرخي: قوله: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ أي: بالماء استئناف اخبار عن منافع الماء، كأنه قيل: هل له منفعة غير ذلك؟ فإن قيل: إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر مأكول الحيوان، وأتبعه بذكر مأكول الإنسان، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فقال: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [طه: 54] فما الفائدة فيه؟\rفالجواب: إن هذه الآية مبنية على مكارم الأخلاق، وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بنفسه، وأما الآية الأخرى فمبنية على قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» اهـ.\rقوله: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من تعبيضية أي وبعض كل الثمرات أو كلها. إنما يوجد في الجنة وما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المذكور) أي من انزال الماء وانبات ما ذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قد ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات: خمس بالافراد واثنتان بالجمع. قال الكرماني: ما جاء بلفظ الافراد فلوحدة المدلول وهو اللّه تعالى، وما جاء منها بلفظ الجميع فلمناسبة مسخرات اهـ شيخنا.\rوختم هذه الفاصلة بالتفكر لأن النظر في ذلك يعني انبات النبات بالماء يحتاج إلى مزيد تأمل واستعمال فكر. ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومرّ عليها مقدار من الزمان مع رطوبة الأرض، فإنها تنتفخ وينشق أعلاها فيصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض، ثم ينمو الأ على ويقوى وتخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع، ومن تفكر في ذلك علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال، فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة، تعالى عن ذلك علوا كبيرا اهـ خازن وأبو السعود.\rوختم الفاصلة الثانية بالعقل، لأن العلويات أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة اهـ كرخي.\rقوله: (بالنصب حال) أي مؤكدة لعاملها وهو سخر اهـ شيخنا.\rقوله: بِأَمْرِهِ متعلق بمسخرات. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي: المذكور من تسخير الليل وما بعده اهـ شيخنا.","part":4,"page":210},{"id":1230,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 211\rيَعْقِلُونَ (12) يتدبرون\rوَسخر لكم ما ذَرَأَ خلق لَكُمْ فِي الْأَرْضِ من الحيوان والنبات وغير ذلك مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ كأحمر وأصفر وأخضر وغيرها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) يتعظون\rوَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ذلله لركوبه والغوص فيه لِتَأْكُلُوا مِنْهُ قوله: وَ(سخر لكم) ما ذَرَأَ أشار إلى أن وما ذرأ معطوف على الليل كما قاله الزمخشري، وقال أبو البقاء: في موضع نصب بفعل محذوف أي: وخلق وأنبت كأنه استبعد تسلط وسخر على ذلك فقدر فعلا لائقا اهـ كرخي.\rقوله: (و غير ذلك) كالثمار. قوله: مُخْتَلِفاً حال من ما وألوانه فاعل به. قوله: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي أن اختلاف طباعه وأشكاله مع اتحاد مواده إنما هو بصنع حكيم عليم قادر مختار منزه عن كونه جسما جسمانيا، وذلك هو اللّه تعالى اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: يَذَّكَّرُونَ فيرون أن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم اهـ. وأفرد آية هنا ليطابق ما ذرأ وأن كثر ما صدقه، وكذا في الأولى لأن الاستدلال بإنبات الماء واحد وجمع آيات في الثانية دون الأولى والثالثة، لأن الاستدلال فيها بمتعدد، وجعل العقل فيها والفكر في الأولى، لأن العلويات أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ أي عذبا وملحا، ولما ذكر اللّه دلائل قدرته ووحدانيته من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من نطفة وغير ذلك مع ما تقدم، وذكر إنعامه في ذلك على عباده ذكر بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير البحر لهم نعمة عليهم من اللّه، ومعنى تسخير البحر لعباده جعله بحيث يتمكن من الانتفاع به إما بالركوب عليه، أو بالغوص فيه، أو الصيد منه، فهذه ثلاث منافع. وبدأ بذكر الأكل لأنه معظم المقصود، لأن به قوام البدن اهـ خازن.\rفقول الشارح ذلله أي: سهله وهيأه اهـ شيخنا.\rقوله: (و الغوص فيه) في المختار: الغوص النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء من باب قال، والغواص بالتشديد الذي يغوص في الماء وفعله الغياصة اهـ.\rقوله: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ أي: من حيوانه لحما هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنه يسرع إليه الفساد، فينبغي المبادرة إلى أكله، وتسميته لحما هو مذهب المالكية بخلاف الشافعية والحنفية اهـ شيخنا.\rوعلى هذا فلو حلف لا يأكل لحما لا يحنث بأكل السمك اهـ.\rولإظهار قدرته في خلقه خلقه عذبا طريا في ماء ملح اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: الطراوة ضد اليبوسة أي: غضا جديدا، ويقال: طريت كذا أي: جددته اهـ.\rوفي المصباح: طرو الشيء بالواو وزان قرب فهو طريء أي غض بين الطراوة وطرىء بالهمز وزان تعب لغة، فهو طريء بين الطراوة، وطرأ فلان علينا يطرأ مهموز بفتحتين طروءا طلع فهو طارىء، وطرأ الشيء يطرأ أيضا طرآنا مهموز حصل بغتة فهو طارىء، وأطريت العسل بالياء طراء عقدته، وأطريت فلانا مدحته بأحسن ما فيه ويقال بالغت في مدحة وجاوزت الحد. وقال السرقسطي في باب","part":4,"page":211},{"id":1231,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 212\rلَحْماً طَرِيًّا هو السمك وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها هي اللؤلؤ والمرجان وَتَرَى تبصر الْفُلْكَ السفن مَواخِرَ فِيهِ تمخر الماء أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة وَلِتَبْتَغُوا عطف على لتأكلوا، تطلبوا مِنْ فَضْلِهِ تعالى بالتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) اللّه على ذلك\rوَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا ثوابت ل أَنْ لا تَمِيدَ تتحرك بِكُمْ وَأَنْهاراً جعل فيها وَأَنْهاراً كالنيل وَسُبُلًا طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) إلى مقاصدكم الهمز والياء: أطرأته مدحته وأطريته أثنيت عليه اهـ.\rقوله: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ أي: البحر وهو الملح فقط، حلية تلبسونها، الحيلة اسم لما يتحلى به وأصله الدلالة على الهيئة كالعمة اهـ سمين.\rوفي المصباح: حلي الشيء بعيني وبصدري يحلى من باب تعب حلاوة حسن عندي، وأعجبني، وحليت المرأة حليا ساكن اللام لبست الحلي وجمعه حلى، والأصل على فعول مثل فلس وفلوس، والحيلة بالكسر الصفة والجمع حلى مقصور وتضم الحاء وتكسر، وحيلة السيف زينته. قال ابن فارس: ولا تجمع وتحلت المرأة لبست الحلى أو اتخذته وحليتها بالتشديد ألبستها الحلى، أو اتخذته لها لتلبسه، وحليت السويق جعلت فيه شيئا حلوا حتى حلا اهـ.\rقوله: تَلْبَسُونَها أي: يلبسها نساؤكم لكم فهي حلية لكم بهذا الاعتبار، وقوله: (هي اللؤلؤ الخ) تفسير للحلية اهـ شيخنا. وفي القاموس: اللؤلؤ الدر، وواحدته بهاء وفيه أيضا المرجان صغار اللؤلؤ اهـ.\rوفي المصباح: والمرجان قال الأزهري، وجماعة: هو صغار اللؤلؤ، وقال الطرطوشي: هو عروق حمر تطل من البحر كأصابع الكف قال: وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض كثيرا اهـ.\rقوله: مَواخِرَ أي جواري فأصل المخر الجري فقول الشارح أي تشقه أي: بسبب الجري اهـ شيخنا.\rوفي المختار: مخرت السفينة من باب قطع ودخل إذا جرت تشق الماء مع صوت، ومنه قوله تعالى: وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ أي: جواري اهـ.\rقوله: (عطف على لتأكلوا) أي: وما بينهما اعتراض.\rقوله: وَأَلْقى أي: خلق في الأرض، وقوله: رَواسِيَ صفة لموصوف أي: جبالا رواسي، ومعنى رواسي ثوابت، كما أشار لذلك الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تَمِيدَ أي: تميل بكم، وفي المختار: ماد الشيء يميد ميدا من باب باع، ومادت الأغصان والأشجار تمايلت، وماد الرجل تبختر اهـ.\rقوله: وَأَنْهاراً يصح أن يكون معطوفا على رواسي، ويكون العامل فيه ألقى بمعنى خلق، وتقدير الشارح جعل ليس بضروري، لكن عذره في ذلك أنه ما كان المتبادر من الإلقاء الطرح وهو غير مناسب تقديره قدر جعل اهـ شيخنا.\rوذكر الأنهار عقب الجبال، لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال اهـ خازن.","part":4,"page":212},{"id":1232,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 213\rوَعَلاماتٍ تستدلون بها على الطرق كالجبال وبالنهار وَبِالنَّجْمِ بمعنى النجوم هُمْ يَهْتَدُونَ (16) إلى الطرق والقبلة بالليل\rأَفَمَنْ يَخْلُقُ وهو اللّه كَمَنْ لا يَخْلُقُ وهو الأصنام حيث تشركونها معه في العبادة لا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) هذا فتؤمنون\rوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قوله: وَعَلاماتٍ جمع علامة ففي المصباح: وأعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة، وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز غيره وهو العلامة، وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب، وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها اهـ.\rقوله: وَبِالنَّجْمِ أل للجنس كما أشار له الشارح وهو بفتح النون وسكون الجيم اهـ شيخنا.\rقال السدي: أراد بالنجم الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، فهذه يهتدى بها إلى الطريق والقبلة قال قتادة: خلق اللّه النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء، وعلامة للطرق، ورجوما للشياطين. ومن قال غير هذه فقد تكلف ما لا علم له به اهـ خازن.\rوفي الخطيب: ولما كانت الدلالة من النجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها برا وبحرا ليلا ونهارا نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم، لئلا يظن أن المخاطب مخصوص، وليس كذلك فقال تعالى: وَبِالنَّجْمِ أي: الجنس هم أي: أهل الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش، ثم العرب كلها لفرط معرفتهم بالنجوم يهتدون، وقدم الجار تنبيها على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة. وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان بنات نعش والجدي. وقيل:\rالضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهوري الاهتداء في مسائرهم بالنجوم اهـ.\rقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ الخ. عبارة الخطيب: ولما ذكر سبحانه وتعالى من عجائب قدرته وبديع خلقه ما ذكر على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل، فكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة اللّه ووحدانيته، وأنه تعالى المنفرد بخلقها جميعا قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضر، ولا تنفع ولا تقدر على شيء أفمن يخلق أي: هذه الأشياء الموجودة وغيرها كمن لا يخلق شيئا من ذلك، بل على إيجاد شيء ما، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة، ويترك عبادة من يستحقها وهو اللّه تعالى اهـ.\rوفي الكرخي: وهذا من عكس التشبيه، إذ مقتضى الظاهر عكسه، لأن الخطاب لعباد الأوثان حيث سموها آلهة تشبيها به تعالى، فجعلوا غير الخالق كالخالق، فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتها حتى صارت عندهم أصلا في العبادة، وصار الخالق فرعا، فجاء الانكار على وفق ذلك ليفهموا المراد على معتقدهم، وخاطبهم على معتقدهم لأنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي العلم، ونظيره قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: 195] الآية فلا يرد أن المراد بمن لا يخلق الأصنام، فكيف جيء بمن المختصة بأولي العلم اهـ.\rقوله: لا أشار به إلى أن الاستفهام للإنكار.\rقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ تذكير إجمالي بنعمة تعالى بعد تعداد طائفة منها، وكان الظاهر","part":4,"page":213},{"id":1233,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 214\rتضبطوها فضلا عن أن تطيقوا شكرها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم\rوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (19)\rوَالَّذِينَ يَدْعُونَ بالتاء والياء تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وهم الأصنام لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) يصورون من الحجارة وغيرها\rأَمْواتٌ لا روح فيهم خبر ثان غَيْرُ أَحْياءٍ تأكيد وَما يَشْعُرُونَ أي الأصنام أَيَّانَ وقت يُبْعَثُونَ (21) إيراده عقبها تكملة لها على طريقة قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أن تطيقوا شكرها) في نسخة أن تطيقوها شكرا اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ عبارة الخطيب، إن اللّه لغفور لتقصيركم في القيام بشكرها يعني النعمة كما يجب عليكم، رحيم بكم فوسع عليكم النعم ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير والمعاصي اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ أي: يا كفار مكة من المكر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: وَما تُعْلِنُونَ أي: تظهرونه من أذاه فهذا إخبار من اللّه لهم بأنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها، لا يخفى عليه شيء منها اهـ خازن.\rوما موصولة فيهما، وعبارة أبي السعود: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ أي: تضمرونه من العقائد والأعمال، وما تعلنون أي: تظهرونه منهما، وحذف العائد لمرعاة الفواصل أي: يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، وفيه من الوعيد والدلالة على اختصاصه تعالى بنعوت الالهية ما لا يخفى انتهت.\rقوله: (بالتاء والياء) سبعيتان وهو راجع لتدعون، وأما تسرون وتعلنون فقد قرئ فيهما بالوجهين أيضا، لكن قراءة الياء التحتية شاذة فيهما كما نبه عليه السمين.\rقوله: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ جملة الأوصاف التي ذكرها للأصنام ثلاثة تنافي الألوهية اهـ شيخنا.\rفإن قيل: هذا مكرر مع ما تقدم في قوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ قلت: إن المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون شيئا فقط، والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئا وهم يخلقون لغيرهم وهو اللّه، فكان هذا زيادة في المعنى فلا تكرار اهـ خازن.\rقوله: (خبر ثان) أي: عن قوله: هُمْ أي: والأول يخلقون، وقوله: وَما يَشْعُرُونَ أي:\rيعلمون خبر ثالث، وكان على الشارح التنبيه عليه اهـ شيخنا.\rقوله: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي: الخلق، ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الأصنام. أي أن الأصنام لا يشعرون متى يبعثها اللّه تعالى، وبه بدأ القاضي تبعا للكشاف. قال ابن عباس: إن اللّه تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها، فتتبرأ من عابديها فيؤمر بالكل إلى النار اهـ كرخي.\rوأيان منصوب بما بعده لا بما قبله لأنه استفهام وهو معلق ليشعرون، فجملته في محل نصب على إسقاط الخافض هذا هو الظاهر. وفي الآية قول آخر، وهو أن أيان ظرف لقوله: إِلهُكُمْ إِلهٌ","part":4,"page":214},{"id":1234,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 215\rأي الخلق فكيف يعبدون إذ لا يكون إلها إلا الخالق الحي العالم بالغيب\rإِلهُكُمْ المستحق العبادة منكم إِلهٌ واحِدٌ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته وهو اللّه تعالى فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ جاحدة للوحدانية وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) متكبرون عن الإيمان بها\rلا جَرَمَ حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فيجازيهم بذلك إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) بمعنى أنه واحِدٌ يعني: أن الإله يوم القيامة واحد، ولم يدع أحد تعدد الآلهة في ذلك اليوم بخلاف أيام الدنيا، فإنه قد وجد فيها من ادعى ذلك، وعلى هذا فقد تم الكلام على قوله يَشْعُرُونَ، إلا أن هذا القول مخرج لأيان عن موضوعها، وهو إما الشرط وإما الاستفهام إلى مخض الظرفية بمعنى وقت مضاف للجملة بعده، كقولك: وقت يذهب عمرو منطلق، فوقت منصوب بمنطلق مضاف ليذهب اهـ سمين.\rقوله: (وقت يبعثون) فيه إخراج أيان عن موضوعها وهو الشرط أو الاستفهام إلى محض الظرفية، فالظاهر تفسيره بمتى يبعثون كما في الكشاف وغيره، لكنه تسمح في العبارة، وما ذكره حاصل المعنى اهـ شهاب.\rقوله: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ هذا نتيجة ما قبله، وقوله: (منكم) متعلق بالعبادة. قوله: فَالَّذِينَ مبتدأ وقوله: قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ الجملة خبر، وقوله: وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ حال.\rقوله: لا جَرَمَ لا نافية وجرم بمعنى بد، وهذا بحسب الأصل، وأما الآن فقد ركبت لا مع جرم تركيب خمسة عشر وجعلا بمعنى كلمة واحدة، وتلك الكلمة مصدر كما قال الشراح، أو فعل معناه حق وثبت، وقوله أَنَّ اللَّهَ فاعل لا جرم اهـ شيخنا.\rوذكر بعضهم أن قوله أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ فاعل بفعل ذلك المصدر المأخوذ من لا جرم، والتقدير حق أي ثبت أن اللّه يعلم حقا الخ فحق في كلام الشارح منصوب على المفعول المطلق اهـ.\rوفي الشهاب: في هذه اللفظة خلاف بين النحاة، فذهب الخليل وسيبويه والجمهور إلى أن جرم اسم مركب مع لا تركيب خمسة عشر، وبعد التركيب صار معناها معنى فعل وهو حق وما بعدها مرتفع بالفاعلية بمجموع لا جرم لتأويله بالفعل أو بمصدر قائم مقامه وهو حقا على ما ذكره أبو البقاء، وقيل:\rهو مركب أيضا كلا رجل وما بعدها خبر ومعناها لا محالة ولا بد، وقيل: إنه على تقدير جار أي من أن اللّه الخ اهـ.\rقيل: إن لا نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة، وجرم بمعنى حق ووجب اهـ زاده.\rوقد تقدم لهذا مزيد بسط في سورة هود. قوله: (بمعنى أنه يعاقبهم) روي عن الحسين بن علي أنه مرّ بمساكين قد قدموا كسرا لهم وهم يأكلون، فقالوا: الغداء يا أبا عبد اللّه، فنزل وجلس معهم وقال: إنه لا يحب المستكبرين، ثم أكل فلما فرغوا قال: قد أجبتكم فأجيبوني، فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم فانصرفوا. قال العلماء: وكل ذنب يمكن ستره واخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان وهو أصل العصيان كله. وفي الحديث الصحيح: «إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة تطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم». أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: تصغر لهم أجسامهم في المحشر حين يضرهم تصغيرها، وتعظم لهم في النار حين يضرهم عظمها» اهـ من القرطبي.","part":4,"page":215},{"id":1235,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 216\rيعاقبهم. ونزل في النضر بن الحارث\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما استفهامية ذا موصولة أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على محمد قالُوا هو أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (24) إضلالا للناس\rلِيَحْمِلُوا في عاقبة الأمر أَوْزارَهُمْ ذنوبهم كامِلَةً لم يكفر منها شيء يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ بعض أَوْزارِ قوله: (و نزل في النضر بن الحارث) أي بسببه وكان عنده كتب التواريخ، ويزعم أن حديثه أجمل وأتم ما انزل على محمد اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة، وقيل مبني للمجهول أي: قال المسلمون للذين الخ. وعبارة أبي السعود: والقائل الوافدون عليهم، أو المسلمون أو بعضهم لبعض على طريق التهكم اهـ.\rقوله: ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ جملة وقت نائب فاعل لقيل، وهذا شروع في ذكر شيء من قبائح المشركين اهـ شيخنا.\rقوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ جمع أسطورة كأحاديث وأضاحيك وأعاجيب جمع أحدوثة وأضحوكة وأعجوبة اهـ شيخنا. أي: قالوا المنزل أساطير الأولين، فهو خبر مبتدأ محذوف أي ما تدعون نزوله أو المنزل أساطير الأولين، وإنما سموه منزلا على سبيل التهكم أو على الغرض أي: على تقدير أنه منزل فهو أساطير لا تحقيق فيه اهـ بيضاوي.\rقوله: (إضلالا للناس) تعليل لقالوا.\rقوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ اللام في ليحملوا لام العاقبة، وذلك أنهم لما وصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين كان عاقبتهم بذلك أن يحملوا أوزارهم يعني ذنوب أنفسهم، وإنما قال كاملة لأن البلايا التي أصابتهم في الدنيا، وأعمال البر التي عملوها في الدنيا لا تكفر عنهم شيئا يوم القيامة، بل يعاقبون بكل أوزارهم. قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة اهـ خازن.\rقوله: (لم يكفر منها شيء) أي: بالبلايا التي تلحقهم في الدنيا كما تكفر عن المؤمن، بل تكون عقوبة لأعمالهم كما قال تعالى: أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: 49] على أن بعض محققي الصوفية قال: المحن والبلايا للمخطئين عقوبات، وللإبرار مكفرات، وللعارفين درجات، فقد يكون السابق في علمه أن لا ينال العارف تلك الدرجة بعمل بل بمحنة فيوصلها له بذلك، ولو شاء لأوصلها بدون ذلك، ولكن لا يسأل عما يفعل اهـ كرخي.\rقوله: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ يعني ويحصل للرؤساء الذين أضلوا غيرهم وصدوهم عن الإيمان مثل أوزار الأتباع. والسبب فيه ما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». أخرجه مسلم. ومعنى الآية والحديث: أن الرئيس والكبير إذا سنّ سنة حسنة أو سنّة قبيحة فتبعه عليها جماعة فعملوا بها، فإن اللّه","part":4,"page":216},{"id":1236,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 217\rالَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم أَلا ساءَ بئس ما يَزِرُونَ (25) يحملونه حملهم هذا\rقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهو نمروذ بنى تعالى يعظم ثوابه أو عقابه، حتى يكون ذلك الثواب أو العقاب مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع الذين عملوا السنة الحسنة أو القبيحة، وليس المراد أن اللّه يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى المتبوع، لأن ذلك ليس بعد منه تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164 والإسراء: 15 وفاطر: 18 والزمر: 7 والنجم: 38] وقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: 39]. قال الواحدي: ولفظ من في قوله: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ليست للتبعيض، لأنها لو كانت للتبعيض لنقص عن الأتباع بعض الأوزار، وذلك غير جائز لقوله عليه الصلاة والسّلام: «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» لكنها للجنس أي: ليحملوا من جنس أوزار الكفار اهـ خازن.\rوهذا خلاف ما قرره الشارح من أنها للتبعيض، وتبع الشارح في ذلك البيضاوي، والقرينة عليه قوله سابقا كاملة. وعبارة البيضاوي: وبعض أوزار ضلال من يضلونهم وهو حصة التسبب.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني أن الرؤساء إنما يقدمون على إضلال غيرهم بغير علم بما يستحقونه من العقاب على ذلك الإضلال، بل يقدمون على ذلك جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: بغير علم حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق والمبطل اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ قال الزمخشري: حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وعليه جرى القاضي وقال غيره من الفاعل، ورجح هذا بأنه من المحدث عنه، والمسند إليه الإضلال على جهة الفاعلية، والمعنى أنهم يقدمون على الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلته. وأما قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * فمعناه وزرا لا مدخل لها فيه، ولا تعلق لها به بتسبب ولا غيره، ونظير هاتين الآيتين سؤالا وجوابا قوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: 12] إلى قوله: وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: 13] اهـ.\rقوله: (فاشتركوا في الإثم) أي في مطلق الإثم، لأن إثم المتبوعين بسبب الإضلال وإثم التابعين بالمطاوعة اهـ شيخنا.\rقوله: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ساء فعل ماض لإنشاء الذم، وما تمييز بمعنى شيئا أو فاعل ساء، ويزرون صفة لما والعائد محذوف أو ما اسم موصول، وقوله يَزِرُونَ صلة الموصول والعائد محذوف أي يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف، كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ الخ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: (و هو نمروذ) بضم النون وبالذال المعجمة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وهو ابن كنعان الجبار، وكان أعظم أهل الأرض تجبرا في زمن إبراهيم عليه السّلام اهـ شيخنا.","part":4,"page":217},{"id":1237,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 218\rصرحا طويلا ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها فَأَتَى اللَّهُ قصد بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ الأساس فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمتها فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي وهم تحته قوله: (بنى صرحا طويلا الخ) عبارة الخازن: وكان من مكره أنه بنى صرحا ببابل ليصعد إلى السماء ويقاتل أهلها في زعمه. قال ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع، وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبت ريح فقصفته، وألقت رأسه في البحر وخرّ عليهم الباقي فأهلكهم وهم تحته، ولما سقط تبلبلت ألسن الناس بالفزع فتكلموا يومئذ بثلاث وسبعين لسانا، فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية. قلت: هكذا ذكره البغوي، وفي هذا نظر لأن صالحا عليه السّلام كان قبلهم، وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عربا، منهم جرهم الذين نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية، وكان قبائل من العرب قديمة قبل إبراهيم. كل هؤلاء عرب، ويدل على صحة هذا قوله: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [الأحزاب: 33] واللّه أعلم. وقيل:\rحمل قوله قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ على العموم أولى، فتكون الآية عامة في جميع الماكرين المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمؤمنين اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: وقيل هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه أي من هدم بناء دين اللّه حيث شبه حالهم بحال قوم بنوا بنيانا ودعموه، فانهدم البناء وسقط السقف عليهم، ونحوه من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا، وهذا ما اختاره القاضي كالكشاف، فيكون عاما في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين اهـ.\rقوله: (قصد) أي أراد بنيانهم أي تخريب بنيانهم. قوله: (الأساس) تفسير للقواعد وهو بكسر الهمزة جمع أس كرماح جمع رمح، وأما أساس بالفتح فجمعه أسس كعنق بضمتين اهـ شيخنا نقلا عن المختار.\rوفي المصباح: أن الحائط بالضم أصله وجمعه آساس مثل قفل وأقفال، وربما قيل إساس مثل عش وعشاش، والأساس مثله، والجمع أسس مثل عناق وعنق، وأسسته تأسيسا جعلت له أساسا اهـ.\rويصح أن يقرأ ما في الشارح آساس بفتح الهمزة والمد لما عرفت أن الأس بالضم يجمع على إساس بالكسر كرمح ورماح، وعلى أساس كقفل وأقفال اهـ.\rقوله: (فأرسل عليه) أي الصرح أو البنيان أي أرسل عليه الريح من أعلاه، فرمت رأسه في البحر والزلزلة من أسفله فهدمته اهـ شيخنا.\rقوله: (فهدمتها) تفريع على الزلزلة، وأما الريح فقصفت رأسه وألقته في البحر كما تقدم اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: فأتى اللّه بنيانهم من القواعد يعني قصد تخريب بنيانهم من أصله، وذلك بأن أتاهم بريح قصفت بنيانهم من أعلاه، وأتاهم بزلازل قلعت بنياهم من القواعد وأساسه، هذا إذا حملنا تفسير الآية على القول الأول وهو ظاهر اللفظ. وإن حملنا تفسير الآية على القول الثاني وهو حملها على العموم كان المعنى أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها علم أنبياء اللّه، فأهلكهم اللّه تعالى وجعل","part":4,"page":218},{"id":1238,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 219\rوَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26) من جهة لا تخطر ببالهم، وقيل هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل\rثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ يذلهم وَيَقُولُ اللّه لهم على لسان الملائكة توبيخا أَيْنَ شُرَكائِيَ بزعمكم الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ تخالفون المؤمنين فِيهِمْ في شأنهم قالَ أي يقول الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الأنبياء والمؤمنين إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (27) يقولونه شماتة بهم\rالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالكفر هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنيانا شديدا ودعموه، فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم، فهو مثل ضربه اللّه تعالى لمن مكر بآخر فأهلكه اللّه بمكره. ومنه المثل السائر على ألسنة الناس من حفر بئرا لأخيه أوقعه اللّه فيه اهـ.\rقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ للتأكيد، لأن السقف لا يخر إلا من فوق، وقيل: يحتمل أنهم لم يكونوا تحت السقف عند سقوطه، فما قال من فوقهم على أنهم كانوا تحته، وأنه لما خر عليهم أهلكهم وماتوا تحته اهـ خازن.\rقوله: يُخْزِيهِمْ أي الكفار مطلقا. وقوله: وَيَقُولُ لهم الخ بيان لقوله يُخْزِيهِمْ كما ذكره أبو السعود. قوله: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ المشاقة عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه، والمعنى ما لهم لا يحضرون معكم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من العذاب والهوان اهـ خازن.\rقوله: تُشَاقُّونَ قرأ نافع بكسر النون خفيفة، والأصل تشاقوني بإثبات الياء فحذفها مجتزئا عنها بالكسرة، والباقون بفتحها خفيفة، ومفعوله محذوف أي تشاقون المؤمنين، أو تشاقون اللّه بدليل القراءة الأولى، وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة أعني: قراءة نافع، وقرأت فرقة بتشديدها مكسورة والأصل تشاقونني فأدغم، وقد تقدم تفصيل ذلك في أتحاجوني اهـ سمين.\rقوله: (تخالفون المؤمنين) أي تعادونهم وتخاصمونهم وتنازعونهم فيهم أي في شأنهم اهـ.\rقوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي وهم في الموقف اهـ أبو السعود.\rوقوله: إِنَّ الْخِزْيَ أي: الذل اليوم منصوب بالمصدر قبله لأنه مقرون بأل، وإذا كان مقرونا بأل عمل عمل فعله. وقوله: وَالسُّوءَ أي العذاب اهـ شيخنا.\rوإنما يقول المؤمنون هذه يوم القيامة، لأن الكفار كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدنيا وينكرون عليهم أحوالهم، فإذا كان يوم القيامة ظهر أهل الحق، وأكرموا بأنواع الكرامات، وأهين أهل الباطل وعذبوا بأنواع العذاب، فعند ذلك يقول المؤمنون إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين اهـ خازن.\rقوله: (شماتة) أي: فرحا. والشماتة: الفرح ببلاء يصيب العدو اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: شمت به يشمت من باب سلم إذا فرح بمصيبة نزلت به. والاسم الشماتة وأشمت اللّه به العدو اهـ.\rقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يجوز أن يكون الموصول مجرور المحل نعتا لما قبله أو بدلا","part":4,"page":219},{"id":1239,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 220\rفَأَلْقَوُا السَّلَمَ انقادوا واستسلموا عند الموت قائلين ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ شرك، فتقول الملائكة بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فيجازيكم به ويقال لهم\rفَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)\r* وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ منه أو بيانا له، وأن يكون منصوبا على الذم أو مرفوعا عليه أو مرفوعا بالابتداء والخبر قوله: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ والفاء مزيدة في الخبر قاله ابن عطية، وهذا لا يجيء إلا على رأي الأخفش في إجازته زيادة الفاء في الخبر مطلقا نحو: زيد فقام أي قام، ولا يتوهم أن هذه الفاء هي التي تدخل مع الموصول المضمن معنى الشرط، لأنه لو صرح بهذا الفعل مع أداة الشرط لم يجز دخول الفاء عليه فما ضمن معناه أولى بالمنع كذا قاله الشيخ وهو ظاهر اهـ سمين.\rقوله: (بالتاء والياء) سبعيتان لكنه مع الياء يقرأ بالإمالة في الموضعين اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وقرأ حمزة في هذه الآية وفي الآية الآتية بالياء في الموضعين على التذكير، لأن الملائكة ذكور والباقون بالتاء على التأنيث للفظ، لأن لفظ الجمع مؤنث اهـ.\rقوله: الْمَلائِكَةُ أي عزرائيل وأعوانه اهـ شيخنا.\rقوله: ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ حال من مفعول تتوفاهم، وتتوفاهم يجوز أن يكون مستقبلا على بابه إن كان القول واقعا في الدنيا، وأن يكون ماضيا على حكاية الحال إن كان واقعا يوم القيامة اهـ سمين.\rقوله: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ أي في زعمنا واعتقادنا، وقوله: بَلى أي كنتم تعملون السوء.\rقوله: فَادْخُلُوا أي: ليدخل كل صنف إلى الطبقة التي هي موعود بها اهـ شيخنا.\rفأبواب جهنم طباقها كما تقدم في سورة الحجر اهـ.\rوإنما قيل لهم ذلك لأنه أعظم في الخزي والغم، وفيه دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذابا من بعض، وقوله الْمُتَكَبِّرِينَ أي الإيمان اهـ خازن.\rقوله: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أي: قال وفود العرب الذين كانت تبعثهم القبائل إلى مكة ليتفحصوا ويبحثوا عن حال القرآن وحال محمد، فإذا قدموا وصادفوا المسلمين سألوهم وقالوا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: خَيْراً الخ، وإذا صادفوا الكفار سألوهم وقالوا ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطير الأولين كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (الشرك) بهمزة وصل بحسب الأصل، وإن كان يجب هنا قطعها محافظة على سكون الواو اهـ شيخنا.\rقوله: ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ماذا بتمامها استفهامية مفعول مقدم، فجملة السؤال فعلية وهذا أنسب هنا لأجل كون الجواب فعلية، لأن خيرا مفعول بفعل محذوف. وقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الخ وقوله:\rوَلَدارُ الْآخِرَةِ الخ الجملتان بيان للخبر المنصوب فهما من مقولهم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: خَيْراً العامة على نصبه أي: أنزل خيرا. قال الزمخشري: فإن قلت:","part":4,"page":220},{"id":1240,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 221\rقالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا بالإيمان فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ حياة طيبة وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي الجنة خَيْرٌ من الدنيا وما فيها قال تعالى وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (30) هي\rجَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة مبتدأ خبره يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ الجزاء يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)\rالَّذِينَ لمن رفع الأول ونصب هذا؟ قلت: فرقا بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني: أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للانزال، فقالوا: خيرا، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس هو من الانزال في شيء، وقرأ زيد بن علي خير، بالرفع أي المنزل خير وهي مؤيدة لجعل ذا موصولة وهو الأحسن لمطابقة الجواب لسؤاله، وأن كان العكس جائزا اهـ سمين.\rقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ هذه الجملة يجوز فيها أوجه، أحدها: أن تكون منقطعة عما قبلها استئناف إخبار بذلك. الثاني: أنها بدل من خيرا. قال الزمخشري: هي بدل من خيرا حكاية لقول الذين اتقوا أي قالوا هذا القول فقدم تسميته خيرا ثم حكاه. الثالث: أن هذه الجملة تفسير لقوله خيرا، وذلك أن الخير هو الوحي الذي أنزل اللّه تعالى فيه من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة اهـ سمين.\rقوله: فِي هذِهِ الدُّنْيا الظاهر تعلقه بأحسنوا أي أوقعوا الحسنة في دار الدنيا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من حسنة، إذ لو تأخر لكان صفة لها ويضعف تعلقه بها نفسها لتقدمه عليها اهـ سمين.\rقوله: (حياة طيبة) هي استحقاق المدح والثناء، أو الظفر على الأعداء، أو فتح أبواب المشاهدات والمكاشفات اهـ كرخي.\rقوله: (قال تعالى فيها) أي في نعتها وبيانها.\rقوله: (هي) بيان للمخصوص بالمدح، فهو من الجملة الأولى، وليس مبتدأ وما بعده خبر كما يعلم من كلام الشارح. وفي السمين: قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح فيجيء فيها ثلاثة أوجه: رفعها بالابتداء والجملة المتقدمة خبرها، أو رفعها خبرا لمبتدأ مضمر، أو رفعها بالابتداء والخبر محذوف وهو أضعفها، وقد تقدم تحقيق ذلك. ويجوز أن يكون جنات عدن خبر مبتدأ مضمر لا على ما تقدم، بل يكون المخصوص محذوفا تقديره ولنعم دارهم هي جنات، وقدره الزمخشري ولنعم دار المتقين دار الآخرة، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله يَدْخُلُونَها، ويجوز أن يكون الخبر مضمرا تقديره لهم جنات عدن، ودل على ذلك قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ اهـ.\rقوله: لَهُمْ فِيها أي الجنات اهـ خازن.\rقوله: كَذلِكَ الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر، أو نعت لمصدر مقدر، أو في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر أي الأمر كذلك، ويجزي اللّه المتقين مستأنف اهـ سمين.\rقوله: لِلَّذِينَ (نعت) عبارة السمين: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ يحتمل ما ذكرناه فيما تقدم، وإذا","part":4,"page":221},{"id":1241,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 222\rنعت تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ طاهرين من الكفر يَقُولُونَ لهم عند الموت سَلامٌ عَلَيْكُمْ ويقال لهم في الآخرة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)\rهَلْ ما يَنْظُرُونَ ينتظر الكفار إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ العذاب أو القيامة المشتملة عليه كَذلِكَ كما فعل هؤلاء فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم كذبوا رسلهم فأهلكوا وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بإهلاكهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) بالكفر\rفَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي جزاؤها وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (34) أي العذاب\rوَقالَ جعلنا يقولون خبرا فلا بد من عائد محذوف أي يقولون لهم، وإذا لم نجعله خبرا كان حالا من الملائكة، فيكون طيبين حالا من المفعول، ويقولون حالا من الفاعل، وهي يجوز أن تكون حالا مقارنة إن كان القول واقعا في الدنيا، ومقدرة إن كان واقعا في الآخرة انتهت.\rقوله: طَيِّبِينَ حال من المفعول في تتوفاهم، وقوله (طاهرين من الكفر) أشار به إلى أن المراد به الطهارة القلبية، وهي طهارة القلب من شوائب الكفر والنفاق. وعبارة البيضاوي: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم، وقيل: فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس انتهت.\rقوله: يَقُولُونَ حال من الملائكة اهـ أبو السعود.\rوتقدم في عبارة السمين أن هذه الحال يجوز أن تكون مقارنة إن كان القول واقعا منهم في الدنيا، وأن تكون مقدرة إن كان القول واقعا في الآخرة اهـ.\rقوله: (عند الموت) أي عند قبض أرواحهم، فيأتي للمؤمن ملك يسلم عليه ويبلغه السّلام عن اللّه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: يقولون لهم عند الموت سلام عليكم أي: لا يلحقكم بعد مكروه، فهي حال مقارنة، واستشهد له من الدر المنثور بما أخرجه مالك، وابن جرير، والبيهقي وغيرهم عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السّلام عليك يا ولي اللّه، اللّه يقرأ عليك السّلام وبشره بالجنة، ونحوه في الكشاف. وقال أبو حيان: الظاهر أن السّلام إنما هو في الآخرة، ولذلك جاء بعده ادخلوا الجنة، فهو من قول خزنة الجنة اهـ. وعليه فهي حال مقدرة اهـ.\rقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف.\rقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ الخ المعنى لا بد لهم من لحوق أحد الأمرين المذكورين، ففي الكلام مجاز لأنهم لما تسببوا في لحوق ما ذكر بهم شبهوا بالمنتظر الشيء له اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتاء والياء) سبعيتان. قوله: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ أو مانعة خلو، فإن كلا من الموت والعذاب يأتيهم، وإن اختلف الوقت، وإنما عبر بأو دون الواو إشارة إلى كفاية كل واحد من الأمرين في تعذيبهم، كما أفاده أبو السعود. قوله: (فأصابهم) معطوف على فعل الذين من قبلهم وما بينهما اعتراض اهـ سمين.\rقوله: وَحاقَ بِهِمْ أي وأحاط بهم جزاؤه. والحيق لا يستعمل إلا في الشر اهـ بيضاوي.","part":4,"page":222},{"id":1242,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 223\rالَّذِينَ أَشْرَكُوا من أهل مكة لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من البحائر والسوائب، فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به، قال تعالى كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذبوا رسلهم فيما جاؤوا به فَهَلْ فما عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) الإبلاغ البين وليس عليهم هداية\rوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا كما بعثناك في هؤلاء أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الأوثان أن تعبدوها فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ فآمن يعني أن أصل معناه الاحاطة مطلقا، لكنه خص في الاستعمال بإحاطة الشر، فلا يقال حاقت به النعمة، بل النقمة اهـ شهاب.\rوفي المختار: حاق به الشيء أحاط به وبابه باع، ومنه قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] اهـ.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ الخ هذا كلام صحيح في حد ذاته، لكنهم توصلوا به لما ذكره الشارح بقوله فهو راض به الذي هو باطل عند أهل السنة وغيرهم من المسلمين اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي قالوا ما ذكر على سبيل الاستهزاء، وتوصلوا بهذا القول إلى إنكار النبوة، فقالوا: وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة في بعثة الرسل إلى الأمم؟ والجواب عن هذا أنهم لما قالوا الكل من اللّه قالوا: فبعثة الرسل عبث، وهذا اعتراض منهم على اللّه في أحكامه وأفعاله وهو باطل لأنه لا يسأل عما يفعل انتهت.\rوعبارة البيضاوي: وقال الذين أشركوا إنما قالوا ذلك استهزاء ومنعا للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما يشاء اللّه يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيهما، وإنكار لقبح ما أنكر عليهم من الشرك وتحريم البحائر ونحوها محتجين بأنها لو كانت مستقبحة لما شاء اللّه صدورها عنهم، ولشاء خلافه ملجئا إليه لا اعتذارا، إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم، وفيما بعده تنبيه على الجواب عن الشبهتين اهـ.\rقوله: مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من الأولى بيانية، والثانية زائدة لتأكيد الاستغراق، ونحن تأكيد لضمير عبدنا لا لتصحيح العقد لوجود الفواصل، وإن كان محسنا له اهـ شهاب.\rوالمعنى: ما عبدنا شيئا حال كونهم هو دونه أي دون اللّه أي غيره، وسكت عن من في قوله وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، والظاهر أنهما زائدتان أي: ولا حرمنا شيئا حال كوننا دونه أي دون اللّه أي مستقلين بتحريمه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي كذبوا رسلهم الخ) عبارة البيضاوي: فأشركوا باللّه وحرموا حله وردوا رسله انتهت.\rقوله: (الإبلاغ البين) أي: فالبلاغ مصدر بمعنى الإبلاغ اهـ شهاب.\rقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ حملها المفسر على المصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية، لأن البعث فيه معنى القول، والوجهان حكاهما السمين اهـ.\rقوله: وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي: اجتنبوا عبادتها، فالكلام على حذف مضاف كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.","part":4,"page":223},{"id":1243,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 224\rوَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ وجبت عَلَيْهِ الضَّلالَةُ في علم اللّه فلم يؤمن فَسِيرُوا يا كفار مكة فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) رسلهم من الهلاك\rإِنْ تَحْرِصْ يا محمد عَلى هُداهُمْ وقد أضلهم اللّه لا تقدر على ذلك فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي بالبناء للفاعل وللمفعول مَنْ يُضِلُ من يريد إضلاله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (37) مانعين من عذاب اللّه\rوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ واختلف في الطاغوت فقال بعضهم: كل ما عبد من دون اللّه فهو طاغوت، وقال الحسن:\rالطاغوت الشيطان، والمراد من اجتنابه اجتناب ما يدعو إليه مما نهى عنه شرعا، ولما كان ذلك الارتكاب بأمر الشيطان ووسوسته سمي ذلك عبادة للشيطان اهـ زاده.\rوهو من الطغيان ويذكر ويؤنث اهـ مصباح.\rويقع على الواحد كقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء: 60] وعلى الجمع كقوله تعالى: أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ [البقرة: 257] والجمع الطواغيت اهـ مختار.\rومن إطلاقه على الجمع ما هنا حيث فسره الشارح بالجمع اهـ.\rقوله: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ في الفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال اهـ شهاب.\rقوله: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ في المصباح: حرص عليه حرصا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحرص بالكسر، وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضا، وحرص حرصا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة اهـ.\rوفي السمين: قرأ العامة إن تحرص بكسر الراء مضارع حرص بفتحها، وهي اللغة العالية لغة الحجاز، وقرأ الحسن تحرص بفتح الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة لبعضهم اهـ.\rقوله: (لا تقدر على ذلك) هذا جواب إن، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ تعليل للجواب اهـ.\rقوله: (بالبناء للفاعل وللمفعول) سبعيتان. قوله: وَما لَهُمْ الضمير لمن، وقوله: مِنْ ناصِرِينَ من زائدة في المبتدأ.\rقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ أي: حلفوا، وسمي الحلف قسما لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب، وقوله: (أي غاية الخ) وذلك أنهم كانوا يقسمون بآبائهم وآلهتهم، فإذا كان الأمر عظيما أقسموا باللّه. والجهد بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة وانتصب جهد على المصدرية اهـ أبو حيان من سورة الأنعام.\rوفي البيضاوي: وأقسموا باللّه عطف على وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إيذانا بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البت على فساده، ولقد رد اللّه عليهم أبلغ رد فقال: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ الخ اهـ.\rوفي السمين: ظاهره أنه استئناف إخبار، وجعله الزمخشري نسقا على وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا اهـ.","part":4,"page":224},{"id":1244,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 225\rأَيْمانِهِمْ أي غاية اجتهادهم فيها لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ قال تعالى بَلى يبعثهم وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر أي وعد ذلك وحقه حقا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (38) ذلك\rلِيُبَيِّنَ متعلق بيبعثهم المقدر لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ مع المؤمنين فِيهِ من أمر الدين بتعذيبهم وإثابة المؤمنين وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39) في إنكار البعث\rإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أي أردنا إيجاده، وقولنا مبتدأ خبره أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب عطفا على نقول، والآية لتقرير قوله: بَلى (يبعثهم) فيه مراعاة معنى من. قوله: (مصدران مؤكدان) أي للجملة المقدرة بعد بلى، وقوله (أي وعد ذلك الخ) كان عليه أن يقول أي وعد ذلك وعدا وحقه حقا وقدره متعديا، وكان الأولى تقديره لازما بأن يقول أي وعد ذلك وعدا وحق حقا أي ثبت ثبوتا اهـ شيخنا.\rأي لأن حق بمعنى ثبت ووجب لازم لا ينصب المفعول. وفي السمين: قوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد أي: وعد ذلك وعدا، وحق حقا. وقيل: حقا نعت لوعدا، والتقدير بل يبعثهم وعد بذلك وعدا حقا، وقرأ الضحاك وعد عليه حق برفعهما على أن وعد خبر مبتدأ مضمر اهـ.\rقوله: لا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناع البعث اهـ بيضاوي.\rقوله: (المقدر) أي بعد بلى، وقوله: (من أمر الدين) وهو البعث، وقوله: (بتعذيبهم الخ) متعلق بيبين لكن بتضمينه معنى يميز أي ليبين لهم الذي يختلفون فيه حال كونه مميزا بين المحق والمبطل بإثابة الأول وتعذيب الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: (و قولنا مبتدأ) أي وإنما أداة حصر اهـ.\rقوله: كُنْ من كان التامة أي احدث وابرز من العدم إلى الوجود. قوله: (و الآية لتقرير القدرة على البعث) أي مسوقة لهذا المقصد، فالأمر فيها وهو قوله كن كناية عن سرعة الإيجاد عند تعلق الإرادة، وليس هناك أمر حقيقة ولا كاف ولا نون، وإلا لو كان هناك أمر لتوجه أن يقال إن كان الخطاب للشيء حال عدمه فلا يعقل، لأن خطاب المعدوم لا يعقل، وإن كان بعد وجوده ففيه تحصيل الحاصل اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أن نقول له كن فيكون، وهو بيان لإمكانه وتقرير ذلك أن تكوين اللّه تعالى بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد، والإلزم التسلسل، فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده اهـ.\rوفي أبي السعود: إنما قولنا استئناف لبيان كيفية التكوين على الإطلاق إبداء وإعادة بعد التنبيه على تحقق البعث، ومنه يظهر كيفيته فما كافة وقولنا مبتدأ، وقوله تعالى لِشَيْءٍ أي أيّ شيء كان مما عزّ وهان متعلق به على أن اللام للتبليغ كهي في قولك قلت له: قم فقام. وجعلها الزجاج سببية أي لأجل شيء، وليس بواضح والتعبير عنه بذلك باعتباره وجوده عند تعلق مشيئته تعالى به لا أنه كان شيئا","part":4,"page":225},{"id":1245,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 226\rالقدرة على البعث\rوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ لإقامة دينه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا بالأذى من أهل مكة وهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ننزلنهم فِي الدُّنْيا دارا حَسَنَةً هي المدينة وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي الجنة أَكْبَرُ أعظم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) أي الكفار أو المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم هم\rالَّذِينَ صَبَرُوا على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدين وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) فسيرزقهم من حيث لا يحتسبون\rوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ لا ملائكة فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ العلماء بالتوراة والإنجيل إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) ذلك، قبل ذلك، وقوله: إِذا أَرَدْناهُ ظرف لقولنا أي وقت إرادتنا لوجوده أن نقول له كن خبر للمبتدأ، فيكون إما عطف على مقدر تفصح عنه الفاء، وينسحب عليه الكلام أي: فنقول ذلك فيكون كقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117 وآل عمران: 47]، وإما جواب لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون. وليس هناك قول ولا مقول له، ولا أمر ولا مأمور حتى يقال إنه يلزم منه أحد المحالين: إما خطاب المعدوم، أو تحصيل الحاصل، بل هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى، وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ، وقوله هاجَرُوا أي: انتقلوا من مكة إلى المدينة، وقوله فِي اللَّهِ في بمعنى لام التعليل والكلام على حذف مضافين كما أشار له الشارح، وقوله (لإقامة) أي لإظهار دينه، وقوله لَنُبَوِّئَنَّهُمْ خبر اهـ.\rقوله: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي وللأجر الكائن في الآخرة وهو النعيم الكائن في الجنة التي هي المراد بالآخرة أكبر وأعظم من الأجر الكائن في الدنيا، وهو إسكانهم المدينة اهـ شيخنا.\rقوله: (ما للمهاجرين) مفعول يعلمون، وقوله (لوافقوهم) جواب لو اهـ شيخنا.\rقوله: (لإظهار الدين) متعلق بالهجرة أي الذين هاجروا لإظهار الدين.\rقوله: وَعَلى رَبِّهِمْ وحده يتوكلون، والظاهر واللّه أعلم أن المعنى على المضي والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة، وفيه ترغيب لغيرهم في طاعة اللّه عز وجل اهـ كرخي.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ نزلت في مشركي مكة أنكروا نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا: اللّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا اهـ نهر.\rقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ جواب شرط مقدر أي: إن شككتم فيما ذكر فَسْئَلُوا الخ، والخطاب لكفار مكة اهـ شيخنا.\rقوله: لا تَعْلَمُونَ (ذلك) أي أن الرسل من البشر. قوله: (أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد) أي لأن كفار مكة كانوا يعتقدون أن أهل الكتاب أهل علم بالكتب القديمة، وقد أرسل اللّه إليهم رسلا منهم مثل موسى وعيسى وغيرهما من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم، فإذا سألوهم فلا بد أن يجيبوا بأن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا فإذا أخبروهم بذلك زالت الشبهة عن قلوبهم اهـ خازن.","part":4,"page":226},{"id":1246,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 227\rفإنهم يعلمونه وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم\rبِالْبَيِّناتِ متعلق بمحذوف أي أرسلناهم بالحجج الواضحة وَالزُّبُرِ الكتب وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ القرآن لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فيه من الحلال والحرام وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) في ذلك فيعتبرون والمصدر مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف أي أقرب من تصديقكم المؤمنين بمحمد أي:\rالذين آمنوا به، والمعنى إذا أخبركم أهل الكتاب عن حاله وأخبركم المؤمنون عن حاله كنتم إلى تصديق أهل الكتاب أقرب لاشتراككم معهم في الكفر، فبينكم وبينهم رابطة فاسألوهم عن حاله المقرر في كتبهم، وعن كون الرسل السابقين بشرا أو ملائكة وغير ذلك.\rقوله: بِالْبَيِّناتِ فيه ستة أوجه.\rأحدها: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجالا فيتعلق بمحذوف أي رجالا ملتبسين بالبينات أي: مصاحبين لها، وهو وجه حسن ذكره الزمخشري، ولا محذور فيه.\rوالثاني: أنه متعلق بأرسلنا ذكره الحوفي والزمخشري وغيرهما، وبه بدأ الزمخشري فقال:\rيتعلق بأرسلنا داخلا تحت حكم الاستثناء مع رجالا أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيدا بالسوط، لأن أصله ضربت زيدا بالسوط.\rالثالث: أن يتعلق بأرسلنا أيضا إلا أنه على نية التقديم قبل أداة الاستثناء تقديره: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلّا رجالا حتى لا يكون ما بعد إلا معمولين متأخرين لفظا ورتبة داخلين تحت الحصر لما قبل إلا، حكاه ابن عطية.\rالرابع: أنه متعلق بيوحى، كما تقول أوحى إليه بحق ذكره الزمخشري وأبو البقاء.\rالخامس: أن يتعلق بلا تعلمون على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقول الآخر إن كنت عملت لك فأعطني حقي.\rالسادس: إنه متعلق بمحذوف جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل بم أرسلوا، فقيل: ارسلوا بالبينات والزبر كذا قدره الزمخشري، وهو أحسن من تقدير أبي البقاء، يعني لموافقته للدال عليه لفظا ومعنى اهـ سمين.\rقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يعني أنزلنا عليك يا محمد الذكر هو القرآن، وإنما سماه ذكرا لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين لتبين للناس ما نزل إليهم يعني: ما أجمل إليك من أحكام القرآن وبيان الكتاب يطلب من السنة، والمبين لذلك المجمل هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولهذا قال بعضهم. متى وقع تعارض بين القرآن والحديث وجب تقديم الحديث، لأن القرآن مجمل والحديث مبين بدلالة هذه الآية والمبين مقدم على المجمل. وقال بعضهم: القرآن منه محكم ومنه متشابه، فالمحكم يجب أن يكون مبنيا والمتشابه هو المجمل يطلب بيانه من السنّة. فقوله لتبين للناس ما نزل إليهم محمول على ما أجمل فيه دون المحكم المبين المفسر اهـ خازن.\rقوله: (في ذلك) أي فيما نزل إليهم.","part":4,"page":227},{"id":1247,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 228\rأَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا المكرات السَّيِّئاتِ بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في الأنفال أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ كقارون أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أي من جهة لا تخطر ببالهم وقد أهلكوا ببدر ولم يكونوا يقدروا ذلك\rأَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ في أسفارهم للتجارة فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) بفائتين العذاب\rأَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ تنقص شيئا فشيئا حتى يهلك الجميع حال من الفاعل أو المفعول فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (47) حيث لم يعاجلهم قوله: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ الاستفهام للتوبيخ اهـ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم. أي: أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لهم مضمونه الذي من جملته أنباء الأمم المهلكة بفنون العذاب ولم يتفكروا في ذلك أي لم يتفكروا أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ اهـ أبو السعود.\rوالسيئات فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف أي: المكرات السيئات، ولم يذكر الزمخشري غيره. الثاني: أنه مفعول به على تضمين مكروا معنى عملوا أو فعلوا وعلى هذين الوجهين فقوله: أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ مفعول بأمن. الثالث: أنه منصوب بأمن أي: أمنوا العقوبات السيئات، وعلى هذا فقوله أن يخسف اللّه بدل من السيئات اهـ سمين.\rقوله: (المكرات) بفتح الكاف جمع مكرة بسكونها وهي المرة من المكر.\rقوله: (يقدروا) بضم الياء ذلك أي الهلاك أي يعتقدوه ويظنوه، واعترض هذا بأن قياس العربية يقدرون بإثبات النون، إذ لا جازم ولم تجزم إلا فعلا واحدا وهو يكونوا. وأجيب: بأنه بدل من يكونوا، والمبدل من المجزوم مجزوم، والمبدل منه في نية الطرح، فكأن المعنى ولم يقدروا ذلك أو يقال سقطت النون تخفيفا اهـ شيخنا.\rقوله: فِي تَقَلُّبِهِمْ حال من المفعول أي: حال كونهم متقلبين في أسفارهم، والتقلب الحركة إقبالا وإدبارا اهـ شهاب.\rقوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا، فيأتيهم اللّه به، وهم متخوفون أو على أن ينقص شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته. روي أن عمر رضي اللّه عنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم قال شاعرنا أبو بكر يصف ناقته:\rتخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن\r\rفقال عمر رضي اللّه عنه: عليكم بديوانكم لا تضلوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم اهـ بيضاوي.\rوقوله: (الرحل) بالحاء المهملة رحل الناقة، والتامك بالمثناة الفوقية السنام، والقرد بفتح القاف وكسر الراء المهملة هو المرتفع أو المتراكم، والنبع شجر يتخذ منه القسي، والسفن بفتح السين المهملة وفتح الفاء والنون وهو المبرد والقدوم. يصف ناقته بأنها أثر الرحل في سنامها فأكله وانتقصه كما ينتقص المبرد العود اهـ شهاب.","part":4,"page":228},{"id":1248,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 229\rبالعقوبة\rأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ له ظل كشجر وجبل يَتَفَيَّؤُا تتميل ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ جمع شمال أي عن جانبيهما أول النهار وآخره سُجَّداً لِلَّهِ حال أي خاضعين بما يراد قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أي بأبصارهم، والاستفهام للتوبيخ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: ألم ينظروا ولم يروا متوجهين إلى ما خلق اللّه الخ اهـ أبو السعود.\rوقرأ الأخوان تروا بتاء الخطاب جريا على قوله: فَإِنَّ رَبَّكُمْ والباقون بالياء جريا على قوله:\rأَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا. وأما قوله: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فقراءة حمزة أيضا بالخطاب، ووافقه ابن عامر فيه، فحصل من مجموع الآيتين أن حمزة بالخطاب فيهما، والكسائي بالخطاب الأول والغيبة في الثاني، وابن عامر بالعكس، والباقون بالغيبة فيهما. فأما توجيه الأولى فقد تقدم، وأما توجيه الخطاب في الثانية فجريا على قوله: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النحل: 78] وأما الغيبة فجريا على قوله: يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: 18] الخ وأما تفرقة الكسائي وابن عامر بين الموضعين فجمعا بين الاعتبارين، وإن كلا منهما صحيح اهـ سمين.\rقوله: إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ ما عبارة عن أجرام، وقوله: مِنْ شَيْءٍ بيان لما، وهو وإن كان مبهما، والمبهم لا يصلح للبيان لكنه مقيد باعتبار صفته وهي تتفيؤ اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ شَيْءٍ يعني من جسم قائم له ظل، وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى، لأن المراد منها الاعتبار، والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية التي يكون معها نظر إلى الشيء ليتأمل أحواله ويتفكر فيه ويعتبر به اهـ خازن.\rقوله: (له ظل) خرج به الملك والجن اهـ شيخنا.\rقوله: يَتَفَيَّؤُا أي تنتقل من جانب إلى آخر. وفي السمين: والتفيؤ تفعل من فاء يفيء إذا رجع وفاء قاصر، فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة، كقوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [الحشر: 7] أو بالتضعيف نحو فيأ اللّه الظل فتفيأ، وتفيأ مطاوع فيأ فهو لازم. واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية ههنا، وقيل: ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء فالظل أعم، وقيل: بل يختص الظل بما كان قبل الزوال والفيء بما بعده، فالفيء لا يكون إلا بالعشي، وهو ما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله اهـ.\rقوله: عَنِ الْيَمِينِ أي يمين الفلك وهو جهة المشرق، والشمائل أي شمائل الفلك وهي جهات المغرب، وأفرد اليمين باعتبار لفظ ما وجمع الشمائل باعتبار معناها اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال العلماء: إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا ارتفعت الشمس واستوت في وسط السماء كان ظلك خلفك، فإذا مالت الشمس إلى الغروب كان ظلك عن يسارك. وقال قتادة والضحاك: أما اليمين فأول النهار، وأما الشمال فآخر النهار دائما اهـ.\rقوله: (جمع شمال) أي على غير قياس، والقياس أشمل كذراع وأذرع اهـ شيخنا.","part":4,"page":229},{"id":1249,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 230\rمنهم وَهُمْ أي الظلال داخِرُونَ (48) صاغرون، نزلوا منزلة العقلاء\rوَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما قوله: (أي عن جانبيهما أول النهار وآخره) أشار إلى أن عن اسم بمعنى جانب، فعلى هذا ينتصب على الظرف، ويجوز أن يتعلق بتتفيأ، ومعناها المجاوزة أي تتجاوز الظلال عن اليمين إلى الشمال، أو بمحذوف على أنها حال من ظلاله. وفي ذلك سؤال كيف أفرد الأول وجمع الثاني؟ أجيب بأجوبة.\rأحدها: أن الابتداء يقع من اليمين وهو شيء واحد فلذلك وحد اليمين ثم ينتقص شيئا فشيئا وحالا بعد حال فهو بمعنى الجمع، فصدق على كل حال لفظة الشمائل، فتعدد بتعدد الحالات، وإلى قريب منه أبو البقاء.\rوالثاني: قال الزمخشري: واليمين بمعنى الأيمان يعني أنه مفرد قائم مقام الجمع وحينئذ فهما في المعنى جمعان، كقوله: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 45] أي الأدبار.\rالثالث: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها، لأن قوله ما خلق اللّه من شيء لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد، كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1] وقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [البقرة: 7] اهـ كرخي.\rقوله: (أي عن جانبيهما) هكذا في بعض النسخ بالتثنية وهو ظاهر، والضمير لليمين وللشمائل، والجانب الجهة، فأشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف أي عن جهة اليمين وجهة الشمائل، وفي بعض النسخ عن جانبيها بصيغة الجمع، وكأنه اعتبر تعدد الشمائل مع اليمين، فيكون المجموع جمعا. وقوله: (أول النهار وآخره) لف ونشر مرتب، فأول النهار راجع لجهة اليمين وآخره لجهة الشمائل تأمل. قوله: سُجَّداً لِلَّهِ حال من ظلاله وسجدا جمع ساجد كشاهد وشهد، وراكع وركع اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ داخِرُونَ حال من الضمير المستتر في سجدا فهي حال متداخلة اهـ كرخي.\rقوله: (نزلوا) أي في التعبير عنهم بصيغة جمع العقلاء وهم صاغرون اهـ.\rوفي الخازن: فإن قلت: الظلال ليست من العقلاء فكيف عبر عنها بلفظ من يعقل، وأجاز جمعها بالواو والنون؟ قلت لما وصفها اللّه تعالى بالطاعة والانقياد لأمره، وذلك صفة من يعقل عبّر عنها بلفظ من يعقل؟ وجاز جمعها بالواو والنون وهو جمع العقلاء اهـ.\rقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ قال العلماء: السجود على نوعين: سجود طاعة وعبادة كسجود المسلم للّه عز وجل، وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال. فقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يحتمل النوعين. لأن سجود كل شيء بحسبه، فسجود المسلمين والملائكة للّه سجود عبادة وطاعة، وسجود غيرهم سجود خضوع، وأتى بلفظة ما في قوله: ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ للتغليب، لأن ما لا يعقل أكثر ممن يعقل في العدد والحكم للأغلب، كتغليب المذكر على المؤنث، ولأنه لو أتى بمن التي هي للعقلاء لم يكن فيها دلالة على التغليب، بل كانت متناولة للعقلاء خاصة، فأتى بلفظة ما لتشمل الكل، ولفظ الدابة مشتق من الدب، وهو عبارة عن الحركة الجسمانية، فإن دابة","part":4,"page":230},{"id":1250,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 231\rفِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي نسمة تدب عليها أي يخضع له بما يراد منه، وغلب في الإتيان بما لا يعقل لكثرته وَالْمَلائِكَةُ خصهم بالذكر تفضيلا وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يتكبرون عن عبادته\rيَخافُونَ أي الملائكة حال من ضمير يستكبرون رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ حال من هم أي عاليا عليهم اسم يقع على كل حيوان جسماني يتحرك ويدب، فيدخل فيه الإنسان، لأنه مما يدب على الأرض، ولهذا أفرد الملائكة في قوله: وَالْمَلائِكَةُ لأنهم أولو أجنحة يطيرون بها، وأفردهم بالذكر وان كانوا في جملة ما في السموات لشرفهم. وقيل: أراد وللّه يسجد ما في السموات من الملائكة وما في الأرض من دابة، فسجود الملائكة والمسلمين للطاعة وسجود غيرهم تسخيرها لما خلقت له، أو سجود ما لا يعقل والجمادات يدل على قدرة الصانع سبحانه وتعالى فيدعو الغافلين إلى السجود للّه عند التأمل والتدبر اهـ خازن.\rقوله: مِنْ دابَّةٍ يجوز أن يكون بيانا لما في الشقين، ويكون في السماء خلق يدبون، ويجوز أن يكون بيانا لما الثانية اهـ نهر.\rقوله: (أي يخضع له) نبه بهذا على أن المراد السجود اللغوي والسجود الشرعي فرد منه. وفي المختار: سجد خضع، ومنه سجود الصلاة وهو وضع الجبهة على الأرض وبابه دخل اهـ.\rقوله: (بما يراد) كأن الياء بمعنى اللام، ويكون الجار والمجرور بدلا من الذي قبله قوله: (بما يراد منهم) الباء بمعنى اللام أي لما يريده اللّه تعالى منهم من طول وقصر وتحول من جانب إلى جانب لا نتعاصى على قدرة اللّه عزّ وجل اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (بما يراد) منهم أي من الانقياد لقدرة اللّه تعالى وإرادته، لأن انقياد الجمادات لقدرة اللّه تعالى وإرادته كانقياد المأمور به لآمره، والساجد للمسجود له، والخاضع للمخضوع له على سبيل التجوز بالسجود اهـ.\rقوله: (في الإتيان) أي التعبير. قوله: (خصهم بالذكر) أي فهو عطف على ما في قوله ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ عطف خاص على عام، لنكتة هي تفضيلهم وتشريفهم اهـ من النهر. قوله:\r(تفضيلا) أي تشريفا وتعظيما وإجلالا لهم. قوله: (عن عبادته) يشير إلى أن الضمير للملائكة لا لما لاختصاصه بأولي العلم، وليس المقام مقام تغليب اهـ شهاب.\rقوله: (حال من هم) صوابه حال من ربهم كما يدل عليه ما بعده اهـ.\rوفي السمين: قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ يجوز فيه وجهان.\rأحدهما: أن يتعلق بيخافون أي يخافون عذاب ربهم كائنا من فوقهم، فقوله: من فوقهم صفة للمضاف المقدة وهو عذاب وهي صفة كاشفة، لأن العذاب إنما ينزل من فوق.\rالثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من ربهم أي يخافون ربهم عاليا عليهم علو الرتبة والقدرة قاهر لهم، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: 18 و61] اهـ.","part":4,"page":231},{"id":1251,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 232\rبالقهر وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (50) به\r* وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ تأكيد إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أتى لإثبات الإلهية والوحدانية فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) خافون دون غيري وفيه التفات عن الغيبة\rوَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَلَهُ الدِّينُ الطاعة واصِباً دائما، حال من الدين، والعامل فيه معنى الظرف أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وهو الإله الحق ولا إله غيره، والاستفهام للإنكار أو قوله: اثْنَيْنِ فيه قولان، أحدهما: أنه تأكيد لإلهين، وعليه أكثر الناس. ولا تتخذوا على هذا يحتمل أن يكون متعديا لواحد ويكون بمعنى لا تعبدوا، وأن يكون متعديا لاثنين على أصله. والثاني منهما محذوف أي لا تتخذوا إلهين اثنين معبودا. والثاني: أن اثنين مفعول أول، وإنما أخر، والأصل لا تتخذوا اثنين إلهين وفيه بعد، وقال أبو البقاء: هو مفعول ثان، وهذا كالغلط إذ لا معنى لذلك البتة، وكلام الزمخشري هنا يفهم أنه ليس بتأكيد اهـ سمين.\rقوله: (تأكيد) أي لفظ اثنين تأكيد لما فهم من إلهين من التثنية. قوله: فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ إياي منصوب بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر أي إياي ارهبوا فارهبون، وقدره ابن عطية ارهبوا إياي فارهبون. قال الشيخ: وهو ذهول عن القاعدة النحوية، وهي أن المفعول إذا كان ضميرا منفصلا والفعل متعد لواحد وجب تأخير الفعل نحو: إياك نعبد، ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة، وقد يجاب عن ابن عطية بأنه لا يقبح في الأمور التقديرية ما يقبح في اللفظية اهـ سمين.\rقوله: (و فيه التفات عن الغيبة) وهي قوله وقال اللّه إلى الحضور، وهو قوله فَإِيَّايَ لأنه أبلغ في الرغبة من قوله: (فإياه فارهبوه)، فإن الترهيب في التكلم المنتقل إليه أزيد، والتقدير أنه لما ثبت أن الإله واحد، والمتكلم بهذا الكلام إله ثبت أنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحس منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور ويقول فإياي فارهبون، ثم التفت من التكلم إلى ضمير الغيبة في قوله:\rوَلَهُ ما فِي السَّماواتِ الخ اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ الخ معطوف على قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أو على الخبر أو مستأنف اهـ شهاب.\rقوله: (ملكا وخلقا وعبيدا) تمييز عن النسبة أي يختص به ما في السموات والأرض ملكا الخ اهـ كرخي.\rقوله: واصِباً (دائما) وفي البيضاوي: لازما. وقال الشهاب: الوصب ورد في كلامهم بمعنى اللزوم والدوام اهـ.\rوفي المصباح: ووصب الشيء بالفتح وصوبا دام، ووصب الدين وجب اهـ.\rوفي القاموس: ووصب بالفتح يصب بالكسر وصوبا دام وثبت كأوصب وعلى الأمر واظب اهـ.\rقوله: (معنى الظرف) أي الاستقرار المفهوم من الظرف أي: الجار والمجرور: استقر الدين وثبت له حال كونه دائما اهـ شيخنا.\rوهذا الاعراب الذي سلكه المفسر لا يصح إلا إذا جعل الدين فاعلا بالظرف على مذهب البعض","part":4,"page":232},{"id":1252,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 233\rالتوبيخ\rوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ لا يأتي بها غيره، وما شرطية أو موصولة ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ أصابكم الضُّرُّ الفقر والمرض فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53) ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء ولا الذي لم يشترط الاعتماد، وأما على الظاهر من جعل الدين مبتدأ فلا يستقيم، لأن القاعدة أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، والمبتدأ ليس معمولا للخبر بل عامل فيه، فحينئذ الأولى أن يجعل حالا من الضمير المستكن في الظرف كما ذكره الشهاب. والتقدير ثابت له حال كونه واصبا فتأمل. قوله:\r(و الاستفهام للإنكار) أي والفاء للتعقيب، والمعنى أبعد ما تقرر من توحده وكونه المالك الخالق تتقون غيره والمنكر تقوى غير اللّه، فلذا قدم وأولى الهمزة اهـ شهاب.\rوعبارة الكرخي: قوله: (و الاستفهام للإنكار) أي أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد، وأن كل ما سواه محتاج إليه في حدوثه وبقائه كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير اللّه أو رهبة في غير اللّه اهـ.\rقوله: (و ما شرطية الخ) والتقدير: وأي نعمة بكم أي نزلت بكم فمن اللّه أي فهي من اللّه فالمبتدأ محذوف، وقوله: (أو موصولة) والتقدير والذي نزل بكم من النعم فمن اللّه أي: فثابت ووارد من اللّه، فالظرف وهو من اللّه خبر مبتدأ محذوف على الشرطية وخبر للموصول نفسه على الموصولية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: يجوز في ما وجهان.\rأحدهما: أن تكون موصولة والجار صلتها وهي مبتدأ، والخبر قوله فَمِنَ اللَّهِ والفاء زائدة في الخبر لتضمن الموصول معنى الشرط تقديره: والذي استقر يقدر ومن نعمة بيان للموصول، وقدر بعضهم متعلق بكم خاصا، فقال: وما حال بكم أو نزل بكم وليس بجيد، إذ لا يقدر إلّا كونا مطلقا.\rوالثاني: أنها شرطية وفعل الشرط بعدها محذوف، وإليه نحا الفراء وتبعه الحوفي وأبو البقاء:\rقال الفراء: التقدير وما يكن بكم، وقد ردّ هذا بأنه لا يحذف فعل الشرط إلا بعد إن خاصة في موضعين، أحدهما: أن يكون في باب الاشتغال نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [التوبة:\r6] لأن المحذوف في حكم المذكور. والثاني: أن تكون إن متلوة بلا النافية وأن يدل على الشرط إما تقدمه من الكلام كقوله:\rفطلقها فلست لها بكفء ... وإلّا يعل مفرقك الحسام\r\rأي: وإن تطلقها فحذف لدلالة قوله فطلقها عليه، فإن لم توجد لا النافية أو كانت الأداة غير إن لم يحذف إلا لضرورة اهـ.\rقوله: (أو موصولة) أي بمعنى الذي وصلتها بكم، والعامل فعل استقرار، ومن نعمة تفسير لما وهي مبتدأ والخبر قوله: فَمِنَ اللَّهِ، والفاء زائدة في الخبر لتضمن الموصول معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول، فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من اللّه لحصولها منه، والتقدير والذي استقر بكم اهـ كرخي.\rقوله: فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ من الجؤار بوزن الزكام، وهو رفع الصوت بالدعاء في كشف المضار اهـ شيخنا.","part":4,"page":233},{"id":1253,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 234\rتدعون غيره\rثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)\rلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النعمة فَتَمَتَّعُوا باجتماعكم على عبادة الأصنام، أمر تهديد فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) عاقبة ذلك\rوَيَجْعَلُونَ أي المشركون لِما لا يَعْلَمُونَ أنها لا تضر ولا تنفع وهي الأصنام نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام بقولهم هذا للّه وهذا لشركائنا تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَ سؤال توبيخ، وفيه التفات عن الغيبة عَمَّا وفي القاموس: جأر كمنع جأرا وجؤرا بوزن غراب، رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث، والبقرة والثور صاحا والنبات جؤارا طال، والأرض طال نبتها اهـ.\rقوله: (و لا تدعون لغيره) لعله على هذه النسخة ضمن تدعون تلجؤون فعداه باللام، وفي نسخة غيره وهي واضحة اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ إذا الأولى شرطية، والثانية فجائية جوابها وفي الآية دليل على أن إذا الشرطية لا تكون معمولة لجوابها، لأن ما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها اهـ سمين.\rقوله: إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ يجوز في منكم أن يكون صفة لفريق، ومن للتبعيض. يجوز أن تكون للبيان قاله الزمخشري كأنه قيل: إذا فريق كافر وهم أنتم اهـ سمين.\rقوله: لِيَكْفُرُوا اللام لام العاقبة أي: فعاقبة اشراكهم باللّه غيره كفرهم بالنعمة، وهي كشف الضر عنهم، والمراد بكفرها عدم شكرها بالانقياد لمسديها اهـ شيخنا.\rوفي السمين ما نصه: في هذه اللام ثلاثة اوجه، أحدها: أنها لام كي وهي متعلقة بيشركون أي إشراكهم سببه كفرهم به. الثاني: أنها لام الصيرورة أي صار أمرهم إلى ذلك. الثالث: أنها لام الأمر وإليه نحا الزمخشري اهـ.\rقوله: فَتَمَتَّعُوا معمول لقول محذوف أي: قل لهم يا محمد تمتعوا اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ الخ لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى أي: يفعلون ما يفعلون من الجؤار إلى اللّه تعالى عند مس الضر، ومن الإشراك به عند كشفه ويجعلون الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: لِما لا يَعْلَمُونَ أي للأصنام التي لا يعلمون أي المشركين أنها تضر أي: من حيث عبادتها ولا تنفع، أي بخلاف المؤمنين، فإنهم يعلمون أنها تضر من حيث عبادتها ولا تنفع. وفي نسخة أنها لا تضر ولا تنفع هي ظاهرة أي: المشركون لا يعلمون سلب الأمرين عنها، ونحن نعلم ذلك اهـ شيخنا.\rوعلى هذا فالواو واقعة على المشركين، وعائد الموصول محذوف قدره بقوله: (أنها لا تضر ولا تنفع)، ويحتمل أن الواو واقعة على الأصنام المدلول عليها بما، وتكون هي العائد، ولا تقدير في الكلام أي: ويجعلون الأصنام لا علم لها، ويكون التعبير عنها بواو الجماعة الذكور مجاراة لتقولهم فيها إنها آلهة، ويلزم الإله أن يكون من ذوي العلم اهـ.\rقوله: (من الحرث) أي الزرع. قوله: (بقولهم) متعلق بيجعلون. قوله: تَفْتَرُونَ أي","part":4,"page":234},{"id":1254,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 235\rكُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) على اللّه من أنه أمركم بذلك\rوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ بقولهم الملائكة بنات اللّه سُبْحانَهُ تنزيها له عما زعموا وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (57) ه أي البنون والجملة في محل رفع أو نصب بيجعل، المعنى يجعلون له البنات التي يكرهونها وهو منزه عن الولد ويجعلون لهم الأبناء الذين يختارونها فيختصون بالأسنى كقوله فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ\rوَإِذا تكذبون. قوله: (بذلك) أي الجعل المذكور.\rقوله: (بقولهم الملائكة بنات اللّه) قائل ذلك كنانة وخزاعة، ويحتمل أنهم لجهلهم زعموا تأنيثها وبنوتها، ويحتمل كما قاله الإمام أنهم سموها بنات لاستتارها كالنساء اهـ شهاب.\rقوله: (بنات اللّه) أي ولدها. كما في قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ [الصافات: 151] فليس المراد بالبنات بناتهم التي يلدونها، لأنهم يعترفون بأنها بناتهم أنفسهم، فلا يضيفونها للّه، وإنما البنات التي يضيفونها للّه هي الملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ هذه جملة مستأنفة أو في محل النصب على الحال من الواو في يجعلون هذا وقول الشارح والجملة: في محل رفع فيه تساهل، لأن مراده بهذا الوجه أنها مستأنفة، والمستأنفة لا محل لها إلا أن يراد أنها في محل رفع باعتبار جزأيها أي: أن كلّا من جزأيها في محل رفع، وقوله: (أو نصب بيجعل) مراده به أن لهم معطوف على للّه، وما يشتهون عطف على البنات، فلا جملة بل الكلام من قبيل عطف المفردات، فتسميتها جملة على هذا الوجه تساهل، وقوله: (المعنى الخ) يناسب الوجه الثاني في كلامه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ويجوز في ما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على البنات، على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو إن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف اهـ.\rوقوله: ضمير الفاعل أي في ويجعلون والمفعول أي في لهم لشيء واحد وهم الكفرة، وقد تقرر في النحو أنه لا يجوز اتحاد ضميري الفاعل والمفعول إلّا في باب ظن وأخواتها وما ألحق بها من فقد وعدم، سواء تعدى الفعل إلى ضميره بنفسه أو بحرف الجر، فلا يجوز زيد ضربه أي ضرب نفسه، ولا زيد مرّ به أي مر بنفسه، ويجوز زيد ظنه قائما زيد فقده وعدمه أي: ظن نفسه قائما وفقده نفسه وعدمها اهـ زاده.\rقوله: (بالأسنى) أي بالقسم الأسنى أي الأرفع والأشرف اهـ شيخنا.\rمن السناء بالمد وهو الرفعة والشرف، وأما بالقصر فهو الضوء والنور.\rقوله: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ الخ الجملة حال من الواو في يجعلون، وقد أشار له الشارح بقوله:\rفكيف تنسب البنات إليه تعالى، وكذلك جملة يتوارى الخ حال من الواو، أو من قوله كَظِيمٌ اهـ من السمين.\rوفي الكرخي: قال الرازي: البشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت","part":4,"page":235},{"id":1255,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 236\rبُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى تولد له ظَلَ صار وَجْهُهُ مُسْوَدًّا متغيرا تغير مغتم وَهُوَ كَظِيمٌ (58) ممتلىء غما فكيف تنسب البنات إليه تعالى\rيَتَوارى يختفي مِنَ الْقَوْمِ أي قومه مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ خوفا من التعيير مترددا فيما يفعل به أَيُمْسِكُهُ يتركه بلا قتل عَلى هُونٍ هوان وذل أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ بأن يئده أَلا ساءَ بئس ما يَحْكُمُونَ (59) حكمهم هذا حيث نسبوا لخالقهم البنات اللاتي هي عندهم بهذا المحل\rلِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي الكفار مَثَلُ السَّوْءِ أي الصفة مقيدة به، كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34] وإنما سميت البشارة لظهور أثرها في بشرة الوجه بسطا أو قبضا، وإليه أشار في التقرير اهـ.\rقوله: ظَلَ (صار) أشار إلى أن ظل ليست على بابها من كونها تدل على الإقامة نهارا على الصفة المسندة إلى اسمها، وعلى التقديرين هي ناقصة، ومسودا خبرها، وأما وجهه ففيه وجهان، أشهرهما: وهو المتبادر إلى الذهن أنه اسمها. والثاني: أنه بدل من الضمير المستتر في ظل بدل بعض من كل. أي: ظل أحدهم وجهه أي ظل وجه أحدهم اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ كَظِيمٌ في المصباح: كظمت الغيظ كظما من باب ضرب، وكظوما أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ، وفي التنزيل: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: 134] وربما قيل كظمت على الغيظ وكظمني الغيظ، فأنا كظيم وكظوم، وكظم البعير كظوما لم يجتر اهـ.\rقوله: مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ الخ تعلق هنا جاران بلفظ واحد لاختلاف معناهما، فإن الأولى للابتداء، والثانية للعلة أي من أجل سوء ما بشر به اهـ سمين.\rقوله: ما بُشِّرَ بِهِ أي الأنثى التي بشر بها وسوءها من حيث كونها يخاف عليها الزنا، ومن حيث كونها لا تكتسب، ومن حيث غير ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: أَيُمْسِكُهُ معمول للحال المحذوفة كما قدره الشارح، ولا يصح أن يكون حالا بنفسه لأنه طلب اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَيُمْسِكُهُ قال أبو البقاء: في موضع الحال تقديره يتوارى مترددا هل يمسكه أم لا، وهذا خطأ عند النحويين، لأنهم نصوا على أن الحال لا تقع جملة طلبية، والذي يظهر أن هذه الجملة الاستفهامية معمولة لشيء محذوف، وهو حال من فاعل يتوارى ليتم الكلام أي يتوارى ناظرا أو مفتكرا أيمسكه على هون اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 236\r\rفي السمين: قوله: أَيُمْسِكُهُ قال أبو البقاء: في موضع الحال تقديره يتوارى مترددا هل يمسكه أم لا، وهذا خطأ عند النحويين، لأنهم نصوا على أن الحال لا تقع جملة طلبية، والذي يظهر أن هذه الجملة الاستفهامية معمولة لشيء محذوف، وهو حال من فاعل يتوارى ليتم الكلام أي يتوارى ناظرا أو مفتكرا أيمسكه على هون اهـ.\rقوله: عَلى هُونٍ أي مع هون. وفيه وجهان، أحدهما: أنه حال من الفاعل وهو مروي عن ابن عباس فإن قال: أيمسكه مع رضاه بهوان نفسه وعلى رغم أنفه. والثاني: أنه حال من المفعول أي يمسكها ذليلة، والدس إخفاء الشيء وهو هنا عبارة عن الوأد اهـ سمين.\rقوله: (بأن يئده) يقال: وأد يئد وأدا، كوعد يعد وعدا. والوأد: دفن البنت حية اهـ شيخنا.\rقوله: (بهذا المحل) أي الرتبة وهي الحقارة اهـ شيخنا.","part":4,"page":236},{"id":1256,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 237\rالسوأى بمعنى القبيحة وهي وأدهم البنات مع احتياجهم إليهن للنكاح وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى الصفة العليا وهو أنه لا إله إلا هو وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (60) في خلقه\rوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ بالمعاصي ما تَرَكَ عَلَيْها أي الأرض مِنْ دَابَّةٍ نسمة تدب عليها وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (61) عليه\rوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وفي أبي السعود: حيث يجعلون ما هذا شأنه عندهم من الهون والحقارة للّه المتعالي عن الولد، والحال أنهم يتحاشون عنه اهـ.\rقوله: مَثَلُ السَّوْءِ المثل بمعنى الصفة، والسوء بمعنى السوأى كموسى، وهو من إضافة الموصوف لصفته كما يعلم من كلام الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (السوأى) بضم السين والقصر بوزن طوبى. قوله: بِظُلْمِهِمْ الباء سببية وقوله: ما تَرَكَ الخ أي: ما ترك عليها شيئا من دابة قط، بل أهلكها بالمرة بشؤم وظلم الظالمين اهـ شيخنا.\rقوله: ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ قيل في طريق هلاك الجميع أنه تعالى يمسك القطر بسبب ظلمهم وانقطاعه يوجب انقطاع النسل، وقيل: لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء، وذلك يستلزم أن لا يبقى في العالم أحد من الناس، وذلك لأن من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب بسبب ظلمه، فإذا هلكوا فقد انقطع نسلهم، وذلك يستلزم أن لا يبقى شيء من الدواب أيضا لأنها مخلوقة لمنافع العباد، وإذا لم يبق من ينتفع بها فقد انتهت الحكمة في بقائها فوجب إهلاكها، ووجه انتظام الآية بما قبلها أنه تعالى لما حكى عنهم عظيم كفرهم بين أنه يمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة لحكمة توجب ذلك اهـ.\rوفي أبي السعود: ولو يؤاخذ اللّه الناس الكفار بظلمهم بكفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما عدد من قبائحهم، وهذا تصريح بما أفاده قوله تعالى هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 6 و18]، وإيذان بأن ما أتوه من القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه ما ترك عليها أي على الأرض المدلول عليها بالناس، وبقوله مِنْ دَابَّةٍ أي ما ترك عليها شيئا من دابة قط، بل أهلكها بالمرة شؤم ظلم الظالمين، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25].\rوعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال لي:\rواللّه حتى أن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه: كان الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة، وقيل: لو أهلك الآباء لم تكن الأبناء، فيلزم أن لا يكون في الأرض دابة لما أنها مخلوقة لمنافع البشر لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: 29] ولكن لا يؤاخذهم بذلك بل يؤخرهم إلى أجل مسمى لإعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم اهـ.\rقوله: (أي الأرض) وإنما أضمرها من غير ذكر لدلالة الناس أو الدابة عليها اهـ بيضاوي.\rقوله: مُسَمًّى أي معين عند اللّه تعالى. قوله: (و الشريك في الرئاسة) وهو الأصنام جعلوها","part":4,"page":237},{"id":1257,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 238\rلأنفسهم من البنات والشريك في الرياسة وإهانة الرسل وَتَصِفُ تقول أَلْسِنَتُهُمُ مع ذلك الْكَذِبَ وهو أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى عند اللّه أي الجنة لقوله: ولئن رجعت إلى ربي وإن لي عنده للحسنى قال تعالى لا جَرَمَ حقا أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) متروكون فيها أو مقدمون إليها، وفي قراءة بكسر الراء أي متجاوزون الحد\rتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رسلا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ السيئة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل فَهُوَ وَلِيُّهُمُ متولي أمورهم الْيَوْمَ أي شركاء اللّه في الألوهية التي هي أعلى أوصاف الرئاسة، وقوله: (و إهانة الرسل) كما أهانوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يكرهون إهانة رسلهم، ويكرهون الشريك في الرئاسة، ويكرهون البنات. قوله: (مع ذلك) أي الجعل المذكور. قوله: الْكَذِبَ العامة على أنه بالنصب مفعول به، وأن لهم الحسنى بدل منه بدل كل من كل، أو على إسقاط الخافض أي بأن لهم الحسنى اهـ سمين.\rقوله: (لقوله الخ) استدلال على التقييد بالعندية وهي عندية علم وإكرام في زعمهم. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم.\rقوله: لا جَرَمَ تركيب مزجي من لفظ جرم ومعناه الفعل أي ثبت أو المصدر أي حقا كما فسره الشارح بالثاني، وقوله: (أن لهم الخ) فاعل بفعل المصدر المذكور أي حق اهـ شيخنا.\rقوله: مُفْرَطُونَ في المختار: وفرط القوم سبقهم الى الماء فهو فارط، والجمع فراط بوزن كتاب وبابه نصر، وأفرطه تركه. ومنه قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي متروكون في النار منسيون، وأفراط في الأمر أي جاوز في الحد اهـ.\rوفي القاموس: وأفرط فلانا تركه وتقدمه وجاوز الحد، وأعجل بالأمر، وأنهم مفرطون أي منسيون متروكون في النار أو مقدمون معجلون إليها، وقرئ بكسر الراء أي: مجاوزون لما حد لهم اهـ.\rوقول الشارح: متروكون هو هكذا في النسخ الصحيحة، وفي بعض النسخ متركون بضم الميم وفتح الراي وإسقاط الواو وهو تصحيف لأن فعله ثلاثي، فاسم المفعول منه متروك بفتح الميم والواو لا مترك بضم الميم وحذف الواو. قوله: (أو مقدمون إليها) أي معجلون إليها قبل غيرهم اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية.\rقوله: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا الخ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم. وفي زاده سلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم، وختم تسليته بما يدل على أنك لم تبعث إلا لتبلغ وتبين للناس ما هو الحق، لا لأن تلتفت إلى سفاهات قومك وتغتم لأجلها، فقال: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ الآية، ثم انتقل إلى دلائل ألوهيته وتفرده بها، فقال واللّه أنزل الخ اهـ.\rقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ لفظ اليوم المعرف بأل إنما يستعمل حقيقة في الزمان الحاضر المقارن للتكلم كالآن، وحينئذ فلفظ اليوم في الآية يحتمل أنه إشارة إلى وقت تزيين الشيطان الأعمال للأمم الماضية، فيحتاج لتأويل بأن يقال إنه على حكاية الحال الماضية حيث عبر عن الزمان الماضي بلفظ","part":4,"page":238},{"id":1258,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 239\rفي الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) مؤلم في الآخرة، وقيل المراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية أي لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم\rوَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ للناس الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من أمر الدين وَهُدىً عطف على لتبين وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) به\rوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ اليوم الموضوع للزمن الحاضر، ويحتمل أنه إشارة إلى يوم القيامة فيحتاج إلى تأويل بأن يقال إنه على حكاية الحال الآتية حيث عبر عن الزمان الذي يحصل بما هو موضوع للحاضر المقارن، ويحتمل أن يشار به إلى مدة الدنيا من حيث هي، وعلى هذا فلا حاجة لتأويل أصلا، لأن مدة الدنيا كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة، فتلخص أن الاحتمالات ثلاثة، وأنه يحتاج للتأويل على الأول والثاني دون الثالث، ونبه الشارح على احتمالين من الثلاثة بقوله: (أي في الدنيا). وعلى هذا فلفظ اليوم مستعمل في أصل معناه وبقوله، (و قيل: المراد الخ) وعلى هذا فلفظ اليوم غير مستعمل في أصل معناه، فاحتاج إلى تصحيح الاستعمال بقوله (على حكاية الحال الآتية). وفي أبي السعود: فهو وليهم قرينهم اليوم أي يوم زين لهم الشيطان أعمالهم فيه على طريقة حكاية الحال الماضية، أو في الدنيا، أو يوم القيامة على طريقة حكاية الحال الآتية، وهي حال كونهم معذبين في النار اهـ.\rومثله في البيضاوي وفي الشهاب عليه قوله: (أي في الدنيا) لما كان اليوم يستعمل معرفا لزمن الحال كالآن، وليس الشيطان وليا للأمم الماضية في زمن الحال وجه بأن ضمير وليهم إن عاد للأمم الماضية، فاليوم هو زمان تزيين الشيطان لهم أعمالهم، وهو وإن كان ماضيا صور بصورة الحال ليستحضر السامع تلك الصورة العجيبة ويتعجب منها، أو المراد باليوم مدة الدنيا لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة، أو المراد به يوم القيامة اهـ.\rقوله: (متولي أمورهم) أي بإغوائهم. قوله: (لا وليّ) أي ناصر، وقوله (و هو عاجز) أي والحال، هذا راجع للقول الثاني كما يدل عليه صنيع الشهاب. قوله: (فكيف ينصرهم) أشار بهذا إلى معنى الولي على القول الثاني في معنى اليوم هو الناصر لا بمعنى المتولي للإغواء، إذ لا إغواء ثمة ولا بمعنى القرين، لأنه في الدرك الأسفل بخلافه على القول الأول، فإن المراد به القرين أو المتولي لاغوائهم اهـ من الشهاب.\rقوله: وَما أَنْزَلْنا من جملة التسلية. قوله: إِلَّا لِتُبَيِّنَ وإنما جرّ هذا باللام لاختلاف فاعله مع فاعل الفعل، فإن المنزل هو اللّه تعالى والمبين هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنما نصب اللذان بعده لاتحاد فاعلهما مع فاعل الفعل، لأن الهادي والراحم هو اللّه كما أنه المنزل اهـ شيخنا.\rقوله: (من أمر الدين) كالتوحيد والشرك والجبر والقدر وإثبات المعاد وإحكام الأفعال اهـ كرخي.\rقوله: (المذكور) أي الإحياء. قوله: (سماع تدبر) وانصاف، فالمراد سمع القلوب لا سمع الآذان، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم اهـ كرخي.","part":4,"page":239},{"id":1259,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 240\rمَوْتِها يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً دالة على البعث لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) سماع تدبر\rوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً اعتبارا نُسْقِيكُمْ بيان للعبرة مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي الأنعام مِنْ للابتداء متعلقة بنسقيكم بَيْنِ فَرْثٍ ثفل الكرش وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ريح أو لون وهو بينهما سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66) سهل المرور في حلقهم لا يغص به\rوَمِنْ ثَمَراتِ قوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ الظاهر أن في سببية أي: وإن لكم اعتبارا واتعاظا بسبب الأنعام.\rأي: بسبب اللبن الذي يخرج من بطونها على الوجه المذكور. قوله: لَعِبْرَةً أي اتعاظا. وفي البيضاوي: لعبرة أي دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم اهـ.\rوهذا إشارة إلى أن العبرة مصدر بمعنى العبور أطلق على ما يعبر إلى العلم مبالغة في كونه سببا للعبور اهـ زاده.\rوفي الشهاب: وأصل معنى العبر والعبور من محل إلى آخر، فاطلاق العبرة على ما يعتبر به لما ذكر لكنه صار حقيقة في عرف اللغة اهـ.\rقوله: (بيان للعبرة) أي لمتعلقها وهو المعتبر به. وعبارة السمين: قوله: نُسْقِيكُمْ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة للعبرة، كأنه قيل: كيف العبرة فقيل نسقيكم من بين فرث ودم لبنا خالصا، ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة جواب لذلك السؤال أي هي أي العبرة نسقيكم، ويكون كقوله تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وقرأ نافع وابن عامر نسقيكم بفتح النون هنا وفي المؤمنون، والباقون بضمها فيهما اهـ.\rقوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ من تبعيضية أو ابتدائية، وقوله: من بين من هذه مع مجرورها حال من لبنا قدم عليه أو من ما التي قبلها، ويصح أن تكون ابتدائية أيضا، لكن على جعل الأولى تبعيضية، فإن جعلت ابتدائية أيضا تعين جعل مجرور الثاني بدل اشتمال من مجرور الأولى، لئلا يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد وهو ممتنع إلا في بدل الاشتمال، فإن المكان مشتمل على ما حل فيه اهـ من السمين.\rوتذكير الضمير في بطونه مراعاة للفظ الأنعام وأنثه في سورة المؤمنون مراعاة للمعنى، فإن الأنعام جنس اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: الأنعام اسم جمع وقيل جمع نعم اهـ.\rقوله: (ثفل الكرش) بضم المثلثة وسكون الفاء والكرش: بوزن الكبد والإضافة على معنى في أي الثفل الكائن في الكرش والثفل الروث اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: والفرث الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش اهـ.\rوإذا خرج من الكرش لا يسمى فرثا اهـ خازن بل يسمى روثا.\rقوله: لَبَناً مفعول ثان لنسقيكم اهـ شيخنا. والأول هو الكاف.\rقوله: (و هو بينهما) أي والحال أنه كائن ومستقر بينهما في ابتداء الأمر، وذلك أن الحيوان إذا أكل العلف طبخه الكرش، ثم انقسم إلى أقسام ثلاثة: ثفل وفوقه اللبن وفوقه الدم ثم تسلط الكبد","part":4,"page":240},{"id":1260,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 241\rالنَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ ثمر تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً خمرا يسكر سميت بالمصدر وهذا قبل تحريمها عليها، فترسل الدم إلى العروق، واللبن إلى الضروع، ويبقى الثفل في الكرش حتى ينزل إلى الخارج اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و هو بينهما) إيضاحه أن اللّه تعالى خلق اللبن في مكان وسط بين الفرث والدم، وذلك أن الكرش إذا طحن العلف صار أسفله فرثا، وأوسطه لبنا خالصا لا يشوبه شيء، وأعلاه دما، وبينهما حاجز من قدرة اللّه تعالى، ثم سلط الكبد عليه فتجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش، فسبحان من هذه بعض حكمته اهـ.\rقوله: (لا يغص به) في المصباح: غصصت بالطعام غصصا من باب تعب فأنا غاص وغصان، ومن باب قتل لغة. والغصة بالضم ما غص به الإنسان من طعام أو غيظ على التشبيه، والجمع غصص مثل غرفة وغرف، ويتعدى بالهمزة فيقال أغصصته اهـ.\rوفي المختار: والغصة الشجا اهـ.\rوفي القاموس: والشجا ما اعترض به في الحلق من عظم ونحوه شجي به كرضي شجى اهـ.\rقوله: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ خبر. ومن تبعيضية، والمبتدأ محذوف كما قدره الشارح، وقوله:\rتَتَّخِذُونَ نعت للمبتدأ المحذوف اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: وَمِنْ ثَمَراتِ فيه أربعة أوجه.\rأحدها: أنه متعلق بمحذوف فقدره الزمخشري ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه قال: وتَتَّخِذُونَ بيان وكشف عن كيفية الإسقاء.\rالثاني: أنه متعلق بتتخذون، ومنه تكرير للظرف توكيدا نحو زيد في الدار فيها قاله الزمخشري، وعلى هذا فالهاء في منه فيها ستة أوجه، أحدها: أنها تعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير كما رجع في قوله: أو هم قائلون إلى الأهل المحذوف. الثاني: أنها تعود على معنى الثمرات.\rالثالث: أنها تعود على النخيل. الرابع: أنها تعود على الجنس. الخامس: أنها تعود على البعض.\rالسادس: أنها تعود على المذكور.\rالثالث: من الأوجه الأول أنه معطوف على قوله: فِي الْأَنْعامِ فيكون في المعنى خبرا عن اسم إن في قوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً التقدير: وإن لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لعبرة، ويكون قوله تَتَّخِذُونَ بيانا وتفسيرا للعبرة كما وقع نسقيكم تفسيرا لها أيضا.\rالرابع: أن يكون خبر المبتدأ محذوف، فقدره الزمخشري ثم يتخذون منه. والسكر بفتحتين فيه أقوال، أحدها: أنه من أسماء الخمر. والثاني: أنه في الأصل مصدر ثم سمي به الخمر يقال سكر يسكر سكرا بفتحتين، وسكرا بضم فسكون نحو رشد يرشد رشدا ورشدا. الثالث: أنه اسم للخل بلغة الحبشة، قاله ابن عباس. الرابع: أنه اسم للعصير ما دام حلوا كأنه سمي بذلك لماله بذلك لو ترك اهـ.\rقوله: (سميت بالمصدر) فالسكر مصدر من باب طرب وفرح، فقال: سكر يسكر سكرا","part":4,"page":241},{"id":1261,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 242\rوَرِزْقاً حَسَناً كالتمر والزبيب والخل والدبس إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) يتدبرون\rوَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وحي إلهام أَنِ مفسرة أو مصدرية اتَّخِذِي مِنَ بفتحتين، وهذا أي الامتنان بأخذ السكر منها المقتضي لحله، إذ الامتنان بالشيء يقتضي حله اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وهذا قبل تحريمها جزم به اعتمادا على قوله في السورة إنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها، والمائدة مدنية وتحريم الخمر فيها وهي آخر القرآن نزولا كما ثبت في الحديث اهـ.\rقوله: (و الدبس) في المختار: الدبس ما يسيل من الرطب اهـ.\rوالعادة الآن جارية بإطلاقه على ما يتخذ من العنب، فلعله يستعمل فيهما اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: الدبس بالكسر وبكسرتين عسل التمر وعسل النحل، وبالفتح الأسود من كل شيء اهـ.\rقوله: (المذكور) أي من إخراج اللبن من بين الفرث والدم، ومن اتخاذ السكر والرزق من الثمرات اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ لما ذكر اللّه تعالى دلائل قدرته وعجائب صنعته الدالة على وحدانيته من إخراج اللبن من بين فرث ودم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، ذكر في هذه الآية إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة، وهي النحلة.\rفقال تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ. والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أو المراد كل فرد من الناس ممن له عقل وتفكر يستدل به على كمال قدرة اللّه ووحدانيته، وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته وقدرته اهـ خازن.\rقوله: إِلَى النَّحْلِ اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء، ويذكر ويؤنث. فمن تأنيثه قوله هنا: أَنِ اتَّخِذِي الخ ومن التذكير أن يقال في غير القرآن أن اتخذ من الجبال الخ ثم كل اهـ شيخنا.\rقوله: (وحي الهام) المراد منه الهداية أي أرشدها وعلمها وهداها وفي الخازن: أي سخرها لما خلقها له وألهمها رشدها، وقدر في نفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النخل تبني بيوتا على شكل مسدس من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال، لكان فيها فرج خالية ضائعة، ولما حصل المقصود فألهمها اللّه تعالى أن تبنيها على هذا الشكل المسدس الذي لا يحصل فيه خلل ولا فرجة خالية ضائعة، وألهمها اللّه تعالى أيضا أن يجعلوا عليهم أميرا كبيرا نافذا لحكم فيهم وهم يطيعونه ويمتثلون أمره، ويكون هذا الأمير أكبرهم جثة وأعظمهم خلقة، ويسمى يعسوب النحل يعني ملكهم. كذا حكاه الجوهري. وألهمها اللّه تعالى أيضا أن جعلوا على باب كل خلية بوابا لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها، وألهمها أيضا أنها تخرج من بيوتها فتدور وترعى، ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها، ولما امتاز هذه الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والفطنة دل على ذلك على الإلهام الإلهي اهـ.","part":4,"page":242},{"id":1262,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 243\rالْجِبالِ بُيُوتاً تأوين إليها وَمِنَ الشَّجَرِ بيوتا وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) أي الناس يبنون لك من الأماكن وإلا لم تأو إليها\rثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي ادخلي سُبُلَ رَبِّكِ طرقه في طلب المرعى ذُلُلًا جمع ذلول حال من السبل أي مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي عن العود منها وإن بعدت وقيل من الضمير في اسلكي أي منقادة لما يراد منك يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ هو قوله: أَنِ (مفسرة) أي لما في الإيحاء من معنى القول فما بعدها على هذا لا محل له من الإعراب، وقوله (أو مصدرية) أي فما بعدها في محل نصب على تقدير الجار أي بأن اتخذي اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: أَنِ مفسرة أو مصدرية أشار به إلى ما وقع فى أن من الخلاف فمن قال:\rإنها مفسرة وجه ذلك بوجود شرطها وهو وقوعها بعد فعل فيه معنى القول، وهو أوحى كما في:\rفَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: 27] فإن فيه معنى القول اتفاقا، وبهذا قال الزمخشري وغيره. ومن منع وهو أبو عبد اللّه الرازي قال: لا نسلم أنها مفسرة كيف وقد انتفى شرط التفسير بأن المراد من الإيحاء في الآية هو الإلهام اتفاقا، وليس فيه معنى القول، وحينئذ فهي مصدرية كأنه قيل:\rأوحى ربك بإتخاذ بعض الجبال بيوتا، ورده في المعنى بأن الإلهام فيه معنى القول من حيث الدلالة على المعنى اهـ.\rقوله: وَمِمَّا يَعْرِشُونَ بكسر الراء وضمها سبعيتان وبابه ضرب ونصر كما في المختار. وفي القاموس: وعرش يعرش بنى عريشا كأعرش وعرش بالتثقيل اهـ.\rوالظاهر أن من بمعنى في إذ لا معنى لكونها تبني من بناء الناس، بل الظاهر أنها تبني في بنائهم، ويكون المراد من بنائهم الكوارة، ومن بنائها بيتها الذي تمج فيه العسل، فإن المشاهد إنها تبني لها بيتا داخل الخلية من الشمع، ثم تمج فيه العسل شيئا فشيئا، والظاهر أن من الموضعين الأولين بمعنى في أيضا كما صرح به الشهاب، ويكون المراد ببيوتها ما تبنيه من الشمع كما تقدم، فالشمع تارة تبنيه في الجبال، وتارة في الأشجار، وهذا في النحل الوحشي، وتارة تبنيه في الخلايا وهذا في النحل الأهلي، فإن النحل قسمان كما ذكره الخازن اهـ شيخنا.\rقوله: (و إلّا لم تأو إليها) أي إلا يلهمها اللّه اتخاذ بيوت في الأماكن الثلاثة لم تأو إليها ولم تمج فيها عسلا، أو المراد وإلا أي ألا تتخذ بيوتا من الشمع تمج فيها العسل تأوي إليها أي إلى المواضع الثلاثة، بل تكون دائما متفرقة فلم ينتفع بعسلها، لأن الذي يحملها على إيوائها وسكناها في المواضع الثلاثة هو بيتها الذي تبنيه فيها، فترجع إليها وتتردد إليها لأجل بيتها الذي تبنيه فيها اهـ شيخنا.\rقوله: (طرقه في طلب المرعى) عبارة الخازن: يعني الطرق التي ألهمك اللّه أن تسلكيها وتدخلي فيها لأجل طلب الثمرات انتهت.\rقوله: (و إن توعرت) أي صعبت على غيرك، وقوله (و لا تضلي) معطوف على فلا تعسر عليك اهـ شيخنا.\rقوله: (أي منقادة لما يراد منك) عبارة الخازن: يعني مذللة مسخرة لأربابها مطيعة منقادة لهم،","part":4,"page":243},{"id":1263,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 244\rالعسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ من الأوجاع قيل لبعضها كما دل عليه تنكير شفاء أو لكلها حتى إنهم ينقلونها من مكان إلى مكان آخر حيث شاؤوا وأرادوا لا تستعصي عليهم اهـ.\rوفي الكرخي: أي منقادة لما يراد منك، ولذا يقسم يعسوبها أعمالها بينها، فبعض يعمل الشمع، وبعض يعمل العسل، وبعض يستقي الماء ويصبه في البيت، وبعض يبني البيوت فسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى اهـ.\rقوله: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها التفات وإخبار بذلك، ولو جاء على الكلام الأول لقيل من بطونك اهـ سمين.\rقوله: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ يعني ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من ألوان العسل، وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار يستحيل في بطونها عسلا بقدرة اللّه ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب اهـ خازن.\rوفي القرطبي: ثم إنها تأكل الحامض والمر والمالح والحشائش الضارة، فيجعله اللّه تعالى عسلا حلوا وشفاء وفي هذا دليل على قدرته اهـ.\rوفي البيضاوي: مختلف ألوانه من أبيض وأصفر وأحمر بسبب اختلاف سن النحل أو الفصل اهـ.\rوقوله: بسبب اختلاف سن النحل، فالأبيض لفتيتها، والأصفر لكهلها، والأحمر لمسنها، ولا يخفى أنه مما لا دليل عليه. وقيل: اختلافه ما يأكل من النور اهـ شهاب.\rقوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض، ويجوز أن يكون للتعظيم اهـ بيضاوي.\rوقوله: (إما بنفسه الخ) إشارة إلى جواب ما يقال من أن تعريف الناس يفيد العموم، فدلت الآية على أن العسل شفاء من كل داء مع أنه يضر الصفراوي والمحمومين والمحرورين. وتقرير الجواب أن يكون علاجا للصفراوي إنما يتم ويكمل العسل، فلا يقتضي أن كل شفاء به، ولا أن كل أحد يستشفي به اهـ زاده.\rوعبارة الخازن: فيه يعني في الشراب الذي يخرج من بطون النحل شفاء للناس، وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود إذ الضمير في قوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ يرجع إلى العسل. وقد اختلفوا في هذا الشفاء هل هو على العموم لكل مريض، أو على الخصوص لمرض دون مرض؟ على قوليه، أحدهما:\rأن العسل فيه شفاء من كل داء وكل مرض. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. وفي رواية أخرى عنه: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل. وروى نافع أن ابن عمر ما كانت تخرج له قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل، ويقرأ: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس. وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:","part":4,"page":244},{"id":1264,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 245\rإن أخي استطلق بطنه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اسقه عسلا» فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا فقال له ثلاث مرات. ثم جاءه الرابعة فقال: «اسقه عسلا» فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «صدق اللّه وكذب بطن أخيك» فسقاه فبرىء. وقد اعترض بعض الملحدين ومن في قلبه مرض على هذا الحديث فقال: إن الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال، فنقول في الرد على هذا المعترض الملحد الجاهل بعلم الطب: إن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها الإسهال الحادث من التخم والهيضات، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على أنه علاجه بأن يترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية، فأما حبسها فمضر عندهم واستعجال مرض، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال لهذا الشخص المذكور في الحديث أصابه من امتلاء أو هيضة، فدواؤه بترك إسهاله على ما هو عليه أو تقويته، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشرب العسل فزاده إسهالا، وزاد عسلا إلى أن قويت المادة فدفق الإسهال، ويكون الخلط الذي كان به يوافقه شرب العسل. فثبت بما ذكرناه أن أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهذا الرجل بشرب العسل جار على صناعة الطب، وأن المعترض عليه جاهل بها، ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء، بل إن كذبوه كذبناهم كفرناهم بذلك، وإنما ذكرنا هذا الجواب الجاري على صناعة الطب التي اعترض بها واللّه أعلم. وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «صدق اللّه وكذاب بطن أخيك» يحتمل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم علم بنور الوحي الإلهي أن العسل الذي أمره بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال عندهم قال: صدق اللّه فيما وعد به يعني من أن فيه شفاء، وكذب بطن أخيك يعني في استعجالكم الشفاء في أول مرة واللّه أعلم بمراده ومراد رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم. فإن قالوا: كيف يكون الشفاء للناس وهو يضر بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة ويضر بالشباب المحرورين ويعطش؟ قلت: في الجواب عن هذا الاعتراض أيضا إن قوله فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ خرج مخرج الأغلب، وأنه في الأغلب شفاء ولم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء لكنه في الجملة دواء وأن نفعه أكثر من مضرته، وقلّ معجون من المعاجين إلا وتمامه به، والأشربة المتخذة من العسل نافعة لأصحاب البلغم والشيوخ المبرودين ومنافعه كثيرة جدا. والقول الثاني: إنه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه وهذا قول السدي، وقال مجاهد في قوله فيه شفاء للناس يعين القرآن، لأنه شفاء من أمراض الشرك والجهالة والضلال هو هدى ورحمة للناس، والقول الأول أصح لأن الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات، وأقربها قوله: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ وهو العسل، فهو أولى أن يرجع الضمير إليه لأنه أقرب مذكور اهـ.\rوفي القرطبي: اختلف العلماء في قوله فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ هل هو على عمومه أم لا؟ فقالت طائفة: هو على العموم في كل حال ولكل أحد فروي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا خرج طلى عليه عسلا. وحكى النقاش عن أبي وجزة أنه كان يكتحل بالعسل ويستنشق بالعسل ويتداوى بالعسل. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي قرص، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بما كان اللّه تعالى يقول: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ق: 9] ثم قال:\rائتوني بعسل، فإن اللّه تعالى يقول فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وأتوني بزيت فإن اللّه تعالى يقول: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ [النور: 35] فجيء له بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرىء. ومنهم من قال إنه على العموم","part":4,"page":245},{"id":1265,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 246\rبضميمته إلى غيره أقول وبدونها بنيته وقد أمر به صلّى اللّه عليه وسلّم من استطلق عليه بطنه، رواه الشيخان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) في صنعه تعالى\rوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئا ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ عند انقضاء آجالكم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أخسه من الهرم والخرف لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إذا خلط بخل ويطبخ فيأتي شرابا ينتفع به في كل حالة من كل داء، وقالت طائفة: إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة، وفي كل إنسان، وليس هذا بأول لفظ خصص، فالقرآن مملوء منه، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص والخاص بمعنى العام، ومما يدل على أنه ليس على العموم أن شفاء نكرة في سياق الإثبات ولا عموم فيها بإتفاق أهل اللسان ومحققي أهل الأصول اهـ.\rقوله: (قيل لبعضها) أي الأوجاع وقوله (أو لكلها) أي الأوجاع. قوله: (أقول وبدونها بنيته) أي بنية الشفاء الجازمة أن اللّه تعالى يخلق الشفاء عند استعماله إخباره تعالى بذلك اهـ كرخي.\rقوله: (استطلق) في المختار: استطلق بطنه مشى عليه اهـ.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعا أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه اهـ بيضاوي.\rقوله: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ الخ معطوف على مقدر أي: فمنكم من يبقى على قوة جسده وعقله حتى يموت، ومنكم من يرد الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أخسه) يعني أردأه وأضعفه وهو الهرم. قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب. أولها: سن النشوء والنماء وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب وبلوغ الأشد، ثم المرتبة الثانية سن الوقوف وهو من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة وهو غاية القوة وكمال العقل، ثم المرتبة الثالثة سن الكهولة وهو من الأربعين إلى ستين سنة. وفي هذه المرتبة يشرع الإنسان في النقص لكنه يكون نقصا خفيفا لا يظهر، ثم المرتبة الرابعة سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر، وفيه يتبين النقص ويكون الهرم والخرف. قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة. وقال قتادة: تسعون سنة.\rعن أنس رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات». وفي رواية أخرى عنه قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو بهذه الدعوات: «اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات». وقوله: لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً يعني أن الإنسان يرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان قد علم بسبب الكبر. قال ابن عباس: لكي يصير كالصبي الذي لا عقل له. وقال ابن قتيبة: معناه حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا لشدة هرمه. وقال الزجاج: وإن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا فيصير جاهلا بعد أن كان عالما ليريكم من قدرته أنه قادر على إماتته وإحيائه، وأنه قادر على نقله من العلم إلى الجهل، وأنه قادر على إحيائه بعد إماتته","part":4,"page":246},{"id":1266,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 247\rقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بتدبير خلقه قَدِيرٌ (70) على ما يريده\rوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا أي الموالي بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم فَهُمْ أي المماليك والموالي فِيهِ سَواءٌ شركاء، المعنى ليس لهم فيكون ذلك دليلا على صحة البعث بعد الموت. قال ابن عباس: ليس هذا في المسلمين، لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند اللّه وعقلا ومعرفة. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئا وقال في قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الشعراء:\r227] هم الذين قرأوا القرآن. وقال ابن عباس في قوله تعالى ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [التين: 5] يريد الكافر. ثم استثنى المؤمنين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الشعراء: 227] اهـ خازن.\rقوله: (و الخرف) من باب طرب فهو بفتحتين، وهو فساد العقل من الكبر اهـ مختار.\rقوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ اللام لام التعليل وكي حرف مصدر ونصب، ولا نافية وشيئا تنازعه الفعل والمصدر فأعلمنا المصدر على المذهب البصري، وأضمرنا في الفعل أي لأجل عدم وانتفاء علمه بالأشياء التي كان يعلمها قبل هذه الحالة، فيرجع إلى مبدئه في عدم المعرفة ويصير كالطفل اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي فيصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم اهـ.\rوأشار إلى أن اللام هنا للصيرورة والعاقبة. وقوله: (في النسيان وسوء الفهم) إشارة إلى أن كونه غير عالم بعد علمه كناية عن النسيان، لأن الناسي يعلم الشيء ثم ينساه وهذه صفة الأطفال اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها لام التعليل وكي بعدها مصدرية ليس إلا وهي ناصبة بنفسها للفعل بعدها، وهي ومنصوبها في تأويل مصدر مجرور باللام، متعلقة بيرد. وقال الحوفي أنها لام كي وكي للتأكيد وفيه نظر، لأن اللام للتعليل وكي مصدرية لا إشعار لها بالتعليل، والحالة هذه وأيضا فعملهما مختلف. والثاني: أنها لام الصيرورة اهـ.\rقوله: (لم يصر بهذه الحالة) أي الرد المذكور.\rقوله: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ الخ أي فاضل وفاوت بينكم في الرزق فبسط على واحد، وضيّق على واحد، وقتر على واحد، وقلل على واحد، وكما فضل بعضهم على بعض في الرزق كذلك فضل بعضهم على بعض في الخلق، والخلق العقل والصحة والسقم والحسن والقبح والعلم والجهل وغير ذلك، فهم متفاوتون ومتباينون في ذلك كله، وهذا مما تقضيه الحكمة الإلهية والقدرة الربانية اهـ خازن.\rقوله: (أي الموالي) أي السادة. قوله: فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ معطوف على المنفي أي: لم يردوه عليهم ردا بحيث يشركونهم فيه اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها على حذف أداة","part":4,"page":247},{"id":1267,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 248\rشركاء من مماليكهم في أموالهم فكيف يجعلون بعض مماليك اللّه شركاء له أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) يكفرون حيث يجعلون له شركاء\rوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً فخلق حواء من ضلع آدم وسائر النساء من نطف الرجال والنساء وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً أولاد الاستفهام تقديره أنهم فيه سواء، ومعناه النفي أي ليسوا مستوين فيه. الثاني: أنها إخبار بالتساوي بمعنى أن ما يطعمونه ويلبسونه لمماليكهم إنما هو رزقي أجريته على أيديهم فهم فيه سواء. الثالث:\rقال أبو البقاء: إنها واقعة موقع فعل، ثم جوّز في ذلك الفعل وجهين، أحدهما: أنه منصوب في جواب النفي تقديره: فما الذين فضلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا. والثاني: أنه معطوف على موضع برادّي فيكون مرفوعا تقديره فما الذين فضلوا يردون فما يستوون اهـ.\rقوله: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، والفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في المعنى على الفعل أي يشركون به فيجحدون نعمته اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ حيث يتخذون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم عليهم ويجحدوا أنه من عند اللّه تعالى أو حيث أنكروا مثال هذه الحجج بعد ما أنعم اللّه عليهم بإيضاحها اهـ.\rقوله: (يكفرون) أشار إلى أن الجحد بمعنى الكفر، فعدى بالباء، وإلّا فالباء زائدة لأن الجحود لا يتعدى بالباء اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من نوعكم وجنسكم أزواجا أي: زوجات ففصلهن بقوله (حواء وسائر النساء الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: بَنِينَ لم يذكر البنات لكراهتهم لهن فلم يمتنّ عليهم إلا بما يحبونه، وقوله: وَحَفَدَةً الحفيد ولد الابن ذكرا كان أو أنثى، وولد البنت كذلك، وتخصيصه بولد الذكر، وتخصيص ولد الأنثى بالسبط عرف طارىء على أصل اللغة، فقوله: (أولاد الأولاد) أي أولاد البنين ذكورا كانوا أو إناثا، وأولاد البنات كذلك، فيعم في كل من المضاف والمضاف إليه لما هو معلوم أن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى بخلاف لفظ الابن اهـ شيخنا.\rقوله: وَحَفَدَةً جمع حافد وهو المسرع في الخدمة المسارع في الطاعة. ومنه قوله في الدعاء:\rوإليك نسعى ونحفد أن نسرع إلى طاعتك، فهذا أصله في اللغة. ففي المختار: الحفد السرعة وبابه ضرب وحفدا أيضا بفتح الفاء، ومنه قولهم في الدعاء: وإليك نسعى ونحفد، وأحفده حمله على الحفد، وبعضهم يجعل أحفد لازما. والحفد بفتحتين الأعوان والخدم، وقيل: ولد الولد واحدهم حافد اهـ.\rوقال أيضا: السبط هو ولد الولد اهـ.\rثم اختلفت أقوال المفسرين فيهم فقال ابن مسعود، والنخعي: أختان الرجل على بناته، وعن ابن مسعود أنهم أصهاره فهو بمعنى الأول، فعلى هذا القول يكون معنى الآية وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وبنات تزوجونهن فيجعل لكم بسببهم الأختان والأصهار. وقال الحسن، وعكرمة","part":4,"page":248},{"id":1268,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 249\rالأولاد وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من أنواع الثمار والحبوب والحيوان أَفَبِالْباطِلِ الصنم يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) بإشراكهم\rوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات شَيْئاً بدل من رزقا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (73) يقدرون على والضحاك: هم الخدم. وقال مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك فقد حفدك، وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه، وقيل هم أهل المهنة الذين يمتهنون ويخدمون الكبار، وقيل: الأولاد الذين يعينون الرجل على عمله. وقال ابن عباس: هم ولد الولد. وفي رواية عنه أنهم بنو امرأة الرجل الذين ليسوا منه، وكل هذه الأقوال متقاربة، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك.\rوبالجملة فالحفدة غير البنين لأن الأصل في العطف المغايرة اهـ خازن.\rقوله: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي من اللذائذ والحلالات. ومن للتبعيض، فإن المرزوق في الدنيا أنموذج منها اهـ بيضاوي.\rقوله: أَفَبِالْباطِلِ بالفاء في المعنى داخلة على الفعل وهي للعطف على مقدر أي: أيكفرون باللّه الذي شأنه هذا فيؤمنون بالباطل أو أبعد تحقق ما ذكر من نعم اللّه بالباطل يؤمنون دون اللّه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَبِالْباطِلِ أي بنفعه فإنهم يزعمون ذلك على ما حكى عنهم بقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: 18] وهذا استفهام توبيخ وتقريع، وقوله: وَيَعْبُدُونَ معطوف على يفكرون، فهو من جملة الموبخ عليه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن الطيبات ما يحرم عليهم كالبحائر والسوائب، وبنعمة اللّه هم يكفرون حيث أضافوا نعمته إلى الأصنام أو حرّموا ما أحل اللّه لهم، وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام أو لإيهام التخصيص مبالغة أو للمحافظة على الفواصل اهـ.\rقوله: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ أي بإضافتها إلى غيره قاله هنا بزيادة هم، وفي العنكبوت بدونها لأن ما هنا اتصل بقوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الخ وهو بالخطاب، ثم انتقل إلى الغيبة فقال: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ فلو ترك هم لالتبست الغيبة بالخطاب بأن تبدل الياء تاء اهـ كرخي.\rقوله: ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ ما عبارة عن الأصنام فهي مفردة لفظا جمع معنى، فقوله لا يَمْلِكُ فيه مراعاة لفظها، وقوله وَلا يَسْتَطِيعُونَ فيه مراعاة معناه وهو معطوف على ما لا يملك فهو من الصلة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَلا يَسْتَطِيعُونَ يجوز في الجملة وجهان: العطف على صلة ما والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل الاستئناف، ويكون قد جمع الضمير العائد على ما باعتبار معناها، إذ المراد بذلك آلهتهم، ويجوز أن يكون الضمير عائدا على العابدين اهـ.\rقوله: (بالمطر) أي بإنزاله، وقوله: (بالنبات) أي بإخراجه، قوله: (بدل من رزقا) على أن رزقا","part":4,"page":249},{"id":1269,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 250\rشيء وهو الأصنام\rفَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ لا تجعلوا للّه أشباها تشركونهم به إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أن لا مثل له وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74) ذلك\r* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه عَبْداً مَمْلُوكاً صفة تميزه من اسم عين بمعنى المرزوق، وفي هذا الإعراب نظر، لأن البدل إما للتوكيد أو البيان. وشيئا لا يصلح لواحد منهما، فالأولى أن يكون معمولا لرزقا على أنه اسم مصدر بمعنى إرزاق اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: شَيْئاً فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر أي لا يملك لهم ملكا أي شيئا من الملك. والثاني: أنه بدل من رزقا أي لا يملك لهم شيئا، وهذا غير مفيد، إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء، ويؤيد ذلك أن البدل يأتي لأحد معنيين البيان أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعم ولا تأكيد الثالث: أنه منصوب برزقا على أنه اسم مصدر، واسم المصدر يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك. ونقل مكي أن اسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في الشعر. قلت:\rوقد اختلفت النقلة عن البصريين، فمنهم من نقل المنع، ومنهم من نقل الجواز، وقد ذكر الفارسي انتصابه برزقا كما تقدم، ورد عليه ابن الطراوة بأن الرزق اسم المرزوق كالرعي والطحن، ورد على ابن الطراوة بأن الرزق بالكسر أيضا مصدر، وقد سمع فيه ذلك. قلت: وظاهر هذا أنه مصدر بنفسه لا اسم مصدرا. وقوله: مِنَ السَّماواتِ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بيملك، وذلك على الإعرابين الأولين في نصب شيئا. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لرزقا الثالث: أنه يتعلق بنفس رزقا إن جعلناه مصدرا اهـ.\rقوله: (تشركوهم به) فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال اهـ بيضاوي.\rوتشركوهم هكذا في كثير من النسخ ولا وجه له، إذ فيه حذف النون من غير مقتض، وفي بعض النسخ وكتب عليه الكرخي فتشركوهم به، وهو ظاهر، فيكون منصوبا في جواب النهي، وفي بعضها تشركونهم به وهو ظاهر أيضا، فتكون الجملة نعتا لأشباها اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ (أن لا مثل له) وقيل: المعنى إن اللّه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ثم علمهم كيف يضرب المثل فضرب مثلا لنفسه ولمن عبد من دونه، فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا الخ فمثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا، ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه اللّه مالا كثيرا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً الآية. لما نهاهم اللّه تعالى عن ضرب الأمثال لقلة علمهم، فضرب هو لنفسه مثلا فقال تعالى: مِثْلَكُمْ في إشراككم باللّه الأوثان كمثل من سوى بين عبد مملوك عاجز التصرف وبين آخر كريم مالك قادر قد رزقه اللّه تعالى مالا، فهو يتصرف فيه كما يشاء، فصريح العقل يشهد بأنه لا تسوية بينهما، ولا يجوز في التعظيم والإجلال، فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة البشرية، فكيف يجوز للعاقل يسوي بين اللّه تعالى الخالق القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء. وقال عطاء في قوله تعالى: عَبْداً مَمْلُوكاً هو أبو جهل بن هشام، ومن رزقناه منا رزقا حسنا هو أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه اهـ.\rقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي ذكر وبين ووضح مثالا للدلالة على وحدانيته تعالى ونفي الشرك اهـ شيخنا.","part":4,"page":250},{"id":1270,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 251\rالحرّ فإنه عبد اللّه لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ بعدم ملكه وَمَنْ نكرة موصوفة أي حرا رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً أي يتصرف فيه كيف يشاء والأول مثل الأصنام والثاني مثله تعالى هَلْ يَسْتَوُونَ أي العبيد العجزة والحر المتصرف لا الْحَمْدُ لِلَّهِ وحده بَلْ أَكْثَرُهُمْ قوله: (صفة تميزه من الحر فإنه عبد اللّه) جواب سؤال تقديره لم قال عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وكل عبد فهو مملوك وغير قادر على التصرف؟ وإيضاح ذلك أنه ذكر المملوك ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن الحر قد يقال إنه عبد اللّه، وأما قوله لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فللتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له، لأنهما يقدران على التصرف استقلالا اهـ كرخي.\rقوله: عَلى شَيْءٍ أي من التصرفات. قوله: مَنْ رَزَقْناهُ يجوز في من هذه أن تكون موصولة وأن تكون موصوفة. واختاره الزمخشري كأنه قيل وحرا رزقناه ليطابق عبدا، ومحلها النصب عطفا على عبدا. وقد تقدم الكلام في المثل الواقع بعد ضرب اهـ سمين.\rوالعدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال وحرا مالكا للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه وبين قسيمه لتوخي تحقيق العدل بأن الأحرار أيضا تحت ربقة عبوديته سبحانه وتعالى، وأن مالكيتهم لما يملكونه ليس إلا بأن يرزقهم اللّه تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك مع محاولة المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين، فإن العبد المملوك حيث لم يكن مثل العبد المالك. فما ظنك بالجماد ومالك الملك خلاق العالمين اهـ أبو السعود.\rقوله: حَسَناً أي حلالا لملكه له، وقوله سِرًّا وَجَهْراً يجوز أن يكون منصوبا على المصدر أي: انفاق سر وجهر، ويجوز أن يكون حالا اهـ سمين.\rقوله: هَلْ يَسْتَوُونَ أي في التعظيم والإجلال، ولم يقل يستويان نظرا إلى تعدد أفراد كل قسم، وقول الشارح: أي العبيد والحر لم يجمع الحر فيه كما جمع العبيد لعله لكون مثالا للّه، فتأدب في عدم جمع مثاله كما أنه تعالى واحد لا جمع فيه ولا تعدد اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إنما جمع الضمير في يستوون وإن تقدمه اثنان، لأن المراد جنس العبيد الأحرار المدلول عليهما بعبدا وبمن رزقناه. وقيل: على الأغنياء والفقراء المدلول عليهما بهما أيضا اعتبارا بمعنى من، فإن معناها جمع فراعى معناها بعد أن راعى لفظها اهـ.\rقوله: (العجزة) جمع عاجز ككامل وكملة وفاسق وفسقة اهـ شيخنا.\rقوله: (لا) أي لا جواب إلا أن يقال لا أي لا يستوون اهـ كرخي.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي على تبيين الحق وإيضاحه وعلى غيره من النعم وحمدا للّه نفسه، لأنه المستحق لجميع المحامد لأنه المنعم المتفضل على عباده، وهو الخالق الرازق، لا هذه الأصنام التي عبدها هؤلاء، فإنها لا تستحق الحمد لأنها جمادات عاجزة لا يدلها على أحد ولا معروف فتحمد عليه إنما الحمد الكامل للّه تعالى لا لغيره، فيجب على جميع العباد حمد اللّه تعالى لأنه أهل الحمد والثناء الحسن اهـ خازن.","part":4,"page":251},{"id":1271,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 252\rأي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (75) ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون\rوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ولد أخرس لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لأنه لا يفهم ولا يفهم وَهُوَ كَلٌ ثقيل عَلى مَوْلاهُ ولي أمره أَيْنَما يُوَجِّهْهُ يصرفه لا يَأْتِ منه بِخَيْرٍ بنجح، وهذا مثل الكافر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ أي الأبكم المذكور وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه وَهُوَ عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (76) وهو الثاني قوله: (فيشركون) أي يعبدون غير اللّه مع قوة هذه الحجة وظهورها ونهاية وضوحها اهـ كرخي.\rقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي للدلالة على بعد ما بين رتبة المؤمن والكافر اهـ شيخنا.\rقوله: أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي والآخر ناطق قادر خفيف على مولاه أينما يأت بخير، فحذف هذا الآخر المقابل المتصف بالصفات الأربع للدلالة عليه بقوله وَمَنْ يَأْمُرُ الخ. فالأمر بالعدل يستلزم الصفات الثلاث الأول، ولذلك قال الشارح أي ومن هو ناطق هذا مقابل الأبكم، وقوله (نافع) هذا مقابل لا يقدر على شيء، ويستلزم أن يكون خفيفا على مولاه، وقوله: وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مستلزم الوصف الرابع، وهو أنه أينما يوجهه يأت بالخير اهـ شيخنا.\rقوله: (ولد أخرس) هذه هو حقيقة الأبكم فهو أخص من مطلق الأخرس إذ ينفرد عن الأبكم فيمن طرأ خرسه اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنه لا يفهم) أي الكلام الذي يلقى إليه، ولا يفهم أي لا يفهم غيره بالكلام اهـ شيخنا.\rلكن هذا لا يناسب تفسير الأبكم بالأخرس، لأن الأخرس يفهم بالسماع وبالإشارة ويفهم بالإشارة، فالأولى تفسيره بما في الخطيب ونصه: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي الأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر اهـ.\rوفي القاموس: البكم محرك الخرس كالبكامة أو مع عي وبله أو أن يولد ولا ينطق ولا يسمع ولا يبصر، وبكم كفرح فهو أبكم وبكيم، والجمع بكم وبكم ككرم امتنع عن الكلام تعمد اهـ.\rقوله: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ أينما: اسم شرط جازم، ويوجهه فعل الشرط وفاعله مستتر فيه يعود على المولى، والضمير البارز مفعول يعود على الأبكم. وقوله: لا يَأْتِ لا نافية ويأت جواب الشرط مجزوم بأينما وعلامة جزمه حذف الياء، وقوله: (منه) عائدا على أينما لأنها عبارة عن مكان اهـ شيخنا.\rقوله: (بنجح) بوزن قفل أي بمطلوب وقضاء حاجة اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: النجاح بالفتح، والنجح بالضم الظفر بالشيء نجحت الحاجة كمنع أي تيسرت وسهلت اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ معطوف على الضمير المستتر في يستوي والشرط موجود وهو الفصل بالضمير المنفصل وهو لفظ هو اهـ شيخنا.\rقوله: (و يحث عليه) من باب رد. قوله: وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الجملة الاسمية معطوفة","part":4,"page":252},{"id":1272,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 253\rالمؤمن؟ لا، وقيل هذا مثل للّه، والأبكم للأصنام، والذي قبله في الكافر والمؤمن\rوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي علم ما غاب فيهما وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ منه لأنه على الصلة وهي يأمر بالعدل فهي من جملة الصلة، لكن فيه خلاف الحسن، والأحسن أنها في محل نصب على الحال اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو الثاني) أي الرجل الثاني المؤمن أي الذي هو مثل المؤمن بدليل قوله (فيما قبله)، وهذا مثل الكافر اهـ شيخنا.\rقوله: (و قيل هذا) أي من يأمر بالعدل. قوله: (و الذي قبله) وهو قوله عَبْداً مَمْلُوكاً وَمَنْ رَزَقْناهُ الخ اهـ شيخنا.\rفالمراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، لأنه لما كان محروما من عبادة اللّه تعالى وطاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز الذي لا يقدر على شيء. وقيل: إن الكافر لما رزقه اللّه مالا فلم يقدم فيه خيرا صار كالعبد الذي لا يملك شيئا، ولأن المؤمن لما اشتغل بطاعة اللّه وعبوديته والإنفاق في وجوه البر صار كالحر المالك الذي ينفق سرا وجهرا في طاعة اللّه وابتغاء مرضاته. وقيل:\rكلا المثلين للمؤمن والكافر، فالمؤمن هو الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، والكافر هو الأبكم الثقيل لا يأت بخير، فعلى هذا القول تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر. وقيل: هي على الخصوص، والذي يأمر بالعدل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على صراط مستقيم، والذي هو أبكم هو أبو جهل، وقيل: الذي يأمر بالعدل عثمان بن عفان، وكان له مولى يأمره بالإسلام، وذلك المولى يأمر عثمان بالإمساك عن الإنفاق في سبيل اللّه، فهو الذي لا يأت بخير، وقيل: المراد بالأبكم الذي لا يأت بخير أبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون اهـ خازن.\rقوله: (و قيل هذا مثل للّه الخ) أفاد أن هذا مثل ثان لإبطال قول عبدة الأوثان، وتقريره أنه لما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يساوي في الفضل والشرف الناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية فلأن نحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية أولى اهـ كرخي.\rقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها أنه مثل نفسه بالذي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ومعلوم أن أحدا لا يكون كذلك إلا إذا كان كاملا في العلم والقدرة، فبين بقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كونه كاملا في العلم، وبينّ كمال قدرته بقوله:\rوَما أَمْرُ السَّاعَةِ الخ اهـ زاده.\rقوله: (أي علم ما غاب) أي خفي فيهما. قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ وهو إماتة الاحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، وتبديل صور الأكوان أجمعين اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ أي: وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته إلا كلمح البصر إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، أو هو أقرب، أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل في الآن الذي تبتدأ فيه، فاللّه تعالى يحيي الخلق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن جزء غير متقسم، وأو للتخيير أو بمعنى بل. وقيل: معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند اللّه","part":4,"page":253},{"id":1273,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 254\rبلفظ كن فيكون إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)\rوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً الجملة حال وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ بمعنى الاسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) ه على ذلك فتؤمنون\rأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران فِي جَوِّ السَّماءِ أي الهواء بين السماء والأرض ما يُمْسِكُهُنَ عند قبض أجنحتهن وبسطها أن يقعن إِلَّا اللَّهُ بقدرته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) هي خلقها بحيث يمكنها الطيران وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها\rوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً موضعا تسكنون فيه كالشيء الذي يقولون فيه كَلَمْحِ الْبَصَرِ أو هو أقرب مبالغة في استقرابه اهـ.\rوعبارة الخازن: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، وذلك لأن لمح البصر يحتاج إلى زمان وحركة، واللّه إذا أراد شيئا يوجده في أسرع من لمح البصر. قال: الزجاج ليس المراد أن الساعة تأتي في لمح البصر، بل المراد بيان سرعة تأثير القدرة متى تعلقت الإرادة بشيء اهـ.\rقوله: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ لمح البصر انطباق جفن العين وفتحه، والجفن طرف العين. اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها اهـ.\rوهذا يقتضي أن اللمح معناه اغماض العين، والذي في كتب اللغة أن معناه فتح العين والابصار بها، ففي المصباح: لمحت الشيء لمحا من باب نقع نظرت إليه باختلاس البصر، وألمحته بالألف لغة، ولمحته بالبصر صوبته إليه، ولمح البصر امتد إلى الشيء اهـ.\rقوله: لا تَعْلَمُونَ أي لا تعرفون شيئا، وقوله: (الجملة حال) أي من الكاف في أخرجكم اهـ.\rقوله: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ الجملة ابتدائية أو معطوفة على ما قبلها، والواو لا تقتضي ترتيبا فلا ينافي أن هذا الجعل قبل الإخراج من البطون، ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك، وذلك بعد الإخراج اهـ زاده.\rوقدم السمع على البصر لأنه طريق تلقي الوحي، أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر وافراده باعتبار كونه مصدرا في الأصل اهـ أبو السعود.\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة أي ينظروا بأبصارهم، وقوله: إِلَى الطَّيْرِ جمع طائر وقوله:\rمُسَخَّراتٍ حال. قوله: فِي جَوِّ السَّماءِ الجو: الفضاء الواسع بين السماء والأرض وهو الهواء.\rقال كعب الاحبار: إن الطير ترتفع في الجو مسافة اثني عشر ميلا ولا ترتفع فوق ذلك اهـ خازن.\rقوله: (عند قبض أجنحتهن الخ) هذا يقتضي أن الطير في حال كونها في الجو تقبض أجنحتها أي تضمها إلى جنبيها، وهذا خلاف المشاهد، فالأولى ما في البيضاوي ونصه: ما يمسكهن فيه إلا اللّه فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها اهـ.\rقوله: مِنْ بُيُوتِكُمْ ابتدائية اهـ شهاب.\rقوله: سَكَناً يجوز أن يكون مفعولا أول على أن الجعل بمعنى التصيير، والمفعول الثاني أحد","part":4,"page":254},{"id":1274,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 255\rوَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً كالخيام والقباب تَسْتَخِفُّونَها للحمل يَوْمَ ظَعْنِكُمْ سفركم وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها أي الغنم وَأَوْبارِها أي الإبل وَأَشْعارِها أي المعز أَثاثاً الجارين قبله، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق فيتعدى لواحد، وإنما وحد السكن لأنه بمعنى ما يسكنون فيه قاله أبو البقاء. وقد يقال إنه في الأصل مصدر، وإليه ذهب ابن عطية، فتوحيده واضح إلا أن الشيخ منه كونه مصدرا ولم يذكر وجه المنع وكأنه اعتمد على قول أهل اللغة إن السكن فعل بمعنى مفعول كالقبض، والنفض بمعنى المقبوض والمنفوض اهـ سمين.\rقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً وذلك بعض الناس كالسودان، فإنهم يتخذون خيامهم من الجلود اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ويجوز أن يتناول المتخذة من الصوف والوبر والشعر، فإنها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها اهـ.\rواعلم أن المساكن على قسمين، أحدهما: ما لا يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما. والقسم الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر وهو الخيام، وإليه الإشارة بقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً الخ اهـ خازن.\rقوله: (كالخيام) جمع خيم بوزن فلس، وهو جمع خيمة، وقوله: (و القباب) جمع قبة وهي دون الخيمة اهـ شيخنا.\rقوله: تَسْتَخِفُّونَها أي تجدونها خفيفة ويخف عليكم حملها يوم ظعنكم يعني في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم، ويوم إقامتكم يعني ويخف عليكم حملها أيضا في إقامتكم وحضركم، والمعنى لا يثقل عليكم حملها في الحالين اهـ خازن.\rقوله: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتح العين، والباقون بإسكانها وهما لغتان كالنهر والنهر، وزعم بعضهم أن الأصل الفتح والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق كالشعر والشعر اهـ سمين.\rقوله: وَمِنْ أَصْوافِها معطوف على من جلود الأنعام، وقوله أَثاثاً معطوف على بيوتا أي:\rوجعل لكم من أصوافها أثاثا، فيكون مما عطف فيه جار ومجرور ومنصوب على مثليهما نحو: ضربت في الدار زيدا وفي الحجرة عمرا وهو جائز اهـ شهاب.\rوإنما ذكر الأصواف والأوبار والأشعار ولم يذكر القطن والكتان، لأنهما لم يكونا ببلاد العرب اهـ كرخي.\rقوله: أَثاثاً الأثاث متاع البيت الكثير، وأصله من أث أي كثر وتكاثف، وقيل للمال: أثاث إذا كثر قال ابن عباس: أثاثا يعني مالا. وقال مجاهد: متاعا. وقال القتيبي: الأثاث المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد والمتاع. وقال غيره: الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية ونحو ذلك، فإن قلت: أي فرق بين الأثاث والمتاع حتى ذكره بواو العطف، والعطف يوجب المغايرة، فهل من فرق؟ قلت:","part":4,"page":255},{"id":1275,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 256\rمتاعا لبيوتكم كبسط وأكسية وَمَتاعاً تتمتعون به إِلى حِينٍ (80) يبلى فيه\rوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من البيوت والشجر والغمام ظِلالًا جمع ظل تقيكم حرس الشمس وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً جمع كن وهو ما يستكن فيه كالغار والسرب وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ قمصا الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه وغيره ذلك، فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة، فظهر الفرق بين اللفظين اهـ خازن.\rوأنهما من قبيل عطف الخاص على العام، ويشهد له صنيع القاموس ونصه: والأثاث متاع البيت بلا واحد أو المال أجمع، والواحدة أثاثة اهـ.\rثم قال: والمتاع ما تمتعت به من الحوائج والجمع أمتعة اهـ.\rوفي السمين: وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد وجمع بينهما لاختلاف لفظيهما اهـ.\rقوله: (كبسط) بضم الباء والسين وقد تسكن السين تخفيفا اهـ شيخنا.\rقوله: (يبلى فيه) أي يبلى ذلك الأثاث فيه أي الحين.\rقوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا يعني جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر والبرد، وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار، وجعل لكم من الجبال أكنانا جمع كن وهو ما يستكن فيه من شدة الحر والبرد كالأسراب والغيران ونحوهما، وذلك لأنه إما إن يكون الإنسان غنيا أو فقيرا، فإذا سافر احتاج في سفره إلى ما يقيه من شدة الحر والبرد، فأما الغني فيستصحب معه الخيام في سفره ليسكن فيها، وإليه الإشارة بقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً، وأما الفقير فيستكن بظلال الأشجار والحيطان والكهوف والجبال ونحوها، وإليه الإشارة بقوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ولأن بلاد العرب شديدة الحرارة وحاجتهم إلى الظلال وما يدفع شدة الحر وقوته أكثر، فلهذا السبب ذكر اللّه هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها لأن النعمة عليهم فيها اهـ خازن.\rقوله: (و الغمام) جمع غمامة وهي السحاب اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع كن الخ) في المختار: الكن السترة والجمع أكنان. قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً والأكنة: الأغطية قال تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الأنعام: 25 والإسراء:\r46] الواحد كنان. وقال الكسائي: كن الشيء ستره وبابه ردّ اهـ.\rوالقاموس: الكن بالكسر وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما، والكن البيت جمعه كنان وأكنة وكنه كنا وكنونا، وأكنه وكننه واكتنه ستره واستكن استتر كاتن، والكنة بالضم جناح يخرج من حائط أو سقيفة فوق باب الدار أو ظلة هنالك أو مخدع اهـ.\rقوله: سَرابِيلَ جمع سربال. قوله: (أي والبرد) هو ما عليه أكثر المفسرين من أنه من حذف المعطوف للعلم به، أو اكتفي بأحد الضدين لأهميته عندهم، لأن الحر على أهل الحجاز أشد من البرد ونظيره بيدك الخير أي والشر، لأن الخبر مطلوب العباد من ربهم دون الشر أو لتقدم وقاية البرد في قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: 5] اهـ كرخي.","part":4,"page":256},{"id":1276,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 257\rتَقِيكُمُ الْحَرَّ أي والبرد وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ حربكم أي الطعن والضرب فيها كالدروع والجواشن كَذلِكَ كما خلق هذه الأشياء يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في الدنيا عَلَيْكُمْ بخلق ما تحتاجون إليه لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تُسْلِمُونَ (81) توحدونه\rفَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ يا محمد الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) الإبلاغ البين وهذا قبل الأمر بالقتال يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يقرون بأنها من عنده ثُمَّ يُنْكِرُونَها بإشراكهم وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) قوله: (كالدروع) جمع درع، والمراد به درع الحديد فيذكر ويؤنث، وأما درع المرأة بمعنى قميصها فمذكر لا غير. وقوله: (و الجواشن) عطف تفسير، فالجواشن عطف تفسير، فالجواشن بمعنى الدروع اهـ شيخنا.\rوفي شيخ الإسلام على البيضاوي: والجواشن جمع جوشن وهو الدرع أيضا قاله الجوهري وغيره فعطفه على الدروع عطف تفسير اهـ ومثله شهاب.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فيه التفات وجواب الشرط محذوف أي: فلا لوم عليك وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rوالتعبير بالتولي إشارة إلى أن الأصل فطرة الإسلام وخلافها عارض متجدد، وقوله: (أعرضوا) إشارة إلى أن تولوا فعل ماض مسند إلى ضمير الغائب ففيه التفات، ويصح أن يكون مضارعا حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتولوا فهو على الظاهر، إلا أنه قيل عليه إنه لا يظهر حينئذ ارتباط الجزاء بالشرط إلا بتكلف، ولذا لم يلتفت إليه المصنف، ومعنى أن تولوا أن داموا على التولي لظهور توليهم اهـ شهاب.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) مراده أن هذه الآية منسوخة الحكم وهو لا يظهر إلا لو قدر جواب الشرط فأعرض عنهم ولا تقاتلهم مع أن أكثر المفسرين قدره بقوله: فلا عتب عليك ولا مؤاخذة في عدم إيمانهم، لأنك بلغت ما أمرت بتبليغه وهدايتهم من اللّه لا إليك، وهذا لا ينافي أن يكون مأمورا بقتالهم تأمل.\rقوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها قال السدي: نعمة اللّه يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أنكروه وكذبوه، وقيل: نعمة اللّه هي الإسلام وهي من أعظم النعم التي أنعم اللّه بها على عباده، ثم إن كفار مكة أنكروه وجحدوه. وقال مجاهد وقتادة: نعمة اللّه ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم يقرون بأنها من عند اللّه، ثم قيل صدقوا وامتثلوا أمر اللّه فيها ينكرونها ويقولون ورثناها عن آبائنا. قال الكلبي: لما ذكر اللّه هذه النعم قالوا هذه النعم كلها من اللّه لكنها بشفاعة آلهتنا، وقيل: هو قول الرجل فلان كان كذا ولو لا فلان لما كان كذا. وقيل: إنهم يعترفون بأن اللّه أنعم بهذه النعم، ولكنهم لا يستعملونها في طلب رضوانه ولا يشكرونه عليها اهـ خازن.\rوقوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي لا يشكرونها بالتوحيد وجيء بثم في قوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَها للدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة، لأن من عرف النعمة حقه أن يعترف لا أن ينكر اهـ سمين.","part":4,"page":257},{"id":1277,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 258\rوَاذكر\rيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً هو نبيها يشهد لها وعليها وهو يوم القيامة ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي اللّه\rوَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا الْعَذابَ النار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ العذاب وَلا هُمْ قوله: وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ أي وأقلهم الجاهلون بأنها أي النعمة منه كما سيأتي، فلا يرد السؤال ما معنى: قوله: وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ مع أنهم كلهم كافرون. وأجيب أيضا بأنه إنما قيل وأكثرهم، لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة كالصبي وناقص العقل، فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء أو أن المراد بالكافر الجاحد المعاند، فقال: وأكثرهم لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا بل جاهلا يصدق الرسول ولم يظهر له كونه نبيا حقا من عند اللّه، أو أنه ذكر الأكثر وأراد الجميع، لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل. قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [لقمان: 25] وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (ذكر) يَوْمَ نَبْعَثُ أي نحيي ونخرج من القبور. أي: يوم نجيء من كل أمة شهيدا، ويرجع إلى معنى نجيء ونأتي، كما سيأتي في قوله: وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ [النحل: 89] اهـ شيخنا.\rقوله: (يشهد عليها) أي بالكفر ولها أي بالإيمان اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا فيه أوجه. أحدها: لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى:\rوَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 36]. ثانيها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. ثالثها: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا، وإلى التكليف. رابعها: لا يؤذن لهم في حالة شهادة الشهود، بل يسكت أهل الجمع ليشهد الشهود، فإن قيل: ما معنى ثم ههنا؟ أجيب: بأن معناها أنهم يمتحنون أي يبتلون بغير شهادة الأنبياء عليهم السّلام بما هو أهم منها، وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة، ولا إدلاء بحجة اهـ خطيب.\rقوله: وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون يقال: استعتبت فلانا يعني أعتبته أي: أزلت عتباه واستفعل بمعنى أفعل غير مستنكر قالوا: استدنيت فلانا وأدنيته بمعنى واحد، وقيل: السين على بابها من الطلب، ومعناه أنهم لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في الدنيا، فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم. وقال الزمخشري: ولا هم يسترضون أي: لا يقال لهم أرضوا ربكم، لأن الآخرة ليست بدار عمل اهـ سمين.\rوفي الخطيب: ولا هم يستعتبون أي لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون يقال:\rاستعتبت فلانا بمعنى أعتبته أي: أزلت عتباه اهـ.\rوفي المختار: عتب عليه وجد وبابه ضرب ونصر ومعتبا أيضا بفتح التاء والتعتب كالعتب والاسم المعتبة بفتح التاء وكسرها. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة وعاتبه معاتبة وعتابا وأعتبه سره بعد ما ساءه، والاسم منه العتبى واستعتب وأعتب بمعنى واستعتب أيضا طلب أن يعتب تقول: استعتبه فأعتبه أي استرضاه فأرضاه اهـ.\rقوله: (إلى ما يرضي اللّه) أي من العبادات.\rقوله: وَإِذا رَأَى أي أبصر. وقوله: شُرَكاءَهُمْ مفعول به والإضافة لأدنى ملابسة باعتبار","part":4,"page":258},{"id":1278,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 259\rيُنْظَرُونَ (85) يمهلون عنه إذا رأوه\rوَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ من الشياطين وغيرها قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا نعبدهم مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ أي قالوا لهم إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86) في قولكم إنكم عبدتمونا كما في آية أخرى\rما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ادعائهم شركتها للّه وكذا يقال في قولهم هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا أي الذين اخترعنا شركتها اللّه في العبادة وادعيناها اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي فهو لا يخفف، فالكلام على حذف المبتدأ وقول الشارح العذاب تفسير للضمير المستكن في الفعل. وفي السمين: هذه الفاء وما في حيزها جواب إذا، ولا بد من إضمار مبتدأ بعد هذه الفاء أي: فهو لا يخفف لأجل أن تكون الجملة اسمية، ويصح اقترانها بالفاء لأن المضارعية لا يصح قرنها بها اهـ.\rقوله: (و غيرها) كالأصنام. قوله: قالُوا أي الكفار رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ أي نعبدهم أو نطيعهم، ولعلهم قالوا ذلك طمعا في توزيع العذاب بينهم كما ينبىء عنه قوله تعالى: فَأَلْقَوْا أي شركاؤهم إليهم القول إنكم لكاذبون، فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ليس إلا للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه، وإنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم ويطيعونهم، لأن الأوثان ما كانوا راضين بعبادتهم لهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة لهم كما قالت الملائكة عليهم السّلام، بل كانوا يعبدون الجن يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيها للّه تعالى عن الشريك والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم، لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر والإلجاء، كما قال إبليس وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فكأنهم قالوا ما عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم، اهـ أبو السعود.\rقوله: فَأَلْقَوْا أي الشركاء إليهم أي إلى الكفار، وقوله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ أي الكفار ففاعل ألقوا في المحلين مختلف اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (في قولكم إنكم عبدتمونا) أي بل عبدتم أهواءكم، والمعنى أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام فيلقوا إليهم أي يقولون لهم إنكم لكاذبون، فإن قيل: إن المشركين لم يقولوا ذلك، بل أشاروا إلى الأصنام فقالوا: هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك، وقد كانوا صادقين في كل ذلك، فكيف قالت الأصنام إنكم لكاذبون؟ فالجواب: من وجوه أصحها: أن المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا أي إن هؤلاء هم الذين كنا نقول إنهم شركاء للّه في المعبودية، فالأصنام كذبوهم في إثبات هذه الشركة، فإن قلت: كيف أثبت للأصنام نطقا هنا ونفاه عنها في قوله في الكهف فدعوهم فلم يستجيبوا لهم؟ فالجواب: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها، والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافي اهـ كرخي.\rقوله: (ما كانوا) أي ما كان الكفار إيانا يعبدون. وهذا قول رؤسائهم، وقوله: (سيكفرون","part":4,"page":259},{"id":1279,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 260\rسيكفرون بعبادتهم وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي استسلموا لحكمه وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (87) من أن الهتهم تشفع لهم\rالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ الذي استحقوه بكفرهم، قال ابن مسعود: عقارب أنيابها كالنخل الطوال بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (88) بصدهم الناس عن الإيمان\rوَاذكر يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ هو نبيهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي قومك وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن تِبْياناً بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة وَهُدىً بعبادتهم) أي سينفونها في الآخرة بقولهم: ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [القصص: 63] وهذا التفسير للشارح المحلي كما سيأتي في سورة مريم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي استسلموا) أي انقادوا بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عن حكمه تعالى، لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم لانقطاع التكليف فيه اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر زدناهم وهو واضح. وجوز ابن عطية أن يكون الذين كفروا بدلا من فاعل يفترون، ويكون زدناهم مستأنفا، ويجوز أن يكون الذين كفروا نصبا على الذم أو رفعا عليه فيضمر الناصب أو المبتدأ وجوبا اهـ سمين.\rقوله: (قال ابن مسعود) أي في تفسير العذاب الزائد عقارب أي هو عقارب الخ. قوله: بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ما مصدرية أي بسبب كونهم مفسدين بصدهم الناس اهـ خطيب.\rفقول الشارح بصدهم متعلق بيفسدون، ولم يبين كون ما مصدرية وقد عرفته اهـ.\rقوله: وَيَوْمَ نَبْعَثُ الخ تكرير لما سبق لزيادة التهديد اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخطيب: ثم كرر سبحانه وتعالى التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم، فقال: وَيَوْمَ نَبْعَثُ الخ اهـ.\rقوله: وَجِئْنا بِكَ أي وبعثنا شهيدا على هؤلاء أي: قومك هكذا قال الجلال وسنده قوله سابقا، وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً الخ ومثله في ذلك البيضاوي وفي الشهاب عليه. وقيل المراد بهؤلاء الأنبياء لعلمه بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم، لا الأمة، لأن كونه شهيدا على أمته علم مما تقدم، فالآية مسوقة لشهادته على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، فتخلو من التكرار. ورد بأن المراد بشهادته على أمته تزكيته وتعديله لهم، وقد شهدوا على تبليغ الأنبياء وهذا لم يعلم مما مر وهو الوارد في الحديث اهـ شهاب.\rوعبارة أبي السعود: على هؤلاء الأمم وشهدائهم كقوله: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41] اهـ.\rقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ أي في الدنيا فهذا مستأنف. قوله: تِبْياناً يجوز أن يكون في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله وهو مصدر، ولم يجىء من المصادر على هذه الزنة إلا لفظان","part":4,"page":260},{"id":1280,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 261\rمن الضلالة وَرَحْمَةً وَبُشْرى بالجنة لِلْمُسْلِمِينَ (89) الموحدين\r* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ التوحيد أو الإنصاف وَالْإِحْسانِ أداء الفرائض أو أن تعبد اللّه كأنك تراه كما في الحديث وَإِيتاءِ إعطاء ذِي الْقُرْبى القرابة، خصه بالذكر اهتماما به وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ الزنا وَالْمُنْكَرِ شرعا من الكفر والمعاصي وَالْبَغْيِ الظلم للناس خصه بالذكر اهتماما كما بدأ بالفحشاء كذلك يَعِظُكُمْ بالأمر والنهي لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل هذا والتلقاء، وفي الأسماء كثير نحو التمساح والتمثال اهـ سمين.\rقوله: (بيانا) أي بيانا بليغا فالتبيان أخص من مطلق البيان على القاعدة أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى اهـ شيخنا.\rقوله: لِكُلِّ شَيْءٍ (يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة) إما بتبيينه في نفس الكتاب، أو بإحالته على السنة لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] أو بإحالته على الاجماع كما قال تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115] الآية. أو على القياس كما قال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: 2] والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس، فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، كلها مذكورة في القرآن مكان تبيانا لكل شيء، فاندفع ما قيل كيف قال اللّه تعالى: نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ، ونحن نجد كثيرا من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصا، كعدد ركعات الصلاة، ومدة المسح، والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وغير ذلك. ومن ثم اختلف الأئمة في كثير من الأحكام اهـ كرخي.\rقوله: لِلْمُسْلِمِينَ متعلق ببشرى وهو متعلق من حيث المعنى بهدى ورحمة أيضا اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ أي فيما نزله تبيانا لكل شيء وهدى وبشرى وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجديد والاستمرار اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي بالتوسط في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير اهـ.\rقوله: (أو الإنصاف) في المصباح: أنصفت الرجل إنصافا عاملته بالعدل والقسط، والاسم النصف بفتحتين لأنك أعطيته من الحق ما تستحقه لنفسك وتناصف القوم أنصف بعضهم بعضا اهـ.\rقوله: (إعطاء) ذِي الْقُرْبى أي التصدق على ذي القربى أي: فهو مصدر مضاف لمفعوله، ولم يذكر متعلقات العدل والإحسان والبغي ليعم ما يعدل فيه ويحسن به إليه، ويبغي فيه، وكذلك لم يذكر المفعول الثاني للإيتاء، ونص على الأول حضا عليه لادلائه بالقرابة فإن إيتاءه صدقة وصلة. قال صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم» اهـ كرخي.\rقوله: (بالأمر والنهي) أي فجعله يعظكم حال من فاعل يأمر وفاعل ينهى، كما أشار له السمين. قوله: (تتعظون) أي تتنبهون فعلم أنه ليس المراد منه الترجي والتمني فإن ذلك محال على اللّه","part":4,"page":261},{"id":1281,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 262\rفي الذال، وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر\rوَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ من البيع والإيمان وغيرها إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها توثيقها وَقَدْ تعالى، فوجب أن يكون معناه أنه تعالى يعظكم لإرادة أن تذكروا طاعته اهـ كرخي.\rقوله: (و هذه أجمع آية الخ) وبسببها أسلم عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقب قوله:\rوَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكتاب للتنبيه عليه اهـ بيضاوي.\rقوله: (للخير والشر) أي أنها ما تركت خيرا إلا أمرت به، ولا شرا إلا زجرت عنه. قاله الحسن البصري اهـ كرخي.\rقوله: (من البيع) جمع بيعة أي المعاهدة على أمر شرعي اهـ شيخنا.\rوالبيع بكسر الباء جمع بيعة بفتحها مثل ضيعة وضيع وفي الخازن: لما ذكر اللّه تعالى الآية المتقدمة المأمورات والمنهيات على سبيل الاجمال ذكر في هذه الآية بعض ذلك الاجمال على سبيل التفصيل وبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، لأنه أوكد الحقوق فقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ نزلت في الذين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام، فأمرهم بالوفاء بهذه البيعة. وقيل: المراد منه كل ما يلتزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه الوعد أيضا، لأن الوعد من العهد وقيل: العهد ههنا هو اليمين. قال القتيبي: العهد يمين وكفارته يمين، فعلى هذا يجب الوفاء به إذا كان فيه صلاح. أما إذا لم يكن فيه فلا يجب الوفاء به لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» فيكون قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ من العام الذي خصصته السنة. وقال مجاهد، وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية، ويشهد لهذا التأويل قوله: صلّى اللّه عليه وسلّم: «كل حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» اهـ.\rقوله: بَعْدَ تَوْكِيدِها أي تغليظها بزيادة الأسماء والصفات، وهذا القيد لموافقة الواقع حيث كانوا يؤكدون أيمانهم في المعاهدة بما ذكر حينئذ، فلا مفهوم له فلا يختص النهي عن النقض بحالة التوكيد، بل نقض اليمين منهي عنه مطلقا اهـ من أبي السعود.\rأو يراد بالتوكيد القصد، ويكون احترازا عن لغو اليمين، وهي الصادرة من غير قصد للحلف.\rوفي القرطبي: وإنما قال بعد توكيدها فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين اهـ.\rقوله أيضا: بَعْدَ تَوْكِيدِها متعلق بفعل النهي، والتوكيد مصدر وكد يوكد بالواو، وفيه لغة أخرى أكد يؤكد بالهمزة، ومعناه التقوية. وهذا كقولهم: ورخت الكتاب وأرخته، وليست الهمزة بدلا من واو كما زعم أبو إسحاق لأن الاستعمالين في المادتين متساويان، فليس ادعاء كون أحدهما أصلا أولى من الآخر. وتبع مكي الزجاج في ذلك، ثم قال: ولا يحسن أن يقال الواو بدل من الهمزة، كما لا يحسن أن يقال في أحد إن أصله وحد، فالهمزة بدل من الواو يعني أنه لا قائل بذلك، ولذلك تبعه الزمخشري أيضا وتوكيدها مصدر مضاف لمفعوله اهـ سمين.","part":4,"page":262},{"id":1282,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 263\rجَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا بالوفاء حيث حلفتم به، والجملة حال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91) تهديد لهم\rوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ أفسدت غَزْلَها ما غزلته مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ إحكام له وبرم أَنْكاثاً حال جمع نكث وهو ما ينكث أي يحل إحكامه وهي امرأة حمقاء من مكة كانت أي: بعد توكيدكم لها. قوله: كَفِيلًا أي شاهدا بتلك البيعة، فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه اهـ بيضاوي.\rوقوله: (شاهدا) يعني أن الكفيل هنا ليس بالمعنى المتبادر، بل بمعنى الشاهد إما على التشبيه فهو استعارة أو باستعماله في لازم معناه فهو مجاز مرسل، والعبارة محتملة لهما. والظاهر أن جعلهم مجازا أيضا لأنهم لما فعلوا ذلك واللّه مطلع عليهم فكأنهم جعلوه شاهدا اهـ من الشهاب.\rقوله: (و الجملة) أي جملة، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ الخ حال إما من فاعل تنقضوا، وإما من فاعل المصدر، وإن كان محذوفا، واعلم أن قوله: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها عام دخله التخصيص بقوله عليه الصلاة والسّلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» اهـ كرخي.\rقوله: أَنْكاثاً (حال) عبارة السمين: أنكاثا: يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من غزلها والأنكاث جمع نكث بمعنى منكوث أي منقوض. والثاني: أنه مفعول ثان بتضمين نقضت معنى صيرت. وجوّز الزجاج فيه وجها ثالثا وهو النصب على المصدرية، لأن معنى نقضت نكثت فهو مطابق لعامله في المعنى اهـ.\rقوله: (جمع نكث) بكسر النون كأحمال جمع حمل، وفي المصباح: نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل نقضه ونبذه فانتكث مثل نقضه فانتقض، ونكث الكساء وغيره نقضه أيضا والنكث: بالكسر ما نقض ليغزل ثانيا والجمع أنكاث مثل حمل وأحمال اهـ.\rقوله: (و هي امرأة حمقاء) واسمها ريطة بنت سعد بن تميم قرشية اهـ بيضاوي.\rوريطة: بفتح الراء المهملة وسكون الياء التحتية وفتح الطاء المهملة هو علم لامرأة معروفة، فالمشبه به معين على هذا. قال جار اللّه: إنها اتخذت مغزلا قدر ذراع وسناره مثل الأصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: (و هي امرأة الخ)، والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه من غير تعيين، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عن الفعل إذا كان قبيحا، والدعاء إليه إذا كان حسنا، وذلك يتم بدون التعيين، إذ لا يلزم في التشبيه أن يكون المشبه به موجودا في الخارج اهـ.\rقوله: (حمقاء) أي قليلة العقل، ففي المختار: الحمق بسكون الميم وضمها قلة العقل، وقد حمق من باب ظرف فهو أحمق، وحمق أيضا بالكسر حمقا فهو حمق، وامرأة حمقاء وقوم نسوة حمق وحمقى اهـ.","part":4,"page":263},{"id":1283,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 264\rتغزل طول يومها ثم تنقضه تَتَّخِذُونَ حال من ضمير تكونوا أي لا تكونوا مثلها في اتخاذكم أَيْمانَكُمْ دَخَلًا هو ما يدخل في الشيء وليس منه، أي فسادا وخديعة بَيْنَكُمْ بأن تنقضوها أَنْ أي لأن تَكُونَ أُمَّةٌ جماعة هِيَ أَرْبى أكثر مِنْ أُمَّةٍ وكانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا أكثر منهم وأعز نقضوا حلف أولئك وحالفوهم إِنَّما يَبْلُوكُمُ يختبركم اللَّهُ بِهِ أي بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي أو بكون أمة أربى لينظر أتفون أم لا قوله: (كانت تغزل) أي الصوف والوبر اهـ.\rقوله: تَتَّخِذُونَ أي تصيرون ودخلا هو المفعول الثاني أي لا تصيروا أيمانكم فسادا وخديعة اهـ شيخنا.\rقوله: (في اتخاذكم) أَيْمانَكُمْ الكلام على حذف مضاف أي في حال اتخاذكم أي لا تشابهوها في مطلق الافساد والنقض في حال اتخاذكم الخ.\rقوله: (هو ما يدخل في الشيء) أصل الدخل العيب والعيب ليس من الشيء الذي يدخل فيه اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ متعلق بتتخذون أي: لا تتخذوا أيمانكم بينكم أي: لا تصيروها خديعة لأجل أن تكون أمة الخ أي: لأجل وجدانكم أمة الخ اهـ شيخنا.\rأو متعلق بمحذوف كما قدره الشرح بقوله أن تنقضوها. وفي السمين: قوله: أَنْ تَكُونَ أي بسبب أن تكون أو مخافة أن تكون، وتكون يجوز أن تكون تامة، فتكون أمة فاعلها، وأن تكون ناقصة فتكون أمة اسمها وهي مبتدأ، وأربى خبره، والجملة في محل نصب على الحال على الوجه الأول، وفي محل الخبر على الوجه الثاني. وجوز الكوفيون أن تكون أمة اسمها وهي عماد أي: ضمير فصل، وأربى خبر تكون، والبصريون لا يجيزون ذلك لأجل تنكير الاسم، فلو كان الاسم معرفة لجاز ذلك عندهم اهـ.\rقوله: (أي لأن) تكون الخ أشار به إلى أن النصب على وجه التعليل أي لأجل أن تكون، ومثله ما ذكره السمين من قوله: أي بسبب أن تكون الخ اهـ. قوله: (و كانوا) أي قريش يحالفون الحلفاء جمع حليف ككرماء وكريم، وقوله: (أكثر منهم) أي من الحلفاء أي إذا وجدوا جماعة أكثر من الذين حالفوهم أولا وأعز منهم نقضوا الحلف الأول وعاهدوا أولئك الأكثر والأعز، وقوله: (حلف أولئك).\rفي المختار: الحلف بكسر الحاء وسكون اللام العهد يكون بين القوم اهـ.\rوفي المصباح: وبينهما حلف وحلفة بالكسر أي عهد اهـ.\rقوله: (لينظر المطيع) أي ليظهر لكم المطيع الخ، وقوله: (أو يكون) معطوف على بما أمر به، وعليه فالضمير عائد على المصدر المنسبك من أن تكون، وقوله: (أتفون) أي أتفون بالعهد من وفى يفي اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: أي يختبركم بكون أمة أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد اللّه وبيعة","part":4,"page":264},{"id":1284,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 265\rوَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) في الدنيا من أمر العهد وغيره بأن يعذب الناكث ويثيب الوافي\rوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أهل دين واحد وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَ يوم القيامة سؤال تبكيت عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) لتجازوا عليه\rوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ كرره تأكيدا فَتَزِلَّ قَدَمٌ أي أقدامكم عن محجة الإسلام بَعْدَ ثُبُوتِها استقامتها عليها وَتَذُوقُوا السُّوءَ أي العذاب بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي بصدكم عن الوفاء بالعهد أو بصدكم غيركم عنه لأنه يستن بكم وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94) في الآخرة\rوَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم انتهت.\rقوله: (سؤال تبكيت) أي لا سؤال استفسار وتفهم وهو المنفي في غير هذه الآية اهـ شهاب.\rقوله: (كرره تأكيدا) عبارة البيضاوي: هذا تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا ومبالغة في قبح المنهي عنه انتهت.\rولما كان اتخاذ الأيمان دخلا قيدا للمنهي عنه كان منهيا عنه ضمنا فصرح به هنا لما ذكر اهـ شهاب.\rوعلى هذا فهو تأسيس لا تأكيد، وفي الكرخي: قوله: (كرره) أي النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا تأكيدا عليهم وإظهارا لعظم ما يرتكب منه كذا في الكشاف. وقال أبو حيان: لم يتكرر النهي، وإنما الذي سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلا معللا بشيء خاص هو أن تكون أمة هي أربى من أمة، وجاء النهي بقوله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ استئنافا للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا على العموم.\rأي: في كل حال فيشمل جميع الصور من الخديعة في المبالغة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك اهـ.\rقوله: دَخَلًا بَيْنَكُمْ يعني خديعة وفسادا بينكم لتغروا بها الناس فيسكنون إلى أيمانكم ويأمنون إليكم ثم تنقضوها اهـ خازن.\rقوله: فَتَزِلَّ قَدَمٌ منصوب بإضمار أن في جواب النهي اهـ سمين.\rوإفراد القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم، فكيف بأقدام كثيرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (محجة الإسلام) المحجة الطريق الواضح اهـ شيخنا.\rقوله: (عليها) أي محجة الإسلام. قوله: (أي العذاب) أي الدنيوي بدليل ما بعده اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي بصدكم) من صد اللازم أي امتناعكم، وقوله: (أو بصدكم الخ) من صد المتعدي أي منعكم من غيركم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: صددته عن كذا صدا من باب قتل منعته وصرفته، وصددت عنه أعرضت، وصد من كذا يصد من باب ضرب وضحك اهـ.\rقوله: (لأنه) أي الغير يستن أي يقتدي بكم.","part":4,"page":265},{"id":1285,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 266\rقَلِيلًا من الدنيا بأن تنقضوه لأجله إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مما في الدنيا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) ذلك فلا تنقضوا\rما عِنْدَكُمْ من الدنيا يَنْفَدُ يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ دائم وَلَنَجْزِيَنَ بالياء والنون الَّذِينَ صَبَرُوا على الوفاء بالعهود أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا قوله: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ الباء داخلة على المتروك. قوله: (بأن تنقضوه) أي العهد، وقوله:\r(لأجله) أي الثمن القليل. قوله: إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ ما اسم إن وبينها الشارح بالثواب، فإن عاملة لا مهملة لكون ما المتصلة بها اسما موصولا بمعنى الذي وصلتها عند اللّه، وجملة هو خير لكم خبر إن اهـ شيخنا.\rوفي رسم إن هذه اختلاف بين المصاحف العثمانية، ففي بعضها وصلها بما، وفي بعضها فصلها عنها كما ذكره ابن الجزري بقوله:\rوخلف الأنفال ونحل وقعا اهـ.\r\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ جواب الشرط محذوف كما قدره الشارح، وقوله: (ذلك) أي أن ما عند اللّه خير، وقوله: عِنْدَكُمْ الخ بمنزلة التعليل للخيرية اهـ شيخنا.\rقوله: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ مبتدأ وخبر والنفاد والفناء والذهاب يقال: نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفادا ونفودا وأما نفدا بالمعجمة ففعله نفذ بالفتح ينفذ بالضم، ويقال أنفذ القوم إذ فني زادهم اهـ سمين.\rقوله: باقٍ يصح الوقف عليه بثبوت الياء وبحذفها مع سكون القاف وهما سبعيتان. قوله:\rوَلَنَجْزِيَنَ لام قسم، وقوله (بالياء)، والفاعل ضمير يعود على اللّه وقوله (و النون) وعليه ففيه التفات اهـ شيخنا.\rقوله: (على الوفاء بالعهود) عبارة البيضاوي: صبروا على الفاقة وأذى الكفار أو مشاق التكاليف انتهت.\rقوله: أَجْرَهُمْ مفعول ثان ليجزي، وقوله: بِأَحْسَنِ نعت لمحذوف أي بعمل أحسن، والباء بمعنى على، كما ذكره الخطيب متعلقة بيجزي، ولما ورد على هذا المعنى أن الجزاء لا يختص بعمل الأحسن كالواجب، بل يكون عليه وعلى الحسن كالمندوب، أجاب الشارح عنه بأن أفعل التفضيل ليس على بابه، بل المراد به الحسن، وهو ما ترجح فعله على تركه، فيشمل الواجب والمندوب هذا مراد الشارح. وهناك تفسير آخر وهو أن أحسن نعت لمحذوف تقديره بجزاء أحسن من عملهم الذي كانوا يعملونه في الدنيا، والباء صلة يجزي اهـ شيخنا.\rوالقولان في البيضاوي ونصه: بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بما ترجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات أو بجزاء أحسن من أعمالهم اهـ.\rوفي زاده عليه: قوله: بما ترجح فعله إشارة إلى جواب ما يقال من أن كلمة ما مصدرية، وأحسن أفعل تفضيل. فيفهم منه أن لا يجازي المرء بمقابلة أعماله الحسنة، وهو خلاف ما يدل عليه قوله","part":4,"page":266},{"id":1286,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 267\rيَعْمَلُونَ (96) أحسن بمعنى حسن\rمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قيل هي حياة الجنة وقيل في الدنيا بالقناعة أو الزرق الحلال وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] وتقدير الجواب أن أحسن هنا ليس للتفضيل، بل بمعنى الحسن الذي يترجح فعله على تركه من الواجبات والمندوبات، سلمنا أنه للتفضيل، لكن لا نسلم أن الموصوف بأحسن هو العمل، بل الموصوف به هو الجزاء المقدر وإضافة أحسن بمعنى من اهـ.\rأو أن المعنى لنجزيهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى لنعطينهم في مقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه في ما مقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن، وفيه ما لا يخفى من العدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزع، ونظمه في سلك الصبر الجميل اهـ أبو السعود.\rقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ترغيب للمؤمنين في الاتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام، وفيه سؤال وهو أن لفظة من في قوله مَنْ عَمِلَ تفيد العموم، فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى؟ والجواب: أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة، فأتى بذكر الذكر والأنثى للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ ذَكَرٍ من للبيان فتتعلق بمحذوف أي أعني من ذكر، ويجوز أن يكون حالا من فاعل عمل، وقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ جملة حالية أيضا اهـ سمين.\rقوله: (بالقناعة أو الرزق الحلال) عبارة الخازن: حياة طيبة. قال سعيد بن جبير، وعطاء: هي الرزق الحلال، وقال مقاتل: يعني العيش في الطاعة، وقيل: هي حلاوة الطاعة، وقال الحسن: هي القناعة، وقيل: رزق يوم بيوم، واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن كان غنيا، لأن المؤمن لما علم أن رزقه من عند اللّه وذلك بتقديره تعالى وتدبيره، وعرف أن اللّه تعالى محسن كريم متفضل لا يفعل إلا الصواب، فكان المؤمن راضيا عن اللّه وراضيا بما قدره اللّه له ورزقه إياه، وعرف أن مصلحته في ذلك القدر الذي رزقه، فاستراحت نفسه من الكد والحرص فطاب عيشه بذلك. وأما الكافر والجاهل بهذه الأصول الحريص على طلب الرزق، فيكون أبدا في حزن وتعب وعناء وحرص وكد، ولا ينال من الرزق إلا ما قدر له، فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر، لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد، وقتادة: في قوله فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً هي الجنة، ورواه عوف عن الحسن قال: لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة، لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلاك، وسعادة بلا شقاوة، فثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولقوله في سياق الآية: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، لأن ذلك الجزاء لا يكون إلا في الجنة انتهت بالحرف.\rقوله: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ راعى معنى من، فجمع الضمير بعد أن راعى لفظها، فافرد في فلنحيينه","part":4,"page":267},{"id":1287,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 268\rيَعْمَلُونَ (97)\rفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي أردت قراءته فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) أي قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم\rإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ تسلط عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)\rإِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بطاعته وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي اللّه مُشْرِكُونَ (100)\rوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً وما قبله، وقرأ العامة ولنجزينهم بنون العظمة مراعاة لما قبله، وقرأ ابن عامر في رواية بياء الغيبة، وهذا ينبغي أن يكون على إضمار قسم ثان، فيكون من عطف جملة قسمية على قسمية مثلها حذفتا وبقي جواباهما اهـ سمين.\rقوله: (أي أردت قراءته) هذا على مذهب الاكثرين من الفقهاء والمحدثين من أن الاستعاذة تطلب القراءة، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وعليه مالك وجماعة وداود الظاهري إلى أن الاستعاذة بعد القراءة تمسكا بظاهر الآية. ووجه ما قاله الجمهور أن تقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها، ووجه مقابله ان القارىء يستحق ثوابا عظيما، وربما حصلت الوسوسة في قلبه هل حصل له ذلك الثواب أو لا؟ فإذا استعاذ بعد القراءة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب خالصا. وقوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الأمر للاستحباب، وذهب عطاء إلى وجوب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها اهـ خازن.\rقوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي فاسأل اللّه أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة، وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة، لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي قل أعوذ باللّه) الخ هذا بيان للأفضل، وإلّا فأصل السنة يحصل بأي صيغة كانت من صيغ الاستعاذة اهـ.\rوعن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: «قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السّلام عن القلم عن اللوح المحفوظ» اهـ بيضاوي.\rوالمراد بالقلم الذي نسخ به من اللوح المحفوظ ونزل به جبريل دفعة إلى السماء الدنيا، ولم يرد القلم الأعلى فإنه مقدم الرتبة على اللوح بالنص اهـ شهاب.\rقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ تعليل لمحذوف هو جواب الأمر تقديره: فإن استعذت كفيت شره اهـ شيخنا.\rقوله: (تسلط) أشار به إلى أن السلطان هنا مصدر بمعنى التسلط، وهو الاستيلاء والتمكن بالقهر اهـ شهاب.\rقوله: عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ مقابل لقوله: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، قوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ مقابل لقوله عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي باللّه) إشارة إلى أن الضمير راجع لربهم، والباء للتعدية، ويصح أن يكون الضمير","part":4,"page":268},{"id":1288,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 269\rمَكانَ آيَةٍ بنسخها وإنزال غيرها لمصلحة العباد وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا أي الكفار للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ كذاب تقوله من عندك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) حقيقة القرآن وفائدة النسخ\rقُلْ لهم نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ جبريل مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ متعلق بنزل لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا بإيمانهم به وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102)\rوَلَقَدْ للتحقيق نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ القرآن بَشَرٌ وهو قين نصراني كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل عليه قال تعالى لِسانُ لغة للشيطان، والباء للسببية، ورجح باتحاد الضمائر فيه اهـ شهاب.\rقوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ الخ وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ما هذا إلا مفترى يتقوله من تلقاء نفسه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية والمعنى: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر اهـ خازن.\rقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ أي من المصالح، فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها اعتراضية بين الشرط وجوابه. والثاني:\rأنها حالية وليس بظاهر اهـ.\rقوله: (حقيقة القرآن) وهو أنه اللفظ المنزل من عند اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته، وقوله: (و فائدة النسخ) كالتخفيف على العباد اهـ شيخنا.\rقوله: (روح القدس) بضم الدال وسكونها سبعيتان والقدس الطهارة، والمراد به اسم المفعول والإضافة من إضافة الموصوف لصفته أي الروح المقدس أي المطهر اهـ شيخنا.\rقوله: (متعلق بنزل) أي على أن الباء للملابسة اهـ شيخنا.\rقوله: (بإيمانهم) متعلق بيثبت أي: ليثبتهم على الإيمان به أي: باللّه بسبب إيمانهم بالقرآن.\rوفي الكرخي: قوله (بإيمانهم به) أي على إيمانهم، فإنهم يعلمون أن في النسخ مصالح اهـ.\rقوله: وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ هذان معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتا وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: وَهُدىً وَبُشْرى يجوز أن يكونا عطفا على محل ليثبت فينصبان، أو على لفظه باعتبار المؤول فيجران اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أي علما مستمرا اهـ خطيب.\rوقوله: إِنَّما يُعَلِّمُهُ إنما أداة حصر أي: لا يعلم محمدا القرآن إلا بشر أي: لا جبريل كما يدعي اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو قين) أي حداد، وكان روميا. وفي نسخة قن أي عبد اهـ شيخنا.\rواسمه جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، وهو غلام عامر بن الحضرمي، وقيل: يعنون","part":4,"page":269},{"id":1289,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 270\rالَّذِي يُلْحِدُونَ يميلون إِلَيْهِ أنه يعلمه أَعْجَمِيٌّ وَهذا القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) ذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه أعجمي\rإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) مؤلم\rإِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ القرآن بقولهم هذا من قول البشر جبرا ويسارا كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه. وقيل: يعنون عائشا غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب.\rوقيل: يعنون سلمان الفارسي اهـ بيضاوي.\rوفي المختار: القين الحداد وجمعه قيون، والقين أيضا العبد، والقينة الأمة مغنية كانت أو غير مغنية والجمع القينات اهـ.\rقوله: (يدخل عليه) أي في مكة ليسمع منه قراءة الإنجيل اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) أي ردا لهذه المقالة الشنيعة.\rقوله: (لغة) الَّذِي الخ أي كلامه، فاللغة بمعنى الكلام فصح تذكيرا لخبر. قوله: (يميلون إليه) أي يضيفون وينسبون إليه أنه يعلمه. وعبارة البيضاوي: لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه مأخوذ من لحد القبر اهـ.\rأي لأنه حفرة مائلة عن وسطه اهـ شهاب.\rقوله: أَعْجَمِيٌ الأعجمي الذي لم يتكلم بالعربية، وقال الراغب: الأعجم من في لسانه عجمة عربيا كان أو غير عربي اعتبارا بقلة فهمه، والأعجمي منسوب إليه اهـ سمين.\rقوله: لِسانُ أي كلام عربي. قوله: (فكيف يعلمه أعجمي) عبارة الخازن: ووجه الجواب هو أن الذي يشيرون إليه رجل أعجمي في لسانه عجمة من الإتيان بفصيح الكلام، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي عجزتم أنتم عنه، وأنتم أهل الفصاحة والبلاغة، فكيف يقدر من هو أعجمي على مثله، وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة هذا الذي تشيرون إليه، فثبت بهذا البرهان أن الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحي أوحاه اللّه إليه ليس هو من تعليم الذي تشيرون إليه، ولا هو أتى به من تلقاء نفسه، بل هو وحي من اللّه عز وجل. ويروى أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه انتهت.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي في علمه تعالى لا يهديهم اللّه إلى الإيمان في الخارج، وهذا شروع في تهديدهم.\rقوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ إنما أداة حصر، وقوله الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فاعل، وقوله بقولهم متعلق بالكذب، وقوله هذا من قول البشر فيه اكتفاء أي: وبقولهم إنما أنت مفتر لأنهم كذبوا كذبتين كما تقدم. ويدل على هذا الحذف أيضا قوله بعد ذلك رد لقولهم إنما أنت مفتر أي: ولقولهم أيضا إنه من قول البشر، ففي عبارته احتباك، وقوله (بالتكرار) أي بين الكذب والكاذبون، وبين الموصول وهو الذين لا يؤمنون، واسم الإشارة وهو أولئك إذ ما صدقهما واحد. وقوله: وإن كان عليه أن يقول وإنما لما عرفت من أن إنما أداة حصر فإن فيها جزء كلمة ليس لها شيء من المعاني، وقوله (و غيرهما) وهو","part":4,"page":270},{"id":1290,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 271\rوَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105) والتأكيد بالتكرار وإن وغيرهما رد لقوهم إنما أنت مفتر\rمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على التلفظ بالكفر فتلفظ به وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ومن مبتدأ أو شرطية والخبر أو الجواب لهم وعيد شديد دل على هذا وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ اسمية الجملة وضمير الفصل وتعريف الطرفين اهـ شيخنا.\rقوله: (و التأكيد) مبتدأ، وقوله (رد الخ) خبر.\rقوله: كَفَرَ أي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعلا مكفرا سواء كان مختارا في ذلك أو مكرها عليه فالاستثناء متصل اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر، وذلك أن الكفار أخذوه وأباه وهو ياسر وأمه، وهي سمية، وأخذوا أيضا صهيبا وبلالا وخبابا فعذبوهم ليرجعوا عن الإيمان. فأما سمية أم عمار فربطوها بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في فرجها فماتت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه مكرها فإنهم قالوا له: اكفر بمحمد فبايعهم على ذلك وقلبه كاره، فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن عمارا كفر، فقال: كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى مقدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى عمار وهو يبكي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما وراءك؟» قال:\rشر يا رسول اللّه نلت منك وذكرت، فقال: «كيف وجدت قلبك؟» قال: مطمئن بالإيمان، فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح عينيه، وقال: «إن عادوا لك فقل لهم ما قلت» فنزلت هذه الآية. قال العلماء: أول من أظهر الإسلام سبعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وأبو ياسر وأمه سمية، فأما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمنعه اللّه من أذى المشركين بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه وعشيرته، وأخذ الآخرون وألبسوا أدراع الحديد، وأجلسوهم في حر الشمس بمكة، وأما بلال فكانوا يعذبونه وهو يقوله: أحد أحد، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه. وقتل ياسر وسمية وقال خباب: لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلّا ودك ظهري اهـ.\rوفيما فعله عمار دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبوه، ولما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟\rقال: رسول اللّه، قال: ما تقول فيّ: قال: أنت أيضا فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال:\rرسول اللّه. قال: ما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة اللّه، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له» اهـ بيضاوي.\rقوله: (على التلفظ بالكفر) أي أو على الفعل المكفر. قوله: (و الخبر أو الجواب الخ) كان الأولى تقدير هذا قبل الاستثناء لأنه هو المستثنى منه. وعبارة السمين: في هذا الاستثناء أوجه إلى أن قال الثاني أنه مستثنى من جواب الشرط، أو من خبر المبتدأ المقدر تقديره فعليهم غضب من اللّه إلا من أكره، ولذلك قدر الزمخشري جزاء الشرط قبل الاستثناء وهو استثناء متصل، لأن الكفر يكون بالقول من غير اعتقاد كالمكره، وقد يكون والعياذ باللّه اعتقادا فاستثنى الصنف الأول اهـ.\rقوله: (لهم وعيد) كان الأولى أن يقدره بالفاء، فيقول: فلهم وعيد شديد، لأن الجملة الاسمية","part":4,"page":271},{"id":1291,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 272\rصَدْراً له أي فتحه ووسعه بمعنى طابت به نفسه فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106)\rذلِكَ الوعيد لهم بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا اختاروها عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107)\rأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) عما يراد بهم\rلا جَرَمَ حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم\rثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة مِنْ بَعْدِ ما إذا وقعت جوابا للشرط يجب اقترانها بالفاء اهـ شيخنا.\rقوله: (دل على هذا) أي على جوابه، ولكن من شرح أي جواب من في قوله: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ الخ فالإشارة إلى قوله فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ اهـ من الكرخي.\rقوله: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ الاستدراك واضح، لأن قوله إلا من أكره قد سبق الوهم إلى الاستثناء مطلقا فاستدرك هذا، وقوله مُطْمَئِنٌ لا ينفي ذلك الوهم ومن إما شرطية أو موصولة، ولكن متى جعلت شرطية فلا بد من اضمار مبتدأ قبلها، لأنه لا يليها الجمل الشرطية قاله الشيخ، وإنما لم تقع الشرطية بعد لكن، لأن الاستدراك لا يقع في الشروط كذا قيل وهو ممنوع اهـ سمين.\rقوله: صَدْراً (له) الضمير راجع لمن وقوله: (طابت به) أي بالكفر. قوله: فَعَلَيْهِمْ فيه مراعاة معنى من فجمع ولو راعى لفظها لأفرد وقال فعليه.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ خبره بأنهم أي حاصل وثابت بسبب انهم الخ. وقوله: لَهُمْ متعلق بالوعيد اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والإشارة بذلك إلى ما ذكر من الغضب والعذاب. قوله: الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي في علمه أي لا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم عن الزيغ اهـ بيضاوي.\rقوله: هُمُ الْخاسِرُونَ أي حيث ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: يعني أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا ليربح في الآخرة، فإذا أدخل النار بان خسرانه وظهر غبنه، لأنه ضيع رأس ماله وهو الإيمان، ومن ضيع رأس ماله فهو خاسر اهـ.\rوالموجب لخسرانهم أن اللّه تعالى وصفهم بست صفات تقدمت، الأولى: أنهم استوجبوا غضب اللّه بقوله: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ. الثانية: أنهم استحقوا عذابه العظيم. الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. الرابعة: أنه حرمهم من الهداية. الخامسة: أنه طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة: أنه جعلهم من الغافلين اهـ.\rقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ الخ نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة، وكان أخا أبي جهل من الرضاعة، وقيل: كان أخاه من أمه، وفي أبي جندل بن سهل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد اللّه بن أسد الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا. وقال الحسن، وعكرمة: نزلت في عبد اللّه بن أبي سرح","part":4,"page":272},{"id":1292,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 273\rفُتِنُوا عذبوا وتلفظوا بالكفر وفي قراءة بالبناء للفاعل أي كفروا أو فتنوا الناس عن الإيمان ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الطاعة إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي الفتنة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (110) بهم إن الأولى دل عليه خبر الثانية اذكر\r* يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ تحاج عَنْ كان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاستزله الشيطان فارتد ولحق بدار الحرب، فلما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقتله فاستجاره عثمان، وكان أخاه لأمه، فأجاره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتى به فأسلم وحسن إسلامه. وهذا القول إنما يصح إذا قلنا إن هذه الآية مدنية نزلت بالمدينة، فتكون من الآيات المدنيات في السور المكيات واللّه أعلم بحقيقة ذلك اهـ خازن.\rوتقدم له في أول السورة ما نصه. وقال قتادة: هي مكية إلا خمس آيات، وهي قوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا [النحل: 41] وقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ [النحل: 126] إلى آخر السورة. وزاد مقاتل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ [النحل: 106] الآية وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل: 112] اهـ.\rقوله: لِلَّذِينَ هاجَرُوا متعلق بمحذوف هو خبر إن أي لغفور رحيم للذين هاجروا. هذا معنى قوله الآتي، وخبر إن الأولى الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: في خبر إن هذه ثلاثة أوجه.\rأحدها: أنه قوله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وإِنَّ رَبَّكَ الثانية واسمها تأكيد للأولى واسمها، فكأنه قيل: ثم إن ربك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في قوله لِلَّذِينَ وجهان أن تتعلق بالخبرين على سبيل التنازع أو بمحذوف على سبيل البيان، كأنه قيل: الغفران والرحمة للذين هاجروا.\rوالثاني: أن الخبر هو نفس الجار بعدها كما تقول إن زيدا لك أي هو لك لا عليك بمعنى هو ناصرهم لا خاذلهم. قال معناه الزمخشري.\rالثالث: أن خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية يعني أنه محذوف لفظا لدلالة ما بعده عليه اهـ.\rقوله: (و تلفظوا) عطف مسبب على سبب. قوله: (و في قراءة) أي سبعية بالبناء للفاعل، وعليها فيحتمل أن الفعل لازم فيكون فتنوا بمعنى افتتنوا كما ذكره بقوله أي كفروا، ويحتمل أنه متعد كما قال أو فتنوا الناس عن الإيمان، كما وقع لبعضهم أن عبده أسلم فعذبه وعاقبة حتى رده عن الإيمان وأرجعه للكفر ففتنه عن الإيمان أي رده عنه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وفي قراءة لابن عامر بفتح الفاء والتاء بالبناء للفاعل أي كفروا. أي فتنوا أنفسهم حين أظهروا ما أظهروا من كلمة الكفر أو فتنوا الناس عن الإيمان أي بعد ما عذبوا المؤمنين، كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتد، ثم أسلما وهاجروا. فالقولان مبنيان على عود الضمير، فقائل الأول أعاده على المؤمنين، وقائل الثاني أعاده على المشركين اهـ.\rقوله: (أي الفتنة) أي أو بعد الثلاثة اهـ كرخي.\rقوله: (و خبر إن الأولى) أي التي في قوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ الخ، والثانية هي التي في قوله: إِنَّ رَبَّكَ الخ اهـ شيخنا.","part":4,"page":273},{"id":1293,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 274\rنَفْسِها لا يهمها غيرها وهو يوم القيامة وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) شيئا\rوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه قَرْيَةً هي مكة والمراد أهلها كانَتْ آمِنَةً من الغارات قوله: (اذكر) يَوْمَ تَأْتِي أي اذكره لقومك لعلهم يعتبرون. قوله: تُجادِلُ (تحاج) أي تخاصم وتسعى في خلاصها اهـ شيخنا.\rوقوله: عَنْ نَفْسِها أي ذاتها اهـ بيضاوي.\rوهذا جواب عما يقال شرط المتضايفين تغايرهما وهما متحدان في قوله عَنْ نَفْسِها، فأجاب بأن المراد هنا بالنفس المضافة الذات اهـ زكريا.\rوعبارة الكرخي: قوله: عَنْ نَفْسِها أي ذاته لخلاصها، فالنفس الأولى لمجموع الذات وصاحبه، وإيضاحه أن النفس تقال للروح وللجوهر القائم بذاته المتعلق بالجسم تعلق التدبير ولجملة الإنسان، ولعين الشيء وذاته، كما يقال نفس الذهب والفضة محبوبة أي ذاتهما، فالمراد بالنفس الأولى الإنسان، وبالثانية ذاته، فكأنه قال: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول نفسي، فاندفع السؤال ما معنى إضافة النفس إلى النفس مع أن النفس لا نفس لها انتهت.\rوعبارة الخازن: النفس هي نفس واحدة وليس لها نفس أخرى، فما معنى قوله: كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها قلت: إن النفس قد يراد بها ذات الإنسان، وقد يراد بها مجموع ذاته وحقيقته، فالنفس الأولى هي مجموع ذات الإنسان وحقيقته، والنفس الثانية هي بدنه فهي عينها وذاتها أيضا، والمعنى يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه غيره. ومعنى هذه المجادلة الاعتذار بما لا يقبل منهم، كقولهم: واللّه ربنا ما كنا مشركين ونحو ذلك من الاعتذارات.\rوروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد فيقول الروح: يا رب لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها فضعف عليه العذاب. فيقول الجسد: يا رب أنت خلقتني كالخشبة ليس لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فجاء هذا الروح كشعاع النور فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيناي، وبه مشت رجلاي، فيضرب اللّه لهم مثلا أعمى ومقعدا دخلا حائط يعني بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر والمقعد لا يتناوله، فحمل الأعمى المقعد فأصاب الثمر فغشيهما العذاب اهـ.\rوفي القرطبي: فنادى المقعد الأعمى ائت فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله فأصابوا من الثمر، فعلى من يكون العذاب؟ قالا: عليهما. قال: عليكما جميعا العذاب ذكره الثعلبي اهـ.\rقوله: (لا يهمها) من أهمه الأمر أقلقه وأحزنه. أي لا تعتني بأمر غيرها، بل تقول نفسي نفسي، كما في البيضاوي. وفي المصباح: وأهمني الأمر بالألف أقلقني وهمني هما من باب رد مثله اهـ.\rقوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فيه مراعاة معنى النفس. وفي الكرخي: وهم لا يظلمون شيئا في أجورهم أو بالعقاب بلا ذنب وهذا أولى لأن انتفاء النقص من أجورهم علم من قوله تُوَفَّى اهـ.\rقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي وجعلها مثلا لكل قوم أنعم اللّه عليهم وأبطرتهم النعمة فكفروها فأنزل اللّه بهم نقمته اهـ بيضاوي.","part":4,"page":274},{"id":1294,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 275\rلا تهاج مُطْمَئِنَّةً لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو خوف يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً واسعا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ بتكذيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ فقحطوا سبع سنين والمثل عبارة عن قول يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، وقال مقاتل: وأكثر المفسرين إن هذه الآية نزلت في المدينة وهو الصحيح، لأن اللّه تعالى وصف القرية بصفات ست كانت هذه الصفات موجودة في أهل مكة، فضربها اللّه مثلا لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم من الجوع والخوف، ويشهد لصحته أن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ كان من البعوث والسرايا التي كانت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبعثها في قول جميع المفسرين، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يؤمر بالقتال وهو بمكة، وإنما أمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث البعوث والسرايا حول مكة يخوفهم بذلك وهو بالمدينة، واللّه أعلم بمراده اهـ خازن.\rقوله: (هي مكة) وقيل: هي المدينة آمنت برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم كفرت بأنعم اللّه لقتل عثمان، وما حدث بها بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الغش، وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: إنه مثل مضروب لأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى اهـ قرطبي.\rقوله: (لا تهاج) من أهاج الغابر أثاره، وأهاج الطير أقلقه وفرقه اهـ شيخنا.\rقوله: رَغَداً يقال: رغد العيش بالضم رغادة اتسع ولان، فهو رغد ورغد رغدا من باب تعب لغة، فهو راغد، وهو في رغد من العيش أي رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا. والرغيدة:\rالزبد اهـ مصباح.\rقوله: مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من نواحيها من البر والبحر. قوله: بِأَنْعُمِ اللَّهِ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس وأبؤس اهـ بيضاوي.\rويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد وهي بمعنى النعمة. وفي المصباح: والنعماء وزان الحمراء مثل النعمة وجمع النعمة نعم مثل سدرة وسدر، وأنعم أيضا مثل أفلس وجمع النعماء أنعم مثل البأساء يجمع على أبؤس اهـ.\rقوله: (بتكذيب النبي) الباء سببية. قوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي أثرهما وسماه اللّه لباسا لأنه ظهر عليهم من الهزال وصفرة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس، وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء اهـ قرطبي.\rقوله: (فقحطوا سبع سنين) وذلك أن اللّه تعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين، فقطع عنهم المطر وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب والميتة والعلهز وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك وقالوا به: ما هذا دأبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للناس في حمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون اهـ.\rوفي القرطبي: فأرسلوا له أبا سفيان بن حرب في جماعة فقدموا عليه بالمدينة وقال له أبو","part":4,"page":275},{"id":1295,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 276\rوَالْخَوْفِ بسرايا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112)\rوَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ الجوع والخوف وَهُمْ ظالِمُونَ (113)\rفَكُلُوا أيها المؤمنون مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)\rإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)\rوَلا سفيان: يا محمد إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو، وإن قومك قد هلكوا فادع اللّه لهم، فدعا لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون اهـ خازن.\rقوله: (بسرايا النبي) الباء سببية. وفي الخازن: الخوف يعني خوف بعوث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وسراياه التي كان يبعثها للإغارة، وكان يطيف بهم ويغير على من حولهم من العرب، فكان أهل مكة يخافونهم اهـ.\rقوله: بِما كانُوا ما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي: بسبب صنعهم أو بسبب الذي كانوا يصنعونه اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ أي كافرون. والجملة حالية.\rقوله: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مفرع على نتيجة التمثيل أي: وإذا استبان لكم حال من كفر بأنعم اللّه وما حل بهم بسبب ذلك، فانتهوا عما أنتم عليه من كفران النعم وكلوا واشربوا الخ اهـ أبو السعود.\rوهذا مبني على أن الخطاب للكفار كما هو أحد قولين، والآخر أن الخطاب للمؤمنين كما قال الشارح. وعبارة الخازن: قال ابن عباس: فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم اللّه يريد الغنائم حلالا طيبا يعني أن اللّه أحل الغنائم لهذه الأمة وطيبها ولهم ولم تحل لأحد قبلهم. وقيل: الخطاب للمشركين من أهل مكة لما اشتكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأذن للناس أن يحملوا الطعام إليهم كما مر حكاه الواحدي: انتهت بتقديم وتأخير.\rقوله: حَلالًا طَيِّباً حال أي كلوا من رزق اللّه حال كونه حلالا طيبا، وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها اهـ أبو السعود.\rقوله: تَعْبُدُونَ أي تطيعون.\rقوله: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ الخ لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرمات ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم، فقال: وَلا تَقُولُوا الخ بيضاوي.\rقوله: فَمَنِ اضْطُرَّ أي دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك غير باغ على مضطر آخر ولا عاد متعد قدر الضرورة وسد الومق، فاللّه لا يؤاخده بذلك اهـ شهاب.\rوقيل: معناه غير باغ على الوالي ولا متعد على الناس بالخروج لقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح تناول شيء من المحرمات في سفر المعصية اهـ زاده.","part":4,"page":276},{"id":1296,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 277\rتَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ أي لوصف ألسنتكم الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لما لم يحله اللّه ولم يحرمه لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة ذلك إليه إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) لهم\rمَتاعٌ قَلِيلٌ في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (117) مؤلم\rوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي اليهود حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ في آية وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى آخرها وَما ظَلَمْناهُمْ بتحريم ذلك وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) بارتكاب المعاصي الموجبة لذلك\rثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ الشرك بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا رجعوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم إِنَ قوله: وَلا تَقُولُوا لا ناهية والفعل مجزوم بحذف النون والواو فاعل، وقوله: هذا حَلالٌ مفعول به لتقوموا، وقوله: (لما) تصف اللام تعليلية، وما مصدرية كما أشار له الشارح، ومعنى تصف تذكر، قوله: لِتَفْتَرُوا الخ بدل من التعليل الأول. والتقدير ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب أي لجريانه عليها وتعودها به وهو معنى قوله: لِتَفْتَرُوا الخ اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: والمعنى لا تحللوا ولا تحرموا قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، فإن قيل:\rحمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار لأن قوله لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ عين ذلك. فالجواب: أن قوله تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ليس فيه بيان أنه كذب على اللّه فأعاد قوله لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ليحصل فيه هذا البيان الزائد، ونظائره في القرآن كثيرة: وهو أنه تعالى يذكر كلاما ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة، وإليه أشار في التقرير، ويجوز أن ينتصب مفعولا به للقول، ويكون قوله هذا حَلالٌ بدلا من الكذب عينه أو يكون مفعولا بمضمر أي فتقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولما تصف علة أيضا. والتقدير: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم وهذا مبالغة في كذبهم كأنه حقيقة الكذب مجهولة توصف وتعرف بكلامهم اهـ.\rقوله: (لما لم يحله) أي لشيء لم يحله اللّه ولم يحرمه، واللام بمعنى في أي لا تقولوا في شأن شيء لم يحله اللّه ولم يحرمه هذا حلال الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بنسبة ذلك) أي التحليل والتحريم. قوله: لا يُفْلِحُونَ أي لا في الدنيا ولا في الآخرة بدليل ما بعده والوقف هنا، وقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ مبتدأ خبره محذوف كما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا الخ لما بين ما يحل ويحرم لأهل الإسلام أتبعه ببيان ما خص اليهود بتحريمه فقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا الخ اهـ زاده. وتحريم الشيء إما لضرر فيه وإما لبغي المحرم عليهم، فقوله: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ الخ إشارة للقسم الأول وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا الخ إشارة للقسم الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ قَبْلُ متعلق بحرمنا أو قصصنا أي من قبل تحريمنا على أهل ملتك ما عدا ذلك من المحرمات اهـ زاده.\rقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ الخ لما بالغ في تهديد المشركين على أنواع قبائحهم من إنكار البعث والنبوة وكون القرآن من عند اللّه وتحريم ما أحل اللّه، وتحليل ما حرمه بيّن أن أمثال تلك القبائح لا تمنعهم من قبول التوبة وحصول المغفرة والرحمة إذا ندموا على ما فعلوا وآمنوا اهـ زاده.\rقوله: لِلَّذِينَ متعلق بمحذوف دل عليه خبر إن الآتية، والتقدير: ثم إن ربك غفور رحيم","part":4,"page":277},{"id":1297,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 278\rرَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي الجهالة أو التوبة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (119) بهم\rإِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً إماما قدوة جامعا لخصال الخير قانِتاً مطيعا لِلَّهِ حَنِيفاً مائلا إلى الدين القيم وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)\rشاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ اصطفاه وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)\rوَآتَيْناهُ فيه التفات عن الغيبة فِي الدُّنْيا حَسَنَةً هي الثناء الحسن في كل أهل الأديان وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ للذين عملوا السوء اهـ شيخنا.\rقوله: بِجَهالَةٍ قال الزمخشري: في موضع الحال من فاعل عملوا أي جاهلين غير عارفين باللّه تعالى وبعقابه أي غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم. وعن السلف: كل من عصى اللّه فهو جاهل اهـ كرخي.\rوفي الخازن: بجهالة أي بسبب جهل منهم بقدر ما يترتب على ذلك السوء من العقاب، فكل عمل سوء لا يصدر إلا من الجاهل بالعاقبة، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح اهـ.\rوفي البيضاوي: بجهالة أي بسببها أو ملتبسين بها ليعم الجهل باللّه تعالى وبعقابه وعدم التدبر في العواقب والسوء يعم الافتراء على اللّه تعالى وغيره اهـ.\rقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً حكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: إن هذا مثل قول العرب: فلان رحمة وفلان علامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث التناهي في المعنى الذي يصفونه به، والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد كقوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: 39] وإنما ناداه جبريل وحده، وإنما سمي إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال وصفات الخير والأخلاق الحميدة ما اجتمع في أمة ومنه قول الشعر:\rوليس على اللّه بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\r\rثم للمفسرين في معنى هذه اللفظة أقوال، أحدها: قول ابن مسعود: الأمة معلم الخير يعني أنه كان معلما الخير يأتم به أهل الدنيا. الثاني: قال مجاهد أنه كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كفار، فلهذا المعنى كان أمة وحده، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعثه اللّه أمة وحده» وإنما قال فيه هذه المقالة، لأنه كان فارق الجاهلية، وما كانوا من عبادة الأصنام. الثالث: قال قتادة ليس: من أهل دين إلا وهم يتولونه ويرضونه، وقيل: الأمة فعلة بمعنى مفعولة، وهو الذي يؤتم به، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إماما يقتدى به دليله قوله تعالى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [البقرة: 124] وقيل إنه عليه الصلاة والسّلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ومن تبعه ممتازين عمن سواهم بالتوحيد للّه والدين الحق، وهو من باب إطلاق المسبب على السبب، وقيل: إنما سمي إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أمة لأنه قام مقام أمة في عبادة اللّه اهـ خازن.\rوحاصل ما ذكر له من الصفات هنا تسعة بل عشرة. إذ قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الخ يرجع لوصف إبراهيم وتعظيمه بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أمر باتباعه اهـ شيخنا.\rقوله: إِلى صِراطٍ يجوز تعلقه باجتباه وبهداه على قاعدة التنازع اهـ سمين.\rقوله: (فيه التفات عن الغيبة) إذ كان مقتضاها أن يقال وآتاه أي: اللّه المذكور في قوله: قانِتاً","part":4,"page":278},{"id":1298,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 279\rالصَّالِحِينَ (122) الذين لهم الدرجات العلا\rثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ دين إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) كرر ردا على زعم اليهود والنصارى أنهم على دينه\rإِنَّما جُعِلَ لِلَّهِ ونكتة الالتفات زيادة الاعتناء بشأنه اهـ شيخنا.\rقوله: (هي الثناء الحسن) أي السيرة الحسنة في كل أي عند كل أهل الأديان، فجميع الملل يترضون عن إبراهيم ولا يكفر به أحد اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً بأن حببه إلى الناس حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه، ورزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة، وأنه في الآخرة لمن الصالحين لمن أهل الجنة، كما سأل ذلك بقوله: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: 101] انتهت.\rقوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ الخ أن يجوز أن تكون المفسرة وأن تكون المصدرية، فتكون مع منصوبها مفعول الإيحاء اهـ سمين.\rقال أبو السعود: والمراد بالاتباع الاتباع في الأصول والعقائد، وأكثر الفروع دون الشرائع المتبدلة بتبدل الأعصار اهـ.\rوفي الكرخي: إنما جاز اتباع الأفضل المفضول لسبقه إلى القول والعمل به. قال القرطبي: وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول فيما يؤدي إلى الصواب ولا درك على الفاضل في ذلك، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وقد أمر بالاقتداء بهم قال تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] وقال هنا: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً اهـ.\rقال الزمخشري: في ثم هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملته من جهة أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي امتن اللّه عليها بها اهـ.\rقوله: مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الملة اسم لما شرعه اللّه تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السّلام من أمللت الكتاب إذا أمليته، وهو الدين بعينه، لكن باعتبار الطاعة له. وتحقيق ذلك أن الوضع الهي مهما نسب إلى من يؤديه عن اللّه تعالى يسمى ملة ومهما نسب إلى من يقيمه ويعمل به يسمى دينا. قال الراغب: الفرق بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه السّلام ولا تكاد توجد مضافة إلى اللّه تعالى ولا إلى آحاد الأمة، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها، والمراد بملته عليه السّلام الإسلام الذي عبر عنه آنفا بالصراط المستقيم اهـ أبو السعود.\rقوله: مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الملة اسم لما شرعه اللّه تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السّلام من أمللت الكتاب إذا أمليته، وهو الدين بعينه، لكن باعتبار الطاعة له. وتحقيق ذلك أن الوضع الهي مهما نسب إلى من يؤديه عن اللّه تعالى يسمى ملة ومهما نسب إلى من يقيمه ويعمل به يسمى دينا. قال الراغب: الفرق بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه السّلام ولا تكاد توجد مضافة إلى اللّه تعالى ولا إلى آحاد الأمة، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها، والمراد بملته عليه السّلام الإسلام الذي عبر عنه آنفا بالصراط المستقيم اهـ أبو السعود.\rقوله: حَنِيفاً حال من إبراهيم فهو حال من المضاف إليه والشرط موجود وهو أن المضاف كالجزء من المضاف إليه من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول، إذ يصح أن يقال أن أتبع إبراهيم حنيفا اهـ شيخنا.\rقوله: (كرر) أي قوله: وَما كانَ الخ، وقوله: (على زعم اليهود والنصارى الخ) فيه شيء لأن","part":4,"page":279},{"id":1300,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 280\rالسَّبْتُ فرض تعظيمه عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ على نبيهم وهم اليهود أمروا أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فقالوا لا نريده واختاروا السبت فشدد عليهم فيه وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ اليهود والنصارى ليسوا مشركين حين يرد عليهم بقوله: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وإنما يصلح ردا على المشركين حيث زعموا أنهم كانوا على ملة إبراهيم، فيلزمهم أن يكون مشركا، فرد عليهم بقوله وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.\rقوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ كأنه جواب عما يقال إنه عليه السّلام لما أمر بمتابعة إبراهيم فكيف خالفه باختيار يوم الجمعة، فإن الظاهر أن إبراهيم قد اختار في شرعه تعظيم يوم السبت بشهادة أن قوم موسى يعظمونه اهـ زاده.\rوقال أبو السعود: هذا رد على اليهود، فإنهم كانوا يدعون أن السبت من شعائر الإسلام وأن إبراهيم كان محافظا عليه أي ليس السبت من ملة إبراهيم التي أمرت باتباعها حتى يكون بينك وبين بعض المشركين علاقة في الجملة، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة اهـ.\rقوله: (فرض تعظيمه) يعلم من هذا أن المراد بالسبت هو اليوم المعلوم. قوله: عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي خالفوا نبيهم حيث أمرهم أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه وترك الأشغال فيكون عيدا، فخالفوا كلهم واختاروا السبت، فأذن اللّه تعالى لهم فيه وشدد عليهم بتحريم الاصطياد عليهم، فليس المراد بالاختلاف أن بعضهم رضي، وبعضهم لم يرض، بل المراد به امتناع الجميع ويشير له قول الشارح على نبيهم اهـ شيخنا.\rوفي معنى الآية قول آخر: إن الذين اختلفوا فيه هم اليهود استحله بعضهم وحرمه بعضهم، فعلى هذا القول يكون معنى قوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ أي وبال السبت ولعنته على الذين اختلفوا فيه وهم اليهود، فأحله بعضهم فاصطادوا فيه فعذبوا ومسخوا قردة وخنازير في زمن داود عليه الصلاة والسّلام، وقد تقدمت القصة في سورة الأعراف، وبعضهم ثبت على تحريمه فلم يصطد فيه شيئا وهم الناهون، والقول الأول أقرب إلى الصحة اهـ خازن.\rقوله: (على نبيهم) قال الإمام فخر الدين الرازي: يعني على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك، أي: لأجله وليس معنى قوله اخْتَلَفُوا فِيهِ أن اليهود اختلفوا، فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود كانوا متفقين على ذلك. وزاد الواحدي على هذا فقال: وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضم: معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة، لأن اللّه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء، وقال آخرون: الأحد أفضل لأن اللّه ابتدأ فيه بخلق الأشياء وهذا غلط، لأن اليهود لم يكونوا فرقتين في السبت، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل اهـ خازن.\rقوله: (يوم الجمعة) أي كما هو ملة إبراهيم اهـ كرخي.\rقوله: (و اختاروا السبت) وقالوا: لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض اهـ بيضاوي.\rأي لأنه تعالى لما خلق ما ذكر في ستة أيام بدأ الخلق في يوم الأحد وأتمه في يوم الجمعة، فكان","part":4,"page":280},{"id":1301,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 281\rفِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) من أمره بأن يثيب الطائع ويعذب العاصي بانتهاك حرمته\rادْعُ يوم السبت يوم الفراغ، وقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال في السبت، وقالت النصارى يوم الأحد مبدأ الخلق فنجعله عيدا لنا، وقلنا نحن يوم الجمعة يوم التمام والكمال، فهو أحق بالسرور والتعظيم اهـ شهاب.\rوأيضا فإن اللّه عز وجل خلق في يوم الجمعة أشرف خلقه وهو آدم عليه السّلام وهو أبو البشر، وفيه تاب عليه، فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب، ولأن اللّه تعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة وادخره لهم ولم يختاروه لأنفسهم. قال بعض العلماء: بعث اللّه تعالى موسى عليه السّلام بتعظيم يوم السبت، ثم نسخ بيوم الأحد في شريعة عيسى عليه السّلام، ويوم الأحد بيوم الجمعة في شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأنبياء اهـ خازن.\rقوله: (من أمره) أي السبت، وعبارة الخازن: يعني في أمر السبت اهـ. ويحتمل أن الضمير عائد على ربك.\rقوله: (بأن يثيب الطائع) أي بتعظيم السبت، وهم الفريق الذي لم يصطد ولم يصنع الحيلة.\rوقوله: (و يعذب العاصي) أي بانتهاك حرمة السبت بالاصطياد فيه والتحيل على الصيد اهـ من الخاون.\rوفي المصباح: أطاعه إطاعة أي انقاد له وطاعه طوعا من باب قال، وبعضهم يعديه بالحرف فيقول طاع له، وفي لغة من باب باع وخاف، والطاعة اسم منه والفاعل من الرباعي مطيع، ومن الثلاثي طائع وطيع اهـ.\rقوله: (بانتهاك حرمته) أي السبت أي تضييعها، والحرمة بمعنى الاحترام وهو العظيم.\rقوله: ادْعُ (الناس) هو المفعول المحذوف لادع دلالة على التعميم، ففيه إشارة إلى عموم بعثته عليه الصلاة والسّلام، ويجوز أن لا يكون المفعول مرادا أي افعل الدعاء اهـ كرخي.\rوكأن المعنى: وخاطب الناس في دعائك لهم بالحكمة الخ. وفي الخازن: يعني ادع إلى دين ربك يا محمد، وهو دين الإسلام بالحكمة يعني بالمقالة المحكمة الصحيحة وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة والموعظة الحسنة يعني: وادعهم إلى اللّه بالترغيب والترهيب بحيث لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصد ما ينفعهم، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. وقيل: إن الناس خلقوا وجبلوا على ثلاثة أقسام.\rالقسم الأول: هم العلماء الكاملون أصحاب العقول الصحيحة والبصائر الثابتة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها، فهؤلاء هم المشار إليهم بقوله ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ يعني ادعهم بالدلائل القطعية النفسية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها حتى ينتفعوا الناس وهم خواص العلماء من الصحابة وغيرهم.\rالقسم الثاني: وهم أصحاب النظر السليم والخلقة الأصلية، وهم غالب الناس الذين لم يبلغوا حد الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم وسط الأقسام، وهم المشار إليهم بقوله:","part":4,"page":281},{"id":1302,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 282\rالناس يا محمد إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ دينه بِالْحِكْمَةِ بالقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مواعظه أو القول الرفيق وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي أي بالمجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالدعاء إلى اللّه بآياته والدعاء إلى حججه إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) فيجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال. ونزل لما قتل حمزة ومثل به فقال صلّى اللّه عليه وسلّم وقد رآه: واللّه لأمثلن بسبعين منهم مكانك\rوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عن الانتقام لَهُوَ أي الصبر خَيْرٌ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة.\rالقسم الثالث: وهم أصحاب جدال وخصام ومعاندة، وهؤلاء هم المشار إليهم بقوله:\rوَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه، وقيل: المراد بالحكمة القرآن يعني ادعهم بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل: المراد بالحكمة النبوة أي ادعهم بالنبوة والرسالة، والمرادب الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الرفق واللين في الدعوة. وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، فعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير: هذا منسوخ بآية السيف اهـ.\rقوله: (أو القول الرقيق) أي الذي فيه رفق ولين ومصداق هذا قوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]. قوله: (أي بالمجادلة التي هي أحسن) أي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر، فإن ذلك أنفع في تسكين شرهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (كالدعاء) وفي نسخة بالدعاء. قوله: (و الدعاء إلى حججه) أي إلى الإيمان بها. قوله:\rوَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فما عليك إلا البلاغ. وفي إيثار الفعلية في الضالين والاسمية في مقابليهم إشارة إلى أنهم غيروا الفطرة وبدلوها بإحداث الضلال ومقابلوهم استمروا عليها، وتقديم أرباب الضلال، لأن الكلام وارد فيهم اهـ كرخي.\rقوله: (و هذا) أي قوله جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: ولا تقاتلهم بل اقتصر على المجادلة، وغرض الشارح أن هذا منسوخ لكونه فهم أن المراد جادلهم ولا تقاتلهم، وبعضهم قال: لا حاجة إلى دعوى النسخ إذ الأمر بالمجادلة ليس فيه تعرض للنهي عن المقاتلة اهـ شيخنا.\rقوله: (و نزل) أي بالمدينة لما قتل حمزة أي في السنة الثالثة في أحد، وكان عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخاه من الرضاع وقريبه من الأم أيضا، وكان أكبر من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين، وقوله: (و مثل به) التمثيل التشويه أي مثل به المشركون فقطعوا أنفه وأذنيه وذكره وأنثييه وفجروا بطنه، وقوله: (و قد رآه) جملة حالية أي فشق عليه جدا، وقوله: لأمثلن اللام جواب قسم محذوف صرح به في عبارة غيره، ففي كلام الشارح اختصار للحديث. ولفظة: أما واللّه لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن الخ، ويدل لذلك قول الشارح وكفر عن يمينه، وهذا القول من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه كان باجتهاد منه وعليه فلينظر هل قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ الخ لهذا الاجتهاد أو تنبيه على خطئه تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ الخ اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو لا؟ على قولين.","part":4,"page":282},{"id":1303,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 283\rلِلصَّابِرِينَ (126) فكف صلّى اللّه عليه وسلّم وكفر عن يمينه، رواه البزار\rوَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ بتوفيقه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي الكفار إن لم يؤمنوا لحرصك على إيمانهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا أحدهما: أنها نزلت قبل براءة فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد مطلقا، وذلك قول ابن عباس والضحاك.\rالقول الثاني: قال بعضهم: الأصح أنها محكمة لأن الآية واردة في تعليم حسن الأدب في كيفية استيفاء الحقوق والقصاص وترك التعدي وهو طلب الزيادة، وهذه الأشياء لا تكون منسوخة ولا تعلق لها بالنسخ واللّه أعلم اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: وفيه دليل على أن المقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه اهـ.\rقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ الخ لما حث على العفو تعريضا بقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ حث عليه تصريحا على الوجه الآكد بقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ الخ اهـ من البيضاوي.\rقوله: (عن الانتقام) أي تركتموه بالكلية. قوله: لَهُوَ بضم الهاء وسكونها قراءتان سبعيتان.\rقوله: (أي الصبر) أشار إلى أن الضمير عائد على المصدر الدال عليه الفعل مقيدا بالإضافة اهـ كرخي.\rقوله: (فكف) أي عن التمثيل بهم. قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لأجلهم أي لأجل عدم إيمانهم اهـ.\rوفي زاده: لما كان السبب الحامل على الغضب والانتقام لا يخلو عن أمرين، أحدهما فوات نفع في الماضي، والآخر توقع ضرر في المستقبل نهي عن الالتفات إلى السبب الأول بقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكافرين بسبب إعراضهم عنك واستحقاقهم للعذاب الدائم، وعن الالتفات إلى السبب الثاني بقوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ اهـ.\rقوله: (أي الكفار) وقيل: المعنى لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم أفضوا إلى رحمة اللّه تعالى اهـ خازن.\rقوله: (لحرصك) متعلق بالمنهي عنه، والمعنى أن الحزن الذي سببه حرصك على إيمانهم لا نرتكبه ولا تفعله اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي ضيق صدر، فهو من الكلام المقلوب الذي أمن فيه الالتباس، لأن الضيق وصف، فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه، وفيه لطيفة أخرى هي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به قاله هنا بحذف النون، وفي النمل بإثباتها تشبيها لها بحروف العلة، وخص ما هنا بحذفها موافقة لقوله قبل: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ولسبب نزول هذه الآية، لأنها نزلت تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قتل عمه حمزة ومثل به فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لأفعلن بهم ولأصنعن»، فأنزل اللّه تعالى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ الآية. فبالغ في الحذف ليكون ذلك مبالغة في التسلية، وإثباتها في النمل جاء على القياس، ولأن الحزن ثم دون الحزن هنا، وإلى ذلك أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: فِي ضَيْقٍ بفتح الضاد وكسرها سبعيتان. وفي المصباح: ضاق الشيء ضيقا من باب","part":4,"page":283},{"id":1304,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 284\rيَمْكُرُونَ (127) أي لا تهتم بمكرهم فأنا ناصرك عليهم\rإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الكفر والمعاصي وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) بالطاعة والصبر بالعون والنصر.\rسار، والاسم الضيق بالكسر وهو خلاف اتسع فهو ضيق، وضاق صدره حرج فهو ضيق أيضا اهـ.\rقوله: (أي لا تهتم بمكرهم) أشار إلى أن ما مصدرية. وعبارة السمين: مِمَّا يَمْكُرُونَ متعلق بضيق. وما مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف، انتهت.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي اتقوا المثلة والزيادة في القصاص، وسائر المناهي، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ يعني بالعفو عن الجاني، وهذه المعية بالعون والفضل والرحمة يعني إن أردت أيها الإنسان أن أكون معك بالعون والفضل والرحمة، فكن من المتقين المحسنين، وفي هذا إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه، والشفقة على خلق اللّه. قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وصلح مع الخلق، وكمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به. وقيل لهرم بن حيان عند الموت: أوصني. فقال: إنما الوصية في المال ولا مال لي، ولكني أوصيك بخواتيم سورة النحل واللّه أعلم اهـ خازن.\rقوله: (بالطاعة والصبر) أي فالإحسان بمعنى جعل الشيء جميلا لا ضد الإساءة، وقوله:\r(بالعون والصبر) متعلق مع الذين اهـ كرخي.","part":4,"page":284},{"id":1305,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 285\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الإسراء مكية إلا وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الآيات الثمان، وهي مائة وعشر آيات أو إحدى عشرة آية\rسُبْحانَ أي تنزيه الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لَيْلًا نصب على الظرف والإسراء بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rوتسمى سورة سبحان، وسورة بني إسرائيل اهـ خطيب.\rقوله: (الآيات الثمان) آخرها قوله تعالى: سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: 80] ويرد على هذا أن الآية الأخيرة من الثمانية وهي قوله: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء: 80] الخ نزلت لما أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة على ما يأتي في كلامه، ولهذا جزم البيضاوي بأنها كلها مكية وحكى القول الذي فيه الاستثناء بقيل، وبقي أقوال أخرى في المدني، منها ذكرها الخازن. قوله: (مائة) خبر ثان لسورة.\rقوله: سُبْحانَ مصدر سماعي لسبح المشدد، أو اسم مصدر له، أو مصدر قياسي لسبح المخفف، فإنه يقال سبح في الماء، وفيه معنى البعد والتنزيه فيه بعد عن النقائص، وعلى كل فهو علم جنس للتنزيه والتقديس منصوب بفعل مقدر أي: سبحت سبحان، وقوله (أي تنزيه) الذي الخ. أي تنزيهه عن صفة العجز عن هذا الأمر العجيب الخارق للعادة وهو الإسراء المذكور، وكما أن المقصود التنزيه فالتعجيب أيضا مقصود أي تعجبوا أو اعجبوا من قدرة اللّه تعالى على هذا الأمر الغريب اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قال النحويون: سبحان اسم علم للتسبيح، وانتصابه على أنه مفعول مطلق بفعل مضمر تقديره أسبح اللّه سبحانه أي: تسبيحا وهو التقديس، والتنزيه والتبعيد من السوء في الذات والصفات والأفعال والأسماء والأحكام من سبح في الماء، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد يصدر به لتنزيه فاعل ما بعده عن النقائص. وحاصله: ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص، ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى اهـ.\rقوله: أَسْرى يقال: أسرى وسرى بمعنى سار في الليل، وهما لازمان. لكن مصدر الأول الإسراء، ومصدر الثاني السرى بضم السين كهدى، فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء ومعنى أسرى به صيره ساريا في الليل، وقوله: بِعَبْدِهِ أي بروحه وجسده على المعتمد اهـ شيخنا.","part":4,"page":285},{"id":1306,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 286\rسير الليل وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي مكة إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بيت المقدس لبعده منه الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ بالثمار والأنهار لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا وقال بعبده دون نبيه أو حبيبه لئلا تضل به أمته كما ضلت أمة المسيح حيث ادعته إلها، أو لأن وصفه بالعبودية المضاف إلى اللّه تعالى أشرف المقامات والأوصاف اهـ كرخي.\rقوله: (نصب على الظرف) أي لأسرى اهـ كرخي.\rقوله: (و فائدة ذكره) أي الليل أي مع أنه معلوم من ذكر الإسراء، وقوله (الإشارة الخ) أي فالتنوين للتقليل أي في جزء قليل من الليل، قيل: قدر أربع ساعات، وقيل: ثلاث، وقيل: أقل من ذلك، وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل، فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (الإشارة) بتنكيره إلى تقليل مدته، وذلك لأن التنكير قد يكون للتقليل والتقليل والتبعيض متقاربان، فاستعمل في التبعيض ما هو للقليل اهـ. وقوله: (مدته) أي السير.\rقوله: مِنَ الْمَسْجِدِ من ابدائية، وكان الإسراء به ببدنه في اليقظة بعد البعثة، وكان قبلها في المنام، كما أنه رأى فتح مكة سنة ست وتحقق سنة ثمان اهـ كرخي.\rوالحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس دون العروج به من مكة لأنه محشر الخلائق فيطؤه بقدمه ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم ببركة أثر قدمه، أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء، فأراد اللّه تعالى أن يشرفهم بزيارته صلّى اللّه عليه وسلّم، وليخبر الناس بصفاته فيصدقوه في الباقي اهـ كرخي.\rقوله: (أي مكة) عبر بذلك ليصدق بكل من القولين المحكيين هنا، وهو أنه هل كان تلك الليلة نائما في المسجد أو في بيت أم هانىء بنت عمه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ وفي الحقيقة لا خلاف بين القولين لأنه على القول الثاني احتملته الملائكة من بيتها، وجاؤوا به إلى المسجد وشقوا صدره هناك، ثم ركب البراق من باب المسجد ففي الحقيقة ما حصل الإسراء إلا من المسجد، فلا حاجة لما عبر به الشارح. وكان المسجد الحرام إذا ذاك في حول الكعبة بقدر المطاف الآن، وكانت دور مكة حوله تفتح إليه ثم وسعه الملوك، وأول من وسع فيه عمر بن الخطاب، فكانوا يشترون دور مكة ويدخلونها فيه، لكن لم يثبت هل وقفوا تلك الزيادات أو لا، ولم يثبت أن المسجد الأصلي الذي هو الكعبة وما حولها بقدر المطاف حصل فيه وقفية من أحد فليحرر المقام. قوله: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أي القاصي. وأول من بناه آدم بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، كما في المواهب، فهو أول مسجد بني في الأرض بعد الكعبة اهـ.\rقوله: (بيت المقدس) من إضافة الموصوف إلى صفته أي البيت المقدس المطهر عن عبادة غير اللّه تعالى أي لم يعبد فيه صنم قط، وقوله: (لبعده منه) توجيه لكونه أقصى والمسافة بينهما قدر شهر أو أكثر اهـ.\rقوله: الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ أي بركة دنيوية هي ليست إلا حول الأقصى، وأما في الداخل فالبركة في كل من المسجدين، بل هي في الحرم أتم، وهي كثرة الثواب بالعبادة فيهما اهـ شيخنا.","part":4,"page":286},{"id":1307,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 287\rعجائب قدرتنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) أي العالم بأقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأفعاله فأنعم عليه بالإسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته له تعالى وعبارة الخازن: الذي باركنا حوله يعني بالأنهار والأشجار والثمار، وقيل: سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة الأنبياء قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، وإليه يحشر الخلق يوم القيامة انتهى.\rقوله: لِنُرِيَهُ متعلق بأسرى وقوله: مِنْ آياتِنا من للتبعيض، وإنما أتى بها تعظيما لآيات اللّه تعالى، فإن الذي رآه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان جليلا عظيما فهو بعض بالنسبة إلى آيات اللّه تعالى، وعجائب قدرته وجليل حكمته، قاله أبو شامة اهـ كرخي.\rفإن قلت: لفظة من في قوله: مِنْ آياتِنا تقتضي التبعيض، وقال تعالى في حق إبراهيم عليه الصلاة والسّلام: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: 75] وظاهر هذا يدل على فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام على محمد ولا قائل به فما وجهه؟ قلت: ملكوت السموات والأرض من بعض آيات اللّه تعالى أيضا، وآيات اللّه أعظم من ذلك وأكبر، والذي أراه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من آياته وعجائبه تلك الليلة كان أفضل من ملكوت السموات والأرض، فظهر بهذا البيان فضل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rوقرأ العامة لنريه بنور العظمة جريا على باركنا، وفيهما التفات من الغيبة في قوله: الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ إلى التكلم في باركنا ولنريه، ثم التفت إلى الغيبة في قوله: إِنَّهُ هُوَ إن أعدنا الضمير على اللّه تعالى وهو الصحيح، ففي الكلام والتفاتان. وقرأ الحسن ليريه بالياء من تحت أي اللّه تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعة التفاتات، وذلك أنه التفت أولا من الغيبة في قوله الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ إلى التكلم في قوله: بارَكْنا، ثم التفت ثانيا من التكلم في باركنا إلى الغيبة في ليريه على هذه القراءة، ثم التفت ثالثا من هذه الغيبة إلى التكلم في آياتنا، ثم التفت رابعا من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله: إِنَّهُ هُوَ على الصحيح في الضمير إنه للّه تعالى. وأما على قول نقله أبو البقاء أن الضمير في إنه هو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفات واحد، وفي قراءة الحسن ثلاثة وهذا موضع غريب، وأكثر ما ورد الالفتات ثلاث مرات على ما قال الزمخشري في قول امرىء القيس:\rتطاول ليلك بالأثمد\r\rالأبيات.\rوقد تقدم النزاع معه في ذلك وبعض ما يجاب به أول الفاتحة، ولو ادعى مدع أن فيها خمسة التفاتات لاحتاج في دفعه إلى دليل واضح والخامس الالتفات من قوله إِنَّهُ هُوَ إلى التكلم في قوله:\rوَآتَيْنا مُوسَى [الإسراء: 2] الآية والرؤية هنا بصرية. وقيل: قلبية، وإليه نحا ابن عطية اهـ سمين.\rقوله: (أي العالم الخ) فسر هاتين الصفتين بالعلم وهو غير ظاهر، وأبقاهما غيره على ظاهر كالبيضاوي، فقال: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، العليم بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك اهـ.\rقوله: (على اجتماعه بالأنبياء) أي الرسل وغيرهم أي: بأجسادهم وأرواحهم معا على الصحيح","part":4,"page":287},{"id":1308,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 288\rفإنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل قيل من كما قاله قال في معراجه: فأخرجهم اللّه من قبورهم وأحضرهم في بيت المقدس، واجتمع أيضا بالملائكة وبأرواح أموات المؤمنين ممن مضى، فصلى الجميع خلفه مقتدين به اهـ شيخنا.\rقوله: (الملكوت) وهو العالم الخفي الذي لم نشاهده كالملائكة والجنة والنار اهـ شيخنا.\rقوله: (فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى آخره) غرضه من هذا إثبات الأمور الأربعة التي ادعى أن الإسراء مشتمل عليها وهي اجتماعه بالأنبياء، وعروجه ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته اهـ شيخنا.\rقوله: (أتيت بالبراق) أي أتاني به جبريل من الجنة وهو بضم الباء واشتقاقه من البرق لسرعة سيره، أو من البريق لشدة صفاء بياضه ولمعات تلألئه اهـ خازن.\rقوله: (دابة) أي ليست ذكرا ولا أنثى، وفي الاستعمال يجوز تذكيرها وتأنيثها. وقوله (أبيض) وفي نسخة بيضاء اهـ شيخنا.\rقوله: (عند منتهى طرفه) بسكون الراء أي بصره. وفي المصباح: طرف البصر طرفا من باب ضرب تحرك، وطرف العين نظرها ويطلق على الواحد وغيره، لأنه مصدر، والطرف الناحية والجمع أطراف مثل سبب وأسباب اهـ.\rقوله: (فركبته) الحكمة في كونه أسرى به راكبا مع القدرة على طي الأرض له الإشارة إلى أن ذلك وقع له على حسب العادة في مقام العادة، لأن العادة جرت بأن الملك إذا استدعى من يختص به بعث إليه ما يركبه اهـ كرخي.\rقوله: (بالحلقة) بإسكان اللام، ويجوز فتحها والربط للاحتياط في الأمور، وبيان طلبه تعاطي الأسباب لا يقدح في التوكل اهـ خازن.\rقوله: (تربط فيها الأنبياء) أي دوابهم حين إتيانهم لهذا المنزل. وفي المصباح: ربطته ربطا من باب ضرب، ومن باب قتل لغة شددته، والرباط ما يربط به القربة وغيرها والجمع ربط مثل كتاب وكتب اهـ.\rقوله: (فصليت فيه ركعتين) أي إماما بالأنبياء والملائكة وأرواح المؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: (فاخترت اللبن) قال الخازن: فيه اختصار، والتقدير فخيرني بينهما فاخترت اللبن اهـ.\rقوله: (أصبت الفطرة) أي فطرة الإسلام أي الإسلام الذي فطر وجبل عليه الخلق بحسب أصل الخلقة، أي: أصبت علامته، وإنما كان اللبن علامة عليه، لأنه سهل طيب سائغ للشاربين سليم العاقبة بخلاف الخمر، فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر اهـ خازن.\rقوله: (قال ثم عرج بي الخ) لفظ قال من كلام الراوي الذي هو أنس بن مالك، لأن الحديث","part":4,"page":288},{"id":1309,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 289\rأنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا مروي عنه كما في مسلم، وفاعله ضمير يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله (ثم عرج) بفتحات مبنيا للفاعل أي: صعد معي أو صيرني صاعدا بأمره لي بالصعود بخلافه في جميع ما سيأتي، فإنه مبني للمفعول ولفظ فتح في جميع ما سيأتي يصح بناؤه للفاعل وللمفعول، كما ذكره القليوبي في معراجه.\rقوله: (ثم عرج بي إلى السماء الدنيا) أي بعد أن نصب لي هو أي جبريل معراجا أتى به من الجنة، وهو سلم له عشر مرقاة واحدة من فضة، وأخرى من ذهب، وجانباه أحدهما من ياقوتة حمراء والآخر من ياقوتة بيضاء وهو مكلل باللؤلؤ وغيره من معادن الجنة، فنصبه جبريل فجعل أسفله على صخرة بيت المقدس، وأعلاه إلى العرش. بين كل مرقاة والأخرى ما بين السماء والأرض، والمرقاة السفلى منه كان محلها عند السماء الدنيا، والثانية عند الثانية، وهكذا فللسموات سبع مرقاة، والثامنة للسدرة، والتاسعة للكرسي، والعاشرة إلى العرش، فلما همّ بالصعود نزلت التي عند السماء الدنيا، فركبها وصعدت به إلى السماء الدنيا، فلما وصلها نزلت التي عند السماء الثانية، فركبها وصعدت به إلى السماء الثالثة، ثم نزلت التي عند الثالثة وهكذا اهـ من معراج القليوبي.\rفي القاموس: المرقاة بفتح الميم وكسرها الدرجة. قوله: (الدنيا) أي السفلى والقربى لقربها من الأرض اهـ شيخنا.\rفائدة:\rالسماء الدنيا من موج مكفوف أي ممنوع من التفرق والتقطع، والثانية من مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوتة حمراء، والكرسي من ياقوتة بيضاء، والعرش من ياقوتة حمراء، وأبواب السموات كلها من ذهب، وأقفالها من نور، ومفاتيحها اسم اللّه الأعظم اهـ من معراج القليوبي.\rقوله: (فاستفتح جبريل) أي بطرق الباب لا بالكلام. وقوله: (قيل) معناه في جميع ما يأتي.\rقال: أي قال أبواب السماء أي: الملك الموكل ببابها من أنت؟ وفي كل سماء من السبع يذكر ثلاثة أسئلة وثلاثة أجوبة كما يعلم بالسير اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل وقد أرسل إليه) أي للعروج والصعود إلى السماء، وليس المراد السؤال عن إرساله للخلق، لأنه كان قبل ليلة المعراج بنحو تسع سنين والملائكة كانوا يعلمون رسالته ولا تخفى عليهم اهـ شيخنا.\rقوله: (فإذا أنا بآدم) أي ففاجأني لقي آدم أي بروحه وجسده معا كبقية الأنبياء الآتي ذكرهم في السموات السبع، فاجتمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بهم بأجسادهم وأرواحهم بعد أن اجتمع بهم، كذلك في جملة الأنبياء في بيت المقدس، فسبقه هؤلاء المذكورون إلى السموات، ثم صعد فوجدهم فيها لحكم مذكورة في مبسوطات المعاريج. وقوله: (فرحب بي) في المصباح: رحب بالمكان رحبا من باب قرب استع فهو رحيب ورحب مثل كريم وفلس، ومن هنا قيل مرحبا بك أي: نزلت مكانا واسعا ورحب بالتشديد أي: قال له مرحبا اهـ.","part":4,"page":289},{"id":1310,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 290\rبآدم فرحب بي ودعاني بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا موسى فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم، فإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو فقوله فرحب بي أي قال لي مرحبا وصيغة آدم من الترحيب، وإبراهيم مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، أما آدم فلأنه أبو البشر، وأما إبراهيم فلانحصار الأنبياء من بعده في نسله، وأما صيغة الترحيب من بقية الأنبياء المذكورين هنا، فهي مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح اهـ شيخنا.\rقوله: (ثم عرج بنا) أي بي وبجبريل.\rقوله: (فقال جبريل) وهو رئيس الملائكة على الاطلاق، وكلهم يموتون في النفخة الأولى ويحيون في الثانية، كبني آدم إلا الأربعة الرؤساء وحملة العرش، فيموتون بين النفختين ويحيون قيل الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: (يا بني الخالة) فيه مسامحة إذ عيسى ابن بنت خالة يحيى لا ابن خالته، ويحيى ابن خالة أم عيسى، لأن عيسى ابن مريم وهي بنت حنة، وحنة أخت أشاع، فأشاع ولدت يحيى، وحنة ولدت مريم، ومريم ولدت عيسى، وعيسى مقيم في السماء الثانية مع الملائكة لا يأكل ولا يشرب ولا ينام لا تصافه بصفات الملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: (شطر الحسن) أي نصف حقيقة الحسن من حيث هي لا نصف الحسن الذي أعطي لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، إذ هو غير منقسم، ولم يعط منه شيء لغيره، فشخص الحسن الذي قام بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعط منه شيء لغيره قط اهـ شيخنا.\rقوله: (بإدريس) وهو أول من خاط الثياب، وقبله كانوا يلبسون الجلود اهـ شيخنا.\rقوله: (بهارون) أي أخي موسى. قوله: (و إذا هو الخ) القصد بهذا الإشارة إلى كثرة الملائكة","part":4,"page":290},{"id":1311,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 291\rيدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلاع فلما غشيها من أمر اللّه ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق اللّه تعالى يستطيع يصفها من حسنها قال فأوحى اللّه إلي ما أوحى وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فحط عني جدا. قوله: (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى). عبارة الغيطي: ثم رفع إلى سدرة المنتهى، والمذكور في كتب المعراج أن المعاريج كانت عشرة، وأن الثامن هو ما بين السماء السابعة وسدرة المنتهى، والتاسع منها إلى الكرسي، والعاشر منه إلى العرش، وأن ارتفاع كل معراج خمسمائة عام. قوله: (إلى سدرة المنتهى) أي إلى مقابل فروعها، فإن فروعها في جوف الكرسي، وهو فوق السموات، وأما أصلها ففي السماء السادسة، وهذه السدرة شجرة نبق، وقوله: (كآذان الفيلة) أي في الشكل التقريبي، وإلّا فكل ورقة منها تظل جميع الخلق اهـ شيخنا.\rقوله: (كالقلال) قال الخطابي: هي بكسر القاف جمع قلة بالضم هي الجرار. يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها اهـ كرخي.\rقوله: (فلما غشيها) أي نزل بها وقام بها ما غشيها من الحسن وكثرة الألوان العجيبة. قوله: (قال فأوحى الخ) لفظ قال من كلام الراوي أي: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين تحديثه عن الإسراء، وفيه اختصار أي:\rفوقف جبريل عندها وزج بي في الحجب، ووصلت مكانا لم يصله مخلوق ما فخاطبني ربي، ورأيته بعيني بصري، وأوحى إليّ ما أوحى، وقوله: (ما أوحى) أي أسرارا عجيبة لم توح لغيره من الأنبياء وبعضها لم يؤذن لي في إظهاره، وقوله (و فرض) عطف خاص على عام اهـ شيخنا.\rقوله: (و فرض علي الخ) وقع في رواية أنس عن أبي ذر ففرض اللّه على أمتي، فإما أن يقال في كل من الروايتين اختصار، أو يقال ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس إلا ما يستثني من خصائصه اهـ كرخي.\rقوله: (علي) أي وعلى أمتي. قوله: (إلى موسى) أي في السماء السادسة. قال القرطبي: في تخصيصه عليه الصلاة والسّلام بمراجعة نبينا في أمر الصلاة لكون أمته كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ويشير لذلك قوله (إني جربت الناس قبلك) كرخي.\rقوله: (و خبرتهم) وفي نسخة جربتهم أي اختبرتهم بأن كلفتهم بإذن اللّه تعالى بركعتين في الغداة، وركعتين في وقت الزوال، وركعتين في العشي فلم يطيقوا ذلك وعجزوا عنه. قوله: (فارجع إلى ربك) أي إلى مكان مناجاة وخطاب ربك اهـ.\rقوله: (و يحط) أي اللّه عني خمسا خمسا وجملة مرات الإسقاط تسع، وكلها رأى صلّى اللّه عليه وسلّم فيها ربه عز","part":4,"page":291},{"id":1312,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 292\rخمسا فرجعت إلى موسى قال ما فعلت؟ فقلت قد حط عني خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال «يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت له سيئة واحدة». فنزلت حتى انتهيت إلى موسى وجل بعيني بصره، كما رآه في المرة الأولى التي فرض فيها الخمسين، فرأى ربه عشر مرات اهـ شيخنا.\rقوله: (حتى قال يا محمد إلى قوله كتبت سيئة واحدة) هذا حديث قدسي من كلامه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: (بكل صلاة عشر) أي مضاعفة في الثواب. قوله: (و من هم بحسنة) هذا من جملة كلام اللّه، والمراد بالهم بها العزم والتصميم، إذ هو الذي يكلف به الشخص في الخير والشر، وأما الهم الذي هو أضعف منه، وحديث النفس الذي هو أضعف من الهم والخاطر الذي هو أضعف من حديث النفس والهاجس الذي هو أضعف من الخاطر، فلا تكليف بهذه الأربعة لا في خير ولا في شر. ونظم بعضهم الخمسة بقوله:\rمراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا\r\rيليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا\r\rوقوله: (و من هم بسيئة) المراد بالهم فيها حقيقته التي هي أدون من حقيقة العزم، وأما العزم نفسه فيؤاخذ به كما علمت فقوله: (و إن عملها كتبت سيئة واحدة) أي وكذلك إن عزم عليها وصمم ولم يعمل، فالحاصل أن العزم المصمم على الحسنة يكتب له به حسنة، وعلى السيئة لا يكتب عليه به سيئة وإن غير العزم من الأقسام الأربعة لا يكتب له به حسنة في الخير، ولا يكتب عليه به سيئة في الشر تأمل اهـ شيخنا.\rوعبارة ابن حجر في شرح الأربعين النورية: فمن همّ بحسنة أي أرادها وترجح عنده فعلها، فعلم منه بالأولى حكم العزم وهو الجزم بفعلها والتصميم عليه فلم يعملها كتبها اللّه عنده أي في كل من الهم والعزم حسنة كاملة، لأن الهم بالحسنة سبب إلى عملها، وسبب الخير خير، فالهم بها خير وإن هم بها أي أو عزم عليها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات، لأنه أخرجها من الهم إلى ديوان العمل، فكتب له بالهم حسنة، ثم ضوعفت فصارت عشرا وإن همّ بسيئة فلم يعملها بأن ترك فعلها والتلفظ بها لوجه اللّه تعالى لا لنحو حياء أو خوف ذي شوكة أو عجز أو رياء، بل يأثم حينئذ لأن تقديم خوف المخلوق على خوف اللّه تعالى محرم، وكذلك الرياء محرم كتبها اللّه عنده حسنة كاملة، لأن رجوعه عن العزم عليها خير أي خير فجوزي في مقابلته بحسنة. لا يقال نظير ما مرّ ثم من أن الهم بالحسنة يكتب فيه حسنة أن يكون الهم بالسيئة يكتب فيه سيئة، لأن الهم بالشر من أعمال القلب، لأنا نقول قد تقرر أن الكف عنها خير أي خير وهو متأخر عن ذلك الهم، فكان ناسخا له قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ","part":4,"page":292},{"id":1313,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 293\rفأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت. رواه الشيخان واللفظ لمسلم. وروى الحاكم في المستدرك عن ابن [هود: 114] وقد جاء في الحديث: إنما تركها من جراي أي من أجلي وإن همّ بها فعملها كتبت سيئة واحدة. زاد أحمد ولم تضاعف، ويدل له فلا يجزى إلا مثلها، ثم قوله: (و إن همّ بها فعملها الخ) فيه دليل على أن الهم لا يكتب معها إذا فعلها لا يؤاخذ به العبد وتناقص في هذه المسألة كلام السبكي، فتارة أفتى بأنه لا يكتب به شيء، وتارة أفتى بأنه يكتب به سيئة أخرى. قال السبكي في حلبياته ما حاصله: ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب، الأولى الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر، ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا، ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به، فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيء طرقه قهرا عليه، وما بعده من الخاطر وحديث النفس، وإن قدر على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الصحيح أي: وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلم به» أي في المعاصي القولية أو تعمل أي في المعاصي الفعلية، لأن حديثها إذا ارتفع فما قبله أولى. وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضا لعدم القصد، وأما الهم فقد بين الحديث الصحيح أنه بالحسنة يكتب حسنة وبالسيئة لا يكتب، ثم ينظر فإن تركها للّه كتبت حسنة، وإن فعلها كتبت سيئة واحدة، والأصح في معناه أن يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله: (واحدة) وإن الهم مرفوع اهـ.\rوالأصح الذي ذكره خالفه في شرح المنهاج فظهر له المؤاخذة بالهم زيادة على المؤاخذة بالفعل، ثم قال في الحلبيات: وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به سواء عمل أو لم يعمل، وخالف بعضهم فقال: إنه من الهم المرفوع، واحتج الأولون بحديث: «إذ التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه» فعلل بالحرص وبالإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد والكبر والعجب ومحبة ما يبغض اللّه تعالى وعكسه ونحو ذلك، والعزم على الكبيرة وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها انتهت ملخصة.\rومنها تعلم أن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الرواية التي رواها السيوطي عن أنس لم تكتب. معناه لم تكتب سيئة فلا ينافي أنها تكتب حسنة إذا تركها لوجه اللّه تعالى، كما تقدم في رواية النووي التي شرح عليها ابن حجر.\rقوله: (استحييت) بياءين تحتيتين بعد الحاء المهملة. قوله: (رواه الشيخان) أي رويا حديث الإسراء من قوله: (أتيت بالبراق إلى هنا) أي رويا معناه أي اتفقا عليه، واللفظ الذي ذكرته أنا هنا لمسلم، وأما البخاري فرواه بألفاظ بعضها غير ما ذكرته هنا اهـ شيخنا.\rقوله: (و اللفظ لمسلم) وخرجه مسلم من حديث عمار بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أتيت بالبراق الخ» اهـ خازن.","part":4,"page":293},{"id":1314,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 294\rعباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأيت ربي عز وجل. قال تعالى\rوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) يفوضون إليه أمرهم وفي قراءة تتخذوا بالفوقانية التفاتا، فأن زائدة والقول مضمر يا\rذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3) كثير الشكر لنا حامدا في جميع أحواله\rوَقَضَيْنا أوحينا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ قوله: (رأيت ربي) أي ليلة الإسراء بعيني رأسي عشر مرات الأولى في مرة الفرض، والتسع بعدها في مرات الحط والإسقاط اهـ شيخنا.\rقوله: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ عقبت آية الإسراء بهذه استطرادا بجامع أن موسى أعطي التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه، لأنه منح ثمة التكليم وشرف باسم الكليم، والواو استئنافية أو عاطفة على جملة سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى الخ لا على أسرى بعبده وتكلفه اهـ شهاب.\rقوله: وَجَعَلْناهُ أي موسى أو الكتاب، ولبني إسرائيل متعلق بهدى أو بجعلناه اهـ شهاب.\rقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا منصوب بحذف النون ولا نافية وأن مصدرية ولام التعليل مقدرة كما قدرها الشارح، وهذا على قراءة التحتانية، أما على قراءة الفوقانية، فهو مجزوم بحذف النون ولا ناهية وأن زائدة كما قال اهـ شيخنا.\rقوله: (فأن زائدة والقول مضمر) أي مقولا لهم لا تتخذوا أو قلنا لهم لا تتخذوا، والأولى أن تكون أن مفسرة، لأن هذا ليس من مواضع زيادة أن، بل ذلك في نحو: ولما أن جاءت رسلنا اهـ من كرخي.\rقوله: ذُرِّيَّةَ الخ جعله الشارح منادى وحرف النداء محذوف، وعلى هذا ففي الكلام حذف.\rوالتقدير: يا ذرية من حملنا مع نوح كونوا كما كان نوح في العبودية والانقياد، وفي كثرة الشكر للّه تعالى بفعل الطاعات اهـ شيخنا.\rوجملة أنه كان تعليل لهذا المحذوف. وفي السمين: قوله ذُرِّيَّةَ العامة على نصبها. وفيها أوجه:\rأحدها: أنه منصوب على المفعول الأول لياخذوا والثاني هو وكيلا، ويكون وكيلا مما وقع مفردا في اللفظ، والمعنى به جمع أي لا تتخذوا ذرية من حملناه مع نوح وكلاء، كقوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [آل عمران: 80].\rالثاني: أنها منصوبة على البدل من وكيلا.\rالثالث: أنها منصوبة على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري.\rالرابع: أنها منصوبة على النداء أي يا ذرية من حملنا وخصوا هذا الوجه بقراءة الخطاب في تتخذوا، وهو واضح عليها إلا أنه لا يلزم لجواز أن ينادي الإنسان شخصا وبخبر عن آخر اهـ.\rقوله: وَقَضَيْنا قضى يتعدى بنفسه أو بعلى، وإنما عداه بإلى لتضمنه معنى أوحينا، كما أشار له الشارح.","part":4,"page":294},{"id":1315,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 295\rفِي الْكِتابِ التوراة لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ أرض الشام بالمعاصي مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4) تبغون بغيا عظيما\rفَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أولى مرتي الفساد بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أصحاب قوة في الحرب والبطش فَجاسُوا ترددوا لطلبكم خِلالَ الدِّيارِ وسط دياركم وفي السمين: قضى يتعدى بنفسه، فلما قضى زيد منها وطرا فلما قضى موسى الأجل. وإنما تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أنفذنا وأوحينا أي: وأنفذ إليهم بالقضاء المحتوم ومتعلق القضاء محذوف أي بفسادهم، وقوله: لتفسدن جواب قسم محذوف تقديره: واللّه لتفسدن، وهذا القسم مؤكد لمتعلق القضاء، ويجوز أن يكون لتفسدن جوابا لقوله وقضينا، لأنه ضمن معنى القسم، ومنه قولهم: قضى اللّه لأفعلن، فيجرون القضاء، والقدر مجرى القسم فيتلقيان بما يتلقى به القسم اهـ.\rقوله: (أوحينا) المراد بالإيحاء هنا الاعلام والاخبار بما سيحل منهم والموحى به محذوف أي بالفساد مرتين. دل عليه قوله: لَتُفْسِدُنَ الخ واللام لام القسم اهـ.\rقوله: (مرتين) الأولى بقتل زكريا فعاقبهم اللّه تعالى ثم تاب عليهم، والثانية بقتل يحيى ابنه فعاقبهم اللّه ثم تاب عليهم، ثم قال لهم: وإن عدتم عدنا ثم عادوا فعاقبهم اللّه بتسليط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم اهـ شيخنا.\rوالمرتان تثنية مرة وهي الواحدة من المر.\rأي والمرور على حده ... وفعلة لمرة كجلسة\r\rوفي القاموس: مرّ مرّا ومرورا جاز، كاستمر ومره، وبه جاز عليه، والمرة الفعلة الواحدة، والجمع مر بالضم ومرار بالكسر ومرر كعنب، ولقيه ذات مرة لا يستعمل إلا ظرفا. وذات المرار أي مرارا كثيرة، وجئته مرا أو مرتين أي مرة أو مرتين اهـ.\rقوله: وَعْدُ أُولاهُما أي وقت وعد، والمراد بالوعد الوعيد والمراد بالوعيد المتوعد به اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَعْدُ أي موعود فهو مصدر واقع وقع مفعول، وتركه الزمخشري على حاله لكن بحذف مضاف أي وعد عقاب أولاهما. وقيل: الوعد بمعنى الوعيد الذي يراد به الوقت، فهذه ثلاثة أوجه والضمير عائد على المرتين اهـ.\rوفي أبي السعود: أي حان وقت العقاب الموعود به اهـ.\rقوله: فَجاسُوا في قراءة شاذة فحاسوا بحاء مهملة اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: الجوس بالجيم طلب الشيء بالاستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت، والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال اهـ. ثم قال: والحوس بالحاء المهملة الجوس اهـ.\rوفي السمين: فجاسوا عطف على بعثنا أي ترتب على بعثنا إياهم هذا، والجوس بفتح الجيم وضمها مصدر جاس يجوس أي فتش ونقب قال أبو عبيد اهـ.\rقوله: خِلالَ الدِّيارِ فيه وجهان. أحدهما: أنه اسم مفرد بمعنى وسط كما قال الشارح،","part":4,"page":295},{"id":1316,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 296\rليقتلوكم ويسبوكم وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا (5) وقد أفسدوا الأولى بقتل زكريا فبعث عليهم جالوت ويؤيده قراءة الحسن خلل الديار. والثاني: أنه جمع خلل بفتحتين كجبل وجبال وجمل وجمال اهـ سمين.\rقوله: كانَ أي البعث المذكور وجوس الأعداء مفعولا أي منجزا اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: أي كان الجوس أو كان وعد أولاهما أو كان وعد عقابهم اهـ.\rقوله: (بقتل زكريا الخ) عبارة البيضاوي: أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء، وقيل:\rأرمياء. وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسّلام انتهت.\rوفي القرطبي: وقال ابن عباس وابن مسعود: أول الفساد قتل زكريا، وقال ابن إسحاق: فسادهم في المرة الأولى قتلهم شعياء نبي اللّه في الشجرة، وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم تنافسوا في الملك وقتل بعضهم بعضا وهم لا يسمعون من نبيهم، فقال اللّه تعالى له: قم في قومك، فلما فرغ مما أوحى اللّه إليه عدوا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة، فدخل فيها وأدركه الشيطان، فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها، وذكر ابن إسحاق أن بعض العلماء أخبره أن زكريا مات موتا ولم يقتل اهـ.\rقوله: (و خربوا بيت المقدس) عن حذيفة قال: قلت: يا رسول اللّه لقد كان بيت المقدس عند اللّه عظيما جسيم الخطر عظيم القدر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «هو من أجل البيوت ابتناه اللّه تعالى لسليمان بن داود عليهما السّلام من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخر له الجن يأتونه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخر له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف». قال حذيفة: فقلت: يا رسول اللّه كيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن بني إسرائيل لما عصوا اللّه وقتلوا الأنبياء سلّط اللّه عليهم بختنصر، وهو من المجوس، وكان ملكه سبعمائة سنة وهو قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في البيت المقدس من هذه الأصناف، فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام ثم إن اللّه عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن تسير إلى المجوس في أرض بابل وأن تستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان في البيت المقدس ورده اللّه إليه كما كان أول مرة، وقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل وهو قوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا فلما رجعت بنو إسرائيل إلى البيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلّط اللّه عليهم ملك الروم قيصر وهو قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [الإسراء: 7] الآية فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم وأخذ جميع ما في البيت المقدس، واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي ويرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة","part":4,"page":296},{"id":1317,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 297\rوجنوده فقتلوهم وسبوا أولادهم وخربوا بيت المقدس\rثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ الدولة والغلبة عَلَيْهِمْ بعد مائة سنة بقتل جالوت وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) عشيرة وقلنا\rإِنْ أَحْسَنْتُمْ بالطاعة أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها وَإِنْ أَسَأْتُمْ بالفساد فَلَها إساءتكم فَإِذا جاءَ وَعْدُ المرة الْآخِرَةِ بعثناهم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ يحزنوكم بالقتل والسبي حزنا وسبعمائة سفينة يرمى بها على بابل حتى ينقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع اللّه الأولين والآخرين» وذكر الحديث اهـ قرطبي.\rقوله: ثُمَّ رَدَدْنا وضع موضع نرد لأنه لم يقع وقت الإخبار لكن لتحققه عبر بالماضي اهـ كرخي.\rقوله: الْكَرَّةَ مفعول رددنا وهي في الأصل مصدر كر يكر أي رجع، ثم يعبر بها عن الدولة والقهر، وقوله: عَلَيْهِمْ يجوز أن يتعلق برددنا أو بنفس الكرة، لأنه يقال كر عليه فيتعدى بعلى ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الكرة اهـ سمين.\rقوله: (الدولة) في المصباح: تداول القوم الشيء وهو حصوله في يد هذا تارة، وفي يد هذا أخرى، والاسم الدولة بفتح الدال وضمها وجمع المفتوح دول بالكسر كقصعة وقصع وجمع المضموم دول مثل غرفة وغرف، ومنهم من يقول الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب، ودالت الأيام تدول مثل دارت تدور وزنا ومعنى اهـ.\rقوله: (و الغلبة) تفسير. قوله: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ أي بعد ما نهبوا أموالكم وبنين بعد ما سبوا أولادكم فعدتم كما كنتم. قوله: نَفِيراً النفير من ينفر مع الرجل من قومه. وقيل: جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: نفيرا منصوب على التمييز وفيه أوجه، أحدها: أنه فعيل بمعنى فاعل أي أكثر نافرا أي من ينفر معكم. الثاني: أنه جمع نفر نحو عبد وعبيد قاله الزجاج، وهم الجماعة الصائرون إلى الأعداء. الثالث: أنه مصدر أي أكثر خروجا إلى الغزو والمفضل عليه محذوف، فقدره بعضهم أكثر نفيرا من أعدائكم وقدره الزمخشري أكثر نفيرا مما كنتم عليه اهـ.\rقوله: (لأن ثوابه) أي الإحسان.\rقوله: فَلَها خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح، واللام بمعنى على، وإنما عبر بها للمشاكلة اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: أجرى اللام على بابها. قال أبو البقاء: وهو الصحيح لأن اللام للاختصاص والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة اهـ.\rأو بمعنى على وذكر اللام ازدواجا أي مشاكلة. قال الكرماني: يعني مقابلة لقوله لِأَنْفُسِكُمْ، أو مثل يخرون للأذقان، وتله للجبين، وهذه اللام تتعلق بمحذوف على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير انتهت.\rقوله: فَإِذا جاءَ الخ جواب الشرط محذوف كما قدره بقوله: بَعَثْناهُمْ* دل عليه جواب إذا","part":4,"page":297},{"id":1318,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 298\rيظهر في وجوهكم وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ بيت المقدس فيخربوه كَما دَخَلُوهُ وخربوه أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا يهلكوا ما عَلَوْا غلبوا عليه تَتْبِيراً (7) هلاكا وقد أفسدوا ثانيا بقتل يحيى فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم ألوفا وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس وقلنا في الكتاب الأولى، والمعنى فإذا جاء وعد الآخرة أي الثانية بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد، وقوله:\rلِيَسُوؤُا الواو للعباد أولي البأس الشديد، وهذا تعليل للمحذوف، وكذا المعطوف عليه وهو قوله وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَلِيُتَبِّرُوا الخ اهـ شيخنا.\rوفي عود الواو على العباد نوع استخدام إذا المراد بهم أولا جالوت وجنوده، والمراد بهم في ضمن الضمير بختنصر وجنوده. قوله: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ متعلق بهذا الجواب المقدر، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل والفاعل إما اللّه تعالى، وإما الوعد، وإما البعث، وإما النفير. والكسائي لنسوء بنون العظمة أي لنسوء نحن، وهو موافق لما قبله من قوله (بعثنا عبادا لنا) ورددنا وأمددنا، ولما بعده من قوله عدنا وجعلنا. وقرأ الباقون ليسوء مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد، أو على النفير لأنه اسم جمع وهو موافق لما بعده من قوله: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا وفي عود الضمير على النفير نظر، لأن النفير المذكور من المخاطبين فكيف يوصف ذلك النفير بأنه يسوء وجوههم. اللهم إلا أن يريد هذا القائل أنه عائد على لفظه دون معناه من باب عندي درهم ونصفه اهـ سمين.\rقوله: ما عَلَوْا مفعول به ليتبروا، وما عبارة عن البلاد أي وليتبروا البلاد التي علوا عليها اهـ شيخنا.\rقوله: (بقتل يحيى) هذا على خلاف المشهور، والمشهور أنه قتل في حياة أبيه كما سيأتي عن أبي السعود في سورة مريم. قوله: (بختنصر) بضم الباء وسكون الخاء المعجمة والتاء المثناة معناه ابن ونصر بفتح النون وتشديد الصاد وبالراء المهملة اسم صنم، وهو علم أعجمي مركب. هكذا ضبطه في القاموس بضم الباء من بخت، وفتح النون من نصر. ثم قال فيه من باب الراء. كان بختنصر وجد وهو صغير مطروحا عند صنم ولم يعرف له أب فنسب إليه اهـ.\rقيل: إنه ملك الأقاليم كلها وقال ابن قتيبة: لا أصل لملكه لها اهـ شهاب.\rوكان عاملا لكهراسف على بابل اهـ بيضاوي.\rوكهراسف: ملك ذلك العصر وبابل مملكة معروفة اهـ شهاب.\rقوله: (ألوفا) أي نحو الأربعين، وسبى ذريتهم نحو السبعين ألفا اهـ شيخنا.\rقيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا، فقال ما صدقوني فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدم ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا له: إنه دم يحيى، فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم، ثم قال: يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن اللّه تعالى قبل أن لا أبقي أحدا منهم، فهدأ أي سكن اهـ بيضاوي.","part":4,"page":298},{"id":1319,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 299\rعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الثانية إن تبتم وَإِنْ عُدْتُمْ إلى الفساد عُدْنا إلى العقوبة وقد عادوا بتكذيب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فسلط عليهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (8) محبسا وسجنا\rإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي أي للطريقة التي هِيَ أَقْوَمُ أعدل وأصوب وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9)\rوَيخبر أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (10) مؤلما هو النار\rوَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ على نفسه قوله: (في الكتاب) أي التوراة. قوله: (و ضرب الجزية عليهم) أي على باقيهم. قوله:\rلِلْكافِرِينَ أي منهم ومن غيرهم. قوله: (محبسا) بفتح الباء كمقعد أي محلا يحبسون ويسجنون فيه اهـ شيخنا.\rوقيل: حصيرا يعني بساطا يفرش لهم اهـ بيضاوي.\rوفي الشهاب: قوله: (محبسا) أي مكان الحبس المعروف، فإن كان حصيرا اسم مكان فهو جامد لا يلزم تذكيره ولا تأنيثه، وإن كان بمعنى حاصرا أي محيطا بهم وفعيل بمعنى فاعل يلزم مطابقته، فكان يقال حصيرة فأما لأنه على النسب كلابن وتامر، أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث جهنم غير حقيقي أو لتأويلها بمذكر كالسجن والحبس اهـ.\rوفي الكرخي: والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديدا إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه، والذي يقع فيه يتخلص إما بالموت أو بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون محيطا به لا رجاء في الخلاص عنه اهـ.\rقوله: يَهْدِي مفعوله محذوف أي يهدي كل الناس أي يدلهم، فبعضهم يصل بهدايته وهم المؤمنون، وبعضهم لا، وهم الكافرون اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(يخبر) أَنَّ الَّذِينَ أشار إلى أن وأن الذين لا يؤمنون معطوف على يبشر بإضمار يخبر كما صرح به البيضاوي أي: فلا يكون ذلك داخلا في حيز البشارة، وعليه جرى السفاقسي اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وجهان، أحدهما: أن يكون عطفا على أن الأولى أي يبشر المؤمنين بشيئين: بأجر كبير وبتعذيب أعدائهم، ولا شك أن ما يصيب عدوك سرور لك. وقال الزمخشري ويحتمل أن يكون المراد ويخبر بأن أي أنه من باب الحذف أي حذف، ويخبر وأبقى معموله، وعلى هذا فيكون أن الذين غير داخل في حيز البشارة بلا شك، ويحتمل أن يكون قصده أنه أريد بالبشارة ومجرد الإخبار سواء كان بخير أم شر وهل هو فيهما حقيقة، أو في أحدهما، وحينئذ يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز أو استعمالا للمشترك في معنييه. وفي المسألتين خلاف مشهور، وعلى هذا فلا يكون قوله وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ غير داخل في حيز البشارة إلا أن الظاهر من مذهب الزمخشري أنه لا يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا استعمال المشترك في معنييه اهـ.\rقوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ القياس أن تثبت واو يدع لأنه مرفوع، إلا أنه لما وجب سقوطها لفظا لاجتماع الساكنين سقطت في الخط أيضا على خلاف القياس، ونظيره سندع الزبانية اهـ زاده.","part":4,"page":299},{"id":1320,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 300\rوأهله إذا ضجر دُعاءَهُ أي كدعائه له بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ الجنس عَجُولًا (11) بالدعاء على نفسه وعدم النظر في عاقبته\rوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ دالتين على قدرتنا فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ طمسنا نورها بالظلام لتسكنوا فيه، والإضافة للبيان وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي مبصرا فيها بالضوء لِتَبْتَغُوا فيه فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بالكسب وَلِتَعْلَمُوا بهما عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ قوله: (إذا ضجر) الضجر شدة القلق من الغم. قوله: (أي كدعائه) أي في الإلحاح، وقوله: (له) أي لما ذكروا وأشار إلى أن الباءين متعلقتان بالدعاء على بابهما نحو، دعوت بكذا والمصدر مضاف لفاعله اهـ كرخي.\rوتقدم في سورة يونس أنه يستجاب له في الخير، ولا يستجاب له في الشر فراجعه. قوله:\rالْإِنْسانُ (الجنس) لأن أحدا من الناس لا يعرى عن عجلة، ولو تركها لكان تركها أصلح في الدين والدنيا اهـ كرخي.\rقوله: عَجُولًا أي يسارع إلى كل ما يخطر بباله لا ينظر إلى عاقبة اهـ بيضاوي.\rقوله: (في عاقبته) أي الدعاء.\rقوله: آيَتَيْنِ علامتين تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد مع إمكان غيره اهـ بيضاوي.\rقوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي خلقناه على هذه الحالة لا أنه كان مضيئا، ثم محى ضوءه وكذا يقال في قوله: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً والفاء تفسيرية، لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقب جعل الليل والنهار آيتين، بل هما من جملة ذلك الجهل ومتمماته اهـ أبو السعود.\rقوله: (لتسكنوا فيه) قدره لمقابلة قوله في النهار لتبتغوا. قوله: (و الإضافة) أي في آية الليل للبيان، وكذا في آية النهار، وسكت عن ذلك للعلم به منه كإضافة العدد للمعدود أي: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة، ونظيره قولنا نفس الشيء وذاته، فكذلك آية الليل هي نفس الليل، ومنه يقال دخلت بلاد خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان، فكذا ههنا. وقيل:\rالمراد بآية الليل وآية النهار الشمس والقمر حيث لم يخلق له شعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء اهـ كرخي.\rقوله: (أي مبصرا فيها) بفتح الصاد أشار بهذا إلى أن في الكلام مجازا عقليا، لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه، فهو من إسناد الحديث إلى زمانه. قوله: (بالضوء) أي بسببه. قوله: لِتَبْتَغُوا أي تطلبوا وهو متعلق بقوله: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ، وقوله: وَلِتَعْلَمُوا متعلق بكلا الفعلين أعني: محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة أي لتعلموا بتعاقبهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيه) أي في النهار فضلا أي رزقا. قوله: (بهما) أي بتعاقبهما واختلافهما اهـ.\rقوله: وَالْحِسابَ لا تكرار إذ العدد موضوع الحساب، وثنى الآية هنا وأفردها في قوله:\r(و جعلناها) وابنها آية لتباين الليل والنهار من كل وجه، ولتكررهما فناسبهما التثنية بخلاف عيسى مع","part":4,"page":300},{"id":1321,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 301\rللأوقات وَكُلَّ شَيْءٍ يحتاج إليه فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (12) بيناه تبيينا\rوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ عمله أمه، فإنه جزء منها ولا تكرر فيهما، فناسب فيهما الإفراد اهـ كرخي.\rقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ فيه وجهان، أحدهما: منصوب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية، وكذلك وكل إنسان ألزمناه. والثاني: وهو بعيد أنه منصوب نسقا على الحساب أي:\rلتعلموا كل شيء أيضا ويكون فصلناه على هذا صفة اهـ سمين.\rقوله: (للأوقات) أي أوقات المعاش كآجال الديوان وأوقات الزراعة، وأوقات الدين كأوقات الصلاة والحج والصوم اهـ شيخنا.\rقوله: (يحتاج إليه) أي في الدين والدنيا. قوله: (بيناه تبيينا) بلا التباس، فهو كقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] وقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] وإنما ذكر المصدر وهو قوله تَفْصِيلًا لأجل تأكيد الكلام وتقريره، فكأنه قال: فصلناه حقا على الوجه الذي لا مزيد عليه اهـ كرخي.\rقوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ أي بعظمتنا. طائِرَهُ: أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر، لأن العرب كانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو شر اعتبروا أحوال الطير، وهو أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامنا أو متياسرا أو صاعدا إلى الجو، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على الخير والشر والسعادة والنحوسة، فلما كثر ذلك منهم سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه فقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ أي وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه الذي هو محل التزين بالقلادة ونحوها ومحل الشين بالغل ونحوه فإن كان عمله خيرا كان كالقلادة في عنقه وهو مما يزينه. وقال مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد. قال الرازي: والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والفهم والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة، والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك المقدار وينحرف عنه، بل لا بد وأن يصل إليه ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية، فتلك الأشياء المقدرة كأنها تطير إليه وتصير إليه، فلهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر، فقوله تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ كناية عن أن كل ما قدره اللّه ومضى في علمه حصوله فيما علمه، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه، وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» اهـ ملخصا اهـ خطيب.\rوعبارة البيضاوي: طائِرَهُ أى عمله وما قدر له كأنه يطير إليه من عش الغيب وكرر القدر، لما كانوا يستبشرون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر اللّه وعمل العبد اهـ.\rوقوله: (لما كانوا الخ) أي: لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما إليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما، وهو قدر اللّه وعمل العبد، فكانا سببي الخير والشر، وسنوح","part":4,"page":301},{"id":1322,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 302\rيحمله فِي عُنُقِهِ خص بالذكر لأن اللزوم فيه أشد، وقال مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً مكتوبا فيه عمله يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) صفتان لكتابا ويقال له\rاقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) محاسبا\rمَنِ اهْتَدى الطائر عبارة عن مروره على مياسر الإنسان إلى ميامنه، وبروحه عبارة عن ضد ذلك كانوا يستبشرون بالأول ويتشاءمون بالثاني اهـ زاده.\rوله أيضا: قوله: (استعير الخ)، فكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل ما يأتي إليه منتقلا من عشه ووكره، فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان بعد ثبوتها في علم اللّه اهـ.\rقوله: (يحمله) فِي عُنُقِهِ هذه نسخة، وفي أخرى عمله في عنقه، وفي أخرى عمله يحمله في عنقه، وعلى كل منهما ففي كلامه تفسير الطائر بتفسيرين الأول العمل والثاني الكتاب الحقيقي، وهو ما ذكره بقوله: (و قال مجاهد الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: (لأن اللزوم فيه أشد) عبارة أبي السعود: في عنقه تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط اهـ.\rقوله: (و قال مجاهد الخ) وقد روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: يا رسول اللّه ما أول ما يلقى الميت إذا أدخل قبره؟ قال: «يا بن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت، فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر، فيقول: يا عبد اللّه أكتب عملك فيقول ليس معي دواة ولا قرطاس، فيقول كفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك أصبعك، فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب، وإن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه»، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ أي عمله» اهـ تذكرة القرطبي.\rقوله: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً أي مكتوبا فيه عمله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.\rقال الحسن: بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ عليك سيئاتك حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة اهـ خطيب.\rقوله: اقْرَأْ كِتابَكَ روي عن قتادة أنه يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا اهـ أبو السعود.\rقوله: (يلقاه منشورا) أي يلقي الإنسان أو يلقاه الإنسان اهـ أبو السعود.\rقوله: كَفى بِنَفْسِكَ أي كفى نفسك، فالباء زائدة في الفعل وحسيبا تمييز، وعليك متعلق به وهو إما بمعنى الحاسب أو بمعنى الكافي اهـ من البيضاوي.\rوفي السمين: قوله: حَسِيباً فيه وجهان، أحدهما: أنه تمييز قال الزمخشري: وهو بمعنى حاسب كضريب بمعنى ضارب، وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه، وعليك متعلق به من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى الكاف ووضع موضع الشهيد فعدى بعلى، لأن الشاهد يكفي","part":4,"page":302},{"id":1323,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 303\rفَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لأن ثواب اهتدائه لها وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لأن إثمه عليها وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ آثمة أي لا تحمل وِزْرَ نفس أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ أحدا حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) يبين له ما يجب عليه\rوَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها منعميها بمعنى رؤسائها بالطاعة على لسان رسلنا فَفَسَقُوا فِيها فخرجوا عن أمرنا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ بالعذاب فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16) أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها\rوَكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ الأمم مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ المدعي ما أهمه، فإن قلت: لم ذكر حسيبا؟ قلت: لأنه بمنزلة الشاهد والقاضي والأمين، وهذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل كفى بنفسك رجلا حسيبا، ويجوز أن تؤوّل النفس بمعنى الشخص كما يقال: ثلاثة أنفس. والثاني: أنه منصوب على الحال وذكر لما تقدم، وقيل حسيب بمعنى محاسب كخليط وجليس بمعنى مخالط ومجالس اهـ.\rقوله: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ هذا حاصل ما تقدم من بيان كون القرآن هاديا لأقوم الطرائق ولزوم الأعمال لأصحابها أي من اهتدى بهدايته وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام، وانتهى عما نهاه عنه، فإنه تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتد، ومن ضل أي عن الطريقة التي يهديه إليها، فإنما يضل عليها أي: فإنما وبال ضلاله عليها لا على من عداه ممن لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل لصاحبه. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى تأكيد للجملة الثانية أي: لا يتحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها، ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم، بل إنما تحمل كل منهما وزرها، وهذا تحقيق لمعنى قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ. وأما ما يدل عليه قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها [النحل: 25] ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم من حمل الغير وزر الغير وانتفاعه بحسنته وتضرره بسيئته، فهو في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه وتضرر بسيئتها، فإن جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العامل لازم له، وإنما الذي يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته لا جزاء أصل الحسنة والسيئة، وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين وما يحمله المضلون إنما هو جزاء الإضلال، وإنما خص التأكيد بالجملة الثانية قطعا للأطماع الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (يبين له) أي للأحد. قوله: أَمَرْنا مُتْرَفِيها في القاموس: الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب، والشيء الظريف يخص به صاحبك وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أطغته أو نعمته كترفته تتريفا، والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع، والمتنعم لا يمنع من تنعمه وتترف تنعم اهـ.\rقوله: (بالطاعة) متعلق بأمرنا.\rقوله: وَكَمْ (أي كثيرا الخ) كم نصب بأهلكنا، ومن القرون تمييز لكم، ومن بعد نوح من الابتداء الغاية والأولى للبيان، فلذلك اتحد متعلقهما. وقال الحوفي: الثانية بدل من الأولى، وليس كذلك لاختلاف معنييهما، وإنما قال من بعد نوح لأنه أول من كذبه قومه ومن ثم لم يقل من بعد آدم اهـ كرخي.","part":4,"page":303},{"id":1324,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 304\rعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17) عالما ببواطنها وظواهرها، وبه يتعلق بذنوب\rمَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله الْعاجِلَةَ أي الدنيا عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ التعجيل له بدل من له بإعادة الجار ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ في الآخرة جَهَنَّمَ يَصْلاها يدخلها مَذْمُوماً ملوما مَدْحُوراً (18) مطرودا عن الرحمة\rوَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها عمل عملها اللائق بها وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال فَأُولئِكَ كانَ قوله: وَكَفى بِرَبِّكَ الباء زائدة في الفاعل وخبيرا بصيرا تمييزان لنسبة كفى، وبذنوب متعلق بخبير بصيرا، كما قال المفسر اهـ من السمين.\rقوله: (عالما ببواطنها) لف ونشر مرتب.\rقوله: الْعاجِلَةَ نعت لمحذوف أي الدار العاجلة اهـ شيخنا.\rقوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. وقيل: الآية في المنافقين كانوا يراؤون المسلمين ويغزون معهم، ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها اهـ بيضاوي.\rقوله: (بدل من له بإعادة الجار) يعني أن قوله لمن نريد بدل بعض من كل أي: من الضمير في له بإعادة العامل، وهو اللام في لمن، ومفعول نريد محذوف أي لمن نريد تعجيله، والضمير في له عائد على من الشرطية وهو في معنى الجمع، ولكن جاءت الضمائر هنا على اللفظ لا على المعنى اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ جهنم مفعول أول، وله مفعول ثان، وقوله يَصْلاها حال من الضمير في له، وقوله مَذْمُوماً مَدْحُوراً حالان من الضمير في يصلاها اهـ شيخنا.\rقوله: (ملوما) أي من الخلق، وقوله مَدْحُوراً أي من الخالق، وفي المختار: دحره يدحره من باب خضع طرده اهـ.\rقوله: سَعْيَها فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول به لأن المعنى وعمل لها عملها. والثاني: أنه مصدر ولها من أجلها اهـ سمين.\rوفي الكرخي: قوله: سَعْيَها اللائق بها إشارة إلى أن سعيها مفعول به أو حق سعيها، فيكون مصدرا، وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص لأنها للاختصاص اهـ.\rقوله: (اللائق بها) وهو الإتيان بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (حال) أي من الضمير في سعي، وقوله فَأُولئِكَ فيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها، والإشارة لمن جمع الشروط الثلاثة اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وعن بعض المتقدمين: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب، وتلا هذه الآية اهـ.","part":4,"page":304},{"id":1325,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 305\rسَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) عند اللّه مقبولا مثابا عليه\rكُلًّا من الفريقين نُمِدُّ نعطي هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ بدل مِنْ متعلق بنمد عَطاءِ رَبِّكَ في الدنيا وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ فيها مَحْظُوراً (20) ممنوعا عن أحد\rانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الرزق والجاه وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ أعظم دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) من الدنيا فينبغي الاعتناء بها دونها\rلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ قوله: (مثابا عليه) فإن شكر اللّه لعباده إثابتهم وقبول أعمالهم اهـ شيخنا.\rقوله: كُلًّا مفعول به لنمد، وقوله: (من الفريقين) أي مريد الدنيا ومريد الآخرة، وقوله (بدل) أي بدل كل أي بدل من المفعول وهو كلّا، فكأنه قيل نمد هؤلاء وهؤلاء الأول للأول والثاني للثاني فهو لف ونشر مرتب اهـ شيخنا.\rقوله: عَطاءِ رَبِّكَ فيها أي المعطي فيها كالرزق والجاه اهـ.\rوقوله: (ممنوعا عن أحد) أي لا يمنعه من مؤمن ولا كافر تفضلا اهـ بيضاوي.\rقوله: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ كيف منصوب على الحال بفضلنا اهـ بيضاوي.\rوقوله: (على الحال) أي انظر فضلنا بعضهم على بعض كائنا على أي حالة أو كيفية اهـ كازروني.\rوفي السمين: كيف نصب إما على التشبيه بالظرف، وإما على الحال وهي معلقة لا نظر بمعنى تفكر اهـ.\rقوله: وَلَلْآخِرَةُ اللام لام ابتداء أو قسم. قوله: (من الدنيا) أي من درجاتها ومن تفضيلها اهـ شيخنا.\rأي التفاوت في الآخرة أكبر، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها اهـ بيضاوي.\rقوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ الخ خطاب للنبي، والمراد غيره أو لكل مكلف، وحاصل ما ذكر في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعا بعضها أصلي وبعضها فرعي، وقد ابتدئت بالأصل في قوله لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ الخ، وختمت به أيضا في قوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فتلقى في جهنم ملوما مدحورا اهـ شيخنا.\rوفي زاده: لما بين اللّه أن سعادة الآخرة منوطة بإرادتها بأن يسعى سعيها، وبأن يكون مؤمنا شرع في تفصيل هذه الأمور المجملة، فبدأ يشرح حقيقة الإيمان وبيان ما هو العمدة فيه وهو التوحيد، فقال:\rلا تَجْعَلْ الخ ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون من عمل بها ساعيا في الآخرة اهـ.\rقوله: فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا قعد يجوز أن تكون على بابها فينتصب ما بعدها على الحال، ويجوز أن تكون بمعنى صار فينتصب ما بعدها على الخبرية، وإليه ذهب الفراء والزمخشري اهـ سمين.\rوقوله: (على بابها) وعلى هذا الاحتمال تكون بمعنى تعجز، وعبارة البيضاوي: أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه اهـ.","part":4,"page":305},{"id":1326,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 306\rمَذْمُوماً مَخْذُولًا (22) لا ناصر لك\r* وَقَضى أمر رَبُّكَ أَلَّا أي بأن تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ أن تحسنوا إِحْساناً بأن تبروهما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما فاعل أَوْ كِلاهُما وفي قراءة يبلغان فأحدهما بدل من ألفه فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ بفتح الفاء وكسرها منونا وغير منون مصدر وقوله: مَذْمُوماً أي من الخلق، وقوله: مَخْذُولًا أي من الخالق، فقول الشارح لا ناصر لك تفسير للثاني اهـ شيخنا.\rقوله: وَقَضى (أمر) وقيل: قضى بمعنى أوصى وقيل: بمعنى حكم، وقيل: بمعنى أوجب، وقيل: بمعنى ألزم اهـ سمين.\rقوله: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أن هذه يحتمل أن تكون مصدرية، فلا نافية والفعل منصوب بحذف النون وهذا ما جرى عليه الشارح، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولا ناهية فالفعل مجزوم بحذف النون اهـ شيخنا.\rوقول الشارح أي (بأن) (لا) غير سديد حيث أثبت النون بين الهمزة ولا النافية بقلم الحمرة، فيقتضي أنها من رسم القرآن مع أنه ليس كذلك. وقد نص في شرح الجزرية على أن ما عدا المواضع العشرة يكتب موصولا أي لا تثبت فيه النون، وتقدم نظير هذا الاعتراض على صنيعه في سورة هود في قوله تعالى: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود: 26] بأبسط من هذا فراجعه إن شئت. قوله: (بأن تبروهما) في المصباح: بر الرجل يبر برا وزان علم يعلم علما فهو بر بالفتح وبار أيضا أي صادق أو تقي، وبررت والدي أبره برا وبرورا أحسنت الطاعة ورفقت به، وتحريت محابه وتوقيت مكارهه اهـ.\rوفي القاموس وبررته أبره كعلمته وضربته اهـ.\rقوله: إِمَّا يَبْلُغَنَ إن شرطية وما زائدة، والفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وقوله (في قراءة الخ) وعليها فالفعل مجزوم بحذف نون الرفع بخلافه على القراءة الأولى، فهو في محل جزم، وعلى كلا القراءتين فجواب الشرط هو قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما الخ أي إن يبلغ أحدهما الكبر عندك فلا تقل لهما الخ، والتقييد بهذا الشرط خرج مخرج الغالب من أن الولد إنما يتهاون بوالديه عند الكبر، وإلّا فقوله فَلا تَقُلْ لَهُما الخ لا يختص بالكبيرين اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ومعنى عندك أن يكون في كنفك وكفالتك اهـ.\rوقوله: (في كنفك) أي في منزلك وكفالتك أي: في حال يلزمك فيه القيام بأمرهما في المعيشة ككبر سنهما وعجزهما عن الكسب وغير ذلك اهـ شهاب.\rقوله: (و في القراءة) أي سبعية يبلغان بنون التوكيد المشددة بعد الألف اهـ شيخنا.\rوقوله: لِأَحَدِهِما بدل أي بدل بعض. وعلى هذه القراءة فكلاهما فاعل بفعل محذوف تقديره أو يبلغ كلاهما. هذا ما استحسنه السمين، وأبو حيان. لكن في البيضاوي: وكلاهما معطوف على أحدهما فاعلا أو بدلا، ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف اهـ.\rقوله: (بفتح الفاء) أي من غير تنوين فقوله (منونا) الخ راجع للكسر فقط، فالقراءات ثلاثة وكلها","part":4,"page":306},{"id":1327,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 307\rبمعنى تبّا وقبحا وَلا تَنْهَرْهُما تزجرهما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (23) جميلا لينا\rوَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ ألن لهما جانبك الذليل مِنَ الرَّحْمَةِ أي لرقتك عليهما وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما سبعية. وهذه القراءات الثلاثة جارية هنا. وفي أف الذي في سورة الأنبياء والذي في سورة الأحقاف اهـ شيخنا.\rوذكر السمين فيها أربعين لغة ثم قال: وقد قرئ من هذه اللغات بسبع: ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ، فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ نافع في رواية أف بالرفع والتنوين، وأبو السماك بالضم من غير تنوين، وزيد بن علي بالنصب والتنوين، وابن عباس أف بالسكون اهـ.\rقوله: (منونا) أي للدلالة على التنكير أي لا تقل لهما أتضجر وأقلق من كل فعل لكما، وقوله:\r(و غير منون) أي للدلالة على التعريف أي: لا تقل لهما أتضجر من فعل خاص من أفعالكما اهـ شيخنا.\rقوله: (مصدر بمعنى تبا) أي خسرانا وقبحا بضم القاف أو فتحها، كما في المختار، وهو ضد الحسن أي: لا تقل لهما خسرانا لكما، ولا تقل لهما قبحا لكما، ولا لأفعالكما وفي بعض النسخ نتنا وقبحا وهو الذي عبر به المحلي في سورة الأحقاف. والنتن: القذارة والرائحة الكريهة كما سيأتي هناك. هذا والمشهور الذي صرح به غيره من المفسرين أن أف اسم فعل مضارع أي: لا تقل لهما أنا أتضجر من شيء يصدر منكما كخروج ريح بل أكرمهما واخدمهما كما خدماك في مثل هذه الحالة، ويمكن أن يحمل قوله مصدر على أن المراد أنه اسم فعل مدلوله المصدر على أحد القولين فيه، والراجح منهما أن مدلوله لفظ الفعل اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وهو مصدر أف يؤف أفا بمعنى تبا وقبحا أو هو صوت يدل على تضجر، أو اسم الفعل الذي هو أتضجر بني على حركة الساكنين كسرا على أصله وفتحا تخفيفا، ولغاته أربعون ذكرها ابن عطية فلتراجع منه اهـ.\rقوله: (تزجرهما) أي عما لا يعجبك منهما بإغلاظ اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: والنهر الزجر بصياح وغلظة، وأصله الظهور، ومنه النهر لظهوره. وقال الزمخشري: النهي والنهر والنهم أخوات اهـ.\rقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ فيه استعارة تبعية في الفعل حيث شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة، واستعير الخفض للإلانة واشتق منه اخفض بمعنى ألن أو أصلية في الجناح حيث شبه الجانب بالجناح، واستعير للجانب والإضافة من إضافة الموصوف لصفته، فالمصدر وهو الذل بمعنى الذليل، وهذا كله أشار له الشارح في الحل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: جَناحَ الذُّلِ هذه استعارة بليغة، وذلك أن الطائر إذا أراد الطيران نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع، وإذا أراد ترك الطيران خفض جناحيه، فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع واللين اهـ.\rقوله: مِنَ الرَّحْمَةِ من تعليلية بمعنى اللام كما أشار له الشارح أي: لأجل الرحمة لا لأجل","part":4,"page":307},{"id":1328,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 308\rرحماني حين رَبَّيانِي صَغِيراً (24)\rرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من إضمار البر والعقوق إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ طائعين للّه فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ الرجاعين إلى طاعته غَفُوراً (25) لما صدر منهم في خوفك من العار اهـ شيخنا.\rوفي السمين: في من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها للتعليل فتتعلق باخفض أي اخفض من أجل الرحمة. والثاني: أنها ابتدائية. قال ابن عطية أي أن هذا الخفض يكون ناشئا من أجل الرحمة المستكنة في النفس. الثالث: أنها في محل نصب على الحال من جناح اهـ.\rقوله: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما أي ادع لهما ولو خمس مرات في اليوم والليلة والكاف تعليلية أي من أجل أنهما رحماني حين ربياني صغيرا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما أي ادع اللّه تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، ولو كانا كافرين، لأن من الرحمة أن يهديهما كما ربياني صغيرا أي رحمة مثل رحمتهما عليّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين.\rروي أن رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن أبواي بلغا من الكبير أني الي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيت حقهما؟ قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما اهـ.\rقوله: كَما (رحماني حين ربياني الخ) حمله على ذلك التقدير أنه جعل الكاف للتشبيه، ولو جعلها للتعليل لم يحتج إليه. وفي السمين: قوله: كَما رَبَّيانِي صَغِيراً في هذه الكاف قولان، أحدهما: أنها نعت لمصدر محذوف فقدره الحوفي ارحمهما رحمة مثل تربيتهما لي. وقدره أبو البقاء رحمة مثل رحمتهما لي كأنه جعل التربية رحمة. والثاني: أنها للتعليل أي ارحمهما لأجل تربيتهما كقوله: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ اهـ.\rقوله: (طائعين للّه) أي في حق الوالدين، وقوله: فَإِنَّهُ الخ مرتب على محذوف أي وفعلتم معهما خلاف الأدب وقوله: (إلى طاعته) أي في حق الوالدين، وقوله (و هم لا يضمرون عقوقا) جملة حالية من فاعل صدر، أو من الضمير المجرور في منهم اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: إن تكونوا صالحين قاصدين الصلاح والبر دون العقوق والفساد، فإنه تعالى كان للأوابين أي الراجعين إليه تعالى مما فرط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر غفورا لما وقع منهم اهـ.\rوفي القرطبي: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي: من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما، أو من غير ذلك من الحقوق، أو من جعل ظاهر برهما رياء. وقال ابن جبير: يريد البادرة التي تبدر كالفلتة والزلة تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما، لا يريد بذلك بأسا. قال اللّه تعالى: إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي صادقين في نية البر بالوالدين، فإن اللّه يغفر البادرة، وقوله: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة إلى طاعة اللّه. قال سعيد بن المسيب: هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب. وقال ابن عباس: الأواب الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها. وقال عبد بن","part":4,"page":308},{"id":1329,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 309\rحق الوالدين من بادرة وهم لا يضمرون عقوقا\rوَآتِ أعط ذَا الْقُرْبى القرابة حَقَّهُ من البر والصلة وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) بالإنفاق في غير طاعة اللّه\rإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي على طريقتهم وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) شديد الكفر لنعمه فكذلك أخوه المبذر\rوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أي المذكورين من ذي القربى وما بعدهم فلم تعطهم ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ عمير: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون اللّه، وهذه الأقوال متقاربة، وقال عون العقيلي: الأوابون هم الذين يصلون صلاة الضحى اهـ.\rقوله: (من بادرة) في المختار: والبادرة الحدة وبدت منه بوادر غضب أي خطأ وسقطات عند ما احتد اهـ.\rقوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبى الخ لما ذكر بيان حق الوالدين ذكر بيان حق الأقارب وغيرهما، وبيان حق الفقراء والمساكين الأجانب والأمر للوجوب عند أبي حنيفة، فعنده يجب على الموسر مؤاساة أقاربه إذا كانوا محارم كالأخ والأخت، وعند غيره للندب فلا يجب عند غيره إلا نفقة الأصول والفروع دون غيرهما من الأقارب اهـ شيخنا.\rقوله: (من البر) أي الإحسان بالمال. قوله: (و الصلة) أي صلة الرحم بالمال أو غيره فهو عطف عام على خاص اهـ شيخنا.\rقوله: (في غير طاعة اللّه) أي في المعصية.\rقوله: كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أمثالهم في الشرارة، فإن التضييع والإتلاف شر أو أصدقاءهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف والصرف في المعاصي، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنة قوم هو أخوهم، وكان الشيطان لربه كفورا أي جحودا لنعمته فما ينبغي أن يطاع لأنه يدعو إلى مثل عمله اهـ من الخازن والبيضاوي.\rوعبارة الكرخي: والمراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخا له فيقولون: فلان أخو الكرم والجود وأخو الشعر إذا كان مواظبا على هذه الأفعال اهـ.\rقوله: وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ على حذف مضاف أي لنعم ربه كما أشار له الشارح. قوله: (شديد الكفر لنعمه) فلا تتبعوه لأنه يستعمل بدنه في المعاصي والافساد في الأرض والإضلال للناس، وكذلك من رزقه اللّه جاها أو مالا فصرفه إلى غير مرضاة اللّه كان كفورا لنعمة اللّه، لأنه موافق للشياطين في الصفة والفعل اهـ كرخي.\rقوله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَ إن شرطية وما زائدة أي: إن تعرض عنهم اهـ كرخي.\rقوله: (و ما بعده) أي المسكين وابن السبيل اهـ شيخنا.\rقوله: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ يجوز أن يكون مفعولا من أجله ناصبه تعرضن، وهو من وضع المسبب موضع السبب، لأن الأصل وإما تعرض عنهم لإعسارك كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.","part":4,"page":309},{"id":1330,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 310\rمِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي لطلب رزق تنتظره يأتيك فتعطيهم منه فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (28) لينا سهلا بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق\rوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي لا تمسكها عن الإنفاق كل المسك وَلا تَبْسُطْها في الإنفاق كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً راجع للأول مَحْسُوراً (29) منقطعا لا شيء عندك راجع للثاني\rإِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) عالما ببواطنهم وظواهرهم فيرزقهم على حسب مصالحهم\rوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ بالوأد خَشْيَةَ مخافة إِمْلاقٍ فقر نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً إثما قوله: (أي لطلب رزق) أي لكونك كنت محتاجا وفقيرا في وقت طلبهم منك اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن تعدهم) أي وبأن تدعو لهم باليسر مثل أغناكم اللّه ورزقنا وإياكم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ نهى عن البخل فشبه حال البخيل في امتناعه عن الانفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فلا يقدر على شيء من التصرف، وحال من يسرف بحال من يبسط يده كل البسط فلا يبقى شيئا في كفه اهـ زاده.\rقوله: مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي مضمومة إليه مجموعة في الغل وهو بضم الغين طوق من حديد يجعل في العنق. هذا هو معنى اللفظ بحسب الأصل، وقد عرفت المراد منه هنا اهـ زاده.\rقوله: (كل المسك) فيه تسمح وحقه أن يقول كل الإمساك. إذ الفعل من هذا المعنى أمسك رباعيا فمصدره الإمساك، وكأنه إنما عبر به لمشاكلة كل البسط تأمل. قوله: فَتَقْعُدَ أي تصير فهو منصوب في جواب النهي، وملوما إما حال وإما خبركما تقدم اهـ سمين.\rقوله: مَلُوماً أي مذموما من الخلق والخالق وقوله (له محسورا) أي نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه اهـ بيضاوي. أي إذا أثر فيه اهـ زكريا.\rوفي المختار: والحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت. تقول: حسر على الشيء من باب طرب وحسره أيضا فهو حسير وحسرة غيره تحسيرا اهـ.\rقوله: (يضيقه) تفسير ليقدر، فإن يقدر ويقتر مترادفان اهـ شهاب.\rقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خطاب للموسرين بدليل قوله خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي خشية وقوع الفقر بكم، ولذلك آخر ذكرهم، وقد ذكر الأولاد في قوله نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ وتقدم في سورة الأنعام نهي المعسرين بقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ أي من أجل فقر واقع بكم، ولذلك قدم ذكرهم في قوله: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: حاصله أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر. فهو من سوء الظن باللّه، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم، فالأول ضد التعظيم لأمر اللّه، والثاني ضد الشفقة على خلق اللّه، وكلاهما مذموم اهـ.\rقوله: (بالوأد) أي الدفن بالحياة والاقتصار عليه، لأنه الذي كانوا يفعلونه، وإلّا فقتل الولد حرام مطلقا اهـ شيخنا.","part":4,"page":310},{"id":1331,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 311\rكَبِيراً (31) عظيما\rوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى أبلغ من لا تأتوه إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً قبيحا وَساءَ بئس سَبِيلًا (32) طريقا هو\rوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ لوارثه سُلْطاناً تسليطا على القاتل فَلا يُسْرِفْ يتجاوز الحد فِي الْقَتْلِ بأن يقتل غير قاتله أو بغير ما قتل به إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33)\rوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إذا قوله: كانَ خِطْأً بوزن مثل فهو بكسر الخاء وسكون الطاء، وبوزن شبه فهو بفتحتين، وبوزن قتال فهو بكسر الخاء وفتح الطاء وبالمد ففيه ثلاث قراءات كلها سبعية اهـ شيخنا.\rفعلى الأولى هو مصدر لخطىء من باب علم، وعلى الثانية اسم مصدر لأخطأ رباعيا، وعلى الثالثة هو مصدر لخاطأ، وهو إن لم يسمع لكنه سمع تخاطأ اهـ من البيضاوي.\rومجيء تخاطأ يدل على وجود خاطأ، لأن تفاعل مطاوع فاعل كباعدته فتباعد وناولته فتناول اهـ زاده.\rقوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى في المصباح: قربت الأمر أقربه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل قربانا بالكسر أو دانيته، ومن الأول ولا تقربوا الزنا، ويقال منه أيضا: قربت المرأة قربانا كناية عن الجماع، ومن الثاني لا تقرب الحمى أي لا تدن منه اهـ.\rوالعامة على قصر الزنا، وهي اللغة الفاشية، وقرئ بالمد وفيه وجهان، أحدهما: أن لغة في المقصور. والثاني: أنه مصدر زانا يزانىء كقاتل قتالا لأنه يكون من اثنين اهـ سمين.\rقوله: (أبلغ من لا تأتوه) أي لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنا، كاللمس والقبلة والنظرة والغمزة بالمنطوق، وعن الزنا بمفهوم الأولى اهـ كرخي.\rقوله: وَساءَ سَبِيلًا أي إلى النار.\rقوله: الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أي حرم قتلها بأن عصمها وقوله إِلَّا بِالْحَقِ وهو أحد ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا كما في الحديث اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا بِالْحَقِ قال المعرب أي: إلا بسبب الحق، فيتعلق بلا تقتلوا، ويجوز أن يكون حالا من فاعل لا تقتلوا أي إلا ملتبسين بالحق، وأما تعلقه بحرم فبعيد، وإن صح ومعنى تحريمها تحريم قتلها اهـ شهاب.\rقوله: (غير قاتله) أي غير قاتل المقتول. قوله: إِنَّهُ أي الولي كان منصورا أي بثبوت القصاص له، وبإعانة الحكام له على القصاص أي استيفائه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً الضمير إما للمقتول، فإنه كان منصورا في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب، وإما لوليه فإن اللّه تعالى نصره حيث أوجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص، أو التعزير والوزر على المسرف اهـ.\rقوله: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ الخطاب لأولياء اليتيم اهـ. قوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة التي هي أحسن من جميع الخصال،","part":4,"page":311},{"id":1332,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 312\rعاهدتم اللّه أو الناس إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) عنه\rوَأَوْفُوا الْكَيْلَ أتموه إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ الميزان السويّ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) مآلا\rوَلا تَقْفُ تتبع ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَ وهي تنميته له والإنفاق عليه منه بالمعروف. وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية لما فهم من الاستثناء من جواز قربانه أي: فاقربوه بالخصلة التي هي أحسن إلى أن يبلغ أشده فلا تقربوه بعد ذلك، لأن التصرف له حينئذ اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: والمراد بالأشد ههنا بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله، فحينئذ تزول ولاية غيره عنه، فإن بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه اهـ.\rوالأشد مفرد بمعنى القوة، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه. وقيل: جمع شد بكسر الشين:\rوقيل: جمع شد كذلك وقيل: جمع شد بفتحها، وعلى كل فالمراد به القوة أي حتى يبلغ قوته، والمراد بها هنا بلوغه عاقلا رشيدا وإن كان الأشد في الأصل عبارة عن بلوغ ثلاث وثلاثين سنة اهـ شيخنا.\rقوله: (إذا عاهدتم اللّه أو الناس) أو ما عاهدكم اللّه عليه من التكاليف اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه. ويفي به، أو مسؤولا عنه فيسأل الناكث الناقض ويعاتب عليه أو يسأل العهد لما نكثت تبكيتا للناكث، كما يقال للموؤدة بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: 9] فيكون تخييلا، ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسؤولا اهـ بيضاوي.\rوقوله: (أو يسأل العهد) بأن يكون ضمير مسؤولا راجعا إلى العهد، وينسب إليه السؤال على طريق الاستعارة بالكناية، أو يشبه العهد بمن نكث عهده، ونسبة السؤال إليه تخييل والاستشهاد بسؤال الموءودة في قوله: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: 9] في مجرد السؤال لأن سؤالها بعد الإحياء يوم القيامة، وهو سؤال تحقيق وسؤال العهد تخييل اهـ زاده.\rقوله: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ الخ خطاب للبائعين، وأخذ هذا بعضهم أن أجرة الكيال على البائع، لأنها من تمام التسليم، وكذلك عليه أجرة النقاد للثمن، وهو كذلك كما هو مقرر في الفروع اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ هو رومي عرّب، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن، لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص بكسر القاف هنا وفي الشعراء اهـ بيضاوي.\rقوله: ذلِكَ خَيْرٌ أي ذلك المذكور من إيفاء الكيل والوزن بالميزان المستوي خير أي: في الدنيا لما فيه من إقبال المشترين على من يبيع وهو بهذه الحالة وأحسن تأويلا أي في الآخرة أي أحسن عاقبة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَقْفُ مجزوم بحذف الواو من بابي عدا وسما أي لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، وقيل: معناه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم، وقيل: معناه لا تتبعه","part":4,"page":312},{"id":1333,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 313\rالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ القلب كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36) صاحبه ماذا فعل به\rوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا مرح بالكبر والخيلاء إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (37) المعنى أنك لا تبلغ هذا المبلغ فكيف تختال\rكُلُّ ذلِكَ المذكور كانَ سَيِّئُهُ بالحدس والظن، وقيل: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور يتبعها ويتعرفها، وحقيقته أنه لا يتكلم في أحد بالظن اهـ خازن.\rقوله: كُلُّ أُولئِكَ أي كل واحد من الحواس الثلاثة كان عنه مسؤولا صاحبه في الآخرة اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: كُلُّ أُولئِكَ مبتدأ خبره جملة كان عنه، وخبرها والضمير في كان وفي عنه وفي مسؤولا يعود على كل أي: كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه، ويجوز أن يكون الضمير في عنه لصاحب السمع والبصر، وقيل مسؤولا مسند إلى عنه كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7] والمعنى يسأل صاحبه عنه وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية اهـ.\rوعبارة الكرخي: كان عنه مسؤولا صاحبه ماذا فعل به أشار إلى أن الضمير في عنه لصاحب هذه الجوارح لدلالتها عليه، وهو اختيار صاحب الكشاف، ومن المعلوم أن السؤال لا يصح إلا للعاقل، وهذه الجوارح ليست كذلك بل العاقل الفاهم هو الإنسان فهو كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وهو من الالتفات، إذ لو جرى على ما تقدم لقيل كنت عنه مسؤولا. والمعنى أنه يقال للإنسان لم سمعت ما لا يحل لك سماعه، ولم نظرت ما لا يحل لك نظره، ولم عزمت على ما لا يحل العزم عليه، أو كان عن نفسه أي عما فعل به صاحبه مسؤولا، وعليه جرى القاضي، والمعنى أن هذه الأعضاء تسأل مجازا توبيخا لأصحابها، لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة فهي حالة من يعقل، ولذلك عبر عنها بكناية من يعقل كما مرّ وهذا أبلغ مما قبله اهـ.\rقوله: مَرَحاً المرح: شدة الفرح، والباء في قوله (بالكبر) للملابسة، ومرحا حال على تقدير مضاف كما قدره الشارح أي: لا تمش في الأرض حال كونك ذا مرح أي: مارحا ملتبسا بالكبر والخيلاء اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: مرح مرحا فهو مرح مثل فرح فرحا وزنا ومعنى، وقيل: المرح أشد الفرح اهـ.\rقوله: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ الخ لما كانت مشية المرح مشتملة على شدة الوطء والتكبر على الأرض بمشيه عليها وعلى التطاول قال تعالى في تعليل النهي: وكيف تتكبر على الأرض ولن تجعل فيها خرقا وشقا، وكيف تتعظم وتتطاول ولن تبلغ الجبال طولا، فأنت أحقر وأضعف من كل واحد من الجمادين، فكيف يليق بك التكبر اهـ.\rقوله: (تثقبها) بالثاء المثلثة وبالنون. قوله: طُولًا تمييز محول عن الفاعل. أي: ولن يبلغ طولك الجبال. أي: تطاولك واستعلاؤك اهـ شيخنا.\rقوله: (هذا المبلغ) أي خرق الأرض وبلوغ الجبال طولا، والمقصود التهكم بالمتكبر اهـ شيخنا.","part":4,"page":313},{"id":1334,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 314\rعِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38)\rذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ يا محمد رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الموعظة وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً قوله: كُلُّ ذلِكَ الخ إشار إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة من قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ اهـ بيضاوي.\rفأولها لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ثانيها وثالثها: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ لا شتماله على تكليفين: الأمر بعبادة اللّه والنهي عن عبادة غيره. رابعها: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً خامسها: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ سادسها: وَلا تَنْهَرْهُما سابعها: وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ثامنها: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ تاسعها: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما عاشرها: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ حادي عشرها:\rوَالْمِسْكِينَ ثاني عشرها: وَابْنَ السَّبِيلِ ثالث عشرها: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً رابع عشرها: فَقُلْ لَهُمْ الخ خامس عشرها: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً سادس عشرها: وَلا تَبْسُطْها الخ سابع عشرها: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ثامن عشرها: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى تاسع عشرها: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ عشرونها: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ والبقية وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ، وَلا تَقْفُ، وَلا تَمْشِ الخ وكلها تكليفات اهـ زكريا وشهاب.\rقوله: كانَ سَيِّئُهُ في قراءة سبعية بالتاء، وفي أخرى سيئه بهاء الضمير، وهما سبعيتان، فعلى الأولى يكون قوله: كُلُّ ذلِكَ المذكور والمراد به ما تقدم من المنهيات، وهي اثنتا عشرة خصلة، وتأنيث سيئة مراعاة لمعنى كل. وقوله: مَكْرُوهاً تذكيره مراعاة للفظها وعند ربك خبر ثان ومكروها خبر ثالث أي: محرما مبغوضا فاعله معاقبا عليه، وعلى الثانية يكون المراد بقوله كل ذلك المذكور جميع ما تقدم من قوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى هنا، وجملته خمسة وعشرون نوعا من التكالف. وقوله: كانَ سَيِّئُهُ أي السيىء منه وهو المنهيات، وهي اثنا عشر، ويكون في الآية اكتفاء أي: وكان حسنه أي الحسن منه، وهو المأمورات عند ربك مرضيا محمودا اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قال في الكشاف: فإن قلت: فما ذكر من الخصال بعضها سيىء وبعضها حسن، ولذلك قرأ من قرأ سيئة بالإضافة، فما وجه من قرأ سيئة؟ قلت: كل ذلك إحاطة بما نهي عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة اهـ.\rقوله: ذلِكَ أي المذكور من قوله لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى هنا. مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ من الْحِكْمَةِ من تبعيضه أي بعض ما أوحى إليك، وهو ثابت في جميع الشرائع لم ينسخ، وذكر هنا في ثمان عشر آية أولها: لا تَجْعَلْ الخ، وذكر في التوراة في عشر آيات. وقوله: مِنَ الْحِكْمَةِ) خبر ثان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ذلك مما أوحى مبتدأ وخبر، وذلك إشارة إلى جميع ما تقدم من التكاليف وهي أربعة وعشرون نوعا. أولها: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، وآخرها وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.\rومِمَّا أَوْحى من للتبعيض، لأن هذه بعض ما أوحاه اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: مِنَ الْحِكْمَةِ أي التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به اهـ بيضاوي.\rفالتوحيد من القسم الأول وباقي التكاليف من القسم الثاني اهـ زاده.\rوفي السمين: قوله مِنَ الْحِكْمَةِ يجوز فيه ثلاث أوجه، أحدها: أن يكون حالا من عائد","part":4,"page":314},{"id":1335,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 315\rآخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39) مطرودا عن رحمة اللّه\rأَفَأَصْفاكُمْ أخلصكم يا أهل مكة رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً بنات لنفسه بزعمكم إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ بذلك قَوْلًا عَظِيماً (40)\rوَلَقَدْ صَرَّفْنا بينا فِي هذَا الْقُرْآنِ من الأمثال والوعد والوعيد لِيَذَّكَّرُوا يتعظوا وَما يَزِيدُهُمْ الموصول المحذوف تقديره من الذي أوحاه إليك حال كونه من الحكمة، أو حال من نفس الموصول.\rالثاني: أنه متعلق بأوحى، ومن إما تبعيضية لأن ذلك بعض الحكمة، وإما للابتداء، وإما للبيان وحينئذ تتعلق بمحذوف. الثالث: إنها مع مجرورها بدل مما أوحى اهـ.\rقوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإن من لا قصد له بطل عمله، ومن قصد بفعله أو تركه غيره تعالى ضاع سعيه، وعلى أنه رأس الحكمة وملاكها ورتب عليه أولا ما هو فائدة الشرك في الدنيا وثانيا ما هو نتيجته في العقبي، فتلقى في جهنم ملوما تلوم نفسك مدحورا مبعدا من رحمة اللّه تعالى اهـ بيضاوي.\rوفي المختار: دحره طرده وأبعده وبابه خضع اهـ.\rقوله: فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ الخ لما أمر بالتوحيد ونهى عن إثبات الشريك للّه أتبعه بذكر فساد طريقة من أثبت الولد له تعالى لا سيما أن يكون ذلك الولد أخس الأولاد، فقال: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ اهـ زاده.\rوالاستفهام للتقريع والتوبيخ والنفي أي: لم يفعل ذلك. وقوله: (أخلصكم) بيان للمعنى اللغوي، لأن التصفية في اللغة معناها التخليص، لكن هنا ضمن معنى خصكم لأجل تعلق بالبنين اهـ شيخنا.\rوألفه منقلبة عن واو، لأنه من صفا يصفو. واتخذ يجوز أن يكون معطوفا على أصفاكم، ويجوز أن تكون الواو حال، وقد مقدرة واتخذ متعد لمفعولين الأول: إناثا، والثاني: من الملائكة قدم على الأول اهـ سمين.\rقوله: (بنات لنفسه) من المعلوم أن هذا جمع مؤنث سالم ونصبه بالكسرة، فحقه أن لا ترسم فيه ألف بعد التاء وهو كذلك في بعض النسخ، وفي بعضها ثبوت الألف. وقال القاري: هو سهو من الناسخ، وقال الكرخي: هو جائز على لغة قليلة تنصبه بالفتحة اهـ شيخنا.\rقوله: لَتَقُولُونَ (بذلك) أي بسبب ذلك الاعتقاد والمذهب، وهو نسبة البنات إلى اللّه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بجعل الملائكة الذين هم من أشرف الخلق دونهم اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا مفعوله محذوف أي صرفنا أمثاله ومواعظه وقصصه وأخباره وأوامره اهـ سمين.","part":4,"page":315},{"id":1336,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 316\rذلك إِلَّا نُفُوراً (41) عن الحق\rقُلْ لهم لَوْ كانَ مَعَهُ أي اللّه آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا طلبوا إِلى ذِي الْعَرْشِ أي اللّه سَبِيلًا (42) ليقاتلوه\rسُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ من الشركاء عُلُوًّا كَبِيراً (43)\rتُسَبِّحُ لَهُ تنزهه السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ ما مِنْ شَيْءٍ من المخلوقات إِلَّا يُسَبِّحُ ملتبسا بِحَمْدِهِ أي يقول سبحان اللّه وبحمده وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تفهمون تَسْبِيحَهُمْ وقد أشار الشارح بقوله (من الأمثال الخ)، فمن فيه زائدة في المفعول اهـ شيخنا.\rقوله: وَما يَزِيدُهُمْ (ذلك) أي التصريف والتبيين اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ (لهم) أي في شأن الاستدلال على إبطال التعدد الذي زعموه، وإثبات الوحدانية.\rوحاصل الدليل أنه قياس استثنائي يستثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم وحذف منه كل من الاستثنائية والنتيجة، والتقدير لكنهم لم يطلبوا طريقا لقتاله فلم يكن هناك تعدد اهـ شيخنا.\rقوله: كَما يَقُولُونَ الكاف في موضع نصب، وفيها وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بما تعلقت به مع من للاستقرار قاله الحوفي. والثاني: أنها نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما تقولون، والمراد بالمشابهة الموافقة والمطابقة اهـ من السمين وأبي السعود.\rقوله: كَما يَقُولُونَ وقوله: عَمَّا يَقُولُونَ بقرأ بالياء التحتية فيهما وبالتاء الفوقية فيهما وبالياء التحتية في الأول والتاء الفوقية في الثاني، فالقراءات ثلاثة كلها سبعية، وعلى الأخيرة يكون في الكلام التفات اهـ شيخنا.\rقوله: إِذاً لَابْتَغَوْا إذا حرف جواب وجزاء. قال الزمخشري: وإذا دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب لمقالة المشركين وجزاء للو اهـ سمين.\rقوله: (ليقاتلوه) أي على عادة ملوك الدنيا عندهم تعددهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَعالى عطف على ما تضمنه المصدر تقديره تنزه وتعالى، وعن متعلقة به وعلوا مصدر واقع موعق التعالي، كقوله: أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: 17] في كونه على غير المصدر اهـ سمين.\rقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ الخ لما أبطل اللّه قول الذين قالوا الملائكة بنات اللّه، ونزه ذاته عما نسبوا إليه عقبه بقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ دلالة على أن الأكوان بأسرها دالة شاهدة بتلك النزاهة، ولكن المشركون لا يفهمون تسبيحها اهـ زاده.\rفالقصد من هذا توبيخهم وتقريعهم على إثبات الشركاء مع أن كل شيء ممن عداهم ينزهه عن كل نقص اهـ شيخنا.\rقوله: (من المخلوقات) أي الانس والجن والملك، وسائر الحيوانات والجمادات اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يقول سبحان اللّه وبحمده) ولا يسمعها إلا الكمل كالنبي، وبعض الصحابة. وجمهور السلف أنه على ظاهره من أن كل شيء حيوانا كان أو جمادا يسبح بلسان المقال، وهو الذي يشير له","part":4,"page":316},{"id":1337,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 317\rلأنه ليس بلغتكم إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) حيث لم يعاجلكم بالعقوبة\rوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) أي ساترا لك عنهم فلا يرونك، نزل فيمن أراد الفتك قوله الجلال، لأنه ليس بلغتكم الصريح في أنه بلغة أخرى، وذهب بعضهم إلى التفصيل، وهو أن تسبيح العقلاء بلسان المقال، وتسبيح غيرهم من الحيوان والجماد بلسان الحال حيث تدل تلك المخلوقات على الصانع وقدرته ولطيف حكمته، فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح اهـ.\rفإن قلت: يمنع من شموله الثاني قوله: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لأنه مفقوه لنا؟ فالجواب:\rأن الخطاب فيه للكفار، وهم لا يفقهوا تسبيح الموجودات، لأنهم أثبتوا للّه شركاء وزوجا وولدا، بل هم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد اهـ كرخي.\rقوله: (لأنه ليس بلغتكم) أي بل بلغات لا تفهمونها أي: ولأنكم محجوبون عن سماعها. وهذا يقتضي أن تسبيح الجماد بلسان المقال، وهو الذي اختاره الخازن وأثبته بأحاديث متعددة وهو قريب جدا اهـ شيخنا.\rقوله: (حيث لم يعاجلكم بالعقوبة) أي على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم، ولذا كان غفورا لمن تاب اهـ.\rقوله: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي مطلقا أو ثلاث آيات مشهورات من النحل والكهف والجاثية، وهي في سورة النحل: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ [النحل: 108] وفي سورة الكهف وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الأنعام: 25 والإسراء: 46] وفي حم الجاثية أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [الجاثية: 23] الآية فكان اللّه تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون المشركين اهـ من الخطيب.\rوفي القرطبي: قلت: ويزاد إلى هذه الآيات أول سورة يس إلى قوله: فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:\r9] فإن في السيرة في هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ومقام علي رضي اللّه عنه في فراشه قال: وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ اللّه على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس: 1] إلى قوله: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:\r9] حتى فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن ينصرف اهـ.\rقوله: وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وهم المنكرون للبعث. اهـ.\rقوله: (أي ساترا لك) أي فاسم المفعول بمعنى اسم الفاعل. قوله: (فيمن أراد الفتك) كأبي جهل، وأم جميل زوجة أبي لهب، والفتك: بتثليث الفاء أي القتل على غرة أي غفلة اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: فتكت به فتكا من بابي ضرب وقتل، وبعضهم يقول فتكا مثلث الفاء بطشت به أو قتلته على غفلة وأفتكت به بالألف لغة اهـ.\rقوله: (فلا يرونك) هذا بالنسبة لبعضهم كان يحجب بصره عن رؤية النبي إذا أراده بمكروه، وهو","part":4,"page":317},{"id":1338,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 318\rبه صلّى اللّه عليه وسلّم\rوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ من أن يفهموا القرآن، أي فلا يفهمونه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا فلا يسمعونه وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46) عنه\rنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ بسببه من الهزء إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ قراءتك وَإِذْ هُمْ نَجْوى يتناجون بينهم أي يتحدثون إِذْ بدل من إذ قبله يَقُولُ الظَّالِمُونَ في تناجيهم إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (47) مخدوعا مغلوبا على عقله، قال تعالى\rانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور والكاهن والشاعر فَضَلُّوا بذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) طريقا إليه\rوَقالُوا منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49)\r* قُلْ لهم كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50)\rأَوْ خَلْقاً مِمَّا يقرأ القرآن، وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك القرآن وسمعه عن سماعه وهو المذكور بقوله:\rوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن ولا يستطيع سماعه وهو المذكور بقوله: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أغطية) ضمنها معنى الموانع فعداها بمن في قوله من أَنْ يَفْقَهُوهُ اهـ شيخنا.\rقوله: (ثقلا) بفتح القاف ضد الخفة وأما بسكونها فهو واحد الأثقال أي الأحمال، ويمكن إرادته هنا أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: (وحده) فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الحال وإن كان معرفة لفظا لأنه في قوة النكرة، إذ هو في معنى منفردا. والثاني: أنه منصوب على الظرف وهو قول يونس اهـ سمين.\rقوله: نُفُوراً مفعول من أجله أو مفعول مطلق لقوله: (و لو) لتفاوت معناهما، ويجوز أن يكون جمع نافر كقاعد وقعود وشاهد وشهود اهـ من البيضاوي والشهاب.\rوقوله: (عنه) أي عن استماعه. قوله: (من الهزء) بيان لما، وأشار به إلى أن المشركين كانوا يهزؤون بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزل تهديدا لهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم نحن أعلم بما يستمعون به والباء سببية، والمعنى ما يستمعون إليك بسببه، وهو الهزء والتكذيب. وعبارة الكواشي: بما يستمعون به هازئين أو الباء بمعنى اللام. وعبارة الكشاف: وبه في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي هازئين اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ يَسْتَمِعُونَ ظرف لأعلم وكذا، وإذ هم نجوى أي نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له وحين هم ذوو نجوى فيتناجون به ونجوى مصدر. ويحتمل أن يكون جمع نجي اهـ بيضاوي.\rقوله: (بدل من إذ قبله) أي من إذ هم نجوى.\rقوله: كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي بحيث مثلوك بالمسحور فقوله: (بالمسحور) متعلق بالأمثال أي شبهوك بالمسحور اهـ شيخنا.\rقوله: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً الاستفهام للإنكار والاستبعاد لما بين رطوبة الحي ويبوسة الرميم من المباعدة والمنافاة اهـ بيضاوي.","part":4,"page":318},{"id":1339,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 319\rيَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ يعظم عن قبول الحياة فضلا عن العظام والرفات فلا بد من إيجاد الروح فيكم فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا إلى الحياة قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ خلقكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ولم تكونوا شيئا لأن وقد تقدم خلاف القراءة في الاستفهامين في مثل هذه الآية في سورة الرعد، وتحقيق ذلك والعامل في إذا محذوف تقديره أنبعث أو أنحشر. إذا كنا دلّ عليه مبعوثون، ولا يعمل فيها مبعوثون لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، وكذا ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، وعلى هذا التقدير الذي ذكرته تكون إذا متمحضة للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية فيقدر العامل فيها جوابها تقديره: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً نبعث أو يقدر نحو ذلك، فهذا المحذوف جواب الشرط عند سيبويه، والذي انصب عليه الاستفهام عند يونس. وقوله: وَرُفاتاً الرفات ما بولغ في دقه وتفتيته وهو اسم لأجزاء ذلك الشيء المفتت، وقال الفراء: هو التراب يؤيده أنه تكرر في القرآن ترابا وعظاما، ويقال:\rرفت بالشيء يرفته بالكسر أي كسره، والفعال يغلب في التفريق كالحطام والرقاق والفتات. وقوله:\rخَلْقاً جَدِيداً يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر من معنى الفعل لا من لفظه أي: نبعث بعثا جديدا. والثاني: أنه في موضع الحال أي مخلوقين اهـ سمين.\rقوله: وَرُفاتاً أي أجزاء متفتتة، والرفات مفرد معناه ذكر، فالرفات والحطام بمعنى اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ كُونُوا حِجارَةً الخ أي قل لهم جوابا عن إنكارهم البعث بقولهم: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً الخ وهذا أمر تعجيز وإهانة، وإنما عبر فيه بمادة الكون لتعبيرهم بها في سؤالهم، والمعنى على تقدير شرط جوابه محذوف قدره الشارح بقوله: (فلا بد من إيجاد الروح فيكم)، وتقدير الشرط هكذا لو تكونون حجارة، مع أنها لا تقبل الحياة بحال أو حديدا مع أنه أصلب من الحجارة، أو خلقا آخر غيرهما كالجبال والسموات والأرض، فلا بد من إيجاد الحياة فيكم، فإن قدرته تعالى لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظاما مرفوته أي ممزوقة، وقد كانت طرية موصوفة بالحياة من قبل والشيء أقبل لما عهد فيه مما يعهد اهـ شيخنا. وأصله في البيضاوي.\rوفي زاده ما نصه: أجابهم اللّه تعالى بما معناه تحولوا بعد الموت إلى أي صفة تزعمون أنها منافاة للحياة، وأبعد عن قبولها كصفة الحجرية والحديدية ونحوهما، فليس المراد الأمر، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم اللّه عن الإعادة اهـ.\rقوله: مِمَّا يَكْبُرُ نعت لخلقا أي خلقا كائنا من الأشياء التي تكبر في صدوركم، أي: في قلوبكم أي في اعتقادكم عن قبول الحياة. أي: لو كنتم شيئا يكبر عندكم عن قبول الحياة لكنه أبعد شيء منها لأحياكم اللّه إذ لا يتعاصى على قدرته تعالى شيء اهـ شيخنا.\rقوله: (فضلا) متعلق بحجارة وما بعده، والمعنى لو كنتم حجارة أو حديدا أو خلقا آخر كالأرض والسموات فضلا عن العظام والرفات اللذين ذكرتموهما بقولكم: أَإِذا كُنَّا الخ لأحياكم اللّه، فإن إحياء الحديد والعظام بالنسبة إليه تعالى في طي قدرته اهـ شيخنا.\rقوله: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأ، وخيره محذوف أي الذي فطركم","part":4,"page":319},{"id":1340,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 320\rالقادر على البدء قادر على الإعادة بل هي أهون فَسَيُنْغِضُونَ يحركون إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ تعجبا وَيَقُولُونَ استهزاء مَتى هُوَ أي البعث قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51)\rيَوْمَ يَدْعُوكُمْ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل فَتَسْتَجِيبُونَ فتجيبون دعوته من القبور بِحَمْدِهِ بأمره وقيل يعيدكم، وهذا التقدير فيه مطابقة بين السؤال والجواب. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي يعيدكم الذي فطركم. الثالث: أنه فاعل بفعل مقدر أي: يعيدكم الذي فطركم، ولهذا صرح بالفعل في نظيره عند قوله: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 9]، وأول مرة ظرف زمان ناصبة فطركم اهـ سمين.\rقوله: (بل هي أهون) أي بالنظر لعقولنا وأفعالنا، وإلّا فهما بالنسبة إليه تعالى على حدّ سواء كسائر أفعاله تعالى، فخلق الجبل عنده مساو لخلق الذرة في السهولة، أي الطوع وعدم التعاصي على قدرته تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: فَسَيُنْغِضُونَ في المختار: نغض رأسه من باب نصر وجلس أي تحرك، وأنغض رأسه حركه كالمتعجب من الشيء، ومنه قوله تعالى: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ونغض فلان رأسه أي:\rحركه يتعدى ويلزم اهـ.\rوفي السمين: يقال: أنغض رأسه ينغضها أي حركها إلى فوق وإلى أسفل انغاضا فهو منغض، وأما نغض ثلاثيا ينغض وينغض بالفتح والضم فبمعنى تحرك لا يتعدى يقال: نغضت سنة أي تحركت تنغض نغضا ونغوضا اهـ.\rقوله: (تعجبا) أي واستهزاء وسخرية. قوله: أَنْ يَكُونَ محل أن مع ما في حيزها إما نصب على أنه خبر لعسى، وهي ناقصة واسمها ضمير البعث، أو رفع على أنه فاعل بعسى، وهي تامة أي:\rعسى كونه قريبا أو وقوعه في زمان قريب، وانتصاب قريبا على أنه خبر كان إن كانت ناقصة، وعلى الظرف إن كانت تامة أي: أن يقع في زمن قريب اهـ أبو السعود.\rقوله: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ منصوب بفعل مضمر أي: اذكروا أو على أنه بدل من قريبا إن جعل ظرفا اهـ أبو السعود.\rقوله: (على لسان إسرافيل) هذا أحد قولين، والآخر أن المنادي جبريل، وأن النافخ إسرافيل وصورة الدعاء والنداء أن يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء اهـ من الجلال في سورة ق.\rقوله: (فتجيبون دعوته) أي تبعثون، فالاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة اهـ كرخي.\rقوله: بِحَمْدِهِ حال من الواو في تستجيبون أي: فتجيبون حال كونكم حامدين للّه على كمال قدرته، لما قيل إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك اهـ بيضاوي.","part":4,"page":320},{"id":1341,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 321\rوله الحمد وَتَظُنُّونَ إِنْ ما لَبِثْتُمْ في الدنيا إِلَّا قَلِيلًا (52) لهول ما ترون\rوَقُلْ لِعِبادِي المؤمنين يَقُولُوا للكفار الكلمة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ يفسد بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53) بين العداوة، والكلمة التي هي أحسن هي\rرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بالتوبة والإيمان أَوْ إِنْ يَشَأْ تعذيبكم يُعَذِّبْكُمْ بالموت على الكفر وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ قوله: (و قيله له الحمد) أي وقيل المراد بالحمد أنهم يقولون وله الحمد، لكن عبارة البيضاوي المذكورة أسهل من هذه اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: بِحَمْدِهِ قال ابن عباس: بأمره، وقيل: بطاعته، وقيل: مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد، وقيل: هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين اهـ.\rقوله: إِنْ لَبِثْتُمْ إن نافية وهي معلقة للظن عن العمل، وقل من يذكر أن النافية في أدوات تعليق هذا الباب. قوله: (في الدنيا) أو في القبور وعبارة البيضاوي: وتستقصرون مدة لبثكم في القبور، كالذي مرّ على قرية أو مدة حياتكم بما ترون من الهول انتهت.\rقوله: يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي ولا يتخاشنوا معهم في الكلام، كأن يقولوا لهم أنكم من أهل النار، فإنه يهيجهم إلى الشر مع أن عاقبة أمرهم مغيبة عنا، والمراد بالكلمة الكلمة اللغوية على حد قوله:\rوكلمة بها كلام قد يؤم اهـ شيخنا\r\rقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ الخ تعليل لقوله يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقوله: بَيْنَهُمْ أي بين المؤمنين والمشركين وقوله: إن الشيطان كان للإنسان الخ غلة لقوله إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ اهـ شيخنا.\rوفي الحقيقة المعلل محذوف يعلم بطريق المفهوم تقديره: ولا يقولوا غير الأحسن، وهو القول الخشن على النفوس، لأن الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ الخ اهـ.\rقوله: يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ من باب نفع، ففي القاموس: ونزغه كمنعه طعن فيه واغتابه وبينهم أفسد وأغرى ووسوس اهـ.\rقوله: (يفسد) بَيْنَهُمْ أي يهيج الشر، فلعل المخاشنة معهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد اهـ شيخنا.\rقوله: (هي) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أي وما بينهما، وهو قوله: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ. إن الشيطان الخ اعتراض أي: قل للمؤمنين يقولوا للكفار رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ الخ، ولا يصرحوا بأنهم أهل النار، فإنه يهيجهم على الشر اهـ شيخنا.\rقوله: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أي بعاقبة أمركم كما يدل عليه قوله: إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ الخ تأمل.\rقوله: (بالتوبة) الباء سببية وكذا فيما بعده. قوله: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا أي موكولا إليك","part":4,"page":321},{"id":1342,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 322\rوَكِيلًا (54) فتجبرهم على الإيمان، وهذا قبل الأمر بالقتال\rوَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيخصهم بما شاء على قدر أحوالهم وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ بتخصيص كل منهم بفضيلة كموسى بالكلام وإبراهيم بالخلة ومحمد بالإسراء وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (55)\rوَرَبُّكَ لهم\rادْعُوا أمرهم، فتقسرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا، فدارهم ومر أصحابك بالتجمل منهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (فتجبرهم) في المصباح وجبرت الرجل على الشيء من باب قتل، وأجبرته لغتان جيدتان اهـ. فيقرأ ما هنا بضم التاء وفتحها اهـ.\rقوله: (و هذا) أي أمره بأن يأمر المؤمنين بأن يقولوا للكفار الكلام اللين، ويداروهم في الكلام قبل الأمر الخ أي: فهو منسوخ بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:\r73 والتحريم: 9] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بأحوالهم، فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء، وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون العراة الجوع أصحابه اهـ بيضاوي.\rوقوله: يتيم أبي طالب عبر بهذه العبارة حكاية عن الكفار، وإلّا فلا يجوز إطلاقها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى أنه أفتى بعض المالكية بقتل قائلها كما في الشفاء، فكان ينبغي للمصنف تركها، والجوع بضم الجيم وتشديد الواو جمع جائع اهـ شهاب.\rوفي هذه الباء قولان، أشهرهما: أنها تتعلق بأعلم كما تعلقت الباء بأعلم قبلها، ولا يلزم من ذلك تخصيص علمه بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقط. والثاني: أنها متعلقة بيعلم مقدرا قاله الفارسي محتجا بأنه يلزم من ذلك تخصيص علمه بمن في السموات والأرض وهو وهم، لأنه لا يلزم من ذكر الشيء نفي الحكم عما عداه، وهذا هو الذي يقول الأصوليون إنه مفهوم اللقب، ولم يقل به إلا أبو بكر الدقاق في طائفة قليلة، والأصح خلافه، فالجمهور على أن اللقب لا يحتج به اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ أي بالفضائل النفسانية والتبرىء عن العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتى داود عليه السّلام فإن شرفه بما أوحي إليه من الكتاب لا بما أوتيه من الملك، وقيل: هو إشارة إلى تفضيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً تنبيه على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء عليهم السّلام، وأمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون اهـ بيضاوي.\rقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وهو كتاب أنزل على داود يشتمل على مائة وخمسين سورة، أطولها قدر ربع من القرآن، وأقصرها قدر سورة إذا جاء نصر اللّه، وكلها دعاء للّه وتحميد ليس فيها حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود ولا أحكام، وإنما خص كتاب داود بالذكر، لأن اليهود زعمت أنه لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فكذبهم اللّه بقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً، والمعنى أنهم لم ينكروا فضل النبيين، فكيف ينكرون فضل محمد وإعطاءه القرآن اهـ خازن.","part":4,"page":322},{"id":1343,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 323\rالَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم آلهة مِنْ دُونِهِ كالملائكة وعيسى وعزير فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (56) له إلى غيركم\rأُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ هم آلهة يَبْتَغُونَ يطلبون إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ القربة بالطاعة أَيُّهُمْ بدل من واو يبتغون أي يبتغيها الذي هو أَقْرَبُ إليه فكيف بغيره وَيَرْجُونَ وفي أبي السعود: تعريف الزبور تارة وتنكيره أخرى، إما لأنه في الأصل فعول بمعنى المفعول كالحلوب، أو مصدر بمعناه كالقبور، وإما لأن المراد إيتاء داود زبورا من الزبر فيه ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مفعولا الزعم محذوفات لفهم المعنى، أي زعمتموهم آلهة فحذفها اختصارا جائز واقتصارا فيه خلاف اهـ سمين.\rوقدرهما الشارح بقوله: (أنهم آلهة) اهـ.\rقوله: مِنْ دُونِهِ فيه تقديم وتأخير تقديره: قل ادعوا الذي من دون اللّه زعمتم أنهم شركاء، فلا يرد السؤال كيف قال من دونه مع أن المشركين ما زعموا غير اللّه إلها دون اللّه، بل مع اللّه على وجه الشركة اهـ كرخي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 323\r\rله: مِنْ دُونِهِ فيه تقديم وتأخير تقديره: قل ادعوا الذي من دون اللّه زعمتم أنهم شركاء، فلا يرد السؤال كيف قال من دونه مع أن المشركين ما زعموا غير اللّه إلها دون اللّه، بل مع اللّه على وجه الشركة اهـ كرخي.\rقوله: (كالملائكة) أي كطائفة منهم، أي: وكطائفة من الجن وكمريم وليس المراد بالآلهة هنا ما يشمل الأصنام، بل خصوص من له عقل لأجل قوله: فيما يأتي أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا يَمْلِكُونَ أي لا يستطيعون.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ أولئك: مبتدأ واقع على الذين زعموهم آلهة من العقلاء، والخبر قوله:\rيَبْتَغُونَ وما عطف عليه من قوله: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ والذين بدل من أولئك أو عطف بيان عليه، فهو واقع على المعبودين، والواو في يدعون واقعة في العابدين، فليست عائد الموصول بل هو محذوف كما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ أولئك مبتدأ وفي خبره وجهان، أظهرهما: أنه الجملة من يبتغون والموصول نعت أو بيان أو بدل، والمراد باسم الإشارة الأنبياء الذين عبدوا من دون اللّه، والمراد بالواو العباد لهم، ويكون العائد على الذين محذوفا، والمعنى أولئك الأنبياء الذين يدعونهم المشركون لكشف ضرهم أو يدعونهم آلهة بمفعولها أو مفعولاها محذوفان، ويجوز أن يكون المراد بالواو ما أريد بأولئك أي: أولئك الأنبياء الذين يدعون ربهم، أو الناس إلى الهدى يبتغون، فمفعول يبتغون محذوف. والثاني: أن الخبر نفس الموصول، ويبتغون على هذا حال من فاعل يدعون أو بدل منه اهـ.\rوالمعنى أن هؤلاء المعبودين لهم مفتقرون إلى اللّه وراجون رحمته وخائفون عذابه فلا يصلحون للألوهية لأن الإله يكون غنيا الغنى المطلق اهـ شيخنا.\rقوله: (القربة بالطاعة) أي القرب بالطاعة. قوله: (بدل من واو يبتغون) أي: وأقرب خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة أي اهـ.\rقوله: (الذي هو) أَقْرَبُ (إليه) أي إلى مناجاته وهم الملائكة، وقوله: (فكيف بغيره) أي بغير","part":4,"page":323},{"id":1344,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 324\rرَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ كغيرهم فكيف تدعونهم آلهة إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57)\rوَإِنْ ما مِنْ قَرْيَةٍ أريد أهلها إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ بالموت أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً بالقتل وغيره كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ اللوح المحفوظ مَسْطُوراً (58) مكتوبا\rوَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ الأقرب كعيسى، وقوله: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ أي الجنة. قوله: (فكيف يدعونهم آلهة) أي والإله لا يكون محتاجا اهـ.\rقوله: كانَ مَحْذُوراً أي حقيقا بأن يحذره أي: يخافه كل أحد حتى الرسل والملائكة اهـ بيضاوي.\rقوله: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ من زائدة في المبتدأ أي: قرية طائعة أو عاصية، ثم قسمها بقوله: إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها أي الطائفة، وقوله: أَوْ مُعَذِّبُوها أي العاصية اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ (بالموت) أي فإن الهلاك قد يستعمل في الموت كقوله: (إن امرؤ هلك) أي مات، فحمل الأهلاك على الإماتة من غير تسليط أحد على الميت أخذا من المقابلة، وقال الزجاج: أي ما من قرية إلا وستهلك إما بموت وإما بعذاب، وقال مقاتل: أما المؤمنة الصالحة فبالموت، وأما الصالحة فالبعذاب اهـ زاده.\rقوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ الخ سبب نزول هذه الآية أنهم قالوا للنبي: أقلب لنا الصفا ذهبا وسيّر لنا هذه الجبال عن مكة لنزرع مكانها، فإن فعلت آمنا بك، فسأل اللّه سبحانه وتعالى في ذلك فقال له: نفعل ذلك لكن إن لم يؤمنوا أهلكناهم، لأن هذه عادتنا في الأمم الماضية، ونحن لا نريد إهلاكهم، لأن بعضهم سيؤمن وبعضهم سيلد من يؤمن، وسينصرك من يؤمن منهم فيتم أمرك ويظهر اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: وَما مَنَعَنا الخ أي ما السبب في ترك الإتيان بها إلا أن كذب بها الأولون أي: إلا طريقة تكذيب الأولين، وهي أهلاكنا لمن كذب بعد أن نأتيه بما اقترح فلم يؤمن اهـ شيخنا.\rوفي زاده: أي: وما منعنا أن نرسل بها إلا علمنا بأن الآخرين يكذبون بها كما كذب بها الأولون، فيستوجبون عذاب الاستئصال على ما جرت به السنة الإلهية اهـ.\rوفي السمين: قوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ أن الأولى وما حيزها في محل نصب أو جر على اختلاف القولين، لأنها على حذف الجار أي من أن نرسل، والثانية وما في حيزها في محل رفع بالفاعلية أي: ما منعنا من إرسال الرسل بالآيات إلا تكذيب الأولين، أي:\rلو أرسلنا الآيات المقترحة لقريش لأهلكوا عند تكذيبهم كعادة من قبلهم، لكن علم اللّه تعالى أنه يؤمن بعضهم ويلد بعضهم من يؤمن، فلذلك لم يرسل اللّه الآيات لهذه المصلحة. وقدر أبو البقاء مضافا قبل الفاعل، فقال: تقديره إلا إهلاك التكذيب كأنه يعني أن التكذيب نفسه لم يمنع من ذلك، وإنما منع منه ما يترتب على التكذيب وهو الإهلاك، ولا حاجة إلى ذلك لاستقامة المعنى بدونه اهـ.\rوعبار الكرخي: والمنع هنا مجاز عن الترك، كأنه قال: وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات إلا","part":4,"page":324},{"id":1345,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 325\rبِالْآياتِ التي اقترحها أهل مكة إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحقوا الإهلاك وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ آية مُبْصِرَةً بينة واضحة فَظَلَمُوا كفروا بِهَا فأهلكوا وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ المعجزات إِلَّا تَخْوِيفاً (59) للعبادة فيؤمنوا\rوَاذكر إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ تكذيب الأولين، فلا يرد كيف قال: وَما مَنَعَنا الخ، مع أنه تعالى لا يمنعه عن إرادته مانع أي لأنه محال في حقه اهـ.\rقوله: بِالْآياتِ الباء زائدة كما يشير إليه قوله: (لما أرسلناها) أو للملابسة، والمفعول محذوف أي: وما منعنا أن نرسل نبيا حالة كونه ملتبسا بالآيات اهـ.\rوقوله: (التي اقترحها الخ) كقلب الصفا ذهبا وإزالة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها اهـ شيخنا.\rقوله: (آية) أي معجزة مبصرة بكسر الصاد باتفاق السبعة والإسناد مجازي أي: يبصرونها خارجة من الصخرة، وقرئ شاذا بفتح الصاد، وهي ظاهرة، وقول الشارح بينة واضحة يشير به إلى التجوز في الإسناد اهـ شيخنا.\rوفي السمين: مُبْصِرَةً حال وهو إسناد مجازي، إذ المراد إبصار أهلها، ولكنها لما كانت سببا في الإبصار نسب إليها اهـ.\rوالظاهر أن المراد الإبصار المعنوي، وهو الاهتداء بها والتوصل بها إلى تصديق نبيه، وعلى هذا تظهر السببية فإن وجودها سبب في هذا المعنى وأما حمل الإبصار على الحسي فلا تظهر فيه السببية إذ لا يقال إنها سبب في إبصار الناس لها، فليتأمل. ثم رأيت في الكرخي ما نصه: قوله: مُبْصِرَةً حال أي ذات إبصار، وإضافة الإبصار إليها مجاز لما كانت يبصر بها الناس رشدهم، ويستدلون على صدق الرسول، فإن قلت: ما وجه ارتباط هذا بما قبله؟ فالجواب: أنه لما أخبر بأن الأولين كذبوا بالآيات المقترحة عين منها ناقة صالح، لأن آثار ديارهم الهالكة باقية في ديار العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم اهـ.\rقوله: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ أي المقترحة إلا تخويفا من نزول العذاب المستأصل فإن لم يخافوا نزل، أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفا بعذاب الآخرة، فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة، والباء مزيدة، أو في موضع الحال والمفعول محذوف اهـ بيضاوي.\rأي ما نرسل نبيا ملتبسا بالآيات فتكون الباء للملابسة على الثاني اهـ شهاب.\rقوله: إِلَّا تَخْوِيفاً (للعباد فيؤمنوا) فيه إشارة إلى جواب عن سؤال هو أن هذا يدل على الإرسال بالآيات، وقوله قبل: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ يدل على عدمه. وإيضاح ذلك أن المراد بالآيات هنا العبر والدلالات وفيما قبله الآيات المقترحة، وقوله: إِلَّا تَخْوِيفاً يجوز أن يكون مفعولا له، وأن يكون مصدرا في موضع الحال إما من الفاعل أي: مخوفين، أو من المفعول أي مخوفا بها، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذْ قُلْنا لَكَ أي واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بالناس فهم في قبضة قدرته، أو","part":4,"page":325},{"id":1346,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 326\rبِالنَّاسِ علما وقدرة فهم في قبضته فبلغهم ولا تخف أحدا فهو يعصمك منهم وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ عيانا ليلة الإسراء إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أهل مكة إذ كذبوا بها وارتد بعضهم لما أخبرهم بها وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وهي الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم جعلناها فتنة لهم إذ قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته وَنُخَوِّفُهُمْ بها فَما يَزِيدُهُمْ تخويفنا إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (60)\rوَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية بالانحناء فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) نصب بنزع الخافض أي من طين\rقالَ أَرَأَيْتَكَ أي أخبرني هذَا الَّذِي أحاط بقريش بمعنى أهلكهم من أحاط بهم العود، فهو بشارة بوقعة بدر، والتعبير بلفظ الماضي لتحقق وقوعه اهـ بيضاوي.\rقوله: (فهو يعصمك منهم) أي من قتلهم لك دون غيره من الأذى، لأنه قد وقع كثيرا اهـ شيخنا.\rقوله: الَّتِي أَرَيْناكَ (عيانا) أي يقظة بعيني رأسه. أي: فالمراد بالرؤيا بالألف الرؤية بالتاء، وهي البصرية، وإن كان هذا الاستعمال قليلا، إذ الكثير في التي بالألف هي الحلمية اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا المعراج، وعلى اليقظة فهي بمعنى الرؤية فتسميتها رؤيا لوقوعها بالليل وسرعة تقضيها كأنه منام اهـ.\rقوله: وَالشَّجَرَةَ أي وما جعلنا الشجرة فهي معطوفة على الرؤيا، وقوله: الْمَلْعُونَةَ أي المؤذية أو المذمومة، فنعتها بذلك مجاز، لأن العرب تقول لكل طعام ضار إنه ملعون، أو المراد الملعون طاعموها، لأن الشجرة لا ذنب لها. وقيل: بل هو على الحقيقة ولعنها إبعادها من رحمة اللّه، لأنها تخرج في أصل الجحيم اهـ كرخي.\rقوله: (و هي الزقوم) وهي أخبث الشجر المر، وهي تنبت بتهامة وتنبت في الآخرة بأصل الجحيم أي قعرها، وتكون طعام أهل النار اهـ شيخنا.\rقوله: (إذ قالوا النار تحرق الخ) أي فنسبوا للّه العجز عن خلق شجرة في النار، وهو قادر على أكثر منه، ويقويه أن النعامة تبتلع الجمر والحديد المحمى بالنار ولا يحرقها، وأن طير السمندل يتخذ من وبره مناديل، فإذا اتسخت ألقيت في النار فيزول وسخها وتبقى بحالها اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: إذ قالوا النار تحرق الشجر، فكيف تنبته؟ أي: فكيف تنبت فيها شجرة رطبة، غافلين عن قدرة حافظ وبر السمندل في النار. والسمندل: دويبة ببلاد الترك يتخذ من وبرها مناديل إذا اتسخت طرحت في النار، فيذهب الوسخ ويبقى المنديل سالما لا تعمل فيه النار قاله في الكشاف اهـ.\rقوله: وَنُخَوِّفُهُمْ بها عبارة أبي السعود: ونخوفهم بها وبنظائرها من الآيات، فإن الكل للتخويف وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار اهـ.\rقوله: (نصب بنزع الخافض) عبارة السمين: قوله طِيناً فيه أوجه. أحدهما: أنه حال من من، والعامل فيها أأسجد أو من عائد هذا الموصول أي خلقته طينا، فالعامل فيها خلقت، وجاز وقوع طينا","part":4,"page":326},{"id":1347,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 327\rكَرَّمْتَ فضلت عَلَيَ بالأمر بالسجود له وأنا خير منه خلقتني من نار لَئِنْ لام قسم حالا، وإن كان جامدا لدلالته على الاصالة، كأنه قال متأصلا من طين. الثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض أي: من طين كما صرح به في الآية الأخرى، وخلقته من طين. الثالث: أن ينصب على التمييز؛ قاله الزجاج وتبعه ابن عطية، ولا يظهر ذلك إذا لم يتقدم إبهام ذات ولا نسبة اهـ.\rقوله: هذَا الَّذِي هذا مفعول أول، والذي بدل منه أو صفة له، وكرمت صلة الموصول، 1 والمفعول الثاني محذوف تقديره لم كرمته عليّ ولم يجبه عن هذا السؤال إهمالا له وتحقيرا حيث اعترض على مولاه، وسأله بلم اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: أَرَأَيْتَكَ الخ الكاف لتأكيد الخطاب لا محل لها من الإعراب وهذا مفعول أول والموصول صفته، والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه أي: أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته علي. وقيل: الكاف هي المفعول الأول، وهذا مبتدأ حذف منه حرف الاستفهام، والموصول مع صلته خبره والجملة هي المفعول الثاني، ومقصوده الاستصغار والاستحقار أي: أخبرني أهذا من كرمته عليه اهـ.\rوفي البخاري: عن أسماء قالت: جاءت امرأة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ الحديث. وفي القسطلاني عليه أطلقت الرؤية وأرادت الإخبار لأنها سببه أي: أخبرني والاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب اهـ.\rوبهامشه بخط أبي العز العجمي ما نصه: حاصله كما في الكرماني أن فيه تجوزين إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر اهـ.\rفاستعمال الرؤية بمعنى الإخبار لأنها سببه فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب، وقوله (أي أخبرني) تفسير للمعنى المراد من الاستفهام، وقوله الاستفهام اسم السبب وإرادة المسبب، وقوله أي أخبرني تفسير للمعنى المراد من الاستفهام، وقوله الاستفهام بمعنى الأمر تفسير للمعنى الحاصل من جملة التركيب، وبهذا يندفع ما قد يتوهم من أن في عبارته تخلفا، فإن قوله أطلقت الرؤية وأرادت الإخبار يفيد أنه من المجاز المرسل، وقوله والاستفهام معنى الأمر يفيد أنه استعارة، ووجه الدفع ما تقدمت الإشارة إليه من أن الأول في جزء من المركب، والثاني في جملته اهـ.\rوفي السمين: قال أبو حيان: ولو ذهب إلى أن الجملة القسمية هي المفعول الثاني لكان حسنا.\rقلت: يرد ذلك التزام كون المفعول الثاني جملة مشتملة على استفهام، وقد تقرر جميع ذلك في الأنعام، فعليك باعتباره هنا اهـ.\rقوله: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم، وجوابه لأحتنكن ذريته إلا قليلا أي لأستأصلنهم بالإغواء إلّا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا مأخوذ من الحنك. وقيل: معنى لأحتنكن لأسوقنهم وأقودنهم حيث شئت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها اهـ بيضاوي وشهاب.\rوفي المختار: حنك الفرس جعل في فيه الرسن، وبابه نصر وضرب، وكذا احتنكه، واحتنك","part":4,"page":327},{"id":1348,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 328\rأَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَ لأستأصلن ذُرِّيَّتَهُ بالإغواء إِلَّا قَلِيلًا (62) منهم ممن عصمته\rقالَ تعالى له اذْهَبْ منظرا إلى وقت النفخة الأولى فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ أنت وهم جَزاءً مَوْفُوراً (63) وافرا كاملا\rوَاسْتَفْزِزْ استخف مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ بدعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى معصية وَأَجْلِبْ صح عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وهم الجراد الأرض أكل ما عليها وأتى على نبتها، وقوله تعالى حاكيا عن إبليس: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ قال الفراء: لأستولين عليهم، والحنك المنقار يقال: أسود مثل حنك الغراب، وأسود حانك مثل حالك، والحنك ما تحت الذقن من الإنسان وغيره اهـ.\rقوله أيضا: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ قرأ ابن كثير بإثبات ياء المتكلم وصلا ووقفا، ونافع، وأبو عمرو بإثباتها وصلا وحذفها وقفا. وهذه قاعدة من ذكر في الياءات والزوائد على الرسم، والباقون بحذفها وصلا ووقفا. هذا كله في حرف هذه السورة، أما الذي في المنافقون في قوله: لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون: 10] فالياء ثابتة للكل لثبوتها في الرسم الكريم اهـ سمين.\rقوله: (ممن عصمته) أي عصمة واجبة كالأنبياء، أو جائزة كصلحاء الأمة اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ (تعالى له) اذْهَبْ الخ أمره بأوامر خمسة القصد بها التهديد والاستدراج لا التكليف، لأنها كلها معاص، واللّه لا يأمر بها اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى وقت النفخة الأولى) مع أن غرضه الإمهال والإنظار إلى النفخة الثانية، وغرضه بذلك وطلب أن لا يموت أصلا، لأنه يعلم أنه لا موت بعد النفخة الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: جَزاؤُكُمْ غلب المخاطب الذي هو اللعين، لأنه سبب في الإغواء فمن تبعه مذكور في ضمن هذا الخطاب، وهذا كاف في الربط اهـ شيخنا.\rوفي السمين: يجوز أن يكون الخطاب للتغليب، لأنه تقدم غائب ومخاطب في قوله: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فغلب المخاطب، ويجوز أن يكون مرادا به من خاصة، ويكون ذلك على سبيل الالتفات اهـ.\rقوله: جَزاءً منصوب بالمصدر قبله، فهذا مصدر قد انتصب بالمصدر، وقوله: مَوْفُوراً اسم المفعول بمعنى اسم الفاعل، كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ مفعول استطعت محذوف أي: من استطعت أن تستفزه اهـ شيخنا.\rقوله: (و كل داع) أي سبب إلى المعصية. قوله: (صح عليهم) أي سقهم، وحاصله؛ تصرف فيهم بكل ما تقدر. والأمر للتهديد كما يقال: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك اهـ كرخي.\rقوله: بِخَيْلِكَ الباء للملابسة أي صح وصوت عليهم حال كونك ملتبسا ومصحوبا بجنودك الركاب والمشاة، والخيل تطلق على النوع المعروف وعلى الراكبين لها، والمراد هنا الثاني كما أشار له الشارح، وقوله: وَرَجِلِكَ اسم جمع لراجل بمعنى الماشي، كصحب اسم جمع لصاحب، وقرئ في السبعة ورجلك بكسر الجيم، وهو مفرد بمعنى الجمع فهو بمعنى المشاة اهـ شيخنا.","part":4,"page":328},{"id":1349,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 329\rالركاب والمشاة في المعاصي وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ المحرمة كالربا والغصب وَالْأَوْلادِ من الزنا وَعِدْهُمْ بأن لا بعث ولا جزاء وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ بذلك إِلَّا غُرُوراً (64) باطلا\rإِنَ وفي البيضاوي: والخيل الخيالة، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا خيل اللّه اركبي» اهـ.\rوما ذكر من أن الباء للملابسة بعيد من حيث المعنى المراد كما تدل عليه عبارة اللغويين واللائق بها أن تكون زائدة. وقد نص الشهاب على زيادتها حيث قال: وقيل: معنى اجلب اجمع، والباء زائدة أي أجلب عليهم خيلك اهـ.\rوفي المختار: وجلب على فرسه يجلب جلبا بوزن طلب يطلب طلبا صاح به من خلفه واستحثه للسبق، وكذا أجلب عليه اهـ.\rوهذا يقتضي زيادة الباء، ويكون المعنى عليه وحث وأسرع عليهم جندك خيلا ومشاة لتدركهم وتتمكن منهم فليتأمل. قوله: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ فإبليس إذا تسبب في الربا وغيره بالحمل عليه كان المال الذي يتحصل من الحرام نصيبه، فيخلطه الإنسان بماله فيصير الشيطان شريكا له، وكذا يقال في قوله وَالْأَوْلادِ اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ أي بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي، والأولاد بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم والإشراك فيه بتسميته عبد العزى، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال القبيحة وعدهم المواعيد الباطلة، كشفاعة الآلهة، والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة لطول الأمل، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا اعتراض لبيان مواعده والغرور تزيين الخطأ بما يوهم الصواب اهـ.\rقوله: وَعِدْهُمْ أي احملهم على اعتقاد أن لا بعث. قوله: وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أي إلا وعدا غرورا أي باطلا، وفيه إظهار في مقام الإضمار والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال في ما تعدهم إلا غرورا اهـ شيخنا.\rوغرورا فيه أوجه.\rأحدها: أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه مصدر، والأصل إلا وعدا غرورا فيجيء فيه ما قيل في زيد عدل أي: إلا وعدا ذا غرور أو على المبالغة، أو إلا وعدا غارا ونسبة الغرور إليه مجاز.\rالثاني: أنه مفعول من أجله أي ما يعدهم من الأماني الكاذبة إلا لأجل الغرور.\rالثالث: أنه مفعول به على الاتساع أي ما يعدهم إلا الغرور نفسه، والجملة اعتراض فإنه وقع بين الجمل التي خاطب اللّه بها الشيطان اهـ كرخي.\rفائدة:\rذكر اليافعي عن الشاذلي أن مما يعين على دفع وسوسة الشيطان أنك عند وسوسته لك تضع يدك اليمنى على جانب صدرك الأيسر بحذاء القلب، وتقول: سبحان الملك القدوس الخلّاق الفعّال سبع مرات، ثم تقرأ قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:\r19] اهـ شيخنا.","part":4,"page":329},{"id":1350,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 330\rعِبادِي المؤمنين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ تسلط وقوة وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) حافظا لهم منك\rرَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي يجري لَكُمُ الْفُلْكَ السفن فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا تطلبوا مِنْ فَضْلِهِ تعالى بالتجارة إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (66) في تسخيرها لكم\rوَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ الشدة فِي الْبَحْرِ خوف الغرق ضَلَ غاب عنكم مَنْ تَدْعُونَ تعبدون من الآلهة فلا تدعونه إِلَّا إِيَّاهُ تعالى قوله: وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا الباء زائدة في الفاعل. قوله: (حافظا لهم منك) أي إن الشيطان وإن كان قادرا على الوسوسة بتمكين اللّه تعالى له، فإن اللّه تعالى أقدر منه وأرحم بعباده، فهو يدفع عنهم كيد الشيطان. وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه اللّه، وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، لأنه لو كان الإقدام على الحق والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه، لوجب أن يقال: وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك بل قال: وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا علمنا أن الكل من اللّه، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه، ولا قوة على طاعة اللّه إلا بقوته اهـ كرخي.\rقوله: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الخ تعليل لكفايته وبيان لقدرته على عصمة من توكل عليه في أموره اهـ زاده.\rوهذا شروع في تذكير بعض النعم عليهم حملا لهم على الإيمان اهـ شيخنا.\rقوله: يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ في القاموس: زجاه ساقه ودفعه كزجاه وأزجاه اهـ.\rوفي المختار: الفلك السفينة واحد وجمع يذكر ويؤنث. قال اللّه تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء: 119] فأفرد وذكر، وقال: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ [البقرة: 164] فأنث. ويحتمل الإفراد والجمع، وقال: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22] فجمع فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فيذكر وإلى السفينة فيؤنث اهـ.\rقوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي تبتغوا الربح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم اهـ بيضاوي.\rومن زائدة في المفعول اهـ.\rقوله: إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل ثان لقوله يزجي. قوله: (خوف الغرق) أي من خوف الغرق أي من أجله.\rقوله: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ أي ذهب عن خواطركم كل من تدعون في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون لكشفه إلا إياه، وضل كل من تعبدون عن إعانتكم، ولو كان معكم في البحر إلا اللّه تعالى اهـ بيضاوي.\rقوله: مَنْ تَدْعُونَ إن كان المراد بمن جميع الآلهة فالاستثناء متصل، وإن كان المراد بها غيره تعالى فهو منقطع اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا إِيَّاهُ فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء منقطع لأنه لم يندرج فيما ذكر، إذ المراد به آلهتهم. والثاني: أنه متصل لأنهم كانوا يلجؤون إلى آلهتم، وإلى اللّه تعالى اهـ.","part":4,"page":330},{"id":1351,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 331\rفإنكم تدعونه وحده لأنكم في شدة لا يكشفها إلا هو فَلَمَّا نَجَّاكُمْ من الغرق وأوصلكم إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عن التوحيد وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (67) جحودا للنعم\rأَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أي الأرض كقارون أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي يرميكم بالحصباء كقوم لوط ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) حافظا منه\rأَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ أي البحر تارَةً مرة أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ أي ريحا شديدة لا تمر بشيء إلا قصفته فتكسر فلككم فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ بكفركم قوله: إِلَى الْبَرِّ متعلق بمحذوف كما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً تعليل لقوله: أَعْرَضْتُمْ وترك فيه خطابهم تلطفا بهم حيث لم يقل لهم وكنتم كفارا اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَأَمِنْتُمْ استفهام توبيخ وتقريع والفاء عاطفة على مقدر أي: أنجوتم من الغرق فأمنتم الخ اهـ أبو السعود.\rوقوله: أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ إلى قوله: فَيُغْرِقَكُمْ جملة هذه الأفعال خمسة، وكلها تقرأ بالياء، ولا التفات حينئذ وبالنون التفاتا عن الغيبة إلى التكلم، والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أي نغوره بكم ونصيركم تحت الثرى أي: فأنتم وإن أمنتم من الإغراق الذي هو التغييب تحت الماء بالوصول إلى الشط، فلا تأمنوا من نظيره وهو الخسف الذي هو تغوير وتغييب تحت الثرى. وقوله: أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي ريحا ترميكم بالحصباء، والحصباء: الحجارة الصغار واحدتها حصبة كقصبة، وقول الشارح أي نرميكم بالحصباء يقتضي تفسير الحاصب بالحصباء مع أنه ليس كذلك، إذ الحاصب كما في القاموس له معنيان: الريح التي ترمي بالحصباء، والسحاب الذي يرميه، فلو فسر الشارح الحاصب بالريح كما صنع غيره لكان أولى. وفي المصباح: وحصبته حصبا من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل رميته بالحصباء اهـ.\rقوله: (جانب البر) وجهان، أظهرهما: أنه مفعول به كقوله: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [القصص: 81]. والثاني: أنه منصوب على الظرف، وبكم يجوز أن يكون حالا أي مصحوبا بكم، وأن تكون الباء للسببية قيل: ولا يلزم من خسفه بسببهم أن يهلكوا. وأجيب: بأن المعنى جانب البر الذي أنتم فيه، فيلزم من خسفه هلاكهم، ولو لا هذا التقدير لم يكن في التوعد به فائدة اهـ سمين.\rقوله: (حافظا منه) أي المذكور وهو أحد الأمرين.\rقوله: أَمْ أَمِنْتُمْ يجوز أن تكون المتصلة أي أي الأمرين كائن، ويجوز أن تكون المنقطة اهـ سمين.\rقوله: تارَةً أُخْرى بمعنى مرة وكرة، فهو مصدر، ويجمع على تيرة وتارات، وألفها يحتمل أن تكون عن واو أو عن ياء اهـ سمين.\rقوله: (إلا قصفته) أي كسرته يقال: قصفه يقصفه من باب ضرب بضرب، وقوله (فتكسرت فلككم) أشار به إلى أن قوله: فَيُغْرِقَكُمْ معطوف على مقدر هو هذا اهـ شيخنا.","part":4,"page":331},{"id":1352,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 332\rثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (69) ناصرا أو تابعا يطالبنا بما فعلنا بكم\r* وَلَقَدْ كَرَّمْنا فضلنا بَنِي آدَمَ بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك، ومنه طهارتهم بعد الموت وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الدواب وَالْبَحْرِ على السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا قوله: بِما كَفَرْتُمْ يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى الذي، والباء للسببية أي بسبب كفركم، أو بسبب الذي كفرتم به، ثم اتسع فيه فحذفت الباء، فوصل الفعل إلى الضمير، وإنما احتيج إلى ذلك لاختلاف المتعلق اهـ سمين.\rوقول الشارح بكفركم أي بسبب كفركم نعمة الإنجاء. قوله: بِهِ تَبِيعاً يجوز في به أن يتعلق بتجدوا، وأن يتعلق بتبيعا، وأن يتعلق بمحذوف، لأنه حال من تبيعا، والتبيع المطالب بحق الملازم للطلب اهـ سمين.\rوالمعنى أنّا نفعل ما نفعل بكم، ثم لا تجدوا لكم أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا لكم وإدراكا للثأر من جهتنا اهـ خازن.\rوأشار الشارح إلى أن تبيعا ضمن معنى ناصر ومعنى مطالب، فبالاعتبار الأول تعلق به علينا، وبالاعتبار الثاني تعلق به لفظ به وتكون على بمعنى اللام فكل من به وعلينا متعلق بتبيعا اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أي بأمور ذاتية كاعتدال الخلق وطهارتهم بعد الموت، وأمور عرضية كالعلم والنطق. وفي الخازن: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: معناه أنهم يأكلون بالأيدي، وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وقال أيضا بالعقل، وقيل: بالنطق والتمييز والخط والفهم، وقيل:\rباعتدال القامة وامتدادها، وقيل: بحسن الصورة، وقيل: الرجال باللحى والنساء بالذوائب، وقيل:\rبتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، وقيل: بحسن تدبيرهم أمر المعاش والمعاد، وقيل: بأن منهم خير أمة أخرجت للناس اهـ.\rقوله: (و منه) أي الغير طهارتهم بعد الموت، ومنه أيضا كونه يتناول الطعام بيده لا بحنكه وغير ذلك اهـ شيخنا.\rوما قيل من شركة القرد له في ذلك مبني على عدم الفرق بين اليد والرجل، فإنه يتناوله برجله التي يطأ بها الأرض والقاذروات لا بيده اهـ أبو السعود.\rأي لكونه من ذوات الأربع يده في حكم الرجل فلا كرامة في الأكل بها اهـ بيضاوي.\rوقوله: (على الدواب) الخ فهو من حملته على كذا إذا أعطيته ما يركبه، وعليه فالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام، أو المراد حملهم على البر والبحر بجعلهم قارين فيهما بواسطة أو دونها كما في السباحة في الماء اهـ شهاب.\rوفي الخازن: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ أي على الإبل والخيل والبغال والحمير، والبحر أي","part":4,"page":332},{"id":1353,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 333\rكالبهائم والوحوش تَفْضِيلًا (70) فمن بمعنى ما أو على بابها وتشمل الملائكة والمراد تفضيل وحملناهم في البحر على السفن، وهذا من مؤكدات التكرمة، لأن اللّه تعالى سخر لهم هذه الأشياء ليستعينوا بها على مصالحهم اهـ.\rقوله: مِنَ الطَّيِّباتِ أي المستلذات الحيوانية، كاللحم والسمن واللبن والنباتية كالثمار والحبوب اهـ شيخنا.\rوقيل: إن جميع الأغذية إما نباتية وإما حيوانية، ولا يتغذى الإنسان إلا بأطيب القسمين بعد الطبخ الكامل والنضج التام، ولا يحصل هذا لغير الإنسان اهـ خازن.\rقوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ الخ اعلم ان اللّه تعالى قال في أول الآية: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ: وفي آخرها: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا، فلا بد من الفرق بين التكريم والتفضيل، والأقرب أن يقال إن اللّه تعالى كرّم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ذاتية طبيعية مثل العقل والنطق والخط وحسن الصورة، ثم إنه تعالى عرفه بواسطة ذلك العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم، والثاني هو التفضيل اهـ خازن.\rقوله: (فمن بمعنى ما) أي فهي مستعملة في غير العقلاء، فكأنه قال: وفضلناهم على كثير من غير العقلاء، فعلى هذا يفهم التركيب أنهم لم يفضلوا على القليل من غير العقلاء، وهو غير صحيح، فعلى هذا يتعين جعل كثير بمعنى كل كما قاله بعضهم كالخازن، واستشهد له بقوله تعالى: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [الشعراء: 223] إذ المراد بالأكثر الكل، وقوله: (أو على بابها) أي من استعمالها في العاقل، لكن مع تغليبه على غيره، فالمراد بمن خلقنا جميع المخلوقات العقلاء وغيرهم، ويكون على هذا الخارج بالكثير هو القليل، والمراد به الملائكة، فكأنه قال: وفضلناهم على غير الملائكة، وقوله: وتشمل الملائكة أي لكن يخرجهم التقييد بالكثير، لكن على هذا لا يستقيم مع قوله، والمراد تفضيل الجنس أي جنس البشر، لأن التركيب على هذا لم يفد تفضيل جنس البشر على جنس الملك، بل أفاد عدم تفضيله عليه، ولذا قال البيضاوي: ولا يلزم من عدم تفضيله أي جنس البشر عدم تفضيل بعض أفراده اهـ.\rوفي زاده عليه: يعني إن سلمنا أن قوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ يدل على أن جنس بني آدم ليسوا مفضلين على جنس الملائكة، أو على الخواص منهم بناء على أن الكثير لم يعبر به عن الكل، ولكن اللازم منه أن لا يكون جميع أفراد بني آدم مفضلا على ما ذكر لا ينافي أن يكون بعض الأفراد مفضلا عليه اهـ.\rوحينئذ لا يستقيم كلام السيوطي إلا بجعل الكثير بمعنى الكل على هذا الاحتمال أيضا، ويدل عليه أيضا كلام الخازن، فكأن الآية قالت: وفضلناهم على كل من خلقنا ليفيد التركيب تفضيل جنس البشر على جنس الملك، ويستقيم قول السيوطي، والمراد تفضيل الجنس الخ تأمل. قوله: (و المراد تفضيل الجنس) أي جنس البشر على أجناس غيره، كالملائكة، ولا يلزم أي في تفضيل جنس البشر على جنس الملك تفضيل أفراده أي جنس البشر أي: كل فرد منهم، إذ هم أي الملائكة أي جملتهم أي","part":4,"page":333},{"id":1354,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 334\rالجنس ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم أفضل من البشر غير الأنبياء اذكر\rيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ نبيهم فيقال يا أمة فلان أو بكتاب أعمالهم فيقال يا صاحب الخير، يا صاحب الشر، جنسهم أفضل من البشر غير الأنبياء لا أفرادهم إذ عوام البشر أي: صلحاؤهم كالصديق أفضل من عوام الملائكة، أي غير الرؤساء منهم على المعتمد من طريق التفضيل اهـ شيخنا.\rقوله: كُلَّ أُناسٍ في المصباح: الإنسان من الناس اسم جنس يقع على المذكر والمؤنث والواحد والجمع والأناس قيل: فعال بضم الفاء، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفا غير قياس، فيبقى ناس اهـ.\rفعلى هذا ناس وزنه عال، لأن الفاء التي هي الهمزة قد حذفت اهـ.\rقوله: بِإِمامِهِمْ قال الخطيب: ذكر في تفسير الإمام هنا أقوالا:\rأحدها: إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «فينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى الأتباع يا أتباع نمروذ، يا أتباع فرعون، يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر».\rالقول الثاني: إمامهم كتابهم الذي أنزل عليهم فينادى في القيامة: يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل القرآن ماذا عملتم في كتابكم هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم نواهيه وهكذا.\rالقول الثالث: إمامهم كتاب أعمالهم قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس:\r12] فسمى اللّه تعالى هذا الكتاب إماما اهـ.\rوفي القرطبي: وقيل: بمذاهبهم فيدعون بمن كانوا يأتمون به في الدنيا ويقلدونه، فيقال: يا حنفي، يا شافعي، يا معتزلي، يا قدري ونحو ذلك. وقال أبو هريرة: يدعى أهل الصدقة من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد، الحديث بطوله.\rوقال محمد بن كعب: بإمامهم بأمهاتهم وإمام جمع أم كخفاف جمع خف. قلت: وفي هذا القول نظر، فإن في الحديث الصحيح عن أبي عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذ جمع اللّه الأوّلين والآخرين يوم القيامة رفع لكل غادر لواء يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان» أخرجه مسلم والبخاري. فقوله هذه غدرة فلان ابن فلان دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ويرد على من قال إنما يدعون بأسماء آبائهم، وعلى من قال إنما يدعون بأسماء أمهاتهم، لأن في ذلك سترا على آبائهم اهـ.\rولذا قال الزمخشري ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، وأن الحكمة فيه رعاية حق عيسى، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا اهـ سمين.\rقوله: (فيقال يا صاحب الخير الخ) على حذف مضاف صرح به غيره، أي: يا صاحب كتاب","part":4,"page":334},{"id":1355,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 335\rوهو يوم القيامة فَمَنْ أُوتِيَ منهم كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون من أعمالهم فَتِيلًا (71) قدرة قشرة النواة\rوَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أي الدنيا أَعْمى عن الحق فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى عن طريق النجاة وقراءة الكتاب وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) أبعد طريقا عنه ونزل في ثقيف وقد سألوه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحرم واديهم وألحوا الخير، يا صاحب كتاب الشر اهـ شيخنا.\rقوله: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ يجوز في من أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر لشبهه بالشرط، وحمل على لفظ من أولاد في قوله: أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فأفرد، وعلى المعنى ثانيا في قوله: فَأُولئِكَ فجمع اهـ سمين.\rقوله: (قدرة قشرة النواة) صوابه قدر الخيط الذي في الحز الكائن فيه طولا، إذ هذا هو الفتيل، وأما القشرة التي ذكرها فهي القطمير، وأما النقير فهو الخيط الذي في النقرة التي في ظهرها، ففي النواة أمور ثلاثة: فتيل وقطمير ونقير اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى وهو الذي يعطى كتابه بشماله، فهذا فيه المقابل من حيث المعنى اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وهذا بعينه هو الذي أوتي كتابه بشماله بدلالة حال ما سبق من الفريق المقابل له، ولعل العدول عن ذكره بذلك العنوان مع أنه الذي يستدعيه حسن المقابلة حسبما هو الواقع في سورة الحاقة، وسورة الانشقاق للإيذان بالعلة الموجبة له، كما في قوله تعالى: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ [الواقعة: 92] بعد قوله: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ [الواقعة: 90] وللرمز إلى علة حال الفريق الأول، وقد ذكر في أحد الجانبين المسبب، وفي الآخر السبب، ودل بالمذكور في كل منهما على المتروك في الآخرة تعويلا على شهادة العقل كما في قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [الأنعام: 17] اهـ.\rقوله: أَعْمى (عن الحق) أي فالمراد العمى القلبي كما في البيضاوي، ونصه: ومن كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى أيضا. المعنى: ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب لا يبصر رشده كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة وأضل سبيلا منه في الدنيا لزوال الاستعداد وفقدان الآلة اهـ.\rقوله: (و قراءة الكتاب) أي فلا يقرؤه قراءة سرور، وإلا فهو يقرؤه فيغتم ويقول: يا ليتني لم أوت كتابيه اهـ شيخنا.\rقوله: (أبعد طريقا عنه) أي عن طريق النجاة. قوله: (و نزل في ثقيف) وهم قبيلة يسكنون الطائف، وقوله: (أن يحرم واديهم) وهو: وج الذي من الطائف أي يجعله محرما كحرم مكة. وعبارة البيضاوي: نزلت في ثقيف قالوا له: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا نعشر، ولا نحشر، ولا نجبي في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وإن تمتعنا باللآت سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، فإذا أخذناه كسرناه وأسلمنا، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل: إن اللّه أمرني اهـ.","part":4,"page":335},{"id":1356,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 336\rعليه\rوَإِنْ مخففة كادُوا قاربوا لَيَفْتِنُونَكَ يستنزلونك عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لو فعلت ذلك لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73)\rوَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ على الحق بالعصمة لَقَدْ كِدْتَ قاربت تَرْكَنُ تميل إِلَيْهِمْ شَيْئاً ركونا قَلِيلًا (74) لشدة احتيالهم وإلحاحهم وهو وقوله (لا نعشر) بالبناء لمجهول أي لا يؤخذ منا عشر أموالنا الذي هو الزكاة، ولا نحشر بالبناء للمجهول أيضا أي لا نساق إلى الجهاد أي: لا نكلف الجهاد ولا نجبي في صلاتنا بضم النون وفتح الجيم وكسر الباء الموحدة المشددة من التجبية، وهي وضع اليد على الركبتين أو على الأرض، والانكباب على الأرض فهو كناية عن عدم الركوع والسجود والمراد لا نصلي اهـ من الشهاب.\rوفي زاده: انهم اشترطوا أن لا يكون عليهم زكاة ولا جهاد ولا صلاة، وإن كل ربا يستحقونه على غيرهم فهو لهم كالعوائد التي لهم على الناس، وكل ربا يستحقه غيرهم عليهم بعد تمام السنة فهو موضوع عنهم اهـ.\rوفي الخازن قال ابن عباس: قد وفد ثقيف على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال قال: «و ما هن؟» قالوا: لا نجبي في الصلاة أي لا ننحني، ولا تكسر أصنامنا إلا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، فأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم، وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها». قالوا:\rيا رسول اللّه إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل لهم: اللّه أمرني بذلك، فسكت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك، فأنزل اللّه وَإِنْ كادُوا أي هموا لَيَفْتِنُونَكَ الخ وتقدم أن السورة مكية إلا ثمان آيات أولها هذه وآخرها سلطانا نصيرا اهـ شيخنا.\rقوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وأنه أي الشأن والقصة كادوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (يستنزلونك) أي يطلبون نزولك عن الذي أي عن الحكم الذي أوحيناه إليك من الأمر والنهي والوعد والوعيد بأن تحكم لهم بغيره، وهو تحريم واديهم الذي طلبوه اهـ.\rوعبارة السمين: ضمن يفتنونك معنى يصرفونك، فلذا عدى بعن أي ليصرفونك بفتنتهم اهـ.\rقوله: لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا أي لتتقول وتكذب علينا غيره أي: غير الذي أوحينا إليك. قوله:\rوَإِذاً حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية كما فعل الشارح. وعبارة السمين: إذا حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، وقوله: لَاتَّخَذُوكَ جواب قسم محذوف تقديره واللّه لا تخذونك وهو مستقبل في المعنى، لأن إذا تقتضي الاستقبال إذ معناها المجازاة وهذا كقوله: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا [الروم: 51] أي ليظلوا اهـ.\rوقوله: (لو فعلت ذلك) أي الافتراء.\rقوله: شَيْئاً مفعول مطلق فهو بمعنى الركون كما ذكره الشارح اهـ.\rوفي السمين: وشيئا منصوب على المصدر وصفته محذوفة أي شيئا قليلا من الركون اهـ.","part":4,"page":336},{"id":1357,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 337\rصريح في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يركن ولا قارب\rإِذاً لو ركنت لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ عذاب الْحَياةِ وَضِعْفَ عذاب الْمَماتِ أي مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75) مانعا منه ونزل لما قال له اليهود إن كنت نبيا فالحق بالشام فإنها أرض الأنبياء قوله: (و هو صريح الخ) أي النظم المذكور، وهو قوله: وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ الخ صريح في أنه لم يركن أي باللازم، ولا قارب أي بمنطوق التركيب، وذلك لأن لو لا حرف امتناع لوجود أي: تدل على امتناع جوابها لوجود لوجود شرطها، فقوله: أَنْ ثَبَّتْناكَ في تأويل مبتدأ خبره محذوف وجوبا على القاعدة، وقوله: لَقَدْ كِدْتَ الخ جوابها، والمعنى ولو لا تثبيتنا إياك موجود لقاربت الركون إليهم أي: امتنع قربك من الركون لوجود تثبيتنا إياك، فالتركيب يدل على امتناع القرب من الركون، وإذا امتنع القرب منه امتنع هو بالضرورة اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: والمعنى أنك كنت على صدر الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلا عن أن تركن إليهم، وهو صريح في أنه عليه السّلام ما هم بإجابتهم مع قوة الدواعي إليها دليل على أن العصمة بتوفيق اللّه وحفظه اهـ.\rقوله: إِذاً (لو ركنت) كان الظاهر أن يقول إذ لو قاربت الركون لأن جواب لو لا هو المقاربة اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: ركنت على زيد اعتمدت عليه، وفيه لغات، إحداها: من باب تعب وعليه قوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود: 113]. والثانية: ركن ركونا من قعد. والثالثة: ركن يركن بفتحتين فيهما، وليست بالأصل، بل من تداخل اللغتين، لأن شرط باب فعل يفعل بفتحتين أن يكون حلقي العين أو اللام اهـ.\rقوله: (أي مثلي ما يعذب غيرك الخ) أي لأن خطأ الخطير خطير اهـ أبو السعود.\rقوله: (مانعا منه) أي من ضعف العذاب اهـ.\rقوله: (لما قال له اليهود الخ) هذا مبني على أن هذه الآية مدنية. وفي الخازن: وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة كره اليهود مقامه بالمدينة حسدا فأتوه فقالوا يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، فإن أرض الأنبياء الشأم، وهي الأرض المقدسة، وكان بها إبراهيم والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، فإن كنت نبيا مثلهم، فأت الشأم، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافة الروم، وإن اللّه سيمنعك من الروم إن كنت رسوله، فعكسر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ثلاثة أميال من المدينة. وفي رواية: إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه فيخرج، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية والأرض هنا أرض المدينة، وقيل:\rالأرض أرض مكة والآية مكية، والمعنى هم المشركون أن يخرجوه منها، فكفهم اللّه تعالى عنه صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى أمره بالخروج فخرج بنفسه، وهذه أليق بالآية، لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية، وقيل: هم المشركون كلهم، وأرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه، فمنع اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولم ينالوا منه ما أملوه اهـ.","part":4,"page":337},{"id":1358,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 338\rوَإِنْ مخففة كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ أرض المدينة لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لو أخرجوك لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ فيها إِلَّا قَلِيلًا (76) ثم يهلكون\rسُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا أي كسنتنا فيهم من إهلاك من أخرجهم وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (77) تبديلا\rأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ قوله: (فالحق بالشام الخ) بفتح الحاء من باب علم على الأفصح ومصدره لحاقا بفتح اللام والحاء اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: لحقته ولحقت به ألحق من باب تعب لحاقا بالفتح أدركته، وألحقته بالألف مثله اهـ.\rولما قالت اليهود هذا القول وقع في نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج متوجها للشام حتى قطع مرحلة، فنزلت هذه الآية، فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة، وأجلى بنو النضير بعد زمن قليل اهـ بيضاوي.\rقوله: (و إن مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وقوله: لَيَسْتَفِزُّونَكَ أي ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ قرأ العامة برفع الفعل بعد إذا ثابت النون وهي مرسومة في مصاحف العامة، ورفعه وعدم إعمال إذا فيه من وجهين. أحدهما: أنها توسطت بين المعطوف عليه، فقد عطف الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد، وخبر كاد واقع موقع الاسم، فيكون لا يلبثون عطفا على قوله لَيَسْتَفِزُّونَكَ. الثاني: أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك. والتقدير:\rواللّه إذا لا يلبثون، وقرأ أبي بحذف النون، فنصبه بإذا عند الجمهور، وبأن مضمرة بعدها عند غيرهم، وفي مصحف عبد اللّه لا يلبثوا بحذفها ووجه النصب أنه لم يجعل الفعل معطوفا على ما تقدم ولا جوابا اهـ سمين.\rقوله: (خلفك) قرأ الأخوان وابن عامر، وحفص خلافك بكسر الخاء وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاء وسكون اللام، والقراءتان بمعنى واحد، قال تعالى: بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: 81] والمعنى بعد خروجك وكثر إضافة قبل وبعد ونحوهما إلى أسماء الأعيان على حذف مضاف، فيقدر في قولك جاء زيد قبل عمرو. أي: قبل مجيئه، وقوله: قَلِيلًا يجوز أن يكون صفة لمصدر أو لزمان محذوف أي إلا لبثا قليلا أو إلّا زمانا قليلا اهـ سمين.\rقوله: (ثم يهلكون) قال القارىء الأولى قراءته بالبناء للمفعول اهـ.\rقوله: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا أي سنتنا فيمن الخ بدليل ولا تجد لسنتنا اهـ شيخنا.\rوسنة فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ينتصب على المصدر المؤكد أي سنّ اللّه ذلك سنة أو سننا ذلك سنة. الثاني: قال الفراء: إنه على إسقاط الخافض أي كسنة اللّه، وعلى هذا لا يوقف على قوله إلا قليلا. الثالث: أن ينتصب على المفعول أي اتبع أنت سنة الخ اهـ سمين.\rقوله: (أي كسنتنا فيهم) أي الرسل، وأشار بهذا إلى أن سنة منصوب بنزع الخافض كما صرح به السمين. أي: نفعل باليهود من إهلاكهم لو أخرجوك كسنتنا أي طريقتنا وعادتنا فيمن قد مضى من الرسل حيث نهلك من أخرجهم من ديارهم اهـ شيخنا.","part":4,"page":338},{"id":1359,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 339\rأي من وقت زوالها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ إقبال ظلمته أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء وَقُرْآنَ الْفَجْرِ صلاة الصبح إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أصل هذه المادة أي ما تركب من الدال واللام والكاف يدل على التحول والانتقال، ومنه الدلك فإن الدلاك لا تستقر يده، ومنه دلوك الشمس ففي الزوال انتقال من وسط السماء إلى ما يليه، وكذا كل ما تركب من الدال واللام بقطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل والانتقال فيه من مكان إلى آخر، ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشيا متثاقلا، ودلع بالعين المهملة إذا أخرج لسانه، ودلف بالفاء إذا مشى مشي المقيد أو بالقاف لإخراج المائع من مقره، ودله إذا ذهب عقله ففيه انتقال معنوي اهـ من البيضاوي والشهاب.\rوفي المصباح: دلكت الشيء دلكا من باب قتل مرسته بيدك، ودلكت النعل بالأرض مسحتها بها ودلكت الشمس والنجوم دلوكا من باب قعد زالت عن الاستواء، ويستعمل في الغروب أيضا اهـ.\rقوله: (أي من وقت زوالها) أشار بهذا إلى أن اللام بمعنى من الابتدائية أي: التي لابتداء الغاية، وأن في الكلام حذف مضاف، وأن الدلوك بمعنى الزوال أي: الميل عن وسط السماء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها بمعنى بعد أي بعد دلوك الشمس، ومثله قوله كتبته لثلاث خلون. والثاني: أنها على بابها أي: لأجل دلوك. قال الواحدي: لأنها إنما تجب بزوال الشمس. والدلوك مصدر دلكت الشمس، وفيه ثلاثة أقوال، أشهرها: أنه الزوال وهو نصف النهار.\rوالثاني: أنه من الزوال إلى الغروب. قال الزمخشري: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها. قلت: وهذا يفهم أنه ليس بمصدر لأنه جعله مشتقا من المصدر. والثالث: أنه الغروب، قال الراغب: دلوك الشمس ميلها للغروب اهـ.\rقوله: إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ في هذا الجار وجهان، أحدهما: أنه متعلق بأقم لانتهاء غاية الإقامة، وكذلك اللام في لدلوك متعلقة به أيضا. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الصلاة أي:\rأقمها ممدودة إلى غسق الليل قاله أبو البقاء وفيه نظر من حيث إنه قدر المتعلق كونا مقيدا إلا أن يريد تفسير المعنى لا الإعراب، والغسق دخول أول الليل قاله ابن شميل، وقيل: هو سواد الليل وظلمته، وأصله من السيلان يقال: غسقت العين أي سال دمعها، فكأن الظلمة تنصب على العالم وتسيل عليهم، ويقال غسقت العين امتلأت دمعا، وغسق الجرح امتلأ دما، فكأن الظلمة ملأت الوجود.\rوالغاسق في قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ [الفلق: 3] قيل المراد به القمر إذا كسف واسودّ. وقيل:\rالليل. والغساق بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار، ويقال: غسق الليل وأغسق وظلم وأظلم ودجى وأدجى وغبش وأغبش نقله الفراء اهـ سمين.\rقوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ فيه أوجه، أحدها: أنه عطف على الصلاة أي وأقم قرآن الفجر، والمراد به صلاة الصبح عبّر عنها ببعض أركانها. والثاني: أنه منصوب على الإغراء أي: وعليك قرآن الفجر كذا قدره الأخفش، وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريين تأبى هذا لأن اسماء الافعال لا تعمل مضمرة.\rالثالث: أنه منصوب بإضمار فعل أي: أقم قرآن أو الزم قرآن الفجر اهـ سمين.\rقوله: (تشهده) أي تحضره ملائكة الليل أي: الكاتبون والحفظة كما قال الشهاب: فالملائكة","part":4,"page":339},{"id":1360,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 340\rوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ فصلّ بِهِ بالقرآن نافِلَةً لَكَ فريضة زائدة لك دون أمتك أو فضيلة على تتعاقب على ابن آدم في صلاة الصبح وصلاة العصر كما هو مشهور اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ في من هذه وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بتهجد أي تهجد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف تقديره وقم قومة من الليل فتهجد، أو واسهر من الليل فتهجد، ذكرهما الحوفي. وكون من بمعنى بعض لا يقتضي اسميتها بدليل أن واو مع اسما بالإجماع، وإن كانت بمعنى اسم صريح وهو مع، والضمير في به الظاهر عوده على القرآن من حيث هو لا يقيد إضافته إلى الفجر، والثاني أنه يعود على الوقت المقدر أي وقم وقتا من الليل فتهجد بذلك الوقت، فتكون الباء بمعنى في اهـ سمين. ولو قال من بمعنى في لكان أوضح.\rوفي زاده: ومن الليل متعلق بتهجد أي تهجد بالقرآن بعض الليل، والأظهر أن يكون متعلقا بمحذوف عطف عليه فتهجد أي قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد بالقرآن، والمعروف في كلام العرب أن الهجود عبارة عن النوم بالليل يقال: هجد فلان إذا نام بالليل، ثم لما رأينا في عرف الشرع أنه يقال لمن انتبه بالليل من نومه وقام إلى الصلاة إنه متهجد وجب أن يقال سمي ذلك متهجدا من حيث إنه ألقى الهجود اهـ.\rوفي السمين: والتهجد ترك الهجود وهو النوم، وتفعل يأتي للسلب، نحو تحرج وتأثم، وفي الحديث كان يتحنث بغار حراء. وفي الهجود خلاف بين أهل اللغة فقيل: هو النوم، وقيل: الهجود مشترك بين القائم والمصلي. قال ابن الأعرابي: تهجد صلى من الليل وتهجد نام وهو قول أبي عبيد والليث اهـ.\rقوله: (فصل) يشير به إلى أن نافلة مفعول به لتهجد، ويصح أن يكون مفعولا مطلقا، والمعنى فتنفل نافلة، والنافلة مصدر كالعافية والعاقبة، ويصح أن يكون حالا، والمعنى فصل حال كون الصلاة نافلة اهـ من السمين.\rقوله: (بالقران) أي المذكور في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، لكنه ذكر أولا بمعنى صلاة الصبح، وأعيد عليه الضمير بمعنى القرآن المشهود، ففي الكلام استخدام كما في الكرخي.\rقوله: (فريضة زائدة لك دون أمتك) هذا التفسير مبني على أن قيام الليل كان واجبا في حقه دون أمته، وهو نافلة في المعنى اللغوي، وهو الزيادة لأنه زائد على الصلوات الخمس، وإن كان في حد ذاته فرضا عليه، وقوله: (أو فضيلة) أي فضيلة مندوبة زائدة على الصلوات الخمس، وهذا مبنى على أن قيام الليل كان مندوبا في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما هو كذلك في حق أمته. والقولان مقرران في كتب الفروع، وقد صرح بهما هنا الخازن، وأشار إليهما الشارح في التقرير كما عرفت. قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ الخ اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من اللّه تدخل فيما هو قطعي الوقوع، لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء ثم حرمه كان عارا عليه، واللّه أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه اهـ زاده.\rوفي نصب مقاما أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على الظرف أي يبعثك في مقام. الثاني: أن","part":4,"page":340},{"id":1361,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 341\rالصلوات المفروضة عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ يقيمك رَبُّكَ في الآخرة مَقاماً مَحْمُوداً (79) يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء، ونزل لما أمر بالهجرة\rوَقُلْ رَبِ ينتصب بيبعثك لأنه في معنى يقيمك يقال: أقيم من قبره وبعث منه بمعنى فهو نحو قعد جلوسا.\rالثالث: أنه منصوب على الحال أي يبعثك ذا مقام محمود. الرابع: أنه مصدر مؤكد وناصبه مقدر أي:\rفتقوم مقاما، وعسى على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعين فيها أن تكون التامة، فتكون مسندة إلى أن وما في حيزها إذ لو كانت ناقصة على أن يكون أن يبعثك خبرا مقدما وربك اسما مؤخرا لزم من ذلك محظور، وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإن مقاما على الأوجه الثلاثة الأول منصوب بيبعثك وهو صلة لأن، فإذا جعلت ربك اسما كان أجنبيا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلا لم يكن أجنبيا فلا يبالى بالفصل به. وأما على الوجه الرابع فيجوز أن تكون التامة والناقصة بالتقديم والتأخير لعدم المحظور، لأن مقاما معمول لغير الصلة، وهذا من محاسن صناعة النحو، وتقدم لك قريب من هذا في سورة إبراهيم عليه السّلام في قوله تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ [ابراهيم:\r10] اهـ سمين.\rوالمقام مكان القيام وفي الخطيب قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «و في هذه الآية هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي». وقال حذيفة: يجمع اللّه الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت سبحانك رب البيت. فقال:\rهذا هو المراد من قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً. ويدل للأول أحاديث منها ما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء اللّه تعالى من مات لا يشرك باللّه شيئا». ومنها ما روي عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يجمع اللّه الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك» وفي رواية فيهمون بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو الناس أشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لست هناكم إلى أن قال فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعط. قال: فأرفع رأسي فأثني على اللّه بثناء وتحميد يعلمنيه قال: ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني ثم يقول ارفع يا محمد وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعط، قال: فأرفع رأسي فأثني علي ربي بثناء يعلمنيه قال: ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة فأقول يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود». وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما «مقاما محمودا يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق سل تعط واشفع تشفع ليس أحد إلا تحت لوائك» اهـ.\rقوله: (و هو مقام الشفاعة) أي مكان الشفاعة أي المحل الذي يكون فيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين يشفع.\rقوله: (لما أمر بالهجرة) من المعلوم أن الأمر بها كان بمكة، وحينئذ فهذا الكلام يقتضي أن الآية مكية","part":4,"page":341},{"id":1362,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 342\rأَدْخِلْنِي المدينة مُدْخَلَ صِدْقٍ إدخالا مرضيا لا أرى فيه ما أكره وَأَخْرِجْنِي من مكة مُخْرَجَ صِدْقٍ إخراجا لا ألتفت بقلبي إليها وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) قوة تنصرني بها على أعدائك\rوَقُلْ عند دخولك مكة جاءَ الْحَقُ الإسلام وَزَهَقَ الْباطِلُ بطل الكفر إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) مضمحلا زائلا، وقد دخلها صلّى اللّه عليه وسلّم وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل مع أنها آخر الثمان المدنيات تأمل اهـ شيخنا.\rلكن تقدم للبيضاوي في أول السورة أنه مشى على أن السوره كلها مكية، وحكى الاستثناء الذي ذكره الجلال بقيل وعليه فلا إشكال.\rقوله: أَدْخِلْنِي من المعلوم أن ادخاله المدينة بعد اخراجه من مكة وإنما قدمه عليه اهتماما بشأنه، ولأنه هو المقصود له اهـ شيخنا.\rقوله: مُدْخَلَ صِدْقٍ المدخل والمخرج بالضم مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، فهما كالمجرى والمرسى كما ذكر الشارح اهـ شيخنا.\rوإضافتهما للبيان أو من إضافة الموصوف لصفته اهـ سمين. وإلى الثاني يشير صنيع السيوطي اهـ.\rوفسر الصدق بالمرضي لأن الصدق من أوصاف العقلاء، فإذا وصف به غيرهم كان دالا على أنه مرضي اهـ شهاب.\rوفي السمين: قرأ العامة بضم الميم فيهما، لأنه سبقهما فعل رباعي، وقرأ قتادة، وإبراهيم بن أبي عبلة وحميد، وأبو حيوة بفتح الميم فيهما، إما لأنهما مصدران على حذف الزوائد كأنبتكم من الأرض نباتا، وإما لأنهما منصوبان بمقدر موافق لهما تقديره: فادخل مدخل واخرج مخرج، وقد تقدم هذا مستوفى في سورة النساء في قراءة نافع، وأنه قرأ كذلك في سورة الحج اهـ.\rقوله: سُلْطاناً هو المفعول الأول للجعل، والثاني أحد الجارين المتقدمين والآخر متعلق باستقراره ونصيرا يجوز أن يكون بمعنى فاعل للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول اهـ سمين. أي منصورا به.\rقوله: (قوة تنصرني بها على أعدائك) عبارة الخازن: سُلْطاناً نَصِيراً أي: حجة بيّنة، وقيل:\rملكا قويا تنصرني به على من عاداني، أو عزا ظاهرا أقيم به دينك، فوعده اللّه تعالى لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما، ويجعله له. وأجاب دعاءه، وقال له: واللّه يعصمك من الناس، وقال: ليظهره على الدين كله اهـ.\rقوله: وَقُلْ (عند دخولك مكة) أي يوم الفتح. قوله: وَزَهَقَ الْباطِلُ في المختار: زهقت نفسه خرجت، ومنه قوله تعالى: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [الإسراء: 81] وزهق الباطل: أي اضمحل وبابهما خضع وزهق من باب تعب زهوقا لغة فيه عند بعضهم اهـ.","part":4,"page":342},{"id":1363,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 343\rيطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت، رواه الشيخان\rوَنُنَزِّلُ مِنَ للبيان الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ به وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ الكافرين إِلَّا خَساراً (82) لكفرهم به\rوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ الكافر أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ ثنى عطفه متبخترا وَإِذا مَسَّهُ قوله: (يطعنها) أي يطعن كلّا منها في عينه. وفي القاموس: طعنه بالرمح كمنعه ونصره ضربه به اهـ.\rقوله: (حتى سقطت) أي سقط كل منها مع أنها كانت مثبتة بالحديد والرصاص اهـ شيخنا.\rوبقي منها صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من نحاس أصفر، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا علي ارم به»، فصعد فرمى به فكسره اهـ بيضاوي.\rقوله: (من للبيان) أي بيان الجنس قال الزمخشري، وابن عطية، وأبو البقاء، فإن جميع القرآن شفاء وقدم على المبين للاهتمام، وأبو حيان ينكر جوازه، لأن التي للبيان لا بد أن يتقدمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، فالمختار أنها لابتداء الغاية، ويصح كونها تبعيضية اهـ.\rوالمعنى عليه أن منه ما يشفي من المرض كالفاتحة وباقي آيات الشفاء اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وهو شفاء من الأمراض الظاهرة والباطنة، أما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فإن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض يدل عليه ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في فاتحة الكتاب: «و ما يدريك أنها رقية». وأما كونه شفاء من الأمراض الباطنة، فلأنها تنقسم إلى نوعين.\rأحدهما: الاعتقادات الباطلة، الثاني: الأخلاق المذمومة. أما الاعتقادات الباطلة فالاعتقادات الفاسدة في الذات، والصفات، والنبوات، والقضاء، والقدر، والبعث بعد الموت، والقرآن كله مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه الأشياء، وإبطال المذاهب الفاسدة. فلا جرم كان القرآن شفاء لما في القلوب من هذا النوع.\rوأما النوع الثاني وهي الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على التنفير منها، والإرشاد إلى الأخلاق المحمودة والأعمال الفاضلة، فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الباطنة والظاهرة، فهو جدير بأن يكون رحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن ينتفع به، فكان رحمة للمؤمنين وخسارا للكافرين. وقيل: لأن كل آية تنزل يتجدد لهم تكذيب بها فيزداد خسرانهم. قال قتادة: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى اللّه الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا اهـ.\rقوله: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أي بالصحة والسعة أعرض أي عن ذكرنا ودعائنا ونأى بجانبه أي تباعد منا بنفسه وترك التقرب إلينا بالدعاء، وقيل: معناه تكبر وتعاظم اهـ خازن.\rقوله: وَنَأى في المصباح: ونأى نأيا من باب سعى بعد ويتعدى بنفسه وبالحرف، وهو الأكثر فيقال نأيته ونأيت عنه، ويتعدى بالهمزة فيقال أنأيته عنه اهـ.\rقوله: (ثنى عطفه) في المختار: وعطفا الرجل جانباه من رأسه إلى وركيه، وكذا عطفا كل شيء","part":4,"page":343},{"id":1364,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 344\rالشَّرُّ الفقر والشدة كانَ يَؤُساً (83) قنوطا عن رحمة اللّه\rقُلْ كُلٌ منا ومنكم يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ طريقته فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (84) طريقا فيثيبه\rوَيَسْئَلُونَكَ أي اليهود عَنِ جانباه، وثنى عطفه عنه أي أعرض عنه اهـ.\rوفي المصباح: عطفت الناقة على ولدها عطفا من باب ضرب حنت عليه ودرّ لبنها، وعطفته عن حاجته عطفا صرفته عنها اهـ.\rقوله: (متبخترا) أي متكبرا كأنه مستغن عن ربه مستبد بأمره اهـ بيضاوي.\rقوله: كانَ يَؤُساً هذا وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة، ولا ينافيه قوله: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فذو دعاء عريض، لأن ذلك شأن بعض آخرين منهم اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلى شاكِلَتِهِ متعلق بيعمل، والشاكلة أحسن ما قيل فيها ما قاله الزمخشري أنها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل، وهي الطرق التي تشعبت منه مأخوذة من الشكل، وهو المثل يقال: لست على شكلي ولا شاكلتي، وأما الشكل بالكسر فهو الهيئة.\rيقال: جارية حسنة الشكل اهـ سمين.\rأو الشاكلة الروح، فالمعنى عليه أن كل أحد يعمل على وفق روحه، فإن كانت روحه ذات شقاوة عمل عمل الأشقياء، وإن كانت سعيدة عمل عمل السعداء اهـ شهاب.\rوفي الخازن: وقيل: كل إنسان يعمل على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه شريفة طاهرة صدرت عنه افعال جميلة وأخلاق زكية طاهرة، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة اهـ.\rوفسرها البخاري في كتاب التفسير بالنية اهـ شيخنا.\rقوله: أَهْدى يجوز أن يكون من اهتدى على حذف الزوائد، وأن يكون من هدى المتعدي، وأن يكون من هدى القاصر بمعنى اهتدى وسبيلا تمييز اهـ سمين.\rقوله: (فيثيبه) الهاء عائدة على من.\rقوله: (أي اليهود) أي والمشركون من قريش بتعليم اليهود، والأول مروي عن علقمة عن عبد اللّه، والثاني عن ابن عباس اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: واختلف في سبب نزول قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ أي: تعنتا وامتحانا عن الروح، فعن عبد اللّه بن مسعود قال: بينما أنا أمشي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: اسألوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجىء بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: اسألوه فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه فقمت، فلما انجلى عنه قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ الآية قال بعضهم لبعض:\rقد قلنا لكم لا تسألوه. وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن قريشا اجتمعوا وقالوا: إن محمد نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب، وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه،","part":4,"page":344},{"id":1365,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 345\rالرُّوحِ الذي يحيا به البدن قُلِ لهم الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي علمه لا تعلمونه وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحد فهو نبي فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره، وعن الروح فسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «أخبركم بما سألتم غدا» ولم يقل إن شاء اللّه. قال مجاهد: فلبث الوحي اثني عشر يوما. وقيل: خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين يوما، وأهل مكة يقولون وعدنا محمد غدا. وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة، ثم نزل جبريل عليه الصلاة والسّلام بقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الكهف: 23] ونزل في الفتية أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف: 9] الآيات ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف: 83] الآيات ونزل في الروح قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية اهـ.\rوفي أبي السعود: فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة اهـ.\rقوله: عَنِ الرُّوحِ الظاهر أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدبر للبدن الإنساني ومبدأ حياته قل الروح أظهر في مقام الإضمار اظهارا لكمال الاعتناء بشأنه من أمر ربي كلمة من بيانية، والأمر بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي لاشتراك الكل فيه، وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى، كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (الذي يحيا به البدن) أي بنفخه فيه. قوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي أنه مما استأثر اللّه تعالى بعلمه وهو الأصح، ومعناه أنه موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة، فهو مثل قول موسى: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ* في جواب قول فرعون وما رب العالمين. والحاصل: أنه اقتصر في الجواب على قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي كما اقتصر موسى في جواب فرعون: وما رب العالمين على ذكر صفاته، وأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا اللّه تعالى، وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان وبملازمته له يبقى كما أومأ إليه قوله تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا على أن المفسرين قد اختلفوا في الروح في الآية، فعن ابن عباس أنه جبريل، وعنه رواية أنه جند من جنود اللّه لهم أيد وأرجل، وعن الحسن القرآن، وعن علي ملك له سبعون ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان يسبح اللّه تعالى بجميع ذلك فيخلق اللّه تعالى بكل تسبحة ملكا، وقيل عيسى، وعن عطية روح الحيوان وهو روح الآدميين والملائكة والشياطين واللّه أعلم. اهـ كرخي.\rقوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي قليلا لا يمكن تعلقه بأمثال ذلك اهـ أبو السعود.\rوهذا من جملة مقوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فهو من جملة جوابهم، فالخطاب خاص باليهود، لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة، وفيها العلم الكثير فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم اللّه تعالى، وقيل:\rالخطاب عام لجميع الخلق ومن جملتها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ من الخازن.","part":4,"page":345},{"id":1366,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 346\rإِلَّا قَلِيلًا (85) بالنسبة إلى علمه تعالى\rوَلَئِنْ لام قسم شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (86)\rإِلَّا لكن أبقيناه رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (87) عظيما حيث أنزله عليك وأعطاك المقام المحمود وروي أنه عليه الصلاة والسّلام لما قال لهم ذلك أي قوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالوا: أنحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: بل نحن وأنتم. فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول:\rوَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] وساعة تقول هذا، فنزل وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [لقمان: 27] وما قالوه من سوء فهمهم، فإن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه الطاقة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده وهو بالإضافة إلى معلومات اللّه تعالى التي لا نهاية لها قليل وهو بالإضافة إلى الإنسان كثير ينال به خير الدارين اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنَ الْعِلْمِ متعلق بأوتيتم، ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال من قليل، لأنه لو تأخر لكان صفة لأن ما في حيز إلا لا يتقدم عليها، وقرأ عبد اللّه والأعمش: وما أوتوا بضمير الغيبة اهـ سمين.\rقوله: (بالنسبة إلى علمه تعالى) أي وإن كان كثيرا في نفسه. قوله: (لام قسم) أي موطئة ودالة على قسم مقدر.\rقوله: لَنَذْهَبَنَ جواب القسم وجواب الشرط محذوف أي ذهبنا به على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم من حذف جواب المتأخر استغناء عنه بجواب المتقدم اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا أي من يتوكل علينا باسترداده مسطورا محفوظا اهـ بيضاوي أي من يتعهد ويلتزم استرداده بعد رفعه كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه اهـ شهاب.\rقوله: إِلَّا رَحْمَةً استثناء منقطع استدراك على قوله لَنَذْهَبَنَ أي فكما امتننا عليك بإنزاله امتننا عليك أيضا بإبقائه. وفي السمين: فيه قولان، أحدهما: أنه استثناء متصل لأن الرحمة تندرج في قوله وَكِيلًا أي: إلا رحمة، فإنها إن نالتك فلعلها، تسترده عليك. والثاني: أنه منقطع بلكن عند البصريين، وببل عند الكوفيين، ومن ربك يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لها اهـ.\rقوله: (لكن أبقيناه) أي إلى قرب قيام الساعة، فعند ذلك يرفع من المصاحف والصدور. قال عبد اللّه بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع. قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف ما في صدور الناس قال: يسرى عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا، ثم يفيضون في الشعر. وفي رواية: فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا، ونعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم قال: يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء، فترفع المصاحف وينزع ما في القلوب اهـ خطيب.\rقوله: (حيث أنزله الخ) تعليلية وقوله: (و غير ذلك الخ) كجعلك سيد ولد آدم وختم الأنبياء اهـ خازن.","part":4,"page":346},{"id":1367,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 347\rوغير ذلك من الفضائل\rقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ في الفصاحة والبلاغة لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) معينا نزل ردا لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا\rوَلَقَدْ صَرَّفْنا بيّنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ صفة لمحذوف أي مثلا من جنس كل مثل ليتعظوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ أي أهل مكة إِلَّا كُفُوراً (89) جحودا للحق\rوَقالُوا عطف على أبي قوله: قُلْ لَئِنِ لام قسم وفيه ما تقدم. قوله: الْإِنْسُ وَالْجِنُ وكذا الملائكة، وإنما لم يذكروا لأن التحدي ليس معهم والتصدي لمعارضته لا يليق بشأنهم اهـ شهاب.\rقوله: لا يَأْتُونَ فيه وجهان، أظهرهما: أنه جواب للقسم الموطأ له باللام. والثاني: أنه جواب للشرط، واعتذروا عن رفعه بأن الشرط ماض اهـ سمين.\rقوله: وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً أي في تحقيق ما يتوخونه من الإتيان بمثله وهو عطف على مقدر أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض، ولو كان الخ، وقد حذف المعطوف عليه حذفا مطردا لدلالة المعطوف عليه دلالة واضحة، فإن الإتيان بمثله حيث انتفى عند التظاهر، فلأن ينتفي عند عدمه أولى، وعلى هذه النكتة يدور ما في إن، ولو الوصليتين من التأكيد كما مر غير مرة، ومحله النصب على الحالية حسبما عطف عليه، أي: لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو في هذه الحال المنافية لعدم الإتيان بمثله فضلا عن غيرها، وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في روم تبديل بعض آياته ببعض اهـ أبو السعود.\rولبعض متعلق بظهيرا اهـ سمين.\rقوله: (نزل) أي قوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الخ وليس هذا دخولا على ما بعده، بل هو مرتبط بما قبله كما هو صريح الخازن اهـ.\rووجه الرد أن القرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق، لأنه غير مخلوق، ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي كررنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان للناس في هذا القرآن من كل مثل أي: من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه موقعا في الأنفس اهـ بيضاوي.\rومفعول صرفنا محذوف تقديره البينات والعبر. قال في الكشاف: ويجوز أن تكون من مؤكدة زائدة والتقدير: ولقد صرفنا كل مثل أي فهو المفعول وهو تخريج على مذهب الكوفيين والأخفش اهـ كرخي.\rقوله: (صفة محذوف) أي على أنه مفعول به لصرفنا، وقوله (أي مثلا) بيان للمحذوف، والمراد بالمثل المعنى الغريب البديع الذي يشبه المثل في الغرابة اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً فعجزوا عن الإتيان، فإن قيل: كيف جاز فأبى أكثر الناس إلا كفورا حيث وقع الاستثناء المفرغ في الإثبات، مع أنه لا يصح فلا يجوز أن يقال ضربت إلا زيدا؟\rفالجواب: أن لفظة أبى تفيد النفي، كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا اهـ كرخي.","part":4,"page":347},{"id":1368,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 348\rلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) عينا ينبع منها الماء\rأَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ بستان مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها وسطها تَفْجِيراً (91)\rأَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً قوله: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الخ لما تبين إعجاز القرآن، وانضمت إليه معجزات أخر وبينات، ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح الآيات، فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الخ.\rروي عن ابن عباس أن نفرا من قريش اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة، وطلبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجاءهم فقالوا له: يا محمد إن كنت جئت بهذا الحديث يعنون القرآن تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا من الجن تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا أموالا في طلب الطب حتى نبرئك منه، وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما بي شيء مما تقولون، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه عز وجل حتى يحكم اللّه بيني وبينكم». فقالوا: يا محمد إن كنت صادقا فيما تقول فسل لنا ربك الذي بعثك، فليسيّر عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا، ويبسط لنا بلادا ويفجر لنا فيها الأنهار كأنهار الشام والعراق، ويبعث، لنا من مضى من آبائنا، وليكن قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن صدقوك صدقناك، ثم قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل لنا ربك أن يبعث ملكا يصدقك واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة تعينك على معاشك، فقال: «ما بعثت بهذا».\rقالوا: فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، فإن ربك إن شاء فعل كما تقول، وقالوا لن نؤمن بك حتى تأتينا باللّه والملائكة قبيلا. وقال عبد اللّه بن أبي أمية. وهو ابن عمته صلّى اللّه عليه وسلّم عاتكة: لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ لك سلما إلى السماء ترقى فيه، وإنا ننظر إليك حتى تأتيها فتأتي بنسخة منشورة معك، وبنفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول. فانصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنهم حزينا لما رأى من تباعدهم عن الهدى، فأنزل اللّه عز وجل تسليه له صلّى اللّه عليه وسلّم: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الخ اهـ خازن.\rقوله: حَتَّى تَفْجُرَ الخ أي: حتى تأتينا بواحد من هذه الأمور الستة، وتفجر بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم المكسورة وبفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة قراءتان سبعيتان هذا في تفجر الأول، وأما فتفجر الثاني فهو بالقراءة الأولى لا غير باتفاق السبعة اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْأَرْضِ أي أرض مكة. قوله: يَنْبُوعاً الينبوع: عين لا ينضب ماؤها بضم الضاد المعجمة أي لا يغور ولا يذهب، وهو يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر أي كثر موجه، ومنه البحر الزاخر اهـ بيضاوي وشهاب.\rقوله: (ينبع) من باب قطع ودخل فعلا ومصدرا، ويقال أيضا: ينبع كيضرب نبعانا اهـ شيخنا.\rفتلخص أن المضارع مثلث الباء، وأن الماضي مفتوحها لا غير كما يؤخذ من المختار.\rقوله: فَتُفَجِّرَ أي أنت وقوله خِلالَها أي الجنة.\rقوله: كَما زَعَمْتَ أي بقولك إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء اهـ شيخنا.","part":4,"page":348},{"id":1369,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 349\rقطعا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (92) مقابلة وعيانا فنراهم\rأَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ذهب أَوْ تَرْقى تصعد فِي السَّماءِ بسلم وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ لو رقيت فيها حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا منها قوله: كِسَفاً قرأ نافع، وابن عامر وعاصم هنا بفتح السين، وفعل ذلك حفص في الشعراء وفي سبأ، والباقون بسكونها في المواضع الثلاثة. وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم بلا خلاف، وهشام عنه الوجهان والباقون بفتحها، فمن فتح السين جعله جمع كسفة نحو قطعة وقطع وكسرة وكسر، ومن سكن جعله جمع كسفة أيضا على حد سدرة وسدر وقمحة وقمح. وجوز أبو البقاء فيه وجهين آخرين، أحدهما: أنه جمع فعل بفتح العين، وإنما سكن تخفيفا، وهذا لا يجوز لأن الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح قال. والثاني: أنه فعل بمعنى مفعول كطحن بمعنى مطحون، فصار في السكون ثلاثة أوجه. وأصل الكسف القطع يقال:\rكسفت الثوب قطعته. وفي الحديث في قصة سليمان مع الصافنات الجياد أنه كسف عراقيبها أي:\rقطعها. وقال الزجاج: كسف الشيء بمعنى غطاه قيل: ولا يعرف هذا لغيره وانتصابه على الحال، فإن جعلناه جمعا كان على حذف مضاف أي: ذات كسف وإن جعلناه فعلا بمعنى مفعول لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ فيقال: لم لم يؤنث؟ ويجاب بأن تأنيث السماء غير حقيقي، أو بأنها في معنى السقف اهـ سمين.\rقوله: قَبِيلًا حال من اللّه والملائكة أي: حال كونهما مقابلين بفتح الباء ومرئيين لنا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: قَبِيلًا أي كفيلا بما تدعيه أي شاهدا على صحته ضامنا لدركه أو مقابلا كالعشير بمعنى المعاشر، وهو حال من اللّه، وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها أو جماعة، فيكون حالا من الملائكة اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: كفيلا أي: يتكفلون بما تقول، وقيل: هو جمع القبيلة أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة يشهدون لك بصحة ما تقول، وقيل: معناه نراهم مقابلة عيانا اهـ.\rقوله: أَوْ تَرْقى فعل مضارع منصوب تقديرا لأنه معطوف على تفجر، أي: أو حتى ترقى في السماء أي في معارجها، والرقي: الصعود يقال: رقي بالكسر يرقى بالفتح رقيا على فعول. والأصل رقوى فأدغم بعد قلب الواو ياء ورقيا بزنة ضرب اهـ سمين.\rوقوله: بالكسر أي في المحسوسات كما هنا، وأما في المعاني فهو من باب سعى يقال: رقي في الخير والشر يرقى بفتح القاف في الماضي والمضارع، وأما رقى المريض عوذه فهو من باب رمى يقال:\rرقاه يرقيه إذا عوذه، وتلا عليه شيئا من القرآن. وفي المصباح: رقيته أرقيه من باب رمى رقيا عوذته باللّه والاسم الرقيا فعلى، والمرة رقية والجمع رقى مثل مدية ومدى، ورقيت في السلم وغيره أرقى من باب تعب رقيا على فعول، ورقيا مثل فلس أيضا، ورقا الطائر يرقوا ارتفع في طيرانه اهـ.\rقوله: لِرُقِيِّكَ أي لأجله أو به، فاللام للتعليل أو بمعنى الباء. قوله: (لو رقيت) بكسر القاف","part":4,"page":349},{"id":1370,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 350\rكِتاباً فيه تصديقك نَقْرَؤُهُ قُلْ لهم سُبْحانَ رَبِّي تعجب هَلْ ما كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (93) كسائر الرسل ولم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن اللّه\rوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أي قولهم منكرين أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (94) ولم يبعث ملكا\rقُلْ لهم لَوْ كانَ فِي لأنه في المحسوسات من باب علم كما علمت. قوله: نَقْرَؤُهُ نعت لكتاب أو حال مقدرة من نا في علينا لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله لا في حالة إنزاله اهـ اهـ سمين.\rقوله: قُلْ وفي قراءة سبعية قال. قوله: (تعجب) أي من اقتراحاتهم وتنزيه له تعالى عن إتيانه الذي طلبوه أو عن أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة اهـ بيضاوي.\rقوله: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا أي كسائر الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره اللّه عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليهم إنما هو إلى اللّه تعالى، ولو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر، وما أنا إلا بشر، وليس ما سألتم في طوق البشر، واعلم أن اللّه تعالى قد أعطى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الآيات والمعجزات ما يعني عن هذا كله مثل: القرآن وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وما أشبهها من الآيات، وليست بدون ما اقترحوه، بل هي أعظم مما اقترحوه والقوم عامتهم كانوا متعنتين، ولم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فردّ عليهم سؤالهم اهـ خازن.\rقوله: إِلَّا بَشَراً رَسُولًا يجوز أن يكون بشرا خبر كنت، ورسولا صفته، ويجوز أن يكون رسولا هو الخبر وبشرا حال مقدمة عليه اهـ سمين.\rقوله: أَنْ يُؤْمِنُوا مفعول ثان لمنع أي منعهم إيمانهم أي من إيمانهم، وأن قالوا هو الفاعل وإذ ظرف لمنع، والتقدير وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى أي الوحي إلا قولهم أبعث اللّه، وهذه الجملة المنقية يحتمل أن تكون من كلام اللّه فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول فتكون منصوب المحل لاندراجها تحت القول اهـ سمين.\rوحصر المانع في قولهم ذلك مع أن لهم موانع شتى لما أنه معظمها، أو لأنه هو المانع بحسب الحال أعني: سماع الجواب بقولهم: هل كنت إلا بشرا رسولا، وإذ هو الذي يتمسكون به من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى اهـ أبو السعود.\rقوله: (منكرين) حال وقوله: بَشَراً حال من رسولا الذي هو مفعول به على القاعدة أن نعت النكرة إذا قدم عليها ينصب حالا اهـ.\rقوله: (و لم يبعث ملكا) داخل في حيز الاستفهام. وعبارة غيره: وهلا بعث ملكا وهي أوضح اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ (لهم) لَوْ كانَ الخ أي قل لهم من قبلنا جوابا لقولهم أبعث اللّه الخ. وحاصل الجواب أن الملك لا يبعث إلا للملائكة، كما أن البشر لا يبعث إليهم إلا بشر، فكيف تقولون لم يبعث اللّه رسولا من البشر، وهلا بعث إلينا رسولا من الملائكة اهـ شيخنا.\rوكان هذه يجوز فيها التمام أي لو وجد حصل ويمشون صفة لملائكة، وفي الأرض متعلق به،","part":4,"page":350},{"id":1371,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 351\rالْأَرْضِ بدل البشر مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (95) إذ لا يرسل إلى قوم رسول إلا من جنسهم ليمكنهم مخاطبته والفهم عنه\rقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقي إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (96) عالما ببواطنهم وظواهرهم\rوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ يهدونهم مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ماشين عَلى ومطمئنين حال من فاعل يمشون، ويجوز أن تكون الناقصة. وفي خبرها أوجه، أظهرها أنه الجار ويمشون ومطمئنين على ما تقدم، وقيل: الخبر يمشون، وفي الأرض يتعلق به، وقيل: الخبر مطمئنين ويمشون صفة، وهذان الوجهان ضعيفان، لأن المعنى على الأول اهـ سمين.\rقوله: فِي الْأَرْضِ أي مستوطنين فيها لا يظعنون عنها إلى السماء اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: مطمئنين قارين فيها من غير أن يعرجوا في السماء ويعلموا ما يجب أن يعلم اهـ.\rقوله: (و الفهم) أي التلقي.\rقوله: شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي شهيدا على أني رسول اللّه إليكم بإظهار المعجزة على وفق دعواي، أو على أني بلغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم عاندتم، وشهيدا نصب على الحال أو التمييز اهـ بيضاوي.\rقوله: (عالما الخ) لف ونشر مرتب وفيه تهديد لهم وتسليه له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ يجوز أن تكون هذه الجملة مندرجة تحت القول، فيكون محلها نصبا، وأن تكون من كلام اللّه تعالى، فلا محل لها لاستئنافها، ويكون في الكلام التفات، إذ فيه خروج من غيبة إلى تكلم في قوله: وَنَحْشُرُهُمْ وحمل على لفظ من في قوله فَهُوَ الْمُهْتَدِ، فأفرد وحمل على معنى من الثاني في قوله: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ فجمع. ووجه المناسبة في ذلك واللّه أعلم أنه لما كان الهدى شيئا واحدا غير متشعب السبل ناسبه التوحيد، ولما كان الضلال له طريق متشعبة نحو:\rوَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] ناسب الجمع الجمع اهـ سمين.\rقوله: فَهُوَ الْمُهْتَدِ بحذف الياء من الرسم هنا وفي الكهف، لأنها في الموضعين من ياءات الزوائد، لأنها لا تثبت في الرسم، وأما في النطق فقال السمين: قرأ نافع، وأبو عمر بإثبات ياء المهتدي وصلا وحذفها وقفا، وكذلك في التي تحت هذه السورة وحذفها الباقون في الحالين اهـ.\rقوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ فيه مراعاة معنى من. قوله: عَلى وُجُوهِهِمْ حال من الهاء في نحشرهم، كما أشار له، وكذا قوله عُمْياً وما عطف عليه اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: روى البخاري ومسلم عن أنس رضي اللّه عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ [الفرقان: 34] أيحشر الكافر على وجهه؟\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه في الآخرة يوم القيامة» قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا.","part":4,"page":351},{"id":1372,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 352\rوُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ سكن لهبها زِدْناهُمْ سَعِيراً (97) تلهبا واشتعالا\rذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف:\rصنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم» قيل: يا رسول اللّه كيف يمشون على وجوههم:\r«أما أنهم يلقون بوجوههم كل حدب وشوك؟. أخرجه الترمذي والحدب: ما ارتفع من الأرض اهـ.\rقوله: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا أي لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون فإن قلت: كيف وصفهم اللّه بأنهم عمي وبكم وصم، وقد قال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [الكهف: 53] وقال دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [الفرقان: 13] وقال سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان: 12] فأثبت لهم الرؤية والكلام والسمع؟ قلت: فيه أوجه:\rأحدها: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما معناه عميا لا يرون ما يسرهم، بكما لا ينطقون بحجة، صما لا يسمعون ما يسرهم.\rالوجه الثاني: قيل: معناه يحشرون على ما وصفهم اللّه عز وجل، ثم تعاد إليهم هذه الحواس.\rالوجه الثالث: أن هذا حين يقال لهم اخسؤوا فيهما ولا تكلمون فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون اهـ خازن.\rقوله: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ مستأنفة أو حال من الضمير المنصوب أو المجرور، وكُلَّما خَبَتْ مستأنفة أيضا أو حال من جهنم، والعامل فيها معنى المأوى اهـ سمين.\rوخبت أصله خبوت بوزن قعدت تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف وتاء التأنيث فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فوزنه الآن فعت بوزن رمت لحذف لامه. وفي القاموس: في باب الواو خبت النار والحرب والحدة خبوا وخبوا سكنت وطفئت، وأخبيتها أطفأتها اهـ.\rوفي المصباح: وخبت النار خبوا من باب قعد خمد لهبها ويعدى بالهمزة اهـ.\rوفي السمين: وخبت النار تخبو إذا سكن لهبها، فإذا ضعف جمرها قيل خمدت، فإذا طفئت بالجملة قيل همدت، وأدغم التاء في زاي زدناهم أبو عمرو والأخوان وورش، وأظهرها الباقون اهـ.\rوكل من خمدت وهمدت من باب قعد كما في المصباح. قوله: (سكن لهبها) بأن أكلت جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرا توقدا بأن تبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة متسعرة، فإنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جازاهم اللّه بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء، وإليه أشار بقوله ذلِكَ جَزاؤُهُمْ الخ لأن الإشارة إلى ما تقدم من عذابهم اهـ بيضاوي.\rقوله: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا، وبأنهم متعلق بالجزاء أي ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنهم، ويجوز أن يكون جزاؤهم مبتدأ ثانيا والجار خبره، والجملة خبر ذلك، ويجوز أن يكون جزاؤهم بدلا أو بيانا وبأنهم الخبر اهـ سمين.","part":4,"page":352},{"id":1373,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 353\rجَدِيداً (98)\r* أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مع عظمهما قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي الأناسي في الصغر وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا للموت والبعث لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً (99) جحودا له\rقُلْ لهم لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي من الرزق والمطر إِذاً قوله: وَرُفاتاً أي ترابا اهـ كرخي.\rوفي القاموس: رفته يرفته ويرفته كسره ودقه، وانكسر واندق لازم متعد، وانقطع كأرفت ارفاتا في الكل وكغراب الحطام اهـ.\rقوله: خَلْقاً جَدِيداً مصدر من معنى الفعل أي: نبعث بعثا جديدا أو حال أي مخلوقين كما مر.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الخ هذا رد لإنكارهم البعث اهـ شيخنا.\rوفي زاده: هذا الجواب عن هذا الاستبعاد يعني أن من خلق السموات والأرض كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم اهـ.\rوالذي صفة للّه وقادر خبر أن. قوله: أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ (أي الأناسي في الصغر) إشارة إلى أنه أراد بمثلهم إياهم فعبر عن خلقهم بلفظ المثل، كقول المتكلمين إن الإعادة مثل الابتداء، وذلك أن مثل الشيء مساو له في حاله، فجاز أن يعبر به عن الشيء نفسه يقال: مثلك لا يفعل كذا أي أنت لا تفعله، أو أنه تعالى قادر على أن يخلق عبيدا يوحدون ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون هذه الشبهات الفاسدة، وعلى هذا فهو كقوله: وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ،* وكقوله وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [التوبة:\r39] قال الواحدي: والأول أشبه بما قبله اهـ كرخي.\rقوله: (أي الأناسي) جمع انسي وهو البشر على حد قوله:\rواجعل فعالي لغير ذي نسب ... جدد كالكرسي تتبع العرب\r\rاه شيخنا.\rقوله: وَجَعَلَ لَهُمْ معطوف على قوله أَوَلَمْ يَرَوْا، لأنه في قوة قد رأوا فليس داخلا في حيز الإنكار، بل معطوف على جملته برأسها اهـ سمين.\rوالمعنى قد علموا أن من قدر على خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الانس، وجعل لهم لبعثهم أجلا محققا: الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: لا رَيْبَ فِيهِ صفة لأجلا أي أجلا غير مرتاب فيه، فإن أريد به يوم القيامة فالإفراد ظاهر، وإن أريد به الموت فهو اسم جنس إذ لكل إنسان أجل يخصه اهـ سمين.\rقوله: (جحودا له) أي لأجله.\rقوله: قُلْ (لهم) أي شرحا لحالهم التي يدعون خلافها حيث قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا الخ لأجل أن نتبسط ونتسع في الرزق، فبين لهم اللّه أنهم لو ملكوا خزائن اللّه لبقوا على بخلهم وشحهم اهـ من الخطيب.","part":4,"page":353},{"id":1374,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 354\rلَأَمْسَكْتُمْ لبخلتم خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ خوف نفادها بالإنفاق فتقتروا وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (100) بخيلا\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات وهي: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل قوله: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ فيه وجهان.\rأحدهما: أن المسألة من باب الاشتغال، فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا فهي كان في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 6] والأصل لو تملكون، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه فانفصل الضمير وهو الواو، إذ لا يمكن بقاؤه متصلا بعد حذف رافعه.\rوالثاني: أنه مرفوع بكان وقد كثر حذفها بعد لو، والتقدير لو كنتم تملكون، فحذفت كان فانفصل الضمير وتملكون في محل نصب بكان المحذوفة، وهو قول ابن الصائغ اهـ سمين.\rقوله: إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ أي في دار الدنيا فلا ينافي قوله تعالى: لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ [الرعد: 18] لأن ذلك في الآخرة، وإذا ظرف لتملكون، ولأمسكتم جواب لو وخشية علة للجواب، وفي السمين لأمسكتم يجوز أن يكون لازما لتضمنه معنى بخلتم، وأن يكون متعديا ومفعوله محذوف أي: لأمسكتم ما ملكتم وخشية فيه وجهان، أظهرهما: أنه مفعول من أجله.\rوالثاني: أنه مصدر في موضع الحال قاله أبو البقاء: أي: خاشين الإنفاق، وفيه نظر إذ لا يقع المصدر المعرف موقع الحال إلّا سماعا نحو: جهدك وطاقتك، وأرسلها العراك، ولا يقاس عليه والإنفاق مصدر أنفق أي أخرج المال، وقال أبو عبيدة: هو بمعنى الافتقار والإقتار اهـ.\rقوله: (لبخلتم) بتثليث الخاء، فيقال: بخل كفهم وتعب وبخل كقرب، وبخل كركع، والمصدر بخل كفلس، وبخل كجبل، وبخل كعنق، وبخل كقرب كما يؤخذ من القاموس والمصباح. قوله:\r(خوف نفادها) أي ذهابها بالإنفاق أشار إلى أن الإنفاق بمعناه المعروف، وهو صرف المال، وفي الكلام مقدر أي نفاده أو عاقبته أو هو مجاز عن لازمه، وقال الراغب: إن الإنفاق بمعنى الافتقار يقال:\rأنفق فلان إذا افتقر فهو كالإملاق في الآية الأخرى اهـ شهاب.\rقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أي ممسكا بخيلا، لأن بناء أمره على الحاجة والبخل بما يحتاج إليه، وقصد العوض فيما يبذله كالذكر الجميل والثناء الحسن عليه، فلا يرد السؤال كيف يصح هذا السلب الكلي، وأن من الإنسان الأجود الكرام، حتى أن منهم من يجود بنفسه، وقد قيل: الجود بالنفس أقصى غاية الجود اهـ كرخي.\rقوله: تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ يجوز في بينات النصب صفة للعدد والجر صفة للمعدود اهـ سمين.\rقوله: (واضحات) أي واضحات الدلالة على صدقه. قوله: (و هي اليد الخ) هذا العدد أحد أقوال ثلاثة ذكرها البيضاوي ونصه: هي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، ونتق الجبل أي الطور على بني إسرائيل، وقيل: الطوفان، والسنون، ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة. وعن صفوان أن يهوديا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنها فقال: «أن لا تشركوا باللّه شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا،","part":4,"page":354},{"id":1375,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 355\rوالضفادع والدم والطمس والسنين ونقص الثمرات فَسْئَلْ يا محمد بَنِي إِسْرائِيلَ عنه سؤال تقرير للمشركين على صدقك فقلنا له اسأل وفي قراءة بلفظ الماضي إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (101) مخدوعا مغلوبا على عقلك\rقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ الآيات إِلَّا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت» فقبل اليهودي يده ورجله. فعلى هذا المراد بالآيات الأحكام العامة الثابتة في كل الشرائع سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقاتها في الآخرة من السعادة والشقاوة، وقوله: وَعَلَيْكُمْ خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غير فيه سياق الكلام اهـ.\rقوله: (و العصا) تكتب بالألف لأنها منقلبة عن واو، وفي المصباح: والعصا مقصور مؤنثة، والتثنية عصوان والجمع أعص وعصي على فعول مثل أسد وأسود اهـ.\rقوله: (و القمل) أي السوس الذي نزل في حبوبهم.\rقوله: (و الطمس) أي مسخ أموالهم حجارة. قوله: (و السنين) هذا على لغة من يلزم جمع المذكر السالم، وما ألحق به الباء في الأحوال الثلاثة ويعربه بالحركات على النون اهـ شيخنا.\rقوله: فَسْئَلْ يقرأ بالهمز بعد السين وبحذفه بعد نقل حركته إلى السين والقراءاتان سبعيتان، وهما غير القراءات التي نبه عليها الشارح، لأنهما بلفظ الأمر وهي بلفظ الماضي كما قال اهـ شيخنا.\rقوله: (عنه) هو المفعول الثاني لا سأل أي عن موسى فيما جرى بينه وبين فرعون وقومه وقوله:\r(سؤال) تقرير أي سؤالا يترتب على جوابه تقرير المشركين أي اقرارهم بصدقك فعلى بمعنى الباء.\rقوله: (أو فقلنا له) معطوف على يا محمد أي أو أن الخطاب لموسى، ويكون على تقدير القول المعطوف على آتينا أي أتيناه فقلنا له اسأل بني إسرائيل، وعلى هذا فالمفعول الأول محذوف أي:\rاسأل فرعون بني إسرائيل أي اطلبهم منه لتذهب بهم إلى الشام، كما في قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الأعراف: 105] اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي شاذة فكان عليه أن يقول وقرئ، وقوله (بلفظ الماضي) أي بلا همز بوزن قال. قوله: إِذْ جاءَهُمْ ظرف لآتينا، وجملة فاسأل الخ اعتراضية بين العامل والمعمول، وهذا على التفسير الأول في الشرح. وأما على الثاني وهو قوله: (أو فقلنا الخ) فهو ظرف لهذا المقدر، وهذا كله على القراءة بفعل الأمر سواء أثبتت الهمزة أو حذفت، وأما على القراءة بلفظ الماضي فهو ظرف للماضي نفسه اهـ شيخنا.\rقوله: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ معطوف على مقدر أي إذ جاءهم فبلغهم الرسالة، فقال له فرعون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: مَسْحُوراً فيه وجهان، أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي أي أنك سحرت، فمن ثم اختل كلامك قال ذلك حيث جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة. والثاني: أنه بمعنى فاعل كميمون ومشؤوم أي أنت ساحر، فلذلك تأتي بالأعاجيب يشير لانقلاب عصاه حية وغيره ذلك اهـ سمين.","part":4,"page":355},{"id":1376,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 356\rرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ عبرا ولكنك تعاند وفي قراءة بضم التاء وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) هالكا أو مصروفا عن الخير\rفَأَرادَ فرعون أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ يخرج موسى وقومه قوله: (مخدوعا الخ) عبارة البيضاوي: سحرت فتخبط عقلك.\rقوله: لَقَدْ عَلِمْتَ قرأ الكسائي بضم التاء أسند الفعل لضمير موسى عليه السّلام، أي: إني متحقق أن ما جئت به هو منزل من عند اللّه، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون أي: أنت متحقق أن ما جئت به هو منزل من عند اللّه، وإنما كفرك عناد. وعن علي رضي اللّه عنه أنه أنكر الفتح، وقال:\rما علم عدو اللّه قط، وإنما علم موسى. والجملة المنفية في محل نصب لأنها معلقة للعلم قبلها اهـ سمين.\rفما نافية والجملة بعدها سادة مسدة مفعولي علمت اهـ شيخنا.\rقوله: بَصائِرَ حال وفي عاملها قولان، أحدهما: أنه أنزل هذا الملفوظ به، وصاحب الحال هؤلاء، وإليه ذهب الحوفي، وابن عطية، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى ولا مستثنى منه ولا تابعا له. والثاني: وهو مذهب الجمهور أن ما بعد إلا لا يكون معمولا لما قبلها، فيقدر له عامل تقديره أنزلها بصائر، وقد تقدم نظيره في هود عند قوله: إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [هود: 27] اهـ سمين.\rقوله: (عبرا) أي أمورا يعتبر بها أي حال كونها أدلة يستدل بها على صدقي اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: بصائر بينات تبصرك بصدقي ولكنك تعاند الخ اهـ.\rقوله: (و لكنك تعاند) راجع لقوله لقد علمت، وقوله: (و في قراءة) أي سبعية. قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ أي أعلمك، وعبّر عنه بالظن للمشاكلة، فقابل موسى ظنه الصحيح بظن فرعون الباطل اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وقارع أي عارض ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين، فإن ظن فرعون كذب بحت، وظن موسى يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته، انتهت.\rقوله: مَثْبُوراً مفعول ثان، واعترض بين المفعولين بالنداء اهـ سمين.\rقوله: (و مصروفا عن الخير) أي ومطبوعا على الشر من قولهم ما ثبرك عن هذا أي ما صرفك اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: وثبر اللّه الكافر ثبورا من باب قعد أهلكه وثبر هو يتعدى ويلزم اهـ.\rقوله: أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ في القاموس: فزّ عني عدل والظبي فزع، وفز فلان عن موضعه من باب ضرب فزازا أزعجه، واستفزه استخفه، وأخرجه من داره وأفززته أفزعته اهـ.\rقوله: (يخرج موسى وقومه) أي بالقتل والاستئصال اهـ بيضاوي.","part":4,"page":356},{"id":1377,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 357\rمِنَ الْأَرْضِ أرض مصر فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103)\rوَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي الساعة جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104) جميعا أنتم وهم\rوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ أي القرآن وَبِالْحَقِ قوله: فَأَغْرَقْناهُ أي فعكسنا عليه فكره فاستفززناه وقومه بالغرق، وقوله: (من بعده) أي بعد إغراقه اهـ بيضاوي.\rقوله: اسْكُنُوا الْأَرْضَ أي أرض الشام ومصر اهـ قرطبي وخازن.\rقوله: (أي الساعة) وهي النفخة الثانية ووعدها وقتها، والمعنى فإذا جاء وقت الساعة الآخرة الموعود بها الخ. قوله: جِئْنا بِكُمْ أي أحييناكم وأخرجناكم من القبور وجمعناكم في المحشر.\rقوله: لَفِيفاً حال وفيه وجهان، أحدهما: أن أصله مصدر لف يلف لفيفا نحو النذير والنكير أي:\rجئنا بكم منضما بعضكم إلى بعض من لف الشيء يلفه لفا، والألف المتداني الفخذين، وقيل: عظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمعنى جئنا بكم جميعا، فهو في قوة في التأكيد اهـ سمين.\rوله واحد من معناه وهو جماعة ففي البيضاوي: لفيفا مختلطين أنتم وهم ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى اهـ.\rقوله: (و هم) أي قوم فرعون.\rقوله: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ متعلق في المعنى بقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُ الخ وهذا على أسلوب العرب حيث ينتقلون في كلامهم من سياق المقصود إلى غيره المناسب له ثم يرجعون لما كانوا بصدده اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: أنه معطوف على ولقد صرفنا اهـ.\rوالجار والمجرور في محل نصب على الحال من الهاء في أنزلناه أي أنزلناه حال كونه ملتبسا بالحق. وفي السمين: في الجار ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بأنزلناه والباء سببية أي أنزلناه بسبب الحق. والثاني: أنه حال من مفعول أنزلناه أي ومعه الحق. والثالث: أنه حال من فاعله أي متلبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف والضمير في أنزلناه الظاهر عوده للقرآن إما الملفوظ به في قوله قبل ذلك على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ويكون ذلك جريا على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلم بذكر شيء لم يسبق له كلامه أولا ثم يعود إلى كلامه الأول، وإما للقرآن غير الملفوظ أولا لدلالة الحال عليه كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] وقيل: يعود على موسى كقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: 25] وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التسع، وذكر الضمير وأفرده حملا على معنى الدليل والبرهان. وقوله: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ فيه الوجهان الأولان دون الثالث، لعدم ضمير آخر غير ضمير القرآن وفي هذه الجملة وجهان، أحدهما: للتأكيد وذلك أنه يقال أنزلته، فنزل وأنزلته، فلم ينزل فجيء بقوله (و الحق نزل) دفعا لهذا الوهم، وقيل: ليست للتأكيد والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقين، بالحق الأول التوحيد والثاني الوعد والوعيد والأمر والنهي.\rوقال الزمخشري: وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة","part":4,"page":357},{"id":1378,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 358\rالمشتمل عليه نَزَلَ كما أنزل لم يعتره تبديل وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا مُبَشِّراً من آمن بالجنة وَنَذِيراً (105) من كفر بالنار\rوَقُرْآناً منصوب بفعل يفسره فَرَقْناهُ نزلناه مفرقا في عشرين سنة أو وثلاث لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ مهل وتؤدة ليفهموه وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) شيئا بعد لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين اهـ.\rقوله: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ المراد بالحق الثاني هو الأول، وهو الحكم المشتمل عليها يدل على هذا قوله (لم يعتره تبديل) أي: أن الحق الذي أنزل به استمر متصفا به حال نزوله ووصوله إلينا. وقيل:\rالحق الأول هو الحكمة المقتضية للإنزال أي أنزلناه لحكم لا عبثا، والثاني: هو المعاني التي اشتمل عليها اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: والحق فيهما ضد الباطل، لكن المراد بالأول الحكمة الإلهية المقتضي لإنزاله، وبالثاني ما يشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها اهـ.\rقوله: (المشتمل عليه) أي المشتمل عليه القرآن، وقوله: (لم يعتره) بسكون الهاء وبكسرها باختلاس وبإشباع، وعلى كل هو مجزوم بحذف الياء اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً حالان من الكاف والقصر إضافي، أي: لا هاديا، فإن الهدى هدى اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (منصوب بفعل يفسره الخ) أي أو بفعل مقدر أي: وآتيناك قرآنا يدل عليه، ولقد آتينا موسى، وعلى هذا فجملة فرقناه في محل نصب، لأنها صفة لقرآنا وعلى الأول لا محل لها والعامة فرقناه بالتخفيف أي بينا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ علي وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد، وفيه وجهان، أحدهما: أن التضعيف للتكثير أي فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دال على التفريق والتنجيم.\rقال الزمخشري: وعن ابن عباس أنه قرأ مشددا وقال: لم ينزل في يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل متقارب اهـ من السمين.\rقوله: (بفعل يفسره الخ) فهو منصوب على الاشتغال، واعتذر الشيخ عن ذلك أي عن كونه لا يصح الابتداء به لو جعلناه مبتدأ لعدم مسوغ، لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء بأن ثم صفة محذوفة تقديره: وقرآنا أي قرآن بمعنى عظيما، وفرقناه على هذا لا محل له اهـ سمين.\rقوله: (أو وثلاث) أي على الخلاف في تقارن النبوة والرسالة وتعاقبهما.\rقوله: لِتَقْرَأَهُ متعلق بفرقنا وعلى مكث، قال الشيخ: الظاهر تعلقه بقوله لِتَقْرَأَهُ، ولا يبالي بكون الفعل تعلق به حرفا جر من جنس واحد، لأنه اختلف معنى الحرفين، لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال أي متمهلا مترتلا، والمكث التطاول في المدة، وفيه ثلاث","part":4,"page":358},{"id":1379,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 359\rشيء على حسب المصالح\rقُلْ لكفار مكة آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا تهديد لهم إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ قبل نزوله وهم مؤمنو أهل الكتاب إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107)\rوَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا تنزيها له عن خلف الوعد إِنْ مخففة كانَ وَعْدُ رَبِّنا بنزوله وبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لَمَفْعُولًا (108)\rوَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ عطف بزيادة صفة وَيَزِيدُهُمْ القرآن خُشُوعاً (109) لغات: الضم والفتح ونقل القراءة بهما الحوفي وأبو البقاء. والكسر ولم يقرأ به فيما علمت، وفي فعله الفتح والضم، وسيأتيان إن شاء اللّه تعالى في النمل اهـ سمين.\rقوله: (مهل وتؤدة) أي تأن وتثبت، وفي القاموس: المهل ويحرك والمهلة بالضم الرفق والتأني والسكينة اهـ.\rوفي المصباح: واتأد في الأمر يتئد وتوأد إذا تأنى فيه وتثبت، ومشى على تؤدة مثال رطبة ومشيا وئيدا أي على سكينة والتاء بدل من واو اهـ.\rقوله: (على حسب المصالح) فسره به ليفيد مع قوله فَرَقْناهُ، فإن الأول دال على تدريج نزوله ليسهل حفظه وفهمه من غير نظر إلى مقتض لذلك، وهذا أخص منه، فإنه دال على تدريجه بحسب الاقتضاء اهـ شهاب.\rقوله: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا أي فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالا، وامتناعكم عنه لا يورثه نقصانا، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ تعليل له أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم، وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب السابقة وعرفوا حقيقة الوحي وأمارة النبوة، وتمكنوا من التمييز بين المحق والمبطل، ورأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب، ويجوز أن يكون تعليلا لقل على سبيل التسلية، كأنه قيل تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وأعراضهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (و هم مؤمنو أهل الكتاب) كعبد اللّه بن سلام، وسلمان الفارسي اهـ شيخنا.\rقوله: لِلْأَذْقانِ أي الوجوه واللام بمعنى على، أو على بابها متعلقة بيخرون بمعنى يدلون، وخصت الأذقان بالذكر، لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند السجود، والأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، وسجدا حال أي ساجدين للّه على إنجاز وعده الذي وعدهم به في الكتب القديمة أن يرسل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، وينزل القرآن، وقوله: وَيَقُولُونَ أي في حال سجودهم اهـ شيخنا.\rقوله: (عن خلف الوعد) أي الذي رأيناه في كتبنا بإنزال القرآن وإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وقوله لَمَفْعُولًا أي موفى ومنجزا اهـ شيخنا.\rقوله: يَبْكُونَ حال أي يبكون من مواعظ القرآن، وقوله: (بزيادة صفة) أي وهي البكاء، ومراده بهذا دفع التكرار اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: فالخرور الأول للسجود والآخر لشدة البكاء، أو الأول في حالة سماع القرآن أو قراءته، والثاني في سائر الحالات، وفيه إشارة إلى الجواب عن قول القائل: ما فائدة إعادة يخرون؟","part":4,"page":359},{"id":1380,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 360\rتواضعا للّه وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: يا اللّه يا رحمن، فقالوا: ينهانا أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر معه، فنزل\rقُلِ لهم ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أي سموه بأيهما أو نادوه بأن تقولوا: يا اللّه يا رحمن أَيًّا شرطية وما زائدة أي أيّ هذين تَدْعُوا فهو حسن دل على هذا فَلَهُ أي وحاصل الجواب: اختلاف الحالين اهـ.\rقوله: وَيَزِيدُهُمْ فاعل يزيد، إما القرآن أو البكاء أو السجود أو المتلو لدلالة قوله: إِذا يُتْلى وتكرر الخرور لاختلاف حاليه بالبكاء والسجود، وجاءت الحال الأولى اسما لدلالته على الاستمرار، والثانية فعلا لدلالته على التجدد والحدوث اهـ سمين.\rقوله: (و كان صلّى اللّه عليه وسلّم يقول) أي في سجوده وقوله فَقالُوا* أي حين سمعوه يقول ما ذكر. وعبارة الخازن: قال ابن عباس: سجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده يا اللّه يا رحمن، فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل اللّه هذه الآية انتهت.\rقوله: (إلها آخر) وهو الرحمن، وفهموا أن المراد به رحمان اليمامة، وهو مسيلمة الكذاب وقوله: (معه) أي مع اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (شرطية) عبارة السمين: أيا منصوب بتدعوا على المفعول به، والمضاف إليه محذوف أي أي الاسمين وتدعوا مجزوم بها، فهي عاملة ومعمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله: فَلَهُ الْأَسْماءُ وقيل: هو محذوف تقديره جاز، ثم استأنف فقال: فله الأسماء الحسنى وليس بشيء والتنوين في أيا عوض عن المضاف إليه. وفي ما قولان، أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. والثاني:\rأنها شرطية جمع بينهما تأكيدا، كما جمع بين حرفي الجر للتأكيد وحسنه اختلاف اللفظ كقول الشاعر:\rفأصبحن لا يسألنني عن بما به\r\rويؤيد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرف: أيا من تدعوا، وقيل: من تحتمل الزيادة على رأي الكسائي، واحتمل أن تكون شرطية وجمع بينهما تأكيدا لما تقدم، وتدعوا هنا يحتمل أن يكون من الدعاء وهو النداء، فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى التسمية فيتعدى لاثنين إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجر، ثم يتسع في الجار فيحذف كقوله:\rدعتني أخاها أم عمرو\r\rوالتقدير قل ادعوا معبودكم باللّه أو بالرحمن، بأي الاسمين سميتموه، وممن ذهب إلى كونها بمعنى سمى الزمخشري، ووقف الأخوان على أيا بإبدال التنوين ألفا، ولم يقفا على ما تبيينا لانفصال أي عن ما ووقف غيرهما على ما لامتزاجها بأي، ولهذا فصل بها بين أي وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ [القصص: 28] اهـ.\rقوله: ما (زائدة) أي لتأكيد ما في أي من الإبهام اهـ كرخي.\rقوله: (أي هذين الخ) يشير إلى أن التنوين عوض عن المضاف إليه اهـ بيضاوي.","part":4,"page":360},{"id":1381,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 361\rلمسماهما الْأَسْماءُ الْحُسْنى وهذان منها فإنها كما في الحديث. هو اللّه الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، قوله: (أي لمسماهما) لأن الضمير في له للمسمى، فمعنى ادعوا اللّه أو الرحمن سموا المعبود بحق باللّه أو الرحمن، فإنهما من الأسماء الحسنى اهـ كرخي.\rقوله: (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني وإذا حسنت اسماؤه كلها، فهذان الاسمان منها، ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها مشتملة على معاني التقديس والتعظيم والتمجيد، وعلى صفات الجلال والكمال اهـ خازن.\rوالحسن مؤنث الأحسن الذي هو أفعل التفضيل لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء، كما في القاموس يعني أحسن لا يستعمل بمعنى أصل الفعل، وإنما استعمل بمعنى الفضيل، والحسنى بالضم ضد السوأى، وقد وصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الواحدة، كقوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: 18] وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب الحسن على وزن الأخر، كقوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه ويوصف بوصف المؤنثات، وإن كان المفرد مذكرا اهـ.\rقوله: (كما في الحديث) ونصه: «إن للّه عز وجل تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا إنه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة، وهي هو اللّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم» الخ. وقوله: (من أحصاها) قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي: أي من حفظها هكذا فسره البخاري، والأكثرون.\rويؤيده أن في رواية في الصحيح من حفظها دخل الجنة، وقيل: معناه من عرف معانيها وآمن بها، وقيل: معناه من أحصاها بحسن الرعاية لها، وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها اهـ.\rقوله: (اللّه) هو أعظم الأسماء المذكورة لأنه دل على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها بخلاف سائر الأسماء، فإن كلا منها لا يدل إلا على بعض المعاني من علم أو فعل أو قدرة أو غيرها، ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلق على غيره لا حقيقة ولا مجازا بخلاف سائر الأسماء، فإنه قد يسمى به غيره مجازا، كالقادر والعليم والرحيم، واللّه علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وأل لازمة له لا لتعريف ولا غيره، وهو ليس بمشتق كما نقل عن الشافعي، والخليل، وسيبويه، وابن كيسان، والأكثرون على أنه مشتق ونقل عن الخليل وسيبويه أيضا.\r(الذي لا إله إلا هو) نعت للاسم الجليل، ولفظ هو ضمير عند الجمهور، وذهب بعضهم إلى أنه اسم ظاهر، وعلى كل فليس من التسعة والتسعين، بل هو زائد عليها.\r(الرحمن الرحيم) الكلام عليهما مشهور. قال بعضهم: الرحمن بما ستر في الدنيا، والرحيم بما غفر في العقبى، وقال عبد اللّه بن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب.\rعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من لم يسأل اللّه يغضب عليه». وقيل: الرحمن بالإنقاذ من النيران، والرحيم بإدخال الجنان، وقيل: الرحمن بإزالة الكروب والعيوب، والرحيم بإنارة القلوب","part":4,"page":361},{"id":1382,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 362\rبالغيوب، وقيل غير ذلك وحظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة أن يلاحظ من اللّه تعالى قدرته، ومن الرحمن نعمته، ومن الرحيم عصمته ومغفرته، وقيل غير ذلك. فإن قلت: هو تعالى موصوف بأنه رحمن ورحيم وأرحم الراحمين، ومن شأن من هو متصف بذلك أن لا يرى مبتلى أو معذبا أو مريضا وهو يقدر على إزالة ما به إلا ويبادر إليها، وهو تعالى لم يفعل ذلك، لأن المشاهد أن الدنيا طافحة بالأمراض ونحوها على عباده، ولم يزالوا مبتلين بالرزايا والمحن، مع أنه قادر على إزالة كل بلية.\rقلت: أجيب بأن عدم إزالته تعالى ذلك عمن ذكر ليس لعدم شفقته ورحمته عليهم، بل فعله ذلك بهم هو الشفقة والرحمة عليهم، كما أن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة مثلا مع كونه محتاجا إليها، والأب العاقل يحمله عليها قهرا، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة مثلا من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته عليه، وأن الأم عدو له في صورة صديق، وأن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل خيرا، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة، وليس في الوجود شر إلّا وفي ضمنه خير لو رفع ذلك الشر لبطل الذي هو في ضمنه، ولحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي هو في ضمنه، فاليد المتأكلة مثلا قطعها شر في الظاهر وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، ولو ترك قطع اليد لحصل بسببه هلاك البدن، ولكان الشر أعظم.\r(الملك) هو بكسر اللام الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود وقيل: من ملك نفوس العابدين فأقلقها، وملك قلوب العارفين فأحرقها، وقيل: من إذا شاء ملك وإذا شاء أهلك، وقيل غير ذلك. وحظ العبد منه ما قيل من لاحظ الملك فني عن المملكة فالأعراض لا تشغله والشواهد لا تقطعه والعوائد لا تحجبه.\r(القدوس) وهو على وزن فعول بالضم من أبنية المبالغة وقد تفتح القاف وليس بالكثير، وهو من القدس بضم الدال وإسكانها الطهارة والنزاهة، والطهارة في حقه تعالى النزاهة عن سمات النقص وموجبات الحدوث، وسميت الأرض المقدسة لطهارتها عن أوضار الشرك أي أوساخه، وقيل:\rالقدوس من تقدس عن الحاجات ذاته وتنزه عن الآفات صفاته وحظ العبد منه التنزه عما يشينه في أمر دنياه وأخراه.\rقوله: (السّلام) قيل: هو الذي سلمت ذاته عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر المحض فيرجع معناه إلى التنزيه ويباين القدوس باشتمال القدوس على مبالغة، وقيل: معناه المسلم على عباده فيرجع إلى القدرة أو إلى اسماء الأفعال، وقيل غير ذلك. وحظ العبد منه بالمعنى الأول أن ينزه نفسه عن كل لهو، ولسانه عن كل لغو، وقلبه عن كل غير ويأتي ربه بقلب سليم، وبالمعنى الثاني افشاء السّلام، وبالمعنى الثالث دفع المضار عن الناس.\r(المؤمن) معناه في حقه تعالى تصديقه نفسه وكتبه ورسله، فيرجع معناه إلى الكلام القديم، وقيل: انه مأخوذ من الأمن وهو المؤمن عباده من المخاوف، فيرجع إلى القدرة أو صفات الأفعال، وقيل غير ذلك. وحظ العبد منه بالمعنى الأول تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان وبالمعنى الثاني أن يأمن","part":4,"page":362},{"id":1383,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 363\rغيره أذاه. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «المسلم من سلم المؤمنون من لسانه ويده» وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه».\r(المهيمن) أي الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ من قولهم: هيمن الطير إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له، وقيل: معناه الشاهد أي العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة فيرجع إلى العلم. قال تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: 48] أي شاهدا، وقيل: معناه الذي يشهد على كل نفس بما كسبت، وقيل: الذي يشهد خواطرك ويعلم سرائرك ويبصر ظواهرك. وفي القاموس: وهيمن قال آمين كأمن، وهيمن الطائر على فراخه رفرف، وهيمن على كذا صار رقيبا عليه وحافظا، والمهيمن وتفتح الميم الثانية من أسماء اللّه تعالى في معنى المؤمن من أمن غيره من الخوف، وأصله مؤأمن بهمزتين قلبت الهمزة الثانية ياء ثم الأولى هاء، أو بمعنى الأمين أو المؤتمن أو الشاهد اهـ.\rوحظ العبد منه بالمعنى الأول ملاحظة أفعاله من حيث الشريعة وأسراره من حيث الحقيقة، وبالمعنى الثالث أن يكون رقيبا على خواطره.\r(العزيز) أي الذي لا يدركه طالبه ولا يعجزه هاربه فيرجع إلى القدرة. وقيل: هو العديم المثل فيرجع إلى التنزيه، والعرزة في الأصل القوة والشدة والغلبة. تقول عزيز بالكسر إذا صار عزيزا وعز يعز بالفتح إذا اشتد، وحظ العبد منه أن يغلب نفسه وسلطانه بالاستقامة والاستعانة به تعالى، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه»، وإنما كان كذلك لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع له بلسانه وأعضائه فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب ذهب الكل.\r(الجبار) صيغة مبالغة من الجبر ومنه جبر العظم، وهو في الأصل اصلاح الشيء بضرب من القهر، فمعناه المصلح لخلل العباد يردهم للتوبة أو بغير ذلك، وقيل: معناه الذي يقهر العباد على كل ما أراد. يقال: جبر الخلق وأجبرهم وأجبر أكثر، وحظ العبد منه أن يقهر نفسه على امتثال أوامر اللّه، وعلى اجتناب نواهيه.\r(المتكبر) أي المتعالي العظيم. قال الشيخ شرف الدين التلمساني رحمه اللّه تعالى: قال القاضي: هو مشعر بثبوت جميع الصفات النفسية والمعنوية وانتفاء النقائص. قال عليه الصلاة والسّلام: يقول اللّه تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار» وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: هو الذي يرى غيره حقيرا بالإضافة إلى ذاته لا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر المالك إلى عبده، وهو على الإطلاق لا يتصور إلا للّه تعالى، فإنه المتفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه، ولذلك لا يطلق على غيره إلا في معرض الذم، وحظ العبد منه أن يتكبر عن الركون إلى الشهوات والسكون إلى الدنيا وزينتها، فإن البهائم تشاركه فيها، بل يتكبر عن كل ما يشغل سره عن الحق ويستحقر كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة.","part":4,"page":363},{"id":1384,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 364\rالخالق، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، (الخالق) من الخلق وأصله التقدير المستقيم، كقوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: 14] ويستعمل بمعنى الابداع وهو إيجاد الشيء من غير أصل، كقوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [النحل: 3] وبمعنى التكوين كقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [النحل:\r4] وقيل: الخالق الذي أظهر الموجودات بقدرته وقدر كل واحد منها بمقدار معين بإرادته، وقيل:\rالذي خلق الخلائق بلا سبب وعلة، وأنشأها من غير جلب نفع ولا دفع مضرة، وقيل: الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة.\r(البارىء) مأخوذ من البرء، وأصله خلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التقصي منه، ومنه قولهم برىء فلان من مرضه، والمديون من دينه، واستبرأت الأمة رحمها. وإما على سبيل الإنشاء منه، ومنه برأ اللّه النسمة وهو البارىء لها، وقيل: البارىء هو الذي خلق الخلق لا عن مثال.\r(المصور) أي المبدع لصور المخترعات ومزينها ومرتبها، وقيل: المصور الذي سوى قامتك وعدك خلقتك. قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4] وقيل: هو الذي ميز العوام من البهائم بتسوية الخلق، وميز الخواص من العوام بتصفية الخلق، وقيل: هو الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها، فاللّه تعالى خلق آدم من تراب أي قدره تقديرا مخصوصا، ثم برأه أي سواه ثم صوره أي: بلغه الكمال فالنجار إذا قدر خشبات الكرسي فقد خلقها، وإذا سوى تلك الخشبات فقد برأها وإذا شبك بعضها في بعض وبلغها المبلغ الذي يصلح معه أن يجلس عليها فقد صورها، فاللّه تعالى خالق كل شيء بمعنى أنه مقدره أو موجده من أصل أو غيره وبارئه حسبما اقتضت حكمته وسبقت به كلمته من غير تفاوت واختلاف، ومصورة بصورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، وحظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة النظر والتفكر في غرائب المصنوعات، وتباين ألوانها وأشكالها. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً [الأنعام: 99] الآية أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ [ق: 6] الآية. وهذه الأسماء الثلاثة مع الأحد عشر قبلها مذكورة في القرآن مجموعة في آخر سورة الحشر.\r(الغفار) أصل الغفر لغة الستر والمغفرة إلباس اللّه تعالى العفو للمذنبين، والغفار الذي أظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإسبال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، وحظ العبد منه أن يستر من أخيه ما يحب أن يستر منه ولا يفشي منه إلا أحسن ما فيه، ويتجاوز عما يقبح منه ويقابله بالإحسان. قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [المؤمنون: 96] وقال الشيخ بدر الدين الزركشي رحمه اللّه تعالى: قال بعض السلف: من أحب أن يكثر ماله وولده ويبارك له في رزقه فليقل أستغفر اللّه إنه كان غفارا في اليوم سبعين مرة فإن اللّه سبحانه قال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [نوح: 10].\r(القهار) مبالغة في القهر، والقهر في اللغة الغلبة وصرف الشيء عما طبع عليه على سبيل","part":4,"page":364},{"id":1385,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 365\rالإلجاء، فيرجع إلى القدرة على المنع، وقيل نفس المنع فمن قهره جمعه بين الطبائع المتنافرة وإسكان الروح اللطيف النوراني في البدن الكثيف المظلم، ومن قهره تسخير الأفلاك الدائرة وجمع الخلائق في مشيئته، ومنع العقول من الوصول إلى كنه حقيقته، ولا يحيطون به علما، ومعناه الذي يقصم ظهور الجبابرة فيقهرهم بالإماتة والإذلال والإهلاك، فهو من أسماء الأفعال، وقيل: هو الذي قهر قلوب الطالبين فآنسها بلطف مشاهدته. وقيل: هو الغالب جميع الخلائق، وحظ العبد منه قهر النفس الأمارة بالسوء والإضرار بالقوى الشهوانية والغضبية، وتضييق مجاري الشيطان بالصوم قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] الآية.\r(الوهاب) مبالغة في الواهب، فمعناه كثير النعم دائم العطاء، والهبة هي العطية الخالية عن العوض والغرض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا، ولا تكون حقيقة إلا منه تعالى، إذ لا مالك في الحقيقة إلا هو. وقيل: هو من يكون جزيل العطايا، والنوال كثير المن والإفضال كثير اللطف والإقبال يعطي من غير سؤال ولا يقطع نواله عن العبد بحال، وقيل: هو الذي يعطيك وينعم عليك بلا سبب وحيلة. وحظ العبد منه التشبه بأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه حيث قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: اللّه ورسوله. وقال بعض العارفين مما جربت استجابته أن يقول: اللهم هب لي من رحمتك ما لا يمسكه أحد غيرك ست مرات.\r(الرزاق) هو مبالغة في الرازق، ومعناه الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها، وقيل: الذي يرزق من يشاء من عباده القناعة ويصرف دواعيهم عن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة والرزق على قسمين: ظاهر وهو الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان، وباطن وهي المعارف والمكاشفات، وذلك للقلوب والأسرار، وهذا أشرف الرازقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد، واللّه تعالى هو المتولي لخلق الرازقين والمتفضل بإيصالها إلى العباد، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. قال أصحابنا رحمهم اللّه تعالى:\rاسم الرزق لا يختص بالمأكول والمشروب، بل كل ما انتفع به الحيوان من مأكول ومشروب وملبوس وغيرها، فهو رزقه، ومن أعظم الرزق التوفيق للطاعات. وحظ العبد منه أن يتيقن أنه لا رزاق سواه، وأن يقطع مطامعه عن جميع عباده بالثقة بموعوده، ويكف استشرافه إلى جميع خلقه بالرضا بمقدوره، واعلم أنه تعالى يوصل الرزق إلى جميع مخلوقاته، وأن أسباب سعة الرزق كثرة الصلاة لقوله تعالى:\rوَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طه: 132] والصلاة والسّلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن من آداب العبودية أن يرجع العبد إلى ربه في طلب كل ما يريده من جليل وحقير. وعن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه أنه قال: أمر الرزق بطلبك وأمرت بطلب الجنة فطلبت ما أمر بطلبك وتركت ما أمرت بطلبه.\r(الفتاح) مبالغة في الفاتح، ومعناه الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية، وقيل: هو الحاكم بين الخلائق من الفتح بمعنى الحكم، قال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ [الأعراف: 89] أي احكم.\rوقيل: هو الذي يعينك عند الشدائد وينيلك صنوف العوائد، وقيل: هو الذي فتح على النفوس باب","part":4,"page":365},{"id":1386,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 366\rالباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، توفيقه وعلى الأسرار باب تحقيقه، وقيل: الذي لا يغلق عن خلقه وجوه النعم بعصيانهم ولا يترك إيصال الرحمة إليهم بنسيانهم، وحظ العبد منه أن يجتهد حتى ينفتح في كل ساعة على قلبه باب من أبواب الغيب والمكاشفات، وأن يفتح في كل ساعة على عباد اللّه أبواب الخيرات والمسرات. وقال بعض العارفين: مما جربت استجابته أن يقال اللهم أنت لها ولكل حاجة اقضها بفضل بسم اللّه الرحمن الرحيم، ما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها ثمان مرات. ونقل الشيخ العلامة كمال الدين الدميري رحمه اللّه تعالى أنه مكتوب على ضريح أبي حنيفة وعلى سور بغداد آية من كتاب اللّه تعالى، وحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وبيت من شعر ما قرأها أحد وكان في هم وغم إلا فرج اللّه همه وغمه، وما كان في ضيق إلا يسر اللّه عليه وكل ذلك بحسن اليقين، أما الآية فقوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: 2] وأما الحديث فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما ليس لك لن تناله بقوتك» وأما الشعر فهو:\rمن حط ثقل حموله ... في باب مالكه استراحا\r\rإن السلامة كلها ... حصلت لمن ألقى السلاحا\r\r(العليم) معناه البالغ في العلم وعلمه تعالى شامل لجميع المعلومات محيط بها سابق على وجودها وهو من صفات الذات، وقيل: معناه الذي لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عن علمه قاصية ولا دانية. قال الفخر الرازي وغيره: وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن يقال للّه يا معلم، وهذا من أقوى الدلائل على أن أسماء اللّه تعالى توقيفية لا قياسية. وقال أيضا: إن الألفاظ الموهمة الواردة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام يجب الاقتصار عليها، ولا يجوز ذكر الألفاظ المشتقة منها كقوله تعالى:\rوَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [فاطر: 121] فلا يجوز أن يقال كان آدم عليه الصلاة والسّلام عاصيا، وقوله: يا أبت استأجره فلا يقال إن موسى عليه الصلاة والسّلام كان أجيرا. وقال غيره: وأجمعوا على أنه لا يقال عليه تعالى علامة أيضا وإن كانت التاء للمبالغة لما يشعر به من التأنيث، وقيل: لإشعاره بالترقي في العلم من قلة إلى كثرة، وحظ العبد منه أن يستحي من اللّه تعالى حق الحياء، وقيل: من عرف أنه عليم بحالته صبر على بليته وشكر على عطيته، واعتذر عن قبيح خطيئته.\r(القابض الباسط) قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ [البقرة: 245] وإتباع أحد الاسمين بالآخر دليل على الكمال في القدر فلا يوصف بالحرمان دون العطاء ولا بالعطاء دون الحرمان، والقبض لغة الأخذ والبسط التوسعة وهما يعمان جميع الأشياء ومعناهما الرزق على من أراد وموسعه على من أراد، وقيل: معناهما الذي يقبض الأرواح من الأشباح عند الممات وينشر الأرواح في الأجساد عند الحياة، فهما على القولين من صفات الأفعال. وحظ العبد منهما أن لا يمنع الحكمة أهلها فيظلمهم وأن لا يعطيها غير أهلها فيظلمها.\r(الخافض الرافع) الخفض والرفع معناهما معلوم، وهما إن كانا في الدين فمعناهما الإضلال والإرشاد وإن كانا في الدنيا فمعناهما إعلاء الدرجات وإسقاطها، وقيل: معناهما الواضع من عصاه، والرافع من تولاه. وحظ العبد منهما أن يخفض الباطل ويرفع الحق ويعادي أعداء اللّه فيخفضهم ويوالي\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 367\r\rالخافض الرافع) الخفض والرفع معناهما معلوم، وهما إن كانا في الدين فمعناهما الإضلال والإرشاد وإن كانا في الدنيا فمعناهما إعلاء الدرجات وإسقاطها، وقيل: معناهما الواضع من عصاه، والرافع من تولاه. وحظ العبد منهما أن يخفض الباطل ويرفع الحق ويعادي أعداء اللّه فيخفضهم ويوالي","part":4,"page":366},{"id":1387,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 367\rأولياءه فيرفعهم، وأن لا يأمن مكر اللّه.\r(المعز المذل) المعز هو الذي أعز أولياءه بعصمته ثم غفر لهم برحمته، ثم نقلهم إلى دار كرامته، ثم أكرمهم برؤيته ومشاهدته، والمذل هو الذي أذل أعداءه بحرمان معرفته وركوب مخالفته، ثم نقلهم إلى دار عقوبته وأهانهم بطرده ولعنته. قال بعضهم: ما أعز اللّه عبدا بمثل ما يعرفه بذل نفسه وما أذل اللّه عبدا بمثل ما شغله بعز نفسه، وينبغي للعبد أن يدعو بقوله: اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وقيل: معناهما المعز بالطاعة المذل بالمعصية. وحظ العبد منهما أن يعز الحق وأهله ويذل الباطل وحزبه، وأن يكون ذا عزة على الكافر، قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: 54].\r(السميع البصير) السمع إدراك المسموعات حال حدوثها، والبصر إدراك المبصرات حال وجودها، وهما في حقه تعالى صفتان تنكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافا تاما. وقيل:\rمعنى السميع دعوات عباده وتضرعهم إليه ولا يشغله نداء عن نداء ولا تمنعه إجابة دعاء عن إجابة دعاء، وقيل: هو الذي أجاب دعوتك عند الاضطرار وكشف محنتك عند الافتقار وغفر زلتك عند الاستغفار، وقيل: معذرتك عند الاعتذار ورحم ضعفك عند الذلة والانكسار، وقيل: هو الذي يسمع المناجات ويقبل الطاعات ويقيل العثرات. وقيل في معنى البصير: هو الذي يبصر ما تحت الثرى.\rوحظ العبد منهما أن يتحقق أنه بمسمع من اللّه وبمرأى منه، وتيقن أن اللّه مطلع عليه وناظر إليه ومراقب لجميع أحواله من أقواله وأفعاله، وقيل: من عرف أنه البصير زين باطنه بالمراقبة وظاهره بالمحاسبة، وقيل إذا عصيت مولاك فاعصه في موضع لا يراك فيه، وقال بعض العارفين: من أراد خفاء نفسه عن أعين الناس بحيث لا يرونه فليقرأ عند مروره عليهم: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103] تسع مرات.\r(الحكم) بفتحتين ومعناه الحاكم الذي لا مردّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وقل: الذي لا يقع في وعده ريب ولا في فعله عيب، وقيل: الذي حكم على القلوب بالرضا والقناعة وعلى النفوس بالانقياد والطاعة، وحظ العبد منه أن يستسلم لحكمه وينقاد لأمره.\r(العدل) معناه العادل البالغ في العدل، وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله، وهو في الأصل مصدر أقيم مقام الاسم، فالعدل أقيم مقام العادل كالرب أقيم مقام الراب، وقيل: معناه الذي له أن يفعل ما يريد وحكمه ماض في العبيد، وحظ العبيد منه ترك الإفراط والتفريط وخير الأمور أوساطها.\r(اللطيف) معناه العليم بخفيات الأمور ودقائقها وما لطف منها، فيرجع إلى صفات المعاني، وقيل: معناه الميسر لكل عسير الجابر لكل كسير، وقيل: من كلف دون الطاقة وأعطى فوق الكفاية، وقيل: من وفق للعمل في الابتداء وأحسن بالقبول في الانتهاء، وقيل: من رأى فستر وأعطى فوفر وأنعم فأجزل، وقيل: الذي لطف أفعاله وحسنت، وحظ العبد منه أن يتلطف بعباده ويرفق بهم في الدعاء إلى اللّه تعالى، وفي الإرشاد إلى طريق الحق وأن يتيقن أنه تعالى عالم بمكنونات الضمائر وجليات الظواهر. قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ","part":4,"page":367},{"id":1388,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 368\rالخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، أَحْسَنُ [النحل: 125] وقال بعض العارفين: من قرأ قوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى: 19] في كل يوم تسع مرات لطف اللّه به في أموره ويسّر له رزقا حسنا، وكذلك من أكثر من ذكر اللطيف.\r(الخبير) معناه العليم ببواطن الأشياء من الخبرة وهي العلم بالخفايا الباطنة، وحظ العبد منه أن لا يتغافل عن بواطن أحواله ويشتغل بإصلاحها ويستدرك ما يحدث فيها من القبائح. وقال علي بن الحسين رضي اللّه عنهما: من أراد عزا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان وغنى بلا فقر، فليخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة. وقال بعض العارفين: من أراد أن يرى شيئا في منامه فليقرأ قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] تسع مرات عند نومه\r(الحليم) هو الذي لا يعجل بالانتقام وكيف يعجل من لا يخاف الفوت، وقيل: معناه من كان صفاحا عن الذنوب ستارا للعيوب، وقيل: هو الذي يحفظ الود ويحسن العهد وينجز الوعد، وقيل: هو الذي غفر بعد ما ستر، وقيل: هو الذي لا يستخفه عصيان عاص ولا يستفزه طغيان طاغ، وقيل: هو الذي يحلم على عباده ويتجاوز عن سيئاتهم. وحظ العبد منه أن يتخلق بالحلم ويحمل نفسه على كظم الغيظ وإطفاء نار الغضب بالحلم.\r(العظيم) معناه الذي ليس لعظمته بداية ولا لكنه جلاله نهاية. وقيل: هو الذي لا يتصوره عقل ولا يحيط بكنهه بصيرة، وقيل: الذي لا تكون عظمته بتعظيم الأغيار وجل قدره عن الحد والمقدار، وقيل: هو العظيم بوجوب وجوده والعظيم في قهره وسلطانه، والعظيم بتنزهه عن صفات خلقه، وفيه إشارة إلى مجموع صفاته النفسية والمعنوية والقدسية وأظهر معانيه القوة والقدرة وحظ العبد منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من تعلم وعلم وعمل فذلك يدعى في ملكوت السماء عظيما» وأن يستحقر نفسه ويذللها للإقبال على اللّه تعالى بالانقياد لأوامره والاجتهاد في ارتكاب ما يرضيه واجتناب نواهيه.\r(الغفور) معناه كثير المغفرة وهي صيانة العبد عما استحقه من العذاب للتجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو الستر. قال العلامة فضل اللّه التور بشتي رحمه اللّه تعالى: ولعل الغفار أبلغ من الغفور لزيادة بنائه، وقيل: الفرق بينه وبين الغفار أن المبالغة فيه من جهة الكيفية فيغفر الذنوب العظام، وفي الغفار باعتبار الكمية فيغفر الذنوب الكثيرة، وحظ العبد منه ما مرّ في الغفار.\r(الشكور) معناه الذي يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل. وقيل: هو الذي أعطى أجزل وإذا أطيع بالقليل قبل، وقيل: هو الذي يقبل اليسير من الطاعات ويعطي الكثير من الدرجات. وحظ العبد منه أن لا يستعمل نعمه في شيء من معاصيه، وأن يكون شاكرا للناس معروفهم فإن من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه قيل: وغاية شكرك له اعترافك بالعجز عن شكره، كما أن غاية معرفتك به اعترافك بالعجز عن معرفته.\r(العلي) معناه العالي البالغ في علو الرتبة إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، وقيل: هو الذي علا عن أن تدرك الخلق ذاته، وعن أن يتصوروا صفاته بالكنه والحقيقة، وحظ العبد منه أن يذل نفسه في طاعة اللّه ويبذل جهده في العلم والعمل.","part":4,"page":368},{"id":1389,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 369\r(الكبير) معناه ذو الكبرياء، وقيل: معناه الذي فاق مدح المادحين ونعت الناعتين، وقيل: معناه الكبير عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول، وحظ العبد منه أن يجتهد في تكميل نفسه علما وعملا بحيث يتعدى كماله إلى غيره ويقتدي بآثاره ويقتبس من أنواره. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «جالس العلماء وصاحب الحكماء وخالط الكبراء» قال المحققون: العلماء ثلاثة أقسام العلماء بأحكام اللّه فقط، وهم العلماء وأصحاب الفتوى والعلماء بذات اللّه فقط وهم الحكماء، والعلماء بالقسمين وهم الكبراء، فالقسم الأول حالهم كالسراج يحترق في نفسه ويضيء غيره، والقسم الثاني حالهم أكمل من الأول لأنهم أشرقت قلوبهم بمعرفة اللّه وأشرقت أسرارهم بأنوار جلال اللّه إلا أنه كالكنز المخفي تحت التراب لا يصل أثره إلى غيره، والقسم الثالث أشرف الأقسام كلها فإنه كالشمس التي تضيء للعالم لأنه تام وفوق التمام.\r(الحفيظ) مبالغة في حافظ وله معنيان، أحدهما: من الحفظ ضد السهو والنسيان فيرجع في حقه تعالى إلى دوام علمه. ثانيهما: من الحفظ بمعنى الحراسة، وهو ظاهر قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] وقيل: معناه الذي صانك في حال المحنة عن الشكوى، وفي حال النعمة عن البلوى، وقيل: هو الذي حفظ سرك عن ملاحظة الأغيار وصان ظاهرك عن موافقة الفجار. وقيل: الحافظ أولياءه عن اقتحام الزلات. وحظ العبد منه المحافظة على أوقاته، وأن يكون في كل وقت مشغولا بما هو أولى به، والسعي في صيانة كل مسلم بحسب الطاقة والقدرة. قال بعضهم: ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ اللّه عليه قلبه، وما من عبد حفظ اللّه عليه قلبه إلا جعله على عباده حفيظا.\r(المقيت) أي المقتدر فيرجع لمعنى القادر، ونقل الأزهري أن ثلاثة أحرف في كتاب اللّه تعالى نزلت بلغة قريش خاصة وهي قوله: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ [الإسراء: 51] أي يحركونها وقوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ [الأنفال: 57] أي: نكل بهم من وراءهم وقوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً [النساء: 85] أي مقتدرا. وقيل: معناه من شاهد النجوى، فأجاب وعلم البلوى فكشف واستجاب، وقيل هو المتكفل بأرزاق العباد فيرجع إلى القدرة أو الفعل بمعنى أنه يعطي الأقوات.\rوحظ العبد منه قهر النفس وإطعام الطعام وإرشاد الغافل، واعلم أن أحوال الأقوات والمقتاتين مختلفة، فمنهم من جعل اللّه قوته المطعومات، ومنهم من جعل قوته الذكر والطاعات، ومنهم من جعل قوته المكاشفات والمشاهدات فقال تعالى في حق القسم الأول: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وسئل بعضهم عن القوت فقال: ذكر الحي الذي لا يموت وهو صفة الفريق الثاني، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» وهو صفة القسم الثالث، وروي المغيث بالغين المعجمة وبالمثلثة بدل المقيت بالقاف والتاء الفوقية.\r(الحسيب) هو فعيل بمعنى فاعل ومعناه الكافي وهذا الوصف لا يليق على وجه الحقيقة إلا باللّه تعالى، فإن كل كفاية إنما هي حاصلة منه تعالى، وقيل: هو الذي يعد عليك أنفاسك ويصرف عنك بفضله بأسك، وقيل: معناه الشريف بمعنى أنه مختص بشرف الألوهية وكل كمال. وحظ العبد منه أن","part":4,"page":369},{"id":1390,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 370\rالجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، يسعى في كفاية حاجات المحتاجين وسدّ خلتهم ويحاسب نفسه بالمعرفة والطاعة. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» وأن يتقي اللّه حق تقاته، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. [الحجرات: 13].\r(الجليل) هذا الاسم غير وارد في القرآن إلا أن الجليل هو الذي له الجلال، وهذا ورد في القرآن، قال تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 27] وقال: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 78] والجلال الكمال في جميع الصفات النفسية والمعنوية والقدسية فالجليل هو الكامل فيها، وقيل: هو الذي جل أي عظم من قصده وذلّ من طرده، وقيل: هو الذي جل قدره في قلوب العارفين وعظم خطره في نفوس المحبين، وقيل: هو الذي أجل الأولياء بفضله وأذل الأعداء بعدله. وحظ العبد منه التخلي من كل صفة ذميمة والتحلي بكل صفة كريمة.\r(الكريم) يرجع معناه إلى الجود فمن كرمه قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: 53] الآية. ومن كرمه تلقين الجواب حالة العتاب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: 6] ولا جواب له هنا سوى قوله كرمك ومعناه من يعطي من غير منة.\rوقال الجنيد رحمه اللّه: الكريم الذي لا يحوجك إلى وسيلة، وقيل: هو الذي لا يضيع من توسل إليه ولا يترك من التجأ إليه. وحظ العبد منه أن يعفو عمن ظلمه ويصل من قطعه ويحسن إلى من أساء إليه ويحقق تقواه.\r(الرقيب) معناه العليم الذي لا يعزب عنه شيء، وقيل: هو الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقيل: هو الذي يعلم ويرى ولا يخفى عليه السر والنجوى، وقيل: هو الحاضر الذي لا يغيب، وقيل: هو الذي من الأسرار قريب وعند الاضطرار مجيب. وحظ العبد منه أن يراقب أحوال نفسه، ويأخذ حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة فيهلكها على غفلة، وروي القريب بدل الرقيب.\r(المجيب) أي الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقيل: هو الذي يجيب المضطرين ولا تخيب لديه آمال الطالبين. وحظ العبد به الاستجابة للّه تعالى ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24].\r(الواسع) أي الواسع في علمه فلا يجهل، والواسع في قدرته فلا يعجز، وقيل: الذي لا يعزب عن أثر الخواطر في الضمائر، وقيل: الذي أفضاله شامل ونواله كامل، وقيل: هو الذي لا نهاية لبرهانه ولا غاية لسلطانه، وقيل: هو الذي لا يحد غناه ولا تنفذ عطاياه. وحظ العبد منه سعة صدره وحلمه عند السؤال.\r(الحكيم) معناه الذي يكون مصيبا في التقدير ومحسنا في التدبير، وقيل: الذي ليس عنه إعراض ولا على فعله اعتراض، وقيل: هو مبالغة في الحاكم، وقيل: هو ذو الحكمة وهي عبارة عن كمال العلم وإحسان العمل. وحظ العبد منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «جالس العلماء وصاحب الحكماء وخالط الكبراء».\r(الودود) هو فعول بمعنى فاعل. والود بضم الواد الحب، والودود بفتحها هو المحب للطائعين","part":4,"page":370},{"id":1391,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 371\rالحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، من عباده المتحبب إليهم بانعامه، وقيل: معناه الذي يحب الخير لجميع الخلق فيحسن إليهم ويثني عليهم، وقال بعضهم: شرط المحبة أن لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء، والمحبة من اللّه إرادة الزلفى للعبد، ومن العبد للّه إيثاره تعالى على كل سواه، وحظ العبد منه أن يحب الصالحين من عباده، وأن يريد للخلق ما يريده لنفسه ويحسن إليهم حسب قدرته ووسعه، وأن لا يمنعه الغضب منهم عن الإيثار والإحسان إليهم وأن يحتمل أذاهم.\r(المجيد) مبالغة في الماجد والمجد الشرف التام الكامل، ولذلك وصف اللّه به القرآن العظيم فقال تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1] ويطلق الكثير العطاء ومعناه الذي عزه غير مستفتح وفعله غير مستقبح، وقيل: الشرف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله، وقيل: البالغ النهاية في الكرم:\rوحظ العبد منه أن يعامل الناس بالكرم وحسن الخلق ليكون ماجدا فيما بينهم.\r(الباعث) معناه باعث الرسل وباعث الموتى من القبور، وقيل: معناه باعث الهمم إلى الترقي في ساحات التوحيد والتنقي من ظلمات صفات العبيد، وقيل: هو الذي يبعثك على عليات الأمور ويرفع عن قلبك وساوس الصدور، وقيل: معناه ما قاله الجنيد رحمه اللّه: كن في باطنك مع اللّه روحانيا، وفي ظاهرك مع الخلق جسمانيا. وحظ العبد منه أن يؤمن بالبعث ويكون مقبلا بكليته على التهيؤ للمعاد والاستعداد ليوم التناد.\r(الشهيد) مبالغة في الشاهد والشهادة ترجع إلى العلم مع الحضور، ومعناه الذي هو أعز جليس، ولا يحتاج معه إلى أنيس، وقيل: الذي نور القلوب بمشاهدته والأسرار بمعرفته، وقيل: معناه الشاهد ضد الغائب من الشهود بمعنى الحضور. وحظ العبد منه أن يعبد اللّه كأنه يراه وأن يقول عن علم.\r(الحق) أي المتحقق الثابت وجوده أزلا وأبدا فلا يقبل الانتفاء بحال فمعناه يستلزم القدم والبقاء، وقيل: هو الحقيق بأن يعبده العابدون، وقول الحسين بن منصور الحلاج رحمهما اللّه تعالى:\rأنا الحق إشارة منه إلى فنائه عن مشاهدته نفسه لا أنه أراد الاتحاد، وهذا التأويل لأجل حسن الظن به.\rوحظ العبد منه فناؤه عن نفسه وعن إرادته، وأن يرى اللّه تعالى حقا وما سواه باطلا في ذاته حقا بإيجاده واختراعه، وأن له تعالى حكما ولطائف في كل ما يوجده وإن خفي علينا كنهه.\r(الوكيل) أي العالم بأمور العباد من توكل عليه كفاه، ومن استغنى به أغناه عما سواه، وقيل:\rالمتكفل بمصالح العباد، وقيل: الذي ابتدأك بكفايته ثم تولاك بحسن رعايته، ثم ختم لك بجميل ولايته، وقيل: المتصرف في الأمور على حسب إرادته. وحظ العبد منه السعي في حاجة أخيه المؤمن وأن يكل الأمر إليه تعالى، ويتوكل عليه، ويكتفي بالالتجاء إليه عن الاستمداد بغيره.\r(القوي) أي الكامل في القوة لا يعجز بحال من الأحوال.\r(المتين) شديد القوة لا يضعف عما يريد، فالقوي مأخوذ من القوة وهي كما القدرة، والمتين من المتانة بمثناة فوقية شدة الشيء واستحكامه، وهي مبالغة في معنى القوي والمبالغة فيه هي الكمال إلى أقصى الغايات وهو تأثيرها في سائر الممكنات ولا يؤثر فيها شيء. وحظ العبد منها اعتصامه واستعانته","part":4,"page":371},{"id":1392,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 372\rالمميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، باللّه تعالى، وروي المبين بالموحدة بدل المتين بالمثناة فوق والمشهور المثناة.\r(الولي) هو المتكفل بأمور الخلائق كلها، وقيل: الذي نصر أولياءه وقهر أعداءه، فالولي بحسن ولايته منصور، والعدو بحكم شقاوته مقهور، وقيل: الذي أحب أولياءه بلا علة ولا يردهم بارتكاب زلة، وقيل: الذي تولى سياسة النفوس فأدبها، وحراسة القلوب فهذبها. وحظ العبد منه الاتصاف بولاية اللّه تعالى، وأن يحب اللّه ويحب أنبياءه وأولياءه، ويجتهد في نصره تعالى ونصر أنبيائه وأوليائه، وفي قهر أعدائه، ويسعى في ترويج حوائج الناس ونظم مصالحهم حتى يتشرف بهذا الاسم.\r(الحميد) فعيل بمعنى مفعول فهو المحمود على كل حال، وقيل: الذي يوفقك للخيرات ويحمدك عليها ويمحو عنك السيئات، ولا يخجلك بذكرها فهو بمعنى فاعل، وقيل: المستحق للحمد والثناء. وحظ العبد منه اعترافه بالعجز عن الثناء عليه كما في الحديث: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».\r(المحصي) العالم الذي يحصي المعلومات فيرجع إلى كمال العلم وعمومه، وقيل: معناه الذي هو بالظاهر يصير وبالباطن خبير، وقيل: الحافظ لأعداد طاعاتك العالم بجميع حالاتك. وحظ العبد منه أن يحصى على نفسه الحركات والسكنات، وأن يراقب اللّه تعالى في الجهر والخلوات.\r(المبدىء) معناه الفاطر وهو الخالق ابتداء.\r(المعيد) وهو الخالق ثانيا فهما إشارة إلى النشأتين الأولى والأخرى. وحظ العبد منهما استعمال حقائق الإيمان بالبعث فيما ينفع بعد الموت.\r(المحيي) معناه من أحياك بذكره واستعبدك ببره وبصره بشكره، وقيل: من أحيا قلوب العارفين بأنوار معرفته وأحيا أرواحهم بلطف مشاهدته.\r(المميت) هو من أمات قلبك بالغفلة ونفسك باستيلاء المذلة وعقلك بالشهوة، وقيل: معناهما من أحيا العارفين بالموافقات وأمات المذنبين بالمخالفات. وقيل: معناهما من يحيي الحيوانات بإيجاد الأرواح فيها ويميتها بنزعها منها. وحظ العبد منهما إحياء روحه بذكره تعالى وإماتة شهواته بمجاهدة نفسه ورياضتها.\r(الحي) هو الذي لا يموت فهو الباقي أزلا وأبدا. وحظ العبد منه السعي في تحصيل الشهادة، لأن الشهداء عند ربهم يرزقون، واعلم أنه لا يجوز إطلاق الحيوان على اللّه تعالى، مع أنه يجوز إطلاق لفظ الحي عليه والفرق هو التوقيف.\r(القيوم) القائم المقيم لغيره، وقيل: الدائم الباقي فيكون تأكيدا للحي، وقيل: مبالغة في قيامه بتدبير خلقه وحصول الاستغناء به عن كل ما سواه، القائم على كل نفس بما كسبت. وحظ العبد منه كما تمكنه بأن يلتفت إلى الأسباب، ويشهد أن المسببات صادرة من عين القدرة، وأن ترتبها على الأسباب أمر ظاهري فقط، واعلم أن من عرف أنه سبحانه هو القائم والقيم والقيام والقيوم انقطع قلبه","part":4,"page":372},{"id":1393,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 373\rعن الخلق، وقال أبو زيد رحمه اللّه تعالى: حسبك من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصرا غيره، ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره.\r(الواجد) هذا الاسم غير موجود في القرآن، لكنه مجمع عليه ومعناه الغني، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لي الواجد ظلم أي مطل الغني ظلم» يقال: وجد فلان وجدا وجدة إذا استغنى ويرجع حاصله إلى قدرته على تنفيذ المرادات، وقيل: الواجد مأخوذ من الوجدان بمعنى العلم وجدت فلانا فقيها أي علمت كونه كذلك، ويقال: وجدت طعم الشيء إذا أدركته. قال تعالى: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [النور: 39] أي علمه فعلى هذا يكون الواجد بمعنى العالم، وقيل: هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده ولا يعوزه شيء من ذلك أي: لا يعجز ولا يتعسر عليه. وحظ العبد منه أن يكون غنيا عما سواه به.\r(الماجد) بمعنى المجيد وهو المذكور في القرآن إلا أن في المجيد مبالغة ليست في الماجد، وقد عرف معناه، وحظ العبد منه ما مرّ في المجيد.\r(الواحد) وهو المنفرد بالذات لا شريك له.\r(الأحد) المنفرد بالصفات لا مشارك له، واعلم أن في جامع الأصول ثبوت لفظ الأحد بعد الواحد، وليس الأحد ثابتا في جامع الترمذي، فكان حق الشيخ أن لا يذكره كما هو ساقط في بعض النسخ، لأنه نسب الحديث إلى الترمذي، وأيضا بدونه يصح العدد اللهم إلا أن يعدا اسما واحدا وعلى كل حال فمعناهما أنه تعالى واحد من حيث إنه منزه عن التركيب والمقادير لا يقبل التجزئة والانقسام واحد من حيث إنه متعال عن أن يكون له مثل، فيتطرق إلى ذاته التعدد والاشتراك. وقيل: معناهما المنفرد بإيجاد المعدومات المتوحد بإظهار الخفيات، واعلم أن الواحد والأحد كالرحمن والرحيم، فالرحمن قد اختص به اللّه لا يشاركه فيه غيره، والرحيم قد تحصل فيه المشاركة، فكذلك الأحد قد اختص به البارىء سبحانه، والواحد قد تحصل فيه المشاركة، ولهذا السبب لم يذكر اللّه تعالى لام التعريف في أحد، بل قال قل هو اللّه أحد، وذلك لأنه صار نعتا للّه على الخصوص، فصار معرفة فاستغنى عن التعريف. وحظ العبد منهما التحقق بمقام التوحيد، وظاهره معلوم، وحقيقة تحقيقه مما تضيق عنه العبارة وتقصر دونه الإشارة.\r(الصمد) هو السيد الحكيم أو الذي يصمد إليه أي يقصد في الحوائج، أو الذي يحتاج إليه كل أحد، وهو يستغني عن كل أحد أو لمنزه عن كل عيب المطلع على كل غيب، أو الذي لا يأكل ولا يشرب، وهذه المعاني كلها متحققة في اللّه تعالى. وحظ العبد منه أن يقصد الناس فيما يعرض لهم من مهمات دينهم ودنياهم ليقضيها لهم، وأن يتقلل من الطعام والشراب لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه».\r(القادر المقتدر) معناهما ذو القدرة، ولكن المقتدر أكثر مبالغة لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب، فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالى حقيقة، لكنه يفيد المعنى مبالغة، ومن حقهما أن لا يوصف بهما مطلقا غير اللّه تعالى، فإنه القادر بالذات، والمقتدر على جميع الممكنات، وما عداه ليس كذلك. وحظ العبد منهما التبرؤ من الحول والقوة إلا به إياك نعبد وإياك نستعين، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم.","part":4,"page":373},{"id":1394,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 374\rالمؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، (المقدم المؤخر) هذان الاسمان غير مذكورين في القرآن لكنهما مجمع عليهما ومعناهما المقدم من شاء إلى بابه، والمؤخر من شاء عن جنابه. وقيل: معناهما الذي يقدم بعض الأشياء على بعض، وقيل: الذي قدم من شاء بالتقوى والإنابة والصدقة والاستجابة وأخر من شاء عن معرفته ورده إلى حوله وقوته، وقيل: الذي قدم الأبرار بقبول المبار وأخر الفجار وشغلهم بالأغيار، وقيل: معناهما الذي يقرب ويبعد، فمن قربه فقد قدمه ومن أبعده فقد أخره، وقد قدم أنبياءه وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم، وأخر أعداءه بإبعادهم، وضرب الحجاب بينه وبينهم، وكل متأخر فهو مؤخر بالإضافة إلى ما قبله مقدم بالإضافة إلى ما بعده. وحظ العبد منهما أن يحيط بمراتب العبادات ويقدم الأهم فالأهم.\r(الأول) القديم بلا ابتداء.\r(الآخر) الباقي بلا انتهاء، وقيل: معناهما الأول بلا تقديم أحد الآخر بلا تأخير أحد، وقيل:\rالأول بالأزلية والآخر بالأبدية. وحظ العبد منهما أن يشتغل بما يبقى عما يفنى.\r(الظاهر) بصفاته ومصنوعاته.\r(الباطن) بحقيقة ذاته، وقيل: معناهما الظاهر وجوده بآياته ودلائله المنبثة في أرضه وسمائه، والباطن المحتجب عن خلقه في دار الدنيا بموانع يخلقها في أعينهم، وقيل: الظاهر بلا تقوية أحد الباطن بلا خوف أحد، وقيل: الظاهر بالقدرة والغلبة إما من الظهور هو البروز، وذلك بالقدرة والأفعال، أو من الاستعلاء والغلبة والباطن، أي: المستتر عن العيون. وحظ العبد منها الظهور على الشيطان وإخفاء أعماله عن الخلائق خشية الرياء والعجب، وهذا في غير إقامة الواجبات.\r(الوالي) هذا الاسم لم يرد في القرآن، لكنه مجمع عليه، ومعناه المالك للأشياء المتولي لها، والمتصرف بمشيئته فيها ينفذ أمره، ويجري عليها حكمه، والفرق بينه وبين الولي المبالغة وفي ولي، فإنه فعيل من فاعل، وقيل: معناه الذي دبر أمور خلقه وتولاها. وحظ العبد منه ما مرّ في الكلام على الولي.\r(المتعالي) معناه البالغ في العلو والمرتفع عن النقص، وقيل: المتعالي بوجوب وجوده واستغنائه عن الكل وتنزهه عن جميع النقائص. وحظ العبد منه علو همته بحيث لا يملكه شيء من المخلوقات.\r(البر) بفتح الباء معناه فاعل البر بكسرها أي الإحسان، وقيل: هو الذي من على السائلين بحسن عطائه، وعلى العابدين بجميل جزائه، وقيل: الذي لا يقطع الإحسان بسبب العصيان، وقيل: معناه البار وهو الذي لا يصدر عنه القبيح. وحظ العبد منه أن يكون مشتغلا بأعمال البر واستباق الخيرات، وأن لا يضمر الشر ولا يؤذي أحدا. وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا ينام وكما تدين تدان وكما تزرع تحصد» قال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: 105].\r(التواب) مبالغة في التائب. قال العلامة شهاب الدين أحمد بن العماد رحمه اللّه: والتوبة لغة","part":4,"page":374},{"id":1395,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 375\rالرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الرجوع. يقال: تاب إذا رجع وآب بمعناه. قال تعالى: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً [الإسراء: 25].\rويقال: ناب بالنون وأناب بمعناه. قال تعالى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر: 54] أي ارجعوا. ويقال أيضا: ثاب بالمثلثة إذا رجع فتحصل أنه يقال تاب وثاب وأناب وآب وكلها بمعنى رجع اهـ.\r(و التواب) يطلق على اللّه تعالى وعلى العبد، ومعناه في حق العبد رجوعه إلى الندم والطاعة، ومعناه في حقه تعالى رجوعه عليه بالقبول. وقيل: معناه الذي يقابل الدعاء بالعطاء والاعتذار بالاغتفار، والإنابة بالإجابة، والتوبة بغفران الحوبة، وقيل: إذا تاب العبد إلى اللّه بسؤاله تاب اللّه عليه بنواله، وقيل: الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. وحظ العبد منه أن يكون واثقا بقبول التوبة غير آيس من الرحمة بكثرة ما اقترفه من الذنوب، وأن يقبل معاذير المجرمين من رعاياه وأصدقائه ومعارفه مرة بعد أخرى، حتى يفوز بنصيب من هذا الوصف ويصير متخلقا بهذا الخلق.\r(المنتقم) معناه المعاقب للعصاة على مكروهات الأفعال. وقيل: المنتقم الذي نقمته لا تعد ونعمته لا تحد، وقيل هو الذي من عرفت عظمته خشيت نقمته، ومن عرفت رحمته رجيت نعمته.\rوحظ العبد منه أن ينتقم من أعداء اللّه، وأعدى الأعداء نفسه التي بين جنبيه، وحقه أن ينتقم منها إذا قارف معصية أو أخل بعبادة، كما نقل عن أبي يزيد رحمه اللّه تعالى قال: تكاسلت نفسي عليّ في بعض الليالي عن بعض الأوراد فعاقبتها بمنعي لها الماء سنة.\r(العفو) معناه ذو العفو وهو ترك المؤاخذة عن إرتكاب الذنب، وهو أبلغ من المغفرة فإنها مشتقة من الغفر وهو الستر، والعفو إزالة الأثر ومنه عفت الديار، ولأن الغفران يشعر بالستر والعفو بالمحو، والمحو أبلغ من الستر، وقيل: معناه الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي. وحظ العبد منه أن يعفو عن كل من ظلمه ولا يقطع بره عن أحد بسبب ما حصل منه قال تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22] فإنه متى فعل ذلك فاللّه أولى أن يفعل به ذلك، لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.\r(الرؤوف) ذو الرأفة وهي نهاية الرحمة، فهو أخص من الرحيم، وهو المتعطف على المذنبين بالتوبة وعلى الأولياء بالعصمة، وقيل: هو الذي ستر ما رأى من العيوب ثم عفا عما ستر من الذنوب، وقيل: الذي صان أولياءه عن ملاحظة الأشكال وكفاهم بفضله مؤونة الأشغال. وحظ العبد منه الشفقة على عباده المؤمنين والاستغفار للمذنبين.\r(مالك الملك) معناه الذي ينفذ مشيئته في ملكه ويجري حكمه على ما يشاء لا مردّ لقضائه ولا معقب لحكمه، والملك هنا بضم الميم مصدر بمعنى السلطان والقدرة، وقيل: بمعنى المملكة، والمالك بمعنى القادر التام القدرة، وأما ما ملك من مال وغيره فهو ملك بتثليث الميم والكسر أفصح وأشهر، قاله النووي في تهذيبه. وحظ العبد منه ما مرّ في الكلام على الملك.\r(ذو الجلال والإكرام) هو الذي لا شرف ولا جلال ولا كمال إلا وهو له ولا كرامة ولا مكرمة إلا","part":4,"page":375},{"id":1396,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 376\rالضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. رواه الترمذي.\rوهي صادرة منه، فالجلال في ذاته والكرامة فائضة منه على خلقه، وذو الجلال إشارة إلى صفات الكمال، والإكرام إلى صفات التنزيه، وقيل: الجلال هو الوصف الحقيقي، والإكرام هو الوصف الإضافي. وحظ العبد منه أن يلاطف عبيده بالتعظيم والإكرام والاحتشام.\r(المقسط) معناه العادل في الحكم يقال: أقسط إذا عدل في الحكم، فكأن الهمزة في أقسط للسلب، كما يقال شكا إليه فأشكاه أي أزال شكواه وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار. قال تعالى: وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15] والقسط النصيب، وقيل: معناه ذو القسط في العطايا والهبات، وهو العدل. وفي المصباح: قسط قسطا من بابي ضرب وجلس جار وعدل أيضا، فهو من الأضداد. قال ابن القطاع: أقسط بالألف عدل والاسم القسط بالكسر، والقسط النصيب، والجمع أقساط مثل حمل وأحمال اهـ.\rوحظ العبد منه أن ينتصف من نفسه لغيره ولا ينتصف من غيره لنفسه.\r(الجامع) معناه أنه تعالى جمع بين قلوب الأحباب، كما قال: وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:\r63] وقيل: إنه تعالى يجمع أجزاء الخلق عند الحشر والنشر بعد تفرقها، ويجمع بين الجسد والروح بعد انفصاله كل واحد منهما عن الآخر، ويجمعهم لفصل القضاء بينهم، وقيل: إنه تعالى يجمع الخلق في موقف القيامة، ويجمع بين الظالم والمظلوم، كما قال تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ [المرسلات: 38] ثم يرد من شاء إلى دار النعيم ويرد من شاء إلى دار الجحيم، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً [النساء: 140]. وحظ العبد منه أن يجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة، فالشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة أنباء عن تصريف الحق، والشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده، والطريقة أن تقصده، وقال بعضهم: سئل بعض المتأخرين عن الشريعة والطريقة والحقيقة فقال: الشريعة هي العمل بأحكام اللّه تعالى، والطريقة هي العلم بها، والحقيقة هي المقصود منها.\r(الغني) هو الذي وجب وجوده وافتقر سائر الكائنات إليه، وقيل: هو المستغني عن كل ما سواه وكلهم محتاجون إليه، وحظ العبد منه أن يستغني عن كل ما سواه.\r(المغني) يعني من شاء غناء عما سواه، وقيل: هو الذي لا يحتاج إلى غيره، بل غيره هو المحتاج إليه لافتقاره إليه. وحظ العبد منه ما مرّ في الذي قبله.\r(المانع) لم يرد هذا الاسم في القرآن، لكنه مجمع عليه، ومعناه الذي يمنع من الوقوع في الأشياء المهلكة بما يخلقه من الأسباب المعدة للحفظ، وقيل: الذي يمنع من يستحق المنع، لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى. وحظ العبد منه أن لا يعطي الحكمة لغير أهلها.\r(الضار النافع) معناهما الذي يضر الكافرين بما سبق لهم من قديم عداوته، والذي ينفع الطائعين بتوفيقه وإحسانه، وقيل: خالق الضر والنفع وفي هذين الاسمين إشارة إلى كمال القدرة والإرادة لازدواجهما. وحظ العبد منهما أن يكون ضارا لأعداء اللّه نافعا لأوليائه. قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى","part":4,"page":376},{"id":1397,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 377\rالْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: 54] وأن لا يرجو أحدا ولا يخشى أحدا، وأن يكون اعتماده بالكلية على اللّه. وحكي عن موسى بن عمران عليه الصلاة والسّلام أنه شكا ألم سنه أي ضرسه إلى اللّه تعالى، فقال اللّه: خذ الحشيشة الفلانية وضعها على سنك ففعل فسكن الوجع في الحال، ثم بعد مدة عاوده ذلك الوجع، فأخذ تلك الحشيشة مرة أخرى ووضعها على السن فازداد الوجع أضعاف ما كان، فاستغاث إلى اللّه قال: إلهي ألست أمرتني بهذا ودللتني عليه، فأوحى اللّه إليه: يا موسى أنا الشافي، وأنا المعافي، وأنا الضار، وأنا النافع قصدتني في الكرة الأولى فأزلت مرضك والآن قصدت الحشيشة وما قصدتني.\r(النور) الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وقيل: المظهر لكل خفي فهو مظهر لكل موجد بإخراجه من العدم إلى الوجود. قيل: الذي نور قلوب الصادقين بتوحيده ونور أسرار المحبين بتأييده، وقيل: الذي أحيا قلوب العارفين بنور معرفته، وأحيا نفوس العابدين بنور عبادته. وحظ العبد منه اتباعه الحق واجتنابه الباطل.\r(الهادي) الذي يهدي القلوب إلى معرفته والنفوس إلى طاعته، وقيل: الذي يهدي المذنبين إلى التوبة والعارفين إلى حقائق القربة، وقيل: الذي يشغل القلوب بالصدق مع الحق والأجساد بالحق مع الخلق. وحظ العبد منه الدعاء إلى اللّه تعالى قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل:\r125] الآية.\r(البديع) الذي لا مثل له في ذاته ولا نظير له في صفاته، وقيل: معناه الذي أظهر عجائب صنعته وأظهر غرائب حكمته، وقيل: الذي يفعل على غير مثال سابق، وقيل: معناه الخالق ابتداء وهو المبدع وقيل غير ذلك.\r(الباقي) معناه الدائم ثم الموجود الذي لا يقبل الفناء، وقيل: هو الذي لا ابتداء لوجوده ولا نهاية لجوده، وقيل: الذي يكون في أبده على الوجه الذي كان عليه في أزله. وقيل: المستمر الوجود الواجب الذي لا يلحقه عدم، وحظ العبد منه السعي في الشهادة. قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [آل عمران: 169].\r(الوارث) الباقي بعد فناء فترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك، وقيل: الذي تسربل بالصمدية بلا فناء وتفرد بالأحدية بلا انتفاء، وقيل: الذي يرث لا بتوريث أحد. وحظ العبد منه أن يشتغل بالباقي عن الفاني.\r(الرشيد) الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم وهداهم ودلهم عليها، والرشد الاستقامة وهي ضد الغي والرشيد فعيل، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون فعيلا بمعنى فاعل، فالرشيد هو الراشد، وهو الذي له الرشد ويرجع حاصله إلى أنه حكيم في أفعاله. ثانيهما: أن يكون بمعنى مفعل كالبديع بمعنى مبدع، وإرشاده تعالى يرجع إلى هدايته، ومعناه الذي أسعد من شاء بإسعاده، وأشقي من شاء بإبعاده، وقيل: الذي لا يوجد سهو في تدبيره ولا لهو في تقديره، وقيل: الموصوف بالعدل، وقيل: المتعالي عن النقائص. وفي المصباح: الرشد الصلاح وهو خلاف الغي والضلال وهو إصابة الصواب، ورشد","part":4,"page":377},{"id":1398,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 378\rقال تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ بقراءتك فيها فيسمعك المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله وَلا تُخافِتْ تسر بِها لينتفع أصحابك وَابْتَغِ اقصد بَيْنَ ذلِكَ الجهر والمخافتة رشدا من باب تعب، ورشد يرشد من باب قتل فهو راشد، والاسم الرشاد والرشد اهـ.\rوحظ العبد منه أن يهدي إلى الصواب من مقاصده في دينه ودنياه.\r(الصبور) هذا والذي قبله غير واردين في القرآن لكنهما مجمع عليهما وهو فعول من الصبر، وهو في اللغة حبس النفس وتوطينها على المكاره والمشاق، واستعير لمطلق التأني في الفعل، وحقيقته ممتنعة عليه تعالى، فيحمل في حقه تعالى على تأخير العقوبة إلى الأجل المعلوم. قال تعالى: وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود: 104] فمعناه الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين، وقيل: هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه، وهو أعم من الأول، وقيل: هو الذي لا تحزنه كثرة المعاصي حتى تؤديه إلى تعجيل العقوبة، وقيل: الذي إذا قابلته بالجفاء قابلك بالعطية والوفاء، وإذا أعرضت عنه بالعصيان أقبل عليك بالغفران. والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور يشعر بأنه يعاقب في الآخرة بخلاف الحليم. قال بعض العارفين: الصبر أربعة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية وهما أساس طريق الاستقامة، وصبر عن فضول الدنيا وهو أساس الزهد، وصبر على المصائب والمحن وهو أساس الرضا والتسليم للّه سبحانه وتعالى وحسن الظن به وهو أشق الأنواع على النفس. وحظ العبد من هذا الاسم الصبر على هذه الأنواع الأربعة والمداومة على ذلك.\rوقال أبو بكر الوراق رحمه اللّه تعالى: احفظ الصدق فيما بينك وبين اللّه، والرفق فيما بينك وبين الخلق، والصبر فيما بينك وبين نفسك، فهذا هو الذي يفيد النجاة، واللّه أعلم بمعاني أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ومن أراد الاستقصاء فعليه بمثل المقصد الأسنى من المبسوطات، وإنما ذكرت هذه النبذة لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله. قوله: (رواه الترمذي) أي في جامعه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه. قوله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ الخ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مختف بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم، وابتغ بين ذلك سبيلا زاد في رواية أي أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن، وقيل: نزلت في الدعاء وهو قول عائشة وجماعة اهـ خازن.\rقوله: وَلا تُخافِتْ بِها يقال: خفت الصوت من بابي ضرب وجلس إذا سكن ويعدى بالباء فيقال: خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه، وخافت بقراءته مخافته إذا لم يرفع صوته بها، وخفت الزرع ونحوه مات فهو خافت اهـ مصباح ومختار.\rوفي السمين: والمخافته المسارة بحيث لا يسمع الكلام وضربته حتى خفت أي لم يسمع له صوت اهـ.\rقوله: (لينتفع أصحابك) علة النهي عن المخافتة.","part":4,"page":378},{"id":1399,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 379\rسَبِيلًا (110) طريقا وسطا\rوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ في الألوهية وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌ ينصره مِنَ أجل الذُّلِ أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111) عظمه عظمة تامة عن اتخاذ الولد والشريك والذل، وكل ما لا يليق به، وترتيب الحمد على ذلك، للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرده في صفاته، روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يقول: آية العز الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ إلى آخر السورة، واللّه تعالى أعلم. قال مؤلفه: هذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم، الذي ألفه الشيخ الإمام العالم العلامة المحقق جلال الدين المحليّ الشافعي رضي اللّه عنه، وقد أفرغت فيه جهدي، وبذلت فكري فيه، في نفائس اراها إن قوله: (في الإلوهية) أي كما يقول الثنوية القائلون بتعدد الآلهة اهـ أبو السعود.\rوجعل نفي الشريك له في ملكه لسائر الموجودات كناية عن نفي الشريك في الإلوهية، لأنه لو كان معه إله آخر لتصرف فيها فاندفع ما قيل إن الأولى أن يقول في الخالقية اهـ شهاب.\rقوله: (و ترتيب الحمد على ذلك) أي على المذكور من نفي النقائص الثلاث أي كونه لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الخ. وهذا دفع لسؤال كما في الكشاف، وهو أن الحمد يكون على الجميل الاختياري وبه، وما ذكر من الصفات العدمية ليس كذلك، فالمقام مقام التنزيه لا مقام الحمد، وقوله: (لكمال ذاته الخ) بيان لدفعه، وحاصله أنه يدل على نفي الإمكان المقتضي للاحتياج وإثبات أنه الواجب الوجود لذاته الغني عما سواه المحتاج إليه كل ما عداه، فهو الجواد المعطي لكل ما يستحق فهو المستحق للحمد دون غيره اهـ شهاب.\rوأجاب في الانموذج بأن النعمة في ذلك أن الملك إذا كان له ولد وزوج إنما ينعم على عبيده بما بفضل عن ولده وزوجه، وإذا لم يكن له ذلك كان جميع إنعامه وإحسانه مصروفا إلى عبيده، فكان نفي الولد مقتضيا زيادة إنعام عليهم، وأما نفي الشريك فلأنه يكون أقدر على الإنعام على عبيده لعدم المزاحم، وأما نفي النصير فلأنه يدل على القوة والاستغناء وكلاهما يقتضي القدرة على زيادة الإنعام.\rقوله: (آية العز) أي التي يترتب على قراءتها عز القارىء ورفعته إذا واظب عليها. قوله: (و قد أفرغت فيه) الضمير ارجع لما في قوله آخر ما كملت به، وكذا بقية الضمائر إلى قوله: (رزقنا اللّه به)، وحاصل ما ذكره من قوله (و قد أفرغت فيه) إلى قوله: (و حسن أولئك) رفيقا تسع عشرة سجعة، وكلها من السجع المتوازي اهـ شيخنا.\rقوله: (جهدي) بفتح الجيم وضمها أي استفرغت فيه طاقتي، وقوله (فكري) الفكرة قوة في النفس يحصل بها التأمل اهـ كرخي.\rقوله: (في نفائس) بدل من فيه أوفي بمعنى مع أي مع نفائس أي دقائق ونكت نفيسة مرضية.\rقوله: (أراها) بفتح الهمزة وضمها أي أعلمها أو أظنها. قوله: (إن شاء اللّه) المفعول محذوف، وكذا جواب إن دل عليهما جملة تجدي الواقعة مفعولا ثانيا لأراها أي: أراها تجدي إن شاء جدواها أجدت","part":4,"page":379},{"id":1400,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 380\rشاء اللّه تعالى تجدي، وألفته في مدة قدر ميعاد الكليم وجعلته وسيلة للفوز بجنات النعيم، وهو في الحقيقة مستفاد من الكتاب المكمل، وعليه في الآي المتشابهة الاعتماد والمعول، فرحم اللّه امرا نظر بعين الإنصاف إليه، ووقف فيه على خطإ فأطلعني عليه وقد قلت:\rحمدت اللّه ربي إذ هداني ... لما أبديت مع عجزي وضعفي\rفمن لي بالخطا فأرد عنه ... ومن لي بالقبول ولو بحرف\r\rونفعت، وقوله (تجدي) أي تنفع الراغبين فيه. قوله: (و ألفته) أي ما كملت به. قوله: (قدر ميعاد الكليم) أي موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك أربعون يوما كما سيأتي إيضاحه في قوله: (و فرغ من تأليفه)، وهي من أول رمضان إلى تمام عشر من شوال، والأخبار بهذا من قبيل التحدث بالنعمة، لأن هذا الزمان لا يسع هذا التأليف إلا بعناية ربانية خصوصا مع صغر سن الشيخ، إذ ذاك، فإنه كان عمره أقل من اثنتين وعشرين سنة بشهور، كما ذكره الكرخي.\rقوله: (للفوز) أي الظفر. قوله: (بجنات النعيم) من إضافة الموصوف إلى صفته أي بالجنات التي يتنعم فيها. قوله: (و هو) أي ما كملت به في الحقيقة الخ أشار إلى أنه اقتفى أثر الشيخ في تتمته، وأن الشيخ له فضيلة التقدم، وله المشاركة للسيوطي في الأجر حيث تقدمه بتأليفه، واقتفى السيوطي أثره في تكملته، فصار المحلي بهذا الاعتبار دالا للسيوطي على الخير ومتسببا له فيه، كما يدل عليه الحديث المشهور: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» اهـ كرخي بإيضاح.\rقوله: (من الكتاب المكمل) وهو قطعة المحلي، وقوله (في الآي) بالمدح جمع آية، وتجمع أيضا على آيات.\rقوله: (و عليه) أي الكتاب المكمل، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم والاعتماد مبتدأ مؤخر، وعطف المعول على الاعتماد من عطف الرديف، ففي المصباح: وعولت على الشيء تعويلا اعتمدت عليه اهـ.\rفهو مصدر بصيغة اسم المفعول. قوله: (نظر بعين الإنصاف إليه) أي فرغب فيه واشتغل به وذلك بخلاف النظر بعين التحامل والإغضاء والبغض، فإنه يكون غالبا من الحسد، والضمير في إليه عائد على ما كمل به، وكذا في قوله فيه، وقوله: (و وقف فيه) أي اطلع فيه على خطأ فأطلعني عليه أي دلني عليه وعرفني به لأصلحه، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان. قوله: (إذ هداني) إذ تعليلية أي لأجل هدايته لي أو ظرفية، وقوله: (لما أبديت) أي للذي أبديته وأظهرته وهو التكملة المذكورة، وقوله: (مع عجزي وضعفي) أي ضعفي في العلوم خصوصا وقد كان سنه إذ ذاك نحو إحدى وعشرين سنة، فهو كقول الأخضري:\rولبني إحدى وعشرين سنه ... معذرة مقبولة مستحسنه\r\rقوله: (فمن لي بالخطأ) أي فمن يتكفل لي بإظهار الخطأ، وقوله: (فأرد عنه) أي فأجيب عنه أو","part":4,"page":380},{"id":1401,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 381\rهذا ولم يكن قط في خلدي أن أتعرض لذلك، لعلمي بالعجز عن الخوض في هذه المسالك، وعسى اللّه أن ينفع به نفعا جما، ويفتح به قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صمّا، وكأني أصلحه، وقوله: (و من لي بالقبول) أي: ومن يتكفل لي بالقبول أي بأن يبشرني به أي: بأن اللّه قبل مني هذا التأليف كله أو بعضه ولو حرفا، وذلك لأن القبول من رحمة اللّه ومن رحمه اللّه لا يعذبه ومن ثم تلهف عليه بما ذكره.\rقوله: (هذا:) أي تأمل واسمع هذا القول الذي ذكرته، أو خذ هذا التأليف وهو التكملة المذكورة. قوله: (في خلدي) بفتح الخاء المعجمة واللام وهو القلب. وفي المختار: الخلد بفتحتين البال يقال: وقع ذلك في خلدي أي بالي اهـ.\rوفي المصباح: البال القلب وخطر فلان ببالي أي بقلبي اهـ.\rفالمعنى هنا ولم يكن يخطر بقلبي أن أتعرض الخ. قوله: (لذلك) أي لتكميل تأليف المحلي.\rقوله: (في هذه المسالك) أي مسالك التفسير الذي هو أصعب العلوم وأحوجها إلى الجمع بين المعقولات والمنقولات خصوصا وقد قال تعالى في شأن القرآن وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:\r7] وخصوصا وقد كان عمر الشيخ إذ ذاك دون اثنتين وعشرين سنة بأشهر اهـ كرخي.\rقوله: (و عسى اللّه الخ) أي حيث أقدرني اللّه على ذلك بإعانته وإسعافه، فأترجى منه وأطلب منه ينفع به الخ. وقوله: (أن ينفع به) خبر عسى، فمحله النصب وجرى على الكثير من اقترانه بأن، وقد يجيء بدونها، ومنه قول الفرزدق:\rوماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد\r\rاه كرخي.\rقوله: (جما) بفتح الجيم أي كثيرا. يقال: جم الشيء يجم بكسر الجيم، وضمها جما وجموما إذا كثر وكل شيء كثر فهو جم تسمية بالمصدر اهـ من المصباح والمختار.\rقوله: (و يفتح به قلوبا غلفا) أي مغطاة ممنوعة من فهم على التفسير لصعوبته، فأترجى أن يكون تأليفي هذا كاشفا للغطاء عن القلوب، فيكون سببا لوصول الناس إلى فهم علم التفسير، وغلفا جمع أغلف. وفي المصباح: وأغلفت السكين إغلافا جعلت له غلافا وغلفته غلفا من باب ضرب، ومنه قيل قلب أغلف لا يعي لعدم فهمه، كأنه حجب عن الفهم كما يحجب السكين ونحوه بالغلاف اهـ.\rقوله: (و أعينا عميا) أي وعسى اللّه أن يفتح به أي بسببه أعينا عميا أي يجعله سببا لنظرها وتأملها من حيث إنها قبل النظر فيه كأنها عمي لا تبصر، فإذا نظرت فيه زال عنها العمى وأبصرت وفهمت وأدركت، وعمي جمع عمياء، وكذلك صم جمع صماء على حد قوله:\rفعل لنحو أحمر وحمرا.\rقوله: (و آذانا صما) أي وعسى اللّه أن يفتح بسببه الآذان الصم، أي: يزيل صممها ويجعلها صاغية مستمعة لدقائق التفسير. قوله: (و كأني بمن اعتاد الخ) ذكر في المغني من جملة معاني كأن","part":4,"page":381},{"id":1402,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 382\rبمن اعتاد المطولات، وقد أضرب عن هذه التكملة وأصلها حسما، وعدل إلى صريح العناد، ولم يوجه إلى دقائقهما فهما، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، رزقنا اللّه به هداية التقريب، فياء المتكلم اسمها والجار والمجرور خبرها، والباء بمعنى من متعلقة بما يفهم من معنى كأن، والمعنى كأني قريب ممن اعتاد المطولات وجملة قد أضرب الخ حالية. قوله: (و قد أضرب) أي أعرض يقال: أضرب عن الشيء إذا أعرض عنه، والحسم معناه كما في القاموس المنع والقطع، ويصح إرادة كل منهما هنا، فقوله حسما مفعول مطلق ملاق لعامله في المعنى، لأن الإعراض عن الشيء فيه الامتناع والانقطاع عنه. فالمعنى: وقد أعرض إعراضا. قوله: (حسما) من باب ضرب. قوله:\r(و عدل) أي مال إلى صريح العناد الصريح. قوله: (و من كان في هذه) أي التكملة مع أصلها، وفي بمعنى عن أي، ومن كان عن هذه التكلمة وأصلها أعمى. أي: معرضا عنهما وغير واقف على دقائقهما، فهو في الآخرة أي عن الآخرة، والمراد بالآخرة المطولات أي: فهو أعمى عن المطولات أي غير فاهم لها. وهذا اقتباس من الآية الشريفة وحقيقة الاقتباس، كما في التلخيص، وشرحه للسعد أن يضمن الكلام نظما كان أو نثرا شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه أي لا على طريقة أن ذلك الشيء من القرآن أو الحديث، يعني على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه منه كما يقال في أثناء الكلام قال اللّه تعالى: كذا، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كذا. ونحو ذلك فإنه لا يكون اقتباسا، بل هو استدلال ويغتفر في الاقتباس تغير يسير في اللفظ المقتبس، كقول بعض المغاربة لما مات له صاحب:\rقد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى اللّه راجعونا\r\rويجوز فيه أيضا نقل اللفظ المقتبس عن معناه الأصلي إلى معنى آخر كقول ابن الرومي:\rلئن أخطأت في مدحي ... ك ما أخطأت في منعي\r\rلقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع\rهذا مقتبس من قوله تعالى: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: 37] لكن معناه في القرآن واد لا ماء فيه ولا نبات، وقد نقله ابن الرومي إلى جناب لا خير فيه ولا نفع اهـ.\rقوله: (رزقنا اللّه به) هذا الضمير راجع للقرآن وكذا الضمائر بعده كما قاله القارىء اهـ شيخنا.\rوهذا غير متعين، بل يصح رجوع هذا الضمير وما بعده لما كمل به، بل هو الظاهر من السياق، لكن سياق الكلام الآتي يؤيد الاحتمال الأول. قوله: (هداية) أي إرشادا ووصولا، وقوله (إلى سبيل الحق) أي نقيض الباطل، وسبيله الأدلة الموصلة إليه. قوله: (كلماته) أي القرآن أو اللّه تعالى، ويكون المراد بالحق هو اللّه تعالى وبكلماته كلامه تعالى. قوله: (مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين الخ) الصديقون هم أصحاب النبيين لمبالغتهم في الصدق والتصديق، والشهداء القتلى في سبيل اللّه، والصالحون غير من ذكر، وحسن أولئك رفيقا أي رفقاء في الجنة، والمراد بالمعية أن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم. قال ابن عطية: ومن فضل اللّه على أهل الجنة أن كلّا منهم قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه","part":4,"page":382},{"id":1403,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 383\rإلى سبيل الحق وتوفيقا، واطلاعا على دقائق كلماته وتحقيقا، وجعلنا به من الذين أنعم اللّه عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.- وفرغ- من تأليفه يوم الأحد عاشر شوال سنة سبعين وثمانمائة، وكان الابتداء فيه يوم الأربعاء، مستهل رمضان من السنة المذكورة، وفرغ من تبييضه يوم الأربعاء، سادس صفر، سنة إحدى وسبعين مفضول انتفاء للحسد في الجنة التي تختلف المراتب فيها على قدر الأعمال، وعلى قدر فضل اللّه على ما يشاء اهـ كرخي.\rقوله: (و فرغ من تأليفه) أي جمعه وتسويده بدليل قوله الآتي: (و فرغ من تبييضه الخ). قوله:\r(سنة سبعين وثمانمائة) وذلك بعد وفاة الجلال المحلي بست سنين، وعبارة ع ش على الرملي: وكان مولد الجلال المحلي سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ومات من أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة، فعمره نحو أربع وسبعين سنة اهـ.\rقوله: (يوم الأربعاء) بتثليث الباء وبالمد اهـ شيخنا.\rقوله: (و فرغ من تبييضه) أي تحريره ونقله من المسودة، وقوله: (سادس صفر الخ)، فكانت مدة تحريره أربعة أشهر إلا أربعة أيام.\rوالسيوطي بضم السين نسبة إلى سيوط، وفي القاموس: سيوط أو سيوط بضمها قرية بصعيد مصر اهـ.\rواعلم أنه قد وجد بعد ختم هذه التكملة مما هو منقول عن خط السيوطي ما نصه: قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي: أخبرني صديقي الشيخ العلامة كمال الدين المحلي، أخو شيخنا الشيخ الإمام جلال الدين المحلي رحمهما اللّه، أنه رأى أخاه الشيخ جلال الدين المذكور في النوم بين يديه صديقنا الشيخ العلامة المحقق جلال الدين السيوطي مصنف هذه التكملة، وقد أخذ الشيخ هذه التكملة في يده ويتصفحها ويقول لمصنفها المذكور: أيهما أحسن وضعي أو وضعك، فقال: وضعي فقال: انظر وعرض عليه موضع فيها، وكأنه يشير إلى اعتراض فيها بلطف، ومصنف هذه التكملة كلما أورد عليه شيئا يجيبه، والشيخ يتبسم ويضحك. قال شيخنا الإمام العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: مصنف هذه التكملة الذي اعتقده وأجزم به أن الوضع الذي وضعه الشيخ جلال الدين المحلي رحمه اللّه في قطعته أحسن من وضعي أنا بطبقات كثيرة. كيف وغالب ما وضعته هنا مقتبس من وضعه ومستفاد منه لا مرية عندي، وفي ذلك، وأما الذي رئي في المنام المكتوب أعلاه فلعل الشيخ أشار به إلى المواضع القليلة التي خالفت وضعه فيها لنكتة، وهي يسيرة جدا ما أظنها تبلغ عشرة مواضع.\rمنها: أن الشيخ قال في سورة ص: والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه، وكنت تبعته أولا، فذكرت هذا الحد في سورة الحجر، ثم ضربت عليه قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] الآية فهي صريحة، أو كالصريحة في أن الروح من علم اللّه لا","part":4,"page":383},{"id":1404,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 384\rوثمانمائة، واللّه أعلم. قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي: أخبرني صديقي الشيخ العلامة كمال الدين المحليّ، أخو شيخنا الشيخ الإمام جلال الدين المحليّ رحمهما اللّه تعالى، أنه رأى أخاه الشيخ جلال الدين المذكور في النور، وبين يديه صديقنا الشيخ العلامة المحقق جلال الدين السيوطي مصنف هذه التكملة، وقد أخذ الشيخ هذه التكملة في يده وتصفحها، ويقول لمصنفها المذكور: أيهما أحسن، وضعي أو وضعك؟ فقال:\rوضعي، فقال: انظر، وعرض عليه مواضع فيها، وكأنه يشير إلى اعتراض فيها بلطف، ومصنف هذه التكملة كلما أورد عليه شيئا يجيبه والشيخ يبتسم ويضحك. قال شيخنا الإمام العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي مصنف هذه التكملة: الذي أعتقده وأجزم به، أن الوضع الذي وضعه الشيخ جلال الدين المحليّ رحمه اللّه تعالى في قطعته، أحسن من وضعي أنا بطبقات كثيرة، كيف وغالب ما وضعته هنا مقتبس من وضعه ومستفاد نعلمه، فالإمساك عن تعريفها أولى، ولذا قال تاج الدين بن السبكي في جمع الجوامع: والروح لم يتكلم عليها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فنمسك عنها.\rومنها: أن الشيخ قال في سورة الحج: الصَّابِئُونَ [الحج: 17] فرقة من اليهود فذكرت ذلك في سورة البقرة، وزدت أو النصارى بيانا لقول ثان، فإنه المعروف خصوصا عند أصحابنا الفقهاء. وفي المنهاج: وإن خالفت السامرة اليهود والصابئون النصارى في أصل دينهم حرمن، وفي شروحه أن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه نص على أن الصابئين فرقة من النصارى، ولا أستحضر الآن موضعا ثالثا، فكأن الشيخ رحمه اللّه يشير إلى مثل هذا واللّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب انتهى.\rوحاصل هذا أن الشيخ كمال الدين المحلي رأى رؤيا تتعلق بالجلالين في شأن تأليفهما، فأخبر بها الطوخي، فأخبر الطوخي السيوطي بها، فكتب السيوطي ما أخبره به الطوخي، عن كمال الدين، ثم كتب بعد فراغ المنام الذي اعتقده وأجزم به الخ. وأما قوله: (قال شيخنا) إلى قوله (هذه التكملة) فهو من وضع بعض تلامذة الشيخ السيوطي أدرجه في خلال ما كتبه الشيخ السيوطي. وأما قوله: (و أما الذي رئي في المنام) المكتوب أعلاه، فمن كلام السيوطي كما عرفت فقوله المكتوب أعلاه أي الذي كتبه هو نقلا عن الطوخي، ثم كتب تحته الذي اعتقده الخ، فقوله: (قال الشيخ شمس الدين الخ) كلام السيوطي، وقوله: (و قد أخذ الشيخ) أي الشيخ المحلي، وقوله: (وضعي أو وضعك بدك) من أيهما، والمراد بالوضع الصنيع والأسلوب، وقوله (فقال انظر) أي: قال المحلي للسيوطي، وقوله: (فيها) أي في تكملة السيوطي، وقوله (و كأنه) أي المحلي، وقوله (فيها) أي في الموضع التي عرضها على السيوطي، وقوله (كلما) أورد أي المحلي عليه أي: على السيوطي، وقوله (و الشيخ يتبسم ويضحك) أي فرحا بجواب السيوطي. وهذا آخر المنام، وقوله (أن الوضع) أي الأسلوب الذي جرى عليه المحلي الخ، وقوله (بطبقات) أي مراتب من حسن التأليف، وقوله (و غالب ما وضعت) أي من المعاني والنكات، وقوله (هنا) أي في تكملتي، وقوله (مقتبس) أي مستمد، وقوله: (و أما الذي رئي) أي رآه","part":4,"page":384},{"id":1405,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 385\rمنه، لا مرية عندي في ذلك، وأما الذي رئي في المنام المكتوب أعلاه، فلعل الشيخ أشار به إلى المواضع القليلة التي خالفت وضعه فيها لنكتة وهي يسيرة جدا، ما أظنها تبلغ عشرة مواضع، منها: أن الشيخ قال في سورة ص: والروح جسم لطيف، يحيا به الإنسان بنفوذه فيه، وكنت تبعته أولا، فذكرت هذا الحد في سورة الحجر، ثم ضربت عليه لقوله تعالى:\rوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية، فهي صريحة في أن الروح من علم اللّه تعالى لا نعلمه، فالإمساك عن تعريفها أولى، ولذا قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في جمع الجوامع: والروح لم يتكلم عليها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فنمسك عنها. ومنها أن الشيخ قال في سورة الحج: الصابئون فرقة من اليهود، فذكرت ذلك في سورة البقرة وزدت أو النصارى بيانا لقول ثان، فإنه المعروف خصوصا عند أصحابنا الفقهاء، وفي المنهاج: وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئة النصارى في أصل دينهم حرمن، وفي شروحه: أن الشافعي رضي اللّه عنه نص على أن الصابئين فرقة من النصارى. ولا أستحضر الآن موضعا ثالثا، فكأن الشيخ رحمه اللّه تعالى يشير إلى مثل هذا، واللّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rالشيخ كمال الدين، وقوله (المكتوب أعلاه) أي قبله، أي قبل قولي الذي اعتقده الخ. أي الذي كتبه قبله، وقوله (وزدت أو النصارى الخ) لكنه فاتته هذه الزيادة في المائدة فاقتصر فيها على ما ذكره المحلي.\rقال المؤلف رحمه اللّه: وكان الفرغ من تأليفه هذا الجزء يوم الاثنين المبارك العاشر من شهر جمادى الثاني من شهور سنة سبع وتسعين ومائة وألف، ويتلوه الجزء الثالث من سورة الكهف، والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، ونسأل اللّه الإعانة على الكمال والتمام، والحمد للّه أولا وآخرا، وصلّى اللّه على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.","part":4,"page":385},{"id":1406,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 386\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الكهف مكية إلا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الآية وهي مائة وعشر آيات أو وخمس عشرة آية\rالحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\rوبعد؛ فلما انتهى الكلام على تكملة الجلال السيوطي، فلنشرع الآن في الكلام على تأليف الجلال المحلي، وأوله من ابتداء سورة الكهف ونسأل اللّه الإعانة على البدء والختام.\rقال رحمه اللّه تعالى ونفعنا به آمين:\rالْحَمْدُ هو الوصف بالجميل ثابت لِلَّهِ تعالى وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء أو هما؟ احتمالات أفيدها الثالث الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ محمد الْكِتابَ القرآن وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أي فيه عِوَجاً (1) اختلافا وتناقضا، والجملة حال من الكتاب\rقَيِّماً مستقيما حال ثانية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (ثابت) لِلَّهِ أشار به إلى أن للّه هو خبر المبتدأ، وأنه متعلق بمحذوف كما قدره. قوله:\r(و هل المراد الإعلام بذلك) أي بثبوت الحمد للّه أي الإخبار به، وهذا الاحتمال يعبرون عنه بقولهم:\rالجملة خبرية لفظا ومعنى، وقوله: (أو الثناء به) أي بثبوت الحمد للّه أي إنشاء الثناء بثبوت الحمد للّه، وهذا الاحتمال يعبرون عنه بقولهم: الجملة إنشائية لفظا ومعنى بمعنى أنها نقلت في العرف للإنشاء وقوله: (أو هما) أي الإعلام والثناء، وهذا يعبرون عنه بقولهم: الجملة مستعملة في الخبر والإنشاء على طريق الجمع بين الحقيقة والمجاز.\rقوله: الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الخ رتب استحقاق الحمد على إنزاله على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي لما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها معطوفة على الصلة قبلها. والثاني:\rأنها اعتراضية بين الحال وهي قيما، وبين صاحبها وهو الكتاب. والثالث: أنها حال من الكتاب، ويترتب على هذه الأوجه القول في قيما اهـ سمين.\rقوله: (اختلافا) أي في المعنى أي ولا اختلالا في اللفظ، والعوج في المعاني كالعوج بفتح العين في الأعيان اهـ بيضاوي.","part":4,"page":386},{"id":1407,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 387\rيعني: أن المكسور يكون فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة، والمفتوح فيما يدرك به اهـ شهاب.\rقوله: (تناقضا) نعت لاختلافا على حذف المضاف أي: ذا تناقض في معانيه اهـ شيخنا.\rقوله: قَيِّماً فيه أوجه، أحدها: أنه حال من الكتاب والجملة من قوله وَلَمْ يَجْعَلْ اعتراض بينهما. والثاني: أنه حال من الهاء في له. قال أبو البقاء: والحال مؤكدة وقيل: منتقلة. قلت: القول بالانتقال لا يصح. الثالث: أنه منصوب بفعل مقدر تقديره جعله قيما لأنه إذا نفي عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة، فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة في أحدهما غنى عن الآخر؟\rقلت: فائدته التأكيد ورب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو عن أدنى عوج عند السير والتصفح.\rوالرابع: أنه حال ثانية والجملة المنفية قبله حال أيضا، وتعدد الحال لذي حال واحد جائز، والتقدير:\rأنزله غير جاعل له عوجا قيما. الخامس: أنه حال أيضا ولكنه بدل من الجملة قبله لأنها حال، وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز، وهذا كما أبدلت الجملة من المفرد في عرفت زيدا أبو من هو والضمير في له فيه وجهان، أحدهما: أنه للكتاب وعليه التخاريج المتقدمة. والثاني: أنه يعود على عبده وليس بواضح، وقرأ العامة قيما بتشديد الياء مع فتح القاف، وأبان بن تغلب بفتحها خفيفة مع كسر القاف، وقد تقدم القول فيهما، ووقف حفص على تنوين عوجا مبدلا له ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأن قيما ليس متصلا بعوجا، وإنما هو من صفة الكتاب، وغيره لم يعبأ بهذا من غير قطع فلم يسكت اتكالا على فهم المعنى اهـ سمين.\rقوله: (مستقيما) عبارة البيضاوي: مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، أو قيما بمصالح العباد فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه الكمال، أو قيما على الكتب السابقة يشهد بصحتها اهـ.\rوقوله: (لا إفراط فيه) فسره بذلك ليغاير ما قبله إذ معناه لا خلل في لفظه ولا في معناه، وبعد كون معناه حقا صحيحا لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه حتى يحتاج إلى كتاب آخر، كما قال: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:\r38]. وقوله: (بمصالح العباد) إلى آخره القيام يتعدى بالباء، كقولهم: فلان قيم بهذا الأمر، وبعلى كما في قوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ [الرعد: 33] على كل نفس، وإليهما أشار في الوجهين، ومعنى قيامه بمصالحهم تكفله بها وببيانها لهم لاشتماله على ما ينتظم به المعاش والمعاد، فهو وصف له بأنه مكمل لهم بعد وصفه بأنه كامل في نفسه بقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً اهـ شهاب.\rقوله: (حال ثانية) أي من الكتاب فهي حال مترادفة، أو من الضمير في له فهي متداخلة وقوله:\r(مؤكدة) أي للجملة الحالية. قوله: لِيُنْذِرَ متعلق بأنزل وهو ينصب مفعولين حذف أولهما، وقدره الشارح بقوله: (الكافرين). وذكر ثانيهما وهو قوله: (بأسا)، وقوله: وَيُنْذِرَ عطف على ينذر الأول وذكر فيه المفعول الأول وهو الذين قالوا، وحذف الثاني تقديره بأسا شديدا، فيكون في الكلام احتباك، ولما كرر الإنذار حذف منه أحد المفعولين لدلالة ما ذكر في أحد المكررين على ما حذف من الآخر بخلاف ويبشر فذكر فيه مفعولاه وهما: المؤمنين وأن لهم أجرا حسنا لعدم تكرره اهـ شيخنا.","part":4,"page":387},{"id":1408,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 388\rمؤكدة لِيُنْذِرَ يخوف بالكتاب الكافرين بَأْساً عذابا شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ من قبل اللّه وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2)\rماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) هو الجنة\rوَيُنْذِرَ من جملة الكافرين الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4)\rما لَهُمْ بِهِ بهذا القول مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ من قبلهم القائلين له كَبُرَتْ عظمت كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ كلمة تمييز مفسر للضمير قوله: (بالكتاب) على هذه النسخة يكون فاعل ينذر عائدا على اللّه أو على محمد، وفي نسخة كتب عليها الحواشي الكتاب بدون باء فيكون الكتاب هو الفاعل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وفاعل لينذر يجوز أن يكون الكتاب وأن يكون اللّه وأن يكون الرسول اهـ.\rقوله: مِنْ لَدُنْهُ متعلق بقوله لِيُنْذِرَ ويجوز تعلقه بمحذوف نعتا لباسا، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في شديدا اهـ سمين.\rقوله: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ صفة وقوله: أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم.\rقوله: ماكِثِينَ حال من الهاء في لهم أي مقيمين فيه أي الأجر اهـ شيخنا.\rقوله: (هو) أي: الأجر.\rقوله: (من جملة الكافرين) حال من الذين. قالوا: أي حال كون القائلين هذه المقالة بعض الكافرين المذكورين أولا في قوله: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً على حسب ما قرره الشارح، وغرضه بهذا أن قوله: وَيُنْذِرَ إلى آخره عطف على قوله: لِيُنْذِرَ عطف خاص على عام اهـ شيخنا.\rقوله: ما لَهُمْ بِهِ مستأنف ولهم خبر مقدم ومن علم مبتدأ مؤخر بزيادة من قوله وَلا لِآبائِهِمْ عطف على الخبر اهـ شيخنا.\rقوله: (بهذا القول) رجع الضمير للقول، وفيه وجوه أخر. ففي الشهاب: الأول: أنه راجع إلى الولد، ومعنى عدم علمهم به أنه محال ليس مما يعلم. الثاني: أنه راجع إلى الاتخاذ الذي في ضمن الفعل. الثالث: أنه رجع إلى القول المفهوم من قالوا أي: ليس قولهم هذا ناشئا من علم وتفكر.\rالرابع: أنه راجع للّه إذ لو علموه لما جوزوا نسبة الاتخاذ إليه اهـ.\rوفي الكرخي: فإن قيل: اتخاذ الولد محال في نفسه فكيف قيل ما لهم به من علم؟ فالجواب:\rأن انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [المؤمنون: 117] لا برهان له به اهـ.\rقوله: وَلا لِآبائِهِمْ أي: ولا لأحد من أسلافهم، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلة اهـ كرخي.\rقوله: (من قبلهم) بفتح ميم من بدلا من آبائهم، وقوله: (القائلين) أي المتكلمين. قوله:\rكَبُرَتْ كبر فعل ماض لإنشاء الذم، والتاء علامة التأنيث، والفاعل ضمير مستتر وكلمة تمييز له، والمخصوص بالذم محذوف كما قال اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: في فاعل كبرت وجهان، أحدهما: أنه مضمر عائد على مقالتهم المفهومة من","part":4,"page":388},{"id":1409,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 389\rالمبهم، والمخصوص بالذم محذوف، أي مقالتهم المذكورة إِنْ ما يَقُولُونَ في ذلك إِلَّا مقولا كَذِباً (5)\rفَلَعَلَّكَ باخِعٌ مهلك نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ بعدهم أي بعد توليهم قوله: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ [البقرة: 116 ويونس: 68] أي كبرت مقالتهم كَلِمَةً نصب على التمييز، ومعنى الكلام على التعجب أي ما أكبرها كلمة، وجملة تخرج صفة لكلمة تؤذن باستعظامها، لأن بعض ما يهجس بالخاطر لا يحمد الإنسان على إظهاره باللفظ. والثاني: أن الفاعل مضمر مفسر بالنكرة بعده المنصوبة على التمييز ومعناها الذم كبئس رجلا، فعلى هذا المخصوص بالذم محذوف تقديره: كبرت هي أي الكلمة كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء اهـ.\rقوله: تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي هذا الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم البتة، لأنه في غاية البطلان فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد اهـ خازن.\rقوله: (أي مقالتهم الخ) هذا تقدير للمخصوص ولم يقدر الفاعل، والتقدير: كبرت هي أي المقالة التي قالوها كلمة مقالتهم المذكورة. قوله: (في ذلك) أي في ذلك المقام وهو نسبة الولد إلى اللّه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا (مقولا) كَذِباً أشار إلى أنه نعت مصدر محذوف، وعبارة السمين: فيه وجهان، أحدهما: هو مفعول به لأنه يتضمن معنى جملة. والثاني: هو نعت مصدر محذوف أي: إلا قولا كذبا اهـ.\rقوله: فَلَعَلَّكَ الخ المقصود من هذا الترجي النهي. أي: لا تبخع نفسك، أي: لا تهلكها من أجل غمك على عدم إيمانهم. أي: لا تغتم لئلا تهلك نفسك، وهذا شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ولعل قيل للإشفاق على بابها، وقيل: للاستفهام، وهو رأي الكوفيين. وقيل:\rللنهي أي لا تبخع. والبخع: الإهلاك. يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها من باب نفع بخعا وبخوعا أهلكها وجدا اهـ.\rقوله: (بعدهم) تفسير لآثارهم، وهذا التفسير غير واف بشرح اللفظ، إذ لفظ الآثار عليه ضائع لم يظهر له معنى على هذا. وفي البيضاوي: شبهه لما تداخله من الوجد على توليهم بمن فارقته أعزته فهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدا عليهم اهـ.\rيعني أن قوله باخِعٌ نَفْسَكَ فيه استعارة تمثيلية بتشبيه حاله معهم وقد تولوا، وهو آسف من عدم هدايتهم بحال من فارقته أحبته، فهمّ بقتل نفسه أو كاد يهلك وجدا، فقوله: (لما تداخله إلى آخره) داخل في المشبه اهـ شهاب.\rوجعل الكازروني قوله: (لما تداخله) هو الجامع، وجعل الاستعارة مفردة اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: (بعدهم) أي: بعد يأسك من إيمانهم يقال: مات فلان على أثر فلان أي:\rبعده اهـ.\rوفي السمين: عَلى آثارِهِمْ متعلق بباخع أي: من بعد هلاكهم.","part":4,"page":389},{"id":1410,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 390\rعنك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ القرآن أَسَفاً (6) غيظا وحزنا منك لحرصك على إيمانهم، ونصبه على المفعول له\rإِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ لنختبر الناس ناظرين إلى ذلك أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) فيه أي أزهد له قوله: (توليهم) أي: إعراضهم عن الإيمان بك. قوله: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جوابه محذوف دل عليه الترجي تقديره: فلا تحزن. وفي السمين: العامة على كسر إن على أنها شرطية، والجواب محذوف عند الجمهور لدلالة قوله: فَلَعَلَّكَ وعند غيرهم هو جواب متقدم، وقرئ أن لم يفتح الهمزة على حذف الجار. أي: لأن لم يؤمنوا، وقرئ باخع نفسك بالإضافة والأصل النصب اهـ.\rقوله: (غيظا الخ) في البيضاوي الأسف: فرط الحزن والغضب اهـ.\rقوله: (منك) أي: أن الغيظ والحزن قائمان بك وقوله: (لحرصك) علة للعلة، فالمعنى: لعلك مهلك نفسك لأجل حزنك على عدم إيمانهم، وهذا الحزن منك لأجل حرصك على إيمانهم اهـ.\rقوله: (و نصبه على المفعول له) والعامل فيه باخع، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الضمير في باخع اهـ سمين.\rقوله: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ الخ تعليل للنهي المقصود من الترجي، والقصد منه تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتسكين أسفه وغيظه على عدم إيمانهم، لأنه مختبر لأعمال العباد ومجازيهم عليها، فكأنه يقول له صلّى اللّه عليه وسلّم: لا تحزن فإني منتقم منهم لك اهـ شهاب.\rقوله: (و غير ذلك) أي: من النعم كالذهب والفضة والمعادن وكالعلماء والصلحاء اهـ كرخي.\rقوله: زِينَةً يجوز أن ينتصب على المفعول له وأن ينتصب على الحال إن جعلت جعلنا بمعنى خلقنا، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا إن كانت جعل تصييرية ولها متعلق بزينة على العلة، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول، ويجوز أن تتعلق بمحذوف صفة لزينة. وقوله: لِنَبْلُوَهُمْ متعلق بجعلنا بمعنييه اهـ سمين.\rقوله: (لنختبر الناس) أي: نعاملهم معاملة المختبر، وقوله: (ناظرين) حال من الناس، وقوله:\r(إلى ذلك) أي: ما على الأرض من الزينة أي: ملتفتين إليه، وقوله: (فيه) أي: فيما على الأرض، وقوله: (أي أزهد له) تفسير لأحسن اهـ شيخنا.\rقوله: أَيُّهُمْ أي: مبتدأ استفهامية، والهاء: مضاف إليه، والميم: علامة الجمع، وأحسن:\rخبر، وعملا: تمييز. والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي نبلو، لأنه في معنى نعلم وعلق بأي الاستفهامية عن العمل في اللفظ اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: يجوز في أيهم وجهان، أحدهما: أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، وأحسن خبرها، والجملة في محل نصب معلقة لنبلوهم لأنه سبب العلم كالسؤال والنظر. والثاني:\rأنها موصولة بمعنى الذي، وأحسن خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة لأيهم، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول لنبلوهم تقديره: لنبلو الذي أحسن، وحينئذ تحتمل الضمة في أيهم أن","part":4,"page":390},{"id":1411,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 391\rوَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً فتاتا جُرُزاً (8) يابسا لا ينبت\rأَمْ حَسِبْتَ أي ظننت أَنَّ أَصْحابَ تكون للبناء كهي في قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ [مريم: 69] على أحد الأقوال، وشرط البناء موجود وهو الإضافة لفظا وحذف صدر الصلة، وهذا مذهب سيبويه وأن تكون للإعراب لأن البناء جائز لا واجب ومن الإعراب ما قرئ به شاذا: أيهم أشد على الرحمن، وسيأتي تحقيق هذا في سورة مريم إن شاء اللّه تعالى، والضمير في لنبلوهم وأيهم عائد على ما يفهم من السياق وهم سكان الأرض. وقيل: يعود ما على الأرض إذا أريد بما العقلاء. وفي التفسير: المراد بذلك الرجال، وقيل:\rالعلماء والصلحاء والخلفاء اهـ.\rقوله: لَجاعِلُونَ أي: مصيّرون. قوله: صَعِيداً مفعول ثان لأن الجعل هنا تصيير ليس إلا، والصعيد التراب. والجرز: الذي لا نبات به يقال سنة جرز وسنون أجراز لا مطر فيها، وأرض جرز وأرضون أجراز لا نبات بها، وجرزت الأرض إذا ذهب نباتها بقحط أو جراد، وجرز الجراد الأرض أكل ما فيها. والجروز: المرأة الأكولة. قال الراجز:\rإن العجوز حية جروزا ... تأكل كل ليلة قفيزا\r\rاه سمين.\rقوله: (فتاتا) مصدر كالحطام والرفات وفعله من باب رد اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: (فتاتا) هو الذي يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب ونظيره كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: 26] وقوله: فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طه: 106] والمعنى: أنه لا بد من المجازاة بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يفهم بقاء الأرض، إلا أن سائر الآيات دلت أيضا على أن الأرض لا تبقى وهو قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [إبراهيم: 48] انتهت.\rقوله: جُرُزاً نعت لصعيدا ففيه تجوز من حيث إن الجرز معناه الأصلي الأرض التي قطع نباتها، وهنا جعل وصفا لما عليها من النبات، فكأنه مجاز علاقته المجاورة. وفي البيضاوي:\rلِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في تعاطيه وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بما يكفيه وصرفه على ما ينبغي، وفيه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً تزهيد فيه. والجرز: الأرض التي قطع نباتها من الجرز وهو القطع، والمعنى: إنا لنعيد ما عليها من الزينة ترابا مستويا بالأرض ونجعلها كصعيد أملس لا نبات فيه اهـ.\rقوله: أَمْ حَسِبْتَ أم منقطعة وفيها ثلاثة مذاهب فعند الجمهور تفسر ببل والهمزة، وعند غيرهم تفسر ببل وحدها عند قوم، وبالهمزة وحدها عن آخرين والشارح هنا جرى على الثالث حيث قال: أي أظننت وهذه الهمزة للاستفهام الإنكاري مع ملاحظة معنى النهي أي: لا تظن أن قصة أهل الكهف عجب دون غيرها من الآيات الدالة على قدرة اللّه تعالى كخلق السموات والأرض، أو لا تظن أنها أعجب الآيات، بل من الآيات ما هو أعجب وأعظم منها كخلق السموات والأرض اهـ شيخنا.","part":4,"page":391},{"id":1412,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 392\rالْكَهْفِ الغار في الجبل وَالرَّقِيمِ اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم وقد سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن قصتهم كانُوا في قصتهم مِنْ جملة آياتِنا عَجَباً (9) خبر كان وما قبله حال أي كانوا عجبا دون باقي الآيات أو أعجبها ليس الأمر كذلك اذكر\rإِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ جمع فتى وهو قوله: (الغار في الجبل) عبارة السمين، والكهف: قيل مطلق الغار. وقيل: هو ما اتسع في الجبل، فإن لم يتسع فهو غار، والجمع كهوف في الكثرة وأكهف في القلة. والرقيم: بمعنى مرقوم، وقيل: بمعنى راقم، وقيل: هو اسم للكلب الذي لأصحاب الكهف اهـ.\rوفي الخازن: الرَّقِيمِ لوح كتب فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم، ثم وضعوه على باب الكهف. وكان اللوح من رصاص، وقيل: من حجارة. وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرجوا منها، وقيل: اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف اهـ.\rوفي القرطبي: عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: الرقيم كتاب مرقوم عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السّلام، وعن قتادة: أن الرقيم دارهمهم التي كانت معهم، وعن أنس بن مالك: أن الرقيم كلبهم اهـ سمين.\rقوله: (اللوح) وكان من رصاص، وهو مدفون عند باب الغار تحت البناء المبني عليه. وقوله:\r(أسماؤهم الخ) ففيه فلان ابن فلان من مدينة كذا خرج في وقت كذا من سنة كذا اهـ شيخنا.\rقوله: (في قصتهم) وكانت بعد عيسى عليه السّلام. قوله: (خبر كان) أي: قوله عَجَباً خبر كان وقوله: (و ما قبله) وهو قوله مِنْ آياتِنا، والتقدير: كانوا عجبا حال كونه من جملة آياتنا، وقد أوضح هذا بقوله (أي كانوا عجبا الخ). وقوله: (دون باقي الآيات الخ) هذا هو محل النهي، وإلّا فقصتهم عجيبة في نفسهة، وإنما المنفي كونها عجيبة دون غيرها أو كونها أعجب الآيات، فقوله: (أي ليس الأمر كذلك) أي ليست أعجبها ولا هي عجب دون غيرها، بل هي من جملة الآيات العجيبة. وفي الآيات أي آثار قدرة اللّه تعالى ما هو أعجب منها اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: عَجَباً خبر كان ووحد وإن كان صفة في المعنى لجماعة، لأن أصله المصدر. قال ابن الخطيب: والعجب ههنا مصدر وسمي المفعول به، والتقدير: كانوا معجوبا منهم فسموا بالمصدر.\rقوله: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي: نزلوه وسكنوه والتجؤوا إليه. يقال: أوى إلى منزله من باب ضرب إذا نزله بنفسه وسكنه، والمأوى لكل حيوان سكنه اهـ من المصباح والقاموس.\rوفي الخازن: أي: صاروا إليه وجعلوه مأواهم اهـ.\rوفي قوله: الْفِتْيَةُ إظهار في مقام الإضمار للتنصيص على وصفهم وسنهم، فكانوا في سن الشباب مردا وكانوا سبعة، وقوله: (خائفين) أي خرجوا من مدينتهم خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار حيث أمروهم بعبادة غير اللّه، وكذلك ملك المدينة أمرهم بما ذكر واسمه دقيانوس، ومدينتهم","part":4,"page":392},{"id":1413,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 393\rالشاب الكامل خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ من قبلك رَحْمَةً وَهَيِّئْ أصلح لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (10) هداية\rفَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي أنمناهم فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) معدودة\rثُمَّ بَعَثْناهُمْ أيقظناهم لِنَعْلَمَ علم مشاهدة أَيُّ الْحِزْبَيْنِ الفريقين اسمها أفسوس عند أهل الروم لأنها من مدائنهم، واسمها عند العرب طرسوس كما سيأتي في الشارح، فلما أمروهم بعبادة غير اللّه ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه وأخذ منه زادا ونفقة وخرجوا فارين هاربين، حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة فاختفوا فيه، وصاروا يعبدون اللّه ويأكلون ويشربون ويبعثون واحدا منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة، وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم فيقتلوهم لعدم دخولهم في دينهم فجلسوا يوما بعد الغروب يتحدثون فألقى اللّه عليهم النوم، وذلك قال تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع فتى) أي: كصبي وصبية اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح مثله، وفي القاموس: وفتى: كغنى الشاب من كل شيء اهـ.\rقوله: وَهَيِّئْ (أصلح) أي: أو يسر لنا من أمرنا الذي نحن عليه من مخالفة الكفار وفراقنا لأهلنا وأوطاننا. ومن: ابتدائية سببية اهـ.\rقوله: (هداية) أي: تثبيتا على الإيمان، وتوفيقا للأعمال الصالحة، وانقطاعا عن الاشتغال بالدنيا وزهدا فيها اهـ شيخنا.\rقوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ مفعوله محذوف أي: فضربنا على آذانهم حجابا مانعا لهم من السماع أي أوجدناه وخلقناه فيهم وهذا هو المعنى الحقيقي، وليس مرادا بل المراد ما أشار إليه بقوله:\r(أي أنمناهم) ففي الكلام تجوز، وهذا النوم من جملة الرحمة التي طلبوها فكأنه قال: فاستجبنا دعاءهم، ومن جملة استجابته أن أنمناهم وقلبناهم في نومهم ذات اليمين وذات الشمال ثم بعثناهم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: فَضَرَبْنا مفعوله محذوف أي: ضربنا الحجاب المانع، وعلى آذانهم استعارة للزوم النوم، ونص على الآذان لأن بالضرب عليها خصوصا يحصل النوم، وسنين ظرف لضربنا، وعددا يجوز فيه أن يكون مصدر أو أن يكون فعلا بمعنى مفعول كالقبض والنقض، فعلى الأول يجوز نصبه من وجهين: النعت لسنين على حذف مضاف أي ذوات عدد، أو على المبالغة والنصب بفعل مقدر أي تعد عددا. وعلى الثاني نعت ليس إلا أي معدودة اهـ.\rقوله: (أي أنمناهم) أي نوما شديدا من ضربت على يده إذا منعته عن التصرف وإرادة هذا المعنى بطريق الاستعارة التبعية بأن تشبه الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان ثم يذكر المشبه به ويراد المشبه ثم يشتق منه الفعل، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: سِنِينَ عَدَداً سيأتي عدها في الآية. قوله: (معدودة) أشار إلى أن عددا نعت لسنين. قال الزجاج: ذكر العدد ههنا يفيد كثرة السنين وكذلك كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف به أريد","part":4,"page":393},{"id":1414,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 394\rالمختلفين في مدة لبثهم أَحْصى فعل بمعنى أضبط لِما لَبِثُوا للبثهم متعلق بما بعده كثرته، لأنه إذا قلّ عرف مقداره بدون التعديد اهـ كرخي.\rقوله: (لنعلم) اللام للعاقبة أي: فترتب على بعثنا لهم علمنا بما ذكر وقوله: (علم مشاهدة) فالمعنى ليشتهر علمنا بين الناس، وهذا ليس مرادا أيضا بل المراد ليعلم الناس ما ذكر بالمشاهدة اهـ شيخنا.\rوفي كون علم ما ذكر علم مشاهدة نظر واضح لا يخفى إذ علم ما ذكر لم يستند للمشاهدة بالبصر ولا بغيره من الحواس كما لا يخفى، وإنما هو أمر عقلي محض وليس مستندا لبعثهم وحياتهم، لأن بعثهم لم يفد علم مدة لبثهم كما لا يخفى. وعبارة الكرخي: قوله: لِنَعْلَمَ علم مشاهدة. اللام فيه للتعليل وعند الأشاعرة تسمى لام العاقبة ولام الحكمة، ويصح تعلقها ببعثناهم أو بضربنا. وقوله:\r(علم مشاهدة) جواب كيف. قال تعالى: لِنَعْلَمَ مع أن اللّه تعالى عالم بكل شيء في الأزل، وإيضاحه أن المعنى ليظهروا ويشاهدوا ليحصل لهم ما تعلق علمنا به من ضبطهم مدة لبثهم بعد تيقظهم، وهذا ما أفهمه كلام الكشاف اهـ.\rوفي البيضاوي: لنعلم أي الحزبين، أي: ليتعلق علمنا تعلقا حاليا مطابقا لتعلقه أولا استقباليا اهـ.\rودفع بهذا ما يتوهم من حدوث علمه تعالى، فليزم سبق الجهل تعالى اللّه عن ذلك، فالمراد، ليحدث تعلق علمنا تعلقا حاليا. أي: نعلم أن الأمر واقع في الحال بعد أن علمنا قبل أنه يقع في مستقبل الزمان. يعني: أنه تعالى علم في الأزل أنه يقع ذلك الشيء فيها لا يزال، وإذا وقع ذلك الشيء تعلق علمه بأنه واقع في الحال اهـ كازروني.\rوقوله: لِنَعْلَمَ العامة على نون العظمة جريا على ما تقدم، وقرأ الزهري: ليعلم بياء الغيبة والفاعل اللّه تعالى، وفيه التفات عن التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يكون الفاعل أي الحزبين إذا جعلناها موصولة اهـ سمين.\rقوله: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف لا أهل المدينة. وأي: مبتدأ والحزبين: مضاف إليه، وأحصى: فعل ماض، كما قال: وأمدا مفعول له، ولما لبثوا: متعلق بأمدا، والجملة خبر أي: وهي وخبرها سادة مسد مفعولي نعلم لأنه علق بالاستفهام اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: واختلفوا في الحزبين والمختلفين، فقال عطاء عن ابن عباس: المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك وأصحاب الكهف، وقال مجاهد: الحزبان من الفتية أصحاب الكهف لما تيقظوا اختلفوا في أنهم كم لبثوا ويدل له قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ [الكهف: 19] فالحزبان هما هذان، وكأن الذين قالوا: ربكم أعلم بما لبثم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم اهـ.\rوعبارة الخازن: وذلك أن أهل المدينة اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف اهـ.\rقوله: (فعل بمعنى ضبط) أي: وفاعله ضمير مستتر عائد على أي، وهذه النسخة هي التي كتب","part":4,"page":394},{"id":1415,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 395\rأَمَداً (12) غاية\rنَحْنُ نَقُصُ نقرأ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ بالصدق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ عليها الحواشي. وفي نسخة أفعل بمعنى أضبط أي: فيكون اسم تفضيل، وعبارة السمين: أحصى يجوز فيه وجهان.\rأحدهما: أنه أفعل تفضيل وهو خبر لأيهم، وأيهم استفهامية. وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها، ولما لبثوا حال من أمدا لأنه لو تأخر عنه لكان نعتا له، ويجوز أن تكون اللام على بابها من العلة أي:\rلأجل قاله أبو البقاء، ويجوز أن تكون زائدة، وما: مفعولة إما بأحصى على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به، وإما بإضمار فعل، وأمدا مفعول لبثوا أو منصوب بفعل مقدر يدل عليه أفعل عند الجمهور أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك.\rالوجه الثاني: أن يكون أحصى فعلا ماضيا وأمدا مفعوله، ولما لبثوا متعلق به أو حال من أمدا أو اللام فيه مزيدة وعلى هذا فأمدا منصوب بلبثوا وما مصدرية أو بمعنى الذي، واختار الأول أعني: كون أحصى للفضيل الزجاج والتبريزي، واختار الثاني أبو علي، والزمخشري، وابن عطية. قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن جعله أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد وذلك أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياسي اهـ.\rقوله: (للبثهم) يعني أن ما مصدرية مراعى فيها اعتباره مدة اللبث، وقوله: (متعلق بما بعده) أي: أمدا على أنه نعت له، وأمدا مفعول أحصى فلما تقدم عليه انتصب على الحال اهـ كرخي.\rقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ أي: نقصه عليك تفصيلا بعد أن قصصناه إجمالا. وحاصل قصتهم كما قال محمد بن إسحاق: لما طغى أهل الإنجيل وكثرت فيهم الخطايا حتى عبدوا الأصنام وذبحوا لها، وبقي فيهم من هو على دين المسيح مستمسكين بعبادة اللّه وتوحيده، وكان بالروم ملك يقال له دقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت، وكان يحمل الناس على ذلك ويقتل من خالفه، فمر بمدينة أصحاب الكهف وهي مدينة من الروم يقال لها إفسوس فاستخفى منه أهل الإيمان، فصار يرسل أعوانه فيفتشون عليهم ويحضرونهم له فيأمرهم بعبادة الأصنام ويقتل من يخالفه، فلما عظمت هذه الفتنة ورأى الفتية ذلك حزنوا حزنا شديدا وكانوا من أشراف الروم وهم ثمانية، وكانوا على دين عيسى، فأخبر ذلك الملك بهم وبعبادتهم فبعث إليهم فأحضروا بين يديه يبكون، فقال: ما منعكم أن تذبحوا لآلهتنا وتجعلوا أنفسكم كأهل المدينة، فاختاروا إما أن تكونوا على ديننا، وإما أن نقتلكم؟\rفقال له أكبرهم: إن لنا إلها عظمته ملء السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها أبدا اصنع بنا ما بدا لك، وقال أصحابه مثل ذلك. فأمر الملك بنزع لباسهم والحلية التي كانت عليهم، وكانوا مسورين ومطوقين، وكانوا غلمانا مردا حسانا جدا، وقال: سأتفرغ لكم وأعاقبكم وما يمنعني من فعل ذلك بكم الآن، إلا أني أراكم شبابا فلا أحب أن أهلككم، وإن قد جعلت لكم أجلا تدبرون فيه أمركم وترجعون إلى عقولكم. ثم إنه سافر لغرض من أغراضه، فخافوا أنه إذا رجع من سفره يعاقبهم أو يقتلهم، فاشتوروا فيما بينهم واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه يتصدق ببعضها ويتزود بالباقي، ففعلوا ذلك وانطلقوا إلى جبل قريب من مدينتهم يقال له بنجلوس فيه كهف، ومروا في طريقهم بكلب فتبعهم فطردوه فعاد، وفعلوا ذلك مرارا فقال لهم الكلب: أنا أحب أحباب اللّه عز وجل","part":4,"page":395},{"id":1416,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 396\rفناموا وأنا أحرسكم فتبعهم، فدخلوا الكهف وقعدوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد، وجعلوا نفقتهم تحت يد واحد منهم اسمه تمليخا كان يأتي المدينة يشتري لهم الطعام سرا ويتجسس لهم الخبر، فلبثوا بذلك الغار ما شاء اللّه. ثم رجع الملك دقيانوس من سفره إلى المدينة، وكان تمليخا يومئذ بالمدينة يشتري لهم طعاما، فجاء وأخبرهم برجوع الملك وأنه يفتش عليهم، ففزعوا وشرعوا يذكرون اللّه عز وجل ويتضرعون إليه في دفع شره عنهم وذلك عند غروب الشمس، فقال لهم تمليخا: يا أخوتاه كلوا وتوكلوا على ربكم، فأكلوا وجلسوا يتحدثون ويتواصون، فبينما هم كذلك إذ ألقى اللّه عليهم النوم في الكهف وألقاه أيضا على كلبهم وهو على باب الكهف، ففتش عليهم الملك فدلّ عليهم فتحير فيما يصنع بهم، فألقى اللّه في قلبه أن يسد عليهم باب الغار، وأراد اللّه عز وجل أن يكرمهم بذلك، ويجعلهم آية للناس، وأن يبين لهم أن الساعة آتية، وأنه قادر على بعث العباد من بعد الموت فأمر الملك بسده وقال: دعوهم في كهفهم يموتوا جوعا وعطشا، ويكون كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى اللّه أرواحهم وفاة نوم، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما شرعا يكتبان قصة هؤلاء الفتية، فكتبا وقت فقدهم وعددهم وأنسابهم ودينهم وممن فروا في لوحين من رصاص، وجعلاهما في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان وقالا: لعل اللّه أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعرفوا من هذه الكتابة خبرهم. ثم مات الملك دقيانوس هو وقومه، ومرّ بعده سنون وقرون وتغايرت الملوك.\rوفي رواية أن اللوح الذي كتب فيه وضع ودس في خزانة الملك، ثم ملك تلك المدينة رجل صالح يقال له بيدروس، اختلف الناس عليه فمنهم المؤمن بالساعة، ومنهم الكافر بها فشق ذلك عليه حيث كان يسمعهم يقولون: لا حياة إلا حياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد. فجعل يتضرع ويقول: رب أنت تعلم اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم أمر الساعة والبعث، فأراد اللّه أن يظهره على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور. فألقى اللّه في قلب رجل من أهل تلك الناحية أن يهدم ذلك البناء الذي على باب الكهف ويبني بحجارته حظيرة لغنمه، فهدمه وبنى به حظيرة لغنمه، فلما انفتح باب الكهف بعث اللّه هؤلاء الفتية فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة نفوسهم، وقد حفظ اللّه عليهم أبدانهم وجمالهم وهيئتهم فلم يتغير منها شيء، فكانت هيئتهم وقت أن استيقظوا كهيئتهم وقت أن رقدوا، ثم أرسلوا تمليخا إلى المدينة ليشتري لهم الطعام، فذهب فرأى المدينة قد تغير حالها وأهلها وملكها، وقد أخذه أهل المدينة وذهبوا به إلى ذلك الملك المؤمن، فأخبر تمليخا بقصته وقصة أصحابه. فقال بعض الحاضرين: يا قوم لعل هذه آية من آيات اللّه جعلها اللّه لكم على يد هذا الفتى، فانطلقوا بنا حتى يرينا أصحابه. فانطلق أريوس وأسطيوس من عظماء المملكة ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم، فأول من دخل عليهم هذان العظيمان الكبيران، فوجدا فى أثر البناء تابوتا من نحاس ففتحاه فوجدا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما قصتهم، فلما قرأوه عجبوا وحمدوا اللّه الذي أراهم آية تدلهم على البعث، ثم أرسلوا قاصدا إلى ملكهم","part":4,"page":396},{"id":1417,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 397\rهُدىً (13)\rوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ قويناها على قول الحق إِذْ قامُوا بين يدي ملكهم وقد أمرهم بالسجود للأصنام فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ أي غيره إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً الصالح بيدروس أن عجّل بالحضور إلينا لعلك ترى هذه الآية العجيبة، فإن فتية بعثهم اللّه وأحياهم وقد كان توفاهم ثلاثمائة سنة وأكثر. فلما جاءه الخبر ذهب همه وقال: أحمدك رب السموات والأرض تفضلت علي ورحمتني ولم تطفىء النور الذي جعلته لآبائي، فركب وتوجه نحو الكهف، فدخل عليهم وفرح بهم واعتنقهم ووقف بين أيديهم وهم جلوس على الأرض يسبحون اللّه ويحمدونه، فقالوا له:\rنستودعك اللّه والسّلام عليك ورحمة اللّه حفظك اللّه وحفظ ملكك ونعيذك باللّه من شر الإنس والجن.\rفبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى اللّه أنفسهم، فقام الملك إليهم وجعل ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب، فلما مشى ونام أتوه في منامه فقالوا له: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من التراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما في الكهف على التراب حتى يبعثنا اللّه منه، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه، وأمر أن يبنى على باب الكهف مسجد يصلي فيه ويسد به باب الغار فلا يراهم أحد، وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة اهـ ملخصا من الخازن.\rقوله: بِالْحَقِ الباء للملابسة وهي مع مجرورها حال إما من فاعل نقص أو من مفعوله وهو النبأ. قوله: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ أي شباب، كان أحدهم وزير الملك دقيانوس، وكانوا من أشراف تلك المدينة ومن عظماء أهلها. وهذه جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال اقتضاه ما قبلها، فكأنه قيل وما نبؤهم اهـ شيخنا.\rقوله: آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، إذ لو جاء على نسق الكلام لقيل إنهم فتية آمنوا بنا، وقوله: وَزِدْناهُمْ وربطنا التفات من هذه الغيبة إلى التكلم أيضا اهـ سمين.\rقوله: وَرَبَطْنا فيه استعارة تصريحية تبعية لأن الربط هو الشد بالحبل كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (قويناها على قول الحق) حيث قالوا للملك: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ الخ. ولم يحصل لهم منه رعب، فأمر بنزع ثيابهم وحليهم وكان ذاهبا في سفره، واستوعدهم بالعقوبة حين يتفرغ لهم اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: قويناها بالصبر على هجر الوطن والمال والأهل، والجرأة على إظهار الحق والرد على دقيانوس اهـ.\rقوله: إِذْ قامُوا ظرف لربطنا. قوله: (ملكهم) اسمه دقيانوس. قوله: فَقالُوا الخ أي: قالوا جملا ستا ثلاثة بين يدي ملكهم آخرهم قوله: شَطَطاً، وثلاثة بعد انصرافهم عن مجلسه ذما لقومهم آخرهم قوله: (كذبا) اهـ شيخنا.\rقوله: لَنْ نَدْعُوَا أي: نعبد. قوله: لَقَدْ قُلْنا واقع في جواب قسم، وقوله: إِذاً بمعنى إن أي: واللّه لئن دعونا غيره لقد قلنا الخ اهـ شيخنا.","part":4,"page":397},{"id":1418,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 398\rشَطَطاً (14) أي قولا ذا شطط أي إفراط في الكفر إن دعونا إلها غير اللّه فرضا\rهؤُلاءِ مبتدأ قَوْمُنَا عطف بيان اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ على عبادتهم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ بحجة ظاهرة فَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15) بنسبة الشريك إليه تعالى. قال بعض الفتية لبعض\rوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ فإذا دال على شرط مقدر كما يدل له قوله: (إن دعونا) الخ. قوله: (أي قولا ذا شطط) أشار إلى أن انتصاب شططا نعت لمصدر محذوف بتقدير المضاف. وقال سيبويه: نصبه على الحال من ضمير مصدر قلنا، وقيل: إنه مفعول بقلنا لتضمنه معنى الجملة اهـ سمين.\rقوله: (أي إفراط) في المختار: الشطط بفتحتين مجاوزة القدر في كل شيء اهـ.\rوفي المصباح: شطت الدار بعدت، وشط فلان في حكمه شطوطا وشططا جار وظلم، وشط في القول شططا وشطوطا أغلظ فيه، وشط في السوم أفرط والجميع من باب ضرب وقتل اهـ.\rوفي السمين: وشط في السوم وأشط أي جاز القدر، وشطت الجارية شطاطا طالت اهـ.\rقوله: هؤُلاءِ الخ أي: قالوا هؤلاء قومنا الخ، وقالوا: لو لا الخ، وقالوا فمن أظلم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (عطف بيان) أو بدل، وخبر المبتدأ اتخذوا وترك التنبيه عليه لوضوحه وهو إخبار في معنى الإنكار، ويجوز أن يكون قومنا هو الخبر، واتخذوا حالا. وفي التعبير باسم الإشارة تحقير لهم اهـ كرخي.\rاتَّخَذُوا يجوز أن يتعدى لواحد بمعنى عملوا لأنهم نحتوها بأيديهم، ويجوز أن يكون متعديا لاثنين بمعنى صيروا، ومن دونه هو الثاني قدم وآلهة من الأول، وعلى الوجه الأول يجوز في من دونه أن يتعلق باتخذوا وأن يتعلق بمحذوف حالا من آلهة، إذ لو تأخر لجاز أن يكون صفة لآلهة اهـ سمين.\rقوله: لَوْ لا (هلا) أي: هو تحضيض فيه معنى الإنكار، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة التحضيضية صفة لآلهة لفساده معنى وصناعة لأنها جملة طلبية اهـ كرخي.\rقوله: (على عبادتهم) فحذف المضاف للعلم به والضمير للقوم، والمعنى على عبادتهم لها أي:\rللآلهة. ويصح أن يعود للآلهة على حذف المضاف أيضا اهـ.\rقوله: (قال بعض الفتية لبعض) أي: وقت اعتزالهم فأشار إلى أن نصب إذ بمضمر، وجوز بعضهم أن تكون للتعليل أي: فأووا إلى الكهف لاعتزالهم إياهم ولا يصح اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ أي فارقتموهم في الاعتقاد، أو أردتم الاعتزال الجسماني. وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ عطف على الضمير المنصور، وما موصولة أو مصدرية أي: إذ اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا اللّه، أو وعبادتهم إلا عبادة اللّه، وعلى التقديرين، فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، ويجوز كون ما نافية","part":4,"page":398},{"id":1419,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 399\rمِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (16) بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس ما ترتفقون به من غداء وعشاء\r* وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ بالتشديد والتخفيف تميل عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ على أنه إخبار من اللّه تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين إذ وجوابه، فَأْوُوا أي: التجئوا إلى الكهف. قال الفراء: هو جواب إذ، كما تقول إذ فعلت فعل كذا، وقيل: هو دليل على جوابه أي: إذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، أو إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف اهـ.\rوهذا يفيد أن إذ شرطية مع أنها بدون ما لا تقع شرطية بل تكون ظرفية أو تعليلية. وقد نقل في همع الهوامع أنه قول ضعيف لبعض النحاة، أو يقال: هو تسمح لأنه بمعناه اهـ شهاب.\rقوله: يَنْشُرْ لَكُمْ أي: يبسط لكم ويوسع عليكم ربكم مالك أمركم من رحمته في الدارين، وَيُهَيِّئْ: يسهل لكم من أمركم الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين اهـ أبو السعود.\rوجزمهم بذلك لخلوص يقينهم وقوة وثوقهم بفضل اللّه تعالى اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ أَمْرِكُمْ متعلق بالفعل قبله، ومن: لابتداء الغاية أو للتبعيض، وقيل: هي بمعنى بدل، قاله ابن الأنباري، ويجوز أن يكون حالا من مرفقا فيتعلق بمحذوف اهـ سمين.\rقوله: (و بالعكس) قراءتان سبعيتان، فقرأ الجمهور بكسر الميم وفتح الفاء، ونافع وابن عامر بالعكس، وفيهما اختلاف بين أهل اللغة فقيل: هما بمعنى واحد وهو ما يرتفق به وليس بمصدر، وقيل: هو بالكسر في الميم لليد وبالفتح للأمر، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر حكاه الأزهري عن ثعلب. وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط، وأجاز معاذ فتح الميم والفاء هو مصدر كالمضرب والمقتل اهـ سمين.\rقوله: (ترتفقون) أي تنتفعون. قوله: وَتَرَى الشَّمْسَ الخ قيل: هنا جمل ثلاث محذوفة تقديرها فأووا إلى الكهف، وناموا، وأجاب اللّه دعاءهم حيث قالوا: رَبَّنا آتِنا الخ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد، وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه: أنك لو رأيتهم لرأيت الشمس اهـ خطيب.\rقوله: إِذا طَلَعَتْ ظرف لترى أو لتزاور، وكذا إذا غربت معمول للأول أو للثاني وهو تقرضهم، والظاهر تمحضه للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية. ومعنى تقرضهم تقطعهم لا تقربهم، والقرض: القطع. وقال الفارسي: معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا ثم يزول بسرعة كالقرض يسترد، وقد ضعف بأنه كان ينبغي أن يقرأ تقرضهم بضم التاء لأنه من أقرض اهـ سمين.\rقوله: تَزاوَرُ في محل الحال لأن ترى بصرية. قوله: (بالتشديد والتخفيف) عبادة السمين:\rقرأ ابن عامر تزور بزنة تحمر، والكوفيون تزاور بتخفيف الزاي، والباقون بتثقيلها فتزور بمعنى تميل وتتنحى من الزور وهو الميل، وزاره بمعنى مال إليه، ومنه قول الزور لأنه ميل عن الحق، ومنه الأزور وهو المائل بعينه وبغيرها. وقيل: تزور بمعنى تنقبض من ازور أي انقبض، وأما تزّاور وتزاور فأصلهما تتزاور بتاءين، فالكوفيون حذفوا إحدى التاءين وغيرهم أدغم، وتقدم تحقيق هذه في تظاهرون","part":4,"page":399},{"id":1420,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 400\rناحيته وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم البتة وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها ذلِكَ المذكور مِنْ آياتِ اللَّهِ دلائل قدرته مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17)\rوَتَحْسَبُهُمْ لو رأيتهم أَيْقاظاً وتساءلون ونحوهما، ومعنى ذلك الميل أيضا. وقرأ أبو رجاء والجحدري: تزوار بوزن تحمار اهـ.\rقوله: ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ ظرف مكان بمعنى جهة اليمين وجهة الشمال اهـ سمين.\rوالمراد: يمين الكهف أي يمين الداخل له، وهذا بخلاف قوله الآتي: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ، فالمراد به يمينهم أنفسهم اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا تصيبهم البتة) عبارة القرطبي: والمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة كرامة، وهو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما. يعني: أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين أي يمين الكهف، وإذا غربت تمرّ بهم ذات الشمال أي شمال الكهف، فلا تصيبهم لا في ابتداء النهار ولا في آخر النهار، وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم بحرّها وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم، وقد قيل: إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته. وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من اللّه تعالى من دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك، وعلى الجملة، فالآية في ذلك أن اللّه تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار، وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإضلال غمام أو سبب آخر. والمقصود بيان حفظهم من طرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم والتأذي بحر أو برد اهـ.\rوقد تقدم في القصة عن الخازن أن الملك الظالم الذي فروا منه بنى على باب الكهف سدا وقال:\rلكي يموتوا جوعا وعطشا، وأن هذا السد استمر عليهم مدة لبثهم نياما، وأن الملك الصالح اجتمع بهم حين تيقظوا وبنى على باب الغار مسجدا بعد موتهم، وصريح هاتين الآيتين يرد هذا ويبطله إذ لو كان باب الغار قد سد كما ذكر لما يستقم قوله: وَتَرَى الشَّمْسَ الخ. فليتأمل وليحرر. قوله: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي: وسطه والجملة حال اهـ شيخنا.\rوتجمع الفجوة على فجاء بكسر الفاء والمد وفجوات كركوة وركاء وركوات اهـ قرطبي.\rوفي السمين: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ جملة حالية أي: نفعل بهم هذا مع اتساع مكانهم وهو أعجب لحالهم إذ كان ينبغي أن تصيبهم الشمس لا تساعه. والفجوة: المتسع من الفجاء وهو تباعد ما بين الفخذين. يقال: رجل أفجى وامرأة فجواء وجمع الفجوة فجاء كقصعة وقصاع اهـ.\rقوله: ذلِكَ (المذكور) أي: من انامتهم وحمايتهم من إصابة الشمس لهم اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: ذلك مبتدأ مشار به إلى جميع ما تقدم من حديثهم ومن آيات اللّه الخبر ويجوز أن يكون ذلك مبتدأ خبر محذوف أي: الأمر ذلك ومن آيات اللّه حال اهـ.\rقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ مثل أصحاب الكهف ومن يضلل أي: يضله اللّه ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه، فلن تجد له وليا معينا مرشدا يرشده اهـ كرخي.","part":4,"page":400},{"id":1421,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 401\rأي منتبهين لأن أعينهم منفتحة جمع يقظ بكسر القاف وَهُمْ رُقُودٌ نيام جمع راقد وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ لئلا تأكل الأرض لحومهم وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ يديه بِالْوَصِيدِ بفناء قوله: فَهُوَ الْمُهْتَدِ بدون ياء في الرسم لأنها من آيات الزوائد وهي لا تثبت فيه، وأما في النطق فعند الوقف تحذف عند الجميع وعند الوصل بعض السبعة يحذفها وبعضهم يثبتها اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَحْسَبُهُمْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد على ما مرّ. قوله: (بكسر القاف) أي كنكد وأنكاد وبضمها أيضا كعضد وأعضاد كما في السمين. قوله: (جمع راقد) كقعود جمع قاعد. قوله:\rوَنُقَلِّبُهُمْ الخ قيل: إنهم يقلبون في كل سنة مرة في يوم عاشوراء، وقيل: يقلبون مرتين. وقيل: كل تسع سنين اهـ شيخنا.\rوقالت فرقة: إنما قلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلاثمائة فلا. وظاهر كلام المفسرين أن التقليب من فعل اللّه، ويجوز أن يكون من ملك بأمر اللّه فيضاف إلى اللّه تعالى اهـ قرطبي.\rقوله: ذاتَ الْيَمِينِ الخ أي: يمينهم وشمالهم كما مرّ. قوله: (لئلا تأكل الأرض لحومهم) قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما. وتعجب منه الإمام الرازي وقال: إن اللّه قادر على حفظهم من غير تقليب، ولقائل أن يقول: لا ريب في قدرة اللّه تعالى، ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال اهـ كرخي.\rقوله: وَكَلْبُهُمْ وكان أصفر اللون، وقيل: أسمر اللون، وقيل: كلون السماء واسمه قطمير، وقيل: ريان، وكان لواحد منهم، فلما خرجوا تبعهم فمنعوه فأنطقه اللّه وتكلم وقال: أنا أحب أحباب اللّه.\rوروي عن كعب: أنهم مروا بكلب لهم فنبح فطردوه فعاد فطردوه مرارا، فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي فنطق فقال: لا تخافوا مني أنا أحب أحباب اللّه اهـ قرطبي.\rفمكنوه من الذهاب معهم، فلما ناموا نام كنومهم، ولما استيقظوا استيقظ معهم، ولما ماتوا مات معهم ومعلوم أنه من الحيوانات التي تدخل الجنة قال بعضهم: إن هذا النطق الذي حصل منه أفاده الظاهرية اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي اللّه عنه قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره اللّه تعالى في محكم تنزيله. قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر اللّه تعالى بذلك في كتابه، فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال المحبين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وآله خير آل. وقد قال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: متى الساعة؟\rفقال: «ما أعددت لها»؟ فقال: يا رسول اللّه ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكني أحب اللّه ورسوله، فقال: «فأنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنك مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب اللّه ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن","part":4,"page":401},{"id":1422,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 402\rالكهف، وكانوا إذا انقلبوا انقلب، وهو مثلهم في النوم واليقظة لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ بالتشديد والتخفيف مِنْهُمْ رُعْباً (18) بسكون العين وضمها منعهم اللّه بالرعب من لم أعمل بأعمالهم. قلت: وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فلذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين ورجونا رحمة أرحم الراحمين وإن كنا غير مستأهلين، كلب أحب قوما فذكره اللّه معهم فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان، وكلمة الإسلام، وحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولقد كرمنا بني آدم الآية.\rقوله: ذِراعَيْهِ نصب بباسط لأنها حال محكية، إذ اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل بإضافته إضافة حقيقية إلا عند الكسائي، فإنه يعمله ويستشهد بالآية، وإذا كان حالا أو مستقبلا عمل وكانت إضافته غير حقيقية، والمعنى ماد يديه بفناء الكهف اهـ كرخي.\rقوله: (بفناء الكهف) أي: رحبته أي: المتسع الذي أمامه، وقيل: الوصيد الباب، وقيل العتبة، وقيل: الصعيد والتراب، ففيه أربعة أقوال اهـ سمين.\rوفي المصباح: الوصيد الفناء وعتبة الباب، وأوصدت الباب أطبقته اهـ.\rقوله: لَوِ اطَّلَعْتَ بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين أي: لو نظرت إليهم وهم على تلك الحالة اهـ خطيب.\rوالخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل أحد أي: لو أشرفت عليهم ونظرت إليهم لفررت منهم هاربا رعبا منهم اهـ شيخنا.\rقوله: فِراراً يجوز أن يكون منصوبا على المصدر من معنى الفعل قبله، لأن التولي والفرار من واد واحد، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال أي فارا ويكون حالا مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولا له. وقوله: رُعْباً مفعول ثان، وقيل: تمييز اهـ سمين.\rقوله: رُعْباً أي فزعا. واختلف في سبب ذلك الرعب فقال الكلبي: لأن أعينهم كانت منفتحة كالمتيقظ، وقيل: إن اللّه تعالى منعهم بالرعب حتى لا يراهم أحد.\rوروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه صاحب الكهف فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء نظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع من ذلك من هو خير منك لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا، فبعث معاوية ناسا فقال: اذهبوا فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث اللّه عليهم ريحا فأخرجتهم اهـ خطيب.\rفظن معاوية إن هذا المعنى وهو امتناع الإطلاع عليهم مختص بذلك الزمان الذي قبل بعثهم وأما ابن عباس فعلم أن ذلك عام في جميع الأوقات اهـ كرخي.\rقوله: (بسكون العين وضمها) ظاهره أن هذين الوجهين يرجعان للتخفيف والتشديد حتى تكون القراءات أربعة وليس كذلك، بل هي ثلاثة فقط. وحاصله: إن اللام إن خففت جاز في العين السكون والضم، وأن اللام إن شددت تعين في العين السكون لا غير، والقراءات الثلاث سبعية اهـ شيخنا.","part":4,"page":402},{"id":1423,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 403\rدخول أحد عليهم\rوَكَذلِكَ كما فعلنا بهم ما ذكرنا بَعَثْناهُمْ أيقظناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ عن حالهم ومدة لبثهم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأنهم دخلوا الكهف قوله: (منعهم اللّه بالرعب من دخول أحد عليهم) فكان الناس محجوجين عنهم بالرعب لا يجسر أحد منهم على الدنوّ منهم، وقيل: الفرار والرعب منهم لطول شعورهم وأظفارهم، ذكره المهدي والنحاس، والزجاج، والقشيري. قال القشيري: وهذا بعيد لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض:\rلَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فدل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم. قال ابن عطية: والصحيح في أمرهم أن اللّه عز وجل حفظ لهم الحالة التي ماتوا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب ولم تتغير لهم صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليهم أهم اهـ قرطبي.\rقوله: كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ الكاف نعت لمصدر محذوف أي: كما أنمناهم تلك النومة بعثناهم، والإشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من قوله: فَضَرَبْنا أي: مثل جعلنا إنامتهم هذه المدة المتطاولة آية جعلنا بعثهم آية، قاله الزجاج والزمخشري اهـ سمين.\rقوله: (ما ذكرنا) أي: وهو نومهم المدة الطويلة. قوله: لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ أي: ليسأل بعضهم بعضا فيتعرفوا حالهم وما صنع اللّه بهم فيزدادوا بكمال قدرة اللّه تعالى، ويستبصروا في أمر البعث، ويشكروا ما أنعم اللّه به عليهم اهـ بيضاوي.\rواللام متعلقة بالبعث فقيل: هي للصيرورة لأن البعث لم يكن للتساؤل. قال ابن عطية:\rوالصحيح أنها على بابها من السببية اهـ سمين.\rقوله: (و مدة لبثهم) عطف خاص. قوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي: واحد منهم وهو كبيرهم ورئيسهم مكسلمينا، وتقدم أنهم كانوا سبعة. وقوله: قالُوا لَبِثْنا أي قال الستة الباقون مجيبين له:\rلبثنا الخ. وقوله: قالُوا رَبُّكُمْ أي قال بعض الستة المجيبين أولا لبعضهم بدليل الخطاب في ربكم، وإلا لو كان القائل جميعهم لقالوا ربنا اهـ شيخنا.\rقوله: كَمْ لَبِثْتُمْ كم منصوبة على الظرفية والمميز محذوف تقديره كم يوما لدلالة الجواب عليه، وأو في قوله: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ للشك منهم، وقيل: للتفصيل أي قال بعضهم كذا وبعضهم كذا اهـ سمين.\rقوله: قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أي لظنهم أن الشمس قد غربت ثم رأوها لم تغرب فقالوا: أو بعض يوم، ثم تأملوا في شعورهم وأظفارهم فعرفوا أن المدة طالت فقالوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ اهـ خازن.\rوتقدم منع هذا وأنهم بعثوا على الحالة التي ناموا عليها. قوله: (لأنهم دخلوا الخ) هذه يقتضي أنهم ناموا في يوم دخولهم وتقدم أنهم مكثوا مدة قبل النوم يتعبدون ويأكلون ويشربون اهـ شيخنا.\rفكان الأولى أن يقول لأنهم ناموا طلوع الشمس الخ. قوله: (ثم) قالُوا أي المجيبون أولا بأنها يوم أو بعض يوم اهـ شيخنا.","part":4,"page":403},{"id":1424,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 404\rعند طلوع الشمس وبعثوا عند غروبها فظنوا أنه غروب يوم الدخول ثم قالُوا متوقفين في ذلك رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ بسكون الراء وكسرها بفضتكم هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يقال إنها المسماة الآن طرسوس بفتح الراء فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً أي أيّ أطعمة قوله: (متوقفين في ذلك) أي في قدر مدة لبثهم. قوله: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها اللّه تعالى، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون مراعاة حسن الأدب، وبه يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين في قوله سابقا: لِنَعْلَمَ أي الحزبين الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ وهو تمليخا أي: أرسلوه وهو مفرع على محذوف تقديره فخذوا في أهم في ذلك وفيما تنتفعون به، فأرسلوا واحدا منكم إلى المدينة الخ اهـ شيخنا.\rقوله: بِوَرِقِكُمْ حال من أحدكم أي مصاحبا لها وملتبسا بها. والورق: الفضة المضروبة، وقيل: الفضة مطلقا ويقال لها: الرقة بحذف الفاء وفي الحديث: «و في الرقة ربع العشر» وجمعت شذوذا جمع المذكر السالم يقال: عندي رقون. قوله: (بسكون الراء وكسرها) سبعيتان. قوله: (الآن) أي: في الإسلام، وأما في الجاهلية فكانت تسمى أفسوس بضم الهمزة وسكون الفاء وهي من مدائن الروم اهـ شيخنا.\rلكن وقع في البيضاوي تارة أنها طرسوس، وتارة أنها أفسوس. وكتب عليه الشهاب ما نصه:\rأفسوس بضم الهمزة وسكون الفاء كما قال النيسابوري وهذا يخالف قوله أولا: أنها طرسوس، وفي الكشف أن المدينة التي خرجوا منها غير المدينة التي بعثوا إليها لشراء الطعام، إذ أفسوس من أعمال طرسوس وهي ناحية أو هما قولان، وما قيل من أنهما اسمان لمدينة واحدة أحدهما قديم والآخر محدث، فخلاف الظاهر ومحتاج إلى النقل عن الثقات اهـ.\rقوله: هذه الإشارة للدراهم التي كانت معهم وهي التي أخذوها من بيوت آبائهم وخرجوا بها فأنفقوا بعضها قبل نومهم وبقي بعضها ووضعوه عند رؤوسهم عند ما ناموا، فلما تيقظوا وجدوه كان عليها اسم ملكهم دقيانوس، وكان الواحد منها بقدر خف ولد الناقة في صغره وإتخاذ الزاد لا ينافي التوكل على اللّه بل يطلب التزود للإنسان اهـ شيخنا.\rقوله: أَيُّها أَزْكى يجوز في أي أن تكون استفهامية وأن تكون موصولة، وقد عرفت ذلك مما تقدم لك في قولهم أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا اهـ سمين.\rقوله: (أي أي أطعمة المدينة أحل) أي أحل ذبيحة لأنهم كان منهم من يذبح للطواغيت، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم، وهذا قول ابن عباس. أو أكثر بركة كالبر والأرز أو أرخص، فأي: استفهامية مبتدأ خبره أزكى، وطعاما تمييز محول عن المضاف إليه كما ذكره بقوله: (أي أي أطعمة المدينة) والجملة في محل النصب قائمة مقام المفعول وهو من نظر العين، فليأتكم برزق منه وليتلطف برفق وحيلة في ذهابه وإيابه لئلا يعرف، أو في العاملة حتى لا يغبن، ولا يشعرون أي لا يفعلن ما يؤدي إلى أن يشعر به أحد اهـ كرخي.","part":4,"page":404},{"id":1425,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 405\rالمدينة أحل فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19)\rإِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ يقتلوكم بالرجم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أي إن عدتم في ملتهم أَبَداً (20)\rوَكَذلِكَ كما بعثناهم أَعْثَرْنا أطلعنا عَلَيْهِمْ قومهم والمؤمنين لِيَعْلَمُوا قوله: مِنْهُ أي: من الورق أي بدله فمن بمعنى بدل أن من الطعام وقوله: (أحل) أي لأن المدينة كان فيها مجوس ومسلمون مخفون حالهم، فطلبوا أن يكون طعامهم من ذبيحة المؤمنين كما في الخازن\rقوله: إِنَّهُمْ أي: أهل المدينة المعمولين من السياق إن يظهروا أي يغلبوا. قوله: أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ أي: يصيروكم إليها كرها من العود بمعنى الصيرورة، وقيل: كانوا أولا على دينهم فآمنوا اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً إذا: جواب وجزاء واستشكل الحكم عليهم يعدم الفلاح مع الإكراه المستفاد من إن يظهروا، إذ المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه لخبر رفع عن أمتي الخ، واجيب: بأن المؤاخذة به كانت في غير هذه الشريعة بدليل: وما أكرهتنا عليه من السحر وخبر رفع عن أمتي الخ اهـ كرخي.\rقوله: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ أي اطلعنا عليهم وأظهرناهم وأعثر يعدى بالهمزة، وأصل العثار في القدم ليعلموا أو وعد اللّه حق يعني: الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم، وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون، ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح، واختلف أهل مملكته. وفي الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا: إنما تحشر الأرواح دون الأجساد فإن الجسد تأكله الأرض، وقال بعضهم: تبعث الأرواح والأجساد جميعا، وكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمر البعث لهم، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد وتضرع إلى اللّه تعالى في طلب حجة وبرهان، فأعثره اللّه على أهل الكهف فيقال: إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكر ورقه لبعد العهد، فحمل إلى الملك وكان صالحا قد آمن وآمن من معه، فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك، فقد كنت أدعو اللّه أن يرينيهم، وسأل الفتى فأخبره فسرّ الملك بذلك وقال لقومه:\rلعل اللّه قد بعث لكم آية فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة إليهم، فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم وأعلمهم بالأمر وأن الأمة مسلمة، فروي أنهم سروا بذلك وخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين، فهذا معنى أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد اللّه حق أي: ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث حق، إذ يتنازعون بينهم أمرهم، وإنما استدلوا بذلك الواحد على غيرهم وهابوا الدخول عليهم فقال الملك: ألقوا عليهم بنيانا فقال (الذين هم على دين الفتية) اتخذوا عليهم مسجدا.\rوروي أن فرقة كافرة قالت: نبني بيعة أو مصنعا فمانعهم المسلمون وقالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ","part":4,"page":405},{"id":1426,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 406\rأي قومهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌ بطريق أن القادر على إنامتهم المدة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ شك فِيها إِذْ معمول لأعثرنا يَتَنازَعُونَ أي المؤمنون والكفار بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ أمر الفتية في البناء حولهم فَقالُوا أي الكفار ابْنُوا عَلَيْهِمْ أي حولهم بُنْياناً يسترهم رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أمر مَسْجِداً. وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين. وروي عن عبيد ابن عمير أن اللّه أعمى على الناس حينئذ أثرهم وحجبهم عنهم، فلذلك دعا الملك إلى بناء البنيان ليكون معلما لهم اهـ قرطبي.\rقوله: (كما بعثناهم) عبارة السمين: أي: وكما أنمناهم وبعثناهم أعثرنا أي أطلعنا، وقد تقدم الكلام على مادة عثر في المائدة اهـ.\rقوله: (قومهم والمؤمنون) يشير به إلى أن مفعول أعثرنا محذوف، وقوله: لِيَعْلَمُوا متعلق بأعثرنا، والضمير قيل يعود على مفعول أعثرنا المحذوف تقديره أعثرنا الناس، وقيل: يعود على أهل الكهف اهـ سمين.\rقوله: (قومهم) أي: ذرية قومهم، لأن قومهم قد انقرضوا ولم يقل والمؤمنون كالذي قبله، لأن المؤمنين لا ينكرون البعث بخلاف ذرية قومهم فكانوا كافرين اهـ شيخنا.\rقوله: (بطريق أن القادر) وفي نسخة بدليل وأشار بذلك إلى أن علمهم بذلك بطريق القياس، وهذا قياس اقناعي اهـ شيخنا.\rقوله: (بلا غذاء) أي: قوت. قوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ أي: بعث الأجساد والأرواح جميعا وحشرها وكانوا ينكرون ذلك. قوله: (معمول لأعثرنا) هو ما اختاره أبو السعود وهو غير ظاهر، والأولى أن يكون ظرفا لمحذوف تقديره اذكر وقت التنازع، أو ظرفا لقال الآتي في قوله: قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا أو ليعلموا اهـ شيخنا.\rقوله: (أمر الفتية في البناء) قال ابن عباس: فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بيعة لأنهم من أهل ملتنا، وقيل: كان تنازعهم في البعث، فقال المسلمون: تبعث الأرواح والأجساد، وقال قوم: تبعث الأرواح فأراهم اللّه آية، وأن البعث للأرواح والأجساد، وقيل: تنازعوا في مدة لبثهم، وقيل: في عددهم اهـ.\rقوله: بُنْياناً يجوز أن يكون مفعولا به وأن يكون مصدرا اهـ سمين.\rقوله: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ يجوز أن يكون من كلام الباري سبحانه وتعالى فلا يدخل تحت القول، وإن يكون من كلام المتنازعين وهو الظاهر فيدخل تحته اهـ كرخي.\rقوله: قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أي: كانت الكلمة لهم وكان كلامهم هو النافذ، لأن ملك الوقت كان من جملتهم وكان مؤمنا، وأما الملك الذي خرجوا هاربين منه فقد مات في مدة نومهم اهـ شيخنا.","part":4,"page":406},{"id":1427,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 407\rالفتية وهم المؤمنون لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ حولهم مَسْجِداً (21) يصلى فيه وفعل ذلك على باب الكهف\rسَيَقُولُونَ أي المتنازعون في عدد الفتية في زمن النبي أي يقول بعضهم هم ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ أي بعضهم خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ والقولان لنصارى نجران رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظنا في الغيبة عنهم وهو راجع إلى القولين معا، ونصبه على المفعول له أي لظنهم قوله: سَيَقُولُونَ أي: يقولون لك يا محمد ويخبرونك مفترقين على ثلاثة أقوال: الأولان للنصارى، والثالث للمؤمنين اهـ شيخنا.\rقيل: إنما أتى بالسين في هذا لأن في الكلام طيا وإدماجا تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف فسلهم عن مددهم، فإنهم سيقولون: ولم يأت بها في باقي الأفعال لأنها معطوفة على ما فيه السين فأعطيت حكمه من الاستقبال اهـ سمين.\rقوله: (أي المتنازعون الخ) عبارة أبي السعود: الضمير في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتاب والمسلمين، لكن لا وجه لإسناد كل منها إلى كلهم، بل إلى بعضهم انتهت.\rقوله: ثَلاثَةٌ خبر مبتدأ محذوف كما أشار له، وقوله: رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ جملة من مبتدأ وخبر صفة للخبر، وكذا يقال في قوله: وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ، ويقولون سبعة اهـ شيخنا.\rوثلاثة وخمسة وسبعة مضافة لمعدود محذوف فقدره الشيخ ثلاثة أشخاص اهـ سمين.\rقوله: (نجران) موضع بين الشام واليمن والحجاز اهـ شيخنا.\rوقيل: القول الأول لليهود كما في البيضاوي. قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ منصوب بفعل مقدر أي يرمون رميا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه أي: يأتون به والرجم بمعنى الرمي وهو استعارة للتكلم بما لم يطلع عليه لخفائه عنه تشبيها له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضا، أو المعنى ظنا بالغيب من قولهم رجم بالظن بمعنى المظنون كما قاله الطيبي وغيره، والباء فيه للتعدية على تشبيه الظن بالحجر المرمي على طريق الكناية اهـ بيضاوي وشهاب.\rوانتصابه على الحالية من الضمير في الفعلين جميعا أي راجمين، أو على المصدرية منهما، فإن الرجم والقول واحد أو من محذوف مستأنف أو واقع موقع الحال من ضمير الفعلين معا. أي: يرجمون رجما اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: والرجم في الأصل الرمي بالرجم وهي الحجارة الصغار، ثم عبّر به عن الظن اهـ.\rوفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم ورجمته بالقول رميته بالفحش، وقال تعالى: رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظنا: من غير دليل ولا برهان اهـ.\rقوله: (في الغيبة) أي غيبة الخبرين وهم نصارى نجران. عنهم أي عن المخبر عن عددهم اهـ شيخنا.","part":4,"page":407},{"id":1428,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 408\rذلك وَيَقُولُونَ أي المؤمنون سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الجملة من المبتدإ وخبره صفة سبعة بزيادة الواو، وقيل تأكيدا ودلالة على لصوق الصفة بالموصوف ووصف الأولين بالرجم دون الثالث دليل على أنه مرضي وصحيح قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ قال ابن عباس: أنا قوله: (لظنهم لك) أي: أنهم ثلاثة أو خمسة. قوله: (أي المؤمنون) أي: قالوا بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليه السّلام اهـ بيضاوي.\rقوله: (بزيادة الواو) أي: من غير ملاحظة معنى التوكيد على رأي الأخفش والكوفيين، لأن وجودها في الكلام كالعدم في عدم إفادة أصل معناها اهـ كرخي.\rوقوله: (و قيل تأكيدا) أي: وقيل: زائدة لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما عبر به غيره، وقوله: (و دلالة) عطف تفسير على تأكيد فالذي في كلامه قولان فقط اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ثم رد الأولين بأن أتبعهما قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ ليتعين الثالث، وبأن أدخل فيه الواو، وعلى الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا عن المعرفة نحو: جاء زيد ومعه رجل آخر لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت اهـ.\rقوله: (و قيل تأكيدا ودلالة على لصوق الصفة بالموصوف) بمعنى أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر ومنه قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: 4] وإذا كان اتصافه بها ثابتا مستقرا كان الموصوف ثابتا لا محالة، وهذا ما جنح إليه الزمخشري واختاره ابن هشام. وقيل: إنها واو العطف كأنه قيل: هم سبعة وثامنهم كلبهم، وقيل: واو الحال فيؤول المعنى إلى أنهم يقولون ذلك مع هذا الحال، وهو أن ثامنهم كلبهم واقعا لا محالة، ويلزم منه أن يكونوا سبعة. قال ابن هشام: وقول جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي إنها واو الثمانية لا يرضاه نحوي، لأنه لا يتعلق به حكم إعرابي ولا سر معنوي. قال العلامة الكافيجي: هي في التحقيق واو العطف، لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص تضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها، فسميت بواو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة، وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد، فإن الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه، وهذا هو المقتضي للعطف، وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة اهـ ملخصا اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ أي أقوى علما وأزيد في الكيفية، فإن مراتب اليقين متفاوتة في القوة، ولا يجوز أن يكون التفضيل بالإضافة إلى الطائفتين الأولين، إذ لا شركة لهما في العلم اهـ كرخي.\rقوله: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ المثبت في حق اللّه تعالى هو الأعلمية بالمعنى الذي عرفته، وفي حق القليل العالمية فلا تعارض، وهذا هو الحق لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم وحوادثه في الماضي والمستقبل لا يحصل إلا عند اللّه تعالى، أو عند من أخبره اللّه تعالى عنها اهـ كرخي.","part":4,"page":408},{"id":1429,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 409\rمن القليل وذكرهم سبعة فَلا تُمارِ تجادل فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً بما أنزل عليك وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ تطلب الفتيا مِنْهُمْ من أهل الكتاب اليهود أَحَداً (22) وسأله أهل مكة عن خبر أهل الكهف فقال: أخبركم به غدا، ولم يقل إن شاء اللّه فنزل\rوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أي لأجل شيء إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) أي فيما يستقبل من الزمان\rإِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إلا متلبسا بمشيئة اللّه قوله: (و ذكرهم سبعة) وهم مكسلمينا، وتمليخا، ومرطونس، ونينونس، وساربونس، وذونوانس، وفليستطيونس وهو الراعي، واسم كلبهم قطمير، وقيل: حمران، وقيل: ريان كما تقدم.\rوقال بعضهم: علموا أولادكم أسماء أهل الكهف فإنها لو كتبت على باب دار لم يحرق، وعلى متاع لم يسرق، وعلى مركب لم يغرق. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: خواص أسماء أهل الكهف تنفع لتسعة أشياء للطلب والهرب ولطفء الحريق: تكتب على خرقة وترمى في وسط النار تطفأ بإذن اللّه تعالى، ولبكاء الطفل، والحمى المثلثة، وللصداع تشد على العضد الأيمن، ولأم الصبيان، وللركوب في البر والبحر، ولحفظ المال، ولنماء العقل، ونجاة الآثمين اهـ.\rقوله: إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي: غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم ومن غير رد عليهم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي: لا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال مسترشد فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن غيره مع أنه لا علم لهم بها ولا سؤال متعنت يريد فضيحة المسؤول وتزييف ما عنده، فإنه يخل بمكارم الأخلاق اهـ بيضاوي.\rقوله: (من أهل الكتاب اليهود) الأولى عدم التقييد باليهود كما لم يقيد باليهود غيره، بل الأولى التقييد بالنصارى كما يؤخذ من القرطبي ونصه: روي أنه عليه الصلاة والسّلام سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السؤال، وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم اهـ.\rقوله: (و سأله أهل مكة) أي: بإرشاد اليهود لهم حيث قالوا لهم: سلوه عن الروح، وأصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي بضعة عشر يوما حتى شق عليه وكذبته قريش الخ اهـ بيضاوي.\rقوله: (فنزل) أي: بعد أن انقطع عنه الوحي خمسة عشر يوما، وقيل: أربعين يوما تأديبا له صلّى اللّه عليه وسلّم، فشق ذلك عليه جدا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لأجل شيء) أي: شيء تقدم عليه وتهتم به، وقيل: اللام بمعنى في. أي: في شأن شيء اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي: لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالتعليق بالمشيئة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قيل إنه استثناء منقطع وموضع أن يشاء اللّه نصب على وجهين، أحدهما: على الاستثناء والتقدير: لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء اللّه أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد.","part":4,"page":409},{"id":1430,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 410\rتعالى بأن تقول إن شاء اللّه وَاذْكُرْ رَبَّكَ أي مشيئته معلقا بها إِذا نَسِيتَ التعليق بها ويكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول قال الحسن وغيره ما دام في المجلس وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوتي رَشَداً (24) هداية وقد فعل اللّه والثاني: هو حال، والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء اللّه، وحذف القول كثير وجعل إلا أن يشاء في معنى إن شاء، وهو مما حمل على المعنى. وقيل: التقدير إلا بأن يشاء اللّه أي ملتبسا بقول إن شاء اللّه اهـ.\rوالمعنى إلا أن تذكر مشيئة اللّه، فليس إلا أن يشاء اللّه من القول الذي نهى عنه اهـ.\rقوله: (ملتبسا) أخذه من الباء المقدرة الداخلة على أن أي إلا بأن يشاء اللّه، فهذه الباء المقدرة للملابسة انتهى شيخنا.\rقوله: (أي مشيئته) قال البيضاوي: ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك، أو اذكره إذا اعتراك النسيان لتذكر المنسي اهـ بيضاوي.\rقوله: (و يكون ذكرها بعد النسيان الخ) روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما نزلت الآية قال: «إن شاء اللّه» اهـ بيضاوي.\rقوله: (ما دام في المجلس) أي: أن ذكرها يفيد التعليق ما دام الشخص في المجلس الذي ذكر فيه ما يعلق فما دام في المجلس، وذكر المشيئة يفيد ذكرها التعليق، ولو انفصل عن الكلام السابق بطويل من الزمان اهـ شيخنا.\rوعبارة جمع الجوامع وشرحه للمحلي: ويجب اتصاله أي الاستثناء بمعنى الدال عليه بالمستثنى منه عادة فلا يضر انفصاله بتنفس أو سعال. وعن ابن عباس يجوز انفصاله إلى شهر، وقيل: سنة، وقيل: أبدا روايات عنه. وعن سعيد بن جبير يجوز انفصاله إلى أربعة أشهر، وعن عطاء والحسن يجوز انفصاله في المجلس، وعن مجاهد يجوز انفصاله إلى سنتين. وقيل: يجوز انفصاله ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز انفصاله بشرط أن ينوى في الكلام، لأنه مراد أولا. وقيل: يجوز انفصاله في كلام اللّه تعالى فقط لأنه تعالى لا يغيب عنه الشيء فهو مراد له أولا بخلاف غيره، والأصل فيما روي عن ابن عباس ونحوه كما روي عنه قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أي إذا نسيت قول إن شاء اللّه، ومثله الاستثناء وتذكرت فاذكره ولم يعين وقتا، فاختلفت الآراء فيه على ما تقدم من غير تقييد بنسيان توسعا اهـ.\rقوله: (في الدلالة) متعلق بأقرب، وفي البيضاوي: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ يدلني رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً لأقرب رشدا وأظهر دلالة على أني نبي من نبأ أصحاب الكهف، وقد هداه لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعد عنه أيامهم والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، أو لأقرب رشدا وأدنى خبرا من المنسي اهـ.","part":4,"page":410},{"id":1431,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 411\rتعالى ذلك\rوَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ بالتنوين سِنِينَ عطف بيان لثلاثمائة وهذه السنون الثلاثمائة عند أهل الكتاب شمسية وتزيد القمرية عليها عند العرب تسع سنين وقد ذكرت في ويؤخذ من صنيعه وصنيع الجلال أن هذا أي قوله: وَقُلْ عَسى الخ مرتبط في المعنى بقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ [الكهف: 13] الخ. والمعنى: فإذا بلغتهم خبر أهل الكهف الذي قصصناه عليك فلا تقتصر عليه، بل اطلب من اللّه أن يؤتيك معجزات أوضح وأظهر منه في الدلالة على نبوتك، كانشقاق القمر، وتكليم الضب وغير ذلك. وفي القرطبي: ما يقتضي أن قوله قُلْ عَسى الخ تفسير لقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ونصه: واختلف في الذكر المأمور به فقيل: هو قوله قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً. قال محمد الكرخي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن وأنها كفارة لنسيان الاستثناء اهـ.\rقوله: رَشَداً أشار الشارح إلى أنه مفعول مطلق حيث فسره بهداية وهو ملاق لعامله في المعنى، وأشار أبو السعود إلى أنه تمييز لأقرب حيث قال: لأقرب أي لشيء أقرب من هذا رشدا أي إرشادا للناس ودلالة على ذلك اهـ.\rقوله: (قد فعل اللّه تعالى ذلك) حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك اهـ كرخي.\rقوله: وَلَبِثُوا أي: أقاموا أياما وهذا إخبار من اللّه عن مدة لبثهم ردا على أهل الكتاب المختلفين فيها، فقال بعضهم: ثلاثمائة وبعضهم ثلاثمائة وتسع، والسنون عندهم شمسية، فهذان القولان غير ما أخبر اللّه به من أنها ثلاثمائة وتسع يعني قمرية، ولكن القول الأول يرجع لهذا كما بينه الشارح بقوله: (و هذه السنون الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: (عطف بيان) ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة يجر، وجره بالإضافة والتنوين مانع منها، نعم قرئ في السبعة بالإضافة، وعليه فسنين تمييز غير أنه قليل لأن تمييز المائة الكثير فيه الإفراد كما قال:\rومائة والألف للفرد أضف ... ومائة بالجمع نزرا قد ردف\r\rاه شيخنا.\rوقوله: (و هذه) مبتدأ شمسية خبر.\rقوله: وَازْدَادُوا أي أهل الكهف وتسعا مفعول به، وازداد افتعل أبدلت التاء دالا بعد الزاي وكان متعديا لاثنين نحو: زدناهم هدى، فلما بني على الافتعال نقص واحد، وقرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية عنه بفتح التاء كعشر اهـ سمين.\rوتسعا على حذف مضاف أي لبث تسع قاله أبو علي اهـ قرطبي.\rقوله: (أي تسع سنين) فحذف المميز لدلالة ما تقدم عليه إذ لا يقال عندي ثلاثمائة درهم وتسعة إلا وأنت تعني تسعة دراهم، ولو أردت ثيابا ونحوها لم يجز لأنه إلغاز اهـ سمين.","part":4,"page":411},{"id":1432,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 412\rقوله وَازْدَادُوا تِسْعاً (25) أي تسع سنين فالثلاثمائة الشمسية ثلاثمائة وتسع قمرية\rقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ممن اختلفوا فيه وهو ما تقدم ذكره لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي علمه أَبْصِرْ بِهِ قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي بالزمن الذي لبثوه في نومهم قبل بعثهم وموتهم، فإن قلت:\rبعد ما بين اللّه تعالى مدة لبثهم بقوله (ثلاثمائة الخ) ما وجه قوله اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا قلت: المراد أن اللّه أعلم بحقيقة ذلك وكيفيته وهو بعد الاخبار عنه إشارة إلى أنه بإخبار اللّه لا من عنده صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما احتمال كون السنين شمسية أو قمرية، وكون التسع سنين أو شهورا أو أياما فليس بشيء اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: وقال بعضهم: إنه لما قال وازدادوا تسعا لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام، فاختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمر اللّه تعالى يرد العلم إليه في التسع فهي على هذا مبهمة، لكن ظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام. قال القشيري: لا يفهم من التسع تسع ليال ولا تسع ساعات لوجود لفظ السنين، كما تقول: عندي مائة درهم وخمسة والمفهوم منه خمسة دراهم، وقال الضحاك: لما أنزلت وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ قالوا سنين أم شهورا أم أياما، فأنزل اللّه عز وجل سنين. وحكى النقاش ما معناه: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر التسع إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، ونحوه ذكره القونوي أي باختلاف سني الشمس والقمر لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة، فيكون في ثلاثمائة تسع سنين اهـ.\rثم قال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا قيل بعد موتهم إلى نزول القرآن فيهم على قول مجاهد، أو إلى أن ماتوا على قول الضحاك، أو إلى وقت تغيرهم بالبلاء على قول بعضهم، وقيل: بما لبثوا في الكهف وهي المدة التي ذكرها اللّه تعالى ردا على اليهود إذ ذكروا زيادة ونقصانا أي لا يعلم علم ذلك إلا اللّه تعالى اهـ.\rثم قال: اختلف في أصحاب الكهف هل ماتوا وفنوا أو هم نيام وأجسادهم محفوظة، فروي عن ابن عباس أنه مرّ بالشام في بعض غزواته مع ناس على موضع الكهف وجبله، فمشى الناس معه إليه فوجدوا عظاما فقالوا: هي عظام أهل الكهف، فقال لهم ابن عباس: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحدا من العرب يعرف هذا، فقيل له: هذا ابن عم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم. وروت فرقة، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ليحجن عيسى ابن مريم ومعه أصحاب الكهف، فإنهم لم يحجوا بعد» ذكره ابن عيينة. قلت: ومكتوب في التوراة والإنجيل أن عيسى ابن مريم عبد اللّه ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجا أو معتمرا أو يجمع اللّه له ذلك، فيجعل اللّه حواريه أصحابه الكهف والرقيم فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا. وقد ذكرنا هذا الخبر بكماله في كتاب التذكرة، فعلى هذا هم نيام لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة، بل يموتون قبل الساعة اهـ.\rقوله: (ممن اختلفوا) أي: من أهل الكتاب وهو بيان للمفضل عليه. قوله: أَبْصِرْ بِهِ صيغة تعجب بمعنى ما أبصره على سبيل المجاز والهاء للّه تعالى، وفي مثل هذا ثلاثة مذاهب. الأصح أنه بلفظ الأمر ومعناه الخبر، والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفضل، والثاني: أن الفاعل ضمير المصدر، والثالث: أنه ضمير المخاطب أي أوقع الإسماع والإبصار أيها المخاطب أي حصلهما،","part":4,"page":412},{"id":1433,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 413\rأي باللّه هي صيغة تعجب وَأَسْمِعْ به كذلك بمعنى ما أبصره وما أسمعه وهما على جهة المجاز والمراد أنه تعالى لا يغيب عن بصره وسمعه شيء ما لَهُمْ لأهل السماوات والأرض مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ ناصر وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) لأنه غني عن الشريك\rوَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27) ملجأ\rوَاصْبِرْ نَفْسَكَ احبسها مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ بعبادتهم وَجْهَهُ تعالى لا شيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء وَلا تَعْدُ تنصرف عَيْناكَ عَنْهُمْ عبر بهما عن صاحبهما تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ وقيل: هو أمر حقيقة لا تعجب وإن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام، والمعنى عليه أبصر به أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور وأسمع به العالم، وقرأ عيسى أسمع وأبصر فعلا ماضيا والفاعل اللّه تعالى، وكذلك الهاء في به أي أبصر عباده وأسمعهم اهـ سمين مع بعض زيادة من القرطبي.\rقوله: (على جهة المجاز) لأن التعجب استعظام أمر خفي سببه واللّه لا يخفى عليه شيء، وقوله:\r(و المراد أنه إلى آخره) أي المراد الإخبار بما ذكروا إن كان أصل التعجب للإنشاء، فالكلام من قبيل استعمال الإنشاء في الخبر اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ذكر بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عما عليه إدراك السامعين والمبصرين إذ لا يحجبه شيء ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفي وجلي اهـ.\rقوله: مِنْ وَلِيٍ مبتدأ مؤخر أو فاعل بالظرف اهـ سمين.\rقوله: فِي حُكْمِهِ أي: قضائه. أي: لا تجعل فيه مدخلا لغيره اهـ بيضاوي.\rقوله: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ أي لا تلتفت لقولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله. أي: اقرأه واتبع ما فيه واعمل به اهـ شيخنا.\rقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا مغير للقرآن، ولا يقدر أحد أن يتوصل إليه بتغيير أو تبديل اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي: لا قادر على تبديله وتغييره غيره اهـ.\rقوله: (ملجأ) أي ملتجأ تعدل إليه إن هممت بالتبديل للقرآن اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: قال أبو عبيدة: ألحد إلحادا جادل وماري، ولحد جار وظلم، وألحد في الحرم بالألف استحل حرمته وانتهكها، والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ اهـ.\rقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ في المختار: الصبر حبس النفس عن الجزع وبابه ضرب، وصبره حبسه. قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ اهـ.\rقوله: (احبسها) أي: فهذه الآية أبلغ من التي في الأنعام، لأنه في تلك نهى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن طردهم، وفي هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم اهـ كرخي.\rقوله: مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي: يعبدونه. قوله: (تنصرف) عَيْناكَ الخ أشار به إلى","part":4,"page":413},{"id":1434,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 414\rأَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي القرآن وهو عيينة بن حصن وأصحابه وَاتَّبَعَ هَواهُ في الشرك وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) إسرافا\rوَقُلِ له ولأصحابه هذا القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ جواب ما يقال حق الكلام لا تعد عينيك بالنصب، لأن تعد متعد بنفسك والتلاوة بالرفع فما وجهه؟\rوإيضاحه: أن التلاوة تؤول إلى معنى النصب إذا كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين، وهو في الحقيقة متوجه لصاحبهما، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقوله: تُرِيدُ مضارع في موضع الحال، وهو نهي له صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يرده، وليس هو بأكبر من قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] الخ وإن كان أعاذه من الشرك، وإنما هو على فرض المحال اهـ كرخي.\rقوله: عَنْهُمْ أي إلى غيرهم اهـ خازن.\rوقوله: تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا. أي: تطلب مجالسة الأغنياء والاشراف وصحبة أهل الدنيا، والجملة حال من الكاف والشرط موجود، وهو أن المضاف جزء من المضاف إليه اهـ.\rقوله: (هو عيينة بن حصن) أي: الفزاري أتى النبي قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم سلمان وعليه شملة صوف قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه، فقال عيينة للنبي: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها، إن أسلمنا تسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا اهـ خازن.\rوتقدم أن هذه الآية مدنية، فالمراد من الآية نهي النبي أن يزدري بفقراء المسلمين وتعدو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى طراوة زي الأغنياء اهـ بيضاوي.\rوقيل: نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يخرجون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» اهـ خازن.\rقوله أيضا: (هو عيينة بن حصن) وقد أسلم رضي اللّه عنه وحسن إسلامه وكان في حنين من المؤلفة قلوبهم، فأعطاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منها مائة بعير، وكذلك أعطى الأقرع بن حابس، وأعطى العباس بن مرداس أربعين بعيرا فحصل منه في عتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو مشهور اهـ شيخنا.\rقوله: فُرُطاً يحتمل أن يكون وصفا على فعل، كقولهم: فرس فرط أي متقدم على الخيل، وكذلك هذا أي متقدما على الحق، وأن يكون مصدرا بمعنى التفريط أو الإفراط. قال ابن عطية: الفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع الذي يجب أن يلزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف اهـ سمين.\rوالظاهر أنه مصدر أفرط كما في المختار، وعبارته: وأفرط في الأمر جاوز فيه الحد اهـ.\rوعليه فيكون مصدرا سماعيا لا قياسيا. وفي المختار أيضا: وأمر فرط بضمتين أي مجاوز فيه الحد ومنه قوله تعالى: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً اهـ.","part":4,"page":414},{"id":1435,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 415\rتهديد لهم إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ أي الكافرين ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ما أحاط بها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ كعكر الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ من حره إذا قرب إليها بِئْسَ الشَّرابُ هو ثم قال: وفرط إليه منه قول سبق وبابه نصر اهـ.\rومن هذا المعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «التوبة النصوح الندم على الذنب حين يفرط منك» اهـ.\rقوله: وَقُلِ (له) أي لمن أغفلنا قلبه، وهو عيينة بن حصن الفزاري الذي أمرك باجتناب الفقراء، وقوله: الْحَقُ خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح بقوله: (هذا القرآن) أي المشتمل على أمري بصحبتهم بقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَمَنْ شاءَ أي فمن شاء أن يؤمن بالقرآن فليؤمن به، ومن شاء أن يكفر به فليكفر به.\rوقوله: (تهديد لهم) أي تخويف وردع لا تخيير وإباحة، وقوله: أَعْتَدْنا أي أعددنا وهيأنا، وقوله:\r(ما أحاط به) وهو حائط من نار ضربت على النار كالسور، وقوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا أي يطلبوا الإنقاذ من شدة العطش، والياء منقلبة عن واو إذ الأصل يستغوثوا فنقلت كسرة الواو للساكن قبلها، ثم قلبت ياء لمناسبة الكسرة، وقوله: يُغاثُوا فيه مشاكلة إذ لا إغاثة لهم بالماء المذكور، بل إتيانهم به وإلجاؤهم لشربه غاية الاضرار، والإغاثة هي الإنقاذ من الشدة فكأنه قال: يضروا ويعذبوا بماء الخ وعبر عن هذا الإضرار بالإغاثة مشاكلة لقوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا أَعْتَدْنا راجع لقوله: وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ راجع لقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ فهو لف ونشر مشوش اهـ شيخنا.\rقوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها في محل نصب صفة لنار أو السرادق قيل: ما أحاط بشيء كالمضرب والخباء، وقيل: للحائط المشتمل على شيء سرادق قاله الهروي، وقيل: هو الحجرة تكون حول الفسطاط، وقيل: هو ما يمد على صحن الدار، وقيل: كل بيت من كرسف فهو سرادق، وقال الراغب: السرادق فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا اهـ سمين.\rوفي المختار: السرادق مفرد والجمع سرادقات الذي يمد فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق. يقال: بيت مسردق اهـ.\rقوله: (كعكر الزيت) العكر: بفتحتين الدردي أي ما بقي في أسفل الإناء، ووجه المشابهة الثخن والرداءة في كل، والعكر من باب طرب يقال: عكر يعكر عكرا فيستعمل العكر مصدرا ويستعمل في الدردي اهـ شيخنا.\rوقيل: العكر ما أذيب من الجواهر كالنحاس والرصاص اهـ سمين.\rوفي المختار: والعكر بفتحتين دردي الزيت وغيره، وقد عكرت المسرجة من باب طرب اجتمع فيه الدردي، وعكر الشراب والماء والدهن آخره وخاثره، وقد عكر فهو عكر وأعكره غيره تعكيرا جعل غيه العكر اهـ.","part":4,"page":415},{"id":1436,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 416\rوَساءَتْ أي النار مُرْتَفَقاً (29) تمييز منقول عن الفاعل أي قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة\rوَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً وإلا فأي ارتفاق في النار إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) الجملة خبر إن الذين وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم أي نثيبهم بما تضمنه\rأُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ قيل من زائدة وقيل للتبعيض وهي جمع أسورة كأحمرة جمع سوار مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ قوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ الشي الإنضاج بالنار من غير إحراق اهـ شيخنا.\rقوله: بِئْسَ الشَّرابُ المخصوص بالذم محذوف تقديره هو أي ذلك الماء المستغاث به اهـ سمين.\rقوله: (أي قبح مرتفقها) أي: فحول الإسناد إلى النار ونصب مرتفقا على التمييز مبالغة وتأكيدا، لأنه ذكر الشيء مبهما ثم مفسرا أوقع في النفس من أن يفسر أولا، وأعربه بعضهم مصدرا بمعنى الارتفاق اهـ كرخي.\rقوله: (و هو مقابل) أي ذكره على سبيل المقابلة والمشاكلة لما سيأتي في الجنة، فعبّر عن الإضرار والعذاب بالمرتفق الذي هو المنتفع به أو نفس الانتفاع على سبيل المشاكلة، لقوله:\rوَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً وقوله: (و إلّا) أي وإلّا نقل إنه مشاكلة بل على سبيل الحقيقة، فلا يصح لأنه لا ارتفاق في النار بل فيها العذاب والضرر، فإن الشرطية مدغمة في لا النافية وكل من الشرط والجزاء محذوف والاستفاهم الانكاري تعليل للجزاء المحذوف كما علمت اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً متكأ وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 416\r\rفي البيضاوي: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً متكأ وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد اهـ.\rقوله: (و فيها إقامة الظاهر مقام المضمر) أي: والرابط ذلك الظاهر لأنه بمعنى الموصول الذي هو اسم إن. وفي السمين: قوله: إِنَّا لا نُضِيعُ يجوز أن يكون خبر إن الذين، والرابط تكرر الظاهر بمعناه وهو قول الأخفش، ومثله في الصلة جائز. ويجوز أن يكون الرابط محذوفا أي منهم، ويجوز أن يكون الرابط العموم، ويجوز أن يكون الخبر قوله: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ ويكون قوله: إِنَّا لا نُضِيعُ اعتراضا، ويجوز أن يكون الجملتان أعني قوله: إِنَّا لا نُضِيعُ، وقوله: لَهُمْ جَنَّاتُ خبرين لإن عند من يرى جواز ذلك، أعني تعدد الخبر وإن لم يكونا في معنى خبر واحد، وقرأ الثقفي: لا نضيع بالتشديد عداه بالتشديد كما عداه الجمهور بالهمزة اهـ.\rقوله: (أي نثيبهم) تفسير لقوله لا نُضِيعُ، وقوله (بما تضمنه) أي بثواب تضمنه أولئك إلى قوله: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً فقوله: أُولئِكَ الخ فاعل بتضمنه، وقد اشتمل هذا القول على خمسة أنواع من الثواب، الأول: لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ. الثاني: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الخ. الثالث: يُحَلَّوْنَ فِيها. الرابع: وَيَلْبَسُونَ ثِياباً الخ. الخامس: مُتَّكِئِينَ فِيها الخ اهـ شيخنا.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ أي: تحت مساكنهم اهـ.\rقوله: (قيل من زائدة) أي: بدليل سقوطها في سورة هل أتى وحلوا أساور من فضة اهـ شيخنا.","part":4,"page":416},{"id":1437,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 417\rسُنْدُسٍ ما رقّ من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ ما غلظ منه، وفي آية الرحمن بطائنها من استبرق مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة وهي السرير في الحجلة وهي بيت يزين بالثياب والستور للعروس نِعْمَ الثَّوابُ الجزاء الجنة وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31)\r* وَاضْرِبْ اجعل لَهُمْ للكفار مع قوله: (و هي جمع أسورة) فهي أي أساور جمع الجمع. وقوله: (كأحمرة) جمع حمار اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ ذَهَبٍ بيانية. وجاء في آية أخرى من فضة، وفي أخرى من ذهب ولؤلؤ فيلبسون الأساور الثلاثة، فيكون في يد الواحد منهم سوار من ذهب، وآخر من فضة، وآخر من لؤلؤ اهـ شيخنا.\rوفي تذكرة القرطبي: ما نصه: ويسور المؤمن في الجنة بثلاث أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. فذلك قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.* قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وفي الصحيح: تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء اهـ.\rفعلم من هذا أن كلا من هذه الآية، ومن آية هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الإنسان: 1] ومن آية الحج، ومن آية فاطر فيه الاخبار ببعض ما يحلون به فتأمل. قوله: وَيَلْبَسُونَ عطف على يحلون، وبني الفعل في التحلية للمفعول إيذانا بكرامتهم، وأن غيرهم يفعل بهم ذلك ويزينهم به بخلاف اللبس، فإن الإنسان يتعاطاه بنفسه وقدم التحلي على اللباس لأنه أشهى للنفس اهـ سمين.\rقوله: مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ هما جمع سندسة واستبرقة، وقيل: ليسا جمعين، وهل استبرق عربي الأصل مشتق من البريق، أو معرب أصله استبره خلاف بين اللغويين اهـ سمين.\rقوله: (من الديباج) أي: الحرير. قوله: (بطائنها) أي: الفرش فيقاس عليها اللباس الذي الكلام فيه، فظهارة الكل من سندس، وبطانته من استبرق سيأتي للشارح في سورة هَلْ أَتى [الإنسان: 1] فالاستبرق بطانة ثيابهم، والسندس ظهارتها اهـ شيخنا.\rقوله: مُتَّكِئِينَ فِيها حال عاملها محذوف. أي: ويجلسون متكئين أي: متربعين ومضطجعين، وقوله: (في الحجلة) بفتحتين في محل نصب على الحال أي: فإن لم يكن فيها فلا يقال لها أريكة بكل سرير فقط، وقوله: (للعروس) يستعمل في الرجل والمرأة، فيقال: رجل عروس وامرأة عروس، لكن الجمع مختلف. فيقال: رجال عرس بضمتين ونساء عرائس اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: والأريكة: كسفينة سرير في حجلة، أو كل ما يتكأ عليه من سرير ومنصه وفراش أو سرير متخذ مزين في قبة أو بيت، فإن لم يكن فيه سرير فهو حجلة والجمع أرائك اهـ.\rقوله: نِعْمَ الثَّوابُ أي: بأنواعه الخمسة المتقدمة، والثواب فاعل والمخصوص بالمدح محذوف ذكره بقوله الجنة اهـ شيخنا.\rقوله: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً أي: منتفعا ومسكنا ومنزلا اهـ شيخنا.\rقوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ قيل: نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم، وهما","part":4,"page":417},{"id":1438,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 418\rالمؤمنين مَثَلًا رَجُلَيْنِ بدل وهو وما بعده تفسير للمثل جَعَلْنا لِأَحَدِهِما الكافر جَنَّتَيْنِ بستانين مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (32) يقتات به\rكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ كلتا مفرد يدل على التثنية أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان مؤمنا، وأخوه الأسود بن عبد الأسد وكان كافرا.\rوقيل: هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه، وشبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهودا في قول ابن عباس، وقيل: تمليخا، والآخر كافر واسمه قيطوس، وهما اللذان وصفهما اللّه في سورة الصافات بقوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات:\r51] الخ. وكانت قصتهما على ما ذكره عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بني دارا بألف دينار فقال هذا: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة وأنفق عليها ألف دينار، فقال هذا: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار، فقال هذا اللهم إني أشتري منك خدما ومتاعا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف، فجلس على طريق حتى مرّ به في خدمه وحشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه، فقال: فلان، قال: نعم. فقال: ما شأنك؟\rقال: أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير. قال: فما فعلت بمالك وقد اقتسمنا مالا وأخذت شطره؟ فقص عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده فقضي عليهما فتوفيا فنزل فيهما: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: 51]. وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أمواله، فنزل فيهما: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ الخ اهـ خازن.\rقوله: (بدل) هذا غير متعين، بل يصح أن يكون مفعولا ثانيا لا ضرب، فقد تقدم في سورة البقرة أن ضرب مع المثل يجوز أن يتعدى لاثنين اهـ سمين.\rويؤيده ما سيأتي في هذا الشارح عن قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: 45] الخ اهـ.\rقوله: مِنْ أَعْنابٍ جمع عنب، والعنبة الحبة، وقوله: وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ أي: جعلنا النخل حولهما أي محيطا بكل منهما اهـ.\rوفي البيضاوي: وجعلنا النخل محيطة بهما مؤزرا بها كرومهما. يقال: حفه القوم إذا طافوا به، وحففنه بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولا ثانيا، وقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً أي ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والتركيب الأنيق اهـ بحروفه.\rقوله: (مفرد) أي: وقد روعي هذا الافراد في قوله: آتَتْ وروعيت التثنية المعنوية في قوله:\rوَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وو قوله مبتدأ أي: وهو مضاف، والجنتين مضاف إليه اهـ.","part":4,"page":418},{"id":1439,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 419\rمبتدأ آتَتْ خبره أُكُلَها ثمرها وَلَمْ تَظْلِمْ تنقص مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا أي شققنا خِلالَهُما نَهَراً (33) يجري بينهما\rوَكانَ لَهُ مع الجنتين ثَمَرٌ بفتح الثاء والميم وبضمهما وبضم الأول وسكون الثاني وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب وبدنة وبدن فَقالَ لِصاحِبِهِ المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ يفاخره أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (34) عشيرة\rوَدَخَلَ جَنَّتَهُ بصاحبه يطوف به فيها ويريه أثمارها ولم يقل جنتيه إرادة للروضة وقيل اكتفاء بالواحد وَهُوَ ظالِمٌ وفي الكرخي: قوله: (مفرد) يدل على التثنية أشار به إلى المطابقة بين المبتدأ الذي هو كلتا، وخبره آتت فهو مفرد. وكذا كلتا مفرد حملا على لفظها وإن كان معناها التثنية، وجاءت هنا على الكثير وهو مراعاة لفظها دون معناها اهـ.\rقوله: آتَتْ أُكُلَها الخ هذا كناية عن تمامها ونموها دائما وأبدا، فليست على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها في بعض السنين وينقص في بعض، فقوله: وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي: في بعض السنين بل في كل سنة يأتي ثمرها واقيا، وأكلها بضم الكاف وسكونها سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: وَفَجَّرْنا أي: شققنا خِلالَهُما الخ. وقوله: وَكانَ لَهُ أي لأحدهما ثمر المراد به أمواله التي من غير الجنتين كالنقد والمواشي. سمي ثمرا لأنه يثمر أي يزيد اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: مأخوذ من ثمر ماله بالتشديد إذا كثره اهـ.\rوفي المصباح: الثمر بفتحتين والثمرة مثله، فالأول: مذكر ويجمع على ثمار مثل جبل وجبال، ثم يجمع الثمار على ثمر مثل كتاب وكتب، ثم يجمع على أثمار مثل عنق وأعناق. والثاني: مؤنث والجمع ثمرات مثل قصبة وقصبات والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة وسواء أكل أو لا. فيقال:\rثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل، كما يقال: ثمر النخل وثمر العنب. قال الأزهري:\rوأثمر الشجر أطلع ثمره أول ما يخرجه فهو مثمر ومن هنا قيل لما لا نفع فيه ليس له ثمرة اهـ.\rقوله: (بفتح الثاء والميم الخ) القراءات الثلاثة سبعية، وقوله: (و هو جمع ثمرة) بفتحتين أي:\rعلى كل واحد من الأوجه الثلاثة فالمفرد لا يختلف حاله اهـ شيخنا.\rقوله: فَقالَ لِصاحِبِهِ الخ حاصل ما قاله الكافر من القول الشنيع ثلاث مقالات، الأولى: أنا أكثر منك مالا الخ. الثاني: ودخل جنته الخ. الثالث: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً الخ. وقد تعقبه المؤمن في الثلاثة على سبيل اللف والنشر المشوش فوبخه على الأخيرة بقوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ الخ. ووعظه ونصحه على الثانية بقوله: وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ الخ. وفرعه على الأولى بقوله:\rفَعَسى رَبِّي الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (يفاخره) أي يراجعه في الكلام الذي فيه الافتخار اهـ.\rوالجملة حالية مبينة، إذ لا يلزم من القول المحاورة إذ المحاورة مراجعة الكلام من حار أي رجع قال تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ويجوز أن يكون حالا من الفاعل أو من المفعول اهـ سمين.\rقوله: (و يريه آثارها) أي: بهجتها وحسنها. وفي بعض النسخ أثمارها اهـ شيخنا.","part":4,"page":419},{"id":1440,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 420\rلِنَفْسِهِ بالكفر قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ تنعدم هذِهِ أَبَداً (35)\rوَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي في الآخرة على زعمك لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (36) مرجعا\rقالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ يجاوبه أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ لأن آدم خلق منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ منيّ ثُمَّ سَوَّاكَ عدلك قوله: (إرادة للروضة) عبارة الشهاب: وإفراد الجنة مع أن له جنتين لنكتة، وهي بأن الإضافة تأتي لما تأتي له اللام فالمراد بها العموم والاستغراق أي: كل ما هو جنة له ينتفع بها فيفيد ما أفادته التثنية مع زيادة وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه، ولذا عبر بالموصول الدال على العموم فيما هو معهود انتهى.\rقوله: وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ حال من فاعل دخل ولنفسه مفعول ظالم واللام مزيدة فيه لكون العامل فرعا، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في ظالم أي: وهو ظالم في حال كونه قائلا، ويجوز أن يكون مستأنفا بيانا لسبب الظلم وهو الأحسن اهـ سمين.\rقوله: (قائمة) أي: كائنة وحاصلة اهـ بيضاوي.\rقوله: (على زعمك) أي: وإلّا فهو ينكر البعث اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وهذا جواب لما قيل كيف؟ قال: للكافر ذلك وهو ينكر البعث، ونظيره قوله في فصلت: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [فصلت: 50] وعبّر هنا برددت وثم برجعت توسعة في التعبير عن الشيء بمتساويين. والسبب في وقوعه في هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه الجاه والمال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقا له، والاستحقاق باق بعد الموت، فوجب حصول العطاء، والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في الأكثر للاستدراج كما مرت الإشارة إليه اهـ.\rقوله: لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها قرأ أبو عمرو والكوفيون منها بالإفراد نظرا إلى أقرب مذكور وهو قوله: (جنته) وهي في مصاحف العراق بدون ميم، والباقون منهما بالتثنية نظرا إلى الأصل في قوله:\r(جنتين) وكلتا الجنتين، ورسمت في مصاحف الحرمين والشام بالميم فكل قد وافق رسم مصحفه اهـ سمين.\rقوله: (مرجعا) إشارة إلى أنه تمييز وهو اسم مكان عن الانقلاب بمعنى الرجوع، وأن المراد عاقبة المآل لأن خيريته تتحقق بذلك اهـ شهاب.\rوفي البيضاوي: منقلبا أي مرجعا وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه لاستئهاله له واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما يلقاه اهـ.\rقوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي الخ استفهام توبيخ وتقريع أي: لا ينبغي ولا يليق منك الكفر بالذي خلقك الخ. وفي البيضاوي: أكفرت بالذي خلقك من تراب لأنه أصل مادتك أو مادة أصلك، ثم من نطفة فإنها مادتك القريبة، ثم سواك رجلا، ثم عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعل كفره بالبعث كفرا باللّه لأن منشأه الشك في كمال قدرة اللّه، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر أن يعيده منه اهـ.","part":4,"page":420},{"id":1441,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 421\rوصيرك رَجُلًا (37)\rلكِنَّا أصله لكن أنا نقلت حركة الهمزة إلى النون أو حذفت الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها هُوَ ضمير الشأن تفسيره الجملة بعده والمعنى أنا أقول اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38)\rوَلَوْ لا هلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ عند إعجابك بها هذا ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا قوله: رَجُلًا فيه وجهان، أحدهما: أنه حال وجاز ذلك وإن كان غير منتقل ولا مشتق، لأنه جاء بعد سواك إذ كان من الجائز أن يسويه غير رجل، وهو كقولهم: خلق اللّه الزرافة يديها أطول من رجليها. والثاني: أنه مفعول ثان لسواك لتضمنه معنى صيرك وجعلك، وهو ظاهر كلام الحوفي اهـ سمين.\rقوله: لكِنَّا الاستدراك من أكفرت كأنه قال: أنت كافر باللّه لكن أنا مؤمن به اهـ بيضاوي.\rويرسم في النون ألف كما في خط المصحف الإمام، ولذلك جميع القراء إذا وقفوا وقفوا بالألف وإن كانوا عند الوصل بعضهم يثبتها وبعضهم يحذفها اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: لكنا هو اللّه ربي، قرأ ابن عامر بإثبات الألف وصلا ووقفا، والباقون بحذفها وصلا وبإثباتها وقفا، فالوقف وفاق. وإعراب ذلك أن يكون أنا مبتدأ وهو مبتدأ ثان وهو ضمير الشأن، واللّه مبتدأ ثالث ربي خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط بين الأول وخبره الياء في ربي، ويجوز أن تكون الجلالة بدلا من هو أو نعتا أو بيانا إذا جعل هو عائدا على ما تقدم من قوله: بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ لا على أنه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك وليس بالبين اهـ.\rقوله: (أو حذفت الهمزة) أي: من غير نقل. فعلى هذا النون على أصلها من السكون وقوله: (ثم أدغمت الخ) هذا على الوجه الثاني ظاهر، لأن النون ساكنة والمدغم يكون ساكنا، وأما على الوجه الأول فلا تدغم إلا بعد تسكينها، فقوله بالنسبة إليه ثم أدغمت النون أي بعد تسكينها اهـ شيخنا.\rقوله: (ضمير الشأن) فهو مبتدأ والجملة بعده خبره، ولا تحتاج لرابط لأنها عينه وهو معها خبر عن أنا والرابط الياء من ربي اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ لو لا: داخلة على قوله قلت، وقوله: إِذْ دَخَلْتَ ظرف لقلت مقدم عليه، وقوله: ما شاءَ اللَّهُ ما موصولة والعائد محذوف وهي خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح، والجملة مقول القول أي: هلا قلت هذا أي ما عليه الجنة من الحسن والنضارة ما شاء اللّه أي:\rالذي شاءه اللّه أي كان ينبغي لك أن تقول هذا الأمر هو الذي شاءه اللّه فترده لخالقه ولا تفتخر به، لأنه ليس من صنعك، وقوله: لا قُوَّةَ الخ من جملة مقول القول أي كان ينبغي لك أن تقول هاتين الجملتين، وهذا نصح من المؤمن للكافر وتوبيخ له على قوله عند دخول جنته معجبا ما أظن أن تبيد هذه أبدا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ. لولا: تحضيضية داخلة على قلت، وإذ دخلت منصوب بقلت فصل به بين لو لا وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك لأنه ليس بأجنبي، وقد عرفت أن حرف التحضيض إذا دخل على الماضي كان للتوبيخ. قوله: ما شاءَ اللَّهُ يجوز في ما وجهان،","part":4,"page":421},{"id":1442,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 422\rبِاللَّهِ وفي الحديث: «من أعطي خيرا من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه لم ير فيه مكروها» إِنْ تَرَنِ أَنَا ضمير فصل بين المفعولين أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (39)\rفَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ جواب الشرط وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً جمع حسبانة أي صواعق مِنْ أحدهما: أن تكون شرطية فتكون في محل نصب مفعولا مقدما والجواب محذوف أي: ما شاء اللّه كان ووقع. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي وفيها حينئذ وجهان، أحدهما: أن تكون مبتدأ وخبرها محذوف أي الذي شاءه اللّه كائن وواقع. والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر تقديره الأمر الذي شاءه اللّه وعلى كل تقدير فهذه الجملة في محل نصب بالقول اهـ.\rقوله: (فيقول عند ذلك) بالنصب وبالجزم لكن بالجزم يمنع منه هنا صورة الرسم، وهذا على حد قول ابن مالك:\rوجزم أو نصب لفعل أثرفا ... أو واو أن بالجملتين اكتنفا\r\rقال الأشموني: ويمتنع الرفع أنه لا يصح الاستئناف بين الشرط والجزاء اهـ شيخنا.\rقوله: ما شاءَ اللَّهُ أي: هذا الذي أعطيته هو الذي شاءه اللّه وأراده لا بحولي وقوتي اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ تَرَنِ الخ هذا من المؤمن رد لقول الكافر أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، وكلّا من قوله إِنْ تَرَنِ وقوله أَنْ يُؤْتِيَنِ رسم بدون ياء لأنها من ياءات الزوائد، وأما في النطق فبعض السبعة يثبتها وبعضهم يحذفها، وقوله: (ضمير فصل الخ) أي: على كل من إثبات الياء في النطق وحذفها فيه، فقوله: (بين المفعولين) أي الموجودين أو الموجود والمحذوف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ. يجوز في أنا وجهان، أحدهما: أن يكون مؤكدا لياء المتكلم. والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، وأقل: مفعول ثان أو حال بحسب الوجهين في الرؤية هل هي بصرية أو علمية إلا أنك إذا جعلتها بصرية تعين في أنا أن يكون توكيدا لا فصلا، لأن شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر أو ما أصله المبتدأ والخبر، وقرأ عيسى بن عمر أقل بالرفع ويتعين أن يكون مبتدأ وأقل خبره، والجملة إما في موضع المفعول الثاني، وإما في موضع الحال على ما تقدم في الرؤية ومالا وولدا تمييزان وجواب الشرط قوله فَعَسى رَبِّي اهـ.\rقوله: فَعَسى رَبِّي هذا رجاء من المؤمن وقوله: أَنْ يُؤْتِيَنِ الخ يحتمل أن مراده في الدنيا ويحتمل أن مراده في الآخرة، لكن الاحتمال الأول يكون الكافر أشد غيظا وحسرة اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع حسبانة) المراد أنه اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء اهـ شهاب.\rوعبارة الرخي: قوله: (جمع حسبانة) أشار به إلى أن المراد بالحسبان مرام من السماء، وهي مثل الصاعقة أي قطع من نار الواحدة: حسبانة، وهذا حكاه في الكشاف بلفظ: قيل: وقدم عليه أن الحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أو مقدار قدره اللّه وحسبه وهو الحكم بتخريبها.\rوقال الزجاج: عذاب حسبان وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك اهـ وهو حسن.","part":4,"page":422},{"id":1443,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 423\rالسَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أرضا ملساء لا يثبت عليه قدم\rأَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً بمعنى غائرا عطف على يرسل دون تصبح لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) حيلة تدركه بها\rوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ بأوجه الضبط السابقة مع جنته بالهلاك فهلكت فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ندما وتحسرا عَلى ما أَنْفَقَ فِيها في عمارة جنته وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها دعائمها للكرم بأن سقطت ثم سقط الكرم وَيَقُولُ يا للتنبيه لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)\rوَلَمْ تَكُنْ قوله: صَعِيداً فسره بقوله أرضا، وقوله: زَلَقاً أي مزلقة، وفسره بقوله ملساء لا يثبت عليها قدم اهـ شيخنا.\rوفي اللغة من جملة معاني الصعيد وجه الأرض اهـ وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها وأشجارها بالذهاب والإهلاك فلم يبق له أثر اهـ بيضاوي.\rقوله: (بمعنى غائرا) أي: ذاهبا في الأرض، وأشار به إلى أن غورا مصدر وصف به مبالغة وهو بمعنى الفاعل أي ذاهبا لا سبيل إليه اهـ كرخي.\rقوله: (لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق) أي: المفسر بها الحسبان. قال أبو حيان: إلا إن عنى بالحسبان القضاء الإلهي، فحينئذ يتسبب عنه إصباح الجنة صعيدا زلقا أو إصباح مائها غورا اهـ كرخي.\rقوله: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي أمواله كالنقد والمواشي، وهذا راجع لقوله: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ وهو معطوف على محذوف أي: فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء وأحيط بثمره بالهلاك أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: (بأوجه الضبط السابقة) أي: الثلاثة المتقدمة فهي قراءات سبعية هنا كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَصْبَحَ أي: صار وقوله: عَلى ما أَنْفَقَ يجوز أن يتعلق بيقلب، وإنما عدي بعلى لأنه ضمن معنى يندم. وقوله: فِيها في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل يقلب أي متحسرا كذا قدره أبو البقاء وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي إنما هو كون مطلق اهـ.\rقوله: وَهِيَ خاوِيَةٌ جملة حالية، وقوله: وَيَقُولُ معطوف على يقلب اهـ شيخنا.\rوقوله: عَلى عُرُوشِها في المصباح: والعرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه الثمام، والجمع عروش مثل فلس وفلوس، والعريش مثله وجمعه عرش بضمتين كبريد وبرد، وعريش الكرم ما يعمل مرتفعا يمتد عليه الكرم والجمع عرائش أيضا اهـ.\rوفي الشهاب: العروش جمع عرش وهو ما يصنع ليوضع عليه الكرم فإذا سقط سقط ما عليه.\rقوله: (دعائمها) دعامة للكرم أي المتخذة للكرم أي لأجل نصبه عليها، والكرم شجر العنب ودعائمه الخشب ونحوه الذي ينصب ليمد عليه الكرم اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي الخ يحتمل أنه قال ذلك توبة، ويحتمل أنه قاله تحسرا على تلف المال، وهذا هو الأقرب إذ يؤيده قوله: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ الخ إذ لو تاب فسلم لكان المؤمنون أنصارا له اهـ شيخنا.","part":4,"page":423},{"id":1444,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 424\rبالتاء والياء لَهُ فِئَةٌ جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عند هلاكها وَما كانَ مُنْتَصِراً (43) عند هلاكها بنفسه\rهُنالِكَ أي يوم القيامة الْوَلايَةُ بفتح الواو النصرة وبكسرها الملك لِلَّهِ الْحَقِ بالرفع صفة الولاية وبالجر صفة الجلالة هُوَ خَيْرٌ ثَواباً من ثواب غيره لو كان يثيب وَخَيْرٌ عُقْباً (44) بضم القاف وسكونها عاقبة للمؤمنين ونصبهما على التمييز\rوَاضْرِبْ صير لَهُمْ لقومك مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا مفعول أول كَماءٍ مفعول ثان أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ تكاثف بسبب نزول الماء نَباتُ الْأَرْضِ أم امتزج الماء بالنبات فروي وحسن فَأَصْبَحَ صار النبات قوله: (بالتاء والياء) سبعيتان وهذا مرتبط بقوله السابق وأعز نفرا اهـ شيخنا.\rقوله: يَنْصُرُونَهُ أي: بدفع الهلاك عنها أو برد الهالك منها أو برد مثله عليه، وقوله: وَما كانَ مُنْتَصِراً أي قادرا على واحد من هذه الأمور بنفسه اهـ شيخنا.\rقوله: هُنالِكَ إما خبر مقدم وقوله: الْوَلايَةُ مبتدأ مؤخر ويكون الوقف على منتصرا وهذه جملة مستقلة، وإما معمول لمنتصرا فالوقف عليه أي على هنالك، وقوله: الْوَلايَةُ لِلَّهِ جملة من المبتدأ وخبره مستأنفة وقد أجاز الوجهين السمين اهـ شيخنا.\rقوله: (و بكسرها الملك) أي: القهر والسلطنة اهـ شيخنا.\rقوله: (بالرفع) وقوله: (و بالجر) كل منهما راجع لفتح الواو وكسرها، فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: خَيْرٌ ثَواباً أي: إثابة أي إعطاء للثواب، وقوله: (للمؤمنين) متعلق بثوابا وعقبا اهـ شيخنا.\rقوله: وَخَيْرٌ عُقْباً يعني: أن عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير إثابة وعاقبة اهـ خازن.\rقوله: (بضم القاف وسكونها) سبعيتان. قوله: (صير) أي اذكر وقرر، وقوله: مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي صفتها وحالها وهيئتها كماء أي كصفة وحال وهيئة ماء الخ فالمشبه هيئة الدنيا بهيئة المذكور اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي صفتها كماء أي شبه ماء، وجملة أَنْزَلْناهُ الخ صفة ماء اهـ.\rقوله: (تكاثف) أي: غلظ والتف بعضه على بعض اهـ.\rقوله: (و امتزج الماء بالنبات) وعلى هذا كان حق التركيب أن يقال فاختلط بنبات الأرض، لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته اهـ بيضاوي.\rوفي الشهاب: ولما كان الاختلاط اجتماع شيئين متداخلين وصدق على كل منهما أنه مختلط ومختلط به، لكن في عرف اللغة والاستعمال تدخل الباء على الكثير الغير الطارىء، فلذا جعل هذا من","part":4,"page":424},{"id":1445,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 425\rهَشِيماً يابسا متفرقة أجزاؤه تَذْرُوهُ تنثره وتفرقه الرِّياحُ فتذهب به المعنى: شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح، وفي قراءة الرياح وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (45) قادرا\rالْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتجمل بهما فيها وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي سبحان اللّه والحمد القلب، ولما كان القلب مقبولا إذا كان فيه نكتته أشار إلى نكتته بعد ما بين المصحح له، وهو أن كلّا منهما مختلط ومختلط به وهي المبالغة في كثرة الماء حتى كأنه الأصل الكثير، فالمراد بالعكس في كلامه القلب، وقد عرفت أن قوله: لما كان الخ بيان للمصحح، وقوله: (للمبالغة) بيان للمرجح فلا وجه لما قيل إنه لا فائدة في الجمع بينهما اهـ.\rقوله أيضا: (أو امتزج) هذا تفسير آخر فمعنى اختلط امتزج والباء على هذا للتعدية وعليه ففي العبارة قلب إذا الفاعل في الآية النبات وفي حل المعنى الماء فتأمل اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: والمشبه به ليس الماء وحده بل الكيفية المنتزعة من الجملة وهي حال النبات الحاصل من الماء يكون أخضر وارقا ثم هشيما تفرقه الرياح فيصير كأن لم يكن اهـ.\rقوله: (فروي) يقال: روي بكسر الواو يروى بفتحها كرضي يرضى، والمصدر روي بكسر الراء وفتح الواو كرضا وريا بكسر الراء وتشديد الياء وريا بفتح الراء وتشديد الياء أي ارتوى اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَصْبَحَ هَشِيماً أي: مهشوما مكسرا اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: والهشيم واحده هشمية وهو اليابس، وقال ابن قتيبة: كل ما كان رطبا فيبس فهو هشيم اهـ.\rقوله: (و تفرقه) عطف تفسير. قوله: (المعنى) أي: معنى المثل كما قاله ابن جزى، وقوله:\r(شبه) فاعله اللّه وعبارة بعضهم: المعنى أنه تعالى شبه الخ اهـ شيخنا.\rويصح أن يكون المراد المعنى أي معنى اضرب الخ. ويكون شبه فعل أمر أي شبه يا محمد لقومك الدنيا بنبات الخ. قوله: (و في قراءة) أي سبعية الريح. قوله: (قادرا) لو قال كامل القدرة كما يؤخذ من الصيغة لكان أظهر اهـ شهاب.\rقوله: الْمالُ وَالْبَنُونَ الخ القصد من هذا الرد عليهم في الافتخار بالمال والبنين كقول بعضهم لبعض المؤمنين: أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، وهذا إشارة إلى قياس حذفت كبراه ونتيجته ونظمه هكذا المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما هو زينتها فهو هالك غير باق ينتج المال والبنون هالكان، ثم يقال: وكل ما هو هالك فلا يفتخر به فالمال والبنون لا يفتخر بهما اهـ شيخنا.\rقوله: زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا مصدر فصح الإخبار به عن الاثنين وهو بمعنى المفعول كما أشار له بقوله (يتجمل بهما فيها) اهـ شيخنا.\rقوله: (هي سبحان اللّه الخ) سيأتي في سورة مريم أن يفسرها بالطاعات اهـ.\rوعبارة البيضاوي: والباقيات الصالحات أي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الأبد، ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس، وأعمال الحج، وصيام رمضان، وسبحان اللّه،","part":4,"page":425},{"id":1446,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 426\rللّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر زاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا باللّه خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) أي ما يأمله الإنسان ويرجوه عند اللّه تعالى\rوَاذكر يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ يذهب بها عن وجه الأرض فتصير هباء منبثا، وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب الجبال وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ظاهرة ليس عليها شيء من جبل ولا غيره وَحَشَرْناهُمْ المؤمنين والكافرين فَلَمْ نُغادِرْ نترك مِنْهُمْ أَحَداً (47)\rوَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا حال أي مصطفين كل أمة صف، ويقال لهم لَقَدْ جِئْتُمُونا والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، والكلام الطيب اهـ.\rقوله: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً التفضيل ليس على بابه لأن زينة الدنيا ليس فيها خيرا أو هو على بابه من حيث زعم الجهال أن زينة الدنيا فيها خير اهـ كرخي.\rقوله: (أي ما يأمله الإنسان) هذا هو المناسب لقوله: أَمَلًا ففعله من باب طلب، وهذا في كثير من النسخ وفي بعضها يؤمله وهو غير مناسب لأملا في الآية، وإنما يناسبه التأميل اهـ شيخنا.\rوقوله: (و يرجوه) عطف تفسير. قوله: (فتصير هباء) أي غبارا منبثا أي: مفرقا كما سيأتي للشارح في سورة الواقعة اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بالنون.\rقوله: وَتَرَى الْأَرْضَ بصرية. قوله: (و لا غيره) أي: من بناء وأشجار أو بحار وحيوان غير ذلك اهـ.\rقوله: وَحَشَرْناهُمْ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه ماض مرادا به المستقبل أي ونحشرهم وكذلك وعرضوا ووضع الكتاب. والثاني: أن تكون الواو للحال والجملة في محل نصب أي نفعل التسيير في حال حشرهم ليشاهدوا تلك الأهوال. والثالث: قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاء وحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعانوا تلك الأهوال العظام، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. قال الشيخ: والأولى أن تكون الواو للحال اهـ سمين.\rقوله: فَلَمْ نُغادِرْ عطف على حشرناهم فإنه ماض معنى والمغادرة هنا بمعنى الغدر وهو الترك أي: فلم نترك والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدرا لأن به ترك الوفاء وغدير الماء وذلك لأن السيل غادره أي تركه فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على غدر وغدران كرغف ورغفان واستغدر الغدير صار فيه الماء والغدير الشعر الذي نزل حتى طال، والجمع غدائر اهـ سمين.\rقوله: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ أي: كعرض الجند على السلطان ليقضي بينهم لا ليعرفهم اهـ كرخي.\rوقوله: صَفًّا حال من مرفوع عرضوا وأصله المصدرية يقال فيه صف يصف صفا ثم يطلق على الجماعة المصطفين، واختلف هنا في صفا هل هو مفرد وقع موقع الجمع إذ المراد صفوفا. وفي حديث آخر: أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون، وقيل: ثم حذف أي صفا صفا، ومثله","part":4,"page":426},{"id":1447,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 427\rكَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي فرادى حفاة عراة غرلا، ويقال لمنكري البعث بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ ن مخففة من الثقيلة أي أنه نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48) للبعث\rوَوُضِعَ الْكِتابُ كتاب كل امرىء في يمينه من قوله في موضع: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] وقال: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ: 38] يريد صفا صفا بدليل الآية الآخرى، فكذلك هنا. وقيل: بل كل الخلائق يكونون صفا واحدا وهو أبلغ في القدرة، وأما الحديثان فيحملان على اختلاف الأحوال لأنه يوم طويل كما يشهد له قوله: كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفا واحدا، وتارة يكونون صفوفا اهـ سمين.\rوعبارة القرطبي: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا صفا نصب على الحال. قال مقاتل: يعرضون صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة كل أمة وزمرة صف لا أنهم صف واحد، وقيل: جميعا كقوله: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [طه: 64] أي جميعا، وقيل: قياما. وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن اللّه تبارك وتعالى ينادي بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي أنا اللّه لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. أحضروا حجتكم ويسروا جوابكم فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب» قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية ولم يذكره كثير من المفسرين. وقد كتبناه في كتاب التذكرة اهـ.\rقوله: (و يقال لهم) أي: على سبيل التقريع والتوبيخ. قوله: كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي:\rمجيئنا بكم مشابه لخلقكم الأول حفاة عراة غرلا لا مال ولا ولد، وقال الزمخشري: لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة، فعلى هذين التقديرين يكون نعتا للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه يكون حالا من ضمير اهـ سمين.\rقوله: (أي فرادى) أي: عن المال والبنين وقوله: (غرلا) جمع أغرل أي غير مختونين اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَّنْ نَجْعَلَ أن هي المخففة من الثقيلة وفصل بينها وبين خبرها لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاء بحرف النفي، ولكم يجوز أن يكون مفعولا ثانيا للجعل بمعنى التصيير وموعدا هو الأول، ويجوز أن يكون معلقا بالجعل أو يكون حالا من موعدا إذا لم يجعل الجعل تصييرا بل بمعنى مجرد الإيجاد، وبل في قوله: بَلْ زَعَمْتُمْ لمجرد الانتقال من غير إبطال اهـ سمين.\rقوله: (مخففة من الثقيلة الخ) صنيعه يقتضي أن نون أن ثابتة رسما فتكون مقطوعة من لن وهو يخالف ما ذكره ابن الجزري في مقدمته، وما ذكره شارحوه من أن لن نجعل هذه موصولة أي لا ترسم فيها نون تأمل.\rقوله: (أي أنه) أي الحال والشأن وقوله: مَوْعِداً أي زمانا ومكانا تبعثون فيه اهـ شيخنا.\rقوله: وَوُضِعَ الْكِتابُ العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن علي على بنائه للفاعل وهو اللّه أو الملك والكتاب منصوب مفعولا به، والمراد بالكتاب جنس الكتب، إذ من المعلوم أن لكل إنسان كتابا","part":4,"page":427},{"id":1448,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 428\rالمؤمنين وفي شماله من الكافرين فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ الكافرين مُشْفِقِينَ خائفين مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ عند معاينتهم ما فيه من السيئات يا للتنبيه وَيْلَتَنا هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً من ذنوبنا إِلَّا أَحْصاها عدها وأثبتها، تعجبوا منه في ذلك وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً مثبتا في كتابهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) لا يعاقبه بغير جرم ولا ينقص من ثواب مؤمن\rوَإِذْ منصوب باذكر قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود انحناء لا وضع جبهة تحية له فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ قيل هم نوع من الملائكة يخصه، وقد تقدم الوقف على مال هذا الكتاب وكيف فصلت لام الجر من مجرورها خطا في سورة النساء عند قوله: فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ [النساء: 78] الآية. ولا يغادر جملة حالية من الكتاب والعامل الجار والمجرور لقيامه مقام الفعل أو الاستقرار الذي تعلق به الجار اهـ سمين.\rقوله: (للتنبيه) عبارة البيضاوي: ينادون هلكتهم الخ اهـ.\rونداؤها على تشبيهها بشخص يطلب إقباله كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وفيه تقريع لهم وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك وطلبوا هلاكهم لئلا يروا ما هم فيه اهـ شهاب.\rقوله: (هلكتنا) أي هلاكنا.\rقوله: ما لِهذَا الْكِتابِ ما مبتدأ ولهذا الكتاب خبره أي أي شيء ثبت لهذا الكتاب حال كونه لا يغادر الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا أَحْصاها في محل نصب صفة لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني لأن يغادر بمعنى يترك ويترك قد يتعدى لاثنين اهـ سمين.\rقوله: (عدها وأثبتها) وهذا لا ينافي إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية، إذ لا يلزم من العد عدم التكفير إذ يجوز أن تكتب الكبائر ليشاهدها العبد يوم القيامة، ثم تكفر عنه فيعلم قدر نعمة العفو عليه اهـ كرخي.\rقوله: (تعجبوا) أشار به إلى أن الاستفهام للتعجب وقوله: (منه) أي من الكتاب، وقوله: (في ذلك) أي في الإحصاء المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: (لا يعاقبه بغير جرم) وإنما سمي هذا ظلما بحسب عقولنا لو خليت ونفسها ولو فعله اللّه لم يكن ظلما في حقه لأنه لا يسأل عما يفعل اهـ شيخنا.\rقوله: (تحية له) أي: تعظيما له، وهذا معمول لقوله اسْجُدُوا.\rقوله: إِلَّا إِبْلِيسَ أي: فلم يسجد والوقف هنا، وقوله: كانَ مِنَ الْجِنِ مستأنف في معنى التعليل لمفاد الاستثناء كأنه قيل: وإنما لم يسجد لأنه كان من الجن، ففسق عن أمر ربه، فقوله:\rفَفَسَقَ الخ من جملة التعليل اهـ شيخنا.","part":4,"page":428},{"id":1449,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 429\rفالاستثناء متصل وقيل هو منقطع وإبليس هو أبو الجن فله ذرية ذكرت معه بعد والملائكة لا ذرية لهم فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعته بترك السجود أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ الخطاب لآدم وذريته والهاء في الموضعين لإبليس أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي تطيعونهم وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ أي وفي السمين: ففسق السببية في الفاء ظاهرة تسبب عن كونه من الجن الفسق اهـ.\rقوله: (قيل هم نوع من الملائكة) وعلى هذا القول فقد نقل عن ابن عباس أن هذا النوع يتوالد وليس معصوما، وقوله: (فالاستثناء متصل). قيل في توجيه الاتصال إن كان بمعنى صار أي صيره اللّه ومسخه من الملكية إلى الجنية، وقوله: (و إبليس) الخ توجيه للانقطاع، وقوله: (فله ذرية) تفريع على كونه أبا إذ الأب يستلزم ابنا، وقوله: (بعد) أي في قوله ذريته وقوله: (و الملائكة) الخ من جملة التعليل اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ أي: أبعد ما وجد منه ما وجد تتخذونه والهمزة للإنكار والتعجيب، وقوله:\rأَوْلِياءَ مِنْ دُونِي أي فستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي اهـ بيضاوي.\rقوله: وَذُرِّيَّتَهُ يجوز في الواو أن تكون عاطفة وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى مع ومن دوني يجوز تعلقه بالاتخاذ وبمحذوف على أنه صفة لأولياء اهـ سمين.\rقال مجاهد: من ذرية إبليس لاقس وولهان وهما صاحبا الطهارة والصلاة اللذان يوسوسان فيهما، ومن ذريته مرة وبه يكنى، وزلنيور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع، وبتر وهو صاحب المصائب يزين خدش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجيزة المرأة، ومطروس وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلا، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسم ولم يذكر اللّه دخل معه اهـ خازن.\rوفي القرطبي: واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه؟ فقال الشعبي: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات، فهذه أصل ذريته، وقيل: إن اللّه خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي فخذه اليسرى فرجا فهو ينكح هذه بهذه، فيخرج له كل يوم عشر بيضات يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة، فهو يفرخ ويطير وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذريته أعوانه من الشياطين. قال القشيري أبو نصر: وبالجملة؛ فإن اللّه تعالى أخبر بأن لإبليس أتباعا وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم، ولم يثبت عندنا علم بكيفية التوالد منهم وحدوث الذرية من إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح اهـ.\rقوله: (تطيعونهم) أي: بدل طاعتي وفيه إشارة إلى أن المراد بالولاية هنا اتباع الناس لهم فيما يأمرونهم به من المعاصي، فالموالاة مجاز عن هذا لأنه من لوازمها فلا يرد كيف قال ذلك، مع أن الشيطان وذريته ليسوا أولياء بل أعداء لأن الأولياء هم الأصدقاء، ومن دوني يجوز تعلقه بالاتخاذ أو","part":4,"page":429},{"id":1450,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 430\rأعداء حال بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) إبليس وذريته في طاعتهم بدل إطاعة اللّه\r* ما أَشْهَدْتُهُمْ أي إبليس وذريته خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ أي لم أحضر بعضهم خلق بعض وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ الشياطين عَضُداً (51) أعوانا في الخلق فكيف تطيعونهم\rوَيَوْمَ منصوب باذكر يَقُولُ بالياء والنون نادُوا شُرَكائِيَ الأوثان الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ليشفعوا لكم بزعمكم فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ لم يجيبوهم وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين الأوثان وعابديها مَوْبِقاً (52) واديا من أودية جهنم يهلكون فيه جميعا وهو من وبق بالفتح هلك\rوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أي أيقنوا أَنَّهُمْ بمحذوف على أنه صفة لأولياء، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (حال) أي: من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححا لكل من الوجهين وهو الرابط اهـ سمين.\rقوله: لِلظَّالِمِينَ متعلق ببدلا الواقع تمييزا للفاعل المستتر، وقوله: (إبليس وذريته) بيان للمخصوص بالذم المحذوف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بدلا فاعل بئس مضمر مفسر بتمييزه، والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس البدل إبليس وذريته، وللظالمين متعلق بمحذوف حال من بدلا. وقيل: متعلق بفعل الذم اهـ.\rقوله: ما أَشْهَدْتُهُمْ أي إبليس وذريته، وأما أشهدت الملائكة فكيف يعبدونهم، وأما أشهدت الكفار فكيف ينسبون إلى ما لا يليق بجلالي، أو ما أشهدت جميع الخلق. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والسختياني في آخرين ما أشهدناهم على التعظيم اهـ سمين.\rقوله: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ فيه وضع الظاهر موضع المضمر، إذ المراد بالمضلين من انتفى عنهم إشهاد خلق السموات والأرض اهـ سمين.\rقوله: عَضُداً أصل العضد العضو الذي هو من المرفق إلى الكتف، ففي الكلام استعارة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والعضد من الإنسان وغيره معروف ويعبر به عن المعين والناصر. يقال: فلان عضدي ومنه سنشد عضدك بأخيك أي: سنقوي نصرتك ومعونتك اهـ.\rقوله: (بالياء) أي: مناسبة لقوله: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف: 48] وقوله: (و النون) مناسبة لقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الخ والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مفعولاه محذوفان، أي زعمتموهم شركاء، وقوله: فَدَعَوْهُمْ الخ المعنى على الاستقبال كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: (ليشفعوا لكم) متعلق بنادوا. قوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي: مشتركا بينهم موبقا يجتمعون فيه كما تفهم من قوله (يهلكون فيه جميعا) اهـ شيخنا.\rقوله: (من وبق بالفتح) في القاموس: وبق كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا هلك وكمجلس","part":4,"page":430},{"id":1451,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 431\rمُواقِعُوها أي واقعون فيها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53) معدلا\rوَلَقَدْ صَرَّفْنا بينا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ صفة لمحذوف أي مثلا من جنس كل مثل ليتعظوا وَكانَ الْإِنْسانُ أي الكافر أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) خصومة في الباطل وهو تمييز منقول من اسم كان، المعنى وكان جدل الإنسان أكثر شيء فيه\rوَما مَنَعَ النَّاسَ أي كفار مكة أَنْ يُؤْمِنُوا مفعول ثان إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى القرآن وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ فاعل أي سنتنا فيهم وهي الإهلاك المقدر عليهم المهلك والموعد والحبس واد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين وأوبقه حبسه أو أهلكه اهـ.\rوفي أبي السعود: وجعلنا بينهم أي بين الداعين والمدعوين موبقا اسم مكان أو مصدر من وبق وبوقا كوثب وثوبا أو وبق وبقا كفرح فرحا إذا هلك أي مهلكا يشتركون فيه وهو النار اهـ.\rوفي القرطبي: قال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم، وقال ابن عباس: أي جعلنا بين المؤمنين والكفار حاجزا، وقيل: بين الأوثان وعبدتها نحو قوله تعالى: فَزَيَّلْنا [يونس: 28] قال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق اهـ.\rقوله: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ أي عاينوها من مسيرة أربعين عاما اهـ شيخنا.\rقوله: (معدلا) أي مكانا يحلون فيه غيرها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: مصرفا أي معدلا، والمصرف يجوز أن يكون اسم مكان أو زمان، قال أبو البقاء:\rمصرفا أي انصرافا، ويجوز أن يكون مكانا اهـ.\rقوله: (أي مثلا) أي معنى غريبا بديعا يشبه المثل في غرابته وقوله (من جنس) كل مثل أي جنس كل معنى غريب يشبه المثل اهـ شيخنا.\rقوله: (منقول) أي محول من اسم كان. قوله: (أكثر شيء فيه) أي الإنسان.\rقوله: وَيَسْتَغْفِرُوا معطوف على يؤمنوا. قوله: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي إلا إتيان سنة الأولين، والكلام على حذف المضاف أي إلا انتظارهم وطلبوا أي كفار مكة إتيانهم وبقولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ. إلّا: طلب وانتظار أو تقديم أن تأتيهم سنة الأولين وهو الاستئصال، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو يأتيهم العذاب عذاب الآخرة قبلا عيانا. وقرأ الكوفيون قبلا بضمتين وهو لغة فيه أو جمع قبيل بمعنى أنواع، وقرئ بفتحتين وهو أيضا لغة يقال لقيته مقابلة وقبلا وقبلا وقفلا وانتصابه على الحال من الضمير أو العذاب اهـ.\rوفي الكرخي: وإنما احتيج إلى حذف المضاف، إذ لا يمكن جعل إتيان سنة الأولين مانعا عن إيمانهم، فإن المانع يقارن الممنوع وإتيان العذاب متأخر عن عدم إيمانهم بمدة كثيرة اهـ.\rقوله: (و هي الهلاك) أي بعذاب الاستئصال، وقوله: (المقدر) أي في الأزل عليهم أي الأولين اهـ شيخنا.","part":4,"page":431},{"id":1452,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 432\rأَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (55) مقابلة وعيانا وهو القتل يوم بدر، وفي قراءة بضمتين جمع قبل أي أنواعا\rوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ للمؤمنين وَمُنْذِرِينَ مخوفين للكافرين وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ بقولهم أبعث اللّه بشرا رسولا ونحوه لِيُدْحِضُوا بِهِ ليبطلوا بجدالهم الْحَقَ القرآن وَاتَّخَذُوا آياتِي أي القرآن وَما أُنْذِرُوا به من النار هُزُواً (56) سخرية\rوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ما عمل من الكفر والمعاصي إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً قوله: أَوْ يَأْتِيَهُمُ أي الناس.\rقوله: وَيُجادِلُ مستأنف فالوقف على ومنذرين والذين فاعل أي ويجادل الكفار، والمفعول محذوف أي المرسلين، وحينئذ فتفسير الحق بالقرآن فيه قصور، فكان الأولى تفسيره بضد الباطل ليشمل جميع الشرائع، وكذا يقال في قوله: وَاتَّخَذُوا آياتِي فالأولى أن يراد بها معجزات الرسل الأعم من القرآن اهـ شيخنا.\rقوله: (و نحوه) بالنصب أي نحو قولهم المذكور كقولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [إبراهيم:\r10] اهـ شيخنا.\rقوله: لِيُدْحِضُوا متعلق بيجادل، والإدحاض: الإزلاق. يقال: أدحض قدمه أي أزلقها وأزلها من موضعها، والحجة الداحضة التي لا ثبات لها، والدحض: الطين لأنه يزلق فيه ومكان دحض عن هذا اهـ سمين.\rوفي المختار: دحضت حجته بطلت وبابه خضع وأدحضها اللّه، ودحضت رجله زلقت وبابه قطع، والإدحاض الإزلاق اهـ.\rقوله: وَما أُنْذِرُوا (به) أشار إلا أن ما بمعنى الذي والعائد محذوف. قال أبو حيان: ويصح كون ما مصدرية أي وإنذارهم فلا تحتاج إلى عائد، وعلى التقديرين فهو عطف على آياتي وهزوا مفعول ثان أو حال اهـ كرخي.\rوقوله: (من النار) بيان لما. أي: والذي أنذروا وخوفوا به وهو النار اهـ شيخنا.\rقوله: هُزُواً يقرأ بالواو وبالهمز سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: مِمَّنْ ذُكِّرَ قد روعي لفظ من في خمسة ضمائر هذا أولها، وروعي معناها في خمسة أولها قوله عَلى قُلُوبِهِمْ اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَعْرَضَ عَنْها أي لم يتدبرها وهو بالفاء الدالة على التعقيب، لأن ما هنا في الأحياء من الكفار فإنهم ذكروا فأعرضوا عقيب ما ذكروا، وقاله في السجدة بثم الدالة على التراخي لأن ما هناك في الأموات من الكفار فإنهم ذكروا مرة بعد أخرى ثم أعرضوا بالموت فلم يؤمنوا، والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم كما أشار إليه اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّا جَعَلْنا الخ بمنزلة التعليل لقوله: فَأَعْرَضَ وَنَسِيَ اهـ شيخنا.","part":4,"page":432},{"id":1453,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 433\rأغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ أي من أن يفهموا القرآن، أي فلا يفهمونه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا فلا يسمعونه وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أي بالجعل المذكور أَبَداً (57)\rوَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ في الدنيا بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ فيها بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم القيامة لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) ملجأ\rوَتِلْكَ الْقُرى أي أهلها كعاد وثمود وغيرهما أَهْلَكْناهُمْ قوله: أَكِنَّةً جمع كنان كزمام وأزمة وأصله أكننة كأزممة نقلت حركة النون إلى الكاف قبلها ثم أدغمت في التي بعدها اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: أنه جمع كن أيضا ونصه: والكن بالكسر وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما والجمع أكنان وأكنة اهـ.\rقوله: (فلا يسمعونه) أي سماع انتفاع. قوله: إِذاً أي إذا دعوتهم أنت، وقوله: (أي بالجعل) أي بسببه.\rقوله: لَوْ يُؤاخِذُهُمْ يصح أن يكون مستأنفا وأن يكون خبرا ثالثا اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ أي: عذاب الاستئصال. قوله: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ يجوز في الموعد أن يكون مصدرا أو زمانا أو مكانا، والموئل المرجع من وأل يئل أي رجع وهو من التأويل، وقال الفراء: الموئل المنجا وألت نفسه أي نجت، وقال ابن قتيبة: الموئل الملجأ يقال وأل فلان إلى فلان وألّا وؤولا إذا لجأ إليه وهو هنا مصدر ومن دونه متعلق بالوجدان لأنه متعد لواحد أو بمحذوف على أنه حال من موئلا اهـ سمين.\rوفي المصباح: وأل إلى اللّه يئل من باب وعد التجأ وباسم الفاعل سمي، ومنه وائل بن حجر وهو صحابي، وسحبان بن وائل. ووأل رجع، وإلى اللّه الموئل أي المرجع اهـ.\rقوله: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ أي من دون اللّه أو العذاب، والثاني أولى وأبلغ لدلالته على أنهم لا ملجأ لهم، فإن من يكون ملجؤه العذاب كيف يرى وجه الخلاص اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أهلها) غرضه تقديره مضاف في المبتدأ أي وأهل تلك القرى أهلكناهم الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وتلك القرى يجوز أن يكونا مبتدأ وخبرا، وأهلكناهم حينئذ إما خبر ثان أو حال، ويجوز أن يكون تلك مبتدأ والقرى صفتها أو بيان لها أو بدل منها، وأهلكناهم هو الخبر، ويجوز أن يكون تلك منصوب المحل بفعل مقدر على الاشتغال، والضمير في أهلكناهم عائد على أهل المضاف إلى القرى، إذ التقدير وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف فأعاد عليه الضمير وتقدم ذلك في أول الأعراف، ولما يجوز أن تكون حرفا وأن تكون ظرفا وقد عرف ما فيها اهـ.\rقوله: أَهْلَكْناهُمْ أي في الدنيا لما ظلموا أي وقت أن ظلموا، وقوله: وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ أي في الآخرة مَوْعِداً هو يوم القيامة.","part":4,"page":433},{"id":1454,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 434\rلَمَّا ظَلَمُوا كفروا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ لإهلاكهم وفي قراءة بفتح الميم أي لهلاكهم مَوْعِداً (59)\rوَاذكر إِذْ قالَ مُوسى هو ابن عمران لِفَتاهُ يوشع بن نون كان يتبعه ويخدمه ويأخذ منه العلم لا أَبْرَحُ لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ملتقى بحر الروم وبحر فارس قوله: وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً أي جعلنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم اهـ بيضاوي.\rقوله: لِمَهْلِكِهِمْ بضم الميم اسم مصدر لأهلك لكنه على زنة اسم المفعول، فلذلك قال الشارح أي لإهلاكهم وهو مضاف لمفعوله أي لإهلاكنا إياهم، وقوله: (و في قراءة) أي سبعية وتحتها قراءتان فتح اللام وكسرها، فمجموع القراءات السبع ثلاث ضم الميم مع فتح اللام، وفتح الميم مع فتح اللام، ومع كسرها وعليها فهو مضاف لفاعله اهـ شيخنا.\rقوله: (هو ابن عمران) من سبط لاوي بن يعقوب وقوله: (يوشع بن نون) أي ابن أفراثيم بن يوسف اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: قوله: (هو ابن عمران) هذا هو الأصح كما قاله ابن عباس واحتج القائلون بأنه موسى بن ميشا بأن اللّه تعالى بعد أن أنزل على موسى بن عمران التوراة وكلمه بلا واسطة وخصه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التعلم والاستفادة، وأجيب بأنه لا يبعد أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج في تعلمها إلى من دونه وهو أمر متعارف اهـ.\rوفي القرطبي: والجمهور من العلماء، وأهل التاريخ: أنه موسى بن عمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره، وقالت فرقة منهم نوف البكالي: أنه ليس ابن عمران، وإنما هو موسى بن ميشا ابن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل موسى بن عمران، وقد رد هذا القول ابن عباس كما في صحيح البخاري وغيره وفتاه هو يوشع بن نون، وقد مضى ذكره في المائدة وآخر سورة يوسف اهـ.\rقوله: (كان يتبعه الخ) هذا بيان وجه إضافته لموسى وكان ابن أخته، وقيل: كان عبدا له وقد نبأه الله بعد موت موسى وقاتل الجبارين، وهو الذي ردت إليه الشمس اهـ شيخنا.\rقوله: لا أَبْرَحُ اسمها مستتر وجوبا وخبرها محذوف قدره الشارح بقوله (أسير) أي لا أبرح سائرا، وقوله: حَتَّى أَبْلُغَ الخ غاية لهذا المقدر اهـ شيخنا.\rويحتمل أنها تامة فلا تستدعي خبرا بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه اهـ بيضاوي.\rقوله: (ملتقى بحر الروم الخ) قيل: إن ملتقاهما عند البحر المحيط اهـ خازن.\rوقيل: ملتقى البحرين هو بحر الأردن وبحر القلزم، وقيل: مجمع البحرين عند طنجة. قال محمد بن كعب: وروي عن أبي كعب أنه بإفريقية اهـ من القرطبي.","part":4,"page":434},{"id":1455,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 435\rمما يلي المشرق أي المكان الجامع لذلك أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60) دهرا طويلا في بلوغه إن بعد\rفَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى قوله: (دهرا طويلا) أي زمنا طويلا. وقيل: الحقب ثمانون سنة اهـ خازن.\rوقيل: سنة واحدة بلغة قريش، وقيل: سبعون؛ ويجمع على أحقاب كعنق وأعناق، وفي معناه الحقبة بالكسر وبالضم، وتجمع الأولى على حقب بكسر الحاء كقربة وقرب، والثانية على حقب بضم الحاء كغرفة وغرف وحقبا منصوب على الظرف وهو بمعنى الدهر. وقرأ الحسن حقبا بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفا وأن يكون لغة مستقلة. وقوله: أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً فيه وجهان، أظهرهما: أنه منسوق على أبلغ فالسير مغيى بأحد أمرين إما ببلوغه المجمع أو بمضيه حقبا. والثاني: أنه غاية لقوله لا أَبْرَحُ فيكون منصوبا بإضمار أن بعد أو بمعنى إلى نحو لالزمنك أو تقضيني حقي. قال الشيخ:\rفالمعنى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين إلى أن أمضي زمانا أتيقن معه فوات مجمع البحرين، قلت:\rفيكون الفعل المنفي قد غيي بغايتين مكانا وزمانا فلا بد من حصولهما معا نحو: لأسيرن إلى بيتك إلى الظهر فلا بد من حصول الغايتين، والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زمانا يتيقن فيه فوات مجمع البحرين، وجعل أبو البقاء أو هنا بمعنى إلّا في أحد الوجهين قال: والثاني أنها بمعنى إلا أن أمضي زمانا أتيقن معه فوات مجمع البحرين، وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيح، فأخذ الشيخ هذا المعنى وركبه مع القول بأنها بمعنى إلى المقتضية للغاية فمن ثم جاء الاشكال اهـ سمين.\rوفي المصباح: الحقب: الدهر والجمع أحقاب مثل فعل وأفعال وضم القاف للأتباع لغة، ويقال: الحقب ثمانون عاما والحقبة بمعنى المدة والجمع حقب مثل سدرة وسدر، وقيل: الحقبة مثل الحقب اهـ.\rقوله: (إن بعد) أي: إن لم أدركه أي الجمع أي فلا بد من سيري بلغته أو لم أبلغه اهـ شيخنا.\rقوله: مَجْمَعَ بَيْنِهِما أي بين البحرين وبينهما ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل اهـ بيضاوي. أي: مجمع وصلهما أي تواصلهما واجتماعهما.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بين البحرين) أشار به إلى أن بين هنا ظرفية، وهو الموضع الذي وعد موسى أي يجتمع فيه بالخضر وفيه الصخرة وفيه عين ماء الحياة التي لا يصيب ماؤها ميتا إلا حيي، وقد وقع أنهما لما وضعا حوتهما أصابه شيء من ماء العين فحيي اهـ.\rقوله: نَسِيا حُوتَهُما قيل: كان حوتا كاملا وقيل: نصف حوت وعلى كل فقيل: كان مشويا، وقيل: كان مملحا وقد أكلا منه زمنا طويلا قبل أن يدركا الصخرة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي نسي يوشع حمله) هذا يقتضي أنه كان موجودا والذي سيأتي في الحديث يقتضي أنه كان ذهب في البحر فلا يستطاع حمله، ويقتضي أن المراد بنسيان يوشع نسيانه أن يخبر موسى بما حصل من الحوت اهـ شيخنا.\rثم رأيت في الخازن ما نصه: فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره بالحوت اهـ.","part":4,"page":435},{"id":1456,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 436\rتذكيره فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ أي جعله بجعل اللّه سَرَباً (61) أي مثل السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ له، وذلك أن اللّه تعالى امسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته منه\rفَلَمَّا جاوَزا ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من ثاني وفي البيضاوي: نَسِيا حُوتَهُما نسي موسى أن يطلبه ويتعرف حاله، ونسي يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. روي أن موسى عليه السّلام رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر، وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء، وقيل: نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب اهـ.\rقوله: فَاتَّخَذَ (الحوت) سَبِيلَهُ الاتخاذ قبل النسيان فيكون في الآية تقديم وتأخير كما أشار إلى ذلك الكازروني اهـ شيخنا.\rأي: فأدركته الحياة فتحرك في المكتل فخرج منه وسقط في البحر فاتخذ سبيله الخ اهـ خازن.\rقوله: سَرَباً مفعول ثان لاتخذ، وفي البحر يجوز أن يتعلق باتخذ وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول الأول أو الثاني، والهاء في سبيله تعود على الحوت وكذا المرفوع في اتخذ اهـ سمين.\rقوله: (فانجاب) أي انقطع الماء وانكشف، وقوله: (لم يلتئم) أي لم يلتصق حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه اهـ قاري.\rوفي القرطبي: وجمهور المفسرين: أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغا، وأن موسى مشى عليه متتبعا للحوت حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في شط البحر اهـ.\rقوله: (فبقي) أي صار الماء كالكوة. في المختار: الكوة بالفتح نقب البيت والجمع كوى بالكسر ممدودا ومقصورا، والكوة بالضم لغة وجمعا كوى بالضم والقصر اهـ شيخنا.\rقوله: (و جمد ما تحته منه) أي من الماء اهـ شيخنا.\rوحمد من بابي نصر ودخل خلاف ذاب كما في المصباح، وفي الخازن: قال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا في البحر إلا يبس حتى صار صخرة اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: (و جمد ما تحته منه) وفي الآية تقدم وتأخير ولا عجب في نسيانه هذه المعجزة الغريبة لأنه كان معتادا بمشاهدة معجزاته الغريبة وصار ألفها سببا لقلة اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشيره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه اهـ.\rقوله: (ذلك المكان) أي الذي هو مجمع البحرين، وقوله: (بالسير) حال أي ملتبسين بالسير الخ.","part":4,"page":436},{"id":1457,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 437\rيوم قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا هو ما يؤكل أو النهار لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62) تعبا، وحصوله بعد المجاوزة\rقالَ أَرَأَيْتَ أي تنبه إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ بذلك المكان فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ يبدل من الهاء أَنْ أَذْكُرَهُ بدل اشتمال أي انساني ذكره وَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63) مفعول ثان أي يتعجب منه موسى وفتاه لما تقدم في بيانه قوله: مِنْ سَفَرِنا هذا إشارة إلى السفر الذي وقع بعد مجاوزتهما الموعد أو مجمع البحرين ونصبا: هو المفعول بلقينا، والعامة على فتح النون والصاد، وعبد اللّه بن عبيد بن عمير بضمهما وهما لغتان من لغات أربع في هذه اللفظة كذا قاله أبو الفضل الدارمي في لوامحه اهـ سمين.\rقوله: (و حصوله) أي النصب بعد المجاوزة أي مجاوزة المجمع اهـ.\rقوله: (أي تنبه) أي تذكر واستمع لما ألقيه لك من شأن الحوت. وفي البيضاوي: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا أي أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة يعني الصخرة التي رقد عندها موسى اهـ.\rوقوله: (ما دهاني) أي أصابني إصابة شقت كالداهية. وقال أبو حيان: يمكن أن يكون مما حذف منه المفعولان اختصارا، والتقدير أرأيت أمرنا عاقبته اهـ.\rوما ذكره المصنف حسن غير أنه لم يتعرض لذكر المفعول الأول، وإنما ذكر الجملة الاستفهامية التي هي موضع المفعول الثاني بناء على أن ما استفهامية، ويجوز أن تكون موصولة أو يكون جعل رأى فيه بصرية دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى أأبصرت حالنا إذ أوينا الخ اهـ شهاب.\rومن هذا يعلم أن قوله إِذْ أَوَيْنا ظرف للمحذوف الذي قدره البيضاوي بقوله (ما دهاني) أي أصابني إذ أوينا الخ. أو الذي قدره المحشي بقوله: أأبصرت حالنا إذ أوينا الخ اهـ.\rوعبارة أبي السعود: قال: أي فتاه عليه السّلام أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ أي التجأنا إليها وأقمنا عندها، وذكره الإيواه إليها مع أن المذكور فيما سبق بلوغ مجمع البحرين لزيادة تعيين محل الحادثة، فإن المجمع محل متسع لا يمكن تحقيق المراد المذكور بنسبة الحادثة إليه ولتمهيد العذر، فإن الإيواء إليها والنوم عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة، والرؤية مستعارة للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملة ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السّلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من حياة الحوت من العظائم التي لا تكاد تنسى، وقد جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب، وهذا أسلوب معتاد فيما بين الناس، يقول أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني يريد بذلك تهويله وتعجيب صاحبه منه وأنه مما لا يعهد، وقوعه اهـ.\rقوله: (بذلك المكان) أي: الكائنة بذلك المكان أي مجمع البحرين اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ أَذْكُرَهُ نائب فاعل ببدل، وقوله (بدل اشتمال) والتقدير أنساني ذكره. قوله:\rوَاتَّخَذَ معطوف على نسيت أي على جملة فإني نسيت الحوت وما بينهما اعتراض اهـ شيخنا.\rقوله: عَجَباً أي سبيلا عجبا وهو كونه كالسرب أو اتخاذا عجبا، والمفعول الثاني هو الظرف، وقيل: هو مصدر فعله مضمر أي قال في آخر كلامه، أو قال موسى في جوابه: عجبت عجبا","part":4,"page":437},{"id":1458,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 438\rقالَ موسى ذلِكَ أي فقدنا الحوت ما أي الذي كُنَّا نَبْغِ نطلبه فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه فَارْتَدَّا رجعا عَلى آثارِهِما يقصانها قَصَصاً (64) فأتيا الصخرة\rفَوَجَدا عَبْداً أي عجبت عجبا من تلك الحال، وقيل: الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: قيل: أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهرا ثم صار حيا بعد ما أكل بعضه اهـ.\rوفي القرطبي: وموضع العجب أن يكون حوت قد مات يؤكل شقه الأيسر ثم حيي بعد ذلك، وقال أبو شجاع في كتاب الطبري: أتيت به فرأيته فإذا هو شقة حوت بعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء من اللحم عليه قشرة رقيقة تحتها الشوك اهـ.\rقوله: (لما تقدم في بيانه) وهو قوله: (و ذلك أن اللّه أمسك عن الحوت) الخ.\rقوله: ما كُنَّا نَبْغِ هذه من ياءات الزوائد فلا تثبت رسما، وكذلك التي في قوله: (على أن تعلمن) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: ما كُنَّا نَبْغِ حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء نبغ وقفا وأثبتوها وصلا، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفها في الحالين اتباعا للرسم، وكان من حقها الثبوت وإنما حذفت تشبيها بالفواصل، أو لأن الحذف يأنس بالحذف فإن ما موصولة حذف عائدها، وهذه بخلاف التي في يوسف فإنها ثابتة عند الجميع، وقد تقدم في موضعه اهـ.\rوما اسم موصول كما قال الشارح فليست نافية. قوله: (على وجود من نطلبه) وهو الخضر.\rقوله: (هو الخضر) بكسر الخاء مع سكون الضاد وبفتح الخاء مع سكون الضاد وكسرها ففيه لغات ثلاثة وهذا لقبه. وفي الخازن: ولقب بهذا لأنه كان إذا صلى اخضّر ما حوله. وقيل: لأنه جلس على الأرض فاخضرت تحته اهـ.\rوكنيته أبو العباس، واسمه بليا بباء موحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء تحتية وآخره ألف مقصور، وهو من نسل نوح، وكان أبوه من الملوك اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا، وكان الخضر إذ ذاك مغطى بثوب أبيض طرفه تحت رجليه والآخر تحت رأسه فسلم عليه موسى فقال: أنت؟ قل: أنا موسى نبي بني إسرائيل أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا اهـ.\rوفي القرطبي: وقال الثعلبي في كتاب العرائس: إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء على وجه الماء وهو متشح بثوب أخضر فسلم عليه موسى فقال: وأنى بأرضك السّلام؟\rأي: ومن أين بأرضك التي أنت فيها الآن السّلام ثم رفع رأسه واستوى جالسا وقال: وعليك السّلام يا نبي بني إسرائيل، فقال له موسى: ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بي ودلك عليّ، ثم قال لموسى: لقد كان لك في بني إسرائيل شغل. قال موسى: إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأعلم من علمك ثم جلسا يتحدثان، فجاءت خطافة وحملت بمنقارها من الماء إلى آخر ما في الحديث اهـ.","part":4,"page":438},{"id":1459,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 439\rمِنْ عِبادِنا هو الخضر آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا نبوة في قول وولاية في آخر وعليه أكثر العلماء وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا من قبلنا عِلْماً (65) مفعول ثان أي معلوما من المغيبات. روى البخاري حديث: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه، إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا قوله: (نبوة في قول) قال شيخ الإسلام في شرحه على البخاري في كتاب العلم: واختلف في الخضر أهو نبي أو رسول أو ملك أو ولي. والصحيح أنه نبي واختلف في حياته والجمهور على أنه حي إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة اهـ.\rقوله: مِنْ لَدُنَّا أي ما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب اهـ بيضاوي.\rقوله: عِلْماً مفعول ثان لعلمناه. قال أبو البقاء: ولو كان مصدرا لكان تعليما. يعني: لأن فعله على فعل بالتشديد وقياس مصدره التفعيل، ومن لدنا يجوز أن يتعلق بالفعل قبله أو بمحذوف على أنه حال من علما اهـ سمين.\rقوله: (قام خطيبا) أي: واعظا يذكر الناس حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب، فقال رجل من بني إسرائيل: أي رسول اللّه هل في الأرض أحد أعلم منك؟ اهـ خازن.\rوكانت تلك الخطبة بعد هلاك القبط ورجوع موسى إلى مصر اهـ بيضاوي.\rقوله: (فعتب اللّه عليه) في المختار: عتب عليه وجد وبابه ضرب ونصر، وقال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة اهـ.\rقوله: (هو أعلم منك) أي: بأحكام وقائع مفصلة وحكم نوازل مغيبه لا مطلقا، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علمكه اللّه لا أعلمه أنا وأنا على علم علمنيه لا تعلمه أنت، وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما ولا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة وهمته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم وللقاء من قيل فيه إنه أعلم فسأل سؤال الذليل بقوله: فكيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال اهـ قرطبي.\rقوله: (فكيف لي به) أي كيف السبيل لي بلقائه، أو فكيف يتيسر لي الظفر به اهـ شهاب.\rقوله: (تأخذ معك حوتا) لعل السر في تخصيصه ما ظهر بعد من حياته ودخوله في البحر الذي هو مأواه في الأصل تأمل اهـ.\rقوله: (فتجعله في مكتل) المكتل: الزنبيل بكسر الزاي من خوص النخل ويقال له القفه اهـ على الشبراملسي على الرملي.\rقوله: (فأخذ حوتا الخ) عبارة الخازن: فحمله خبزا وسمكة مالحة في المكتل، وهو الزنبيل","part":4,"page":439},{"id":1460,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 440\rالصخرة ووضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغداة قال موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا إلى قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً قال: وكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، الخ\rقالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) أي صوابا الذي يسع خمسة عشر صاعا ومضيا حتى انتهيا إلى الصخرة الخ انتهت.\rقوله: (و اضطرب الحوت) أي: بعد أن استيقظ يوشع وصار ينظر إليه اهـ شيخنا.\rقوله: (جرية الماء) بكسر الجيم اهـ شهاب.\rقوله: (مثل الطاق) الطاق: هو البناء المقوس كالقنطرة. وفي المختار: الطاق: ما عقد من الأبنية والجمع الطاقات والطيقان فارسي معرب اهـ شيخنا.\rقوله: (حتى إذا كان من الغداة) كان تامة ومن الغداة فاعلها بزيادة من. أي: حتى إذا كان الغداة، وعبارة الخازن: فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغداة اهـ.\rقوله: (قال موسى) أي بعد أن صليا الظهر. قوله: (قال وكان) أي: قال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن تفسير الآية وكان أي سبيله أو البحر للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا فقوله: قالَ من لفظ البخاري اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ حال من الكاف في هل أتبعك أي أتبعك حال كونك معلما لي اهـ شيخنا.\rقوله: رُشْداً مفعول ثان لتعلمني لا لقوله: مِمَّا عُلِّمْتَ. قال أبو البقاء: لأنه عائد إذن على الذي يعني أنه إذا تعدى لمفعول ثان غير ضمير الموصول لم يجز أن يتعدى لضمير الموصول لئلا يتعدى إلى ثلاثة، ولكن لا بد من عائد على الموصول اهـ كرخي.\rورشدا بفتحتين لأنه من باب طرف، قول الشارح أرشد به بوزن أطرب أي اهتدى، وقوله: (و في قراءة) وعليها فيكون مثل قعد يقعد فعلا لا مصدرا فمصدره على الثانية رشدا بضم الراء وسكون الشين. وفي المختار: رشد من باب طرب، ويقال: رشد يرشد مثل قعد يقعد رشدا بضم الراء اهـ.\rوفي البيضاوي: مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً أي علما ذا رشد وهو إصابة الخير وهو مفعول تعلمني ومفعول علمت العائد المحذوف، وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون علة لأتبعك أو مصدرا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول يحب أن يكون أعلم ممن أرسل إليهم فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بضع ما أنعم اللّه به عليه اهـ.","part":4,"page":440},{"id":1461,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 441\rأرشد به وفي قراءة بضم الراء وسكون الشين، وسأله ذلك لأن الزيادة في العلم مطلوبة\rقالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67)\rوَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) في الحديث السابق عقب هذه الآية: يا موسى إني على علم من اللّه علمنيه لا تعلمه وأنت على علم من اللّه علمكه اللّه لا أعلمه، وقوله خبرا مصدر بمعنى لم تحط أي لم تخبر حقيقته\rقالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا وقوله: (و لا ينافي نبوته) الخ قد لمح الجلال إلى هذا بقوله: (و سأله ذلك لأن الزيادة في العلم مطلوبة) اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و سأله ذلك لأن الزيادة الخ) يشير بذلك إلى أنه لم يطلب على تلك المتابعة إلا التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة الجاه والمال ولا غرض لي إلا طلب التعليم، روي أنه لما قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؛ قال له الخضر: كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا. فقال له موسى: إن اللّه أمرني بهذا، فحينئذ قال له الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الخ. واعلم أن المتعلم على قسمين: متعلم ليس عنده شيء من العلوم ولم يمارس الاستدلال ولم يتعود التقرير والاعتراض، ومتعلم حصل العلوم الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم الثاني شاق شديد، لأنه إذا رأى شيئا أو سمع كلاما فربما بما يكون ذلك منكرا بحسب الظاهر إلا أنه في الحقيقة صواب حق، وإلى ذلك أشار في التقرير اهـ.\rقوله: قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أي لما ترى من مخالفة شرعك ظاهرا فنفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا تصح ولا تستقيم، وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله:\rوَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً أي: وكيف تصبر وأنت نبي على ما ترى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم تحط بها خبرك، وخبرا تمييز أو مصدر اهـ بيضاوي.\rوفي الشهاب: والمراد من نفي الاستطاعة نفي الصبر، لأن الثاني لازم للأول على طريق الكناية، كما يدل عليه قوله وَكَيْفَ تَصْبِرُ الخ اهـ.\rولم يقل الخضر إن شاء اللّه لأنه في مقام التعليم والمشاهدة بخلاف موسى فإنه في مقام التأدب والتقليد اهـ كرخي.\rقوله: (إني على علم) وهو علم الكشف الذي تحصل به المفاضلة بين الكمل. فقد ورد أن الصديق ما فضل غيره من الصحابة بصلاة ولا غيرها من الأعمال، وإنما فضلهم بشيء أوقر في صدره وهو علم المكاشفة، وقوله: (و أنت على علم) وهو علم ظاهر الشريعة اهـ شيخنا.\rقوله: (مصدر) أي فهو فعول مطلق ملاق لعامله في المعنى، لأن لم تحط بمعنى لم تخبر كما قال أي لم تعلم حقيقته، وفي المختار: خبر الأمر علمه وبابه نصر والاسم الخبر بالضم وهو العلم بالشيء، والخبير: العالم اهـ.\rوقوله: (بمعنى لم تحط) بالباء كما في بعض النسخ، ويكون مراده بالمعنى معنى الفعل ومعموله، ولذا قال أي لم تخبر حقيقته. وفي بعض النسخ لمعنى باللام وتكون متعلقة بمحذوف تقديره","part":4,"page":441},{"id":1462,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 442\rأَعْصِي أي وغير عاص لَكَ أَمْراً (69) تأمرني به وقيد بالمشيئة لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم، وهذه عادة الأنبياء والأولياء أن لا يثقوا إلى أنفسهم طرفة عين\rقالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي وفي قراءة بفتح اللام وتشديد النون عَنْ شَيْءٍ تنكره مني في علمك واصبر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) أي أذكره لك بعلته، فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم\rفَانْطَلَقا يمشيان على ساحل البحر حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ التي مرت بهما خَرَقَها الخضر ملاق لمعنى لم تحط ومعناه هو لم تخبر اهـ.\rقوله: (أي وغير عاص) أشار به إلى أن قوله: وَلا أَعْصِي معطوف على صابرا عطف فعل على اسم شبيه به فهو في حيز المشيئة اهـ شيخنا.\rقوله: (أن لا يثقوا إلى أنفسهم) ضمنه معنى يميلوا ويركنوا فعداه بإلى اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ أي شيء تشاهده من أفعالي أي: لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلا عن المناقشة والاعتراض حتى أحدث لك منه ذكرا، أي: حتى أبتدىء ببيانه، وفيه إيذان بأن كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة، وهذا من أدب المتعلم مع العالم، والتابع مع المتبوع اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة) أي: قرأ نافع وابن عامر بالهمز وتشديد النون، وباقي السبعة بالهمز وسكون اللام وتخفيف النون اهـ كرخي.\rوفي السمين: وقرأ أبو جعفر هنا بفتح السين واللام وتشديد النون من غير همز اهـ.\rقوله: (في علمك) أي بحسب علمك الظاهري، وقوله: (و اصبر) قدره إشارة إلى أنه هو المغيى بحتى اهـ شيخنا.\rقوله: (بعلته) أي بوجهه وسببه الذي يبين لك الصواب في نفس الأمر، والباء بمعنى مع اهـ شيخنا.\rقوله: فَانْطَلَقا أي ومعهما يوشع، وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى، فالمقصود ذكر موسى والخضر اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال القشيري: والأظهر أن موسى صرف فتاه لما لقي الخضر. وقال شيخنا الإمام أبو العباس: يحتمل أن يكون اكتفي بذكر المتبوع عن التابع واللّه أعلم اهـ.\rقوله: (يمشيان على ساحل البحر) أي يطلبان سفينة يركبانها فوجدا سفينة فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص لأنهم رأوهم نزلوا بغير زاد ولا متاع وأمروهم بالخروج، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكني أرى وجوه الأنبياء. وعن أبي بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: مرت بهم سفينة فكلموا أهلها أن يحملوهم فعرفوا الخضر بعلامة، فجعلوهم بغير نول أي عوض، فلما لجوا أخذ الخضر فأسا وأخرج بها لوحا من السفينة اهـ خازن.","part":4,"page":442},{"id":1463,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 443\rبأن اقتلع لوحا أو لوحين منها من جهة البحر بفأس لما بلغت اللج قالَ له موسى أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها وفي قراءة بفتح التحتانية والراء ورفع أهلها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) أي عظيما منكرا، روي أن الماء لم يدخلها\rقالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72)\rقالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك وَلا تُرْهِقْنِي تكلفني مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73) مشقة في صحبتي إياك أي عاملني فيها بالعفو واليسر\rفَانْطَلَقا بعد خروجهما من السفينة قوله: (بفأس) جمعها فؤوس، والمراد بها القدوم ما جاء في رواية، وقوله: (لما بلغت اللج) متعلق باقتلع أي لم يقتلع وهي عند الشط، بل حين بلغت اللج واللج واللجة بمعنى وهو الماء الغزير اهـ شيخنا.\rوفي المختار: واللجة بالضم معظم الماء، وكذا اللج ومنه: فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ [النور: 40] اهـ.\rقوله: (و في قراءة بفتح التحتانية) أي سبعية. قوله: شَيْئاً إِمْراً أي: شيئا عظيما يقال: أمر الأمر أي عظم اهـ سمين.\rقوله: (روي أن الماء لم يدخلها) وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق اهـ خازن.\rقوله: قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي بالذي نسيته، أو بشيء نسيته يعني وصيته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع وهو النسيان لها، وقيل: أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت أول مرة من وصيتك أول مرة، وقيل:\rإنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه ولا ترهقني من أمري عسرا ولا تغشني عسرا بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر على متابعتك. وعسرا مفعول ثان لترهقني فإنه يقال رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه اهـ بيضاوي.\rوفي المختار: رهقه غشيه وبابه طرب وأرهقه عسرا كلفه إياه اهـ.\rوقوله: (من معاريض الكلام) أي أن موسى لم ينس الوصية المذكورة، لكن أورد الكلام في صورة دلت على النسيان ولم يقصد نسيان الوصية بل نسيان شيء آخر حتى لا يلزم الكذب اهـ كازورني.\rوالمعاريض: جمع معراض وهو التعريض والمراد به هنا التورية وإيهام خلاف المراد، فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية لكنه أوهم أنها المنسية اهـ شهاب.\rقوله: (أي غفلت) في المصباح: غفلت عن الشيء غفولا من باب قعد، وله ثلاثة مصادر: غفول وهو أهمها، وغفلة وزان تمرة، وغفل وزان سبب، والغفلة غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره، وقد تستعمل في ترك الشيء إهمالا وإعراضا كما في قوله تعالى: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:\r1] اهـ.","part":4,"page":443},{"id":1464,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 444\rيمشيان حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً لم يبلغ الحنث يلعب مع الصبيان أحسنهم وجها فَقَتَلَهُ الخضر بأن ذبحه بسكين مضطجعا أو اقتلع رأسه بيده أو ضرب رأسه بالجدار أقوال، وأتى هنا بالفاء العاطفة لأن القتل عقب اللقى وجواب إذا قالَ له موسى أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً أي طاهرة لم تبلغ حد التكليف وفي قراءة زكية بتشديد الياء بلا ألف بِغَيْرِ نَفْسٍ أي لم تقتل نفسا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74) بسكون الكاف وضمها أي منكرا\r* قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (75) زاد لك على ما قبله لعدم العذر هنا ولهذا\rقالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي لا تتركني أتبعك قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي بالتشديد والتخفيف من قبلي عُذْراً (76) في مفارقتك لي قوله: لَقِيا غُلاماً قيل: كان اسمه شمعون اهـ قرطبي.\rقوله: (و لم يبلغ الحنث) يطلق الحنث على المعصية وعلى مخالفة اليمين أي عدم البر فيها، فالمراد به هنا لازم المعصية وهو التكليف، والكلام على حذف المضاف أي لم يبلغ حد الحنث أي حد التكليف كما سيأتي له قريبا التعبير بهذا اهـ شيخنا.\rقوله: (مع الصبيان) وكانوا عشرة. قوله: (أو اقتلع رأسه) أي بعد أن لوى عنقه اهـ شيخنا.\rقوله: (و أتى هنا بالفاء العاطفة الخ) عبارة السمين: فإن قلت: لم قيل حتى إذا ركبا في السفنية خرقها بغير فاء، وحتى إذا لقيا غلاما فقتله بالفاء. قلت: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط معطوفا عليه والجزاء قال: أقتلت: فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأن الخرق لم يعقب الركوب وقد عقب القتل لقاء الغلام اهـ.\rقوله: (و في قراءة زكية) أي: قراءة سبعية. قوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه متعلق بقتلت. الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل والمفعول أي قتلته ظالما أو مظلوما. كذا قدره أبو البقاء وهو بعيد جدا. الثالث: أنه صفة لمصدر محذوف أي قتلا بغير نفس اهـ سمين.\rقوله: لَقَدْ جِئْتَ أي فعلت. قوله: (بسكون الكاف وضمها) سبعيتان. وفي السمين: نكرا قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمتين، والباقون بضمة وسكون وهما لغتان أو أحدهما أصل، وشيئا يجوز أن يراد به المصدر أي مجيئا نكرا وأن يراد به المفعول به أي جئت أمرا منكرا، وهل النكر أبلغ من الأمر أو العكس، فقيل: الأمر أبلغ لأن قتل أنفس بسبب الخرق أعظم من قتل نفس واحدة، وقيل: بل النكر أبلغ لأن معه القتل بالفعل بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه ولذلك قال: ألم أقل لك ولم يأت بلك مع إمرا اهـ سمين.\rقوله: (لعدم العذر) أي لعدم عذر موسى فزاد الخضر لك تحاملا وتقريعا لموسى اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: زاد فيه لك فكافحه بالعتاب على رفض الوصية ووسما بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة اهـ.\rقوله: قَدْ بَلَغْتَ أي قد وجدت عذرا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات اهـ بيضاوي.","part":4,"page":444},{"id":1465,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 445\rفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي أنطاكية اسْتَطْعَما أَهْلَها طلبا منهم الطعام بضيافة فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً ارتفاعه مائة ذراع يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ أي يقرب أن يسقط لميلانه فَأَقامَهُ الخضر بيده قالَ له موسى لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ وفي قراءة (؟ لاتخذت) عَلَيْهِ أَجْراً (77) قوله: مِنْ لَدُنِّي العامة على ضم الدال وتشديد النون، وذلك أنهم أدخلوا نون الوقاية على لدن لتقيها من الكسر محافظة على سكونها كما حوفظ على سكون نون من وعن، فألحقت بهما نون الوقاية، فيقولون مني وعني بالتشديد ونافع بتخفيف النون، فالوجه فيه أنه لم يلحق نون الوقاية للدن اهـ سمين أي: بل حرك نونها بالكسر لمناسبة الياء.\rقوله: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ وكان إتيانهم لها بعد الغروب والليلة باردة ممطرة اهـ شيخنا.\rقوله: (هي أنطاكية) بالتخفيف. قوله: (بضيافة) أي على سبيل الضيافة اهـ شيخنا.\rوقوله: اسْتَطْعَما أَهْلَها جواب إذا وفي تكرير أهلها وجهان، أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، والحكمة في ذلك أنه لو قال: استطعماها لم يصح لأنهما لم يستطعما القرية أو استطعماهم، فكذلك لأن جملة استطعما أهلها صفة لقرية. والثاني: أنه للتأسيس وذلك أن الأهل المأتيين ليسوا جميع الأهل وإنما هم البعض، إذ لا يمكن أن يأتيا جميع الأهل في العادة في وقت واحد، فلما ذكر الاستطعام ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل كأنهما تتبعا الأهل واحدا واحدا، فلو قيل:\rاستطعماهم لاحتمل أن يعود الضمير على ذلك البعض المأتي دون غيره فكرر الأهل لذلك اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم فلم يضيفوهما. وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربرة بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما، فدعوا لنسائهم ولعنا رجالهم. وعن قتادة قال: شر القرى التي لا تضيف الضيف اهـ.\rقوله: (ارتفاعه مائة ذراع) أي وعرضه خمسون ذراعا وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع اهـ شيخنا.\rقوله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ المراد لازم الارادة العرفي، وهو القرب من الشيء أي يقرب من السقوط كما قاله الشارح. قوله: فَأَقامَهُ (الخضر بيده) أي بأن رفعه بها فاستقام. وعبارة البيضاوي:\rفأقامه بعمارته أي ترميمه وإصلاحه، وقيل: بعمود عمده به، وقيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه وبناه اهـ.\rقوله: قالَ لَوْ شِئْتَ الخ أي: كان ينبغي لك أن تأخذ منهم جعلا على فعلك لتقصيرهم فينا مع حاجتنا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: قال: لو شئت لتخذت عليه أجرا تحريضا على أخذ الجعل ليتعيشا به أو تعريضا بأنه فضول لما في لو من النفي، كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه اهـ.\rوقوله: (أو تعريضا بأنه) أي: بأن الاشتغال بإصلاح الجدار فضول أي فعل زائد لا يهمنا وليس","part":4,"page":445},{"id":1466,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 446\rجعلا حيث لم يضيفونا مع حاجتنا إلى الطعام\rقالَ له الخضر هذا فِراقُ أي وقت فراق بَيْنِي وَبَيْنِكَ فيه إضافة بين إلى غير متعدد سوغها لتكريره بالعطف بالواو سَأُنَبِّئُكَ قبل فراقي لك بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78)\rأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ عشرة يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ بها لنا فيه فائدة فهو من فضول العمل اهـ زاده.\rوعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «رحم اللّه أخي موسى استعجل فقال ذلك ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» اهـ بيضاوي.\rقوله: لَاتَّخَذْتَ بإظهار الدال وإدغامها في التاء، وقوله: (و في قراءة) أي بالوجهين أيضا، فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (تكريره بالعطف الخ) والداعي إلى هذا التكرير التوصل للعطف على ضمير الخفض لأنه يجب عند العطف عليه إعادة الخافض، فكأنه قال: بيننا اهـ شيخنا.\rقوله: ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي الأمور الثلاثة المتقدمة أي سأنبئك ببيان سر ووجه ما فعلت فيها. وفي الشهاب: المراد بالتأويل إظهار ما كان باطنا ببيان وجهه اهـ.\rوفي القرطبي: المراد بالتأويل التفسير، وقيل: في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر إنها حجة على موسى وعتب عليه، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم، فلما أنكر من الغلام قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك للقبطي وقضائك عليه، فلما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر اهـ.\rثم قال: المسألة الخامسة. قيل: إن الخضر لما أراد أن يفارق موسى قال له موسى: أوصني.\rقال: كن بسّاما ولا تكن ضحّاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران اهـ.\rقوله: أَمَّا السَّفِينَةُ الخ في المصباح: السفينة معروفة، والجمع سفين بحذف الهاء وسفائن، ويجمع السفين على سفن بضمتين، وجمع السفينة على سفين شاذ لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء بابه المخلوقات مثل تمرة وتمر ونخلة ونخل، وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فمسموع في ألفاظ قليلة، ومنهم من يقول السفين لغة في الواحدة وهي فعلية بمعنى فاعله كأنها تسفن الماء أي تقشره وصاحبها سفان اهـ.\rقوله: لِمَساكِينَ (عشرة) وكانوا إخوة، وكان منهم خمسة زمنى جمع زمن أي قامت بهم الزمانة أي العاهة المانعة من الحركة، وخمسة أصحاء وهم الذين يعملون في البحر، ففي الكلام تغليب. وقوله: (مؤاجرة لها) أي حالة كونهم مؤاجرين لها لحمل الأمتعة ونحوها طلبا للكسب، وكانوا هم الذين يخدمونها لا المستأجرون اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال كعب الأحبار وغيره: وكانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم","part":4,"page":446},{"id":1467,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 447\rمؤاجرة لها طلبا للكسب فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ إذا رجعوا أو أمامهم الآن مَلِكٌ كافر يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْباً (79) نصبه على المصدر المبين لنوع الأخذ\rوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (80) فإنه كما في حديث مسلم طبع كافرا ولو عاش خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر، وقيل: كانوا سبعة بكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر، وقد ذكر النقاش أسماءهم، فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما، والثاني كان أعور، والثالث كان أعرج، والرابع كان آدر، والخامس كان محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم، والخمسة الذين لا يطيقون العمل أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون، وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس إلى الروم ذكره الثعلبي اهـ.\rقوله: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أي لأجل أن الملك إذا رآها تركها فإذا جاوزوه أصلحوها وانتفعوا بها اهـ شيخنا.\rقوله: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ جملة حالية بإضمار قد. قوله: (إذا رجعوا) من المعلوم أنه إذا كان وراءهم إذا رجعوا يكون الآن أي في حال توجيههم أمامهم، فلا يغاير هذا القول ما بعده وعبارة غيره:\rوكان وراءهم أي في حال توجيههم لكنهم في رجوعهم يمرون عليه فلا يكون أمامهم الآن، فعلية تظهر المغايرة اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: (إذا رجعوا أو أمامهم الآن) جواب سؤال هو أن وراء معناها في اللغة خلف ومن كان خلف لا يخشى منه. وإيضاحه؛ أن الخشية منه تكون إذا رجعوا عليه أو أن وراء بمعنى أمام وهو الظاهر فيخشى منه، ونظيره: من ورائه جهنم اهـ.\rوفي القرطبي: ووراء أصلها بمعنى خلف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفهم وكان رجوعهم عليه، والأكثر على أن معنى وراء هنا أمام، ويعضده قراءة ابن عباس وابن جبير: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا اهـ.\rقوله: مَلِكٌ (كافر) وكان ملك غسان واسمه جيسور اهـ من القرطبي.\rقوله: سَفِينَةٍ (صالحة) يعني صحيحة، وأشار بهذا إلى أن في الكلام حذفا وقدره صالحة أخذا مما قبله وهي قراءة أبي وعبد اللّه، وخالف الظاهر في تقديم فأردت للعناية، ووجه العناية أن موسى عليه الصلاة والسّلام لما أنكر خرقها وقال: أخرقتها لتغرق أهلها اقتضى المقام الاهتمام لدفع منشأ انكاره بأن الخرق لقصد التعييب لا لقصد التغريق فلا يرد السؤال، وهو أن قوله: (فأردت أن أعيبها) مسبب عن خوف الغصب لها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم قدم عليه على أن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها لمساكين اهـ كرخي.\rقوله: فَخَشِينا أي أن اللّه أعلم الخضر بوقوع ذلك من الغلام إن لم يقتله، وقوله: أَنْ يُرْهِقَهُما أن يكلفهما أي يوقعهما في الكفر بالطريق التي أشار لها بقوله (أي لمحبتهما له) الخ اهـ شيخنا.","part":4,"page":447},{"id":1468,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 448\rلأرهقهما ذلك لمحبتهما له يتبعانه في ذلك\rفَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما بالتشديد والتخفيف رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً أي صلاحا وتقى وَأَقْرَبَ منه رُحْماً (81) بسكون الحاء وضمها رحمة وهي البر بوالديه فأبدلهما تعالى جارية تزوجت نبيا فولدت نبيا فهدى اللّه تعالى به أمة\rوَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ مال مدفون من ذهب وفضة لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً والخشية خوف سوء عظيم وأكثر ما تكون عن علم بما يخشى منه اهـ خازن.\rقوله: (طبع كافر) أي خلق كافرا مجبولا على الكفر حال ولادته وحال معيشته وحال موته:\rويكون ذلك مستثنى من حديث: «كل مولود يولد على فطرة الإسلام» اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: قال الإمام السبكي: ما فعله الخضر من قتل الغلام لكونه طبع كافرا مخصوص به لأنه أوحي إليه أن يعمل بحكم الباطن وخلاف الباطن الظاهر الموافق للحكمة فلا إشكال فيه، وإن علم من شرعنا أنه لا يجوز قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين، ولو فرضنا أن اللّه أطلع بعض أوليائه كما أطلع الخضر عليه السّلام لم يجز ذلك. وقد أرسل بعض الخوارج لابن عباس يسأله كيف قتل الخضر الغلام الصغير وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل أولاد الكفار فضلا عن أولاد المؤمنين؟ فيكتب إليه ابن عباس ان علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتلهم اهـ.\rوفي القرطبي: وكان للخضر قتله لما علم من سره وأنه طبع كافرا كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك أبويه لأرهقهما كفرا. وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن اللّه فيه، فإن اللّه تعالى هو الفعال لما يريد القادر على ما يشاء. وفي كتاب العرائس: أن موسى لما قال للخضر: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً الآية.\rغضب الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، فإذا فيه مكتوب كافر لا يؤمن باللّه أبدا اهـ.\rقوله: (و لو عاش لأرهقهما ذلك) أي الكفر وقوله: (في ذلك) أي في الكفر.\rقوله: أَنْ يُبْدِلَهُما قرأ أبو عمرو ونافع بفتح الباء وتشديد الدال من بدل هنا، وفي التحريم أن يبدله وفي القلم أن يبدلنا، والباقون بسكون الباء وتخفيف الدال من أبدل من المواضع الثلاثة، فقيل:\rهما لغتان بمعنى واحد اهـ سمين.\rفقول الشارح بالتشديد والتخفيف سبعيتان. قوله: خَيْراً مِنْهُ أي ولدا خيرا منه، والتفضيل ليس على بابه وزكاة ورحما منصوبان على التمييز، وقوله: (بسكون الحاء وضمها) سبعيتان. قوله:\r(جارية) أي بنتا. وقوله: (تزوجت نبيا) الخ عبارة الخازن: قيل: أبدلهما جارية فتزوجت نبيا من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى اللّه على يديه أمة من الأمم، وقيل: ولدت له اثني عشر نبيا، وقيل:\rولدت له سبعين نبيا، وقيل: أبدلهما بغلام مسلم، وقيل: إن الغلام الذي قتل فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض العبد بقضاء اللّه تعالى، فإن قضاء اللّه للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب اهـ.\rقوله: فَكانَ لِغُلامَيْنِ اسم أحدهما أصرم والآخر صريم، وقوله: فِي الْمَدِينَةِ وهي المعبر عنها فيما تقدم بالقرية تحقيرا لها لخسة أهلها وعبّر عنها هنا بالمدينة تعظيما لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما اهـ شيخنا.\rقوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلف في الكنز، فقال عكرمة وقتادة: كان مالا جسيما وهو","part":4,"page":448},{"id":1469,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 449\rفحفظا بصلاحه في أنفسهما ومالهما فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي إيناس رشدهما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مفعول له عامله أراد وَما فَعَلْتُهُ أي ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار عَنْ أَمْرِي أي اختياري بل بأمر إلهام من اللّه ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ الظاهر من اسم الكنز، وهو في اللغة المال المجموع، وقال ابن عباس: كان علما في صحف مدفونة، وعنه أيضا قال: كان لوحا من ذهب مكتوب في أحد جانبيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه. وفي الجانب الآخر مكتوب: أنا اللّه لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبي لمن خلقته للخير وأجريته على يدي، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه اهـ من القرطبي والخازن.\rقوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ظاهر اللفظ أنه أبوهما حقيقة، وقيل: هو الأب السابع قاله جعفر ابن محمد، وقيل: العاشر فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح، وكان يسمى كاشحا قاله مقاتل، واسم أمهما دنيا ذكره النقاش ففيه ما يدل على أن اللّه يحفظ الصالح في نفسه، وفي ولده وأن بعدوا عنه. وقد روي أن اللّه يحفظ الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى إن ولي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين اهـ قرطبي.\rقوله: أَشُدَّهُما مفرد بمعنى القوة. وقيل: جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: جمع له واحد من لفظه. قيل: شد بكسر الشين، وقيل: شد بفتحها اهـ شيخنا.\rوذكره الإيناس غير لائق هنا لأنه بمعنى العلم، فالمعنى عليه حتى يبلغا علم رشدهما ولا معنى له فكان الأولى اسقاطه، ولم يذكره غيره من المفسرين فيما علمت، ويمكن أن يلتمس تصحيحه بأن يقال حتى يبلغا إيناس أشدهما أي حتى يبلغا أن يعلما إيناس أشدهما أي قوتهما وكمالهما تأمل.\rقوله: وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما أي من تحت الجدار ولو لا أني أقمته لانقض، وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع بالكلية اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي اختياري) عبارة غيره: أي عن رأيي واجتهادي اهـ.\rوهي أنسب بقوله: (بل بأمر إلهام) الخ. وعبارة الخازن: وما فعلته عن أمري أي عن اختياري ورأيي، بل فعلته بأمر اللّه وإلهامه إياي لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أحوالهم لا يكون ذلك إلا بالنص وأمر اللّه تعالى، واستدل بعضهم بقوله تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي على أن الخضر كان نبيا لأن هذا يدل على الوحي وذلك للأنبياء، والصحيح أنه ولي للّه وليس بنبي. وأجيب عن قوله:\rوَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي بأنه إلهام من اللّه تعالى له بذلك وهذه درجة الأولياء، وقيل: معناه إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن تظهر رحمة اللّه لأنها بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى اهـ.\rقوله: ذلِكَ أي ما ذكره من الأجوبة الثلاثة تأويل ما أي تأويل الأمور والوقائع الثلاثة اهـ شيخنا.","part":4,"page":449},{"id":1470,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 450\rصَبْراً (82) يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين ونوعت العبارة في فأردت فأردنا فأراد ربك\rوَيَسْئَلُونَكَ أي اليهود عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ اسمه الإسكندر ولم يكن قوله: (يقال اسطاع) أصله استطاع فحذفت منه تاء الافتعال، ومضارعه يسطيع وأصله يستطيع بوزن يستقيم فحذفت منه التاء أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: (و نوعت العبارة الخ) أي أن هذا التغاير في التعبير في المواضع الثلاثة لتنويع العبارة، وهذا معنى قول غيره للتفنن وبعضهم أبدى حكمه في اختلاف التعبير وهي أن الأول لما كان إفسادا محضا عبر فيه بقوله: (فأردت أدبا مع اللّه) والثالث: لما كان إصلاحا محضا ونعمة من اللّه عبّر فيه بقوله: (فأراد ربك) والثاني: لما كان فيه نوع إفساد ونوع إصلاح عبّر فيه بقوله: (فأردنا) الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ أي سؤال تعنت عن ذي القرنين أي الأكبر، وهو ولي اللّه تعالى من أولاد سام بن نوح، وكان ابن عجوز ليس لها غيره، وكان أسود اللون، وكان على شريعة إبراهيم الخليل، فإنه أسلم على يديه ودعا له وأوصاه بوصايا، وكان يطوف معه وكان الخضر وزيره فكان يسير معه على مقدمة جيشه، وهذا بخلاف ذي القرنين الأصغر، فإنه من ولد العيص بن إسحاق وكان كافرا عاش ألفا وستمائة سنة، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وقال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه اسكندر فلما بلغ كان عبدا صالحا قال اللّه تعالى: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهم أمم مختلفة ألسنتهم وهم جميع الأرض وهم أصناف أمتان بينهما طول الأرض كلها، وأمتان بينهما عرض الأرض كلها، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض تحت الجنوب ويقال لها هاويل، وأمة في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل، وأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مطلع الشمس يقال لها منسك، وأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك. فقال ذو القرنين: إلهي لقد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم، وبأي صبر أقاسيهم، وبأي لسان أناطقهم، وكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس لي قوة؟ فقال اللّه تعالى: سأظفرك بما حملتك أشرح لك صدرا فتسمع كل شيء وأثبت لك فهما فتفقه كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحفظك الظلمة من ورائك. فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس لأنها كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك، فوجد جنودا لا يحصيها إلا اللّه تعالى، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا اللّه تعالى، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة فكاثرهم بالظلمة فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى اللّه تعالى وإلى عبادته، فمنهم من آمن به، ومنهم من صدّ عنه فأدخل على الذين تولوا الظلمة فغشيتهم من كل مكان فدخلت في أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من كل مكان فتحيروا وهاجوا وأشفقوا أن يهلكوا فعجوا إلى اللّه بصوت","part":4,"page":450},{"id":1471,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 451\rنبيا قُلْ سَأَتْلُوا سأقص عَلَيْكُمْ مِنْهُ من حاله ذِكْراً (83) خبرا\rإِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ واحد: إنا آمنا فكشفها عنهم وأخذهم عنوة ودخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه والنور أمامه يقوده ويدله، وهو يسير من ناحية الأرض الأيمن وهي هاوي، وسخّر اللّه له يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطىء إذا عمل عملا، فإذا أتوا مخاضة أو بحرا بنى سقفا من ألواح صغار أمثال النعال فيضمها في ساعة يحمل عليها جميع من معه من تلك الأمم، فإذا قطع البحار والأنهار فتقها ودفع إلى كل رجل لوحا فلا يكترث بحمله فانتهى إلى هاويل ففعل بهم كفعله بناسك فآمنوا، ففرغ منهم وأخذ جيوشا منهم وانطلق في ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأول ثم كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تأويل وهي الأرض التي تقابل هاويل بينهما عرض الأرض ففعل فيها كفعله فيما قبلها، ثم عطف على الأمم التي في وسط الأرض من الإنس والجن ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: ياذا القرنين أن بين هذين الجبلين خلقا من خلق اللّه كثيرين ليس فيهم مشابهة للإنس وهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترسها السباع، ويأكلون دواب الأرض كلها من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق اللّه في الأرض، وليس للّه خلق تنمى نماءهم في العام الواحد، فإذا طالت المدة سيملؤون الأرض ويجلون أهلها أي يخرجونهم منها، فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. وذكر الحديث، وسيأتي في موضعه، وسيأتي فيه بعض صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية اهـ.\rقوله: (اسمه الإسكندر) وهو الذي بنى الإسكندرية وسماها باسمه. وأما ذو القرنين؛ فلقبه لقب به لما قيل من أنه كان له في رأسه قرنان صغيران، والخضر ابن خالته اهـ شيخنا.\rوقيل: سمي ذا القرنين لأنه أعطى علم الظاهر والباطن، وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور، وقيل:\rلأنه ملك فارس والروم اهـ قرطبي.\rوعبارة الكرخي: قوله: (اسمه الإسكندر) أي اليوناني على الأصح، وهو الذي طاف بالبيت مع إبراهيم عليه السّلام وكان وزيره الخضر، وقيل: هو الرومي الذي كان قبل المسيح بثلاثمائة سنة وزيره أرسطو اهـ.\rوفي القرطبي: واختلفوا أيضا في وقت زمانه فقال قوم: كان بعد موسى، وقال قوم: كان في الفترة بعد عيسى، وقال قوم: كان في وقت إبراهيم وإسماعيل وكان الخضر صاحب لوائه الأعظم، وقد ذكرناه في البقرة. وبالجملة؛ فإن اللّه تعالى مكنه وملكه ودانت له الملوك، فقد روي أن الذين ملكوا الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود والإسكندر، والكافران نمروذ وبختنصر. وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33 والفتح: 28 والصف: 9] وهو المهدي اهـ بحروفه.\rقوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي: مكنّا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء فيحذف المفعول اهـ بيضاوي.","part":4,"page":451},{"id":1472,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 452\rبتسهيل السير فينا وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه سَبَباً (84) طريقا إلى مراده\rفَأَتْبَعَ سَبَباً (85) سلك طريقا نحو المغرب\rحَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ موضع غروبها وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ذات قوله: (بتسهيل السير الخ) ومن جملة تسهيله أن بسط اللّه عليه النور فكان أمامه والظلمة خلفه، وكان الليل والنهار عليه سواء اهـ شيخنا.\rقوله: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً قال ابن عباس: من كل شيء علما يتسبب إلى ما يريد، وقال أيضا: إبلاغا إلى حيث أراد، وقال أيضا: من كل شيء يحتاج إليه الخلق، وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدائن وقهر الأعداء، وأصل السبب الحبل ثم استعير إلى كل ما يتوصل به إلى شيء اهـ قرطبي.\rقوله: (طريقا يوصله) كآلات السير وكثرة الجند، وقوله: (إلى مراده) أن يستقصي بقاع الأرض ليملأها عدلا، وكان مراده أيضا أن يصل إلى عين الحياة، فلما استقصى في السير دخل في ظلمة فظفر الخضر بها فاغتسل وشرب منها، فلذلك لم يمت إلا بالنفخة الأولى، وذو القرنين لم يظفر بها مع أنه كان مصاحبه، فلذلك اعتراه الموت اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر فاتبع ثم اتبع في المواضع الثلاثة بهمزة وصل وتشديد التاء، والباقون بقطع الهمزة وسكون التاء فقيل: هما بمعنى واحد فيتعديان لمفعول واحد، وقيل: أتبع بالقطع متعد لاثنين حذف أحدهما تقديره فأتبع سببا سببا آخر أو فأتبع أمره سببا ومنه وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة فعداه لاثنين، ومن حذف أحد المفعولين قوله تعالى:\rفَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي أتبعوا جنودهم. واختار أبو عبيد اتبع بالوصل قال: لأنه من المسير. قال:\rتقول تبعث القوم وأتبعتهم، فأما الإتباع بالقطع فمعناه اللحاق كقوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات: 10]. وقال يونس، وأبو زيد: أتبع بالقطع عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات اهـ سمين.\rقوله: (موضع غروبها) المراد أنه بلغ آخر العمارة من الأرض ووصل إلى ساحل البحر المحيط، فلما لم يبق قدامه شط بل مياه لا آخر لها رأى الشمس عند غروبها كأنها تغرب في نفس الماء على العادة من أن الشخص إذا كان في البحر يرى الشمس كأنها تغرب فيه، وهو أي البحر المحيط عين ماء بالنسبة إلى ما هو أعظم منه في علم اللّه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ لعله بلغ ساحل البحر المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء، ولذلك قال: وجدها تغرب ولم يقل كانت تغرب اهـ.\rوقوله: (لعله بلغ ساحل البحر المحيط الخ) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: قد تقرر أن الشمس في السماء الرابعة، ولها فلك خاص يدور بها في السماء وجرمها أكبر من الأرض بمرات، فكيف يمكن غروبها ودخولها في عين ماء بالأرض؟ وتقرير الجواب أن اللّه تعالى لم يخبر بأن غروبها في الحقيقة في عين حمئة، وإنما أخبر بأنه يجدها، ويظن أنها تغرب فيها حيث قال: وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فإنه لما بلغ موضعا من المغرب لم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها","part":4,"page":452},{"id":1473,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 453\rحمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا وَوَجَدَ تغرب في هذه العين المظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة اهـ زاده.\rأي: فلما بلغ ساحل البحر المحيط من جهة المغرب وهو شديد السخونة كثير الحمأة وجد الشمس كأنها تغيب في ذلك البحر، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا لم ير الشط، وتسمية البحر المحيط عينا لا محذور فيه خصوصا وهو بالنسبة لعظمة ما في علم اللّه كقطرة اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: وقال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسها لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض لأنها أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، ولهذا قال: وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليه.\rوقال القتيبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو عندها أو معها فيقام حرف الصفة مقام صاحبه واللّه أعلم اهـ.\rقوله: حَمِئَةٍ قرأ ابن عامر، وأبو بكر، والأخوان: حامية بالألف وياء صريحة بعد الميم، والباقون: دون ألف وبهمزة بعد الميم. فأما القراءة الأولى فإنها اسم فاعل من حمي يحمى والمعنى في عين حارة، واختارها أبو عبيد قال: لأن عليها جماعة من الصحابة وسماهم. وأما الثانية: فهي من الحمأة وهي الطين، وكان ابن عباس عند معاوية فقرأ معاوية حامية، فقال ابن عباس: حمئة فسأل معاوية ابن عمر: كيف تقرأ؟ فقال: كقراءة أمير المؤمنين فبعث معاوية يسأل كعبا فقال: أجدها تغرب في ماء وطين فوافق ابن عباس، ولا تنافي بين القراءتين، لأن العين جامعة بين الوصفين الحرارة وكونها من طين اهـ سمين.\rوفي المصباح: والحمأة: بسكون الميم طين أسود، وحمئت البئر حمأ من باب تعب صار فيها الحمأة وحميت الحديدة تحمى من باب تعب فهي حامية إذا اشتد حرها بالنار، ويتعدى بالهمزة فيقال:\rأحميتها فهي محماة ولا يقال حميتها بغير ألف اهـ.\rقوله: (و غروبها في العين) أي الحمئة في رأي العين أي الباصرة، وهذا إشارة إلى جواب ما قيل: الشمس في السماء الرابعة بقدر كرة الأرض مائة وستين أو وخمسين أو عشرين مرة، فكيف تسعها عين في الأرض تغرب فيها؟ وإيضاحه: أن الوجدان باعتبار ظنه ومطمح نظره لا حقيقته كما يرى راكب البحر الشمس طالعة وغاربة فيه، فذو القرنين انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب فوجد عينا واسعة فظن أن الشمس تغرب فيها، وأيضا فاللّه تعالى قادر على تصغير جرم الشمس وتوسيع العين وكرة الأرض بحيث تسع عين الماء عين الشمس، فلم لا يجوز ذلك وإن كنا لا نعلم به لقصور عقولنا عن الإحاطة بذلك، وأيضا الأنبياء والحكماء لا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك. ألا ترى إلى ظن موسى فيما أنكره على الخضر اهـ كرخي.","part":4,"page":453},{"id":1474,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 454\rعِنْدَها أي العين قَوْماً كافرين قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ بإلهام إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ القوم بالقتل وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) بالأسر\rقالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ بالشرك فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (87) بسكون الكاف وضمها شديدا في النار\rوَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى أي الجنة، والإضافة للبيان، وفي قراءة بنصب جزاء وتنوينه. قال الفراء ونصبه على التفسير أي لجهة النسبة وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (88) أي نأمره بما يسهل عليه\rثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) نحو المشرق قوله: (و إلّا فهي) أي الشمس أعظم من الدنيا أي بمسيرة اثني عشر ألف عام على ما قيل اهـ شيخنا.\rقوله: قَوْماً (كافرين) هذا صريح في أنهم كانوا كفارا من قبل مجيئه لهم، وعبارة البيضاوي:\rوكانوا كفارا اهـ.\rومن المعلوم أن الكفر إنما يتحقق بعد بعثة رسول وعدم إيمانهم به ولينظر أي رسول أرسل إلى هؤلاء حتى كفروا به هذا، والأظهر أنهم كانوا أهل فترة لم يرسل إليهم أحد، ولما جاءهم ذو القرنين دعاهم إلى ملة إبراهيم، فمنهم من آمن ومنهم من كفر تأمل. وكان هؤلاء القوم في مدينة لها اثنا عشر ألف باب كانت على ساحل البحر المحيط، وقوتهم ما يلفظه البحر من السمك اهـ شيخنا.\rوكان لباسهم جلود الوحوش اهـ بيضاوي.\rقوله: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ أي: قال اللّه له، وقوله: (بإلهام) أي لأنه كان وليا كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ الخ يجوز في أن تعذب الرفع على الابتداء والخبر محذوف أي: إما تعذيبك واقع، أو الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي هو تعذيبك، والنصب أي إما أن تفعل أن تعذب أي التعذيب اهـ أبو السعود.\rويجوز أن تكون إما للتقسيم دون التخيير أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإحسان، فالأول لمن أصر على الكفر، والثاني لمن تاب منه، ونداء اللّه إياه إن كان نبيا فبوحي، وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالأسر) أي: فإنه إحسان بالنسبة للقتل اهـ شيخنا.\rقوله: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي استمر على ظلمه اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ يُرَدُّ أي في الآخرة. قوله: (بسكون الكاف وضمها) سبعيتان. قوله: (و نصبه على التفسير) أي التمييز لجهة النسبة أي نسبة الخبر المقدم وهو الجار والمجرور إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى والتقدير فالحسنى كائنة له من جهة الجزاء تأمل.\rقوله: وَسَنَقُولُ لَهُ أي لمن آمن تأمل.\rقوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً تقدم أن أتبع واتبع بمعنى أي سلك طريقا وسار حتى إذا بلغ مطلع الشمس الخ اهـ قرطبي.","part":4,"page":454},{"id":1475,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 455\rحَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ موضع طلوعها وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ هم الزنج لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها أي الشمس سِتْراً (90) من لباس ولا سقف لأن أرضهم لا تحمل بناء ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ويظهرون عند ارتفاعها\rكَذلِكَ أي الأمر كما قلنا وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ أي عند وفي الخطيب: ثم أتبع لإرادة بلوغ مشرق الشمس سببا من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مرّ عليها حتى إذا بلغ في مسيره ذلك مطلع الشمس الخ اهـ.\rقوله: مَطْلِعَ الشَّمْسِ يعني: الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولا من المعمور اهـ بيضاوي.\rوقيل: بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل: في أقل من ذلك بناء على أنه سخر له السحاب وطويت له الأسباب اهـ أبو السعود.\rقوله: (هم الزنج) بكسر الزاي وفتحها. قوله: (و لا سقف) أي: ولا أشجار ولا جبال. قوله:\r(لأن أرضهم لا تحمل بناء) أي: لرخاوتها أو لأنها لا جبال فيها فتميد بأهلها ولا تستقر كما في التيسير وقد أشار في تقريره إلى أن المنفي هو الستر المتعارف من اللباس والأبنية، والأسراب ليست منهما، والنكرة المنفية وإن كانت من صيغ العموم يخصصها العرف كما عرف اهـ كرخي.\rوعبارة الخطيب: وقوله: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً فيه قولان، الأول: أنه لا شيء لهم من سقف ولا جبل يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم، لأن أرضهم لا تحمل بناء. قال الرازي: ولهم سرب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ويظهرون عند غروبها، فيكونون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش، وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش وحالهم بالضد من أحوال الخلق. وقال قتادة: يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنه خرجوا فرعوا كالبهائم.\rوالثاني: أن معناه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا. وفي كتب الهيئة أن أكثر حال الزنج كذلك، وحال كل من سكن البلاد القريبة من خط الاستواء، كذلك قال الكلبي: هم عراة يفرش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، وقال الزمخشري: وعن بعضهم قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم فقيل لي: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس فإذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلوني سربا لهم، فلما طلع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض اهـ.\rقوله: (و لهم سروب) جمع سرب وهو الشق في الأرض اهـ شيخنا.\rوقوله: (عند طلوع الشمس) أي يغيبون فيها نهارا، وقوله: (عند ارتفاعها) أي عند زوالها عنهم وذلك في الليل اهـ شيخنا.\rقوله: كَذلِكَ خبر مبتدأ محذوف قدره الشارح بقوله (أي الأمر)، كما قلنا أي الأمر كما قلناه وحكيناه في شأنه، وقوله: وَقَدْ أَحَطْنا الخ مستأنف اهـ شيخنا.","part":4,"page":455},{"id":1476,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 456\rذي القرنين من الآلات والجند وغيرهما خُبْراً (91) علما\rثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92)\rحَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السين وضمها هنا وبعدهما جبلان بمنقطع بلاد الترك سد الإسكندر ما بينهما كما وعبارة الخازن: كذلك أي كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها، وقيل: معناه أنه حكم في القوم الذين عند مطلع الشمس كما حكم في الذين عند مغربها وهو الأصح اهـ.\rوفي البيضاوي: كذلك أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار اهـ.\rقوله: خُبْراً (علما) أي علما تعلق بظواهره وخفاياه، والمعنى أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير اهـ خطيب.\rقوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي ثم إن ذا القرنين لما بلغ المشرق والمغرب أتبع سببا آخر من جهة الشمال في إرادة ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج، واستمر آخذا فيه حتى إذا بلغ في مسيره ذلك بين السدين أي الجبلين، وهما جبلا أرمينية وأذربيجان. وقيل: جبلان في أواخر الشمال، وقيل: هذا المكان في منقطع بلاد الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج. قال الرازي: والأظهر أن موضع السد في ناحية الشمال سد الإسكندر ما بينهما اهـ خطيب.\rقوله: بَيْنَ السَّدَّيْنِ مفعول به وهو من الظروف المتصرفة بيضاوي.\rقوله: (هنا) أي في الآية وبعد أي في قوله الآتي (على أن تجعل بيننا وبينهم سدا)، وفي سورة يس: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس: 9] فهذه المواضع كلها تقرأ بفتح السين وضمها للسبعة اهـ شيخنا.\rقوله: (جبلان) أي عاليان جدا أملسان لا يستطاع الصعود عليهما كالسد الآتي، ويسمى كل واحد منهما سدا لأنه سد فجاج الأرض، وقوله: (بمنقطع) بفتح الطاء والباء بمعنى في، ومنقطع الشيء آخره أي في آخر بلاد الترك اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: ومنقطع الشيء بصيغة البناء للمفعول حيث ينتهي إليه طرفه نحو منقطع الوادي والرمل والطريق، والمنقطع بالكسر اسم الشيء نفسه فهو اسم عين والمفتوح اسم معنى اهـ.\rوفي الشهاب: وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي القاموس: السد الجبل والحاجز أو لكونه ملاصقا للسد فهو مجاز بعلاقة المجاورة، والقول الثاني هو المناسب لما قبله اهـ شهاب.\rقوله: (سد الإسكندر ما بينهما) أي الفتحة التي بينهما وطولها مائة فرسخ، وليس ليأجوج ومأجوج طريق يخرجون منها إلى أرض العمارة إلا هذه الفتحة، ومسكنهم وراء هذين الجبلين وأرضهم متسعة جدا تنتهي إلى البحر المحيط. وقد قال بعضهم: مسافة الأرض بتمامها خمسمائة عام: ثلاثمائة بحار ومائة وتسعون مسكن يأجوج ومأجوج: تبقى عشرة سبعة للحبشة، وثلاثة لجملة الخلق غيرهم اهـ شيخنا.","part":4,"page":456},{"id":1477,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 457\rسيأتي وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أي أمامهما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) أي لا يفهمونه إلا بعد بطء، وفي قراءة بضم الياء وكسر القاف\rقالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بالهمز وتركه هما اسمان قوله: (أي أمامها) أي من جهته أي خارجة عنهما لا داخلة بناحية يأجوج ومأجوج اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين. قَوْماً أي: أمة من الناس لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد. لا يَكادُونَ: أي لا يقربون يفقهون أي يفهمون قولا ممن مع ذي القرنين فهما جيدا كما يفهم غيرهم لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بضم الياء وكسر القاف. أي: لا يفقهون غيرهم أي: لا يفهمون غيرهم شيئا لشدة عجمتهم فكلامهم مغلق اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ أي قال مترجمهم كما في البيضاوي، وذلك لأنهم من أولاد يافث بن نوح، وذا القرنين من أولاد سام فلا يفهم لغتهم، وإنما كان لهم مترجم يعرف كلا من لغتي أولاد يافث وأولاد سام، وقيل: خاطبوه بأنفسهم وفهم لغتهم كرامة له اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فإن قلت: كيف أثبت لهم القول وهم لا يفقهون؟ قلت: تكلم عنهم مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم كلامهم. وقيل: معناه لا يكادون يفقهون إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم الأخرس اهـ.\rقوله: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة واختلف في ذلك فقيل: هما أعجميان لا اشتقاق لهما ومنعا من الصرف للعلمية والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلا والألف بدلا عنها أو بالعكس، لأن العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية وقيل: بل هما عربيان.\rواختلف في اشتقاقهما فقيل: اشتقاقهما من أجيج النار وهو التهابها وشدة توقدها وقيل: من الأوجه وهي الاختلاط أو شدة الحر، وقيل: من الأوج وهو سرعة العدو. اهـ سمين.\rوهم من أولاد يافث بن نوح والترك منهم. قيل: إن طائفة منهم خرجت تغير على الناس، فضرب ذو القرنين السد فبقوا خارجه فسموا الترك بذلك يعني لأنهم تركوا خارجين. قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والبربر وصقالبة ويأجوج ومأجوج: قال ابن عباس: هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء.\rوروى حذيفة مرفوعا: أن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت الواحد منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح، وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا.\rوقال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز شجرة بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات","part":4,"page":457},{"id":1478,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 458\rأعجميان لقبيلتين فلم ينصرفا مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالنهب والبغي عند خروجهم إلينا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً جعلا من المال وفي قراءة خراجا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) حاجزا فلا يصلون إلينا\rقالَ ما مَكَّنِّي وفي قراءة بنونين من غير إدغام فِيهِ رَبِّي من المال وغيره خَيْرٌ من خرجكم الذي تجعلونه لي فلا حاجة بي إليه وأجعل لكم السد تبرعا فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ لما أطلبه منكم منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. وعن علي قال:\rمنهم من هو طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، وقال كعب: هم نادرة في أولاد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق اللّه من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم اهـ خازن.\rوهم كفار دعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان ليلة الإسراء فلم يجيبوا اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: والأرز ويضم شجر الصنوبر أو ذكره اهـ.\rقوله: (فلم ينصرفا) أي للعلمية والعجمة. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ قيل: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه وأدخلوه أرضهم، فلقوا منهم أذى شديدا. وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل: معناه أنهم سيفسدون بعد خروجهم اهـ خازن.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 4 458\r\rله: (فلم ينصرفا) أي للعلمية والعجمة. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ قيل: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه وأدخلوه أرضهم، فلقوا منهم أذى شديدا. وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل: معناه أنهم سيفسدون بعد خروجهم اهـ خازن.\rقوله: (عند خروجهم) أي من هذه الفتحة اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية خراجا.\rقوله: ما مَكَّنِّي فِيهِ ما: موصولة مبتدأ وخبر خبرها اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بنونين. قوله: (و غيره) كالملك. قوله: (و أجعل لكم السد تبرعا) روي أنه قال لهم: أعدوا لي الصخر والحديد النحاس حتى أعلم علمهم، فانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخاليب وأضراس كالسباع، ولهم شعر يواري أجسادهم ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى، يصيف في واحدة ويشتي في الأخرى، يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا، فلما عاين ذو القرنين ذلك انصرف إلى بين الصدفين فقاس ما بينهما وحفر له أساسا حتى بلغ الماء اهـ خازن.\rفبنى الجدار بالصخر والنحاس المذاب، فلما وصل إلى ظاهر الأرض بنى بقطع الحديد اهـ شيخنا.\rقوله: (لما أطلبه) قال القاري: الأولى بما كما في بعض النسخ لأنه تفسير لقوله بِقُوَّةٍ اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ. يعني: لا أريد المال بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم. قالوا: وما","part":4,"page":458},{"id":1479,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 459\rأَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) حاجزا حصينا\rآتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ قطعه على قدر الحجارة التي يبنى بها، فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ بضم الحرفين وفتحهما وضم الأول وسكون الثاني أي جانبي الجبلين بالبناء ووضع المنافخ والنار حول ذلك قالَ انْفُخُوا فنفخوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ أي الحديد ناراً أي كالنار قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) هو النحاس المذاب تنازع فيه الفعلان وحذف من الأول لإعمال الثاني فأفرغ النحاس المذاب على تلك القوة؟ قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والآلة. قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتوني زبر الحديد أي قطع الحديد فأتوه بها وبالحطب على الحديد والحديد على حطب اهـ.\rقوله: رَدْماً هو أبلغ من السد اهـ شيخنا.\rقوله: آتُونِي قرأ أبو بكر ائتوني بهمزة وصل من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني من غير خلاف عنه، والباقون بهمزة الفطع فيهما، فزبر على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض أي جيئوني بزبر الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني، لأنه يتعدى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكر يحتاج إلى كسر التنوين من ردما لالتقاء الساكنين، لأن همزة الوصل تسقط درجا فيقرأ له بكسر التنوين وبعده همزة ساكنة هي فاء الكلمة وإذا ابتدأت بكلمتي ائتوني في قراءته وقراءة حمزة تبدأ بهمزة مكسورة للوصل ثم ياء صريحة هي بدل عن همزة فاء الكلمة وفي الدرج تسقط همزة الوصل فتعود الهمزة لزوال موجب إبدالها، والباقون يبتدئون ويصلون بهمزة مفتوحة لأنها همزة قطع ويتركون تنوين ردما على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو خفي على القراء. والزبر جمع زبرة كغرفة وغرف اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا ساوى غاية في هذا الذي قدره الشارح، وهو قوله: (فبنى بها) الخ اهـ.\rقوله: (بضم الحرفين) القراءات الثلاث سبعية، وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وحميد: بالفتح والإسكان والماجشون: بالفتح والضم، وعاصم في رواية بالعكس اهـ سمين.\rوسميت كل ناحية من الجبلين صدفا لكونه مصادفا ومقابلا للآخر من قولك: صادفت الرجل أي لاقيته اهـ زاده.\rوفي البيضاوي: الصَّدَفَيْنِ من الصدف وهو الميل، لأن كلا منهما منعزل عن الآخر، ومنه التصادف للتقابل اهـ.\rقوله: (أي جانبي) في نسخة حافتي الجبلين، وقوله: (بالبناء) متعلق بساوى. قوله: (و وضع المنافخ) جمع منفخ كمنبر، ويقال فيه: منفاخ، ويجمع على منافيخ كمفتاح ومفاتيح اهـ.\rقوله: قالَ انْفُخُوا مرتب على هذا المقدر، وهو قوله: (و وضع الخ) المعطوف على ساوى، وقوله: (فنفخوا) وهذه كرامة لذي القرنين حيث منع اللّه حرارة النار عن العملة الذي ينفخون ويفرغون القطر مع أنه كالنار، ومع أن الحديد المصبوب عليه كالنار أو أصعب، فلم تصبهم حرارة النار مع قربهم منها اهـ خازن.","part":4,"page":459},{"id":1480,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 460\rالحديد المحمى فدخل بين زبره فصار شيئا واحدا\rفَمَا اسْطاعُوا أي يأجوج ومأجوج أَنْ يَظْهَرُوهُ يعلوا ظهره لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (97) خرقا لصلابته وسمكه\rقالَ ذو القرنين هذا أي السد أي الإقدار عليه رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي نعمة لأنه مانع من خروجهم فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي بخروجهم القريب من البعث جَعَلَهُ دَكَّاءَ مدكوكا مبسوطا وَكانَ وَعْدُ رَبِّي بخروجهم قوله: (فدخل بين زبره) أي: قطعه أي مكان الحطب والفحم الذي كان بينها، فلما أكلته النار بقي ما بينها خاليا فأفرغ فيه النحاس المذاب فامتزج بالحديد اهـ شيخنا.\rقوله: فَمَا اسْطاعُوا الخ فجاء يأجوج ومأجوج يقصدون أن يعلوه أو يثقبوه فما استطاعوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (لارتفاعه) فكان ارتفاعه مائتي ذراع، وقوله: (و ملاسته) فكان لا يثبت عليه قدم ولا غيره، وقوله: (و سمكه) أي ثخنه أي عرضه وكان خمسين ذراعا، وتقدم أن سعة الفتحة التي بين الجبلين مائة فرسخ، فيكون طول السد وامتداده على وجه الأرض مائة فرسخ ومسيرة الفرسخ ساعة ونصف. فتكون مسيرته مائة وخمسين ساعة مسيرة اثني عشر يوما ونصفا فتبلغ مسافته نحو العقبة من مصر تأمل.\rوروى الشيخان عن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال في السد: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا»، قال: «فيعيده اللّه كأشد مما كان، حتى إذا بلغ مدتهم وأراد اللّه أن يبعثهم إلى الناس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء اللّه تعالى واستثنى» قال: «فيرجعون فيجدونه على هيئته حين تركوه فيخرجون منه على الناس فيستسقون المياه وتنفر الناس منهم» اهـ خازن.\rوهذا لا ينافي ما في الآية من قوله: جَعَلَهُ دَكَّاءَ لاحتمال أن يصير دكا بعد خرقهم له تأمل.\rقوله: (نعمة) أي على جميع الخلق.\rقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي أي: وقت وعد ربي، فالكلام على حذف مضاف كما في الكرخي.\rقوله: جَعَلَهُ دَكَّاءَ الظاهر أن الجعل هنا بمعنى التصيير، فيكون دكا مفعولا ثانيا، وجوز ابن عطية أن يكون حالا وجعل بمعنى خلق، وفيه بعد لأنه إذ ذاك موجود. وقد تقدم خلاف القراء في دكاء في الاعراف اهـ سمين.\rقوله: جَعَلَهُ دَكَّاءَ فيخرجون على الناس فيشربون المياه وتنفر الناس منهم فيهربون في حصونهم فيرمون بسهام إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض ومن في السماء فيزدادون قوة وقسوة، فيبعث اللّه عليهم داء في رقابهم فيهلكون اهـ خازن.\rقوله: (مبسوطا) أي: مساويا للأرض فيغور فيها أو يذوب حتى يصير ترابا اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى الخ) أي: إن كلام ذي القرنين قد تمّ عند قوله حَقًّا، وهذا من جانب اللّه تعالى اهـ شيخنا.","part":4,"page":460},{"id":1481,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 461\rوغيره حَقًّا (98) كائنا، قال تعالى\r* وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يوم خروجهم يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يختلط به لكثرتهم وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي القرن للبعث فَجَمَعْناهُمْ أي الخلائق في مكان واحد يوم القيامة جَمْعاً (99)\rوَعَرَضْنا قربنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (100)\rالَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ بدل من الكافرين فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي أي القرآن فهم عمي لا يهتدون به وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101) أي لا يقدرون أن يسمعوا من النبي ما يتلو عليهم بغضا له فلا يؤمنون به\rأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي أي ملائكتي وعيسى وعزيرا مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ أربابا مفعول ثان ليتخذوا، والمفعول الثاني لحسب محذوف، المعنى أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني ولا أعاقبهم عليه كلا إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ هؤلاء وغيرهم نُزُلًا (102) أي هي معدة لهم كالمنزل المعد للضيف\rقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ قوله: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ أي: جعلنا وصيرنا بعضهم يختلط ببعضهم الآخر من شدة الازدحام عند خروجهم، وذلك عقب موت الدجال، فينحاز عيسى بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم، ثم يسلط اللّه عليهم دودا في أنوفهم فيموتون به ولا يدخلون مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس، ولا يصلون إلى من تحصن منهم بورد أو ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: (لكثرتهم) أي: وضيق الأرض فإن أرضنا ضيقة جدا بالنسبة لأرضهم كما سبق اهـ شيخنا.\rقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي: النفخة الثانية بدليل الفاء التعقيبية في قوله: فَجَمَعْناهُمْ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الخلائق) أي يأجوج ومأجوج وغيرهم اهـ شيخنا.\rقوله: (قربنا) أي أظهرناها مع قربهم منها اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ أي: قلوبهم أي بصائرهم اهـ شيخنا.\rوقوله: (بدل من الكافرين) عبارة السمين: يجوز أن يكون مجرورا بدلا من للكافرين أو بيانا أو نعتا، وأن يكون منصوبا بإضمار أذم، وأن يكون مرفوعا خبر مبتدأ مضمر اهـ.\rقوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ الخ استفهام تقريع وتوبيخ، والفاء عاطفة على مقدر أي اكفروا فحسبوا والتوبيخ على كل من المعطوف والمعطوف عليه، والذين كفروا فاعل اهـ شيخنا.\rقوله: (و عزيرا) هذا لقبه، واسمه قطفير أو أطفير قاله السيوطي في التحبير اهـ.\rقوله: (مفعول ثان) أي والأول عبادي فاتخذ مفعولاه مذكوران، وقوله: (و المفعول الثاني الخ).\rأي والأول أن يتخذوا الخ اهـ شيخنا.\rوجعل السمين قوله: أَنْ يَتَّخِذُوا سادا مسد مفعولي حسب ولا حذف في الكلام تأمل.\rقوله: (كلا) ردع وزجر أي: لا ينبغي ولا يليق هذا الحسبان، وقوله: إِنَّا أَعْتَدْنا أي أعددنا وهيأنا. قوله: (هؤلاء) أي: الذين عبدوا الملائكة وعيسى وعزيرا، وقوله: (و غيرهم) أي بقية الكفار اهـ شيخنا.","part":4,"page":461},{"id":1482,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 462\rأَعْمالًا (103) تمييز طابق المميز، وبينهم بقوله\rالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بطل عملهم وَهُمْ يَحْسَبُونَ يظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) عملا يجازون عليه\rأُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بدلائل توحيده من القرآن وغيره وَلِقائِهِ أي وبالبعث والحساب والثواب والعقاب فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ بطلت فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (105) أي لا نجعل لهم قدرا\rذلِكَ أي الأمر الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وغيره، ابتدأ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) أي مهزوا بهما\rإِنَ قوله: (كالمنزل المعد للضيف) أي: ففي الكلام نوع استهزاء بهم حيث سمى محل عذابهم نزلا. والنزل: اسم لمكان الضيف اهـ شيخنا.\rوفي تقييد النزل بمكان الضيف نظر، ففي القاموس ما يقتضي أن كل منزل يقال له نزل ونصه:\rوالنزل بضمتين المنزل وما يهيأ للضيف أن ينزل عليه، والجمع أنزال والطعام ذو البركة كالتنزيل والفضل والعطاء اهـ.\rقوله: بِالْأَخْسَرِينَ جمع أخسر أي أشد خسرانا من غيرهم أو بمعنى خاسر، وقوله: (طابق المميز) جواب سؤال حاصله كيف جمع التمييز مع أن أصله الأفراد، وكيف جمع المصدر وهو لا يثنى ولا يجمع، وحاصل الجواب: أن جمعه لمشاكلة المميز اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ محله الرفع على الخبر المحذوف، فإن جواب السؤال أو الجر على البدل أو النصب على الذم اهـ بيضاوي.\rوقوله: (أو الجر) وعليه يكون الجواب قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ كما في أبي السعود اهـ شيخنا.\rقوله: (بطل عملهم) كالعتق والوقف وإغاثة الملهوف، لأن الكفر لا تنفع معه طاعة اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ الجملة حال من فاعل ضل. قوله: (أي وبالبعث والحساب الخ) أشار به إلى أن لفظ اللقاء وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول. قال اللّه تعالى: فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: 12] وذلك في حق اللّه تعالى محال، فوجب حمله على ما ذكره وهو مجاز شائع اهـ كرخي.\rقوله: (أي لا نجعل لهم قدرا) أي بل نزدريهم ونستذلهم، وإنما أوّل الشارح بذلك لأن الكفار توزن أعمالهم على التحقيق، وبعضهم قال: في الآية حذف النعت أي وزنا نافعا اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله أي الأمر، وقوله: (الذي ذكرت الخ) تفسير لاسم الإشارة الواقع خبرا. وفي السمين: قوله: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ فيه أربعة أوجه.\rأحدها: أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك، وجزاؤهم جهنم جملة برأسها.\rالثاني: أن يكون ذلك مبتدأ أول، وجزاؤهم مبتدأ ثان، وجهنم خبره وهو وخبره خبر الأول، والعائد محذوف أي جزاؤهم به.","part":4,"page":462},{"id":1483,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 463\rالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ في علم اللّه جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ هو وسط الجنة وأعلاها والإضافة إليه للبيان نُزُلًا (107) منزلا:\rخالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ يطلبون عَنْها حِوَلًا (108) تحولا إلى غيرها\rقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ أي ماؤه مِداداً هو ما يكتب به لِكَلِماتِ رَبِّي الدالة على حكمه وعجائبه بأن الثالث: أن ذلك مبتدأ، وجزاؤهم بدل أو بيان وجهنم خبره.\rالرابع: أن يكون ذلك مبتدأ أيضا، وجزاؤهم خبره، وجهنم بدل أو بيان أو خبر مبتدأ مضمر اهـ.\rقوله: وَاتَّخَذُوا فيه وجهان، أحدهما: أنه عطف على كفروا، فيكون محله الرفع لعطفه على خبر أن. والثاني: أنه مستأنف فلا محل له، والباء في قوله بِما كَفَرُوا لا يجوز تعلقها بجزاؤهم للفصل بين المصدر ومعموله اهـ سمين.\rوقوله: (للفصل بين المصدر الخ) ممنوع، وذلك لأن الخبر من معمولات المبتدأ فليس أجنبيا فالحق أن هذا الجار متعلق بالمبتدأ الذي هو جزاؤهم. قوله: (في علم اللّه) أشار به إلى جواب ما عساه أن يقال المقام للمضارع، فما وجه المضي؟ وحاصل الجواب: أن الكينونة المذكورة بحسب علم اللّه الأزلي وإن كانت الكينونة المقارنة للدخول ستحصل، وقوله: خالِدِينَ حال من الضمير في لهم، وهذا أيضا باعتبار الأزل أي حال كونهم محكوما لهم في الأزل بالخلود فيها اهـ شيخنا.\rقوله: (هو وسط الجنة) أي المكان المتوسط بين أجزائها، وقوله: (و أعلاه) أي باعتبار الدرجات والقصور فقد ورد أن درجات الجنة مائة درجة كل درجة مائة سنة، وقوله: (و الإضافة الخ) ولعل وجه الجمع على هذا اعتبار ما فيه أي في الفردوس من القصور وغيرها فكأنه جنان متعددة اهـ شيخنا.\rقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأفضلها وأوسعها وأرفعها اهـ خازن.\rوفي السمين: والفردوس الجنة من الكرم خاصة، وقيل: بل ما كان غالبها كرما، كل ما حوط فهو فردوس والجمع فراديس. قال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه أن يكون من العنب. وحكى الزجاج أنها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت واختلف فيه، فقيل:\rهو عربي، وقيل: أعجمي، وقيل: هو رومي، وقيل: فارسي، وقيل: سرياني اهـ.\rقوله: نُزُلًا فيه ما تقدم من كونه اسم مكان النزول أو ما يعد للضيف، وفي نصبه وجهان، أحدهما: أنه خبر كانت، ولهم متعلق بمحذوف على أنه حال من نزلا، أو على البيان، أو بكانت عند من يرى ذلك. والثاني: أنه حال من جنات أي ذوات نزل والخبر جار اهـ سمين.\rقوله: (تحولا) فحول مصدر سماعي لتحول اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والحول قيل: مصدر بمعنى التحول، يقال: حال عن مكانه حولا فهو مصدر كالعوج والصغر اهـ.\rقوله: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً الخ لما قالت اليهود يا محمد تزعم أننا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] ثم يقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا","part":4,"page":463},{"id":1484,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 464\rتكتب به لَنَفِدَ الْبَحْرُ في كتابتها قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ بالتاء والياء تفرغ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ أي البحر مَدَداً (109) زيادة فيه لنفد ولم تفرغ هي، ونصبه على التمييز\rقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ آدمي مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أن المكفوفة بما باقية على مصدريتها والمعنى يوحي إليّ وحدانية الإله فَمَنْ كانَ يَرْجُوا يأمل لِقاءَ رَبِّهِ بالبعث والجزاء فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أي فيها بأن يراني أَحَداً (110).\rقَلِيلًا [الإسراء: 85] فأنزل اللّه هذه الآية. وقيل: لما نزل: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالت اليهود: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء، فأنزل اللّه: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً الآية اهـ خازن.\rقوله: (أي ماؤه) أشار به إلى أن الكلام على حذف المضاف، وذلك لأن البحر حقيقته اللغوية الحفيرة بين الحافتين فاطلاقه على الماء تجوز اهـ شيخنا.\rقوله: لِكَلِماتِ رَبِّي قال بعضهم: المراد بها معلوماته، وقال بعضهم: المراد بها الكلمات النفسية غير أن تعلق الكتب بها على هذين فيه نوع خفاء، ويصح أن يراد بها الكلمات القرآنية الحادثة، ويكون عدم تناهيها باعتبار مدلولاتها، ويرجع المعنى إلى تقدير المضاف أي: لمعنى كلمات ربي، وكأن الشارح أشار بقوله: (الدالة الخ) إلى هذا الوجه اهـ شيخنا.\rقوله: لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي: فني. وفي المصباح: نفد ينفد من باب تعب نفادا فني وانقطع ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنفدته إذا أفنيته اهـ.\rقوله: (بالتاء) أي: لتأنيث لفظ الكلمات، وقوله: (و الياء) أي لأن تأنيث الكلمات غير حقيقي، والقراءتان سبعيتان اهـ من السمين.\rقوله: وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً لو: شرطية وجوابها محذوف قدره بقوله: لَنَفِدَ وأشار بقوله:\r(و لم تفرغ) إلى جواب سؤال حاصله أن الآية تدل على نفاد الكلمات وفراغها، لأن مقتضى قوله:\rقَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أنها تفرغ بعد فراغ المداد. وحاصل هذا الجواب أن في لفظ قبل معنى غير كما صرح به بعضهم، أي لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي اهـ شيخنا.\rوذكره في الكشاف: أن قبل هنا بمعنى غير أو بمعنى دون اهـ.\rقوله: (و نصبه) أي مدادا على التمييز. أي: بمثل، فكأنه قيل: ولو جئنا بمثله زيادة، فعلم من هذا ومما سبق أن المدد غير المداد اهـ شيخنا.\rقوله: (أن المكفوفة بما الخ) أي فما الكافة وإن كفتها عن العمل لا تخرجها عن المصدرية، وقوله: (وحدانية الإله) هو المصدر المأخوذ من خبرها، ولم يفسر الشارح معناه بتمامه، لأن معناها الحصر، فلو فسره لقال: لم يوح إليّ إلا وحدانية الإله أي لا تعدده، فالحصر نسبي اهـ شيخنا.\rقوله: (يأمل) في نسخة يؤمل.\rقوله: عَمَلًا صالِحاً أي: مستوفيا لمعتبراته شرعا واللّه أعلم اهـ شيخنا.\rانتهى بعونه تعالى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله سورة مريم.","part":4,"page":464},{"id":1485,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 3\rالمجلد الخامس\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة مريم مكية إلا سجدتها فمدنية أو إلا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيتين فمدنيتان وهي ثمان أو تسع وتسعون آية\rكهيعص (1) اللّه أعلم بمراده بذلك هذا\rذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ مفعول رحمة بسم اللّه الرحمن الرحيم تقدم غير مرة أن أسماء السورة وترتيبها وترتيب الآيات توقيفي، وفي بعض النسخ عليهاالسّلام وهو غير ظاهر، لأن مريم هنا جزء علم فلا بمعنى له إلا أن يكون بحسب الأصل، أي: قبل جعله علما ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن إلا مريم فذكرت فيه في ثلاثين موضعا اهـ شيخنا.\rقوله: (و إلا سجدتها) أي آيتها، وعبارة البيضاوي: إلا آية السجدة اهـ شيخنا.\rقوله: كهيعص هذه الأحرف الخمسة يتعين في الكاف والصاد منها المد المطول باتفاق السبعة هو ثلاث ألفات، ويتعين في الهاء والياء المد الطبيعي باتفاقهم أيضا وهو قدر ألف، ويجوز في العين المد المطول المذكور وقصره بقدر ألفين والقراءتان سبعيتان، ويتعين في النون من عين إخفاؤها في الصاد وغنها، ويجوز في الدال من صاد إظهارها في ذال ذكر والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) قال ابن عباس: هو اسم من اسماء اللّه تعالى. وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم اللّه الأعظم، وقيل: هو اسم السورة، وقيل: قسم أقسم اللّه به، وعن الكلبي: هو ثناء أثنى اللّه به على نفسه، وعنه: معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ببريته صادق في وعده. وعن ابن عباس قال: الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقيل: إنه من المتشابه الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول سورة البقرة اهـ خطيب.\rقوله: ذِكْرُ خبر مبتدأ محذوف قدره الشارح بقوله: (هذا) أي الذي نتلوه ونقرؤه عليك يا محمد ذكر الخ. أي: مشتمل على ذكر رحمة ربك الخ. أو ذكر بمعنى مذكور فيه أو ذو ذكر اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: ذِكْرُ رَحْمَتِ الخ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم ذكر. والثاني: انه خبر، محذوف المبتدأ تقديره المتلو ذكر أو هذا ذكر. الثالث: أنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد. قال أبو البقاء: وفيه بعد لأن الخبر هو المبتدأ في","part":5,"page":3},{"id":1486,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 4\rزَكَرِيَّا (2) بيان\rإِذْ متعلق برحمة نادى رَبَّهُ نِداءً مشتملا على دعاء خَفِيًّا (3) سرا جوف الليل لأنه أسرع للإجابة\rقالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ جميعه مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ مني شَيْباً تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب وإني أريد أن أدعوك وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ أي بدعائي إياك رَبِّ شَقِيًّا (4) أي خائبا فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي\rوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ أي الذين يلوني في النسب كبني العم مِنْ المعنى، وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة ولا في ذكر الرحمة معناها اهـ.\rقوله: ذِكْرُ رَحْمَتِ مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي ذكر اللّه رحمة عبده زكريا، وقوله:\rرَحْمَتِ رَبِّكَ مضاف لفاعله ومفعوله عبده كما قال الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول رحمة) وهذه التاء لا تمنع من عمل المصدر لأنه مبني عليها، أي المقترن بها وضعا فليست للوحدة والمرة، والتاء التي تمنع من عمله هي التي يؤتى بها للدلالة على المرة اهـ شيخنا.\rقوله: (بيان له) أي عطف بيان له. قوله: (متعلق برحمة) أي هو ظرف زمان لها أي رحمة اللّه تعالى إياه وقت أن ناداه اهـ شيخنا.\rقوله: (مشتملا على دعاء) فالنداء أوله قوله: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وآخره قوله: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا فجملة النداء ثمان جمل والدعاء منه هو قوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي في المصباح: وهن يهن من باب وعد ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته يتعدى ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن والعظم. والأجود أنه يتعدى بالهمزة فيقال: أوهنته. والوهن بفتحتين لغة في المدر، ووهن يهن بالكسر فيهما لغة. قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقرأ فما وهنوا بالكسر اهـ.\rوفي البيضاوي: وقرئ وهن بالضم ووهن بالكسر، ونظيره: كمل في الحركات الثلاث وتخصيص العظم لأنه دعامة البدن وأصل بنائه، ولأنه أصلب ما فيه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن وتوحيده لأن المراد به الجنس اهـ.\rفقول الشارح: جميعه يشير به إلى أن أل للاستغراق اهـ.\rقوله: (أي انتشر) تفسير لاشتعل، ففي الكلام استعارة حيث شبه انتشار الشيب وكثرته باشتعال النار في الخطب، واستعير الاشتعال للانتشار واشتق منه اشتعل بمعنى انتشر، وقوله: (في شعره) أي الرأس لأنه مذكر اهـ شيخنا.\rقوله: (و إني أريد أن أدعوك) أي بقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ الخ، وهذا دخول على ما بعده وهو قوله: وَلَمْ أَكُنْ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فيما مضى) أي في الزمان الماضي أي: كنت يا اللّه في الزمان الماضي تجيبني ولا تخيب دعائي فلا تخيبني في الزمان الآتي، بل استجب مني دعائي إياك فيه اهـ شيخنا.","part":5,"page":4},{"id":1487,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 5\rوَرَأَى أي بعد موتي على الدين أن يضيعوه كما شاهدته في بني إسرائيل من تبديل الدين وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ من عندك وَلِيًّا (5) ابنا\rيَرِثُنِي بالجزم جواب الأمر وبالرفع صفة وليا وَيَرِثُ بالوجهين مِنْ آلِ يَعْقُوبَ جدي العلم والنبوة وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) أي مرضيا عندك، قال تعالى في إجابة طلبه الابن والحاصل به رحمته فهذا توسل بما سلف له من الاستجابة، وتنبيه على أن المطلوب وإن لم يكن معتادا فإجابته لدعائه معتادة، وأنه تعالى عوده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه اهـ بيضاوي.\rوالتعرض في الموضعين لوصف الربوبية المنبئة عن إضافة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه السّلام، لا سيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فيدع اللّه تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ يعني بني عمه لأنهم كانوا شرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته ويبدلوا عليهم دينهم اهـ بيضاوي.\rوالموالي: جمع مولى وهو العاصب كما في المصباح. وفي الخازن: وإني خفت الموالي من ورائي أي: من بعد موتي، والموالي هم بنوا العم، وقيل: العصبة، وقيل: الكلالة، وقيل: جميع الورثة اهـ.\rقوله: مِنْ وَرائِي متعلق بما تضمنه الموالي من معنى الفعل. أي: الذين يلون الأمر بعد ولا يتعلق بخفت لفساد المعنى اهـ سمين.\rقوله: (على الدين) معمول خفت، وقوله: (من تبديل الدين) بيان لما. قوله: وَكانَتِ امْرَأَتِي وهي أشاع أخت حنة كلتاهما بنتا فاقود، فولد لأشاع يحيى، ولحنة مريم اهـ شيخنا.\rقوله: (لا تلد) أي: لم تلد قط لا في صغرها ولا في كبرها اهـ شيخنا.\rقوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي: لأن مثله لا يرجى إلا من فضلك، وكمال قدرتك، فإني وامرأتي لا نصلح للولادة اهـ بيضاوي.\rقوله: (و بالرفع) صفة وليا. والقراءتان سبعيتان، والثانية أظهر معنى لأنها تفهم أن الوصف من جملة المطلوب بخلاف قراءة الجزم اهـ شيخنا.\rقوله: (العلم والنبوة) أي لا المال، لأن الأنبياء لا يورثون فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى الخ) هذا يقتضي أن الخطاب من اللّه، وتقدم في سورة آل عمران ما يتقضي أنه من الملائكة، وهو قوله: الملائكة الخ. ويمكن أن يكون وقع له الخطاب مرتين مرة بواسطة الملائكة، وأخرى من غير واسطة اهـ شيخنا.","part":5,"page":5},{"id":1488,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 6\rيا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يرث كما سألت اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) أي مسمى بيحيى\rقالَ رَبِّ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قوله: (الحاصل به) نعت للابن على هذه النسخة فهو منصوب ونعت سببي للإجابة على نسخة بها فهو مجرور اهـ شيخنا.\rقوله: يا زَكَرِيَّا بالهمز وحذفه سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ وبين هذه البشارة ووجود الغلام في الخارج بالفعل ثلاث عشر سنة، كما تقدم في سورة آل عمران أن طلب زكريا للولد والبشارة به كان في صغر مريم وهي في كفالته، وأن الحمل بيحيى كان مقارنا للحمل بعيسى، وكانت مريم إذا ذاك بنت ثلاث عشرة سنة، وتقدم أن أشاع حملت بيحيى قبل حمل مريم بعيسى بستة أشهر اهـ شيخنا.\rقوله: (يرث كما سألت) قد يستشكل بأنه سأل ولدا يرث منه، ولم يقع ذلك لقتل يحيى في حياة زكريا. والجواب: أن المراد وراثة العلم والنبوة ولو في حياة زكريا، وأن إجابة دعاء الأنبياء قد تتخلف لقضاء اللّه بخلاف يشهد له قول نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم: «سألت ربي أن لا يذيق أمتي بعضهم بأس بعض فمنعنيها»، وزكريا استجيب له إيجاد الولد لا الارث منه اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: وكان من قضائه تعالى أن وهبه يحيى نبيا مرضيا ولا يرثه، فاستجاب دعاءه في الأول دون الثاني حيث قتل قبل موت أبيه عليهما السّلام على ما هو المشهور، وقيل: بقي بعده برهة فلا إشكال حينئذ اهـ.\rقوله: (اسمه) مبتدأ، ويحيى خبره. والجملة صفة، وكذلك جملة لم نجعل له وتولى اللّه تسميته تعظيما له وسماه بخصوص يحيى، لأن به حيي رحم أمه بعد موته بالعقم وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وتقول في تثنيته يحييان بيان رفعا ويحيين بين نصبا وجرا على حد قوله:\rآخر مقصور تثني اجعله يا الخ\r\rوتقول في جمعه جمع سلامة يحيون رفعا ويحيين نصبا وجرا على حد قوله:\rواحذف من المقصور في جمع على ... حد المثنى ما به تكملا\r\rوتقدم فيه زيادة بسط في سورة آل عمران اهـ شيخنا.\rقوله: سَمِيًّا أصله سميوا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء وهو فعيل بمعنى مفعول، كما أشار له بقوله: (أي مسمى يحيى) اهـ شيخنا.\rقوله: (كيف) استفهام استبعاد بحسب العادة الإليهة لا استبعاده عن القدرة أو استفهام تعجب وسرور بهذا الأمر العجيب. وفي زاده: وهذا الاستفهام ليس للاستبعاد بل هو سؤال عن جهة حصول الولد، كأنه قال: هل تهبه لي من امرأتي ونحن على حالنا من الهرم والضعف، أو بأن تحولنا شابين، أو بأن تهبه لي من امرأة غيرها اهـ.\rقوله: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي: ولم تلد قط والجملة حال من الياء في لي، وكذا جملة قوله:\rوَقَدْ بَلَغْتُ الخ اهـ شيخنا.","part":5,"page":6},{"id":1489,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 7\rمن عتا يبس أي نهاية السن مائة وعشرين سنة وبلغت امرأته ثمانيا وتسعين سنة، وأصل عتي عتو وكسرت التاء تخفيفا وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة والثانية ياء لتدغم فيها الياء\rقالَ الأمر كَذلِكَ من خلق غلام منكما قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي بأن أراد عليك قوة قوله: عِتِيًّا فيه أربعة أوجه: أظهرها: أنه مفعول به أي بلغت عتيا من الكبر، فعلى هذا من الكبر يجوز أن يتعلق ببلغت، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من عتيا لأنه في الأصل صفة له كما قررته لك. والثاني: أن يكون مصدرا مؤكدا لمعنى الفعل بلوغ الكبر في معناه. الثالث: أنه مصدر واقع موقع الحال من فاعل بلغت أي عاتيا أو ذا عتو. الرابع: أنه تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة من مزيدة ذكره أبو البقاء، والأول هو الأوجه اهـ سمين.\rقوله: (من عتا يبس) فالعتو اليبس في العظم والعصب والجلد، فقوله: (أي نهاية الخ) تفسير باللازم اهـ شيخنا.\rوفي المختار: عتا من باب سما وعتيا أيضا بضم العين وكسرها وهو عات، فالعاتي المجاوز للحد في الاستكبار، وعتا الشيخ يعتو عتوا بضم العين وكسرها كبر وولي اهـ.\rقوله: (عتوو) بضمتين، وقوله (كسرت الخ) أي وأما العين فهي باقية على الضم واشتمل كلامه على ثلاثة اعمال في الكلمة وهذا كله على قراءة غير حفص، وفي قراءته بكسر العين أيضا اتباعا لكسرة التاء، فتكون الأعمال أربعة، وتجري هاتان القراءتان فيما سيأتي في صلى وجثى. وفي البيضاوي:\rوأصله عتوو كقعود، فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء ثم قلبت الثانية وأدغمت اهـ.\rقوله: كَذلِكَ خبر مبتدأ محذوف كما قدره الشارح فالوقف هنا، وقوله: (من خلق الخ) أشار به إلى أن التشبيه راجع للوعد في قوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ الخ، وقوله: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ دفع للاستبعاد الحاصل من زكريا بقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وإنما أعيد قال ربك اهتماما اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: قالَ أي اللّه تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقا له وهو كما قال الكواشي جبريل عليه السّلام وهو وإن لم يتقدم له ذكر إلا أنه من المعلوم والأكثر على أنه اللّه تعالى، لأن زكريا إنما كان يخاطب اللّه تعالى ويسأله بقوله: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، وبقوله: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وبقوله: فَهَبْ لِي، وبقوله بعده: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، فوجب أن يكون هذا النداء من اللّه تعالى لسلامته عن فك النظم، وقيل: هو من الملك لقوله: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن اللّه يبشرك بيحيى، وأيضا فإنه لما قال: وقد بلغت من الكبر عتيا قال:\rكذلك قال ربك هو علي هين، وهذا لا يجوز أن يكون كلام اللّه فوجب أن يكون كلام الملك. ويمكن أن يجاب كما أفاده شيخنا بأنه يحتمل أن يحصل النداءان نداء اللّه تعالى ونداء الملائكة، ويمكن أن يكون قوله: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ من كلام اللّه تعالى، والقول بأن قوله قال كذلك قال ربك يقتضي أن القائل لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ قوله اللّه، وقوله: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ قول اللّه تعالى فكيف يصح إدراج هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين، والأولى أن يقال قائل هذا القول","part":5,"page":7},{"id":1490,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 8\rالجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قبل خلقك ولإظهار اللّه هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به\rقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ عليه أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي تمنع من كلامهم بخلاف ذكر اللّه ثَلاثَ لَيالٍ أي بأيامها كما في آل عمران ثلاثة أيام سَوِيًّا (10) حال من فاعل تكلم أي بلا علة\rفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ أي المسجد وكانوا أيضا هو اللّه تعالى كما أن الملك المعظم إذا وعد عبده شيئا عظيما فيقول العبد من أين يحصل لي هذا، فيقول: إن سلطانك ضمن لك بذلك كأنه ينبهه بذلك على أن كونه سلطانا مما يوجب عليه الوفاء بالعهد فكذلك هنا اهـ.\rقوله: (من خلق غلام منكما) أي: وأنتما على حالكما اهـ.\rقوله: (و أفتق) من باب نصر أي أشق، وقوله: (للعلوق) بفتح العين أي المني، فالعلوق بوزن صبور كما قال القاري اهـ شيخنا.\rوالظاهر أنه لا يتعين بل يصح ضم العين مصدرا تأمل. قوله: وَقَدْ خَلَقْتُكَ الخ الجملة حال.\rقوله: (و لإظهار اللّه الخ) أي: ولإرادة إظهار اللّه الخ وهذا علة مقدمة على معلولها وهو قوله: (ألهمه الخ). وقوله: (ليجاب الخ) متعلق بالسؤال أي ألهمه لإظهار الخ. وسأله ليجاب اهـ شيخنا.\rقوله: (و لما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به) قالَ رَبِ الخ أي: ليبادر إلى الشكر ويتعجل السرور، إذ الحمل لا يظهر في أول العلوق فأراد معرفته أول وجوده، فجعل اللّه آية وجوده عجزه عن كلام الناس فلا يرد السؤال كيف طلب العلامة على وجود الولد بعد أن بشره اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: (أي تمتنع) أي قهرا، وفي نسخة أي تمنع. قوله: (أي بأيامها) إنما تعرض لهذا لأن الليالي الثلاث قد تكون من يومين لأن الليل سابق النهار، فحينئذ يحصل التعارض بين ما هنا وبين الآية الأخرى، فأشار إلى الجمع بينهما بزيادة هذه الضميمة هنا واستند في زيادتها للآية الأخرى، وإنما عبّر هنا بالليالي وهناك بالأيام، لأن هذه السورة مكية والمكي سابق على المدني والليل سابق على النهار فأعطى السابق للسابق، وسورة آل عمران مدنية والمدني متأخر عن المكي والنهار متأخر عن الليل فأعطى المؤخر للمؤخر اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بلا علة) أي فيك وفي أعضائك أي وأنت سليم وأعضاؤك سليمة، فهذا المنع من الكلام بمحض قدرة اللّه تعالى لا لسبب قام بك اهـ شيخنا.\rوعن ابن عباس: أن سويا من صفة الليالي بمعنى أنها كاملات، فيكون نصبه على النعت للظرف اهـ سمين.\rقوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ أي: خرج متغير اللون عاجزا عن الكلام، فأنكروا ذلك عليه وقالوا له ما لك؟ فأوحى إليهم أي فأومأ وأشار إليهم، وقيل كتب لهم على الأرض أن سبحوا الخ اهـ خازن.\rقوله: مِنَ الْمِحْرابِ في القاموس: المحراب الغرفة وصدر البيت وأكرم مواضعه ومقام الإمام","part":5,"page":8},{"id":1491,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 9\rينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأمره على العادة فَأَوْحى أشار إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا صلوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) أوائل النهار وأواخره على العادة فعلم بمنعه من كلامهم حملها بيحيى وبعد ولادته بسنتين، قال تعالى له\rيا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ أي التوراة بِقُوَّةٍ بجد وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ النبوة صَبِيًّا (12) ابن ثلاث سنين\rوَحَناناً رحمة للناس مِنْ لَدُنَّا من عندنا وَزَكاةً صدقة من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها اهـ.\rوفي الشهاب: وأما المحراب المعروف الآن وهو طاق مجوف في حائط المسجد يصلي فيه الإمام فهو محدث لا تعرفه العرب، فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء اهـ.\rوقوله: اصطلاح للفقهاء ممنوع، بل هو معنى لغوي إذ هو من أفراد المعنى اللغوي الذي ذكره في القاموس بقوله: ومقام الإمام من المسجد اهـ.\rقوله: (أي المسجد) أي موضع الصلاة، وقوله: (و كانوا ينتظرون الخ) فكان هو مقيما به ولا يفتحه إلا وقت الصلاة ولا يدخلونه إلا بإذنه اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ سَبِّحُوا يجوز في أن أن تكون مفسرة لأوحى، وأن تكون مصدرية مفعولة بالإيحاء وبكرة وعشيا ظرفا زمان للتسبيح وانصرفت بكرة لأنه لم يقصد بها العلمية، فلو قصد بها العلمية امتنعت من الصرف. وسواء قصد بها وقت بعينه نحو: لأسيرن الليلة إلى بكرة أو لم يقصد نحو: بكرة وقت نشاط لأن علميتها جنسية كأسامة، ومثلها في ذلك كله غدوة اهـ سمين.\rوالبكرة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمراد بالصلاة في هذين الوقتين صلاة الصبح وصلاة العصر اهـ شيخنا.\rقوله: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ هذا مرتب على مقدر أشار له الشارح بقوله: (فعلم بمنعه الخ):\rفحملت به ووضعته ومضى عليه سنتان، فقال له: يعني على لسان الملك كما قاله أبو حيان يا يحيى إلخ اهـ شيخنا.\rقوله: خُذِ الْكِتابَ أي: اشتغل به حفظا وفهم معنى وعملا بأحكامه، وقوله: بِقُوَّةٍ حال من فاعل خذ، والباء للملابسة أي حال كونك ملتبسا بقوة واجتهاد اهـ شيخنا.\rقوله: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ مستأنف. قوله: (ابن ثلاث سنين) وذلك لأن اللّه تعالى أحكم عقله وأوحى إليه، فإن قلت: كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوّة حال الصبا؟ قلت: لأن أصل النبوّة مبني على خرق العادات إذا ثبت هذا فلا تمتنع صيرورة الصبي نبيا، وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير، وعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا اهـ خازن.\rقوله: وَحَناناً معطوف على الحكم أي وآتيناه أي أعطيناه حنانا، أي رحمة ورقة في قلبه وتعطفا على الناس، وقوله: وَزَكاةً معطوف عليه أيضا أي: وآتيناه زكاة أي صدقة أي تصدقا على","part":5,"page":9},{"id":1492,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 10\rعليهم وَكانَ تَقِيًّا (13) روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها\rوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ أي محسنا إليهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً متكبرا عَصِيًّا (14) عاصيا لربه\rوَسَلامٌ منا عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) أي في هذه الأيام المخوفة التي يرى فيها ما لم يره قبلها فهو آمن فيها\rوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ القرآن مَرْيَمَ أي خبرها إِذِ حين انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) أي اعتزلت في الناس أي: أعطيناه توفيقا للتصدق عليهم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وحنانا من لدنا ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفا في قلبه على أبويه وغيرهما عطف على الحكم وزكاة أي وطهارة من الذنوب أو صدقة أي: تصدق اللّه به على أبويه مكنه ووفقه للتصدق على الناس اهـ.\rقوله: وَكانَ تَقِيًّا أي بطبعه، ومن جملة تقواه أنه كان يتقوت بالعشب وكان كثير البكاء فكان لدمعه مجاري على خده اهـ شيخنا.\rفإن قيل: ما معنى قوله: وَكانَ تَقِيًّا وهذا ابتداء تكليف؟ فالجواب: أنه إنما خوطب بذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم اللّه تعالى عليه اهـ كرخي.\rقوله: (و لم يهم بها) من باب رد، وفي المختار: وهم بالشيء أراده وبابه رد اهـ.\rقوله: عَصِيًّا صيغة مبالغة، وأشار الشارح إلى أن المراد أصل الفعل فالمنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه، وأصل عصيا عصييا بوزن فعيل أدغمت الياء اهـ شيخنا.\rقوله: وَسَلامٌ عَلَيْهِ أي أي أمان كما أشار له بقوله: (فهو آمن فيها) اهـ شيخنا.\rقوله: يَوْمَ وُلِدَ أي من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم، وقوله: وَيَوْمَ يَمُوتُ أي من عذاب القبر، وقوله: وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا أي من هول الموقف، فهذه الأحوال قد أشار لها الشارح بقوله: (التي يرى فيها ما لم ير قبلها) اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (أي في هذه الأيام الخ) أشار به إلى أن حكمة السّلام عليه في هذه الأيام أنها مواطن الخوف، والسّلام هو الأمن من اللّه فآمنه فيها، وقاله هنا في قصة يحيى منكرا، وقاله بعد في قصة عيسى والسّلام معرفا. لأن الأول من اللّه كما أشار إليه والقليل منه كثير، والثاني من عيسى وأل للاستغراق أو للعهد كما في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 16] أي ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إلي كما سيأتي إيضاحه اهـ.\rقوله: مَرْيَمَ على حذف مضاف كما قدره الشارح بقوله (أي خبرها) أي قصتها، وقوله: إِذِ انْتَبَذَتْ ظرف لهذا المقدر، وليس المراد خصوص الخبر الواقع في وقت الانتباذ بل هو وما بعده إلى آخر القصة، وقوله: فَاتَّخَذَتْ فأرسلنا فتمثل معطوفات على انتبذت اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِذِ انْتَبَذَتْ في إذ أوجه، أحدها: أنها منصوبة باذكر على أنها خرجت عن الظرفية، إذ يستحيل أن تكون باقية على مضيها والعامل فيها ما هو نص في الاستقبال. والثاني:\rأنها منصوب بمحذوف مضاف لمريم تقديره واذكر خبر مريم أو نبأها إذا انتبذت فإذ منصوبة بذلك الخبر","part":5,"page":10},{"id":1493,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 11\rمكان نحو الشرق من الدار\rفَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أرسلت سترا تستتر به لتفلي رأسها أو ثيابها أو تغتسل من حيضها فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا جبريل فَتَمَثَّلَ لَها بعد لبسها ثيابها بَشَراً سَوِيًّا (17) تام الخلق\rقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) فتنتهي عني بتعوذي\rقالَ إِنَّما أَنَا أو النبأ. الثالث: أنها بدل من مريم بدل اشتمال. قال الزمخشري: لأن الأحيان مشتملة على ما فيها لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه اهـ.\rقوله: مَكاناً شَرْقِيًّا منصوب على الظرفية كما أشار له بقوله (في مكان)، ويصح أن يكون مفعولا به على أن المعنى انتبذت أتت مكانا كما في السمين. وفي المصباح ما يؤيده ونصه: وانتبذت مكانا اتخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم اهـ.\rقوله: (من الدار) أي دارها. قوله: (لتفلي) بوزن ترمي لأنه من باب رمى يرمي اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا أي ليبشرها بالغلام ولينفخ فيها فتحمل به، وقوله: فَتَمَثَّلَ لَها أي ظهر لها في صورة بشر تام الخلقة حسن الصورة أمرد جميلا وإنما ظهر لها في صورة البشر دون الملك لتأنس به ولا تنفر منه فتفهم كلامه اهـ شيخنا.\rقوله: رُوحَنا (جبريل) عليه السّلام أي: لأن الدين يحيا به ويوحيه أو سماه اللّه روحه على المجاز محبة له وتقريبا، كما تقول لحبيبك: أنت روحي، قاله في الكشاف. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصارى: فإن قلت: كيف قال اللّه تعالى ذلك مع اتفاق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة، ولهذا قالوا في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [القصص: 7] أنه وحي الهام وقيل: وحي منام؟\rقلت: لا نسلم أن الوحي لم ينزل على امرأة، فقد قال مقاتل في قوله: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أنه كان وحيا بواسطة جبريل، والمتفق عليه أن المنفي وحي الرسالة لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو بشارة الولد لا بالرسالة اهـ كرخي.\rقوله: فَتَمَثَّلَ لَها قد تكلموا في كيفية تمثله، فقال إمام الحرمين: يفني اللّه تعالى الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه. يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة، وجزم ابن عبد السّلام بالإزالة دون الفناء. وقال ابن حجر: إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفيه اللّه تعالى عن الرائي فقط اهـ كرخي.\rقوله: سَوِيًّا أي لم ينقص من الصورة البشرية شيئا اهـ خازن.\rوبشرا حال من فاعل تمثل، وسوغ وقوع الحال جامدة وصفها، فلما وصفت النكرة وقعت حالا اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: فتمثل لها بشرا سويا قيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها، وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت، فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل متمثلا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتأنس بكلامه، ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها اهـ.","part":5,"page":11},{"id":1494,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 12\rرَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) بالنبوة\rقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ بتزوج وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) زانية\rقالَ الأمر كَذلِكِ من خلق غلام منك من غير أب قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَ قوله: قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ خصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه اهـ شهاب.\rقوله: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أي: إن كنت عاملا بمقتضى تقواك وإيمانك، وجواب الشرط محذوف أي: فاتركني وانته عني، وقدره الشارح فعلا مضارعا مرفوعا مقرونا بالفاء، فيجب أن يكون على تقدير المبتدأ ليكون الجواب جملة اسمية حتى يسوغ قرنه بالفاء أي فأنت تنتهي عني اهـ شيخنا.\rقوله: لِأَهَبَ لَكِ قرأ نافع، وأبو عمرو ليهب بالياء، والباقون لأهب بالهمزة فالأولى الظاهر فهيا أن الضمير للرب أي ليهب الرب لك غلاما، وقيل الأصل لأهب بالهمزة، وإنما قلبت الهمزة ياء تخفيفا لأنها مفتوحة بعد كسرة فتتفق القراءتان وفيه بعد، وأما الثانية فالضمير للمتكلم والمراد به الملك وأسنده لنفسه لأنه سبب فيه، ويجوز أن يكون الضمير للّه تعالى ويكون على الحكاية بقول محذوف، ويقوي الذي قبله أن في بعض المصاحف أمرني أن أهب لك اهـ سمين.\rقوله: زَكِيًّا أي: طاهرا. قوله: وَلَمْ يَمْسَسْنِي أي: والحال وقوله (بتزويج) أشار به إلى أن الجواب عما قاله الإمام أن قولها لم يمسسني بشر يدخل تحته ولم أك بغيا، ولذا اقتصر عليه في سورة آل عمران. وإيضاحه، كما في الكشاف أنه جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه كقوله تعالى من قبل: أَنْ تَمَسُّوهُنَ [الأحزاب: 49] والزنا ليس كذلك، وإنما يقال فيه فجربها وحنث بها وما أشبه ذلك وليس بحقيق أن تراعي فيه الكنايات والآداب، ولم تقل بغية مع أنه وصف لمؤنث لما قاله ابن الأنباري من أن بغيا غالب في النساء قلما تقول العرب رجل بغي أي لم يلحقوا به علامة التأنيث فتركوا التاء فيه إجراء له مجرى حائض وعاقر، أو هو فعيل بمعنى فتركوا التاء فيه كما في قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] أو لموافقة الفواصل، وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل لأنها عرفت بالعادة أن الولادة أن لا تكون إلا من رجل، والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور، وإن جوزنا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلا على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء، كيف وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد، ولأنها كانت منفردة بالعبادة ومن يكون كذلك لا بد أن يعرف قدرة اللّه تعالى على ذلك اهـ كرخي.\rوقوله: بَغِيًّا أصله بغويا بزنة فعول اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما وهي الواو بالسكون فقلبت ياء على القاعدة، وأدغمت في الياء وكسرت الغين لتصح الياء، فلما كان بزنة فعول لم تلحقه التاء كما قال:\rولا تلي فارقة فعولا ... أصلا ولا المفعال والمفعيلا\r\rاه شيخنا.\rقوله: (الأمر) مبتدأ، وقوله: كَذلِكِ خبر فالوقف هنا وقوله: قالَ رَبُّكِ الخ بمنزلة التعليل كأنه قيل: الأمر كذلك لأنه علينا هين ولنجعله الخ، وهذا ما أشار له بقوله: ولكون ما ذكر الخ اهـ شيخنا.","part":5,"page":12},{"id":1495,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 13\rهَيِّنٌ أي بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به، ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ على قدرتنا وَرَحْمَةً مِنَّا لمن آمن به وَكانَ خلقه أَمْراً مَقْضِيًّا (21) به في علمي، فنفخ جبريل في جيب درعها فأحست بالحمل في بطنها مصورا\rفَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ تنحت بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22) بعيدا من أهلها\rفَأَجاءَهَا جاء بها قوله: (فتحملي) في المختار: حمل الشيء على ظهره وحملت المرأة والشجر الكل من باب ضرب اهـ.\rقوله: (و لكون ما ذكر) أي: قوله هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وقوله: (في معنى العلة) أي لما قبله من قوله (قال كذلك) اهـ شيخنا.\rقوله: آيَةً لِلنَّاسِ (على قدرتنا) أي: على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى اهـ كرخي.\rقوله: أَمْراً مَقْضِيًّا أي لا يتغير ولا يتبدل اهـ خازن.\rقوله: (فنفخ جبريل) أي نفخة وصلت إلى فرجها ودخلت منه جوفها، وهذا هو المراد بقوله تعالى في الآية الأخرى: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [الأنبياء: 91] أي في فرجها بواسطة النفخ في جيب قميصها، وليس المراد أنه نفخ في فرجها مباشرة اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: فنفخ في جيب درعها وهو بعيد عنها، فوصل الهواء إلى جيب قميصها انتهت.\rقوله: (في جيب) أي طوق درعها أي قميصها اهـ.\rقوله: فَانْتَبَذَتْ بِهِ أي: فاعتزلت وهو في بطنها والجار والمجرور في موضع الحال اهـ بيضاوي.\rيعني: أن الباء للملابسة والمصاحبة لا للتعدية، والجار والمجرور ظرف مستقر وقع حالا أي:\rمصاحبة وحاملة اهـ شهاب.\rقوله: مَكاناً قَصِيًّا أي بعيدا من أهلها. قال ابن عباس: أقصى الوادي وهو وادي بيت لحم فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. قال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة، وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومه، وقيل: كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل النساء، وقيل: كان مدة حملها ثمانية أشهر، وذلك أنه أحرى وأقوى في الدلالة على قدرة اللّه لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة وعاش.\rوقيل: ولد لستة أشهر وهي بنت عشر سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة، وقيل: ست عشرة سنة، وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى. وقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى كان لها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا إذ ذاك منطلقين إلى المسجد الذي يمنة جبل صهيون، وكانت مريم ويوسف يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد عبادة واجتهادا منهما، وأول من علم بمريم","part":5,"page":13},{"id":1496,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 14\rالْمَخاضُ وجع الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ لتعتمد عليه فولدت، والحمل والتصوير والولادة في ساعة قالَتْ للتنبيه يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا الأمر وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23) شيئا متروكا لا يعرف يوسف المذكور فبقي متحيرا في أمرها كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها وصلاحها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل، فأول ما تكلم به أن قال: قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت: قل قولا جميلا، قال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر، وهل ينبت شجر من غير غيث، وهل يكون ذلك من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، ألم تعلم أن اللّه أنبت الشجر بالقدرة من غير غيث أو تقول إن اللّه تعالى لا يقدر أن ينبت الشجر حتى استعان بالماء، لو لا ذلك لم يقدر على إنباتها، قال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن اللّه يقدر على ما يشاء يقول له كن فيكون.\rقالت مريم: ألم تعلم أن اللّه خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى. فعند ذلك زال ما في نفسه من التهمة وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، فلما دنت ولادتها أوحى اللّه إليها أن اخرجي من أرض قومك، فذلك قوله تعالى: فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا اهـ خازن.\rقوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ يقال جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد، وقوله: (جاء بها) أي ألجاها إلى جذع النخلة، والأصل في جاء أن يتعدى لواحد بنفسه، فإذا دخلت عليه الهمزة كان القياس يقتضي تعديته لاثنين إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل فصار بمعنى ألجأه إلى كذا اهـ شيخنا.\rقوله: (لتعتمد عليه) فاعتمدت عليه بصدرها وقيل: احتضنته وكان جذعا يابسا لا رأس له، فلما اعتمدت عليه اخضر وأطلع الجريد والخوص والثمر رطبا في وقت واحد، كما أن حمل عيسى وتصويره وولادته في وقت واحد اهـ شيخنا.\rوكان الوقت شديد البرد اهـ خازن.\rوالمستفيض والمشهور أن ولادة عيسى عليه السّلام كانت ببيت لحم، وأنها لما هربت وخافت عليه اسرعت به وجاءت به إلى بيت المقدس فوضعته على صخرة فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهد، وهي الآن موجودة تزار بحرم بين المقدس، ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمسته فيه وهو اليوم الذي يتخذه النصارى عيدا ويسمونه يوم الغطاس، وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست، فلذلك يغطسون في كل ماء. ومن زعم أنها ولدت بمصر قال بكورة اهناس فلم يثبت اهـ من البحر لأبي حيان واهناس بجانب البهنسا اهـ.\rقوله: يا (للتنبيه) أي: لأن المنادى غير عاقل ليتني مت قبل هذا الأمر تمنت الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها السوء في دينها أو استحياء من الناس، فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى، أو لعلها قالت ذلك لئلا تقع المصيبة بمن يتكلم فيها، وإلّا فهي راضية بما بشرت به فلا يرد السؤال كيف تمنت الموت مع أنها كانت تعلم أن اللّه تعالى بعث لها جبريل عليه السّلام ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين اهـ كرخي.\rقوله: وَكُنْتُ نَسْياً بكسر النون وقرئ نسيا بفتحها وهما بمعنى كالوتر بفتح الواو والوتر","part":5,"page":14},{"id":1497,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 15\rولا يذكر\rفَناداها مِنْ تَحْتِها أي جبريل وكان أسفل منها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) نهر ماء كان انقطع\rوَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ كانت يابسة والباء زائدة تُساقِطْ أصله بتاءين قلبت بكسرها، والنسي بمعنى المنسي كالذبح بمعنى المذبوح فقوله: مَنْسِيًّا تأكيد، وقوله: (شيئا متروكا الخ) أي شيئا حقيرا كالوتد وقطع الحبل وخرق الحيض من كل شيء حقير اهـ شيخنا.\rقوله: فَناداها أي خاطبها من تحتها بكسر من وفتحها سبعيتان، فقوله: (أي جبريل) تفسير لمن على الفتح وللضمير المستتر في نادى على الكسر، وقوله: (أن لا تحزني) أن مفسرة ولا ناهية، وقوله: (و قد جعل الخ) بمنزلة العلة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مِنْ تَحْتِها قرأ الأخوان، ونافع، وحفص بكسر ميم من وجر تحتها، والباقون بفتحها ونصب تحتها. فالقراءة الأولى تقتضي أن يكون الفاعل في نادى مضمرا وفيه تأويلان، أحدهما: هو جبريل ومعنى كونه من تحتها أنه في مكان أسفل منها، ويدل على ذلك قراءة ابن عيسى فناداها ملك من تحتها فصرح به. ومن تحتها على هذا فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالنداء أي جاء النداء من هذه الجهة. والثاني: أنه حال من الفاعل أي فناداها وهو تحتها. وثاني التأويلين: أن الضمير لعيسى أي فناداها المولود من تحت ذيلها، والجار فيه الوجهان من كونه متعلقا بالنداء أو بمحذوف على أنه حال، والثاني أوضح. والقراءة الثانية فتكون فيها من موصولة والظرف صلتها والمراد بالموصول إما جبريل وإما عيسى، وقوله: أَلَّا تَحْزَنِي يجوز في أن أن تكون مفسرة لأنه تقدم عليها ما هو بمعنى القول، ولا على هذا ناهية وحذفت النون للجازم، وأن تكون الناصبة ولا حينئذ نافية وحذفت النون للناصب، ومحل أن إما نصب أو جر لأنها على حذف حرف الجر أي: فناداها بكذا والضمير في تحتها إما لمريم وإما للنخلة، والأول أولى لتوافق الضميرين اهـ بحروفه.\rقوله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ أي قربك سريا وسمي النهر سريا لأن الماء يسري فيه، وقوله:\r(كان انقطع) أي ثم جرى وامتلأ ماء ببركة عيسى وأمه اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: والسري الجدول وهو النهر الصغير والجمع سريان مثل رغيف ورغفان والسري الرئيس، والجمع سراة وهو عزيز لا يكاد يوجد له نظير لأنه لا يجمع فعيل على فعلة، وجمع السراة سروات، وسريا: يجوز أن يكون مفعولا أول، وتحتك مفعولا ثانيا لأن جعل بمعنى صير، ويجوز أن يكون بمعنى خلق فيكون تحتك لغوا. والسري فيه قولان، أحدهما: أنه الرجل المرتفع القدر من سر ويسر وكشرف يشرف فهو سري وأصله سريو فأعل إعلال سيد فلامه واو والمراد به الآية عيسى عليه السّلام، وقيل: السري من سريت الثوب أي نزعته، وسررت الحبل عن الفرس أي نزعته كأن السري سرى ثوبه بخلاف المدثر والمزمل قاله الراغب. والثاني: أنه النهر الصغير ويناسبه فكلي واشربي واشتقاقه من سرى يسري لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا ياء اهـ سمين.\rقوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يجوز أن تكون الباء في بجذع زائدة كهي في قوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [البقرة: 195] ويجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفا، والجار والمجرور حال من ذلك المحذوف تقديره: وهزي إليك رطبا كائنا بجذع النخلة اهـ سمين.","part":5,"page":15},{"id":1498,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 16\rالثانية سينا وأدغمت في السين وفي القراءة تركها عَلَيْكِ رُطَباً تمييز جَنِيًّا (25) صفته\rفَكُلِي من الرطب وَاشْرَبِي من السري وَقَرِّي عَيْناً بالولد تمييز محول من الفاعل أي لتقر عينك به أي تسكن فلا تطمح إلى غيره فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة تَرَيِنَ حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين مِنَ الْبَشَرِ قوله: (و في قراءة تركها) أي ترك التاء الثانية يعني مع تخفيف السين وفتح القاف، والقراءتان سبعيتان وبقي أخرى سبعية وهي ضم التاء وكسر القاف. تساقط بمعنى تسقط فرطبا عليها مفعول به، وقوله تمييز أي محول عن الفاعل، والأصل يتساقط عليك رطبها وكونه تمييزا إنما هو على القراءتين اللتين في الشارح دون الثالثة فإنه عليها مفعول به كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: رُطَباً جَنِيًّا الجني ما طاب وصلح للاجتناء وهو فعيل بمعنى فاعل أي طريا اهـ سمين.\rأي: يستحق أن يجنى اهـ.\rقوله: وَقَرِّي عَيْناً أي طيبي نفسا ووطنيها وارفضي عنها ما أحزنك وعينا نصب على التمييز منقول من الفاعل إذا الأصل لتقر عينك، والعامة على فتح القاف من قري أمر من قرت تقر بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، وقرئ بكسر القاف وهي لغة نجد يقولون: قرت عينه تقر بفتح العين وفي الماضي وكسرها في المضارع. وفي وصف العين بذلك تأويلان، أحدهما: أنه مأخوذ من القر وهو البرد، وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها قارا أي باردا، وإذا حزن كان دمعها حارا، ولذلك قالوا في الدعاء عليه: أسخن اللّه عينه. والثاني: أنه مأخوذ من الاستقرار. والمعنى أعطاه اللّه ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره اهـ سمين.\rوفي المصباح: وقرت العين من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورا. وفي لغة أخرى من باب تعب، وأقر اللّه العين بالولد وغيره إقرارا في التعدية اهـ.\rقوله: (أي تسكن) أي: فهو من القرار بمعنى الاستقرار، أي السكون وعدم الحركة، وقوله:\r(فلا تطمح) أي تلتفت إلى غيره ككلام الناس في شأنها أي فلا تشتغلي به بل بولدك اهـ شيخنا.\rقوله: (حذفت منه لام الفعل) فأصلة ترأيين بهمزة هي عين الفعل وياء مكسورة هي لامه، وأخرى ساكنة هي ياء الضمير والنون علامة الرفع وطريق حذف اللام أنها تحركت، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقت ساكنة مع ياء الضمير فحذفت لالتقاء الساكنين، وقوله: (و عينه) وهي الهمزة لكن بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها وهو الراء التي هي الفاء، فلو قدم قوله: (و ألقيت حركتها) على قوله:\r(و عينه) لكان أوضح، وقوله: (و كسرت ياء الضمير الخ) أي بعد حذف نون الرفع للجازم، وهو إن الشرطية وإدخال نون التوكيد الثقيلة، فالساكنان هما ياء الضمير والنون الأولى من نوني التوكيد فإنها بنونين، فصار وزن الفعل تفين فلم يبق من أصوله إلا الفاء. والحاصل أن الأعمال ستة أو سبعة: قلب الباء ألفا، ثم حذفها، ثم نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها، ثم حذف نون الرفع، ثم إدخال نون التوكيد ثم تحريك ياء الضمير اهـ شيخنا.","part":5,"page":16},{"id":1499,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 17\rأَحَداً فسألك عن ولدك فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي إمساكا عن الكلام في شأنه وغيره من الأناسي بدليل فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) أي بعد ذلك\rفَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ حال، فرأوه قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27) عظيما حيث أتيت بولد من غير أب\rيا أُخْتَ هارُونَ هو قوله: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ الخ بين هذا الجواب وشرطه جملة محذوفة، والتقدير: فإما ترين من البشر أحدا فسألك الكلام فقولي، وبهذا المقدر يتخلص من إشكال وهو أن قولها فلن أكلم اليوم إنسيا كلام فيكون ذلك تناقضا لأنها قد كلمت أنسيا بهذا الكلام، وجوابه ما تقدم، وقيل: المراد بقوله فَقُولِي أي بالإشارة وليس بشيء، بل المعنى فلن أكلم اليوم إنسيا بعد هذا الكلام اهـ سمين.\rقوله: صَوْماً أي صمتا. قيل: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الكلام فلا يتكلم حتى يمسي، وقيل: إن اللّه أمرها أن تقول هذا القول نطقا ثم تمسك عن الكلام بعده، وإنما منعت من الكلام لأمرين، أحدهما: أن يكون عيسى عليه الصلاة والسّلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، وفي هذا دلالة على تفويض الكلام إلى الأفضل. والثاني: كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب اهـ خازن.\rقوله: (مع الأناسي) أي لا مع اللّه كالذكر ولا مع الملائكة. وفي الخازن: يقال إنها كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس اهـ.\rوالأناسي بفتح الهمزة جمع إنسي أو جمع إنسان، وأصله على هذا أناسين فقلبت النون ياء وأدغمت الياء في الياء اهـ من كلامه في سورة الفرقان وسيأتي هناك مزيد بسط لذلك. قوله: (أي بعد ذلك) أي بعد ذلك القول أي قولها: إني نذرت للرحمن صوما اهـ.\rقوله: فَأَتَتْ بِهِ أي من المكان القصي الذي اعتزلت فيه للوضع. قيل: في يوم الوضع، وقيل: بعد أن طهرت من نفاسها بعد أربعين يوما، وقوله: (فرأوه) أي أبصروه معها اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: واختلفوا في كيفية إتيانها به، فقيل: ولدته ثم حملته في الحال إلى قومها، وقيل: احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها ثم حملتها إلى قومها، فكلمها في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد اللّه ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين اهـ.\rقوله: تَحْمِلُهُ في محل نصب على الحال من فاعل أتت أي أتت مصاحبة له نحو: جاء زيد بثيابه أي ملتبسا بها، ويجوز أن تكون حالا من الهاء في به اهـ سمين.\rقوله: لَقَدْ جِئْتِ أي فعلت وارتكبت شيئا فريا مأخوذ من فريت الجلد قطعته أي شيئا قاطعا وخارقا للعادة التي هي الولادة بواسطة الأب اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فريا شيئا مفعول به أي فعلت أو مصدر أي نوعا من المجيء غريبا، والفري العظيم من الأمر يقال في الخير والشر، وقيل: الفري العجيب، وقيل: المفتعل. ومن الأول الحديث في وصف عمر رضي اللّه عنه: فلم أر عبقريا يفري فريه، والفري قطع الجلد للخرز والإصلاح والإفراء إفساده. في المثل: جاء يفري الفري أي يعمل العمل العظيم اهـ.","part":5,"page":17},{"id":1500,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 18\rرجل صالح أي يا شبيهته في العفة ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ أي زانيا وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) زانية فمن أين لك هذا الولد؟\rفَأَشارَتْ لهم إِلَيْهِ أن كلموه قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ أي وجد وفي المختار: فرى الشيء قطعه لإصلاحه وبابه رمى، وفرى كذبا خلقه وافتراه اختلقه والاسم الفرية، وقوله تعالى: شَيْئاً فَرِيًّا أي مصنوعا مختلقا، وقيل: عظيما وأفرى الأوداج قطعه وأفرى الشيء شقه فانفرى وتفرى أي انشق. وقال الكسائي: أفرى الأديم قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الإصلاح اهـ.\rقوله: يا أُخْتَ هارُونَ هذا من كلامهم أيضا. قوله: (أي يا شبيهته) الخ عبارة الخازن: أي يا شبيهة هارون: قيل: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل شبهت به في عفتها وصلاحها، وليس المراد منه الأخوة في النسب. قيل: إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا من بني إسرائيل كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس، وقيل: كان هارون أخا مريم لأبيها، وقيل: إنما عنوا هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وقيل: كان هارون فاسقا في بني أسرائيل أعظم الفسق فنسبوها إليه على وجه التعيير والتوبيخ اهـ.\rقوله: ما كانَ أَبُوكِ أي عمران وما كانت أمك أي حنة أخت أشاع زوجة زكريا وأم يحيى اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ مريم إلى عيسى أن كلموه. قال ابن مسعود: لما لم يكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها. وقيل: لما أشارت إليه غضب القوم وقالوا: فعلت ما فعلت وتسخرين بنا، ثم قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا. قيل: أراد بالمهد حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقيل:\rلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاعة وأقبل عليهم، وقيل: لما أشارت إليه ترك الرضاع واتكأ على يساره وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه وقال: إني عبد اللّه الخ اهـ خازن.\rقوله: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ جعلها الشارح تامة حيث فسرها بوجد وهو أحد وجوه ذكرها السمين ونصه: في كان هذه أقوال:\rأحدها: أنها زائدة وهو قول أبي عبيد أي كيف نكلم من في المهد، وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة.\rوالثاني: أنها تامة بمعنى حدث ووجد، والتقدير كيف نكلم من وجد صبيا. وصبيا حال من الضمير في كان.\rالثالث: أنها بمعنى صار أي كيف نكلم من صار في المهد صبيا وصبيا على هذا خبرها.\rالرابع: أنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 96] ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل اهـ.\rوفي القاموس: المهد الموضع يهيأ للصبي ويوطأ والأرض كالمهاد، والجمع مهود ومهده كمنعه بسطه كمهده وككتاب الفراش، والجمع أمهدة ومهد اهـ.","part":5,"page":18},{"id":1501,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 19\rفِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)\rقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ أي الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)\rوَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ أي نفاعا للناس إخبار بما كتب له وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أمرني بهما ما دُمْتُ حَيًّا (31)\rوَبَرًّا بِوالِدَتِي منصوب بجعلني مقدرا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً متعاظما شَقِيًّا (32) عاصيا لربه\rوَالسَّلامُ من اللّه عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) يقال فيه ما تقدم في قوله: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وصف نفسه بصفات ثمانية أولها: العبودية فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها، وآخرها: تأمين اللّه له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه اهـ شيخنا.\rقوله: أَيْنَ ما كُنْتُ أينما شرطية وجوابها إما محذوف مدلول عليه بما تقدم أي أينما جعلني مباركا، وإما هو المتقدم عند من يرى ذلك ولا جائز أن تكون استفهامية لأنه يلزم أن يعمل فيها ما قبلها وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام، فتعين أن تكون شرطية لأنها منحصرة في هذين المعنيين اهـ كرخي.\rقوله: (أي نفاعا للناس) أي حيثما توجه لأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويرشد ويهدي اهـ كرخي.\rقوله: (اخبار بما كتب له) أي في اللوح. أي: فالماضي بمعنى المستقبل، وقيل: أنه نبىء في المهد كيحيى فالماضي على حاله وتقديمه هذا التأويل على قوله: وَأَوْصانِي الخ يقتضي أن هذا الماضي على حقيقته وهو قول لبعض المفسرين قال: أنه أمر بهما أن يفعلهما في صغره إلى آخر عمره بدليل قوله: ما دُمْتُ حَيًّا اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي زكاة المال إذا ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل اهـ بيضاوي.\rقوله: (أمرني بهما) أي بأن أفعلهما إذا بلغت، وقيل: بأن أفعلهما من الآن قولان للمفسرين اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وقيل: المراد أن اللّه تعالى صيره حين انفصل عن أمه بالغا عاقلا وهذا القول أظهر اهـ.\rقوله: وَبَرًّا العامة على فتح الباء وفيه تأويلان، أحدهما: أنه منصوب نسقا على مباركا أي وجعلني برا. والثاني: أنه منصوب فعل واختير هذا على الأول، لأن فيه فصلا كثيرا بجملة الوصفية ومتعالقاتها وقرئ بكسر الباء إما على حذف مضاف وإما على المبالغة في جعله نفس المصدر اهـ سمين.\rقوله: (متعاظما) أي بل جعلني متواضعا كان من تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر ويجلس على التراب ولم يتخذ له مسكنا اهـ شيخنا.\rقوله: وَالسَّلامُ أي الأمان من اللّه علي والألف واللام فيه للعهد لأنه قد تقدم لفظه في قوله وسلام عليه فهو كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 16]","part":5,"page":19},{"id":1502,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 20\rالسيد يحيى، قال تعالى:\rذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ بالرفع خبر مبتدأ مقدر أي قول ابن مريم وبالنصب بتقدير قلت والمعنى القول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) من المرية أي يشكون أي ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ. وقال الزمخشري بعد ذكره ما قدمته: والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمي مريم عليهاالسّلام وأعدائها من اليهود، وتحقيقه أن اللام للجنس، وإذا قال وجنس السّلام على خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم ونظيره: والسّلام على من اتبع الهدى اهـ سمين.\rوروي عن عيسى أنه قال ليحيى: أنت خير منّي سلّم اللّه عليك وسلمت أنا على نفسي، وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه إنما هو بتسليم اللّه عليه لأنه إنما فعله بإذن اللّه اهـ زاده.\rقوله: يَوْمَ وُلِدْتُ منصوب بما تضمنه على من الاستقرار، ولا يجوز نصبه بالسلام للفصل بين المصدر ومعموله. وقرأ زيد بن علي: ولدت جعله فعلا ماضيا مسندا لضمير مريم والتاء للتأنيث وحيا حال مؤكدة اهـ سمين.\rقوله: وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا آخر كلامه فعلموا به براءة أمه ثم سكت بعد ذلك فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الأطفال اهـ خازن.\rقوله: (يقال فيه ما تقدم) أي من أنه إنما خص هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ويجوز أن يكون عيسى خبرا لذلك، ويجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان، وقول الحق خبره ويجوز أن يكون قول الحق خبر مبتدأ مضمر أي هو قول، وابن مريم يجوز أن يكون نعتا أو بدلا أو بيانا أو خبرا ثانيا، وقرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر قول الحق بالنصب والباقون بالرفع فالرفع على ما تقدم، وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو بدل. قال الشيخ: وهذا الذي ذكره لا يكون إلا على المجاز في قول وهو أن يراد به كلمة اللّه، لأن اللفظ لا يكون الذات والنصب يجوز فيه أن يكون مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد اللّه الحق لا الباطل أي أقول قول الحق فالحق الصدق، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته أي القول الحق كقوله: وعد الصدق أي الوعد الصدق، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح إن أريد بالحق البارىء تعالى، والذي نعت للقول إن أريد به عيسى وسمي قولا كما سمي كلمة لأنه عنها نشأ، وقيل: هو منصوب باضمار أعني، وقيل: هو منصوب على الحال من عيسى، ويؤيد هذا ما نقل عن الكسائي في توجيه الرفع أنه صفة لعيسى اهـ سمين.\rقوله: (بالرفع الخ) أي فهو كلام مستقل فالوقف على مريم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي قول ابن مريم) هذا تفسير للمبتدأ المحذوف، وقوله: (بتقدير قلت): هذا من جانب اللّه تعالى، وقوله: (و المعنى الخ) هذا تفسير للاضافة أي أنه من إضافة الموصوف للصفة وهو راجع لكل من الرفع والنصب فهو بالرفع أو بالنصب، وقوله: (الذي فيه يمترون) خبر مبتدأ محذوف أي هو أي عيسى الذي فيه يمترون، وكأن المضارع بمعنى الماضي، ومعنى الجملة قول ابن مريم أي كلامه الذي تقدم الذي اشتمل على صفاته الثمانية القول الحق أي هو القول الصدق أي لا ما قالته النصارى في شأنه فهو كذب وهذا على الرفع، والمعنى على النصب قلت في شأنه وأخبرت عنه، وذكر القول الحق أي الصدق أي فما ذكره النصارى كذب اهـ شيخنا.","part":5,"page":20},{"id":1503,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 21\rوهم النصارى قالوا إن عيسى ابن اللّه كذبوا\rما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ تنزيها له عن ذلك إِذا قَضى أَمْراً أي أراد أن يحدثه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) بالرفع بتقدير هو وبالنصب بتقدير أن ومن ذلك خلق عيسى من غير أب\rوَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ بفتح أن بتقدير اذكر وبكسرها بتقدير قل بدليل ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربي وربكم هذا المذكور وفي القرطبي: ذلك عيسى ابن مريم أي ذلك الذي ذكرناه عيسى ابن مريم، فكذلك اعتقدوه لا كما يقول اليهود إنه ابن يوسف النجار ولا كما قالت النصارى إنه إله أو ابن الإله. قول الحق نعت لعيسى أي ذلك عيسى ابن مريم قول الحق، وسمي قول اللّه كما سمي كلمة اللّه، والحق هو اللّه عز وجل. وقرأ عاصم، وعبد اللّه بن عامر قول الحق بالنصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة في ذلك اهـ.\rقوله: (قالوا إن عيسى ابن اللّه) أي وقالوا غير هذه المقالة أيضا كما سيأتي في قوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [الزخرف: 65] وإنما اقتصر على هذه هنا لأنها التي يتضح إبطالها بقوله: ما كانَ لِلَّهِ الخ اهـ شيخنا.\rوإلا فلا يظهر تفسير الشك إلا بمجموع المقالات الثلاث الآتية، وأما بالنظر لكل واحدة منها فلا شك لجزم أصحابها بها اهـ.\rقوله: ما كانَ لِلَّهِ الخ أي لا يمكن ولا تتعلق به قدرته لأنه مستحيل اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ في موضع رفع اسم كان ومن صلة نفي عن نفسه الولد أي ما كان من صفته اتخاذ الولد، والمعنى أن ثبوت الولد له محال، فقوله: ما كانَ لِلَّهِ أي يتخذ من ولد كقولنا: ما كان للّه أن يكون له ثان ولا شريك أي: لا يصح ذلك ولا ينبغي، بل يستحيل فلا يكون نفيا على الحقيقة وإن كان بصورة النفي اهـ كرخي.\rقوله: (عن ذلك) أي اتخاذ الولد، وقوله: إِذا قَضى أَمْراً بمنزلة التعليل لما قبله اهـ.\rقوله: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي فلا يحتاج في اتخاد ولد إلى إحبال أنثى فهو تبكيت أي إلزام بالحجة اهـ كرخي.\rقوله: (بتقدير أن) أي بعد فاء السببية الواقعة بعد الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: (و من ذلك) أي الأمر في قوله إذا قضى أمرا.\rقوله: (بتقدير اذكر) أي وهو خطاب لعيسى أي اذكر يا عيسى لقومك أو قل لهم إن اللّه ربي الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بدليل ما قلت لهم) متعلق بمحذوف تقديره: وهذا من كلام عيسى بدليل ما قلت لهم الخ وهو راجع للقراءتين، وعبارة الخازن: وإن اللّه ربي وربكم فاعبدوه هذا أخبار عن عيسى أنه قال ذلك اهـ.\rوفي السمين: قوله: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ قرأ ابن عامر والكوفيون بكسر إن على الاستئناف،","part":5,"page":21},{"id":1504,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 22\rصِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (36) مؤد إلى الجنة\rفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي النصارى في عيسى أهو ابن اللّه أو إله معه أو ثالث ثلاثة فَوَيْلٌ فشدة عذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا بما ذكر وغيره مِنْ ويؤيده ما قرأه أبي إن اللّه بالكسر بدون واو، وقرأ الباقون بفتحها وفيها أوجه.\rأحدها: أنها على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، والتقدير ولأن اللّه ربي وربكم فاعبدوه كقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن: 18] والمعنى لوحدانيته أطيعوه، وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل وسيبويه.\rالثاني: أنها عطف على الصلاة، والتقدير وأوصاني بالصلاة وبأن اللّه وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكي غيره، ويؤيده في مصحف أبي وبأن اللّه ربي بإظهار الباء الجارة.\rالثالث: أن يكون في محل نصب نسقا على الكتاب في قوله: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ على أن يكون الخطاب بذلك لمعاصي عيسى عليه السّلام، والقائل لهم ذلك هو عيسى. وعن وهب:\rعهد إليهم عيسى ان اللّه ربي وربكم قال هذا القائل، ومن كسر الهمزة يكون قد عطف ان اللّه على قوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فهو داخل في حيز القول، وتكون الجمل من قوله: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الخ جمل اعتراض وهو من البعد بمكان اهـ.\rقوله: هذا (المذكور) يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة، وسمي هذا القول صراطا مستقيما تشبيها بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة كما صرح به في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ الخ أي أن النصارى تحزبوا وتفرقوا في شأن عيسى واختلفوا بعد رفعه إلى السماء ثلاث فرق: النسطورية والملكانية واليعقوبية اهـ خازن.\rقوله: مِنْ بَيْنِهِمْ حال من الأحزاب، والمعنى حال كون الأحزاب بعضهم أي بعض النصارى، إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد اللّه ورسوله، وفي القرطبي: ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قال:\rاجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو اللّه تعالى هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، فقالت الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن اللّه وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه فقال: هو ثالث ثلاثة اللّه إله وهو إله وأمه إله وهم الاسرائيلية ملوك النصارى، فقال الرابع: كذبت بل هو عبد اللّه وروحه ورسوله وكلمته وهم المسلمون. وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا وظهروا على المسلمين، فذلك قول اللّه عز وجل: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: 21] قال قتادة: وهم الذين قال اللّه فيهم فاختلف الأحزاب من بينهم فاختلفوا فيه فصاروا أحزابا، وهذا معنى قوله الذي فيه يمترون اهـ.\rقوله: (أهو ابن اللّه) هذا قول النسطورية، وقوله: (أو إله معه) قول الملكانية، وقوله: (أو ثالث ثلاثة) هذا قول اليعقوبية، والثلاثة اللّه وعيسى وأمه اهـ شيخنا.","part":5,"page":22},{"id":1505,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 23\rمَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أي حضور يوم القيامة وأهواله\rأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ بهم صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم يَوْمَ يَأْتُونَنا في الآخرة لكِنِ الظَّالِمُونَ من إقامة الظاهر مقام المضمر الْيَوْمَ أي في الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) أي بين به صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي قوله: لِلَّذِينَ كَفَرُوا وهم المختلفون عبر عنهم بالموصول إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم اهـ السعود.\rقوله: مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ مشهد مفعل إما من الشهادة وإما من الشهود وهو الحضور، ومشهد هنا يجوز أن يراد به الزمان أو المكان أو المصدر، فإذا كان من الشهادة، والمراد به الزمان فتقديره: من وقت شهادة يوم، وإن أريد به المكان فتقديره: من مكان شهادة يوم وأن أريد به المصدر فتقديره من شهادة ذلك اليوم وأن تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم والملائكة والأنبياء، وإذا كان من الشهود وهو الحضور فتقديره: من شهود الحساب والجزاء يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف أو من وقت الشهود، وإذا كان مصدرا بحالتيه المتقدمتين فتكون إضافته إلى الظرف من باب الاتساع كقوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ويجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله على ما يجعل اليوم شاهدا بينهم إما حقيقة وإما مجازا اهـ سمين.\rقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ هذا لفظ أمر ومعناه التعجب وأصح الأعاريب فيه كما تقرر في علم النحو أن فاعله هو المجرور بالباء والباء زائدة وزيادتها لازمة إصلاحا للفظ لأن أفعل أمر ولا يكون فاعله ضميرا مستترا، ولا يجوز حذف هذه الباء إلا مع إن وأن. ولنا قول ثان أن الفاعل مضمر، والمراد به المتكلم كأن المتكلم يأمر نفسه بذلك والمجرور بعده في محل نصب، ويعزى هذا للزجاج، ولنا قول ثالث: وهو أن الفاعل ضمير المصدر والمجرور منصوب المحل أيضا، والتقدير أحسن يا حسن بزيد ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظا جاز حذفه للدلالة عليه كهذه الآية، وأن تقديره وأبصر بهم وفيه أبحاث موضوعها كتب النحو، وقيل: بل أمر حقيقة والمأمور هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحالهم ماذا نصنع بهم من العذاب وهو منقول عن أبي العالية اهـ سمين.\rقوله: (صيغتا تعجب) يعني أن لفظهما الأمر ومعناهما التعجب فصح رفعهما الظاهر وزيد في فاعلهما الباء كما زيدت في فاعل كفى باللّه شهيدا، إلا أن الباء في فاعل التعجب لازمة وفي فاعل كفى جائزة اهـ كرخي.\rوسيأتي أن هذا التعجب مصروف للمخاطبين والمراد به التعجب أي حمل المخاطب على التعجب، وليس المراد منه التعجب من المتكلم وهو اللّه تعالى لاستحالة هذا المعنى في حقه كما سيأتي. قوله: (من إقامة الظاهر مقام المضمر) أي للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم والأصل لكنهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي ضَلالٍ أي خطأ مبين. قوله: (به صموا) أي بسببه أي الضلال حصل لهم الصمم والعمى فهو متعلق بما بعده اهـ.","part":5,"page":23},{"id":1506,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 24\rاعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا\rوَأَنْذِرْهُمْ خوف يا محمد كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان في الدنيا إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ لهم فيه بالعذاب وَهُمْ في الدنيا فِي غَفْلَةٍ عنه وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) به\rإِنَّا نَحْنُ تأكيد نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها من العقلاء وغيرهم بإهلاكهم وَإِلَيْنا قوله: (أي أعجب) أي تعجب منهم إلى قوله (في الآخرة) تفسير لقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، وقوله: (بعد أن كانوا الخ) تفسير لقوله: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ الخ اهـ شيخنا.\rوإنما صرف التعجب إلى المخاطبين لظهور استحالة الحمل على التعجب من المتكلم نفسه، والمراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما عميا في الدنيا أو أن المعنى أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال اليوم الذي يأتوننا فيه ليعتبروا وينزجروا اهـ كرخي.\rقوله: (يتحسر فيه المسيء الخ) أي ويتحسر فيه المحسن على ترك الزيادة في الإحسان كما في الحديث اهـ خازن.\rقوله: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ يجوز أن يكون منصوبا بالحسرة والمصدر المعرف بأل يعمل في المفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف، ويجوز أن يكون بدلا من يوم فيكون معمولا لأنذر كذا قال أو البقاء والزمخشري، وتبعهما الشيخ ولم يذكر غير البدل. وهذا لا يجوز أن كان الظرف باقيا على حقيقته إذ يستحيل أن يعمل المستقبل في الماضي فإن جعلت اليوم مفعولا به أي خوفهم نفس اليوم أي أنهم يخافون اليوم نفسه صح ذلك لخروج الظرف إلى حيز المفاعيل الصريحة اهـ سمين.\rقوله: (فيه) أي يوم الحسرة. قوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ الخ الجملتان حال من الضمير في أنذرهم أي الضمير البارز اهـ شيخنا.\rوتلك الحال متضمنة للتعليل اهـ بيضاوي.\rأي أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار وهي الغفلة والكفر اهـ شهاب.\rوفي السمين: قوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ جملتان حاليتان وفيهما قولان، أحدهما:\rأنهما حالان من الضمير المستتر في قوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين. والثاني: أنهما حالان من مفعول أنذرهم أي أنذرهم على هذه الحالة. وما بعدها، وعلى الأول يكون قوله: وَأَنْذِرْهُمْ اعتراضا اهـ.\rقوله: (تأكيد) أي لفظ نحن تأكيد للضمير في إنا لأنه بمعناه اهـ شيخنا.\rقوله: نَرِثُ الْأَرْضَ أي نستوعبها إرثا، وقوله: بإهلاك أهلها أي بسبب أهلاكهم فلا يبقى موجود غيرنا. وعبارة البيضاوي: إنا نحن نرث الأرض ومن عليها أي فلا يبقى لأحد غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك توفي الوارث لأرثه اهـ.\rوقوله: أو نتوفى الأرض أي نستوفيها ونأخذها ونقبضها بتشبيه الإفناء بأخذ العين وقبضها ببعض الوراث لما قبضه من مورثه وهو استعارة اهـ شهاب.","part":5,"page":24},{"id":1507,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 25\rيُرْجَعُونَ (40) فيه للجزاء\rوَاذْكُرْ لهم فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ أي خبره إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً مبالغا في الصدق نَبِيًّا (41) ويبدل من خبره\rإِذْ قالَ لِأَبِيهِ آزر يا أَبَتِ التاء عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وكان يعبد الأصنام لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ لا يكفيك شَيْئاً (42) من قوله: وَاذْكُرْ (لهم) أي لكفار مكة، وهذا معطوف على وأنذرهم أي اتل على الناس قصته وبلغها إياهم، كقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ [الشعراء: 69] اهـ أبو السعود.\rأي: فالمراد ما ذكر وإلا فالذاكر له هو اللّه في كتابه اهـ كشاف.\rواعلم أن إبراهيم رتب هذا الكلام على غاية الحسن وقربه بغاية التلطف والرفق فقوله: يا أَبَتِ دليل على شدة الحب والرغبة في صرفه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، لأنه نبهه أولا على ما يدل على المنع من عبادة الأصنام، ثم أمره باتباعه في الإيمان، ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي بقوله إِنِّي أَخافُ الخ. وإنما فعل ذلك لأمور، أحدها: شدة تعلق قلبه بصلاحه وإداء حق الأبوة. وثانيها: أن النبي الهادي إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا حتى يقبل كلامه. وثالثها: لنصح لكل أحد فإلى أبيه أولى اهـ خازن.\rفائدة:\rعاش إبراهيم من العمر مائة وخمسا وسبعين سنة وبينه وبين آدم الفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة كما ذكره السيوطي في التحبير اهـ شيخنا.\rقوله: (أي خبره) أي قصته وحاله. قوله: (مبالغا في الصدق) أي بليغ الصدق في أقواله وأفعاله وأحواله، وفي تصديق غيوب اللّه تعالى وآياته وكتبه ورسله، ولما ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقا ولا يجب في كل صديق أن يكون نبيا ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي، فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيا اهـ كرخي.\rقوله: (و يبدل) أي بدل اشتمال من خبره أي المقدر فالمبدل منه محذوف والبدل باعتبار ما أضيف إليه الظرف وهو قوله: قالَ لِأَبِيهِ الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (و يبدل من خبره) أي المقدر آنفا وهو بدل اشتمال، وقد فصل بين البدل والمبدل منه بقوله: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ونظيره: رأيت زيدا ونعم الرجل أخاك واعترض بأنه مبني على تصرف إذا، وقد تقدم أنها لا تنصرف. قال الزمخشري: ويجوز أن تتعلق إذ بكان وهو مبني على عمل كان الناقصة وأخواتها في الظرف غير اسمها وخبرها وفيه خلاف اهـ.\rقوله: (و لا يجمع بينهما) أي: فلا يقال يا أبتي ويقال يا أبتا اهـ بيضاوي.\rوإنما جاز الثاني لعدم فيه بين العوض إذ الألف بدل من الياء لا من التاء اهـ زكريا.\rوإنما فيه الجمع بين عوضين، وهذا لا محذور فيه كما يجمع صاحب الجبيرة بين المسح والتيمم وهما بدلان عن الغسل اهـ شهاب.\rقوله: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ أي لأي شيء ولأي سبب تعبدها مع أن فيها ما يقتضي عدم عبادتها وهو عدم سمعها وبصرها اهـ شيخنا.","part":5,"page":25},{"id":1508,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 26\rنفع أو ضر\rيا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً طريقا سَوِيًّا (43) مستقيما\rيا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ بطاعتك إياه في عبادة الأصنام إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) كثير العصيان\rيا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ إن لم تتب فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) ناصرا وقرينا في النار\rقالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ فتعيبها لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن التعرض لها قوله: (أو ضر) أي أو دفع ضر.\rقوله: مِنَ الْعِلْمِ أي بعض العلم، أي علم الوحي أو التوحيد أو الآخرة، أقوال ثلاثة ذكرها أبو حيان اهـ شيخنا.\rقوله: فَاتَّبِعْنِي أي في الإيمان والتوحيد. قوله: (بطاعتك إياه) أي فالمراد بعبادته المنهي عنها مطاوعته إياه في عبادة الأصنام التي يحسنها له بوسوسته اهـ شيخنا.\rقوله: عَصِيًّا أي ومطاوعة العاصي عصيان، والعصيان يوجب النار، فلذلك قال له: يا أبت إني أخاف الخ اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ قال الفراء: أخاف أعلم، والأكثرون على أنه محمول على ظاهره، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام عالما بأن أباه سيموت على الكفر وذلك لم يثبت، فوجب إجراؤه على ظاهره، فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب، ويجوز أن يدوم على الكفر فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك كان خائفا لا قاطعا، والأقلون فسروا الآية فقالوا أخاف بمعنى أعلم، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (ناصرا وقرينا) تفسير الولي بمجموع هذين تسمح إذ بعد مسيس العذاب ولا معاونة ولا نصرة، ولهذا اقتصر غيره على الشق الثاني كالبيضاوي فقال: وليا أي قرينا افي العذاب تليه ويليك اهـ.\rوالولي من الولى وهو القرب وكل من المتقارنين قريب من صاحبه اهـ شهاب.\rقوله: قالَ أي أبوه. أراغب: مبتدأ وسوغه اعتماده على أداة الاستفهام أنت فاعل سد مسد خبره وهذا أولى من إعرابه. أنت مبتدأ وراغب خبر مقدم، كما ذهب إليه الزمخشري لأنه لا تقديم فيه ولا تأخير، إذ رتبة الفاعل التأخير عن رافعه ولأنه لا فصل فيه بين العامل الذي هو أراغب وبين معموله وهو عن آلهتي بأجنبي وهو أنت إذا كان مبتدأ، لأن الخبر ليس عاملا في المبتدأ. قال ابن مالك وغيره:\rإن أنت مرفوع براغب وإلا يلزم الفصل بين راغب ومعموله هو عن آلهتي بأجنبي وهو أنت. وأجيب عنه بأن عن متعلقة بمقدر بعد أنت دل عليه أراغب اهـ كرخي.\rقوله: قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه، ولم يقابل يا أبتي بيا بني وأخره، وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب كأنها مما لا يرغب عنه عاقل، ثم هدده فقال: لئن لم تنته أي عن مقالتك فيها أو الرغبة عنها لأرجمنك بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت، أو تبعد عني.\rواهجرني عطف على ما دل عليه لأرجمنك أي فاحذرني واهجرني مليا اهـ بيضاوي.","part":5,"page":26},{"id":1509,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 27\rلَأَرْجُمَنَّكَ بالحجارة أو بالكلام القبيح فاحذرني وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) دهرا طويلا\rقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ مني أي لا أصيبك بمكروه سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) من حفي أي بارا وفي الخازن: أي أتاركها أنت وتارك عبادتها لئن لم تنته أي: ترجع وتسكن عن سب آلهتنا وشتمك إياها لأرجمنك اهـ.\rقوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لام قسم. وقوله: (عن التعرض لها) أي مقالتك فيها، وقوله:\rلَأَرْجُمَنَّكَ نصر اهـ.\rقوله: (فاحذرني) قدره أخذا من قول الكشاف إن قلت على أي شيء عطف قوله وَاهْجُرْنِي قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك أي فاحذرني واهجرني، لأن لأرجمنك تهديد وتقريع، وإنما احتاج إلى هذا الحذف ليناسب بين جملتي العطف، وهذا التناسب ليس بلازم عند سيبويه لأنه يجيز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية اهـ كرخي.\rقوله: (دهرا طويلا) أي زمانا طويلا فانتصاب مليا بالظرفية الزمانية، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال معناه سالما سويا. قال ابن عباس: اعتزلني سالما لا يصيبك مني معرة فهو حال من فاعل اهجرني اهـ كرخي.\rقوله: قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ هذا في مقابلة قوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ، وقوله: وَأَعْتَزِلُكُمْ الخ في مقابلة قوله: وَاهْجُرْنِي مليا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لا أصيبك بمكروه) أي فهذا سلام متاركة ومقاطعة، لا سلام تحية. هذا هو مراد الشارح. وقيل: إنه سلام تحية وكان قبل تحريمه على الكفار اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: قال: سلام عليك توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة أي لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعدما يؤذيك، ولكن سأستغفر لك ربي لعله يوفقك للتوبة والإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر استدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته اهـ.\rوقوله: فإن حقيقة الاستغفار الخ جواب عن إشكال، وهو أنه كيف جاز له أن يستغفر للكافر أو يعده بذلك، وقد قال تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: 113] اهـ شهاب.\rوحاصل الجواب أن المراد باستغفاره له طلب توفيقه للإيمان الموجب للمغفرة اهـ.\rوفي الخازن: ولما أعياه أمره وعده أن يراجع فيه ربه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له، وقيل:\rمعناه سأسأل لك ربي توبة تنال بها المغفرة اهـ.\rقوله: (من حفي) حفا حفاوة بكذا. أي: اعتنى به وبالغ في إكرامه اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وحفي به بالكسر حفاوة بفتح الحاء فهو حفي أي بالغ في إكرامه وإلطافه والعناية بأمره، والحفي أيضا المستقصي في السؤال، ومن الأول قوله: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، ومن الثاني قوله تعالى: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الأعراف: 187] اهـ.","part":5,"page":27},{"id":1510,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 28\rفيجيب دعائي وقد وفى بوعده المذكور في الشعراء واغفر لأبي. وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو للّه كما ذكره في براءة\rوَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا أعبد رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي بعبادته شَقِيًّا (48) كما شقيتم بعبادة الأصنام\rفَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن ذهب إلى الأرض المقدسة وَهَبْنا لَهُ ابنين يأنس بهما إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا منهما جَعَلْنا نَبِيًّا (49)\rوَوَهَبْنا لَهُمْ للثلاثة مِنْ رَحْمَتِنا المال والولد وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) رفيعا قوله: (فيجيب دعائي) أي معناه سأسأل اللّه لك توبة تنال بها مغفرته يعني الإسلام، والاستغفار للكافر بهذا الوجه جائز كأنه يقول: اللهم وفقه للإسلام أو تب عليه وأهده اهـ كرخي.\rقوله: (يوعده) أي وعده المذكور هنا بقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ الخ، وقوله: بقوله الخ متعلق بوفي، وقوله: وهذا أي الدعاء المذكور في سورة الشعراء قبل أن يتعين الخ، أي: فلما تبين له ذلك بموته على الكفر ترك الاستغفار له، وقوله: كما ذكر في براءة أي في قوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [التوبة: 114] أي المذكور في الشعراء، وقوله: وَعَدَها إِيَّاهُ أي في سورة مريم اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَعْتَزِلُكُمْ أي أترككم بالارتحال من بلادكم، وقد فعل وارتحل إلى الأرض المقدسة اهـ شيخنا.\rقوله: عَسى أَلَّا أَكُونَ الخ في تصدير الكلام بعسى التواضع وهضم النفس والتنبيه على أن الإجابة والإثابة تفضل منه تعالى غير واجبين، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب اهـ بيضاوي.\rقوله: (بأن ذهب) أي من بابل إلى الأرض المقدسة اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: أنه هاجر من كوثى إلى الأرض المقدسة اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: وبابل كصاحب موضع بالعراق، وإليه ينسب الخمر والسحر اهـ.\rوفيه أيضا: وكوثى بالضم بلدة بالعراق اهـ.\rقوله: (يأنس بهما) هذا يقتضي أنه عاش حتى رأى يعقوب، وهو كذلك كما مرت الإشارة إليه في قوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: 71] اهـ شيخنا.\rقوله: إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ خصهما لأنه سيذكر إسماعيل بفضله منفردا اهـ كرخي.\rقوله: وَكُلًّا مفعول أول لجعلنا ونبيا هو المفعول الثاني اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ رَحْمَتِنا من للتبعيض، وقوله: (المال والولد) تفسير للرحمة اهـ شيخنا.\rفبسط لهم في الدنيا من سعة الرزق وكثرة الأموال والأولاد اهـ خازن.\rقوله: (هو) أي اللسان المذكور الثناء الحسن أي السيرة الحسنة، ففي اللسان مجاز مرسل من إطلاق اسم الآلة وارادة ما ينشأ عنها اهـ شيخنا.\rفالمعنى: وجعلنا لهم ثناء صادقا يذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة بما لهم من الخصال","part":5,"page":28},{"id":1511,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 29\rهو الثناء الحسن في جميع أهل الأديان\rوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً بكسر اللام وفتحها من أخلص في عبادته وخلصه اللّه من الدنس وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51)\rوَنادَيْناهُ بقول يا موسى إني أنا اللّه مِنْ جانِبِ الطُّورِ اسم جبل الْأَيْمَنِ أي الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (52) مناجيا بأن أسمعه اللّه تعالى كلامه\rوَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا نعمتنا أَخاهُ هارُونَ بدل أو عطف بيان نَبِيًّا (53) حال هي المقصودة بالهبة إجابة لسؤاله أن يرسل أخاه معه وكان أسن منه المرضية، ويصلون على إبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة اهـ شهاب وزاده\rقوله: (في جميع) أهل الأديان فكل أهل دين يترضون عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهذا توبيخ لكفار مكة، إذ كان مقتضى ترضيهم وثنائهم على المذكورين أن يتبعوهم في الدين مع أنهم لم يفعلوا اهـ شيخنا.\rقوله: (من أخلص الخ) لف ونشر مرتب لتوجيه القراءتين اهـ.\rقوله: (بقول يا موسى) أي في سورة القصص في قوله: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص: 30] اهـ شيخنا.\rقوله: (اسم جبل) هو معروف بين مدين ومصر. قوله: (الذي يلي يمين موسى) صريح في أن المراد بالطور هو الذي عند بيت المقدس لا الطور عند السويس. لأنه يكون على يسار المتوجه من مدين إلى مصر كما هو محسوس، وقوله: (حين أقبل من مدين) أي متوجها إلى مصر اهـ شيخنا.\rقوله: نَجِيًّا حال من مفعول قربناه وأصله نجيو من نجا ينجو، والأيمن الظاهر أنه صفة للجانب بدليل أنه تبعه في الإعراب في قوله تعالى: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [طه: 80] وقيل: أنه صفة للطور إذ اشتقاقه من اليمن والبركة اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: وناديناه من جانب الطور الأيمن من ناحيته اليمنى ومن اليمين، وهي التي تلي يمين موسى عليه السّلام أو من جانبه الميمون من اليمن بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة اهـ.\rقوله: وَقَرَّبْناهُ أي تقريب تشريف فمثل حاله محال من قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته، ونجيا أي مناجيا حال من أحد الضميرين في ناديناه أو قربناه اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ رَحْمَتِنا من تعليلية، وعبارة السمين: قوله: مِنْ رَحْمَتِنا في من هذه وجهان، أحدهما: إنها تعليلية أي من أجل رحمتنا، وأخاه على هذا مفعول به، وهارون بدل أو عطف بيان أو منصوب بإضمار، أعني: ونبيا حال. والثاني: أنها تبعيضية أي بعض رحمتنا. قال الزمخشري: وأخاه على هذا بدل، وهارون عطف بيان. قال الشيخ: والظاهر أن أخاه مفعول وهبنا ومن لا ترادف بعضا حتى يبدل أخاه منها اهـ.\rقوله: (أن يرسل) معمول لسؤاله وقد ذكر هذا السؤال في سورة القصص بقوله: قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً [القصص: 33] الآيتين اهـ.","part":5,"page":29},{"id":1513,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 30\rوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ لم يعد شيئا إلا وفى به وانتظر من وعده ثلاثة أيام أو حولا حتى رجع إليه في مكانه وَكانَ رَسُولًا إلى جرهم نَبِيًّا (54)\rوَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ أي قومه بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) أصله مرضو وقلبت الواوان ياءين والضمة كسرة\rوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ هو جد أبي نوح إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56)\rوَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57) هو حي في السماء قوله: (و كان أسن منه) أي بأربع سنين، وقوله: (إجابة لسؤاله) تعليل لقوله: وَهَبْنا حيث قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [طه: 29] الآية فمعنى هبته له جعله عضدا له وناصرا ومعينا فلا يرد السؤال وهو أن هارون كان أكبر من موسى عليه السّلام، فما معنى هبته له؟ فإن الموهوب لا بد أن يكون أصغر سنا من الموهوب له وليس الأمر هنا كذلك اهـ كرخي.\rقوله: (لم يعد شيئا إلا وفى به) فقال: ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين: فوفى به وذكر بصدق الوعد وأن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا وإكراما كالتقليب نحو: الحليم والأواه والصديق، ولأنه المشهور المتواتر من خصاله اهـ كرخي.\rقوله: (و انتظر من وعده) أي شخصا وعده إسماعيل فالصلة جرت على غير من هي له فكان عليه الإبراز، وقوله: (حتى رجع إليه) فقيل إنه وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع الرجل اهـ خازن.\rقوله: وَكانَ رَسُولًا أي بشريعة أبيه وقوله: (إلى جرهم) قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجر أم أسماعيل بوادي مكة حين خلفها إبراهيم هي وابنها، فسكنوا هناك حتى كبر إسماعيل وزوجوه منهم وأرسل إليهم اهـ شيخنا.\rقوله: (قلبت الواوان الخ) لكن الثانية قلبت أولا، ولما اجتمعت الواو الأولى والياء المنقلبة عن الواو الثانية قلبت ياء وأدغمت في الأخرى وكسر ما قبلها لتصح الياء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مَرْضِيًّا العامة على قراءته كذلك معتلا وأصله مرضوو بواوين الأولى زائدة كهي في مضروب، والثانية لام الكلمة لأنه من الرضوان فأعل بقلب الواو الأخيرة ياء واجتمعت الياء والواو فقلبت الواو ياء، ويجوز النطق بالأصل. وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل وهو الأكثر اهـ.\rقوله: (هو جد أبي نوح) ونوح بن لمك بفتح اللام وسكون الميم ابن متوشلخ بوزن متدحرج ابن أخنوخ، وهو إدريس بن شيث بن آدم لصلبه أفاده السيوطي في التحبير اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: هو جد أبي نوح واسمه أخنوخ، وسمي إدريس لكثرة درسه للكتب، وذلك لأن اللّه تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب وأول من لبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وهو أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم والحساب اهـ.\rقوله: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قيل: هو الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا، وقيل: إنه رفع إلى السماء هو الأصح يدل عليه ما روى أنس بن مالك بن صعصعة، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج متفق عليه، وكان سبب رفع إدريس إلى السماء الرابعة على ما قاله كعب الأحبار وغيره أنه","part":5,"page":30},{"id":1514,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 31\rالرابعة أو السادسة أو السابعة أو في الجنة أدخلها بعد أن أذيق الموت وأحيي ولم يخرج منها كان مارا ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس وحرها، فقال: يا رب إني مشيت يوما فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد، اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرفه، فقال: يا رب خففت عني حر الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال:\rإن عبدي إدريس سألني أن اخفف عنك حملها وحرها فأجبته. قال: يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بين وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس فكان إدريس يسأله فكان مما سأله أن قال له: إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فأزداد شكرا وعبادة، فقال الملك:\rلا يؤخر اللّه نفسا إذا جاء أجلها وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت وقال له: لي إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، فقال ملك الموت:\rليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته متى يموت فيقدم لنفسه. قال: نعم فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا. قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس.\rقال: إني أتيتك وتركته هناك قال: انطلق أفلا أراك تجده إلا وقد مات فو اللّه ما بقي من أجل إدريس شيء، فرجع الملك فوجده ميتا.\rوقال وهب: كان يرفع لإدريس كل يوم من العباد مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن به في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال، فأنكره إدريس وقال له في الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم من أنت؟ قال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك، فقال: في إليك حاجة. قال: ما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى اللّه إليه أن اقبض روحه فقبضها وردها اللّه إليه في ساعة، فقال له ملك الموت: ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق الموت وغمته فأكون أشد استعدادا له، ثم قال له إدريس: إن لي إليك حاجة.\rقال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار، فأذن اللّه له فرفعه. فلما قرب من النار قال: لي حاجة. قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا حتى يفتح أبوابها ففعل، ثم قال: فكما أريتني النار فأرني الجنة، فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتح أبوابها فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت:\rأخرج لتعود إلى مقرك فتعلق بشجرة وقال: ما أخرج منها فبعث اللّه ملكا حكما بينهما، فقال له الملك:\rمالك لا تخرج؟ قال: لأن اللّه تعالى قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] وقد ذقته، وقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] وقد وردتها، وقال: ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر:\r48] ولست أخرج. فأوحى اللّه إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج منها فهو حي هناك، فذلك قوله تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا واختلفوا في أنه حي في السماء ام ميت؟ فقال قوم:\rهو ميت، وقال قوم: هو حي. وقالوا أربعة من الأنبياء في الأحياء: اثنان في الأرض وهما الخضر والياس، واثنان في السماء وهما عيسى وإدريس اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وقال السدي: أنه نام ذات يوم فاشتدت عليه الشمس وحرها وهو منها في كرب فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس وأعنه فإنه يمارس نارا حامية، فأصبح ملك الشمس وقد نصب له","part":5,"page":31},{"id":1515,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 32\rأُولئِكَ مبتدأ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صفة له مِنَ النَّبِيِّينَ بيان له وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين، فقوله مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ أي إدريس وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة كرسي من نور، عنده سبعون ألف ملك عن يمينه ومثلها عن يساره يخدمونه ويتولون عمله من تحت حكمه، فقال ملك الشمس: يا رب من أين لي هذا؟ قال له: دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس ثم ذكر نحو حديث كعب اهـ.\rثم قال أي القرطبي: قال النحاس: قول إدريس وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] يجوز أن يكون أعلم بهذا إدريس ثم نزل القرآن به. قال وهب بن منبه: فإدريس تارة يرفع في الجنة، وتارة يعبد اللّه مع الملائكة في السماء الرابعة اهـ.\rقوله: أُولئِكَ خطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم واسم الإشارة واقع على الأنبياء المذكورين في هذه السورة وهم عشرة. أولهم في الذكر زكريا، وآخرهم إدريس اهـ شيخنا.\rقوله: (صفة له) أي أولئك الموصوفون بإنعام اللّه عليهم وقوله: (بيان له) أي للموصول من بيان العام بالخاص، وفي نسخة بيان لهم فإن الذين أنعم اللّه عليهم عام والنبيون خاص، والمعنى أولئك المنعم عليهم الذين هم النبيون فمن للبيان اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ من الأولى للبيان لأن كل الأنبياء منعم عليهم، والثاني للتبعيض فمجرورها بدل مما قبله بإعادة العامل اهـ.\rقوله: (و هو في معنى الصفة) فكأنه قال: أولئك الموصوفون بالنبوة وقوله: (و ما بعده الخ) أي فكأنه قال: اولئك النبيون الذين هم بعض ذرية آدم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي إدريس) تفسير للذرية المجرورة بمن فهو ممنوع من الصرف، وفي الحقيقة هو تفسير للبعض المدلول عليه بمن التبعيضية وليس تفسيرا للذرية لأنها تعم إدريس وغيره اهـ شيخنا.\rوهذا التفسير خبر عن المبتدأ الذي هو، فقوله لكن بنوع تأويل والتقدير فقوله: مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مفسر بإدريس أو محمول على إدريس. وعبارة البيضاوي: من ذرية آدم بدل بإعادة الجار، ويجوز أن تكون من فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية، وممن حملنا مع نوح أي من ذرية من حملنا مع نوح خصوصا وهم من عدا إدريس، فإن إدريس من ذرية آدم لقربه منه، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ولد سام بن نوح ومن ذرية إبراهيم وهم الباقون.\rوإسرائيل عطف على إبراهيم أي: ومن ذرية إسرائيل وهو يعقوب، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية انتهت مع زيادة.\rوقوله: خصوصا أشار به إلى أن ذكر ذرية من حملنا من ذكر الخاص بعد العام لأن المعطوفات داخلة في ذرية آدم اهـ زكريا.\rقوله: وَمِمَّنْ حَمَلْنا على حذف مضاف أي ومن ذرية من حملنا الخ اهـ شيخنا.","part":5,"page":32},{"id":1516,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 33\rأي إبراهيم ابن ابنه سام وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب وَمن ذرية إِسْرائِيلَ وهو يعقوب أي موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا أي من جملتهم وخبر أولئك إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا* (58) جمع ساجد وباك أي قوله: (أي إبراهيم) تفسير لبعض ذرية من حمل مع نوح ومن حمل مع نوح أولاده الثلاثة، لأنهم الذين أعقبوا دون من كان في السفينة كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (ابن ابنه) أي بوسائط، فإن إبراهيم بن آزر وبين إبراهيم ونوح عشرة قرون كما في التحبير للسيوطي.\rقوله: مِمَّنْ هَدَيْنا هذا آخر الصفات. والتقدير: والكائنين ممن هدينا واجتبينا ومن تبعيضية كما أشار له بقوله (أي من جملتهم) وهو معطوف من ذرية آدم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي من جملتهم) أي جملة من أنعم اللّه عليه كعبد اللّه بن سلام وأصحابه، وجعل الشيخ المصنف من تبعيضية كالبيضاوي لأن جعلها للبيان عطفا على من الأولى ما جوزه الزمخشري: يرد عليه أن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال المراد الجامعين بين النبوة والهداية، واعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ثم جمعهم آخرا فقال: أولئك الخ فرتب تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم منزلة في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبها بذلك على أنهم خصوا بهذه المنازل لهداية اللّه لهم، ولأنه اختارهم للرسالة اهـ شيخنا.\rقوله: (و خبر أولئك الخ) عبارة السمين: إذا تتلى عليهم جملة شرطية فيها قولان، أظهرهما:\rأنها لا محل لها لاستئنافها. والثاني: أنها خبر أولئك والموصول قبلها صفة لاسم الإشارة وعلى الأول يكون الموصول نفس الخبر. وقرأ العامة تتلى بتاءين من فوق، وقرأ عبد اللّه وشيبة، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع في روايات شاذة يتلى بالياء من تحت والتأنيث مجازي فلذلك جاء في الفعل الوجهان اهـ سمين.\rقوله: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا أخبر اللّه تعالى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام كانوا إذا سمعوا آيات اللّه سجدوا وبكوا خضوعا وخشوعا وخوفا وحذرا والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة عليهم، وقيل: المراد بالآيات ذكر الجنة والنار والوعد والوعيد، ففيه استحباب البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن اهـ خازن.\rوفي الخطيب: واختلف في هذا السجود فقال بعضهم: إنه الصلاة، وقال بعضهم: سجود التلاوة على حسب ما تعبدوا به. قال الرازي: ثم يحتمل أن يكون المراد سجود القرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لأجل ذكر السجود في الآية اهـ.\rقوله: (جمع ساجد) أي: قياسا وقوله: (و باك أي) على غير قياس وقياسه بكاة كقاض وقضاة كما قال ابن مالك:\rفي نحو رام ذو اطراد فعله\rاه شيخنا","part":5,"page":33},{"id":1517,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 34\rفكونوا مثلهم، وأصل بكى بكوي قلبت الواو ياء والضمة كسرة\r* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ بتركها كاليهود والنصارى وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ من المعاصي فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) هو واد في جهنم أي يقعون فيه\rإِلَّا لكن مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون شَيْئاً (60) من ثوابهم\rجَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة بدل من الجنة الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ قوله: (فكونوا) أي يا أهل مكة مثلهم أي خشوعا وخضوعا وحذرا وخوفا عند التلاوة. وفي الحديث: «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» اهـ كرخي.\rوعن صالح المزني: قرأت القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء.\rوعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما غرغرت عين بماء إلا حرم اللّه تعالى على النار جسدها» إلى غير ذلك من الأحاديث اهـ خطيب.\rقوله: فَخَلَفَ أي وجد وحدث من بعدهم أي من بعد النبيين المذكورين خلف أي عقب، وجماعة يستعمل الخلف بسكون اللام كما هنا في الشر فيقال: خلف سوء ويفتحها في الخير، فيقال:\rخلف صالح اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أي فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء يقال: خلف صدق بالفتح وخلف سوء بالسكون.\rقوله: (هو واد في جهنم) أي تستعيذ من حره أوديتها أعد للزناة وشربة الخمر، وشهادة الزور، وأكلة الربا، والعاقين لوالديهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا مَنْ تابَ عادته إذا أشار لانقطاع الاستثناء أن يفسر إلا بلكن، ووجه الانقطاع هنا أن المستثنى منه كفار والمستثنى مؤمنون هذا غرضه، لكن استوجه غيره الاتصال وهو ظاهر اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: إلا لكن أشار إلى أن الاستثناء منقطع تبعا للزجاج وهو مبني على أن المضيع للصلاة من الكفار، وجرى أبو حيان وغيره على أنه متصل وهو ظاهر الآية لما روي عن قتادة أنها في حق هذه الأمة، ويجوز أن يحمل على التلغيظ كما قال تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران: 97] وبهذا التأويل يحسن قول قتادة إن هذا الكلام نازل في شأن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ العامة على كسر التاء نصبا على أنها بدل من الجنة وعلى هذه القراءة يكون قوله: وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً فيه وجهان، أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قاله الشيخ وفيه نظر من حيث إن المضارع المنفي بلا كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال اهـ سمين.\rقوله: الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ أي وعدها، فالعائد محذوف. وقوله: عِبادَهُ جمع عابد كما قاله بعضهم هنا اهـ.","part":5,"page":34},{"id":1518,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 35\rحال أي غائبين عنها إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ أي موعوده مَأْتِيًّا (61) بمعنى آتيا وأصله مأتوي أو موعده هنا الجنة يأتيه أهله\rلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً من الكلام إِلَّا لكن يسمعون سَلاماً من الملائكة عليهم أو من بعضهم على بعض وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) أي على قدرهما في الدنيا، قوله: بِالْغَيْبِ (حال) أي من المفعول أي غائبين عنها أي غير شاهدين لها. أي وعدهم بها وهم في الدنيا ومن في الدنيا لا يشاهدها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: بِالْغَيْبِ فيه وجهان.\rأحدهما: أن الباء حالية وفي صاحب الحال احتمالان، أحدهما: ضمير الجنة وهو عائد الموصول أي وعدها وهي غائبة لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو عباده أي وهم غائبون عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار منه.\rالوجه الثاني: أن الباء سببية أي بسبب تصديق الغيب وبسبب الإيمان به اهـ.\rقوله: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ يجوز في هذا الضمير وجهان، أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على الرحمن، أي أن الرحمن كان وعده مأتيا. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن لأنه مقام تعظيم وتفخيم، وعلى الأول يجوز أن يكون في كان ضمير هو اسمها يعود على اللّه تعالى، ووعده بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال ومأتيا خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير بل هي رافعة لوعده ومأتيا الخبر أيضا، وهو نظير إن زيدا كان أبوه منطلقا. ومأتيا فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد الجنة وأطلق عليها المصدر أي موعوده نحو: الدرهم ضرب الأمير، وقيل: الوعد مصدر على بابه ومأتيا مفعول بمعنى فاعل ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في مأتيا أنه مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة أو هو من قولك أتى إليه إحسانا أي كان وعده مفعولا منجزا اهـ سمين.\rقوله: (أي موعوده) أي الذي وعد به من الجنة وغيرها، وقوله: (بمعنى آتيا) أي فاسم المفعول بمعنى اسم الفاعل، وقوله: (أو موعوده الخ) إشارة لتفسير آخر يكون مأتيا عليه باقيا على كونه اسم مفعول، ويكون المراد بالموعود خصوص الجنة، فقوله هنا أي في هذه الآية، وقوله: (الجنة) خبر عن موعده، وقوله: (يأتيه أهله) بيّن به أن مأتيا اسم مفعول بحاله اهـ شيخنا.\rقوله: لَغْواً هو فضول الكلام، وقوله: إِلَّا سَلاماً أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون معناه إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا إلا ذاك فهو من وادي قوله:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rالثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة على الاستثناء المنقطع.\rالثالث: أن معنى السّلام هو الدعاء بالسلامة ودار السّلام هي دار السلامة وأهلها الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لو لا ما فيه من فائدة الإكرام. قلت: وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني: أما اتصال الثالث فواضح لأنه","part":5,"page":35},{"id":1519,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 36\rوليس في الجنة نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبدا\rتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ نعطي وننزل مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63) بطاعته، ونزل لما تأخر الوحي أياما وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا»\rوَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا أي أمامنا من أمور الآخرة وَما خَلْفَنا أطلق اللغو على السّلام بالاعتبار الذي ذكره، وأما الاتصال في الأول فعسر إذ لا يعد ذلك عيبا فليس من جنس الأول، وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللّه تعالى عند قوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: 56] اهـ سمين.\rقوله: (و ليس في الجنة نهار ولا ليل) أي وإنما يعرفون الليل بارخاء الحجب وغلق الأبواب، والنهار بفتحها ورفع الحجب كما روي اهـ كرخي.\rقوله: (نعطي وننزل) أي نعطيها عطاء لا يرد كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع إليه المورث. وفي البيضاوي: نورث من عبادنا من كان تقيا أي نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه. والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التمليك والاستحقاق من حيث أنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل برد ولا إسقاط. وقيل: يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم اهـ.\rوقرأ الأعمش: نورثها بإبراز عائد الموصول، وقرأ الحسن والأعرج وقتادة: يورث بفتح الواو وتشديد الراء من ورث مضعفا اهـ سمين.\rقال بعضهم: هذه الآية دالة على أن الجنة لا يدخلها إلا من كان تقيا، إذ الفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك وأجيب: بأن الآية تدل على أن المتقي يدخلها وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها، وأيضا فصاحب الكبيرة متق عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل لما تأخر الوحي) أي: أربعين يوما أو خمسة عشر، فشق ذلك عليه صلّى اللّه عليه وسلّم مشقة شديدة، وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وسورة الضحى، والمعنى وما نتنزل وقتا غب وقت إلا بأمر اللّه ما تقتضيه حكمته اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: وقيل: احتبس جبريل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين سألوه في أمر الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فقال: أخبركم غدا ولم يقل إن شاء اللّه حتى شق على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم نزل بعد أيام فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أبطأت عليّ حتى ساءني واشتقت إليك» فقال له جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتسبت، فأنزل اللّه تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، وأنزل وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى: 2] اهـ.\rقوله: وَما نَتَنَزَّلُ هذا على لسان جبريل أمره اللّه تعالى أن يقول لمحمد جوابا لسؤاله المذكور اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وما نتنزل إلا بأمر ربك حكاية قول جبريل حيث استبطأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما","part":5,"page":36},{"id":1520,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 37\rمن أمور الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي له علم ذلك جميعه وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) بمعنى ناسيا أي تاركا لك بتأخير الوحي عنك هو\rرَبُ مالك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أي اصبر عليها هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) أي مسمى بذلك؟ لا\rوَيَقُولُ الْإِنْسانُ المنكر للبعث أبيّ بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية سئل عن قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ما يجب ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يوما، وقيل: أربعين، حتى قال المشركون: ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك. والتنزل النزول على مهل فإنه مطاع نزل بالتشديد وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل المشدد بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر اللّه على ما تقتضيه حكمته اهـ.\rقوله: (من أمور الآخرة) بيانية. قوله: (أي له علم ذلك) أي فلا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي تاركا لك) أي أن عدم النزول لم يمكن إلا لعدم الأمر لحكمة بالغة، ولم يكن لتركه تعالى لك كما زعمت الكفرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (هو) رَبُ أشار إلى أن رب خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون بدلا من ربك اهـ كرخي.\rوهذا بيان لاستحالة النسيان عليه، فإن من بيده ملكوت السموات والأرض كيف يتصور أن يحوم حول ساحته الغفلة والنسيان اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاعْبُدْهُ أي: إذا عرفت ربوبيته تعالى الكاملة فاعبده، وعرفت أنه لا ينساك فأقبل على عبادته ولا تحزن بابطاء الوحي وهزء الكفرة، فإنه يراقبك ويلطف بك في الدنيا والآخرة اهـ أبو السعود.\rقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي مثلا يستحق أن يسمى إلها أو أحدا سمي باللّه، فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها لم يسموه اللّه قط، وذلك لظهور أحديته، وتعالى ذاته عن المماثلة بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة وهو تقرير للأمر أي: إذا صح أن لا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي مسمى بذلك) أي بلفظ الجلالة أو برب السموات والأرض. وفي أبي السعود:\rوالسمي هو الشريك في الاسم، والظاهر أن المراد به الشريك في اسم خاص وهو رب السموات والأرض، والجملة تأكيد لما أفادته الفاء من علة ربوبيته العامة، وقيل: المراد الشريك في الاسم الجليل اهـ.\rقوله: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ هذا من قبيل العام الذي أريد به الخصوص كما بينه بقوله أبي بن خلف الخ. فهو على حد الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، ويصح أن يراد بالخصوص جنس الكافر المنكر للعبث، وعلى كل فلفظ الإنسان لا يشتمل المؤمنين اهـ.","part":5,"page":37},{"id":1521,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 38\rأَإِذا بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) من القبر كما يقول محمد، فالاستفهام بمعنى النفي أي لا أحيا بعد الموت، وما زائدة للتأكيد، وكذا اللام ورد عليه بقوله تعالى\rأَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أصله يتذكر أبدلت التاء ذالا وأدغمت في الذال، وفي قراءة تركها وسكون الذال وضم الكاف أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (67) فيستدل بالابتداء على الإعادة\rفَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي المنكرين للبعث وَالشَّياطِينَ أي نجمع كلا منهم وشيطانه في سلسلة ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ من خارجها جِثِيًّا (68) على الركب جمع جاث وأصله جثووا أو جثوى من جثا يجثو أو يجثي لغتان\rثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِ قوله: (النازل فيه) أي: في أحدهما: إذ العطف بأو. قوله: أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا إذا منصوبة بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: لَسَوْفَ أُخْرَجُ تقديره إذا مت أبعث أو أحيا، ولا يجوز أن يكون العامل فيه أخرج لأن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها اهـ سمين.\rوالظاهر أن هذا إنما يأتي على غير ما سلكه الجلال من دعوى زيادة اللام، أما عليه فالظرف معمول لهذا الفعل المذكور فلا تمنعه اللام لزيادتها كما أشار له الكرخي. قوله: (و إدخال ألف بينها) أي الثانية وقوله: (و بين الأخرى) أي الأولى، وكان الأولى أن يزيد وتركه لأجل أن تكون عبارة منبهة على القراءات الأربع الواردة هنا وكلها سبعية. قوله: لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا حيا حال مؤكدة لأن من لازم خروجه من القبر أن يكون حيا وهو كقوله: وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33] اهـ سمين.\rقوله: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والواو لعطف الجملة على أخرى مقدرة أي: أيقول ذلك ولا يذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية تركها أي ترك التاء، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب كما في البيضاوي.\rقوله: مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثه، وقدره الزمخشري من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه اهـ سمين.\rقوله: (على الإعادة) أي: فإنها أهون اهـ كرخي.\rقوله: فَوَ رَبِّكَ الخ فائدة القسم أمران، أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين.\rوالثاني: أن في إقسام اللّه تعالى باسمه مضافا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رفعا منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ [الذاريات: 23] اهـ كرخي.\rقوله: (من خارجها) أي: قبل دخولها، وقيل: من داخلها اهـ كرخي.\rقوله: (و أصله جثووا) بواوين قلبت الواو الثانية ياء ثم الأولى كذلك، وأدغمت الياء في الياء.\rوقوله: (أو جثوى) قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وعلى كلا الوجهين كسرت الثاء لتصح الياء اهـ شيخنا.\rفالجيم مكسورة ومضمومة قراءتان سبعيتان.","part":5,"page":38},{"id":1522,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 39\rشِيعَةٍ فرقة منهم أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) جرأة\rثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها أحق بجهنم الأشد وغيره منهم صِلِيًّا (70) دخولا واحتراقا فنبدأ بهم وأصله صلوى من صلي بكسر اللام قوله: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي: من كل أمة شايعت دينا من الأديان أي تبعته. وقوله:\rأَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا. أي: من كان أعتى وأعصى منهم فنطرحهم فيها، وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو عن كثير من أهل العصيان ولو خص ذلك بالكفرة، فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم ويطرحهم في النار على الترتيب، أو يدخل كلا طبقته التي تليق به اهـ بيضاوي.\rقوله: أَيُّهُمْ أَشَدُّ في هذه الآية أقوال كثيرة، أظهرها: عند الجمهور من المعربين وهو مذهب سيبويه أن أيهم موصولة بمعنى الذي، وأن حركتها حركة بناء بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر.\rوأشد: خبر مبتدأ مضمر والجملة صلة لأي، وأيهم وصلتها في محل نصب مفعول به لننزعن اهـ سمين.\rوعتيا تمييز محول عن المبتدأ المحذوف الذي هو أشد أي عتوه أشد جراءته على الرحمن أشد من جراءة غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (جراءة) أي: معصية. أي: ننزع الاعصى فالاعصى فيطرح فيها، لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعا لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد اهـ.\rوجراءة: بفتح الجيم والمد بوزن ظرافة يقال: جرؤ جراءة كظرف ظرافة، ويقال: جرأة بالضم كغرفة اهـ شيخنا.\rقوله: (الأشد وغيره) بالجر لأنه تعميم في الذين هم أولى بها أي: المراد بهم ما يعم الأشد عتيا وغيره، وقوله: (منهم) نعت للأشد وغيره والضمير للموصول بقسميه، لكن على هذا التعميم لا يظهر التفضيل في قوله أَوْلى، ولا يظهر قوله: (فنبدأ بهم،) فعلى هذا التعميم يتعين أن يكون قوله أولى بها بمعنى أصل الفعل أي: بالذين هم مستحقون لها، وعليه لا يستقيم قول الشارح فنبدأ بهم، والحاصل أنه كان الأولى للشارح حمل الموصول على خصوص الأشد كفرا فيصح قوله فنبدأ بهم.\rوفي الخازن: والمعنى أنه يقدم في ادخال النار الأعتى فالأعتى ممن هم أكبر جرما وأشد كفرا. وفي بعض الأخبار: أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين ثم يقدم الأكفر فالأكفر، فمن كان أشدهم تمردا في كفره خص بعذاب أشد وأعظم، لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال، ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب لاشتراكهم فيه اهـ.\rقوله: صِلِيًّا بضم الصاد وكسرها سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (فنبدأ بهم) أي بالذين هم أولى بها. قوله: (صلوى) قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسرت اللام لتصح الياء، وقوله: (بكسر اللام) أي من باب رضي، (و قوله: وفتحها) أي من باب رمى اهـ شيخنا.","part":5,"page":39},{"id":1523,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 40\rوفتحها\rوَإِنْ أي ما مِنْكُمْ أحد إِلَّا وارِدُها أي داخل جهنم كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71) وعبارة الكرخي: يقال: صلي يصلى صليا مثل لقي يلقى لقيا، وصلى يصلي صليا مثل مضى يمضي مضيا اهـ.\rقوله: (أي ما منكم أحد) أي مسلما كان أو كافرا، وهذا هو تفسير ابن عباس الصحيح عند أهل السنة. وحاصلة؛ أن المراد بالورود الدخول، وأن جميع الخلق يدخلونها مؤمنهم وكافرهم، ويستثنى الأنبياء والمرسلون، وقيل: المراد خصوص الكفار والمؤمنون لا يدخلونها أبدا. وقيل: المراد بالورود المرور على الصراط، وعلى هذا لا يستثنى الأنبياء بل يمر عليه جميع الخلق. وقيل: المراد بورودها رؤيتها والقرب منها اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي واصلها وحاضر عندها يمر بها المؤمنون غير الأنبياء والمرسلين، كما في تفسير ابن عباس وهي خامدة وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عنه فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال قد وردتموها وهي خامدة» وأما قوله تعالى: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: 101] فالمراد عن عذابها، وقيل: ورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها اهـ.\rوفي القرطبي: واختلف الناس في الورود، فقيل: الورود الدخول. روي عن جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «الورود الدخول، فلا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها. فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا» أسنده أبو عمر في كتاب التمهيد، وهو قوله ابن عباس، وخالد بن معدان، وابن جريج وغيرهم. وفي الحديث:\r«فتقول النار للمؤمنين جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي». وفي مسند الدرامي عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كعدو الفرس ثم كالراكب المجد ثم كشد الرجل في مشيه» فإن قلت: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب فما فائدة دخولهم النار؟ قلت: فيه وجوه، أحدها: أن ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه.\rوثانيها: أن فيه مزيدهم على أهل النار حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها. وثالثها:\rأنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب على الكفار صار ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة. فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا: لا نطلق هذا في حق الأنبياء أدبا معهم، ولكن نقول أن الخلق جميعا يردونها كما دل عليه حديث جابر وغيره، فالعصاة يدخلونها بجرائمهم والأولياء والسعداء يدخلونها بشفاعتهم، فبين الداخلين بون. وقالت فرقة: الورود المرور على الصراط. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والسدي، ورواه السدي عن ابن مسعود، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقاله الحسن أيضا. فالورود أن يمروا على الصراط واحتجوا بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: 101] قالوا: فلا يدخل النار من ضمن اللّه أن يباعده منها، وأجاب الأولون بأن معنى قوله: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ أنهم مبعدون عن العذاب فيها والاحتراق بها. قالوا: فمن دخلها وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعا ولا ألما فهو مبعد منها. وقالت فرقة: الورود هو الإشراف والاطلاع والقرب، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون","part":5,"page":40},{"id":1524,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 41\rحتمه وقضى به لا يتركه\rثُمَّ نُنَجِّي مشددا ومخففا الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والكفر منها وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ بالشرك والكفر فِيها جِثِيًّا (72) على الركب\rوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي المؤمنين والكافرين آياتُنا من القرآن بَيِّناتٍ واضحات حال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ نحن وأنتم إليها في حالة الحساب، ثم ينجي اللّه الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة، ويذر الظالمين أي يأمر بهم إلى النار. وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيبهم في دار الدنيا فهي حظ المؤمن من النار فلا يردها بعد ذلك. وروى وكيع، عن شعبة، عن ابن عباس أنه قال في قول اللّه عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: هذا خطاب للكفار، وروي أنه كان يقرأ وإن منهم لمناسبة الآيات التي قبل هذه فإنها في الكفار وهي قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ [مريم: 68] ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ [مريم:\r68] وأيهم أشد ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا، وإن منهم ألا ورادها، وكذلك قرأ عكرمة وجماعة. لكن الاكثرون على أن المخاطب العالم كلهم كما تقدم اهـ مع بعض زيادات من الخازن.\rقوله: (أي داخل جهنم) أي وتكون على المؤمنين بردا وسلاما. قوله: كانَ عَلى رَبِّكَ أي:\rكان الورود حتما مقضيا على ربك بمقتضى حكمته الإلهية لا بإيجاب غيره عليه اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي نخرجهم منها فلا يخلدون بعد أن أدخلوها اهـ شيخنا.\rقوله: (مشددا ومخففا) سبعيتان. قوله: الَّذِينَ اتَّقَوْا أي وإن كانوا عصاة. قوله: (منها) متعلق بننجي. قوله: وَنَذَرُ أي: نترك. قوله: جِثِيًّا إما مفعول ثان وإن كان نذر يتعدى لاثنين بمعنى نترك ونصير، وإما حال إن جعلت نذر بمعنى نخليهم، وجثيا على ما تقدم، وفيها يجوز أن يتعلق بنذر وأن يتعلق بجثيا وإن كان حالا، ولا يجوز ذلك فيه أن كان مصدرا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من جثيا لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب عليها اهـ سمين.\rقوله: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أغنياؤهم المتجملون بالثياب وغيرها لِلَّذِينَ آمَنُوا أي لفقراء المؤمنين الذين هم في خشونة عيش ورثاثة ثياب وضيق منزل أي: قالوا لهم انظروا منازلنا فتروها أحسن من منازلكم، وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم فترونا نجلس في صدر المجلس وأنتم في طرفه الحقير، فإذا كنا بهذه المثابة وأنتم بتلك فنحن عند اللّه خير منكم ولو كنتم خيرا أي على خير لأكرمكم بهذه الأمور كما أكرمنا بها اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا والاستدلال، لأن زيادة حظهم فيها تدل على فضلهم وحسن حالهم عند اللّه تعالى لقصور نظرهم، فرد اللّه عليهم ذلك بقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا الخ. وحاصل الرد أن ما أنتم فيه أيها الكفار من النعم محض استدراج لا يغني عنكم شيئا عند نزول البلاء كما وقع للأمم الماضية حيث كانوا في رفاهية أكثر منكم، ومع ذلك أهلكهم اللّه بكفرهم ولم ينفعهم الترفه شيئا اهـ شيخنا.\rقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا اللام للتبليغ أي: شافهوا وخاطبوا المؤمنين بالقول المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: (نحن وأنتم) بيان للفريقين. قوله: (بالفتح من قام الخ) أي: محل القيام أو الإقامة، وهو","part":5,"page":41},{"id":1526,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 42\rخَيْرٌ مَقاماً منزلا ومسكنا بالفتح من قام وبالضم من أقام وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) بمعنى النادي وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه يعنون نحن فنكون خيرا منكم. قال تعالى\rوَكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أمة من الأمم الماضية هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً مالا ومتاعا وَرِءْياً (74) منظرا من الرؤية فكما أهلكناهم لكفرهم نهلك هؤلاء\rقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ شرط جوابه فَلْيَمْدُدْ بمعنى الخبر أي يمد لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا في الدنيا يستدرجه حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ كالقتل والأسر المسكن الذي يقيم صاحبه فيه فهو غير النادي، إذ هو متحدث القوم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: خير مقاما قرأ ابن كثير مقاما بالضم، والباقون بالفتح، وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان أو اسم مصدر إما من قام ثلاثيا أو من أقام رباعيا، أي خير مكان قيام أو إقامة.\rوالندى فعيل أصله نديو لأن لامه واو يقال ندوتهم أندوهم أي أتيت ناديهم. والنافي مثله ومنه: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ [العلق: 18] أي أهل ناديه. والندى والنادي مجلس القوم ومتحدثهم، وقيل: هو مشتق من الندى وهو الكرم، لأن الكرماء يجتمعون فيه. ومقاما ونديا منصوبان على التمييز من أفعل اهـ.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا كم: مفعول مقدم، ومن قرن تمييز لها. والقرن: مفرد لفظا متعدد معنى، وقوله: هُمْ أَحْسَنُ جملة من مبتدأ وخبر في محل جر نعت لقرن المجرور بمن وأثاثا ورئيا تمييزان اهـ شيخنا.\rقوله: وَرِءْياً بمعنى المرئي. فقوله: (منظرا) بفتح الظاء أي صورة وهيئة، وهذا كالذبح والطحن بمعنى المذبوح والمطحون اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ أي: قل للكفار القائلين للمؤمنين أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا اهـ شيخنا.\rقوله: فِي الضَّلالَةِ أي: الكفر والجهل والغفلة عن عواقب الأمور اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى الخبر) وإخراجه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير، كما ينبئ عنه قوله تعالى أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر: 37] أو للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آل عمران: 178] التعرض لعنوان الرحمانية لما أن المدّ من أحكام الحرمة الدنيوية اهـ أبو السعود.\rوذكر لفظ الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يمد له) أي يزيده طغيانا واستدراجا بأن يطيل عمره ويكثر ماله ويمكنه من التصرف فيه اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ في كل من الضميرين مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها اهـ.\rوحتى: غاية في قوله فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، والغاية في الحقيقة هي قوله: فَسَيَعْلَمُونَ.\rوقوله: إِذا رَأَوْا معمول ليعلمون وما مفعول به، وإما حرف تفصيل وهي مانعة خلو تجوز الجمع","part":5,"page":42},{"id":1527,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 43\rوَإِمَّا السَّاعَةَ المشتملة على جهنم فيدخلونها فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (75) أعوانا أهم أم المؤمنون وجندهم الشياطين وجند المؤمنين عليهم الملائكة\rوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان هُدىً بما ينزل عليهم من الآيات وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي الطاعات تبقى لصاحبها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) أي ما يرد إليه ويرجع بخلاف أعمال الكفار، والخيرية والعذاب والساعة بدلان من ما أي: يستمرون في الطغيان إلى أن يعلموا إذا رأوا العذاب أو الساعة من هو شر مكانا وأضعف جندا اهـ شيخنا.\rوحتى هنا حرف ابتدأ أي: تبتدأ بعدها الجمل أي تستأنف فليست جارة ولا عاطفة اهـ كازروني.\rوفي الشهاب: والجملة بعدها مستأنفة وحتى ليست بجارة ولا عاطفة، وهكذا حيث دخلت على إذا الشرطية عند الجمهور اهـ.\rوفي زكريا: أنها جارة والمعنى فيستمرون في الطغيان إلى أن يشاهدوا الموعود اهـ.\rقوله: (كالقتل) أي كما وقع لهم يوم بدر. قوله: فَسَيَعْلَمُونَ جواب إذا. وقوله: مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً راجعان لقوله: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا على سبيل اللف والنشر المرتب اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وأضعف جندا أي فئة وأنصارا قابل به أحسن نديا من حيث أن حسن النادي يكون باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم اهـ.\rقوله: (أهم أم المؤمنون) يشير بهذا إلى أن من استفهامية وهو أحد وجهين. وفي السمين: ومن يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، وتكون مفعولا به ليعلمون، ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء وهو مبتدأ ثان وشر خبره، والثاني وخبره الأول، ويجوز أن تكون الحملة معلقة لفعل الرؤية فالجملة في محل نصب على التعليق اهـ.\rقوله: (عليهم) متعلق بجند لما فيه من معنى الاعانة أي المعاونون لهم عليهم، كما وقع لهم في بدر، فإن الكفار كان جندهم إبليس وأعوانهم جاؤوا لهم أعوانا ثم انخذلوا عنهم، والمؤمنين كان جندهم الملائكة التي قاتلت معهم كما تقدم في الأنفال في قوله تعالى وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [الأنفال: 48] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَزِيدُ اللَّهُ الخ هذه الجملة إما مستأنفة أو معطوفة على جملة الشرط المحكية بالقول، والتقدير: قل من كان في الضلالة الخ، وقل يزيد اللّه الخ اهـ من السمين والبيضاوي.\rقوله: (هي الطاعات الخ) تقدم له في سورة الكهف أنه فسرها بسبحان اللّه والحمد للّه الخ اهـ شيخنا.\rقوله: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً أي عائدة مما متع به الكفرة من النعم التي افتخروا بها اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي ما يرد إليه ويرجع) أي إليه وهو الجنة. وقوله: (بخلاف أعمال الكفار) أي فإنها شر","part":5,"page":43},{"id":1528,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 44\rهنا في مقابلة قولهم أي الفريقين خير مقاما\rأَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا العاصي بن وائل وَقالَ لخباب بن الأرت القائل له تبعث بعد الموت والمطالب له بمال لَأُوتَيَنَ على تقدير البعث مالًا وَوَلَداً (77) فأقضيك. قال تعالى\rأَطَّلَعَ الْغَيْبَ أي أعلمه وأن يؤتى ما قاله، واستغنى مردا فإنها تردهم إلى جهنم، وقوله: (و الخيرية الخ) أي فأفعل التفضيل ذكر على سبيل المشاكلة لكلامهم السابق، فلا يقال إن أعمال الكفار لا خير فيها أصلا، فكيف تصح المفاضلة اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: وهذا جواب عما تخيل كيف فضلوا عليهم في خيرية الثواب، والعاقبة، والتفضيل يقتضي المشاركة وهم لا ثواب لهم وعاقبتهم لا خير فيها.\rقوله: أَفَرَأَيْتَ الخ استفهام تعجيب أي تعجب يا محمد من قصة هذا الكافر ومن مقالته المذكورة اهـ شيخنا.\rوعطف هذه الجملة بالفاء إيذانا بإفادة التعقيب، كأنه قيل أخبر أيضا بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك، وأ رأيت بمعنى أخبرني كما قد عرفته الموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ولأوتين جواب قسم مضمر، والجملة القسمية كأنها في محل نصب بالقول اهـ.\rقوله: (العاصي بن وائل) وهو أبو سيدنا عمرو، فهو جد عبد اللّه بن عمر وأحد العبادلة المشهورة اهـ شيخنا.\rقوله: (لخباب بن الأرت) من البدريين، وقوله: (القائل له) أي: للعاصي، وذلك أن خبابا كان صائغا فصاغ للعاصي حليا ثم طالبه بأجرته وخوفه بالبعث بعد الموت من حيث وقوع المجازاة فيه، فقال له العاصي استهزاء وتعنتا: لأوتين الخ وحلف يمينا فاجرة، فإن اللام في جواب قسم مقدرة أي:\rواللّه لأوتين وهذا من شدة تعنته في كفره اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: روى الأئمة واللفظ لمسلم عن خباب قال: كان لي على العاصي بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: فقلت: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث من بعد الموت فسوف أعطيك إذا رجعت إلى مال وولد، قال وكيع: كذا قال الأعمش فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي، ومقاتل: كان خباب قينا فصاغ للعاصي حليا ثم تقاضاه أجرته، فقال العاصي: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال خباب: لست مفارقك حتى تقضيني. فقال العاصي: يا خباب ما لك ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب، فقال خباب: ذاك إني كنت على دينك، فأما اليوم فإني على دين الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة استهزاء، فو اللّه لئن كان ما تقول حقا إني لأقضينك فيها، واللّه لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني، فأنزل اللّه. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا الخ اهـ.\rقوله: وَوَلَداً وقوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [مريم: 88] هذان موضعان. وفي الزخرف: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [الزخرف: 81] وفي نوح: مالُهُ وَوَلَدُهُ [نوح: 21]. قرأ","part":5,"page":44},{"id":1529,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 45\rبهمزة الاستفهام عن همز الوصل فحذفت أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) بأن يؤتى ما قاله\rكَلَّا أي لا يؤتى ذلك سَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) نزيده الأربعة الأخوان بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرؤا ذلك كله بفتح الواو واللام، فأما القراءة بفتحتين فواضحة وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع، وأما قراءة الضم والإسكان فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى. يقال: ولد وولد، كما يقال: عرب وعرب، وقيل: بل هي جمع ولد نحو أسد وأسد اهـ سمين.\rقوله: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ بفتح الهمزة الاستفهامية، وأصله: أأطلع فحذفت همزة الوصل تخفيفا وأطلع متعد بنفسه، كقوله: أطلع الجبل. قال المعرب: وليس متعديا بعلى كما توهمه بعضهم حتى يكون من الحذف والإيصال لكي. في القاموس: اطلع عليه فكأنه يتعدى ولا يتعدى والعلم بوقوع أمر مغيب له إما بعلم الغيب أو بقول اللّه له إنه كائن لا محالة، ولا يرد عليه أنه يجوز أن يكون بواسطة إخبار ملك أو نبي مرسل لأنه لتعظمه وكفره لا يزعمه فلا يرد على الحصر شيء اهـ شهاب.\rقوله: (و أن يؤتى ما قاله) معطوف على الهاء في أعلمه اهـ شيخنا.\rقوله: كَلَّا سَنَكْتُبُ الخ للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب، أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل، وسيبويه، وأبي الحسن الأخفش، وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر، وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية زجرت وردعت ذلك القائل.\rوالثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم فتكون جوابا ولا بدّ حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظا أو تقديرا، وقد تستعمل في القسم: والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، ونصر بن يوسف، وابن واصل أنها بمعنى حقا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد اللّه الباهلي أنها رد لما قبلها وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى أي كذا قيل وفيه نظر، فإن أي حرف جواب ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح وهو قول أبي حاتم، ولتقرير هذه المذاهب موضع هو أليق بها قد حققتها بحمد اللّه فيه اهـ سمين.\rوذكرت كلّا في القرآن في النصف الثاني فقط، وذكرت في خمس عشرة سورة منه كلها مكية، وجملة ما ذكرت ثلاثة وثلاثون مرة ترجع إلى أقسام ثلاثة: قسم يجوز الوقف عليها وعلى ما قبلها فيبتدأ بها وهذا باتفاق، وقسم اختلف فيه هل يجوز عليها أو يتعين على ما قبلها، وقسم لا يجوز الوقف عليها باتفاق. فالقسم الأول: خمسة مواضع اللتان في هذه السورة واللتان في سورة الشعراء وواحدة في سورة سبأ. والقسم الثاني: تسعة واحدة في سورة المؤمنون، واثنتان في سورة سأل سائل، واثنتان في سورة المدثر الأولى والثالثة، والأولى في سورة القيامة، والثانية في سورة ويل للمطففين، والأولى، في سورة الفجر، والتي في سورة ويل لكل. والقسم الثالث: هو التسع عشرة والباقية اهـ شيخنا عن العز بن جماعة.\rقوله: (أي لا يؤتى ذلك) أي: ما قاله. قوله: سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ فإن قلت: كيف قيل سنكتب","part":5,"page":45},{"id":1530,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 46\rبذلك عذابا فوق عذاب كفره\rوَنَرِثُهُ ما يَقُولُ من المال والولد وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً (80) لا مال له ولا ولد\rوَاتَّخَذُوا أي كفار مكة مِنْ دُونِ اللَّهِ الأوثان آلِهَةً يعبدونهم لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) شفعاء عند اللّه بأن لا يعذبوا\rكَلَّا أي لا مانع من عذابهم سَيَكْفُرُونَ أي الآلهة بسين التسويف مع أنه قد كتب من غير تأخير لأن نفس الكتابة لا تتأخر عن القول قال تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] قلت: فيه وجهان، أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله.\rوالثاني: أن المتوعد يقول للجاني سوف أنتقم منك. يعني: أنه لا نحل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر اهـ كرخي.\rقوله: (نزيده بذلك) أي: بما يقوله.\rقوله: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي: نسلبه منه ونأخذه بأن نخرجه من الدنيا خاليا من ذلك اهـ شيخنا.\rوهذا ظاهر في المال الذي كان له في الدنيا وهو إنما ادعى أن يجد مالا في الآخرة يعطى منه، فهذا التعبير بعيد من سبب النزول إلا أن يقال المعنى ونرثه ما يقول. أي نظير ما يقول وهو المال الأخروي، ونظيره: هو المال الدنيوي. وكأن أبا السعود لمح هذا المعنى ونصه: ونرثه بموته ما يقول أي مسمى ما يقول، ومصداقه وهو ما أوتي في الدنيا من المال والولد وفيه إيذان بأنه ليس لما يقوله مصداق موجود سوى ما ذكر أي: ننزع عنه ما آتيناه ويأتينا يوم القيامة فردا لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا. فضلا عن أن يؤتى ثم زائدا اهـ.\rوفي القرطبي وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد ونجعله لغيره من المسلمين ويأتينا فردا، أي: منفردا لا مال له ولا ولد ولا عشيرة اهـ.\rقوله: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ يجوز أن يكون الضمير في محل نصب بنزع الخافض فيكون ما يقول مفعولا به، والتقدير: ونرث منه ما يقول أي مسمى ما يقول ومدلوله، ويجوز أن يكون ضمير نرثه مفعولا صريحا، وما يقول بدل اشتماله منه فالمعنى نرث ما عنده من المال والولد باهلاكنا إياه، والمراد بالفردية الانقطاع عنها بالكلية، ولا شك أن مثل هذه الفردية لا يحصل إلا للكافر، وإلّا فالمؤمن والكافر سواء عند البعث في كونهما منفردين عن المال والولد لقوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 94] ثم يتفاوتون بعد ذلك فالمؤمن يلاقي أحبابه وأولاده وما اشتهاه، والكافر يحال بينه وبين ما يشتهيه وينفرد عنه ابدا اهـ زاده.\rقوله: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً حكاية لجناية عامة لكل مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر المعهودة واستنتاجها لنقيض مضمونها اهـ أبو السعود.\rقوله: (الأوثان) مفعول أول، وآلهة مفعول ثان. وقوله: لِيَكُونُوا اللام لام كي، وقوله: عِزًّا أي: أعزاء وأفراد لأنه في الأصل مصدر اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن لا يعذبوا) أي: في أن لا يعذبوا. قوله: (أي لا مانع من عذابهم) عبارة البيضاوي:\rكلا ردع وإنكار لتعززهم بها اهـ.","part":5,"page":46},{"id":1531,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 47\rبِعِبادَتِهِمْ أي ينفونها كما في آية أخرى ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أعوانا وأعداء\rأَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ سلطناهم عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ تهيجهم إلى المعاصي أَزًّا (83)\rفَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بطلب العذاب إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ الأيام والليالي أو الأنفاس عَدًّا (84) إلى وقت وقوله: سَيَكْفُرُونَ بمنزلة التعليل. وقوله: بِعِبادَتِهِمْ مضاف لمفعوله اهـ.\rقوله: (كما في آية أخرى) أي: في سورة القصص وهي قوله تعالى: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [القصص: 63] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: ضِدًّا أي إضدادا وأفرده لما تقدم، وقوله: (أعوانا واعداء) تفسيران محكيان في الخازن وغيره اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وإنما وحد الضد وإن كان خبرا عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل والمصادر موحدة مذكرة، وإما لأنه مفرد في معنى الجمع اهـ.\rوفي القاموس: وضده في الخصومة من باب رد غلبه ومنعه برفق، والقربة ملأها وأضدّ غضب وضاده خالفه وهما متضادان اهـ.\rفضدّ كأنه مصدر سماعي أو اسم مصدر تأمل.\rقوله: تَؤُزُّهُمْ حال من الشياطين أو من الكافرين أو منهما اهـ شيخنا.\rأي: تهيجهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، والمراد تعجب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أقاويل الكفرة وتماديهم في الغي وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآية المتقدمة اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قوله أَزًّا مصدر مؤكد، والأز والأزيز والهز والهزيز، قال الزمخشري: أخوات وهو التهييج وشدة الإزعاج، والأز أيضا شدة الصوت، ومنه أز المرجل أزا وأزيزا أي: غلا واشتد عليانه حتى سمع له صوت. وفي الحديث: «فكان له أزيز» أي للجذع حين فارقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rوفي القاموس: وأزت القدر تؤز بالضم وتئز بالكسر أزا وأزيزا وأزازا بالفتح اشتد غليانه، وأز النار أوقدها، وأز الشيء حركه شديدا اهـ.\rقوله: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أي: بأن يهلكوا حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم، وتطهر الأرض من فسادهم إنما نعد لهم عدا، والمعنى لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة اهـ بيضاوي.\rيعني: أن العد كناية عن القلة ولا ينافي هذا ما مرّ من أنه يمد لمن كان في الضلالة أي: يطول لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند العد اهـ شهاب.\rقوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي: فلا نهمل ما يقع منهم بل نضبطه عليهم حتى نؤاخذهم به.\rوقوله: (الأيام والليالي) هذا تفسير، وقوله: (أو الأنفاس) تفسير ثان اهـ شيخنا.","part":5,"page":47},{"id":1532,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 48\rعذابهم، اذكر\rيَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ بإيمانهم إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85) جمع وافد بمعنى راكب\rوَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ بكفرهم إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (86) جمع وارد بمعنى ماش عطشان\rلا يَمْلِكُونَ أي الناس الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87) أي شهادة أن لا إله إلا اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه قوله: (بمعنى راكب) فيركبون على نجائب سرجها من ياقوت، وعلى نوق رحالها من ذهب وأزمتها من زبرجد. قيل: يركبون من أول خروجهم من القبور وهو ظاهر الآية، وقيل: من منصرفهم من الموقف، وعلى كلا القولين فيستمرون راكبين حتى يقرعون باب الجنة اهـ شيخنا.\rوتقييد الشارح بالركوب ليس من مقتضى اللغة إذ الوفد في اللغة الجماعة الذين يقدمون على الملوك للعطايا والمعروف من غير تقييد بركوب، وكأن الشارح قيد بالركوب أخذا من سياق مدح المتقين لما ورد أنهم يحشرون ركبانا، كما ورد في الكفار أنهم يساقون مشاة. وفي البيضاوي: وفدا وافدين عليه كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم، ونسوق المجرمين كما تساق البهائم إلى جهنم وردا عطاشا، فإن من يرد الماء لا يرد إلا لعطش أو كالدوّاب التي ترد الماء اهـ.\rقوله: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ أي: الكافرين، إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً أي: مشاة عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. والورد: الجماعة يردون الماء ولا يرد أحدا إلا بعد العطش، وقيل: يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق. راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاث على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير، وتجر بقيتهم إلى النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وقال عمرو بن قيس: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك وأتعبتك في الدنيا اركبني اليوم. وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتنها ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول:\rلا. فيقول: أنا عملك السيئ طالما ركبتني وأتعبتني في الدنيا وأنا اليوم أركب وتلا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [الأنعام: 30]. وعن ابن عباس: من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى اللّه تعالى على خيل لا تروث ولا تبول: لحمها من الياقوت الأحمر ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسروجها السندس والإستبرق، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها من الياقوت والزبرجد. ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال اهـ.\rقوله: (بكفرهم) عبارة القرطبي والمجرمون في قوله: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ يعم الكفرة والعصاة اهـ.\rقوله: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها، والواو واقعة على الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم، فقوله: (أي الناس) أل فيه استغراقية. وقوله: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ الخ الاستثناء فيه متصل، وقوله: الشفاعة أي: كونه يشفع لغيره أو يشفع غيره فيه اهـ شيخنا.","part":5,"page":48},{"id":1533,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 49\rوَقالُوا أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات اللّه اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) قال تعالى لهم\rلَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) أي منكرا عظيما\rتَكادُ بالتاء والياء السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ وفي البيضاوي: إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الإيمان والعمل الصالح على ما وعد اللّه تعالى، أو إلّا من اتخذ من اللّه إذنا فيها كقوله تعالى: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ [طه: 109] من قولهم عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به، ومحله الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف. أي: إلا شفاعة من اتخذ أو على الاستثناء اهـ.\rوعبارة الكرخي: قوله: (أي الناس) قدره تمهيدا لجعل الاستثناء في قوله: إلا من اتخذ متصلا لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين، إذ هما قسماؤه، وقيل: ضمير يملكون عائد على المجرمين، والمراد بهم الكفار. قال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمون، وقال آخرون: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم، وهذا أولى لأن الأول يجري مجرى إيضاح الواضح فيكون منقطعا لأنهم لا عهد لهم، والأول أوجه. وبه جزم البيضاوي كالكشاف، ودل عليه ذكر المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة، فالناس مدلول للقسمين والإسناد إليهم من باب إسناد فعل البعض، أعني: المتقين إلى الكل وإذا ثبت ذلك دل الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، لأنه قال عقيبه: إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا يعني للمؤمنين، كقوله: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء: 28] فكل من اتخذ من الرحمن عهدا وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد، فوجب دخوله تحته كما صرح به الشيخ المصنف اهـ.\rقوله: (أي شهادة أن لا إله ألا اللّه الخ) عبارة القرطبي: قال ابن عباس: العهد لا إله إلا اللّه، والتبرؤ من الحول والقوة للّه وعدم رجاء غير اللّه اهـ.\rقوله: (أي اليهود) أي: بعضهم والنصارى أي: بعضهم، ومن زعم أي من العرب وهو من عبد الأوثان فقوله: وَلَداً هو عزير بالنسبة لقول اليهود، وعيسى بالنسبة لقول النصارى، والملائكة بالنسبة لقول بعض العرب اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى لهم) أي: تقريعا وتوبيخا اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ جِئْتُمْ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقوله: إِدًّا. في القاموس: الإد والإدة بكسرهما العجب والأمر الفظيع والداهية والمنكر كالأد بالفتح، وأدته الداهية تؤده بالضم وتئده بالكسر وتأده بالفتح دهته اهـ.\rوقوله: تَكادُ السَّماواتُ الخ نعت للإد اهـ شيخنا.\rقوله: يَتَفَطَّرْنَ من الانفطار وهو الانشقاق كما قال الشارح، وقوله: (بالانشقاق) أي الفتت، وهذا راجع لكل من النون والتاء اهـ شيخنا.","part":5,"page":49},{"id":1534,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 50\rبالنون وفي قراءة بالتاء وتشديد الطاء بالانشقاق مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أي تنطبق عليهم من أجل\rأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91) قال تعالى\rوَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92) أي ما يليق به ذلك\rإِنْ أي ما كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93) ذليلا خاضعا يوم القيامة قوله: (و في قراءة) أي: سبعية، وقوله: (بالتاء وتشديد الطاء) أي (؟ يتفطرن)، وظاهر صنيعه أن القراءات أربعة وليس كذلك، بل هي ثلاثة فقط لأنه إذا قرئ (؟ تكاد) بالتاء جاز في يتفطرن النون والتاء.\rوإن قرئ (؟ يكاد) بالياء التحتية تعين في يتفطرن التاء لا غير والقراءات الثلاثة سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي: تنخسف بهم، وتخر الجبال هدا أي تسقط وتنطبق عليهم اهـ خازن.\rفقول الشارح أي تنطبق عليهم راجع للجبال اهـ.\rقوله: وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا في هذا ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مصدر في موضع الحال أي مهدودة، وذلك على أن يكون هدّا مصدرا من هدّ زيد الحائط يهده هدّا، أي: هدمه وبابه رد. والثاني:\rوهو قول أبي جعفر إنه مصدر على غير لفظ المصدر لما كان في معناه لأن الخرور السقوط والهدم، وهدّا على أن يكون من هد الحائط يهد بالكسر أي انهدم فيكون لازما. والثالث: أن يكون مفعولا من أجله، قال الزمخشري: أي لأن تهد اهـ سمين.\rقوله: (من أجل) أَنْ دَعَوْا أي نسبوا أشار به إلى أن محل أن دعوا نصب على المفعول له، والعامل فيه هدا أي هدا لأن دعوا علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن، ودعوا يجوز أن يكون بمعنى سموا فيتعدى لاثنين وأولهما في الآية محذوف. قال الزمخشري: طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعا له ولدا اهـ كرخي.\rفإن قلت: ما معنى هذا التأثر من أجل هذه الكلمة؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن اللّه تعالى بقول للشيء كن فيكون، فكأنه قال كدت أفعل كذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها لو لا حلمي. الثاني: أن هذا استعظام لهذه الكلمة. قال ابن عباس: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وغضبت الملائكة حين قالوا للّه ولد اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: والمعنى أن هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصور بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفتت من شدتها، أو أن فظاعتها مجلبة للغضب من اللّه بحيث لو لا حلمه لخرب العالم وبددت قوائمه غضبا على من تفوه بها اهـ.\rقوله: أَنْ دَعَوْا متعلق بكل من الأفعال الثلاثة يتفطرن وما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) أي: ردا عليهم. قوله: (أي ما يليق به ذلك) أي: لا يمكن ولا يتأتى منه.\rقوله: إِنْ كُلُ الخ بمنزلة التعليل. قوله: إِلَّا آتِي فيه مراعاة لفظ كل، وعبدا حال من","part":5,"page":50},{"id":1535,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 51\rمنهم عزير وعيسى\rلَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ولا واحد منهم\rوَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95) بلا مال ولا نصير يمنعه\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) فيما بينهم يتوادون ويتحابون ويحبهم اللّه تعالى\rفَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي الضمير المستتر في آتي وقوله: (منهم) فيه مراعاة معنى كل، وكذلك قوله: لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لآتي، وقوله: (منهم عزير) أي من كل.\rقوله: لَقَدْ أَحْصاهُمْ أي: أحاط بهم علمه وعدهم أي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فلا يخفى عليه شيء من أمورهم اهـ خازن.\rقوله: (فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم) راجع لقوله: وَعَدَّهُمْ، وقوله: (و لا واحد منهم) راجع لقوله: لَقَدْ أَحْصاهُمْ اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: فلا يخفى عليه الخ هذا جواب عن سؤال ما فائدة ذكر العد بعد الأحصاء مع أن الإحصاء هو العد أو الحصر، والحصر لا يكون إلا بعد معرفة العد؟ وحاصل الجواب مع الإيضاح أن له معنى ثالثة وهو العلم كقوله: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً [الجن: 28] أي: علم عدد كل شيء، فالمعنى هنا لقد أحاط بهم علما وعدهم شخصا ونفسا وغيرها عدا اهـ.\rقوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا هذا الجعل في الدنيا كما قرروه، وجيء بأداة الاستقبال لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه الآية، وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة، فوعدهم اللّه تعالى بذلك إذا ظهر الإسلام، فألف اللّه تعالى بين قلوب المؤمنين ووضع فيها المحبة اهـ كرخي.\rوفي القيامة: حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل اهـ بيضاوي.\rقوله: وُدًّا أي: محبة. وفي المصباح: وددته أوده من باب تعب ودا بفتح الواو وضمها أحببته والاسم المودة ووددت لو كان كذا أود أيضا ودا، وودادة بالفتح تمنيته اهـ.\rوفي المختار: الود بضم الواو وفتحها وكسرها المودة اهـ.\rوفي السمين: العامة على ضم الواو وقرأ ابن الحرث الحنفي بفتحها، وجناح بن حبيش بكسرها، فيحتمل أن يكون المفتوح مصدرا والمضموم والمكسور اسمين اهـ.\rقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي: أنزلناه ميسرا بلسانك أي: لغتك بدليل قول الشارح العربي، أي:\rباللغة العربية. أي: ولو أنزلناه بغيرها لم يتيسر التبشير به ولا الإنذار لعدم فهم المخاطبين لغير العربية اهـ شيخنا.\rوهذا تعليل لمقدر ينساق إليه النظم الكريم، كأنه قيل: بلغ هذا المنزل عليك وبشر به وأنذر فإنما يسرناه الخ اهـ أبو السعود.","part":5,"page":51},{"id":1536,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 52\rالقرآن بِلِسانِكَ العربي لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الفائزين بالإيمان وَتُنْذِرَ تخوف بِهِ قَوْماً لُدًّا (97) جمع ألد أي جدل بالباطل وهم كفار مكة\rوَكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أمة من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل هَلْ تُحِسُ تجد مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98) صوتا خفيا؟ لا، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.\rقوله: قَوْماً لُدًّا جمع ألد أي: شديد الخصومة، وهذا الجمع من قبيل قوله:\rفعل لنحو أحمر وحمرا اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا الخ تخويف لهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا. قوله: قَبْلَهُمْ الضمير راجع لقوله قوما لدا. قوله: هَلْ تُحِسُ (تجد) وقيل: معناه ترى اهـ خازن.\rوالاستفهام إنكاري كما أشار له بقوله: لا أي: بادوا وهلكوا عينا وأثرا فلا تجد أحدا منهم ولا تسمع لهم صوتا اهـ شيخنا.\rوقرأ العامة تحس بضم التاء وكسر الحاء من أحس، وقرأ أبو جعفر وابن أبي عبلة تحس بفتح التاء وضم الحاء. وقرأ بعضهم تحس بفتح التاء وكسر الحاء من حسه أي شعر به ومنه الحواس الخمس اهـ سمين.\rوفي المصباح: الحس والحسيس الصوت الخفي وحسه فهو حسيس مثل قتله قتلا فهو قتيل وأحس الرجل الشيء إحساسا علم به يتعدى بنفسه مع الألف، قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ [آل عمران: 52] وربما زيدت الباء فقيل أحس به على معنى شعر به وحسست به من باب قتل لغة فيه، والمصدر الحس بالكسر يتعدى بالباء على معنى شعرت أيضا اهـ.\rقوله: مِنْهُمْ حال من أحد إذ هو في الأصل صفة له، ومن أحد مفعول زيدت فيه من اهـ سمين.\rقوله: رِكْزاً أصل الركز الخفاء ومنه طرف الرمح إذا غيب في الأرض، والركاز: المال المدفون، والمعنى استأصلناهم بالكلية بحيث لا يرى منهم أحد ولا يسمع لهم صوت خفي اهـ أبو السعود.","part":5,"page":52},{"id":1537,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 53\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة طه مكية وهي مائة وخمس وثلاثون آية أو وأربعون أو واثنتان\rطه (1) اللّه أعلم بمراده بذلك\rما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يا محمد لِتَشْقى (2) لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل أي خفف عن نفسك\rإِلَّا لكن أنزلناه بسم اللّه الرحمن الرحيم قال الجلال السيوطي في الإتقان: استثني منها فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [طه: 130] الآية اهـ كرخي.\rوهذه السورة نزلت قبل إسلام عمر اهـ قرطبي.\rقوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) جرى الشارح على أن هذه حروف مقطعة استأثر اللّه بعلمها، فعليه يكون الوقف عليها تاما وهي آية مستقلة لا محل لها من الإعراب، وقوله: ما أَنْزَلْنا الخ مستأنف، وقيل: إن طه اسم لمحمد حذف منه حرف النداء، وقيل: إنه فعل أمر وأصله طأها أي: طأ الأرض بقدميك معا خوطب به لما كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه ويريح الأخرى من شدة التعب وطول القيام. وعبارة الخازن: اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه الخ اهـ.\rوفي القرطبي: وقال مجاهد: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل من طول القيام، ثم نسخ ذلك بالفرض فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي: لما نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية، فأمره اللّه أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل فكان بعد هذه الآية يصلي وينام اهـ.\rقوله: (لتتعب بما فعلت) عبارة البيضاوي: لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق والشقاء شائع بمعنى التعب ولعله عدل إليه للإشعار بأنه أنزل عليه ليسعد. وقيل: هذا رد وتكذيب للكفرة فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا: إنك لتشقى بترك ديننا، وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به اهـ بيضاوي.\rقوله: (من طول قيامك) بيان لما فعلت.\rقوله: إِلَّا تَذْكِرَةً حمله على الانقطاع لأن التذكرة ليست من جنس الشقاء المنفي اهـ شيخنا.","part":5,"page":53},{"id":1538,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 54\rتَذْكِرَةً به لِمَنْ يَخْشى (3) يخاف اللّه\rتَنْزِيلًا بدل من اللفظ بفعله الناصب له مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (4) جمع عليا ككبرى وكبر، هو\rالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ وهو في اللغة سرير الملك اسْتَوى (5) استواء يليق به\rلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من المخلوقات وَما تَحْتَ الثَّرى (6) هو التراب الندي والمراد الأرضون السبع لأنها تحته\rوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ في وعبارة الكرخي: أشار ألى أن الاستثناء منقطع، وأن تذكرة مفعول من أجله والعامل أنزلناه المقدر لا المذكور، وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة لقوله: ما انزلنا، وتعدى في لتشقى باللام لاختلاف العامل، لأن ضمير أنزلنا للّه وضمير لتشقى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يتحد الفاعل واتحد في تذكرة لأن المذكر هو اللّه تعالى وهو المنزل فنصب بغير لام وهذا ما جرى عليه في الكشاف اهـ.\rقوله: لِمَنْ يَخْشى أي: لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنزال، أو لمن علم اللّه أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع، وكأنه يشير إلى اللام في لمن يخشى لام العاقبة اهـ.\rقوله: (بدل من اللفظ بفعله) أي: عوض فليس المراد البدل الاصطلاحي، وقوله: (من اللفظ) أي: من التلفظ والنطق بفعله أي: المقدر تقديره نزلناه تنزيلا فحذف وجوبا على حد قوله:\rوالحذف حتم من آت بدلا من فعله\r\rاه شيخنا.\rقوله: الرَّحْمنُ أشار إلى أن هذا نعت مقطوع لقصد المدح اهـ شيخنا.\rقوله: (استواء يليق به) تقدم في سورة الأعراف أن هذا على طريقة السلف المفوضين علم المتشابه إلى اللّه تعالى، وأما على طريقة الخلف المؤولين والمفسرين له بمعنى مخصوص، فيقال:\rالمراد بالاستواء الاستيلاء بالتصرف والقهر اهـ.\rقوله: (من المخلوقات) راجع للثلاثة. قوله: وَما تَحْتَ الثَّرى في المصباح: الثرى وزان الحصى ندى الأرض، وأثرت الأرض بالألف كثر ثراها، والثرى أيضا التراب الندي، فإن لم يكن نديا فهو تراب ولا يقال له حينئذ ثرى اهـ.\rوفيه أيضا: نديت الأرض ندى من باب تعب فهي ندية مثل تعبة، ويعدى بالهمزة والتضعيف وأصابها نداوة وندوة بالضم والتثقيل اهـ.\rقوله: (و المراد) أي: بما تحت الثرى. قوله: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ الخ المقصود من هذا السياق إما النهي عن الجهر كقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ [الأعراف: 205] الآية وقد أشار لهذا الشارح بقوله: (فلا تجهد نفسك بالجهر)، وإما إرشاد العباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى، بل لغرض آخر كحضور القلب ودفع الشواغل والوسوسة اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى أي: وإن تجهر بذكر اللّه ودعائه، فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه تعالى يعلم السر وأخفى منه وهو ضمير النفس، وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام اللّه، بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن","part":5,"page":54},{"id":1539,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 55\rذكر أو دعاء فاللّه غني عن الجهر به فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (7) منه أي ما حدثت به النفس وما خطر ولم تحدث به، فلا تجهد نفسك بالجهر\rاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (8) التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن\rوَهَلْ قد أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (9) الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار اهـ.\rقوله: (فاللّه غني الخ) أشار به الشارح إلى أن جواب الشرط وهو أن محذوف، وقوله: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ الخ تعليل لهذا المحذوف اهـ.\rقوله: وَأَخْفى أي: والذي هو أخفى من السر، فأخفى أفعل تفضيل وتنكيره للمبالغة في الخفاء اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: وَأَخْفى جوزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه أفعل تفضيل أي وأخفى من السر. والثاني: أنه فعل ماض أي وأخفى اللّه عن عباده غيبه، كقوله: لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:\r110] والجلالة إما مبتدأ والجملة المنفية خبرها، وإما خبر لمبتدأ محذوف أي: هو اللّه اهـ.\rقوله: (أي ما حدثت به النفس الخ) عبارة القرطبي: قال ابن عباس: السر ما حدث الإنسان به غيره في خفاء وأخفى منه ما أضمره في نفسه مما لم يحدث به غيره. وعنه أيضا: السر حديث نفسك وأخفى من السر ما ستحدث به نفسك مما لم يكن وهو كائن تعلم ما تسر به نفسك اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا واللّه يعلم ما أسررت اليوم وما تسر غدا، والمعنى اللّه يعلم السر وأخفى من السر. وقال ابن عباس أيضا: السر ما أسره ابن آدم في نفسه، وأخفى ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه فاللّه يعلمه، فاللّه يعلم ذلك كله، وعلمه فيما مضى من ذلك وما يستقبل علم واحد وجميع الخلائق في علمه كنفس واحدة. وقال قتادة وغيره: السر ما أضمره الأنسان فس نفسه، وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد، وقال أبو زيد: السر سر الخلائق، وأخفى منه سره عز وجل، وأنكر ذلك الطبري وقال:\rإن الذي هو أخفى ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه كما قال ابن عباس انتهت.\rقوله: (فلا تجهد نفسك) بفتح التاء والهاء وبضم التاء وكسر الهاء لأنه يقال جهده وأجهده اهـ شيخنا.\rوفي المختار: الجهد بفتح الجيم وضمها الطاقة وقرئ بهما قوله تعالى وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة: 79] والجهد: بالفتح المشقة، ويقال: جهد دابته وأجهدها أي حمل عليها في السير فوق طاقتها، وجهد الرجل في كذا أي: جد فيه وبابهما قطع اهـ.\rقوله: (و الحسنى مؤنث الأحسن) أي: فهي اسم تفضيل يوصف به الواحد من المؤنث الجمع من المذكر اهـ أبو السعود.\rومراد الشارح بهذا الجواب عما يقال لم لم يقل الحسان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والحسنى تأنيث الأحسن، وقد تقدم غير مرة أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة اهـ.","part":5,"page":55},{"id":1540,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 56\rإِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا هنا وذلك في مسيره من مدين طالبا مصر إِنِّي آنَسْتُ قوله: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى استئناف مسوق لتقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه أمر مستمر فيما بين الأنبياء كابرا عن كابر وقد خوطب به موسى عليه السّلام حيث قيل له: إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا، وبه ختم موسى عليه السّلام مقالته قال: إنما إلهكم اللّه الذي لا إله إلا هو اهـ أبو السعود.\rوهذا وإن كان على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على اللّه تعالى، لكن المقصود منه تقرير الخبر في قلبه. وهذه الصورة أبلغ في ذلك كقولك لصاحبك: هل بلغك عني كذا فيتطلع السامع إلى معرفة ما تومي إليه اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ رَأى ناراً ظرف للحديث، وقيل: ظرف لمضمر مؤخر. أي: حين رأى نارا كان كيت وكيت، وقيل: مفعول لمضمر مقدم أي: اذكر وقت رؤيته نارا. روي أنه عليه الصلاة والسّلام استأذن شعيبا عليه السّلام في الخروج إلى أمه وأخيه بمصر، فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى وهو بالجانب الغربي من الطور ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح زنده فلم يخرج نارا.\rفبينما هو في ذلك إذ رأى على يسار الطريق من جانب الطور نارا فقال لأهله: امكثوا أي أقيموا مكانكم أمرهم عليه السّلام لئلا يتبعوه فيما عزم عليه من الذهاب إلى النار كما هو المعتاد لا لئلا ينتقلوا إلى موضع آخر، فإنه مما لا يخطر بالبال، والخطاب في امكثوا للمرأة والولد والخادم، وقيل: لها وحدها، والجمع إما لظاهر لفظ الأهل أو للتفخيم كما في قول القائل:\rوإن شئت حرمت النساء سواكم\rاه أبو السعود.\rقوله: لِأَهْلِهِ (لامرأته) وهي بنت شعيب واسمها صفوراء، وقيل: صفورياء، وقيل: صفورة، واسم أختها ليا، وقيل: شرفا، وقيل: عبدا. واختلف في التي تزوجها موسى هل هي الصغرى أو الكبرى اهـ من شرح الدلائل.\rوروي أن اللّه لما نادى موسى بالوادي المقدس وأرسله إلى فرعون شيعته الملائكة وصافحوه وخلف أهله في الموضع الذي تركهم فيه، فلم يزالوا مقيمين فيه حتى مرّ بهم راع من أهل مدين فعرفهم فحملهم إلى شعيب، فمكثوا عنده حتى بلغهم خبر موسى بعدما جاوز ببني إسرائيل البحر وغرق فرعون وقومه، فبعثهم شعيب إلى موسى بمصر اهـ زاده.\rقوله: (في مسيره من مدين) أي: لما قضي الأجل الذي جعله عليه شعيب، ومدين هي قرية شعيب بينها وبين مصر ثمان مراحل، وقوله: إِذْ رَأى ناراً سيأتي في القصص آنس من جانب الطور نارا، والطور قيل: هو الذي بين مصر وأيلة، وقيل: هو الذي بفلسطين اهـ.\rجميعه من البيضاوي: بعضه من سورة القصص وبعضه من سورة المؤمنون، ويرد القول الأول ما تقدم في سورة مريم من قوله: وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [مريم: 52] حيث قال هذا المفسر هناك الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين اهـ.","part":5,"page":56},{"id":1541,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 57\rأبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ شعلة في رأس فتيلة أو عود أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) أي هاديا يدلني على الطريق وكان أخطأها لظلمة الليل، وقال لعل لعدم الجزم بوفاء الوعد\rفَلَمَّا والطور: الذي بين مصر وأيلة يكون على يسار المتوجه من مدين إلى مصر كما هو مشاهد اهـ.\rقوله: إِنِّي آنَسْتُ أي: أبصرت، والإيناس: الإبصار البين، ومنه إنسان العين لأنه يبصر به الأشياء، وقيل: هو الوجدان، وقيل: الإحساس فهو أعم من الأبصار اهـ سمين.\rقوله: (أبصرت) أي: إبصارا بيّنا لا شبهة فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: بِقَبَسٍ عبارة السمين: القبس: الجذوة من النار وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوهما، وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض والنفض بمعنى المنفوض، ويقال: أقبست الرجل علما وقبسته نارا ففرقوا بينهما هذا قول المبرد. وقال الكسائي: إن فعل وأفعل يقالان في المعنيين، فيقال:\rقبسته نارا وعلما وأقبسته أيضا نارا وعلما، وقوله: منها يجوز أن يتعلق بآتيكم أو بمحذوف على أنه حال من قبس اهـ.\rقوله: أَوْ أَجِدُ أو: مانعة خلو، وقوله: عَلَى النَّارِ أي عندها اهـ.\rقوله: (هاديا) أشار به إلى أن انتصاب هدى على أنه مفعول به، وأنه بمعنى هاديا، فالمصدر بمعنى الوصف، ولعله لم يقل قوما يهدونني كما في الكشاف، إذ لا دليل على ما فوق الواحد، والظاهر أن أو في قوله: أَوْ أَجِدُ لمنع الخلو، ومعنى الاستعلاء في قوله: عَلَى النَّارِ أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد إنه لصق بمكان يقرب من زيد اهـ كرخي أو أنها بمعنى عند.\rقوله: (و كان أخطأها الخ) وذلك أنه سار على الطريق مخافة من ملوك الشام، وكانت الليلة ليلة جمعة، وكانت شديدة البرد والثلج والظلمة، وكانت امرأته حاملا فسار في البرية غير عالم بالطريق فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وأخذت امرأته في الطلق فولدت له ولدا في هذه الحالة وتفرقت ماشيته التي معه من شدة الظلمة، واشتد عليه الحال فأخذ يقدح زنده فلم تخرج منه النار، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور فقال لأهله: امكثوا الخ اهـ خازن.\rقوله: (لعدم الجزم بوفاء الوعد) عبارة البيضاوي: ولما كان حصولهما مترقبا بني الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا ولذلك حققه لهم بإن ليوطنوا أنفسهم عليه اهـ.\rقوله: فَلَمَّا أَتاها أي النار التي آنسها. قال ابن عباس: رأى شجرة خضراء طافت بها من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها وشدة خضرة الشجرة، فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوأها، وقد قالوا: النار أربعة أصناف:\rصنف يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا، وصنف يشرب ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنف لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه السّلام. وقالوا أيضا: هي أربعة أنواع: نوع له نور وإحراق وهي نار الدنيا، ونوع لا نور ولا إحراق وهي نار الأشجار، ونوع له نور بلا إحراق وهي نار موسى عليه السّلام، ونوع له إحراق بلا نور وهي نار جهنم اهـ أبو السعود.","part":5,"page":57},{"id":1542,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 58\rأَتاها وهي شجرة عوسج نُودِيَ يا مُوسى (11)\rإِنِّي بكسر الهمزة بتأويل نودي بقيل وبفتحها بتقدير الباء أَنَا تأكيد لياء المتكلم رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهر أو المبارك طُوىً (12) بدل أو عطف بيان بالتنوين وتركه مصروف باعتبار المكان وغير مصروف للتأنيث باعتبار البقعة مع العلمية\rوَأَنَا اخْتَرْتُكَ من قومك فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (13) إليك منى\rإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا قوله: (و هي شجرة عوسج) أي: وهي موقدة في شجرة. عوسج: جمع عوسجة أي: شجرته، والعوسج شجر الشوك وسيأتي له في القصص أنها شجرة عوسج أو عليق أو عناب اهـ.\rوفي المصباح: العوسج فوعل من شجر الشوك له ثمر مدور، فإذا عظم فهو الغرقد بغين معجمة الواحدة عوسجة وبها سمي اهـ.\rقوله: نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ هذا أول المكالمة بينه وبين اللّه تعالى، وسيأتي آخرها وهو قوله: أن العذاب على من كذب وتولى، وهذا بالنسبة لهذه الواقعة وهذه الحالة، وإلّا فله مكالمات أخر اهـ.\rوفي الخازن: نودي يا موسى أي فأجاب سريعا وما يدري من دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أدري مكانك فأين أنت؟ فقال تعالى: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك منك، فعلم أن ذلك لا ينبغي ولا يكون إلا من اللّه، فأيقن به وسمع الكلم بكل أجزائه حتى أن كل جارحة منه كانت أذنا وسمعه من جميع الجهات اهـ.\rوفي البيضاوي: قيل: إنه لما نودي قال: من المتكلم؟ قال: إني أنا اللّه فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان. قال: أنا عرفت أنه كلام اللّه بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء اهـ.\rوليس هذا النداء والخطاب هو الذي وقع فيه الصعقة ودك الجبل، كما تقدم ذكره في سورة الأعراف، بل هذا غيره إن هذا أول بدء وذاك إنما كان بعد غرق فرعون حين أعطاه اللّه التوراة اهـ شيخنا.\rقوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي: تعظيما قيل: ليباشر الوادي بقدميه تبركا به، وقيل: لأن الحفوة تواضع للّه تعالى ومن ثم طاف السلف بالكعبة حفاة. وقيل: أمر بخلع نعليه لنجاستهما لأنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ كما روي عن السدي وقتادة اهـ كرخي.\rوروي أنه خلعهما وألقاهما خلف الوادي اهـ خازن.\rقوله: (بالتنوين وتركه) سبعيتان، وقوله: (مع العلمية) راجع لقوله للتأنيث.\rقوله: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي: للنبوة والرسالة اهـ أبو السعود.\rفنبأه وأرسله في ذلك الوقت في ذلك المكان وكان عمره حينئذ أربعين سنة كما سيأتي في الشارح عند قوله تعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى [طه: 40] اهـ شيخنا.\rوقوله: من قومك تقدير للمفعول الثاني، والأول هو الكاف اهـ.","part":5,"page":58},{"id":1543,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 59\rإِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) فيها\rإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها عن الناس ويظهر لهم قوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ بدل مما يوحى، وقوله: إِنَّا لِلَّهِ الخ إشارة للعقائد العقلية، وقوله: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ الخ إشارة إلى العقائد السمعية، وقوله: فَاعْبُدْنِي الخ إشارة للأعمال الفرعية، وهذه جملة الدين اهـ شيخنا.\rقوله: لِذِكْرِي (فيها) أشار به إلى أن ذكري مصدر مضاف إلى المفعول، أي: لتذكرني في الصلاة، فإنها مشتملة على كلامي. وقيل: المصدر مضاف للفاعل أي لذكري إياك اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: وخصت الصلاة بالذكر وأفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره، وذلك قوله تعالى لِذِكْرِي أي: لتذكرني، فإن ذكري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، أو لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي لا ترائي بها ولا تقصد غرضا آخر، أو لتكون ذاكرا لي غير ناس، وقيل: لذكري إياها وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي لما أنه عليه السّلام قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذ ذكرها لأن اللّه تعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» اهـ.\rقوله: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي: كائنة وحاصلة لا محالة. أكاد أخفيها: أريد خفاء وقتها أو أقرب أن أخفيها، فلا أقول إنها آتية، ولو لا ما في الإخبار بإتيانها من اللطف وقطع الإعذار لما أخبرت به، أو أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاءه اهـ بيضاوي.\rوقوله: أريد إخفاء وقتها لما كان الإخبار بأنها ستأتي تحقيقا إظهارا لها في الجملة، وهو ينافي إخفاءها أولوه بما ذكر من أن المراد إخفاء وقتها المعين، ولما كان كونه من المغيبات يناسب أن يقال أخفيها بدون أكاد فسروا أكاد بأريد وهو أحد معانيها، وقيل: أكاد زائدة وقوله: أو قرب أن أخفيها أي:\rأخفي ذكرها الإجمالي: والمعنى: أنه تعالى كاد ألّا يذكرها ولو إجمالا لكونها أخفى المغيبات، لكنه ذكرها إجمالا كما في قوله: إن الساعة آتية لحكمة وهي اللطف بالمؤمنين لحثهم على الأعمال الصالحة، وقوله: أو أكاد أظهرها أي أعين وقتها، فمتعلق الإظهار والإخفاء ليس شيئا واحدا حتى يحصل التعارض اهـ شهاب.\rقوله أيضا: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا محالة بدلالة كلمة إن واسمية الجملة قاله هنا، وفي الحج بحذف لام التأكيد، وقوله في غافر بإثباتها لأنها إنما تزاد لتأكيد الخبر، وتأكيده إنما يحتاج إليه إذا كان المخبر به شاكا في الخبر، والمخاطبون في غافر هم الكفار فأكدها باللام بخلاف تينك، وبما تقرر علم أن كاد من اللّه واجب كقوله تعالى: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [الإسراء: 51] أي: هو قريب.\rوالحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت أن اللّه تعالى وعد بعدم قبول التوبة عند قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل الإنسان بالمعصية إلى قرب ذلك الوقت، ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية وهو لا يجوز اهـ.","part":5,"page":59},{"id":1544,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 60\rقربها بعلاماتها لِتُجْزى فيها كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (15) به من خير أو شر\rفَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنك عَنْها أي عن الإيمان بها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ في إنكارها فَتَرْدى (16) أي فتهلك إن انصددت عنها\rوَما تِلْكَ كائنة بِيَمِينِكَ يا مُوسى (17) الاستفهام للتقرير ليرتب عليه المعجزة قوله: لِتُجْزى متعلق بأخفيها أو بآتية، وأكاد أخفيها جملة اعتراض بينهما لا نعت لآتية حتى يلزم إعمال اسم الفاعل الموصوف، فإن عمل ثم وصف جاز اهـ كرخي.\rقوله: بِما تَسْعى (به) وفي نسخة فيه من خير أو شر. أشار به إلى أن ما موصولة اسمية، ويجوز أن تكون مصدرية لا بد من مضاف أي تجزي بعقاب سعيها أو بعقاب ما سعته اهـ كرخي.\rقوله: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها، وقيل: عن تصديقها، والأول هو الأليق بشأن موسى عليه السّلام وإن كان النهي بطريق التهييج والإلهاب اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها. من لا يؤمن هو المنهي صورة، والمراد نهي المخاطب وهو موسى فهو من باب لا أرينك ههنا. وقيل: إن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، والضميران في عنها وبها للساعة، وقيل: للصلاة، وقيل:\rفي عنها للصلاة وفي بها للساعة اهـ.\rقوله: فَتَرْدى منصوبة بفتحة مقدرة على الألف بأن مضمرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب النهي اهـ شيخنا.\rوفي السمين: فتردى يجوز أن ينتصب في جواب النهي بإضمار أن وأن يرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره فأنت تردي اهـ.\rوفي المختار: وردى من باب صدى أي هلك وأرداه غيره، وردي في البئر يردى بالكسر من باب رمى، وتردى إذا سقط فيها أو تهور من جبل اهـ.\rقوله: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ما استفهامية مبتدأ وتلك: خبره، وبيمينك: متعلق بمحذوف لأنه حال كقوله: وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [هود: 72]، والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارة، وجوز الزمخشري أن تكون تلك موصولة بمعنى التي وبيمينك صلتها، ولم يذكر ابن عطية غيره وليس مذهب البصريين، لأنهم لم يجعلوا من أسماء الإشارة موصولا إلا ذا بشروط ذكرتها أول هذا الكتاب، وأما الكوفيون فيجيزون ذلك في جميعها ومنه هذه الآية عندهم أي: وما التي بيمينك. وأنشدوا أيضا وهذا تحملين طليق أي الذي تحملينه اهـ سمين.\rقوله: (الاستفهام للتقرير) أي: فإنه سبحانه وتعالى عالم بما في يمينه، وإنما أراد أن يقر موسى ويعترف بكونها عصا ويزداد علمه بما يمنحه اللّه في عصاه، فلا يعتريه شك إذا قلبها اللّه تعالى ثعبانا، بل يعرف أن ذلك بقدرة اللّه تعالى، وفي كلام الشيخ المصنف إشارة لذلك اهـ كرخي.\rقوله: (ليرتب عليه) أي ليرتب اللّه عليه المعجزة الكائنة فيها وهي انقلابها حية. وسيأتي ترتيبها في قوله: قالَ أَلْقِها الخ اهـ شيخنا.","part":5,"page":60},{"id":1545,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 61\rفيها\rقالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا أعتمد عَلَيْها عند الوثوب والمشي وَأَهُشُ أخبط ورق الشجر بِها ليسقط عَلى غَنَمِي فتأكله وَلِيَ فِيها مَآرِبُ جمع مأرب مثلث الراء أي حوائج أُخْرى (18) كحمل الزاد والسقاء وطرد الهوام زاد في الجواب بيان حاجاته بها\rقالَ أَلْقِها قوله: قالَ هِيَ عَصايَ الخ أجاب بأربعة أجوبة: ثلاثة مفصلة، والرابع مجمل. وكان يكفيه الأول منها، لكنه زاد في الجواب لأن المقام مقام خطاب الحبيب وهو يطلب فيه البسط اهـ شيخنا.\rوكانت عصا آدم ورثها شعيب وأعطاها لموسى بعد أن زوجه ابنته. وعبارة هذا الشارح في سورة القصص: وأمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، وكان عصي الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم من آس الجنة فأخذها موسى بعلم شعيب اهـ.\rقوله: (أعتمد) عَلَيْها أي: إذا عييت أو وقفت على قطيع الغنم اهـ بيضاوي.\rوالتوكؤ: التحامل على الشيء وهو بمعنى الاتكاء. قوله: (عند الوثوب) أي: النهوض للقيام كما عبر به غيره اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَهُشُ في السمين الهش بالمعجمة الخبط. يقال: هششت الورق أهشه أي خبطته ليسقط، وأما هش يهش بكسر العين في المضارع فبمعنى البشاشة، وقرأ النخعي بكسر الهاء فقيل: هو بمعنى أهش بالضم والمفعول محذوف في القراءتين أي: أهش الورق والشجر، وقيل: هو في هذه القراءة من هش هشاشة إذا مال. وفي المصباح: هش الرجل هشا من باب رد صال بعصاه. وفي التنزيل: وأهش بها على غنمي. وهش الشجرة هشا أيضا ضربها ليتساقط ورقها، وهش الشيء يهش من باب تعب هشاشة لأن واسترخى فهو هش، وهش العود يهش أيضا هشوشا صار هشا أي: سريع الكسر، وهش الرجل هشاشة إذا تبسم وارتاح من بابي تعب وضرب اهـ.\rقوله: (أخبط) في المصباح: خبطت الورق من الشجر خبطا من باب ضرب أسقطته، فإذا سقط فهو خبط بفتحتين فعل بمعنى مفعول مسموع كثيرا اهـ.\rقوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى أجمل في هذا الجواب إما حياء من اللّه تعالى لطول الكلام، وإما رجاء أن يسأل عن تفصيله فيجيب بالتفصيل فيتلذذ بالخطاب اهـ شيخنا.\rقوله: (كحمل الزاد) بأن يعلقه فيها ثم يضعها على عاتقه، والزاد: طعام المسافر وما يحمل فيه يقال له مزود بكسر الميم، وقوله: (و السقاء) يقال لظرف الماء واللبن بخلاف القربة فإنها خاصة بالماء اهـ شيخنا.\rوأشار بالكاف إلى أن لها منافع أخر، فكان يستقي بها الماء من البئر فيجعلها موضع الحبل، وكل شعبة من شعبتيها تصير دلوا ممتلئا.\rروي عن ابن عباس أن عصا موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج له ما يأكله يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء. وكان إذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصن غصنين فصارت شجرة وأورقت وأثمرت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها","part":5,"page":61},{"id":1546,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 62\rيا مُوسى (19)\rفَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ ثعبان عظيم تَسْعى (20) تمشي على بطنها سريعا كسرعة الثعبان الصغير المسمى بالجان المعبر به فيها في آية أخرى\rقالَ خُذْها وَلا تَخَفْ منها سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا منصوب بنزع الخافض أي إلى حالتها الْأُولى (21) فأدخل يده في فمها فعادت عصا فطالت على طول البئر وشعبتاها كدلوين، وكانت شعبتاها تضيئان بالليل كالسراج، وإذا ظهر عدو كانت تحارب وتناضل له اهـ خازن.\rوفي القرطبي: عن ابن عباس أنه قال: إمساك العصا سنة الأنبياء وزينة الصلحاء وسلاح على الأعداء وعون الضعفاء وغم المنافقين وزيادة في الطاعات، ويقال: إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان ويخشع منه المنافق والفاجر، وتكون قبلته إذا صلى، وقوته إذا أعيا اهـ.\rقوله: (زاد في الجواب بيان حاجاته بها) أي: وإلّا فكان يكفيه الجواب الأول اهـ شيخنا.\rبل كان يكفيه أن يقول هي عصا من غير إضافة إلى نفسه.\rقوله: فَأَلْقاها أي: طرحها على الأرض، ثم حانت منه نظرة فإذا هي حية صفراء من أعظم ما يكون من الحيات اهـ خازن.\rقوله: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ عبّر هنا بحية، وفي آية أخرى بثعبان، وفي أخرى بأنها كالجان، فأشار الشارح إلى الجمع بين الثلاثة بتفسير الحية بالثعبان، فإنها اسم جنس يستعمل في الصغير والكبير والذكر والأنثى، فالثعبان من أفرادها. وبقوله: (كسرعة الثعبان الخ) وقوله: (المعبر فيها) أي في العصا على وجه تشبيهها به، كما سيأتي في قوله تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ [النمل: 10 القصص: 31] وقوله: (المسمى بالجان) حقيقة الجان الثعبان الصغير بخلاف الجن، فإنه النوع المعروف اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: قيل: إنه لما ألقاها انقلبت حية صفراء كغلظ العصا ثم تورمت وعظمت، فلذلك سماها جانا تارة نظرا للمبدأ، وثعبانا مرة باعتبار المنتهى، وحية تارة أخرى باعتبار الاسم الذي يعم الحالين، وقيل: كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان، ولذلك قال في الآية الأخرى: كَأَنَّها جَانٌ [النمل: 10 القصص: 31] انتهت.\rوفي المصباح: الثعبان الحية العظيمة وهو فعلان ويقع على الذكر والأنثى، والجمع الثعابين اهـ.\rوفي القاموس: والثعبان الحية الضخمة الطويلة أو الذكر خاصة أو عام اهـ.\rقوله: (ثعبان عظيم) وصارت شعبتاها شدقين، والمحجن عنقا وعرفا، وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلقمها، وتقطع الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها صوت عظيم اهـ خازن.\rقوله: (فادخل يده) أي مكشوفة، وكان على موسى مدرعة صوف، فلما قال اللّه له: خذها لف","part":5,"page":62},{"id":1547,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 63\rوتبين أن موضع الإدخال موضع مسكها بين شعبتيها وأرى ذلك اليد موسى لئلا يجزع إذا انقلبت حية لدى فرعون\rوَاضْمُمْ يَدَكَ اليمنى بمعنى الكف إِلى جَناحِكَ أي جنبك الأيسر تحت العضد إلى الإبط وأخرجها تَخْرُجْ خلاف ما كانت عليه من الأدمة بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي برص تضيء كشعاع الشمس تغشي البصر آيَةً أُخْرى (22) وهي وبيضاء حالان من ضمير تخرج كم المدرعة على يده فأمره اللّه أن يكشف يده وقال له: أرأيت لو أذن اللّه لها أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا ولكني ضعيف، من الضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية الخ اهـ خازن.\rوعبارة البيضاوي: لما قال له ربه خذها طابت نفسه حتى أدخل يده وأخذ بلحييها انتهت.\rقوله: (و تبين) فعل ماض وفاعله ضمير يعود على السيد موسى أي: علم، وقوله: (أن موضع الخ) في محل المفعول به، ويحتمل أن تبين لازم وأن موضع الخ فاعله، وقوله: (موضع الإدخال) وهو فمها موضع مسكها أي الاتكاء عليها وقوله: (بين شعبتيها) ظرف لمسكها أو حال منه نعت له أي: لما وضع يده في فمها وانقلبت عصا ويده بحالها رأى محل يدنه وهو ما بين الشعبتين، فالشعبتان صارا شدقين، وصار ما تحتهما وهو محل مسكها بيده عنقا للحية اهـ شيخنا.\rقوله: (و أرى ذلك) أي: قلبها حية مع أنه في ذلك الوقت لم يكن عنده أحد يرسل إليه ويحاججه، فالحكمة في إطلاع اللّه له على هذا الأمر العظيم أن يأنس ولا يجزع منه إذا حصل عند فرعون اهـ شيخنا.\rقوله: (لدى فرعون) أي: عنده.\rقوله: (بمعنى الكف) أي: لا بمعنى حقيقتها، وهي من الأصابع إلى المنكب، وقوله: (تحت العضد) بيان للمراد من الجنب هنا أي: المراد به خصوص ما تحت العضد، وقوله: (إلى الإبط) بيان للعضد، وذكر الغاية وحذف المبدأ أي: والعضد من المرفق إلى الإبط، ويجمع الإبط على آباط مثل حمل وأحمال اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والجناح العضد قاله مجاهد، وقال: إلى بمعنى تحت. وقال قطرب: إلى جناحك أي إلى جنبك، وعبّر عن الجنب بالجناح لأنه محل الجناح، وقال مقاتل: إلى بمعنى مع أي مع جناحك اهـ.\rقوله: (من الأدمة) أي: السمرة. قوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يجوز أن يكون متعلقا بتخرج، وأن يكون متعلقا ببيضاء لما فيه من معنى الفعل نحو: أبيضت من غير سوء، وقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يسمى عند أهل البيان الاحتراس، وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد، وذلك أن البياض قد يراد به البرص والبهق فأتى بقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ نفيا لذلك اهـ كرخي.\rقوله: (تغشى البصر) أي: تغطيه وتحجبه عن الإدراك. قوله: آيَةً أُخْرى أي: غير العصا.","part":5,"page":63},{"id":1548,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 64\rلِنُرِيَكَ بها إذا فعلت ذلك لإظهارها مِنْ آياتِنَا الآية الْكُبْرى (23) أي العظمى على رسالتك وإذا أراد عودها إلى حالتها الأولى ضمها إلى جناحه كما تقدم وأخرجها\rاذْهَبْ رسولا إِلى فِرْعَوْنَ ومن معه إِنَّهُ طَغى (24) جاوز الحد في كفره إلى ادعاء الإلهية\rقالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي قوله: لِنُرِيَكَ الخ تعليل لمحذوف أي: وإنما أمرناك بما ذكر لنريك بها أي: باليد. وفي السمين: لنريك متعلق بما دلت عليه آية أي: دللنا بها لنريك أو بجعلناها أو بآتيناك المقدر اهـ.\rولما كانت الإراءة ليست وقت الأمر، بل وقت الفعل الواقع عند فرعون قيد الشارح بقوله: (إذا فعلت) فهو ظرف لنريك، وقوله: (ذلك أي): المذكور من الضم والاخراج، وقوله: (لإظهارها) علة العلة أي: قوله (لنريك) أي لنريك الآية الكبرى لأجل أن تظهرها للناس أي: فرعون ومن معه، وهذا قريب من قوله في العصا وأرى ذلك السيد موسى الخ اهـ شيخنا.\rقوله: الْكُبْرى أعربه الشارح مفعولا ثانيا. أي: نعتا للمفعول المحذوف فهو نعت لمفرد، والمفعول الأول هو الكاف، ومن آياتنا حال أي: لنريك الآية الكبرى حال كونها بعض آياتنا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يجوز أن يتعلق من آياتنا بمحذوف على أنه حال من الكبرى، ويكون الكبرى على هذا مفعولا ثانيا لنريك. والتقدير: لنريك الكبرى حال كونها من آياتنا أي بعض آياتنا، ويجوز أن يكون المفعول الثاني نفس من آياتنا فيتعلق بمحذوف أيضا، وتكون الكبرى على هذا صفة لآياتنا وصف الجمع المؤنث غير العاقل بوصف الواحدة اهـ.\rومن المعلوم أن الكبرى اسم تفضيل أي: التي هي أكبر من غيرها حتى من العصا، وذلك لأن المراد الكبرى في الإعجاز واليد كذلك فإنها أكبر آيات موسى، كما نقله الخازن عن ابن عباس لأنها لم تعارض أصلا، وأما العصا فقد عارضها السحرة كما سيأتي اهـ شيخنا.\rوروي أنه عليه الصلاة والسّلام كان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها كان لها نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا، ثم إذا ردها إلى جيبه صارت إلى لونها الأول اهـ زاده.\rقوله: (و إذا أراد عودها) أي: وكان إذا أراد عودها وهذا نظير قوله في العصا: فعادت عصا الخ اهـ شيخنا.\rوقوله: وأخرجها فتخرج سمراء اهـ.\rقوله: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ أي: بهاتين الآيتين وهما العصا واليد اهـ بيضاوي.\rوقوله: رسولا حال. قوله: (و من معه) أي: من القبط بدليل الآية الأخرى إلى فرعون وملئه، وانظر رسالته لبني إسرائيل من أين تؤخذ اهـ شيخنا.\rوتقدم أنها تؤخذ من قوله: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ، وعلى ما قاله بعضهم من أن معناه اخترتك للنبوة والرسالة تأمل. قال وهب بن منبه: قال اللّه لموسى عليه السّلام: اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق","part":5,"page":64},{"id":1549,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 65\rصَدْرِي (25) وسعه لتحمل الرسالة\rوَيَسِّرْ سهل لِي أَمْرِي (26) لأبلغها\rوَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (27) حدثت من احتراقه بجمرة وضعها بفيه وهو صغير\rيَفْقَهُوا يفهموا قَوْلِي (28) عند تبليغ الرسالة برسالتي، فإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي ونصري، وإني ألبسك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمرك. أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي. أقسم بعزتي لو لا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه برسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي، وقل له قولا لينا لا يغتر بلباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي، في كلام طويل. قال: فسكت موسى عليه السّلام سبعة أيام لا يتكلم، ثم جاءه الملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك، فعند ذلك قال: رب اشرح لي صدري. قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، والسبب في هذا السؤال ما حكى اللّه تعالى عنه في موضع آخر بقوله: قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [الشعراء: 12] ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، وذلك أن موسى عليه السّلام كان يخاف فرعون اللعين خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل اللّه تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن اللّه تعالى، وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده، وقيل: اشرح لي صدري بالفهم عنك ما أنزلت من الوحي اهـ خطيب.\rقوله: قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي لي: متعلق باشرح. قال الزمخشري: فإن قلت: لي من قوله اشرح لي صدري ويسر لي أمري ما جدواه والكلام منتظم بدونه؟ قلت: قد أبهم الكلام أولا فقال:\rاشرح لي ويسر لي، فعلم أن ثم مشروحا وميسرا ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره، ويقال: يسرته لكذا، ومنه فسنيسره لليسرى ويسرت له كذا، ومنه هذه الآية اهـ سمين.\rقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي لم يسأل حل جميعها، بل حل بعضها الذي يمنع الإفهام بدليل قوله: يَفْقَهُوا قَوْلِي، وبدليل أنه نكرها فقال: واحلل عقدة من لساني أي: عقدة كائنة من عقده اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: واختلف في زوال العقدة بكمالها، فمن قال به تمسك بقوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ومن لم يقل به احتج بقوله: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً [القصص: 34] وقوله:\rولا يكاد يبين، وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقا، بل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها اهـ.\rومن لساني يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لعقدة أي: عقدة من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يتعلق بنفس الحلل والأول أحسن اهـ سمين.\rقوله: (بجمرة وضعها بفيه وهو صغير) وذلك أنه لاعبه فرعون ذات يوم فنتف لحيته فاغتم وهمّ بقتله فقالت له زوجته آسية بنت مزاحم: مثل هذا الغلام لا يغتم منه لأنه لا يفرق بين التمرة والجمرة فأتى له بهما فأخذ الجمرة اهـ شيخنا.","part":5,"page":65},{"id":1550,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 66\rوَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا عليها مِنْ أَهْلِي (29)\rهارُونَ مفعول ثان أَخِي (30) عطف بيان\rاشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) ظهري\rوَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) أي الرسالة والفعلان بصيغتي الأمر والمضارع المجزوم وعبارة الخازن: وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية: إن هذا عدوي، وأراد أن يقتله، فقالت له آسية: إنه صبي لا يعقل. وقيل: إن أم موسى لما فطمته ردته إلى فرعون فنشأ في حجره وحجر امرأته يربيانه واتخذاه ولدا، فبينما هو يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب إذ رفعه وضرب به فرعون، فغضب فرعون وتطير بضربته حتى همّ بقتله، فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل جربه إن شئت، فجاء بطشتين أحدهما فيه جمر والآخر فيه جوهر، فوضعهما بين يدي موسى فأراد أن يأخذ الجوهرة، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على الجمر وأخذ جمرة فوضعها على فيه فاحترق لسانه وصارت فيه عقدة انتهت.\rقوله: يَفْقَهُوا قَوْلِي جواب الأمر.\rقوله: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً يجوز أن يكون لي مفعولا ثانيا مقدما، ووزيرا هو المفعول الأول، ومن أهلي على هذا يجوز أن يكون صفة لوزيرا، ويجوز أن يكون متعلقا بالجعل، وهارون بدل من وزيرا، ويجوز أن يكون وزيرا مفعولا ثانيا، وهارون هو الأول، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة، وعلى هذا فقوله: لي يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من وزيرا، إذ هو في الأصل صفة له، ومن أهلي على ما تقدم من وجهيه، ويجوز أن يكون وزيرا مفعولا أول، ومن أهلي هو الثاني. والوزير قيل مشتق من الوزر وهو الثقل، وسمي بذلك لأنه يتحمل أعباء الملك ومؤنه فهو معين على أمر الملك وقائم بأمره، وقيل: بل هو من الوزر وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى: كَلَّا لا وَزَرَ [القيامة: 11] وقيل: من المؤازرة وهي المعاونة نقله الزمخشري عنه الأصمعي قال: وكان القياس أزيرا يعني بالهمزة، لأن المادة كذلك اهـ سمين.\rوفي القاموس: الأزر الإحاطة والقوة والضعف ضدّ والتقوية والظهر اهـ.\rقوله: (مفعول ثان) يعني: أن هارون ثان والأول وزيرا، والمعنى اجعل لي وزيرا هارون، هكذا قال. والأولى عكس هذا الإعراب كما تقدم في عبارة السمين، لأن القاعدة أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة يجعل المفعول الأول هو المعرفة، لأن أصله المبتدأ والنكرة المفعول الثاني لأن أصله الخبر، وزيرا نكرة، وهارون معرفة بالعلمية اهـ.\rقوله: (و الفعلان بصيغتي الأمر الخ) حاصل ما هنا قراءات خمسة للسبعة: اثنتان منها عند الوقف على ياء أخي، وثلاثة عند وصلها بما بعدها. بيانها أنك إن وقفت عليها جاز لك أن تقرأ الفعلين بصيغتي الأمر والمضارع، ومعلوم أن الأمر الأول بضم الهمزة والثاني بفتحها، وأن المضارع الأول بفتحها والثاني بضمها، وإن وصلت الباء بما بعدها فيصح أن تسكنها ممدودة قدر ألفين، وتقرأ الفعلين بصيغة المضارع، ويصح أن تثبتها مفتوحة مع قراءة الفعلين بصيغة الأمر، ويصح أن تحذفها وتقرأ الفعلين بصيغة الأمر. هذا محصل القراءات الخمسة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو) أي: المضارع المجزوم جواب للطلب أي: قوله اجعل.","part":5,"page":66},{"id":1551,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 67\rوهو جواب الطلب\rكَيْ نُسَبِّحَكَ تسبيحا كَثِيراً (33)\rوَنَذْكُرَكَ ذكرا كَثِيراً (34)\rإِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (35) عالما فأنعمت بالرسالة\rقالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (36) منا عليك\rوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (37)\rإِذْ للتعليل أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مناما أو إلهاما لما ولدتك وخافت أن يقتلك فرعون في جملة من يولد ما يُوحى (38) في أمرك ويبدل منه\rأَنِ اقْذِفِيهِ ألقيه فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ قوله: كَيْ نُسَبِّحَكَ الخ تعليل لكل من الأفعال الثلاثة اجعل واشدد وأشرك اهـ أبو السعود.\rونسبحك: فعل مضارع منصوب بكي مسند لضمير موسى وهارون.\rقوله: سُؤْلَكَ أي: مسؤولك، ففعل بمعنى المفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول، ومسؤوله هو رب اشرح لي الخ. وقوله: (منا عليك) أي: منا وتفضلا منا عليك وهذا فيه تخلص مما قبله ودخول على ما بعده، وهو قوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا الخ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ الخ كلام مستأنف لتقرير ما قبله ولزيادة توطين نفس موسى بإجابة مسؤولة، ببيان أنه تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعم التامة بغير سابقة دعاء منه وطلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع أولى وأحرى، وتصديره بالقسم لكمال الاعتناء به أي: وباللّه لقد مننا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (مرة) مصدر وأخرى تأنيث آخر بمعنى غير اهـ سمين.\rقوله: إِذْ (للتعليل) أي لمننا أي لأننا قد أوحينا إلى أمك الخ. وفي السمين: إذ أوحينا.\rالعامل في إذ هو مننا أي: مننا عليك في وقت إيحائنا إلى أمك، وأبهم في قوله: ما يُوحى للتعظيم كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ [طه: 78] اهـ.\rوحاصل ما ذكره من المنن عليه من غير سؤال ثمانية، الأولى: قوله إذا أوحينا إلى قوله وعدوله.\rوالثانية: قوله: وألقيت عليك الخ. الثالثة: قوله ولتصنع إلى قوله من يكفله. الرابعة: قوله فرجعناك إلى أمك إلى قوله: ولا تحزن. الخامسة: قوله وقتلت نفسا فنجيناك من الغم. السادسة: قوله: وفتناك فتونا. السابعة: قوله فلبثت إلى قوله يا موسى. الثامنة: قوله واصطنعتك لنفسي اهـ شيخنا.\rقوله: (مناما) أي: لأنها ليست نبية، واسمها يوحانذ بياء مضمومة فواو ساكنة فحاء مهملة بعدها ألف فنون مكسورة فذال معجمة اهـ من شرح النقاية للسيوطي.\rقوله: (في أمرك) أي: شأنك، وقوله: (و يبدل منه) أي مما يوحى أي: بدل مفصل من مجمل فصله بأمور أربعة: أن اقذفيه فاقذفيه فيلقه يأخذه اهـ شيخنا.\rقوله: أَنِ اقْذِفِيهِ أي: قذفها لك، وإلقاء البحر إياك، وأخذ العدو لك اهـ شيخنا.\rوأن مفسرة أو مصدرية اهـ أبو السعود.\rوالثاني أنسب بجعل الشارح له بدلا اهـ شيخنا.","part":5,"page":67},{"id":1552,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 68\rبالتابوت فِي الْيَمِ بحر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أي شاطئه والأمر بمعنى الخبر يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وهو فرعون وَأَلْقَيْتُ بعد أن أخذوك عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لتحب من الناس فأحبك قوله: (بالتابوت) أي: الصندوق. قوله: فَلْيُلْقِهِ وقوله: يَأْخُذْهُ الخ من جملة الموحى إليها، ولما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع والحصول لتعلق الإرادة به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع اهـ أبو السعود.\rوهذا لا ينافي قول الشارح: والأمر بمعنى الخبر، فإن تقرير أبي السعود بيان لحكمة العدول عن الخبر الصريح إلى صورة الأمر اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُ هذا أمر معناه الخبر، ولكونه أمرا لفظا جزم جوابه في قوله:\rيأخذه، وإنما جيء بصيغة الأمر مبالغة إذ الأمر أقطع الأفعال وآكدها. وقال الزمخشري: لما كانت مشيئة اللّه وإرادته أن لا تخطىء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل والقاءه إليه سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الآمر ويمتثل رسمه، وبالساحل يحتمل أن يتعلق بمحذوف على أن الباء للحال أي ملتبسا بالساحل، وأن يتعلق بنفس الفعل على أن الباء ظرفية بمعنى في اهـ.\rقوله: (أي شاطئه) عبارة أبي السعود: وليس المراد بالساحل نفس الشاطىء، بل ما يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر بحيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا ووضعته فيه، ثم طلت رأس التابوت بالقار أي الزفت وألقته في أليم، وكان يشرع منه نهر إلى بستان فرعون فرفعه الماء إليه فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثمة مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي من أحسن الناس وجها فأحبه عدو اللّه حبا شديدا بحيث لا يكاد يتمالك الصبر على بعده عنه، وذلك قوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي اهـ.\rقوله: (و الأمر) أي: فليلقه بمعنى الخبر أي: فيلقيه.\rقوله: يَأْخُذْهُ جواب للأمر اللفظي، وهو قوله: فليلقه، أو الحقيقي وهو قوله: أن اقذفيه الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي كلمة من متعلقة بمحذوف هو صفة لمحبة مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي: محبة عظيمة كائنة مني، وقد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو اللّه وآله، وقيل: هي متعلقة بألقيت أي:\rأحببتك، ومن أحبه اللّه تعالى أحبته القلوب لا محالة اهـ أبو السعود.\rوقال ابن عباس: أحبه اللّه تعالى وحببه إلى خلقه اهـ قرطبي.\rوعبارة الكرخي: قوله: (لتحب من الناس الخ) قاله ابن عباس وعكرمة. ومني فيه وجهان. قال الزمخشري: مني لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك، ومن أحبه اللّه أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف وهو صفة لمحبة أي محبة حاصلة أو واقعة مني قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها. ويمكن كما أفاده شيخنا أن يقال الاحتمال الأول أرجح، لأن الاحتمال الثاني","part":5,"page":68},{"id":1553,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 69\rفرعون وكل من رآك وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (39) تربى على رعايتي وحفظي لك\rإِذْ للتعليل تَمْشِي أُخْتُكَ مريم لتتعرف خبرك وقد أحضروا مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منها فَتَقُولُ هَلْ يحوج إلى الإضمار، وهو أن يقال: وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي، وعلى الأول لا حاجة إلى الإضمار وعليه جرى الشيخ المصنف اهـ.\rقوله: وَلِتُصْنَعَ علة معطوفة أي أخرى محذوفة قدرها الشارح بقوله: (لتحب من الناس) اهـ شيخنا.\rوقرأ العامة لتصنع بكسر اللام وضم التاء وفتح النون على البناء للمفعول، ونصب بإضمار أن بعد لام كي وفيه وجهان.\rأحدهما: أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها، والتقدير: ليتلطف بك ولتصنع، أو ليعطف عليك وتربي ولتصنع، وتلك العلة المقدرة متعلقة بقوله: وألقيت أي ألقيت المحبة ليعطف عليك ولتصنع، ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من القاء المحبة.\rوالثاني: أن هذه اللام متعلقة بمضمر بعدها تقديره: ولتصنع على عيني فعلت ذلك أو كان كيت وكيت، ومعنى لتصنع أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك، كما يراعي الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قال الزمخشري: وقرأ الحسن، وأبو نهيك: ولتصنع بفتح التاء. قال ثعلب: أي لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، وقال الزمخشري: قريبا منه اهـ سمين.\rقوله: (تربى على رعايتي وحفظي) أي: فالعين هنا بمعنى الرعاية مجازا مرسلا من إطلاق السبب وهو العين أي: نظرها على المسبب وهو الحفظ والرعاية اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ صيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية اهـ أبو السعود.\rقوله: (للتعليل) أي: لقوله وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. أي: لأن أختك قد مشت تبحث عن خبرك قرأتك وقعت في يد فرعون، فدلت على أمك لأنها قالت لفرعون: هل أدلكم الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِذْ تَمْشِي في عامل هذا الظرف أوجه، أحدها: أن العامل فيه ألقيت أي: ألقيت عليك محبة مني في وقت مشي أختك. الثاني: أنه منصوب بقوله: ولتصنع أي لتربى ويحسن إليك في هذا الوقت. الثالث: أن يكون إذ تمشي بدلا من إذ أوحينا. الرابع: أن يكون العامل فيه مضمرا تقديره: اذكر إذ تمشي اهـ.\rقوله: أُخْتُكَ وكانت شقيقته واسمها مريم كما قال الشارح، وهي غير أم عيسى، وقوله:\rلتعرف خبرك سيأتي إيضاحه في قوله تعالى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: 11] الخ شيخنا.\rقوله: (و أنت لا تقبل الخ) أي: لحكمة علمها اللّه وهي وقوعك في يد أمك، لأنك لو رضعت غيرها لاستغنوا عن أمك اهـ شيخنا.","part":5,"page":69},{"id":1554,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 70\rأَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فأجيبت فجاءت بأمه فقبل ثديها فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وَلا تَحْزَنَ حينئذ وَقَتَلْتَ نَفْساً هو القبطي بمصر فأغتممت لقتله من جهة فرعون فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً اختبرناك بالإيقاع في غير ذلك وخلصناك منه فَلَبِثْتَ سِنِينَ عشرا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ قوله: عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ أي: يكمل له رضاعه، وكانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر. وقيل: أربعة قبل القائه في اليم اهـ شيخنا.\rقوله: فَرَجَعْناكَ معطوف على ما قدره الشارح بقوله: (فأجيبت فجاءت الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَحْزَنَ أي: أمك، أو ولا تحزن أنت على فراقها وفقد إشفاقها اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا تَحْزَنَ (حينئذ) أي: حين إذ قبلت ثديها، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيدا، لأنه لا يلزم من عدم حصول الحزن حصول السرور لها، فلما قال أولا: كي تقر عينها كان قوله: وَلا تَحْزَنَ فضلة لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة. فالجواب: أن المراد تقر عينها بسبب وصولك إليها ويزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك قاله ابن عادل، وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَقَتَلْتَ نَفْساً وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة اهـ شيخنا.\rقوله: (هو القبطي) واسمه قاب قان، وكان طباخا لفرعون، وقوله: من جهة فرعون أي: من جهة قتله لأنه كان كافرا، وأيضا قتله له كان خطأ اهـ شيخنا.\rقوله: وَفَتَنَّاكَ أي: ابتليناك ابتلاء أو فتونا من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء، كحجوز في حجزة، وبدور في بدرة أي: خلصناك مرة بعد أخرى وهذا إجمال لما ناله سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاف والمشي راجلا وفقد الزاد. وقد روي أن سعيد بن جبير سأل عنه ابن عباس رضي اللّه عنهما فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير، وألقته أمه في البحر وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وآجر نفسه عشر سنين، وضلّ الطريق وضلت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: فتونا فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر على فعول كالقعود والجلوس إلّا أن فعولا في المتعدي، ومنه الشكور والكفور والثبور واللزوم. قال تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الفرقان: 62]. والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي: فتناك ضروبا من الفتن اهـ.\rقوله: (اختبرناك بالإيقاع في غير ذلك) كما وقع له في سيره قاصدا مدين وراجعا منها مما سيأتي بسطه في سورة القصص، وقوله: (و خلصناك منه) أي: من الغير. وعبارة الكرخي: قوله: (اختبرناك بالإيقاع الخ) يشير في إلى أن الفتنة بمعنى تشديد المحنة، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب عدّه اللّه تعالى من جملة النعم أو أن فتناك بمعنى خلصناك تخليصا اهـ.\rقوله: سِنِينَ (عشرا) هذا هو الراجح، ولبث في مصر قبل قتل القبطي ثلاثين سنة، ثم جاء إلى","part":5,"page":70},{"id":1555,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 71\rبعد مجيئك إليها من مصر من عند شعيب النبي وتزوجك بابنته ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ في علمي بالرسالة وهو أربعون سنة من عمرك يا مُوسى (40)\rوَاصْطَنَعْتُكَ اخترتك لِنَفْسِي (41) بالرسالة\rاذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ إلى الناس بِآياتِي التسع وَلا تَنِيا تفترا فِي ذِكْرِي (42) بتسبيح وغيره المناجاة وهو ابن أربعين سنة، وقيل: لبث في مدين ثمانية وعشرين سنة، عشرة منها يرعى الغنم مهر زوجته بنت شعيب، وثمانية عشر أقامها عنده بعد ذلك حتى ولد له، وخرج من مصر وهو ابن اثنتي عشرة سنة حين قتل القبطي اهـ شيخنا.\rقوله: (عند شعيب) ظرف للبثت. قوله: (على قدر) أي: مقدار من الزمان يوحى فيه للأنبياء هو أربعون سنة اهـ أبو السعود.\rوعلى بمعنى مع أي: قدر أي: مع زمن مقدر لإرسالك في علمي اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: على قدر متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل جئت أي جئت موافقا لما قدر لك. كذا قدره أبو البقاء وهو تفسير معنى، والتفسير الصناعي مستقرا أو كائنا على مقدار معين اهـ فنبىء وأرسل حينئذ اهـ.\rقوله: يا مُوسى هذا تشريف له عليه الصلاة والسّلام، وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولا اهـ أبو السعود.\rقوله: لِنَفْسِي (بالرسالة) يشير إلى الصنع بمعنى الاختبار وهذا مجاز عن قرب منزلته ودنوه من ربه، لأن أحدا لا يصطنع إلا من يختار. قال القفال: واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلانا إذ أحسن إليه حتى يضاف إليه، فيقال: هذا صنيع فلان وجريح فلان، وقوله: لِنَفْسِي أي لأصرفك في أوامري لا تشتغل إلا بما أمرتك به، وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك اهـ كرخي.\rقوله: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ أي وليذهب أخوك حسبما طلبت وهذا استئناف مسوق لبيان ما هو المقصود بالاصطناع، وقوله: بِآياتِي الباء للمصاحبة أي: مصحوبين بها متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال أمر الدعوة وليست للتعدية، إذ ليس المراد مجرد ذهابهما وإيصالها إلى فرعون اهـ أبو السعود.\rقوله: (إلى الناس) أي: فرعون وقومه وبني إسرائيل، فبالنظر لهذا المتعلق اندفع التكرار بين قوله: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ، وقوله: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وذكر المذهوب إليه في قوله اذهبا إلى فرعون، وحذفه من الأول في قوله: اذهب أنت وأخوك اختصارا في الكلام، وقيل: أمر أولا بالذهاب لعموم الناس ثم ثانيا لفرعون بخصوصه وفيه بعد، بل الذهابان متوجهان لشيء واحد وهو فرعون، وقد حذف من كل من الذهابين ما أثبته في الآخر، وذلك أنه حذف المذهوب إليه من الأول وأثبته في الثاني، وحذف المذهوب به وهو بآياتي من الثاني وأثبته في الأول اهـ.","part":5,"page":71},{"id":1556,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 72\rاذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (43) بادعائه الربوبية\rفَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً في رجوعه عن ذلك لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ قوله: (التسع) فيه أنه لم يبين له في هذا الخطاب وهذا المجلس إلا آيتين اليد والعصا، ولم يبين له غيرهما من بقية التسع كالجراد والقمل، فكيف يقول له اذهب بآياتي التسع، فإن أجيب بأن التسع بعضها حصل وبعضها سيحصل قلنا: الذي لم يحصل في هذا المجلس لم يعرفه موسى الآن أي: وقت قوله اذهب أنت وأخوك لذلك أكثر المفسرين على أن المراد بالآيات اليد والعصا فقط اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: بآياتي أي بمعجزاتي التي أريتكها من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آيات شتى، كما في قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: 97] فإن انقلاب العصا حيوانا آية وكونها ثعبانا عظيما لا يقادر قدره آية أخرى وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى، وكونه مع ذلك مسخرا له عليه السّلام حيث كان يدخل يده في فمه فلا يضره آية أخرى ثم انقلابها عصا آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالها الأولى آية أخرى اهـ.\rقوله: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي يقال: ونى يني ونيا كوعد يعد وعدا إذا فتر، والونى الفتور، وونى فعل لازم لا يتعدى. وزعم بعضهم أنه يكون من أخوات زال وانفك فيعمل بشرط النفي أو شبهه عمل كان. يقال: ما ونى زيد قائما أي ما زال قائما اهـ سمين.\rوفي المصباح: ونى في الأمر ونيا من بابي تعب ووعد ضعف وفتر فهو وان، وفي التنزيل: ولا تنيا في ذكري، وتوانى في الأمر توانيا لم يبادر إلى ضبطه ولم يهتم به فهو متوان أي: غير مهتم ولا محتفل اهـ.\rفقوله: ولا تنيا بوزن تعدا، وأصله تونيا كتوعدا حذفت فاؤه وهي الواو على القاعدة، فوزنه الآن تعلا وهو في الآية من باب وعد لأجل كسر النون، إذ لو كان من باب تعب لكان بفتحها كما لا يخفى اهـ.\rوقوله: تفترا في المصباح: فتر عن العمل فتورا من باب قعد انكسرت حدته ولان بعد شدته اهـ.\rقوله: فِي ذِكْرِي لعل في بمعنى عن أي: عن عبادتي، وقوله: وغيره من جملة الغير تبليغ الرسالة اهـ شيخنا.\rقوله: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ جمعهما في صيغة أمر الحاضر، مع أن هارون لم يكن حاضرا محل المناجاة بل كان في ذلك الوقت بمصر للتغليب فغلب الحاضر على غيره، وكذا الحال في صيغة النهي أي قوله: ولا تنيا. روي أنه تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى عليه السّلام، وقيل:\rسمع بإقباله فتلقاه اهـ أبو السعود.\rقوله: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً هو قوله الآتي: إنا رسولا ربك اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: فقولا له قولا لينا مثل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى، فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذرا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما، أو احتراما لما له من","part":5,"page":72},{"id":1557,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 73\rيتعظ أَوْ يَخْشى (44) اللّه فيرجع والترجي بالنسبة إليهما لعلمه تعالى بأنه لا يرجع\rقالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي يعجل بالعقوبة أَوْ أَنْ يَطْغى (45) علينا أي يتكبر\rقالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بعوني أَسْمَعُ ما يقول وَأَرى (46) ما يفعل\rفَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ إلى حق التربية عليك، وقيل: كنياه. وكان له ثلاث كني أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا يزول إلا بالموت اهـ.\rقوله: (في رجوعه عن ذلك) أي: ادعاء الربوبية. قوله: (فرجع) بالنصب في جواب الترجي.\rقوله: (بالنسبة إليهما الخ) عبارة السمين: قوله: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ الخ فيه أوجه، أحدها: أن لعل على بابها من الترجي، وذلك بالنسبة إلى المرسل وهو موسى وهارون أي: اذهبا على رجائكما وطمعكما في إيمانه أي: اذهبا مترجيين طامعين، وهذا معنى قول الزمخشري ولا يستقيم أن يرد ذلك في حق اللّه تعالى إذ هو عالم بعواقب الأمور. وعن سيبويه: كل ما ورد في القرآن من لعل وعسى فهو من اللّه واجب. يعني: أنه يستحيل بقاء معناه في حق اللّه تعالى. والثاني: أن لعل بمعنى كي فتفيد العلية، وهذا قول الفراء قال: كما تقول اعمل لعلك تأخذ أجرك أي كي تأخذ. والثالث: أنها استفهامية أي:\rهل يتذكر أو يخشى وهذا قول ساقط، وذلك لأنه يستحيل الاستفهام في حق اللّه تعالى كما يستحيل الترجي، فإذا كان لا بد من التأويل فجعل اللفظ باقيا على مدلوله أولى من إخراجه عنه اهـ.\rقوله: (لعلمه تعالى بأنه لا يرجع) وفائدة إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علم اللّه بأنه لا يؤمن الزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات اهـ بيضاوي.\rقوله: قالا رَبَّنا الخ أسند القول إليهما مع أن القائل حقيقة هو موسى تغليبا للإيذان بأصالته في كل قول وفعل، ويجوز أن يكون هارون قال ذلك بعد ملاقاتهما فحكى ذلك من قول موسى عند نزول الآية كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] فإن هذا الخطاب قد حكي بصيغة الجمع مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ضرورة استحالة اجتماعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا بابه قعد، وقوله: (أي يعجل بالعقوبة) أي: فلا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة اهـ أبو السعود.\rقوله: أَوْ أَنْ يَطْغى أي: يزداد طغيانا وإظهار كلمة أن مع استقامة المعنى بدونها لإظهار كمال الاعتناء بالأمر والإشعار بتحقق الخوف من كل منهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي يتكبر) أي: إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جرأته اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ لا تَخافا أي: ما توهمتماه من الأمرين اهـ أبو السعود.\rقوله: أَسْمَعُ وَأَرى أي: فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضرر وجلب نفع اهـ أبو السعود.\rقوله: فَأْتِياهُ أمرا بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد ما أمرا بالذهاب إليه فلا تكرار","part":5,"page":73},{"id":1558,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 74\rالشام وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي خل عنهم من استعمالك إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ بحجة مِنْ رَبِّكَ على صدقنا بالرسالة وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (47) أي السلامة له من العذاب\rإِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ ما جئنا به وَتَوَلَّى (48) أعرض عنه. فأتياه وقالا له جميع ما ذكر\rقالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49) اقتصر عليه لأنه الأصل ولإدلاله وهو عطف على لا تخافا باعتبار تعليله بما بعده اهـ أبو السعود.\rوقوله: فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ الخ أمرهما أن يقولا له ست جمل، الأولى: قوله إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ. والسادسة قوله: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ المراد بإرسالهم اطلاقهم من الأسر والقسر وإخراجهم من تحت يده لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام كما ينبىء عنه قوله: وَلا تُعَذِّبْهُمْ اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال الزمخشري: هذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي:\rإنا رسولا ربك مجرى البيان والتفسير، لأن دعوى الرسالة لا يثبت إلا ببينتها التي هي مجيء الآية، وإنما وحد بآية ولم يثن ومعه آيتان، لأن المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قيل: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة، ولذلك قال: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الاعراف: 105] فأت بآية إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف: 106] أو لو جئتك بشيء مبين اهـ سمين.\rقوله: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى وقوله: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا الخ من جملة قول اللّه تعالى الذي أمرهما أن يقولاه لفرعون أي: وقولا له والسّلام الخ، وقولا له إنا قد أوحي إلينا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَأْتِياهُ الخ أشار بذلك إلى أن في القصة حذفا للإيجاز والإشعار بأنهما سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى لم يضف الرب إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في قوله تعالى:\rإِنَّا رَسُولا رَبِّكَ، وقوله تعالى: قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ لغاية عتوه ونهاية طغيانه، بل أضافه إليهما لما أن المرسل لا بد أن يكون ربا للرسول أو لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل بأن قالا كما في آية أخرى إنا رسول رب العالمين، والاقتصار هنا على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود اهـ أبو السعود.\rقوله: (اقتصر عليه) أي: مع توجيهه الخطاب إليهما، وقوله: (لأنه الأصل) أي في الرسالة وهارون وإن كان رسولا لكن المقصود برسالته معاونة موسى اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: يا مُوسى نادى موسى وحده بعد مخاطبته لهما معا، إما لأن موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير، وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى، ويعلم فصاحة أخيه بدليل قوله: وأخي هارون هو أفصح مني لسانا، وقوله: ولا يكاد يبين فأراد استنطاقه دون أخيه، وإما لأن حذف المعطوف للعلم به أي موسى وهارون، قاله أبو البقاء وبدأ به","part":5,"page":74},{"id":1559,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 75\rعليه بالتربية\rقالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ من الخلق خَلْقَهُ الذي هو عليه متميز به عن غيره ثُمَّ هَدى (50) الحيوان منه إلى مطعمه ومشربه ومنكحه وغير ذلك\rقالَ فرعون فَما بالُ حال الْقُرُونِ الأمم الْأُولى (51) كقوم نوح وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان ولا حاجة إليه، وقد يقال: حسن الحذف كون موسى فاصلة لا يقال كان يغني في ذلك أن يقدم هارون ويؤخر موسى، فيقال: يا هارون وموسى فتحصل مجانسة الفواصل من غير حذف لأن بدء موسى أهم فهو المبدوء به اهـ.\rوفي المصباح: الرتة بالضم حبسة في اللسان تمنع الكلام. قوله: (و لإدلاله) أي: فرعون عليه أي على موسى بالتربية أي: ولإقامته أي فرعون للدليل عليه أي على موسى بالتربية متعلق بإدلاله أي:\rأقام عليه الدليل بأن ذكره بتربيته له في قوله الآتي في الشعراء: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [الشعراء: 18] اهـ شيخنا.\rفكأنه هنا يقول: لا رب لك غيري بدليل التصريح به في قوله: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً. وفي الكرخي: قوله: (اقتصر عليه الخ) أشار به لجواب كيف خاطبهما أولا ثم خص، وإيضاحه أنه خصه لأنه الأصل في النبوة وهارون وزيره وتابعه وللتعريض بأنه رباه كما قال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً فهذا يشبه قول نمروذ قال: أنا أحيي وأميت في قصد التلبيس على قومه الجهلة الحمقى، أو لأنه كان مكلما له ومخاطبا إياه اهـ.\rقوله: خَلْقَهُ أي: صورته وشكله اللائق بما نيط من الخواص والمنافع اهـ أبو السعود.\rقوله: (الحيوان منه) أي: من كل شيء.\rقوله: قالَ (فرعون) فَما بالُ الْقُرُونِ الخ لما شاهد اللعين ما نظمه عليه الصلاة والسّلام في سلك الاستدلال من البرهان النير، وخاف أن يظهر للناس حقيقة ما قاله موسى وبطلان خرافاته هو أراد أن يصرفه عليه السّلام عن نسبته إلى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات، لأجل أن يرى قومه أن عنده معرفة فقال: ما حال القرون الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السّلام: بأن العلم بأحوالهم لا تعلق له بمنصب الرسالة اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى الخ. وجه ارتباط هذا الكلام بما قبله أن فرعون لما بهت لبلاغة كلام موسى وجامعيته وخاف فرعون أن يزيد في تلك الحجة فيظهر للناس صدق موسى وفساد طريقة فرعون أراد أن يصرفه عن ذلك الكلام ويشغله بالحكايات، فقال: فما بال القرون الأولى فلم يلتفت موسى عليه السّلام إلى ذلك الحديث، وقال له: علمها عند ربي الخ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم ولا أشتغل بها اهـ.\rقوله: (في عبادتهم الأوثان) أي: هل كان سببا في شقاوتهم أوفي سعادتهم، وأورد أبو السعود على هذا التفسير إيرادا فقال: ولو كان المسؤول عنه الشقاوة لأجاب موسى ببيان أن من اتبع منهم الهدى فقد سلم ومن تولى خاب حسبما نطق به وقوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [طه:\r47] الآيتين. ويمكن أن يجاب بأن موسى أعرض عن هذا الجواب لأن السؤال في غير محله، ولأن","part":5,"page":75},{"id":1560,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 76\rقالَ موسى عِلْمُها أي علم حالهم محفوظ عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ يجازيهم عليها يوم القيامة لا يَضِلُ يغيب رَبِّي عن شيء وَلا يَنْسى (52) ربي شيئا هو\rالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ في جملة الخلق الْأَرْضَ مَهْداً فراشا وَسَلَكَ سهل لَكُمْ فِيها سُبُلًا طرقا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا، قال تعالى تتميما لما وصفه به موسى وخطابه لأهل مكة الجواب المذكور فيه نوع تنفير لفرعون وهو مأمور بملاطفته، فأجابه بجواب إجمالي لأنه ليس مقصوده الآن تحقيق حال من تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَضِلُّ رَبِّي أي: لا يخطىء ابتداء أي: لا يذهب شيء عن علمه ولا ينسى أي: بعد ما علم. اهـ أبو السعود.\rوفي هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محل جر صفة لكتاب والعائد محذوف تقديره في كتاب لا يضله ربي أو لا يضل حفظه ربي فربي فاعل على التقدير. والثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب ساقها تبارك وتعالى لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن حاله. وفي فاعل ينسى قولان، أحدهما:\rأنه عائد على ربي أي لا ينسى ربي ما أثبته في الكتاب كما أشار إليه في التقرير. والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على الكتاب على سبيل المجاز كما أسند إليه الإحصاء مجازا في قوله: إلا أحصاها لما كان محلا للإحصاء. قال مجاهد في قوله تعالى: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى إن معنى اللفظين واحد أي: لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه، وفرق الأكثرون بينهما فقال القفال: لا يضل عن الأشياء ومعرفتها وما علمه من ذلك لم ينسه، فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالما بكل المعلومات، واللفظ الثاني دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفي التغير، واعلم أن فرعون لما سأل موسى عن الإله فقال:\rفمن ربكما، وكان ذلك مما سبيله الاستدلال أجابه موسى بأوجز عبارة وأحسن معنى، ولما سأله عن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته خبر في ذلك وكله إلى عالم الغيوب اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ الخ من جملة كلام موسى في جواب فرعون عن سؤاله الأول، فهو مرتبط بقوله: ثُمَّ هَدى لكنه ذكر في خلال كلامه على سبيل الاعتراض سؤال فرعون الثاني وجوابه اهـ شيخنا.\rقوله: مِهاداً قرأ الكوفيون مهدا بفتح الميم وسكون الهاء من غير ألف والباقون مهادا اهـ سمين.\rوقوله: (فراشا) أي كالفراش.\rقوله: وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي: جعل لكم فيها طرقا، ووسطها بين الجبال، والأودية والبراري تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مآربكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها اهـ أبو السعود.\rقوله: (قال تعالى تتميما الخ) أي: قال هذا بطريق الحكاية عن موسى، وإلّا فما تقدم قوله تعالى أيضا لكنه بطريق الحكاية عن موسى اهـ شيخنا.\rوما جرى عليه الجلال تبع فيه ابن عطية. وفي السمين: وقال ابن عطية: إن كلام موسى تم عند قوله: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً وإن قوله: فَأَخْرَجْنا الخ من كلام اللّه تعالى وفيه بعد اهـ.\rوجرى غيره على أن هذا من بقية كلام موسى لكن خالف فيه الظاهر، إذ كان مقتضاه أن يقال:","part":5,"page":76},{"id":1561,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 77\rفَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (53) صفة أزواجا أي مختلفة الألوان والطعوم وغيرهما وشتى جمع شتيت كمريض ومرضى من شتّ الأمر تفرق\rكُلُوا منها وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ فيها جمع نعم هي الإبل والبقر والغنم، يقال رعت الأنعام ورعيتها، والأمر للإباحة وتذكير النعمة، والجملة حال من ضمير أخرجنا أي مبيحين لكم الأكل ورعي فأخرج به أزواجا إلا أنه عدل لما ذكر بناء على أن موسى سمع هذه الكلمات بعينها من اللّه فأدرجها في كلامه فحكاها كما هي اهـ زاده.\rوفي البيضاوي: عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام اللّه عز وجل تنبيها على ظهور ما فيها من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها [فاطر: 27] أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ [النمل: 60] اهـ.\rوقوله: وعلى هذا نظائره أي: وعلى كون العدول من لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم للتنبيه والإيذان المذكورين، وإلا لم يكن العدول على وجه الحكاية اهـ زاده.\rوعلى ما سلكه الجلال بهذا الاعتراض ينتهي بقوله: فَكَذَّبَ وَأَبى فيكون قوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها الخ من الاعتراض أخبر اللّه به محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بجملة ما وقع لموسى مع فرعون في العشرين سنة، ويكون قوله: قالَ أَجِئْتَنا الخ مرتبطا بقوله: وأنزل من السماء ماء. قوله: (لما وصفه به موسى) أي: للأوصاف التي وصف موسى اللّه بها فتمم قوله: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الخ بقوله:\rفَأَخْرَجْنا بِهِ الخ، وإنما كان تتميما لأن فيه بيان فائدة الإنزال، وتمم قوله: الذي جعل الْأَرْضَ مِهاداً بقوله: مِنْها خَلَقْناكُمْ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و خطابا لأهل مكة) أي: في قوله: كُلُوا. وقوله: مِنْها خَلَقْناكُمْ اهـ شيخنا.\rقوله: (أصنافا) سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض اهـ بيضاوي.\rقوله: شَتَّى فعلى وألفه للتأنيث وهو جمع شتيت نحو مريض ومرضى، وجريح وجرحى، وقتيل وقتلى يقال: شت الأمر يشت شتا وشتاتا فهو شت أي: تفرق، وشتان اسم فعل ماض بمعنى افترق، ولذلك لا يكتفي بواحد اهـ سمين.\rقوله: (و غيرهما) كالروائح.\rقوله: كُلُوا (منها) أي: الأزواج، وارعوا أنعامكم أي: وغيرها. قوله: (يقال رعت الأنعام الخ) أي: فيستعمل لازما ومتعديا كما في السمين اهـ شيخنا.\rقوله: (أي مبيحين الخ) كان الأحسن أن يقول أي قائلين لكم كلوا الخ، أي: مبيحين لكم الخ اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وهو حال من ضمير فأخرجنا على إرادة القول، أي: أخرجنا أصناف النبات قائلين كلوا وارعوا، والمعنى معديها لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه اهـ.","part":5,"page":77},{"id":1562,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 78\rالأنعام إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور هنا لَآياتٍ لعبرا لِأُولِي النُّهى (54) لأصحاب العقول جمع نهية كغرفة وغرف سمي به العقل لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب القبائح\r* مِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ بخلق أبيكم آدم منها وَفِيها نُعِيدُكُمْ مقبورين بعد الموت وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ عند البعث تارَةً مرة أُخْرى (55) كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم\rوَلَقَدْ أَرَيْناهُ أي بصرنا فرعون آياتِنا كُلَّها التسع فَكَذَّبَ بها وزعم أنها سحر وَأَبى (56) أن يوحد اللّه قوله: (المذكور منا) قال المحشي: الأولى تأخير منا عن قوله لآيات أي: لآيات كائنة منا اهـ.\rوالظاهر أن ما صنعه الشارح له وجه أيضا فهو في المعنى إشارة إلى قوله: قال تعالى الخ أي:\rالمذكور منا بقولنا: فأخرجنا الخ. وذلك لأنه حيث كان هذا خطابا لأهل مكة من اللّه تعالى كان المناسب أن يرتبط آخره بأوله، فالمعنى منالا من موسى اهـ.\rقوله: (جمع نهية) وقيل: إنه اسم مفرد وهو مصدر كالهدى والسرعة قاله أبو علي اهـ سمين.\rقوله: (سمي به) أي: بالنهي. والتذكير باعتبار كونها اسما، وقوله: (لأنه ينهى الخ) هذا يفيد أن نهي بمعناه ناه اهـ شيخنا.\rقوله: (يخلق أبيكم آدم) فعلى هذا يكون خلق كل إنسان غير آدم من الأرض بوسائط عديدة بقدر ما بينه وبين آدم وهذا أحد قولين. والقول الآخر: أن كل إنسان خلق من التراب من غير واسطة، وذلك التراب هو الذي يلقيه الملك الموكل بالرحم على النطفة فيختلق منهما الولد. وفي القرطبي: منها خلقناكم يعني آدم عليه السّلام لأنه خلق من الأرض، قاله أبو إسحاق الزجاج. وقيل: إن كل نطفه مخلوقة من التراب، وعلى هذا يدل ظاهر القرآن. وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق اللّه النسمة من النطفة ومن التراب، فذلك قوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى اهـ.\rقوله: (مقبورين) أي: حال كونكم مدفونين في القبور اهـ شيخنا.\rقوله: (عند ابتداء خلقكم) أشار إلى أن قوله: تارَةً أُخْرى راجع إلى قوله: مِنْها خَلَقْناكُمْ فإنه بمعنى أخرجناكم أي: من الأرض أخرجناكم ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا هي من رأى البصرية، فلما دخلت همزة النقل تعدت إلى اثنين أولهما الهاء والثاني آياتنا، والمعنى أبصرناه والإضافة هنا قائمة مقام التعريب العهدي أي الآية المعروفة كالعصا واليد ونحوهما اهـ سمين.\rقوله: (التسع) الأولى تقديمه على التوكيد، وتقدم أن ثمانية منها في الأعراف الأولى والثانية قوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ [الأعراف: 107 الشعراء: 32] الخ والثالثة قوله:\rوَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ [الأعراف: 130]، وخمسة في قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ [الأعراف: 133] وواحدة في سورة يونس في قوله:","part":5,"page":78},{"id":1563,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 79\rتعالى\rقالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا مصر ويكون لك الملك فيها بِسِحْرِكَ يا مُوسى (57)\rفَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ يعارضه فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لذلك لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ [يونس: 88] واعترض هذا أبو السعود فقال بعد أن قرر أن المراد بالآيات العصا واليد وجمعهما باعتبار ما في كل من الآيات ما نصه: ولا مساغ لعد بقية الآيات التسع. منها: لما أنها قد ظهرت بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما مرّ في تفسير سورة الأعراف، وسياق ما هنا أن قوله: قالَ أَجِئْتَنا إلى آخر القصة من جملة المترتب على قوله: فَكَذَّبَ وَأَبى، فيقتضي أن التكذيب بالتسع وقع قبل المناظرة الآتية، مع أنه لم يقع قبلها إلا اليد والعصا اهـ بنوع تغيير في بعض الألفاظ.\rويمكن أن يجاب بأن هذا قوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ الخ إخبار عن جملة ما وقع لموسى في مدة دعائه له وهي العشرون سنة، وتقدم أن هذا من جملة الكلام المعترض به في أثناء القصة، واعتراض أبي السعود مبني على أن هذا إخبار عما وقع له مع فرعون في أول دعائه له وليس كذلك كما عرفت.\rقوله: قالَ أَجِئْتَنا الخ مرتب على جواب موسى، وتقدم أن آخره قوله تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [طه: 53] لكن بينهما جمل اختصر الكلام هنا بحذفها صرح بها في سورة الشعراء. أولها قوله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29] إلى إن قال: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء: 33] ثم قال هناك: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ [الشعراء: 34] الخ الذي هو نظير قوله هنا: قالَ أَجِئْتَنا الخ فالمراد بالسحر في قوله: بِسِحْرِكَ ما رآه فرعون من العصا واليد البيضاء اهـ.\rقوله: فَلَنَأْتِيَنَّكَ جواب قسم محذوف تقديره: واللّه لنأتينك، وقوله: بسحر يجوز أن يتعلق بالإتيان وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل الإتيان أي ملتبسين بسحر اهـ سمين.\rقوله: مِثْلِهِ أي: في الغرابة، وقوله: (لذلك) أي لإتيان بالسحر. قوله: (بنزع الخافض) فيه أن العامل إن كان اجعل فهو متعد بنفسه لهذا المنصوب فلا وجه لتكلف حذف حرف الجر، وإن كان موعدا فلا يخلو إما أن يكون المراد به المصدر أو الزمان أو المكان، فإن كان الأول ورد عليه أن الوعد ليس في المكان المستوي، بل الذي فيه إنما هو المناظرة والوعد وقع في مكان التخاطب قبل ذلك، وإن كان الثاني ورد عليه مثل الذي ورد على ما قبله، وإن كان الثالث كان الصواب أن يجعله بدلا منه، وحينئذ فالأظهر أنه منصوب باجعل على أنه مفعول فيه، ومن المعلوم أنه على معنى في. فكان هذا شبهة الشارح في تعبيره بنزع الخافض كأنه لما رأى أن المعنى على نزع الخافض تساهل فعبر بهذه العبارة مع إنها لا تقال إلا في العامل الذي لا يصل للمعمول بنفسه تأمل. وعبارة السمين: قوله:\rمَوْعِداً يجوز أن يكون زمانا ويرجحه قوله: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، والمعنى عين لنا وقت اجتماع، ولذلك أجابهم بقوله: موعدكم يوم الزينة، ويجوز أن يكون مكانا، والمعنى بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه، وهذا يؤيده قوله: مكانا سوي، ويجوز أن يكون مصدرا ويؤيد هذا قوله: لا نخلفه نحن ولا أنت لأن المواعدة توصف بالخلف وعدمه، وإلى هذا نحا جماعة مختارين له. وقال أبو","part":5,"page":79},{"id":1564,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 80\rمنصوب بنزع الخافض في سُوىً (58) بكسر أوله وضمه أي وسطا تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين\rقالَ موسى مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ يجمع أهل مصر ضُحًى (59) وقته للنظر فيما يقع\rفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ أدبر فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي ذوي كيده من السحرة ثُمَّ أَتى (60) بهم الموعد\rقالَ لَهُمْ مُوسى وهم البقاء: هو هنا مصدر لقوله لا نخلفه نحن ولا أنت، والجعل هنا بمعنى التصيير، وموعدا مفعول أول والظرف هو الثاني، والجملة من قوله لا نخلفه صفة لموعدا. ونحن: توكيد مصحح للعطف على الضمير المرفوع المستتر في نخلفه، ومكانا: بدل من المكان المحذوف كما قرره الزمخشري. وجوز أبو علي الفارسي وأبو البقاء أن ينتصب مكانا على المفعول الثاني لا جعل قال: وموعدا على هذا مكان أيضا ولا ينتصب بموعدا لأنه مصدر قد وصف يعني: أنه يصح نصبه مفعولا ثانيا، ولكن بشرط أن يكون الموعد بمعنى المكان ليطابق الخبر. وجعل الحوفي انتصاب مكانا على الظرف وانتصابه باجعل فتحصل في نصب مكانا خمسة أوجه، أحدها: أنه بدل من مكانا المحذوف. الثاني: أنه مفعول ثان للجعل. الثالث: أنه نصب بإضمار فعل. الرابع: أنه منصوب بنفس المصدر. الخامس: أنه منصوب على الظرف بنفس اجعل اهـ.\rقوله: (في) بدل من الخافض أي: الخافض الذي هو لفظ في اهـ شيخنا.\rقوله: (بكسر أوله وضمه) سبعيتان.\rقوله: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ العامة على رفع يوم خبرا لموعدكم فإن جعلت موعدكم زمانا لم يحتج إلى حذف مضاف، إذ التقدير زمان الوعد يوم الزينة، وإن جعلته مصدرا احتجت إلى حذف مضاف تقديره وعدكم وعد يوم الزينة. وقرأ الحسن، والأعمش، وعيسى، وعاصم وغيرهم يوم بالنصب اهـ من السمين.\rقوله: (يوم عيد لهم) وكان يوم عاشوراء، واتفق أنه في هذه الواقعة يوم سبت، وإنما خصه عليه السّلام بالتعيين لإظهار كمال قوته وكونه على ثقة من أمره وعدم مبالاته بهم، لما أن ذلك اليوم وقت ظهور غاية شوكتهم، وليكون ظهور الحق وزهوق الباطل في يوم مشهور على رؤوس الاشهاد، ويشيع ذلك فيما بين كل حاضر وباد اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ في محله وجهان، أحدهما: الجر نسقا على الزينة أي: موعدكم يوم الزينة ويوم أن يحشر أي: ويوم حشر الناس. والثاني: الرفع نسقا على يوم، والتقدير: موعدكم يوم كذا وموعدكم أن يحشر الناس أي حشرهم اهـ سمين.\rقوله: ضُحًى أي: ضحى ذلك اليوم، وقوله: وقته أي: وقت الضحى الذي هو عبارة من ارتفاع الشمس اهـ شيخنا.\rقوله: (أدبر) أي: انصرف من المجلس. قوله: ثُمَّ أَتى (بهم الموعد) أي: وأتى موسى أيضا. قوله: (و هم اثنان وسبعون) اثنان منهم من القبط والسبعون من بني إسرائيل، وهذا أقل ما قيل","part":5,"page":80},{"id":1565,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 81\rاثنان وسبعون مع كل واحد حبل وعصا وَيْلَكُمْ أي ألزمكم اللّه الويل لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً بإشراك أحد معه فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء وكسر الحاء وبفتحهما أي يهلككم بِعَذابٍ من عنده وَقَدْ خابَ خسر مَنِ افْتَرى (61) كذب على اللّه\rفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ في موسى وأخيه وَأَسَرُّوا النَّجْوى (62) أي الكلام بينهم فيهما\rقالُوا لأنفسهم إِنْ هذانِ لأبي عمرو، ولغيره هذان وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث في عددهم، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ألفا كما في بعض نسخ هذا الشارح، وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل غير ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ألزمكم اللّه الخ) أفاد به أن ويلكم منصوب بفعل مقدر اهـ كرخي.\rقوله: (بإشراك أحد الخ) عبارة أبي السعود: بأن تدعوا أن آياتي التي تظهر على يدي سحر كما فعل فرعون اهـ وهي أمس بالمقام.\rقوله: فَيُسْحِتَكُمْ قرأ الأخوان، وحفص عن عاصم فيسحتكم بضم الياء وكسر الحاء، والباقون بفتحهما، فقراءة الأخوين من أسحت رباعيا وهي لغة نجد وتميم. وقراءة الباقين من سحته ثلاثيا من باب قطع وهي لغة الحجاز، وأصل هذه المادة الدلالة على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر أي: فلم يترك منه شيئا ويستعمل في الإهلاك والإذهاب ونصبه بإضمار أن في جواب النهي اهـ سمين.\rقوله: (في موسى وأخيه) أي: هل هما ساحران أو رسولان اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فتنازعوا أمرهم بينهم أي: تناظروا وتشاوروا يعني: السحرة في أمر موسى سرا من فرعون، فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: معناه لما قال لهم: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً قال بعضهم لبعض «ما هذا بقول ساحر» اهـ.\rويشبه أن يكون قوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوى عطف تفسير. وفي القرطبي: وأسروا النجوى، قال قتادة: قالوا: إن كان ما جاءنا به سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند اللّه فسيكون له أمر، فهذا الذي أسروه. وقيل: هو إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الآية قاله السدي ومقاتل، وقيل: هو قولهم إن غلبنا اتبعناه قاله الكلبي، ودليله ما ظهر من عاقبة أمرهم اهـ.\rقوله: قالُوا (لأنفسهم) أي: قال بعضهم لبعض سرا. ويشير بهذا إلى أن قوله: قالُوا إِنْ هذانِ الخ تفسير لقوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوى. وحاصل ما قالوه سرا ست جمل أولها هذه وآخرها قوله: وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى اهـ شيخنا.\rقوله: (لأبي عمرو) أي قراءته بالياء لأبي عمرو، وقوله: ولغيره خبر مقدم، وهذان: مبتدأ مؤخر وقوله: وهو أي هذان موافق الخ. وعلى هذه اللغة يكون معربا بحركات مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. وحاصل القراءات السبعية في هذا التركيب أربعة: واحدة لأبي عمرو وهي التي بالياء، وثلاثة أجملها في قوله: ولغيره هذان أي بإثبات ألف بعدها نون مشددة مع تخفيف النون من أن وهذه قراءة، والأخريان تخفيف النون التي في هذان مع تشديد النون من أن وتخفيفها اهـ شيخنا.","part":5,"page":81},{"id":1566,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 82\rلَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (63) مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما\rفَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ من السحر بهمزة وصل وفتح الميم من جميع أي لمّ وبهمزة قطع وكسر الميم من أجمع أحكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا حال أي مصطفين وَقَدْ أَفْلَحَ فاز الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (64) غلب\rقالُوا يا مُوسى اختر إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك وإثبات كل من الياء والألف في النطق وإن كان قراءة سبعية صحيحة متواترة لكنه مشكل من حيث مخالفته لخط المصحف الإمام، فإنه ليس فيه ياء ولا ألف، فإن رسمه كما في السمين هذن من غير ألف ولا ياء، ثم قال: قلت: وكم جاء في الرسم أشياء خارجة عن القياس، وقد نصوا على أنه لا تجوز القراءة بها فليكن هذا الموضع مما خرج عن القياس اهـ.\rوقوله: على أنه لا تجوز القراءة بها أي بالأشياء المرسومة المخالفة للنطق المنقول فلا يجوز أن يقرأ هنا إن هذان. قوله: (مؤنث أمثل) وإنما أنث باعتبار التعبير بالطريقة، وإلّا فباعتبار المعنى كأن يقال أماثل اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بإشرافكم) تفسير للطريقة فإنها تطلق على وجوه الناس وأشرافهم لأنهم قدوة لغيرهم كما أفاده أبو السعود. وفي المختار: وطريقة القوم أماثلهم وجيادهم يقال: هذا طريقة قومه وهؤلاء طريقة للرجال الأشراف، ومنه قوله تعالى: كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً [الجن: 11] أي: كنا فرقا مختلفة أهواؤنا اهـ.\rوفي القاموس: والطريقة بالهاء شريف القوم وأمثلهم للواحد والجمع ويجمع على طرائق اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 82\r\rفي القاموس: والطريقة بالهاء شريف القوم وأمثلهم للواحد والجمع ويجمع على طرائق اهـ.\rقوله: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ الفاء فصيحة أي: إذا كان الأمر كما ذكره من كونهما ساحرين الخ فاجمعوا كيدكم واجعلوه مجمعا عليه بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم اهـ أبو السعود.\rوقوله: (من السحر) بيان للكيد. قوله: (من لم) يقال: لمّ اللّه شعثه أي جمعه فلم يترك شيئا منه متفرقا اهـ شيخنا.\rوفي المختار: ولمّ اللّه شعثه أي: أصلحه وبابه رد اهـ.\rقوله: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أمر بعضهم بعضا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين وأدخل في استجلاب الرهبة قيل: كان مع كل واحد منهم حبل وعصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة اهـ أبو السعود.\rوصفا: أصله مصدر، وقد أشار الشارح إلى تأويله بالمشتق بقوله: (أي مصطفين) اهـ شيخنا.\rقوله: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أن مع ما بعدها في تأويل مصدر منصوب بفعل مضمر قدره الشارح بقوله (اختر) اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ فيه أوجه، أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل تقديره اختر أحد الأمرين كذا قدره الزمخشري. قال الشيخ: وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب إما تختار الإلقاء. والثاني: أنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر إما القاؤك أو إلقاؤنا كذا قدره الزمخشري. الثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف تقديره إلقاؤك أول، ويدل عليه وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى، واختار هذا الشيخ اهـ.","part":5,"page":82},{"id":1567,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 83\rأي أولا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (65) عصاه\rقالَ بَلْ أَلْقُوا فألقوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ أصله عصوو قلبت الواوان ياءين وكسرت العين والصاد يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها حيات تَسْعى (66) على بطونها\rفَأَوْجَسَ أحس فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (67) أي خاف من جهة أن سحرهم من قوله: قالَ بَلْ أَلْقُوا قال أبو حيان: ليس الأمر بالإلقاء من باب تجويز السحر والأمر به، لأن الغرض في ذلك الفرق بين إلقائهم وبين المعجزة وتعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة أو الأمر مقرون بشرط أي: ألقوا إن كنتم محقين كقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] اهـ كرخي.\rقوله: فَإِذا حِبالُهُمْ إذا: للمفاجأة وحبالهم وعصيهم: مبتدأ خبره جملة قوله يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الخ. والرابط الهاء من أنها، وقوله: مِنْ سِحْرِهِمْ من للتعليل أي: من أجل سحرهم، وقوله:\rأَنَّها تَسْعى نائب الفاعل. وعبارة السمين: قوله: فَإِذا حِبالُهُمْ هذه الفاء عاطفة على جملة محذوفة دلّ عليها السياق، والتقدير: فألقوا فإذا. وإذا هذه هي التي للمفاجأة وفيها ثلاثة أقوال تقدمت، أحدها: أنها باقية على ظرفية الزمان. والثاني: أنها ظرف مكان. والثالث: أنها حرف. قال الزمخشري: والتحقيق فيها أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها، وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن يكون الناصب لها قولا مخصوصا وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير فتقدير قوله: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ففاجأ موسى وقت تخييل سعى حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي اهـ.\rقوله: (أصله عصوو) بوزن فلوس، وقلبت الواوان ياءين أي قلبت الثانية منهما أولا ثم الأولى لاجتماعها ساكنة مع الياء، وقوله: (و كسرت العين) أي: اتباعا لصاد، وكسرت الصاد لتصح الياء، ففي كلامه الإشارة إلى أربعة أعمال اهـ شيخنا.\rقوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ وذلك أنهم كانوا طلوها بالزئبق، فلما ضربت الشمس عليها اضطربت واهتزت فخيل إليه أنها تتحرك اهـ أبو السعود.\rقوله: خِيفَةً أصله خوفة قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها اهـ كرخي.\rقوله: (من جهة أن سحرهم الخ) أي: من أجل هذه الجهة وبسببها، وقوله: (أن يلتبس) مفعول خاف اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: أي خاف من جهة أن سحرهم جنس معجزته الخ جواب عما يقال كيف استشعر الخوف، وقد عرض اللّه عليه وقت المناجاة المعجزات الباهرة كالعصا واليد، فجعل العصا حية عظيمة، ثم أنه تعالى أعادها لما كانت عليه فكيف مع هذا وقع الخوف في قلبه؟ وقال الحسن: إن ذلك الخوف إنما كان لطبع البشرية من ضعف القلب، وإن كان قد علم أنهم لا يصلون إليه بسوء وإن اللّه تعالى ناصره اهـ.\rأو لعله عليه السّلام كان مأمورا بأن لا يفعل شيئا إلا بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك المحفل بقي في الخجل، قاله ابن عادل اهـ.","part":5,"page":83},{"id":1568,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 84\rجنس معجزته أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا به\rقُلْنا له لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68) عليهم بالغلبة\rوَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ وهي عصاه تَلْقَفْ تبتلع ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ أي جنسه وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (69) بسحره فألقى موسى عصاه فتلقفت كل ما قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (عليهم بالغلبة) فيه إشارة إلى أن لهم علوا وغلبة بالنسبة إلى سائر الناس، ولذلك أوجس منهم خيفة فرّد ذلك بأنواع من المبالغة، أحدها: ذكر كلمة التوكيد وهي أن.\rوثانيها: تكرير الضمير. وثالثها: لام التعريف. ورابعها: لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة وهذا يكفي فيه ظن العلو في أمرهم، لا أن الأعلى لمجرد الزيادة لأنه لم يكن للسحرة علو حتى يكون هو أعلى منه كما قيل اهـ كرخي.\rقوله: (و هي عصاه) إنما لم يقل عصاك تصغيرا لها أي: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي بيدك فإنه بقدرة اللّه تعالى يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، وجاز أن يكون تعظيما لها أي: لا تحتفل بهذه الاجرام فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء عندها، فألقها تتلقفها بإذن اللّه وتمحقها اهـ كرخي.\rقوله: تَلْقَفْ قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء على جواب الأمر، وقد تقدم أن حفصا يقرأ تلقف بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ ابن ذكوان هنا تلقف بالرفع إما على الحال وإما على الاستئناف، وأنث الفعل في تلقف حملا على معنى ما لأن معناها العصا ولو ذكر ذهابا إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به اهـ سمين.\rقوله: ما صَنَعُوا أي: ما زورّوا وكذبوا واخترعوا مما لا حقيقة له اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّما صَنَعُوا الخ تعليل لقوله تلقف، وما: موصولة أي أن الذي صنعوه فحقها أن تفصل من نون إن اهـ شيخنا.\rلكنها تثبت في خط المصحف الإمام موصولة كما ذكره شيخ الإسلام في شرح الجزرية. قوله:\rكَيْدُ ساحِرٍ العامة على رفع كيد على أنه خبر إنّ وما موصولة، وصنعوا صلتها، والعائد محذوف، والموصول هو الاسم. والتقدير: أن الذي صنعوه كيد ساحر، ويجوز أن تكون ما مصدرية فلا حاجة إلى العائد والإعراب بحاله، والتقدير: إن صنعهم كيد ساحر. وقرأ مجاهد، وحميد، وزيد بن علي كيد بالنصب على أنه مفعول به وما مزيدة مهيئة، وقرأ الأخوان كيد سحر على أن المعنى كيد ذوي سحر أو جعلوا نفس السحر مبالغة أو تبيين للكيد، لأنه يكون سحرا وغير سحر كما تميز سائر الأعداد بما يفسرها نحو مائة درهم وألف دينار وعلم فقه وعلم نحو اهـ سمين.\rقوله: (أي جنسه) بيّن به المراد حيث لم يقل ولا يفلح السحرة بصيغة الجمع الزمخشري، لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد، فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد، وإنما أفرد لأن الجمع نوع واحد من السحر فكأنه صدر من واحد اهـ كرخي.\rقوله: حَيْثُ أَتى ظرف مكان أي: حيث كان وأين أقبل اهـ بيضاوي.","part":5,"page":84},{"id":1569,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 85\rصنعوه\rفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً خروا ساجدين للّه تعالى وقالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (70)\rقالَ فرعون آمَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ أنا لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ معلمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ حال بمعنى مختلفة أي الأيدي قوله: (خروا ساجدين للّه) قيل: لم يرفعوا رؤوسهم من السجود حتى رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب ورأوا منازلهم في الجنة اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: قوله: (خروا ساجدين للّه تعالى) وذلك لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعله موسى صلّى اللّه عليه وسلّم خارجا عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتة. قال الزمخشري: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين اهـ.\rقوله: قالَ فرعون آمَنْتُمْ الخ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، واعلم أن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أن يصير ذلك سببا لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان باللّه ورسوله، ففي الحال ألقى هذه الشبهة وهي مشتملة على التنفير من وجهين، الأول: أن الاعتماد على أول خاطر لا يجوز بل لا بد فيه من البحث والمناظرة والاستعانة بخواطر الغير، فلما لم تفعلوا شيئا من ذلك بل في الحال آمنتم له دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن بصيرة بل بسبب آخر. الثاني: قوله: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ يعني أنكم تلامذته في السحر فاصطلحتم معه على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لأمره وتفخيما لشأنه اهـ كرخي.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين) أولاهما همزة الاستفهام والثانية الهمزة التي هي زائدة في الفعل.\rوقوله: (و إبدال الثانية ألفا) صوابه الثالثة، وهي التي هي فاء الفعل، ففي كلامه قراءة واحدة ووراءها قراءتان حذف الأولى وتسهيل الثانية، ولا تجيء هنا القراءة الرابعة المتقدمة في سورة الأعراف وهي قلب الأولى واوا لعدم الضمة قبل الأولى بخلاف ما في سورة الأعراف، فإن الأولى هناك قبلها ضمة للتصريح بالفاعل هناك، فإن صورة النظم هكذا قال فرعون: آمنتم له الخ والثلاثة سبعية اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: (بتحقيق الهمزتين الخ) القراءتان سبعيتان، وقوله: الهمزتين أولاهما همزة الاستفهام والثانية من بنية الفعل، فإنه فعل ماض أصله أأمن كأكرم قلبت الهمزة الثانية ألفا على القاعدة في اجتماع الهمزتين ثم أدخلت عليه همزة الاستفهام، فصار في الكلمة همزتان غير المنقلبة ألفا، فإما أن يقرأ بتحقيقهما وإما أن يقرأ بحذف الأولى التي هي همزة الاستفهام، وأما قوله: وإبدال الثانية ألفا فغير ظاهر إذ الثانية ثابتة عن غير إبدال على كل من القراءتين اهـ شيخنا.\rويمكن أن يقال: مراده أن الثانية قلبت ألفا فاجتمع ألفاه فحذفت إحداهما، وعلى هذه القراءة تكون الثابتة من غير قلب هي همزة الاستفهام اهـ.\rقوله: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الخ أي: فلا عبرة بما أظهرتموه لأنكم من أتباعه فتواطأتم معه اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ خِلافٍ من: ابتدائية كأن القطع ابتدىء من مخالفة العضو وهي مع المجرور بها في","part":5,"page":85},{"id":1570,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 86\rاليمنى والأرجل اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي عليها وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا يعني نفسه ورب موسى أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (71) أدوم على مخالفته\rقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ نختارك عَلى ما جاءَنا مِنَ حيز النصب على الحال أي: لأقطعنها مختلفات اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يحتمل أن يكون حقيقة، وفي التفسير أنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا، ويحتمل أن يكون مجازا وله وجهان، أحدهما: أنه وضع حرف مكان آخر والأصل على جذوع النخل. والثاني: أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواه الجذع واشتمل عليه اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: قوله: أي عليها أشار به إلى أن في الظرفية بمعنى على مجازا من حيث إنه شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف في الظرف وها هو المشهور اهـ.\rقوله: وَلَتَعْلَمُنَ اللام للقسم وقوله: أينا مبتدأ وقوله: أشد الخ خبره والجملة في محل نصب سادة مسد المفعولين، لأن الفعل علق بأي الاستفهامية ومراده بالأشد عذابا نفسه اهـ شيخنا.\rوغرضه بقوله: وَلَتَعْلَمُنَ الخ إما تحقير موسى والهزء به لأنه لم يكن يعذب أحدا، وإما الإشارة إلى أن إيمانهم لم يكن ناشئا عن مشاهدة المعجزة، بل كان من خوفهم من موسى حيث رأوا ما وقع من عصاه اهـ أبو السعود.\rقوله: أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى مبتدأ وخبر، وهذه الجملة سادة مسد المفعولين إن كانت على بابها ومسد واحد إن كانت عرفانية، ويجوز على جعلها عرفانية أن يكون أينا موصولة بمعنى الذي وبنيت لأنها قد أضيفت وحذفت صدر صلتها وأشد خبر مبتدأ محذوف، والجملة من ذلك المبتدأ وهذا الخبر صلة لأي، وأي وما في حيزها في محل نصب مفعول به كقوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ [مريم: 69] في أحد أوجهه كما تقدم اهـ سمين.\rقوله: وَأَبْقى أي: أبقى عذابا وأدومه، وقوله: (على مخالفته) متعلق بكل من أشد وأبقى وعلى تعليلية اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ أي: قالوا ذلك غير مكترثين بوعيده لهم اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلى ما جاءَنا أي: جاءنا موسى به، ويجوز أن يكون الضمير في جاء لما اهـ بيضاوي.\rوفي أبي السعود: على ما جاءنا من اللّه تعالى على يد موسى عليه السّلام من البينات من المعجزات الظاهرة، فإن ما ظهر بيده عليه السّلام من العصا كان مشتملا على معجزات جمة كما مرّ تحقيقه فيما سلف فإنهم كانوا عارفين بجلائلها ودقائقها اهـ.\rوإنما نسب المجيء إليهم وإن كانت البينات جاءت لهم ولغيرهم، لأنهم كانوا أعرف بالسحر من غيرهم، وقد علموا أن ما جاءهم به موسى عليه السّلام ليس من السحر، فكانوا على جلية من العلم بالمعجزة وغيره وغيرهم كالمقلد، وأيضا كانوا هم المنتفعون بها اهـ كرخي.","part":5,"page":86},{"id":1571,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 87\rالْبَيِّناتِ الدالة على صدق موسى وَالَّذِي فَطَرَنا خلقنا قسم أو عطف على ما فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي أصنع ما قلته إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72) النصب على الاتساع أي فيها وتجزى عليه في الآخرة\rإِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من الإشراك وغيره وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ تعلما وعملا لمعارضة موسى وَاللَّهُ خَيْرٌ منك ثوابا إذا أطيع وَأَبْقى (73) منك قوله: وَالَّذِي فَطَرَنا فيه وجهان، أحدهما: أن الواو عاطفة عطفت هذا الموصول على ما جاءنا أي لن نؤثرك على الذي جاءنا ولا على الذي فطرنا، وإنما أخروا ذكر الباري تعالى لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى. والثاني: أنها واو قسم والموصول مقسم به وجواب القسم محذوف أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق، ولا يجوز أن يكون الجواب لن نؤثرك عند من يجوز تقديم الجواب لأن القسم لا يجاب بلن إلا في شذوذ من الكلام اهـ سمين.\rقوله: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ جواب منهم عن تهديده المذكور قاله المفسرون، وليس في القرآن أن فرعون فعل بالسحرة ما هددهم به ولم يثبت في الأخبار أيضا اهـ أبو السعود.\rفي بعض التفاسير: أنه فعله بهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا يجوز في ما هذه وجهان، أحدهما: أن تكون المهيئة لدخول إن على الفعل والحياة الدنيا ظرف لتقضي ومفعوله محذوف أي: تقضي غرضك وأمرك، ويجوز أن تكون الحياة مفعولا به على الاتساع. والثاني: أن تكون ما مصدرية هي اسم إن والخبر الظرف. والتقدير: إن قضاءك في هذه الحياة الدنيا بمعنى أن لك الدنيا فقط ولنا الآخرة اهـ سمين.\rويجوز كونها موصولة اسم إن وعائدها محذوف أي: إن الذي تقضيه كائن في الحياة الدنيا اهـ.\rقوله أيضا: إِنَّما تَقْضِي إلى قوله: وَأَبْقى تعليل لعدم المبالاة المستفادة من قوله لهم لن نؤثرك الخ. ومن الأمر بالقضاء أي: إنما تصنع ما تهواه وتحكم بما تراه في هذه الدنيا وما لنا من رغبة في عذابها ولا رهبة من عذابها اهـ أبو السعود.\rقوله: (النصب) أي: نصب هذه المبدل منه الحياة الدنيا على الاتساع أي التسمح، وهذا بمعنى قول غيره النصب بنزع الخافض، كما أشار له بقوله أي فيها.\rقوله: وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ ما: موصولة بمعنى الذي وفي محلها احتمالان، أحدهما: أنها منصوبة المحل نسقا على خطايانا أي: ليغفر لنا خطايانا ويغفر لنا أيضا الذي أكرهتنا عليه. والثاني:\rمن الاحتمالين أنها مرفوعة المحل على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: والذي أكرهتنا عليه من السحر محطوط عنا أو لا يؤاخذنا به، ومن السحر يجوز أن يكون حالا من الهاء في عليه أو من الموصول، ويجوز أن تكون من لبيان الجنس اهـ سمين.\rقوله: (تعلما) وذلك أنه روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين: اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر. وقوله: (و عملا) فقد روي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى وهو نائم ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا ساحر فإن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه، وهذا يأباه تصديهم للمعارضة على الرغبة والنشاط كما يعرب عنه قولهم","part":5,"page":87},{"id":1572,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 88\rعذابا إذا عصى، قال تعالى\rإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً كافرا كفرعون فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى (74) حياة تنفعه\rوَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ الفرائض والنوافل فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75) جمع عليا مؤنث أعلى\rجَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة بيان له تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) تطهر من الذنوب\rوَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، وقولهم: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فالأولى أن المراد بإكراههم عليه إكراههم على الإتيان من المدائن القاصية اهـ من أبي السعود.\rقوله: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى هذا رد لقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا الخ حيث كان مراده نفسه اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى الخ) أشار إلى أن قوله إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ الخ استئناف كلام منه سبحانه وتعالى وليس من كلام السحرة، فيحسن الوقف على قوله: وَأَبْقى. وقيل: إنه من كلامهم لما آمنوا ولعلهم سمعوه من موسى أو من مؤمن آل فرعون أو ألهمهم اللّه إياه اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ الهاء ضمير الشأن، والجملة الشرطية خيرها، ومجرما حال من فاعل يأت، وقوله: لا يَمُوتُ فِيها يجوز أن يكون حالا من الهاء في له وأن يكون حالا من جهنم، لأنه في الجملة ضمير كل منهما اهـ سمين.\rقوله: مُجْرِماً بأن يموت على كفره وعصيانه، وقوله: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى هذا تحقيق لكون عذابه أبقى اهـ شيخنا.\rقوله: (حياة تنفعه) بأن تكون هنيئة اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ الخ ليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل الصالح في استتباع الثواب، لأن ما نيط بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى لا الثواب مطلقا اهـ أبو السعود.\rقوله: خالِدِينَ فِيها فيه مراعاة معنى من.\rقوله: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أي: بعد سنين أقامها بينهم يدعوهم بآيات اللّه فلم يزدادوا إلا عتوا اهـ جلال من سورة الشعراء.\rوعبارة أبو السعود: ولقد أوحينا إلى موسى الخ حكاية إجمالية لما انتهى إليه أمر فرعون وقومه، وقد طوى هنا ذكر ما جرى عليهم من الآيات المفصلات الظاهرة على يد موسى بعد ما غلب السحرة في نحو عشرين سنة حسبما فصل في سورة الأعراف اهـ.\rقال ابن عباس: لما أمر اللّه موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان يوسف عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عليها عجوز فأخذوها، وقال لها موسى:\rاطلبي مني شيئا. فقالت: أكون معك في الجنة، فلما خرجوا تبعهم فرعون، فلما وصل البحر وكان على حصان أقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة فسار جبريل بين يدي فرعون، فأبصر الحصان الفرس فاقتحم بفرعون على أثرها فصاحت الملائكة بالناس، أي القبط: ألحقوا حتى","part":5,"page":88},{"id":1573,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 89\rبهمزة قطع من أسرى وبهمزة وصل وكسر النون من سرى لغتان أي سر بهم ليلا من أرض مصر فَاضْرِبْ اجعل لَهُمْ بالضرب بعصاك طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً أي يابسا فامتثل ما أمر به وأيبس اللّه الأرض فمروا فيها لا تَخافُ دَرَكاً أي أن يدركك فرعون وَلا تَخْشى (77) غرقا إذا لحق آخرهم وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم فغرقوا فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا: يا موسى ادع اللّه أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم ففعل فلفظهم البحر إلى الساحل فأصابوا من سلاحهم شيئا كثيرا اهـ خطيب.\rقوله: (لغتان) أي: وقراءتان سبعيتان ولو عبّر بهذا لكان أوضح اهـ شيخنا.\rقوله: (ليلا) أي: أوله. قوله: (من أرض مصر) أي: إلى البحر اهـ جلال من سورة الشعراء.\rفهذا يقتضي أنه أمر بالسير إلى البحر فلا يقال لم لم يسر في البر في طريق الشام، وما الحامل له على الإتيان إلى البحر اهـ شيخنا.\rقوله: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً طريقا: مفعول به كما أشار الشارح، وفي السمين: طريقا مفعول به على سبيل المجاز وهو أن الطريق تسبب عن ضرب البحر، إذ المعنى اضرب البحر لينفلق لهم فيصير طريقا فبهذا صح نسبة الضرب إلى الطريق. وقيل: اضرب بمعنى اجعل أي: اجعل لهم طريقا واشرعه فيه اهـ.\rوالمراد بالطريق جنسه، فإن الطرق كانت اثنتي عشرة بعدد أسباط بني إسرائيل اهـ.\rقوله: يَبَساً صفة لطريقا وصف به لما يؤول إليه لأنه لم يكن يبسا بعد، وإنما مرت عليه الصبا فجففته كما يروى في التفسير، وقيل: هو في الأصل مصدر وصف به مبالغة أو على حذف مضاف أو جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة، وقرأ الحسن يبسا بالسكون وهو مصدر أيضا، وقيل:\rالمفتوح اسم والساكن مصدر، وقرأ أبو حيوة يابسا اسم الفاعل اهـ سمين.\rقوله: لا تَخافُ دَرَكاً العامة على لا تخاف مرفوعا وفيه أوجه، أحدها: أنه مستأنف فلا محل له من الإعراب. الثاني: أنه في محل نصب على الحال من فاعل اضرب أي اضرب غير خائف.\rالثالث: أنه صفة لطريقا والعائد محذوف أي لا تخاف فيه، وقرأ حمزة وحده من السبعة لا تخفف بالجزم وفيه أوجه، أحدها: أن يكون نهيا مستأنفا. الثاني: أنه نهي أيضا في محل نصب على الحال من فاعل اضرب أو صفة لطريقا كما تقدم في قراءة العامة إلا أن ذلك يحتاج إلى إضمار أي مقولا لك أو طريقا مقولا فيها لا تخف. والثالث: أنه مجزوم على جواب الأمر أي: أن تضرب طريقا يبسا لا تخف.\rوقرأ أبو حيوة دركا بسكون الراء، والدرك والدرك اسمان من الإدراك أي: لا يدركك فرعون وجنوده، وقد تقدم الكلام عليهما في سورة النساء، وأن الكوفيين قرؤوه بالسكون كقراءة أبي حيوة هنا اهـ سمين.\rقوله: وَلا تَخْشى لم يقرأ إلا بإثبات الألف، وكان من حق من قرأ لا تخف جزما أن يقرأ لا تخش بحذفها. كذا قاله بعضهم وليس بشيء لأن القراءة سنة متبعة وفيها أوجه، أحدها: أن يكون حالا وفيه إشكال وهو أن المضارع المنفي بلا كالمثبت في عدم مباشرة الواو له، وتأويله على حذف مبتدأ أي","part":5,"page":89},{"id":1574,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 90\rفَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ وهو معهم فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِ أي البحر ما غَشِيَهُمْ (78) فأغرقهم\rوَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ بدعائهم إلى عبادته وَما هَدى (79) بل أوقعهم في الهلاك خلاف قوله وما وأنت لا تخشى. الثاني: أنه مستأنف أخبره تعالى أنه لا يحل له خوف. والثالث: أنه مجزوم بحذف الحركة تقديرا ومثله فلا تنسى في أحد القولين إجراء لحرف العلة مجرى الصحيح، وقد تقدم لك من هذا جملة صالحة في سورة يوسف عند قوله: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف: 90] الرابع: أنه مجزوم أيضا بحذف حرف العلة وهذه الألف ليست تلك أعني: لام الكلمة وإنما هي ألف إشباع أتى بها موافقة للفواصل ورؤوس الآي فهي كالألف في قوله الرسولا، والسبيلا، والظنونا، وهذه الأوجه إنما يحتاج إليها في قراءة جزم لا تخف، وأما من قرأه مرفوعا فهذا معطوف عليه اهـ سمين.\rقوله: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ أي: بعد ما أرسل حين أخبر بسيرهم في المدائن حاشرين يجمعون له الجيش كما سيأتي في سورة الشعراء اهـ شيخنا.\rوكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا وكان مقدمة جيش فرعون سبعمائة ألف فضلا عن الجناحين والقلب والساقة، فقص أثرهم فلحقهم بحيث تراءى الجمعان، فعند ذلك ضرب موسى بعصاه البحر فتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: بِجُنُودِهِ فيه أوجه، أحدها: أن تكون الباء للحال، وذلك على أن اتبع متعد لاثنين حذف ثانيهما. والتقدير: فأتبعهم فرعون عقابه وقدره الشيخ رؤساء وحشمه والأول أحسن. الثاني: أن الباء زائدة في المفعول الثاني، والتقدير: فأتبعهم فرعون جنوده فهو كقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [البقرة: 195] وأتبع قد جاء متعديا إلى اثنين مصرح بهما قال: وأتبعناهم ذرياتاهم.\rوالثالث: أنها المعدية على أن أتبع قد يتعدى لواحد بمعنى تبع، ويجوز على هذا الواحد أن تكون الباء للحال أيضا بل هو الأظهر، وقرأ أبو عمرو في رواية والحسن فاتبعهم بالتشديد، وكذلك قرأه الحسن في جميع القرآن إلا في قوله: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات: 10] اهـ سمين.\rقوله: ما غَشِيَهُمْ أي: علاهم منه ما غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: ما غَشِيَهُمْ فاعل غشيهم وهذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي: ما يقل لفظها ويكثر معناها أي: فغشيهم ما لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى، وقرأ الأعمش فغشاهم مضاعفا وفي الفاعل حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه ما غشاهم كالقراءة قبله أي غطاهم من اليم ما غطاهم.\rوالثاني: هو ضمير الباري تعالى أي فغشاهم اللّه. والثالث: هو ضمير فرعون لأنه السبب في إهلاكهم، وعلى هذين الوجهين فما غشاهم في محل نصب مفعولا ثانيا اهـ.\rقوله: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ الخ هذا إخبار عن حاله قبل الغرق اهـ شيخنا.\rقوله: وَما هَدى تقرير لإضلاله وتأكيد له، إذ رب مضل قد يرشد من يضله إلى بعض مطالبه اهـ أبو السعود.\rقوله: (خلاف قوله) أي: هذا خلاف قوله الخ. أي: مخالف له فهو تكذيب له. عبارة الخازن:","part":5,"page":90},{"id":1575,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 91\rأهديكم إلا سبيل الرشاد\rيا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون بإغراقه وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ فنؤتي موسى التوراة للعمل بها وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (80) هما الترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر، والمنادى من وجد من اليهود زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخوطبوا بما أنعم اللّه به على أجدادهم زمن النبي موسى توطئة لقوله تعالى لهم\rكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي المنعم به عليكم وَلا تَطْغَوْا فِيهِ بأن تكفروا النعمة به فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي بكسر الحاء أي يجب وبضمها أي ينزل وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي بكسر اللام وضمها فَقَدْ هَوى (81) سقط وهو تكذيب لفرعون في قوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: 29] اهـ.\rقوله: قَدْ أَنْجَيْناكُمْ الخ في هذا الترتيب غاية الحسن حيث قد تذكير نعمة الإنجاء ثم النعمة الدينية ثم الدنيوية اهـ أبو السعود.\rوقرأ الاخوان: قد أنجيتكم ووعدتكم ورزقتكم بتاء المتكلم، والباقون أنجيناكم وواعدناكم ورزقناكم بنون العظمة، واتفقوا على ونزلنا، وتقدم خلاف أبي عمرو في واعدنا في البقرة، وقرأ حميد نجيناكم بالتشديد اهـ سمين.\rقوله: (باغراقه) أي: بسبب إغراقه. قوله: جانِبَ الطُّورِ أي: إتيان جانب الخ. قوله:\r(فنؤتي موسى التوراة) جواب عن سؤال، وهو أن المواعدة إنما كانت لموسى عليه الصلاة والسّلام لا لهم، فكيف أضيفت إليهم؟ وإيضاح الجواب: إنه لما كانت المواعدة لإنزال كتاب بسببهم إذ فيه صلاح دينهم ودنياهم وأخراهم أضيفت إليهم بهذه الملابسة فهو من المجاز العقلي اهـ كرخي.\rوأيضا: فإن اللّه أمر أن يأتي منهم سبعون مع موسى إلى الطور لأخذ التوراة، فكانت المواعدة لهم بهذا الاعتبار. قوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ أي: في التيه المن هو شيء حلو أبيض مثل الثلج كان ينزل من الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع، ويبعث الريح الجنوب عليهم السمانى فيذبح الرجل منهم ما يكفيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (و المنادى من وجد من اليهود الخ) وقيل: المنادى من كان في عهد موسى، وعبارة البيضاوي: خطاب لهم بعد انجائهم من البحر واهلاك فرعون على اضمار قلنا، أو للذين منهم في عهد النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما فعل بآبائهم اهـ.\rقوله: (و خوطبوا الخ) فيه مراعاة معنى من. قوله: (توطئة لقوله الخ) أي: واستيقاظا لهم من الغفلة التي احتوت عليهم اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي لذائذه أو حلالاته اهـ بيضاوي. قوله: وَلا تَطْغَوْا فِيهِ أي: فيما رزقناكم بالاخلال بشكره والتعدي لما حدّ اللّه لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق اهـ بيضاوي.\rفقوله: (تكفروا النعمة) أي لم تشكروها اهـ.","part":5,"page":91},{"id":1576,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 92\rفي النار\rوَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ وحد اللّه وَعَمِلَ صالِحاً يصدق بالفرض والنفل ثُمَّ اهْتَدى (82) باستمراره على ما ذكر إلى موته\rوَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ لمجيء قوله: (يصدق) أي: العمل الصالح. أي: يشمل الفرض والنفل. قوله: ثُمَّ اهْتَدى ثم: إما للتراخي باعتبار الانتهاء لبعده عن أول الاهتداء، أو للدلالة على بعدما بين المرتبتين، فإن المداومة أعظم وأعلى من الشروع اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: (باستمراره على ما ذكر إلى موته) جواب عما يقال: ما فائدة قوله: ثُمَّ اهْتَدى بعد قوله: لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، والاهتداء سابق على ذلك؟ وايضاحه: أن المراد الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه اهـ.\rقوله: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى السؤال يقع من اللّه تعالى لكنه ليس لاستدعاء المعرفة، بل إما لتعريف غيره أو لتبكيته أو تنبيهه كما صرح به الراغب، وظاهره أنه ليس بمجاز كما يقول التلميذ: سألني الأستاذ عن كذا ليعرف فهمي ونحو ذلك اهـ شهاب.\rوهذا حكاية لما جرى بينه تعالى وبين موسى عليه السّلام من الكلام عند ابتداء موافاته الميقات بموجب المواعدة المذكورة أي: وقلنا له أي شيء أعجلك منفردا عن قومك؟ وهذا كما ترى سؤال عن سبب تقدمه على النقباء مسوق لانكار انفراده عنهم لما في ذلك بحسب الظاهر من مخائل اغفالهم وعدم الاعتداد بهم، مع كونه مأمورا باستصحابهم واحضارهم معه اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: ولما أمر اللّه تعالى موسى بحضور الميقات مع قوم مخصوصين وهم السبعون الذين اختارهم اللّه تعالى من جملة بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى الطور لأجل أن يأخذوا التوراة، فسار بهم موسى ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه وخلفهم وراءه وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل فقال تعالى له:\rوَما أَعْجَلَكَ الخ اهـ.\rقوله: عَنْ قَوْمِكَ المراد بهم جملة بني إسرائيل، فإن موسى كان قد أمر هارون أن يسير بهم على أثره ويلحقونه في مكان المناجاة، وقوله: (بحسب ظنه) أن الكل لحقوه وتبعوه وجاؤوا على أثره، وقوله: (و تخلف المظنون) وهو أنهم لم يخرجوا ولم يتبعوه، فقوله: (هم أولاء على أثري) أي بحسب ظنه، وفي الواقع ليس كذلك. وقوله: لما قال تعالى علة لقوله: وتخلف المظنون، وما مصدرية أي:\rودليل تخلف المظنون قوله تعالى: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ الخ فتلخص أن المراد بالقوم في الموضعين شيء واحد وهو جملة بني إسرائيل. ويؤيد هذا التقرير قوله الآتي:\rفأخلفتم موعدي وتركتم المجيء بعدي، فإن هذا خطاب لبني إسرائيل بجملتهم، بل للذين عبدوا العجل وهم معظهم، فقوله: وتركتم المجيء بعدي يقتضي أنه كان وعدهم أن يتبعوه لمحل المناجاة فتخلفوا وعبدوا العجل، وهذا التقرير هو الذي يلتئم به كلام الشارح بعضه مع بعض، وهو قول حكاه القرطبي، ولا يستقيم كلام الشارح إلا بتنزيله عليه، وما قيل من أن المراد بالقوم في قوله: عن قومك السبعون الذين حضروا المناجاة وأخذ التوراة، وأنهم كانوا قد مشوا على أثر موسى بقريب فلا يستقيم عليه قول الشارح بحسب ظنه، وتخلف المظنون لأنه يقتضي أن السبعين لم يلحقوه بل تخلفوا عنه،","part":5,"page":92},{"id":1577,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 93\rميعاد أخذ التوراة يا مُوسى (83)\rقالَ هُمْ أُولاءِ أي بالقرب مني يأتون عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84) عني أي زيادة على رضاك وقيل الجواب أتى بالاعتذار بحسب ظنه وتخلف وهو خلاف المنقول من أنهم حضروا المناجاة وأخذ التوراة، كما تقدم مبسوطا في سورة الأعراف، وأيضا لا يستقيم التعليل بقوله: لما قال تعالى الخ فإن عبادة معظهم للعجل وافتتانهم به لا يقتضي تخلف السبعين عن الميقات، فتلخص أن هذا القول صحيح في حد ذاته كما تقدم، لكنه لا يلاقي كلام الشارح، وعليه يكون المراد بالقوم أولا خصوص السبعين وثانيا في قوله: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ جملة بني إسرائيل. وفي القرطبي ما نصه: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى قيل: عنى بالقوم جميع بني إسرائيل، وعلى هذا فقيل: كان قد استخلف هارون على بني إسرائيل وخرج بسبعين منهم للميقات، فقوله: هم أولاء على أثري ليس يريد به أنهم يسيرون خلفه ويلحقونه، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم، وقيل: لا بل كان أمر هارون أن يتبعه مع بني إسرائيل ويلحقونه. وقال قوم:\rأراد بالقوم السبعين الذين اختارهم، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام اللّه تعالى اهـ.\rقوله: (لمجيء ميعاد أخذ التوراة) المجيء: مصدر مضاف لمفعوله وإضافته على معنى في، والمعنى لمجيئك في ميعاد أخذ التوراة تأمل.\rقوله: قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي هم أولاء: مبتدأ وخبر، وقوله: على أثري يحتمل أن يكون خبرا ثانيا وأن يكون حالا، وكلام الشارح يشمل كلّا من الأمرين إذ غاية ما فيه أنه قدر المتعلق اهـ شيخنا.\rقال الزمخشري: فإن قلت: ما أعجلك سؤال عن سبب العجلة؟ فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك والشوق إلى كلامك وتنجيز موعدك، وقوله: هم أولاء على أثري كما ترى غير منطبق عليه، قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزّة شيئين، أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. والثاني: السؤال عن سببها الحامل عليها، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكره عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منه شيء إلا تقدم يسير مثله لا يعتد به في العادة ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقتهم إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد بعضهم على بعض، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: وعجلت إليك رب لترضى اهـ سمين.\rقوله: (أي زيادة على رضاك) أي: فإن المسارعة على امتثال أمرك تزيد رضاك، وأفاد بهذا أن المراد دوام تحصيل الرضا كقوله: ثم اهتدى فإن المراد به دوام الاهتداء كما سبق فلا يرد أن يقال إن قوله لترضى يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام إنما فعل ذلك لتحصيل الرضا من اللّه تعالى، وذلك باطل لا يليق بحال الأنبياء اهـ كرخي.\rقوله: (و قيل الجواب) أي جواب السؤال وهو قوله: وَما أَعْجَلَكَ الخ. والجواب هو قوله:\rوَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى، وقوله: (أتى بالاعتذار) أي الاعتذار عن تقدمه على قومه وسبقه لهم، وقوله: (بحسب ظنه) متعلق بالاعتذار أي أن قوله: هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي اعتذار عن تقدمه عليهم","part":5,"page":93},{"id":1578,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 94\rالمظنون لما\rقالَ تعالى فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ أي بعد فراقك لهم وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ (85) فعبدوا العجل\rفَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ من جهتهم أَسِفاً شديد الحزن قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أي صدقا أنه يعطيكم التوراة أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ بحسب اظنه أنهم تبعوه ومشوا على أثره، وقوله: وتخلف المظنون أي أنهم لم يلحقوه ولم يتبعوه بل خالفوا وقعدوا لقوله: قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ الخ تأمل.\rقوله: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ الخ وهذه الفتنة وقعت لهم بعد خروج موسى من عندهم بعشرين يوما، وهذا الإخبار من اللّه تعالى عنها قيل: إنه كان وقت سؤاله بقوله: وما أعجلك الخ فهو في أول حضوره الميقات، وفي ذلك الوقت لم تكن الفتنة وقعت لهم كما علمت، فيكون هذا الإخبار فيه تجوز من إطلاق الماضي على المستقبل على حد أتى أمر اللّه، وقيل: إنه كان بعد تمام الأربعين أو في العشر الأخير منها. قال الشهاب: وعليه الجمهور وعليه فيكون الإخبار حقيقيا لا تجوز فيه اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ اسمه موسى بن ظفر اهـ خازن.\rمنسوب إلى سامرة قبيلة من بني إسرائيل، كان منافقا وكان قد رباه جبريل لأن فرعون لما شرع في ذبح الولدان كانت المرأة من بني إسرائيل تأخذ ولدها وتلقيه في حفيرة أو كهف من جبل أو غير ذلك، وكانت الملائكة تتعهد هذه الأطفال بالتربية حتى يكبروا فيدخلوا بين الناس، وكان موسى السامري ممن تعهده جبريل فكان يغذيه من أصابعه الثلاثة، فيخرج له من أحدهما لبن ومن الأخرى سمن ومن الأخرى عسل اهـ شيخنا.\rقوله: فَرَجَعَ مُوسى أي: بعد ما استوفى الأربعين وأخذ التوراة اهـ بيضاوي.\rروي أنه لما رجع موسى سمع الصياح والضجيج وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة اهـ أبو السعود من عند قوله: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ الخ [طه:\r91] اهـ.\rوفي القرطبي: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي: ما يقول سيدنا الفقيه في جماعة يجتمعون ويكثرون من ذكر اللّه تعالى، وذكر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم إنهم يضربون بالقضيب على شيء من الطبل، ويقوم بعضهم ويرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه، فهل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا يرحمكم اللّه. الجواب: يرحمك اللّه مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار فقاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما الطبل فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب اللّه تعالى، وإنما كان مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين اهـ.\rقوله: أَلَمْ يَعِدْكُمْ ينصب مفعولين أولهما الكاف والثاني قدره بقوله: (أنه يعطيكم)، ووعدا حسنا مصدر مؤكد اهـ شيخنا.","part":5,"page":94},{"id":1579,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 95\rمدة مفارقتي إياكم أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَ يجب عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ بعبادتكم العجل فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) وتركتم المجيء بعدي\rقالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا مثلث الميم أي بقدرتنا أو أمرنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا بفتح الحاء مخففا وبضمها وكسر الميم مشددا أَوْزاراً أثقالا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أي حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بعلة عرس فبقيت عندهم فَقَذَفْناها طرحناها في النار بأمر السامري فَكَذلِكَ كما ألقينا أَلْقَى السَّامِرِيُ (87) ما معه من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل على الوجه الآتي\rفَأَخْرَجَ لَهُمْ قوله: أَمْ أَرَدْتُمْ الخ المعنى أم فعلتم أسباب الغضب بارادتكم واختياركم اهـ شيخنا.\rقوله: (بعبادتكم العجل) الباء سببية. قوله: فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ترتيب على كل واحد من شقي الترديد على سبيل البدل. قوله: مَوْعِدِي أي وعدكم إياي بالثبات على الإيمان للّه والقيام على أمرتكم به اهـ بيضاوي.\rلكن هذا لا يلاقي قول الشارح: وتركتم المجيء بعدي فإنه يقتضي أنه كان واعدهم أن يلحقوه فخالفوا وقعدوا واشتغلوا بعبادة العجل، وتقدم أن هذا القول حكاه القرطبي، وأنه هو الذي يتنزل كلام الشارح عليه، وعبارة القرطبي هنا: فأخلفتم موعدي، لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة اللّه عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور، وقيل: وعدهم أن يتبعوه على أثره للميقات فتوقفوا وقالوا: ما أخلفنا موعدك بملكنا اهـ.\rقوله: ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي: لأنا لو خلينا وأنفسنا ما أخلفنا موعدك، ولكن السامري سوّل لنا ما سول وغلب على عقولنا اهـ شيخنا.\rقوله: (مثلث الميم) وكلها قراءات سبعية وهو مصدر لملك بالتخفيف ومعنى الكل واحد أو مقارب، وصنيع الشارح يميل للأول اهـ شيخنا.\rقوله: (و بضمها وكسر الميم مشددا) أي: كلفنا موسى حملها فإنه كان بأمره وإشارته اهـ شيخنا.\rقوله: (استعارها منهم بنو إسرائيل الخ) أي: ليلة الخروج، وقوله: (بعلة عرس) أي بتعلل بعرس أي اعتلوا وأظهروا أن العلة في استعارتها هو العرس، وفي الواقع ليس كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (بأمر السامري) فقال لهم: إنما تأخر عنكم موسى لما معكم من الأوزار، فالرأي أن تحفروا لها حفيرة وتوقدوا فيها نارا وتقذفوها فيها لتخلصوا من ذنبها اهـ شيخنا.\rقوله: (على الوجه الآتي) متعلق بقوله: (و من التراب) أي: وألقى التراب على الوجه الآتي وهو قوله فيما يأتي: وألقى فيها أن آخذ قبضة من تراب ما ذكر وألقيها على ما لا روح له يصير له روح اهـ.\rقوله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ الخ هذا حكاية لنتيجة فتنة السامري من جهته تعالى قصدا لزيادة تقريرها، وهذا يقتضي أن قوله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ الخ من كلامه تعالى، فيكون معطوفا على قوله: وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ لا من كلامهم وإلا لقيل فأخرج لنا الخ اهـ أبو السعود.","part":5,"page":95},{"id":1580,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 96\rعِجْلًا صاغه من الحلي جَسَداً لحما ودما لَهُ خُوارٌ أي صوت يسمع أي انقلب كذلك بسبب التراب الذي أثره الحياة فيما يوضع فيه ووضعه بعد صوغه في فمه فَقالُوا أي السامري وأتباعه هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88) موسى ربه هنا وذهب يطلبه. قال تعالى\rأَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه يَرْجِعُ العجل إِلَيْهِمْ قَوْلًا أي لا يرد لهم جوابا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا أي دفعه وَلا نَفْعاً (89) أي فكيف يتخذ إلها؟\rوَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ أي قبل أن يرجع موسى يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي في عبادته وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) فيها\rقالُوا لَنْ نَبْرَحَ نزال عَلَيْهِ عاكِفِينَ على عبادته مقيمين قوله: جَسَداً حال من العجل أي: فأخرج لهم صورة عجل حال كونها جسدا أي: صائرة جسدا أي دما ولحما. وقوله: أي انْقَلَبَ الخ تفسير لهذه الصيرورة المرادة في الكلام اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الجسد جمعه أجساد، وقال في البارع: لا يقال الجسد إلا للحيوان العاقل وهو الإنسان والملائكة والجن، ولا يقال لغيره جسد إلا للزعفران وللدم إذا يبس أيضا جسد وجاسد، وقوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً أي ذا جثة على التشبيه بالعاقل اهـ.\rقوله: (صاغه من الحلى) أي في ثلاثة أيام. قوله: (و وضعه) معطوف على قوله: (بسبب التراب) يشير به إلى أن المعنى على حذف المضاف أي بسبب وضعه في فمه اهـ شيخنا.\rقوله: (و أتباعه) أي: للذين ضلوا في بادىء الرأي فصاروا يساعدونه على ما توقف من بني إسرائيل اهـ شيخنا.\rقوله: (و ذهب يطلبه) هذا يقتضي أنهم جعلوا العجل ألها يعبدونه لذاته لا لتقريبه من اللّه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَلا يَرَوْنَ استفهام توبيخ وتقريع اهـ.\rقوله: (أن مخففة) أي فيرجع بالرفع في قراءة العامة، ويدل على ذلك وقوع أصلها وهي المشددة في قوله: ألم يروا أنه لا يكلمهم. قال القاضي: وقرئ يرجع بالنصب وفيه ضعف، لأن أن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، والرؤية على الأول علمية، وعلى الثاني بصرية اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ الخ جملة قسمية مؤكدة لما قبلها أي: واللّه لقد نصح لهم هارون قبل رجوع موسى اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّما فُتِنْتُمْ أي: ابتليتم به وإن ربكم الرحمن خص هذا الموضع باسم الرحمن تنبيها على أنهم متى تابوا قبل اللّه تعالى توبتهم لأنه هو الرحمن، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون اهـ كرخي.\rقوله: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ الخ جعلوا رجوعه غاية لعكوفهم، لكن لا على طريق الوعد بترك عبادته عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف اهـ أبو السعود.","part":5,"page":96},{"id":1581,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 97\rحَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91)\rقالَ موسى بعد رجوعه يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) بعبادته\rأَلَّا تَتَّبِعَنِ لا زائدة أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) بإقامتك بين من يعبد غير اللّه تعالى\rقالَ هارون يَا بْنَ أُمَ بكسر الميم وفتحها أراد أمي وذكرها أعطف لقلبه لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وكان أخذها بشماله وَلا بِرَأْسِي وكان أخذ شعره بيمينه غضبا إِنِّي خَشِيتُ لو اتبعتك ولا بد أن يتبعني جمع ممن لم يعبد العجل أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وتغضب عليّ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) فيما رأيته في ذلك\rقالَ فَما خَطْبُكَ شأنك الداعي إلى ما صنعت قوله: (بعد رجوعه) أشار بهذا إلى تقدير في الكلام فرجع موسى وقال لهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ رَأَيْتَهُمْ إذ منصوب بمنعك أي أي شيء منعك وقت ضلالهم اهـ كرخي.\rقوله: (أي لا تتبعني) أي: أن تلحقني وتأتيني في الجبل فتخبرني بما فعلوا اهـ أبو السعود.\rأو أن لا تتبعني في الغضب للّه والمقاتلة لمن كفر اهـ بيضاوي.\rوهذه الياء من ياءات الزوائد فحقها أن تحذف في الرسم كما هي كذلك في المصحف الإمام اهـ شيخنا.\rقوله: (لا زائدة) أي: للتأكيد كما مر أول الأعراف، وأن هي الناصبة للمضارع وتنسبك مصدرا أي شيء منعك من اتباعي وعن قتالهم وصدهم عن ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (باقامتك بين من يعبد غير اللّه) عبارة القرطبي: ومعنى أفعصيت أمري قيل: إن أمري ما حكاه اللّه تعالى عنه في قوله: وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 142] فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والانكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره اهـ.\rقوله: (أراد أمي) أي: على كل من القراءتين لكن على الأول حذف الياء اكتفاء عنها بالكسرة، وعلى الثانية حذفت الألف المنقلبة عن الياء اكتفاء عنها بالفتحة اهـ شيخنا.\rقوله: (و ذكرها أعطف) أي: أدخل في العطف والرقة أي: فليس ذكرها لكونه أخاه من أمه فقط كما قيل، فإن الحق أنه كان شقيقه اهـ شيخنا.\rقوله: (و كان أخذ شعره) أي: الرأس.\rقوله: أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ مفعول خشيت، وقوله: (و لا بد أن يتبعني) أي من أن يتبعني الواو للحال أي: وهذا يؤدي إلى التشاجر والتخاصم بينهم المفضي إلى القتال، وقوله: لَمْ تَرْقُبْ معطوف على أن تقول أي وخشيت عدم ترقبك لقولي، وقوله: (تنتظر) أي تتأمل فيه وتفهم منه عذري أي: خشيت أن تقول ما ذكر وخشيت عدم تأملك في القول حتى تفهم عذري، فقوله: (فيما رأيته) أي اجتهدت فيه وهو عدم مجيئي لك لأخبرك، فظهر لي أنه يترتب عليه ما تقدم أي افتراقهم، وقوله:\r(ذلك) أي في عدم لحوقي بك هذا هو المناسب لسياق الشارح، فتكون الياء في قولي واقعة على هارون على هذا وقيل: إنه معطوف على فرقت أي وخشيت أن تقول لم ترقب قولي فتكون الياء واقعة","part":5,"page":97},{"id":1582,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 98\rيا سامِرِيُ (95)\rقالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ بالياء والتاء أي علمت ما لم يعلموه فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ تراب أَثَرِ حافر فرس الرَّسُولِ جبريل فَنَبَذْتُها ألقيتها في صورة على موسى أي قولي لك اخلفني في قومي اهـ شيخنا.\rلكن المفسرون على الاحتمال الثاني كالسمين والبيضاوي والخازن والخطيب، فكلهم اقتصروا على الاحتمال الثاني تأمل.\rقوله: قالَ بَصُرْتُ يقال: بصر بالشيء أي علمه وأبصره أي نظر إليه كذا قال الزجاج، وقال غيره: بصر بالشيء وأبصره بمعنى علمه، والعامة على ضم الصاد في الماضي والمضارع من باب ظرف. وقرأ الأعمش وأبو السماك: بصرت بالكسر يبصروا به بالفتح وهي لغة، وعمرو بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين أي: أعلمت بما لم يعلموا به اهـ سمين.\rقوله: بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني محض لا يمس أثره ميتا إلا أحياء أو رأيت ما لم يروه وهو أن جبريل جاءك على فرس الحياة، وقوله: قَبْضَةً القبضة بالفتح المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالياء) أي بنو إسرائيل، وقوله: (و التاء) أي أنت يا موسى وقومك فالخطاب له ولهم أو لموسى فقط والجمع للتعظيم اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فإن قلت: كيف عرف السامري الرسول الذي هو جبريل؟ قلت: سبب معرفته له أنه أي: جبريل ربى السامري وهو صغير أي: كان يتعهده وكان يلقمه أصابعه الثلاثة، فيخرج له من واحدة منها اللبن، ومن أخرى السمن، ومن أخرى العسل، فلما جاء جبريل ليطلب موسى إلى الميقات أي حضور جبل الطور ليأخذ التوراة، وكان راكبا على فرس كلما وضعت حافرها على شيء اخضرّ، فلما رآه السامري عرفه لسابق الألفة، وعرف أن للتراب الذي تضع الفرس حافرها عليه شأنا.\rوسبب تربيته له أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فرعون فيها الولدان فوضعته في كهف خوفا عليه من القتل، فبعث اللّه إليه جبريل ليتعهده، وما قيل من أنه أخذ التراب من أثر فرس جبريل حين مرور البحر فلا يظهر هنا لأنه في ذلك الوقت لم يكن جائيا على أنه رسول، والسامري قال: من أثر الرسول، وأيضا كان السامري إذ ذاك مع بني إسرائيل وكانوا قد سبقوا القبط في عبور البحر، وجبريل كان أمام القبط يحتال في إدخالهم البحر اهـ شيخنا. وأصله في الخازن، وفي الرازي، وفي بعض حواشي البيضاوي عن ابن حجر.\rوعبارة أبي السعود: من أثر الرسول أي الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور للمناجاة وأخذ التوراة، ولعل ذكره بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم وللتنبيه على وقت أخذ القبضة اهـ.\rقوله: (في صورة العجل) أي: في فمه، وقوله: (المصاغ) صوابه المصوغ كما في بعض النسخ ولأنه من باب قال كما في المختار اهـ شيخنا.","part":5,"page":98},{"id":1583,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 99\rالعجل المصاغ وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ زينت لِي نَفْسِي (96) وألقي فيها أن آخذ قبضة من تراب ما ذكر وألقيها على ما لا روح له يصير له روح ورأيت قومك طلبوا منك أن تجعل لهم إلها فحدثتني نفسي أن يكون ذلك العجل إلههم\rقالَ له موسى فَاذْهَبْ من بيننا فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أي مدة حياتك أَنْ تَقُولَ لمن رأيته لا مِساسَ أي لا تقربني فكان يهيم في البرية وإذا مس أحدا ومسه أحد حمّا جميعا وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لعذابك لَنْ تُخْلَفَهُ بكسر اللام أي لن تغيب عنه وبفتحها أي بل تبعث إليه وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفا أي دمت عَلَيْهِ عاكِفاً أي مقيما تعبده لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97) نذرينه في هواء البحر، وفعل قوله: (و ألقي فيها الخ) عطف تفسير. قوله: (طلبوا منك الخ) أي: كما تقدم في قوله تعالى:\rوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ [الأعراف: 138] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ الخ الجار والمجرور خبرها مقدم، وأن تقول الخ اسمها مؤخر أي:\rفإن قولك المذكور ثابت لك في مدة حياتك لا ينفك عنك، فكان يصيح بأعلى صوته: لا مساس، وحرم موسى عليهم مكالمته ومواجهته ومبايعته وغيرها مما يعتاد جريانه فيما بين الناس، ويقال: إن قومه باقية فيهم تلك الحالة إلى اليوم اهـ أبو السعود.\rقوله: لا مِساسَ هو مصدر ماس كقتال من قاتل كفاعل فهو يقتضي المشاركة وهو مبني مع لا الجنسية والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسك، فكان يهيم في البرية مع السباع والوحوش. وهذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وأن لا يخالطوا اهـ كرخي.\rقوله: (أي لا تقربني) بفتح الراء وضمها من بابي علم ونصر كما في المختار. قوله: (فكان يهيم في البرية) أي: مع الوحوش والسباع، وكان يصيح لا مساس حتى أن بقاياهم يقولون ذلك اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وقال قتادة: بقاياهم إلى اليوم يقولون لا مساس وإن مس أحد من غيرهم واحدا منهم حمّ كلاهما في الوقت، ويقال: إن موسى همّ بقتل السامري فقال اللّه تعالى: لا تقتله فإنه سخي اهـ.\rقوله: (أي لن تغيب عنه الخ) عبارة السمين: ومعنى الأولى سيصل إليك ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، ومعنى الثانية لن يخلف اللّه موعده الذي وعدك اهـ.\rقوله: (أي بل تبعث إليه) أي: فينجز اللّه لك العذاب البتة اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً أي: بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر اهـ أبو السعود.\rوالمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر اهـ بيضاوي.\rوالنسف: التفرقة والتذرية، وقيل: قلع الشيء من أصله. يقال: نسفه ينسفه بكسر السين وضمها في المضارع اهـ سمين.","part":5,"page":99},{"id":1584,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 100\rموسى بعد ذبحه ما ذكره\rإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (98) تمييز محول عن الفاعل أي وسع علمه كل شيء\rكَذلِكَ أي كما قصصنا عليك يا محمد هذه القصة نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ أخبار ما قَدْ سَبَقَ من الأمم وَقَدْ آتَيْناكَ أعطيناك مِنْ لَدُنَّا من عندنا ذِكْراً (99) قرآنا\rمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فلم يؤمن به فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) حملا ثقيلا من الإثم\rخالِدِينَ فِيهِ أي في عذاب الوزر وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (101) تمييز مفسر للضمير في ساء، والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، واللام للبيان، ويبدل من قوله: (و فعل موسى بعد ذبحه ما ذكره) ولما ذبحه سال منه الدم، وقوله: (ما ذكره) هو حرقه بالنار نسفه في أليم اهـ خازن.\rقوله: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الخ استئناف مسوق لتحقيق الحق أثر إبطال الباطل اهـ أبو السعود.\rوهذا آخر قصة موسى في هذه السورة المبتدأة بقوله: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى الخ اهـ شيخنا.\rقوله: كَذلِكَ نَقُصُ الخ كلام مستأنف خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تسلية له وتبصرة بأحوال من تقدم وتكثيرا لمعجزاته وتذكيرا للمستبصرين من أمته اهـ أبو السعود.\rوالكاف نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير ذلك المصدر المقدر، والتقدير: كقصنا هذا النبأ الغريب نقص، ومن أنباء صفة لمحذوف هو مفعول نقص أي: نقص نبأ من أنباء الخ اهـ سمين.\rقوله: (هذه القصة) أي: قصة موسى مع فرعون ومع بني إسرائيل ومع السامري اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ أَنْباءِ من تبعيضية وقوله: من الأمم بيان لما. قوله: (قرآنا) أي: منطويا ومشتملا على هذه القصص والأخبار اهـ أبو السعود.\rوقوله: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ جملة شرطية في محل نصب نعت لذكرا اهـ شيخنا.\rقوله: (حملا ثقيلا من الإثم) أي: من عقوبته وتسميتها وزرا تشبيها لها في ثقلها وصعوبته بالحمل الذي ينقض ظهر الحامل اهـ أبو السعود.\rوقوله: (من الإثم) أي: الذي وقع منه في الدنيا، ومن ابتدائية أو تعليلية اهـ شيخنا.\rقوله: خالِدِينَ فِيهِ حال من الضمير المستكن في يحمل العائد على من الشرطية مراعاة لمعناها بعد مراعاة لفظها، وكذلك الضمير في لهم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي في عذاب الوزر) عبارة السمين: والضمير في فيه يعود لوزر أو المراد في العقاب المتسبب عن الوزر وهو الذنب فأقيم السبب مقام المسبب اهـ.\rقوله: (مفسر للضمير في ساء) أي: فالضمير الذي هو الفاعل عائد على التمييز المتأخر عنه لفظا ورتبة كما هو قاعدة هذا الباب اهـ أبو السعود.\rقوله: (و اللام) أي: في لهم للبيان متعلق بالقول المقدر أي: يقال هذا الكلام لهم وفي حقهم لا","part":5,"page":100},{"id":1585,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 101\rيوم القيامة\rيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الثانية وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ الكافرين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) عيونهم مع سواد وجوههم\rيَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ يتسارون إِنْ ما لَبِثْتُمْ في الدنيا إِلَّا عَشْراً (103) من الليالي بأيامها\rنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ في ذلك أي ليس كما قالوا إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ أعد لهم طَرِيقَةً فيه إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً (104) يستقلون لبثهم في الدنيا جدا لما يعاينونه في الآخرة من أهوالها\rوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ كيف تكون يوم القيامة فَقُلْ لهم متعلقة بساء، والمعنى بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرا بالقرآن اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ أي: نأمر بالنفخ، وفي قراءة ينفخ بياء الغيبة مع البناء للمفعول أي: ينفخ إسرافيل بأمرنا، والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (النفخة الثانية) أي: لقوله بعد ذلك: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً فالنفخ في الصور كالسبب لحشرهم فهو كقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [النبأ: 18] اهـ كرخي.\rقوله: زُرْقاً حال من المجرمين، وهو صفة مشبهة فيها ضمير مستتر هو فاعلها فسره بقوله:\r(عيونهم) اهـ شيخنا.\rووصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق، ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين اهـ بيضاوي.\rوأصهب: من الصهبة بالصاد المهملة وهي حمرة أو شقرة في الشعر، والسبال بكسر السين المهملة جمع سبلة، والمراد بها اللحية أو ما استرسل منه اهـ شهاب.\rقوله: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول اهـ أبو السعود.\rوالجملة حال من المجرمين. وفي المختار: خفت الصوت سكن وبابه جلس، والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت إسرار المنطق اهـ.\rقوله: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً حال عاملها محذوف أي: حال كونهم قائلين في السر إن لبثتم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (من الليالي) أشار به إلى أنه لم يقل عشرة بالتاء ذهابا إلى الليالي، لأن الشهور غررها بالليالي فتكون الأيام داخلة تبعا قاله في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: (في ذلك) أي: في مدة لبثهم في الدنيا.\rقوله: إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي: أعدلهم رأيا أو عملا في الدنيا، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول اهـ أبو السعود.\rوإذ منصوب بأعلم، وطريقة نصب على التمييز اهـ سمين.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ أي: كفار مكة على سبيل الاستهزاء، فقالوا له: إنك تدعي أن هذه الدنيا","part":5,"page":101},{"id":1586,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 102\rيَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) بأن يفتتها كالرمل السائل ثم يطيرها بالرياح\rفَيَذَرُها قاعاً منبسطا صَفْصَفاً (106) مستويا\rلا تَرى فِيها عِوَجاً انخفاضا وَلا أَمْتاً (107) ارتفاعا\rيَوْمَئِذٍ أي يوم تفنى وأننا نبعث بعد الموت وأين تكون هذه الجبال اهـ شيخنا.\rقوله: فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً في المصباح: نسفت الريح التراب نسفا من باب ضرب اقتلعته وفرقته، ونسفت البناء نسفا قلعته من أصله، ونسفت الحب نسفا، واسم الآلة منسف بكسر الميم اهـ.\rقوله: (ثم يطيرها) بضم الياء وكسر الطاء بعدها ياء مخففة، وبضم الياء وفتح الطاء بعدها ياء مشددة يقال: أطاره وطيره بمعنى اهـ شيخنا.\rقوله: فَيَذَرُها أي: يتركها. والضمير إما للجبال باعتبار أجزائها السافلة الباقية بعد النسف وهي مقارها ومراكزها أي: فيذر ما انبسط منها، وساوى مسطح أجزاء الأرض بعد نسف الشاهق منها، وأما للأرض المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال اهـ أبو السعود.\rقوله: قاعاً قيل: هو المنكشف من الأرض، وقيل: المستوي الصلب منها، وقيل: ما لا نبات فيه ولا بناء. والصفصف: الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة صفصفا قريب في المعنى من قاعا فهو كالتأكيد له وانتصاب قاعا على الحالية من الضمير المنصوب أو مفعول ثان ليذر على تضمين معنى التصيير، وصفصفا حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: وثلاثتها أحوال مترتبة فالأولان باعتبار الإحساس والثالث باعتبار القياس، ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو يختص بالمعاني، والأمت وهو النتو اليسير، وقيل: لا ترى استئناف مبين للحالين اهـ.\rوالثلاثة هي قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا اهـ.\rقوله: لا تَرى فِيها أي: في مقار الجبال أو في الأرض على ما مرّ اهـ أبو السعود.\rقوله: عِوَجاً العوج بفتح العين في المحسوسات وبكسرها في المعاني، وما هنا من قبيل الأول لكنه عبّر فيه بمكسور العين لكونه لشدة خفائه كأنه صار من قبيل المعاني. أي: لا تدركه فيها لو تأملته بالمقاييس الهندسية اهـ أبو السعود.\rوقوله: وَلا أَمْتاً الأمت النتو اليسير، يقال: مدّ حبله حتى ما فيه أمت، وقيل: الأمت التل وهو قريب من الأول، وقيل: الشقوق في الأرض، وقيل: الآكام اهـ سمين.\rوفي القاموس: أمته يأمته قدره وقصده وأجل مأموت مؤقت، والأمت: المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع والاختلاف في الشيء، والجمع آمات وأموت والضعف والوهن والطريقة الحسنة والعوج والعيب في الفم وفي الثوب والحجر، وأن يغلظ مكان ويرق مكان، والمؤمت المملوء والمهتم بالشر ونحوه والخمر حرمت لا أمت فيها أي لا شك في حرمتها اهـ.\rقوله: يَوْمَئِذٍ منصوب بيتبعون، وقيل: بدل من يوم القيامة اهـ سمين.","part":5,"page":102},{"id":1587,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 103\rإذ نسفت الجبال يَتَّبِعُونَ أي الناس بعد القيام من القبور الدَّاعِيَ إلى المحشر بصوته وهو إسرافيل يقول هلموا إلى عرض الرحمن لا عِوَجَ لَهُ أي لاتباعهم أي لا يقدرون أن لا يتبعوا وَخَشَعَتِ سكنت الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (108) صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها\rيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحدا إِلَّا مَنْ أَذِنَ قوله: يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ أي: فيقبلون من كل أوب إلى صوبه اهـ بيضاوي. أي: جهته اهـ شهاب.\rقوله: (إلى المحشر) بكسر الشين وفتحها، وقوله: (بصوته) عبارة الخازن: أي صوت الداعي اهـ.\rقوله: (و هو إسرافيل الخ) وذلك أنه يوضع الصور على فيه ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن اهـ خازن.\rوذلك عند النفخة الثانية اهـ أبو السعود.\rوفي رواية أنه يقول: يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فيقبلون عليه اهـ زاده.\rوالراجح أن الداعي جبريل والنافخ إسرافيل تأمل. قوله: (إلى عرض الرحمن) أي: العرض عليه.\rقوله: لا عِوَجَ لَهُ أي: لا عوج لهم عن دعائه أي: لا يزيغون يمينا ولا شمالا بل يأتونه سراعا اهـ خازن.\rوهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة وأن تكون حالا من الداعي، ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف تقديره يتبعونه إتباعا لا عوج له. والضمير في له في أوجه، أظهرها: أنه يعود على الداعي أي: لا عوج لدعائه بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى ناس دون ناس، وقيل: هو عائد على ذلك المصدر المحذوف أي: عوج لذلك الإتباع. الثالث: أن في الكلام قلبا تقديره لا عوج لهم عنه اهـ سمين.\rقوله: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ أي: لهيبته وجلاله. قوله: إِلَّا هَمْساً مفعول به وهو استثناء مفرغ، والهمس الصوت الخفي وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب إذا أخفيته، وقيل:\rهو تحريك الشفتين دون نطق. وقال الزمخشري: هو الذكر الخفي ومنه الحروف المهموسة، وقيل:\rهو ما يسمع من وقع الأقدام على الأرض ومنه همست الإبل إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على الأرض اهـ سمين.\rقوله: (في نقلها) أي: في مشيها إلى المحشر.\rقوله: يَوْمَئِذٍ أي: يوم إذ يتبعون الداعي لا تنفع الخ فهو معمول لقوله (لا تنفع) اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ من واقعة على المشفوع له واللام في له للتعليل، وقول الشارح: أن يشفع له على حذف الخافض أي: في أن يشفع له اهـ شيخنا.","part":5,"page":103},{"id":1588,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 104\rلَهُ الرَّحْمنُ أن يشفع له وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) بأن يقول لا إله إلا اللّه\rيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمور الآخرة وَما خَلْفَهُمْ من أمور الدنيا وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) لا يعلمون ذلك\r* وَعَنَتِ الْوُجُوهُ خضعت لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ أي اللّه وَقَدْ خابَ خسر مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111) أي وفي السمين: قوله: إِلَّا مَنْ أَذِنَ له فيه أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول به والناصب له تنفع، ومن حينئذ واقعة على المشفوع له. والثاني: أنه في محل رفع بدل من الشفاعة ولا بد من حذف مضاف تقديره إلّا شفاعة من أذن له. والثالث: أنه منصوب على الاستثناء من الشفاعة بتقديرة المضاف المحذوف وهو استثناء متصل على هذا، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا إذا لم تقدر شيئا وحينئذ يجوز أن يكون منصوبا وهي لغة الحجاز، أو مرفوعا وهي لغة تميم، وكل هذه الأوجه واضحة مما تقدم فلا نطيل بتقديرها، وله في الموضعين للتعليل كقوله قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا [مريم: 73] أي: لأجله ولأجلهم اهـ.\rوعبارة الكرخي: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع له أشار به إلى أن الاستثناء من المفعول العام، وعليه فمن منصوب على المفعولية، ويجوز في الرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف أي: لا تنفع الشفاعة إلّا شفاعة من أذن له الرحمن، وبه بدأ القاضي كالكشاف لما فيه من تعظيم الشافع في الموضعين للتعليل أي لأجله كقوله: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا [مريم: 73] أي: لأجلهم.\rوهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين، وبه صرح البغوي. وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق لأن قوله: وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يكفي في صدقه أن يكون اللّه تعالى قد رضي له قولا واحدا من أقواله، والفاسق قد رضي اللّه من أقواله شهادة أن لا إله إلا اللّه، فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له لأن الاستثناء من النفي إثبات اهـ.\rقوله: وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا تفسير لمن يؤذن في الشفاعة له، وحاصل هذا التفسير أنه كل من قال في الدنيا لا إله إلا اللّه فقوله بأن يقول أي: بأن قال في الدنيا لا إله إلا اللّه أي: بأن كان مسلما أي:\rمات على الإسلام وإن عمل السيئات اهـ شيخنا.\rقوله: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الضمير عائد على المتبعين للداعي وهم الخلق جميعهم، وقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ أي بما بين أيديهم وما خلفهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ عنى: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، والوجوه فاعل. وعنى: من باب سما يسمو وسموا كما في المختار، فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين فأصله عنات، وأما عنى كرضي يعني عناء فهو بمعنى تعب اهـ شيخنا.\rوقوله: وأصله عنات أي: الأصل الثاني، وإلّا فالأصل الأول عنوت الوجوه بالواو فيقال:\rتحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، وكأن هذا ليس بلازم بل يصح أن يقال حذفت الواو ابتداء. وفي السمين يقال: عنى يعنو عناء إذا ذلّ وخضع وأعناه غيره أي أدله ومنه العناة جمع عان وهو الأسير اهـ.\rقوله: الْوُجُوهُ أي: جميعها، والمراد بالوجوه أصحابها وخصت بالذكر لأن الذل أول ما يظهر فيها ثم قسمها إلى قسمين بقوله: وَقَدْ خابَ الخ، وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ الخ اهـ شيخنا.","part":5,"page":104},{"id":1589,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 105\rشركا\rوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ الطاعات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً بزيادة في سيئاته وَلا هَضْماً (112) بنقص من حسناته\rوَكَذلِكَ معطوف على كذلك نقص أي مثل إنزال ما ذكر أَنْزَلْناهُ أي القرآن قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا كررنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الشرك أَوْ يُحْدِثُ القرآن لَهُمْ ذِكْراً (113) بهلاك من تقدمهم من الأمم فيعتبرون\rفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ عما يقول المشركون وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ أي بقراءته مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي يفرغ جبريل قوله: مِنَ الصَّالِحاتِ من تبعيضية، وقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ جملة حالية، وقوله: فَلا يَخافُ قرأ ابن كثير بجزمه على النهي، والباقون برفعه على النفي والاستئناف أي: فهو لا يخاف، والهضم النقص تقول العرب: هضمت لزيد من حقه أي: نقصت منه، ومنه هضيم الكشحين أي:\rضامرهما، ومن ذلك أيضا طلعها هضيم أي: دقيق متراكب كأن بعضه بظلم بعضا فيقصه حقه، ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى قيل: الظلم والهضم متقاربان، وفرق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم منع جميع الحق والهضم منع بعضه اهـ سمين.\rقوله: (أي مثل إنزال ما ذكر) أي: الآيات المشتملة على ذكر القصص المتقدمة، وكان الأولى أن يقول ومثل بالواو كما صنع غيره لأنها ثابتة في نظم القرآن. وعبارة أبي السعود: ذلك إشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها أي: مثل ذلك الإنزال أنزلناه أي القرآن كله وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزا في العقول حاضرا في الاذهان اهـ.\rوعبارة السمين: وكذلك أنزلناه كذلك نسق على كذلك نقص. قال الزمخشري: وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة اهـ.\rقوله: عَرَبِيًّا أي بلغة العرب ليفهموه ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجا عن طوق البشر نازلا من عند خلاق القوى والقدر اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنَ الْوَعِيدِ صفة لمفعول محذوف أي: صرفنا في القرآن نوعا من الوعيد، والمراد به الجنس، ويجوز أن تكون من مزيدة في المفعول به على رأي الأخفش، والتقدير: وصرفنا فيه الوعيد اهـ سمين.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: بالفعل. قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أضيف الذكر إلى القرآن ولم تضف التقوى إليه، لأن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح وذلك استمرار على العدم الأصلي فلم يحسن إسناده إلى القرآن، وأما حدوث الذكر فأمر يحدث بعد أن لم يكن فجازت إضافته إلى القرآن اهـ كرخي.\rقوله: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ أي النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده، الحق في ملكوته وألوهيته، أو الثابت في ذاته وصفاته اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ علم اللّه تعالى نبيه كيفية تلقي القرآن.\rقال ابن عباس: كان عليه الصلاة والسّلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على","part":5,"page":105},{"id":1590,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 106\rمن إبلاغه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) أي بالقرآن، فكلما أنزل عليه شيء منه زاد به علمه\rوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ وصينا أن لا يأكل من الشجرة مِنْ قَبْلُ أي قبل أكله منها فَنَسِيَ ترك عهدنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) حزما وصبرا عما نهيناه عنه\rوَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ وهو أبو الجن كان يصحب الملائكة ويعبد اللّه معهم أَبى (116) عن السجود لآدم قال أنا خير منه\rفَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ حواء الوحي وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه اللّه عن ذلك وأنزل: ولا تعجل بالقرآن، وهذا كقوله:\rلا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: 16] على ما يأتي. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:\rلا تتله قبل أن تتبينه، وقيل: ولا تعجل أي: لا تسأل إنزاله قبل أن يقضى أي يأتيك وحيه، وقيل:\rالمعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله اهـ قرطبي.\rقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي: قل في نفسك أي: سل اللّه عز وجل زيادة العلم فإنه الموصل إلى مطلوبك دون الاستعجال اهـ أبو السعود.\rقوله: (فكلما أنزل عليه شيء الخ) أي: فكان كلما أنزل عليه شيء، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني علما ويقينا اهـ خطيب.\rقوله: فَنَسِيَ (ترك عهدنا) أشار إلى أن المراد بالنسيان هنا الترك كما في قوله تعالى: إِنَّا نَسِيناكُمْ [السجدة: 14] أي: تركناكم في العذاب فلا يشكل بوصفه بالعصيان غما اهـ كرخي.\rقوله: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم فينصب مفعولين وهما: له وعزما، ويحتمل أنه من الوجود ضد العدم فينصب مفعولا وهو عزما وله حال منه أو متعلق بنجد اهـ بيضاوي.\rقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الخ كررت هذه القصة في سبع سور من القرآن لسر يعلمه اللّه وبعض خلقه اهـ شيخنا.\rوهذا شروع في بيان المعهود وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه اهـ أبو السعود.\rقوله: (كان يصحب الملائكة الخ) كأن غرضه بهذا توجيه اتصال الاستثناء بدليل أنه لم يفسر إلا بلكن على عادته في تقرير الانقطاع اهـ شيخنا.\rوالأولى أن يكون توجيها للانقطاع، لأن المنقطع لا بد فيه من نوع ارتباط واتصال بين المستثنى والمستثنى منه تأمل.\rقوله: أَبى (عن السجود) أفاد أن مفعول أبى مراد، وقد صرح به في الآية الأخرى في قوله:\rأَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الحجر: 31] وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة، ويجوز أن لا يراد البتة، وأن المعنى أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو اهـ كرخي.","part":5,"page":106},{"id":1591,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 107\rبالمد فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (117) تتعب بالحرث والزرع والحصد والطحن والخبز وغير ذلك واقتصر على شقائه لأن الرجل يسعى على زوجته\rإِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118)\rوَأَنَّكَ بفتح الهمزة وكسرها عطف على اسم إن وجملتها لا تَظْمَؤُا فِيها تعطش وَلا قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما النهي في صورة لإبليس، والمراد هما أي لا تتعاطيا أسباب الخروج فيحصل لكما الشقاء وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة، وقوله فتشقى منصوب بإضمار أن في جواب النهي اهـ سمين.\rقوله: (على شقاه) مقصور ولذلك ذكره في المختار في باب المقصور اهـ شيخنا.\rوالذي في القاموس أنه بالقصر، وأنه يجوز مده ونصه: والشقاء: الشدة والعسر ويمد يقال شقي كرضي شقاوة اهـ.\rقوله: (على زوجته) أي: لأجلها.\rقوله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي: الجنة ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى أي: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود، والمعنى أن الشبع والري والكسوة واللذة هي الأمور التي يدور عليها كفاية الإنسان، فذكر اللّه حصول هذه الأشياء في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إليه أهل الدنيا واللّه أعلم اهـ خازن.\rوقال الصفوي: قابل سبحانه وتعالى بين الجوع والعري والظمأ والضحو، وإن كان الجوع يقابل العطش والعري يقابل الضحو، لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر والظمأ حر الباطن والضحو حر الظاهر، فنفى عن ساكنها ذل الظاهر والباطن وحر الظاهر والباطن اهـ من ابن لقيمة.\rوفي أبي السعود: وفصل الظمأ من الجوع في الذكر مع تجانسهما وتقارنهما في الذكر عادة، وكذا حال العري والضحو المتجانسين لتوفية مقام الامتنان حقه للإشارة إلى أن نفي كل واحد من تلك الأمور نعمة على حيالها، ولو جمع بين الجوع والظمأ لربما توهم أن نفيهما نعمة واحدة، وكذا الحال في الجمع بين العري والضحو ولزيادة التقرير بالتنبيه على أن نفي كل واحد من الأمور المذكورة مقصود بالذات مذكور بالإصالة لا أن نفي بعضها مذكور بطريق الاستطراد والتبعية لنفي بعض آخر كما عسى يتوهم لو جمع كل من المتجانسين اهـ.\rقوله: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها قرأ نافع وأبو بكر: وإنك بكسر الهمزة والباقون بفتحها، فمن كسر فيجوز أن يكون ذلك استئنافا وأن يكون نسقا على إن الأولى والخبر لك المتقدم، والتقدير: إن لك عدم الجوع وعدم العري وعدم الظمأ والضحو، وجاز أن تكون أن بالفتح اسما لإن بالكسر للفصل بينهما، ولو لا ذلك لم يجز حتى لو قلت إن أن زيدا قائم لم يجز فلما فصل بينهما جاز، فتقول: إن عندي أن زيدا قائم فعندي هو الخبر قدم على الاسم وهو أن وما في حيزها لكونه ظرفا. والآية من هذا القبيل، إذ التقدير: وأن لك أنك لا تظمأ اهـ من السمين.","part":5,"page":107},{"id":1592,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 108\rتَضْحى (119) لا يحصل لك حر شمس الضحى لانتفاء الشمس في الجنة\rفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ أي التي يخلد من يأكل منها وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) لا يفنى وهو لازم الخلد\rفَأَكَلا أي آدم وحواء مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره وسمى كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه وَطَفِقا يَخْصِفانِ أخذا يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ليستترا به وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121) بالأكل من قوله: (تعطش) بفتح الطاء من باب طرب. قوله: (حر شمس الضحى) بالقصر. وفي القاموس:\rوضحا يضحو كغزا يغزو وضحوا للشمس وكسعى ورضي ضحوا وضحيا أصابته الشمس اهـ.\rقوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ يوسوس إليه أي: أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس له فمعناه وسوس لأجله، وقال أبو البقاء: عدى وسوس بإلى لأنه بمعنى أسر وعدى في موضع آخر باللام لكونه بمعنى ذكر له ويكون بمعنى لأجله اهـ سمين.\rقوله: قالَ يا آدَمُ الخ بيان لصورة الوسوسة، وقوله: هَلْ أَدُلُّكَ للعرض. قوله: وَمُلْكٍ لا يَبْلى أي تصرف يدوم ولا ينقطع.\rقوله: فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي: بسبب تساقط حلل الجنة عنهما لما أكلا من الشجرة اهـ شيخنا.\rقوله: (و دبره) أي: الآخر. قوله: (لأن انكشافه) أي: كل منهما. وقوله: (يسوء صاحبه) أي:\rيحزنه.\rقوله: (أخذا يلزقان) أي: يلزقان الورق أي: ورق التين بعضه ببعض حتى يصير طويلا عريضا يصلح للاستتار به، وقوله: عَلَيْهِما أي: لأجلهما أي: لأجل سوأتيهما أي: لأجل سترهما فعلى تعليلية اهـ.\rقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ أي: خالف نهيه، فالعصيان هو المخالفة لكن خالف بتأويل لأنه اعتقد أن أحدا لا يحلف باللّه كاذبا، أو لأنه اعتقد أن النهي قد نسخ لما حلف به إبليس، أو لأنه اعتقد أن النهي عن شجرة معينة وأن غيرها من بقية أفراد الجنس ليس منهيا عنه، وقوله: فَغَوى أي ضل عن مطلوبه وهو الخلود في الجنة، أي: حاد عنه ولم يظفر به. هذا هو الحق في تقرير هذا المقام اهـ شيخنا.\rقوله: (بالأكل من الشجرة) الظاهرة تعلقه بعصى أي: أنه فعل ما لم يكن له فعله، ومعنى غوى ضلّ من المأمور به أو من المطلوب حيث طلب الخلود بأكله، فإن قيل: هل يجوز أن يقال كان آدم عاصيا غاويا أخذا من ذلك؟ فالجواب: لا إذ لا يلزم من جواز إطلاق الفعل جواز إطلاق اسم الفاعل ألا ترى أنه يجوز تبارك اللّه دون أن يقال اللّه متبارك، ويجوز أن يقال تاب اللّه على آدم دون هو تائب كما بين في موضعه قاله الرازي. قال الإمام ابن فورك: هذا من آدم كان قبل النبوة كما يدل عليه قوله: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ الآية اهـ كرخي.","part":5,"page":108},{"id":1593,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 109\rالشجرة\rثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ قربه فَتابَ عَلَيْهِ قبل توبته وَهَدى (122) أي هداه إلى المداومة على التوبة\rقالَ اهْبِطا أي آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما مِنْها من الجنة جَمِيعاً بَعْضُكُمْ بعض الذرية لِبَعْضٍ عَدُوٌّ من ظلم بعضهم بعضا فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ أي القرآن فَلا يَضِلُ في الدنيا وَلا يَشْقى (123) في الآخرة\rوَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أي القرآن فلم يؤمن به فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة، وفسرت في حديث بعذاب الكافر في قبره قوله: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي: اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة والتوفيق لها من جبى إلى كذا، فاجتبيته مثل جليت على العروس فاجتليتها وأصل الكلمة الجمع اهـ بيضاوي.\rفالمجتبى كأنه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتى اختاره غيره اهـ شهاب.\rقوله: فَتابَ عَلَيْهِ تقدم في سورة الأعراف ذكر الكلمات التي حصلت بها التوبة المذكورة في قوله: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى المداومة على التوبة) أي: الاستمرار والثبات عليها فلم ينقضها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي آدم وحواء) أي: حرف نداء، وآدم منادى مبني على الضم، وحواء معطوف عليه أو حرف تفسيره لضمير التثنية الواقع فاعلا، لكن الأول أظهر كما قال القاري، وقوله: (بما اشتملتما عليه الخ) غرضه من هذا أن الخطاب وإن كان لمثنى في اللفظ لكنه في المعنى للجمع، فيحصل التوفيق بين هذه الآية وآية الأعراف، وهي قوله: قالَ اهْبِطُوا الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بما اشتملتما عليه من ذريتكما) جواب سؤال وهو أن قوله: اهْبِطا إما أن يكون خطابا مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطابا مع شخصين فكيف قال بعده فأما يأتينكم وهو خطاب الجمع، وإن كان خطابا لجمع فكيف قال اهبطا اهـ.\rقوله: (من ظلم بعضهم) من: تعليلية أي من أجل ظلم بعضهم بعضا اهـ شيخنا.\rقوله: (نون إن الشرطية) وفعل الشرط هو قوله يَأْتِيَنَّكُمْ، وجوابه الجملتان الشرطيتان، أولاهما: فمن اتبع، والثانية: ومن أعراض الخ اهـ شيخنا.\rقوله: هُدىً أي: كتاب ورسول اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي القرآن) وكذا قوله: أي القرآن فيه قصور في الموضعين، لأن الخطاب مع ذرية آدم وهداهم وتذكيرهم أعم من أن يكون بالقرآن وبغيره من الكتب النازلة على الرسل. وعبارة أبي السعود:\rفأما يأتينكم مني هدى من كتاب ورسول، فمن اتبع هداي وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ومن أعرض عن ذكري أي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي فإن له في الدنيا معيشة ضنكا الخ اهـ.\rقوله: (مصدر بمعنى ضيقة) أي: فلهذا لم يؤنث بأن يقال ضنكة فهذا من قبيل القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:\rونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا","part":5,"page":109},{"id":1594,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 110\rوَنَحْشُرُهُ أي المعرض عن القرآن يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) أي أعمى البصر\rقالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) في الدنيا وعند البعث\rقالَ الأمر كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها تركتها ولم تؤمن بها وَكَذلِكَ مثل نسيانك آياتنا الْيَوْمَ تُنْسى (126) تترك في النار\rوَكَذلِكَ ومثل جزائنا من أعرض عن القرآن نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ أشرك وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ من عذاب الدنيا وعذاب القبر وَأَبْقى (127) أدوم\rأَفَلَمْ يَهْدِ يتبين لَهُمْ لكفار مكة وفي القاموس: الضنك الضيق في كل شيء للذكر والأنثى، يقال: ضنك ككرم ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق اهـ.\rوفي السمين: قوله: ضَنْكاً صفة لمعيشة وأصله المصدر، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد، وقرأ الجمهور ضنكا بالتنوين وصلا وإبداله ألفا وقفا كسائر المعربات.\rوقرأت فرقة ضنكى بألف كسكرى، وفي هذه الألف احتمالان، أحدهما: أنها بدل من التنوين إنما أجرى الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن تكون ألف التأنيث بنى المصدر على فعلى نحو: دعوى.\rوالضنك: الضيق والشدة، يقال: منه ضنك عيشه يضنك ضناكة وضنكا، وامرأة ضناك كثيرة لحم البدن كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به اهـ.\rقوله: (بعذاب الكافر في قبره) وهو أنه يضغط عليه القبر حتى تختلف أضلاعه ولا يزال في العذاب حتى يبعث قاله أبو سعيد الخدري، ورواه أبو هريرة مرفوعا. وقال ابن عباس: المراد بالعيشة الضنك الحياة في المعصية وإن كان في رخاء ونعمة قاله الرازي، أو المراد بها عيشه في جهنم، وبما تقرر علم أنه لا يرد أن يقال نحن نرى المعرضين عن الإيمان في خصب معيشة اهـ كرخي.\rقوله: أَعْمى حال من الهاء في نحشره، وقوله: (أي أعمى البصر) وذلك في المحشر فإذا دخل النار زال عماه ليرى محله وحاله اهـ بيضاوي.\rوعبارة القرطبي: أعمى أي: في حال وبصيرا في حال اهـ.\rقوله: وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً أي والحال.\rقوله: قالَ (الأمر) كَذلِكَ أشار إلى أن كذلك في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، وجرى الأكثرون على أنه في موضع نصب أي حشرا مثل ذلك أو مثل ذلك فعلت اهـ كرخي.\rقوله: (أدوم) أي: لأنه لا ينقطع بخلافهما اهـ.\rقوله: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الهمزة داخلة على محذوف هو معطوف عليه بالفاء أي: أغفلوا فلم يهد لهم ويهد من هدى بمعنى اهتدى فهو لازم ومعناه يتبين كما قاله، وفاعله المصدر المأخوذ من أهلكنا، وسيأتي للشارح الاعتذار عن أخذه منه بدون أداة سبك. وكم: مفعول به كما قال وتمييزها محذوف أي قرنا، وقوله: من القرون نعت لهذا المحذوف أي أغفلوا فلم يتبين لهم إهلاكنا أمما كثيرا فيعتبروا بهذا الإهلاك فيرجعوا عن تكذيب الرسول اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: ويحتمل أن يكون فاعل يهد ضميرا عائدا على اللّه تعالى، ويؤيده القراءة بالنون","part":5,"page":110},{"id":1595,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 111\rكَمْ خبرية مفعول أَهْلَكْنا أي كثيرا إهلاكنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أي الأمم الماضية بتكذيب الرسل يَمْشُونَ حال من ضمير لهم فِي مَساكِنِهِمْ في سفرهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا وما ذكر من أخذ إهلاك من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لعبرا لِأُولِي النُّهى (128) لذوي العقول\rوَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير العذاب عنهم إلى الآخرة لَكانَ الإهلاك لِزاماً لازما لهم في الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) أي أفلم يبين لهم اللّه العبر وفعله بالأمم المكذبة اهـ.\rقوله: (أي كثيرا) تفسير لكم، وقوله: (إهلاكنا) تفسير للفاعل المأخوذ من الفعل اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْقُرُونِ في محل نصب نعت لكم لأنها نكرة وبضعف جعله حالا من النكرة، ويجوز أن يكون تمييزا على قواعد البصريين، ومن داخلة عليه على حد دخولها على غيره من التمييزات لتعريفه اهـ سمين.\rقوله: (بتكذيب الرسل) متعلق بإهلاكنا أي: أن الإهلاك بسبب تكذيب الرسل وترك الإيمان باللّه واتباع رسله، والمراد أمة الدعوة لا أمة الإجابة حتى لا يتوهم عدم تناوله للكفرة اهـ كرخي.\rقوله: فِي مَساكِنِهِمْ أي: مساكن المهلكين بفتح اللام فالضمير في مساكنهم للقرون، وقوله:\r(في سفرهم) متعلق بيمشون، وقوله: فيعبروا مرتب على قوله: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ اهـ شيخنا.\rقوله: (و ما ذكر) مبتدأ. وقوله: من أخذ بيان له، وقوله: (لرعاية المعنى) علة للأخذ المذكور، وقوله: (لا مانع منه) خبر أي وأخذ المصدر من الفعل المذكور بدون حرف مصدري يكون آلة في السبك جائز مراعاة للمعنى اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي المذكور من الإهلاك، وقوله: لِأُولِي النُّهى جمع نهية بمعنى العقل.\rقوله: وَلَوْ لا كَلِمَةٌ أي حكم أزلي. قوله: لَكانَ (الإهلاك) أي العاجل لزاما مصدر بمعنى اسم الفاعل وفعله لازم كقاتل، ولكونه مصدرا صح الاخبار به عن شيئين اهـ شيخنا.\rقوله: (معطوف على الضمير الخ) والمعنى لكان الإهلاك والأجل المعين له لزاما لهم أي: لازما لهم، ولم يقل لازمين لأن لزاما مصدر في الأصل وإن كان هنا بمعنى اسم الفاعل. وقوله: (و قام الفصل الخ) أشار بهذا إلى أنه كان من حق العطف أن يؤكد الضمير المستتر في كان بالضمير المنفصل، فكان يقال لكان هو لزاما وأجل مسمى، لكن الفصل بخبرها قام مقام التأكيد بالضمير المنفصل، فيكون من قبيل قول ابن مالك: أو فاصل ما.\rهذا والأولى كما صنع غيره أن يكون وأجل معطوفا على كلمة اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى في رفعه وجهان، أظهرهما: عطفه على كلمة أي:\rولو لا أجل مسمى لكان العذاب لازما لهم. والثاني: جوزه الزمخشري وهو أن يكون مرفوعا عطفا على الضمير المستتر، والضمير عائد على الأخذ العاجل المدلول عليه بالسياق التقدير: ولو لا كلمة سبقت","part":5,"page":111},{"id":1596,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 112\rمضروب لهم معطوف على الضمير المستتر في كان وقام الفصل بخبرها مقام التأيد\rفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ منسوخ بآية القتال وَسَبِّحْ صلّ بِحَمْدِ رَبِّكَ حال أي ملتبسا به قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صلاة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها صلاة العصر وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ساعاته فَسَبِّحْ صل المغرب والعشاء وَأَطْرافَ النَّهارِ عطف على محل من آناء المنصوب أي صل الظهر لأن وقتها يدخل بزوال الشمس فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني لَعَلَّكَ من ربك لكان الأخذ العاجل، وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود اهـ.\rقوله: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال بل هو إمهال وهو لازم لهم البتة باصبر على ما يقولون من كلمات الكفر، ومن قولهم الآتي لو لا يأتينا بآية من ربه فإنهم معذبون لا محالة فتسل واصبر اهـ أبو السعود.\rقوله: (منسوخ بأية القتال) هذا أحد قولين والآخر أنها محكمة. وفي الشهاب ما نصه: أي إذا لم نعذبهم عاجلا فاصبر فالفاء سببية، والمراد بالصبر عدم الاضطراب لما صدر منهم من الأذية لا ترك القتال حتى تكون الآية منسوخة اهـ.\rقوله: (حال) أي والحال أنك حامد لربك على هدايته وتوفيقه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ جمع إنا بكسر الهمزة والقصر كمعي بكسر الميم جمعه أمعاء وهو محذوف اللام فوزنه فعا بكسر الفاء؛ ومن بمعنى في، والجار والمجرور متعلق بقوله: فَسَبِّحْ والفاء زائدة اهـ شيخنا.\rوفي المختار: آناء الليل ساعاته. قال الأخفش: واحدها إنا مثل معي، وقيل: واحدها إني وأنو يقال: مضى من الليل أنوان وأنيان اهـ.\rقوله: فَسَبِّحْ في هذه الفاء ثلاثة أوجه: إما عاطفة على مقدر، أو واقعة في جواب شرط مقدر، أو زائدة اهـ شهاب.\rقوله: وَأَطْرافَ النَّهارِ المراد بالجمع ما فوق الواحد، لأنه المراد بالأطراف على ما قرره الشارح الزمن الذي هو آخر النصف الأول وأول النصف الثاني، فهما طرفان أي آخر الأول وأول الثاني طرفان للنهار أي طرفان لنصفيه كل واحد منهما طرف لنصف اهـ شيخنا.\rقوله: (عطف على محل من آناء المنصوب) أي بسبح المقرون بالفاء الزائدة أي: صل في أطراف النهار أي في طرفي نصفيه أي في الوقت الذي يجمع الطرفين وهو وقت الزوال فهو نهاية للنصف الأول وبداية للنصف الثاني اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: وَأَطْرافَ النَّهارِ العامة على نصبه وفيه وجهان، أحدهما: أنه عطف على محل ومن آناء الليل. والثاني: أنه عطف على قبل اهـ.\rقوله: لَعَلَّكَ تَرْضى قرئ في السبعة بالبناء للفاعل وللمفعول، وهذه الجملة حال من الضمير","part":5,"page":112},{"id":1597,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 113\rتَرْضى (130) بما تعطى من الثواب\rوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا زينتها وبهجتها لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ بأن يطغوا وَرِزْقُ رَبِّكَ في الجنة خَيْرٌ مما أوتوه في الدنيا وَأَبْقى (131) أدوم\rوَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ اصبر عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ نكلفك رِزْقاً لنفسك ولا لغيرك نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ الجنة لِلتَّقْوى (132) لأهلها\rوَقالُوا أي المشركون المستكن في سبح أي صل حال كونك راجيا وطامعا في أن اللّه يرضيك بما يعطيكه من الثواب اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: لعلك ترضى متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك، وقرئ ترضى على صيغة التاء للمفعول من أرضى أي يرضيك ربك اهـ.\rوفي القرطبي: لعلك ترضى بفتح التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به، وقرأ الكسائي. وأبو بكر، عن عاصم ترضى بضم التاء أي: لعلك تعطى ما يرضيك اهـ.\rقوله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ عطف على فاصبر أي لا تطل نظرهما بطريق الرغبة والميل اهـ أبو السعود.\rوقوله: مَتَّعْنا أي لذذنا فالامتاع والتمتيع معناه الإيقاع في اللذة اهـ شيخنا.\rقوله: أَزْواجاً مِنْهُمْ في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المفعول به وهو واضح.\rوالثاني: أنه منصوب على الحال من الهاء في به راعى لفظ ما مرة ومعناها أخرى فلذلك جمع اهـ سمين.\rقوله: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا في نصبه تسعة أوجه، أحدها: أنه مفعول ثان لأنه ضمن متعنا معنى أعطينا، فأزواجا مفعول أول، وزهرة هو الثاني. والثاني: أن يكون بدلا من أزواجا، وذلك إما على حذف مضاف أي ذوي زهرة وإما على المبالغة جعلوا نفس الزهرة. الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مضمر دل عليه متعنا تقديره جعلنا لهم زهرة. الرابع: نصبه على الذم قال الزمخشري: وهو النصب على الاختصاص. الخامس: أن يكون بدلا من موضع الموصول. السادس: أن ينتصب على البدل في محل به. السابع: أن ينتصب على الحال من ما الموصولة. الثامن: أنه حال من الهاء في به وهو ضمير الموصول، وهذا كالذي قبله في المعنى. التاسع: أنه تمييز لما أو للهاء في به قاله الفراء اهـ سمين.\rقوله: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ متعلق بمتعنا به للتنفير عنه ببيان سوء عاقبته مآلا بعد بيان بهجته حالا أي:\rلنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم أو لتعذيبهم في الآخرة بسببه اهـ أبو السعود.\rوقوله: (بأن يطغوا) الباء سببية، وعبارة الخازن: لنفتنهم فيه أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا بذلك كفرا وطغيانا اهـ.\rقوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ أي أهل بيتك وأهل دينك أي أتباعك وأمتك اهـ شيخنا.\rقوله: وَاصْطَبِرْ عَلَيْها أي: على مشاقها اهـ.\rقوله: نَحْنُ نَرْزُقُكَ أي فتفرغ لأمر العبادة ولا تهتم بما تكفلنا لك به. روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا","part":5,"page":113},{"id":1598,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 114\rلَوْ لا هلا يَأْتِينا محمد بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ مما يقترحونه أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء والياء بَيِّنَةُ بيان ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) المشتمل عليه القرآن من أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذيب الرسل\rوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ قبل محمد الرسول لَقالُوا يوم القيامة رَبَّنا لَوْ لا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ المرسل بها مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ في القيامة وَنَخْزى (134) في جهنم\rقُلْ كُلٌ لهم منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ منتظر ما يؤول إليه الأمر فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ في القيامة مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ الطريق السَّوِيِ المستقيم وَمَنِ أصاب أهل بيته ضيق أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالْعاقِبَةُ أي المحمودة.\rقوله: وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا الخ حكاية لبعض أقاويلهم الباطلة التي أمر بالصبر عليها اهـ شيخنا.\rولو لا: تحضيضية.\rقوله: (مما يقترحونه) أي يطلبونه تعنتا كما تقدم بعضه في قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ أي لم يكفهم اشتمال القرآن على بيان ما في الصحف الأولى في كونه معجزة حتى طلبوا غيرها اهـ شيخنا.\rفالواو عاطفة على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: ألم تأتهم سائر الآيات ولم تأتهم خاصة بينة ما في الصحف الأولى تقريرا لإتيانه وإيذانا بأنه من الوضوح بحيث لا يأتي معه إنكار أصلا اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالتاء والياء) سبعيتان. قوله: (المشتمل) نعت لبينة التي فسرها بالبيان اهـ شيخنا.\rقوله: (بتكذيب الرسل) الباء سببية اهـ.\rقوله: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ الخ جملة مستأنفة سيقت لتقرير ما قبلها اهـ أبو السعود.\rقوله: لَقالُوا رَبَّنا الخ أي: لكان لهم أن يحتجوا ويتعللوا بهذا العذر فقطعنا معذرتهم بأن أبقيناهم حتى جاءهم الرسول، ولم نهلكهم قبل إتيانه اهـ شيخنا.\rقوله: فَنَتَّبِعَ آياتِكَ منصوب بإضمار أن في جواب التحضيض اهـ سمين.\rقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ أي يحصل لنا الذل والهوان، ونخزي أي نفتضح اهـ شيخنا.\rقوله: (ما يؤول إليه الأمر) أي: أمرنا وأمركم، وقوله: (فستعلمون) أي عن قريب اهـ.\rقوله: مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ الخ من في الموضعين استفهامية محلها الرفع بالابتداء وخبرها ما بعدها، والجملة سادة مسد مفعولي العلم والكلام على حذف المضاف، أي: فستعلمون جواب من أصحاب الصراط الخ أي: فستعلمون جواب هذا السؤال، وهو أنه هم المؤمنون، ويجوز كون الثانية موصولة بخلاف الأولى لعدم العائد اهـ أبو السعود.","part":5,"page":114},{"id":1599,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 115\rاهْتَدى (135) من الضلالة أنحن أم أنتم.\rوفي السمين: ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، وأصحاب خبر مبتدأ مضمر أي: هم أصحاب، وهذا على مقتضى مذهبهم يحذفون مثل هذا العائد وإن لم تطل الصلة، وعلم يجوز أن تكون عرفانية فتكتفي بهذا المفعول وأن تكون على بابها فلا بد من تقرير ثانيهما. وقوله: وَمَنِ اهْتَدى فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون استفهامية وحكمها كالتي قبلها إلا في حذف العائد. والثاني: أنها في محل رفع على ما تقدم في الاستفهامية. والثالث: أنها في محل جر نسقا على الصراط أي وأصحاب من اهتدى، وعلى هذين الوجهين تكون موصولة. قال أبو البقاء: في الوجه الثاني وفيه عطف الخبر على الاستفهام اهـ.\rقوله: وَمَنِ اهْتَدى (من الضلالة) أشار بهذا إلى بيان وجه المغايرة بين القسمين، وعبارة القرطبي: فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. قال النحاس، والفراء: يريد أن معنى من أصحاب الصراط السوي من لم يضل، وإلى أن معنى ومن اهتدى من ضل ثم اهتدى اهـ.","part":5,"page":115},{"id":1600,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 116\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنبياء مكية وهي مائة وإحدى أو اثنتا عشرة آية\rاقْتَرَبَ قرب لِلنَّاسِ أهل مكة منكري البعث حِسابُهُمْ يوم القيامة وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عنه مُعْرِضُونَ (1) عن التأهب له بالإيمان\rما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ شيئا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (مكية) أي: باتفاق وسميت بذلك لذكر قصص الأنبياء فيها اهـ شهاب.\rقوله: (أو اثنتا عشرة آية) منشأ هذه الخلاف اختلاف الكوفيين وغيرهم في قوله: قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله: تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 67] فغير الكوفيين يعده آية، والكوفيون يعدونه آيتين:\rالأولى إلى قوله: وَلا يَضُرُّكُمْ والثانية أولها أف لكم إلى تعلقون اهـ شيخنا.\rقوله: (أهل مكة) أشار به إلى أنه من باب إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم على أن المراد بالناس المشركون بدليل ما يتلوه من الصفات من قوله: إِلَّا اسْتَمَعُوهُ إلى قوله: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ، وأيضا من جملة الدليل على هذا التحضيض وإن كان كل الناس يحاسبون قوله وهم في غفلة اهـ.\rوالحاصل أن الناس عام، والمشار إليهم في ذلك الوقت كفار قريش، فإنهم قالوا: محمد يهددنا بالبعث والجزاء على الأعمال وهذا بعيد، فأنزل اللّه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ الخ اهـ كرخي.\rووجهه قرب الحساب مع أنه بعيد أنه آت ولا محالة وكل ما هو آت قريب اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: اقترب للناس حسابهم بالإضافة إلى ما مضى أو عند اللّه لقوله: إنهم يرونه أي البعث بعيدا ونراه قريبا، وقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [الحج: 47]، ولن يخلف اللّه وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون، أو لأن كل ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما انقرض ومضى اهـ.\rوفي أبي السعود: وإسناد الاقتراب إليه لا إلى الساعة كما في الآية الأخرى مع استتباعها له ولسائر ما فيها من الأحوال والأهوال الفظيعة، لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه وإعراضهم عما يذكرهم ذلك اهـ.\rقوله: مُعْرِضُونَ خبر ثان.","part":5,"page":116},{"id":1601,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 117\rفشيئا أي لفظ قرآن إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) يستهزئون\rلاهِيَةً غافلة قُلُوبُهُمْ عن معناه وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أي الكلام الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو وأسروا النجوى هَلْ هذا أي محمد قوله: ما يَأْتِيهِمْ تعليل لما قبله، وقوله: مِنْ ذِكْرٍ من زائدة في الفاعل. قوله: مُحْدَثٍ أي محدث تنزله أي: متجدد كما أشار له بقوله (شيئا فشيئا) اهـ شيخنا.\rوالعامة على جر محدث نعتا لذكر على اللفظ. وقوله: مِنْ رَبِّهِمْ فيه أوجه، أجودها: أن يتعلق بيأتيهم، وتكون من لابتداء الغاية مجازا. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستقر في محدث. الثالث: أن يكون حالا من نفس ذكر وإن كان نكرة، لأنه قد تخصص بالوصف بمحدث اهـ سمين.\rقوله: (أي لفظ قرآن) أشار به إلى أن لفظ القرآن محدث في النزول في تلاوة جبريل له سورة سورة وآية آية، وأن معناه قديما لأنه صفة القديم فلا يرد كيف وصف الذكر بالحدوث مع أن الذكر الآتي هو القرآن وهو قديم اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا اسْتَمَعُوهُ استثناء مفرغ محله النصب على أنه حال من مفعول يأتيهم وقد مقدرة، وقوله: وَهُمْ يَلْعَبُونَ حال من فاعل استمعوه، وقوله: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ حال من واو يلعبون اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: لاهية قلوبهم يجوز أن يكون حالا من فاعل استمعوه عند من يجيز تعدد الحال، فيكون الحالان مترادفين، وأن يكون حالا من فاعل يلعبون فيكون الحالان متداخلين. وعبّر الزمخشري عن ذلك فقال: وهم يلعبون لاهية قلوبهم حالان مترادفتان أو متداخلتان، وإذا جعلناهما حالين مترادفتين ففيه تقديم الحال غير الصريحة على الصريحة وفيه من البحث ما في باب النعت، وقلوبهم مرفوع بلاهية، والعامة على نصب لاهية، وابن أبي عبلة على الرفع على أنها خبر ثان لقوله:\rوهم عند من يجوز ذلك أو خبر مبتدأ محذوف عند من لا يجوزه اهـ.\rقوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أي: بالغوا في إخفائها بحيث لم يفهم أحد تناجيهم ومسارتهم تفصيلا ولا إجمالا، فلا يرد كيف قال ذلك مع أن النجوى المسارة اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان جناية خاصة أثر حكاية جناياتهم المعتادة، والنجوى: الكلام السر، ومعنى أسروها أنهم بالغوا في إخفائها أو أسروا التناجي بحيث لم يشعر أحد بأنهم يتناجون، وإنما قالوا ذلك سرا لأنهم كانوا في مبادىء الشر والعناد وتمهيد مقدمات الكيد والفساد اهـ.\rومرادهم من هذا التناجي التشاور في استنباط ما يهدمون به أمر القرآن وإظهار فساده للناس عامة اهـ بيضاوي.\rقوله: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بدل من النجوى مفسر لها أو مفعول لمضمر هو جواب عن سؤال نشأ مما قبله، كأنه قيل: فماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا هل هذا الخ، وهل بمعنى النفي اهـ أبو السعود.","part":5,"page":117},{"id":1602,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 118\rإِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فما يأتي به سحر أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ تتبعونه وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) تعلمون أنه سحر\rقالَ لهم رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ كائنا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ لما أسروه الْعَلِيمُ (4) به\rبَلْ للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة قالُوا فيما أتى به من القرآن هو أَضْغاثُ أَحْلامٍ أخلاط رآها في النوم بَلِ افْتَراهُ اختلقه بَلْ هُوَ شاعِرٌ فما أتى وعبارة السمين: يجوز في هاتين الجملتين الاستفهاميتين أن يكونا في محل نصب بدلا من النجوى، وأن يكونا في محل نصب بإضمار القول قالهما الزمخشري، وأن يكونا في محل نصب على أنهما محكيتان للنجوى لأنها في معنى القول. وأنتم تبصرون جملة حالية من فاعل تأتون اهـ.\rقوله: وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ حال من فاعل تأتون مقرر للإنكار ومؤكد للاستبعاد، وقالوا ما ذكر بناء على ما ثبت في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر يكون سحرا اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ رَبِّي قرأ الأخوان وحفص قال ربي على لفظ الخبر والضمير للرسول عليه الصلاة والسّلام، والباقون قل على الأمر له اهـ سمين.\rقوله: فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ حال من القول كما أشار له الشارح بقوله كائنا اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: في هذا الجار والمجرور أوجه، أحدها: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من القول. والثاني: أنه حال من فاعل يعلم وضعفه أبو البقاء، وينبغي أن يمتنع. والثالث: أنه متعلق بيعلم وهو قريب مما قبله وحذف متعلق السميع العليم للعلم به اهـ.\rقوله: (للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة) وهي: بل قالوا بل افتراه بل هو شاعر، كما ذكره ابن مالك في شرح كافيته من أنها لا تقع في القرآن إلا على هذا الوجه، وسبق ابن مالك إلى ذلك صاحب الوسيط، ووافقه ابن الحاجب فقال في شرح المفصل: إبطال الأول وإثبات الثاني إن كان في الإثبات من باب الغلط فلا يقع في القرآن اهـ.\rوهذا ليس مخالفا لكلام الزمخشري لأنه عبّر بالاضراب وهو أعم من الابطالي والانتقالي كما صرح به في المغني، فيحمل ما هنا على الانتقالي فما قاله ابن مالك هو الحق، ومن وهمه فقد وهم وما استدل به في المعنى من قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:\r26] قوله: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ [المؤمنون: 70] لا دليل فيه لأن بل فيهما لا دليل فيه لأن بل فيهما للانتقال من الإخبار بقولهم إلى الإخبار بالواقع، وإنما يصلح للإبطال بالنسبة لمقولهم، ومقولهم جزاء لجملة فليس لإبطال معنى الجملة التي قبلها ومثل الآيتين هذه الآية اهـ كرخي.\rقوله: (فيما أتى به) أي في شأن ما أتى به.\rقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ خبر مبتدأ محذوف أي هو كما قاله الشارح، والجملة في محل نصب مفعول به لقالوا اهـ.\rقوله: بَلْ هُوَ شاعِرٌ هو ضمير واقع على محمد بدليل قوله فما أتى به شعر اهـ شيخنا.","part":5,"page":118},{"id":1603,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 119\rبه شعر فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) كالناقة والعصا واليد قال تعالى\rما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أي أهلها أَهْلَكْناها بتكذيبها ما أتاها من الآيات أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)؟ لا\rوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي وفي قراءة بالنون وكسر الحاء إِلَيْهِمْ لا ملائكة فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ العلماء بالتوراة والإنجيل إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) ذلك فإنهم يعلمونه وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد\rوَما جَعَلْناهُمْ أي الرسل جَسَداً بمعنى أجسادا لا وقوله: (فما أتى به شعر) أي كلام يخيل للسامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها. هذا هو المراد بالشعر هنا اهـ أبو السعود.\rقوله: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا بل كان رسولا من عند اللّه فليأتنا بآية، وقوله: كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ نعت لآية أي آية كائنة مثل الآية التي أرسل بها الأولون، فمحل الكاف الجر، وما موصولة ويجوز أن تكون مصدرية فالكاف منصوبة على أنها مصدر تشبيهي أي: فليأتنا بآية إتيانا كائنا مثل إرسال الأولين اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ قَرْيَةٍ من زائدة في الفاعل. قوله: (لا) أشار إلى أن الاستفهام إنكاري اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا الخ جواب لقولهم هل هذا إلا بشر مثلكم متضمن لرد ما دسوه تحت قولهم، كما أرسل الأولون من التعرض لعدم كونه مثل أولئك الرسل اهـ أبو السعود.\rقوله: نُوحِي إِلَيْهِمْ استئناف مبين لكيفية الإرسال وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، والمعنى: وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلا رجالا مخصوصين من أفراد جنسك متأهلين للاصطفاء والإرسال اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بالنون. قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ توجيه الخطاب إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن رتبة التكبر أي: اسألوا أيها الجهال أهل الكتاب الواقفين على أحوال الرسل السالفة، فإنهم يخبرونكم بحقيقة الحال اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (ذلك) أي: أن الرسل بشر. فمفعولا العلم يجوز أن يراد أي لا تعلمون أن ذلك كذلك، ويجوز أن لا يراد أي إن كنتم من غير ذوي العلم، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما سبق عليه أي فاسألوهم كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (فإنهم يعلمونه) الخ جواب كيف. أمر مشركي مكة بأن يسألوا أهل الذكر عمن مضى من الرسل هل كانوا بشرا أو ملائكة، مع أنهم قالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه. وإيضاح الجواب: أنه لا مانع من ذلك إذ الإخبار بعدم الإيمان بشيء لا يمنع أمره بالإتيان به وإن سلم فهم وإن لم يؤمنوا بكتاب أهل الكتاب، لكن النقل المتواتر من أهل الكتاب في أمر يفيد العلم للكل أي: لمن يؤمن بكتابهم ولمن لا يؤمن به أو إنما أحالهم على أولئك لأنهم كانوا يشايعون المشركين في معاداة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يكذبونهم فيما هم فيه قاله الرازي اهـ كرخي.\rقوله: (من تصديق المؤمنين بمحمد) المصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي: أقرب من","part":5,"page":119},{"id":1604,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 120\rيَأْكُلُونَ الطَّعامَ بل يأكلونه وَما كانُوا خالِدِينَ (8) في الدنيا\rثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ بإنجائهم فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ أي المصدقين لهم وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) المكذبين لهم\rلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ لأنه بلغتكم أَفَلا تَعْقِلُونَ (10) فتؤمنون به\rوَكَمْ تصديقكم المؤمنين بمحمد أي: الذين آمنوا بمحمد. أي: إذا أخبركم المؤمنون بحاله وحال الرسل السابقين، وأخبركم أهل الكتاب بذلك كنتم إلى تصديق أهل الكتاب أقرب من تصديقكم للمؤمنين لمشاركتكم لأهل الكتاب في الدين ومباينتكم للمؤمنين فيه اهـ.\rقوله: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً الخ الجسد جسم الإنسان والجن والملائكة، ونصبه إما على أنه مفعول ثان للجعل، وإما حال من الضمير، والمعنى: جعلناهم أجسادا تتغذى وتصير إلى الموت بالآخرة لا أجسادا مستغنية عن الأغذية. وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها من كون الرسل السابقين بشرا لا ملائكة، مع الرد على قوله: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ [الفرقان: 7] اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: قوله: لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها في محل نصب نعتا لجسد، أو جسدا مفرد يراد به الجمع، أو هو على حذف مضاف أي: ذوي جسد غير آكلين الطعام، وهذا رد لقولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، وجعل يجوز أن يكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين ثانيهما جسدا، ويجوز أن يكون بمعنى خلق وأنشأ فيتعدى لواحد، فيكون جسدا حالا بتأويله بمشتق أي: متغذين لأن الجسد لا بد له من الغذاء اهـ.\rقوله: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي: فيه وهذا معطوف على ما يفهم من قوله: وَما أَرْسَلْنا الخ كأنه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم به في تضاعيف الوحي بإهلاك أعدائهم اهـ أبو السعود.\rوصدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر، وقد يحذف كقوله: صدقتك الحديث، وفي الحديث نحو أمر واستغفر. وقد تقدم في آل عمران اهـ سمين.\rقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ الخ كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقية القرآن الذي ذكر في صدر السورة إعراضهم عما يأتيهم منه اهـ أبو السعود.\rقوله: فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي: شرفكم أي هو سبب لتشريفكم من بين العرب لكونه نزل بلغتكم، وعبارة البيضاوي: فيه ذكركم أي: صيتكم اهـ.\rوقال الجوهري: الصيت الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس اهـ زكريا.\rأي: فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه بلسانكم نازلا بين أظهركم على لسان رسول منكم واشتهاره سبب لاشتهاركم وجعل ذلك فيه مبالغة في سببيته له اهـ شهاب.\rوفي أبي السعود: واللام للقسم أي واللّه لقد أنزلنا إليكم يا معشر قريش كتابا عظيم الشأن نير البرهان فيه ذكركم أي: فيه شرفكم وصيتكم قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: 44] وقيل: ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم، وقيل: فيه ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم","part":5,"page":120},{"id":1605,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 121\rقَصَمْنا أهلكنا مِنْ قَرْيَةٍ أي أهلها كانَتْ ظالِمَةً كافرة وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (11)\rفَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي شعر أهل القرية بالإهلاك إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) يهربون مسرعين فقالت الأخلاق، وقيل: فيه موعظتكم وهو الأنسب بسياق النظم الكريم، ومساقه، فإن قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي: ألا يتفكرون فلا تعقلون أن الأمر كذلك، أو لا تعقلون شيئا من الأشياء التي من جملتها ما ذكر اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 121\r\rفَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي شعر أهل القرية بالإهلاك إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) يهربون مسرعين فقالت الأخلاق، وقيل: فيه موعظتكم وهو الأنسب بسياق النظم الكريم، ومساقه، فإن قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي: ألا يتفكرون فلا تعقلون أن الأمر كذلك، أو لا تعقلون شيئا من الأشياء التي من جملتها ما ذكر اهـ.\rقوله: وَكَمْ قَصَمْنا كم: خبرية مفعول مقدم لقصمنا، ومن قرية تمييز لها، وكلام الخازن يقتضي أن المراد قرية مخصوصة كانت باليمن، وكذلك كلام الشارح الآتي حيث قال: بأن قتلوا بالسيف، فإن الاستئصال بالعذاب بالسيف لم يحصل إلا لأهل هذه القرية بخلاف قرى قوم لوط وغيرهم، فإنهم أهلكوا بغير السيف كالصيحة والرجفة، وعلى هذا فيكون التكثير باعتبار أفراد تلك القرية، ونص عبارة الخازن. وقيل: نزلت في أهل حضور بوزن شكور قرية كانت باليمن بعث اللّه إليهم نبيا فقتلوه، فسلط اللّه عليهم بختنصر فجيّش عليهم فلما علموا أنهم مدركون خرجوا هاربين، فقالت لهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا وارجعوا الخ فرجعوا فقتلهم وسباهم جميعا، فلما رأوا القتل فيهم أقروا بذنبهم وقالوا: يا ويلنا الخ لكن لم ينفعهم هذا الندم انتهت بنوع تصرف.\rوقوله: نبيا هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وكان قبل موسى بن عمران كما في الكشاف اهـ.\rقوله: (أي أهلها) أفاد أنه لا بد من مضاف محذوف بدليل عود الضمير في قوله: فَلَمَّا أَحَسُّوا، ولا يجوز أن يعود على قوله: قَوْماً لأنه لم يذكر لهم ما يقتضي ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (أي شعر أهل القرية) بفتح العين إذا كان بمعنى العلم كما هنا بخلافه من الشعر ضد النثر فإنه بضمها من باب ظرف اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: شعرت بالشيء من باب قعد أي علمت اهـ.\rوفيه أيضا: وشعر بمعنى قال الشعر وتكلم به يأتي من بابي قتل وظرف اهـ.\rقوله: إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ إذا هذه هي الفجائية، وقد تقدم الخلاف فيها مشبعا، وهم: مبتدأ ويركضون خبره، وتقدم أول هذا الموضوع أن هذه الآية وأمثالها دالة على أن لما ليست ظرفية بل حرف وجوب لوجوب، لأن الظرف لا بد له من عامل ولا عامل هنا لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها، والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجأة المدلول عليها بإذا والضمير في منها يعود على قرية، ويجوز أن يعود على بأسنا لأنه في معنى النقمة والبأساء فأنث الضمير حملا على المعنى، ومن على الأول لابتداء الغاية وللتعليل على الثاني، والركض ضرب الدابة بالرجل. يقال: ركض الدابة يركضها ركضا اهـ سمين.","part":5,"page":121},{"id":1606,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 122\rلهم الملائكة استهزاء\rلا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ نعمتم فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) شيئا من دنياكم على العادة\rقالُوا للتنبيه يا وَيْلَنا هلاكنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) بالكفر\rفَما زالَتْ تِلْكَ الكلمات دَعْواهُمْ يدعون بها ويرددونها حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف خامِدِينَ (15) ميتين كخمود النار إذا طفئت\rوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) عابثين بل دالين على قدرتنا ونافعين عبادنا\rلَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ما يلهى به قوله: (يهربو) يعني أن الركض كناية عن الهرب، وركض من باب قتل بمعنى ضرب الدابة برجله اهـ شهاب.\rومنه قوله تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص: 42] وهرب من باب طلب اهـ.\rقوله: وَمَساكِنِكُمْ بالجر عطفا على ما اهـ شيخنا.\rقوله: (شيئا من دنياكم الخ) نسبوهم إلى السخاء وأنهم كانوا يعطون السائل فقالوا لهم: ارجعوا لتنتفع الفقراء من نوالكم وعطاياكم، وهذا كله توبيخ وتهكم بهم اهـ شيخنا.\rقوله: فَما زالَتْ زال: فعل ماض ناقص والتاء علامة التأنيث، وتلك اسم إشارة اسمها في محل رفع، ودعواهم خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والمراد بالكلمات هي قولهم: يا ويلهم إنا كنا ظالمين اهـ شيخنا.\rقوله: حَصِيداً فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد وغيره اهـ شيخنا.\rوحصد يأتي من باب ضرب ونصر اهـ.\rقوله: (بالمناجل) جمع منجل بكسر الميم وفتح الجيم اهـ شيخنا.\rقوله: (كخمود النار) يقال: خمدت النار وهمدت كل منهما من باب دخل، لكن الأول عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الجمر، والثاني: عبارة عن ذهابها بالكلية حتى تصير رمادا، فقوله: إذا أطفئت المراد به إذا سكن لهبها اهـ شيخنا.\rلكن الأحسن أن يكون المراد بالخمود هنا الهمود فإنه أبلغ معنى اهـ.\rوفي المصباح: وطفئت النار تطفأ بالهمزة من باب تعب طفوءا على فعول خمدت وأطفأتها اهـ.\rقوله: لاعِبِينَ هذا هو محط النفي وهو حال من فاعل خلقنا اهـ سمين.\rقوله: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً جواب لو هو قوله: لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا ويستثنى نقيض التالي لينتج نقيض المقدم، وقوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ إن فيه شرطية جوابها محذوف تقديره أردناه، وأشار الشارح بقوله لكنه لم نفعله إلى استثناء نقيض التالي لينتج نقيض المقدم كما ذكره بقوله: لم نرده اهـ شيخنا.\rقوله: (ما يلهى به) في المصباح: اللهو معروف تقول أهل نجد: لهوت عنه ألهو لهيا، والأصل لهوى على فعول من باب قعد، وأهل العالية لهيت عنه ألهى من باب تعب ومعناه السلوان والترك،","part":5,"page":122},{"id":1607,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 123\rمن زوجة أو ولد لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من عندنا من الحور العين والملائكة إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) ذلك لكنا لم نفعله فلم نرده\rبَلْ نَقْذِفُ نرمي بِالْحَقِ الإيمان عَلَى الْباطِلِ الكفر فَيَدْمَغُهُ يذهبه فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ذاهب، ودمغه في الأصل أصاب دماغه بالضرب، وهو مقتل وَلَكُمُ يا كفار مكة الْوَيْلُ العذاب الشديد مِمَّا تَصِفُونَ (18) اللّه به من الزوجة أو الولد\rوَلَهُ تعالى مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وَمَنْ عِنْدَهُ أي الملائكة مبتدأ خبره لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) لا يعيون\rيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) عنه فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا وألهوت به لهوا من باب قتل أولعت به وتلهيت به أيضا. قال الطرطوشي: وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، وألهاني الشيء بالألف شغلني اهـ.\rقوله: (من عندنا) أي: لا من عندكم من أهل الأرض اهـ خازن.\rقوله: فاعِلِينَ (ذلك) أي: اتخاذ اللهو اهـ.\rقوله: (فلم نرده) أشار به إلى أن إن شرطية وجوابها محذوف يدل عليه جواب لو وعليه يجوز أن تكون نافية أي ما كنا فاعلين، وفي كلامه إشارة إلى أن المستحيل لا يدخل تحت القدرة، واستحالة التلهي على اللّه تعالى كاستحالة الولد والزوجة بلا فراق اهـ كرخي.\rقوله: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِ الخ جواب عن اتخاذ اللهو بل عن إرادته كأنه قيل: لنا لا نريده بل شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من قبيله اللهو اهـ أبو السعود.\rقوله: فَيَدْمَغُهُ بابه قطع اهـ.\rقوله: مِمَّا تَصِفُونَ متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أي: استقر لكم الويل من أجل ما تصفون اللّه به مما لا يليق بعزته فمن تعليلية، وهذا وجه وجيه، وما في مما تصفون يجوز أن تكون مصدرية فلا عائد لها عند الجمهور، وأن تكون بمعنى الذي أو نكرة موصوفة ولا بد من العائد عند الجميع حذف لاستكمال الشروط، والمعنى ما ذكره الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ استئناف مقرر لما قبله من خلقه تعالى لجميع مخلوقاته اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي الملائكة) وعبر عنهم بالعندية أثر التعبير عنهم بالكون في السموات تنزيلا لهم لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك بطريق التمثيل اهـ أبو السعود.\rقوله: لا يَسْتَكْبِرُونَ فيه مراعاة معنى من. قوله: وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي: لا يكلون ولا يتعبون. يقال: استحسر البعير أي: كلّ وتعب، ويقال: حسر البعير وحسرته أنا فيكون لازما ومتعديا وأحسرته أيضا فيكون فعل وأفعل بمعنى واحد. وقال الزمخشري: والاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في حقهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه اهـ سمين.\rقوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ الخ استئناف وقع جوابا عما نشأ مما قبله كأنه قيل: ماذا يصنعون في","part":5,"page":123},{"id":1608,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 124\rعنه شاغل\rأَمِ بمعنى بل للانتقال وهمزة الإنكار اتَّخَذُوا آلِهَةً كائنة مِنَ الْأَرْضِ كحجر وذهب وفضة هُمْ أي الآلهة يُنْشِرُونَ (21) أي يحيون الموتى لا ولا يكون إلها إلا من يحيي الموتى\rلَوْ كانَ فِيهِما أي السموات والأرض آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ أي غيره لَفَسَدَتا خرجتا عن عبادتهم وكيف يعبدون اهـ أبو السعود.\rقوله: لا يَفْتُرُونَ (عنه) أي التسبيح. قوله: (فهو) أي: التسبيح منهم كالنفس منا أي ضروري فيهم سجية وطبيعة، وغرضهم بهذا الجواب عما أورد على قوله: لا يَفْتُرُونَ عنه من أن بعضهم وهم الرسل قد يشتغلون بنزول الأرض وتبليغ الأحكام، وبعضهم قد يشتغل بلعن بعض الكفرة كما في قوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 161] اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (فهو منهم كالنفس منا) جواب عما قيل إن قوله: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: 1]، وقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ [البقرة: 161] يقتضي أن تكون الرسالة والاشتغال باللعن لهم من التسبيح. وإيضاح الجواب: أن التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام، فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال، فإن قيل:\rهذا القياس غير صحيح لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب: أي استبعاد في أن يخلق اللّه تعالى لهم ألسنة كثيرة بعضها يسبحون اللّه تعالى به، وبعضها يلعنون أعداء اللّه به اهـ.\rقوله: (و همزة الإنكار) أي والإنكار والتشنيع راجع في الحقيقة لقوله: هُمْ يُنْشِرُونَ لا لنفس الاتخاذ لأنه واقع لا محالة اهـ أبو السعود.\rقوله: (كائنة) مِنَ الْأَرْضِ أشار إلى أن من الأرض صفة لكنها ليست للتخصيص لأنهم اتخذوا آلهة في السماء وهي الملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: هُمْ يُنْشِرُونَ هذه الجملة إما مستأنفة أو صفة لآلهة، فعلى الاحتمال الأول يقدر معها همزة الاستفهام الإنكاري كما قدرها الشارح على ما في بعض النسخ، وعلى الاحتمال الثاني لا تقدر معها الهمزة على ما في بعض آخر من النسخ، بل يكون إنكارها مستفادا من الهمزة التي في ضمن أم فتكون نفيا للاتخاذ ولصفة الألهة، وهي الجملة المذكورة، ومعنى نفي الاتخاذ مع أنه قد وقع نفي لياقته وانبغائه تأمل. قوله أيضا: هُمْ يُنْشِرُونَ لم يدعوا الآلهتهم أنها تنشر الموتى أي: تحييهم من القبور حتى يرد عليهم فيه، لكنه حيث ادعوا ألوهيتها لزمهم ادعاء ما ذكر لها فقد ادعوا ما ذكر ضمنا والتزاما اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: نشر الموتى نشورا من باب قعد حيوا ونشرهم اللّه يتعدى ولا يتعدى ويتعدى بالهمزة أيضا فيقال: أنشرهم اللّه ونشرت الأرض نشورا حييت وأنبتت اهـ.\rقوله: آلِهَةً الجمع ليس قيدا، وإنما عبر به مشاكلة لقوله أم اتخذوا آلهة، وكذلك قوله فيهما ليس قيدا، وإنما عبر به لأن هذا دليل إقناعي بحسب ما يفهمه المخاطب وبحسب ما فرط منهم، وهم","part":5,"page":124},{"id":1609,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 125\rنظامهما المشاهد لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه فَسُبْحانَ تنزيه اللَّهِ رَبِ خالق الْعَرْشِ الكرسي عَمَّا يَصِفُونَ (22) أي الكفار اللّه به من الشريك له وغيره\rلا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (23) عن أفعالهم\rأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ إنما اتخذوا آلهة في الأرض والسماء لا فيما وراءهما كالملائكة الحافين حول العرش، وإلا اسم بمعنى غير صفة ظهر إعرابها على ما بعدها، ولا يصح أن تكون استثنائية لأن مفهوم الاستثناء هنا فاسد، إذ حاصله أنه: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لم يستثن اللّه منهم لم تفسدا وليس كذلك، بل متى تعدد الإله لزم الفساد مطلقا اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: أي غيره أشار به إلى أن إلا صفة للنكرة قبلها بمعنى غير، والإعراب فيها متعذر فجعل على ما بعدها. وللوصف بها شروط، منها تنكير الموصوف أو قربه من النكرة بأن يكون معرفا بأل الجنسية، ومنها: أن يكون جمعا صريحا كالآية أو ما في قوة الجمع، ومنها: أن لا يحذف موصوفها عكس غير وقد وقع الوصف بإلّا كما وقع الاستثناء بغير، والأصل في إلا الاستثناء وفي غير الصفة، ولا يجوز أن ترتفع الجلالة على البدل من آلهة الفساد المعنى اهـ.\rقوله: (لوجود التمانع) وذلك لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام ويدل العقل على ذلك، وذلك أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم، وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والآخر التسكين، فإما أن يحصل المرادان وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضا محال لأنه يكون كل واحد منهما عاجزا، فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب الفساد فكان القول به باطلا اهـ كرخي.\rقوله: (من التمانع في الشيء الخ) بيان للعادة. قوله: (الكرسي) لا حاجة لهذا بل الأولى إبقاء العرش على ظاهره، لأن التحقيق أنه جسم مغاير للكرسي اهـ شيخنا.\rقوله: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ استئناف مقرر لبيان قوة عظمته تعالى وعزة سلطانه القاهرة بحيث لا أحد من مخلوقاته ينافسه ويسأله عما يفعله اهـ أبو السعود.\rأي: لا يسأل اللّه عما يفعله ويقضيه في خلقه وهم يسألون، والناس يسألون أي: عن أعمالهم، والمعنى أنه لا يسأل عما يحكم في عباده من إعزاز وإذلال وهدى وإضلال وإسعاد وإشقاء، لأنه الرب المالك للأعناق. والخلق يسألون سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم كذا لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، واللّه تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته اهـ خازن.\rوبيّن بهذا أن من يسأل غدا من أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للإلهية اهـ قرطبي.\rقوله: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة لا يصلح للألوهية لخلوها عن خصائصها إلى إظهار اتخاذهم تلك الآلهة مع خلوها عن تلك الخصائص بالمرة، والهمزة لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه اهـ أبو السعود.","part":5,"page":125},{"id":1610,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 126\rدُونِهِ تعالى أي سواه آلِهَةً فيه استفهام توبيخ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ذلك ولا سبيل إليه هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أي أمتي وهو القرآن وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من الأمم وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اللّه ليس في واحد منها أن مع اللّه إلها مما قالوا تعالى عن ذلك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ أي توحيد اللّه فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) عن النظر الموصل إليه\rوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي وفي قراءة بالنون وكسر الحاء إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) أي وحدوني\rوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وفي البيضاوي: كرره استعظاما لكفرهم، واستفظاعا لأمرهم، وتبكيتا وإظهارا لجهلهم اهـ.\rقوله: (فيه استفهام توبيخ) أي: من حيث إن أم بمعنى الهمزة وسكت عن كونها بمعنى بل هنا، ولا وجه لسكوته بل هي مثل التي تقدمت اهـ شيخنا.\rقوله: (برهانكم على ذلك) أي: الاتخاذ، وقوله: (و لا سبيل إليه) أي: البرهان لا من جهة العقل ولا من جهة النقل اهـ شيخنا.\rقوله: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أي: الذي يذكرهم العواقب أو الذي يذكرون اللّه به، وكذا يقال فيما بعده اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: هذا ذكر من معي أي: عظتهم ومتمسكهم على التوحيد فأقيموا أنتم برهانكم على التعدد اهـ.\rوهذا: اسم إشارة مبتدأ به أشار للكتب السماوية وقد أخبر عنه بخبرين. فبالنظر للخبر الأول يراد به القرآن وبالنظر للخبر الثاني يراد به ما عداه من الكتب السماوية، فقول الشارح وهو القرآن تفسير لاسم الإشارة من حيث الخبر الأول، وقوله: (و هو التوراة الخ) تفسير له من حيث الخبر الثاني تأمل.\rقوله: (ليس في واحد منها الخ) أي: فراجعوها وانظروا هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك ففيه تبكيت لهم متضمن لإثبات نقيض مدعاهم اهـ أبو السعود.\rقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ إضراب من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهان إلى بيان أنه لا تنفع فيهم المحاجة، فإن أكثرهم لا يفهمون الحق ولا يميزون بينه وبين الباطل اهـ أبو السعود.\rقوله: (الموصل إليه) أي: إلى الحق.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ استئناف مقرر لما أجمل قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية واجتمعت عليه الرسل اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية بالنون.\rقوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً حكاية لجناية فرق من العرب وهم خزاعة وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح قالوا: الملائكة بنات اللّه اهـ أبو السعود.","part":5,"page":126},{"id":1611,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 127\rوَلَداً من الملائكة سُبْحانَهُ بَلْ هم عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) عنده والعبودية تنافي الولادة\rلا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ لا يأتون بقولهم إلا بعد قوله وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) أي بعده\rيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي ما عملوا وما هم عاملون وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى تعالى أن يشفع له وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ تعالى مُشْفِقُونَ (28) أي خائفون\r* وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره وهو إبليس دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعتها فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ كما نجزيه نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أي المشركين\rأَوَلَمْ بواو وتركها يَرَ يعلم الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ قوله: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ وصفهم بصفات سبعة، الأولى: مكرمون، والأخيرة: ومن يقل منهم الخ. فهذه الضمائر كلها للملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: (و العبودية تنافي الولادة) هذا إما بحسب المعتاد الذي لا يتخلف عند العرب من كون عبد الإنسان لا يكون ولده، وإما بحسب قواعد الشرع من أن الإنسان إذا ملك ولده عتق عليه، والأول في تقرير المنافاة أظهر إذ الكلام مع جهال العرب وهم لا يعرفون قواعد الشرع اهـ شيخنا.\rقوله: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الخ استئناف وقع تعليلا لما قبله وتمهيدا لما بعده، فإنهم لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا وما أخروا من الأقوال والأعمال لا يزالون يراقبون أحوالهم، فلا يقدمون على قول أو عمل بغير أمره تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدى بعلى فبالعكس اهـ بيضاوي.\rقوله: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ أي: من الملائكة، إذ الكلام فيهم وفي كونهم بمعزل عما قالوا في حقهم اهـ أبو السعود.\rوالقول المذكور على سبيل الفرض والتقدير، إذ لم يقع من واحد من الملائكة أنه قال ما ذكر، أو على سبيل التحقيق إن جعل القائل هو إبليس كما جرى عليه الشارح وكونه من الملائكة باعتبار أنه كان مغمورا فيهم، وقيل: الضمير للخلائق مطلقا اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو إبليس) في كون إبليس من الملائكة نظر، وكأنه نسب إليهم باعتبار كونه كان بينهم أولا وكان مشاركا لهم في العبادة بل كان أعبد منهم، وكونه قال: إني إله من دون اللّه إنما هو على سبيل التسمح والتجوز، إذ هو معترف بالعبودية وآيس من رحمة اللّه، وقوله: (دعا إلى عبادة نفسه) فيه نظر أيضا وإنما دعا إلى عبادة الأصنام وحمل الخلق عليها، وقوله: (و أمر بطاعتها) أي سوّل للنفوس ووسوس لها ما يأمر به الخلائق من المعاصي والكفريات. هذا هو المراد تأمل اهـ.\rقوله: فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ذلك: في محل رفع مبتدأ ونجزيه خبره، والجملة في محل جزم جواب الشرط اهـ كرخي.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ حاصل ما ذكر من هنا إلى يسبحون ستة أدلة على التوحيد،","part":5,"page":127},{"id":1612,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 128\rوَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي سدا بمعنى مسدودة فَفَتَقْناهُما أي جعلنا السماء سبعا والأرض سبعا وقوله: (بواو وتركها) قراءتان سبعيتان، وهذا تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية، وكون جميع ما سواه مقهور تحت ملكوته، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر، والرؤية قلبية أي: ألم يتفكروا ولم يعلموا أن السموات الخ اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بواسطة أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب اهـ.\rوقوله: والكفرة وإن لم يعلموا ذلك الخ جواب عن سؤال وهو أنه كيف يستفهم منهم على سبيل التقرير وهم لم يعلموا ذلك؟ فأجاب: بأنهم لما كانوا عقلاء متمكنين من علم ذلك نزل تمكنهم وما هو بالقوة فيهم منزلة ما هو محقق بالفعل اهـ شهاب.\rوقال الكازروني: في هذا نظر، إذ تمكنهم من العلم الحاصل بالنظر بأن السموات والأرض كانتا رتقا ثم فتقتا ممنوع، وأما قوله: فإن الفتق عارض الخ ففيه أن انفصالهما لا يدل على عروض الفتق بعدما كانتا رتقا لم لا يجوز أن يكونا مخلوقين منفصلين بلا رتق وفتق، فإن استدل عليهما بأن القرآن نص عليهما فنقول: هذا كاف في إثباتهما ولا حاجة إلى الدليل العقلي المذكور اهـ.\rقوله: كانَتا رَتْقاً في الإخبار به ما قيل في زيد عدل اهـ شيخنا.\rروي عن ابن عباس أن المعنى كانتا شيئا واحدا ملتزقا إحداهما بالأخرى، ففصل اللّه بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض كما هي اهـ زاده.\rوفي الخازن: وقيل: كانت السموات مرتفعة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات وكذلك الأرض اهـ.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس، والحسن، وعطاء، والضحاك، وقتادة: يعني أنهما كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل اللّه بينهما بالهواء، وكذلك قال كعب: خلق اللّه السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا توسطتها ففتقها بها وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا، وقول ثان قاله مجاهد، والسدي، وأبو صالح: كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتحها وجعلها سبعا وكذلك الأرض فجعلها سبعا. وحكاه القتيبي في عيون الأخبار له عن إسماعيل بن أبي خالد قال في قول اللّه عز وجل أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما قال: كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ففتق من هذه سبع سموات ومن هذه سبع أرضين. خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الثمار وجعل فيها البحار عرضها خمسمائة عام، ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما أفواهم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور غنم، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام ومنها هواء إلى الأرض الرابعة، ثم خلق الرابعة وخلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود ولها أذناب مثل أذناب الخيل في الطول يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم، ثم خلق اللّه الخامسة مثلها في الغلظ","part":5,"page":128},{"id":1613,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 129\rأو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ النازل من السماء والنابع من الأرض كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ نبات وغيره أي فالماء سبب لحياته أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) بتوحيدي\rوَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا ثوابت ل أَنْ لا تَمِيدَ تتحرك والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار، ثم خلق اللّه السادسة فيها حجارة سود، ومنها خلقت تربة آدم عليه السّلام تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم، فذلك قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [البقرة: 24] ثم خلق اللّه الأرض السابعة وفيها جهنم فيها بابان اسم الواحد سجين واسم الآخر الفلق، فأما سجين فهو مفتوح وهو كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الفلق فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة اهـ.\rوقد أطال الكلام في ذلك في سورة الطلاق. وفي المختار: الرتق ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم، ومنه قوله تعالى: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما والرتق: بفتحتين مصدر قولك: امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها اهـ.\rوفيه أيضا: فتق الشيء شقه وبابه نصر وفتقه تفتيقا مثله فانفتق اهـ.\rقوله: كانَتا رَتْقاً الضمير يعود على السموات والأرض بلفظ التثنية والمتقدم جمع. وفي ذلك أوجه، أحدها: ما ذكره الزمخشري فقال: وإنما قال كانتا دون كن، لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرضين. والثاني: قال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين. الثالث: قال الحوفي: إنما قال كانتا رتقا والسموات جمع لأنه أراد الصنفين، ورتقا خبر ولم يثن لأنه في الأصل مصدر ثم لك أن تجعله قائما مقام المفعول كالخلق بمعنى المخلوق، أو تجعله على حذف مضاف أي: ذواتي رتق، والفتق فصل ذلك المرتتق وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق اهـ سمين.\rقوله: (أن كانت) بفتح الهمزة أي: كونها لا تمطر فامطرت، ومحل الفائدة في قوله: (فامطرت) فكأنه قال: افتتاقها إمطارها بعد أن كانت لا تمطر وكذا يقال فيما بعده. قوله: مِنَ الْماءِ مفعول ثان مقدم، وكل شيء مفعول أول مؤخر أي: وجعلنا كل شيء حي كائنا وناشئا من الماء متسببا عنه اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ يجوز في جعل أن يكون بمعنى خلق فيتعدى لواحد وهو كل شيء حي، ومن الماء متعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من كل شيء لأنه في الأصل يجوز أن يكون وصفا له، فلما قدم عليه نصب على الحال. ومعنى خلقه من الماء أحد شيئين: إما شدة احتياج كل حيوان للماء فلا يعيش بدونه، وإما لأنه مخلوق من النطفة التي تسمى ماء، ويجوز أن يكون جعل بمعنى صير فيتعدى لاثنين ثانيهما الجار والمجرور بمعنى: أنا صيرنا كل شيء حي من الماء بسبب أن الماء لا بد منه له اهـ.\rقوله: رَواسِيَ جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ واحدتها راسية اهـ.","part":5,"page":129},{"id":1614,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 130\rبِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها أي الرواسي فِجاجاً مسالك سُبُلًا بدل أي طرقا نافذة واسعة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) إلى مقاصدهم في الأسفار\rوَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً للأرض كالسقف للبيت مَحْفُوظاً عن الوقوع وَهُمْ عَنْ آياتِها من الشمس والقمر والنجوم مُعْرِضُونَ (32) لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له\rوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ تنويه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر وتابعه وهو النجوم فِي فَلَكٍ أي مستدير كالطاحونة في السماء وفي المصباح: رسا الشيء يرسو رسوا ورسوا ثبت فهو راس، وجبال راسية وراسيات ورواس اهـ.\rقوله: أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ في المصباح: ماد يميد ميدا من باب باع، وميدانا بفتح الياء تحرك.\rقوله: (أي الرواسي) جعل الضمير عائدا عليها وعليه، فمعنى جعلنا فيها جعلنا بينها، ويحتمل عوده على الأرض. وفي السمين: والضمير في فيها يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر لقوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً [نوح: 19] وأن يعود على الرواسي يعني: أنه جعل في الجبال طرقا واسعة اهـ.\rقوله: فِجاجاً في المختار: الفج بالفتح الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر، مثل: سهم وسهام، والفج بالكسر البطيخ الشامي، وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر اهـ.\rقال الزمخشري: فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل، ولم تؤخر كقوله تعالى: لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً [نوح: 19] قلت: لم تقدم وهي صفة ولكن جعلت حالا اهـ سمين.\rقوله: مَحْفُوظاً (عن الوقوع) أو محفوظا عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَهُمْ عَنْ آياتِها أي: الآيات الكائنة فيها الدالة على وجود الصانع ووحدته وتناهي قدرته وكمال حكمته اهـ بيضاوي.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ فيه التفات. قوله: (من الشمس الخ) بيان للمضاف إليه. قوله:\r(و تابعه) أي: القمر. والمراد بتابعه المعطوف المحذوف، وأشار بهذا إلى تصحيح التعبير عنهما بضمير الجمع، وقوله: (و للتشبيه الخ) أشار به إلى تصحيح التعبير بضمير العقلاء. وعبارة السمين:\rويعتذر عن الإتيان بضمير الجمع وعن كونه جمع من يعقل. أما الأول فقيل: إنما جمع لأن ثم معطوفا محذوفا تقديره والنجوم كما دلت عليه الآيات الأخر، وأما الثاني: فلأنه لما أسند إليه السباحة التي هي من أفعال العقلاء جمع جمع العقلاء كقوله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: 4] قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: 11] اهـ.\rقوله: فِي فَلَكٍ متعلق بيسبحون الواقع خبرا عن كل. قوله: (أي مستدير كالطاحونة الخ)","part":5,"page":130},{"id":1615,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 131\rيَسْبَحُونَ (33) يسيرون بسرعة كالسابح في الماء وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل، ونزل لما قال الكفار إن محمدا سيموت\rوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أي البقاء في الدنيا أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) فيها؟ لا، فالجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري\rكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ في الدنيا وَنَبْلُوكُمْ نختبركم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ كفقر وغنى وسقم وصحة فِتْنَةً مفعول عبارة الخازن: وقيل: والفلك طاحونة مستديرة كهيئة فلك المغزل بمعنى أن الذي تجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الرحى، وقيل: الفلك السماء الذي في ذلك الكوكب وكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه اهـ.\rوفي الرازي: المسألة الثالثة الفلك في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو استدارة هذه النجوم، وقال الأكثرون: الأفلاك أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن. ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبي: ماء مكفوف تجري فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء قلنا: لا نسلم ذلك، فإنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح. المسألة الرابعة: اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة: فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه أيضا إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لجهتها إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب ساكنة. والذي يدل عليه لفظ القرآن القسم الأول، وهو أن تكون الأفلاك ساكنة والكواكب جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء الراكد اهـ.\rقوله: (و نزل لما قال الكفار) أي: على سبيل الشماتة به اهـ شيخنا.\rقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أي: لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية اهـ أبو السعود.\rقوله: (فالجملة الأخيرة الخ) أي: فالهمزة مقدمة من تأخير وأصل الكلام أفهم الخالدون وإن مت وإنما قدم للصدارة اهـ شيخنا.\rقوله: كُلُّ نَفْسٍ أي: مخلوقة فلا يرد الباري تعالى، وقوله: ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي مرارة مفارقة جسدها اهـ شيخنا.\rوهذا دليل على ما أنكر من خلودهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (نختبركم) أي: نعاملكم معاملة المختبر وإلّا فاللّه تعالى لا يخفى عليه شيء اهـ شيخنا.\rقوله: فِتْنَةً في نصبه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله. الثاني: أنه مصدر في موضع الحال أي: فاتنين لكم. الثالث: أنه مصدر من معنى العامل لا من لفظه، لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة اهـ سمين.","part":5,"page":131},{"id":1616,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 132\rله أي لننظر أتصبرون وتشكرون أو لا وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) فنجازيكم\rوَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أي مهزوءا به يقولون أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أي يعيبها وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ لهم هُمْ تأكيد كافِرُونَ (36) به إذ قالوا ما نعرفه، ونزل في استعجالهم العذاب\rخُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ أي إنه لكثرة عجله في أحواله كأنه خلق منه قوله: (أتصبرون) راجع للشر، وقوله: (و تشكرون) راجع للخير اهـ.\rقوله: إِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي: إلينا لا إلى غيرنا لا استقلالا ولا اشتراكا، فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الكافرون، وهذا معطوف على قوله: فيما سبق وأسروا النجوى اهـ خطيب.\rقوله: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إذا. وعبارة السمين: إن هنا نافية وهي وما في حيزها جواب الشرط وهو إذا وإذا مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بإن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء تقول: إن أتيتني فإن أهنتك أو فما أهنتك بخلاف إذا، فتقول: إذا أتيتني ما أهنتك بغير فاء يدل لهذا قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ [سبأ: 43] ما كان حجتهم إلا أن قالوا واتخذ هنا متعد لاثنين وهزؤا هو الثاني إما على حذف مضاف، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة، وإما على وقوعه موقع اسم المفعول. وفي جواب إذا قولان، أحدهما: أنه إن النافية وقد تقدم ذلك. والثاني: أنه محذوف وهو القول الذي قد حكى به الجملة الاستفهامية في قوله: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، إذ التقدير: وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وبين جوابه المقرر اهـ.\rقوله: (يقولون) أَهذَا أي: يقول بعضهم لبعض في حال الهزء والسخرية أهذا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ هم الأولى: مبتدأ أخبر عنه بكافرون وبذكر متعلق بالخبر، والتقدير: وهم كافرون بذكر الرحمن. وهم الثاني: تأكيد للأول تأكيدا لفظيا فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول. وفي هذه الجملة قولان، أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحال. والثاني: أنها حال من فاعل يتخذونك وإليه نحا الزمخشري اهـ سمين.\rوفي تقدير الشارح لهم إشارة إلى أن ذكر مصدر مضاف لفاعله ويراد بالذكر إرشاده تعالى لهم ببعث الرسل وإنزال الكتب، ويصح أن يكون مضافا لمفعوله أي: ذكرهم الرحمن بالتوحيد كما في البيضاوي اهـ.\rقوله: (إذ قالوا ما نعرفه) أي: الرحمن، وعبارة الخازن: وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب اهـ.\rقوله: مِنْ عَجَلٍ في المختار العجل والعجلة ضد البطء، وقد عجل من باب طرب اهـ.","part":5,"page":132},{"id":1617,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 133\rسَأُرِيكُمْ آياتِي مواعيدي بالعذاب فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) فيه فأراهم القتل ببدر\rوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالقيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) فيه، قال تعالى\rلَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا وقوله: (أي أنه لكثرة الخ) أشار به إلى أن فيه استعارة بالكناية، فشبه العجل الذي طبع الشخص عليه وصار له كالجبلة بالمادة وهي الطين تشبيها مضمرا في النفس، ورمز إليه بشيء من لوازم المشبه به، وهو قوله: خُلِقَ، وقول الشارح: أي لكثرة الخ أشار به إلى وجه الشبه اهـ شيخنا.\rوالمعنى: أن الإنسان من حيث هو مطبوع على العجلة فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت تضره. وفي السمين: قوله: مِنْ عَجَلٍ فيه قولان.\rأحدهما: أنه من باب القلب، والأصل خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره منه وملازمته له، وإلى هذا ذهب أبو عمرو، وقد يتأيد هذا بقراءة عبد اللّه خلق العجل من الإنسان والقلب موجود في كلامهم كثيرا.\rوالثاني: أنه لا قلب فيه وفيه تأويلات، أحسنها أن ذلك على المبالغة جعلت ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها اهـ.\rقوله: (مواعيدي بالعذاب) المواعيد: جمع وعيد، والمراد متعلقاتها وهي المتوعد به من أنواع العذاب، وعبارة البيضاوي: سأريكم آياتي نقماتي في الدنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار اهـ.\rقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ هذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء، فبيّن تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم، ثم بين ما يحصل لهؤلاء المستهزئين فقال: لو يعلم الخ اهـ أبو السعود.\rومتى: خبر مقدم فهي في محل رفع، وزعم بعض أهل الكوفة أنها في محل نصب على الظرف والعامل فيها مقدر رافع هذا، والتقدير: متى يجيء هذا الوعد أو متى يأتي ونحوه والأول هو المشهور اهـ سمين.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خطاب للنبي وأصحابه. قوله: (قال تعالى): أي: بيانا لسبب قولهم هذا، وعبارة أبي السعود: لو يعلم الذين كفروا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه لجهلهم بشأنه وإيثار صيغة المضارع والشرط، وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم العلم اهـ.\rقوله: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب لو محذوف لأنه أبلغ في الوعيد، فقدره الزمخشري لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه عندهم، وقدره ابن عطية لما استعجلوا، وقدره الحوفي لسارعوا، وقدره غيرهم لعلموا صحة البعث. وحين: مفعول به لعلموا وليس منصوبا على الظرف أي: لو يعلمون وقت عدم كف النار، وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفون عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وعلى هذا فحين منصوب على الظرف أنه جعل مفعول العلم أنهم كانوا، وقال الشيخ: والظاهر أن مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطؤوه، وحين منصوب","part":5,"page":133},{"id":1618,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 134\rيَكُفُّونَ يدفعون عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) يمنعون منها في القيامة وجواب لو ما قالوا ذلك\rبَلْ تَأْتِيهِمْ القيامة بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ تحيرهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) يمهلون لتوبة أو معذرة\rوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَحاقَ نزل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41) وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك\rقُلْ لهم مَنْ يَكْلَؤُكُمْ يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ من عذابه بالمفعول الذي هو مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف وأعمل الثاني، والمعنى: لو يعلمون مباشرة النار حين لا يكفونها عن وجوههم اهـ سمين.\rقوله: وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ هذا كناية عن إحاطة النار بهم من كل جانب اهـ أبو السعود.\rقوله: (ما قالوا ذلك) أي متى هذا الوعد.\rقوله: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً إضراب انتقالي حكى اللّه عنهم أنهم يستعجلون العذاب الموعود بقوله ويقولون: متى هذا الوعد. وبيّن أن سبب ذلك الاستعجال هو عدم علمهم بهول وقت وقوعه وما فيه من العذاب الشديد، ثم أضرب وانتقل من بيان السبب إلى بيان كيفية وقوع الموعود فقال: بل تأتيهم بغتة، ولما كان استعجالهم ذلك بطريق الاستهزاء وكان عليه الصلاة والسّلام يتأذى من ذلك نزل قوله:\rوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ اهـ زاده.\rقوله: فَتَبْهَتُهُمْ في المصباح: بهت وبهت من بابي قرب وتعب دهش وتحير ويعدى بالحركة فيقال: بهته يبهته بفتحتين اهـ.\rقوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها أي: دفعها. قوله: (و هو العذاب) الضمير راجع لها.\rقوله: قُلْ (لهم) أي: للمستهزئين من يكلؤكم الخ أي: لما بين أنهم سيصيبهم لا محالة مثل ما أصاب الأولين بين أن عدم إصابة ذلك لهم عاجلا إنما هو لحفظه حيث أمهلهم مدة بمقتضى رحمته العامة، فأمره عليه الصلاة والسّلام بأن يسألهم عن الكالىء ليقروا وينتبهوا لكونهم في قبضة قدرته ليكفوا عن الاستهزاء، ثم اضرب عن ذلك الأمر، بقوله: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أي: دعهم يا محمد عن هذا السؤال لأنهم لا يصلحون لإعراضهم عن ذكر اللّه، فلا يخطرونه ببالهم حتى يخوفوا باللّه، ثم إذا رزقوا الكلاءة من عذابه عرفوا أن الحافظ هو اللّه وصلحوا للسؤال عنه، ثم أضرب إلى ما هو أهم وهو الإنكار عليهم فيما زعموا أن لهم آلهة تنصرهم وتمنعهم من العذاب منعا يتجاوز منعنا وحفظنا على أن قوله من دوننا صفة مصدر محذوف، والذي أضيف إليه دون أيضا محذوف أي تمنعهم منعا كائنا من دون منعنا أي من غير منعنا اهـ زاده على البيضاوي.\rوفي المصباح: كلأه اللّه يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه، ويجوز التخفيف فيقال: كليته أكلاه وكلأته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش، لكنهم قالوا: مكلوا بالواو أكثر من مكلي بالياء اهـ.\rقوله: بِاللَّيْلِ أي: في الليل إذ نمتم وفي النهار إذا انصرفتم إلى معايشكم، وتقديم الليل لما","part":5,"page":134},{"id":1619,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 135\rإن نزل بكم، أي لا أحد يفعل ذلك، والمخاطبون لا يخافون عذاب اللّه لإنكارهم له بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ أي القرآن مُعْرِضُونَ (42) لا يتفكرون فيه\rأَمْ فيها معنى الهمزة للإنكار أي ألَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مما يسوؤهم مِنْ دُونِنا أي ألهم من يمنعهم منه غيرنا لا يَسْتَطِيعُونَ أي الآلهة نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ فلا ينصرونهم وَلا هُمْ أي الكفار مِنَّا من عذابنا يُصْحَبُونَ (43) يجارون يقال صحبك اللّه أي حفظك وأجارك\rبَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ بما أنعمنا عليهم حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فاغتروا بذلك أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نقصد أرضهم نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بالفتح على النبي أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (44) لا، بل النبي وأصحابه\rقُلْ لهم أن الدواهي أكثر فيه وقوعا وأشد وقعا وفي التعرض لعنوان الرحمة إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته العامة اهـ من الخازن وأبي السعود.\rقوله: (و المخاطبون لا يخافون الخ) ذكر هذا توطئة لقوله: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ، لأن فيما أضرب إليه بيانا لعلة عدم الخوف وهو إعراضهم عن التفكر فيه فسبب إنكارهم له إعراضهم اهـ زاده.\rوعبارة الكرخي: قوله: والمخاطبون لا يخافون الخ أشار به إلى أن الاستدراك ببل إضراب عما تضمنه الكلام من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن كما هو ظاهر كلام الزمخشري. أي: فكيف يخافونه حتى يسألوا عن كالئهم اهـ.\rقوله: (فيها) أي: في أم معنى الهمزة أي زيادة على بل لأنها منقطعة تقدر ببل والهمزة أي: بل ألهم آلهة، وقوله: الإنكاري بالرفع صفة لمعنى اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ دُونِنا صفة لآلهة أي: آلهة من دوننا تمنعهم، ولذا قال ابن عباس: إن في الكلام تقديما وتأخيرا اهـ سمين.\rوهذا الإعراب هو الموافق لحل الجلال. قوله: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ استئناف مقرر لما قبله من الإنكار وموضح لبطلان اعتقادهم أي: هم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا يصبحون بالنصر من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ قال ابن عباس: يمنعون وعنه يجارون وهو اختيار الطبري. تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان أي: مجير منه. وروى معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ينصرون أي: يحفظون، وقال قتادة: أي: لا يصحبهم اللّه بخير ولا يجعل رحمته صاحبا لهم اهـ قرطبي.\rقوله: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ إضراب عما توهموا من أن ما هم فيه من الحفظ من جهة لهم آلهة تمنعهم من تطرق البأساء إليهم، كأنه قيل: دع ما زعموا من كونهم محفوظين بكلاءة آلهتهم، بل ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا حفظناهم من البأساء، ومنعناهم بأنواع السراء لكونهم من أهل الاستدراج والانهماك فيما يؤديهم إلى العذاب اهـ زاده.\rقوله: (بالفتح على النبي) عبارة البيضاوي: بتسليط عليها وهو تصوير لما يجريه اللّه تعالى على أيدي المسلمين انتهت.","part":5,"page":135},{"id":1620,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 136\rإِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ من اللّه لا من قبل نفسي وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء ما يُنْذَرُونَ (45) أي هم لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار كالصم\rوَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ وقعة خفيفة مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ للتنبيه يا وَيْلَنا هلاكنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46) بالإشراك وتكذيب محمد\rوَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ ذات العدل لِيَوْمِ الْقِيامَةِ أي: حيث لم يقل إنا ننقض الأرض من أطرافها، وزاد قوله: أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ لتصوير كيفية نقضها وتخريبها، فإنه يكون بإتيان الجيوش ودخولها فاصلة تأتي جيوش المرسلين، لكنه أسنده إلى نفسه تعظيما وإشارة إلى أنه بقدرته وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين اهـ شهاب.\rقوله: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ استفهام بمعنى التقريع والإنكار كما أشار له الشارح، وقوله: (بل النبي وأصحابه) أي: بل النبي وأصحابه هم الغالبون وأولئك المغلوبون اهـ من الخازن.\rقوله: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ لما بين تعالى غاية هو ما يستعجله المستعجلون ونهاية سوء حالهم عند إتيانه، ونعى عليهم جهلهم بذلك وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وغير ذلك من مساوىء أحوالهم، أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول: إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة بالوحي الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُ أل في الصم للجنس فيدخل المخاطبون دخولا أوليا، أو للعهد ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم، وقرأ ابن عامر هنا ولا تسمع بضم التاء للخطاب وكسر الميم الصم الدعاء منصوبين، وقرأ ابن كثير كذلك في النمل والروم وقرأ السبعة بفتح ياء الغيبة والميم الصم بالرفع الدعاء بالنصب في جميع القرآن اهـ سمين.\rقوله: (أي هم) مبتدأ، وقوله: (كالصم) خبره.\rقوله: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ الخ وجه المناسبة أنه ذكر اخبارهم بمجيء العذاب ذكر مسه لهم، وفي هذا الكلام مبالغات ثلاث ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة اهـ بيضاوي.\rقوله: لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ دعوا على أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالظلم والشرك اهـ خازن.\rقوله: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ أي: نحضرها. وهذا بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه أي: نقيم الموازين العادلة، وأفرد القسط لأنه مصدر وصف به مبالغة اهـ أبو السعود.\rوجعله الشارح على حذف مضاف والجمع في الموازين للتعظيم أو باعتبار أجزائه فإن الصحيح أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، وهو جسم مخصوص له لسان وكفتان وعمود كل كفة قدر ما بين المشرق والمغرب، ومكانه بين الجنة والنار. كفته اليمنى للحسنات عن يمين العرش وكفته اليسرى للسيئات عن يساره. يأخذ جبريل بعموده ناظرا إلى لسانه، وميكائيل أمين عليه يحضره الجن والناس ووقته بعد الحساب. وأما ماهية جرمه من أي الجواهر وأنه موجود الآن أو سيوجد فنمسك عن","part":5,"page":136},{"id":1621,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 137\rأي فيه فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً من نقص حسنة أو زيادة سيئة وَإِنْ كانَ العمل مِثْقالَ زنة حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها أي بموزونها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (47) محصين في كل شيء\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ أي التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام وَضِياءً بها تعيينه، ولا يكون الوزن في حق كل أحد لأن من لا حساب عليه لا يوزن له كالأنبياء والملائكة، والوزن يكون للمكلفين من الجن والإنس، وقد يوزن العبد نفسه كما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لرجل عبد اللّه بن مسعود في الميزان أثقل من جبل أحد، ومن مات له ولد يجعل ذلك الولد في الميزان وكيفيته ثقلا وخفة مثلها في الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: الْقِسْطَ وصف الموازين بذلك، لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون غير مستقيم، فبين اللّه تعالى أن تلك الموازين تجري على حد العدل ومعنى وضعها احضارها اهـ خازن.\rشَيْئاً مفعول ثان أو مفعول مطلق اهـ سمين.\rقوله: وَإِنْ كانَ (العمل) مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي: مقدار حبة كائنة من خردل أي: وإن كان في غاية القلة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر اهـ أبو السعود.\rوأشار الشارح إلى قراءة الجمهور بنصب مثقال على أن كان ناقصة واسمها مستتر فيها ومثقال خبرها ورفعه نافع أي: وإن وجد مثقال فكان تامة اهـ كرخي.\rقوله: وَكَفى بِنا حاسِبِينَ قال ابن عباس: معناه كفى بنا عالمين، والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، فحقيق بالعاقل أن يكون على أشد الخوف منه اهـ خازن.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الخ لما تكلم سبحانه وتعالى في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء عليهم السّلام تسلية لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض. وذكر منها عشرا:\rالقصة الأولى: قصة موسى عليه السّلام المذكورة في قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ.\rالقصة الثانية: قصة إبراهيم عليه السّلام المذكورة في قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [الأنبياء: 51].\rالقصة الثالثة: قصة لوط عليه السّلام المذكورة في قوله: وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء:\r74].\rالقصة الرابعة: قصة نوح عليه السّلام المذكورة في قوله: وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ [الأنبياء:\r76].\rالقصة الخامسة: قصة داود وسليمان عليهما السّلام المذكورة في قوله: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: 78].","part":5,"page":137},{"id":1622,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 138\rوَذِكْراً أي عظة بها لِلْمُتَّقِينَ (48)\rالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ عن الناس أي في الخلاء عنهم وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي أهوالها مُشْفِقُونَ (49) أي خائفون\rوَهذا أي القرآن ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) الاستفهام فيه للتوبيخ\r* وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ أي هداه قبل القصة السادسة: قصة أيوب عليه السّلام المذكورة في قوله: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ [الأنبياء:\r83].\rالقصة السابعة: قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل المذكورة في قوله: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ [الأنبياء: 85].\rالقصة الثامنة: قصة يونس عليه السّلام المذكورة في قوله: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [الأنبياء: 87].\rالقصة التاسعة: قصة زكريا عليه السّلام المذكورة في قوله: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ [الأنبياء:\r89].\rالقصة العاشرة: قصة مريم وابنها عيسى عليه السّلام المذكورة في قوله: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الأنبياء: 91]. الخ اهـ من الخطيب.\rقوله: وَضِياءً (بها) أي: التوراة والجار والمجرور متعلق بضياء أي: يستضاء بها من ظلمات الجهل والغواية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَضِياءً وَذِكْراً يجوز أن يكون من باب عطف الصفات، فالمراد به شيء واحد أي: آتيناهما الكتاب الجامع بين هذه الأشياء، وقيل: الواو زائدة. قال أبو البقاء: فضياء حال من هذا اهـ.\rقوله: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي: عذابه، وقوله: بِالْغَيْبِ حال من الفاعل في يخشون أي:\rحال كونهم غائبين ومنفردين عن الناس، وقوله: وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ من ذكر الخاص بعد العام لكونها أعظم المخلوقات وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه اهـ من أبي السعود.\rقوله: مُبارَكٌ أي كثير الخير، والإشارة إلى القرآن بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم اهـ كرخي.\rقوله: أَفَأَنْتُمْ الخطاب لأهل مكة اهـ كرخي.\rقوله: (الاستفهام فيه للتوبيخ) أي: فإنهم من أهل اللسان يدركون مزايا الكلام ولطائفه، ويفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيرهم مع أن فيه شرفهم وصيتهم كما يشير إليه لفظ الذكر على ما سبق، فلو أنكره غيرهم لكان ينبغي لهم مناصبته، ثم تقديم الجار والمجرور على المعلق دال على التخصيص. أي: أفأنتم للقرآن خاصة دون كتاب اليهود فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عنّ لهم من المشكلات اهـ كرخي.","part":5,"page":138},{"id":1623,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 139\rبلوغه وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (51) أي بأنه أهل لذلك\rإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الأصنام الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) أي على عبادتها مقيمون\rقالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) فاقتدينا بهم\rقالَ لهم لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بعبادتها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) بين\rقالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِ في قولك قوله: رُشْدَهُ أي: الرشد اللائق به وبمثله من الرسل والكبار، وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الخالصة بالوحي والإقدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي هداه قبل بلوغه) المراد بالهدى الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا إذ لا يجوز أن يبعث نبي إلا وقد دله اللّه على ذاته وصفاته ودلّه أيضا على مصالح نفسه ومصالح قومه، وكان ذلك في صغره قبل بلوغه حين تفكر في الرب وظهرت له الكواكب واستدل بها، وهذا ظاهر على حمل الرشد على الاهتداء وإلّا لزم أن يحكم بنبوته عليه السّلام قبل بلوغه، وقوله: (أهل لذلك) أي: للرشد المفسر بالاهتداء لوجوه الصلاح، فعلى هذا يكون قوله: وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ تعليلا لما قبله، فالضمير في قوله: به يرجع إلى إبراهيم وهو متعلق بعالمين على حذف مضاف، وقيل: من قبل موسى وهارون أو محمد عليهم السّلام أو من قبل استنبائه اهـ من الرازي بالمعنى.\rوقوله: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ الخ يجوز أن يكون منصوبا بآتينا أو برشده أو بعالمين أو بمضمر، أي:\rاذكر من أوقات رشده هذه الوقت أي: وقت قوله لهم ما هذه التماثيل الخ اهـ سمين.\rوالتماثيل: جمع تمثال وهو الشيء المصنوع شبها بخلق من خلق اللّه، وأصلها من مثلت الشيء بالشيء شبهته به. وعبارة السمين: التماثيل جمع تمثال وهو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي أو غيره من الحيوانات اهـ.\rوهذا تجاهل منه حيث سألهم عن أصنامهم بما التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم كأنه لا يعرف أنها ماذا مع علمه بأنها حجر أو شجر أو ذهب، وعبّر عن عبادتهم لها بمطلق العكوف الذي هو عبارة عن الاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض قصدا إلى تحقيرهم اهـ أبو السعود.\rوكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس، وبعضها من حجر، وبعضها من خشب. وكان كبيرهم من ذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان متقدتان تضيئان في الليل اهـ خازن.\rقوله: قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ أجابوا بذلك لأن مآل سؤاله عليه السّلام الاستفسار عن سبب عبادتهم لها كما ينبىء عنه وصفه عليه السّلام بالعكوف على عبادتهم كأنه عليه السّلام قال: ما هي هل تستحق أن تعبد اهـ أبو السعود.\rفلم يكن لهم جواب إلا التقليد اهـ شيخنا.\rقوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: لعدم استناد الفريقين إلى دليل، والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على الحق اهـ بيضاوي.\rقوله: قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِ أي: بالصدق في قولك هذا الذي هو لقد كنتم أنتم الخ، وليس","part":5,"page":139},{"id":1624,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 140\rهذا أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) فيه\rقالَ بَلْ رَبُّكُمْ المستحق للعبادة رَبُ مالك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ خلقهن على غير مثال سبق وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ الذي قلته مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) به\rوَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)\rفَجَعَلَهُمْ بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائبا عنهم، وأم متصلة وإن كان بعدها جملة لأنها في حكم المفرد، إذ التقدير أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعبك اهـ سمين.\rقال أبو السعود: وفي إيراد الشق الثاني بالجملة الاسمية الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: قالوا أجئتنا بالحق كأنهم لاستبعادهم تضليل آبائهم ظنوا أن ما قاله إنما قاله على وجه الملاعبة، فقالوا: أبجد تقوله أم تلعب به اهـ.\rقوله: قالَ بَلْ رَبُّكُمْ الخ إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم كأنه قيل:\rليس الأمر كذلك بل ربكم الخ، وقيل: هو إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه، والضمير المنصوب في فطرهن يرجع للسموات والأرض أو هو للتماثيل وهو أدخل في تضليلهم وإقامة الحجة عليهم، لأن فيه تصريحا بأن معبوداتهم من جملة مخلوقاته اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ أي: الذي ذكرته من كون ربكم رب السموات والأرض فقط دون ما عداه كائنا ما كان من الشاهدين أي: العالمين على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء من تحققه وحققه وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليه وإثباته بها كأنه قال: وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ هذه طريقة فعلية دالة على أنه على الحق بعد أن أتى بطريقة قولية بقوله: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ الخ: فجمع بين القول والفعل، فلما لم يكتفوا بالطريقة القولية عدل إلى الطريقة الفعلية وهي الكسر فكسرها اهـ زاده.\rقوله: لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ أي: لأجتهدون في كسرها، فإن قيل: الكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به والأصنام جمادات لا تتضرر بالكسر نحوه، وأيضا ليست هي مما يحتال في إيقاع الكسر عليها لأن الاحتيال إنما يكون في حق من له شعور وإدراك. أجيب: بأن ذلك بناء على زعمهم لأنهم كانوا يزعمون أن الأصنام لهن شعور، ويجوز عليهنّ التضرر، وقيل: المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل قد أنزل الغم بهم اهـ زاده.\rوعبارة الشهاب: يعني: أن الكيد في الأصل الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه وهو يستلزم الاجتهاد فيه فتجوز به عنه هنا إما استعارة أو استعمالا له في لازمه اهـ.\rقوله: (بعد ذهابهم إلى مجتمعهم الخ) أي: وقد ذهب معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، ثم نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس حيث قال بصيغة الحلف: وتاللّه لأكيدن أصنامكم فسمعها الضعفاء، فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم وإلى جنبه أصغر منه، وهكذا كل صنم أصغر من الذي يليه، وكانوا وضعوا عند","part":5,"page":140},{"id":1625,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 141\rجُذاذاً بضم الجيم وكسرها فتاتا بفأس إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ علق الفأس في عنقه لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ أي إلى الكبير يَرْجِعُونَ (58) فيرون ما فعل بغيره\rقالُوا بعد رجوعهم ورؤيتهم ما فعل مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) فيه\rقالُوا أي بعضهم لبعض سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ أي الأصنام طعاما يأكلون منه إذ رجعوا من عيدهم إليهم فقال لهم إبراهيم: ألا تأكلون فلم يجيبوه فكسرها اهـ خازن.\rقوله: جُذاذاً قرأ العامة بضم الجيم، والكسائي بكسرها، وابن عباس، وأبو نهيك، وأبو السماك بفتحها. قال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، والظاهر أن المضموم اسم للشيء المكسور كالحطام والرفات والفتات بمعنى الشيء المحطم والمفتت، وقال اليزيدي: المضموم جمع جذاذة بالضم نحو زجاج في زجاجة، والمكسور جمع جذيذ نحو كرام في كريم، وقال بعضهم: المفتوح مصدر بمعنى المفعول أي: مجذوذين، ويجوز على هذا أن يكون على حذف مضاف أي: ذوات جذاذ، وقيل: المضموم جمع جذاذة بالضم، والمكسور جمع جذاذة بالكسر، والمفتوح مصدر اهـ سمين.\rقوله: (بضم الجيم وكسرها) قراءتان سبعيتان، وقوله: (بفأس) بالهمزة اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ استثناء من المنصوب في فجعلهم أي: لم يكسره بل تركه ولهم صفة لكبيرا، والضمير يجوز أن يعود على الأصنام، ويجوز أن يكون عائدا على عابديهم اهـ سمين.\rقوله: لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ (أي إلى الكبير الخ) أي: كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له: ما لهؤلاء مكسرة ومالك صحيح وما لهذه الفأس في عنقك، وقال إبراهيم ذلك بناء على كثرة جهالاتهم، أو قال ذلك استهزاء بهم، وكان من عادتهم أنهم إذ رجعوا إليها سجدوا إليها ثم ذهبوا إلى منازلهم اهـ من الرازي.\rقوله: مَنْ فَعَلَ هذا أي: التكسير وهذا استفهام إنكار وتوبيخ وتشنيع، وإنما عبروا عنها بما ذكر ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي بين أيديهم مبالغة في التشنيع. ومن: مبتدأ وجملة فعل هذه خبره، وقوله: إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ استئناف مقرر لما قبله لا محل له من الإعراب، ويجوز أن تكون من في قوله من فعل هذا موصولة مبتدأ، وقوله: إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ في موضع رفع خبر لها اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّهُ أي: من فعل لمن الظالمين فيه أي: في الفعل.\rقوله: قالُوا أي: بعضهم وذلك البعض هم الضعفاء من قوم إبراهيم الذين سمعوا حلفه بقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وأخبروا أكابركم اهـ شيخنا.\rقوله: سَمِعْنا فَتًى سمع هنا متعدية لاثنين لدخولها على ما لا يسمع، فالأول فتى، والثاني جملة تذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع، كأن قلت: سمعت كلام زيد فإنها تتعدى لواحد اهـ سمين.\rقوله: يَذْكُرُهُمْ أي: ولعله هو الذي فعل بهم هذا الفعل اهـ.","part":5,"page":141},{"id":1626,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 142\rيعيبهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60)\rقالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أي ظاهرا لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) عليه أنه الفاعل\rقالُوا له بعد إتيانه أَأَنْتَ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62)\rقالَ ساكتا عن فعله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ عن فاعله إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63) فيه تقديم جواب الشرط قوله: يُقالُ لَهُ أي: يسمى إبراهيم. وفي رفع إبراهيم أوجه، أحدها: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله أي: يقال له هذا اللفظ، ولذلك قال أبو البقاء: المراد الاسم لا المسمى. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: يقال له هذا إبراهيم أو هو إبراهيم. الثالث: أنه مبتدأ محذوف الخبر أي: يقال له إبراهيم فاعل ذلك. الرابع: أنه منادى، وحرف النداء محذوف أي: يا إبراهيم، وعلى الأوجه الثلاثة فهو مقتطع من جملة وتلك الجملة محكية بيقال اهـ سمين.\rقوله: قالُوا فَأْتُوا بِهِ أي: قالوا ذلك فيما بينهم، والقائل لذلك القول هو النمروذ. قال السمين: وقوله: عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه ظاهرا ومكشوفا للناس اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّهُمْ أي: الناس يشهدون عليه أي: بفعله فهو من الشهادة المعروفة، وذلك بأن يكون أحد من الناس رآه يكسرها، فالضمير في قوله لعلهم ليس لكل الناس بل لبعض منهم مبهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين) أي: مع إدخال ألف بينهما وتركه، لأن القراءات خمسة، ولو حذف قوله بين المسهلة والأخرى لشمل إدخال الألف بين المحققتين وقوله: (و الأخرى) أي: التي هي الأولى اهـ شيخنا.\rوفي أأنت وجهان، أحدهما: أنه فاعل بفعل مقدر يفسر الظاهر بعده، والتقدير: أفعلت هذا بآلهتنا فلما حذف الفعل انفصل الضمير. والثاني: أنه مبتدأ والخبر بعده الجملة.\rقوله: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا هذا على طريقة الكناية العرضية، فلهذا يستلزم نفي فعل الصنم الكبير للكسر وإثباته لنفسه، وهذا بناء على أن الفعل وهو الكسر دائر بين عاجز وهو ذلك الصنم وقادر وهو إبراهيم: إذ القاعدة إنه إذ دار فعل بين قادر عليه وعاجز عنه وأثبت للعاجز بطريق التهكم به لزم منه انحصاره في الآخر، وحاصله: إنه إشارة لنفسه على الوجه الأبلغ مضمنا فيه الاستهزاء والتضليل اهـ من الشهاب.\rقوله: هذا فيه وجوه، أحدها: أن يكون نعتا لكبيرهم. والثاني: أن يكون بدلا من كبيرهم.\rوالثالث: أن يكون خبرا لكبيرهم على أن الكلام تم عند قوله: بَلْ فَعَلَهُ وفاعل الفعل محذوف كذا نقله أبو البقاء اهـ سمين.\rقوله: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أي: إن كانوا ممن يمكن أن ينطق، وإنما قال إن كانوا ينطقون ولم يقل يسمعون أو يعقلون، مع أن السؤال موقف على السمع والعقل أيضا لما أن نتيجة السؤال الجواب وأن عدم نطقهم أظهر في تبكيتهم اهـ أبو السعود.","part":5,"page":142},{"id":1627,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 143\rوفيما قبله تعريض لهم بأن الصنم المعلوم عجزه عن الفعل لا يكون إلها\rفَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ بالتفكر فَقالُوا لأنفسهم إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) أي بعبادتكم من لا ينطق\rثُمَّ نُكِسُوا من اللّه عَلى رُؤُسِهِمْ أي ردوا إلى كفرهم وقالوا واللّه لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) أي فكيف تأمرنا بسؤالهم\rقالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي بدله ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً من رزق وغيره وَلا يَضُرُّكُمْ (66) شيئا إذا لم تعبدوه\rأُفٍ بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتنا وقبحا لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة قوله: (فيه تقديم جواب الشرط) أي: وهو قوله: فَسْئَلُوهُمْ، وفيه إشارة إلى أن قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا مرتبط بقوله: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. وقد صرح بذلك الطيبي قال: والمعنى بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم إن أمكن هذا الفعل، وهذا أظهر من جعل جواب الشرط محذوفا فالدلالة ما قبله عليه اهـ كرخي.\rقوله: (بالتفكر) أي: راجعوا عقولهم وتذكروا أن من لا يقدر على من دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له، فكيف يستحق أن يكون معبودا اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ نُكِسُوا أي: انقلبوا على رؤوسهم. أي: انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة فشبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه اهـ بيضاوي.\rوقرأ العامة نكسوا مبنيا للمفعول مخففا أي: نكسهم اللّه أو خجلهم، وعلى رؤوسهم حال أي:\rكائنين على رؤوسهم، ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل والنكس والتنكيس القلب يقال: نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي: طأطأه حتى صار أعلاه أسفله، وقرأ بعضهم نكسوا بالتشديد، وقد تقدم أنه لغة في المخفف فليس التشديد لتعدية ولا تكسير، وقرأ بعضهم نكسوا مخففا مبنيا للفاعل، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره نكسوا أنفسهم على رؤوسهم اهـ سمين.\rقوله: (أي ردوا إلى كفرهم) أي: إلى الاستمرار عليه اهـ.\rقوله: (و قالوا واللّه) لَقَدْ عَلِمْتَ الخ أشار به إلى أنه جواب قسم محذوف معمول لقول محذوف في موضع الحال أي: قائلين لقد علمت، وعلمت هنا معلقة والجملة المغنية في موضع مفعولي علمت إن تعدت لاثنين أو في موضع مفعول واحد إن تعدت لواحد اهـ كرخي.\rقوله: ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ يجوز أن تكون ما هذه حجازية فيكون هؤلاء اسمها، وينطقون في محل نصب خبرها أو تميمية فلا عمل لها اهـ سمين.\rقوله: (بكسر الفاء) أي: مع التنوين وتركه، وقوله: (و فتحها) أي: بلا تنوين، فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية اهـ أبو السعود.\rواللام لبيان المتأفف له اهـ بيضاوي. وهو المتضجر له أي: لأجله اهـ.","part":5,"page":143},{"id":1628,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 144\rولا تصلح لها وإنما يستحقها اللّه تعالى\rقالُوا حَرِّقُوهُ أي إبراهيم وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ أي بتحريقه إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (68) نصرتها، فجمعوا له الحطب الكثير، وأضرموا النار في جميعه، وأوثقوا إبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، قال تعالى\rقُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (69) قوله: قالُوا حَرِّقُوهُ أي: قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المجادلة، وضاقت عليهم الحيل، وعيت بهم العلل، وهكذا ديدن المبطل المحجوج إذا قرعت شبهته بالحجة القاطعة وافتضح لا يبقى له مفزع إلا المناصبة. والقائل هو النمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السّلام، وقيل: القائل رجل من أكراد فارس اسمه هينون خسف اللّه به الأرض اهـ خازن.\rقوله: (فجمعوا له الحطب الخ) وكانت مدة الجمع شهرا ومدة الإيقاد سبعة أيام، مدة مكث إبراهيم في النار سبعة أيام، وكان عنده عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، فصارت تلك النار في حقه روضة، وبعث اللّه له جبريل بقميص من حرير وطنفسة فألبسه القميص أولا. وفي الرازي: أن مدة مكثه فيها كانت أربعين يوما أو خمسين، ومثله في أبي السعود اهـ شيخنا.\rوقال المنهال بن عمرو: قال إبراهيم: ما كنت قط أياما أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار، وكان في تلك الأيام مشغولا بالصلاة فأشرف عليه النمروذ من الصرح فرآه جالسا على سرير يؤنسه ملك الظل، فقال: نعم الرب ربك لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه اهـ قرطبي.\rقوله: (و أضرموا النار) أي: أوقدوها في جميعه. قوله: (و جعلوه في منجنيق) قال في شرح المنهج: بفتح الميم والجيم في الأشهر اهـ.\rوقال الشبراملسي نقلا عن الخطيب: ومقابل الأشهر كسر الميم اهـ.\rوفي المختار: المنجنيق آلة ترمى بها الحجارة فارسي معرب، لأن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب وهي مؤنثة وجمعها منجنيقات ومجانيق وتصغيرها منيجنيق اهـ.\rقوله: (رموه في النار) وكان وقت إلقائه فيها ابن ست عشرة سنة اهـ أبو السعود.\rوقيل: كان ابن ست وعشرين سنة كما قاله الماوردي: ولما ألقي فيها جاء الوزغ وهو سام أبرص وجعل ينفخ على النار فصم بسبب ذلك، وأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل الوزغ وقال: لأنه كان ينفخ النار على إبراهيم، ومن قتل وزغة في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثاني دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك، وذكر بعض الحكماء أن الوزغ لا يدخل بيتا فيه زعفران وأنه يبيض اهـ ابن لقيمة.\rقوله: كُونِي بَرْداً أي: ذات برد، وسلاما معطوف على برد فيكونان خبرين عن كوني، وعلى إبراهيم صفة لسلاما، وحذفت صلة الأول لدلالة صلة الثاني عليه أي كوني بردا عليه وسلاما اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: كوني ذات برد وسلام أي: أبردي بردا غير ضار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للمبالغة اهـ.","part":5,"page":144},{"id":1629,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 145\rفلم تحرق منه غير وثاقه وذهبت حرارتها وبقيت إضاءتها، وبقوله وَسَلاماً سلم من الموت ببردها\rوَأَرادُوا بِهِ كَيْداً وهو التحريق فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) في مردهم\rوَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً ابن أخيه من العراق إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (71) بكثرة الأنهار والأشجار وهي الشام نزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما يوم\rوَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم وكان سأل ولدا كما ذكر في الصافّات إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي زيادة على المسؤول أو هو ولد الولد وَكُلًّا قوله: (غير وثاقه) بفتح الواو وكسرها كما في المختار.\rقوله: (و بقيت إضاءتها) أي: إشراقها. قوله: (و بقوله وسلاما سلم الخ) ولو لم يقل على إبراهيم لما أحرقت نار ولا اتقدت اهـ من البحر لأبي حيان.\rوذلك لأنه طفئت جميع النيران في ذلك اليوم اهـ شيخنا.\rقوله: فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (في مرادهم) لأنهم خسروا السعي والنفقة فلم يحصل لهم مرادهم، أو الأخسرين بمعنى الهالكين بإرسال البعوض على نمروذ وقومه فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة فأهلكته اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: قوله: الْأَخْسَرِينَ في مرادهم أي لأنه صار سعيهم برهانا على بطلانهم، وقاله في الصافات بلفظ الأسفلين لما تقدم على كل منهما فتمت المناسبة في الموضعين اهـ.\rقوله: (ابن أخيه هاران) أي: الأصغر، وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور والثلاثة أولاد آزر، وأما هاران الأكبر فكان عما لإبراهيم، وكانت سارة بنت عم إبراهيم الذي هو هاران الأكبر، وكانت آمنت بإبراهيم، ذكره الخازن اهـ.\rقوله: (من العراق) متعلق بمحذوف. أي: خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء اللّه، ثم خرج من حران حتى قدم مصر، ثم خرج ورجع إلى الشأم فنزل اليسع من أرض فلسطين وترك لوطا بالمؤتفكة وهي على مسيرة يوم وليلة من اليسع، فبعثه اللّه نبيا إلى أهلها وما قرب منها اهـ خازن.\rقوله: (فلسطين) بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي النصب والجر بالياء، أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي اهـ.\rوفيه أيضا: والكورة بضم الكاف الناحية من الأرض اهـ.\rقوله: (و لوط بالمؤتفكة) وهي قرى لوط أسقطها اللّه تعالى بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض بأمره لجبريل بذلك اهـ جلال من سورة النجم.\rقوله: نافِلَةً حال من يعقوب أي: أعطى يعقوب زيادة من غير سؤال اهـ عمادي.\rفقوله: وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ أي: إجابة لسؤاله، وقوله: وَيَعْقُوبَ أي زيادة على مسؤوله","part":5,"page":145},{"id":1630,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 146\rأي هو وولداه جَعَلْنا صالِحِينَ (72) أنبياء\rوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء بقتدى بهم في الخير يَهْدُونَ الناس بِأَمْرِنا إلى ديننا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ أي أن تفعل وتقام وتؤتى منهم ومن أتباعهم وحذف هاء إقامة تخفيف وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (73)\rوَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً فصلا بين الخصوم وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي وجملة ما عاشه إسحاق من السنين مائة وسبعة وأربعون اهـ من التحبير.\rقوله: (أو هو) أي: ما ذكر من لفظ النافلة ولد الولد ولو قال أو هي لكان أولى فهما قولان في تفسير النافلة، وعليهما فالمراد به يعقوب اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: نافِلَةً قيل في تفسير إنها العطية، وقيل: الزيادة، وقيل: ولد الولد، فعلى الأولى ينتصب انتصاب المصدر من معنى العامل، وهو وهبنا لا من لفظه، لأن الهبة والإعطاء متقاربان فهي كالعاقبة والعافية، وفي الأخيرين ينتصب على الحال، والمراد بها يعقوب فالنافلة مختصة بيعقوب على كل تقدير لأن إسحاق ولده لصلبه اهـ.\rقوله: (و ولداه) وهما إسحاق ويعقوب. قوله: (و إبدال الثانية ياء) هذه ليس بصحيح في القراءة وإن كان جائزا في العربية، ولو قال: أو تسهيل الثانية لكان قراءة متواترة من القراءات السبع اهـ شيخنا.\rقوله: يَهْدُونَ أي: يدعون الناس بأمرنا أي: بوحينا اهـ عمادي.\rوقوله: (إلى ديننا) متعلق يهدون الذي هو بمعنى يدعون وليس تفسيرا لقوله: بِأَمْرِنا ولو قدمه عليه لكان أظهر كما يؤخذ ذلك من الخازن، وعبارته: يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أن تفعل) أي: أن تعمل الخيرات التي هي الشرائع، فقوله: فِعْلَ الْخَيْراتِ مصدر مأخوذ من الفعل المبني للمجهول، فهذه الثلاثة ليست مختصة بهم بل عامة لهم ولغيرهم، والأصل أن يفعل المكلفون الشامل لهم ولأتباعهم وعطف الصلاة الزكاة من عطف الخاص على العام، لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات المالية، وقوله: وَكانُوا لَنا عابِدِينَ أي موحدين مخلصين في العبادة اهـ كرخي مع زيادة.\rقوله: (منهم ومن أتباعهم) راجع للأفعال الثلاثة. قوله: وَكانُوا لَنا عابِدِينَ تقديم الجار والمجرور للحصر أي: لنا لا لغيرنا من الأصنام اهـ عمادي.\rقوله: وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً لوطا منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده. تقديره: وآتينا لوطا آتيناه فهو من باب الاشتغال اهـ شيخنا.\rقوله: (فصلا بين الخصوم) أي فصلا حقا بين الخصوم بأن كان على وجه الحق، وقوله:\rوَعِلْماً أي: فقها لائقا به فيكون من عطف السبب على المسبب اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ أي: أهلها يدل على ذلك قوله: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ","part":5,"page":146},{"id":1631,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 147\rكانَتْ تَعْمَلُ أي أهلها الأعمال الْخَبائِثَ من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغير ذلك إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ مصدر ساءه نقيض سره فاسِقِينَ (74)\rوَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا بأن أنجيناه من قومه إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)\rوَاذكر نُوحاً وما بعده بدل منه إِذْ نادى دعا على قومه بقوله رب لا تذر الخ مِنْ قَبْلُ أي قبل إبراهيم ولوط فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ الذين في سفينته مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) أي الغرق وتكذيب قومه له\rوَنَصَرْناهُ منعناه وقوله: (الأعمال الخبائث) يشير به إلى أن الخبائث صفة لموصوف محذوف، وقوله: (من اللواط الخ) قدمه لأنه أقبح أفعالهم الخبيثة وكان سبب هلاكهم، وجمع الخبائث باعتبار المراد كما أشار إليه اهـ كرخي.\rقوله: (أي أهلها) أي ففيه مجاز عقلي، ويصح أن تكون الآية على حذف مضاف أي: من أهل القرية لكنه غير ما سلكه الجلال اهـ شيخنا.\rقوله: (و الرمي بالبندق) أي: رمي المارة كما ذكره العمادي، وقوله: (و غير ذلك) كالضراط في المجالس. قوله: (مصدر ساءه) أي: من باب قال. قوله: (بأن أنجيناه من قومه) هذه التفسير يوقع في التكرار، ولذا قال غيره كالبيضاوي أي: في أهل رحمتنا أو في جنتنا اهـ.\rوفي الخازن: قيل: أراد بالرحمة النبوة، وقيل: الثواب اهـ.\rقوله: وَنُوحاً فيه وجهان.\rأحدهما: أنه منصوب عطفا على لوط، فيكون التقدير مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتيناه الظاهر، وكذلك داود وسليمان. والتقدير: ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما، وعلى هذا فإذ بدل من نوحا ومن داود وسليمان بدل اشتمال، وقد تقدم تحقيق مثل هذا في طه.\rوالثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر أي اذكر نوحا وداود وسليمان، أي: اذكر خبرهم وقصتهم، وعلى هذا فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي: خبرهم الواقع في وقت كان كيت وكيت، وقوله: من قبل أي من قبل هؤلاء المذكورين اهـ سمين.\rفائدة:\rبعث نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فتكون مدة عمره ألفا وخمسين سنة اهـ من التحبير.\rقوله: (و ما بعده بدل منه) أي: بدل اشتمال. قوله: (دعا على قومه) أي: دعاء تفصيليا ودعا دعاء آخر إجماليا بقوله: إني مغلوب فانتصر ومعنى ديارا نازل دار، والمعنى أحدا. وقال ذلك لما تقدم من الإيحاء إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن اهـ جلال في سورة نوح.\rوأما نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فدعا لقومه بالهداية بقوله: «رب اهد قومي فإنهم لا يفهمون» كما فهمنا، ولذلك ورد أن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثلثا أهل المحشر ولهم ثلاثة أرباع الجنة بل تسعة أعشارها، وبقية الأمم لهم العشر، ذكره الشيخ السوسي في شرح الصغرى. قوله: (الذين في سفينته) وجملتهم ستة رجال","part":5,"page":147},{"id":1632,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 148\rمِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على رسالته ألا يصلوا إليه بسوء إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77)\rوَاذكر داوُدَ وَسُلَيْمانَ أي قصتهما، ويبدل منهما إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ هو زرع أو كرم إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي رعته ليلا بلا راع بأن انفلتت وَكُنَّا ونساؤهم، وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء اهـ جلال من سورة هود.\rقوله: وَنَصَرْناهُ ضمن معنى المنع فعدى بمن، ولذا قال الشارح منعناه اهـ شيخنا.\rقوله: (أن لا يصلوا إليه) أي: لئلا يصلوا إليه فهو تعليل لمنعناه، تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ عاش داود مائة سنة وبينه وبين موسى خمسمائة وتسعة وستون سنة، وقيل: وتسع وسبعون، وعاش ولده سليمان تسعا وخمسين، وبينه وبين مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نحو ألف سنة وسبعمائة اهـ من التحبير.\rقوله: (و يبدل منهما الخ) الأولى جعل هذا الظرف بدلا من المضاف الذي قدره كما تقدم في نظائره. وعبارة أبي السعود: إذ يحكمان ظرف للمضاف المقدر وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها أي: اذكر خبر وقت حكمهما في الحرث الخ اهـ.\rقوله: (هو زرع أو كرم) عبارة الخازن: قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: أن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده، وقيل الزرع زرعا وهو أشبه بالعرف اهـ.\rوفي المختار: الحرث الزرع وبابه نصر وكتب اهـ.\rقوله: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ أي تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: نفشت الغنم والإبل أي: رعت ليلا بلا راع من باب جلس وضرب ونصر وسمع، والنفش بفتحتين اسم منه، ومنه قوله تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ولا يكون النفش إلا بالليل، ونفش الصوف والقطن من باب نصر، والنفش: تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر اهـ بزيادة من القاموس.\rقوله: غَنَمُ الْقَوْمِ أي: غنم بعض القوم أي: قوم داود، أي: أمته. وفي الخطيب: قال ابن عباس، وقتادة: وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه السّلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلتت غنمه ليلا فوقعت في حرثي فأفسدته لم تبق منه شيئا.\rفأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث، فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه، فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا. وروي أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال له كيف تقضي، ويروى أنه قال له: بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين. قال: ادفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت كما قال تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [الأنبياء: 79] أي علمناه القضية وألهمناها له اهـ.","part":5,"page":148},{"id":1633,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 149\rلِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فيه استعمال ضمير الجمع لاثنين. قال داود: لصاحب الحرث رقاب الغنم، وقال سليمان: ينتفع بدرها ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح قوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علينا علمه اهـ خطيب.\rوفي الضمير المضاف إليه حكم وجهان، أحدهما: أنه ضمير يراد به المثنى، وإنما وقع الجمع موقع التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمها بصيغة التثنية. الثاني: أن المصدر مضاف للحاكمين وهما داود وسليمان والمحكوم عليه فهؤلاء جماعة، وهذا يلزم منه إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعة واحدة وهو إنما يضاف لأحدهما فقط وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله والمجاز إضافته لمفعوله اهـ سمين.\rقوله: (قال داود: لصاحب الحرث رقاب الغنم) أي عوضا عما فات من حرثه لما رأى القيمتين سواء اهـ كرخي.\rوحكم هذه المسألة في مذهب الشافعي، أنها إن كانت وحدها ولو بصحراء فأتلفت شيئا كزرع ليلا أو نهارا أضمنه ذو يدان فرط في ربطها أو أرسالها كأن ربطها بطريق ولو واسعا، وكأن أرسلها ولو نهارا لرعي بوسط مزارع فأتلفتها، فإن لم يفرط كأن أرسلها المرعى لم تتوسطها مزارع لم يضمن، وذو اليد شامل للمالك وللمستعير وللمستأجر والمودع والمرتهن ولعامل القراض وللغاصب وإن كان صاحبها معها ولو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا ضمن ما أتلفته ليلا أو نهارا سواء كان سائقها أو قائدها أو راكبها، ولو صحبها سائق وقائد استويا في الضمان أو راكب معهما، أو مع أحدهما ضمن الراكب فقط ولا يضمن صاحبها ما تلف ببولها أو روثها أو ركضها بطريق لأن الطريق لا تخلو منه، ومحل ذلك التفصيل فيما إذا كانت وحدها أو معها صاحبها ما لم يقصر مالك الشيء المتلف كأن عرض الشيء مالكه لها أو وضعه في الطريق أو حضر وترك دفعها أو كان في محوط له باب وتركه مفتوحا فلا ضمان على صاحب الدابة لتفريط مالك الشيء، واستثنى من ذلك الطيور كحمام أرسله مالكه فكسر شيئا أو التقط حبا فلا ضمان، لأن العادة جارية بإرسالها اهـ من متن المنهج وشرحه.\rقال الشبراملسي على الرملي: ومنه ما جرت به العادة الآن من إحداث مساطب أمام الحوانيت بالشوارع، ووضع أصحابها عليها بضائع للبيع كالخضرية مثلا فلا ضمان على من أتلفت دابته شيئا منها بأكل أو غيره لتقصير صاحب البضاعة اهـ.\rومذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه عدم الضمان بالليل والنهار إلا أن يكون معها سائق أو قائد اهـ من البحر.\rقوله: (إلى أن يعود) أي يصير الحرث كما كان أي: مثل ما كان يوم الأكل، وقوله: (بإصلاح صاحبها) أي: الغنم بأن يزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل ما أكلته، فإذا صار الحرث كهيئة يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه اهـ خازن.","part":5,"page":149},{"id":1634,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 150\rصاحبها فيردها إليه\rفَفَهَّمْناها أي الحكومة سُلَيْمانَ وحكمهما باجتهاد ورجع داود إلى سليمان وقيل بوحي والثاني ناسخ للأول وَكُلًّا منهما آتَيْنا ه حُكْماً نبوة وَعِلْماً بأمور الدين وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ كذلك سخرا للتسبيح معه لأمره وفي الكرخي: قوله: (فيردها) أي لأنه نال منها قيمة ما أفسدته الغنم مع استواء القيمتين اهـ كرخي.\rقوله: فَفَهَّمْناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها اهـ.\rقوله: (و حكمهما باجتهاد) أي: كما قال به المحققون ليدركا فضيلة المجتهدين، ورجع داود إلى حكم سليمان لما ظهر له أنه الصواب، وجوز الخطأ عليهم لأن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة، لكن لا يقرون على الخطأ اهـ كرخي.\rقوله: (و قيل بوحي) أي: لكل منهما فإنهما كانا نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي وحكم سليمان بوحي نسخ به حكم داود، وذلك لأن الأنبياء يمتنع عليهم الاجتهاد عند قوم لاكتفائهم بالوحي، وعليه فقوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أي بطريق الوحي الناسخ يدل عليه قوله:\rوَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً أي: فهما على الصواب، وهذا في شريعتهم. وأما في شريعتنا فما أفسدته نهارا بلا راع فلا ضمان فيه عند الشافعي وأصحابه وما أفسدته ليلا ففيه الضمان، وحكم داود لو وقع في شريعتنا بشرطه لم يكن فيه ما يقتضي الفساد، لأن قيمة الزرع يجوز أن تكون قدر قيمة الغنم وصاحبها مفلس فتباع أو يأخذها إن رضي بخلاف حكم سليمان اهـ كرخي.\rقوله: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ قال في المختار: التسخير التكليف للعمل بلا أجرة وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة اهـ.\rقوله: يُسَبِّحْنَ جملة حالية من الجبال أي: مسبحة، وقيل: استئناف كأن قائلا قال كيف سخرهن فقال يسبحن. فقيل: كان يمر بالجبال مسبحا فتجاوبه بالتسبيح، وقيل: كانت تسير معه حيث سار، والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق خلق اللّه فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسمع الناس ذلك، وكان داود هو الذي يسمع وحده اهـ من البحر.\rقوله: يُسَبِّحْنَ في محل نصب على الحال والطير يجوز أن ينتصب نسقا على الجبال، وأن ينتصب على المفعول معه، وقيل: يسبحن مستأنف فلا محل له وهو بعيد، وقرئ والطير رفعا وفيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي: الطير مسخرات أيضا. والثاني: أنه نسق على الضمير في يسبحن ولم يؤكد ولم يفصل وهو موافق لمذهب الكوفيين اهـ سمين.\rقال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان ناطق، انتهى كرخي.\rوفي المصباح: والطير جمع طائر مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار ويقع الطير على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة اهـ.","part":5,"page":150},{"id":1635,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 151\rبه إذا وجد فترة لينشط له وَكُنَّا فاعِلِينَ (79) تسخير تسبيحهما معه وإن كان عجبا عندكم أي مجاوبته للسيد داود\rوَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ وهي الدرع لأنها تلبس وهو أول من صنعها وكان قبلها صفائح لَكُمْ في جملة الناس لِتُحْصِنَكُمْ بالنون للّه، وبالتحتانية لداود، وبالفوقانية للبوس مِنْ بَأْسِكُمْ حربكم مع أعدائكم فَهَلْ أَنْتُمْ يا أهل مكة قوله: (لأمره به) المصدر مضاف لفاعله والمفعول محذوف أي: لأمر داود لهما به، أي:\rبالتسبيح إذا وجد داود فترة. وعبارة القرطبي: قال وهب: كان داود عليه السّلام يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير، وقيل: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت، ولهذا قال: وسخرنا أي: جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح اهـ.\rقوله: (و إن كان عجبا عندكم) أي: مستغربا في اعتقادكم، وقوله: مجاوبة علة لقوله: وَكُنَّا فاعِلِينَ، وعبارة الخطيب: وكنا فاعلين أي: من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل، ولكل شيء نريده فلا يتكبر علينا أمر وإن كان عندكم عجبا، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة. كان مطرف بن عبد اللّه بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه أبنيته اهـ.\rقوله: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ فداود أول من صنع الدروع التي تسمى الزرد، وقيل: نزل ملكان من السماء فمرا بداود، فقال أحدهما للآخر: نعم الرجل إلا أنه يأكل من بيت المال فسأل اللّه أن يرزقه من كسبه فألان له الحديد فصنع منه الدروع اهـ من البحر لأبي حيان.\rوفي الخازن: فكان يعمل منه بغير نار كأنه طين في يده اهـ.\rقوله: (و هي الدرع) في المختار: درع الحديد مؤنثة وقال أبو عبيدة: تذكر وتؤنث ودرع المرأة قميصها وهو مذكر اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو أو من صنعها) أي: على هذا الوجه أي: أنها حلق متداخل بعضها في بعض وقبل ذلك كانوا يصنعونها لكن من صفائح متصل بعضها ببعض، ولذلك قال: وكانت أي: الدروع قبلها أي قبل صنعة داود لها صفائح اهـ شيخنا.\rقوله: لَكُمْ أي: يا أهل مكة في جملة الناس أي: مع جملة الناس، ولكم يصح أن يتعلق بعلمناه أو بصنعة أو بمحذوف صفة للبوس أي: لبوس كائن لكم اهـ سمين.\rوعلى الوجه الأول تكون اللام للتعليل أي: علمناه لأجلكم، وعلى هذا يكون قوله:\rلِتُحْصِنَكُمْ. بدلا بإعادة اللام أي: لكم لإحصانكم، وعلى الوجهين الآخرين تكون متعلقة بعلمنا اهـ من البحر.\rقوله: (بالنون اللّه) أي: أن الضمير في لنحصنكم بالنون للّه وكذا يقال فيما بعده اهـ.\rقوله: (و بالفوقانية للبوس) أي: باعتبار معناه لأنه بمعنى الدروع وهي مؤنثة. قوله: (بذلك) أي: بتصديق الرسل.","part":5,"page":151},{"id":1636,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 152\rشاكِرُونَ (80) نعمي بتصديق الرسول أي اشكروني بذلك\rوَسخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً وفي آية أخرى رخاء أي شديدة الهبوب وخفيفته بحسب إرادته تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي الشام وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) من ذلك علمه تعالى بأن ما يعطيه قوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عبّر هنا باللام الدالة على التمليك، وفي حق داود بمع، وذلك لأن الجبال والطير لما اشتركا معه في التسبيح ناسب فيه ذكر مع الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان أتى بلام الملك لأنها في طاعته وتحت أمره اهـ من البحر.\rوالريح جسم لطيف لا يدرك بالبصر اهـ شيخنا.\rقوله: (أي شديدة الهبوب الخ) لف ونشر مرتب. أي: فهي جامعة للوصفين في وقت واحد، وهذه آية أخرى غير التسخير اهـ كرخي.\rقوله: تَجْرِي بِأَمْرِهِ حال. قوله: إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها أي: تجري منتهية إليها في رواحه من سفره أي: رجوعه منه. وعبارة البيضاوي: تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وهي الشام رواحا بعد ما سارت به منه بكرة اهـ.\rوفي الخازن: قال وهب: كان سليمان عليه الصلاة والسّلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجن حين يجلس على سريره، وكان أمرا غازيا قلما كان يقعد عن الغزو ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة يقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليها شمس ويرفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، وقال الحسن: لما شغلت نبي اللّه سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب للّه فعقر الخيل فأبدله اللّه مكانها خيرا منها وأسرع الريح يجري بأمره كيف شاء، فكان يغدو من ايلياء فيقيل باصطخر ثم يروح منها فيكون رواحها ببابل.\rوروي أن سليمان سار من أرض العراق فقال بمدينة بلخ متخللا بلاد الترك، ثم جاوزهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك، ثم عطف على يمينه على مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى أرض السند، وجاوزها وخرج منها إلى مكران وكرمان، ثم جاوزها حتى أتى أرض فارس فنزلها أياما وغدا منها فقال بككر ثم راح إلى الشام، وكان مستقرة بمدينة يومر وكان أمر الشياطين قبل شخوصه إلى العراق فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأصفر والأبيض اهـ.\rقوله: (و هي الشام) وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث يشاء سليمان، ثم يعود إلى منزله بالشام اهـ خازن.\rقوله: (من ذلك) أي: من علمه تعالى وهذا خبر مقدم، وعلمه بأن ما يعطيه الخ مبتدأ مؤخر أي ومن جملة علمه بكل شيء علمه بأن ما يعطيه سليمان الخ.","part":5,"page":152},{"id":1637,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 153\rسليمان يدعوه إلى الخضوع لربه ففعله تعالى على مقتضى علمه\rوَسخرنا مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ يدخلون في البحر فيخرجون منه الجواهر لسليمان وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي سوى الغوص من البناء وغيره وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82) من أن يفسدوا ما عملوا لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل الليل أفسدوه إن لم يشغلوا بغيره\rوَاذكر* أَيُّوبَ ويبدل منه إِذْ نادى رَبَّهُ لما ابتلي بفقد جميع ماله وولده وتمزيق جسده قوله: وَمِنَ الشَّياطِينِ أي: الكافرين دون المؤمنين. قوله: مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة على كلا التقديرين فموضعها إما نصب نسقا على الريح أي: وسخرنا له من يغوصون، أو رفع على الابتداء والخبر في الجار قبله وجمع الضمير حملا على معنى من وحسن ذلك تقدم الجمع في قوله: الشَّياطِينِ، فلما ترشح جانب المعنى روعي اهـ سمين.\rقوله: دُونَ ذلِكَ دون بمعنى غير وسوى كما فعل الشارح لا بمعنى أقل وأدون اهـ شيخنا.\rقوله: (أي سوى الغوص) كالثورة والطاحون والقوارير والصابون، لأن ذلك من استخراجاتهم.\rقيل: سخر الكفار دون المؤمنين ويدل عليه لفظ الشياطين، والمؤمن إذا سخر في أمر لا يحتاج إلى الحفظ اهـ من البحر.\rقوله: (من البناء) أي: بناء القصور والبيوت، وسيأتي في سورة سبأ قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ [سبأ: 13] الخ. قوله: (لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل الخ) عبارة الخازن: وكنا لهم حافظين أي: حتى لا يخرجوا من أمره وقيل: حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا، وذلك أنهم كانوا إذ عملوا عملا في النهار وفرغ قبل الليل أفسدوه وخربوه، وقيل: إن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل فأشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه، انتهت.\rقوله: (و يبدل منه) أي: من أيوب أي: من المضاف المقدر. قوله: (لما ابتلى) متعلق بنادى.\rقوله: (بفقد ما له الخ) فابتلاه اللّه بأربعة أمور، وعاش أيوب ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة بلائه سبع سنين، وولده ذو الكفل، واسمه بشر بعثه اللّه بعد أبيه أيوب وسماه ذو الكفل وأمره اللّه بالتوحيد، وكان مقيما بالشام حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة اهـ من التحبير للسيوطي.\rقال الخازن: وكان أيوب رجلا من الروم ينتسب للعيص بن إسحاق، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران أخي إبراهيم، وكان له من أصناف المال إبل وبقر وغنم وفيلة وحمر، وكان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وكانوا كهولا. وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات فيقف فيهن حيثما أراد فسمع صلاة الملائكة على أيوب فحسده وقال: إلهي نظرت في عبدك أيوب فوجدته شاكرا حامدا لك، ولو ابتليته لرجع عن شكرك وطاعتك، فقال اللّه له: انطلق فقد سلطتك على ماله، فانطلق وجمع عفاريت الشياطين والجن، وقال لهم: قد سلطت على مال أيوب وقال لعفريت منها: أين الإبل ورعاتها فاذهب فاحرقها، ثم جاء إبليس إلى أيوب فوجده قائما يصلي فقال له: أحرقت نار إبلك ورعاتها، فقال أيوب: الحمد للّه وهو أعطانيها","part":5,"page":153},{"id":1638,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 154\rوهجر جميع الناس له إلا زوجته سنين ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة وضيق عيشه أَنِّي بفتح الهمزة بتقدير الباء مَسَّنِيَ الضُّرُّ أي الشدة وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)\rفَاسْتَجَبْنا لَهُ نداءه فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ أولاده الذكور والإناث بأن أحيوا له، وكل من وهو أخذها. ثم فعل مثل ذلك بالغنم ورعاتها، ثم جاء إلى أيوب وقال له: نسفت الريح زرعك فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال إبليس: سلطني على ولده فقال له: انطلق قد سلطتك على ولده فذهب إلى ولده وزلزل بهم القصر وقلبه عليهم فماتوا جميعا، ثم جاء أيوب وأخبره بموت أولاده فاستغفر. ثم قال: سلطني على جسده، فقال: سلطتك على جسده غير قلبه ولسانه وعقله ولم يسلطه اللّه عليه إلا رحمة له ليعظم له الثواب وعبرة للصابرين وذكرى للعابدين ليقتدوا به في الصبر ورجاء الثواب، فذهب إلى أيوب فوجده ساجدا فجاء من قبل وجهه ونفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده ووقع فيه حكة فحكها بإظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم بالفخار والحجارة فلم يزل يحكها حتى تقطع جسده وأنتن، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة لهم وجعلوا له عريشا وهجره الناس كلهم إلا زوجته رحمة بنت افراثيم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تخدمه بما يصلحه وتأتيه بالطعام.\rوهجره الثلاثة الذين آمنوا ولم يتركوا دينهم، ونقل أن سبب قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ أن الدود قصد قلبه ولسانه فخشي أن يفتر عن الذكر ولا ينافي صبره قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ لأنه ليس بشكاية هو دعاء، ولأن الشكوى المنهي عنها لا تكون إلا للخلق لا للخالق اهـ باختصار.\rقوله: (و هجر جميع الناس له) حتى الثلاثة الذين آمنوا به اهـ خازن.\rقوله: (سنين) ظرف لقوله ابتلى. قوله: (أو ثماني عشرة) هذا القول هو الصحيح اهـ كرخي.\rقوله: (و ضيق عيشه) بصيغة الفعل المبني للمجهول عطفا على ابتلى أو بصيغة المصدر عطفا على فقد اهـ شيخنا.\rوانظر لم فصل هذا المعطوف عن غيره من المتعاطفات.\rقوله: مَسَّنِيَ الضُّرُّ أي: بأنواعه المتقدمة قال للجنس اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وصف نفسه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن غرض المطلوب أي عن التصريح به لطفا في السؤال، وكونه سبحانه ضارا لا ينافي كونه نافعا بل هو الضار النافع، فإضراره ليس لدفع مشقة ونفعه ليس لجلب منفعة بل لا يسأل عما يفعل اهـ كرخي.\rقوله: فَاسْتَجَبْنا (نداءه) أي دعاءه أو نداءه الذي في ضمنه الدعاء اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ فقال اللّه له: اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها فشرب فذهب كل داء كان بباطنه فصار كأصح ما كان اهـ خازن.","part":5,"page":154},{"id":1639,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 155\rالصنفين ثلاث أو سبع وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ من زوجته وزيد في شبابها، وكان له أندر للقمح وأندر للشعير فبعث اللّه سحابتين أفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض رَحْمَةً مفعول له مِنْ عِنْدِنا صفة وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (84) ليصبروا فيثابوا\rوَاذكر إِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وبقي المال فلم يذكر في الآية وقد ذكره الشارح بقوله: (و كان له أندر الخ) تتمة لقوله:\rفَاسْتَجَبْنا لَهُ اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن أحيوا له) أي: لأنهم ماتوا قبل انتهاء آجالهم كما سبق تقريره في البقرة، وهذا أحد التأويلين في ذلك، وقيل: بل رزقه اللّه مثلهم. روي أن امرأته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابنا. قال ابن عباس: أبدل بكل شيء ذهب منه ضعفاه، وظاهر القرآن هو الأول. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بالآية، وجوابه فيما يظهر أن إحياء اللّه من أماته إنما هو فيمن أماته عقوبة كما مرّ اهـ كرخي.\rقوله: (ثلاث أو سبع) فجملتهم ستة أو أربعة عشر اهـ.\rقوله: (و كان له أندر) بوزن أحمر البيدر بلغة أهل الشام والجمع الأنادر اهـ مختار.\rقوله: (و البيدر) بوزن خيبر الموضع الذي يداس فيه الطعام، وأندر اسم جنس فيكون مصروفا اهـ شيخنا.\rقوله: (أفرغت إحداهما) أي: أمطرت، وقوله: (الذهب) أي: لمناسبة الذهب للقمح في الحمرة، ومثل ذلك يقال فيما بعده، وقوله: (حتى فاض) أي: المذكور من الأندرين أي امتلأ اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول له) ويجوز أن يكون مصدرا لفعل مقدر أي: رحمناه رحمة والأول أظهر، وخص العابدين لأنهم المنتفعون بذلك، وختم القصة هنا بقوله: مِنْ عِنْدِنا، وختمها في سورة ص بقوله:\rمنا لأن أيوب بالغ هنا في التضرع بقوله: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فبالغ تعالى في الإجابة فناسب ذكر من عندنا لأن عندنا بدل على أنه تعالى تولى ذلك بنفسه ولا مبالغة في ص، فناسب فيها ذكر منا لعدم دلالته على ما دل عليه عندنا قاله شيخ الإسلام زكريا اهـ كرخي.\rقوله: وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أي غير أيوب، وقوله: (ليصبروا الخ) أي: كما صبر أيوب فأثيب اهـ.\rقوله: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ لما ذكر اللّه تعالى صبر أيوب على البلاء أتبعه بذكر هؤلاء الأنبياء لأنهم صبروا على المحن والشدائد والعبادة أيضا. أما إسماعيل عليه الصلاة والسّلام فصبر على الانقياد للذبح اهـ شيخنا.\rوعاش إسماعيل مائة وثلاثين سنة، وكان له حين مات أبوه تسع وثمانين سنة وأخوه إسحاق ولد بعده بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وثمانين اهـ من التحبير.\rقوله: وَإِدْرِيسَ هو جد نوح ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي","part":5,"page":155},{"id":1640,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 156\rعلى طاعة اللّه وعن معاصيه\rوَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا من النبوة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) لها، وسمي ذا الكفل لأنه تكفل بصيام جميع نهاره وقيام جميع ليله وأن يقضي بين الناس ولا يغضب فوفى بذلك، وقيل لم يكن نبيا\rوَاذكر ذَا النُّونِ صاحب الحوت وهو سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمائة وخمسين سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة اهـ من التحبير.\rقوله: وَذَا الْكِفْلِ هذا لقبه سماه اللّه به لما ذكره الشارح واسمه العلمي بشر اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَدْخَلْناهُمْ معطوف على مقدر أي: فأعطيناهم ثواب الصابرين وأدخلناهم اهـ شيخنا.\rقوله: (من النبوة) لم يفسر الرحمة بالنبوة في قصة لوط عليه الصلاة والسّلام للعلم بإيتاء النبوة فيها مما سبق على قوله: وأدخلناه في رحمتنا بخلافه اهـ كرخي.\rقوله: (لأنه تكفل بصيام جميع نهاره الخ) فكان يصوم النهار ويصلي بالليل ولا يفتر، وكان ينام وقت القيلولة وكان لا ينام من الليل والنهار إلا تلك النومة، فأتاه إبليس حين أخذ مضجعه فدق عليه الباب فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير بيني وبين قومي خصومة، وأنهم ظلموني، فقام وفتح له الباب وصار يطيل عليه الكلام حتى ذهبت القيلولة فقال له: إذا قعدت للحكم فأتني أخلص حقك، فلما جلس للحكم لم يجده، فلما رجع إلى القائلة من الغد أتاه فدق الباب فقال له: من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم ففتح الباب فقال: ألم أقل لك إذا قعدت للحكم فأتني؟ فقال: إن خصومي أخبث قوم إذا علموا أنك قاعد قالوا نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني. فلما كان اليوم الثالث قال ذو الكفل لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإنه قد شق عليّ النعاس، فلما كانت تلك الساعة جاء إبليس فلم يأذن له الرجل، فرأى كوة أي: طاقة فدخل منها ودق الباب من داخل فاستيقظ فقال له: أتنام والخصوم ببابك، فعرف أنه عدو اللّه وقال: فعلت ما فعلت لأغضبك فعصمك اللّه اهـ من الخازن.\rقوله: (و قيل لم يكن نبيا) أي: بل كان عبدا صالحا، والصحيح أنه نبي، وفي شرح دلائل الخيرات قيل: هو إلياس، وقيل: زكريا، وقيل: كان نبيا غير من ذكر. روي أنه بعث إلى رجل واحد، وقيل: لم يكن نبيا ولكنه كان عبدا صالحا، وقيل: اسمه بشير بن أيوب من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم اهـ.\rوعبارة الكرخي: قوله: (و قيل لم يكن نبيا) بل عبد صالح تكفل بعمل صالح قاله أبو موسى الأشعري ومجاهد، والصحيح أنه نبي قاله الحسن، وعليه الجمهور لأنه تعالى قرن ذكره بإسماعيل وإدريس، والغرض ذكر الفضلاء من عباده فيدل ذلك على نبوته، ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء لأن قوله: ذَا الْكِفْلِ يحتمل أن يكون لقبا وأن يكون اسما، والأولى أن يكون اسما لأنه أكثر فائدة من اللقب، وإذا ثبت ذلك فالكفل هو النصيب لقوله تعالى: يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها [النساء: 85]. والظاهر أن اللّه تعالى إنما سماه بذلك تعظيما له، فوجب أن يكون الكفل هو كفل الثواب، فسمي بذلك لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره، وقد كان في زمنه أنبياء على ما روي وهذا بسط ما ذكره الشيخ المصنف اهـ.","part":5,"page":156},{"id":1641,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 157\rيونس بن متى، ويبدل منه إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه أي غضبان عليهم مما قاسى منهم ولم يؤذن له في ذلك فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن قوله: وَ(اذكر) ذَا النُّونِ في المختار: النون الحوت وجمعه أنوان ونينان، وذو النون لقب يونس ابن متى اهـ.\rوقال في موضع آخر: الحوت السمكة والجمع حيتان ولا يتقيد بالكبيرة خلافا لمن قيد به اهـ.\rقوله: (و هو يونس بن متى) على وزن شتى اسم لوالده على ما ذكره صاحب القاموس، أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير وغيره اهـ كرخي.\rوكان متى رجلا صالحا وتوفي متى ويونس في بطن أمه وله أربعة أشهر اهـ زكريا.\rوعبارة الشهاب: ومتى اسم أبيه على الصحيح، وقال ابن الأثير كغيره: أنه اسم أمه ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه غير يونس وعيسى عليهما السّلام اهـ.\rقوله: (و يبدل منه) أي: بدل اشتمال. قوله: مُغاضِباً (لقومه) أي: لا لربه فليس مغاضبا له، وقوله: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي: لما وقع في قلبه أنه مخير بين الإقامة والخروج. وقوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ إي: في الذهاب بلا إذن، فكأنه في هذه الأشياء ترك الأفضل الذي هو المكث فيهم صابرا على أذاهم مع قدرته على تحصيله، فكان ذلك ظلما فعوقب على ترك الأفضل اهـ ملخصا من الخازن.\rقوله: (أي غضبان عليهم) أشار به إلى أن المفاعلة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة أي غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر اهـ كرخي.\rقوله: (و لم يؤذن له في ذلك) أي: الذهاب. قوله: (أي نقضي عليه بما قضينا الخ) أشار بذلك إلى أن معنى أن لن نقدر عليه لن نقضي عليه بما ذكر أو نضيق عليه بذلك من القدر كما في قوله تعالى:\rاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: 26] لا من القدرة والاستطاعة اهـ كرخي.\rوفي المصباح: أن قدر بكل من المعنيين المذكوريين يأتي ضرب ونصر اهـ.\rقوله: (من حبسه في بطن الحوت) ومدة مكثه في بطن الحوت أربعون يوما أو سبعة أيام أو ثلاثة كما في الخازن. وفي البيضاوي: أنه مكث أربع ساعات وأوحى اللّه إلى ذلك الحوت لا تأكل له لحما ولا تهشم له عظما فإن ليس رزقا لك، وإنما جعلتك له سجنا اهـ.\rقوله: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أي: بعد أن هرب إلى السفينة المشحونة حين غاضب قومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي توعدهم به، فركب السفينة فوقفت في لجة البحر فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة فقارع أهل السفينة فكان من المغلوبين بالقرعة، فألقوه في البحر فابتلعه الحوت وهو آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر وركوبه البحر بلا إذن، فألقاه الحوت بالساحل من يومه أو","part":5,"page":157},{"id":1642,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 158\rالحوت أَنْ أي بأن لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) في ذهابي من بين قومي بلا إذن\rفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ بتلك الكلمات وَكَذلِكَ كما نجيناه نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين\rوَاذكر زَكَرِيَّا ويبدل منه إِذْ نادى رَبَّهُ بقوله رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً أي بلا ولد يرثني وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) الباقي بعد فناء خلقك\rفَاسْتَجَبْنا لَهُ نداءه وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ولدا وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ فأتت بالولد بعد عقمها إِنَّهُمْ أي من ذكر من الأنبياء كانُوا يُسارِعُونَ يبادرون فِي الْخَيْراتِ الطاعات وَيَدْعُونَنا رَغَباً في رحمتنا وَرَهَباً من عذابنا وَكانُوا لَنا بعد ثلاثة أيام أو سبعة أو عشرين أو أربعين يوما، وكانت تأتيه وعلة أي غزالة صباحا ومساء فيشرب من لبنها حتى قوي اهـ من الجلال في سورة الصافات.\rقوله: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ يجوز في أن وجهان، أحدهما: أنها المخففة من الثقيلة واسمها محذوف والجملة المنفية بعدها الخبرية. والثاني: أنها تفسير لأنها بعدها هو بمعنى القول لا حروفه اهـ سمين.\rوأول هذا الدعاء تهليل، وأوسطه تسبيح، وآخره إقرار بالذنب اهـ شيخنا.\rوعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» اهـ بيضاوي.\rقوله: (بتلك الكلمات) متعلق بنجيناه، وفي نسخة بتلك الظلمات، وعليها فيكون متعلقا بقوله:\rمِنَ الْغَمِ اهـ شيخنا.\rقوله: (داعين) أي بهذا الدعاء اهـ شيخنا.\rقوله: (يرثني) أي ارث نبوة وعلم وحكمة اهـ.\rقوله: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ معطوف على مقدر أي فارزقني وارثا وأنت الخ كما في الخازن.\rقوله: (بعد عقمها) المراد بالعقم انسداد الرحم عن الولادة وهو بضم العين وفتحها كما في المختار اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا الخ علة لمحذوف أي: نالوا ما نالوا لأنهم كانوا يسارعون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي من ذكر من الأنبياء) أي: المذكورين في هذه السورة اهـ شيخنا.\rقوله: يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي: يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السر في إيثار كلمة في على كلمة إلى المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجهين إليها، كما في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:\r133] اهـ أبو السعود.\rقوله: رَغَباً وَرَهَباً يجوز أن ينتصبا على المفعول من أجله، وأن ينتصبا على أنهما مصدران واقعان موقع الحال أي راغبين راهبين، وأن ينتصبا على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون اللفظ لأن ذلك نوع منه اهـ سمين.","part":5,"page":158},{"id":1643,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 159\rخاشِعِينَ (90) متواضعين في عبادتهم\rوَاذكر مريم الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها حفظته من أن ينال فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91) الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير فحل\rإِنَّ هذِهِ أي ملة الإسلام أُمَّتُكُمْ دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها ورغب ورهب كل منهما من باب طرب كما في المختار.\rقوله: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها يجوز أن ينتصب نسقا على ما قبله، وأن ينتصب بإضمار اذكر وأن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي: وفيها يتلى عليكم أحصنت، ويجوز أن يكون الخبر فنفخنا وزيدت الفاء على رأي الأخفش نحو: زيد فقائم اهـ سمين.\rقوله: (أي حفظته من أن ينال) أي: يصل إليه أحد بحلال أو حرام اهـ بيضاوي.\rوقيل: لا ينبغي ذكر الحلال، لأن النكاح سنة في الشرائع القديمة، فلا يصح جعله منشأ للفضيلة وليس بشيء، لأن التبتل والترهب كان في شريعتهم ثم نسخ، ولو سلم فذكره هنا لازم لتكون ولادتها خارقة للعادة اهـ شهاب.\rقوله: مِنْ رُوحِنا أي من جهة روحنا، والمراد بالروح جبريل كما قال الشارح أي: أمرنا جبريل فنفخ اهـ شيخنا.\rأو المراد فنفخنا فيها بعض روحنا أي بعض الأرواح المخلوقة لنا، وذلك البعض هو روح عيسى لأنها وصلت في الهواء الذي نفخه إلى رحمها اهـ.\rقوله: (في جيب درعها) أي فالكلام على حذف مضافين، ولهذا ذكر الضمير في التحريم فقال:\rفنفخنا فيه وأشار إلى أن المراد بفرجها جيبها، لأنها إذا منعت جيبها من أن ينال كانت لما سواه أمنع، والمعنى فنفخنا في عيسى روحه في جوفها أي: أجريناه إجراء الهواء بالنفخ من جهة روحنا جبريل فاندفع ما يقال نفخ الروح في شيء عبارة عن حيائه. قال اللّه تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: 29] فالآية تدل على إحياء مريم والمقصود إحياء عيسى عليه الصلاة والسّلام اهـ كرخي.\rقوله: آيَةً لِلْعالَمِينَ هذا هو المفعول الثاني، وإنما إنه حذف من الأول ليثنى، لأن كلا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر فصارا آية واحدة أو نقول إنه حذف من الأول لدلالة الثاني أو بالعكس أي: وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك، وهو نظير الحذف في قوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62] وقد تقدم اهـ سمين.\rقوله: أُمَّتُكُمْ الأمة الملة وأصلها القوم الذين يجتمعون على دين واحد، ثم اتسع فيها فاطلقت على ما اجتمعوا عليه من الدين قال تعالى: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: 23] أي:\rدين وملة اهـ زاده.\rقال الشهاب: وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة في هذا المعنى اهـ.","part":5,"page":159},{"id":1644,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 160\rأُمَّةً واحِدَةً حال لازمة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وحدون\rوَتَقَطَّعُوا أي بعض المخاطبين أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تفرقوا أمر دينهم متخالفين فيه وهم طوائف اليهود والنصارى، قال تعالى كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) أي فنجازيه بعمله\rفَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ أي جحود لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (94) بأن نأمر الحفظة قوله: (أيها المخاطبون) أي: المعاصرون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي: أن ملة الإسلام هي دينكم وملتكم التي يجب عليكم أن تكونوا عليها لا تنحرفوا عنها. ملة واحدة أي: غير مختلفة اهـ من البحر.\rوالعامة على رفع أمتكم خبرا لأن، ونصب أمة واحدة على الحال، وقيل: على البدل من هذه فيكون قد فصل بالخبر بين البلد والمبدل منه نحو: إن زيدا قائم أخاك، وقرأ الحسن أمتكم بالنصب على البدل من هذه أو عطف البيان اهـ سمين.\rقوله: فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا وفي المؤمنون فاتقون فتقطعوا، لأن الخطاب في هذه الآية للكفار فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، ثم قال؛ وتقطعوا بالواو، لأن التقطع قد كان منهم قبل هذا القول لهم، ومن جعله خطابا للمؤمنين فمعناه دوموا على العبادة، وفي المؤمن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين بدليل قوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] والأنبياء والمؤمنون مأمورن بالتقوى، ثم قال: فتقطعوا أمرهم بينهم أي: ثم ظهر منهم التقطع بعد هذا القول، والمراد أمتهم اهـ كرخي.\rقوله: أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أنه منصوب على إسقاط حرف الخفص أي:\rتفرقوا في أمرهم. الثاني: أنه مفعول به وعدى تقطعوا إليه لأنه بمعنى قطعوا. الثالث: أنه تمييز وليس بواضح معنى أيضا هو معرفة، فلا يصح من جهة صناعة البصريين. قال أبو البقاء: وقيل: هو تمييز أي: تقطع أمرهم فجعله منقولا من الفاعل، وفي: الكلام التفات من الخطاب وهو قوله: أُمَّتُكُمْ إلى الغيبة في قوله: وَتَقَطَّعُوا تشنيعا عليهم بسوء صنيعهم اهـ سمين.\rقوله: (أي تفرقوا أمر دينهم) المراد بالتفرق التفريق بأن آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض اهـ شيخنا.\rقوله: كُلٌ أي كل من الثابت على دينة الحق والزائغ عنه إلى غيره اهـ من البحر.\rقوله: مِنَ الصَّالِحاتِ أي الفرائض والنوافل ومن زائدة أو تبعيضية.\rقوله: فَلا كُفْرانَ الكفران: مصدر بمعنى الكفر، ولسعيه متعلق بمحذوف أي يكفر لسعيه فلا يتعلق بكفران لأنه يصير مطولا، والمطول ينصب، وهذا مبني والضمير في له يعود على السعي اهـ سمين.\rقوله: (أي جحود) يعين أن الكفران مصدر بمعنى الكفر الذي هو الجحود والإنكار شبه منع الثواب بالكفر والجحود، فأطلق عليه الكفر كما في قوله: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [آل عمران: 115] أي لن تحرموا ثوابه ولن تمنعوه اهـ زاده.\rوعبارة الكرخي: فلا كفران لسعيه المعنى لا بطلان ثواب عمله فهو كقوله: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: 19] فالكفران مثل في حرمان","part":5,"page":160},{"id":1645,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 161\rبكتبه فنجازيه عليه\rوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أريد أهلها أَنَّهُمْ لا زائدة يَرْجِعُونَ (95) أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا\rحَتَّى غاية لامتناع رجوعهم إِذا فُتِحَتْ بالتخفيف والتشديد يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ بالهمز وتركه اسمان أعجميان لقبيلتين ويقدر قبله مضاف أي الثواب والشكر مثل في إعطائه فقوله: فَلا كُفْرانَ المراد نفي الجنس للمبالغة، لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها اهـ.\rقوله: (أي ممتنع رجوعهم الخ) يعني أن الحرام استعير للممتنع الوجود بجامع أن كلا منهما غير مرجو الحصول اهـ شهاب.\rوأشار الشارح بهذا الحل إلى أن حرام مبتدأ وأنهم لا يرجعون مرفوع به أغنى عن الخبر، وقيل:\rإن هذا إنما يأتي على طريقة الأخفش الذي لا يشترط اعتماد الوصف الرافع لما يقوم مقام الخبر اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 161\r\rهذا إنما يأتي على طريقة الأخفش الذي لا يشترط اعتماد الوصف الرافع لما يقوم مقام الخبر اهـ.\rفالأولى أن يعرب حرام خبرا مقدما، وأنهم لا يرجعون مبتدأ مؤخرا كما في زكريا على البيضاوي. وفي أبي السعود: وأنهم لا يرجعون في حيز الرفع على أنه مبتدأ خبره حرام، أو فاعل به سد مسد خبره اهـ.\rقوله: (غاية لامتناع رجوعهم) أي فهي متعلقة بحرام وهي حرف ابتداء، وإذا شرطية جوابها فإذا هي شاخصة الخ. وفي الكرخي: قوله: (غاية لامتناع رجوعهم) أشار به إلى أن حتى متعلقة في المعنى بحرام غاية لما قبلها، وأنها التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء أعني: إذا وما في حيزها.\rوأبو البقاء ذهب إلى نحو هذا فقال: وحتى متعلقة في المعنى بحرام أي يستمر الامتناع إلى هذا الوقت ولا عمل لها في إذا، وقال الحوفي: هي غاية والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك، وقال ابن عطية: حتى متعلقة بقوله: وَتَقَطَّعُوا. قال أبو حيان: وكون حتى متعلقة بتقطعوا فيه بعد من حيث كثرة الفصل، لكنه من حيث المعنى جيد وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك اهـ.\rوفي السمين: وتلخص في متعلق حتى أوجه، أحدها: أنها متعلقة بحرام. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى وهو قول الحوفي. الثالث: أنها متعلقة بتقطعوا. الرابع: أنها متعلقة بيرجعون. وتلخص في حتى وجهان، أحدهما: أنها حرف ابتداء وهو قول الزمخشري، وابن عطية فيما اختاره. والثاني: أنها حرف جر بمعنى إلى. وفي جواب إذا وجهان، أحدهما: أنه محذوف فقدره أبو إسحاق قالوا يا ويلنا، وقدره غيره فحينئذ يبعثون، وقوله: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ معطوف على هذا المقدر. والثاني: أن جوابها الفاء في قوله: فإذا هي قاله الحوفي، والزمخشري، وابن عطية. وقال الزمخشري: وإذا هي التي للمفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء، كقوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل: إذا هي شاخصة كان سديدا. وقال ابن عطية: والذي أقول إن الجواب في قوله: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ، وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليه امتناعه اهـ.","part":5,"page":161},{"id":1646,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 162\rسدهما، وذلك قرب القيامة وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ مرتفع من الأرض يَنْسِلُونَ (96) يسرعون\rوَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ أي يوم القيامة فَإِذا هِيَ أي القصة شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا في ذلك اليوم لشدته يقولون يا للتنبيه وَيْلَنا هلاكنا قَدْ كُنَّا في قوله: (و ذلك قرب القيامة) أي بعد نزول سيدنا عيسى إلى الأرض، ثم يهلكون بدعائه عليهم فتملأ رممهم وجيفهم الأرض، فيرسل اللّه عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللّه، ثم يرسل اللّه مطرا فيغسل الأرض من آثارهم، ثم يقول اللّه للأرض: أنبتي ثمرك فيكثر الرزق جدا ويستقيم الحال لعيسى والمؤمنين، فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه عليهم ريحا طيبة تقبض روح كل مؤمن ومسلم وتبقي شرار الناس يتهارجون في الأرض كتهاريج الحمر، فعليهم تقوم الساعة اهـ خازن.\rوبين موت عيسى والنفخة الأولى مائة وعشرون سنة، لكن السنة بقدر شهر، كما أن الشهر بقدر جمعة، والجمعة بقدر يوم، واليوم قدر ساعة، فيكون بين عيسى والنفخة الأولى قدر اثنتي عشرة سنة من السنين المعتادة اهـ.\rقوله: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ يجوز أن يعود الضمير على يأجوج ومأجوج، وأن يعود على العالم بأسره والأول أظهر، وقرأ العامة ينسلون بكسر السين. والحدب: النشز من الأرض أي المرتفع، ومنه الحدب في الظهر وكل كدية أو أكمة فهي حدبة، وبهما سمي القبر لظهوره على وجه الأرض، والنسلان مقاربة الخطأ مع الإسراع. يقال: نسل ينسل بالفتح في الماضي والكسر والضم في المضارع اهـ سمين.\rوفي المصباح: نسل في مشيه نسلانا أسرع وهو من باب ضرب اهـ.\rقوله: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ عطف على فتحت فهو من جملة الشرط اهـ.\rقوله: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ فيه وجهان، أحدهما: وهو الأجود أن يكون هي ضمير القصة، وشاخصة خبر مقدم، وأبصارهم مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لهي لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها وهذا مذهب البصريين. الثاني: أن يكون شاخصة مبتدأ، وأبصار فاعل سد مسد الخبر، وهذا إنما يتمشى على مذهب الكوفيين لأن ضمير القصة عندهم يفسر بالمفرد العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة اهـ سمين.\rقوله أيضا: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ شخوص أبصارهم إنما هو في القيامة بعد النفخة الثانية فالتعقيب عرفي أريد به المبالغة هنا اهـ شهاب.\rلأنه رتب الشخوص على فتح السد وعلى اقتراب الساعة على أن الشخوص لا يوجد إلا يوم القيامة، وفيه أن فتح السد كناية عن قيام الساعة. نعم يحتاج لكلام الشهاب بالنظر لقوله واقترب الوعد الحق لأنه معطوف على فعل الشرط تأمل. وعبارة زاده: فإن قيل: الشرط هو مجموع فتح سد يأجوج ومأجوج واقتراب القيامة، وهذا المجموع إنما يحصل في آخر أيام الدنيا، والجزاء وهو شخوص أبصار الذين كفروا أي ارتفاعها من شدة الهول إنما يحصل يوم القيامة، والشرط والجزاء لا بد أن يتقارنا في الزمان، فالجواب أن التفاوت القليل يجري مجرى العدم اهـ.\rقوله: (يقولون) يا وَيْلَنا الخ أشار به إلى أن يا ويلنا معمول لقول محذوف في موضع الحال","part":5,"page":162},{"id":1647,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 163\rالدنيا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا اليوم بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (97) أنفسنا بتكذيبنا للرسل\rإِنَّكُمْ يا أهل مكة وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من الأوثان حَصَبُ جَهَنَّمَ وقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (98) داخلون فيها\rلَوْ كانَ هؤُلاءِ الأوثان آلِهَةً كما زعمتم ما وَرَدُوها دخلوها وَكُلٌ من العابدين والمعبودين فِيها خالِدُونَ (99)\rلَهُمْ للعابدين فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (100) شيئا لشدة غليانها. ونزل لما قال ابن من الذين كفروا أي حال كونهم قائلين يا ويلنا اهـ كرخي.\rقوله: بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ قال أبو حيان: أضربوا عن قولهم قد كنا في غفلة واخبروا بما كانوا قد تعمدوه من الكفر والاعراض عن الإيمان اهـ كرخي.\rقوله: (بتكذيبنا للرسل) أي لأنهم نبهونا فأعرضنا اهـ كرخي.\rقوله: (من الأوثان) خصها بالذكر لأنها كانت معظم معبوداتهم، وإلّا فالشمس والقمر يكونان ثورين عقيرين في النار أيضا، كما صح بذلك خبر أبي هريرة أخرجه البيهقي وأصله في البخاري، والحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أنهم لا يزالون في مقارنتهم زيادة غم وحسرة لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم، والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب اهـ كرخي.\rقوله: حَصَبُ جَهَنَّمَ أي ما يرمى به إليها وتهيج به من حصبه يحصبه من باب ضرب إذا رماه بالحصباء اهـ بيضاوي.\rولا يقال له حصب إلا وهو في النار، فأما قبل ذلك فحطب وشجر وغير ذلك اهـ سمين.\rوفي المختار: والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي ترمى، وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب اهـ ومثله في القاموس.\rقوله: أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ جوز أبو البقاء في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون بدلا من حصب جهنم قلت: يعني أن الجملة بدل من المفرد الواقع خبرا وابدال الجملة من المفرد إذا كان أحدهما بمعنى الآخر جائز، إذ التقدير إنكم أنتم لها واردون. والثاني: أن تكون الجملة مستأنفة.\rوالثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من جهنم ذكره أبو البقاء، وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة اهـ سمين.\rقوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أي أنين وتنفس شديد اهـ بيضاوي.\rوفي القاموس: وزفر يزفر من باب ضرب أخرج نفسه بعد سده إياه اهـ.\rقال ابن مسعود: في هذه الآية إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى ثم تلك التوابيت في توابيت أخرى عليها مسامير من نار فلا يسمعون ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره اهـ خازن.\rقوله: (ابن الزبعرى) بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء وسكون العين المهملة وفتح الراء المهملة والقصر معناه السيء الخلق الغليظ، وهو لقب والد عبد اللّه القرشي وقد أسلم بعد هذه القصة اهـ شهاب.","part":5,"page":163},{"id":1648,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 164\rالزبعرى: عبد عزير والمسيح والملائكة فهم في النار على مقتضى ما تقدم\rإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا المنزلة الْحُسْنى ومنهم من ذكر أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101)\rلا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها صوتها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ من النعيم خالِدُونَ (102)\rلا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار وَتَتَلَقَّاهُمُ تستقبلهم الْمَلائِكَةُ عند وأشار المفسر بهذا الدخول إلى أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى بيان للآية الأولى اهـ كرخي.\rقوله: (فهم في النار على مقتضى ما تقدم) أي من قوله: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ كما مر اهـ كرخي.\rقوله: (المنزلة) الْحُسْنى أي: الدرجة والرتبة الحسنى وهي السعادة. وفي أبي السعود: أي سبقت لهم منا في التقدير الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة، وقيل: التوفيق للطاعة. أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثوب على الطاعة وهو الأظهر اهـ.\rقوله: أُولئِكَ عَنْها أي عن جهنم مبعدون، فإن قيل: كيف يكونون مبعدين عنها وقد قال:\rوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] وورودها يقتضي القرب منها؟ فالجواب: معناه مبعدون عن عذابها وألمها مع ورودهم لها، أو معناه مبعدون عنها بعد ورودها بالإنجاء المذكور بعد الورود اهـ كرخي.\rقوله: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أي صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة، فإن قيل:\rأي بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: أن المراد منه تأكيد بعدهم لأن من قرب منها قد يسمع حسيسها، فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيس النار؟\rفالجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال اهـ كرخي.\rوهذه الجملة أي قوله: لا يَسْمَعُونَ يجوز أن تكون بدلا من مبعدون لأنه يحل محل فيغني عنه، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا، ويجوز أن تكون حالا من الضمير المستتر في مبعدون، وقوله: وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ إلى قوله: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ كل جملة من هذه الجمل يحتمل أن تكون حالا مما قبلها، وأن تكون مستأنفة وكذا الجملة المضمرة من القول العامل في جملة قوله: هذا يَوْمُكُمُ إذا التقدير وتتلقاهم الملائكة يقولون لهم هذا يومكم الخ اهـ سمين.\rقوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ بيان لنجاتهم من الفزع بالكلية أثر بيان نجاتهم من النار، لأنهم إذا لم يحزنهم الفزع الأكبر لا يحزنهم ما عداه بالضرورة اهـ. أبو السعود: وحزن من باب قتل كما في المصباح.\rقوله: (و هو أن يؤمر بالعبد) أي: الكافر إلى النار، وقيل: الفزع الأكبر هو حين تغلق النار على أهلها وييأسون من الخروج منها فيحصل لهم الفزع الأكبر، وقيل: هو حين يذبح الموت بين الجنة والنار فييأس أهل النار من الخروج منها اهـ من البيضاوي.\rوقيل: الفزع الأكبر هو أهوال يوم القيامة وهذا أعم مما تقدم اهـ من القرطبي.","part":5,"page":164},{"id":1649,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 165\rخروجهم من القبور يقولون لهم هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) في الدنيا\rيَوْمَ منصوب باذكر مقدرا قبله نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِ اسم ملك لِلْكُتُبِ صحيفة ابن آدم عند موته، واللام زائدة، أو السجل الصحيفة والكتاب بمعنى المكتوب، واللام بمعنى على، وفي قراءة للكتب جمعا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ عن عدم نُعِيدُهُ بعد إعدامه قوله: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي: تستقبلهم الملائكة مهنئين لهم. قال البغوي: تقف الملائكة على أبواب الجنة يهنؤونهم، وقال الجلال المحلي: عند خروجهم من القبور ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين ويقولون لهم: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم في الدنيا فابشروا فيه بجميع ما يسركم اهـ خطيب.\rقوله: كَطَيِّ السِّجِلِ مصدر مضاف لفاعله، والطي ضد النشر كما فسر به قوله تعالى:\rوَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] حيث قال مجموعات، وقوله: (اسم ملك) هو في السماء الثالثة فإن هذا الملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه اهـ شيخنا.\rوقوله: (أو السجل الصحيفة الخ)، والمعنى على هذا كطي أي جمع صحيفة الأعمال لما كتب فيها من المعاني الكثيرة والأعمال المنتشرة اهـ بيضاوي.\rوقال ابن عباس: السجل الصحيفة، والمعنى كطي الصحيفة على مكتوبها، والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر اهـ خازن.\rقوله: لِلْكُتُبِ أل للجنس. قوله: (عند موته) أي؛ وطي مصدر مضاف لفاعله، وإن قلنا السجل القرطاس، فالطي مضاف للمفعول، والفاعل محذوف تقديره: كما يطوي الرجل الصحيفة ليكتب فيها أو لما يكتبه فيها من المعاني، والفاعل يحذف مع المصدر بإطراده، وقوله: (و اللام زائدة) أي: وحسنها اتصالها بمعمول المصدر تقوية لتعديه نحو: عرفت ضرب زيد لعمرو، والأصل ضرب زيد عمرا، والمعنى كطي الملك الصحيفة، وقوله: (بمعنى المكتوب) أي وطي مضاف للمفعول، وقوله: (و اللام بمعنى على)، وتقديره: حينئذ يوم نطوي السماء طيا طي الصحيفة على مكتوبها اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية للكتب جمعا أي: وأما على قراءة الإفراد فأل في الكتاب للجنس اهـ شيخنا.\rقوله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (بعد إعدامه) تشبيها للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء. قال الزمخشري: فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوله إيجاده من العدم فكما أوجده أولا من عدم يعيده ثانيا من عدم، فإن قلت: ما بال خلق منكرا؟ قلت: هو كقولك هو أول رجل جاءني تريد أول الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى أول خلق، وأول الخلق بمعنى أول الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع.\rتنبيه:\rاختلفوا في كيفية الإعادة فقيل: إن اللّه تعالى يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تأليفها","part":5,"page":165},{"id":1650,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 166\rفالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى (أول) وما مصدرية وَعْداً عَلَيْنا منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104) ما وعدنا\rوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ بمعنى الكتاب أي كتب اللّه المنزلة مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ بمعنى أم الكتاب الذي عند اللّه أَنَّ الْأَرْضَ أرض الجنة يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) عامّ في كل صالح\rإِنَّ فِي هذا فذلك هو الإعادة، وقيل: إنه تعالى يعدمها بالكلية ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى، وهذه الآية دالة على هذا الوجه لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء، والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة، بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أن تكون الإعادة كذلك، واحتج الأولون بقوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] فدل هذا على أن السموات حال كونها مطوية تكون موجودة، وبقوله:\rيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [إبراهيم: 48] وهذا يدل على أن الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض اهـ كرخي.\rقوله: (و ما مصدرية) أي: وبدأنا صلتها فما المصدرية وصلتها في محل جر بالكاف، وأول خلق مفعول به لبدأنا، والمعنى نعيد أول ما خلق إعادة مثل بدئنا له أي كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود، وخلق مصدر بمعنى الخلائق فلذلك أفرد اهـ سمين.\rوقال زاده: ليس المراد بأول الخلق هو من سبق وجوده وجود آخرين، لأن الكلام ليس في إعادتهم وإبرازهم خاصة، بل الكلام في إبداء مجموع الكائنات وإعادتها، فإن هذا المجموع إذا هلكوا ثم تعلقت الإعادة بهم يوصفون بالأولية بالنسبة إلى الإعادة اهـ.\rقوله: وَعْداً عَلَيْنا أي: علينا إنجازه بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه وأن وقوع ما علم اللّه وقوعه واجب اهـ كرخي.\rقوله: (لمضمون ما قبله) أي: لمضمون الجملة الخبرية اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ذكرت هذه الجملة توكيدا لتحتم الخبر أي: نحن قادرون على أن نفعل اهـ من البحر. وقال العمادي: إنا كنا فاعلين أي: محققين هذا الوعد فاستعدوا له اهـ.\rقوله: (بمعنى الكتاب) فأل في الزبور للجنس أي جنس الكتب المنزلة، وأم الكتاب اللوح المحفوظ كما في البيضاوي، والخازن، وأبي السعود، وأبي حيان، ومن بعد متعلق بكتبنا أو متعلق بكتبنا أو متعلق بمحذوف صفة للزبور، وقوله: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها مفعول كتبنا أي كتبنا وراثة الأرض كما في السمين، وقوله: (عام في كل صالح) فيتناول أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وغيرها من الأمم اهـ شيخنا.\rقوله: (عام في كل صالح) يعني أن المؤمنين العاملين بالطاعة يرثون الجنة، ويدل عليه قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ [الزمر: 74] قال مجاهد: وقال ابن عباس: أراد أرض الكفار بفتحها المسلمون هذا حكم من اللّه بإظهار الدين وإعزاز المسلمين اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ فِي هذا أي: القرآن، لبلاغا أي: وصولا إلى البغية. قال: من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب، وقيل بلاغا أي كفاية يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية، والقرآن","part":5,"page":166},{"id":1651,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 167\rالقرآن لَبَلاغاً كفاية في دخول الجنة لِقَوْمٍ عابِدِينَ (106) عاملين به\rوَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا رَحْمَةً أي للرحمة لِلْعالَمِينَ (107) الإنس والجن بك\rقُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي ما يوحى إلي في أمر الإله إلا وحدانيته فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) منقادون لما يوحى إليّ من وحدانية الإله، والاستفهام بمعنى الأمر\rفَإِنْ تَوَلَّوْا عن ذلك فَقُلْ آذَنْتُكُمْ أعلمتكم بالحرب عَلى سَواءٍ حال من الفاعل والمفعول أي مستوين في زاد الجنة كبلاغ المسافر. وقال الرازي: هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة لقوم عابدين أي عاملين به، وقال ابن عباس: عالمين. قال الرازي: والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين لأن العلم كالشجرة والعمل كالثمرة، والشجر بدون الثمر غير مفيد والثمر الشجر غير كائن. وقال كعب الأحبار: هم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان اهـ خطيب.\rقوله: إِلَّا رَحْمَةً يجوز أن يكون مفعولا له أي لأجل الرحمة، ويجوز أن ينتصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وأما على حذف مضاف أي ذا رحمة أو بمعنى راحم. وفي الحديث:\r«يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة» اهـ سمين.\rقوله: لِلْعالَمِينَ (الإنس والجن) أي برا وفاجرا مؤمنا وكافرا رفع بك نحو الخسف والمسخ عن الكفار وأخر عنهم عذاب الاستئصال بسببك، أو أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان رحمة عامة من حيث أنه جاء بما يسعدهم أن اتبعوه ومن لم يتبعه فهو المقصر، أو المراد بالرحمة الرحيم وهو صلّى اللّه عليه وسلّم كان رحيما بالكافرين أيضا. ألا ترى أنهم لما شجوه وكسروا رباعيته حتى خرّ مغشيا عليه قال بعد إفاقته: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»، فاندفع ما قيل كيف قال ذلك مع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن رحمة للكافرين بل نعمة إذ لو لا إرساله إليهم لما عذبوا بكفرهم لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:\r15] اهـ كرخي.\rقوله: (إلا وحدانيته) نائب فاعل يوحي وقد سبك هذا المصدر من أنما الثانية المفتوحة وما في حيزها، والتقدير: إنما يوحى إلى وحدانيته إلهكم فأنما المفتوحة وما في حيزها في محل رفع نائب الفاعل، لكن لم يذكر المفسر القصر الثاني المأخوذ من أنما المفتوح، إذ لو ذكره لقال ما يوحى إلي إلا اختصاص إلاله بالوحدانية. وقال الشهاب في هذه الآية: قصران الأول قصر الصفة على الموصوف، والثاني بالعكس، فالثاني قصر فيه اللّه على الوحدانية، والأول فيه الوحي على الوحدانية، والمعنى لا يوحى إلي إلا اختصاص الإله بالوحدانية وأورد عليه أنه كيف يقصر الوحي على الوحدانية، وقد أوحي إليه أمور كثيرة غيرها؟ وأجيب: بأن معنى قصره عليها أنه الأصل الأصيل وما عداه غير منظور إليه في جنبه فهو قصر ادعائي اهـ ملخصا.\rقوله: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ (أعلمتكم) فالهمزة فيه للنقل. قال الزمخشري: آذن منقول من أذن إذا علم ولكنه كثر استعماله في اجزائه مجرى الإنذار اهـ سمين.\rقوله: (بالحرب) هذا هو المفعول الثاني لأذن، والمراد بالحرب العقوبة والعذاب وليس المراد","part":5,"page":167},{"id":1652,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 168\rعلمه لا أستبد به دونكم لتتأهبوا وَإِنْ ما أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) من العذاب أو القيامة المشتملة عليه وإنما يعلمه اللّه\rإِنَّهُ تعالى يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ والفعل منكم ومن غيركم وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) أنتم وغيركم من السر\rوَإِنْ ما أَدْرِي لَعَلَّهُ أي ما أعلمتكم به ولم يعلم وقته فِتْنَةٌ اختبار لَكُمْ ليرى كيف صنعكم وَمَتاعٌ تمتع إِلى حِينٍ (111) أي انقضاء آجالكم وهذا مقابل للأول المترجي بلعل، به المحاربة، ويدل على أن المراد بالحرب تصريح المفسر بقوله من العذاب أو القيامة اهـ شيخنا.\rلكن في القرطبي ما يقتضي أن المراد بالحرب حقيقته ونصه: فقل آذنتكم على سواء أي:\rأعلمناكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، والمعنى أعلمتكم بأني محارب لكم ولكن لا أدري متى بأذن اللّه لي في محاربتكم اهـ.\rقوله: (أي مستوين في علمه) أي: في العلم بالحرب الذي أعلمتكم به فالهاء من علمه راجعة للحرب اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ أَدْرِي العامة على إرسال الياء ساكنة، إذ لا موجب لغير ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قرأ وإن أدري أقريب، وإن أدري لعله فتنة بفتح الياءين وخرجت على التشبيه بياء الإضافة، والجملة الاستفهامية في محل نصب بأدري لأنها معلقة لها عن العمل، وما توعدون يجوز أن يكون مبتدأ وما قبله خبر عنه ومعطوف عليه، وجوز أبو البقاء فيه أن يرفع فاعلا بقريب قال: لأنه اعتمد على الهمزة قال: ويخرج على قول البصريين أن يرتفع ببعيد لأنه أقرب إليه. قلت: يعني أنه يجوز أن تكون المسألة من التنازع فإن كلا من الوصفين يصح تسلطه على ما توعدون من حيث المعنى اهـ سمين.\rقوله: (من العذاب) أي: بغلبة المؤمنين عليكم. قوله: (المشتملة عليه) أي: العذاب من حيث هو.\rقوله: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ أي: ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام، ويعلم ما تكتمون من الإحن والاحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي ما أعلمتكم به) أي: وهو تأخير العذاب عنكم في الدنيا اهـ عمادي.\rوقوله: (و لم يعلم وقته) أي: والحال وهذا هو محل النفي، لأن المنفي عدم علم وقت الحرب المفسر بالعذاب اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ الظاهر أن هذه الجملة معلقة لأدري، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في ذلك، إلا أن النحويين لم يعدوا من المعلقات لعل وهي ظاهرة في ذلك كهذه الآية، وكقوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عيسى: 4] وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17] اهـ سمين.\rقوله: (ليرى) أي اللّه كيف الخ. قوله: (و هذا) أي قوله: ومتاع إلى حين مقابل للأول الخ، والأول هو قوله لعله فتنة لكم، وقوله: وليس الثاني وهو قوله: ومتاع إلى حين محلا للترجي أي لأنه محقق اهـ كرخي وشهاب.","part":5,"page":168},{"id":1653,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 169\rوليس الثاني محلا للترجي\rقالَ وفي قراءة قال رَبِّ احْكُمْ بيني وبين مكذبّي بِالْحَقِ بالعذاب لهم أو النصر عليهم فعذبوا ببدر وأحد والأحزاب وحنين والخندق ونصر عليهم وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (112) من كذبكم على اللّه في قولكم اتخذ ولدا وعليّ في قولكم ساحر وعلى القرآن في قولكم شعر.\rومقتضى عبارة الشارح أن قوله: ومتاع معطوف على خبر لعل، وحينئذ لا يستقيم قوله، وليس الثاني محلا للترجي قطعا، فالأولى في المقام أن يقال أن قوله: ومتاع خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهذا متاع إلى حين أي وتأخير عذابكم متاع أي تمتع لكم، وعليه تكون هذه الجملة مستأنفة فليتأمل.\rقوله: قالَ رَبِّ احْكُمْ (بيني وبين مكذبي) أي المكذبين لي، وختم السورة بأن أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتفويض الأمر إليه وتوقع الفرج من عنده أي: احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم.\rوروى سعيد بن جبير عن قتادة قال: الأنبياء تقول ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول رب احكم بالحق، وكان إذا لقي العدو يقول وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل: رب أحكم بالحق أي اقض به، وقال أبو عبيدة: الصفة ههنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير: رب احكم بحكمك الحق اهـ قرطبي.\rقوله: (أو النصر عليهم) أو مانعة خلو. قوله: (و الخندق) فيه أن الخندق هو الأحزاب. قوله:\rالْمُسْتَعانُ أي: المطلوب منه العون. قوله: (من كذبكم الخ) عبارة الخازن: على ما تصفون أي:\rمن الشرك والكفر والكذب والأباطيل، كأنه سبحانه وتعالى قال: قل حال كونك داعيا لي رب احكم بالحق وقل في وعيد الكفار: وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون اهـ.","part":5,"page":169},{"id":1654,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 170\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الحج مدنية إلا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ الآيتين، أو إلا هذانِ خَصْمانِ الست آيات فمدنيات وهي أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وسبعون آية\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة وغيرهم اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي عقابه بأن تطيعوه إِنَّ زَلْزَلَةَ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (مكية) أي: في قول ابن عباس ومجاهد. وقال الضحاك، وابن عباس أيضا: هي مدنية، وقال قتادة: إلا أربع آيات: (و ما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي) إلى قوله: عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج: 55] إلى فهن مكيات. وعد النقاش ما نزل منها بالمدينة عشر آيات. وقال الجمهور: السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني، وهذا هو الأصح، لأن الآيات تقتضي ذلك لأن يا أَيُّهَا النَّاسُ مكي ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدني، قال الغزنوي: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا وسفرا وحضرا مكيا ومدنيا سلميا وحربيا ناسخا ومنسوخا محكما ومتشابها اهـ قرطبي.\rقوله: (أو إلا هذان خصمان الخ) هذا قول ثان في الاستثناء، وقوله: الست آيات وتنتهي إلى صراط الحميد من هنا إلى قوله: عذاب الحريق أربع وهي متعلقة بالكافرين، والآيتان الباقيتان تتعلقان بالمؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: (أو ثمان) هذا القول هو الذي حكاه الخازن وغيره ولعله الراجح عندهم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أهل مكة) أي: حرف نداء وأهل منادى فيكون منصوبا، ويصح أن تكون أي حرف تفسير وأهل تفسير للناس فيكون مرفوعا، وقوله وغيرهم بالرفع والنصب على ما مرّ. قوله: (بأن تطيعوه) أي: بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، وقوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ الخ تعليل لقوله:\rاتَّقُوا رَبَّكُمْ اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ قال الجمهور: تكون في الدنيا آخر الزمان ويتبعها طلوع الشمس من مغربها، وأضيفت إلى الساعة لأنها من أشراطها وهو مصدر مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف تقديره الأرض، ويكون إسناد الزلزلة إلى الساعة على سبيل المجاز العقلي، وعلى هذا فالزلزلة حقيقة وهي أشد الزلازل وشيء هنا يدل لا على إطلاقه على المعدوم، لأن الزلزلة لم تقع الآن ومن منع اطلاقه على المعدوم قال: جعل الزلزلة شيئا لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود، وروي أن هاتين الآيتين نزلتا","part":5,"page":170},{"id":1655,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 171\rالسَّاعَةِ أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب\rيَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ ليلا في غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة اهـ من البحر لأبي حيان.\rوفي السمين: قوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ يجوز في هذا المصدر وجهان.\rأحدهما: أن يكون مضافا لفاعله، وذلك على تقديرين، أحدهما: أن يكون من زلزل اللازم بمعنى تزلزل، فالتقدير: إن تزلزل الساعة. والتقدير الثاني: أن يكون من زلزل المتعدي ويكون المفعول محذوفا تقديره: إن زلزال الساعة الناس كذا قدره أبو البقاء، وأحسن من هذا أن يقدر أن زلزال الساعة الأرض يدل عليه قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [الزلزلة: 1] ونسبة التزلزل أو الزلزال إلى الساعة على سبيل المجاز.\rالوجه الثاني: أن يكون المصدر مضافا إلى المفعول به على طريقة الاتساع في الظرف، وقد أوضح الزمخشري ذلك بقوله: ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلية لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدرا مضافا لفاعله أو تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ:\r33] اهـ.\rقوله: (أي الحركة الشديدة) وتكون تلك الحركة في نصف رمضان اهـ قرطبي.\rقال الرازي: روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الصور أنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات:\rنفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين، وأن عند نفخة الفزع يسير اللّه الجبال وترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالمنديل المعلق تحركه الرياح اهـ بحروفه.\rقوله: (التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها) يقوي هذا القول قوله تعالى: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا إذ ليس بعد البعث حمل ولا إرضاع إلا أن يقال من ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة تبعث كذلك، وقيل: تكون مع النفخة الأولى، وقيل: تكون مع قيام الساعة حين يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية. ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [البقرة: 214] وكما قال عليه الصلاة والسّلام: «اللهم اهزمهم وزلزلهم» اهـ قرطبي.\rقوله: يَوْمَ تَرَوْنَها فيه أوجه، أحدهما: أن ينتصب بتذهل ولم يذكر الزمخشري غيره. الثاني:\rأنه منصوب بعظيم. الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر. الرابع: أنه بدل من الساعة، وإنما فتح لأنه مبني لإضافته إلى فعل وهذا إنما يتمشى على قول الكوفيين، وقد تقدم تحقيقه آخر المائدة. الخامس:\rأنه بدل من زلزلة بدل اشتمال لأن كلّا من الحديث والزمان يصدق عليه أنه مشتمل على الآخر، ولا","part":5,"page":171},{"id":1656,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 172\rبسببها كُلُّ مُرْضِعَةٍ بالفعل عَمَّا أَرْضَعَتْ أي تنساه وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ أي حبلى حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى من شدة الخوف وَما هُمْ بِسُكارى من الشراب وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) فهم يخافونه. ونزل في النضر بن الحرث وجماعة\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ يجوز أن ينتصب بزلزلة لما يلزم عليه من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. والضمير في ترونها فيه قولان، أظهرهما: أنه ضمير الزلزلة لأنها المحدث عنها، ويؤيده أيضا قوله: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ.\rوالثاني: أنه ضمير الساعة، فعلى الأول يكون الذهول والوضع حقيقة لأنه في الدنيا، وعلى الثاني يكون على سبيل التعظيم والتهويل وأنها بهذه الحيثية، إذ المراد بالساعة القيامة وهو كقوله: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [المزمل: 17] اهـ سمين.\rقوله: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ في محل نصب على الحال من الهاء في ترونها فإن الرؤية هنا بصرية، وهذا إنما يجيء على غير الوجه الأول. وأما الوجه الأول؛ وهو أن تذهل ناصب ليوم ترونها فلا محل للجملة من الاعراب لأنها مستأنفة، أو يكون محلها النصب على الحال من الزلزلة، أو من الضمير في عظيم وإن كان مذكرا لأنه هو الزلزلة في المعنى، أو من الساعة وإن كانت مضافا إليها لأنها إما فاعل أو مفعول كما تقدم، وإذا جعلناها حالا فلا بد من ضمير محذوف تقديره تذهل فيها اهـ سمين.\rقوله: كُلُّ مُرْضِعَةٍ (بالفعل) أي: مباشرة للإرضاع بأن ألقمت الرضيع ثديها فهو بالتاء لمن باشرت الارضاع وبلا تاء لمن شأنها الإرضاع وإن لم تباشره اهـ شيخنا.\rعَمَّا أَرْضَعَتْ يجوز في ما أن تكون مصدرية أي عن إرضاعها ولا حاجة إلى تقدير عائد على هذا، ويجوز أن تكون بمعنى الذي فلا بد من حذف عائد أي أرضعته، والحمل: بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر اهـ سمين.\rقوله: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى قال هنا: وترى، وقال: أو لا ترونها فجمع في الأول لأن الرؤية متعلقة بالزلزلة وكل الناس يرونها، وأفرد ثانيا لأن الرؤية متعلقة بكون الناس سكارى، فلا بد من جعل كل أحد رائيا للباقي بقطع النظر عن اتصافه بالسكر اهـ كرخي.\rقوله: وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ استدراك على محذوف تقديره: فهذه الأحوال وهي الذهول والوضع ورؤية الناس شبه السكارى هينة لينة، ولكن عذاب اللّه شديد أي ليس لينا ولا سهلا فما بعد لكن مخالف لما قبلها اهـ من أبي حيان.\rقوله: (و جماعة) كأبي جهل وأبي بن خلف اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ أي: في قدرته وصفاته، فلما ذكر تعالى أهوال يوم القيامة ذكر من غفل عن الجزاء في ذلك وكذب به، وقوله: كُتِبَ عَلَيْهِ مبني للمجهول، والظاهر أن ذلك من إسناد كتب إلى الجملة إسنادا لفظيا أي: كتب عليه هذا الكلام، وقوله: أَنَّهُ الضمير فيه للشأن ومن شرطية، وجواب الشرط فأنه يضله على حذف مبتدأ أي: فشأنه أنه يضله أي: إضلاله أي:\rفشأن الشيطان أنه يضل من تولاه اهـ من البحر.","part":5,"page":172},{"id":1657,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 173\rعِلْمٍ قالوا: الملائكة بنات اللّه والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا وَيَتَّبِعُ في جداله كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) أي متمرد\rكُتِبَ عَلَيْهِ قضي على الشيطان أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ أي اتبعه فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (4) أي النار\rيا أَيُّهَا النَّاسُ وفي الكرخي: ومن الناس من يجادل في اللّه، أي: في دين اللّه تعالى ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل اهـ.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من الفاعل في يجادل موضحة لما تشعر به المجادلة من الجهل أي ملتبسا بغير علم اهـ كرخي.\rقوله: (و انكروا البعث) أي؛ قالوا اللّه لا يقدر على ذلك، وقوله: (و إحياء) بالنصب عطفا على البعث اهـ.\rقوله: مَرِيدٍ أي: عات متجرد للفساد، ولعله مأخوذ من تجرد المصارعين عند المصارعة.\rقال الزجاج: المريد والمارد المرتفع الأملس، والمراد إما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر، وإما إبليس وجنوده اهـ أبو السعود.\rقوله: كُتِبَ عَلَيْهِ قرأ العامة كتب مبنيا للمفعول، وفتح أن في الموضعين. وفي ذلك وجهان، أحدهما: أن أنه وما في حيزها في محل رفع لقيامه مقام الفاعل فالهاء في عليه وفي أنه يعودان على من المتقدمة. ومن الثانية: يجوز أن تكون شرطية والفاء جوابها، وأن تكون موصولة والفاء زائدة في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وفتحت أن الثانية لأنها وما في حيزها خبر مبتدأ محذوف تقديره فشأنه، وحاله أن يضله أو يقدر فأنه مبتدأ والخبر محذوف أي فله أن يضله. الثاني: قال الزمخشري: فمن فتح فلأن الأول نائب فاعل كتب، والثاني: عطف عليه. قال أبو حيان: وهو لا يجوز لأنك إذا جعلت فأنه عطفا على أنه بقيت أنه بلا استيفاء خبر، لأن من تولاه من فيه مبتدأه فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى تستقل خبرا، لأنه وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها إذا جعلت فأنه عطفا على أنه. قال شهاب الدين:\rوقد ذهب ابن عطية إلى مثل قول الزمخشري فإنه قال: وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما الثاني فعطف على الأولى مؤكدة وهذا رد واضح اهـ كرخي.\rوقرئ بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب أو إضمار القول اهـ بيضاوي. وهذه القراءة شاذة كما في القاري.\rقوله: إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي: إلى موجباته والتعبير بالهداية على سبيل التهكم اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى من يجادل في قدرة اللّه بغير علم، وكان جدالهم في الحشر والمعاد ذكر دليلين واضحين على ذلك، أحدهما: في نفس الإنسان وابتداء خلقه وتطوره في أطوار سبعة وهي التراب والنطفة والعلقة والمضغة والإخراج طفلا وبلوغ الأشد والتوفي أو الرد إلى أرذل العمر. والدليل الثاني: في الأرض التي يشاهد تنقلها من حال إلى حال، فإذا اعتبر العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا، فإذا ورد الشرع بوقوعه وجب التصدق به وأنه وقع لا محالة اهـ من البحر.","part":5,"page":173},{"id":1658,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 174\rأي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ أي أصلكم آدم مِنْ تُرابٍ ثُمَ خلقنا ذريته مِنْ نُطْفَةٍ منّي ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ وهي الدم الجامد ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ وهي لحمة قدر ما يمضغ مُخَلَّقَةٍ مصوّرة تامة الخلق وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي غير تامة الخلق لِنُبَيِّنَ لَكُمْ كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته وَنُقِرُّ مستأنف فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت خروجه ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا بمعنى أطفالا ثُمَ نعمركم قوله: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ معناه إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم من تراب الخ اهـ من أبي حيان.\rوأشار له الشارح بقوله: (لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته).\rقوله: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ الخ تأمل في هذا الترتيب فإنه يقتضي أن الإنسان الكامل خلق أولا من نطفة، ثم ثانيا من علقة، ثم ثالثا من مضغة مع أن أصل الخلق من نطفه، ثم صارت النطفة علقة، ثم صارت العلقة مضغة كما يصرح به قوله في آية أخرى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً [المؤمنون: 14] الخ. وعن عبد اللّه: إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد اللّه أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة، ثم تمكث أربعين يوما تصير دما في الرحم، فلذلك جمعها وقت جعلها علقة الخ. ولم يختلف العلماء في أن نفخ الروح فيه يكون يعد مائة وعشرين يوما وذلك تمام أربعة أشهر اهـ قرطبي.\rقوله: (تامة الخلق) أي: قد تم تصويرها. وقوله: (أي غير تامة الخلق) أي غير مصورة أو غير تامة التصوير، وهذا تقسيم على سبيل التسمح، فإن كل مضغة تكون أولا غير مخلقة ثم تصير مخلوقة، ولو جاء النظم هكذا: ثم من نطفة غير مخلقة ثم من مخلقة لكان أوضح. وعبارة أبي السعود: مخلقة بالجر أي مستبينة الخلق مصورة، وغير مخلقة أي لم يستبن خلقها وصورتها بعد، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها من الأعضاء شيء ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا، وكان مقتضى الترتيب السابق المبني على التدريج من المبادىء البعيدة على القريبة أن يقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة اهـ.\rوفي القرطبي: قال ابن زيد: المخلقة التي خلق اللّه فيها الرأس واليدين والرجلين وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء. وقال ابن عباس: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة تنفخ فيه الروح فهذه عدة الوفاة اهـ.\rقوله: (كمال قدرتنا) أشار به إلى أن مفعول بين محذوف تقديره كمال قدرتنا، وقوله: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ متعلق بخلقناكم على أن اللام فيه للعاقبة، وقوله: (لتستدلوا) تعليل لقوله: لنبين لكم، أي: بيّنا لكم كمال قدرتنا لتستدلوا بقدرتنا، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا إلى آخر المذكورة قدر على إعادة ما بدأه، بل هذا أهون في القياس المعتاد وقوله: (على إعادته) متعلق بتستدلوا اهـ شيخنا وأصله من أبي حيان.\rقوله: (في ابتداء الخلق) بدل من قوله: بها أي أن في بمعنى الباء كما هو ظاهر اهـ.\rقوله: طِفْلًا حال من مفعول نخرجكم، وإنما وحد لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل،","part":5,"page":174},{"id":1659,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 175\rلِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ أي الكمال والقوة وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يموت قبل بلوغ الأشد وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أخسه من الهرم والخوف لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً يابسة فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وَرَبَتْ ارتفعت وزادت وَأَنْبَتَتْ مِنْ فيلزم الافراد والتذكير قاله المبرد، وإما لأنه مراد به الجنس، وإما لأن المعنى نخرج كل واحد منكم نحو القوم يشبعهم رغيف أي: كل واحد منهم، وقد يطابق به فيقال: طفلان وأطفال. وفي الحديث سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن أطفال المشركين، والطفل يطلق على الولد من حين الانفصال إلى البلوغ، وأما الطفل بالفتح فهو الناعم والمرأة طفلة، وأما الطفل بفتح الطاء والفاء فوقت ما بعد العصر من قولهم: طفلت الشمس إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة أي صارت ذات طفل اهـ سمين.\rوفي المختار: الطفل يستعمل مفردا وجمعا اهـ.\rقوله: أَشُدَّكُمْ هو في الأصل جمع شدة كأنعم نعمة اهـ بيضاوي.\rقوله: إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة، وقال قتادة: تسعون سنة اهـ خازن من سورة النحل.\rقوله: (و الخرف) بابه طرب فعلا ومصدرا وهو فساد العقل من الكبير اهـ شيخنا.\rقوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ الخ متعلق بيرد أي: لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئا وشيئا مفعول يعلم، فإن قلت: شيئا نكرة في سياق النفي فتعم مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل. أجيب: بأن المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئا، فإن مثل ذلك قد يذكر في مقام نفي العقل للمبالغة اهـ زاده مع زيادة.\rوفي البيضاوي: لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر ما عرفه اهـ.\rقوله: (قال عكرمة من قرأ القرآن الخ) أي: فهذا الرد خاص بغير قارىء القرآن والعلماء، أما فارىء القرآن والعلماء فلا يردون في آخر عمرهم إلى الأرذل، بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم كما ذكره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً هذا هو الدليل الثاني، ولما كان بعض مراتب الخلقة في الدليل الأول غير مرئي ومشاهد بالبصر عبر فيه بقوله: خَلَقْناكُمْ ولم يعبر فيه بالرؤية، ولما كان هذا الدليل الثاني مشاهد بالبصر عبّر فيه بالرؤية فقال: وترى أيها المجادل، وقوله: الماء أي ماء المطر والأنهار والعيون والسواقي اهـ من البحر.\rقوله: هامِدَةً الهمود السكون والخشوع، وهمدت الأرض يبست ودرست، وهمد الثوب بلي والاهتزاز التحرك، وتجوز به هنا من انبات الأرض نباتها بالماء والجمهور على ربت أي زادت من ربا يربو. وقرأ أبو جعفر، وعبد اللّه بن جعفر، وأبو عمر وفي رواية: وربأت بالهمزة أي: ارتفعت. يقال:\rربأ بنفسه عن كذا أي ارتفع عنه، ومنه الربيئة وهو من يطلع على موضع عال لينظر للقوم ما يأتيهم ويقال له ربىء أيضا اهـ سمين.","part":5,"page":175},{"id":1660,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 176\rزائدة كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ (5) حسن\rذلِكَ المذكور من بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض بِأَنَ بسبب أن اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الثابت الدائم وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)\rوَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ شك فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) ونزل في أبي جهل قوله: (تحركت) أي: في رأي العين بسبب حركة النبات، وقوله: وَأَنْبَتَتْ الإسناد مجازي لأن المنبت في الحقيقة هو اللّه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ (زائدة) أي: في المفعول.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ الخ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده والمشار إليه ما تقدم من خلق بني آدم وتطويرهم، والتقدير: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطويرهم حاصل بأن اللّه هو الحق وأنه الخ. والثاني: أن ذلك خبر مبتدأ مضمر أي الأمر ذلك. الثالث: أن ذلك منصوب بفعل مقدر أي: فعلنا ذلك بسبب أن اللّه هو الحق، فالباء على الأول مرفوعة المحل، وعلى الثاني والثالث منصوبته اهـ سمين.\rقوله: (بسبب أن) اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الخ أي: هذه الآثار من آثار الألوهية وأحكام شؤونه الذاتية والوصفية والفعلية، وأن إتيان الساعة وإتيان البعث الذين ينكرون وجودهما من أسباب تلك الآثار العجيبة التي يشاهدونها في الأنفس والآفاق أي: ذلك الصنيع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله المحقق والموجد لما سواه من الأشياء، فهذه الآثار الخاصة من فروع القدرة العامة التامة ومسبباتها ومن جملة فروعها ومتعلقاتها إحياء الموتى وتخصيصه بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها تصريح بمحل النزاع وتقديمه للاعتناء به، وقوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ عطف على المجرور بالباء كالجملتين قبلها داخلة معها في حيز السببية، وكذا قوله: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. فالحاصل أنه تعالى ذكر أسبابا خمسة: الثلاثة الأول مؤثرة، والأخيران غير مؤثرين اهـ من أبي السعود ببعض تصرف.\rوقال ابن جزي في تفسيره: إن الباء ليست للسببية بل هي متعلقة بمحذوف يدل عليه المقام، والتقدير: ذلك المذكور من خلق الإنسان وإحياء النبات مشاهد بأن اللّه هو الحق وما عطف عليه، فيكون قوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ معطوفين على ما قبلها بهذا التقدير، فتكون هذه الأشياء المذكورة بعد الباء مستدلا عليها بخلق الإنسان والنبات كما استدل بهما على البعث والإعادة اهـ شيخنا وأصله لأبي حيان.\rقوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ الخ هذا توكيد لقوله: وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وهو خبر مبتدأ محذوف أي:\rوالأمر أن الساعة الخ، فليس داخلا في سببية ما تقدم ذكره اهـ من البحر.\rوعبارة السمين: قوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ فيه وجهان، أحدهما: أنه عطف على المجرور بالباء أي بأن الساعة. والثاني: أنه ليس معطوفا عليه ولا داخلا في حيز السببية، وإنما هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: والأمر أن الساعة ولا ريب فيها يحتمل أن تكون هذه الجملة خبرا ثانيا وأن تكون حالا اهـ.","part":5,"page":176},{"id":1661,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 177\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً معه وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) له نور معه\rثانِيَ عِطْفِهِ حال أي لاوي عنقه تكبرا عن الإيمان والعطف الجانب عن يمين أو شمال لِيُضِلَ بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ عذاب فقتل يوم بدر وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) أي الإحراق بالنار ويقال له\rذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي قدمته، عبر عنه بهما دون قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: بغير علم ضروري. وقوله: وَلا هُدىً أي: ولا استدلال لأن الدليل يهدي إلى المعرفة، وقوله: وَلا كِتابٍ أي؛ ولا وحي، والمعنى: أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وليست هذه الآية مكررة مع قوله: يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ [الحج: 3] لأن الأولى واردة في المقلدين بكسر اللام لتقليدهم واتباعهم للشيطان، وهذه واردة في حق المقلدين بفتح اللام لقوله: لِيُضِلَ الخ. قال في الكشاف: هو أوفق وأظهر بالمقام اهـ شيخنا وأصله في الرازي.\rقوله: وَلا هُدىً أي: استدلال. وسمي هدى لأنه يهدي ويوصل إلى المطلوب اهـ شيخنا.\rقوله: (معه) متعلق بكتاب، أي؛ ولا وحي كائن معه وليس متعلقا بقوله نور اهـ شيخنا.\rقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ الثني: الّلي، والعطف: الجانب بعطفه الإنسان ويلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء، وهو عبارة عن التكبر كما أشار له بقوله: (تكبرا) اهـ زاده.\rقوله: (حال) أي: من الضمير في يجادل، وقوله ليضل متعلق بيجادل، وقوله: (بفتح الياء) أي ليضل في نفسه، وبضمها أي ليضل غيره، قوله: عَذابَ الْحَرِيقِ الحريق: طبقة من طباق جهنم، ويصح أن يكون من إضافة الموصوف لصفته أي العذاب الحريق أي المحرق اهـ من البحر.\rوالمراد من قوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ليستمر أو ليزيد ضلالة، وأن ضلاله كالغرض له لكونه مآل واللام للعاقبة، فإن قتل: هذا لا يختص بقراءة الفتح، قلت: هو عليها أظهر، وقد قيل: إنه ليس المراد تخصيصه بها، والضلال يشمل ضلال نفسه وضلال غيره اهـ شهاب.\rقوله أيضا: (حال) عبارة السمين: قوله: ثاني عطفه حال من فاعل يجادل أي معرضا، وهي إضافة لفظية نحو: ممطرنا، والعامة على كسر العين وهو الجانب كنى به عن التكبر، وقرأ الحسن بفتح العين وهو مصدر بمعنى التعطف وصفة بالقوة اهـ.\rقوله: (و العطف الجانب الخ) الجانب: بمعنى الجنب ولا حاجة لصرف اللفظ عن ظاهرة وحمل العطف على العنق، وإبقاؤه على ظاهره كاف في إفادة المقصود وهو أنه كناية عن الإعراض. وفي المختار: وعطفا الرجل جانباه من رأسه إلى وركيه وكذا عطفا كل شيء جانباه، وثنى عطفه عنه أي أعرض عنه اهـ.\rوفي المصباح: وجنب الإنسان ما تحت إبطه إلى كشحه، والجمع جنوب مثل فلس وفلوس، والجانب: الناحية ويكون بمعنى الجنب أيضا لأنه ناحية من الشخص اهـ.\rقوله: (و يقال له) ذلِكَ أي ما ذكر من الخزي وعذاب الحريق اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ في غير هذه السورة أيديكم، لأنه هذه الآية نزلت في أبي جهل","part":5,"page":177},{"id":1662,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 178\rغيرهما لأن أكثر الأفعال تزاول بهما وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ أي بذي ظلم لِلْعَبِيدِ (10) فيعذبهم بغير ذنب\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي شك في عبادته شبه بالحال على حرف جبل في عدم ثباته فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ صحة وسلامة في نفسه وماله اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ محنة وسقم في نفسه وماله انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي رجع إلى الكفر خَسِرَ الدُّنْيا بفوات ما أمله منها وحده، وفي غيرها نزلت في جماعة تقدم ذكرهم اهـ كرماني.\rقوله: (عبر عنه) أي: الشخص بهما أي اليدين، وقوله: (تزاول) أي: تعالج وتعمل بهما اهـ.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ عطف ما قدمت فهو في محل جر اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ الخ عبارة الخازن: نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة يصح بها جسمه، ونتجت بها فرسه، وولدت امرأته غلاما وكثر ماله قال: هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن له، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية ولم تلد فرسه وقلّ ماله قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين، إلا شرا فينقلب عن دينه وذلك في الفتنة، فأنزل اللّه تعالى: قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي؛ على شك؛ وأصله من حرف الشيء وهو طرفه الذي هو قائم عليه غير مستقر، فقيل للشاك في الدين: إنه يعبد اللّه على حرف لأنه لم يدخل فيه بنية الثبات والتمكن، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكينة وطمأنينة، ولو عبدوا للّه بالشكر على السراء والصبر على الضراء، لم يكونوا على حرف، وقيل: هو المنافق بلسانه دون قلبه، انتهت.\rقوله: عَلى حَرْفٍ حال من فاعل يعبد. أي: متزلزلا اهـ سمين.\rقوله: (أي شك في عبادته) أي: ضعف يقين وانحراف عن العقيدة، وعلى طرف من الدين لا في وسطه وقلبه اهـ من البحر.\rقوله: (شبه بالحال على حرف جبل في عدم ثباته) أشار إلى أن في الآية استعارة تمثيلة، وهي أنه نزل من دخل في الإسلام من غير اعتقاد وصحة قصد منزلة الحال على طرف شيء في تزلزله وعدم ثباته، وفي تقريره بيان للمعنى المراد المجازي اهـ كرخي.\rقوله: اطْمَأَنَّ بِهِ أي: رضي به وسكن إليه اهـ خازن.\rوعبارة الخطيب: اطمأن به أي بسببه وثبت على ما هو عليه اهـ.\rقوله: وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ المراد بها هنا ما يكرهه الطبع ويثقل على النفس كالجدب والمرض وسائر المحن، وإلا لما صح أن يجعل مقابلا للخير لأنه أيضا فتنة وامتحان. قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35] ولم يقل: وإن أصابه شر مع أنه المقابل للخير، لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرا في نفسه بل هو سبب القرب بشرط التسليم والرضا بالقضاء اهـ زاده.\rقوله: (و سقم في نفسه وماله) بأن كان ماله حيوانات. قوله: خَسِرَ قرأ العامة خسر فعلا ماضيا، وهو يحتمل ثلاثة أوجه: الاستئناف، والحالية من فاعل انقلب ولا حاجة إلى إضمار قد على الصحيح، والبدلية من قوله: انْقَلَبَ كما أبدل المضارع من مثله في قوله تعالى: يَلْقَ أَثاماً","part":5,"page":178},{"id":1663,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 179\rوَالْآخِرَةَ بالكفر ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) البين\rيَدْعُوا يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ من الصنم ما لا يَضُرُّهُ إن لم يعبده وَما لا يَنْفَعُهُ إن عبده ذلِكَ الدعاء هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) عن الحق\rيَدْعُوا لَمَنْ اللام زائدة ضَرُّهُ بعبادته أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ إن نفع بتخيله لَبِئْسَ الْمَوْلى هو أي الناصر وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) الصاحب هو وعقب ذكر الشاك بالخسران بذكر يُضاعَفْ [الفرقان: 69] وقرأ مجاهد في آخرين خاسر بصيغة اسم الفاعل منصوبا على الحال اهـ سمين.\rقوله: (بفوات ما أمله) أي ذهاب ما أمله، وهو كثرة ماله واجتماعه بأحبائه. وقال الكرخي: ما أمله منها من العز والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء اهـ شيخنا.\rقوله: (بالكفر) أي بالرجوع إلى الكفر بسبب الارتداد اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ إذ لا خسران مثله فإنه إذا لم ينضم إليه الأخروي أو بالعكس لم يتمحض خسرانا، فلم يظهر كونه كذلك ظهورا تاما، فانحصر الخسران البين فيه على ما دل عليه الإتيان بضمير الفصل اهـ كرخي.\rقوله: ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ نفي الضر والنفع هنا، وأثبتهما في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ فحصل التعارض والتناقض، وأجيب: بأنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن بسبب عبادتها، فنسب الضرر إليها كما في قوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: 36] حيث أضاف الأضلال إليها من حيث إنها كانت سبب الضلال اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لا يضر بنفسه ولا ينفع اهـ.\rوأشار بذكر نفسه إلى الجمع بين نفي الضرر والنفع بمعبودهم هنا، وإثباتهما له في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ. وحاصله: أنه لا ضرر له ولا نفع له بنفسه وله ذلك بسبب معبوديته، كما أشار له بقوله: يكون معبودا. أما الضر فظاهر وأما النفع فبزعمهم اهـ زكريا.\rوقال الشهاب: دفع التنافي بأن النفي باعتبار ما في نفس الأمر والاثبات باعتبار زعمهم الباطل اهـ.\rقوله: (اللام زائدة) أي: ومن مفعول يدعو، وضره: مبتدأ، وأقرب: خبر، والجملة صلة من.\rوعبارة السمين: والسابع من الأوجه أن اللام زائدة في المفعول به وهو من، والتقدير: يدعو من ضره أقرب، فمن موصولة، والجملة بعدها صلتها، والموصول هو المفعول بيدعو زيدت فيه اللام كما زيدت في قوله: رَدِفَ لَكُمْ [النمل: 72] في أحد القولين، وقرأ عبد اللّه: يدعو من ضره بغير لام ابتداء وهي مؤيدة لهذا الوجه، انتهت.\rقوله: (بعبادته) الباء سببية. قوله: (إن نفع) أي: المعبود، قوله: (بتخيله) أي: العابد فتأمل.\rقوله: (هو) هذا هو المخصوص بالذم، وقوله: (أي الناصر) تفصيل للمولى، وكذا يقال فيما بعده، وتسميته مولى على سبيل التهكم. قوله: (و عقب ذكر الشاك بالخسران) الجار والمجرور حال من الشاك والباء للملابسة والمصاحبة. أي: حالة كونه متلبسا بالخسران، وكذا يقال فيما بعده أو ضمن","part":5,"page":179},{"id":1664,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 180\rالمؤمنين بالثواب في\rإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفروض والنوافل جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14) من إكرام من يطيعه وإهانة من يعصيه\rمَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ ذكر في الأول معنى الوعيد، وفي الثاني معنى الوعد، وقوله: (بذكر المؤمنين) متعلق بعقب على كل من المعنيين وقوله: في إن اللّه الخ نعت للذكر الثاني أي: الذكر الكائن في هذه الآية، وقوله: (من اكرام من يطيعه الخ) لف ونشر مشوش. وعبارة أبي حيان: لما ذكر تعالى من يعبده على حرف وسفّه رأيه وتوعده بخسرانه في الآخرة عقبه بذكر حال مخالفيهم من أهل الإيمان وما وعدهم به من الوعد الحسن، ثم أخذ في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق وظنوا أن اللّه لن ينصر محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه، ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظار وعدنا، فمن ظن غير ذلك فليمدد بسبب الخ انتهت.\rوفيها إشارة إلى أن قوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ. ذكر استطرادا بين الكلامين المتعلقين بمن يعبد اللّه على حرف.\rقوله: مَنْ كانَ يَظُنُ الخ تفريع في المعنى على محذوف مرتبط بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ والتقدير: ومن جملة ما يريد نصرة نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فمن كان الخ اهـ شيخنا.\rأي: من كان يظن من الكفار، والضمير في ينصره لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى على هذا من كان من الكفار يظن أن لن ينصر اللّه محمدا فليختنق بحبل فإن اللّه ناصر رسوله، وموجب الاختناق هو الغيظ، والكيد هو الاحتيال، وسمي الاختناق كيدا لأنه وضع موضع الكيد إذ هو غاية حيلته، والمعنى: إذا خنق نفسه بغيظه هل يذهب ذلك ما يغيظه وهو نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أعدائه اهـ ابن جزي.\rوهذا أي حمل من في قوله: مَنْ كانَ يَظُنُ على الكفار يوافق كلام الجلال، مثله في العمادي، وقوله: والكيد هو الاحتيال أي: في إيصال الضرر للغير، واستعمل هنا في إيصال الضرر إلى نفسه الذي هو الخنق لأنه هو غاية ما يقدر عليه كما أن الكيد كذلك اهـ من الكازروني.\rوفي القرطبي: قال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل هنا أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه صلّى اللّه عليه وسلّم، فليمدد بسبب إلى السماء أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء، ثم ليقطع النصر إن تهيأ له، فلينظر هل يذهبن كيده وحيلته ما يغيظ من نصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع، وكذا قال ابن عباس: أن الكناية في ينصره اللّه ترجع إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دل عليه، لأن الإيمان وهو الإيمان باللّه وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الذي أتى به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أي: من كان يظن ممن كان يعادي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ومن يعبد اللّه على حرف إنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا اهـ.\rوفي أبي السعود: والمعنى أنه تعالى ناصر لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الدنيا والآخرة لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه، فمن كان يغيظه ذلك من أعاديه وحساده ويظن أن لن يفعله تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور ومباشرة ما يرده من المكائد، فليبالغ في استفراغ المجهود وليجاوز في الحد كل حد معهود، فقصارى أثره وعاقبة أمره أن يختنق خنقا مما يرى من ضلال مساعيه وعدم انتاج مقدمات","part":5,"page":180},{"id":1665,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 181\rلَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ أي محمدا نبيه فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ بحبل إِلَى السَّماءِ أي سقف بيته يشده فيه وفي عنقه ثُمَّ لْيَقْطَعْ أي ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في الصحاح فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ في عدم نصرة النبي ما يَغِيظُ (15) ه منها. المعنى: فليختنق غيظا مبادئه، فليمدد بسبب إلى السماء أي: فليمدد حبلا إلى سقف بيته ثم ليقطع أي: ليختنق، من قطع إذا اختنق لأنه يقطع نفسه بحبس مجاريه، وقيل: ليقطع الحبل بعد الاختناق على أن المراد به فرض القطع، وتقديره: على أن المراد بالنظر في قوله تعالى: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ تقدير النظر وتصويره أي: فليصور في نفسه النظر هل يذهبن كيده ذلك الذي هو أقصى ما انتهت إليه قدرته في باب المضادة والمضارة ما يغيظه من النصر كلا، ويجوز أن يراد فلينظر الآن إن فعل ذلك هل يذهب ما يغيظه. وقيل: المعنى فليمدد حبلا إلى السماء المظلة وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي، وقيل: ليقطع المسافة حتى يبلغ عنانها يجتهد في عدم نصره صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: فَلْيَمْدُدْ جواب للشرط إن كانت من الشرطية وهو الظاهر، أو خبر للموصول إن كانت موصولة والفاء للتشبيه بالشرط اهـ سمين.\rقوله: (يشده) أي: يشد حبله، وفي نسخة يشد بحذف الهاء وهي على تقديرها، وفي أخرى ليشده باللام والهاء، وعلى كل فهو تفسيره لقوله: فَلْيَمْدُدْ اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ الخ هذا على سبيل الفرض لأنه لا يمكنه النظر بعد الاختناق، ولكنه مثل قول الناس للحاسد مت غيظا اهـ خازن.\rوهو نظير قوله تعالى في آل عمران: وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ [آل عمران: 119]. قوله: (بأن يقطع نفسه) أشار به إلى أن مفعول يقطع محذوف تقديره نفسه بفتحتين، لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، وبعضهم قدر المحذوف أجله اهـ شيخنا.\rفقوله: (بأن يقطع) كناية عن الموت اهـ.\rقوله: (كما في الصحاح) راجع لجميع ما ذكر من قوله بحبل إلى السماء الخ. وعبارة الصحاح كما نقلها في المختار: وقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْطَعْ قالوا: ليختنق لأن المختنق يمد السبب إلى السقف ثم يقطع نفسه من الأرض حتى يختنق، تقول: منه قطع الرجل أي اختنق، ولبن قاطع أي: حامض اهـ.\rوالصحاح بفتح الصاد اسم كتاب في اللغة للإمام العلامة أبي النصر إسماعيل بن حماد الجوهري اهـ شيخنا.\rقوله: كَيْدُهُ المراد بكيده فعله الذي هو الاختناق. أي: احتياله في عدم نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بخنق نفسه. وفي السمين: هل يذهبن الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافض لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر تعدى بفي، وقوله: ما يَغِيظُ ما موصولة بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المستتر، وما صلتها مفعولة بقوله: يُذْهِبَنَ أي: هل يذهبن كيده الشيء الذي يغيظه وهو نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فالمرفوع في يغيظه عائد على الذي، والمنصوب على من كان يظن اهـ.\rوفي بعض نسخ الشارح التصريح بالمنصوب، وعليها كتب الكرخي ونصه: قوله ما يغيظه منها،","part":5,"page":181},{"id":1666,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 182\rمنها فلا بد منها\rوَكَذلِكَ أي مثل إنزالنا الآيات السابقة أَنْزَلْناهُ أي القرآن الباقي آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهرات حال وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) هداه معطوف على أنزلناه\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود وَالصَّابِئِينَ طائفة منهم وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بإدخال المؤمنين الجنة وإدخال غيرهم النار إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من فما بمعنى الذي، والعائد مضمر على ما أشار إليه نسخ المصنف، وما صلتها مفعولة بقوله يذهبن إلى آخر ما في السمين اهـ.\rقوله: (منها) بيان لما التي هي عبارة عن نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: (غيظا منها) أي من أجلها، وقوله: (بلا بد منها) أي: النصرة تعليل لقوله: (فليختنق)، والتقدير: لأنه لا بد منها اهـ شيخنا.\rقوله: (حال) أي: لفظ آيات حال من الهاء في أنزلناه، وقوله: بَيِّناتٍ صفة لآيات اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ أي: ويضل من يريد. قوله: (معطوف على أنزلناه) فالمعنى:\rوأنزلنا أن اللّه يهدي من يريد، أي: أنزلنا هداية اللّه لمن يريد هدايته فأن وصلتها في محل نصب، ويصح أن تكون في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر تقديره: والأمر أن اللّه يهدي من يريد اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الخ ومن هذا قيل الأديان سنة: واحد للرحمن وهو الإسلام، وخمسة للشيطان وهي ما عداه اهـ من الخازن.\rوفي السمين: هذه الآية فيها وجهان، أحدهما: أن إن الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبر لإن الأولى: قال الزمخشري: وأدخلت إن على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التأكيد وحسن دخول إن في الخبر، وإن كل جملة واقعة خبرا عن أن طول الفصل بينهما بالمعاطيف. والثاني: أن إن الثانية تكرير للأولى على سبيل التوكيد وهذا ماش على القاعدة، وهي أن الحرف إذا كرر توكيدا أعيد معه ما اتصل به أو ضمير ما اتصل به، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولا وهي الجلالة المعظمة فلم يتعين أن يكون قوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ خبرا، لأن الأولى كما ذكر. وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية إلا المجوس، وهم قوم اختلف أهل العلم فيهم فقيل: قوم يعبدون النار، وقيل: الشمس، وقيل: اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا من دين النصارى شيئا ومن دين اليهود شيئا، وهم القائلون:\rبأن العالم أصلين النور والظلمة، وقيل: هم قوم يستعمل النجاسات والأصل نجوس بالنون فأبدلت ميما اهـ سمين.\rقوله: (طائفة منهم) أي: اليهود. والصحيح المقرر في الفروع أن الصابئين طائفة من النصارى اهـ شيخنا.\rقوله: (و إدخال غيرهم) وهم الفرق الخمس. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ تعليل لقوله:\rإن يفصل بينهم، وكأن قائلا قال: أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل: إن اللّه على كل شيء شهيد أي:\rعالم كما قال الشارح اهـ شيخنا.","part":5,"page":182},{"id":1667,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 183\rعملهم شَهِيدٌ (17) عالم به علم مشاهدة\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ أي يخضع له بما يراد منه وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وهم المؤمنون بزيادة على الخضوع في سجود الصلاة وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وهم الكافرون لأنهم أبوا السجود المتوقف على الإيمان وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ يشقه فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ مسعد أَنَّ اللَّهَ قوله: (عالم به) يشير إلى أن الشهيد في صفات اللّه تعالى معناه الذي لا يغيب عنه شيء كما قرره، ومن قضيته الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة، والظاهر تعميم الكلام لعبدة الأوثان ولعباد الشمس والقمر والنجوم اهـ كرخي.\rقوله: (تعلم) حمل الرؤية هنا على العلم، وذلك لأن رؤية سجود هذه الأمور للّه إنما جاءنا من طريق العقل لأنا لا نراه بأبصارنا اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ فِي السَّماواتِ الخ جملة ما ذكره ثمانية، وقوله: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ عطف خاص على قوله: مَنْ فِي السَّماواتِ ونص عليها لما ورد أن بعضهم كان يعبدها، وقوله:\rوَالْجِبالُ عطف خاص على من في الأرض، ونص عليها لما ورد أن بعضهم كان يعبدها، أي:\rالجبال، أي: يعبد ما أخذ منها وهو الأصنام، وكذا يقال في قوله: والشجر والدواب اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فيه أوجه.\rأحدها: أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره ويسجد له كثير من الناس، وهذا عند من يمنع استعمال المشترك في معنييه أو الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وذلك أن السجود المسند لغير العقلاء غير السجود المسند للعقلاء، فلا يعطف كثير من الناس على ما قبله لاختلاف الفعل المسند إليهما في المعنى. ألا ترى أن سجود غير العقلاء هو الطواعية والاذعان لأمره، وسجود العقلاء هو هذه الكيفية المخصوصة.\rالثاني: أنه معطوف على ما تقدمه، وفي ذلك ثلاث تأويلات أحدها: أن المراد بالسجود القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم وهو الخضوع والطواعية وهو من باب الاشتراك المعنوي. والتأويل الثاني: أنه مشترك اشتراكا لفظيا، ويجوز استعمال المشترك في معنييه. والتأويل الثالث: أن السجود المسند للعقلاء حقيقة ولغيرهم مجاز، ويجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذه الأشياء فيها خلاف لتقريره موضع هو أليق به من هذا.\rالثالث: من الأوجه المتقدمة أن يكون كثير مرفوعا بالابتداء وخبره محذوف تقديره هو مثاب لدلالة خبر مقابله عليه وهو قوله: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ كذا قدره الزمخشري، وقدره أبو البقاء مطيعون أو مثابون أو نحو ذلك اهـ سمين.\rقوله: (بزيادة) وهي وضع الجبهة، وقوله: (في سجود الصلاة) متعلق بزيادة اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ من مفعول مقدم وهي شرطية جوابها الفاء مع ما بعدها، والعامة على مكرم بكسر الراء اسم فاعل، وقرأ ابن أبي عبلة بفتحها وهو اسم مصدر أي: فما له من إكرام اهـ سمين.","part":5,"page":183},{"id":1668,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 184\rيَفْعَلُ ما يَشاءُ (18) من الإهانة والإكرام\rهذانِ خَصْمانِ أي المؤمنون خصم والكفار خصم وهو يطلق على الواحد والجماعة اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ أي في دينه فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ قوله: هذانِ خَصْمانِ نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحرث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال ابن عباس: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب حيث قال أهل الكتاب: نحن أولى باللّه وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم، وقال المسلمون: نحن أحق باللّه منكم آمنا بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبنبيكم وبما أنزل اللّه من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا وكفرتم حسدا. وقيل: الخصمان الجنة والنار وهو ضعيف اهـ خازن.\rوفي تذكرة القرطبي: روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال اللّه تعالى لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها» وخرجه مسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ومعنى احتجت النار والجنة أي:\rحجت كل واحدة منهما صاحبتها وخاصمتها اهـ.\rقوله: (أي المؤمنون خصم) ليس في هذا التركيب الإخبار بالمفرد عن الجمع لما ذكر الشارح أنه يطلق على الواحد والجماعة أي: بلفظ واحد، وقد يعبر فيه بلفظ الجمع والتثنية. وفي السمين:\rالخصم في الأصل مصدر وذلك يوحد ويذكر غالبا، وعليه قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: 21] ويجوز أن يثنى ويؤنث وعليه هذه الآية، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال اختصموا بصيغة الجمع كقوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: 9] فالجمع مراعاة للمعنى، وقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا هذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعلى هذا فيكون قوله: هذان خصمان معترضا، والجملة من اختصموا حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من خصمان اهـ.\rقوله: (أي في دينه) يعني أن بعضهم أثبته وبعضهم أنكره اهـ شيخنا.\rوأشار بذلك إلى أن في ربهم على حذف مضاف. قال أبو حيان: والظاهر أن الاختصام وهو في الآخرة بدليل التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا، ولذلك قال علي رضي اللّه عنه: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي اللّه تعالى، وإن قلنا هذا الحكم والفصل في الدنيا لا في يوم القيامة، فالجواب: أنه لما كان تحقيق مضمونه في ذلك اليوم صح جعل يوم القيامة ظرفا له بهذا الاعتبار اهـ كرخي.\rقوله: قُطِّعَتْ لَهُمْ الخ أي: قدرت لهم على قدر جثثهم، لأن الثياب الجدد تقطع وتفصل على مقدار بدن من يلبسها، فالتقطيع مجاز عن التقدير بذكر المسبب وهو التقطيع وإرادة السبب وهو التقدير والتخمين، والظاهر أنه بعد ذلك جعل تقطيعها استعارة تمثيلية تهكمية شبه إعداد النار وإحاطتها بهم بتفصيل ثياب لهم، وجمع الثياب لأن النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض، وهذا","part":5,"page":184},{"id":1669,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 185\rمِنْ نارٍ يلبسونها يعني أحيطت بهم النار يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) الماء البالغ نهاية الحرارة\rيُصْهَرُ يذاب بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ من شحوم وغيرها وَتشوى به الْجُلُودُ (20)\rوَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) لضرب رؤوسهم\rكُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي النار مِنْ غَمٍ أبلغ من جعلها من مقابلة الجمع بالجمع والتعبير بالماضي لأنه بمعنى إعدادها لهم اهـ من الشهاب.\rقوله: (يعني أحيطت بهما النار) أي: جعلت محيطة بهم وإشار به إلى أن في الكلام استعارة عن إحاطة النار بهم كما يحيط الثوب بلابسه، ولما كان الثوب ظاهرا فيما يغطي الجسد غير الرأس ذكر ما يصيب الرأس بقوله: يُصَبُّ. وعن ابن عباس: لو سقطت من الحميم نقطة عل جبال الدنيا لأذابتها، ولما ذكر ما يعذب به ظاهر الجسد ذكر ما يعذب به باطنه وهو الحميم الذي يذيب ما في البطون من الأحشاء، ويصل ذلك الذوب إلى الظاهر فيؤثر فيه تأثيره في الباطن كما قال تعالى: فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: 15] اهـ من البحر.\rوفي الحديث: «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم فينفذ من جمجمة أحدهم حتى يخلص إلى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان». أخرجه الترمذي وقال:\rحديث حسن صحيح اهـ خازن.\rقوله: يُصَبُ هذه الجملة يحتمل أن تكون خبرا ثانيا للموصول، وأن تكون حالا من الضمير في لهم، وأن تكون مستأنفة وقوله: يُصْهَرُ بِهِ جملة حالية من الحميم، والصهر: الإذابة، يقال:\rصهرت الشحم من باب قطع إذا أذبته، والصهارة الآلية المذابة وصهرته الشمس أذابته. وقوله:\rوَالْجُلُودُ فيه وجهان، أظهرهما: عطفه على ما الموصولة أي: يذاب الذي في بطونهم من الأمعاء وتذاب أيضا الجلود أي: يذاب ظاهرهم وباطنهم. والثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر أي: وتخرق الجلود. قالوا: لأن الجلود لا تذاب إنما تنقبض وتكمش إذا صليت بالنار اهـ سمين.\rوفي الكرخي: قوله: (تشوى به) الجلود يشير إلى أنه مرفوع بفعل مقدر، أي: لأن الجلود لا تذاب وهذا كقوله:\rعلفتها تبنا وماء باردا\rأي: وسقيتها. ويجوز عطفه على ما الموصولة وتأخيره إما لمراعاة الفواصل أو للإشعار بغاية شدة الحرارة بايهام أن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر مع أن ملابستها على العكس اهـ.\rقوله: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ يجوز في هذا الضمير وجهان، أظهرهما: أنه يعود على الذين كفروا وفي اللام حينئذ قولان، أحدهما: أنها للاستحقاق، والثاني: أنها بمعنى على كقوله: وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ [الرعد: 25] ليس بشيء الوجه الثاني: أن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم، ودل عليهم سياق الكلام وفي بعد. ومن حديد صفة لمقامع وهي جمع مقمعة بكسر الميم لأنها آلة القمع، يقال:\rقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره ويذله والمقمعة المطرقة، وقيل: السوط اهـ سمين.\rقوله: مِنْ غَمٍ من للتعليل متعلقة بيخرجوا. أي يخرجوا من أجل غم والإرادة هنا مجاز عن","part":5,"page":185},{"id":1670,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 186\rيلحقهم بها أُعِيدُوا فِيها ردوا إليها بالمقامع وَقيل لهم ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22) أي البالغ نهاية الإحراق، وقال في المؤمنين\rإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً بالجر أي منهما بأن يرصع اللؤلؤ بالذهب القرب، والمراد أنها ترفعهم وترميهم إلى أعلاها فلا خروج لهم لقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة: 37] ولهذا قال: أعيدوا فيها دون إليها. وبعضهم أبقى الإرادة على حقيقتها، وأجاب عن قوله: وما هم بخارجين منها بأنهم لا يستمرون على الخروج وبأن العود قد يتعدى بفي للدلالة على التمكن والاستقرار وذكر الإرادة للدلالة على رغبتهم في الخروج اهـ من الشهاب.\rقوله: (أي البالغ) يقرأ بالجر تفسيرا للحريق، لأن فعيلا بمعنى مفعول من صيغ المبالغة اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الخ غيّر الاسلوب حيث لم يقل والذين آمنوا الخ عطفا على الذين كفروا تعظيما لشأن المؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: الْأَنْهارُ جمع نهر بفتحتين، وأما نهر بسكون ثانية فجمعه أنهر بوزن أفعل كأفلس اهـ شيخنا.\rقوله: يُحَلَّوْنَ فِيها العامة على ضم الياء وفتح اللام مشددة من حلاه تحلية إذا ألبسه الحلي، وقرئ بسكون الحاء وفتح اللام مخففة وهو بمعنى الأول كأنهم عدّوه تارة بالتضعيف وتارة بالهمزة، وقوله: مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ في من الأولى ثلاثة أوجه، أحدها: أنها زائدة كما تقدم. والثاني: أنها للتبعيض أي: بعض أساور. والثالث: أنها لبيان الجنس، ومن في من ذهب لابتداء الغاية وهي نعت لأساور كما تقدم. وقوله ولؤلؤ اختلف الناس في رسم هذه اللفظة في الإمام، فنقل الأصمعي أنها في الإمام لؤلؤ بغير ألف بعد الواو، ونقل الجحدري أنها ثابتة في الإمام بعد الواو وهذا الخلاف بعينه قراءة وتوجيهها جار في حرف فاطر أيضا اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: وقرئ لؤلؤا بقلب الثانية واوا ولوليا بقلبهما واوين، ثم قبل الثانية ياء وليليا بقلبهما ياءين اهـ.\rقوله: مِنْ أَساوِرَ جمع أسورة جمع سوار اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالجر الخ) أي: في قراءة الجمهور عطفا على ذهب على أن الأساور مركبة منها، وصوره بقوله: (بأن يرصح اللؤلؤ بالذهب) لدفع ما قيل إنه لم تعهد الأسورة من اللؤلؤ وأنه معطوف على أساور لا على ذهب.\rقوله: (و بالنصب) أي: في قراءة نافع وعاصم عطفا على محل من أساور، لأنه يقدر ويحلون حليا من أساور أي: فالحلي في موضع نصب على أنه صفة لمفعول محذوف أي: حليا لؤلؤا، أو بتقرير ويؤتون لؤلؤا، وعليه اقتصر في الكشاف اهـ كرخي.\rثم رأيت في تذكرة القرطبي ما نصه: ويسور المؤمن في الجنة بثلاثة أسورة: سوار من ذهب،","part":5,"page":186},{"id":1671,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 187\rوبالنصب عطفا على محل من أساور وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23) وهو المحرم لبسه على الرجال في الدنيا\rوَهُدُوا في الدنيا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو لا إله إلا اللّه وَهُدُوا إِلى صِراطِ وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ. قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وفي الصحيح: تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء اهـ.\rقوله: (بأن يرصع الخ) أي: يحلى. لأن الترصيع في اللغة أن يجعل في أحد جانبي العقد من اللآلىء مثل ما في جانب الآخر، يقال: تاج مرصع. أي محلّى بها. وفي المختار: الترصيع التركيب، وتاج مرصع بالجواهر، وسيف مرصع أي: محلى بالرصائع وهي حلق يحلى بها. الواحدة رصيعة اهـ.\rوالظاهر أن في عبارة المفسر قلبا، والأصل بأن يرصع الذهب باللؤلؤ كما يدل عليه عبارة البيضاوي. وفي آية الكهف يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف: 31] وليس فيها لؤلؤ. وفي سورة هل أتى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: 21] ولم يذكر فيها اللؤلؤ ولا الذهب، فيجتمع لهم التزين بهذه الأمور بالذهب وحده وبالفضة وحدها وبالذهب واللؤلؤ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ غيّر الأسلوب حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريرا للمحافظة على الفواصل، لأنه لو قال ما ذكر لكان في آخر الفاصلة الألف في الكتابة والوقف بخلاف البقية اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: غيّر أسلوب الكلام فيه حيث لم يقل: ويلبسون حريرا للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة. فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الدوام، والمعنى أنه تعالى يوصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة فإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» ومحله فيمن مات مصرا على ذلك اهـ.\rثم رأيت في تذكرة القرطبي ما نصه: وفي الحديث: «إن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة» وكذلك لابس الحرير في الدنيا، وكذلك من استعمل آنية الذهب والفضة. عن أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين».\rفقيل: ومن الروحانيون يا رسول اللّه؟ قال: «قراء أهل الجنة» خرّجه الترمذي أبو عبد اللّه في نوادر الأصول. وقد قيل: إن حرمانه شرب الخمر ولباس الحرير وشربه في إناء الذهب والفضة، واستماعه للروحانيين إنما هو في الوقت الذي يعذب فيه في النار ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة ادخل الجنة ولم يحرم شيئا منها لا خمرا ولا حريرا ولا غيره، لأن حرمان شيء من لذات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. قلت: حديث أبي سعيد، وأبي موسى يرد هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة اهـ.\rقوله: مِنَ الْقَوْلِ يجوز أن يكون حالا من الطيب وأن يكون حالا من الضمير المستكن فيه، ومن للتبعيض أو للبيان اهـ سمين.","part":5,"page":187},{"id":1672,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 188\rالْحَمِيدِ (24) أي طريق اللّه المحمودة ودينه\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طاعته وَعن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ منسكا ومتعبدا لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ المقيم فِيهِ وَالْبادِ قوله: (أي طريق اللّه) أي: فالصراط هو طريق اللّه إلى الجنة. وقوله: (و دينه) معطوف على طريق والمراد به الإسلام، فيكون قد فسر الإسلام بتفسيرين بالطريق الموصلة للجنة بالدين الذي هو الإسلام، وعلى هذا تكون الهداية للصراط في الدنيا وفي الآخرة والهداية في قوله: وَهُدُوا إلى الطيب أي: في الدنيا، قوله: المحمود أي في أفعاله، ويصح أن يكون المحمود صفة لطريق اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فيه ثلاثة أوجه.\rأحدها: أنه معطوف على ما قبله، وحينئذ ففي عطفه على الماضي ثلاث تأويلات، أحدها: أن المضارع قد لا يقصد به الدلالة على زمن معين من حال أو استقبال. وإنما يراد به مجرد الاستمرار ومثله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: 28] الثاني: أنه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي. الثالث: أنه على بابه وأن الماضي قبله مؤول بالمستقبل.\rالوجه الثاني: أنه حال من فاعل كفروا، وبه بدأ أبو البقاء وهو فاسد ظاهرا لأنه مضارع مثبت، وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد منه على قتله مؤول فلا يحمل عليه القرآن. وعلى هذين القولين فالخبر محذوف، واختلفوا في موضع تقديره فقدره ابن عطية بعد قوله: وَالْبادِ أي إن الذين كفروا خسروا أو هلكوا أو نحو ذلك، وقدره الزمخشري بعد قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: إن الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم، وإنما قدره كذلك لأن قوله: نذقه من عذاب أليم يدل عليه، إلا أنه يلزم من تقدير الزمخشري الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو خبر إن، فيصير التركيب هكذا: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل اللّه والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم الذين جعلناه، وللزمخشري أن ينفصل عن هذا الاعتراض بأن الذي جعلناه لا نسلم أنه نعت للمسجد حتى يلزم ما ذكر، بل نجعله مقطوعا عنه نصبا أو رفعا.\rالوجه الثالث: أن الواو في ويصدون مزيدة في خبر إن تقديره: إن الذين كفروا يصدون، وزيادة الواو مذهب كوفي تقدم بطلانه اهـ سمين.\rقوله: (منسكا) قال في المختار: المنسك بفتح الميم وفتح السين وكسرها الموضع الذي تذبح فيه النسائك، وقرئ بهما قوله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً [الحج: 34] والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك بضمتين ونسائك اهـ شيخنا.\rوأشار بتقدير منسكا إلى أن المفعول الثاني محذوف وسبقه إلى ذلك ابن عطية إلا أن أبا حيان قال: ولا يحتاج إلى هذا التقدير إلا إن كان المراد تفسير المعنى لا الإعراب فيسوغ لأن الجملة في موضع مفعول الثاني فلا يحتاج إلى هذا التقدير اهـ كرخي.\rوفي السمين: الذي جعلناه يجوز جره على النعت أو البدل أو البيان، والنصب بإضمار فعل، والرفع بإضمار مبتدأ وجعل يجوز أن يتعدى لاثنين بمعنى صير وأن يتعدى لواحد، والعامة على رفع","part":5,"page":188},{"id":1673,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 189\rالطارىء وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ الباء زائدة بِظُلْمٍ أي بسببه بأن ارتكب منهيا ولو شتم الخادم نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25) مؤلم أي بعضه ومن هذا يؤخذ خبر إن أي نذيقهم من عذاب أليم\rوَاذكر إِذْ بَوَّأْنا بينا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ ليبنيه، وكان قد رفع زمن الطوفان، سواء، وقراءة حفص عن عاصم بالنصب هنا، وفي الجاثية سواء محياهم ومماتهم، ووافقة على الذي في الجاثية الأخوان وسيأتي توجيهه. فأما على قراءة الرفع فإن قلنا: إن جعل بمعنى صيّر كان في المفعول الثاني ثلاثة أوجه، أحدها: وهو الأظهر أن الجملة من قوله: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ هي المفعول الثاني ثم الأحسن في رفع سواء أن يكون خبرا مقدما، والعاكف والباد مبتدأ مؤخرا، وإنما وحد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين لأن سواه في الأصل مصدر وصف به، وقد تقدم هذا أول البقرة.\rوأجاز بعضهم أن يكون سواء مبتدأ وما بعده الخبر وفيه ضعف أو منع من حيث الابتداء بالنكرة من غير مسوغ، ولأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة المبتدأ. الوجه الثاني: أن للناس هو المفعول الثاني، والجملة من قوله: سَواءً الْعاكِفُ في محل نصب على الحال وهي محط الفائدة. الثالث:\rأن المفعول الثاني محذوف. قال ابن عطية: والمعنى الذي جعلناه للناس قبلة ومتعبدا، وإن جعلناها متعدية لواحد كان قوله للناس متعلقا بالجعل على أنه علة له. وأما على قراءة حفص فإن قلنا: جعل يتعدى لاثنين كان سواء مفعولا ثانيا، وإن قلنا يتعدى لواحد كان حالا من هاء جعلناه وعلى التقديرين فالعاكف مرفوع على الفاعلية لأنه مصدر وصف به فهو في قوة اسم الفاعل المشتق تقديره وجعلناه مستويا فيه العاكف اهـ.\rقوله: سَواءً الْعاكِفُ الخ اختلف في معنى التسوية، فقال بعضهم: سواء أي في احترامه وقضاء النسك فيه، وقال بعضهم: معنى التسوية أن المقيم والبادي سواء في النزول به وليس أحدهما أحق بالنزول من الآخر، فلا يزعج أحد إذا كان قد سبق إلى منزل اهـ شيخنا وأصله للخازن.\rقوله: وَالْبادِ أثبت ابن كثير ياء والباد وصلا ووقفا، وأثبتها أبو عمرو وورش وصلا وحذفاها وقفا، وحذفها الباقون وصلا ووقفا وهي محذوفة في الإمام اهـ سمين.\rقوله: بِإِلْحادٍ أي؛ عدول عن القصد والاعتدال. قال الكازروني: وفائدة قوله: بِظُلْمٍ بعد قوله بإلحاد أن الإلحاد قد يكون بحق لكونه في مقابلة الظلم، كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] اهـ شيخنا.\rوفي المختار: ألحد في دين اللّه أي: حاد عنه وعدل، ولحد من باب قطع لغة فيه، وألحد الرجل ظلم في الحرم، وقوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ أي: إلحادا بظلم والباء زائدة اهـ.\rقوله: (الباء زائدة) أي: في المفعول، وقوله: (أي بسببه) أي: وهي متعلقة بإلحاد. قوله: (من هذا) أي: من قوله: نُذِقْهُ الخ، وقوله: (يؤخذ خبر إن أي) ويكون مقدرا بعد قوله: وَالْبادِ مدلولا عليه بآخر الآية كما ارتضى ذلك أبو حيان في البحر اهـ شيخنا.\rقوله: (بينّا) أشار بتفسيره المذكور إلى أن اللام في لإبراهيم غير زائدة فتكون معدية للفعل على أنه مضمن معنى فعل يتعدى بها كما ذكره، ومن فسر بوأنا بأنزلنا قال إنها زائدة، وبه قال أكثر المعربين اهـ كرخي.","part":5,"page":189},{"id":1674,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 190\rوأمرناه أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأوثان لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ المقيمين به وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) جمع راكع وساجد المصلين\rوَأَذِّنْ ناد فِي النَّاسِ بِالْحَجِ فنادى على جبل أبي قبيس: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتا وأوجب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وفي القرطبي: وقيل: بوأنا لإبراهيم مكان البيت، أي: أريناه أصله ليبنيه وكان قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم عليه السّلام أمره اللّه ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا فبعث اللّه له ريحا هفافة فكشف على أساس آدم فرتب قواعده عليه حسبما تقدم في البقرة اهـ.\rوقيل: بعث اللّه تعالى سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم: يا إبراهيم ابن على دوري فبنى عليه اهـ خطيب.\rقوله: (ليبنيه وكان قد رفع الخ) وكانت الأنبياء بعد رفعه يحجون مكانه ولا يعلمونه حتى بوأه اللّه لإبراهيم فبناه على أساس آدم، وجعل طوله في السماء سبعة إذرع بذراعهم وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر له بئرا يلقي فيها ما يهدى للبيت، وبناه قبله شيث وقبل شيث آدم وقبل آدم الملائكة، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى في سورة البقرة. قوله: (و أمرناه) معطوف على بينا فيكون قد فسر بوأنا ببينّا لأجل أن ينصب المفعول الذي هو مكان البيت، وفسره أيضا بأمرنا لأجل أن تجعل أن في أن لا تشرك مفسرة لبوأنا لأن شرط أن المفسرة أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وأن يتحد معنى ما بعدها بما قبلها. وهذان الشرطان موجودان في وأمرناه فمعنى بوأنا قلنا لا تشرك وقلنا طهر بيتي اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: وأمرناه أن لا تشرك أشار إلى أن أن غير زائدة دفعا لمن قال بزيادتها وهو الكواشي وغيره، وتقدير الشيخ المصنف: أمرناه أخذه من الأمر بعده اهـ.\rقوله: مِنَ الْأَوْثانِ عبارة القرطبي: وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجمع الأنجاس والدماء، وقيل: عنى به التطهير من الأوثان كما قال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج:\r30] وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام، وقيل: المعنى نزهه عن أن يعبد فيه صنم وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه اهـ.\rقوله: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ أي: بدعوة الحج والأمر به اهـ بيضاوي.\rقوله: (على جبل أبي قبيس) فلما صعده للنداء خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شيء اهـ قرطبي.\rقال ابن عباس: فأجابوه بالتلبية من أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى يوم تقوم الساعة إلا من أجاب إبراهيم عليه السّلام يومئذ. زاد غيره:\rفمن لبّى مرة حج مرة، ومن لبّى مرتين حج مرتين، ومن لبّى أكثر حج بقدر تلبيته اهـ قسطلاني.","part":5,"page":190},{"id":1675,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 191\rوأرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك، وجواب الأمر يَأْتُوكَ رِجالًا مشاة جمع راجل كقائم وقيام وَركبانا عَلى كُلِّ ضامِرٍ أي بعير مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى يَأْتِينَ أي الضوامر حملا على المعنى مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) طريق بعيد\rلِيَشْهَدُوا أي يحضروا مَنافِعَ لَهُمْ في الدنيا بالتجارة أو في الآخرة أو فيهما أقوال وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ أي عشر ذي الحجة أو يوم عرفة أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق أقوال عَلى ما قوله: يَأْتُوكَ إيقاع الأمر على صيغة الخطاب لكون إتيانهم إجابة لندائه، أو المضاف مقدر أي يأتوا بيتك اهـ كرخي.\rقوله: (مشاة) وَ(ركبانا الخ) استدل بذلك بعضهم على أنه لا يجب الحج على راكب البحر وهو استدلال ضعيف، لأن مكة ليست على بحر وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين بمشي أو ركوب، فذكر تعالى ما يتوصل بها إليها اهـ من البحر.\rقوله: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ في المختار: ضمر الفرس من باب دخل، وضمر أيضا بالضمر ضمرا بوزن قفل فهو ضامر فيهما، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضا أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما، والبعير يطلق على الجمل والناقة اهـ.\rوحينئذ يؤخذ منه أن الضمير في يطلق يصح رجوعه للضامر وللبعير اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بعير مهزول) أي: أتعبه بعد السفر يدل عليه توصيفه بما بعده، فإن نسبة أمر إلى المشتق يدل على علية المأخذ وقدم الراجل لفضله، إذ للراكب بكل خطوة سبعون حسنة، وللراجل سبعمائة من حسنات الحرم كل حسنة مائة ألف حسنة، وإبراهيم وإسماعيل حجّا ماشيين اهـ كرخي.\rقوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ يجوز في هذه اللام وجهان، أحدهما: أن يتعلق بأذن أي: أذن ليشهدوا. والثاني: أنها متعلقة بيأتوك وهو الأظهر. قال الزمخشري: ونكر منافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية أو ذنيوية لا توجد في غيرها من العبادات اهـ سمين.\rقوله: (بالتجارة) أي: لأنها جائزة للحاج من غير كارهة إذا لم تكن هي المقصودة من سفره اهـ شهاب.\rقوله: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ أي: عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها اهـ بيضاوي.\rوفي الخطيب: ويذكروا اسم اللّه أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره، وقيل: كنى بالذكر عن الذبح لأن ذبح المسلمين لا ينفك عنه تنبيها على أن المقصود مما يتقرب به إلى اللّه تعالى أن يذكر اسمه، واختلف في الأيام المعلومات في قوله تعالى: فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ فالذي عليه أكثر المفسرين وهو اختيار الشافعي، وأبي حنيفة أنها عشر ذي الحجة، واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها، ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمشعر الحرام، ولتلك الذبائح وقت منها وهو يوم النحر. وعن ابن عباس أنها أيام التشريق، وقيل: يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، واستدل لهذا بقوله تعالى: عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ وهي الإبل والبقر والغنم من الهدايا والضحايا أي: يذكروا اسم اللّه تعالى عند نحرها، ونحو","part":5,"page":191},{"id":1676,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 192\rرَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا فَكُلُوا مِنْها إذا كانت مستحبة وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) أي الشديد الفقر\rثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر وَلْيُوفُوا بالتخفيف والتشديد نُذُورَهُمْ من الهدايا والضحايا وَلْيَطَّوَّفُوا طواف الإفاضة بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) أي القديم الهدايا والضحايا يكون في هذه الأيام اهـ. قوله: (إلى آخر أيام التشريق) راجع للقولين قبله اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى ما رَزَقَهُمْ أي: لأجل ما رزقهم. قوله: فَكُلُوا مِنْها أي: من لحومها أمر بذلك إباحة وإزالة لما كان عليه الجاهلية من التحرج فيه، أو ندبا إلى مواساة الفقراء ومساواتهم اهـ بيضاوي.\rوفي الخطيب: فكلوا منها. أي من لحومها أمر إباحة، وذلك أن الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا فأمر اللّه تعالى بمخالفتهم، واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع. واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع مثل دم التمتع والقرآن والدم الواجب بإفساد الحج وفوته، وجزاء الصيد هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئا؟ قال الشافعي رحمه اللّه: لا يأكل منه شيئا وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، وقال ابن عمر رضي اللّه عنه:\rلا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك: يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فديه الأذى وجزاء الصيد والنذر، وعن أصحاب أبي حنيفة: أنه يأكل من كل من دم التمتع والقران، ولا يأكل من واجب سواهما اهـ.\rقوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ أي: ثم بعد حلّهم وخروجهم من الإحرام وبعد الاتيان بما عليهم من النسك، وفسر القضاء بالإزالة تفسيرا مجازيا لأن القضاء في الأصل القطع والفصل فأريد به هنا الإزالة، والتفث في الأصل وسخ الأظفار ونحوها، وقوله: (كطول الظفر) مثال للتفث أي: وكالشارب وشعر الرأس والعانة فإن هذه الأمور تطلب إزالتها اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: تفث تفثا فهو تفث مثل تعب تعبا فهو تعب إذا ترك الادهان والاستحداد فعلاه لوسخ، وقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ هو استباحة ما حرم عليهم بالإحرام بعد التحليل اهـ.\rوالعامة على كسر اللام من ليقضوا وهي لام الأمر، وقرأ نافع والكوفيون بسكون اللام إجراء للمنفصل مجرى المتصل، والتفث قيل أصله من التف وهو وسخ الأظفار قلبت الفاء ثاء كمعثور في معفور، وقيل: هو الوسخ والقذر يقال ما تفثك. وحكى قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخه في سفره، ومعنى ليقضوا ليصنعوا ما يصنعه المحرم من إزالة شعر وشعث نحوهما عند حله، وفي ضمن هذا قضاء جميع المناسك إذ لا يفعل هذا إلا بعد فعل المناسك كلها اهـ سمين.\rقوله: (أي القديم الخ) عبارة الخطيب: أي القديم لأنه أول بيت وضع للناس، وقال ابن عباس:\rسمي عتيقا لأن اللّه أعتقه من تسلط الجبابرة عليه فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه اللّه تعالى منه، فإن قيل: قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع. أجيب: بأنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به ابن الزبير فاحتال لاخراجه ثم بناه. ولما قصد التسلط عليه ابرهة فعل به ما فعل، وقيل: لأن اللّه تعالى","part":5,"page":192},{"id":1677,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 193\rلأنه أول بيت وضع للناس\rذلِكَ خبر مبتدأ مقدر أي الأمر أو الشأن ذلك المذكور وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ هي ما لا يحل انتهاكه فَهُوَ أي تعظيمها خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ في الآخرة وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ أكلا بعد الذبح إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ تحريمه في حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت أعتقه من الغرق فإنه رفع أيام الطوفان، وقان مجاهد: لأنه لم يملك قط، وقيل: بيت كريم أي أن العتيق بمعنى الكريم من قولهم: عتق الخيل والطير اهـ.\rقوله: (أي الأمر أو الشأن ذلك) أشار به إلى أن قوله ذلك خبر مبتدأ محذوف، وهذا كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا اهـ من البحر.\rفهو يذكر للفصل بين كلامين أو بين وجهي كلام واحد اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ (المذكور) أي من قوله: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ [الحج: 26] إلى قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ اهـ زاده.\rقوله: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ تعظيمها ترك ملابستها، وقوله: (هي ما لا يحل) الخ. وقيل:\rالحرمات ما وجب القيام بها وحرم التفريط فهيا، وقيل: الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها وتمامها، وقيل: الحرمات البيت الحرام والشهر الحرام، ومعنى التعظيم العلم بأنه يجب على الإنسان القيام بمراعاتها وحفظ حرمتها اهـ من الخازن.\rوفي البيضاوي: الحرمات ما لا يحل هتكه اهـ.\rوالهتك: شق الستارة وتمزيقها ليظهر ما خلفها، فالحرمات جمع حرمة وهي ما يحرم شرعا فتجوز به هنا عن المخالفة كأنه إزالة لستر الشريعة اهـ من الشهاب.\rقوله: (ما لا يحل انتهاكه) وهي جميع التكاليف من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن تخص بما يتعلق بالحج كالجدال والجماع والصيد اهـ من البحر.\rقوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أي: قربة وطاعة يثاب عليها عند اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ تحريمه يشير إلى أن في النظم تقدير مضاف هو المسند إليه وأن الضمير المجرور بعد حذف المضاف ارتفع واستتر، وفي جعل التحريم متلوا تسامح وفي الحقيقة المتلو آية تحريمه اهـ.\rوفي الكرخي: إلا ما يتلى عليكم تحريمه أشار به إلى أن المتلو لا يستثنى من بهيمه الأنعام لأنه ليس فيها محرم ولكن المعنى إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه، وذلك قوله تعالى في سورة المائدة:\rحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: 3] الخ فلا تحرموا غيره، والمعنى أن اللّه تعالى قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في كتابه اهـ.\rقوله: (فالاستثناء منقطع) وجهه أنه ذكر في آية المائدة ما ليس من جنس الأنعام كالدم ولحم الخنزير، وقوله: (و يجوز أن يكون متصلا) بأن يصرف إلى ما يحرم من بهيمة الأنعام بسبب عارض","part":5,"page":193},{"id":1678,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 194\rونحوه فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ من للبيان أي الذي هو الأوثان وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) أي الشرك باللّه في تلبيتكم أو شهادة الزور\rحُنَفاءَ لِلَّهِ مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ تأكيد لما قبله وهما حالان من الواو وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ سقط كالموت ونحوه، وقيل: وجه الانقطاع أنه ليس في الأنعام محرم اهـ من الشهاب مع زيادة من السمين.\rوتقدم في أول المائدة كلام أوضح من هذا فراجعه. قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ أصله في اللغة القذارة والأوساخ، وعبادة الأوثان قذر معنوي اهـ شيخنا.\rوالفاء تفريعية على قوله: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ، فلما حث على المحافظة على حدود اللّه وترك الشرك تفرع عنه هذه اهـ شهاب.\rقوله: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة كأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة وما ظنك بشيء من قبيل عبادة الأوثان، والزور من الزور أو من الازورار وهو الانحراف، كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع، وقيل: قول الزور قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم، وقيل:\rهو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك اهـ خطيب.\rقوله: (و هما حالان من الواو) أي: في اجتنبوا، لكن الأولى مؤسسة والثانية مؤكدة كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ الخ غرضه بهذا ضرب مثل لمن يشرك باللّه اهـ شيخنا.\rومعنى الآية أن بعد من أشرك باللّه عن الحق والإيمان كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير أو هوت به الريح فلا يصل إليه أحد بحال، وقيل: شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة، إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق اهـ خازن.\rتنبيه:\rقال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك باللّه فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير متفرقا موزعا في حواصلها، وعصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة، وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك باللّه بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة اهـ.\rوقوله: الذي يطوح به الباء زائدة للتأكيد، قال الجوهري: طوحه أي توهه وذهب به ههنا وههنا اهـ خطيب.","part":5,"page":194},{"id":1679,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 195\rمِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أي تأخذه بسرعة أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ أي تسقطه فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31) بعيد أي فهو لا يرجى خلاصه\rذلِكَ يقدر قبله الأمر مبتدأ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها أي فإن تعظيمها وهي البدن التي تهدى للحرم بأن تستحسن وتستسمن مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) منهم وسميت شعائر لإشعارها بما تعرف به أنها هدي كطعن حديدة بسنامها\rلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كركوبها والحمل عليها ما لا يضرها إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت نحرها ثُمَّ مَحِلُّها أي مكان حل نحرها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) أي عنده والمراد والحرم جميعه\rوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أي جماعة مؤمنة قوله: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ بفتح الخاء والطاء مشددا وأصله تختطفه فأدغم، وقرئ فتخطفه بسكون الخاء وتخفيف الطاء اهـ سمين.\rقوله: شَعائِرَ اللَّهِ جمع شعيرة أو شعارة بالكسر بوزن قلادة، وهي البدن فيه قصور، وكأن حمله عليه مراعاة للسياق، وإلّا فالشعائر أعم منها كما في المصباح ونصه: والشعائر أعلام الحج وأفعاله الواحدة شعيرة أو شعارة بالكسر والمشاعر مواضع المناسك اهـ.\rقوله: (بأن تستحسن) أي: تختار حسنة بأن تكون غالية في الثمن، وينبغي للإنسان أن يترك المشاحة في ثمنها لما ورد أنه ينبغي ترك المشاحة في الهدايا والضحايا وعتق الارقاء، وروي أنه عليه الصلاة والسّلام أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة، وروي أن عمر أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار اهـ من أبي السعود.\rقوله: مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ من ابتدائية أي: فإن تعظيمها مبتدأ وناشىء من تقوى قلوبهم اهـ خطيب.\rوفي السمين: والعائد على اسم الشرط من هذه الجملة الجزائية مقدر تقديره فإنها من تقوى القلوب منهم، ومن جوز إقامة أل مقام الضمير وهم الكوفيون أجاز ذلك هنا، والتقدير: من تقوى قلوبهم كقوله: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: 41] اهـ.\rوقول الشارح: منهم أي: من وجمع الضمير باعتبار معناها.\rقوله: (لإشعارها) أي: تعليمها. وقوله: (بما يعرف به) أي: بعلامة يعرف بها أنها هدي، وقوله: (كطعن حديدة) الخ أي: وكتعليق النعال في أعناقها وكتعليق آذان القرب في رقاب الغنم وهكذا تأويل.\rقوله: لَكُمْ فِيها أي: الشعائر واجبة أو مندوبة، وقوله: (كركوبها) أي: وإركابها بلا أجرة، فإن كان بأجرة حرم، أي وكشرب لبنها الفاضل عن ولدها اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ إلى: بمعنى عند كما قال الشارح. قوله: (و المراد الحرام جميعه) أي: لا خصوص الكعبة فقط اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ الخ لما ذكر تعالى الذبائح بيّن أنه لم يخل منها أمة، فالذبائح من الشرائع القديمة، وقال ابن عرفة في قوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً أي: مذهبا من طاعة اللّه تعالى يقال:","part":5,"page":195},{"id":1680,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 196\rسلفت قبلكم جَعَلْنا مَنْسَكاً بفتح السين مصدر وبكسرها اسم مكان أي ذبحا قربانا أو مكانه لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ عند ذبحها فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا انقادوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) المطيعين المتواضعين\rالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ خافت قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى نسك نسك قوم إذا سلك مذهبهم، وقيل: منسكا عيدا قاله الفراء، وقيل: حجا قاله قتادة، والقول الأول أظهر لقوله تعالى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ أي: على ذبحه اهـ قرطبي.\rقوله: (بفتح السين مصدر) في المصباح نسك للّه ينسك من باب قتل تطوع بقربة، والنسك بضمتين اسم منه. وفي التنزيل: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام: 162] والمنسك بفتح السين وكسرها يكون زمانا ومصدرا، ويكون اسم المكان الذي يذبح فيه النسيكة وهي الذبيحة وزنا ومعنى، ومناسك الحج عبادته. وقيل: مواضع العبادات ومن فعل كذا فعليه نسك أي: دم يريقه، ونسك تزهد وتعبد:\rفهو ناسك، والجمع نساك مثل عابد وعباد اهـ.\rقوله: (أي ذبحا قربانا) قربانا مفعول للمصدر الذي هو ذبحا، أي: أن يذبحوا القربان. وفي الخازن: جعلنا منسكا قرئ بكسر السين أي مذبحا وهو موضع ذبح القربان، وقرئ منسكا بفتح السين وهو إراقة الدم وذبح القرابين اهـ.\rوفي زاده: أي جعلنا لكل أمة نوعا من التعبد والتقرب، والمراد به إراقة الدماء لوجه اللّه تعالى، والمعنى: شرعنا بكل أمة مؤمنة أن ينسكوا للّه تعالى اهـ.\rقوله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر اللّه، وأن يكون الذبح للّه لأنه الرازق لذلك اهـ أبو حيان.\rقوله: مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ أي: عند ذبحها ونحرها سماها بهيمة لأنها لا تتكلم، وقيد بالأنعام لأن ما سواه لا يجوز ذبحه في القرابين وإن جاز أكله اهـ خازن.\rوفي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء أو كل حي لا يميز، والجمع بهائم، والأبهم الأعجم، واستبهم استعجم فلم يقدر على الكلام اهـ.\rقوله: (انقادوا) أي: لجميع تكاليفه. ومن انقاد للّه كان مخبتا فلذلك قال بعده: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ اهـ رازي.\rقوله: (المتواضعين) هذه أصل معناه لأنه الإخبات نزول الخبت وهو المكان المنخفض، ولا يخفى حسن التعبير بالمخبتين هنا من حيث أن نزول الخبت مناسب للحجاج لما فيهم من صفات المتواضعين، كالتجرد عن اللباس وكشف الرأس والغربة عن الأوطان، ولذا وصفهم بالصبر وذكر إقامة الصلاة لأن السفر مظنة التقصير فيها اهـ شهاب.\rوفي القاموس: الخبت المتسع من بطون الأرض والجمع أخبات وخبوت اهـ.","part":5,"page":196},{"id":1681,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 197\rما أَصابَهُمْ من البلايا وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35) يتصدقون\rوَالْبُدْنَ جمع بدنة وهي الإبل جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أعلام دينه لَكُمْ فِيها خَيْرٌ نفع في الدنيا كما تقدم وأجر في العقبى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عند نحرها صَوافَ قائمة على ثلاث قوله: (من البلايا) فإن كانت هذه البلايا من اللّه تعالى فليس للمبتلي بها إلا الصبر، وإن كانت من غيره فله أن يصبر عليها ويعفو وله أن ينتظر لنفسه اهـ خازن.\rقوله: (يتصدقون) أي: صدقة التطوع، ويعلم منه أنهم كانوا يتصدقون الصدقة الواجبة بالأولى اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ الخ البدن: هي الشعائر المذكورة في قوله أولا: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ [الحج: 32] اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي الإبل) سميت الإبل بدنا لعظم أبدانها اهـ شيخنا.\rوفي الصحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، فسميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها اهـ زرقاني.\rوقال القسطلاني: البدن عند الشافعي خاصة بالإبل، وعند أبي حنيفة من الإبل والبقر، فكلام الشافعية موافق لكلام الأزهري، وكلام الحنفية موافق لكلام الصحاح، وأما الهدي فيشمل الإبل والبقر والغنم اهـ ابن لقيمة.\rقوله: مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ جمع شعيرة أو شعارة بالكسر وهي العلامة اهـ مصباح.\rوهذا الجار والمجرور هو المفعول الثاني للجعل بمعنى التصيير اهـ سمين.\rقوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ جملة مستأنفة مقررة لما قبلها اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ الجملة حال إما من هاء جعلناها وإما من شعائر اللّه، وهذان مبنيان على أن الضمير في فيها هل هو عائد على البدن أو على شعائر، والأول قول الجمهور اهـ سمين.\rقوله: (كما تقدم) أي: في قوله: لَكُمْ فِيها منافع إلى أجل مسمى. قوله: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها بأن تقولوا عند ذبحها اللّه أكبر لا إله إلا اللّه واللّه أكبر اللهم منك وإليك اهـ أبو السعود.\rقوله: (قائمة) الأظهر قائمات اهـ قاري وهو كذلك في البيضاوي وغيره.\rوفي البيضاوي: صواف قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقرئ صوافن من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وعلى طرف سنبك الرابعة، لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث اهـ.\rوعبارة الخازن: صواف قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها ويدها اليمنى وأخرى معقولة فينحرها، كذلك روى البخاري عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها قال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، انتهت.","part":5,"page":197},{"id":1682,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 198\rمعقولة اليد اليسرى فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها سقطت إلى الأرض بعد النحر وهو وقت الأكل منها فَكُلُوا مِنْها إن شئتم وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرض وَالْمُعْتَرَّ السائل أو المتعرض كَذلِكَ أي مثل ذلك التسخير سَخَّرْناها لَكُمْ بأن تنحر وتركب وإلا لم تطق لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) إنعامي عليكم\rلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها أي لا يرفعان إليه وَلكِنْ وكون قيامها سنّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إنما هو على سبيل الندب، ويجوز نحرها وذبحها مضطجعة على جنبها كالبقر اهـ.\rقوله: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها الوجوب: السقوط، يقال: وجبت الشمس أي سقطت ووجب الجدار سقط، ومنه الواجب الشرعي كأنه سقط علينا ولزمنا اهـ سمين.\rوهذا كناية عن الموت وجمع الجنوب مع أن البعير إذا خرّ يسقط على أحد جنبيه، لأن ذلك الجمع في مقابلة جمع البدن اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ أي: أطعموه وجوبا، كما عليه الشافعي وهذا في المستحبة كما مرّ وكرره، لأن الأول مرتب على ذبح بهيمة الأنعام الشاملة للبدن والبقر والغنم، والثاني مرتب على ذبح البدن خاصة وإن وافقه في الحكم ذبح الآخرين اهـ كرخي.\rقوله: (الذي يقنع) أي: يرضى وبابه سلم فعلا ومصدرا، وقد يطلق القانع على السائل وبابه حينئذ خضع فعلا ومصدرا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: القانع السائل، والمعتر المتعرض من غير سؤال، وقال قوم بالعكس، وقال ابن عباس: القانع المستغني بما أعطيه، والمعتر المتعرض من غير سؤال، وعنه أيضا: القانع المتعفف والمعتر السائل، وقال بعضهم: القانع الراضي بالشيء اليسير من قنع يقنع قناعة فهو قانع، والقنع بغير ألف هو السائل ذكره أبو البقاء اهـ.\rوفي المصباح: المعتر الضيف الزائر والمعتر المتعرض للسؤال من غير طلب، يقال: عره واعتره وعراه واعتراه أيضا إذا اعترض للمعروف من غير مسألة، وقال ابن عباس: المعتر الذي يعتر بالسلام ولا يسأل اهـ.\rوفي ابن لقيمة ما نصه: قال مجاهد فيما أخرجه عبد بن حميد: القانع جارك الذي ينظر ما دخل عليك، والمعتر الذي يعتر ببابك ويريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، وقال ابن زيد: القانع المسكين، والمعتر الذي ليس بمسكين ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم اهـ وهذا غير ما قاله الشارح.\rقوله: (أي مثل ذلك التسخير) أي: المفهوم من قوله صواف كما يفهم من أبي السعود. قوله:\rسَخَّرْناها أي: ذللناها لكم، قوله: (بأن تنحر وتركب) أي: بأن تتمكنوا من نحرها وركوبها، وقوله: (إلا) أي إلا نسخرها. قوله: (لم تطق) أي: لم يقدر على نحرها وركوبها، وكأن الباء تعليلية فهي بمعنى لأجل أن تنحر الخ اهـ شيخنا.\rقوله: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها أي: لن تبلغ مرضاته ولن تقع موقع القبول اهـ أبو السعود.","part":5,"page":198},{"id":1683,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 199\rيَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له مع الإيمان كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) أي الموحدين\rإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا غوائل المشركين إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانته قال أبو حيان في البحر: أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح، وتشريح اللحم منصوبا حول الكعبة، وتضميخ الكعبة بالدم تقربا إلى اللّه تعالى فنزلت هذه الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لا يرفعان إليه) أي: لا يرفع نفس اللحم والدم، وإنما يرفع العمل الصالح ومنه التصدق باللحم فالتصدق من عمل العبد فيرفع إلى اللّه، وأما نفس اللحم المتصدق به فلا يرفع، والمعنى: أنه لا يثيبكم على لحمها إلا إذا وقع موقعا من وجوه الخير اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْكُمْ حال من التقوى. قوله: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ أي: بأن تقولوا اللّه أكبر على ما هدانا والحمد للّه على ما أولانا اهـ خازن.\rوهذا تكرير للتذكير والتعليل بقوله: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ. والمراد بالتكبير أن تشكروا اللّه على هدايته إياكم لإعلام دينكم ومناسك حجكم بأن تكبروا وتهللوا، فضمن التكبير معنى الشكر فعدى تعديته واختصر الكلام اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى ما هَداكُمْ ما مصدرية أو موصولة أي: على هدايته إياكم أو على ما هداكم إليه، وعلى متعلقة بتكبروا لتضمينه معنى الشكر اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ الخ مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر جملة مما يفعل في الحج، وكان المشركون قد صدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الحديبية، وآذوا من كان بمكة من المؤمنين أنزل اللّه هذه الآيات مبشرة للمؤمنين بدفعه تعالى عنهم ومشيرة إلى نصرهم وإذنه لهم في القتال وتمكينهم في الأرض بردهم إلى ديارهم وفتح مكة، وأن عاقبة الأمور راجعة إلى اللّه من البحر.\rفهذا متصل بقوله سابقا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج: 25] الخ اهـ زاده.\rقوله: (غوائل المشركين) يشير به إلى أن المفعول محذوف اختصارا لدلالة المقام على تعينه.\rقال أبو حيان: لم يذكر اللّه ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعم اهـ كرخي.\rوفي المختار: الغوائل الدواهي، والداهية الأمر العظيم، ودواهي الدهر ما يصيب الناس من عظيم نوبه اهـ.\rقوله: (في أمانته) مفرد مضاف فيعم أي أمانات اللّه تعالى وهي أوامره ونواهيه وصيغة المبالغة فيهما لبيان أنهم كذلك لا للتقليد بغاية الخيانة والكفر اهـ من أبي السعود.\rوفي الخطيب: إن اللّه لا يحب أي لا يكرم كل خوان في أمانته كفور لنعمته وهم المشركون. قال ابن عباس: خانوا اللّه فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه، فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته، وقال مقاتل: يدفع عن الذين آمنوا بمكة حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم، فاستأذنوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قتلهم سرا فنهاهم عن ذلك، ثم أذن اللّه لهم في قتالهم بقوله:","part":5,"page":199},{"id":1684,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 200\rكَفُورٍ (38) لنعمته وهم المشركون، المعنى أنه يعاقبهم\rأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أي المؤمنين أن يقاتلوا وهذه أول آية نزلت في الجهاد بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم ظُلِمُوا بظلم الكافرين إياهم وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) هم\rالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ في الإخراج ما أخرجوا إِلَّا أَنْ يَقُولُوا أي بقولهم رَبُّنَا اللَّهُ وحده وهذا القول حق فالإخراج به إخراج بغير حق وَلَوْ لا أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وكانوا يأتونه صلّى اللّه عليه وسلّم ما بين مضروب ومشجوج يشكون إليه فيقول لهم.\r«اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال» حتى هاجر فنزلت هذه الآية، وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية وقيل: نزلت في قوم بأعيانهم مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة، فأذن اللّه لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة بسبب أنهم ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء اهـ.\rقوله: أُذِنَ أي: بعد الهجرة للذين يقاتلون أي: يريدون القتال، وقوله: (أن يقاتلوا) أي: في أن يقاتلوا، وأشار بتقديره إلى أن المأذون فيه محذوف لدلالة يقاتلون عليه وعلل الإذن لهم بأنهم ظلموا اهـ من البحر.\rوقال الرازي: وقوله: (أن يقاتلوا) أي: في المستقبل فلا يشكل بأن الآية مكية اهـ.\rقوله أيضا: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ قرأه مبنيا للمفعول نافع، وأبو عمرو، وعاصم، والباقون قرؤوه مبنيا للفاعل، وأما يقاتلون فقرأه مبنيا للمفعول نافع، وابن عامر، وحفص، والباقون مبنيا للفاعل فحصل في مجموع الفعلين أن نافعا وحفصا بنياهما للمفعول، وابن كثير وحمزة والكسائي بنوهما للفاعل، وأن أبا عمرو وأبا بكر بينا الأول للمفعول والثاني للفاعل، وأن ابن عامر عكس هذا، فهذه أربع رتب والمأذون فيه محذوف للعلم له أي: أذن للذين يقاتلون في القتال، وبأنهم ظلموا متعلق بأذن، والباء سببية أي: بسبب أنهم مظلومون اهـ سمين.\rقوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وعد لهم بالنصر على طريق الرمز والكناية، كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم اهـ بيضاوي.\rقوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يجوز أن يكون في محل جر نعتا للموصول الأول أو بيانا له أو بدلا منه، وأن يكون في محل نصب على المدح، وأن يكون في محل رفع على إضمار مبتدأ اهـ سمين.\rوقوله: للموصول الأول هذا لا يتعين، بل يصح أن يكون نعتا للموصول الثاني أو بدلا منه اهـ.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَقُولُوا هذا استثناء منقطع في محل نصب لإجماع العرب على نصب مثل هذا إذ لا يصح تسليط العامل عليه لأنك لو قلت الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا اللّه لم يصح، ولذا قدر له المفسر عاملا محذوفا وجعل الاستثناء مفرغا وصيّره متصلا، أي: ما أخرجوا بشيء من الأشياء إلا بقولهم ربنا اللّه اهـ من السمين.\rوالمضارع بمعنى الماضي، وقوله: (أي بقولهم) أي: بسبب قولهم اهـ.","part":5,"page":200},{"id":1685,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 201\rدَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ بالتشديد للتكثير والتخفيف صَوامِعُ للرهبان وَبِيَعٌ كنائس للنصارى وَصَلَواتٌ كنائس لليهود بالعبرانية وَمَساجِدُ للمسلمين يُذْكَرُ فِيهَا أي في المواضع المذكورة اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وتنقطع العبادات بخرابها وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي ينصر دينه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ على خلقه عَزِيزٌ (40) منيع في قوله: بَعْضَهُمْ هذا البعض هم الكافرون وقوله: بِبَعْضٍ هم المؤمنون، والمراد بالدفع إذن اللّه لأهل دينه في مجاهدة الكفار، فكأنه قال: ولو لا دفع اللّه أهل الشرك بالمؤمنين بالإذن لهم في جهادهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا مواضع العبادة، والمراد بهذه المواضع مواضع عبادات المؤمنين منهم، والمعنى: لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه، فلو لا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن نبينا المساجد، فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ. والصوامع للنصارى التي يبنونها في الصحارى والبيع لهم أيضا وهي التي يبنونها في البلدان والصلوات كنائس اليهود، وقدم الصوامع والبيع والصلوات على مساجد المسلمين لأنها أقدم في الوجود اهـ من الرازي.\rأو قدمها على المساجد ليكون فيه الانتقال من شريف إلى أشرف. قال أبو حيان: أجرى اللّه العادة في الأمم بذلك بأن ينتظم به الأمر وتقوم الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم وأهلها من القتل والشتات، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة: 251] ثم قال: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: 251] اهـ.\rقوله: (بالتشديد للتكثير) أي: باعتبار المواضع فتكرر الهدم لكثرة المواضع اهـ.\rقوله: صَوامِعُ جمع صومعة وهي البناء المرتفع المحدب الأعلى ووزنها فوعلة كدحرجة، وهي متعبد الرهبان، وقيل: متعبد الصابئين اهـ سمين.\rقوله: وَصَلَواتٌ بفتح الصاد واللام جمع صلاة وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، وقيل: هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوثا اهـ سمين.\rوفي الشهاب: صلوثا بفتح الصاد والثاء المثلثة والقصر، وبه قرئ في الشواذ ومعناه في لغتهم المصلى فلا يكون مجازا اهـ.\rقوله: (أي في المواضع المذكورة) وهي الأربعة لأن كل واحد منها جمع اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ينصر دينه) أي: وأولياءه، لمعنى نصره تعالى هو أن يظفر أولياءه بأعدائهم، ويكون النصر بالتجلد في القتال، وبإيضاح الأدلة والبينات، والإعانة على المعارف والطاعات اهـ شيخنا.\rقوله: (منيع في سلطانه) الأولى غالب لأن عزيز مأخوذ من عز بمعنى غلب اهـ شيخنا.\rوقد أنجز تعالى وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم اهـ بيضاوي.","part":5,"page":201},{"id":1686,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 202\rسلطانه وقدرته\rالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ بنصرهم على عدوهم أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ جواب الشرط وهو وجوابه صلة الموصول، ويقدر قبله هم مبتدأ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) أي إليه مرجعها في الآخرة\rوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تأنيث قوم باعتبار المعنى وَعادٌ قوم هود وَثَمُودُ (42) قوم صالح\rوَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43)\rوَأَصْحابُ مَدْيَنَ قوم شعيب وَكُذِّبَ مُوسى كذبه القبط لا قومه بنو قوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ يجوز في هذا الموصول ما جاز في الموصول قبله، ويزيد هذا عليه بأنه يجوز أن يكون بدلا من ينصره ذكره الزجاج. أي: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ اهـ سمين.\rقوله: (جواب الشرط) أي: أقاموا الصلاة وما عطف عليه جواب الشرط، وقوله: وهو أي الشرط، وجوابه: وهو أقاموا وما عطف عليه كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: (هم مبتدأ) وهذا الضمير يرجع للمأذون له في القتال وهم المهاجرون، وفيه إخبار بالغيب عما تكون عليه سيرتهم إن مكن له في الأرض اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وقوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ الخ. وصف للذين هاجروا وهو إخبار من اللّه تعالى بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة المهاجرين والأنصار رضي اللّه عنهم. وعن عثمان رضي اللّه عنه: هذا واللّه ثناء قبل بلاء يريد أن اللّه تعالى أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا اهـ.\rقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ الخ لما بيّن سبحانه وتعالى فيما تقدم إخراج الكفار للمؤمنين من ديارهم بغير حق وأذن مقاتلتهم وضمن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النصرة، وبيّن أن إلى اللّه عاقبة الأمور أردفه بما يجري مجرى التسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الصبر على ما هو عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره، فقال:\rوإن يكذبوك الخ أي: فأنت يا أشرف الخلق لست بأوحد في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومك فتسل بهم اهـ خطيب.\rقوله: (باعتبار المعنى) وهو الأمة أو القبيلة، وبنى الفعل للمفعول في وكذب موسى لأن قومه لم يكذبوه وإنما كذبه القبط اهـ من البحر.\rوقد أشار له الشارح بقوله: (كذبه القبط لا قومه الخ) اهـ.\rقوله: وَعادٌ وَثَمُودُ استغنى فيهما عن ذكر قوم لاشتهارهم بهذا الاسم الأخصر، والأصل في التعبير العلم ولا علم لغيرهما، فلذا لم يقل قوم هود وقوم صالح اهـ شهاب.\rقوله: وَأَصْحابُ مَدْيَنَ لم يقل قوم شعيب لأن قومه يشملون أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، وأصحاب مدين سابقون على أصحاب الأيكة في التكذيب له، فخصوا في الذكر لسبقهم في التكذيب اهـ شهاب.\rقوله: وَكُذِّبَ مُوسى أي: كذبه غير قومه وهم القبط كما قاله المفسر، وهذا حكمه تغيير","part":5,"page":202},{"id":1687,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 203\rإسرائيل أي كذب هؤلاء رسلهم فلك أسوة بهم فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أمهلتهم بتأخير العقاب لهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) أي إنكاري عليهم بتكذيبهم بإهلاكهم، والاستفهام للتقرير، أي هو واقع موقعه\rفَكَأَيِّنْ أي كم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وفي قراءة أهلكناها وَهِيَ ظالِمَةٌ أي أهلها بكفرهم فَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها سقوفها وَكم من بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ متروكة بموت أهلها وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) رفيع خال بموت أهله الأسلوب حيث لم يقل قوم موسى اهـ شيخنا.\rوفي المختار: القبط بوزن القسط أهل مصر وهم أصلها وأحدهم قبطي اهـ.\rوقوله: (بنو إسرائيل) هم أولاد يعقوب. قوله: (أي كذب هؤلاء) وهم سبعة. قوله: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ فيه وضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التشنيع عليهم والنداء عليه بصفة الكفر اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ النكير مصدر بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار، وأثبت ياء نكير حيث وقع في القرآن ورش في الوصل وحذفها في الوقف، والباقون يحذفونها وصلا ووقفا اهـ سمين.\rقوله: (أي إنكاري عليهم) أشار به إلى أن نكير مصدر بمعنى الإنكار، وتكذيبهم مفعوله، وبإهلاكهم متعلق بإنكاري فالمراد بالإنكار التغيير للضد بالضد بأن غير حياتهم بإهلاكهم وموتهم وعمارتهم بالخراب، وليس بمعنى الإنكار اللساني والقلبي اهـ شيخنا.\rقوله: (بإهلاكهم) أي: وإهلاكهم كان بعذاب الاستئصال اهـ.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، والمعنى فليقر المخاطبون بأن إهلاكي لهؤلاء كان واقعا موقعه هذا وحمله على التعجب أوضح. وفي الكرخي: قال أبو حيان: ويصحب هذا الاستفهام معنى التعجب، فكأنه قيل: ما أشد ما كان إنكاري عليهم اهـ.\rقوله: فَكَأَيِّنْ مبتدأ والخبر أهلكتها، وقوله: فَهِيَ خاوِيَةٌ معطوف على هذا الخبر، فهي في موضع رفع خبر بعد خبر، وقوله: وَهِيَ ظالِمَةٌ في محل نصب على الحال من الهاء في أهلكتها اهـ أبو حيان.\rوعبارة السمين: قوله: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها يجوز أن يكون كأين منصوب المحل على الاشتغال بفعل مقدر يفسره أهلكتها، وأن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر أهلكتها، وقد تقدم تحقيق القول فيها اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية. قوله: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي: ساقطة على سقوفها بأن خرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت الحيطان فوق السقوف، وإسناده السقوط على العروش إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل البنيان لكونها عمدة فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ من بأرت الأرض أي: حفرتها، ومنه التأبير وهو شق كيزان طلع الإناث","part":5,"page":203},{"id":1688,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 204\rأَفَلَمْ يَسِيرُوا أي كفار مكة فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما نزل بالمكذبين قبلهم أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها إخبارهم بالإهلاك وخراب الديار فيعتبروا فَإِنَّها أي القصة لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وذر طلع الذكور فيه، والبئر فعل بمعنى مفعول كالذبح بمعنى المذبوح وهي مؤنثة، وقد تذكر على معنى القليب، والمعطلة المهملة والتعطيل الإهمال اهـ سمين.\rوفي المختار: وبأر يبأر بأرا بهمزة بعد الباء حفرها وبابه قطع، وقد تبدل همزته ياء اهـ.\rقوله: (متروكة) أي: عن الاستقاء منها فهي عامرة وفيها الماء أيضا وآلات الاستقاء، فالمعنى:\rكم قرية أهلكنا، وكم بئر عطلنا عن الاستقاء منها، وكم قصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، وبئر وقصر معطوفان على قرية، ومن قرية تمييز لكأين الدالة على التكثير اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: روي أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم اللّه تعالى من العذاب وهي بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح، وأمروا عليهم جلهس بن جلاس وأقاموا بها زمانا ثم كفروا أو عبدوا صنما، وأرسل اللّه تعالى إليهم حنظلة بن صفوان نبيا فقتلوه، فأهلكهم اللّه تعالى وعطّل بئرهم وخرب قصورهم اهـ.\rقوله: مَشِيدٍ تقدم أنه المرتفع أو المجصص، وإنما بني هنا من شاده، وفي النساء من شيده، لأنه هناك وقع بعد جمع فناسب التكثير، وهنا وقع بعد مفرد فناسب التخفيف، ولأنه رأس آية وفاصلة اهـ سمين.\rقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الخ وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى من كذب الرسل من الأمم الخالية، وكان عند العرب أشياء من أحوالهم ينقلونها وهم عارفون ببلادهم وكثيرا ما يمرون على كثير منها. قال: أفلم يسيروا فهو حث على السفر ليشاهدوا مصارع الكفار فيعتبروا، أو يكونوا قد سافروا وشاهدوا فلم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا اهـ من البحر لأبي حيان.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 204\r\rله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الخ وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى من كذب الرسل من الأمم الخالية، وكان عند العرب أشياء من أحوالهم ينقلونها وهم عارفون ببلادهم وكثيرا ما يمرون على كثير منها. قال: أفلم يسيروا فهو حث على السفر ليشاهدوا مصارع الكفار فيعتبروا، أو يكونوا قد سافروا وشاهدوا فلم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا اهـ من البحر لأبي حيان.\rوعبارة أبي السعود: حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا، وهم وإن كانوا قد سافروا لم يسافروا للاعتبار والنظر، والفاء لعطف ما بعدها على مقدر يقتضيه المقام. أي: أغفلوا فلم يسيروا فيها، وعلى هذا فالاستفهام ليس على حقيقته، انتهت.\rقوله: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ تفريع على المنفي فهو منفي أيضا، وقوله: (ما نزل بالمكذبين) مفعول يعقلون. قوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ الضمير للقصة ولا تعمى الأبصار مفسرة له، وحسن التأنيث في الضمير كونه وليه فعل بعلامة تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل: فإنه لجاز وهي قراءة مروية عن عبد اللّه، والتذكير باعتبار الأمر والشأن اهـ سمين.\rقوله: لا تَعْمَى الْأَبْصارُ أي: ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما أصابت الآية عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد اهـ بيضاوي.","part":5,"page":204},{"id":1689,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 205\rوَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) تأكيد\rوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ بإنزال العذاب فأنجزه يوم بدر وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ من أيام الآخرة بسبب العذاب كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) بالتاء والياء في الدنيا\rوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها المراد أهلها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) المرجع\rقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) بين الإنذار قوله: (تأكيد) أي: قوله الَّتِي فِي الصُّدُورِ تأكيدا اهـ.\rقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ الضمير لقريش، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحذرهم نقمات اللّه ويوعدهم بذلك دنيا وأخرى، وهم لا يصدقون بذلك ويستبعدون وقوعه، فكان استعجالهم على سبيل الاستهزاء يقولون: إنما توعدتنا به لا يقع وأنه لا بعث، وقد تضمنت الآية نزول العذاب بهم في الدنيا، وقد ذكره في قوله: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ونزوله بهم في الآخرة، وقد ذكره في قوله: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ، فمعنى: ولن يخلف اللّه وعده أي: في إنزال العذاب بكم في الدنيا، وأن يوما من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا، واقتصر في التشبيه على الألف، لأن الألف منتهى العدد بلا تكرار اهـ من البحر ملخصا.\rقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ أي: يطلبون عجلتك بالعذاب أي: أن تأتيهم به عاجلا. وفي المختار:\rواستعجله طلب عجلته اهـ.\rقوله: (فأنجزه يوم بدر) فقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتاء) أي: فيكون فيه التفات وقوله: (و الياء) أي: فيكون مناسبا لقوله:\rوَيَسْتَعْجِلُونَكَ. وقوله: أَمْلَيْتُ لَها خص الأول بذكر الإهلاك لاتصاله بقوله: فَأَمْلَيْتُ للذين كفروا، ثم أخذتهم أي أهلكتهم، والثاني: بالإملاء لأن قوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ دلّ على أنه لم يأتهم في الوقت فحسن ذكر الإملاء اهـ كرماني.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ قال الزمخشري: فإن قلت: لم عطفت الأولى بالفاء وهذه بالواو؟\rقلت: الأولى وقعت بدلا من قوله فكيف كان نكير، وأما هذه فحكمها حكم الجملتين قبلها المعطوفتين بالواو، أعني قوله: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ اهـ.\rقوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي: الذين قيل فيهم أفلم يسيروا الموصوفون بالاستعجال للعذاب على سبيل الاستهزاء إنما أنا لكم نذير أي: ليس بيدي تعجيل للعذاب ولا تأخير، وقوله: (و أنا بشير) أشار به إلى أن في الآية اكتفاء بدليل التعميم المذكور فيما بعد اهـ من البحر.\rوفي الكرخي: قوله: (و أنا بشير للمؤمنين) جواب ما يقال كما في الكشاف كان القياس أن يقال:\rإنما أنا لكم بشير ونذير لذكر الفريقين بعده، وإيضاح الجواب: أن الخطاب مخصوص بالمشركين بدلالة سياق الكلام، وأن ذكر المؤمنين بما يحصل لهم من الرزق الكريم والنعيم المقيم لإلحاق الغيظ والغم بأضدادهم، فليس ذكرهم هنا إلا لكونه داخلا في حيز التخويف والإنذار بما سمعته من الاعتبار اهـ.","part":5,"page":205},{"id":1690,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 206\rوأنا بشير للمؤمنين\rفَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من الذنوب وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) هو الجنة\rوَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا القرآن بإبطالها مُعاجِزِينَ من اتبع النبي أي ينسبونهم إلى العجز ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدرين عجزنا عنهم وفي قراءة معاجزين مسابقين لنا أي يظنون أن يفوتونا بإنكارهم البعث والعقاب أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51) النار\rوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ قوله: (بين الإنذار) هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها مظهر إنذاري، والأول أوضح كما هو عادته في التعبير اهـ.\rقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ (من الذنوب) أي: الصغائر والكبائر اهـ شيخنا.\rقوله: (هو الجنة) والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله ويجوز كمالاته اهـ بيضاوي.\rقوله: وَالَّذِينَ سَعَوْا أي: اجتهدوا في إبطالها حيث قالوا: القرآن شعر أو سحر أو أساطير الأولين اهـ شيخنا.\rقوله: (بإبطالها) الباء بمعنى في، والجار والمجرور بدل من قوله: فِي آياتِنا ويشير به إلى تقدير مضاف أي: سعوا في إبطال آياتنا، وقوله: مُعاجِزِينَ مفعوله محذوف أي: معجزين المؤمنين كما ذكره بقوله: (من اتبع النبي)، وهذا على المعنى الأول، وعلى المعنى الثاني يقدر المفعول معجزين اللّه كما ذكره بقوله: (أو مقدرين عجزنا عنهم) ومعنى التقدير الظن والاعتقاد أي ظانين عجزنا عنهم، وقوله: (و يثبطونهم) أي يعوقونهم ويشغلونهم. وفي المصباح: ثبطه تثبيطا عن الأمر قعد به وشغله عنه أو منعه تخذيلا ونحوه اهـ.\rوقوله: (و في قراءة معاجزين)، وتقدير المفعول عليها معاجزين اللّه كما ذكره بقوله مسابقين أي:\rلنا، ومعنى المسابقة فرارهم من عذابه هذا من جانبهم، ومن جانبه تعالى إنزال العذاب بهم وعدم فرارهم منه، وهذه المفاعلة لا تخلو من معنى الظن والاعتقاد بالنسبة إليهم، كما قال الشارح: يظنون أن يفوتونا أي يفوتوا عذابنا أي يفروا منه. وقرر البيضاوي معنى هذه القراءة بوجه آخر محصله أن المسابقة مع المؤمنين أي يسابقون المؤمنين ويعارضونهم، فكلما طلب المؤمنون إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله اهـ.\rقوله: (أو مقدرين) أي: ظانين عجزنا عنهم أي: فهو اسم فاعل من عجزه، وهذا على قراءة معجزين بترك الألف وتشديد الجيم اهـ كرخي.\rقوله: (يظنون أن يفوتونا) أي: لا يلحقهم ولا يدركهم عذابنا اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ شروع في تسلية ثانية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد التسلية الأولى بقوله: وإن يكذبوك الخ. ومن في من قبلك لابتداء الغاية، وفي من رسول زائدة في المفعول تفيد استغراق الجنس، والجملة الشرطية بعد إلّا في موضع نصب على الحال من نبي، ويكون قد حذف من الأول لدلالة الثاني عليه أي: وما أرسلناه إلا وحاله هذه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: في هذه الجملة بعد إلّا ثلاثة أوجه، أحدها: أنها في محل نصب على الحال من","part":5,"page":206},{"id":1691,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 207\rرَسُولٍ هو نبي أمر بالتبليغ وَلا نَبِيٍ أي لم يؤمر بالتبليغ إِلَّا إِذا تَمَنَّى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ قراءته ما ليس من القرآن مما يرضاه المرسل إليهم، وقد قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة النجم بمجلس من قريش بعد أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى بإلقاء الشيطان على لسانه من رسول، والمعنى: وما أرسلناه إلا حاله هذه والحال محصورة. والثاني: أنها في محل الصفة لرسول، فيجوز أن يحكم على موضعها بالجر باعتبار لفظ الموصوف، وبالنصب باعتبار محله فإن من مزيدة فيه. الثالث: أنها في موضع استثناء من غير الجنس قاله أبو البقاء. يعني: إنه استثناء منقطع، وإذا هذه يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر وإليه ذهب الحوفي، وأن تكون لمجرد الظرفية وقوله: إِذا تَمَنَّى إنما أفرد الضمير وإن تقدمه شيئان معطوف أحدهما على الآخر بالواو، لأن في الكلام حذفا تقديره:\rوما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى ولا نبي إلا إذا تمنى كقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62] والحذف إما من الأول أو من الثاني، والضمير في أمنيته فيه قولان، أحدهما:\rوهو الذي ينبغي أن يكون أنه ضمير النبي. والثاني: أنه ضمير الرسول، وورد في ذلك تفاسير اللّه أعلم بصحتها اهـ.\rقوله: (قراءته) وإنما سميت القراءة أمنية لأن القارىء إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلي به اهـ من الرازي.\rوفي المختار: والأمنية واحدة الأماني تقول منها تمنى الكتاب قرأه قال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ [البقرة: 78] اهـ.\rوفي القاموس: وتمنى الكتاب قرأه والحديث اخترعه وافتعله اهـ.\rقوله: (ما ليس من القرآن) مفعول ألقى، وقوله: مما يرضاه بيان لما، وقوله: المرسل إليهم وهم الكفار قوله: (و قد قرأ النبي الخ) أي: في رمضان سنة خمس من المبعث، وكانت الهجرة إلى الحبشة في رجب من تلك السنة، وقدوم المهاجرين إلى مكة كان في شوال من تلك السنة اهـ من شرح المواهب.\rقوله: (بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه به) عبارة المواهب: قال الإمام فخر الدين الرازي: مما لخصته من تفسيره هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال اللّه تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: 3] وقال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى:\r6]. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه الصلاة والسّلام قرأ سورة النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق، بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق، ولا شك أن من جوّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه ويبطل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: 67]","part":5,"page":207},{"id":1692,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 208\rفإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه، فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها اهـ كلام الرازي.\rوليس كذلك بل لها أصل، فقد خرجها ابن أبي حاتم والطبراني وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، وكذا ابن مردويه والبزار وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة كما نبه عليه الحافظ ابن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وإنه لم يرها مسندة من وجه صحيح، وهذا متعقب بما سيأتي قريبا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس. وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني فقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة والنجم فلما بلغ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فلما ختم السورة سجد وسجدوا فكبر ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل تسلية له وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي: في قراءته بين كلماته، وأخرجه البزار، وابن مردويه من طريق أميه بن خالد عن شعبة فقال في إسناده: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيم أحسب، ثم ساق الحديث المذكور. وقال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، وتفرّد بوصله أمية ابن خالد وهو ثقة مشهور، وقال البزار: إنما يروي هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس اهـ.\rوالكلبي. متروك لا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولة وأسندها عن محمد بن كعب، وكذا موسى بن عقبة في المغازي، عن ابن شهاب الزهري، وكذا أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأورده من طريق أبي معشر الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من أسباط عن السدي. ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، عن الكلبي، عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، وعن سليمان التيمي عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن عباس. وأوردها الطبري أيضا من طريق الحوفي، عن ابن عباس ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكل من طرقها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح.\rأحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن زيد، عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فذكر نحوه.\rوالثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية. وقال الحافظ ابن حجر أيضا: وقد تجرأ ابن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول القاضي عياض: هذا الحديث لم","part":5,"page":208},{"id":1693,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 209\rيخرجه أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده وكذا قول عياض أيضا. ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية فهذا مردودا أيضا. قال القاضي عياض:\rوقد بيّن البزار أن الحديث لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلّا من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله. وأما الكلبي: فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال: ولم ينقل ذلك اهـ.\rقال الحافظ ابن حجر: وجميع ذلك لا يتمشين على قواعد المحدثين: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وأن شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته. وقد سلك العلماء في ذلك التأويل مسالك نحو السبعة فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة من النوم وهو لا يشعر، فلما أعلمه اللّه بذلك أحكم آياته. وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده القاضي بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ [إبراهيم: 22] الآية. قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة. وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق ذلك بحفظه صلّى اللّه عليه وسلّم فجرى على لسانه سهوا، وقد ردّ ذلك القاضي عياض فأجاد، وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار. قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كان هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا، وإلى هذا نحا الباقلاني. وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19] الآية. خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عادتهم في قولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26] أي:\rأظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه، ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم عليه، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وقيل: المراد بالغرانيق العلا الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات اللّه ويعبدونها فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى [النجم: 21] فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ تينك الكلمتين وهما قوله: (تلك الغرانيق العلا) وإن شفاعتهن لترتجى وأحكم آياته. وقيل: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يرتل القرآن فترصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا بصوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قول النبي وأشاعها. قال القاضي عياض: وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه، ويؤيده ما روي عن ابن عباس في تفسير تمنى بتلا، وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل قالوا معنى قوله: فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة اللّه في رسله إذا قالوا","part":5,"page":209},{"id":1694,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 210\rغير علمه صلّى اللّه عليه وسلّم به تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ففرحوا بذلك ثم أخبره جبريل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك فحزن فسلي بهذه الآية ليطمئن فَيَنْسَخُ اللَّهُ يبطل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ يثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ (52) في تمكينه منه يفعل ما يشاء\rلِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً محنة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ أي المشركين عن قبول الحق وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53) خلاف طويل مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قاله لأنه معصوم، وقد سبق إلى ذلك الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوّب هذا المعنى اهـ كلام فتح الباري اهـ.\rقوله: (تلك الغرانيق العلا) الغرانيق: في الأصل الذكور من طير الماء واحدها غرنوق كفردوس، أو غرنوق كعصفور، أو غرنيق كعليق، أو غرنيق كمسكين سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي.\rوالغرنوق أيضا الشاب الأبيض الناعم، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من اللّه وتشفع لهم فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع اهـ من المواهب وشرحه.\rقوله: (ثم أخبره جبريل) أي: بعد أن قرأ إلى آخر السورة وسجد وهو وجميع من كان في المسجد من المؤمنين والمشركين، وكان ذلك الإخبار بعد أن أمسى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن اللّه، وقلت ما لم أقله لك فحزن النبي الخ اهـ رازي.\rقوله: (يبطل) أي يزيل. فالمراد بالنسخ النسخ اللغوي لا الشرعي المستعمل في الأحكام اهـ كرخي.\rقوله: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ في متعلق هذه اللام ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها متعلقة بيحكم أي ثم يحكم اللّه آياته ليجعل وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ جملة اعتراضية وإليه نحا الحوفي. الثاني:\rأنها متعلقة بينسخ، وإليه ذهب ابن عطية وهو ظاهر أيضا. والثالث: أنها متعلقة بألقى وليس بظاهر.\rوفي اللام قولان، أحدهما: أنها للعلة. والثاني: أنها للعاقبة، وما في قوله: ما يُلْقِي الظاهر أنها بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مصدرية اهـ سمين.\rقوله: وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ أل في القاسية موصولة، والصفة صلتها، وقلوبهم فاعل بها، والضمير المضاف إليه هو عائد الموصول، وأنث الصلة لأن مرفوعها مؤنث مجازي، ولو وضع فعل موضعها لجاز تأنيثه، والقاسية عطف على الذين أي فتنة للذين في قلوبهم مرض وفتنة للقاسية قلوبهم اهـ سمين.\rقوله: (الكافرين) أي: من المنافقين والمشركين، وأصله: وأنهم فوضع الظاهر موضع المضمر نداء عليهم بالظلم اهـ شيخنا.\rقوله: (حيث جرى على لسانه الخ) عبارة الخازن: فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد","part":5,"page":210},{"id":1695,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 211\rثم أبطل ذلك\rوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ التوحيد والقرآن أَنَّهُ أي القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ تطمئن لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (54) أي دين الإسلام\rوَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ شك مِنْهُ أي القرآن بما ألقاه الشيطان على لسان النبي ثم أبطل حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي ساعة موتهم أو القيامة فجأة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) هو يوم بدر لا خير فيه للكفار كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل له\rالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة لِلَّهِ وحده وما تضمنه من الاستقرار ناصب للظروف يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بين المؤمنين والكافرين بما بين بعده فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند اللّه فغير ذلك، وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا على ما كانوا عليه وشدة على من أسلم اهـ.\rقوله: فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي: بالقرآن.\rقوله: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا لما ذكر حال الكافرين أولا ثم حال المؤمنين ثانيا عاد إلى شرح حال الكافرين، فهو رجوع لقوله: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ اهـ شيخنا.\rقوله: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ المرية: بالكسر والضم لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء أنهما قراءتان، ولا أحفظ الضم هنا، والضمير في منه قيل: يعود على القرآن، وقيل: على الرسول، وقيل على ما ألقاه الشيطان اهـ سمين.\rقوله: (بما ألقاه) الباء سببية. قوله: (كالريح العقيم) أشار بهذا التفسير أي: تفسير عقيم بما لا خير فيه، إلى أن في عقيم استعارة بالكناية بأن شبه ما لا خير فيه من الزمان بالنساء العقم، كما شبهت الريح التي لا تحمل السحاب ولا تلقح الأشجار بهن تشبيها مضمرا في النفس وإثبات العقم تخييل.\rوقوله: (لا ليل بعده) أي: ولا يوم بعده وفيه استعارة بالكناية أيضا بأن شبه اليوم المنفرد عن سائر الأيام بالنساء العقم تشبيها مضمرا في النفس، وإثبات العقم تخييل فإن الأيام بعضها نتائج لبعض، فكل يوم يلد مثله اهـ من الشهاب.\rقوله: يَوْمَئِذٍ التنوين في إذ عوض عن جملة وهي التي حذفت بعد الغاية أي: الملك يوم تزول مريتهم وشكهم، والظاهر أن هذا اليوم هو يوم القيامة من حيث إنه لا ملك فيه لأحد من ملوك الدنيا ويساعد هذا التقسيم بعده، ومن قال: هو يوم بدر أراد من حيث ينفذ فيه قضاء اللّه وحده، ويبطل ما سواه، ويمضي حكمه فيمن أراد تعذيبه، ويكون التقسيم أخبارا مترتبا على حالهم في ذلك اليوم العقيم من الإيمان والكفر اهـ من البحر.\rقوله: (ناصب للظرف) أي: يومئذ والتنوين عوض عن محذوف قدره الزمخشري يوم يؤمنون وهو لازم لزوال المرية، وقدره أيضا يوم تزول مريتهم لقوله: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً اهـ كرخي.\rقوله: يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ جملة مستأنفة وقعت جوابا لسؤال تقديره: ماذا يصنع بهم؟ فقيل: يحكم","part":5,"page":211},{"id":1696,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 212\rالصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) فضلا من اللّه\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) شديد بسبب كفرهم\rوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته من مكة إلى المدينة ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً هو رزق الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) أفضل المعطين\rلَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو موضعا بينهم اهـ شيخنا. وهي حالية كما في السمين.\rقوله: (بما بين بعده) أي: بالجزاء الذي بين بالتقسيم بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا الخ هذا هو المحكوم به. قوله: (فضلا من اللّه) أشار به إلى حكمة ترك الفاء في قوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وقوله: (بسبب كفرهم) أشار به إلى حكمة ذكرها في جانب العذاب. يعني: أن إعطاء الثواب بفضل اللّه لا بسبب أعمالهم وإعطاء العذاب بسبب معاصيهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا مبتدأ خبره ليرزقنهم، وهذا ابتداء كلام يتعلق بالمهاجرين، وأفردهم بالذكر مع دخولهم في المؤمنين تفخيما لشأنهم، وطاعة اللّه هي نصرة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة وتبعهم المشركون فقاتلوهم، والتسوية في الوعد بالرزق لا تدل على تفضيل في قدر المعطي ولا تسوية، فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر، والمقرر في كتب الفروع أن المقتول أفضل لأنه شهيد، ولما ذكر الرزق أعقبه بذكر المسكن بقوله لَيُدْخِلَنَّهُمْ الخ اهـ من البحر.\rقوله: لَيَرْزُقَنَّهُمُ جواب قسم مقدر، والجملة القسمية وجوابها خبر قوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا وفيه دليل على وقع الجملة القسمية خبرا للمبتدأ، ومن يمنع يضمر قولا هو الخبر تحكي به هذا الجملة القسمية وهو قول مرجوح اهـ سمين.\rقوله: رِزْقاً حَسَناً يجوز أن يكون مفعولا ثانيا على أنه من باب الرعي والذبح أي: مرزوقا حسنا، وأن يكون مصدرا مؤكدا اهـ سمين.\rقوله: (هو رزق الجنة) أي: نعيمها. قوله: خَيْرُ الرَّازِقِينَ أفعل التفضيل على بابه، ولذا فسره بقوله: (أفضل المعطين). ووجهه أنه سبحانه وتعالى مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره، وأنه الأصل في الرزق، ولأن غيره يدفع الرزق من يده ليد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق، وأن غيره تعالى إنما يرزق لانتفاعه من الناس، فهو طالب للعوض في ذلك كله والرزق منه تعالى لمحض الإحسان اهـ رازي.\rوفي الكرخي: قوله: (أفضل المعطين) معلوم أن كل الرزق من عنده، فالتفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص بأن يرزق لما لا يقدر عليه غيره، وقيل: إن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه إما لأجل خروجه عن الواجب، أو لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء، أو لأجل الرقة الجنسية، وأما الحق سبحانه وتعالى فإن كماله صفة ذاتية فلا يستفيد من شيء كمالا زائدا فالرزق الصادر منه لمحض الإحسان اهـ.\rقوله: لَيُدْخِلَنَّهُمْ هذه الجملة بدل من قوله: لَيَرْزُقَنَّهُمُ، أو مستأنفة اهـ سمين.","part":5,"page":212},{"id":1697,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 213\rيَرْضَوْنَهُ وهو الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بنياتهم حَلِيمٌ (59) عن عقابهم، الأمر\rذلِكَ الذي قصصناه عليك وَمَنْ عاقَبَ جازى من المؤمنين بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ظلما من المشركين أي قاتلهم كما قاتلوه في الشهر المحرم ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ منهم أي ظلم بإخراجه قوله: مُدْخَلًا (بضم الميم الخ) أشار إلى أن قراءة غير نافع مدخلا بضم الميم من أدخل يدخل مدخلا، أي: ادخالا، فيكون مدخلا اسما لمصدر الفعل الذي قبله، فيكون المفعول به محذوفا أي:\rليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه، وقراءة نافع بفتحها موضع الدخول، فيكون المدخل مصدر دخل يدخل دخولا ومدخلا، فيكون مفعولا للفعل قبله أي: ليدخلنهم مكانا يرضونه اهـ كرخي.\rقوله: حَلِيمٌ (عن عقابهم) أي: غني عنه فلا يعجل بالعقوبة على من يقدم على المعصية، بل يمهل لتقع منه التوبة فيستحق الجنة اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكَ خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك وما بعده مستأنف، وقوله: (الذي قصصنا عليك) أي: من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: ذلك أي الأمر المقرر من صفات اللّه تعالى الذي قصصنا عليك اهـ.\rقوله: وَمَنْ عاقَبَ مبتدأ. وقوله: لَيَنْصُرَنَّهُ خبره. وهذا على أن موصوله، ويصح أن تكون شرطية، وقوله: بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ الباء الأولى للآلة، والثاني للسببية، والعقاب مأخوذ من التعاقب وهو مجيء الشيء بعد غيره، وحينئذ فتسمية ما عوقب به عقابا من باب المشاكلة. وفي البيضاوي:\rوإنما سمي ابتداء الفعل الصادر منهم بالعقاب، مع أن العقاب إنما هو الجزاء على الجناية للازدواج أو لأنه سببه اهـ.\rوقوله: وإنما سمي ابتداء الفعل أي المشار إليه بقوله: بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ، مع أن ابتداء الفعل لا يسمى عقابا لأن العقاب من العقب اهـ زكريا.\rفتلخص أن قوله: وَمَنْ عاقَبَ بمعنى جازى حقيقة لغوية، وأن قوله: بمثل ما عوقب به مجاز من قبيل المشاكلة، أو من قبيل تسمية السبب باسم المسبب. قوله: (أي قاتلهم) أي: قاتل من كان يقاتله، ثم إن القاتل بغى عليه بأن اضطره إلى الهجرة ومفارقة الوطن، قال مقاتل: نزلت في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم وثبت المسلمون ونصرهم اللّه على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد، فعاقبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمثله، فمعنى: من عاقب بمثل ما عوقب به. أي:\rمن جازى الظالم بمثل ظلمه؛ فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في الصور، فهو مثل قوله:\rوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] ومثل قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] ثم بغى عليه أي بالكلام والإزعاج من وطنه، وذلك أن المشركين كذبوا","part":5,"page":213},{"id":1698,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 214\rمن منزله لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ عن المؤمنين غَفُورٌ (60) لهم عن قتالهم في الشهر الحرام\rذلِكَ النصر بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يدخل كلا منهما في الآخر بأن يزيد به وذلك من أثر قدرته تعالى التي بها النصر وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دعاء المؤمنين بَصِيرٌ (61) بهم حيث جعل فيهم الإيمان فأجاب دعاءهم\rذلِكَ النصر أيضا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الثابت وَأَنَّ ما يَدْعُونَ بالياء والتاء يعبدون مِنْ دُونِهِ وهو الأصنام هُوَ الْباطِلُ الزائل وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ أي العالي على كل شيء بقدرته الْكَبِيرُ (62) الذي يصغر كل شيء سواه\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ نبيهم وأذوا من آمن به وأخرجوه وأخرجوهم من مكة وظاهروا على إخراجهم. قوله: لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ أي: محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، فإن الكفار بغوا عليهم: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ اهـ قرطبي.\rوقوله: فسمى جزاء العقوبة الخ يقتضي أن التجوز في قوله: ومن عاقب وهو خلاف ما تقدم، لكن الذي تقدم هو الصواب لأنه ناظر للمعنى اللغوي كما عرفت، وليس ما هنا مثل الآيتين المذكورتين كما لا يخفى تأمل. قوله: غَفُورٌ (لهم عن قتالهم الخ) وإنما عفا عنهم ذلك مع كونه كان محرما إذ ذاك، لأنهم فعلوه دفعا للصائل فكان من قبيل الواجب عليهم اهـ.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وبأن اللّه خبره، وقرأ العامة: وأن اللّه بالفتح عطفا على الأول، وقراءة الحسن بالكسر استئنافا اهـ سمين.\rقوله: (بأن يزيد) أي: الآخر. وقوله: ذلِكَ أي الايلاج من أثر قدرته تعالى. هذا إشارة إلى كونه الإيلاج سببا للنصر، وحاصله: أن السبب الحقيقي هو قدرته تعالى على جميع الممكنات، إلا أنه تعالى أقام دليل القدرة وأثرها مقامها، أي: ذلك النصر بسبب أنه قادر، ومن آثار قدرته إيلاج كل من الليل والنهار في الآخر اهـ من الرازي.\rوفي البيضاوي: أي ذلك بسبب أن اللّه تعالى قادر على تقليب الأمور بعضها على بعض جارية عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة اهـ.\rقوله: هُوَ الْحَقُ مبتدأ أو ضمير فصل اهـ سمين.\rقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان. قوله: (الزائل) عبارة البيضاوي: الباطل أي: المعدوم في حد ذاته أو الباطل ألوهيته اهـ.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً إلى قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ذكر هنا من آثار قدرته ستة أشياء.\rأولها: إنزال الماء الناشىء عنه اخضرار الأرض، وفسر الرؤيا بالعلم دون الإبصار لأن الماء وإن كان مرئيا إلا أن كون اللّه منزلا له من السماء غير مرئي، وقال: فتصبح الأرض دون أصبحت لإفادته بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان.","part":5,"page":214},{"id":1699,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 215\rمُخْضَرَّةً بالنبات وهذا من أثر قدرته إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بعباده في إخراج النبات بالماء خَبِيرٌ (63) بما في قلوبهم عند تأخير المطر\rلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ على جهة الملك وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُ عن عباده الْحَمِيدُ (64) لأوليائه\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ من البهائم وَالْفُلْكَ السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ للركوب والحمل بِأَمْرِهِ بإذنه وَيُمْسِكُ الثاني: قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ومن جملته خلق المطر والنبات نفعا للحيوان، مع أن اللّه لا يحتاج لذلك ولا ينتفع به.\rالثالث: تسخير ما في الأرض أي: ذلل لكم ما فيها كالحجر والحديد والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل والركوب والحمل عليه والنظر إليه.\rالرابع: تسخير الفلك بالماء والأرياح، فلو لا أن اللّه سخرها لكانت تغوص أو تقف.\rالخامس: إمساك السماء لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل وما كان كذلك لا بد له من السقوط لو لا مانع يمنع منه وهو القدرة، فأمسكها اللّه بقدرته لئلا تقع فتبطل النعم التي امتن بها علينا.\rسادسها: الإحياء ثم الإماتة ثم الإحياء نبه بهذا على أن هذه النعم لمن أحياه اللّه، فنبه بالإحياء الأول على إنعامه في الدنيا بكل ما تقدم، ونبه بالإماتة والإحياء ثانيا على إنعامه علينا في الآخرة، ولما فصل تعالى هذه النعم قال: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ أي: لهذه النعم اهـ من الرازي.\rقوله: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً قال الزمخشري: هلا قيل فأصبحت ولم صرف إلى لفظ المضارع؟ قلت: لنكتة فيه وهي بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول: أنعم علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له، ولو قلت: فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع اهـ سمين.\rولم ينصب هذا المضارع في جواب الاستفهام لأنه استفهام تقريري مؤول بالخبر أي: قد رأيت والخبر لا جواب له، وأيضا لا تصح السببية هنا، فإن الرؤية لا يتسبب عنها اخضرار الأرض، بل إنما يوجبه إنزال الماء وأيضا جواب الاستفهام ينعقد منه شرط وجزاء وهنا لا يصح ذلك، إذ لا يقال: إن ترى إنزال المطر تصبح الأرض اهـ ملخصا من الشهاب.\rقوله: خَبِيرٌ (بما في قلوبهم) أي: من القنوط واليأس. قوله: وَالْفُلْكَ العامة على نصب الفلك وفيه وجهان، أحدهما: أنه عطف على ما في الأرض أي: سخر لكم ما في الأرض وسخر لكم الفلك وأفردها بالذكر، وإن اندرجت بطريق العموم تحت ما في قوله ما في الأرض لظهور الامتنان بها ولعجيب تسخيرها دون سائر المسخرات وتجري على هذا حال. والثاني: أنها عطف على الجلالة بتقدير: ألم تر أن الفلك تجري في البحر فتجري خبر على هذا اهـ سمين.\rوالفلك: يطلق على الواحد والجمع بهذه الصيغة، فالواحدة يقال لها فلك فتكون حركته حينئذ كحركة قفل، والجمع يقال له فلك فتكون حركته حينئذ كحركة بدن اهـ شيخنا.","part":5,"page":215},{"id":1700,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 216\rالسَّماءَ من أَنَ أو لئلا تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فتهلكوا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) في التسخير والإمساك\rوَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بالإنشاء ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ عند البعث إِنَّ الْإِنْسانَ أي المشرك لَكَفُورٌ (66) لنعم اللّه بتركه توحيده\rلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً بفتح السين وكسرها شريعة هُمْ ناسِكُوهُ عاملون به فَلا يُنازِعُنَّكَ يراد به قوله: (من) أَنَ (أو لئلا) تَقَعَ إيضاحه: أن قوله أن تقع، أما في محل نصب أو جر على حذف حرف الجر تقديره: من أن تقع. وقيل: في محل نصب على المفعول لأجله، فالبصريون يقدرون كراهة أن تقع، والكوفيون لئلا تقع وإمساكها خلق السكون فيها اهـ كرخي.\rوقد أشار الشارح للاحتمال الأول والثالث. قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال وهو لا يقع في الكلام الموجب، إلا أن قوله: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ في قوة النفي أي: لا يتركها تقع في حالة من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئة اللّه تعالى فالباء للملابسة اهـ زاده.\rقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً إنما حذف الواو هنا ولم يقل: ولكل أمة لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله، فلا جرم حذف العاطف. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن هذه مشتملة على النعم التكليفية والتي قبلها مشتملة على نعم غير تكليفية، وقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أي أهل دين، فالمراد بالأمة من له ملة وشرع، وإن نسخ دون المشركين فقط لقوله: جَعَلْنا، وإنما ذكر ثابتا وإن مرّ توطئة لما بعده، وتفسير المنسك بالشريعة ظاهر لأنه مأخوذ من النسيكة وهي العبادة، ولا وجه لحمله على موضع العبادة أو ووقتها لقوله: ناسِكُوهُ، وإلّا لقيل ناسكون فيه لأن العامل يتعدى إلى ضمير الظرف بفي اهـ من الشهاب والرازي وزاده.\rقوله أيضا: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هذا كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه عليه الصلاة والسّلام من أهل الأديان السماوية عن مفارقته عليه الصلاة والسّلام، أي: لكل أمة سنية من الأمم الخالية والباقية، جعلنا: أي وضعنا وعينا منسكا أي: شريعة خاصة أي: عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتنا المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالا ولا اشتراكا، وقوله:\rهُمْ ناسِكُوهُ صفة مؤكدة للقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور على الفعل، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهاالسّلام منسكهم التوراة، والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منسكهم الإنجيل، والأمة الموجودة عند مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بعدهم إلى يوم القيامة منسكهم القرآن لا غير، وقوله: فَلا يُنازِعُنَّكَ أي: لا ينازعك هؤلاء الأمم في أمر دينك زعما منهم أن شريعتهم ما عين لأبائهم الأولين من التوراة والإنجيل، فإنهما شريعتان لمن مضى من الأمم قبل انتساخهما، وأمة محمد منسكهم الفرقان، فالنهي باق على حقيقته أو هو عبارة عن نهيه عليه الصلاة والسّلام عن الالتفات إلى نزاعهم. وأما جعله عبارة عن نهيه عليه الصلاة والسّلام عن منازعتهم فلا يساعده المقام، وكذلك تخصيصه بأمر النسائك، وجعله عبارة عن قول الخزاعيين وغيرهم: ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم لا سبيل إليه أصلا، لأنه يقتضي أن يكون أكل الميتة من جملة المناسك","part":5,"page":216},{"id":1701,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 217\rلا تنازعهم فِي الْأَمْرِ أي أمر الذبيحة إذ قالوا ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي إلى دينه إِنَّكَ لَعَلى هُدىً دين مُسْتَقِيمٍ (67)\rوَإِنْ جادَلُوكَ أي في أمر الدين فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) فيجازيكم عليه وهذا قبل الأمر بالقتال\rاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أيها المؤمنون والكافرون يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) بأن يقول كما من الفريقين خلاف قول الآخر\rأَلَمْ تَعْلَمْ الاستفهام فيه للتقرير أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ أي ما ذكر فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ أي علم ما ذكر عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) سهل\rوَيَعْبُدُونَ أي المشركون مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ هو الأصنام سُلْطاناً حجة وَما لَيْسَ لَهُمْ والشرائع التي جعلها اللّه لبعض الأمم ولا يرتاب في بطلانه عاقل اهـ من أبي السعود.\rوقال العمادي قوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هو ردّ لقول من يقول الذبح ليس شريعة اهـ.\rقوله: فَلا يُنازِعُنَّكَ أي: سائر أرباب الملل في الأمر، أي: في أمر الدين أو النسائك لأنهم بين جهال وأهل عناد، ولأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، وقيل: المراد نهي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها إنما تنفع طالب الحق وهؤلاء أهل مراء أو عن منازعتهم كقولك: لا يضربنك زيد، وهذا إنما يجوز في أفعل المبالغة للتلازم، وقيل:\rنزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله اللّه اهـ بيضاوي.\rقوله: (يراد به لا تنازعهم) أي: يراد به نهي الرسول عن منازعتهم، لأن المنازعة تكون بين اثنين، فنهي أحد الشريكين عنها يستلزم نهي الآخر، فيكون أحد النهيين كناية عن الآخر اهـ شيخنا.\rقوله: وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي، ادعهم أو ادع الناس كافة على أنهم داخلون فيهم دخولا أوليا اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي: فهو منسوخ بآية السيف، وهذا إنما يصح إذا كان المراد من قوله: وإن جادلوك الخ الكف عن قتالهم وهو غير متعين بأن يصح أن يكون المعنى فاترك جدالهم، وفوض الأمر إلى اللّه بقولك: اللّه أعلم بما تعملون، فيكون هذا وعيدا لهم على أعمالهم، وهذا المعنى لا تنسخه آية السيف بل هو باق بعد مشروعية القتال لعدم المنافاة اهـ.\rقوله: (أي ما ذكر) أي: الموجود الذي في السماء والأرض اهـ شيخنا.\rقوله: (هو اللوح المحفوظ) سمي بذلك لأنه حفظ من الشياطين، ومن تغيير شيء منه طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وهو من درة بيضاء وهو معلق في الهواء فوق السماء السابعة اهـ جلال من سورة البروج.\rقوله: (أي علم ما ذكر) أي: علمه جملة وتفصيلا على اللّه يسير وإن تعذر على الخلق اهـ شيخنا.\rقوله: سُلْطاناً (حجة) أي: من جهة الوحي فهي نفي للدليل السمعي اهـ شيخنا.\rقوله: وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أي: دليل عقلي اهـ شيخنا.","part":5,"page":217},{"id":1702,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 218\rبِهِ عِلْمٌ أنها آلهة وَما لِلظَّالِمِينَ بالإشراك مِنْ نَصِيرٍ (71) يمنع عنهم عذاب اللّه\rوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن بَيِّناتٍ ظاهرات حال تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ أي الإنكار لها أي أثره من الكراهة والعبوس يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا أي يقعون فيهم بالبطش قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ أي بأكره إليكم من القرآن المتلو عليكم هو النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بأن مصيرهم إليها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) هي\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة قوله: فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا من إيقاع الظاهر موضع المضمر للشهادة عليهم بوصف الكفر اهـ سمين.\rقوله: (أي الإنكار لها) أشار به إلى أن المنكر وإن كان بوزن اسم المفعول فهو مصدر ميمي وهو على حذف مضاف، كما أشار له بقوله: (أي أثره) اهـ شيخنا.\rقوله: يَكادُونَ يَسْطُونَ هذه الجملة حال إما من الموصول وإن كان مضافا إليه لأن المضاف جزؤه، وإما من الوجوه لأنها يعبر بها عن أصحابها قوله تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ [عبس:\r40] ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ [عبس: 42] ويسطون: ضمن معنى يبطشون فتعدى تعديته، وإلا فهو متعد بعلى. يقال: سطا عليه وأصله القهر والغلبة، وقيل: هو إظهار ما يهول للإخافة، ولفلان سطوة أي تسلط وقهر اهـ سمين.\rوقد أشار الشارح للتضمين بقوله أي يقعون فيه بالبطش. قوله: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ أي: أخاطبكم فأنبئكم. قوله: النَّارُ خبر مبتدأ محذوف كأن سائلا سأل فقال: وما الأشر؟ فقيل: النار أي هو النار، وحينئذ فالوقف على ذلكم أو النار، ويصح أن يكون مبتدأ، والخبر وعدها اللّه، وعلى هذا فالوقف على كفروا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: النَّارُ يقرأ بالحركات الثلاث فالرفع من وجهين، أحدهما: الرفع على الابتداء، والخبر الجملة من قوله: وَعَدَهَا اللَّهُ، والجملة لا محل لها لأنها مفسرة للشر المتقدم كأنه قيل: ما شر من ذلك؟ فقيل: النار ووعدها. والثاني: أنها خبر مبتدأ مقدر كأنه قيل: ما شر من ذلك؟\rفقيل: النار أي هو النار، وحينئذ يجوز في وعدها اللّه الرفع على كونه خبرا بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من النار وفيه نظر من حيث إن المبدل منه مفرد والنصب، وهو قراءة زيد بن علي، وابن أبي عبلة من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب. بفعل مقدر يفسره الفعل الظاهر والمسألة من الاشتغال. الثاني:\rأنها منصوبة على الاختصاص قاله الزمخشري. الثالث: أن ينتصب بإضمار أعني وهو قريب مما قبله أو هو والجر، وهو قراءة ابن أبي إسحاق، وإبراهيم بن نوح على البدل من شر والضمير في وعدها. قال الشيخ: الظاهر أنه هو المفعول الأول على معنى أن اللّه تعالى وعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: 30] ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني، والذين كفروا هو المفعول الأول، كما قال: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ [التوبة: 68] قلت: ينبغي أن يتعين هذا الثاني لأنه متى اجتمع بعد ما يتعدى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم وهو المفعول الأول، ويعني بالمفعول الأول","part":5,"page":218},{"id":1703,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 219\rضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وهو إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وهم الأصنام لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً اسم جنس واحده ذبابة يقع على المذكر والمؤنث وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لخلقه وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخون به لا يَسْتَنْقِذُوهُ من يتأتى منه فعل، فإذا قلت: وعدت زيدا دينارا، فالدينار وهو المفعول الثاني لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو نظير أعطيت زيدا درهما، فزيد هو الفاعل لأنه آخذ للدرهم اهـ.\rوكلام الجلال يتمشى على الاحتمال الأول حيث قال: بأن مصيرهم إليها فجعل الذين كفروا هو الموعود به، فيكون الضمير هو المفعول الأول أي وعدها اللّه بمصير الكفرة إليها أي يرجعوا إليها ويكونوا طعاما لها، فهي آكلة وهم مأكولون اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ هذا متصل بقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وإنما قال ضرب مثل لأن حجج اللّه تعالى عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب إلى أفهامهم، فإن قيل: فأين المثل المضروب؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: قال الأخفش ليس ثم مثل، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم يعني أن الكفار جعلوا للّه مثلا بعبادتهم غيره، فكأنه قال:\rجعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبيه. والثاني: قال القتيبي: المعنى يا أيها الناس ضرب مثلا أي عبدت آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن يسلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه، وقال النحاس: المعنى ضرب اللّه عز وجل لما يعبد من دون اللّه مثلا. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه أي: أن بين لكم ولمعبودكم شبهات اهـ قرطبي.\rقوله: (واحده ذبابة) ويجمع على ذباب بالكسر كغربان، وذبان بالضم كقضبان وعلى أذبة كأغربة وهو أجهل الحيوانات لأنه يرمي نفسه في المهلكات، ومدة عيشه أربعون يوما، وأصل خلقته من العفونات، ثم يتوالد بعضه من بعض. يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود وعلى الأسود فيرى أبيض، والذباب مأخوذ من ذب إذا طرد وآب إذا رجع لأنك تذبه فيرجع عليك اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي: لخلقه. قال الزمخشري: نصب على الحال كأنه قال: يستحيل خلقهم الذباب حال اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه، فكيف حال انفرادهم؟ وقد تقدم أن هذه الواو عاطفة هذه الجملة الحالية على حال محذوفة أي: انتفى خلقهم الذباب على كل حال ولو في هذه الحال المقتضية لجميعهم، فكأنه تعالى قال: إن هذه الأصنام إن اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ أي: يختطف منهم بسرعة. قوله: (مما عليهم من الطيب والزعفران الخ) روي عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وعن ابن زيد كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلىء وأنواع الجوهر ويطيبونها بألوان الطيب، فربما سقط شيء منها فيأخذه طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استرداده اهـ خطيب.\rقوله: (الملطخون به) نعت سببي للطيب والزعفران المجرورين، وكان عليه أن يقول الملطخين","part":5,"page":219},{"id":1704,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 220\rلا يستردوه مِنْهُ لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء اللّه تعالى هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب المثل ضَعُفَ الطَّالِبُ العابد وَالْمَطْلُوبُ (73) المعبود\rما قَدَرُوا اللَّهَ عظموه حَقَّ قَدْرِهِ عظمته إذ أشركوا به ما لم يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) غالب\rاللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ رسلا، نزل لما قال المشركون أأنزل عليه به كما هو ظاهر. قوله: لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ الاستنقاذ استفعال بمعنى الافعال يقال: أنقذه من كذا أي أنجاه منه وخلصه اهـ سمين.\rقوله: (عبّر عنه بضرب مثل) هذا جواب ما يقال: إن الذي ضرب وبين ليس بمثل فكيف سماه مثلا؟ وحاصل الجواب: أن الصفة والقصة العجيبة تسمى مثلا تشبيها لها ببعض الأمثال لكونها مستحسنة مستغربة عندهم اهـ خازن.\rوفي الشهاب تقدم أن المثل في الأصل بمعنى المثل، ثم خص بما شبه مضربه بمورده من الكلام السائر فصار حقيقة عرفية فيه، ثم استعير لكل حال غريبة أو قصة من الكلام فصيحة غريبة لمشابهتها له في ذلك اهـ.\rقوله: (إذا أشركوا به) في نسخة أن أشركوا به بفتح أن وتكون على تقدير اللام، وعبارة الخازن:\rأي ما عظموه حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته حيث أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه اهـ.\rوقيل: إن سبب نزولها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمالك بن أبي الصيف، وكان حبرا من أحبار اليهود من رؤسائهم: هل رأيت في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين؟ قال: نعم. فقال له: أنت حبر سمين، فضحك القوم، فالتفت مالك إلى عمر بن الخطاب وقال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء. وقيل: إن سبب نزولها إن اللّه لما قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: 245] قالت اليهود: إن اللّه فقير ونحن أغنياء يريد منا القرض، وقيل: لما منعهم الغيث والنعمة قال: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:\r64] وقيل: إن سبب نزولها أن اليهود قالوا: خلق اللّه السموات يوم الأحد، والأرض يوم الاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والأوراق والأشجار في يوم الأربعاء، والشمس والقمر في يوم الخميس، وخلق آدم وحواء في يوم الجمعة، ثم استوى على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى واستراح، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اهـ من التفاسير.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ (رسلا) أشار به إلى أن في الآية الحذف من الثاني لدلالة الأول. قوله:\r(نزل لما قال المشركون أأنزل عليه الذكر) أي: القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا أي: لم ينزل عليه اهـ جلال من سورة ص.\rوالقائل هو الوليد بن المغيرة مع موافقة الباقي، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر ما يتعلق بالآلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات، وقوله: مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يقتضي أن تكون الرسل بعض الملائكة لا كلهم فيناقض قوله تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: 1] ويدفع هذا التناقض بأن المراد بما هنا من كان رسولا من الملائكة إلى بني آدم وهم أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل","part":5,"page":220},{"id":1705,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 221\rالذكر من بيننا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بَصِيرٌ (75) بمن يتخذه رسولا كجبريل وميكائيل وإبراهيم ومحمد وغيرهم صلّى اللّه عليهم وسلم\rيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي ما قدموا وما خلفوا وما عملوا وما هم عاملون بعد وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا أي صلوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وحدوه وَافْعَلُوا الْخَيْرَ كصلة الرحم ومكارم الأخلاق لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) تفوزون بالبقاء في الجنة\rوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ لإقامة دينه حَقَّ جِهادِهِ باستفراغ الطاقة فيه، ونصب حق على المصدر هُوَ اجْتَباكُمْ اختاركم لدينه وعزرائيل والحفظة صلوات اللّه عليهم، وبأن المراد من قوله: جاعل الملائكة رسلا أي: بعضهم رسلا إلى البعض، وقيل: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما أبطل فيما قبلها عبادة الأوثان أبطل ههنا عبادة الأصنام اهـ من الرازي.\rقوله: (بمن يتخذه رسولا) هكذا بالإفراد مراعاة للفظ من في قوله (بمن يتخذوه،) وفي نسخة بالجمع مراعاة لمعناها، قوله: (جبريل الخ) مثل باثنين من الملائكة واثنين من الإنس، ثم قال:\rوغيرهم أي: غير الأربعة وهو مستدرك مع الكاف اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ما قدموا) أي: من الأعمال أي: ما عملوه بالفعل، وقوله: (و ما خلفوا) أي: لم يعملوه بالفعل لا في الماضي ولا في المستقبل وقوله: أو (ما عملوا) أي: بالفعل، وقوله: (و ما هم عاملون) أي: في المستقبل فحصلت المغايرة بهذا بين الشقين، وعبارة العمادي: ما بين أيديهم ما مضى وما خلفهم ما لم يأن، أو ما عملوه وما سيعملونه من أمور الدنيا اهـ.\rقوله: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ أي: واجبا أو مندوبا، وإن كان الشارح اقتصر في التمثيل على المندوب اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ جملة في محل نصب على الحال من الواو في اركعوا وما عطف عليه أي: افعلوا هذه الأمور حال كونكم راجين الفلاح، وفي هذا إشارة إلى أن دخول الجنة ليس مرتبا على هذه الأعمال مثلا، بل هذه أمور كلفنا اللّه بها شرعا، وأما قبولها فشيء آخر يتفضل اللّه به علينا اهـ شيخنا.\rقوله: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ في: سببية. أي: لأجل اللّه وهو على تقدير مضافين أي: لإقامة اللّه أي لإقامة دين اللّه كما أشار له الشارح، ومفعول جاهدوا محذوف تقديره أعداءكم، وهذه الأعداء ظاهرية وباطنية، فالظاهرية: فرق الضلال ومجاهدتها معلومة، والباطنية: مثل النفس والهوى ومجاهدتها منعها من شهواتها شيئا فشيئا على التدريج، وهذا الجهاد الثاني هو الجهاد الأكبر، وأما الجهاد الأول فهو الأصغر كما ورد به الحديث، وقوله: حَقَّ جِهادِهِ من إضافة الصفة للموصوف.\rأي: جهادا حقا والإضافة في جهاده على معنى في أي: فيه وقد أشار له الشارح اهـ.\rقوله: حَقَّ جِهادِهِ يجوز أن يكون منصوبا على المصدر وهو واضح، قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي جهادا حق جهاده، وفيه نظر من حيث إن هذا معرفة فكيف يجعل","part":5,"page":221},{"id":1706,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 222\rوَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض والسفر مِلَّةَ أَبِيكُمْ منصوب بنزع الخافض الكاف إِبْراهِيمَ عطف بيان هُوَ أي اللّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أي قبل هذا الكتاب وَفِي هذا أي القرآن لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ يوم القيامة أنه بلغكم وَتَكُونُوا أنتم شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أن صفة لنكرة؟ قال الزمخشري: فإن قلت ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال: وجاهدوا في اللّه حق جهاده؟ قلت: الإضافة تكون لأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصا باللّه من حيث إنه مفعول من أجله ولوجهه صحت إضافته إليه اهـ سمين.\rقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ إن قلت: كيف لا حرج فيه مع أن في قطع اليد بسرقة ربع دينار، ورجم محصن بزنا مرة، ووجوب صوم شهرين متتابعين بإفساد يوم من رمضان بوطء ونحو ذلك حرجا؟ فالجواب: المراد بالدين التوحيد ولا حرج فيه بل فيه تخفيف، فإنه يكفر ما قبله من الشرك وإن امتد ولا يتوقف الإتيان به على زمان أو مكان معين، أو أن كل ما يقع فيه الإنسان من المعاصي يجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو كفار أو رخصة، كما أشار إليه في التقريرة، أو المراد نفي الحرج الذي كان في زمن بني إسرائيل من الإصر والتشديد والتضييق بتكليف ما لا يطيقون، فلا يرد نحو المخاطرة بالنفس والمال في الحج والغزو اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبات رجل لاثنين في سبيل اللّه، لكنه مع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج اهـ.\rقوله: (منصوب بنزع الخافض الكاف) هذا أحد أوجه ذكرها السمين ونصه: قوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ فيه أوجه، أحدها: أنه منصوب باتبعوا مضمرا قاله الحوفي وتبعه أبو البقاء. الثاني: أنه منصوب على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم. الثالث: أنه منصوب بمضمون ما تقدمه كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قاله الزمخشري. الرابع: أنه منصوب بجعل مقدرا، قاله ابن عطية. الخامس: أنه منصوب على حذف كاف الجر أي كلمة أبيكم، قاله الفراء. وقال أبو البقاء قريبا منه: فإنه قال وقيل: تقديره مثل ملة لأن المعنى سهل عليكم الدين مثل ملة أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأظهر هذه الأوجه الثالث اهـ.\rقوله: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ الضمير للّه، ويدل عليه قراءة اللّه سماكم، وقيل: لإبراهيم، وقوله: لِيَكُونَ الرَّسُولُ متعلق بسماكم اهـ بيضاوي.\rوقوله: متعلق بسماكم أي: على الوجهين في الضمير، واللام للعاقبة لأن التعليل غير ظاهر هنا، كما قيل: والظاهر أنه لا مانع منه، فإن تسمية اللّه وإبراهيم لهم به حكم بإسلامهم وعدالتهم، وهو سبب لقبول شهادة الرسول الداخل فيهم دخولا أوليا وقبول شهادتهم على الأمم اهـ شهاب.","part":5,"page":222},{"id":1707,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 223\rرسلهم بلغتهم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ داوموا عليها وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ثقوا به هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومتولي أموركم فَنِعْمَ الْمَوْلى هو وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) أي الناصر لكم.\rوعبارة الكازروني فإن قيل: ليست تسميتهم بالمسلمين سببا لشهادة الرسول عليهم، وإنما سببها إسلامهم نفسه. قلنا: تسمية اللّه لهم بالمسلمين حكم بإسلامهم عند وجودهم، فهو في الحقيقة سبب لإسلامهم اهـ.\rقوله: (أي قبل هذا الكتاب) أي: في الكتب القديمة، وقوله: وَفِي هذا أي بقوله: رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: 3] قوله: (ثقوا به) أي: في مجامع أموركم اهـ كرخي.","part":5,"page":223},{"id":1708,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 224\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المؤمنون مكية وهي مائة وثمان أو تسع عشرة آية\rقَدْ للتحقيق أَفْلَحَ فاز الْمُؤْمِنُونَ (1)\rالَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) متواضعون\rوَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ من الكلام وغيره مُعْرِضُونَ (3)\rوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) مؤدون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (مكية) هكذا قال هو وغيره، بل قال القرطبي: مكية في قول الجميع اهـ.\rويستثنى الآيات الثلاث وهي قوله: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ [المؤمنون: 75] إلى آخرها، فإنها مدنية كما سيأتي في تقريرها تأمل قوله: (و ثمان) هذا هو مذهب الكوفيين، وقوله: (أو تسع) هو مذهب البصريين كما في البيضاوي. قال الشهاب: عليه وسبب هذا اختلافهم في قوله: ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ [المؤمنون: 45] هل هو آية كما قاله البصريون، أو بعض آية كما قاله الكوفيون اهـ.\rقوله: قَدْ أَفْلَحَ (فاز) الْمُؤْمِنُونَ عبارة أبي السعود: الفلاح الفوز بالمرام والنجاة من المكروه، وقيل: البقاء في الخير، والإفلاح: الدخول في ذلك كالإبشار الذي هو الدخول في البشارة وقد يجيء متعديا بمعنى الإدخال فيه، وعليه قراءة من قرأه بالبناء للمفعول، وكلمة قَدْ ههنا لإفادة ثبوت ما كان يتوقع الثبوت من قبل اهـ.\rقوله: (متواضعون) ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقى كف الثوب والالتفات والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والتشبيك وتقليب الحصى وغير ذلك مما يكره فعله في الصلاة، والجار والمجرور متعلق بما بعده، وقدم للاهتمام وحسنه كون متعلقه فاصلة وكذلك ما بعده من أخواته، وأضيفت الصلاة إليهم لأنها دائرة بين المصلي والمصلّى له، فالمصلّي هو المنتفع وحده، وأما المصلّى له فغني عن الحاجة إليها والانتفاع بها اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (متواضعون) قاله مقاتل، أو خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا، وهذا من فروض الصلاة عند الغزالي، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأن اشتراط الخضوع والخشوع مخالف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ المراد باللغو كل ما كان حراما أو مكروها أو مباحا لم","part":5,"page":224},{"id":1709,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 225\rوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) عن الحرام\rإِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أي من زوجاتهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي السراري فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) في إتيانهن\rفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ من الزوجات تدع إليه ضرورة ولا حاجة، وقوله: (من الكلام وغيره) كاللعب والهزل وما يخل بالمروءة، وقوله:\rمُعْرِضُونَ أي عن مباشرته وحضوره والتسبب فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (مؤدون) ضمن فاعلون معنى مؤدون، إذ لا يصح فعل الأعيان التي هي القدر المخرج من المزكي للمستحقين، ويصح حمل الزكاة على المصدر الذي هو التزكية فيصح نسبة الفعل إليها من غير تضمين اهـ من البحر.\rوفي السمين قوله: لِلزَّكاةِ اللام مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله ولكونه فرعا، والزكاة في الأصل مصدر وتطلق على القدر المخرج من الأعيان، وقال الزمخشري: اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين اسم للقدر الذي يخرجه المزكي من النصاب، والمعنى فعل المزكي وهو الذي أراده اللّه فجعل المزكين فاعلين له، ولا يسوغ فيه غيره لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل، ويقال لمحدثه فاعل تقول للضارب فاعل الضرب، وللقاتل فاعل القتل، وللمزكي فاعل التزكية اهـ.\rقوله: (أي من زوجاتهم) أشار به إلى أن على بمعنى من بدليل الحديث: «إحفظ عورتك إلا من زوجتك» اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه متعلق بحافظون على تضمين معنى ممسكين أو قاصرين وكلاهما يتعدى بعلى، قوله تعالى: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: 47]. الثاني: أن على بمعنى من أي: إلا من أزواجهم، فعلى: بمعنى من كما جاءت من بمعنى على قوله: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء: 77] وإليه ذهب الفراء. الثالث: أن يكون في موضع نصب على الحال. قال الزمخشري: أي: إلّا والين أو قوامين عليهم من قولك: كان فلانا على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على البصرة أي: واليا عليها، ومنه قولهم:\rفلانة تحت فلان، ومن ثم سميت المرأة فراشا. الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه غير ملومين. قال الزمخشري: وكأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم. أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أحل لهم فإنهم غير ملومين عليه اهـ.\rقوله: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ عبّر بما دون من وإن كان المقام لمن لنقصهن بالأنوثة، وشبههن بالبهائم في حل البيع مثلا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي السراري) في المختار: السرية الأمة التي بوأتها بيتا وهي فعلية منسوبة إلى السر وهو الجماع أو الإخفاء، لأن الإنسان كثيرا ما يسرها ويسترها عن حرته، وإنما ضمت سينه لأن الأبنية قد تغير في النسب، كما قالوا في النسبة إلى الدهر دهري، وإلى الأرض السهلة سهلي بضم أولهما، والجمع السراري. وقال الأخفش: هي مشتقة من السرور، لأن الإنسان يسرّ بها اهـ.\rوفي المصباح: والسرية فعلية. قيل: مأخوذة من السر وهو النكاح، فالضم على غير قياس فرقا بينها وبين الحرة إذا نكحت سرا، فإنه يقال لها سرية بالكسر على القياس، وقيل: من السر بمعنى","part":5,"page":225},{"id":1710,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 226\rوالسراري كالاستمناء باليد في إتيانهن فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم\rوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ جمعا ومفردا وَعَهْدِهِمْ فيما بينهم أو فيما بينهم وبين اللّه من صلاة وغيرها راعُونَ (8) حافظون\rوَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ جمعا ومفردا يُحافِظُونَ (9) يقيمونها في أوقاتها\rأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) لا غيرهم\rالَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هو جنة أعلى الجنان هُمْ السرور لأن مالكها يسر بها فهو على القياس، وسريته سرية يتعدى إلى مفعولين فتسراها، والأصل سررته فتسررها بالتضعيف لكن أبدل للتخفيف اهـ.\rقوله: فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ هذا تعليل للاستثناء، وقوله: (في إتيانهن) أي: بجماع أو غيره اهـ.\rقوله: (كالاستمناء باليد) تمثيل لوراء لأنه بمعنى خلاف فهو حرام عند الجمهور، وكان أحمد بن حنبل يجيز ذلك لأنه فضلة في البدن يجوز إخراجها لحاجة، كالفصد والحجامة، لكن بشروط ثلاثة:\rأن يخاف الزنا، ويفقد مهر حرة أو ثمن أمة كما ذكر في كتاب المنتهى، وأن يفعله بيده. ومفهومه فيه تفصيل، وهو أنه إن كان بيد زوجته أو أمته جاز، وإن كان بيد أجنبية أو أجنبي حرم اهـ من الرازي.\rقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ أي: حافظون ما ائتمنوا عليه، والعقود التي عاقدوا الناس عليها يقومون بالوفاء بها، والأمانات تختلف فمنها ما يكون بين العبد وبين اللّه تعالى كالصلاة والصوم وغسل الجنابة وسائر العبادات التي أوجبها اللّه تعالى على العباد فيجب الوفاء بجميعها. ومنها ما يكون بين العباد كالودائع والصنائع والأسرار وغير ذلك فيجب الوفاء به أيضا اهـ خازن.\rقوله: (جمعا) أي: في قراءة الجمهور، ووجهها أنه مصدر جمع بسبب اختلاف أنواعه من طهارة وصلاة وصيام إلى غير ذلك، وأجمعوا على جمعها في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: 58] وقوله: (و مفردا) أي: في قراءة ابن كثير لأمن اللبس بالإضافة إلى الجمع ولأنه مصدر اهـ كرخي.\rقوله: (لا غيرهم) أي: فإن ضمير الفصل يدل على التخصيص، فإن قيل: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى لم يتمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؟\rفالجواب أن قوله: لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك، والطهارات دخلت في حملة المحافظة على الصلوات لكنها من شرائطها، والحصر إضافي لا حقيقي لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو لقوله تعالى: يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] اهـ كرخي.\rقوله: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ أي: من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم، كما روى ذلك البيهقي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر وغيرهم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه بسند صحيح كما سيأتي اهـ كرخي.","part":5,"page":226},{"id":1711,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 227\rفِيها خالِدُونَ (11) في ذلك إشارة إلى المعاد ويناسبه ذكر المبدأ بعده\rوَاللّه لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ آدم مِنْ سُلالَةٍ هي من سللت الشيء من الشيء أي استخرجته منه وهو خلاصته مِنْ طِينٍ (12) متعلق بسلالة\rثُمَّ جَعَلْناهُ أي الإنسان نسل آدم نُطْفَةً منيا فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) هو وهذا بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها وتفخيم لها ورفع لمحلها، وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعد الكريم للمبالغة فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (و يناسبه ذكر المبدأ بعده) عبارة السمين: وهذه الجملة أي: قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ الخ جواب قسم محذوف أي: واللّه لقد خلقنا وعطفت على الجملة قبلها لما بينهما من المناسبة، وهو أنه تعالى لما ذكر أن المتصفين بتلك الأوصاف يرثون الفردوس وتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى ليستدل بها على المعاد، فإن الابتداء في العادة أصعب من الإعادة لقوله:\rوَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27] وهذا أحسن من قول ابن عطية هذا ابتداء كلام، والواو في أوله عاطفة جملة كلام على جملة كلام، وإن تباينتا في المعنى لأني قدمت لك وجه المناسبة اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ إلى قوله: وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ جملة ما ذكر من الدلائل أنواع أربعة.\rالنوع الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة وهي تسعة آخرها تبعثون.\rالنوع الثاني: من الأدلة خلق السموات وأشار له بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ.\rالنوع الثالث: إنزال الماء وأشار له بقوله: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً.\rالنوع الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات وأشار له بقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ الخ.\rوأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية اهـ رازي.\rقوله: (أي استخرجته منه) ومنه قولهم: فلان سلالة أبيه كأنه استخرج منه اهـ سمين.\rقوله: (متعلق بسلالة) أي: بنفس سلالة لأنها بمعنى مسلول، وهو وزن يدل على القلة كقلامة، ومن في الموضعين ابتدائية الأولى منهما متعلقة بخلقنا، والثانية متعلقة بسلالة كما قال الشارح اهـ من السمين.\rقوله: ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً الخ اختلاف العواطف بالفاء وثم لتفاوت الاستحالات يعني: أن بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بثم فجعل الاستبعاد عقلا أو رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسي، لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدا، وكذا جعل النطفة البيضاء دما أحمر بخلاف جعل الدم لحما مشابها له في اللون والصورة، وكذا تصليبها حتى تصير عظما لأنه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد، وكذا مدّ لحم المضغة عليه ليستره فسقط ما قيل: إن الوارد في الحديث أن مدة كل استحالة أربعون يوما، وذلك يقتضي عطف الجميع بثم أن نظر لآخر المدة وأولها، أو ويقتضي العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط اهـ من الشهاب مع تقديم وتأخير.","part":5,"page":227},{"id":1712,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 228\rالرحم\rثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً دما جامدا فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً لحما قدر ما يمضغ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً وفي قراءة عظما في الموضعين وخلقنا في المواضع الثلاث بمعنى صيرنا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ بنفخ الروح فيه فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14) أي المقدرين، ومميز أحسن محذوف للعلم به أي خلقا\rثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15)\rثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) للحساب والجزاء\rوَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ أي سبع سماوات جمع طريقة وهذا في العواطف الخمسة الأولى، وأما قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فعطفه بثم للتفاوت بين الخلقين كما في البيضاوي اهـ.\rقوله: (أي الإنسان نسل آدم) أفاد أن الضمير يعود للإنسان فإن أريد غير آدم فواضح، ويكون خلقه من سلالة الطين خلق أصله وهو آدم فيكون على حذف مضاف، وإن كان المراد به آدم فيكون الضمير عائدا على نسله فهو من حذف مضاف أيضا، وعليه جرى الشيخ المصنف، ويؤيده قوله:\rوَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [السجدة: 8] اهـ كرخي.\rقوله: فِي قَرارٍ مَكِينٍ أي: لهذه النطفة. والمراد بالقرار موضع الاستقرار وهو المستقر فسماه بالمصدر، ثم وصف الرحم بمكين بمعنى متمكن لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن ما يحل فيه كقولهم: طريق سائر لكونه يسار فيه اهـ رازي.\rقوله: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ أي: غالبها أو كلها قولان حكاهما أبو السعود، وفي البيضاوي:\rفكسونا العظام لحما أي: كسونا ما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها اهـ.\rقوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ المعنى حوّلنا النطفة عن صفاتها إلى صفة لا يحيط بها وصف الواصفين اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: واختلف الناس في الخلق الآخر، فقال ابن عباس، والشعبي، وأبو العالية، والضحاك، وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن يكون جمادا، وعن ابن عباس أيضا: هو خروجه إلى الدنيا، وقال قتادة عن فرقة: هو نبات شعره، والضحاك: هو خروج الأسنان ونبات الشعر، ومجاهد:\rكمال شبابه. وروي عن ابن عمر والصحيح، أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت اهـ.\rقوله: (للعلم به) أي: من دلالة الخالقين عليه أي: أحسن الخالقين خلقا أي: في الظاهر وإلّا فاللّه خالق الكل اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي: المذكور من الأمور العجيبة كما يفهم من اسم الإشارة الدال على البعد المشعر بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفصل والكمال، وكونه ممتازا منزلا منزلة الأمور الحسية اهـ أبو السعود.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: عند النفخة الثانية اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ الخ لما ذكر ابتداء خلق الإنسان وانتهاء أمره ذكره بنعمه، وقوله:","part":5,"page":228},{"id":1713,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 229\rلأنها طرق الملائكة وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ تحتها غافِلِينَ (17) أن تسقط عليهم فتهلكهم بل نمسكها كآية وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ من كفايتهم\rفَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (18) فيموتون مع دوابهم عطشا\rفَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ فَوْقَكُمْ المراد به جهة العلو من غير اعتبار فوقية لهم، لأن تلك النسبة إنما تعرض لهم بعد خلقهم، ووقت خلق السموات لم نكن مخلوقين ولم تكن هي فوقنا بل خلقنا بعد اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنها طرق الملائكة) أي: في العروج والهبوط والطيران اهـ رازي.\rوعبارة البيضاوي: سبع طرائق سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها اهـ.\rوقوله: طورق بعضها الخ يعني أنها جمع طريقة بمعنى مطروقة من طرق النعل إذا وضع طاقاته بعضها فوق بعض. قيل: فعلى هذا لا تكون سماء الدنيا من الطرائق، إذ لا سماء تحتها فجعلها منها من باب التغليب، ولا يخفى أن المعنى وضع طاق فوق طاق مساويا له، فيندرج ما تحت الكل لكونه مطارقا أي: له نسبة وتعلق بالمطارقة فلا حاجة إلى التغليب اهـ شهاب.\rقوله: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ما ابتدائية متعلقة بأنزلنا، وتقديمها على المفعول الصريح للاعتناء بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر والعدول عن الإضمار، لأن الإنزال لا يعتبر فيه عنوان كونها طرائق بل مجرد كونها بصفة العلو، وقوله: بِقَدَرٍ أي: تقدير لاستجلاب منافعهم ودفع مضارهم أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم اهـ من أبي السعود.\rوقال الشهاب: قوله: بقدر إن كان بمعنى تقدير كان صفة لماء أو حالا من الضمير، وإن كان بمعنى مقدر كان صلة لأنزلنا وهما متقاربان في المعنى اهـ لكن كلام الشارح يشير للثاني.\rقوله: ماءً أي عذبا، وإلّا فالأجاج ثابت في الأرض مع القحط والعذاب يقل مع القحط.\rوفي الأحاديث أن الماء كان موجدا قبل خلق السموات والأرض، ثم جعل اللّه منه في السماء ماء وفي الأرض ماء اهـ من البحر.\rوفي الكرخي: فأسكناه في الأرض، أي: فجعلناه ساكنا ثابتا مستقرا في الأرض بعضه على ظهرها وبعضه في بطنها اهـ.\rقوله: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ الذهاب مصدر ذهب، والباء في به للتعدية مرادفة للهمزة أي: لقادرون على إذهابه وإزالته، وهو متعلق بقادرون قدم عليه رعاية للفاصلة والإذهاب: إما بالإفساد وإما بالتصديع وإما بالتعميق والتغوير في الأرض اهـ من البحر.\rروى الشيخان، عن ابن عباس، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن اللّه عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار:\rسيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل أنزلها اللّه عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل. استودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ فإذا كان عند خروج","part":5,"page":229},{"id":1714,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 230\rنَخِيلٍ وَأَعْنابٍ هما أكثر فواكه العرب لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (19) صيفا وشتاء\rوَأنشأنا شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ جبل بكسر السين وفتحها ومنع الصرف والتأنيث للبقعة تَنْبُتُ من الرباعي والثلاثي بِالدُّهْنِ الباء زائدة على الأول ومعدية على الثاني وهي شجرة يأجوج ومأجوج أرسل اللّه عز وجل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض فقد أهلها خيري الدين والدينا» اهـ خازن.\rقوله: لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها الخ الضميران يرجعان إلى الجنات بتقدير مضاف في الثاني أي: ومن ثمرها، ويصح رجوعهما إلى النخيل والأعناب بتقدير مضاف أي: في ثمرهما، أي: لكم في ثمرهما أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ المراد بها شجرة الزيتون، فإن قلت: لم خصت بطور سيناء مع أنها تخرج من غيره أيضا؟ قلت: أصلها منه ثم نقلت إلى غيره اهـ زكريا.\rوشجرة الزيتون تعمر في الأرض كثيرا حتى قال بعضهم: إنه يعمر ثلاثة آلاف سنة اهـ شيخنا.\rوهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان اهـ خازن.\rقوله: (جبل) عبارة الخازن: من طور سيناء، أي: من جبل مبارك، وقيل: من جبل حسن قيل هو بالنبطية، وقيل: بالحبشية، وقيل: بالسريانية، ومعناه: الجبل الملتف بالأشجار، وقيل: كل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سيناء وسينين، وقيل: هو من السناء وهو الارتفاع، وقيل: الجبل الذي منه نودي موسى بين مصر وأيلة، وقيل: جبل فلسطين، وقيل: سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها وقيل: هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل اهـ.\rقوله: (منع الصرف للعلمية والتأنيث) أما على قراءة الكسر فلأن الهمزة فيه ليست للتأنيث بل للإلحاق بقرطاس، فتكون همزته منقلبة عن ياء أو واو، فلما وقع حرف العلة فيه متطرفا بعد ألف زائدة قلب همزة كرياء وكساء، وحينئذ فكان منع صرفه للتعريف والتأنيث لأن سيناء علم على بقعة، وقيل:\rللتعريف والعجمة. والصحيح: أن سيناء اسم أعجمي نطقت به العرب فاختلفت فيه لغاتهم، فقالوا:\rسيناء كحمراء وسيناء كعلباء وسينين كقنديل. وأما على قراءة الفتح فمنع من الصرف للتعريف والتأنيث نظرا للبقعة، وهو حينئذ علم جبل مركب من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس، فمنع من الصرف مع كونه جزء علم نظرا إلى أنه يعامل معاملة العلم، وألفه حينئذ ليست للتأنيث بل هي مبدلة من واو وياؤها مزيدة ووزنها فيعال اهـ من السمين بتصرف.\rقوله: (من الرباعي والثلاثي الخ) أشار إلى ما في الآية من القراءتين، وإيضاحه: أن الأولى قراءة ابن كثير من أنبت الآتية همزته للتعدية كقوله: أنبت اللّه الزرع فيكون مفعوله بالدهن مع زيادة الباء على ما جرى عليه الشيخ المصنف، ويصح كونه محذوفا أي: تنبت زيتونها، وبالدهن في موضع الحال من","part":5,"page":230},{"id":1715,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 231\rالزيتون وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) عطف على الدهن أي إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه وهو الزيت\rوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ أي الإبل والبقر والغنم لَعِبْرَةً عظة تعتبرون بها نُسْقِيكُمْ بفتح النون وضمها مِمَّا فِي بُطُونِها أي اللبن وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك وَمِنْها تَأْكُلُونَ (21)\rوَعَلَيْها أي الإبل وَعَلَى الْفُلْكِ أي السفن تُحْمَلُونَ (22)\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا المفعول المحذوف أي: ملتبسا بالدهن، والثانية قراءة الجمهور على أنه لازم يقال: نبت البقل وأنبت بمعنى وبالدهن مفعول تعدى فعله بالباء أي تنبت ملتبسة بالدهن اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: بالدهن أي حالة كونها ملتبسة بالدهن ومصحوبة به، وهذا على قراءة فتح التاء اهـ.\rوالدهن: عصارة كل شيء ذي دسم اهـ سمين.\rقوله: (و معدية على الثاني) عبارة أبي السعود: ويجوز كونها صلة معدية أي: أن تنبت بمعنى تتضمنه وتحصله، فإن النبات حقيقة صفة للشجرة لا للدهن انتهت.\rقوله: وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر، أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا به ويسرج منه، وكونه إداما يصبغ به الخبز أي يغمس فيه للائتدام به اهـ بيضاوي.\rوقوله: عطف أحد وصفي الشيء الخ أشار به إلى أن الصبغ وهو الإدام من المائعات على الاستعارة، لأنه إذا غمس فيه تلون بلونه وإن كان المراد به الدهن أيضا، لكن لكونهما وصفين نزل تغاير مفهوميهما منزلة تغاير ذاتيهما فعطف أحدهما على الآخر اهـ شهاب.\rقوله: (يصبغ اللقمة) من باب ضرب وقتل ونفع اهـ مصباح.\rقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً خص الأنعام بالعبرة دون النبات، لأن العبرة فيها أظهر اهـ أبو السعود.\rقوله: مِمَّا فِي بُطُونِها ذكره هنا بلفظ الجمع لأنه راجع للأنعام مرادا بها الجمع، وفي النحل قال: مِمَّا فِي بُطُونِهِ بالإفراد نظرا إلى أن الأنعام اسم مفرد اهـ زكريا في متشابه القرآن.\rوأجاب الكرماني عن ذلك بأن ما في النحل مراد به الإناث، والتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام، وذلك البعض هو الإناث فأتي بالضمير مفردا مذكرا. وأما في المؤمنون؛ فالمراد منه الكل الشامل للإناث والذكور بدليل العطف في قوله: وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ فإن هذا لا يخص الإناث وهذا العطف لم يذكر في النحل اهـ.\rقوله: (أي الإبل) أعاد الضمير عليها لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسب للفلك فإنها سفائن البر، وأعاده البيضاوي على الأنعام لأنه الظاهر من الآية معللا بأن منها ما يحمل عليه كالإبل والبقر يشير إلى أنه من نسبة حال البعض إلى الكل، وحكى ما اقتصر عليه المصنف بصيغة قيل اهـ كرخي.","part":5,"page":231},{"id":1716,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 232\rنُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أطيعوه ووحدوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وهو اسم ما، وما قبله الخبر، ومن زائدة أَفَلا تَتَّقُونَ (23) تخافون عقوبته بعبادتكم غيره\rفَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لأتباعهم ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ يتشرف عَلَيْكُمْ بأن يكون متبوعا وأنتم أتباعه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أن لا يعبد غيره لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً بذلك لا بشرا ما سَمِعْنا بِهذا الذي دعا إليه نوح من التوحيد فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) أي الأمم الماضية\rإِنْ هُوَ أي ما نوح إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ الواو للاستئناف. وهذا شروع في خمس قصص، الأولى:\rقصة نوح هذا أولها. والثانية: قصة هود أولها قوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [المؤمنون:\r42]. الثالث: قوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [المؤمنون: 42]. والرابعة: قصة موسى وهارون المذكورة بقوله: ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا [المؤمنون: 45] الخ. والخامسة:\rقصة عيسى وأمة المذكورة بقوله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ إلى قوله: ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون: 50] ونوح لقبه، واسمه يشكر على ما قاله الرازي، أو عبد اللّه على ما قاله السيوطي، وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين لأنه أرسل على رأس الأربعين، ومكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وقدمت قصته لتتصل بقصة آدم المذكورة قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] الخ للمناسبة بين نوح وآدم من حيث أنه أي: نوحا آدم الثاني لانحصار النوع الإنساني بعده في نسله اهـ شيخنا.\rقوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بمنزلة التعليل لما قبله. قوله: (و هو اسم ما) أي لفظ إله اسم ما، وأما لفظ غيره فيصح فيه الرفع اتباعا على المحل، والجر اتباعا على اللفظ قراءتان سبعيتان. وقوله:\r(و ما قبله) وهو لكم، والأصل: ما إله غيره كائنا لكم، وهذا من الشارح جرى على وجه ضعيف للنحاة وهو جواز إعمالها عند انعكاس الترتيب إذا كان الخبر ظرفا والمشهور إهمالها اهـ شيخنا.\rقوله: فَقالَ الْمَلَأُ أي: أشراف قومه، وحاصل ما ذكروه من الشبه خمسة، أولاها: قولهم:\rما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. الثانية: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً. الثالثة: ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. الرابعة: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ. الخامسة: فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى ولم يتعرض لردها لظهور فسادها اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي: بادعاء الرسالة. قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ الخ مفعول المشيئة محذوف، وشأنه أن يقدر مأخوذا من جواب لو، ولكنه هنا أخذه من السياق فقدره بقوله: (أن لا يعبد غيره) اهـ شيخنا.\rوقدره البيضاوي بقوله: (و لو شاء اللّه أن يرسل رسولا لأنزل ملائكة رسلا) اهـ.\rقوله: (بذلك) أي: بأن لا يعبد غيره، وعبارة الكرخي: لأنزل ملائكة بذلك لا بشرا لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم ينقاد الخلق إليهم ولا يشكون في رسالتهم، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولا اهـ.","part":5,"page":232},{"id":1717,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 233\rحالة جنون فَتَرَبَّصُوا بِهِ انتظروه حَتَّى حِينٍ (25) إلى زمن موته\rقالَ نوح رَبِّ انْصُرْنِي عليهم بِما كَذَّبُونِ (26) أي بسبب تكذيبهم إياي بأن تهلكهم قال تعالى مجيبا دعاءه\rفَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ السفينة بِأَعْيُنِنا بمرأى منا وحفظنا وَوَحْيِنا أمرنا فَإِذا جاءَ قوله: (حالة جنون) أي: ففعلة مستعملة في الهيئة على حد قوله:\rوفعله لهيئة كجلسة\rاه شيخنا.\rقوله: فَتَرَبَّصُوا بِهِ الخ عبارة البيضاوي: فتربصوا به فتحملوه وانتظروه حتى حين لعله يفيق من جنونه اهـ.\rوفي الكرخي: فَتَرَبَّصُوا بِهِ انتظروه إلى زمن موته هذا كلام مستأنف، وهو أن يقول بعضهم لبعض: اصبروا فإنه إن كان نبيا حقا فاللّه ينصره ويقوي أمره فنتبعه حينئذ، وإن كان كاذبا فاللّه يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه، ويحتمل أن يكون متعلقا بما قبله أي: أنه مجنون فاصبروا إلى زمان تظهر عاقبة أمره فيه فإن أفاق وإلّا فاقتلوه اهـ.\rقوله: قالَ (نوح) رَبِّ انْصُرْنِي أي قال ذلك بعد أن أيس من إيمانهم اهـ بيضاوي.\rقوله: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ أن هي المفسرة لوقوعها بعد فعل فيه معنى القول وهو أوحى، فلا حاجة إلى جعلها مصدرية، وسكت الشيخ عن ذلك لأنه الظاهر المتبادر اهـ.\rقوله: بِأَعْيُنِنا حال من الضمير المستكن في صنع، والباء للملابسة، وجمع الأعين للمبالغة، وإن كانت العادة أن الرائي له عينان فقط، وقوله: (و حفظنا) أي لك عن أن تخطىء في صنعها أو يفسدها عليك غيرك اهـ شيخنا.\rقوله: وَوَحْيِنا (أمرنا) أي: تعليمنا. فأوحى اللّه إلى جبريل فعلمه صنعتها وصنعها في عامين، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وارتفاعها ثلاثين، وجعلها ثلاث طباق: السفلى للسباع والهوام، والوسطى للدواب والأنعام، والعليا للأنس اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا الفاء لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صنع الفلك، والمراد بالأمر العذاب كما في قوله تعالى: قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود: 43] لا الأمر بالركوب، كما قيل: وبمجيئه كمال اقترابه. أي: ابتداء ظهوره إذا جاء أثر تمام الفلك عذابنا. وقوله: وَفارَ التَّنُّورُ عطف بيان لمجيء الأمر. روي أنه قيل له عليه السّلام: إذ فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك، وكان تنور آدم عليه السّلام فصار إلى نوح، فلما نبع منه الماء أخبرته امرأته فركبوا، واختلف في مكانه فقيل: كان بمسجد الكوفة أي في موضعه على يمين الداخل مما يلي باب كندة اليوم، وقيل: كان في عين وردة من الشام وقد مرّ تفسيره في سورة هود اهـ أبو السعود.\rوكان ذلك التنور من حجر كانت تخبز فيه حواء فتوارثوه حتى وصل إلى نوح اهـ شيخنا.","part":5,"page":233},{"id":1718,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 234\rأَمْرُنا بإهلاكهم وَفارَ التَّنُّورُ للخباز بالماء وكان ذلك علامة لنوح فَاسْلُكْ فِيها أي أدخل في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي ذكر وأنثى من كل أنواعهما اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى وهو مفعول ومن متعلقة باسلك، وفي القصة أن اللّه تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة، وفي قراءة كل بالتنوين فزوجين مفعول واثنين تأكيد له وَأَهْلَكَ أي زوجته وأولاده إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ بالإهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم ثلاثة، وفي سورة هود وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قيل كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل جميع من كانوا في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا بترك إهلاكهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)\rفَإِذَا اسْتَوَيْتَ اعتدلت أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) الكافرين وإهلاكهم\rوَقُلْ عند نزولك من قوله: (علامة لنوح) أي علامة على ركوب السفينة. قوله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي: غير البشر، وإلّا فسيأتي أنه أدخل فيها من البشر سبعين أو ثمانين، فأدخل من هذا النوع زيادة على اثنين اهـ شيخنا.\rقوله: (و غيرهما) أي: من كل ما يلد أو يبيض، بخلاف ما يتولد من العفونات كالدود والبق فلم يحمله فيها اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية. وقوله: (فزوجين) مفعول أي: لأنه حذف ما أضيف إليه كل وجعل التنوين عوضا منه اهـ كرخي.\rقوله: (أي زوجته) أي المؤمنة، فكان له زوجتان: إحداهما مؤمنة فأركبها معه، والأخرى كافرة تركها وهي أم ولده كنعان. قوله: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي: القول من اللّه تعالى أي الوعد الأزلي بالإهلاك اهـ.\rقوله: (و هو زوجته) أي: الكافرة. قوله: (بخلاف سام) هو أبو العرب، وحام هو أبو السودان، ويافت هو أبو الترك اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل كانوا ستة رجال الخ) أي: فالجملة اثنا عشر. قوله: (بترك إهلاكهم) متعلق بتخاطبني اهـ.\rقوله: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي: محكوم عليهم بالغرق.\rقوله: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ جواب إذا الشرطية، وكان الظاهر أن يقال فقولوا أي أنت ومن معك، وإنما أفرد نوحا بالأمر بالدعاء المذكور إظهارا لفضله وإشعارا بأن في دعائه مندوحة من دعائهم اهـ من البيضاوي.\rقوله: (و إهلاكهم) أي ونجانا من إهلاكهم فلم نهلك معهم اهـ شيخنا.","part":5,"page":234},{"id":1719,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 235\rالفلك رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا بضم الميم وفتح الزاي مصدر أو اسم مكان وبفتح الميم وكسر الزاي مكان النزول مُبارَكاً ذلك الإنزال أو المكان وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) ما ذكر\rإِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار لَآياتٍ دلالات على قدرة اللّه تعالى وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) مختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه\rثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً قوما آخَرِينَ (31) هم عاد\rفَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هودا أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ ما قوله: (بضم الميم الخ) قراءتان سبعيتان، وصنيعه يوهم أن الوجهين إنما هما على القراءة الأولى، وأنه على الثانية يتعين أن يكون اسم مكان وليس كذلك، بل على كل من الضم والفتح يحتمل الوجهين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مُنْزَلًا مُبارَكاً قرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون بضم الميم وفتح الزاي، والمنزل والمنزل كل منهما يحتمل أن يكون اسم مصدر وهو الإنزال أو النزول، وأن يكون اسم مكان للنزول أو الإنزال إلا أن قياس مصدر الفعل المذكور هنا منزل بالضم والفتح، وأما الفتح والكسر فعلى نيابة مصدر الثلاثي مناب مصدر الرباعي كقوله: أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح:\r17] وقد تقدم نظيره في مدخل ومدخل في سورة النساء اهـ.\rقوله: مُبارَكاً (ذلك الإنزال الخ) تفسير للضمير المستتر في مباركا، والوجهان راجعان لكل من الضم والفتح. وقوله: (ما ذكر) مفعول للمنزلين وما ذكر إما المصدر أو المكان أي: المنزلين الإنزال المبارك أو المكان المبارك اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ إن مخففة واللام فارقة، وقيل: إن نافية واللام بمعنى إلا اهـ سمين.\rقوله: (مختبرين قوم نوح بإرساله) أي: هل يتبعوه. وقوله: (و وعظه)، أي: لتنظر هل يتعظون بوعظه اهـ.\rقوله: (هم عاد) قبيلة أرسل إليها هود.\rقوله: فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ إنما جعل القرن موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم اهـ بيضاوي.\rوقوله: إنما جعل القرن أي في قوله: فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ لأن ضميره للقرن، وقوله: موضع الإرسال أي: ظرفا، فلذا عدى الإرسال بفي مع أنه في الأصل إنما يعدى بإلى اهـ زكريا.\rفهو جواب عما يقال: إن أرسل يتعدى بإلى فلم عدى بفي هنا؟ فأجاب: بأنه إنما عدى لفي ليدل على ما ذكره، ومثل ذلك يقال في قوله: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:\r34] كما أوضحه الكشاف اهـ.\rقوله: (هودا) حمله على هود دون صالح وقومه بقرينة بقية السور، حيث إن الذي يذكر عقب قوم نوح قوم هود. وحمله بعضهم على صالح وقومه بقرينة قوله في آخر القصة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ","part":5,"page":235},{"id":1720,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 236\rلَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (32) عقابه فتؤمنون\rوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بالمصير إليها وَأَتْرَفْناهُمْ نعمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)\rوَاللّه لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ فيه قسم وشرط، والجواب لأوّلهما وهو مغن عن جواب الثاني إِنَّكُمْ إِذاً أي إذا أطعتموه لَخاسِرُونَ (34) أي مغبونون\rأَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ [الحجر: 73] ويمكن أن يقال المراد بالصيحة مطلق العذاب فيشمل الريح، أو المراد بالصيحة صيحة الريح أي صوته الشديد كما سيأتي في سورة الحاقة أن الريح الصرصر شديدة الصوت اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وعلى الأول ابن عباس وأكثر المفسرين ويشهد له قوله هود: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [الأعراف: 69] ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء اهـ.\rقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يجوز أن تكون مصدرية كما قال الجلال أي: أرسلناه بأن اعبدوا أي بقوله اعبدوا، ويجوز أن تكون مفسرة لأرسلنا أي: قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا اللّه اهـ بيضاوي.\rوشرط أن المفسرة أن يتقدمها ما فيه معنى القول دون حروفه وإرسال الرسل لما كان للتبليغ كان كذلك، وإليه أشار بقوله: أي قلنا اهـ سمين.\rقوله: وَقالَ الْمَلَأُ الخ أتى هنا بالواو إشارة إلى عطف كلامهم الباطل على كلامه الحق فأتى بالواو إشارة إلى تباين الاخبارين، وأما في سورة الأعراف فوقع في جواب سؤال مقدر فتركت الواو اهـ شيخنا.\rقوله: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ الخ هذه شبهة أولى تنتهي عند قوله لخاسرون، والشبهة الثانية إنكارهم البعث وتنتهي عند قوله بمبعوثين، ولم يجب عن الشبهتين لظهور فسادهما وركاكتهما، ثم إنهم بنوا على هاتين الشبهتين إنكارهم البعث والطعن في رسالته بقولهم: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى الخ اهـ شيخنا.\rقوله: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ تقرير للتنافي بين البشرية والرسالة الذي ادعوه اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي منه فحذف العائد لاستكمال شروطه وهي اتحاد الحرف والمتعلق وعدم قيامه قيام مرفوع وعدم ضمير آخر هذا إذ جعلناها بمعنى الذي، فإن جعلناها مصدرا لم نحتج إلى عائد، ويكون المصدر واقعا موقع المفعول أي من مشروبكم اهـ كرخي.\rقوله: (و الجواب لأولهما) ولا يصلح أن يكون جوابا للثاني وهو الشرط، إذ لو كان كذلك لقرن بالفاء لأنه جملة اسمية وهذا من قبيل قوله:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت\r\rاه شيخنا.\rقوله: إِنَّكُمْ إِذاً الخ الكاف اسم إن، وخاسرون خبرها، واللام لام الابتداء زحلقت للخبر،","part":5,"page":236},{"id":1721,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 237\rتُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هو خبر إنكم الأولى، وإنكم الثاني تأكيد لها لما طال الفصل\rهَيْهاتَ هَيْهاتَ اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي بعد بعد لِما تُوعَدُونَ (36) من الإخراج من وإذا واقع بين اسم إن وخبرها لتأكيد مضمون الشرط اهـ أبو السعود.\rوقوله: لتأكيد مضمون الشرط يعلم منه أن إذا بمعنى إن الشرطية، وإن التنوين المتصل بها عوض عن جملة الشرط، ولذا قدرها الشارح بقوله: أي أن أطعتموه، وحينئذ فلا جواب لها لأنها إنما ذكرت توكيدا لما قبلها توكيدا لفظيا من قبيل إعادة الشيء بمرادفه. وعبارة الكرخي: قوله: (أي إن أطعتموه الخ) أشار به إلى أن إذا هذه ليست هي الناصبة للمضارع، وإنما هي إذا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما يومئذ، ولهذا لا يختص دخولها على المضارع بل تدخل على الماضي وعلى الاسم كقوله: وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ [النساء: 67] وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:\r42]، قاله الحافظ السيوطي في كتابه الاتقان اهـ.\rقوله: (أي مغبونون) أي: مغلوبون في رأيكم.\rقوله: أَيَعِدُكُمْ الخ استئناف مسوق لتقرير ما قبله من زجرهم عن اتباعه بإنكار وقوع ما يدعوهم إلى الإيمان به واستبعاده اهـ أبو السعود.\rقوله: عِظاماً أي: مجردة عن اللحوم والأعصاب. وقوله: أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ أي: من الأجداث أو من العدم إلى الوجود تارة أخرى اهـ بيضاوي.\rقوله: (هو) أي: مخرجون خبر أنكم الخ، وإذا متم الخ ظرف له، وقوله: (لما طال الفصل) أي بين اسمها وهو الكاف وخبرها وهو مخرجون، وأنكم الثانية لا عمل لها لأنها تأكيد لفظي اهـ شيخنا.\rوهذا الإعراب أحد أوجه ذكرها السمين، وعبارة أنكم إذا متم الخ فيه أوجه، أحدها: أن اسم أن الأولى مضاف لضمير الخطاب حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله: إِذا مِتُّمْ وأنكم مخرجون تكرير لأن الأولى للتأكيد والدلالة على المحذوف، والمعنى: أن إخراجكم إذا متم وكنتم.\rالثاني: أن خبر أن الأولى هو مخرجون وهو العامل في إذا، وكررت الثانية توكيدا لما طال الفصل، وإليه ذهب الجرمي، والمبرد، والفراء. والثالث: أن خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه تقديره: إنكم تبعثون وهو العامل في الظرف، وإن الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. والرابع: أن يكون أنكم مخرجون مبتدأ وخبره الظرف مقدما عليه، والجملة خبر عن أنكم الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم، ولا يجوز أن يكون العامل في إذا مخرجون على كل قول، لأن ما في حيز أن لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها متم لأنه مضاف إليه، وإنكم وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف، إذ الأصل أيعدكم بأنكم، ويجوز أن لا يقدر حرف جر فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيدا خيرا اهـ.\rقوله: (اسم فعل ماض) والغالب في الاستعمال أن تستعمل هذه الكلمة مكررة، والثانية توكيد لفظي للأولى، واسم الفعل فيه الخلاف المشهور من أنه اسم للفظ الفعل أي: اسم مدلوله لفظ الفعل، أو من أنه اسم للمصدر أي: اسم مدلوله لفظ المصدر، فقوله: اسم فعل ماض يناسب القول الأول،","part":5,"page":237},{"id":1722,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 238\rالقبور، واللام زائدة للبيان إِنْ هِيَ أي ما الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا بحياة أبنائنا وقوله: (بمعنى مصدر) يناسب الثاني ففي كلامه تلفيق، وقوله: (أي بعد بعد) إما أن يقرأ بلفظ الفعل إن جعل تفسيرا للفعل الماضي، أو بلفظ المصدر إن جعل تفسيرا للمصدر، وقوله: (و اللام زائدة الخ) وقع في كلامه تلفيق أيضا لأنه قيل: إن اللام زائدة ومدخولها هو الفاعل، وقيل: إنها للبيان متعلقة بمحذوف، والفاعل أي: فاعل هيهات ضمير مستتر فيه أي: هيهات وقوع وحصول خروجنا من القبور، وقد بين بقوله: لِما تُوعَدُونَ. والمراد به الخروج من القبور اهـ شيخنا.\rوكون مدخول اللام هو الفاعل محله إن جعل هيهات بمعنى فعل ماض، فإن جعل بمعنى المصدر فيكون مبتدأ ولما توعدون خبره، ولفظ البيضاوي وقيل: هيهات بمعنى البعد وهو مبتدأ خبره لما توعدون اهـ.\rوعبارة السمين: قوله: هَيْهاتَ هَيْهاتَ هي اسم فعل معناه بعد وكرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، وفسره الزجاج في ظاهر عبارته بالمصدر فقال: البعد لما توعدون، وهيهات اسم لفعل قاصر يرفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره أنه الفاعل مجرورا باللام، فمنهم من جعله على ظاهره وقال لما توعدون فاعل به وزيدت فيه اللام، ومنهم من جعل الفاعل مضمرا لدلالة الكلام عليه تقديره: بعد إخراجكم ولما توعدون اللام فيه للبيان، وهيهات الثاني تأكيد للأول تأكيدا لفظيا، وقد جاء غير مؤكد في كلامهم. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، وأذكر هنا مشهورها وما قرئ به، فالمشهور هيهات بفتح التاء من غير تنوين بني لوقوعه موقع المبني أو لشبهه بالحرف، وبها قرأ العامة وهي لغة الحجازيين. وهيهاتا بالفتح والتنوين وبها قرأ أبو عمر، وفي رواية هارون عنه، ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. وهيهات بالضم والتنوين، وبها قرأ أبو حيوة الشامي، وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضا فعنه فيها وجهان وافقه أبو السماك في الأول دون الثاني. وهيهات بالكسر والتنوين وبها قرأ عيسى، وخالد بن الياس. وبالكسر من غير تنوين وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتروى عن عيسى أيضا، وهي لغة تميم وأسد. وهيهات بإسكان التاء وبها قرأ عيسى أيضا وخارجة عن أبي عمرو والأعرج. وهيهاه بالهاء آخرا وصلا ووقفا، وأيهات بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء، فهذه تسع لغات، وقد قرئ بهن ولم يتواتر منهن غير الأولى.\rويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشر لغة، وإيهان بالنون آخرا، وإيها بالألف آخرا وقد رسمت في المصحف بالهاء، واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسل فوقف بالهاء، وهما الكسائي، والبزي عن ابن كثير، ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وقرأ ابن أبي عبلة هيهات هيهات ما توعدون من غير لام جر، وهي قراءة واضحة مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة، وما في لما توعدون تحتمل المصدرية أي: لوعدكم وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف أي توعدونه اهـ.\rقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أصله إن الحياة إلا حياتنا فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها حذرا من التكرر وإشعارا بإغنائها عن التصريح، كما في هي النفس تتحمل ما حملت وهي العرب","part":5,"page":238},{"id":1723,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 239\rوَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)\rإِنْ هُوَ أي ما الرسول إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) أي مصدقين في البعث بعد الموت\rقالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (39)\rقالَ عَمَّا قَلِيلٍ من الزمان، وما زائدة لَيُصْبِحُنَ ليصيرن نادِمِينَ (40) على كفرهم وتكذيبهم\rفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ صيحة العذاب والهلاك كائنة بِالْحَقِ فماتوا فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً وهو نبت يبس، أي صيرناهم مثله في اليبس فَبُعْداً من الرحمة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) المكذبين\rثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً أقواما تقول ما شاءت، وحيث كان الضمير بمعنى الحياة الدالة على الجنس كانت إن النافية بمنزلة لا النافية للجنس اهـ أبو السعود.\rقوله: نَمُوتُ وَنَحْيا جملة مفسرة لما أدعوه من أن حياتهم هي الحياة الدنيا أي: يموت بعضنا وينقرص بعضنا إلى انقراض العصر اهـ أبو السعود.\rقوله: (بحياة أبنائنا) جواب عما يقال إن في قولهم ونحيا اعترافا بالبعث مع أنهم ينكرونه، فأجاب بأن المراد بقولهم ونحيا أي: يحيا بعدنا أبناؤنا، أي: نموت وتخلفنا أبناؤنا اهـ شيخنا.\rقوله: عَمَّا قَلِيلٍ في هذا الجار ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بقوله: لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق بنادمين. الثالث: أنه متعلق بمحذوف تقديره عما قليل ننصره فحذف لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: رَبِّ انْصُرْنِي اهـ سمين. وعن بمعنى بعد اهـ شيخنا.\rقوله: (كائنة) بِالْحَقِ أشار إلى أن قوله: بِالْحَقِ حال من الصيحة متعلق بمحذوف اهـ شيخنا.\rقوله: غُثاءً مفعول ثان لجعلنا، ويجمع على أغثية كغراب، وأغربة، وعلى غثيان كغراب وغربان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: غثاء مفعول ثان للجعل بمعنى التصيير، والغثاء قيل: هو الجفاء، وقد تقدم في الرعد. وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل فخالط زبده، وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يضرب المثل في ذلك ولامه واو لأنه من غثا الوادي يغثو غثوا، وكذلك غثت القدر. وأما غثيت نفسه تغثى غثيانا أي: خبثت فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء وتشدد ثاء الغثاء وتخفف، وقد جمع على أغثاء وهو شاذ بل كان قياسه أن يجمع على أغثية كأغربة، أو على غثيان كغربان وغلمان اهـ.\rقوله: (و هو نبت يبس) أي: نبت اتصف بأنه يبس بعد أن كان أخضر، وكان الأوضح أن يقول:\rوهو العشب إذا يبس كما يؤخذ من كلامه في سورة الأعلى اهـ.\rقوله: فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ بعدا مصدر يذكر بدلا من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء، والأصل بعدوا بعدا. وفي هذه اللام قولان، أحدهما: وهو الظاهر أنها متعلقة بمحذوف للبيان كهي في سقيا له وجدعا له، قاله الزمخشري. والثاني: أنها متعلقة ببعدا. قال","part":5,"page":239},{"id":1724,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 240\rآخَرِينَ (42)\rما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها بأن تموت قبله وَما يَسْتَأْخِرُونَ (43) عنه ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى\rثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا بالتنوين وعدمه أي متتابعين بين كل اثنين زمان طويل كُلَّ ما الحوفي: وهذا مردود لأنه لا يحفظ حذف هذه اللام ووصول المصدر إلى مجرورها البتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق بتعسا بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جوز ذلك اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: فبعدا للقوم الظالمين إخبارا ودعاء، وبعدا من المصادر التي لا يكاد يستعمل ناصبها، والمعنى بعدوا بعدا أي أهلكوا ووضع الظاهر موضع الضمير للتعليل اهـ.\rقوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً أي: مع رسلهم، وقوله: (أقواما) كقوم لوط وشعيب ويونس وأيوب اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: أقواما أي: أمما آخرين كبني إسرائيل كان فيهم الرسل قبل موسى اهـ.\rقوله: مِنْ أُمَّةٍ من زائدة في الفاعل. قوله: (بعد تأنيثه) أي: في قوله أجلها الراجع إلى أمة، وقوله: (رعاية للمعنى) أي: لأن أمة بمعنى قوم اهـ شيخنا.\rقوله: تَتْرا التاء مبدلة من الواو، وأصله وترا والتتر المتابعة مع مهلة، فلذلك قال بين كل اثنين الخ. فإن كانت بدونها قيل لها مداركة ومواصلة كما في القاموس، وهذا مصدر كشبعى ودعوى فألفه للتأنيث وهو منصوب على الحالية، فلذلك أوله بقوله: (أي متتابعين الخ) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: تترى فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه منصوب على الحال من رسلنا بمعنى متواترين أي: واحدا بعد واحد أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه كما سيأتي، وحقيقته أنه مصدر واقع موقع الحال. والثاني: أنه نعت مصدر محذوف تقديره إرسالا تترى أي متتابعا، أو إرسالا أثر إرسال، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وهي قراءة الشافعي تترى بالتنوين، وباقي السبعة تترى بألف صريحة دون تنوين، وهذه هي اللغة المشهورة. فمن نون فله وجهان، أحدهما: أن وزن الكلمة فعل كفلس فقوله: تترى كقولك نصرته نصرا وقد ردّ هذا الوجه بأنه لم يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه فلا يقال: هذا تتر، ومررت بتتر نحو: هذا نصر ورأيت نصرا ومررت بنصر، فلما لم يحفظ ذلك وجب أن يكون وزنه فعلى. الثاني: أن ألفه للإلحاق بجعفر كهي في أرطى وعلقى فوزنه فعلى كسكرى فلما نون ذهبت ألفه لالتقاء الساكنين، وهذا أقرب مما قبله. ومن لم ينون فله فيه ثلاثة أوجه، أحدها:\rأن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف. والثاني: أنها للإلحاق كأرطى وعلقى. والثالث: أنها للتأنيث كدعوى وهي واضحة. واختلف في تترى هل هو مصدر كدعوى وذكرى أو اسم جمع كأسرى وشتى كذا قالهما الشيخ، وفيه نظر إذ المشهور أن أسرى وشتى جمعا تكسير لا أسماء جمع، وتاؤها في الأصل واو لأنها من الوتر أو من المواترة، فقلبت الواو تاء كما قلبت تاء في تخمة وتراث وتجاه.\rواختلفوا في مدلولها فعن الأصمعي واحدا بعد واحد وبينهما مهلة، وقال غيره: هو من المواترة وهي التتابع بغير مهلة، وقال الراغب: والتواتر تتابع الشيء وترا وفرادى قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا اهـ.","part":5,"page":240},{"id":1725,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 241\rجاءَ أُمَّةً بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الواو رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44)\rثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (45) حجة بينة وهي اليد والعصا وغيرهما من الآيات\rإِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان بها وباللّه وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (46) قاهرين بني إسرائيل بالظلم\rفَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (47) مطيعون خاضعون\rفَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة لَعَلَّهُمْ أي قومه بني إسرائيل يَهْتَدُونَ (49) به من الضلالة، وأوتيها بعد هلاك فرعون وقومه قوله: (و تسهيل الثانية بينها وبين الواو) أي: بأن تتعلق بها متوسطة بينها أي الهمزة وبين الواو اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به عجبا وتسليا ومسامرة، أو جمع حديث على غير قياس. وفي السمين: قيل: هو جمع حديث ولكنه شاذ، وقيل: بل جمع أحدوثا كأضحوكة، وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير، وقد شذت العرب في ألفاظ فجمعوها على صيغة مفاعيل كأباطيل وأقاطيع، وقال الزمخشري: الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأفاعيل ليس من أبنية اسم الجمع وإنما ذكره أصحابنا فيما شذ من الجموع كقطيع وأقاطيع، وإذا كان عباديد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد فأحرى أحاديث وقد لفظ له بواحد وهو حديث، فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرناه اهـ.\rقوله: فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بعدا منصوب بمحذوف أي: بعدوا بعدا وهذا دعاء عليهم اهـ شيخنا.\rقوله: بِآياتِنا الباء للملابسة أي حال كونهما ملتبسين بآياتنا اهـ.\rقوله: وَسُلْطانٍ مُبِينٍ السلطان هو الآيات وإنما العطف لإفادة تعدد الاسم، فلذلك أخّر الشارح التفسير عنهما بقوله حجة بينة اهـ شيخنا.\rقوله: لِبَشَرَيْنِ البشر يقع على الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، قال تعالى:\rما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [هود: 27] وقد يطابق ومنه هذه الآية، وأما إفراد مثلنا فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير ولا يؤنث أصلا، وقد يطابق ما هو له تثنية كقوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: 13] وجمعا كقوله: ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: 38] قيل: أريد المماثلة في البشرية لا الكمية، وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين اهـ سمين.\rقوله: وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ الواو للحال.\rقوله: (أي قومه بني إسرائيل الخ) أشار إلى أن ضمير الترجي راجع لقوم موسى لا لفرعون وقومه، فإن التوراة إنما أوتيها موسى بعد هلاك فرعون وقومه كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى","part":5,"page":241},{"id":1726,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 242\rجملة واحدة\rوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ عيسى وَأُمَّهُ آيَةً لم يقل آيتين لأن الآية فيهما واحدة ولادته من غير فحل وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ مكان مرتفع وهو بيت المقدس أو دمشق أو فلسطين أقوال ذاتِ قَرارٍ أي مستوية يستقر عليها ساكنوها وَمَعِينٍ (50) أي ماء جار ظاهر تراه العيون\rيا أَيُّهَا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [القصص: 43] أي: فلا يصح رجوع الضمير إلى فرعون وقومه كما قيل به اهـ كرخي.\rوإلى ذلك أشار الشارح بقوله: (و أوتيها بعد هلاك فرعون وقومه) اهـ.\rقوله: (جملة واحدة) يحتمل أن يكون راجعا لقوله: (و أوتيها)، وأن يكون راجعا لهلاك فرعون وقومه، والظاهر من صنيعه الثاني وإلّا لقدمه اهـ شيخنا.\rقوله: (لأن الآية فيهما واحدة) وذلك لأن ولادته من غير فحل أمر خارق للعادة وينسب لها وله، فيقال: ولدته من غير فحل، وولد هو من غير فحل اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (ولادته من غير فحل) أي فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، وذلك لأن نفس المعجز ظهر فيهما لا أنه ظهر على يديهما، لأن الولادة فيه وفيهما بخلاف الآيات التي ظهرت على يده اهـ.\rقوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ أي: أسكناهما وأنزلناهما في ربوة أي أوصلناهما إلى ربوة، وسبب ذلك أن ملك ذلك الزمان كان أراد أن يقتل عيسى فهربت به أمه إلى تلك الربوة، ومكث بها ثنتي عشرة سنة حتى هلك ذلك الملك اهـ من الخطيب.\rوالربوة بفتح الراء وضمها قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو بيت المقدس) هو أعلى مكان من الأرض، فيزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلا فهو أقرب بقاع الأرض إلى السماء اهـ شيخنا.\rقوله: (أو فلسطين) أو مصر كما حكاه الخازن والبيضاوي. قوله: وَمَعِينٍ اسم مفعول من عان يعين كباع يبيع فهو معين كمبيع فالميم زائدة، وأصله معيون كمبيوع دخله الاعلال اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَمَعِينٍ صفة لموصوف محذوف أي وما معين، وفيه قولان، أحدهما:\rأن ميمه زائدة وأصله معيون أي مبصر بالعين فأعل إعلال مبيع وبابه، وهو مثل قولهم: كبدته أي ضربت كبده، ورأسته أي أصبت رأسه، وعنته أي أدركته بعيني، ولذلك أدخله الخليل في مادة ع ي ن.\rوالثاني: أن الميم أصلية ووزنه فعيل مشتق من المعنى. واختلف في المعنى فقيل: هو الشيء القليل ومنه الماعون، وقيل: هو من معن الشيء معانة أي كثر، وقال الراغب: هو من معن الماء جرى، وسمي مجرى الماء معيان، وأمعن الفرس تباعد في عدوه، وأمعن بحقي ذهب به، وفلان معن في حاجته يعني سريع. قلت: وهذا كله راجع إلى معنى الجري والسرعة اهـ.\rقوله: (تراه العيون) يقال: عانه إذا أدركه وأبصره بعينيه اهـ شيخنا.","part":5,"page":242},{"id":1728,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 243\rالرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ الحلالات وَاعْمَلُوا صالِحاً من فرض ونفل إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) فأجازيكم عليه\rوَاعلموا إِنَّ هذِهِ أي ملة الإسلام أُمَّتُكُمْ دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها أُمَّةً واحِدَةً حال لازمة، وفي قراءة بتخفيف النون، وفي أخرى بكسرها قوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على أن كلّا منهم خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولا أوليا، فهذا حكاية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها أثر حكاية إيواء عيسى عليه الصلاة والسّلام وأمه إلى الربوة إيذانا بأن ترتيب مبادئ التنعم لم يكن من خصائصه عليه السّلام، بل إباحة الطعام شرع قديم جرى عليه جميع الرسل عليهم السّلام ووصوا به أي: وقلنا لكل رسول كل من الطيبات واعمل صالحا، فعبّر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالا للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ما لا يخفى اهـ من البيضاوي وأبي السعود.\rويعلم من قوله: فهذا حكاية لرسول اللّه الخ أن الكلام يحتاج لبعض تقدير، فالمعنى: نخبرك يا محمد أنا أمرنا الرسل المتقدمين وقلنا لهم: يا أيها الرسل الخ أشار له الشهاب.\rقوله: (الحلالات) أي: سواء كانت مستلذة أو لا. قوله: إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تخويف للرسل والمقصود أممهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(اعلموا) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ الخ هذا خطاب للرسل فهو معطوف على كلوا وما بعده، وقوله: (أي ملة الإسلام) فيها إيهام أن المخاطب هو هذه الأمة، فلو قال: أي ملتكم وشريعتكم لكان أحسن، وحينئذ يراد بملة الإسلام في كلامه الأحكام التي اتفقت عليها الشرائع وهي الاعتقادات اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وأن هذه استئناف داخل فيما خوطب به الرسل عليهم السّلام على الوجه المذكور مسوق لبيان أن ملة الإسلام والتوحيد مما أمر به كافة الرسل والأمم، وإنما أشير إليها بهذه للتنبيه على كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد، وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة اهـ.\rقوله: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أشار الشارح إلى أنها مفتوحة معمولة لمحذوف، وسيأتي له التنبيه على القراءتين الأخريين، والثلاث سبعية وهذه اسمها، وأمتكم خبرها، وأمة حال لازمة وواحدة صفة لازمة وإن كان صنيع الشارح يوهم خلاف هذا. وهذا الإعراب على كل من قراءتي التشديد، وأما على قراءة التخفيف فاسمها ضمير الشأن وهي بحالها معمولة للمحذوف وهذه مبتدأ وبقية الإعراب بحاله، وكما تطلق الأمة على الجماعة تطلق على دينها، فلذلك فسرها الشارح بملة الإسلام، والمراد بها العقائد إذ هي التي اتحدت في كل الشرائع. أما الأحكام الفرعية؛ فقد اختلفت باختلاف الشرائع اهـ شيخنا.","part":5,"page":243},{"id":1729,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 244\rمشددة استئنافا وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فاحذرون\rفَتَقَطَّعُوا أي الأتباع أَمْرَهُمْ دينهم بَيْنَهُمْ زُبُراً حال من فاعل تقطعوا أي أحزابا متخالفين كاليهود والنصارى وغيرهم كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ أي عندهم من الدين فَرِحُونَ (53) مسرورون\rفَذَرْهُمْ أي اترك كفار مكة فِي غَمْرَتِهِمْ ضلالتهم حَتَّى حِينٍ (54) أي حين موتهم\rأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ نعطيهم مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) في الدنيا قوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي: أمر دينهم وجعلوه أديانا مختلفة، أو فتفرقوا وتحزبوا اهـ بيضاوي.\rفصاروا فرقا يهودا ونصارى ومجوسا وغير ذلك من الأديان المخالفة اهـ خازن.\rقوله: (أي الأتباع) أي: المدلول عليهم بالأمة إذ الأمة بمعنى الشريعة تستلزم أتباعا للرسل يكلفون بالشريعة أشار له البيضاوي حيث قال: والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها اهـ.\rقوله: زُبُراً جمع زبور بمعنى فريق اهـ بيضاوي.\rأو جمع زبرة بمعنى القطعة، أي: الطائفة من الناس، وهي مثل غرفة فتجمع على زبر بالضم كما هنا، وعلى زبر بالفتح كما في الكهف فلها جمعان كما في القاموس، وقيل: معنى زبرا كتبا أي:\rتمسك كل قوم بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه من الكتب اهـ خطيب.\rقوله: (و غيرهم) في نسخة وغيرهما. قوله: (مسرورون) أي: لاعتقادهم أنهم على الحق اهـ بيضاوي.\rقوله: فَذَرْهُمْ الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والضمير لكفار مكة كما أشار له الشارح، أي: فلما وعظتهم وبينت لهم حال الأمم الماضية فلم يعتبروا بهم اتركهم في غمرتهم اهـ شيخنا.\rوعبارة الخطيب: فذرهم خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. أي: اترك كفار مكة في غمرتهم، أي: ضلالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم يغمرون فيها حتى حين. أي: إلى أن يقتلوا أو يموتوا. سلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره اهـ.\rقوله: فِي غَمْرَتِهِمْ مفعول ثان لذرهم، أي: أتركهم مستقرين في غمرتهم، ويجوز أن يكون ظرفا للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والغمر أيضا الذي يغمر الأرض، ثم استعير ذلك للجهالة فقيل: فلان في غمرة، والمادة تدل على الغطاء والاستتار، ومنه الغمر بالضم لمن لم يجرب الأمور، والغمر بالكسر الحقد لأنه يغطي القلب، والغمرات: الشدائد، والغامر الذي يلقي نفسه في المهالك اهـ سمين.\rقوله: أَنَّما نُمِدُّهُمْ ما موصولة بدليل بيانها بقوله: مِنْ مالٍ وَبَنِينَ فكان حقها أن تكتب مفصولة من النون، لكن جاءت هنا موصولة اتباعا لرسم المصحف الإمام وهي اسم أن، وخبرها جملة نسارع لهم، والرابط مقدر أي به اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ما هذه بمعنى الذي وهي اسم أن، ونمدهم به صلتها، وعائدها من مال حال من","part":5,"page":244},{"id":1730,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 245\rنُسارِعُ نعجل لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ لا بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) أن ذلك استدراج لهم\rإِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ خوفهم منه مُشْفِقُونَ (57) خائفون من عذابه\rوَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ القرآن يُؤْمِنُونَ (58) يصدقون\rوَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) معه غيره\rوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ يعطون ما آتَوْا أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ خائفة أن لا تقبل منهم أَنَّهُمْ يقدر قبله لام الجر الموصول أو بيان له فيتعلق بمحذوف، ونسارع خبر أن، والعائد من هذه الجملة إلى اسم أن محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه، إلا أن حذف مثله قليل، وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم أن هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: فِي الْخَيْراتِ، إذ الأصل نسارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيما وتنبيها على كون من الخيرات، وهذا يتمشى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن تكن بلفظ الأول، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد اللّه إذا كان أبو عبد اللّه كنية زيد وتقدمت منه أمثلة اهـ سمين.\rقوله: (نعطيهم) أي: ونجعله مددا لهم اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ لا يَشْعُرُونَ إضراب انتقالي على الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع اهـ زاده.\rوعبارة أبي السعود: بل لا يشعرون عطف على مقدر ينسبح عليه الكلام، أي: كلّا لا تفعل ذلك بل لا يشعرون بشيء أصلا، كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ليتأملوا ويعرفوا أن ذلك الإمداد استدراج لهم واستجرار إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات اهـ.\rروي عن سعيد بن ميسرة أنه قال: أوحى اللّه تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني، ويحزن أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ الذين: اسم إن، وهم مبتدأ، ومشفقون خبره، ومن خشية ربهم متعلق بمشفقون، والمصدر مضاف لمفعوله كما أشار إليه الشارح، وكذا يقال في قوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ اهـ شيخنا.\rقوله: (خائفون من عذابه) أي: ولو من غير فعل خطيئة، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف، فالجمع بينهما ليس للتأكيد كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rوعبارة البيضاوي: أظهر في تقرير المغايرة ونصها: إن الذين هم من خشية ربهم من خوف عذابه مشفقون حذرون اهـ.\rأي: حذرون من أسباب العذاب اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا العامة على أنه من الإيتاء أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة، وابن عباس، والحسن، والأعمش: يؤتون ما أتوا من الإتيان أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات اهـ سمين.\rقوله: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هذه الجملة حال من فاعل يؤتون، فالواو للحال اهـ سمين.\rقوله: (يقدر قبله لام الجر) أي: ويكون تعليلا لقوله: وَجِلَةٌ. وفي السمين: قوله: إنهم","part":5,"page":245},{"id":1731,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 246\rإِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60)\rأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) في علم اللّه\rوَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصلّ جالسا ومن لم يستطع أن يصوم فليأكل وَلَدَيْنا أي عندنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ بما عملته وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال وَهُمْ أي النفوس العاملة لا يُظْلَمُونَ (62) شيئا منها فلا ينقص من ثواب أعمال الخيرات ولا يزاد في السيئات\rبَلْ قُلُوبُهُمْ أي الكفار فِي غَمْرَةٍ جهالة مِنْ هذا القرآن وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ يجوز أن يكون التقدير وجلة من أنهم أي: خائفة من رجوعهم إلى ربهم، ويجوز أن يكون التقدير لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم، وقرأ الأعمش إنهم بالكسر على الاستئناف فالوقف على وجلة تام أو كاف اهـ.\rقوله: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها اهـ بيضاوي.\rوهذه الجملة خبر عن إن الذين هم من خشية ربهم وما عطف عليه، فاسم إن أربع موصولات، وخبرها جملة أولئك الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ لَها سابِقُونَ في الضمير في لها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ، وقيل: يعود على الجنة، وقيل: على السعادة. والظاهر أن سابقون هو الخبر ولها متعلق به قدم للفاصلة وللاختصاص، واللام قيل: بمعنى إلى. يقال: سبقت له وإليه بمعنى، ومفعول سابقون محذوف تقديره سابقون الناس إليها، وقيل: اللام للتعليل أي: سابقون الناس لأجلها، وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها وهي يسارعون في الخيرات، لأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعد ما دلت الأولى على التجدد اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: واللام لتقوية العامل كما في قوله تعالى: هُمْ لَها عامِلُونَ أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا، وقيل: المراد بالخيرات الطاعات، والمعنى: يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة وهم لأجلها فاعلون السبق أو لأجلها سابقون الناس، والأول هو الأولى اهـ.\rقوله: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أشار به إلى أن جميع ما وصف به السابقون من الخصال الأربع داخل في وسع الإنسان، وكذا كل ما كلف به عباده، وأن أعمال العباد كلها مثبتة في الكتاب فلا يضيع لعامل جزاء عمله اهـ زاده.\rقوله: (أي عندنا) عندية رتبة واختصاص، وقوله: يَنْطِقُ بِالْحَقِ أي يبين الصدق، والمعنى قد أثبتنا عمل كل عامل في اللوح المحفوظ فهو ينطق به ويبينه اهـ خازن.\rوقوله: (بما عملته) أي: النفس. قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الجمع باعتبار عموم النفس لوقوعها في سياق النفي اهـ.\rقوله: بَلْ قُلُوبُهُمْ الخ هذا رجوع لأحوال الكفار المحكية فيما سبق بقوله: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما","part":5,"page":246},{"id":1732,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 247\rذلِكَ المذكور للمؤمنين هُمْ لَها عامِلُونَ (63) فيعذبون عليها\rحَتَّى ابتدائية إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ أغنياءهم ورؤساءهم بِالْعَذابِ أي السيف يوم بدر إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) يضجون يقال لهم\rلا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) لا تمنعون\rقَدْ كانَتْ آياتِي من القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) ترجعون قهقرى\rمُسْتَكْبِرِينَ عن الإيمان بِهِ أي بالبيت أو الحرم بأنهم أهله نُمِدُّهُمْ الخ. والجمل التي بينهما وهي قوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ إلى قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ اعتراض في خلال الكلام المتعلق بالكفار اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَهُمْ أَعْمالٌ أي: سيئة. منها: إقامة إمائهم في الزنا. وقوله: (المذكور)، أي: بقوله فيما سبق: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ الخ. والمراد بالدون الغير أي: الضد، أي: أن لهم أعمالا مضادة ومخالفة لأوصاف المؤمنين المذكورة اهـ.\rوقوله: هُمْ لَها عامِلُونَ أي مستمرون عليها اهـ شيخنا.\rقوله: (ابتدائية) أي: حرف تبتدأ بعده الجمل وقوله: إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ إذا شرطية ظرفية لقوله: يجأرون، فهو اسم شرط خافض لشرطه منصوب بجوابه، وإذ الثانية حرف مفاجأة قائمة مقام فاء الجزاء في الربط، والجملة بعدها جواب إذا الأولى كأنه قيل: فهم يجأرون على حد قوله:\rوتخلف الفاء إذا المفاجأة\rاه شيخنا.\rوفي السمين: قوله: حَتَّى إِذا أَخَذْنا. حتى هذه إما حرف ابتداء، والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية هي جواب الشرطية. وإما حرف جر عند بعضهم وقد تقدم تحقيقه غير مرة، وقال الحوفي: حتى غاية وهي عاطفة، وإذا ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، وإذا الثانية في موضع الأولى ومعنى الكلام عامل في إذا اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 247\r\rفي السمين: قوله: حَتَّى إِذا أَخَذْنا. حتى هذه إما حرف ابتداء، والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية هي جواب الشرطية. وإما حرف جر عند بعضهم وقد تقدم تحقيقه غير مرة، وقال الحوفي: حتى غاية وهي عاطفة، وإذا ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، وإذا الثانية في موضع الأولى ومعنى الكلام عامل في إذا اهـ.\rقوله: (يضجون) أي: يصيحون كما في بعض النسخ. أي: يصرخون ويبتهلون ويستغيثون بربهم ويلتجئون إليه في كشف العذاب عنهم، ومع ذلك لا ينفعهم. ولذلك قيل: لا تجأروا اليوم الخ. وفي القاموس: جأر كمنع جأرا وجؤارا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث، والبقرة والثور صاحا، والنبات طال، والأرض طال نبتها، والجؤار من النبت الغض والكثير والرجل الضخم اهـ.\rقوله: قَدْ كانَتْ آياتِي الخ تعليل لما قبله. قوله: تَنْكِصُونَ من بابي جلس ودخل اهـ مختار.\rوقرأ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: على أدباركم بدل على أعقابكم تنكصون بضم الكاف اهـ قرطبي.\rقوله: (ترجعون قهقرى) أي: إلى جهة الخلف، وهذا أقبح المشيات، وهذا كناية عن إعراضهم عن الآيات اهـ شيخنا.\rقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ الجار والمجرور متعلق بقوله: مُسْتَكْبِرِينَ، والباء سببية أو بسامرا،","part":5,"page":247},{"id":1733,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 248\rفي أمن بخلاف سائر الناس في مواطنهم سامِراً حال أي جماعة يتحدثون بالليل حول البيت تَهْجُرُونَ (67) من الثلاثي تتركون القرآن، ومن الرباعي أي تقولون غير الحق في النبي والقرآن، قال تعالى\rأَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا أصله يتدبروا فأدغمت التاء في الدال الْقَوْلَ أي القرآن الدال والباء بمعنى في، والضمير للبيت أو للحرم، وشهرة استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه أغنت عن سبق ذكره، والسامر: مأخوذ من السمر وهو سهر الليل، وقال الراغب: السامر الليل المظلم اهـ من السمين.\rقوله: مُسْتَكْبِرِينَ وقوله: سامِراً وقوله: تَهْجُرُونَ. الثلاثة أحوال إما مترادفة على الواو في تنكصون، أو متداخلة أي كل واحدة حال مما قبلها، فكان الأولى للشارح أن يؤخر قوله حال عن الثلاثة ويبدله بأحوال اهـ شيخنا.\rقوله: (بأنهم أهله) أي: معتلين ومحتجين بأنهم الخ. وقوله: (بخلاف سائر الناس) أي: فهم خائفون اهـ.\rقوله: (أي جماعة) أشار به إلى أن سامرا اسم جمع كحاج وحاضر وراكب وغائب اهـ شيخنا.\rقوله: (من الثلاثي) أي: قرأ غير نافع بفتح ثم ضم مضارع هجر أي: من الهجران وهو الترك، أو من هجر هجرا هذى وتكلم بغير معقول لمرض أو لغيره، وقرأ نافع بضم التاء وكسر الجيم مضارع أهجر أهجارا أفحش في كلامه. يقال: أهجر يهجر إهجارا كأكرم يكرم إكراما، واسم المصدر الهجر بضم الهاء وهو التكلم بالفحش، فلذلك قال: أي تقولون الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: تَهْجُرُونَ قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أنها من الهجر بسكون الجيم وهو القطع والصد أي: تهجرون آيات اللّه ورسوله وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهجر بفتحهما وهو الهذيان، ويقال: هجر المريض هجرا أي:\rهذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أهجر إهجارا أي: أفحش في منطقه اهـ.\rقوله: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ الخ شروع في بيان أسباب حاملة لهم على سبق من قوله: فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ الخ. وذكر منها خمسة هذي الأربعة، والخامس قوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة زاده: قوله: أفلم يدبروا القول الخ لما وصف حال الكفرة الذين فرقوا دينهم ردّ عليهم بأن بيّن أن إقدامهم على هذه الضلالة لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة، أحدها: أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز. ثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع ولم ترد عن الأمم السالفة، وليس كذلك لأنهم قد عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم. ثالثها: أن لا يكونوا عالمين بأمانة مدعي الرسالة وصدقه قبل ادعائه للنبوة، وليس كذلك فإنهم قد عرفوا منه قبل ادعاء النبوة كونه في نهاية الأمانة والصدق، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين الصادق؟\rرابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون فهو الذي حمله على ادعائه الرسالة، وهذا أيضا فاسد لأنهم كانوا يعلمون أنه أعقل الناس اهـ.","part":5,"page":248},{"id":1734,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 249\rعلى صدق النبي أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)\rأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)\rأَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ الاستفهام فيه للتقرير بالحق من صدق النبي ومجيء الرسل للأمم الماضية ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة وأن لا جنون به بَلْ للانتقال جاءَهُمْ بِالْحَقِ أي القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70)\rوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُ أي القرآن أَهْواءَهُمْ بأن جاء بما يهوونه من الشريك والولد للّه تعالى عن ذلك لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ أي خرجت عن نظامها المشاهد لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ أي بالقرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) وسيأتي خامس في قوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً اهـ.\rقوله أيضا: فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ الهمزة داخلة على محذوف هو المعطوف عليه بالفاء أي:\rأفعلوا ما سبق فلم يدبروا القول، وقوله: أم جاءهم، وقوله: أم لم يعرفوا، وقوله: أم يقولون. أم في المواضع الثلاثة مقدرة ببل الانتقالية وهمزة الاستفهام التقريري على ما ذكره الشارح، والتقدير: بل أجاءهم، بل ألم يعرفوا، بل أيقولون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ما: كناية عن بعثة الرسل كما أشار له الشارح. قوله:\r(الاستفهام) أي: المصرح به في الأول والذي في ضمن أم في الثلاثة الأخر، وقوله: فيه أي فيما ذكر من المواضع الأربعة، ثم بيّنه بأمور أربعة على طبق ما في الآية على سبيل اللف والنشر المرتب بقوله:\r(من صدق النبي الخ)، وقوله: (و أن لا جنون به) معطوف على مدخول من البيانية فهو معطوف على صدق النبي اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِ أي: سواء القرآن وغيره كارهون فالحق هنا أعم من الأول، فلذلك أتى به مظهرا في مقام المضمر اهـ شيخنا.\rوإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه، أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا لكراهة الحق اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين، وابن وثّاب بضمها تشبيها بواو الضمير، كما كسرت واو الضمير تشبيها بها اهـ سمين.\rقوله: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ إضراب وانتقال عن قوله: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ، أي: كيف يكرهون الحق مع أن القرآن أتاهم بتشريفهم وتعظيمهم، فاللائق بهم الانقياد اهـ شيخنا.\rوحينئذ فالجملة الشرطية اعتراضية اهـ.\rوالعامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد: أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية آتيناهم بالمد بمعنى أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون بذكرهم، والباء مزيدة فيه، وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، وأبو عمرو أيضا أتيتهم بتاء المتكلم وحده، والجحدري، وأبو رجاء أتيتهم بتاء الخطاب وهو الرسول عليه السّلام، وعيسى","part":5,"page":249},{"id":1735,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 250\rأَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً أجرا على ما جئتهم به من الإيمان فَخَراجُ رَبِّكَ أجره وثوابه ورزقه خَيْرٌ وفي قراءة خرجا في الموضعين وفي قراءة أخرى خراجا فيهما وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) أفضل من أعطى وأجر\rوَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (73) أي دين الإسلام\rوَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ بالبعث والثواب والعقاب عَنِ الصِّراطِ أي الطريق لَناكِبُونَ (74) عادلون\rوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ أي جوع أصابهم بمكة سبع سنين لَلَجُّوا تمادوا فِي طُغْيانِهِمْ بذكراهم بألف التأنيث، وأبو قتادة نذكرهم بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع ذكر المشدد ويكون نذكرهم جملة حالية اهـ سمين.\rقوله: فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ أتى به مظهرا للتوكيد والتشنيع عليهم اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً راجع لقوله: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ فهو في المعنى معطوف عليه اهـ شيخنا.\rوما بينهما وهو قوله: بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ إلى قوله: معرضون معترض في أثناء الكلام اهـ.\rقوله: فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار، أي: لا تسألهم ذلك فإن ما رزقك اللّه خير اهـ أبو السعود.\rقوله: (أجره وثوابه) هذان في الآخرة، وقوله: ورزقه هذا في الدنيا، وهذه الأمور كالخراج المضروب الذي لا يترك من حيث تفضل اللّه تعالى بالتزامها للخلق فلا يتركها أبدا اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة خرجا) أي جعلا وعوضا، والخراج أبلغ منه، لأن الأول يقال لما يدفع مرة ولا يجب تكراره، والثاني يقال للملتزم الذي يجب تكراره كخراج الأرض، فذكر الأول في جانب عوضهم، والثاني في جانب ما يعطيه اللّه، فهذا في غاية البلاغة، فالقراءة الأولى أبلغ الثلاثة، وأما على الثانية في كلام الشارح فيكون ذكر الثاني أي: ما يعطيه اللّه بلفظ الخرج دون الخراج اللائق للمشاكلة، وعلى الثالثة يكون ذكر الأول للمشاكلة، والقراءات الثلاث سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (و أجر) يقال: أجر يأجر من بابي ضرب ونصر، ويقال: آجر بالمد ومعناهما أثاب، فقوله: وأجر يصح قراءته بالقصر وبالمد اهـ شيخنا.\rوفي المختار: الأجر الثواب، وأجره اللّه من باب ضرب ونصر، وآجره بالمد مثله اهـ.\rقوله: عَنِ الصِّراطِ متعلق بناكبون، ولا تمنع لام الابتداء من ذلك على رأي قد تقدم تحقيقه.\rوالنكوب والنكب: العدول والميل، ومنه النكباء للريح بين ريحين سميت بذلك لعدولها عن المهاب، ونكبت حوادث الدهر أي: هبت هبوب النكباء اهـ سمين.\rوفي المصباح: نكب عن الطريق نكوبا من باب قعد ونكبا عدل ومال اهـ.\rقوله: (عادلون) أي: زائغون ومائلون ومنحرفون اهـ.\rقوله: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ الخ الذي يظهر من هذا السياق أن هذه الآية واللتين بعدها مدنيات، فإن","part":5,"page":250},{"id":1736,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 251\rضلالتهم يَعْمَهُونَ (75) يترددون\rوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ الجوع فَمَا اسْتَكانُوا تواضعوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76) يرغبون إلى اللّه بالدعاء\rحَتَّى ابتدائية إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا صاحب عَذابٍ أصابتهم بالقحط إنما كانت بعد خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم من بينهم، ويدل له تفسير الشارح العذاب الشديد بقتلهم يوم بدر، وهذا إنما كان بعد الهجرة، ويدل له أيضا أنهم أرسلوا له أبا سفيان يراجعه في أن يدعو لهم، ومجيء أبي سفيان له صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الغرض إنما كان بالمدينة كما هو مصرح به في السير، وأشار له البيضاوي بقوله حكاية لما قاله أبو سفيان فقتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع على ما سيأتي تأمل.\rقوله: (أي جوع أصابهم بمكة الخ). وذلك بسبب دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم بقوله: «اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنينا كسني يوسف» اهـ شيخنا.\rروي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز، فجاء أبو سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أنشدك اللّه والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت الآية اهـ بيضاوي.\rوالعلهز: بكسر العين والهاء وبينهما لام ساكنة شيء كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة قاله ابن الأثير اهـ زكريا وشهاب.\rوالعلهز أيضا: القراد الضخم اهـ خطيب.\rقوله: لَلَجُّوا جواب لو، وقد توالى فيه لامان، وفيه تضعيف لقول من قال: إن جوابها إذا نفي بلم ونحوها مما صدر فيه حرف النفي بلام أنه لا يجوز دخول اللام لو قلت: لو قام زيد لم يقم عمرو لم يجز. قال: لئلا يتوالى لامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع وإلّا فما الفرق بين النفي والإثبات في ذلك؟ واللجاج: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه ومنه اللجة بالفتح لتردد الصوت، ولجة البحر لتردد أمواجه، ولجة الليل لتردد ظلامه، واللجلجة تردد الكلام اهـ سمين.\rوفي المصباح: لجّ في الأمر لججا من باب تعب، ولجاجا ولجاجة فهو لجوج ولجوجة مبالغة إذا لازم الشيء وواظبه ومن باب ضرب لغة اهـ.\rقوله: يَعْمَهُونَ في المصباح: عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيرا، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة فهو عمه وأعمه اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ هذه الجملة تأكيد للشرطية قبلها اهـ.\rقوله: فَمَا اسْتَكانُوا يقال: استكان أي: انتقل من كون إلى كون كاستحال إذا انتقل من حال إلى حال وأصله: استكون نقلت حركة الواو إلى ما قبلها ثم قلبت ألفا اهـ شيخنا.\rوقوله: وَما يَتَضَرَّعُونَ جاء الأول ماضيا، والثاني مضارعا، ولم يجيئا ماضيين ولا مضارعين، ولا جاء الأول مضارعا والثاني ماضيا لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال، وأما الاستكانة فقد توجد منهم اهـ سمين.","part":5,"page":251},{"id":1737,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 252\rشَدِيدٍ هو يوم بدر بالقتل إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) آيسون من كل خير\rوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ خلق لَكُمُ السَّمْعَ بمعنى الإسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب قَلِيلًا ما تأكيد للقلة تَشْكُرُونَ (78)\rوَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ خلقكم فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) تبعثون\rوَهُوَ الَّذِي يُحْيِي بنفخ الروح في المضغة وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالسواد والبياض والزيادة والنقصان أَفَلا تَعْقِلُونَ (80) صنعه تعالى فتعتبرون\rبَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (81)\rقالُوا أي الأولون أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً قوله: إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً إذا شرطية وإذا الثانية رابطة للجواب كما تقدم تقديره. قوله:\rمُبْلِسُونَ في المصباح: البلاس مثل سلام المسح وهو فارسي معرب، والجمع بلس بضمتين مثل عناق وعنق، وأبلس الرجل إبلاسا سكت وأبلس أيس، وفي التنزيل: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:\r44] اهـ.\rومنه إبليس ليأسه من رحمة اللّه اهـ.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ الخ الخطاب لجملة الخلق، والمقصود به التقريع والتوبيخ بالنسبة للكافرين وتذكير النعم بالنسبة للمؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ أي: لتحسوا بهما ما نصب من الآيات، وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها لقوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ [الأحقاف: 26] وأفرد السمع، والمراد الأسماع كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (تأكيد للقلة) أي: لفظ ما تأكيد للقلة المفادة بالتنكير، وقليلا منصوب على أنه مفعول مطلق صفة لمحذوف هو المفعول المطلق في الحقيقة تقديره: شكرا قليلا اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وما صلة أي: زائدة للتأكيد اهـ.\rقوله: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: خلقا وإيجادا. وقوله: (بالسواد والبياض) لف ونشر مرتب. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ (صنعه) عبارة البيضاوي: أفلا تعقلون بالنظر والتأمل أن الكل منا، وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها، وأن البعث من جملتها اهـ.\rقوله: بَلْ قالُوا أي: كفار مكة اهـ بيضاوي.\rوهذا إضراب انتقالي عن محذوف تقديره: فلم يعتبروا اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: بل قالوا عطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: فلم يعقلوا بل قالوا اهـ.\rقوله: مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ أي: من قوم نوح وهود وصالح وغيرهم اهـ كرخي.\rوفي المثل إبهام، وفيما قاله الأولون إبهام، فبين الثاني بقوله: قالُوا أَإِذا مِتْنا الخ. وبين الأول بقوله: لَقَدْ وُعِدْنا الخ. فالأول أي: قوله: قالوا أئذا متنا الخ مقول الأولين، وقوله: لقد وعدنا الخ مقولهم أي: كفار مكة اهـ شيخنا.","part":5,"page":252},{"id":1738,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 253\rوَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لا، وفي الهمزتين في الموضعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين\rلَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا أي البعث بعد الموت مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (83) كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطورة بالضم\rقُلْ لهم لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها من الخلق إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) خالقها ومالكها\rسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ لهم أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) بإدغام التاء الثانية في الذال تتعظون فتعلمون أن القادر على الخلق ابتداء قادر على الإحياء بعد الموت\rقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) الكرسي قوله: (لا) أي: لا نبعث. قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي: وترك الإدخال. فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ وُعِدْنا وعد: فعل ماض مبني للمفعول، والضمير المتصل نائب الفاعل، ونحن تأكيد له، وآباؤنا معطوف على المتصل فهو نائب فاعل أيضا، وسوغ العطف الفصل بالمنفصل، وقوله: مِنْ قَبْلُ إما متعلق بوعدنا من حيث علمه في المعطوف إن كان المراد من قبل محمد، أي:\rقبل مجيئه، والمعنى: لقد وعدنا الآن بالبعث، ووعد آباؤنا من قبل أي قبل مجيء محمد، وإما متعلق بمحذوف على أنه صفة لآباؤنا أي: الكائنون من قبل، أي: من قبلنا. والمعنى على الكل لقد وعدنا وآباؤنا بالبعث، فلم نر هذا الوعد شيئا أي: صدقا وإنما رأيناه أساطير الأولين اهـ شيخنا.\rقوله: هذا أي: البعث بعد الموت من قبل. قالوا ههنا بتأخير هذا عما قبله، وقالوه في النمل بالعكس جريا على القياس هنا من تقديم المرفوع على المنصوب، وعكس ثم بيانا لجواز تقديم المنصوب على المرفوع، وخص ما هنا بتأخير هذا جريا على الأصل بلا مقتض لخلافه وما هناك بتقديمه اهتماما به من منكري البعث، فكأنهم قالوا: إن هذا الوعد كما وقع منه صلّى اللّه عليه وسلّم فقد وقع قديما من سائر الأنبياء، ثم لم يوجد طول العهد، فظنوا أن الإعادة تكون في الدنيا، ثم قالوا: لما لم يكن ذلك فهو من أساطير الأولين اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ (لهم) لأهل مكة المنكرين للبعث العابدين لغير اللّه أي: قل لهم في إلزامهم الحجة على أنه قادر على البعث وأنه الذي يعبد وحده. ولمن: خبر مقدم والأرض: مبتدأ مؤخر اهـ شيخنا.\rقوله: (من الخلق) أي: المخلوقات عقلاء وغيرهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ جوابها محذوف أي: فأخبروني بخالقهما اهـ شيخنا.\rقوله: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ هذا إخبار من اللّه بما يقع منهم في الجواب قبل وقوعه، وقوله: قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي: قل لهم بعد أن يجيبوا بما ذكر تبكيتا وتوبيخا لهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بإدغام التاء) أي: بعد قلبها ذالا وتسكينها، أي: وبالتخفيف أيضا وهما سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (الكرسي) سبق له هكذا غير مرة، والتحقيق أن العرش غير الكرسي كما هو مشهور اهـ شيخنا.","part":5,"page":253},{"id":1739,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 254\rسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) تحذرون عبادة غيره\rقُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ ملك كُلِّ شَيْءٍ والتاء للمبالغة وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ يحمي ولا يحمى عليه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)\rسَيَقُولُونَ لِلَّهِ وفي قراءة للّه بلام الجر في الموضعين نظرا إلى أن المعنى من له ما ذكر قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) تخدعون وتصرفون عن الحق عبادة اللّه وحده أي كيف تخيل لكم أنه باطل قوله: (تحذرون عبادة غيره) فيه تنبيه على أن اتقاء عذاب اللّه لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة فهذا الختم أبلغ من ختم الآية الأولى لاشتماله على الوعيد الشديد، ولما ذكر الأرض أولا والسماء ثانيا عمم الحكم ههنا فقال: قل من بيده ملكوت كل شيء اهـ كرخي.\rقوله: (و التاء للمبالغة) أي: في الملك، أي: فهي زائدة. وعبارة غيره: والتاء والواو زائدتان للمبالغة، وعبارة الكرخي: والواو والتاء زائدتان كزيادتهما في الرحموت والرهبوت من الرحمة والرهبة قاله الرازي اهـ.\rقوله: (يحمي ولا يحمى عليه) يحمي الأول بفتح الأول بفتح الياء كيرمي، أي: يحفظ من أراد حفظه. ولا يحمى عليه أي: لا يمنع منه أحد ولا ينصر من أراد خذلانه. وفي البيضاوي: وهو يجير يغيث من يشاء ويحرسه، ولا يجار عليه ولا يغاث أحد ولا يمنع منه، وتعديته بعلى لتضمينه معنى النصر اهـ.\rقوله: (و في قراءة بلام الجر) وهي (؟ لمعظم) السبعة، وقوله: (في الموضعين) أي: الأخيرين، وقوله: (نظرا إلى أن المعنى من له ما ذكر)، والتقدير: في الأول منهما قل من له السموات السبع، وفي الثاني قل من له ملكوت كل شيء، فلام الجر مقدرة في السؤال فظهرت في الجواب نظرا للمعنى. وأما على قراءة إسقاطها فباعتبار مراعاة لفظ السؤال هذا وأما جواب السؤال الأول فهو باللام باتفاق السبعة، وذلك لأنها قد صرح بها في السؤال اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ. قرأ أبو عمرو سيقولون اللّه في الأخيرتين من غير لام جر مع رفع الجلالة جوابا على اللفظ لقوله: من لأن المسؤول به مرفوع المحل وهو من، فجاء جوابه مرفوعا مطابقا له لفظا، ولذلك رسم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف، والباقون للّه باللام في الموضعين وهو جواب على المعنى، لأنه لا فرق بين قوله: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وبين لمن السموات، ولا بين قوله: مَنْ بِيَدِهِ ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: من رب هذه الدار؟ فيقال: زيد، وإن شئت قلت لزيد، لأن السؤال لا فرق فيه بين أن يقال لمن هذه الدار ومن ربها، واللام مرسومة في مصحفهم فوافق كل مصحفه، ولم يختلف في الأولى أنها للّه لأنها مرسومة باللام، وجاء الجواب باللام كما في السؤال، ولو حذفت من الجواب لجاز لأنه لا فرق بين لمن الأرض ومن رب الأرض إلا أنه لم يقرأ به أحد اهـ.\rقوله: قُلْ فَأَنَّى أي: فكيف تسحرون. قوله: (عبادة اللّه) بالجر بدل من الحق. قوله: (أي كيف يخيل لكم الخ) أشار بهذا إلى أن المراد بالسحر التخيل والتوهم لا حقيقته اهـ.","part":5,"page":254},{"id":1740,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 255\rبَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِ بالصدق وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (90) في نفيه وهو\rمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً أي لو كان معه إله لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ أي انفرد به ومنع الآخر من الاستيلاء عليه وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ مغالبة كفعل ملوك الدنيا سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عَمَّا يَصِفُونَ (91) ه به مما ذكر\rعالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد بالجر صفة والرفع خبر هو مقدرا فَتَعالى تعظم عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) ه معه\rقُلْ رَبِّ إِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة تُرِيَنِّي قوله: (في نفيه) أي: الحق وقوله: وهو أي الحق اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ وَلَدٍ من زائدة في المفعول، وقوله: مِنْ إِلهٍ زائدة في اسم كان اهـ شيخنا.\rقوله: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ الخ إذا بمعنى لو الامتناعية، كما أشار له بقوله أي لو كان معه إله الخ.\rوفي السمين قوله: إِذاً لَذَهَبَ إذا جواب وجزاء. قال الزمخشري فإن قلت: إذا لا تدخل إلا على كلام هو جواب وجزاء فكيف وقع قوله لذهب جوابا وجزاء ولم يتقدم شرط ولا سؤال سائل؟\rقلت: الشرط محذوف تقديره: لو كان معه الهة فحذف لدلالة وما كان معه من إله. قلت: هذا رأي الفراء، وقد تقدم ذلك في الإسراء في قوله: وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: 73] اهـ.\rوعبارة البيضاوي: أي لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل واحد منهم بما خلقه واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التحارب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء، واللازم باطل بالإجماع والاستقراء، وقيام البرهان على إستناد جميع الممكنات إلى واجب واحد اهـ.\rقوله: (كفعل ملوك الدنيا) يعني: أن هذا أمر عادي لا إلزامي قطعي، ولذا قيل: إنه دليل إقناعي اهـ شهاب.\rقوله: (مما ذكر) أي: من الأولاد والأنداد.\rقوله: عالِمِ الْغَيْبِ بالجر على البدل من الجلالة أو صفة للّه كانه محض الإضافة فتعرف المضاف، وبالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف اهـ سمين.\rوهذا دليل آخر على الوحدانية بواسطة مقدمة أخرى، كأنه قيل: اللّه عالم الغيب والشهادة وغيره لا يعلمهما فغيره ليس بإله، وهذا من قبيل الشكل الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ عطف على معنى ما تقدم كأنه قال: علم الغيب فتعالى، كقولك:\rزيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت، أو يكون على إضمار القول أي: أقول فتعالى اللّه الخ اهـ سمين.\rقوله: قُلْ رَبِ الخ لما أعلمه اللّه سبحانه وتعالى بأنه منزل عذابه بهم إما في حياته أو بعد موته علمه كيفية الدعاء بالتخلص من عذابهم، فقال: قل رب الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِمَّا تُرِيَنِّي فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وما مفعول به، ورأى","part":5,"page":255},{"id":1741,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 256\rما يُوعَدُونَ (93) من العذاب هو صادق بالقتل ببدر\rرَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) فأهلك بهلاكهم\rوَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (95)\rادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي الخصلة من الصفح والإعراض عنهم السَّيِّئَةَ أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (96) ه أي يكذبون ويقولون فنجازيهم عليه\rوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ أعتصم بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) نزغاتهم بما يوسوسون به\rوَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) في أموري لأنهم إنما يحضرون بسوء بصرية تعدت لمفعولين بواسطة الهمزة لأنه من أرى الرباعي، فياء المتكلم مفعول أول، وما الموصولة المفعول الثاني، وكذا يقال في قوله: عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ اهـ شيخنا.\rقوله: (صادق بالقتل ببدر) أي: الذي رآه بالفعل.\rقوله: فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هذا جواب الشرط وأعيد لفظ الرب مبالغة في الابتهال والتضرع.\rوفي: بمعنى مع اهـ.\rقوله: (فأهلك بإهلاكهم) أي: لأن شؤم الظالم قد يسري إلى غيره، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن اللّه لا يجعله في القوم الظالمين إذا أنزل بهم العذاب، ومع هذا أمره بالدعاء ليعظم أجره وليكون في جميع الأوقات ذاكرا له تعالى. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يجوز أن يجعل اللّه نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلت: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية وتواضعا لربه وإخباتا له اهـ كرخي.\rقوله: لَقادِرُونَ خبر إن واللام هي لام الابتداء زحلقت للخبر، وعلى متعلقة به قدمت عليه اهـ شيخنا.\rقوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ التي نعت للمحذوف أشار له بقوله أي الخصلة وبينها بقوله: (من الصفح والإعراض)، وقوله: أَحْسَنُ أي: أحسن الخصال، والسيئة مفعول به اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) فهو منسوخ.\rقوله: مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ جمع همزة وهي النخسة والدفعة بيد وغيرها، والمهماز مفعال من ذلك كالمحراث من الحرث، والهماز الذي يعيب الناس كأنه يدفع بلسانه وينخس به اهـ سمين.\rقوله: (نزغاتهم) يقال: نزغ الشيطان بينهم من باب قطع أفسد وأغرى، وقوله: (بما يوسوسون به) في العبارة قلاقة، ولو قال من همزات الشياطين أي: وساوسهم لكان أوضح، وفي المختار:\rوهمزات الشياطين خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان اهـ.\rوفي البيضاوي: من همزات الشياطين وساوسهم وأصل الهمز النخس، ومنه مهماز الرائض شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الرائض والدواب على المشي، والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه اهـ.\rفلا يرد ما يقال الهمزة الواحدة أيضا ينبغي أن يتعوذ منها فما وجه الجمع اهـ كرخي.","part":5,"page":256},{"id":1742,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 257\rحَتَّى ابتدائية إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ورأى مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) الجمع للتعظيم\rلَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً بأن أشهد أن لا إله إلّا اللّه يكون فِيما تَرَكْتُ ضيعت من عمري أي في مقابلته، قال تعالى كَلَّا أي لا رجوع إِنَّها أي رب ارجعون كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها أي ولا فائدة فيها وَمِنْ وَرائِهِمْ أمامهم بَرْزَخٌ حاجز يصدهم عن الرجوع إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) ولا رجوع بعده\rفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ القرن النفخة الأولى أو الثانية فَلا قوله: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِ أعيد كل من العامل والنداء مبالغة وزيادة اعتناء بهذه الاستعاذة اهـ شيخنا.\rقوله: (الجمع للتعظيم) جواب ما قيل لم يقل رب ارجعني، فإن المخاطب واحد وهو اللّه تعالى، فجمع الضمير تعظيما للّه تعالى أو الواو لتكرير ارجعون كأنه قال: أرجعن أرجعن أرجعن نقله أبو البقاء، وهو يشبه ما قالوه في قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ق: 24] أنه بمعنى ألق ألق ثنّى الفعل للدلالة على ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (يكون) فِيما تَرَكْتُ أي: بدلا عنه كما أشار له بقوله: (أي في مقابلته). قوله: (أي لا رجوع) أفاد به أن كلّا هنا معناها النفي، ومع كونها للنفي فيها معنى الردع والزجر أيضا. وفي البيضاوي: كلّا ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها اهـ.\rقوله: (أي رب ارجعون) أي: مع ما بعدها.\rقوله: وَمِنْ وَرائِهِمْ الضمير للأحد والجمع باعتبار المعنى، لأنه في حكم كلهم، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ قائِلُها أي: لا محالة لتسلط الحسرة عليه ولكنها لا تفيده اهـ شيخنا.\rقوله: بَرْزَخٌ (حاجز) هو المدة التي من حين الموت إلى البعث اهـ.\rوفي السمين: البرزخ الحاجز بين المتنافيين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما إلى الآخر وهو بمعنى الأول، وقال الراغب: أصله برزه بالهاء فعرب، وهو في القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة، والرزخ قيل الحائل بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها اهـ.\rقوله: (يصدهم عن الرجوع) أي: إلى الدنيا. قوله: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ هو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة اهـ بيضاوي.\rوقوله: هو إقناط كلي ليس مراده أن الغاية داخلة في المغيّى لأنه خلاف الاستعمال، وإنما المراد أنه غيّى رجوعهم بالمحال، كما في قوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف: 40] فسقط ما قيل إنه لا يصح غاية لعدم الرجوع المذكور، والعلم بأنه لا رجعة بعد البعث إلى الدنيا يفيد الإقناط، ولكنه لا يصحح أمر الغاية اهـ شهاب.\rقوله: (و لا رجوع بعده) أي: يوم البعث. قوله: (النفخة الأولى أو الثانية) الأول قول ابن","part":5,"page":257},{"id":1743,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 258\rأَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ يتفاخرون بها وَلا يَتَساءَلُونَ (101) عنها خلاف حالهم في الدنيا لما يشغلهم من عظم الأمر عن ذلك في بعض مواطن القيامة وفي بعضها يفيقون وفي آية فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون\rفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بالحسنات فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) الفائزون\rوَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بالسيئات فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فهم فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103)\rتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ عباس، والثاني قول ابن مسعود.\rقوله: فَلا أَنْسابَ الأنساب: جمع نسب وهو القرابة، ولما كانت الأنساب ثابتة بينهم لا يصح نفيها. أي: أشار الشارح إلى أن النفي إنما هو لصفتها المحذوفة التي قدرها بقوله: (يتفاخرون بها) اهـ.\rوفي أبي السعود: فلا أنساب بينهم تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، أو لا أنساب يفتخرون بها اهـ.\rقوله: بَيْنَهُمْ يجوز تعلقه بأنساب، وكذلك يومئذ أي: فلا قرابة بينهم في ذلك اليوم، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لأنساب، والتنوين في يومئذ عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور اهـ سمين.\rقوله: وَلا يَتَساءَلُونَ (عنها) أي: الأنساب، وقوله: (خلاف حالهم) أي: وذلك خلاف حالهم الخ اهـ.\rقوله: (لما يشغلهم) علة لقوله: وَلا يَتَساءَلُونَ، وقوله: (في بعض مواطن) الخ متعلقة بيشغلهم، أو بقوله: ولا يتساءلون، وقوله: وفي بعضها الخ أشار به مع ما قبله إلى الجمع بين هذه الآية والآية التي نقلها، وهذا الجمع مبني على أن المراد النفخة الثانية، فإن جرينا على أن المراد بها الأولى كان وجه الجمع أظهر من هذا وحاصله: أن نفي المسألة إنما هو عند النفخة الأولى لموتهم حينئذ، وإثباتها إنما هو بعد الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: مَوازِينُهُ أي: موزونات أعماله، فالموازين جمع موزون، وقد مرّ في الأعراف جواز كونه جمع ميزان ومع وحدته جمعه لتعدد الموزون اهـ شهاب.\rقوله: (بالحسنات) بأن تجسم وتصور بصور حسان وتوضع في كفة الميزان اليمنى التي على يمين العرش، والسيئات تجسم وتصور بصور ظلمانية وتوضع في كفة الميزان اليسرى التي هي على يسار العرش اهـ شيخنا.\rقوله: (بالسيئات) أي: بسبب ثقل السيئات، فالمعنى أن السيئات أثقل من الحسنات، فلو قال:\rومن خفت موازينه بالحسنات لكان أوضح، كما يدل عليه المقابل في الشق الأول حيث جعل فيه الثقل للحسنات، فهي التي تخف في الشق الثاني، وعبارته في سورة القارعة فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [القارعة: 6] بأن رجحت حسناته على سيئاته فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة: 7]، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ [القارعة: 8] بأن رجحت سيئاته على حسناته اهـ وقوله: بأن رجحت سيئاته أي: بسبب زيادتها على الحسنات كما ذكره المناوي هناك اهـ.\rقوله: (فهم) فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ أشار إلى أن في جهنم خبر مبتدأ محذوف، وقال","part":5,"page":258},{"id":1744,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 259\rالنَّارُ تحرقها وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (104) شمرت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم ويقال لهم\rأَلَمْ تَكُنْ آياتِي من القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ تخوفون بها فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (105)\rقالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وفي قراءة شقاوتنا بفتح أوله وألف وهما مصدران بمعنى وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106) عن الهداية\rرَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا إلى المخالفة فَإِنَّا ظالِمُونَ (107)\rقالَ لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين اخْسَؤُا فِيها ابعدوا في النار أذلاء وَلا تُكَلِّمُونِ (108) في الزمخشري: في جهنم خالدون بدل من خسروا أنفسهم، ولا محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها اهـ كرخي.\rقوله: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ مستأنف أو خبر ثان أو حال، واللفح: أشد النفح، لأنه الإصابة بشدة، والنفح الإصابة مطلقا كما في قوله تعالى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ [الأنبياء: 46] اهـ شيخنا.\rقوله: (شمرت شفاههم العليا الخ) في المختار: شمر زيد إزاره رفعه اهـ.\rفالسمير: الرفع، فحينئذ قوله: (و السفلى) ينبغي أن يكون معمولا لمحذوف تقديره: واسترخت السفلى، وعبارة غيره: الكلوح تقلص الشفتين اهـ.\rقال في المختار: الكلوح تكثر في عبوس وبابه خضع اهـ.\rوفي السمين: الكلوح تشمير الشفة العليا واسترخاء السفلى، وفي الترمذي: تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي السفلى حتى تبلع سرته، ومنه كلوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهر كالح وبرد كالح أي: شديد، وقيل: الكلوح تقطب الوجه، وكلح الرجل يكلح كلوحا وكلاحا اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية. قوله: (و هما مصدران بمعنى) وهو سوء العاقبة، وفي المختار:\rالشقاء والشقاوة بالفتح ضد السعادة وقرأ قتادة: شقاوتنا بالكسر وهي لغة، وقد شقي بالكسر شقاء وشقاوة أيضا وأشقاه اللّه فهو شقي بيّن الشقاوة اهـ.\rوفي القاموس: الشقاء الشدة والعسر ويمد شقي كرضي شقاء وشقاوة اهـ.\rقوله: (بعد قدر الدنيا مرتين) وقدرها قيل: سبعة آلاف سنة بعدد الكواكب السيارة، وقيل: اثنا عشر ألف سنة بعدد البروج، وقيل: ثلاثمائة ألف سنة وستون سنة بعدد أيام السنة اهـ من تذكرة القرطبي.\rقوله: اخْسَؤُا فِيها أي: اسكتوا سكوت هوان فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ اهـ بيضاوي.\rوقوله: فخسأ أشار به إلى أنه يكون لازما ومتعديا وما في الآية من اللازم، وعطفه بالفاء إشارة إلى أن الثاني مطاوع للأول، وأنه قد يكون ثلاثيا مثل جبرته فجبر ورجعته فرجع اهـ شهاب.","part":5,"page":259},{"id":1745,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 260\rرفع العذاب عنكم فينقطع رجاؤهم\rإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي هم المهاجرون يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)\rفَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا بضم السين وكسرها مصدر بمعنى الهزء منهم بلال وصهيب وعمار وسلمان حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي فتركتموه لاشتغالكم بالاستهزاء بهم فهم سبب الإنساء فنسب إليهم وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)\rإِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ النعيم المقيم بِما صَبَرُوا على استهزائكم بهم وأذاكم إياهم أَنَّهُمْ بكسر الهمزة هُمُ الْفائِزُونَ (111) بمطلوبهم وفي المختار: خسأ الكلب طرده من باب قطع وخسأ هو بنفسه خضع اهـ.\rقوله: (فينقطع رجاؤهم) وهذا آخر كلامهم في النار فلا يسمع لهم بعد ذلك إلا الزفير والشهيق والنباح كنباح الكلاب اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ الخ الضمير للشأن، وهذه الجملة تعليل لما قبلها من الزجر عن دعائهم بالخروج منها بقوله: وَلا تُكَلِّمُونِ، ومحط التعليل قوله: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا الخ. أي: اسكتوا عن الدعاء بقولكم: ربنا أخرجنا لأنكم كنتم تستهزئون بالداعين تتشاغلون باستهزائهم حتى أنسوكم ذكري اهـ شيخنا.\rقوله: (بضم السين وكسرها) سبعيتان ويقرأ بهما أيضا في التي في سورة ص، وأما التي في سورة الزخرف فبالضم لا غير باتفاق السبعة وقوله: مصدر أي، وهو السخر بضم السين وكسرها وزيدت فيه ياء النسب للدلالة على المبالغة في قوة الفعل وهو المسخرة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وزيدت الياء للدلالة على قوة الفعل، فالخسري أقوى من السخر كما قيل في الخصوص خصوصية دلالة على قول ذلك اهـ.\rوفي المصباح: سخرت منه سخرا من باب تعب هزئت به، والسخري بالكسر لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو دابة بلا أجر ولا ثمن، والسخرى بالضم بمعناه، وسخرته في العمل بالتثقيل استعملته مجانا، وسخر اللّه الإبل ذللها وسللها اهـ.\rقوله: (و سلمان) فيه مسامحة لأنه ليس من المهاجرين كما هو معلوم فكان الأولى إبداله بخباب اهـ شيخنا.\rقوله: (فنسب إليهم) أي: وحقيقة التركيب أن يقال حتى أنساكم أي الاستهزاء بهم ذكري اهـ شيخنا.\rقوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ أي: ذلك هو غاية الاستهزاء اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا استئناف لبيان حسن حالهم وأنهم انتفعوا بإذايتهم إياه، وهذا الفعل ينصب مفعولين الأول الهاء والثاني قدره بقوله: النعيم المقيم، وهذا على قراءة الكسر في أنهم، وأما على قراءة الفتح فالمفعولان مذكوران كما قاله اهـ.\rوفي السمين: قوله: أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ قرأ الأخوان بكسر الهمزة استئنافا، والباقون بالفتح وفيه وجهان، أظهرهما: أنه تعليل وهي موافقة للأولى فإن الاستئناف يعلل به أيضا. والثاني: ولم","part":5,"page":260},{"id":1746,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 261\rاستئناف وبفتحها مفعول ثان لجزيتهم\rقالَ تعالى لهم بلسان مالك وفي قراءة قل كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ في الدنيا وفي قبوركم عَدَدَ سِنِينَ (112) تمييز\rقالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ شكوا في ذلك واستقصروه لعظم ما هم فيه من العذاب فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) أي الملائكة المحصين أعمال الخلق\rقالَ تعالى بلسان مالك وفي قراءة أيضا قل إِنْ أي ما لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ يذكر الزمخشري غيره أنه مفعول ثان لجزيتهم أي: بأنهم أي فوزهم، وعلى الأول يكون المفعول الثاني محذوفا اهـ.\rقوله: (استئناف) أي: ومع ذلك فيه معنى التعليل اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ الخ هذا تذكير لما لبثوا في الدنيا التي سألوا الرجوع إليها بعد التنبيه على استحالته بقوله تعالى: قالَ اخْسَؤُا فِيها الخ [المؤمنون: 108] اهـ شيخنا.\rوالاستفهام إنكاري لتوبيخهم بإنكار الآخرة اهـ شيخنا.\rوقال زاده: القصد من هذا الاستفهام التبكيت والإلزام، لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة رأسا لإنكارهم للبعث، فلما دخلوا في النار وأيقنوا بخلودهم فيها سئلوا كما لبثتم في الأرض تذكيرا لهم بأن ما ظنوه طويلا دائما فهو قليل بالإضافة إلى ما أنكروه اهـ.\rوفي الكرخي: تنبيه: الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلا ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا، ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا دوامها وخلودهم فيها سألهم كم لبثتم في الأرض منبها لهم على ما ظنوه دائما طويلا وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث تيقنوا خلافه، وهذا هو الغرض من السؤال.\rقوله: كَمْ لَبِثْتُمْ كم في محل نصب على الظرفية الزمانية، والعامل فيه لبثتم، وتمييزها عدد من قوله: عَدَدَ سِنِينَ، فقوله: (تمييز) فيه إجمال أي أن المضاف وهو عدد تمييز لكم، وعدد مضاف، وسنين مضاف إليه، والمعنى لبثتم كم عددا من السنين اهـ شيخنا.\rقوله: فَسْئَلِ الْعادِّينَ هذا من جملة كلامهم أي: لأننا لما غشينا من العذاب بمعزل عن ضبط ذلك وإحصائه اهـ أبو السعود.\rوالعادين بالتشديد جمع عاد من العدد اهـ سمين.\rقوله: قالَ (تعالى) إِنْ لَبِثْتُمْ الخ أي: قال ذلك تصديقا لهم وتقريعا وتوبيخا اهـ.\rقوله: (و في قراءة قل) ينتظم فيما هنا وفيما تقدم ثلاث قراءات سبعية الأمر فيهما والماضي فيهما، والأمر في الأول والماضي في الثاني اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ الخ. قرأ الأخوان قل كم لبثتم بالأمر في الموضعين، وابن كثير كالأخوين في الأول فقط، والباقون قال في الموضعين على الإخبار عن اللّه أو الملك والفعلان مرسومان بغير ألف في مصاحف الكوفة، وبألف في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة. فحمزة","part":5,"page":261},{"id":1747,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 262\rتَعْلَمُونَ (114) مقدار لبثكم من الطول كان قليلا بالنسبة إلى لبثكم في النار\rأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً لا لحكمة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) بالبناء للفاعل وللمفعول لا بل لنتعبدكم بالأمر والنهي وترجعوا إلينا ونجازي على ذلك وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون\rفَتَعالَى اللَّهُ 0 والكسائي وافقا مصاحف الكوفة وخالفها عاصم، أو وافقها على تقدير حذف الألف من الرسم وإرادتها، وابن كثير وافق في الثاني مصاحف مكة وفي الأول غيرها أو إياها على تقدير حذف الألف وإرادتها. وأما الباقون فوافقوا مصاحفهم في الأول والثاني اهـ.\rقوله: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لو هنا امتناعية ومفعول العلم محذوف كما قدره الشارح، وجواب لو محذوف بدلالة ما سبق عليه قدره الشارح بقوله: كان قليلا الخ. ولكنه غير واضح لعدم ظهور ترتبه على الشرط وقدره غيره بقوله: لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها كما علمتم اليوم أو لعملتم بموجبه ولم تركنوا إليها اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: لَوْ أَنَّكُمْ جوابها محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لما أجبتم بهذه المدة وانتصب قليلا على النعت لزمن محذوف أو لمصدر محذوف أي: إلا زمنا قليلا أو إلا لبثا قليلا اهـ.\rقوله: أَفَحَسِبْتُمْ الخ لما بكتهم في إنكارهم البعث ولبث الآخرة وبخهم على تماديهم في الغفلة وتركهم النظر الصحيح فيما يدل على حقيقة البعث والقيامة، فقال: أفحسبتم الخ. والفاء:\rعاطفة على محذوف تقديره: أغفلتم وتلاهيتم وتعاميتم فحسبتم الخ. ثم نزه تعالى نفسه عن العبث بقوله: فَتَعالَى اللَّهُ الخ اهـ زاده.\rقوله: عَبَثاً في نصبه وجهان، أحدهما: أنه مصدر واقع موقع الحال أي عابثين. والثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل العبث والعبث واللعب ما لا فائدة فيه، وكل ما ليس فيه غرض صحيح يقال: عبث يعبث عبثا إذا خلط عمله بلعب، وأصله من قولهم: عبثت الإقط أي: خلطته والعبث:\rطعام مخلوط بشيء ومنه العربثاني لتمر وسويق وسمن مختلط اهـ سمين.\rقوله: (لا لحكمة) تفسير للعبث. قوله: وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا يجوز أن يكون معطوفا على أنما خلقناكم فيكون الحسبان منسحبا عليه، وأن يكون معطوفا على عبثا أي: للعبث ولترككم غير مرجوعين، وقدم إلينا على يرجعون لأجل الفواصل. وقوله: لا تُرْجَعُونَ خبر أنكم، وقرأ الأخوان ترجعون مبنيا للفاعل، والباقون مبنيا للمفعول، وقد تقدم أن رجع يكون لازما ومتعديا. وقيل: لا يكون إلا متعديا والمفعول اهـ سمين.\rقوله: (بل لنتعبدكم) أي: نكلفكم، وقوله: وترجعوا معطوف على نتعبد، وقوله: على ذلك أي: على امتثال ذلك أي: التعبد المذكور اهـ شيخنا.\rقوله: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ استعظام له تعالى ولشؤونه، وقوله: الْمَلِكُ الْحَقُ أي:\rالذي يحق له الملك على الإطلاق إيجادا وإعداما بدءا وإعادة وإحياء وإماته وعقابا وإثابة، وكل ما","part":5,"page":262},{"id":1748,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 263\rعن العبث وغيره مما لا يليق به الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) الكرسي، هو السرير الحسن\rوَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ صفة كاشفة لا مفهوم لها فَإِنَّما حِسابُهُ جزاؤه عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117) لا يسعدون\rوَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ المؤمنين في الرحمة زيادة على المغفرة وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) أفضل راحم.\rسواه مملوك له مقهور لملكوته، وقوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ أي: فكيف بما تحته وما أحاط به من الموجودات كائنا ما كان، ووصف بالكرم إما لأنه ينزل منه الوحي الذي منه القرآن الكريم، أو الخير والبركة والرحمة، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين تعالى من حيث أنه أعظم مخلوقاته اهـ أبو السعود.\rقوله: الْمَلِكُ الْحَقُ أي: الذي يحق له الملك مطلقا، فإن ما عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه في حال دون حال اهـ بيضاوي.\rقوله: الْكَرِيمِ قرأه العامة مجرورا نعتا للعرش، ووصف بذلك لتنزل الخيرات منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين. وقرأه أبو جعفر، وابن محيصن وإسماعيل عن ابن كثير، وأبان بن تغلب بالرفع، وفيه وجهان، أحدهما: أنه نعت للعرش أيضا، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على خبر مبتدأ مضمر، وهذا جيد لتوافق القراءتين في المعنى. والثاني: أنه نعت لرب اهـ سمين.\rقوله: (الكرسي) فيه ما تقدم. قوله: (هو السرير الحسن) هكذا في بعض النسخ، وفي أكثر النسخ إسقاط هذه العبارة وإسقاطه هو الجاري على عادته في مواضع أخر من عدم ذكرها تأمل.\rقوله: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ جواب الشرط أي: فهو مجاز له بقدر ما يستحقه اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ فيه مراعاة معنى من، وفيه الإظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم بهذا الوصف القبيح اهـ شيخنا.\rوالجمهور على كسر الهمزة من أنه على الاستئناف المفيد للعلة، وقرأ الحسن وقتادة أنه بالفتح، وخرجه الزمخشري على أن يكون خبر حسابه قال: ومعناه حسابه عدم الفلاح، والأصل حسابه أنه لا يفلح هو فوضع الكافرون في موضع الضمير لأن من يدع في معنى الجمع، وقرأ الحسن لا يفلح بفتح الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح ففعل وأفعل فيه بمعنى اهـ سمين.\rقوله: (في الرحمة زيادة) وهي إيصال الإحسان زيادة على غفر الذنب، وأيضا الغفران قد يكون من غير إحسان الذي هو معنى الرحمة اهـ كرخي.\rقوله: (أفضل راحم) في نسخة أفضل رحمة بنصب رحمة على التمييز.","part":5,"page":263},{"id":1749,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 264\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النور مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية\rهذه\rسُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها مخففا ومشددا لكثرة المفروض فيها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rمقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر. وكتب عمر رضي اللّه عنه إلى الكوفة: علموا نساءكم سورة النور، وقالت عائشة رضي اللّه عنها: لا تنزلوا النساء في الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل اهـ قرطبي.\rقوله: سُورَةٌ خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله: (هذه)، أي: هذه الآيات الآتي ذكرها، وإنما أشير إليها مع عدم سبق ذكرها لأنها باعتبار كونها في شرف الذكر في حكم الحاضر المشاهد اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: سورة يجوز في رفعها وجهان، أحدهما: أن تكون مبتدأ، والجملة بعدها صفة لها، وذلك هو المسوغ للابتداء بالنكرة، وفي الخبر وجهان، أحدهما أنه الجملة من قوله:\rالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال: ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر الزانية والزاني وما بعد ذلك، والمعنى السورة المنزلة والمفروضة كذا وكذا، فالسورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم، والثاني: أن الخبر محذوف أي: فيما يتلى عليكم سورة أو فيما أنزلناه سورة. والوجه الثاني:\rمن الوجهين الأولين أن تكون خبرا لمبتدأ مضمر أي: هذه سورة. وقرأ العامة بالرفع على ما تقدم، وقرأ الحسن بن عبد العزيز، وعيسى الثقفي، وعيسى الكوفي، ومجاهد، وأبو حيوة في آخرين سورة بالنصب وفيها أوجه، أحدها: أنها منصوبة بفعل مقدر غير مفسر بما بعده تقديره: اتل سورة أو اقرأ سورة. والثاني: أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده، والمسألة الاشتغال تقديره: أنزلنا سورة أنزلناها، والفرق بين الوجهين أن الجملة بعد سورة في محل نصب على الأول ولا محل لها على الثاني الثالث: أنها منصوبة على الإغراء أي: دونك سورة قاله الزمخشري اهـ.\rقوله: وَفَرَضْناها أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا وفيه من الإيذان بغاية وكادة الفرضية ما لا يخفى، وقرئ فرضناها بالتشديد لتأكيد الإيجاب، أو لكثرة الفرائض فيها كالزنا والقذف واللعان والاستئذان وغض البصر وغير ذلك اهـ أبو السعود مع زيادة.","part":5,"page":264},{"id":1750,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 265\rواضحات الدلالات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) بإدغام التاء الثانية في الذال تتعظون\rالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي أي غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أي ضربة، يقال جلده ضرب جلده ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ أي حكمه بأن قوله: وَأَنْزَلْنا فِيها الخ تكرير الإنزال مع استلزام إنزال السورة لا إنزال آياتها لكمال العناية بشأنها اهـ أبو السعود.\rقوله: آياتٍ بَيِّناتٍ المراد بها الآيات الدالة على الأحكام المفروضة، وهذا هو المناسب لقوله: (واضحات الدلالة)، هكذا يؤخذ من صنيع أبي السعود. وفي الشهاب: قال الإمام الرازي: ذكر اللّه في أول السورة أنواعا من الأحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: وَفَرَضْناها إشارة إلى الأحكام، وقوله: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ إشارة إلى ما بيّن فيها من دلائل التوحيد، ويؤيده قوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى نؤمر بتذكرها اهـ.\rقوله: (بإدغام التاء الثانية) أي: بعد قلبها ذالا وتسكينها. هذا وكان عليه أن ينبه على القراءة الأخرى وهي التخفيف بحذف إحدى التاءين فإنها سبعية أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي الخ شروع في تفصيل ما ذكر من الآيات البينات، وتقديم الزانية على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكونها الداعية فيها أوفر، ولو لا تمكينها منه لم يقع اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: فإن قيل: لم قدمت المرأة في آية حد الزنا وأخرت في آية حد السرقة؟\rفالجواب: أن الزنا إنما يتولد بشهوة الوقاع وهي في المرأة أقوى وأكثر، والسرقة إنما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة وهي في الرجل أقوى وأكثر اهـ.\rقوله أيضا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي في رفعهما وجهان، أحدهما: مذهب سيبويه أنه مبتدأ خبره محذوف أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله: فَاجْلِدُوا الخ. والثاني: وهو مذهب الأخفش وغيره أنه مبتدأ والخبر جملة الأمر، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى عند قوله: الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: 16] وعند قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [المائدة: 38] فأغنى عن إعادته. وقرأ عيسى الثقفي، ويحيى بن يعمر، وعمرو بن فائد، وأبو جعفر، وأبو شيبة بالنصب على الاشتغال. قال الزمخشري: وهو أحسن من سورة أنزلناها لأجل الأمر، وقرئ والزان بلا ياء اهـ سمين.\rقوله: (لرجمهما بالسنة) أشار إلى أن الزانية والزاني لفظ عام يقتضي تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني المحصن منهم وغيره، فإن الألف واللام للجنس، ولكن السّنة أخرجت المحصن وبينت أن حده الرجم فصار الكلام في غيره اهـ كرخي.\rقوله: (موصولة) أي: التي زنت والذي زنى. قوله: (و يزاد على ذلك) أي: الجلد. قوله:\r(و الرقيق على النصف مما ذكر) أشار بهذا إلى أن الآية مخصوصة بالأحرار، وقوله: (مما ذكر) أي:\rالجلد والتغريب اهـ شيخنا.\rقوله: رَأْفَةٌ قرأ العامة هنا وفي الحديد بسكون الهمزة وابن كثير بفتحها، وقرأ ابن جرير،","part":5,"page":265},{"id":1751,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 266\rتتركوا شيئا من حدهما إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم البعث وفي هذا تحريض على ما قبل الشرط وهو جوابه أو دال على جوابه وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما أي الجلد طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) قيل ثلاثة وقيل أربعة عدد شهود الزنا\rالزَّانِي لا يَنْكِحُ يتزوج إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ وتروى أيضا عن ابن كثير وعاصم رآفة بألف بعد الهمزة بزنة سحابة وكلها مصادر لرأف به يرؤف، وقد تقدم معناه، وأشهر المصادر الأول. ونقل أبو البقاء فيها لغة رابعة وهي إبدال الهمزة ألفا، وقرأ العامة تأخذكم بالتأنيث مراعاة للفظ، وعلي بن أبي طالب، والثقفي، ومجاهد بالياء من تحت لأن التأنيث مجازي وللفصل بالمفعول والجار وبهما متعلق بتأخذكم أو بمحذوف على سبيل البيان، ولا يتعلق برأفة لأن المصدر لا يقدم عليه معموله، وفي دين اللّه متعلق بالفعل قبله أيضا. وهذه الجملة دالة على جواب الشرط بعدها أو هي نفس الجواب عند بعضهم اهـ سمين.\rوفي المختار: والرأفة أشد الرحمة وقد رؤف بالضم رأفة ورأف به يرأف مثل قطع يقطع، ورئف به من باب طرب كله من كلام العرب فهو رؤوف على فعول ورؤف على فعل اهـ.\rقوله: (في هذا تحريض الخ) وذلك لأن الإيمان بهما يقتضي التجلد في طاعة اللّه وفي إجراء أحكامه، وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة في الحدود وتعطيلها اهـ أبو السعود.\rقوله أيضا: (في هذا) أي: في قوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ الخ. (تحريض) أي: حث على ما قبل الشرط وهو: ولا تأخذكم بهما رأفة فإنه من باب التهييج واستعمال الغضب للّه ولدينه، والحاصل: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين اللّه ويستعملوا الحث والمتانة، ولا يأخذهم اللين والهوان في استيفاء حدود اللّه، وكفى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة في ذلك حيث قال: «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» اهـ كرخي.\rقوله: (و هو جوابه) أي: كما هو رأي الكوفيين، وقوله: (أو دال على جوابه) أي: كما هو رأي البصريين اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل ثلاثة) أي: لأنه أقل الجمع، وقيل: أربعة لأنهم عدد شهود الزنا. وعبارة الخطيب:\rوليشهد أي: وليحضر عذابهما أي: حدهما إذا أقيم عليهما طائفة من المؤمنين أي: يحضرون ندبا.\rوالطائفة: الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها هي أربعة إلى أربعين رجلا من المصدقين باللّه، وعن الحسن عشرة، وعن قتادة ثلاثة فصاعدا، وعن عكرمة رجلان فصاعدا وعن مجاهد أقلها رجل فصاعدا.\rوقيل: رجلان، وفضّل قول ابن عباس لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الزنا، ولا يجب على الإمام حضور رجم ولا على الشهود لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور لأن ذلك أفضح والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس إلى أربعين رجلا من المصدقين باللّه اهـ.\rقوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ يعني أن الغالب","part":5,"page":266},{"id":1752,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 267\rمُشْرِكٌ أي المناسب لكل منهما ما ذكر وَحُرِّمَ ذلِكَ أي نكاح الزواني عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) الأخيار، نزل ذلك لما همّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بغايا المشركين وهن موسرات لينفقن عليهم، فقيل التحريم خاص بهم وقيل عام، ونسخ بقوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ\rوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ العفيفات بالزنا ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ على زناهن برؤيتهم فَاجْلِدُوهُمْ أي أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والزانية لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الإلفة والتضام والمخالفة سبب للنفرة والافتراق اهـ بيضاوي.\rولما كان ظاهر النظم الإخبار بأن الزاني لا ينكح المؤمنة العفيفة، وأن الزانية لا ينكحها المؤمن التقي، وكان هذا الحصر غير ظاهر الصحة أشار المصنف إلى جوابه بأن حمل الإخبار على الأعم الأغلب اهـ زاده.\rوفي الكرخي أي: المناسب لكل منهما ما ذكر. أشار بذلك إلى قول القفال أن اللفظ وإن كان عاما لكن المراد منه الأعم الأغلب، لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يرغب في نكاح فاسقة مثله أو في مشركة، والفاسقة لا ترغب في نكاح الرجل الصالح بل تنفر عنه، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي وقد يفعل الخير من ليس بتقي فكذا ههنا فإن قيل: أي فرق بين قوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وبين قوله: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ؟ فالجواب: أن الكلام يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية بخلاف الزانية فقد ترغب في نكاح غير الزاني، فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني اهـ.\rقوله: وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي: لأنه تشبه بالفساق وتعرض للتهمة وتسبب لسوء المقالة والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد اهـ بيضاوي.\rقوله: (نزل ذلك) أي: هذه الآية لما همّ فقراء المهاجرين الخ وحينئذ فالمطابق لصورة السبب هو الجملة الثانية وهي قوله: وَالزَّانِيَةُ الخ، فهي كافية في بيان حكمه كما أشار له أبو السعود ونصه:\rوإيراد الجملة الأولى مع أن مناط التنفير هي الثانية إما للتعريض بقصرهم الرغبة عليهن حيث استأذنوا في نكاحهن، أو لتأكيد العلاقة بين الجانبين مبالغة في الزجر والتنفير، وعدم التعرض في الجملة الثانية للمشركة حيث لم يقل والمشركة للتنبيه على مناط الزجر والتنفير هو الزنا لا مجرد الإشراك، وإنما تعرض لها في الأولى إشباعا في التنفير عن الزانية بنظمها في سلك المشركة اهـ.\rقوله: (و هن موسرات) أي: غنيات، والجملة حال. قوله: (فقيل التحريم) أي: في قوله:\rوَحُرِّمَ ذلِكَ، وقوله: (خاص بهم) أي: ولم ينسخ إلى الآن. قوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى [النور:\r32] جمع أيم وهي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ومن ليس له زوجة. والحاصل، أن لفظ الأيم يطلق على كل من المرأة والرجل الغير المتزوجين، وهذا يشمل الزاني والزانية وغيرهما اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الخ مبتدأ أخبر عنه بجمل ثلاث، الأولى: فاجلدوهم.\rوالثانية: قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً. الثالثة: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. واتفقوا على رجوع","part":5,"page":267},{"id":1753,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 268\rكل واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً في شيء أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) لإتيانهم كبيرة\rإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم قذفهم رَحِيمٌ (5) بهم بإلهامهم التوبة، فبها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم، وقيل لا تقبل رجوعا بالاستثناء إلى الجملة الأخيرة الاستثناء الآتي للجملة الأخيرة وعلى عدم رجوعه للأولى، واختلفوا في رجوعه للثانية. فعند الشافعي ومالك يرجع لها أيضا كما رجع للأخيرة، وعند أبي حنيفة لا يرجع لها أيضا كما لا يرجع للأولى اهـ شيخنا.\rقوله: الْمُحْصَناتِ وكذا المحصنين، وإنما خصهن بالذكر لأن شأنهن الميل للزنا، وإذا كان يجب حد قاذفهن فيجب حد قاذف الرجل المحصن بالأولى اهـ شيخنا.\rقوله: (العفيفات) تفسير للمحصنات بالنظر لمعنى الإحصان لغة، ويعتبر فيه شرعا زيادة على العفة أمور أخر وهي الإسلام والتكليف والحرية، فإن انتفى شرط منها لم يحد القاذف بل يعزر اهـ.\rقوله: (برؤيتهم) متعلق بشهداء أي: يشهدون بأنهم رأوا الذكر في الفرج اهـ شيخنا.\rقوله: أَبَداً أي: ما داموا مصرين على عدم التوبة. هذا هو المراد بالأبدية بدليل الاستثناء، وهذا على مذهب الإمام الشافعي ومالك من رد الاستثناء إلى الجملتين، وأما على مذهب أبي حنيفة من رده إلى الأخير فقط، فالمراد بالأبد مدة حياتهم ولو تابوا اهـ.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا اختلف في هذا الاستثناء فقيل: متصل لأن المستثنى منه في الحقيقة الذين يرمون والتائبون من جملتهم لكنهم مخرجون من الحكم وهذا شأن المتصل، وقيل: منقطع لأنه لم يقصد إخراجه من الحكم السابق بل قصد إثبات حكم آخر له، وهو أن التائب لا يبقى فاسقا ولأنه غير داخل في صدر الكلام لأنه غير فاسق اهـ شهاب.\rوهذا التوجيه ضعيف جدا إذ يلزم عليه أن يكون كل استثناء منقطعا لجريان التوجيه المذكور فيه، تأمل.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي: القذف. قوله: (فبها ينتهي فسقهم) هذا مبني على رجوع الاستثناء للجملتين الأخيرتين وهو مذهب الشافعي، فعنده أن التائب تقبل شهادته ويزول فسقه، وقوله: (و قيل لا تقبل الخ) وهذا مذهب أبي حنيفة يقول: إن الفاسق لا تقبل توبته وإن تاب، واتفق الأئمة الأربعة على عدم رجوع الاستثناء إلى الأولى وهي قوله: فَاجْلِدُوهُمْ، فالقاذف يجلد عند الجميع سواء تاب أو لم يتب اهـ شيخنا.\rوقوله: (رجوعا بالاستثناء الخ) أي: قصرا له على الجملة الأخيرة.\rقوله: أَزْواجَهُمْ جمع زوج بمعنى الزوجة، فإن حذف التاء منها أفصح من إثباتها إلا في الفرائض اهـ شيخنا.\rولم يقيد هنا بالمحصنات إشارة إلى أن اللعان يشرع في قذف المحصنة وغيرها، فهو في قذف المحصنة يسقط الحد عن الزوج، وقد قذف غيرها يسقط التعزير كأن كانت ذمية أو أمة أو صغيرة تحتمل","part":5,"page":268},{"id":1754,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 269\rوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بالزنا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ عليه إِلَّا أَنْفُسُهُمْ وقع ذلك لجماعة من الصحابة فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ مبتدأ أَرْبَعُ شَهاداتٍ نصب على المصدر بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) فيما رمى به زوجته من الزنا\rوَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) في ذلك، وخبر المبتدإ تدفع عنه الوطء بخلاف قذف الصغيرة التي لا تحتمله، وبخلاف قذف الكبيرة التي ثبت زناها ببينة أو إقرار، فإن الواجب في قذفهما التعزير لكنه لا يلاعن لدفعه كما في كتب الفروع. قوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ في رفع أنفسهم وجهان، أحدهما: أنه بدل من شهداء ولم يذكر الزمخشري غيره. والثاني:\rأنه نعت له على أن إلا بمعنى غير اهـ سمين.\rولا مفهوم لهذا القيد بل يلاعن، ولو كان واجدا الشهود الذين يشهدون بزناها. وعبارة المنهج مع شرحه: ويلاعن ولو مع إمكان بينة بزناها لأنه حجة كالبينة، وصدنا عن الأخذ بظاهر قوله تعالى:\rوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ من اشتراط تعذر البينة الإجماع، فالآية مؤولة بأن يقال: فإن لم يرغب في البينة قليلا عن كقوله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [البقرة: 282] على أن هذا القيد خرج على سبب، وسبب الآية كان الزوج فيه فاقدا للبينة وشرط العمل بالمفهوم أن يخرج القيد على سبب فيلاعن مطلقا لنفي ولد، ولدفع العقوبة حدا أو تعزيرا اهـ.\rقوله: (وقع ذلك) أي: قذف الزوجة بالزنا لجماعة من الصحابة، كهلال بن أمية، وعويمر العجلاني وعاصم بن عدي اهـ شيخنا.\rقوله: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ في رفعها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مبتدأ وخبره مقدر التقديم أي: فعليهم شهادة، أو مؤخر أي: فشهادة أحدهم كائنة أو واجبة. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: فالواجب شهادة أحدهم. الثالث: أن يكون فاعلا بفعل مقدر أي: فيكفي والمصدر هنا مضاف للفاعل، وقرأ العامة أربع شهادات بالنصب على المصدر والعامل فيه شهادة فالناصب للمصدر مصدر مثله كما في قوله: فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [الإسراء: 63]. وقرأ الأخوان، وحفص برفع أربع أنها خبر المبتدأ وهو قوله: فشهادة، ويتخرج على القراءتين تعلق الجار في قوله باللّه، فعلى النصب يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يتعلق بشهادات لأنه أقرب إليه. والثاني: أنه متعلق بقوله:\rفشهادة أي: فشهادة أحدهم باللّه، ولا يضر الفصل بأربع لأنها معمولة للمصدر فليست أجنبية.\rوالثالث: أن المسألة من باب التنازع فإن كلّا من شهادة وشهادات يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول وهو مختار البصريين. وعلى قراءة الرفع يتعين تعلقه بشهادات، إذ لو علق بشهادة لزم الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، وهو لا يجوز لأنه أجنبي ولم يختلف في أربع. الثانية وهي قوله: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ في أنها منصوبة للتصريح بالعامل فيها وهو الفعل اهـ سمين.\rوقوله: لأنه أجنبي ممنوع لأن الخبر معمول للمبتدأ فليس أجنبيا منه. قوله: (نصب على المصدر) أي: الاصطلاحي، أي: النحوي وهو كل ما انتصب على المفعولية المطلقة، فإنه يسمى عند النحاة مصدرا وإن كان غير مصدر بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت للمصدر المحذوف تقديره شهادة أربع. هذا وقرئ في السبعة أيضا أربع بالرفع على الخبرية ولا حذف في","part":5,"page":269},{"id":1755,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 270\rحد القذف\rوَيَدْرَؤُا يدفع عَنْهَا الْعَذابَ أي حد الزنا الذي ثبت بشهاداته أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) فيما رماها به من الزنا\rوَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) في ذلك\rوَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بالستر في ذلك وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ بقبوله التوبة في ذلك وغيره حَكِيمٌ (10) فيما حكم به في ذلك وغيره لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها\rإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أسوأ الكذب على عائشة رضي اللّه عنها أم المؤمنين بقذفها عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الكلام، وقوله: وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ الخ بالرفع لا غير باتفاق السبعة، وقوله: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بالنصب لا غير باتفاق السبعة، وقوله: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ الخ يجوز في السبعة رفعه ونصبه، فتلخص أن الخامسة الأولى بالرفع لا غيره، وفي الثانية الوجهان، وأن الأربع الثانية بالنصب لا غير وفي الأولى الوجهان اهـ.\rقوله: (و خبر المبتدأ) أي: الذي هو شهادة أحدهم، وأما قوله: وَالْخامِسَةَ فهو معطوف على المبتدأ فالخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ بدل من الخامسة، أو على تقدير حرف الجر أي: أن لعنة اهـ شيخنا.\rوقوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين بل يصح رفعه بالابتداء، وأن لعنة اللّه خبره والجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المحذوف اهـ.\rقوله: (تدفع عنه حد القذف) هذا المقدر يدل عليه ما بعده اهـ كرخي.\rومثل حد القذف التعزير لما تقرر في الفروع أن اللعان يسقطه كما يسقط الحد، وتقدم التنبيه عليه قريبا.\rقوله: (في ذلك) أي: فيما رماها به.\rقوله: عَلَيْكُمْ فيه التفات عن الغيبة في قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ،، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ. والخطاب لكل من الفريقين أي القاذفين والمقذوفات، ففي الكلام تغليب صيغة الذكور على صيغة الإناث حيث لم يقل عليكم وعليكن اهـ شيخنا.\rقوله: (بالستر) متعلق بكل من المصدرين أي: تفضله عليكم بالستر ورحمته لكم به في ذلك أي: القذف اهـ شيخنا.\rقوله: (لبين الحق) جواب لولا، والمراد بالحق ما في نفس الأمر كأن يقول اللّه في بيانه: فلان صادق في قذفه بالزنا لكون المقذوفة قد زنت في نفس الأمر، أو يقول: فلان كاذب في قذفه لكون المقذوفة لم تزن في نفس الأمر، فستر اللّه ما في نفس الأمر وشرع الحدود المتقدم تفصيلها اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: لبين أشار به إلى أن جواب لو لا محذوف يدل عليه ما يأتي، وكررت لو لا في هذا السياق أربع مرات أولها: هذا وحذف جوابها في هذا وفي الثالث، وصرح به في الثاني وفي الرابع كما سيأتي اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ الخ هذا شروع في الآيات المتعلقة بالإفك وهي ثمانية عشر","part":5,"page":270},{"id":1756,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 271\rجماعة من المؤمنين، قالت: حسان بن ثابت وعبد اللّه بن أبيّ ومسطح وحمنة بنت جحش لا تَحْسَبُوهُ أيها المؤمنون غير العصبة شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يأجركم اللّه به ويظهر براءة عائشة ومن جاء معها منه وهو صفوان، فإنها قالت: كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة بعد ما أنزل الحجاب، تنتهي بقوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: 26] اهـ شيخنا.\rقوله: (أسوأ الكذب) أي: أقبحه وأفحشه. وفي الخازن: والإفك أسوأ الكذب لكونه مصروفا عن الحق، وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء والمدح بما كانت عليه من الحصانة والشرف والعقل والديانة، فمن رماها بالسوء فقد قلب الحق بالباطل اهـ.\rقوله: (على عائشة) متعلق بالكذب، وقد عقد عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة وهي بنت ست سنين، ودخل عليها بالمدينة وهي بنت تسع، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة اهـ شيخنا.\rقوله: عُصْبَةٌ خبر إن، والعصبة من العشرة إلى الأربعين وإن كان من عينتهم وذكرتهم أربعة فقط، لأن المراد أن هؤلاء الأربعة هم الرؤساء في هذا الأمر وساعدهم عليه غيرهم كما قاله أبو السعود اهـ شيخنا.\rقوله: (من المؤمنين) أي: ولو ظاهرا، فإن أكبرهم عبد اللّه بن أبي وكان من كبار المنافقين اهـ شيخنا.\rقوله: (قالت) أي: عائشة في تعيين عدد أهل الإفك اهـ شيخنا.\rقوله: (و حمنة بنت جحش) هي زوجة طلحة بن عبيد اللّه اهـ خازن.\rقوله: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ استئناف خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأبو بكر، وعائشة وصفوان تسلية لهم من أول الأمر، والضمير للإفك اهـ أبو السعود.\rقوله: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي: لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على اللّه بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم، وتعظيم شأنكم، وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم، والثناء على من ظن بكم خيرا اهـ بيضاوي.\rقوله: (يأجركم اللّه به) أي: بسبب الصبر عليه، وفي المصباح: أجره اللّه أجرا من بابي ضرب وقتل، وآجره بالمد لغة ثالثة إذا أثابه اهـ.\rقوله: (و من جاء معهم) أي: أتى إلى الجيش يقود بها البعير، وقوله: (منه) متعلق ببراءة والضمير للإفك، وقوله: (و هو صفوان) أي السلمي ابن المعطل اهـ شيخنا.\rقوله: (في غزوة) قيل: هي غزوة المريسيع، وتسمى أيضا غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة الرابعة، وقيل: في السادسة اهـ شيخنا.\rوسببها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه، وقائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له","part":5,"page":271},{"id":1757,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 272\rففرغ منها ورجع، ودنا من المدينة، وآذن بالرحيل ليلة، فمشيت وقضيت شأني وأقبلت إلى الرحل، فإذا عقدي انقطع «هو بكسر المهملة القلادة» فرجعت ألتمسه، وحملوا هودجي «هو ما يركب فيه» على بعيري يحسبونني فيه، وكانت النساء خفافا إنما يأكلن العلقة «هو بضم المهملة وسكون اللام من الطعام أي القليل» ووجدت عقدي، وجئت بعد ما ساروا، فجلست في المنزل الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فغلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان قد عرس من وراء الجيش فأدلج. هما «بتشديد الراء والدال» أي نزل من آخر المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فاقتتلوا فهزم اللّه بني المصطلق، وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم فأفاءها وردها عليهم اهـ من الخازن في سورة المنافقون.\rقوله: (بعد ما أنزل الحجاب) في نسخة بعد ما نزلت آية الحجاب اهـ.\rوهي قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: 53] اهـ.\rقوله: (و آذن) بالمد من الإيذان وهو الإعلام، أو بالقصر بالتخفيف من الإذن، أو بالتشديد من التأذين وهو الإعلام أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: (و قضيت شأني) أي: حاجتي كالبول اهـ شيخنا.\rقوله: (و أقبلت إلى الرحل) أي: المنزل الذي فيه القوم اهـ شيخنا.\rقوله: (فإذا عقدي انقطع) أي: فإذا أنا أدركت أنه قد انقطع لما وضعت يدي على صدري فما وجدته، وكان من جزع أظفار أي: خرز يمان غالي القيمة، وكان أصله لأمها أعطته لها حين تزوجها النبي اهـ شيخنا.\rقوله: (ألتمسه) أي: أفتش. وقوله: (على بعيري) معمول لحملوا، وقوله: (يحسبونني الخ) حال، وقوله: (و كانت النساء الخ) تعليل للحال، وقوله: (إنما يأكلن الخ) تعليل للتعليل. قوله: (في المنزل الذي كنت فيه) أي: حين كان القوم نازلين، وهذا من حسن عقلها وجودة رأيها، فإن من الآداب أن من تاه عن الرفقة وعرف أنهم يفتشون عليه أن يجلس في المكان الذي فقدوه فيه ولا ينتقل منه، فربما رجعوا يلتمسونه فلا يجدونه اهـ شيخنا.\rقوله: (فنمت) وكانت كثيرة النوم لحداثة سنها اهـ شيخنا.\rقوله: (و كان صفوان قد عرس الخ) وكان صاحب ساقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لشجاعته، وكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم فما سقط منهم شيء إلا حمله حتى يأتي به أصحابه اهـ كرخي.\rقوله: (هما بتشديد الراء والدال) لف ونشر مرتب، وكذا قوله: (أي نزل الخ) فسار منه الخ، فالتعريس هو النزول آخر الليل للاستراحة، والادلاج هو السير آخر الليل، وأما قولها: فأصبح في منزله فليس من معنى الادلاج، بل بيان للواقع اهـ شيخنا.\rوفي المختار: والتعريس نزول القوم في السفر من آخر الليل يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم","part":5,"page":272},{"id":1758,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 273\rالليل للاستراحة، فسار منه فأصبح في منزله، فرأى سواد إنسان نائم، أي شخصه، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، أي قوله: إنا للّه وإنا إليه راجعون، فخمرت وجهي بجلبابي، أي غطيته بالملاءة، واللّه ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ راحلته ووطىء على يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، أي من أوغر، واقفين في مكان وعر من شدة الحر، فهلك من هلك فيّ، وكان الذي تولى كبره منهم، عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، اهـ قولها، رواه الشيخان، قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي عليه مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ في ذلك وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ أي تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه وأشاعه وهو عبد اللّه بن أبيّ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11) هو النار في الآخرة\rلَوْ لا هلا إِذْ حين سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ يرتحلون، وأعرسوا فيه لغة قيلة، والموضع معرس بالتشديد ومعرس بوزن مخرج اهـ.\rوفيه أيضا: أدلج سار من أول الليل، وادّلج بتشديد الدال سار من آخره والاسم الدلجة اهـ.\rقوله: (فأصبح في منزله) أي: منزل الجيش أي المنزل الذي كان الجيش نازلا فيه، وهو الذي مكثت فيه عائشة اهـ شيخنا.\rقوله: (و وطىء على يدها) أي: وضع رجله على ركبتها اهـ شيخنا.\rقوله: (موغرين) فسّره بقوله: واقعين الخ. والظهيرة شدة الحر كما يعلم من كلامه أيضا ونحرها أولها يعني أتينا الجيش في وقت القيلولة اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: الوغرة شدة الحر، وغرت الهاجرة كوعد، وأوغروا دخلوا فيها، والوغر ويحرك الحقد والضعف والعداوة والتوقد من الغيظ، وقد وغر صدره كوعد ووجل وغرا ووغرا بالتحريك اهـ.\rوقوله: واقعين أي نازلين في مكان وغر، ففي المصباح: ووقع في أرض فلاة صار فيها اهـ.\rقوله: (فهلك من هلك) أي: تكلم بما هو سبب لهلاكه، وقوله: (فيّ) أي بسببي. قوله: (و كان الذي تولى كبره) أي: الإفك. وقوله: (ابن سلول) وصف ثان لعبد اللّه، وسلول اسم أمه، فهو يمنع الصرف فنسب أولا لأبيه وثانيا لأمه اهـ شيخنا.\rقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي من أولئك العصبة، وكذا قوله: مِنْهُمْ الثانية، وقوله: (أي عليه) أشار به إلى أن اللام بمعنى على، وقوله: مَا اكْتَسَبَ على حذف مضاف أي جزاء ما اكتسب، وقوله: (في ذلك) أي: الإفك اهـ شيخنا.\rقوله: مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أي: جزاء ما اكتسب من الإثم في الآخرة وفي الدنيا أيضا، فإنهم قد حدّوا حدّ القذف أي: حدهم النبي وردت شهادتهم، وصار ابن أبيّ مطرودا مشهودا عليه بالنفاق، وعمي حسان وشلت يداه في آخر عمره، وكذلك عمي مسطح أيضا اهـ أبو السعود.\rقوله: لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ الخ لما بين تعالى حال الخائضين في الإفك بقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ","part":5,"page":273},{"id":1759,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 274\rبِأَنْفُسِهِمْ أي ظن بعضهم ببعض خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) كذب بين، فيه التفات عن مِنْهُمْ الخ. شرع هنا في توبيخهم وتعييرهم وزجرهم بتسعة زواجر، الأول: هذا. والثاني: لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ الخ. والثالث: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ الخ. والرابع: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ الخ. والخامس: وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ الخ. والسادس: يَعِظُكُمُ اللَّهُ الخ. والسابع: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الخ. والثامن:\rوَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الخ. والتاسع: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إلى سَمِيعٌ عَلِيمٌ اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ لو لا: للتوبيخ ولذلك فسرها بهلا، وهذا شأنها إذا دخلت على الماضي كما هنا، كما أن شأنها إذا دخلت على المضارع أن تكون للتخصيص، وإذا دخلت على الجملة الاسمية تكون امتناعية أي: تدل على امتناع جوابها لوجود شرطها كما سيأتي في قوله: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الخ. وإذ ظرف لظن أي: هلا ظننتم بأنفسكم خيرا حين سمعتم الإفك أي: كان ينبغي لكم بمجرد سماعه أن تحسنوا الظن في أم المؤمنين فضلا عن أن تتمادوا في سماعه، فضلا عن أن تصروا عليه بعد السماع اهـ شيخنا.\rوقوله: وهذا شأنها إذا دخلت على الماضي يخالفه ما في السمين، فإنه قال: لو لا هذه تحضيضية اهـ.\rومع ذلك فسرها بهلا، ويكون المقصود التحضيض على الظن المذكور. وعبارة السمين: لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون الخ لو لا هذه تحضيضية وإذ منصوبة بظن، والتقدير: لو لا ظن المؤمنين بأنفسهم خيرا إذ سمعتموه، وفي هذا الكلام التفات. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل لو لا إذ سمعتموه وظننتم بأنفسكم خيرا، وقلتم: ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؟\rقلت: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض أن لا يصدق أحد شيئا قيل في حق أخيه، وقوله: ولم عدل عن الخطاب يعني في قوله: وقالوا فإنه كان الأصل، وقلتم: فعدل عن هذا الخطاب إلى الغيبة في وقالوا، وقوله: وعن الضمير يعني أن الأصل كان ظننتم فعدل عن ضمير الخطاب إلى لفظ المؤمنون.\rوعبارة الكرخي: قوله: لَوْ لا هلا الخ أشار به إلى أن لو لا تحضيضية وذلك كثير في اللغة إذا دخلت على الفعل، كقوله: لَوْ لا أَخَّرْتَنِي [المنافقون: 10] وقوله: فلو لا كان، فأما إذا وليها الاسم فليس كذلك كقوله: لو لا أنتم لكنا مؤمنين ولو لا فضل اللّه عليكم، وإذ منصوب بظن. والتقدير: لو لا ظن المؤمنون بأنفسهم إذ سمعتموه وتوسط الظرف بين لو لا وفعلها لتخصيصها بأول زمان سماعهم اهـ.\rقوله: بِأَنْفُسِهِمْ أي: بأبناء جنسهم النازلين منزلة أنفسهم في اشتراك الكل في الإيمان كقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 85] وقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات:\r11] اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي: إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر أي: في قوله: ظَنَ","part":5,"page":274},{"id":1760,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 275\rالخطاب، أي ظننتم أيها العصبة وقلتم\rلَوْ لا هلا جاؤُ أي العصبة عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ شاهدوه فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه هُمُ الْكاذِبُونَ (13) فيه\rوَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ أيها العصبة أي خضتم فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) في الآخرة\rإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ أي يرويه بعضكم عن بعض، وحذف من الفعل إحدى التاءين، وإذ الْمُؤْمِنُونَ فإنه كان الأصل ظننتم، وفي قوله: قالوا فإنه كان الأصل وقلتم مبالغة في التوبيخ وإشعارا بأن الإيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين، والكف عن الطعن فيهم، وذبّ الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم اهـ كرخي.\rقوله: لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ أي: الإفك، وقوله: (شاهدوه) أي: عاينوه أي: عاينوا متعلقة وهو الزنا. قوله: (أي في حكمه) أي: في قضائه الأزلي. وعبارة الكرخي: قوله: أي في حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقدمة، وهذا جواب كيف علق قوله: فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ على عدم الإتيان بالشهداء، وهم عنده سبحانه كاذبون في إفك عائشة رضي اللّه تعالى عنها مطلقا، وإيضاحه؛ فأولئك في حكم اللّه لا في علمه لئلا يلزم المحال كما تقول هذا عند الشافعي حلال، ولا شك أنهم لو أتوا بالبينة المعبرة كان حكم اللّه أنهم صادقون في الظاهر، ففيه إيذان بأن مدار الحكم على الشهادة والأمر الظاهر لا على السرائر، ولذلك أي ليكون ما لا حجة عليه كذبا في حكم اللّه تعالى رتب الحد على انتفاء الحجة في قوله: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ [النور: 4] الآية اهـ كرخي.\rقوله: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لو لا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره، والمعنى: ولو لا فضل اللّه عليكم في الدنيا والآخرة بأنواع النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ورحمته في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدرين لكم اهـ بيضاوي.\rقوله: فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ أي: بسببه، وما عبارة عن حديث الإفك والإبهام لتهويل أمره يقال:\rأفاض في الحديث وخاض واندفع بمعنى اهـ شيخنا.\rوما اسم موصول أي لمسكم بسبب الذي أفضتم أي خضتم فيه وهو الإفك، ويصح أن تكون مصدرية، والمعنى: لمسكم بسبب إفاضتكم وخوضكم فيه أي: الإفك. قوله: عَذابٌ عَظِيمٌ (في الآخرة) أي: غير ابن سلول، فإن عذابه محتم فيها كما تقدم في قوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ [النور: 11] الخ والشارح حمل العذاب على عذاب الآخرة، وغيره حمله على عذاب الدنيا وقال: أي عذاب عظيم يستحقر دونه التوبيخ والجلد الذي وقع لهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ التلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق والمهارة اهـ أبو السعود.\rوفي الشهاب: الأفعال المذكورة متقاربة المعاني إلا أن في التلقي معنى الاستقبال، وفي التلقن","part":5,"page":275},{"id":1761,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 276\rمنصوب بمسكم أو بأفضتم وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً لا إثم فيه وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) في الإثم\rوَلَوْ لا هلا إِذْ حين سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ ما ينبغي لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هو للتعجب هنا هذا بُهْتانٌ كذب عَظِيمٌ (16)\rيَعِظُكُمُ اللَّهُ ينهاكم أَنْ تَعُودُوا الحذق في التناول، وفي التلقف الاحتيال فيه كما ذكره الراغب اهـ.\rوقوله: معنى الاستقبال المراد به المقابلة والمواجهة كما في كتب اللغة. قوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي: وتقولون كلاما مختصا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب، لأنه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم كقوله: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: 167] اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ الخ إذ ظرف لقلتم أي: كان ينبغي لكم بمجرد أول السماع أن تقولوا ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وأن تقولوا سبحانك الخ اهـ شيخنا.\rقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل بين لو لا وقلتم بالظرف؟ قلت: للظروف شأن وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. قال أبو حيان: وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظرف وهو جار في المفعول به تقول: لو لا زيدا ضربت ولو لا عمرا قتلت. وقال الزمخشري أيضا: فإن قلت: أي فائدة في تقديم الظرف حتى وقع فاصلا؟ قلت: الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه اهـ كرخي.\rقوله: (ما ينبغي) أي: ما يليق وما يصح، وقوله: سبحان من جملة ما ينبغي أن يقولوه، والمعنى: لو لا قلتم ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا حال كونهم متعجبين من هذا الأمر الغريب اهـ.\rقوله: (هو للتعجب هنا) أي: من عظم الأمر. قال في الكشاف: فإن قلت: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ قلت: الأصل في ذلك أن يسبح اللّه عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أي: بدون ملاحظة معنى التنزيه أو لتنزيه اللّه تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة، فإنه لا يجوز للتنفير أي عن النبي وهو خلاف مقصود الإرسال بخلاف كفرها، وكان في امرأة نوح ولوط عليهما الصلاة والسّلام، فإنه لا يكون سببا للتنفير، بل يفضي إلى تأليف قلوب المدعوين إلى الدين اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: سبحانك تعجب ممن تفوّه به، وأصله أن يذكر عند معاينة العجب من صنائعه تعالى تنزيها له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو تنزيه له تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة، فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج من الولد والنسل، فإن المرأة إذا كانت زانية لم يعلم كون الولد من الزوج، فيكون هذا تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله:\rهذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ اهـ مع زيادة من الكازروني.\rقوله: (ينهاكم) أَنْ تَعُودُوا الخ أشار به إلى أن يعظكم ضمن معنى فعل يتعدى بعن، ثم حذف","part":5,"page":276},{"id":1762,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 277\rلِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) تتعظون بذلك\rوَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في الأمر والنهي وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يأمر به وينهى عنه حَكِيمٌ (18) فيه\rإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ باللسان فِي الَّذِينَ آمَنُوا بنسبتها إليهم وهم العصبة لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا بحد القذف وَالْآخِرَةِ بالنار لحق اللّه وَاللَّهُ يَعْلَمُ انتفاءها عنهم وَأَنْتُمْ أيها العصبة بما قلتم من الإفك لا تَعْلَمُونَ (19) وجودها فيهم\rوَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أيها العصبة وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) بكم لعاجلكم بالعقوبة\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي طرق تزيينه وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ أي ينهاكم عن العود وهذا أحد الأوجه في الآية، والثاني: أنه على حذف في أي في أن تعودوا، والثالث: أن أن تعودوا مفعول لأجله أي يعظكم كراهة أن تعودوا اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: يعظكم اللّه أي: ينصحكم أو يزجركم اهـ.\rقوله: أَبَداً أي: ما دمتم أحياء. قوله: (تتعظون بذلك) أشار بهذا إلى أن المنفي عنهم ثمرة الإيمان وهو الاتعاظ لا نفسه اهـ شيخنا.\rالجملة صفة للمؤمنين، وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم مؤمنين فلا تعودوا مثله اهـ.\rقوله: حَكِيمٌ (فيه) أي: فيما يأمر به وينهى عنه.\rقوله: (باللسان) أشار به إلى أن المراد بإشاعتها إشاعة خبرها، وفي أبي السعود: المراد بشيوعها شيوع خبرها اهـ.\rقوله: (بنسبتها إليهم) أشار به إلى أن المراد بالذين آمنوا خصوص المقذوفين وهم عائشة وصفوان وقوله: (و هم العصبة) بيان للذين يحبون اهـ شيخنا.\rقوله: لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ خبر إن، وقوله: بالحد للقذف، فقد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حدهم أي القاذفين وهم الأربعة المتقدم بيانهم في الشارح، وقوله: (لحق اللّه) أي ذنب الإقدام فلا ينافي أن الحدود جوابر لأنها جوابر للذنب المحدود به كالقذف، وأما ذنب الإقدام فلا يكفره إلا التوبة اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ (انتفاءها عنهم الخ) عبارة أبي السعود: واللّه يعلم جميع الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه تعالى، بل إنما تعلمون ما ظهر لكم من الأقوال والأفعال المحسوسة فابنوا أموركم على ما تعلمونه وعاقبوا في الدنيا على ما تشاهدونه من الأفعال الظاهرة، واللّه سبحانه وتعالى هو المتولي للسرائر فيعاقب في الآخرة على ما تكنه الصدور انتهت.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ معطوف على فضل اللّه، وقوله: (لعاجلكم بالعقوبة) جواب لو لا، وخبر المبتدأ محذوف أي موجودان على القاعدة من وجوب حذفه اهـ شيخنا.\rقوله: خُطُواتِ الشَّيْطانِ بضم الطاء وإسكانها قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ جواب الشرط محذوف تقديره: فقد غوى فإنه صار يأمر","part":5,"page":277},{"id":1763,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 278\rأي المتبع يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي القبيح وَالْمُنْكَرِ شرعا باتباعها وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ أيها العصبة بما قلتم من الإفك مِنْ أَحَدٍ أَبَداً أي ما صلح وطهر من هذا الذنب بالتوبة منه وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهر مَنْ يَشاءُ من الذنب بقبول توبته منه وَاللَّهُ سَمِيعٌ بما قلتم عَلِيمٌ (21) بما قصدتم\rوَلا يَأْتَلِ يحلف أُولُوا الْفَضْلِ أي أصحاب الغنى مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ لا يُؤْتُوا أُولِي بالفحشاء والمنكر أي: صار فيه خاصية الشيطان وهي الأمر بهما اهـ شيخنا.\rقوله: (أي المتبع) أي: للشيطان. فجعل الشارح الضمير عائدا على من، ولو أعاده على الشيطان لقال أي الشيطان إذ هو أوضح في هذا المقام، وقوله: (باتباعها) أي: القبائح كما صرح به الخازن وهي مفهومة من الفحشاء والمنكر، والباء سببية أي: فإنه بسبب اتباعه القبائح صار يأمر بالفحشاء والمنكر لأنه لما ضل في نفسه صار يضل غيره. وعبارة أبي السعود: وقيل: إنه أي الضمير عائد على من أي، فإن المتبع للشيطان يأمر الناس بهما فإن شأن الشيطان هو الإضلال، فمن اتبعه فإنه يترقى منه رتبة الضلال والفساد إلى رتبة الإضلال والإفساد اهـ.\rقوله: ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً هذا يفيد أنهم قد طهروا وتابوا وهو كذلك يعني غير عبد اللّه ابن أبي، فإنه استمر على الشقاوة حتى هلك اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ما زكى ما طهر من دنسها منكم من أحد أبدا إلى آخر الدهر، ولكن اللّه يزكي من يشاء يحمله على التوبة وقبولها، واللّه سميع لمقالهم عليم بنياتهم اهـ.\rقوله: (بما قلتم من الإفك) الباء بمعنى من، كما يدل عليه قوله (أي): ما صلح وطهر من هذا الذنب. وقوله: مِنْ أَحَدٍ من زائدة في الفاعل.\rقوله: وَلا يَأْتَلِ لا: ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء لأنه معتل بها، يقال: ائتلى يأتلي بوزن انتهى ينتهي من الألية كهدية ومعناه الحلف يقال: ألية وألايا بوزن هدية وهدايا اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وآلى يؤلي إيلاء حلف وتألى وائتلى مثله. قلت: ومنه قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ [النور: 22] والألية اليمين وجمعها ألايا اهـ.\rقوله: (أي أصحاب الغنى) على هذا التفسير يتكرر الفضل مع السعة فالأولى تفسير الفضل بالدين كما صنع غيره، وقوله: أن لا يؤتوا على تقديره حرف الجر أي على أن لا يؤتوا الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: ولا يأتل أولو الفضل منكم في الدين وكفى به دليلا على فضل الصديق والسعة في المال اهـ.\rقوله: (حلف أن لا ينفق على مسطح) فجاء مسطح واعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجلس حسان وأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، ومسطح هو ابن أثاثة بضم الهمزة وفتحها ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل: اسمه عوف ومسطح لقبه اهـ قرطبي.","part":5,"page":278},{"id":1764,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 279\rالْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالته مسكين مهاجر بدري لما خاض في الإفك بعد أن كان ينفق عليه وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشيء من الإفك وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم في ذلك أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) للمؤمنين قال أبو بكر بلى أنا أحب أن يغفر اللّه لي، ورجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ بالزنا\rالْمُحْصَناتِ العفائف الْغافِلاتِ قوله: أُولِي الْقُرْبى الخ أي: أصحاب القربى أي القرابة، وقوله: وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ معطوفان على أولي، والمعنى أن يؤتوا الأقارب والمساكين والمهاجرين، فهذه الأوصاف الثلاثة لموصوف واحد والتعبير بصيغة الجمع، وبالعطف لتعدد الأوصاف وإن كان الموصوف بها واحدا وهو مسطح اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو ابن خالته الخ) بيان للأوصاف الثلاثة في الآية، وأنها لموصوف واحد جيء بها بطريق العطف تنبيها على أن كلّا منها علة مستقلة لاستحقاقه الإنفاق عليه اهـ أبو السعود.\rوقوله: بدريّ زائد على ما في الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (لما خاض) ظرف لقوله حلف أن لا ينفق، وقوله: (ناس) معطوف على في أبي بكر اهـ شيخنا.\rقوله: وَلْيَعْفُوا أي: أولو الفضل، وقوله: (عنهم) أي الخائضين في الإفك اهـ شيخنا.\rقوله: وَلْيَصْفَحُوا أي: ليعرضوا عن لومهم، فإن العفو أن يتجاوز عن الجاني، والصفح أن يتناسى جرمه، وقيل: العفو بالفعل والصفح بالقلب اهـ زاده.\rقوله: (و رجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه) أي: وحلف أن لا ينزع نفقته منه أبدا اهـ كرخي.\rورجع من باب جلس فيستعمل مخففا ومتعديا للمفعول به على قوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [التوبة: 83] يرجع بعضهم إلى بعض القول ومعناه أعاد ورد اهـ شيخنا.\rلكن في هذا إجمال إذ الذي من باب جلس هو اللازم، وأما المتعدي فمن باب ضرب كما في المختار اهـ.\rقوله: الْغافِلاتِ (عن الفواحش الخ) قال الزمخشري: الغافلات السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلم يفطنّ لما يفطن له المجربات العارفات قال: وكذلك البله من الرجال في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «أكثر أهل الجنة البله» اهـ.\rقال في النهاية: هو جمع الأبله وهو الغافل عن الشر المطبوع على الخير، وقيل: هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس لأنهم أغفلوا أمر دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا نفسهم بها فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة، وأما الأبله الذي لا عقل له فغير مراد في الحديث لأن المقام مقام مدح اهـ كرخي.","part":5,"page":279},{"id":1765,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 280\rعن الفواحش بأن لا يقع في قلوبهن فعلها الْمُؤْمِناتِ باللّه ورسوله لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (23)\rيَوْمَ ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم تَشْهَدُ بالفوقانية والتحتانية عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) من قول وفعل وهو يوم القيامة\rيَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَ يجازيهم جزاءهم الواجب عليهم وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) حيث حقق لهم جزاءه قوله: لُعِنُوا فِي الدُّنْيا أي: أبعدوا فيها عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين والآخرة إن لم يتوبوا اهـ كرخي.\rوفي الخازن: لعنوا أي: عذبوا في الدنيا بالحد والآخرة بالنار اهـ.\rوفي القرطبي: لعنوا في الدنيا والآخرة. قال العلماء: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة، فالمراد باللعنة الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين اهـ.\rقوله: (ناصبه الاستقرار الخ) والتقدير: وعذاب عظيم كائن لهم يوم تشهد الخ، وإنما لم يجعل منصوبا بالمصدر وهو عذاب لأن شرط عمله عند البصريين أن لا يوصف وهنا قد وصف، وأجيب عن هذا بأن الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره اهـ من السمين.\rقوله: (بالفوقانية والتحتانية) سبعيتان.\rقوله: يَوْمَئِذٍ معمول ليوفيهم أو ليعلمون والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة، والتقدير:\rيومئذ تشهد عليهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (جزاءهم) تفسير لدينهم، فالمراد به هنا الجزاء، وقوله: (الواجب عليهم) تفسير للحق أي: الثابت عليهم. أي: المقطوع بحصوله لهم وعلى بمعنى اللام اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (جزاءهم الواجب عليهم) أشار به إلى أن الدين بمعنى الجزاء، ففي الحديث: «كما تدين تدان» والحق بمعنى الحقيق اللائق، ويجوز أن يكون من حق الأمر يحق أي وجب ووقع بلا شك اهـ.\rقوله: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ أي: الثابت بذاته الظاهر بألوهيته لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر على الثواب والعقاب سواه، أو ذو الحق البين أي: العادل الظاهر عدله، ومن كان هذا شأنه ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة اهـ بيضاوي.\rوفي أبي السعود: ويعلمون أن اللّه هو الحق الثابت الذي يحق أن يثبت لا محالة في ذاته وصفاته وأفعاله المبين المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، أو الظاهر أنه هو الحق، وتفسيره: بظهور ألوهيته تعالى وعدم مشاركة الغير له فيها، وعدم قدرة ما سواه على الثواب والعقاب ليس له كثير مناسبة للمقام اهـ.\rقوله: (حيث حقق لهم جزاءه) يشير به إلى أن المراد بالحق المحقق أي: الموجد للأمر على طبق ما هو عليه في الواقع اهـ شيخنا.","part":5,"page":280},{"id":1766,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 281\rالذي كانوا يشكون فيه ومنهم عبد اللّه بن أبيّ. والمحصنات هنا أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذكر في قذفهن توبة ومن ذكر في قذفهن أول السورة غيرهن.\rالْخَبِيثاتُ من النساء ومن الكلمات قوله: (و منهم عبد اللّه بن أبي) أتى بهذا ليصح قوله: (كانوا يشكون فيه) أي: فالشك من بعضهم وهو عبد اللّه المذكور، وأما حسان ومسطح وحمنة فهم مؤمنون لا يشكون في الجزاء اهـ شيخنا.\rقوله: (و المحصنات هنا) أي بخلافهن في أول السورة في قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الخ. فالمراد بهن الجنس الأعم من زوجات النبي، وقوله: (أزواج النبي) أي: لأن من قذف واحدة منهن فقد قذف الجميع لاشتراك الكل في العصمة والنزاهة والانتساب إلى رسول اللّه، فلا يقال: إن القذف إنما هو لعائشة اهـ شيخنا.\rقوله: (لم يذكر في قذفهن توبة) أي: على سبيل الاستثناء كأن يقال: لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم إلا الذين تابوا، كما قيل في قذف المحصنات فيما سبق أول السورة: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 89 النور: 5]. ومراده بهذا تقدير مذهب ابن عباس، فإنه جعل الإفك أغلظ من سائر أنواع الكفر حين سئل عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة رضي اللّه عنها، وهذا منه رضي اللّه عنه إنما هو لتهويل أمر الإفك والتنبيه على أنه أمر غليظ اهـ من أبي السعود.\rقوله: (و من ذكر) مبتدأ أي: واللواتي ذكر في قذفهن أول السورة أي: بقوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا، وقوله: (غيرهن) خبر المبتدأ أي: واللواتي ذكرت التوبة لقاذفيهن غير زوجات النبي، وأما هن فلا توبة لقاذفيهن أي: لا تقبل لهم توبة اهـ شيخنا.\rقوله: الْخَبِيثاتُ الخ كلام مستأنف مؤسس على قاعدة السنة الإلهية الجارية فيما بين الخلق على موجب أن للّه تعالى ملكا يسوق الأهل إلى أهلها، وقوله: لِلْخَبِيثِينَ أي: مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم إلى غيرهم فاللام للاختصاص، وقوله: لِلْخَبِيثاتِ أي: لأن المجانسة من دواعي الانضمام، وقوله: وَالطَّيِّباتُ الخ أي: وحيث كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أطيب الطيبين تبين كون الصديقة من أطيب الطيبات بالضرورة، واتضح بطلان ما قيل في حقها من الخرافات حسبما نطق به قوله تعالى:\rأُولئِكَ الخ. فالإشارة إلى رسول اللّه والصديقة وصفوان اهـ أبو السعود.\rقوله: (من النساء ومن الكلمات) هذان قولان في تفسير الخبيثات حكاهما غيره، فالواو بمعنى أي فقوله: (مما ذكر) أي النساء أو الكلمات اهـ شيخنا.\rقوله: (و من الكلمات) فالمعنى الخبيثات من الكلمات تعد أو تقال للخبيثين من الرجال وتليق بهم أي: هي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق غيرهم، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، وكذا قوله: وَالطَّيِّباتُ الخ. والمعنى كل كلام إنما يحسن في حق أهله فيضاف سيىء القول إلى من يليق به، وكذا الطيب من القول. وعائشة لا يليق بها الخبائث من الأقوال لأنها طيبة فيضاف إليها الثناء الحسن اهـ زاده.\rوعبارة الكشاف: يحتمل أن الخبيثات والطيبات صفة ما لا يعقل من المقالات القبيحة وضدها،","part":5,"page":281},{"id":1767,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 282\rلِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ مما ذكر وَالطَّيِّباتُ مما ذكر لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ منهم لِلطَّيِّباتِ مما ذكر أي اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله أُولئِكَ الطيبون من الرجال والطيبات من النساء ومنهم عائشة وصفوان مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ أي الخبيثون والخبيثات من الرجال والنساء فيهم لَهُمْ للطيبين والطيبات مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) في الجنة، وقد افتخرت عائشة بأشياء منها أنها خلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا وَتُسَلِّمُوا عَلى واللام للاختصاص أو الاستحقاق أي المقالات الخبيثة مختصة بالخبيثين أو مستحقة أن تقال لهم، فالخبيثون شامل للخبيثات تغليبا وكذا الطيبون اهـ.\rقوله: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ هذا في المعنى كالدليل لقوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ الخ فهو توطئة له اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ (الطيبون) أي: من الرجال. قوله: (و منهم عائشة وصفوان) لف ونشر مشوش.\rقوله: (أي الخبيثون الخ) تفسير لواو الجماعة في يقولون، وقوله: (فيهم) متعلق بيقولون. قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي: لما لا يخلو عنه البشر من الذنب، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة وأن تكون في محل رفع خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون لهم خبر أولئك ومغفرة فاعله اهـ اهـ سمين.\rقوله: (و قد افتخرت عائشة الخ) عبارة الخازن: روي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها، منها: أن جبريل عليه السّلام أتى بصورتها في سرقة حرير وقال هذه زوجتك، ويروى أنه أتى بصورتها في راحته. ومنها: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتزوج بكرا غيرها وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجرها وفي يومها ودفن في بيتها، وكان ينزل الوحي عليه وهي معه في اللحاف، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة الصديق وخليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما، وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المبرأة من السماء اهـ.\rوفي القرطبي: قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف عليه الصلاة والسّلام لما رمي بالفاحشة برأه اللّه على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رميت بالفحشاء برأها اللّه على لسان ولدها عيسى صلوات اللّه وسلامه عليه، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها اللّه بالقول، فما رضي لها براءة صبي ولا نبي حتى برأها اللّه بكلامه من القذف والبهتان اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً الخ لما فصل الزواجر عن الزنا ورمي العفائف شرع في تفسير الزواجر عما عساه أن يؤدي إليه من مخالطة الرجال بالنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب الجميلة اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: سبب نزول هذه الآية كما رواه الطبراني وغيره عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول اللّه إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد ولا والد ولا ولد،","part":5,"page":282},{"id":1768,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 283\rأَهْلِها فيقول الواحد: السّلام عليكم. أأدخل؟ كما ورد في حديث ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من الدخول بغير استئذان لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) بإدغام التاء الثانية في الذال خيريته فتعملون به\rفَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً يأذن لكم فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ بعد الاستئذان ارْجِعُوا فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن فأنزل اللّه:\rلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الآية اهـ.\rقوله: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أي: ليس لكم عليها يد شرعية، أما المكتري والمستعير فكل منهما يدخل بيته فهو داخل في قول الشارح الآتي، وسيأتي أنهم إذا دخلوا الخ. قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي:\rتستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو لا يؤذن له، أو من الاستئناس الذي هو خلاف الإيحاش، فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس، أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الأنس اهـ بيضاوي.\rقوله: (فيقول الواحد الخ) أشار بهذا إلى أن السّلام مقدم على الاستئذان. وفي الخازن: اختلفوا في أيهما يقدم فقيل: الاستئذان، وقال الأكثرون: السّلام. وتقدير الآية: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهو كذلك في مصحف ابن مسعود، ويكون كل من السّلام والاستئذان ثلاث مرات يفصل بين كل مرتين بسكوت يسير، فالأول إعلام، والثاني للتهيؤ، والثالث استئذان في الدخول أو الرجوع، وإذا أتى الباب لم يستقبله من تلقاء وجهه بل يجيء من جهة ركنه الأيمن أو الأيسر، وقيل: إن وقع بصره على أحد في البيت قدم السّلام وإلّا قدم الاستئذان ثم يسلم اهـ.\rوروى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد اللّه قال: استأذنت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا. فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا أنا» كأنه كره ذلك. قال علماؤنا: إنما كره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك لأن قوله: أنا لا يحصل به تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وأبو موسى الأشعري لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في مشربة له فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه السّلام عليكم أيدخل عمر؟ وفي صحيح مسلم أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: السّلام عليكم هذا أبو موسى، السّلام عليكم هذا الأشعري الحديث اهـ من القرطبي.\rقوله: (من الدخول بغير استئذان) أي: ومن تحية الجاهلية حيث كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول: جئتكم صباحا جئتكم مساء، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف اهـ أبو السعود.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ متعلق بمحذوف، أي: أنزل عليكم هذا، أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعلموا بما هو أصلح لكم اهـ بيضاوي.\rقوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً (يأذن لكم) هذا النفي يصدق بما إذا لم يكن فيها أحد أصلا، وبما إذا كان فيها من لا يصلح للإذن، وبما إذا كان فيها من يصلح لكنه لم يأذن اهـ شيخنا.","part":5,"page":283},{"id":1769,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 284\rفَارْجِعُوا هُوَ أي الرجوع أَزْكى أي خير لَكُمْ من القعود على الباب وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الدخول بإذن وغير إذن عَلِيمٌ (28) فيجازيكم عليه\rلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ أي منفعة لَكُمْ باستكنان وغيره كبيوت الربط والخانات المسبلة وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ قوله: حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ أي: حتى يأتي من يأذن، فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذن محظور، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوه اهـ بيضاوي.\rقوله: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا الخ لما كان جعل النهي مغيّى بالإذن ربما يوهم الرخصة في الانتظار على الأبواب، بل في تكرير الاستئذان ولو بعد الرد دفع ذلك بقوله، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا أي: إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان كما في الوجه الثاني، ولا بالاصرار على الانتظار كما في الوجه الأول اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ (أي الرجوع) أَزْكى لَكُمْ أي: أطهر مما لا يخلو عن اللج والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءة والرذالة اهـ أبو السعود.\rقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الخ هذا بمنزلة الاستثناء من قوله: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ اهـ شيخنا.\rقال المفسرون: لما نزلت آية الاستئذان قالوا: يا رسول اللّه كيف بالبيوت التي بين مكة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن من أربابها؟ فنزل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الآية اهـ زاد.\rويروى أن أبا بكر قال: يا رسول اللّه أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نتخلف في تجاراتنا فننزل الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت اهـ أبو السعود.\rقوله: غَيْرَ مَسْكُونَةٍ أي: غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة، بل كانت موضوعة ليدخلها كل من له حاجة تقصد منها كالربط والخانات والحمامات والحوانيت ونحوها اهـ أبو السعود.\rقوله: (منفعة) لَكُمْ أي: استمتاع وغرض من الأغراض؛ وقوله: (باستكنان) أي: طلب كن يستتر فيه من الحر والبرد، وقوله: (و غيره) كالبيع والشراء اهـ شيخنا.\rقوله: (المسبلة) نعت للربط فلو قدمه بجنبه لكان أوضح، وعبارة الخطيب: كبيوت الخانات والربط المسبلة اهـ.\rوفي الخازن: قيل: إن هذه البيوت هي الخانات والمنازل المبنية للنزول وإيواء المتاع فيها واتقاء الحر والبرد، وقيل: بيوت التجار وحوانيتهم في الأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو منفعتها فليس فيها استئذان. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن فيها لأن الاستئذان إنما جعل لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير استئذان اهـ.\rوقال عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجات فيها من البول والغائط اهـ خطيب.","part":5,"page":284},{"id":1770,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 285\rتظهرون وَما تَكْتُمُونَ (29) تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم يسلمون على أنفسهم\rقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عما لا يحل لهم نظره، ومن زائدة وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عما لا يحل لهم فعله بها ذلِكَ أَزْكى أي خير لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30) بالأبصار والفروج فيجازيهم عليه\rوَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ عما لا قوله: (و سيأتي) أي: في آخر السورة، ومراد بهذا بيان مفهوم قوله: هنا غير بيوتكم، وعبارته:\rفيما سيأتي في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: 61] نصها بيوتا لا أهل لكم بها فسلموا على أنفسكم أي: قولوا السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم اهـ.\rقوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ الخ شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا أوليا، ومفعول الأمر أمر آخر قد حذف تعويلا على دلالة جوابه أي: قل لهم غضوا فيغضوا من أبصارهم اهـ أبو السعود.\rقوله: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ الغض: إطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية اهـ سمين.\rوفي المصباح: غض الرجل صوته وطرفه ومن صوته ومن طرفه غضا من باب قتل خفض، ومنه يقال: غض من فلان غضا وغضاضة إذا انتقصه اهـ.\rوأدغم أحد المثلين هنا في الثاني بخلاف قوله الآتي يغضضن، وذلك لأن الثاني هنا متحرك فأدغم فيه الأول وفيما سيأتي ساكن فلم يتأت إدغام الأول فيه أشار له القرطبي.\rقوله: (و من) أي: في قوله من أبصارهم زائدة أي: يغضوا أبصارهم كما في قوله: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [الحاقة: 47] وهذا قول الأخفش ومنه سيبويه، ويجوز أن تكون للتبعيض، وعليه اقتصر القاضي كالكشاف لأنه يعفي عن النظر أول نظرة تقع من غير قصد، ويجوز أن تكون لبيان الجنس قاله أبو البقاء وفيه نظر من حيث إنه لم يتقدم مبهم يكون مفسرا بمن، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية قاله ابن عطية وعليه اقتصر أبو حيان في النهر، فإن قيل: كيف دخلت من في غض البصر دون حفظ الفرج؟\rفالجواب: أن ذلك دليل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الإماء المستعرضات للبيع، وأما الفروج فمضيق اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أفعل أما مجرد على معنى التفضيل، أو المراد أنه أزكى من كل شيء نافع أو بعيد عن الريبة اهـ شهاب.\rقوله: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ أمر اللّه سبحانه المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه كقصده منها. وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس إبليس على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر اهـ قرطبي.","part":5,"page":285},{"id":1771,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 286\rيحل لهن نظره وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ عما لا يحل لهن فعله بها وَلا يُبْدِينَ يظهرن زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني يحرم لأنه مظنة الفتنة، ورجح حسما للباب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ الخفية وهي ما عدا الوجه والكفين إِلَّا وقد اشتملت هذه الآية على خمسة وعشرين ضميرا للإناث ما بين مرفوع ومجرور ولم يوجد لها نظير في القرآن في هذا الشأن اهـ كرخي.\rقوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ المراد بها هنا البدن الذي هو محل الزينة وهي في الأصل ما يتزين به كالحلى، ويدل على هذا المراد تفسيره المستثنى بالوجه والكفين، وكذلك يراد بها البدن في قوله:\rوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ الخ. وأما في قوله: لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ، فالمراد بها ما يتزين به بدليل قوله: (من خلخال الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: (في أحد وجهين) متعلق بيجوز. قوله: (حسما للباب) أي: باب النظر عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية اهـ.\rوفي المصباح: حسمه حسما من باب ضرب فانحسم بمعنى قطعه فانقطع، وحسمت العرق على حذف مضاف، والأصل حسمت دم العرق إذا قطعته ومنعته السيلان بالكي بالنار، ومنه قيل للسيف حسام لأنه قاطع لما يأتي عليه، وقولهم: حسما للباب أي قطعا للوقوع قطعا كليا اهـ.\rقوله: وَلْيَضْرِبْنَ ضمنه معنى يلقين فعداه بعلى، والباء: زائدة أو تبعيضية أي: يلقين خمرهن على جيوبهن اهـ سمين.\rقوله: عَلى جُيُوبِهِنَ بضم الجيم وكسرها سبعيتان، والمراد بالجيب هنا محله وهو العنق، وإلّا فهو في الأصل طوق القميص اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يسترن الرؤوس الخ) وقد كانت النساء على عادة الجاهلية يسدلن خمرهن من خلفهن فتبدو نحورهن وقلائدهن من جيوبهن لسعتها، فأمرت بإرسال خمرهن على جيوبهن سترا لما يبدو منها اهـ أبو السعود.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 286\r\rله: (أي يسترن الرؤوس الخ) وقد كانت النساء على عادة الجاهلية يسدلن خمرهن من خلفهن فتبدو نحورهن وقلائدهن من جيوبهن لسعتها، فأمرت بإرسال خمرهن على جيوبهن سترا لما يبدو منها اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالمقانع) جمع مقنع أو مقنعة بكسر الميم فيهما وهي ما يغطى به الرأس اهـ شيخنا.\rقوله: (الخفية) أي: فالزينة هنا أخص مما تقدم إذ هن فيه تشمل الظاهرة والخفية بدليل استثناء ما ظهر منها. وعبارة أبي السعود: وكرر النهي لاستثناء بعض مواضع الرخصة باعتبار الناظر بعدها استثنى بعض موارد الضرورة باعتبار المنظور انتهت.\rوفي الخطيب: ولا يبدين زينتهن أي: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين اهـ.\rقوله: إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ الخ حاصل هذه المستثنيات اثنا عشر نوعا آخرها أو الطفل اهـ شيخنا.","part":5,"page":286},{"id":1772,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 287\rلِبُعُولَتِهِنَ جمع بعل أي زوج أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج، وخرج بنسائهن الكافرات فلا يجوز للمسلمات الكشف لهنّ، وشمل ما ملكت أيمانهم العبيد أَوِ التَّابِعِينَ في فضول الطعام غَيْرِ بالجر قوله: أَوْ إِخْوانِهِنَ جمع أخ كالأخوة فهو جمع له أيضا. اهـ شيخنا الأخ لأمه محذوفة وهي واو وترد في التثنية على الأشهر فيقال: أخوان. وفي لغة يستعمل منقوصا فيقال: أخان وجمعه إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما وضمهما لغة وقل جمعه بالواو والنون، وعلى آخاء وزان آباء أقل والأنثى أخت وجمعها أخوات وهو جمع مؤنث سالم اهـ.\rقوله: أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَ أي: لكثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في طباع الفريقين من النفرة عن مماسة القرائب وعدم ذكر الأعمام والأخوال، لما أن الأحوط أن يتسترن منهم حذرا من أن يصفوهن لأبنائهم، والمعنى أن سائر القرابات تشترك مع الأب والابن في المحرمة إلا ابني العم والخال، وهذا من الدلالات البليغة في وجوب الاحتياط عليهن في النسب اهـ كرخي.\rقوله: أَوْ نِسائِهِنَ أي: النساء المختصة بهن من جهة الاشتراك في الإيمان فيخرج الكافرات، ولذا قال: وخرج بنسائهن الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فيجوز لهم) أي: لهؤلاء المذكورين بالاستثناء نظره أي: ما عدا الوجه والكفين، ولما كان شاملا للعورة وشمولها ليس مرادا فيما عد القسم الأول استثناها بقوله إلا ما بين السرة والركبة الخ والمذكورون بالاستثناء إلى هنا عشرة اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا يجوز للمسلمات التكشف لهن) أي: كشف ما لا يبدو عند الخدمة والشغل، أما كشف ما يبدو فيجوز عند حضور الكافرات وخرج بالتكشف لهن نظرهن أي المسلمات لهن أي للكافرات، فيجوز لغير ما بين السرة والركبة. وفي الكرخي: قوله: (فلا يجوز للمسلمات التكشف لهن) أي: لأنهن لسن من نساء المسلمات، ولأن الكافرة ربما تحكي المسلمة للكافر فلا تدخل الحمام معها، نعم يجوز أن ترى منها ما يبدو عند المهنة والكلام في كافرة غير مملوكة للمسلمة ولا محرم لها، أما هما فيجوز لهما النظر إليها، وكذا يجوز للمسلمة النظر للكافرة كما اقتضاه كلام أصحابنا اهـ.\rقوله: (و شمل ما ملكت أيمانهن العبيد) أي: فيجوز لهن أن يكشفن لهم ما عدا ما بين السرة والركبة، ويجوز للعبيد أيضا أن ينظروا له وأن يكشفوا لهن من أبدانهن ما عدا ما بين السرة والركبة، لكن بشرط العفة وعدم الشهوة من الجانبين اهـ شيخنا.\rقوله: أَوِ التَّابِعِينَ أي للنساء. قال ابن عباس: التابع هو الأحمق العنين، وقيل: هو الذي لا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن. وقيل: هو المجبوب، وقيل: هو الشيخ الهرم الذي ذهبت شهوته، وقيل: هو المخنث اهـ خازن.\rوعبارة الروضة: قلت: المختار في تفسير غير أولي الاربة أنه المغفل في عقله الذي لا يكترث","part":5,"page":287},{"id":1773,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 288\rصفة والنصب استثناء أُولِي الْإِرْبَةِ أصحاب الحاجة إلى النساء مِنَ الرِّجالِ بأن لم ينتشر ذكر كل أَوِ الطِّفْلِ بمعنى الأطفال الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا يطلعوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ للجماع فيجوز بالنساء ولا يشتهيهن كذا قاله ابن عباس وغيره واللّه أعلم. وأما المجبوب الذي بقي أنثياه، والخصي الذي بقي ذكره، والعنين والمخنث وهو المتشبه بالنساء والشيخ الهرم فكالفحل كذا أطلق الأكثرون.\rوقال في الشامل: لا يحل للخصي النظر إلا أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته وكذا المخنث، وأطلق أبو مخلد البصري في الخصي والمخنث وجهين، قلت: هذا المذكور عن الشامل قاله شيخه القاضي أبو الطيب، وصرح بأن الشيخ الذي ذهبت شهوته يجوز له ذلك لقوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ انتهت.\rقوله: (في فضول الطعام) أي: الذين لا غرض لهم في تبعية النساء إلا اكتساب الأكل من حولهن وليس لهم غرض في نظر ولا غيره، ولذلك قال: (بأن لم ينتشر ذكر كل) وهذا التفسير مشكل على مذهب الشافعي، لأنه المقرر فيه أنه يحرم عليهم النظر ويحرم التكشف لهم، وبعضهم فسر التابعين بالممسوحين وهو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ في المصباح: الأرب بفتحتين والإربة بالكسر والمأربة بفتح الراء وضمها الحاجة والجمع المآرب، والأرب في الأصل مصدر من باب تعب يقال: أرب الرجل إلى الشيء إذا احتاج إليه فهو آرب على فاعل، والإرب بالكسر يستعمل في الحاجة وفي العضو والجمع آراب مثل حمل وأحمال اهـ.\rقوله: مِنَ الرِّجالِ حال من التابعين، ومن تبعيضية أو من أولي، وأما قوله: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ الخ فقد تقدم في الحج أن الطفل يطلق على المثنى والمجموع، فلذلك وصف بالجمع. وقيل: لما قصد به الجنس روعي فيه الجمع، وعورات جمع عورة وهي ما يريد الإنسان ستره من بدنه وغلب في السوأتين، والعامة على عورات بسكون الواو وهي لغة عامة العرب سكنوها تخفيفا لحرف العلة، وقرأ ابن عامر في روايات عورات بفتح الواو ونقل ابن خالويه أنها قراءة ابن أبي إسحاق اهـ سمين.\rقوله: (بمعنى الأطفال) أي: فأل جنسية. قوله: (للجماع) متعلق بيظهروا المنفي أي: لم يطلعوا على عوراتهن لأجل الجماع أي: ليس لهم غرض في الاطلاع على العورات لأجل الجماع لعدم قوة الشهوة فيهم. وفي البيضاوي: لم يظهورا على عورات النساء لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة اهـ.\rوفي الروضة: وجعل الإمام أمر الصبي ثلاث درجات، إحداها: أن لا يبلغ أن يحكي ما رأى.\rوالثانية: أن يبلغه ولا يكون فيه ثوران شهوة. والثالثة: أن يكون فيه ذلك. فالأول حضوره كغيبته، ويجوز التكشف له من كل وجه، والثاني كالمحرم، والثالث كالبالغ، واعلم أن الصبي لا تكليف عليه، وإذا جعلناه كالبالغ فمعناه أنه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كما أنه يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعا. قلت: وإذا جعلنا الصبي كالبالغ لزم الولي أن يمنعه النظر كما يلزمه أن يمنعه من الزنا وسائر المحرمات واللّه أعلم اهـ.","part":5,"page":288},{"id":1774,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 289\rأن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ من خلخال يتقعقع وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) تنجون من ذلك لقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على الإناث\rوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ جمع أيم وهي من ليس لها زوج، بكرا كانت أو ثيبا، ومن قوله: (فيجوز أن يبدين لهم) أي: لهذين النوعين وهم التابعون والأطفال اهـ.\rقوله: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَ أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن ليقعقع خلخالهن فيعلم أنهن ذوات خلخال، فإن ذلك مما يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا إلى الرجال اهـ أبو السعود.\rوهذا سد لباب المحرمات وتعليم للأحوط وإلا فصوت النساء ليس بعورة عند الشافعي فضلا عن صوت خلخالهن اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم، وكذلك من ضرب بنعله الأرض من الرجال إن فعل ذلك عجبا حرم فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجا لم يحرم اهـ.\rقوله: مِنْ زِينَتِهِنَ بيان لما. قوله: (يتقعقع) أي: يصوت، أي: يظهر له صوت. وفي المصباح: القعقعة حكاية صوت السّلام ونحوه اهـ.\rقوله: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ العامة على فتح الهاء وإثبات ألف بعد الهاء وهي ها التي للتنبيه، وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف: يا أيه الساحر، وفي الرحمن: أيه الثقلان بضم الهاء وصلا، فإذا وقف سكن.\rووجهها أنه لما حذفت الألف لالتقاء الساكنين استثقلت الفتحة على حرف خفي، فضمت الهاء اتباعا للرسم، وقد رسمت هذه المواضع الثلاثة دون ألف فوقف أبو عمرو والكسائي بألف، والباقون بدونها اتباعا للرسم ولموافقة الخط للفظ، وثبتت في غير هذه المواضع حملا لها على الأصل نحو: يا أيها الناس، يا أيها الذين آمنوا. وبالجملة فالرسم سنة متبعة اهـ سمين.\rقوله: (تنجون من ذلك) أي: ما وقع منكم، وقوله: (تغليب) الذكور أي في قوله: وَتُوبُوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الخطاب للأولياء والسادة، وفيه دليل على وجوب تزويج المولية والمملوك وذلك عند طلبها وطلبه، وإشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به إذ لو استبدا لما وجب على الولي والسيد اهـ بيضاوي.\rوهذا الأمر للوجوب إن كانت المرأة محتاجة للنكاح لعدم نفقة أو خوف زنا، أو كان الرجل محتاجا لخوف الزنا فإن لم تكن حاجة كان الأمر للإباحة عند الشافعي، وللندب عند مالك وأبي حنيفة اهـ من القرطبي.\rوفي السمين: قوله: الْأَيامى جمع أيم بزنة فيعل يقال منه آم يئيم كباع يبيع، وقياس جمعه أيائم كسيد وسيائد، وآيامى فيه وجهان، أظهرهما: من كلام سيبويه حرمه اللّه تعالى أنه جمع على","part":5,"page":289},{"id":1775,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 290\rليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر وَالصَّالِحِينَ أي المؤمنين مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ وعباد من جموع عبد إِنْ يَكُونُوا أي الأحرار فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بالتزوج مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ لخلقه عَلِيمٌ (32) بهم\rوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً أي ما ينكحون به من مهر ونفقة عن الزنا حَتَّى فعالى غير مقلوب وكذلك يتامى، وقيل: إن الأصل أيايم ويتايم في أيم ويتيم فقلبا. وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهم إني أعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم». قلت: أما العيمة بالمهملة فشدة شهوة اللبن وبالمعجمة شدة العطش، والأيمة طول العزبة، والكزم شدة شهوة الأكل، والقرم شدة شهوة اللحم اهـ.\rقوله: (و هي من) أي: امرأة ليس لها زوج. وقوله: (و من ليس) أي رجل ليس له زوج أي زوجة أي سواء كان أيضا بكرا أو ثيبا. والحاصل؛ أن لفظ الأيم يطلق على كل من المرأة والرجل الغير المتزوجين اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذا في الأحرار والحرائر) أي: بقرينة قوله: وَإِمائِكُمْ اهـ كرخي.\rقوله: وَالصَّالِحِينَ (أي المؤمنين) أو أريد بالصلاح القيام بحقوق النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها وتقوم الأمة بما يلزم للزوج، أو أن المراد بالصلاح أن ألّا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح، وخص الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في المودة فكانوا مظنة التوصية والاهتمام بهم، ومن ليس بصالح فحاله على العكس من ذلك. وظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه وإنما يتولى تزويجه سيده، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه فيكون توليه بإذنه بمنزلة تولي السيد، فأما الإماء فإن السيد يتولى تزويجهن خصوصا على قول من لا يجوز النكاح إلا بولي اهـ كرخي.\rقوله: (من جموع عبد) أي: رقيق أي: وله جموع غير هذا كعبيد وأعابد وأعبد فالجمع الذي هنا من جملتها اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ رد لما عسى يمنع من النكاح، والمعنى لا يمنعن فقرا لخاطب أو المخطوبة من المناكحة، فإن في فضل اللّه غنية عن المال فإنه غاد ورائح، أو وعد من اللّه بالإغناء لقوله عليه الصلاة والسّلام: «اطلبوا الغنى بالتزويج» لكنه مشروط بالمشيئة لقوله تعالى:\rوَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: 28] اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي الأحرار) أي: الذين هم من جملة الأيامى المذكورين بقوله: (و من ليس له زوج) اهـ.\rقوله: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ الخ أي: ليجدوا ويجتهدوا في طلب العفة أي: تحصيل أسبابها وقهر النفس على تحمل مشاق الشهوة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ما ينكحون به الخ) أي: فهو مصدر بمعنى اسم المفعول ككتاب بمعنى مكتوب اهـ.","part":5,"page":290},{"id":1776,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 291\rيُغْنِيَهُمُ اللَّهُ يوسع عليهم مِنْ فَضْلِهِ فينكحون وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ بمعنى المكاتبة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً أي أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة. وصيغتها، مثلا: كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف، فإذا أديتهما فأنت حر، فيقول قبلت وَآتُوهُمْ أمر للسادة مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم، وفي معنى الإيتاء حط شيء مما التزموه وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ أي إمائكم عَلَى الْبِغاءِ أي الزنا إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً تعففا عنه، وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط لِتَبْتَغُوا بالإكراه قوله: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر الجملة المقرونة بالفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط، ويجوز نصبه بفعل مقدر يفسره المذكور من باب الاشتغال وهو الأرجح لمكان الأمر اهـ سمين.\rقوله: (بمعنى المكاتبة) أي: عقد الكتابة وهي مفاعلة لأن السيد كتب على نفسه العتق، والعبد كتب على نفسه النجوم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أمانة) أي: في دينه لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق، وقوله: (و قدرة على الكسب) أي بحرفة أو غيرهما، وهذا الشرطان إنما هما لندب الكتابة واستحبابها، فالأمر في الآية للندب، أما الجواز فلا يتقيد بما ذكر بل تجوز كتابته وتصح ولو كان خائنا عاجزا اهـ شيخنا.\rقوله: وَآتُوهُمْ أي: أعطوهم والأمر للوجوب. قوله: (و في معنى الإيتاء حط شيء) أي: بل هو أفضل لأن القصد من الحط الإعانة على العتق وهي محققة فيه متوهمة في الإيتاء، فقد يصرف المكاتب المدفوع في غير جهة الكتابة. قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ جمع فتاة، وفي المختار: والفتى الشاب والفتاة الشابة وقد فتي بالكسر فتاء بالفتح والمد فهو فتى السن بين الفتاء، والفتى أيضا السخي الكريم وجمع الفتي في القلة فتية وفي الكثرة فتيان وجمع الفتاة فتيات اهـ.\rقوله: عَلَى الْبِغاءِ البغاء: مصدر بغت المرأة تبغي بغاء أي: زنت وهو مختص بزنا النساء، ولا مفهوم لهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن اهـ سمين.\rوفي المصباح: وبغت المرأة تبغي بغاء بالكسر والمد من باب رمى فجرت وهي بغي، والجمع البغايا وهو وصف مختص بالمرأة فلا يقال للرجل بغي قاله الأزهري. والبغي: القينة وإن كانت عفيفة لثبوت الفجر لها في الأصل قاله الجوهري، ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب، والأمة تباغي أي تزاني اهـ.\rقوله: (محل الإكراه) أي: لا يتصور الإكراه ولا يتحقق إلا عندها، وأما عند ميلهن للزنا فهو بدواعيهن واختيارهن فلا يتصور الإكراه حينئذ، فالتقيد بالشرط لأجل تحقق الإكراه المنهي عنه اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا مفهوم للشرط) أي: لما يشعر به من جواز الإكراه عند انتفاء هذه الإرادة مع أن الإكراه على الزنا حرام، وإن لم يردن التحصن نعم فائدته في الآية المبالغة في النهي عن الإكراه يعني: أنهن إذا","part":5,"page":291},{"id":1777,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 292\rعَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت في عبد اللّه بن أبيّ كان يكره جواريه على الكسب بالزنا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ لهن رَحِيمٌ (33) بهن\rوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ بفتح الياء وكسرها في هذه السورة بين فيها ما ذكر أو بينة وَمَثَلًا خبرا عجيبا وهو خبر عائشة مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ أردت العفة فالسيد أحق بإرادتها فلا يكرهها، وقيل: معنى قوله إن أردن تحصنا أي إذا أردن، وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا كقوله عز وجل: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] أي: إذا كنتم مؤمنين اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: وقوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا وإخراج ما عداها من حكمه، كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان أو لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة، بل للمحافظة على عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح اهـ.\rقوله: (يكره جواريه) وكن ستا فشكا منهن اثنتان للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَ جملة وقعت جزاء للشرط والعائد على اسم الشرط محذوف تقديره غفور لهم، وقدره الزمخشري فإن اللّه غفور لهن، وعلى هذا الثاني يلزم خلو جملة الجزاء عن رابط يربطها باسم الشرط. وقد ضعف الإمام الرازي تقدير لهم ورجح تقدير لهن، ولما قدر الزمخشري لهن أورد سؤالا فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن لأن المكرهة على الزنا غير آثمة بخلاف المكره. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف أو فوات عضو حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة اهـ سمين.\rوقوله: (قلت لعل الإكراه إلخ) وأجاب أبو السعود هذا بجواب آخر فقال: بل لهن حاجة إلى المغفرة وحاجتهن إليها المنبئة عن سابقة الإثم، إما باعتبار أنهن وإن كن مكرهات لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما بحكم الجبلة البشرية، وإما باعتبار أن الإكراه قد يكون قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار بالمرة، وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبيت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرهين بيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة لو لا أن تداركتهن المغفرة والرحمة مع قيام العذر في حقهن فما حال من يكرهن في استحقاق العقاب اهـ.\rقوله: (بين فيها ما ذكر) راجع للفتح، وقوله: (أو بينة) راجع للكسر، فهو من بيّن بمعنى تبين وفي نسخة متبينة وهو أيضا راجع للكسر أي: تبين ما في هذه السورة من الأحكام فهو على النسخة الأولى من اللازم، وعلى الثاني من المتعدي اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: آيات مبينات يعني الآية التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة والكسائي بالكسر لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود اهـ.","part":5,"page":292},{"id":1778,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 293\rقَبْلِكُمْ أي من جنس أمثالهم، أي أخبارهم العجيبة كخبر يوسف ومريم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) في قوله تعالى:\rوَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ الخ، لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ الخ، وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ الخ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا الخ، وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي منورهما بالشمس والقمر مَثَلُ نُورِهِ أي صفته قوله: وَمَثَلًا عطف على آيات. قوله: (أي من جنس أمثالهم) أي: مشابها لأخبارهم في الغرابة. هذا هو المراد بالجنسية، وأشار الشارح بذلك إلى أن الآية على تقدير مضافين اهـ شيخنا.\rقوله: (أي منورهما الخ) إنما أوله باسم الفاعل، لأن حقيقة النور كيفية أي عرض يدرك بالبصر فلا يصح حمله على الذات الأقدس اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهذا بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك: زيد عدل بمعنى ذو عدل، أو على تجوز إما بمعنى منور السموات والأرض، وقد قرئ به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وبما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء، أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: فلان نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور أو موجدهما، فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم واللّه تعالى موجود بذاته موجد لما عداه. وقال ابن عباس: معنى اللّه نور السموات والأرض هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشرافه، أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما اهـ.\rوفي القرطبي: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل: المعنى أي: به وبقدرته أنارت أضواؤهما واستقامت أمورهما وقامت مصنوعاتهما، فالكلام على التقريب للذهن كما يقال الملك نور أهل البلد أي: به قوام أهلها وصلاح جملتها لجريان أموره على سنن السداد فهو في الملك مجاز وفي اللّه حقيقة محضة، أو هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء جمع المبصرات. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض. وقال أبي بن كعب، والحسن: مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال ابن عباس، وأنس: المعنى أنه هادي أهل السموات والأرض والأول أعم للمعاني وأصح من التأمل اهـ.\rقوله: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ مبتدأ وخبره وهذه الجملة إيضاح لما قبلها وتفسير فلا محل لها، وثم مضاف محذوف أي: كمثل مشكاة. قال الزمخشري: أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كمشكاة أي كصفة مشكاة، واختلفوا في هذا التشبيه هل هو تشبيه مركب أي: أنه قصد فيه تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هداه وإتقانه صنعته في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي تتخذونه وهو أبلغ صفات النور عندكم أو تشبيه غير مركب أي:\rقصد مقابلة جزء بجزء. وهل المشكاة عربية أم حبشية معربة خلاف ورسمت بالواو كالصلاة والزكاة،","part":5,"page":293},{"id":1779,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 294\rفي قلب المؤمن كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ هي القنديل، والمصباح السراج أي الفتيلة والمصباح: السراج الضخم، والزجاجة: واحدة الزجاج وهو جوهر معروف وفيه ثلاث لغات: فالضم لغة الحجاز وهو قراءة العامة، والكسر والفتح لغة قيس، وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد، وبالكسر نصر بن عاصم في رواية عنه وأبو رجاء، وكذلك الخلاف في قوله:\rالزُّجاجَةُ والجملة من قوله: فِيها مِصْباحٌ صفة لمشكاة، ويجوز أن يكون الجار وحده هو الوصف ومصباح مرتفع به فاعلا اهـ سمين.\rوما ذكره من أنها ترسم بالواو، ويؤيده ذكر أهل اللغة لها فيما آخره واو. وفي القرطبي: قوله:\rمَثَلُ نُورِهِ أي: صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نورا، وقد سمى اللّه تعالى كتابه نورا فقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء: 174] وسمي نورا فقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15] وهدى لأن الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول. ووجه الإضافة إلى اللّه تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها، وتحمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثل بجزء من الممثل به بل وقع الشتبيه فيه لجملة بجملة، وذلك أن يريد مثل نور اللّه الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، فمثل نور اللّه في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر اهـ.\rقوله: (أي صفته) أي: العجيبة في قلب المؤمن. أي: الذي هو في الصدر الكائن في البدن فالمشبه فيه أربعة أمور متداخلة البدن فيه الصدر فيه القلب فيه النور كالمشكاة فيها الزجاجة فيها المصباح فيه النور اهـ شيخنا.\rوالذي في قلب المؤمن هو العلوم والمعارف، وعلى هذا يكون في الكلام استخدام حيث فسّر النور أولا بمعنى منور تنويرا حسيا، وفسر الضمير بالنور الذي في قلب المؤمن وهو معنوي، وسيفسر الضمير في قوله: يهدي اللّه لنوره من يشاء بالإسلام، فعليه يكون في الكلام استخدام آخر فليتأمل.\rقوله: (هي القنديل) بكسر القاف كما في القاموس. قوله: (الموقودة) صوابه الموقدة. قوله: (الطاقة غير النافذة) قيد به لأنها حينئذ أجمع للنور فيكون فيما أقوى مما لو كانت نافذة، وقوله: (أي الأنبوبة) أي السنبلة التي في القنديل، وهذا تفسير آخر للمشكاة حكاه البيضاوي فقيل: فهو مقابل لتفسيرها بالطاقة، فكان على الشارح أن يقول أو الأنبوبة فيعبر بأو فيكون معطوفا على الطاقة، ويكون المعنى قيل هي الطاقة، وقيل: الأنبوبة اهـ شيخنا.\rونص البيضاوي: كمشكاة وهي الكوة الغير النافذة، وقيل: المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل اهـ.\rوفي السمين: والمشكاة الكوة غير النافذة، وقيل: هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت، وقيل: هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح، وقيل: ما يتعلق فيه القنديل من الحديدة اهـ.","part":5,"page":294},{"id":1780,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 295\rالموقودة، والمشكاة الطاقة غير النافذة أي الأنبوبة في القنديل الزُّجاجَةُ كَأَنَّها والنور فيها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ أي مضيء بكسر الدال وضمها من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام، وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدر: اللؤلؤ يُوقَدُ المصباح بالماضي وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيا للمفعول بالتحتانية وفي أخرى توقد بالفوقانية أي الزجاجة مِنْ زيت شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ بل بينهما فلا يتمكن منها حر ولا برد مضرين يَكادُ زَيْتُها قوله أيضا: (الطاقة غير النافذة) أي: لأنها أجمع للضوء والمصباح فيها أكثر إضاءة منه في غيرها، فصار المعنى كمثل نور مصباح في مشكاة في زجاجة، ومثل اللّه نوره أي: معرفته في قلب المؤمن بنور المصباح دون نور الشمس مع أن نورها أتم، لأن المقصود تمثيل النور في القلب، والقلب في الصدر، والصدر في البدن بالمصباح، والمصباح في الزجاجة، والزجاجة في القنديل وهذا التمثيل لا يستقيم إلا فيما ذكر أو لأن نور المعرفة له آلات يتوقف هو على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظة وغيرها، أو لأن نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي ونور المعرفة يشرق متوجها إلى العالم العلوي كنور المصباح، ولكثرة نفع الزيت وخلوصه عما يخالطه غالبا وقع التشبيه في نوره دون نور الشمس مع أنه أتم من نور المصباح اهـ كرخي.\rقوله: (و النور فيها) أي: والحال. قوله: (بمعنى الدفع) عبارة المختار: الدرء الدفع وبابه قطع ودرأ طلع مفاجأة وبابه خضع، ومنه كوكب دري كسكين كثرة توقده وتلألؤه، ودري بالضم منسوب إلى الدر، وقرئ دريء بالضم والهمزة ودرىء بالفتح والهمزة، وتدارأتم: تدافعتم واختلفتم اهـ.\rقوله: (منسوب إلى الدر) أي: على وجه التشبيه في الصفاء والإشراق اهـ شيخنا.\rقوله: (مبنيا للمفعول) حال من مضارع أوقد، وكذا قوله بالتحتانية، وقوله وفي أخرى بالفوقانية، وعليها يكون الضمير راجعا للزجاجة، فلذلك قال الشارح أي: الزجاجة على تقدير مضاف أي: فتيلة الزجاجة، إذ هي تتصف بالإيقاد اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ شَجَرَةٍ من لابتداء الغاية على حذف مضاف أي: من زيت شجرة. وزيتونه فيها قولان، أشهرهما: أنها بدل من شجرة. الثاني: أنها عطف بيان وهذا مذهب الكوفيين وتبعهم أبو علي، وقد تقدم هذا في قوله: مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: 16] اهـ سمين.\rقوله: مُبارَكَةٍ قال ابن عباس: في الزيتون منافع يسرج بزيته وهو ادام ودباغ ووقود يوقد بحطبه وثقله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسم، وهو أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان ونبتت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة منهم إبراهيم، ومنهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه قال مرتين: «اللهم بارك في الزيت والزيتون» اهـ قرطبي.\rقوله: لا شَرْقِيَّةٍ صفة لشجرة ودخلت لا لتفيد النفي، وقرأ الضحاك بالرفع على إضمار مبتدأ أي: لا هي شرقية، والجملة أيضا في محل جر نعت لشجرة اهـ سمين.\rقوله أيضا: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أي: بحيث تقع الشمس عليها حينا دون حين، بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة أو صحراء واسعة، فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى، أو لا","part":5,"page":295},{"id":1781,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 296\rيُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ لصفاته نُورُ به عَلى نُورٍ بالنار، ونور اللّه أي هداه للمؤمن نور نابتة في شرق المعمورة ولا في غربها بل وفي وسطها وهو الشام، فإن زيتونه أجود الزيتون أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها، ولا في مقنأة أي: مكان لا تطلع الشمس عليه بل تغيب عنها دائما فتتركها فيئا. وفي الحديث: «لا خير في شجرة ولا في نبات في مقنأة ولا خير فيهما في مضحى» اهـ بيضاوي.\rوالمقنأة: بقاف ونون مفتوحة أو مضمومة فهمزة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس اهـ زكريا. وقد تحذف الهمزة اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: اختلف العلماء في قوله: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ فقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة وغيرهم: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت لأن لها سترا، والغربية عكسها أي: أنها شجرة في صحراء أو في منكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية بل هي شرقية. وقال ابن زيد:\rإنها من شجر الشأم لا شرقي ولا غربي، وشجر الشام أفضل الشجر وهي الأرض المباركة، وشرقية نعت لزيتونة ولا ليست تحول بين النعت والمنعوت ولا غربية عطف عليه اهـ.\rقوله: (فلا يتمكن منها حر) أي: لكونها غير شرقية، ولا برد أي لكونها غير غربية، وقوله:\r(مضرين) هذا هو محط النفي وهو حال. قوله: يَكادُ أي: يقرب زيتها. وهذه الجملة نعت أيضا لشجرة اهـ سمين.\rقوله: وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي: على كل حال أي: سواء مسته النار أو لم تمسه. وفي السمين:\rقوله: وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ جواب لو محذوف أي: لأضاء لدلالة ما تقدم عليه والجملة حال، وقد تقدم تحرير هذا في قولهم: لا تردوا السائل ولو جاء على فرس، وأنها لاستقصاء الأحوال أي: حتى في هذه الحال. وقرأ ابن عباس، والحسن: يمسسه بالياء لأن المؤنث مجازي ولأنه قد فصل بالمفعول أيضا اهـ.\rوفي القرطبي: قال ابن العربي: قال ابن عباس: هذا مثل نور اللّه وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإن مسته النار زاد ضوءه، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم زاد هدى على هدى ونور على نور، كقلب إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة، قال: هذا ربي من قبل أن يخبره أحد بأن له ربا، فلما أخبره اللّه أنه ربه زاد هدى قال له ربه: أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين اهـ.\rقوله: نُورُ (به) أي: بالزيت يعني: من غير نار على نار، أي: نور حاصل بالزيت كائن على نور، وقوله: عَلى نُورٍ بالنار أي: مع نور بالنار أي كائن بها وناشىء عنها فعلى بمعنى مع اهـ شيخنا.\rونور: مبتدأ وعلى نور خبره ما هو المتبادر من صنيع الشارح وفي أبي السعود: نور خبر مبتدأ محذوف، وقوله: عَلى نُورٍ متعلق بمحذوف هو صفة مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، أي:\rذلك النور بنور عظيم كائن على نور كذلك لا على أنه عبارة عن نور واحد معين أو غير معين فوق نور","part":5,"page":296},{"id":1782,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 297\rعلى نور الإيمان يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي دين الإسلام مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ يبين اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ تقريبا لأفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) ومنه ضرب الأمثال\rفِي بُيُوتٍ متعلق بيسبح الآتي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ تعظم وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بتوحيده يُسَبِّحُ آخر مثله ولا عن مجموع نورين اثنين فقط، بل عبارة عن نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحد معين وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة اهـ.\rقوله: (و نور اللّه أي هداه الخ) أي: فالمشبه نور مجموع من نورين نور الهدى ونور الإيمان، والمشبه به نور مجموع من نورين نور الزيت الخلقي ونور المصباح الموقد فيه اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: نور على نور أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى الزجاجة وإلى ضوء الزيت، فصار كذلك نورا على نور واشتعلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون، وكذلك براهين اللّه واضحة وهي برهان بعد برهان وتنبيه بعد تنبيه، كإرسال الرسل وإنزال الكتب ومواعظ تكرر فيها لمن له عقل معتبر اهـ.\rوفي البيضاوي: وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه، الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح، وإنما ولى الكاف المشكاة لاشتمالها عليه وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس، أو تمثيل لما نور اللّه به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المثبت فيها من مصباحها اهـ.\rقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أي: فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها اهـ بيضاوي.\rقوله: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ أي: تقريبا للمعقول من المحسوس اهـ بيضاوي.\rقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو خفيا اهـ بيضاوي.\rقوله: فِي بُيُوتٍ فيه ستة أوجه، أحدها: أنه صفة لمشكاة أي: كمشكاة في بيوت، أي: في بيت من بيوت اللّه. الثاني: أنه صفة لمصباح. الثالث: أنه صفة لزجاجة. الرابع: أنه متعلق بتوقد، وعلى هذه الأقوال لا يوقف على عليم. الخامس: أنه متعلق بمحذوف كقوله في تسع آيات، أي:\rسبحوه في بيوت. السادس: أنه متعلق بيسبح أي: يسبح رجال في بيوت ولفظ فيها تكرار للتوكيد كقوله: فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها [هود: 108] وعلى هذين القولين فيوقف على عليم اهـ سمين.\rقيل: المراد بالبيوت هنا جميع المساجد، فقد قال ابن عباس: بيوت اللّه في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، وقيل: المراد بها أربعة مساجد لم يبنها إلا نبيّ الكعبة، بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبية، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة ومسجد قباء بناهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rقوله: (متعلق بيسبح) وعلى هذ الإعراب إنما أعيد لفظ فيها للتأكيد والتذكير والإيذان بأن التقديم للاهتمام لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط اهـ أبو السعود","part":5,"page":297},{"id":1783,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 298\rبفتح الموحدة وكسرها أي يصلي لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ مصدر بمعنى الغدوات أي البكر قوله: أَذِنَ اللَّهُ الخ في محل جر صفة لبيوت، وأن ترفع على حذف الجار أي: في أن ترفع، ولا يجوز تعلق في بيوت بقوله: ويذكر لأنه عطف على ما في حيز أن وما بعد أن لا يتقدم عليها اهـ سمين.\rقوله: (تعظم) أي: بحيث لا يذكر فيها الفحش من القول، وبحيث تطهر عن النجاسات والأقذار اهـ خازن.\rوفي الكرخي: أذن اللّه أي: أمر أن ترفع أي: تعظم أو ترفع بالبناء قدرا لتطهيرها عما لا يليق بها اهـ.\rوفي القرطبي: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد ورأى أنه من البدع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتنظيفها وتطييبها فقال:\r«جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وجمروها في الجمع واجعلوا لها على أبوابها المطاهر» اهـ.\rقوله: (بتوحيده) أي: قوله لا إله إلا اللّه. وفي الخازن: ويذكر فيها اسمه، قال ابن عباس: يتلى فيها اسمه اهـ.\rقوله: يُسَبِّحُ (بفتح الموحدة الخ) عبارة السمين: قرأ أبو بكر، وابن عامر بفتح الباء مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاث والأول منها أولى لاحتياج العامل إلى مرفوعه فالذي يليه أولى. ورجال على هذه القراءة مرفوع على أحد وجهين: إما بفعل مقدر لتعذر إسناد الفعل إليه وكأنه جواب سؤال مقدر، فكأنه قيل: من يسبحه فقيل يسبحه رجال، الثاني أن رجال خبر مبتدأ أي: المسبح رجال، وعلى هذه القراءة يوقف على الآصال، وباقي السبعة بكسر الباء مبنيا للفاعل والفاعل رجال ولا يوقف على الآصال اهـ.\rقوله: (أي يصلي) أي: صلاة الصبح في الغدو، وصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الآصال كما أشار له بقوله: (من بعد الزوال) اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ قال أهل التفسير: أراد به الصلاة المفروضة، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت كله، وقيل: أراد به الصبح والعصر روي عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من صلّى البردين دخل الجنة» أراد بالبردين صلاة الصبح وصلاة العصر، وقال ابن عباس: التسبيح بالغدو صلاة الضحى، وعن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر المحرم، ومن خرج إلى المسجد إلى تسبيح الضحى لا يقصد إلا ذلك كان أجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» أخرجه أبو داود اهـ.\rقوله: (مصدر) أي: في الأصل من باب سما، وأما هنا فالمراد منه الأزمنة كما قال اهـ.","part":5,"page":298},{"id":1784,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 299\rوَالْآصالِ (36) العشايا من بعد الزوال\rرِجالٌ فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل من يسبحه لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ أي شراء وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ حذف هاء إقامة تخفيف وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ تضطرب فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (37) من الخوف، القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال هو يوم القيامة\rلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي ثوابه وأحسن وقوله: (بمعنى الغدوات) بضم الدال وفتحها وسكونها، وقوله: (أي البكر) جمع بكرة كغرفة وغرف وهي أول النهار، وقوله: (العشايا) جمع عشية وهي آخر النهار اهـ شيخنا.\rقوله: رِجالٌ خصوا بالذكر لأن النساء ليس عليهن حضور المسجد لجمعة ولا لجماعة اهـ خازن.\rقوله: (نائب الفاعل له) أي: لفظ له. قوله: لا تُلْهِيهِمْ في محل رفع صفة لرجال اهـ سمين.\rقوله: (أي شراء) أفاد به أنه أريد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعا لأنه ذكر البيع بعده كقوله: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً [الجمعة: 11] يعني الشراء. أو أن التجارة جنس يدخل تحته أنواع الشراء والبيع، وإنما خص البيع بالذكر لأن الالتهاء والاشتغال به أعظم لكون الربح الحاصل من البيع معينا ناجزا، والربح الحاصل من الشراء مشكوك فيه مستقبل فلا يرد لم عطف البيع على التجارة مع شمولها له اهـ كرخي.\rقوله: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي: عن حضور المساجد لإقامة الصلاة اهـ خازن.\rقوله: وَإِقامِ الصَّلاةِ أي: أدائها في وقتها جماعة، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة. روى سالم، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر رضي اللّه عنه: فيهم نزلت هذه الآية رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ اهـ خازن.\rقوله: يَخافُونَ يَوْماً يجوز أن يكون نعتا ثانيا لرجال، وأن يكون حالا من مفعول تلهيهم، ويوما: مفعول به لا ظرف على الأظهر، وتتقلب: صفة ليوما اهـ سمين.\rيعني أن هؤلاء الرجال وإن بالغوا في ذكر اللّه تعالى والطاعات فإنهم مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا للّه حق عبادته، وقيل: إن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار، وقيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وتنفتح الأبصار من الأغطية، وقيل: تتقلب الأبصار من هول ذلك اليوم فتخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتتقلب الأبصار من هول ذلك اليوم من أي ناحية يؤخذ بهم، أمن ذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون كتبهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال. وقيل: يتقلب القلب في الجوف فيرتفع إلى الحنجرة فلا ينزل ولا يخرج، ويتقلب البصر فيشخص من هول الأمر وشدته اهـ خازن.\rقوله: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يجوز تعلقه بيسبح أي: يسبحون لأجل الجزاء ويجوز تعلقه بمحذوف أي: فعلوا ذلك ليجزيهم اللّه، وظاهر كلام الزمخشري أنه من باب الإعمال فإنه قال: والمعنى يسبحون","part":5,"page":299},{"id":1785,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 300\rبمعنى حسن وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (38) يقال: فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ جمع قاع أي في ويخافون ليجزيهم ويكون من إعمال الثاني للحذف من الأول اهـ سمين.\rوالأظهر أن هذه اللام لام العاقبة والصيرورة لام العلة الباعثة اهـ.\rقوله: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: فلا يقتصر في إعطائهم على جزاء أعمالهم، بل يزيدهم من العطايا ما يليق بفضله اهـ خازن.\rوفي أبي السعود: ويزيدهم من فضله أي: يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو بمقاديرها ولم يخطر ببالهم كيفياتها ولا كمياتها، بل إنما وعدت بطريق الأجمال في مثل قوله تعالى:\rلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: 26] وقوله عليه السّلام حكاية عنه عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وغير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فإنه تذييل مقرر للزيادة ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجور أعمالهم من الخيرات بما لا يفي به الحساب اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وضع الموصول موضع ضمير هم للتنبيه بما في حيز الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية، وذلك تنبيه على كمال قدرته وكمال جوده وسعة إحسانه، فكأنه تعالى لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة وهم مع ذلك في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعتهم ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم. قال الزمخشري: واللّه يرزق يتفضل بغير حساب. قال الطيبي: يعني أن يرزق يجب أن يقيد بأحد المذكورين الجزاء أو التفضل، والأول ممتنع لأنه بمعنى الثواب والثواب له حساب فلا يقال فيه بغير حساب، فيقي أن يقيد بالثاني ويقال: واللّه يرزق ما يتفضل به بغير حساب اهـ كرخي.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مبتد أول، وقوله: أَعْمالُهُمْ مبتدأ ثان، وقوله: كَسَرابٍ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون أعمالهم بدلا من الذين كفروا بدل اشتمال، وقوله:\rكسراب خبر عن الذين كفروا مع ملاحظة البدل منه أشار له القرطبي، وهذا شروع في بيان حال الكفار بضرب مثل لهم بعد أن بين حال المؤمنين بضرب مثل لهم بقوله: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ اهـ شيخنا.\rقوله: أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ أي: أعمالهم الصالحة كصدقة وعتق ووقف من كل ما لا يتوقف عل نية اهـ شيخنا.\rقوله: بِقِيعَةٍ أي: فيها، فالباء بمعنى في، وقوله: (جمع قاع) أي كجيرة جمع جار، وقيل:\rالقيعة مفرد بمعنى القاع، وقوله: (أي): فلاة هي الأرض المستوية اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والقيعة جمع القاع مثل جيرة وجار قاله الهروي، وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد حكاه النحاس، والقاع: ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت وفيه يكون السراب، وأصل القاع المنخفض الذي يستقر فيه الماء وجمعه قيعان. قال الجوهري: والقاع المستوي من","part":5,"page":300},{"id":1786,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 301\rفلاة، وهو شعاع يرى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري يَحْسَبُهُ يظنه الظَّمْآنُ أي العطشان ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مما حسبه كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقه ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله أي لم ينفعه وَوَجَدَ اللَّهَ الأرض والجمع أقواع وقيعان فصارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع وهو أيضا من الوادي، وبعضهم يقول: هو جمع اهـ.\rقوله: (يشبه الماء الجاري) وذلك لأنه يتراءى فيه الجريان كما ذكره القرطبي ونصه: والسراب ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر كالماء في المفاوز يلصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحى كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء، وسمي السراب سرابا لأنه يتسرب أي:\rيجري كالماء يقال: سرب الفحل أي: مضى وسار في الأرض ويسمى الآل أيضا، ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان اهـ.\rقوله: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ في المختار: حسبت زيدا صالحا بالكسر أحسبه بالفتح والكسر محسبة ومحسبة بكسر السين وفتحها وحسبانا بالكسر ظننته اهـ.\rوفي المصباح: وحسبت زيدا قائما أحسبه من بات تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس حسبانا بالكسر بمعنى ظننت اهـ.\rقوله: (أي العطشان) أي: وكذا غيره من كل من يراه، وخص الظمآن لأنه أحوج إليه من غيره فالتشبيه به أتم اهـ شيخنا.\rقوله: حَتَّى إِذا جاءَهُ غاية لمحذوف تقديره: ويقصده ولا يزال جائيا إليه حتى إذا جاءه أي:\rجاء ما ظنه ماء أو جاء موضعه اهـ شيخنا.\rقوله: لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً أي: لم يجد ما قدره وظنه شيئا، ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر يعتقد أن له ثوابا عند اللّه تعالى وليس كذلك، فإذا وافى في عرصة القيامة لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم، فعظمت حسرته وتناهى غمه فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب في البر تعلق قلبه به فإذا جاءه لم يجده شيئا، فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده أغنى عنه شيئا ولا نفعه اهـ خازن.\rقوله: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ معطوف على مقدر وهو ما قدره بقوله: (لم يجد عمله) الذي ذكره في حيز الغاية بقوله: (حتى إذا مات) الخ اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: فليست الجملة معطوفة على لم يجده شيئا بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا كأنه قيل: حتى إذا جاء الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في الآخرة لم يجدوها شيئا، ووجدوا اللّه أي: حكمه وقضاءه عند المجيء وقيل: عند العمل فوفاهم أي أعطاهم كاملا وافيا حسابهم، أي: حساب أعمالهم","part":5,"page":301},{"id":1787,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 302\rعِنْدَهُ أي عند عمله فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أي جازاه عليه في الدنيا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39) أي المجازاة\rأَوْ الذين كفروا أعمالهم السيئة كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ عميق يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ المذكورة وجزاءها، فإن اعتقادهم لنفعها بغير إيمان وعملهم بموجبه كفر على كفر موجب للعقاب قطعا، وإفراد الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا إما لإرادة الجنس كالظمآن الواقع في التمثيل، وإما للحمل على كل واحد منهم، وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم اهـ.\rوفي البيضاوي: ووجد اللّه أي وجد عقابه وزبانية عذابه أو وجده نفسه محاسبا إياه اهـ.\rوقوله: عِنْدَهُ أي عند السراب أو العمل، وقوله: أو وجده نفسه محاسبا إياه أي فالعندية بمعنى الحساب على طريق الكناية لذكر التوفية بعد اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: ووجد اللّه عنده أي وجد اللّه بالمرصاد فوفاه حسابه أي جزاء عمله، وقيل: وجد وعد اللّه بالجزاء على عمله، وقيل: وجد أمر اللّه عند حشره والمعنى متقارب اهـ.\rقوله: (أي جازاه عليه) أي: على عمله في الدنيا متعلق بجازاه، ويكون المعنى على هذا أنه وجد في الآخرة، وعلم فيها أن اللّه جازاه في الدنيا على عمله بالمال والبنين وغيرهما من لذات الدنيا اهـ شيخنا.\rوهذا المعنى بعيد من السياق جدا، إذ مقتضى السياق بطلان عمل الكافر وأنه لا نفع له أصلا، والذي حمله على هذا المعنى البعيد تقييد الشارح بقوله في الدنيا، وغيره من المفسرين لم يذكر هذا القيد. وعبارة أبي السعود: فوفاه أي: أعطاه وافيا كاملا حسابه أية حساب عمله المذكور وجزاءه، فإن اعتقاده لنفعه بغير إيمان وعمله بموجبه كفر على كفر موجب للعقاب قطعا اهـ.\rومفادها: أن المعنى أن اللّه في الآخرة يجازي الكافر بالعذاب على عمله في الدنيا، ويمكن على بعد أن يجعل قول الشارح في الدنيا حالا من العمل أي جازاه في الآخرة على عمله حال كونه أي العمل في الدنيا أي على العمل الذي عمله في الدنيا، فيكون الجزاء في الآخرة بالعقاب على العمل الذي عمله في الدنيا فتأمل.\rقوله: أَوْ كَظُلُماتٍ أو للتقسيم. أي: أن عمل الكافر قسمان، قسم كالسراب وهو العمل الصالح، وقسم كالظلمات وهو العمل السيىء اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أو كظلمات عطف على كسراب وأو للتخيير، فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لجج البحر والسحاب والأمواج، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن كانت سيئة فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة اهـ.\rقوله أيضا: أَوْ كَظُلُماتٍ فيه أوجه، أحدها: أنه نسق على كسراب على حذف مضاف واحد تقديره: أو كذي ظلمات ودل على هذا المضاف قوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف وهو قول أبي علي. الثاني: أنه على حذف مضافين تقديره: أو كأعمال ذي ظلمات","part":5,"page":302},{"id":1788,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 303\rفَوْقِهِ أي الموج مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ أي الموج الثاني سَحابٌ أي غيم هذه ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ظلمة البحر وظلمة الموج الأول وظلمة الثاني وظلمة السحاب إِذا أَخْرَجَ الناظر يَدَهُ في هذه الظلمات لَمْ يَكَدْ يَراها أي لم يقرب من رؤيتها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فقدر ذي ليصح عود الضمير إليه في قوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ وقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة. الثالث: أنه لا حاجة إلى حذف البتة، والمعنى أنه شبه أعمال الكفار في حيلولتها بين القلب وما يهتدى به بالظلمة، وأما الضميران في أخرج يده فيعودان على محذوف دل عليه المعنى أي: إذا أخرج يده فيها اهـ سمين.\rوتلخص من كلام القرطبي: أن المشبه إما عمل الكافر وعلى هذا لا يقدر شيء بعد الكاف، وإما كفر الكافر وعليه لا يقدر شيء أيضا، وإما نفس الكافر وعليه فيقدر مضاف بعد الكاف، والمعنى عليه أن الكافر كذي ظلمات أي كشخص كائن في ظلمات الخ.\rقوله: لُجِّيٍ منسوب للج أو اللجة وهو الماء الغزير اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ. في بحر: صفة الظلمات فيتعلق بمحذوف، واللجي منسوب إلى اللج وهو معظم البحر كذا قال الزمخشري، وقال غيره: منسوب إلى اللجة بالتاء وهي أيضا معظمه، فاللجي هو العميق الكثير الماء، وقوله: مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ يجوز أن تكون هذه الجملة من مبتدأ وخبر صفة لموج الأول، ويجوز أن يجعل الوصف الجار والمجرور فقط، وموج فاعل به لاعتماده على الموصوف، وقوله: مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ فيه الوجهان المذكوران قبله من كون الجملة صفة لموج الثاني أو الجار فقط اهـ.\rقوله: يَغْشاهُ أي: يعلوه موج من فوقه موج إشارة إلى كثرة الأمواج وتراكم بعضها فوق بعض اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة، فإن كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى. ووجه الشبه أن اللّه عز وجل ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات: ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب. وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل. وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه. قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى ظلمات يوم القيامة في النار اهـ.\rقوله أيضا: يَغْشاهُ مَوْجٌ صفة أخرى لبحر هذا إذا أعدنا الضمير في يغشاه على بحر وهو الظاهر، وإن قدرنا مضافا محذوفا أي: أو كذي ظلمات كما فعل بعضهم كان الضمير في يغشاه عائدا عليه وكانت الجملة حالا منه لتخصصه بالإضافة أو صفة له اهـ سمين.\rقوله: مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ أي: قد غطى النجوم وحجب أنوارها اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ أي: مع أنها أقرب شيء إليه. قوله: (أي من لم يهده اللّه لم يهتد) عبارة","part":5,"page":303},{"id":1789,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 304\rفَما لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أي من لم يهده اللّه لم يهتد\rأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومن التسبيح صلاة وَالطَّيْرُ جمع طائر بين السماء والأرض صَافَّاتٍ حال، باسطات البيضاوي: ومن لم يجعل اللّه له نورا. من لم يقدر له الهداية ولم يوفقه لأسبابها. فما له من نور خلاف الموفق الذي له نور على نور اهـ.\rوفي الخازن قال ابن عباس: من لم يجعل اللّه له دينا وإيمانا فلا دين له، وقيل: من لم يهده اللّه فلا هادي له. قيل: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح، فلما جاء الإسلام كفر وعاند، والأصح أن هذه الآية عامة في حق جميع الكفار اهـ.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أي: ألم تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي أو الاستدلال أن اللّه يسبح له أي ينزه ذاته عن كل نقص وآفة من في السموات والأرض، أي: أهل السموات والأرض، ومن لتغليب العقلاء أو الملائكة والثقلان بما يدل عليه من مقال أو دلالة حال اهـ بيضاوي.\rوقوله: ألم تعلم يعني أن المراد بالرؤية رؤية القلب لأن تسبيح المسبحين لا تتعلق به رؤية البصر، والاستفهام تقريري أي: قد علمت. وعبر عن العلم بالرؤية للدلالة على تقديره بالعلم النازل منزلة المشاهد اهـ زاده.\rوظاهره؛ أنه استعارة، ومقتضى كلام النحويين أن رأى العلمية حقيقة اهـ شهاب.\rقوله: (و من التسبيح صلاة) وذلك لأن المراد به الخضوع والانقياد والعبادة والصلاة من جملة أفراد هذا المعنى، وإنما قال الشارح ذلك توطئة لقوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ. وفي الكرخي: قال مجاهد: الصلاة لبني آدم والتسبيح لسائر الخلق، وقيل: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه وقيد الطير بقوله: صَافَّاتٍ لأنه يكون بين السماء والأرض حينئذ، ولكونه دالا على كمال قدرة صانعه ولطف تدبير مبدعه، فيكون خارجا عن حكم من في السموات والأرض وهو معطوف على من. قال الزمخشري: فإن قلت: متى رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تسبيح من في السموات ودعاءهم، وتسبيح الطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال من برد في السماء حتى قيل له ألم تر؟ قلت: علمه من جهة إخبار اللّه إياه بذلك على طريق الوحي اهـ.\rقوله: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ قرأ العامة: والطير رفعا وصافات نصبا فالرفع عطفا على من والنصب على الحال، وقرأ الأعرج، والطير نصبا على المفعول معه، وصافات حال أيضا، وقرأ الحسن، وخارجة عن نافع: والطير صافات برفعهما على الابتداء والخبر، ومفعول صافات محذوف أي أجنحتها اهـ سمين.\rوفي المصباح: والطائر على صيغة اسم الفاعل من طار يطير طيرانا وهو له في الجو كمشي الحيوان في الأرض ويعدى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: طيرته وأطرته، وجمع طائر طير مثل صاحب وصحب وراكب وركب، وجمع الطير طيور وأطيار. قال أبو عبيدة، وقطرب: ويقع الطير على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال هو أحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة اهـ.","part":5,"page":304},{"id":1790,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 305\rأجنحتهن كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللّه صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (41) فيه تغليب العاقل\rوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والرزق والنبات وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) المرجع\rأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً يسوقه برفق ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المفرقة قطعة واحدة ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً بعضه فوق بعض فَتَرَى الْوَدْقَ المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ مخارجه وَيُنَزِّلُ مِنَ قوله: (بين السماء والأرض) أشار بهذا إلى أن العطف مغاير اهـ شيخنا.\rقوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ في هذه الضمائر أقوال، أحدها: أنها كلها عائدة على كل أي: كل قد علم هو صلاة نفسه وتسبيحها وهذا أولى لتوافق الضمائر. والثاني: أن الضمير في علم عائد على اللّه تعالى وفي صلاته وتسبيحه عائد على كل. والثالث: بالعكس أي علم كل صلاة اللّه وتسبيحه أي اللذين أمر بهما وبأن يفعلا كإضافة الخلق إلى الخالق اهـ سمين.\rقوله: (خزائن المطر والرزق) راجع السماء، وقوله: (و النبات) راجع للأرض اهـ شيخنا.\rويشير بهذا إلى تقدير مضاف أي: وللّه ملك خزائن السموات والأرض. وفي الخازن: وللّه ملك السموات والأرض أي: أن جميع الموجودات ملكه وفي تصرفه وعنه نشأت ومنه بدت فهو واجب الوجود، وقيل: معناه أن خزائن المطر والرزق بيديه ولا يملكها أحد سواه اهـ.\rقوله: يُزْجِي سَحاباً في المختار زجى الشيء تزجيه دفعه برفق، وتزجى بكذا اكتفى به، وأزجى الإبل ساقها والمزجى الشيء القليل، وبضاعة مزجاة قليلة، والريح تزجي السحاب، والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه اهـ.\rقوله: ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ إنما دخلت بين على مفرد وهي إنما تدخل على المثنى فما فوقه، لأنه إما أن يراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير عليه على حكمه، وإما أن يراد أنه على حذف مضاف أي يبين قطعه فإن كل قطعة سحاب اهـ سمين.\rوإلى هذا يشير كلام المفسر اهـ.\rقوله: رُكاماً في المختار: ركم الشيء إذا جمعه وألقى بعضه على بعض وبابه نصر، وارتكم الشيء وتراكم اجتمع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه اهـ.\rقوله: فَتَرَى الْوَدْقَ أي: تبصره. وقوله: يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ حال، وقوله: (مخارجه) أي ثقبه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مِنْ خِلالِهِ وهل الخلال مفرد كحجاب أو جمع كجبال جمع جبل، والودق قيل: هو المطر ضعيفا كان أو شديدا وهو في الأصل مصدر يقال: ودق السحاب يدق ودقا من باب وعد ويخرج حال لأن الرؤية بصرية اهـ.\rوفي القرطبي: وخلال جمع مثل الجبل والجبال وهي فرجه ومخارج القطر منه، وقد تقدم في البقرة أن كعبا قال: إن السحاب غربال المطر لو لا السحاب حين ينزل المطر من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض اهـ.","part":5,"page":305},{"id":1791,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 306\rالسَّماءِ مِنْ زائدة جِبالٍ فِيها في السماء بدل بإعادة الجار مِنْ بَرَدٍ أي بعضه فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ يقرب سَنا بَرْقِهِ لمعانه يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43) الناظرة له أي يخطفها\rيُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي يأتي بكل منهما بدل الآخر إِنَّ فِي ذلِكَ التقليب لَعِبْرَةً دلالة لِأُولِي الْأَبْصارِ (44) لأصحاب البصائر على قدرة اللّه تعالى\rوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ أي حيوان قوله: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ الخ قد ذكرت من هنا ثلاث مرات، فالأولى: ابتدائية باتفاق المفسرين. والثانية: قيل: زائدة، وقيل: تبعيضية، وقيل: ابتدائية على جعل مدخولها بدلا مما قبله بإعادة الجار. والثالثة: فيها هذه الأقوال الثلاثة، وتزيد بقول رابع وهو أنها لبيان الجنس، فقول الشارح في الثانية زائدة وقوله بدل بإعادة الجار فيه تلفيق بين القولين فكان ينبغي له الاقتصار على أحدهما، وجرى في الثالثة على أنها تبعيضية كما ترى اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، من الأولى لابتداء الغاية اتفاقا. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها لابتداء الغاية أيضا فهي ومجرورها بدل من الأولى بإعادة الجار، والتقدير: وينزل من جبال السماء من جبال فيها فهو بدل اشتمال. الثاني: أنها للتبعيض قاله الزمخشري وابن عطية، فعلى هذا هي ومجرورها في موضع مفعول الإنزال كأنه قال: وينزل بعض جبال. الثالث: أنها زائدة أي ينزل من السماء جبالا، وقال الحوفي: من جبال بدل من الأولى، ثم قال: وهي للتبعيض ورده الشيخ بأنه لا تستقيم البدلية إلا بتوافقهما معنى. وأما الثالثة: ففيها أربعة أوجه: الثلاثة المتقدمة، والرابع أنها لبيان الجنس قاله الحوفي والزمخشري، فيكون التقدير على قولهما: وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد فالمنزل برد لأن بعض البرد برد ومفعول ينزل من جبال كما تقدم تحريره اهـ.\rقوله: (زائدة) أي: في المفعول به، وقوله: فيها نعت للجبال والضمير للسماء ففي السماء جبال من برد كما أن في الأرض جبالا من حجارة، وقوله: بدل أي أن قوله: من جبال بدل أي بدل اشتمال من قوله من السماء، فالتقدير: وينزل من السماء من جبالها أي: الجبال التي فيها بعض برد اهـ شيخنا.\rقوله: فَيُصِيبُ بِهِ الضمير للبرد كما في البيضاوي والخازن. قوله: سَنا بَرْقِهِ العامة على قصر سنا وهو الضوء وهو من ذوات الواو. يقال: سنا يسنو سنا أي أضاء يضيء اهـ سمين.\rوفي المختار: السنا مقصور ضوء البرق، والسناء أيضا نبت يتداوى به، والسناء من الرفعة ممدود والشيء الرفيع، وسناه رفعه، وسناه تسنية فتحه وسهله اهـ.\rقوله: بِالْأَبْصارِ جمع بصر كما أشار له بقوله الناظرة.\rقوله: (أي يخطفها) أي: فالباء للتعدية، وقيل: هي بمعنى من والمفعول محذوف تقديره يذهب النور من الأبصار، فسبحان من يخرج الماء والنار والنور والظلمة من شيء واحد اهـ كرخي.\rوفي المصباح: خطفه يخطفه من باب تعب استلبه بسرعة وخطفه خطفا من باب ضرب لغة اهـ.\rقوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ جمع بصيرة كما أشار له بقوله لأصحاب البصائر، وقوله: (على قدرة اللّه) متعلق بدلالة اهـ شيخنا.","part":5,"page":306},{"id":1792,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 307\rمِنْ ماءٍ أي نطفة فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحيات والهوام وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإنسان والطير وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالبهائم والنعام يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)\rلَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ أي بينات هي القرآن وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (46) أي دين الإسلام\rوَيَقُولُونَ أي المنافقون آمَنَّا صدقنا بِاللَّهِ بتوحيده قوله: (أي نطفة) هذا بحسب الأغلب في حيوانات الأرض المشاهدة، وإلّا فالملائكة خلقوا من النور وهم أكثر المخلوقات عددا، والجن خلقوا من النار وهم بقدر تسعة أعشار الإنس، وآدم خلق من الطين، وعيسى خلق من الريح الذي نفخه جبريل في جيب مريم، والدود يخلق من نحو الفاكهة ومن العفونات اهـ شيخنا.\rقوله: فَمِنْهُمْ الضمير راجع لكل باعتبار معناه وفيه تغليب العاقل على غيره، وقوله: مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ سميت هذه الحركة مشيا مع أنهار زحف للمشاكلة اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: فمنهم من يمشي الخ إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في الفصل بمن وكل دابة، فكان التعبير بمن أوى لتوافق اللفظ، وقيل: لما وصفه بما يوصف به العقلاء وهو المشي أطلق عليه من، وفيه نظر لأن هذه الصفة ليست خاصة بالعقلاء بخلاف قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: 17] واستعير المشي للزحف على البطن كما استعير المشفر للشفة وبالعكس كما قالوا في الأمر المستمر مشى على هذا الأمر، ويقال: فلان ما يمشي له أمر. فإن قيل: لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي وقد نجد من يمشي على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب والحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا؟ فالجواب: أن هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر فكان ملحقا بالعدم، وعبارة القاضي: ومنهم من يمشي على أربع كالنعم والوحش ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب، فإن اعتمادها إذا مشت يكون على أربع اهـ.\rقوله: (و الهوام) بتشديد الميم أي: وكالدود والسمك. قوله: (كالإنسان والطير) أي: وكالنعام.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ أي: ومنهم من يمشي على أكثر كالعقارب والعنكبوت والحيوان المعروف بأم أربع وأربعين، وإنما لم يذكر هذا القسم إما لندوره أو لأنه عند المشي يعتمد على أربع فقط أو لدخوله في قوله: يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ اهـ شيخنا.\rقوله: يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ أي: مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا ومركبا على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطباع والقوى والأفعال، مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته اهـ بيضاوي.\rقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا فيه التفات، وقوله: مُبَيِّناتٍ بفتح الياء وكسرها سبعيتان، وكذلك في كل ما جاء من هذا الجمع في القرآن اهـ شيخنا.\rوتفسير الشارح يناسب الكسر.\rقوله: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ الخ شروع في بيان أحوال بعض من لم يشأ اللّه هدايته إلى صراط مستقيم وفي الخطيب: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق إلى أن قال: وقد مضت قصتها في سورة النساء اهـ.","part":5,"page":307},{"id":1793,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 308\rوَبِالرَّسُولِ محمد وَأَطَعْنا هما فيما حكما به ثُمَّ يَتَوَلَّى يعرض فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عنه وَما أُولئِكَ المعرضون بِالْمُؤْمِنِينَ (47) المعهودين الموافق قلوبهم لألسنتهم\rوَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ المبلغ عنه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) عن المجيء إليه\rوَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) مسرعين طائعين\rأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كفر أَمِ ارْتابُوا أي شكوا في نبوته وعبارة الخازن عند قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [النساء:\r60] الخ نصها: قال ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: ننطلق إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه اللّه الطاغوت، فأبى اليهودي أنه يخاصمه إلا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر فأتيا عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد أي عنده فقضى عليه فلم يرض بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليك أي عندك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم، فقال لهما عمر: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد أي مات، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء اللّه وقضاء رسوله، فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر فرّق بين الحق والباطل فسمي الفاروق اهـ بحروفه.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي: القول المذكور، وقوله: عنه أي عن ذلك الحكم.\rقوله: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ هذا إيضاح وشرح لقوله: ثم يتولى فريق منهم، وقول: إِذا فَرِيقٌ إذا الثانية بمعنى الفاء أي قائمة مقامها في ربط الجواب بشرطه وهو إذا الأولى اهـ شيخنا.\rقوله: (المبلغ عنه) أشار به للاعتذار عن إفراد الضمير في ليحكم، وحاصله أن الرسول هو المباشر للحكم، لأنه المباشر للحكم حقيقة، وإلّا كان ذلك حكم اللّه تعالى حقيقة، وذكر اللّه تعالى لتفخيمه عليه السّلام والإيذان بجلالة محله عنده تعالى اهـ.\rقوله: مُعْرِضُونَ أي: إن كان الحكم عليهم بدليل قوله: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (إليه) يجوز تعلقه بيأتوا لأن أتى وجاء قد جاءا متعديين بإلى، ويجوز أن يتعلق بمذعنين لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة. وصححه الزمخشري قال: لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص، ومذعنين حال، والإذعان الانقياد يقال: أذعن فلان لفلان أي انقاد له، وقال الزجاج: الاذعان الإسراع مع الطاعة اهـ سمين.\rوفي القاموس: أذعن له خضع وذل وأقر وأسرع في الطاعة وانقاد ذعن كفرح اهـ.\rقوله: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الخ انكار واستقباح لإعراضهم المذكور وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم، والاستفهام للإنكار لكن النفي المستفاد به لا يتسلط على هذه الأمور الثلاثة لأنها واقعة لهم وقائمة بهم والواقع لا ينفى، وإنما هو متسلط على منشئيتها وسببيتها لإعراضهم أي: ليس منشؤه شيئا من هذه الثلاثة بل منشؤه شيء آخر وهو ظلمهم فبينه بالإضراب الانتقالي بقوله بل","part":5,"page":308},{"id":1794,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 309\rأَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ في الحكم أي فيظلموا فيه؟ لا بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) بالإعراض عنه\rإِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بالقول اللائق بهم أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا بالإجابة وَأُولئِكَ حينئذ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) الناجون\rوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ يخافه وَيَتَّقْهِ بسكون الهاء وكسرها بأن يطيعه فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (52) بالجنة أولئك هم الظالمون اهـ شيخنا. وفي الخطيب: ثم قسم تعالى الأمر في صدورهم عن حكومته صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب بقوله: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ومرتابين في نبوته بقوله:\rأَمِ ارْتابُوا وخائفين الحيف في قضائه بقوله: أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ اهـ قوله:\rأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: كفر أو ميل إلى الظلم أم ارتابوا بأن رأوا منك تهمة فزال ثقتهم ويقينهم بك، أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله في الحكومة، بل أولئك هم الظالمون إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول، ووجه القسم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققا عندهم أو متوقعا وكلاهما باطل، لأن منصب نبوته وفرط أمانته صلّى اللّه عليه وسلّم يمنعه فتعين الأول وظلمهم نعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف، وضمير الفصل لنفي ذلك من غيرهم سيما المدعو إلى حكمه اهـ بيضاوي.\rقوله: أَمِ ارْتابُوا أم بمعنى بل والهمزة أي بل ارتابوا وكذلك يقال فيما بعده اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أم فيهما منقطعة تتقدر عند الجمهور بحرف الاضراب وهمزة الاستفهام تقديره: بل ارتابوا بل أيخافون، ومعنى الاستفهام هنان التقرير والتوقيف ويبالغ به تارة في الذم وتارة في المدح، وأن يحيف مفعول الخوف، والحيف: الميل والجور في القضاء يقال: حاف في قضائه أي مال اهـ.\rقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري وهو راجع لكل من الأسباب الثلاثة، أي: لسببيته ومنشئيته كما علمت، أي: لكونه سببا ومنشأ لإعراضهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بالإعراض عنه) أي: الحكم قوله: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ العامة على نصبه خبرا لكان والاسم أن المصدرية وما بعدها، وقرأ أمير المؤمنين والحسن برفعه على أنه الاسم، وأن وما في حيزها الخبر وهي عندهم مرجوحة، لأنه متى اجتمع معرفتان فالأولى جعل الاعراف الاسم، وإن كان سيبويه خيّر في ذلك بين كل معرفتين ولم يفرق هذه التفرقة، وقد تقدم تحقيق هذا في أول آل عمران اهـ سمين.\rقوله: (بالإجابة) أي: بالفعل لا بمجرد اللسان كما فعل المنافقون. قوله: وَأُولئِكَ (حينئذ) أي: حين إذ قالوا هذا القول المذكور اهـ.\rقوله: (يخافه) لعل هذا حل معنى، وإلا فحق الإعراب يخفه بالجزم لأنه تفسير للمجزوم بالعطف على فعل الشرط. قوله: (و كسرها) أي: مع اشباع وبدونه بل وبسكون القاف مع الكسر بدون اشباع، فهذه ثلاثة مع الكسر تضم الكون فهي أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.","part":5,"page":309},{"id":1795,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 310\r* وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ غايتها لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ بالجهاد لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لهم لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ للنبي خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (53) من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل\rقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ من التبليغ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من طاعته وَإِنْ قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ حكاية لبعض آخر من أكاذيبهم مؤكد باليمين الفاجرة اهـ أبو السعود.\rفالضمير عائد على المنافقين، والعطف على قوله سابقا: ويقولون آمنا باللّه وبالرسول. وعبارة الخازن: وأقسموا باللّه جهدا أيمانهم الخ نزلت لما قال المنافقون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا اهـ.\rقوله: (أي غايتها) أشار به إلى أن جهد منصوب على المفعول المطلق وهذا أحد وجهين. وفي السمين: قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المصدر بدلا من اللفظ بفعله، إذ أصل أقسم باللّه جهد اليمين جهدا فحذف الفعل وقدم المصدر موضوعا موضعه مضافا إلى المفعول كضرب الرقاب قاله الزمخشري. والثاني: أنه حال تقديره مجتهدين في أيمانهم كقوله: افعل ذلك جهدك وطاقتك، وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما وجها واحدا فقال بعد ما قدمته عنه:\rوحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قيل جاهدين أيمانهم اهـ.\rقوله: مَعْرُوفَةٌ أي: بالصدق وموافقة الواقع لا بمجرد القول باللسان اهـ شيخنا.\rقوله: (خير من قسمكم) أشار إلى أن طاعة مبتدأ ومعروفة صفة والخبر محذوف، ويجوز عكسه أي أمركم طاعة، بل قال الواسطي: إنه الأولى لأن الخبر محط الفائدة، وعليه فالمعنى أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا مجزوم بحذف النون، وجواب الشرط محذوف تقديره فلا ضرر عليه في ذلك، وقوله: قائما عليه الخ تعليل لهذا المحذوف اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: ما يقتضي أن قوله فإنما عليه الخ معمول للجواب المحذوف ونصه: فإن تولوا الخطاب للمأمورين بالطاعة من جهته تعالى وارد لتأكيد الأمر بها، والمبالغة في إيجاب الامتثال، وتوهم أنه داخل تحت القول مأمور بحكايته من جهته تعالى، وأنه أبلغ في التبكيت فعكس للأمر والفاء لترتيب ما بعدها على تبليغه عليه السّلام للمأمور به إليهم أي: إن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمرتم بها، فإنما عليه أي فاعلموا أنما عليه السّلام ما حمل أي أمر به من التبليغ، وقد شاهدتموه عند قوله:\rأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وعليكم ما حملتم أي: ما أمرتم به من الطاعة، ولعل التعبير بالتحميل للإشعار بثقله وكونه مؤنة وكلفة باقية في عهدتهم بعد، كأنه قيل: حيث توليتم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل، وقوله تعالى: ما حُمِّلَ محمول على المشاكلة.\rقوله: ما حُمِّلَ أي: كلف. قوله: تَهْتَدُوا أي: تصيبوا الحق والرشد في طاعته اهـ خازن.","part":5,"page":310},{"id":1796,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 311\rتُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) أي التبليغ البين\rوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ بدلا عن الكفار كَمَا اسْتَخْلَفَ بالبناء للفاعل والمفعول الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من بني إسرائيل بدلا عن الجبابرة وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وهو الإسلام بأن يظهره على جميع الأديان ويوسع لهم في البلاد فيملكوها وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بالتخفيف والتشديد مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الكفار أَمْناً وقد أنجز اللّه وعده لهم بما ذكر وأنثى عليهم بقوله يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً هو مستأنف في حكم التعليل وَمَنْ كَفَرَ قوله: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: وقد أداه فأدوا أيضا أنتم ما عليكم من طاعته اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَدَ اللَّهُ الخ المفعول الثاني محذوف تقديره: الاستخلاف في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم بالأمن، وأما قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ الخ فهو جواب قسم مقدر تقديره: واللّه ليستخلفنهم الخ. وهذا الجواب دال على المفعول المحذوف اهـ شيخنا. وهذا أحد وجهين.\rوفي السمين: قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيه وجهان، أحدهما: هو جواب قسم مضمر أي: أقسم ليستخلفنهم ويكون مفعول الوعد محذوفا تقديره: وعدهم الاستخلاف لدلالة قوله ليستخلفنهم عليه.\rوالثاني: أن يجري وعد مجرى القسم لتحققه، فلذلك أجيب بما يجاب بما القسم اهـ.\rقوله: مِنْكُمْ من: تبعيضية وهي مع مجرورها في محل الحال من الموصول، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمة الدعوة اهـ.\rقوله: فِي الْأَرْضِ فيها قولان، أحدهما: يعني أرض مكة لأن المهاجرين سألوا اللّه ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل قال معناه النقاش. الثاني: أنها بلاد العرب والعجم. قال ابن العربي:\rوهو الصحيح لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين، ففي الحديث لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن توفي بمكة، وقال في الصحيح أيضا: يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا اهـ قرطبي.\rقوله: كَمَا اسْتَخْلَفَ ما مصدرية أي: استخلافا كاستخلاف الذين من قبلهم، والعام على بناء استخلف للفاعل وأبو بكر بناه للمفعول فالموصول على الأول منصوب، وعلى الثاني مرفوع اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: وقرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما، وإذا ابتدؤوا كسروا الألف اهـ.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان. قوله: (بما ذكره) متعلق بوعده والذي ذكره هو الأمور الثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: يَعْبُدُونَنِي فيه سبعة أوجه، أحدها: أنه مستأنف أي: جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما بالهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقيل: يعبدونني. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم يعبدونني، والجملة","part":5,"page":311},{"id":1797,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 312\rبَعْدَ ذلِكَ الإنعام منهم به فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55) وأول من كفر به قتلة عثمان رضي اللّه عنه فساروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا\rوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) أي رجاء الرحمة\rلا تَحْسَبَنَ بالفوقانية والتحتانية والفاعل الرسول الَّذِينَ كَفَرُوا أيضا استئنافية تقتضي المدح. والثالث: أنه حال من مفعول وعد اللّه. الرابع: أنه حال من مفعول ليستخلفنهم. الخامس: أنه حال من فاعله. السادس: أنه حال من مفعول ليبدلنهم. السابع: أنه حال من فاعله اهـ سمين.\rفقول الشارح هو مستأنف ضميره عائد ليعبدونني، أي: هذا التركيب مستأنف وهذا هو الذي صدر به السمين كما عرفت، وقوله: (في حكم التعليل) أي: التعليل لوعدهم بما ذكر من الأمور الثلاثة.\rقوله: لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا من فاعل يعبدونني أي:\rيعبدونني موحدين، وأن يكون بدلا من الجملة التي قبله الواقعة حالا وقد تقدم ما فيها اهـ سمين.\rقوله: بَعْدَ ذلِكَ (الإنعام منهم) منهم: حال من والضمير للذين آمنوا، وقوله: (به) متعلق بالإنعام أي: الإنعام بما ذكر من الأمور الثلاثة، فالمراد بالكفر هنا كفر النعمة، أي: عدم القيام بحقها لا الكفر المقابل للإيمان، فلذلك قال: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ولم يقل الكافرون اهـ شيخنا.\rقوله: (و أول من كفر به) أي: بالإنعام بما ذكر أي: لم يقم بحق هذه النعم من عدم التعرض للفتن اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ الخ عطف على مقدر يقتضيه السياق تقديره فآمنوا أي: دوموا على الإيمان واعملوا صالحا وأقيموا الصلاة الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول، وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه قاله الزمخشري. قلت: وقوله: لأن حق المعطوف الخ لا يظهر علة للحكم الذي ادعاه. والثاني: أن قوله: وأقيموا من باب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وحسنه الخطاب في قوله قبل ذلك: منكم اهـ.\rقوله: (بالفوقانية) ومعلوم أن الفاعل عليها ضمير المخاطب وهو الرسول، فقوله: (و الفاعل الرسول) راجع للقراءتين، وعلى كل من القراءتين فالموصول مفعول أول ومعجزين مفعول ثان اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و الفاعل الرسول) أي: لتقدم ذكره وظاهر كلامه أن ذلك على القراءتين، وتفصيل القول في ذلك أن الفاعل ضمير المخاطب أي: لا تحسبن أيها المخاطب، ويمتنع أو يبعد جعله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأن مثل هذا الحسبان لا يتصور منه حتى ينهى عنه. وأما على القراءة بالتحتانية فإن الفاعل فيها مضمر يعود على ما دل السياق عليه، أي: لا تحسبن حاسب أو أحد، وإما على الرسول","part":5,"page":312},{"id":1798,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 313\rمُعْجِزِينَ لنا فِي الْأَرْضِ بأن يفوتونا وَمَأْواهُمُ مرجعهم النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) المرجع هي\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ من الأحرار وعرفوا أن النساء ثَلاثَ مَرَّاتٍ في ثلاثة أوقات مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ لتقدم ذكره ولكنه ضعيف للمعنى المتقدم. وأجيب: بأنه لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه من المنهي عنه اهـ.\rقوله: (بأن يفوتونا) أي: يهربوا ويفروا من عذابنا اهـ شيخنا.\rوهرب من باب طلب كما في المختار.\rقوله: وَمَأْواهُمُ النَّارُ معطوف على جملة لا تحسبن عطف خبر على إنشاء على رأي بعضهم، أو معطوف على مقدر تقديره بل هم مقهرون مدركون، ومأواهم الخ عطف خبر على خبر اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال ابن عباس: وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل عليه فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته فيها، فأنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية. وقيل: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ. واللام لام الأمر وفيه قولان، أحدهما: أنه على الندب والاستحباب. والثاني: أنه للوجوب وهو الأولى اهـ خازن.\rوفي زاده: واعلم أن ظاهر الآية أمر المماليك والأطفال بالاستئذان، والمقصود أمر المؤمنين بأن يمنعوا هؤلاء من الدخول عليهم في هذه الأوقات من غير إذن إذ لو كان المقصود أمر المماليك والأطفال بالذات لما كان لتخصيص النداء والخطاب بالمؤمنين وجه، ولكن يلزم عليه تكليف الأطفال اهـ.\rوفي الكرخي: وهذا الأمر في الحقيقة للأولياء بتأديبهم فلا يرد كيف أمرهم اللّه بالاستئذان مع أنهم غير مكلفين اهـ.\rوفي القرطبي: يروى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه فوجده نائما وقد أغلق عليه الباب، فدق الغلام عليه الباب فناداه ودخل، فاستيقظ عمر فانكشف منه شيء فقال عمر: وددت أن اللّه نهى أبناءنا ونساءنا ألّا يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرّ ساجدا شكرا للّه عز وجل اهـ.\rقوله: (و عرفوا أمر النساء) أي: عوراتهن أي حكوا عورات النساء اهـ شيخنا.\rأي: ميزوا بين الجميلة وغيرها. قوله: ثَلاثَ مَرَّاتٍ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الظرف الزماني، أي: ثلاثة أوقات، ثم فسر تلك الأوقات بقوله: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ، والثاني: أنه منصوب على المصدرية أي: ثلاثة استئذانات. ورجح","part":5,"page":313},{"id":1799,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 314\rتَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ أي وقت الظهر وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ بالرفع خبر مبتدأ مقدر بعده مضاف وقام المضاف إليه مقامه أي هي أوقات وبالنصب بتقدير أوقات منصوبا بدلا من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه وهي لإلقاء الثياب تبدو فيها العورات لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ أي المماليك والصبيان جُناحٌ في الدخول عليكم بغير استئذان الشيخ هذا فقال: والظاهر من قوله ثلاث مرات ثلاثة استئذانات، لأنك إذا قلت: ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسّلام: «الاستئذان ثلاث». قلت: مسلّم أن الظاهر كذا ولكن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة وهي تفسير الثلاثة بقوله: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ الخ اهـ سمين.\rلكن الشارح جرى على الأول حيث قال ثلاث مرات في ثلاثة أوقات. قوله: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ في محل نصب بدل من ثلاث مرات، وكذا يقال فيما بعده. وسيشير لهذا الإعراب بقوله:\r(بدلا من محل ما قبله) اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ أي: لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، وقوله: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ أي: التي تلبس في اليقظة: تضعونها لأجل القيلولة، وقوله: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ أي: لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنَ الظَّهِيرَةِ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن من لبيان الجنس أي: حين ذلك الوقت الذي هو الظهيرة. الثاني: أنها بمعنى في أي تضعونها في الظهيرة. الثالث: أنها بمعنى اللام أي، من أجل حر الظهيرة، وأما قوله: وَحِينَ تَضَعُونَ فعطف على محل من قبل صلاة الفجر، وقوله: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ عطف على ما قبله، والظهيرة: شدة الحر وهو انتصاف النهار سمين.\rفقول الشارح: أي وقت الظهر تفسير لحين. قوله: (بالرفع) خبر مبتدأ مقدر وعلى هذا فالوقف على العشاء، وأما على قراءة النصب فالوقف على لكم اهـ شيخنا.\rقوله: (بعده مضاف) أي: يقدر أيضا. قوله: (أي هي أوقات) أي: هي أوقات ثلاث عورات وقوله: (ما قبله) وهو الظروف الثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي مبتدأ) أي: الأوقات الثلاثة. وقوله: (تبدو فيها العورات) خبره، وقوله: (لإلقاء الثياب الخ) علة مقدمة. وهذا بيان لحكمة النهي وبيان لتسميتها عورات اهـ شيخنا.\rقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ أي: في تمكينهم من الدخول عليكم، ولا عليهم أي في الدخول لعدم تكليفهم، وهذا في الصبيان، وأما في الأرقاء البالغين فالأمر ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ ليس في هذا ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليهم، وتلك في الأحرار البالغين اهـ بيضاوي.\rأي: أي خلافا لمن قال إنها منسوخة بهذه الآية في غير هذه الأوقات الثلاثة اهـ زاده.","part":5,"page":314},{"id":1800,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 315\rبَعْدَهُنَ أي بعد الأوقات الثلاثة هم طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ للخدمة بَعْضُكُمْ طائف عَلى بَعْضٍ والجملة مؤكدة لما قبلها كَذلِكَ كما بين ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي الأحكام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمور خلقه حَكِيمٌ (58) بما دبره لهم، وآية الاستئذان قيل منسوخة قوله: (هم) طَوَّافُونَ الجملة تعليل لما قبلها. قوله: (و الجملة) أي: قوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ، وقوله: (لما قبلها) أي: قوله: هم طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ، وهذا يفيد أن المراد بالبعض الأول هو ما عبر عنه بالواو في قوله: طَوَّافُونَ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ في بعضكم ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وعلى بعض الخبر فقدره أبو البقاء يطوف على بعض، وتكون هذه الجملة بدلا مما قبلها، ويجوز أن تكون مؤكدة مبينة. يعني: أنها أفادت ما أفادته الجملة التي قبلها فكانت بدلا أو مؤكدة. والثاني: أن يرتفع بدلا من طوافون قاله ابن عطية. والثالث: أنه مرفوع بفعل مقدر أي يطوف بعضكم على بعض حذف لدلالة طوافون عليه اه،. الزمخشري.\rوفي الكرخي: قوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أفاد أن قوله: بعضكم مبتدأ وعلى بعض الخبر وتبع فيما قدره أبا البقاء، ورد أبو حيان هذا بأنه كون مخصوص فلا يجوز حذفه، والجواب عنه: أن الممتنع الحذف إذا لم يدل عليه دليل ولم يقصد إقامة الجار مقامه، ولذلك قال الزمخشري: خبره على بعض على معنى طائف على بعض وحذف لدلالة طوافون عليه اهـ.\rوفي زاده: قوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي: المماليك والأطفال يطوفون عليكم للخدمة وأنتم تطوفون عليهم للاستخدام، فلو كلفتم الاستئذان في كل طوفة أي في هذه الأوقات الثلاث وغيرها لضاق الأمر عليكم اهـ.\rفقوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ فيه زيادة على ما قبله فليس تأكيدا له خلافا للجلال تأمل. قوله:\r(كما بين لكم ما ذكر) أي: من استئذان المماليك وغير البالغين اهـ كرخي.\rقوله: (و آية الاستئذان) أي قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ الخ. وقيل: منسوخة الخ. عبارة الخازن: اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقيل: إنها منسوخة حكي ذلك عن سعيد بن المسيب. وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا لابن عباس: كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا بها ولا يعمل بها أحد قول اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية؟ فقال ابن عباس: إن اللّه عليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجاب، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيم الرجل والرجل على أهله، فأمر اللّه بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم اللّه تعالى بالستور والحجب، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد. أخرجه أبو داود، وفي رواية عنه نحوه وزاد: فأرى أن ذلك أغنى عن الاستئذان في تلك العورات. وذهب قوم إلى أنها منسوخة. روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت الشعبي عن هذه الآية: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم أمنسوخة هي؟ قال: لا واللّه. قلت: إن الناس لا يعملون بها. قال: اللّه المستعان. قال سعيد بن جبير في هذه الآية: إن ناسا يقولون نسخت واللّه ما نسخت ولكنها مما تهاون بها الناس اهـ.","part":5,"page":315},{"id":1801,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 316\rوقيل لا، ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان\rوَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ أيها الأحرار الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا في جميع الأوقات كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي الأحرار الكبار كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)\rوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ قعدن عن الحيض والولد لكبرهن اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً لذلك فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ من الجلباب والرداء والقناع فوق الخمار غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ مظهرات بِزِينَةٍ خفية كقلادة وسوار قوله: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ الخ مقابل قوله: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور: 58] اهـ زاده.\rقوله: الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: الذين ذكروا من قبلهم في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور: 27] الخ وما مصدرية أي: استئذانا كاستئذان الذين من قبلهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْقَواعِدُ جمع قاعد بغير هاء مبتدأ، وقوله: اللَّاتِي الخ نعت. فلذلك دخلت الفاء في الخبر وهو قوله: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ الخ شيخنا.\rوفي المصباح: وقعدت المرأة عن الحيض أسنت وانقطع حيضها فهي قاعد بغير تاء والجمع قواعد، وقعدت عن الزوج فهي لا تشتهيه اهـ.\rوفي السمين: والقواعد جمع قاعد من غير تاء تأنيث، ومعناه: القواعد عن النكاح أو الحيض أو عن الاستمتاع أو عن الحبل أو عن الجميع، ولو لا تخصيصهم بذلك لوجبت التاء نحو: ضاربة وقاعدة من القعود المعروف، وقوله: مِنَ النِّساءِ وما بعده بيان لهن، والقواعد: مبتدأ. ومن النساء: حال، واللاتي: صفة للقواعد لا للنساء، وقوله: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ الخ الجملة خبر المبتدأ، وإنما دخلت الفاء لأن المبتدأ موصوف بموصول لو كان ذلك الموصول مبتدأ لجاز دخولها في خبره، ولا يجوز أن يكون اللاتي صفة للنساء، إذ لا يبقى مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ، وقال أبو البقاء: ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط لأن الألف واللام بمعنى اللاتي قعدن وهذا مذهب الأخفش اهـ.\rقوله: اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً أي: لا يطمعن فيه، وقوله: (لذلك) أي: كبرهن اهـ.\rقوله: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ الخ أي: فيجوز النظر لوجوههن وأيديهن وهذا أحد وجهين، والثاني:\rالمنع كالشابة. وعبارة الروضة: وأما العجوز فألحقها الغزالي بالشابة فإن الشهوة لا تنضبط وهي محل الوطء. وقال الروياني: إذا بلغت مبلغا يؤمن الافتتان بالنظر إليها جاز النظر إلى وجهها وكفيها لقوله تعالى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ الآية اهـ.\rقوله: أَنْ يَضَعْنَ أي: ينزعن عنهن ثيابهن. قوله: (من الجلباب) وهو الملحفة. أي ما يغطى به جميع البدن كالملاءة والحبرة، وقوله: (فوق الخمار) راجع للقناع أي القناع الذي يلبس فوق الخمار اهـ شيخنا.\rقوله: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ الباء: بمعنى اللام، وعبارة أبي السعود، غير مظهرات لزينة اهـ.\rوعبارة البيضاوي: غير متبرجات بزينة غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه في قوله: وَلا يُبْدِينَ","part":5,"page":316},{"id":1802,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 317\rوخلخال وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ بأن لا يضعنها خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولكم عَلِيمٌ (60) بما في قلوبكم\rلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في مؤاكلة مقابليهم زِينَتَهُنَّ، وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم: سفينة بارجة لا غطاء عليها، والبرج محرك سعة العين بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال اهـ.\rوقوله: غَيْرَ مظهرات زينة أشار به إلى أن الباء للتعدية، ولذا فسر بمتعد من أن تفسير اللازم بالمتعدي كثير ويؤيده أن أهل اللغة لم يذكروه متعديا بنفسه ولم نر من قال: تبرجت المرأة حليها وليست الزينة مأخوذة في مفهومه حتى يقال إنه تجريد كما توهم، فمن قال: إنه إشارة إلى زيادة الباء في المفعول فقد أخطأ اهـ شهاب.\rوفي المختار: والتبرج إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال اهـ.\rقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ اختلف العلماء في هذه الآية فقال ابن عباس: لما أنزل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: 29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال وقد نهانا اللّه تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول ولا يستوفي من الطعام حقه، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية. فعلى هذا تكون على بمعنى في، أي: ليس في الأعمى، والمعنى ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والمريض والأعرج حرج، وقيل: كان العميان والعرج والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يقذرونهم ويكرهون مؤاكلتهم ويقال:\rالأعمى ربما أكل أكثر، ويقال: الأعرج ربما جلس مكان اثنين فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى اللّه في هذه الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده شيء ذهب بهم إلى بيت أبيه أو بيت أمه أو بعض من سمى اللّه في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ويقولون: ذهب بنا إلى غير بيته فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية.\rوقيل: كان المسلمون إذا غزوا دفعوا مفاتيح بيوتهم إلى هؤلاء الضعفاء ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وأصحابها غائبون مخافة أن لا يكون إذنهم عن طيب نفس، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية رخصة لهم. وقيل: نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، فعلى هذا تم الكلام عند قوله: وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود: وقيل: إن هؤلاء الطوائف الثلاثة كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذرا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم ومضايقتهم، فإن الأعمى ربما سبقت يده إلى أطيب الطعام فسبق البصير إليه، والأعرج يتفسح في مجلسه فيأخذ مكانا واسعا فيضيق على السليم، والمريض لا يخلو من حالة مؤذية لقرينه وجليسه فنزلت هذه الآية اهـ.\rقوله: (في مؤاكلة مقابليهم) مصدر مضاف لمفعوله، أي: في أكلهم مع مقابليهم أي: السالمين","part":5,"page":317},{"id":1803,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 318\rوَلا حرج عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي بيوت أولادكم أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أي خزنتموه لغيركم أَوْ صَدِيقِكُمْ من هذه النقائص الثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ الخ كلام مستأنف. قيل: لما نزلت آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: 29] قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل اللّه تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، أي: لا حرج عليكم في أن تأكلوا من بيوتكم الخ اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وعن ابن عباس: لما أنزل اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: 29] قال المسلمون: إن اللّه قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وإن الطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك، فأنزل اللّه عز وجل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ إلى أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ اهـ.\rقوله: أَنْ تَأْكُلُوا أي: في أن تأكلوا، وقوله: مِنْ بُيُوتِكُمْ بكسر الباء وضمها سبعيتان ويجريان في كل ما يأتي، وقوله: (أي بيوت أولادكم)؛ الحامل له على هذا التقدير أمران، الأول:\rالمقابلة بالآباء. والثاني: أنه لا يتوهم أن الإنسان يمتنع عليه الأكل من بيت نفسه اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: من بيوتكم أي: من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد ولأن بيت الولد كبيته لقوله عليه الصلاة والسّلام: «أنت ومالك لأبيك» وقوله عليه السّلام: «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» اهـ.\rقوله: إِخْوانِكُمْ أي: إخوتكم. قوله: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ العامة على فتح الميم واللام مخففة، وقرأ ابن جبير مَلَكْتُمْ بضم الميم وكسر اللام مشددة أي: ملككم غيركم، والعامة على مفاتحه دون ياء جمع مفتح، وابن جبير مفاتيحه بالياء بعد التاء جمع مفتاح، وجوز أبو البقاء أن يكون جمع مفتح بالكسر وهو الآلة، وأن يكون جمع مفتح وبالفتح وهو المصدر بمعنى الفتح والأول أقيس.\rوقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه مفاتيحه بالإفراد وهي قراءة قتادة اهـ سمين.\rقوله: (أي خزنتموه لغيركم) أي: حفظتموه لغيركم كأن تكونوا وكلاء عليه، قال ابن عباس:\rعنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته فلا بأس عليه أن يأكل من ثمرته وثمرة ضيعته ويشرب من لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر. وقيل: يعني بيوت عبيدكم ومماليككم، وذلك أن السيد يملك منزل عبده. والمفاتح: الخزائن. ويجوز أن يكون المراد به المفتاح الذي يفتح به، وإذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فأحل اللّه له أن يأكل الشيء اليسير. وقيل: أو ما ملكتم مفاتحه أي ما خزنتموه عندكم وما ملكتموه اهـ خازن.\rقوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ الصديق يطلق على الواحد والجمع اهـ سمين.\rوفي الخازن: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الحرث بن عمرو خرج غازيا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم","part":5,"page":318},{"id":1804,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 319\rوهو من صدقكم في مودته، المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا أي إذا علم رضاهم به لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً مجتمعين أَوْ أَشْتاتاً متفرقين جمع شت نزل فيمن تحرج أي يأكل وحده وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل فَإِذا دَخَلْتُمْ وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذن فأنزل اللّه هذه الآية اهـ.\rقوله: (من بيوت من ذكر) أي: الأصناف الأحد عشر، وخصوا بالذكر لأن العادة جارية بالتبسط بينهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي إذا علم رضاهم به) أي: بصريح اللفظ أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة اهـ شيخنا.\rوهذا التقييد هو المعتمد المفتى به ووراءه قول آخر يقول: يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يعلم رضاهم، وعبارة القرطبي: المسألة الرابعة: أو بيوت آبائكم إلى قوله: أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ قال بعض العلماء هذا إذا أذنوا له في ذلك، وقال آخرون: أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل لأن القرابة التي بينهم إذن، وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بسبب ذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا. وقال ابن العربي: أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا، فإن كان محوزا دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار ولا إلى ما ليس بمأكول، وإن كان غير محوز عنهم إلا بإذن منهم اهـ.\rويرد على القول الأول أن يقال إذا كان الأكل من بيوت من ذكر مشروطا برضاهم فلا فرق بينهم وبين غيرهم من الأجانب وأجيب: بأن هؤلاء يكتفى فيهم أدنى قرينة بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم من الأجانب فلا بد فيهم من صريح الإذن أو قرينة قوية هذا ما ظهر لي ولم أر من تعرض لذلك اهـ خطيب.\rوفي أيضا: أن الأكل من بيوت من ذكر كان جائزا في صدر الإسلام ولو من غير رضاهم ثم نسخ اهـ.\rقوله: (جمع شت) مصدر بمعنى التفرق. وفي المختار: أمر شت بالفتح أي: متفرق تقول شت الأمر يشت بالكسر من باب ضرب شتا وشتاتا بفتح الشين فيهما أي: تفرق اهـ.\rقوله: (نزل فيمن تحرج الخ) أي: فهو كلام مستأنف مسوق لبيان حكم آخر من جنس ما بين قبله حيث كان فريق من المؤمنين، كبني ليث بن عمرو بن كنانة يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، وكان الرجل منهم لا يأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحافلات فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل. وقيل: كان الغني منهم يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول: إني أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير. وقيل: كان قوم من الأنصار لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاؤوا، وقيل: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى وأشباهه طعاما على حدة، فبين اللّه","part":5,"page":319},{"id":1805,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 320\rبُيُوتاً لكم لا أهل بها فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي قولوا السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين تعالى أن ذلك ليس بواجب، وقوله: جَمِيعاً حال من فاعل تأكلوا وأشتاتا عطف عليه داخل في حكمه وهو جمع شت على أنه صفة كالحق، يقال: أمر شت أي، متفرق أو على أنه في الأصل مصدر وصف به مبالغة. أي: ليس عليكم جناح في أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين اهـ أبو السعود.\rوقيل: نزلت في تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الآكلين في كثرة الأكل وقلته اهـ بيضاوي.\rويعني: أنهم لما تحرجوا في الاجتماع على الطعام والمشاركة فيه لاختلاف الآكلين بين أنه لا حرج عليهم أن يأكلوا مجتمعين ولا متفرقين اهـ شهاب وزاده.\rوفي القرطبي: وقد ترجم البخاري في صحيحه قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ والنهد والاجتماع في الطعام ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب إباحة الأكل جميعا وإن اختلفت أحوالهم في الأكل، فقد سوغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك فصار سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد والولائم وفي الاملاق في السفر وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة، فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك. والنهد: ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر نفقتهم ينفقونه بينهم، وقال ابن دريد يقال من ذلك: تناهد القوم الشيء بينهم، قال الهروي: وفي حديث الحسن أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم، والنهد: ما تخرجه الرفقة عند المناهدة وهو استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره، والعرب تقول: هات نهدك بكسر النون. قال المهلب: وطعام النهد لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره، وقد قيل: إن تركها أشبه بالورع، وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله ثم لا يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله وإذا كانوا عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط، فإنما يكونون أضيافا، والضيف يأكل بطيب نفس مما قدم إليه اهـ.\rوفي القاموس: والنهد بالكسر ما تخرجه الرفقة من النفقة بالسوية في السفر وقد تفتح النون، وتناهدوا: أخرجوه اهـ.\rقوله: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً الخ اختلف المتأولون في أي البيوت أراد تعالى، فقال إبراهيم النخعي، والحسن: أراد المساجد والمعنى سلموا على من فيها، فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، وقيل: المراد بالبيوت البيوت المسكونة أي فسلموا على أنفسكم. قاله جابر، وعبد اللّه وابن عباس أيضا، وعطاء بن أبي رباح قالوا: ويدخل في ذلك البيوت غير المسكونة ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين.\rقال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه فإذا دخل بيتا لغيره استأذن كما تقدم اهـ قرطبي.","part":5,"page":320},{"id":1806,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 321\rفإن الملائكة ترد عليكم وإن كان بها أهل فسلموا عليهم تَحِيَّةً مصدر حيا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً يثاب عليها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي يفصل لكم معالم دينكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) لكي تفهموا ذلك\rإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ أي الرسول عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كخطبة الجمعة لَمْ يَذْهَبُوا لعروض عذر لهم حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ قوله: تَحِيَّةً معمول لمقدر أي: فحيوا تحية، أو معمول لسلموا لأنه يلاقيه في المعنى، وكلام الشارح يحتمل كلا من الوجهين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: تَحِيَّةً منصوب على المصدر من معنى فسلموا فهو من باب قعدت جلوسا، وقد تقدم وزان التحية، ومن عند اللّه يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لتحية وأن يتعلق بنفس نحية أي تحية صادرة من جهة اللّه تعالى، ولا لابتداء الغاية مجاز إلّا أنه يعكر على الوصف تأخر الصفة الصريحة عن المؤولة وقد تقدم ما فيه اهـ.\rقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: ثابتة بأمره مشروعة من لدته اهـ أبو السعود.\rقوله: (يثاب عليها) تفسير المباركة. وأما طيبة فمعناها تطيب بها نفس المستمع اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: مباركة لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب طيبة تطيب بها نفس المستمع اهـ.\rقوله: (لكي تفهموا ذلك) أي: معالم دينكم. قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ مبتدأ وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا خبر أي: إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان، نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كان يعرض بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مجالسه وخطبه، وقوله: وَإِذا كانُوا مَعَهُ معطوف على آمنوا فهو صلة ثانية وهي محط الكمال، وأما المنافقون فكانوا إذا جلسوا في مجلسه ينظرون إلى الصحابة، فإذا رأوهم غافلين عنهم خرجوا وذهبوا خفية واستتارا من غير استئذان اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى أَمْرٍ جامِعٍ في جامع إسناد مجازي لأن الأمر لما كان سببا في جمعهم نسب الجمع إليه مجازا اهـ سمين.\rقوله: (كخطبة الجمعة) أي: الأعياد والحروب اهـ بيضاوي.\rوكصلاة الجمعة وباقي الصلوات واجتماعهم للتشاور في الأمور. قال المفسرون: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث يراه، فعرف أنه إنما قام ليستأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: وأذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيديه، قاله أهل العلم، وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن الإمام إن شاء إذن له وإن شاء لم يأذن اهـ خازن.\rقوله: لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ اعتبار هذا في كمال إيمانهم لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق، فإن ديدنه وعادته التسلل والفرار ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فقال: إن الذين يستأذنونك إلى آخره فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك اهـ بيضاوي.","part":5,"page":321},{"id":1807,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 322\rإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أمرهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ بالانصراف وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)\rلا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ قوله: (لعروض عذر لهم) أي: تجوز معه الإقامة في المسجد، فإن كان العذر يمنع المكث في المسجد كالحيض والجنابة والمرض فإنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان من النبي، بل هم مأذون لهم شرعا اهـ شيخنا.\rقوله: حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي: يطلبوا منه الإذن أي: فيأذن لهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ الخ ذكره توكيدا لما تقدم وتعظيما وتفخيما لهذا الأمر اهـ.\rقوله: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أي: كما وقع لسيدنا عمر حين خرج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك، حيث استأذن الرسول في الرجوع إلى أهله فأذن له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له: «ارجع فلست بمنافق» اهـ شيخنا.\rقوله: لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ تعليل أي: لأجل بعض شأنهم أي حاجتهم، وأظهر العامة الضاد عند الشين وأدغمها أبو عمرو فيها لما بينهما من التقارب، لأن الضاد من أقصى حافة اللسان والشين من وسطه اهـ سمين.\rقوله: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ فيه تفويض الأمر لرأي الرسول، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوض إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه، وكأن المعنى فأذن لمن علمت أن له عذرا له.\rواستغفر لهم اللّه بعد الإذن، فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم الأمر الدنيا على الدين إن اللّه غفور لفرطات العباد رحيم بالتيسير عليهم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي: لما وقع منهم من التقصير في الاستئذان وإن كان جائزا، لكن اغتنام مجالسة أولى من الاستئذان اهـ شيخنا.\rقوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ أي: نداءكم للرسول فهو مصدر مضاف لمفعوله، ويصح أن يكون مضافا لفاعله أي: لا تجعلوا دعاء الرسول لكم كدعاء بعضكم بعضا، أي: في عدم الإجابة، أي لا تقيسوا دعاءه لكم على دعاء بعضكم بعضا في التباطؤ، بل أجيبوه فورا وإن كنتم في الصلاة، أو لا تجعلوا دعاء الرسوال أي سخطه عليكم كدعاء كغضب بعضكم على بعض اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافا إلى مفعوله، أي: دعاءكم الرسول بمعنى أنكم لا تنادوه باسمه، فتقولون: يا محمد، ولا بكنيته، فتقولون: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير: يا رسول اللّه يا نبي اللّه، وعلى هذا جماعة كثيرة، وأن يكون مضافا للفاعل. واختلفت عبارات الناس في هذا المعنى فقيل: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض فتتباطؤون عنه كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر، بل يجب عليكم المبادرة لأمره، واختاره أبو العباس ويؤيده قوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ وقيل: معناه لا تجعلوا دعاء","part":5,"page":322},{"id":1808,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 323\rبَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً بأن تقولوا يا محمد بل قولوا يا نبي اللّه يا رسول اللّه في لين وتواضع وخفض صوت قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً أي يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، وقد للتحقيق فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم يسأله حاجة، فربما تجاب دعوته وربما لا تجاب، فإن دعوات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مسموعة مستجابة اهـ.\rقوله: بَعْضاً أي: البعض. قوله: (في لين) اللين: ضد الخشونة، وقوله: (و تواضع) أي:\rتذلل اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ أي: ينسلّون واحدا بعد واحد كان المنافقون إذا رقي المصطفى المنبر نظروا يمينا وشمالا ويخرجون واحدا واحدا إلى أن يذهبوا جميعا، وقوله: لِواذاً حال من الواو من التلاوذ أي الاستتار بأن يغمز بعضهم بعضا بالخروج اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: يتسللون منكم أي ينسلون قليلا قليلا من الجماعة اهـ.\rوفي أبي السعود: التسلل الخروج من البين على التدريج والخفية أي: يعلم اللّه الذي يخرجون من الجماعة قليلا قليلا على خفية. لواذا: أي ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو بأن يلوذ بمن يخرج بالإذن أراءة أنه من أتباعه اهـ.\rقوله: لِواذاً فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبة على المصدر من معنى الفعل الأول، إذ التقدير يتسللون منكم تسللا أو يلاوذون لواذا. والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ملاوذين، واللواذ مصدر لاوذ، وإنما صحت الواو وإن انكسر ما قبلها ولم تقلب ياء كما قلبت في قيام وصيام، لأنها صحت في الفعل نحو: لاوذ فلو أعلت في الفعل لأعلت في المصدر نحو القيام والصيام لقلبها ألفا في قام وصام. وأما مصدر لاذ بكذا يلوذ به فمعتل نحو: لاذ به يلوذ لياذا، مثل؛ صام صياما، وقام قياما. واللواذ والملاوذة: التستر في خفية. وفي التفسير: أن المنافقين كانوا يخرجون متسترين بالناس من غير استئذان حتى لا يروا والمفاعلة لأن كلا منهما يلوذ بصاحبه فالمشاركة موجودة اهـ سمين.\rوفي القاموس: اللوذ بالشيء الاستتار والاحتصان به، كاللواذ مثلثة واللياذ، والملاوذة والإحاطة كالإلاذة، وجانب الجبل وما يطيف به، ومنعطف الوادي والجمع ألواذ اهـ.\rقوله: (مستترين) تفسر لقوله: لِواذاً. قوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ مترتب على قوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ الخ. وعبارة أبي السعود: والفاء في قوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ لترتيب الحذر أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم، فإنه مما يوجب الحذر البتة أي: يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتا خلاف سمته، وعن إما لتضمينه معنى الاعراض أو حمله على معنى يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه عن الأمر إذا صد عنه، وحذف المفعول لما أن المقصود بيان المخالف والمخالف عنه، والضمير للّه تعالى لأنه الآمر حقيقة أو للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن المقصود بالذكر اهـ.\rأو أن الفعل على بابه من غير تضمين وعن زائدة اهـ شيخنا.","part":5,"page":323},{"id":1809,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 324\rأَمْرِهِ أي أمر اللّه أو رسوله أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ بلاء أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) في الآخرة\rأَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ أيها المكلفون عَلَيْهِ من الإيمان والنفاق وَيعلم يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فيه التفات عن الخطاب أي متى يكون فَيُنَبِّئُهُمْ فيه بِما عَمِلُوا من الخير والشر وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم وغيرها عَلِيمٌ (64).\rقوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ في تأويل مصدر مفعول يحذر، أي: إصابته فتنة من تسليط جائر عليهم وإسباغ نعمه استدارجا بهم اهـ شيخنا.\rوقوله: أَوْ يُصِيبَهُمْ. أو: مانعة خلو اهـ.\rقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ الخ كالدليل لما قبله من قوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و عبيدا) فائدة ذكره بعد ملكا وخلقا الإشارة إلى أن ما مستعملة في العاقل وغيره اهـ شيخنا.\rقوله: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ قال الزمخشري: أدخل قد لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ معطول على معمول يعلم، كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rويرجعون بالبناء للمفعول في قراءة الجمهور، والفاعل في قراءة يعقوب اهـ بيضاوي.\rقوله: فَيُنَبِّئُهُمْ أي: يخبرهم بما عملوا، أي: فلا يعاقبهم ويثيبهم إلا بعد إخبارهم بما عملوا وبيانه اهـ شيخنا.","part":5,"page":324},{"id":1810,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 325\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفرقان مكية إلا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله رَحِيماً فمدني وهي سبع وسبعون آية\rتَبارَكَ تعالى الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل عَلى عَبْدِهِ محمد بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (مكية) أي: نزلت قبل الهجرة، وتقدم أن أسماء السور وترتيبها وترتيب الآية توقيفي دون عدها، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد وأحوال المعاد اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى رحيما) وهو ثلاث آيات.\rقوله: (تعالى) تفسير لتبارك. أي: تعالى اللّه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم المعجز الناطق بعلو شأنه تعالى وسمو صفاته وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، فالبركة هي النمو والزيادة حسية كانت أو معنوية وصيغة التفاعل للمبالغة فيما ذكره اهـ أبو السعود.\rوتبارك: فعل ماض لا يتصرف فلا يجيء منه مضارع ولا اسم فاعل ولا مصدر، ولا يستعمل في غيره تعالى، والمعنى أنه سبحانه باق في ذاته أزلا وأبدا ممتنع التغير وباق في صفته ممتنع التبدل اهـ كرخي.\rقوله: (لأنه فرق بين الحق والباطل) وقيل: لأنه نزل مفرقا في أوقات كثيرة، ولهذا قال: نزل بالتشديد لتكثير التفريق اهـ خازن.\rوفي المصباح: فرقت بين الشيئين فرقا من باب قتل فصلت أبعاضه، وفرقت بين الحق والباطل فصلت أيضا. هذه هي اللغة العالية، وبها قرأ السبعة في قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: 25] ولغة من باب ضرب وقرأ بها بعض التابعين. وقال ابن الاعرابي: فرقت بين الكلامين فافترقا مخفف، وفرقت بين العبدين فتفرقا مثقل، فجعل المخفف في المعاني والمثقل في الأعيان، والذي حكاه غيره أنهما بمعنى والتثقيل مبالغة اهـ.\rوفي القرطبي: والفرقان القرآن، وقيل: إنه اسم لكل منزل كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [الفرقان: 35].","part":5,"page":325},{"id":1811,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 326\rلِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ أي الإنس والجن دون الملائكة نَذِيراً (1) مخوفا من عذاب اللّه\rالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ من شأنه أن يخلق فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2) سوّاه تسوية\rوَاتَّخَذُوا أي الكفار مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره آلِهَةً هي الأصنام وقد علمت أن السورة مكية، فيكون المراد بالفرقان البعض الذي كان قد نزل إذ ذاك بالفعل، والقرآن يطلق على جملته وعلى كل من أبعاضه، ويصح أن يراد به جملة القرآن ويكون نزل مستعملا في حقيقته بالنسبة لما نزل إذ ذاك بمعنى المستقبل بالنسبة لما كان سينزل اهـ.\rقوله: لِيَكُونَ علة نزل، والضمير فيه للعبد وهو النبي وهو أحسن لأنه أقرب مذكور، أو راجع للفرقان. وقوله: نَذِيراً أي وبشيرا، ويصح رجوعه للمنزل وهو اللّه تعالى، وقوله: لِلْعالَمِينَ متعلق بنذيرا قدم عليه لرعاية الفاصلة اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: دون غيره لا استقلالا ولا تبعا، وهذا الموصول يجوز فيه الرفع نعتا للذي الأول، أو بيانا أو بدلا أو خبرا لمبتدأ محذوف، والنصب على المدح وما بعده بدل من تمام الصلة فليس أجنبيا فلا يضر الفصل بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعا له اهـ سمين.\rوقوله: لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فيه رد على النصارى واليهود، وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فيه رد على الثنوية وعباد الأصنام، فأثبت له الملك بجميع وجوهه، ثم نفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه، ثم نبه على ما يدل عليه فقال: وخلق كل شيء الخ اهـ بيضاوي.\rقوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ هذا في معنى العلة لما قبله اهـ شيخنا.\rقوله: (من شأنه أن يخلق) أي: فلا يدخل في الشيء ذاته تعالى وصفاته، والمخصص لذلك هو العقل اهـ شيخنا.\rقوله: (سوّاه تسوية) أي: جعله مستويا لا اعوجاج فيه، ولا زائدا على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ولا ناقصا عن ذلك في بابي الدين والدنيا. وغرضه بهذا التفسير الجواب عما قاله بعضهم من أن في الآية قلبا لأجل رعاية الفاصلة، وسبب هذا القيل أن الخلق متأخر عن التقدير، إذ التقدير أزلي والخلق حادث؟ وعما قال بعض آخر من أن الخلق بمعنى التقدير، كما في قوله تعالى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [المائدة: 110] فكيف عطف عليه؟ وحاصل الجواب: أن الخلق هنا بمعنى الاخراج من العدم، والتقدير بمعنى التسوية وتسوية الشيء بعد إيجاده فحصلت المغايرة وصح العطف، وأجاب غيره بأجوبة غير ما ذكر اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وخلق كل شيء أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة، فقدره تقديرا قدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوعة، ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك أو فقدره للبقاء إلى أجل مسمى اهـ.\rقوله: (أي الكفار) أي: المذكورون في ضمن العالمين اهـ شيخنا.","part":5,"page":326},{"id":1812,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 327\rلا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا أي دفعه وَلا نَفْعاً أي جره وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً أي إماتة لأحد وإحياء لأحد وَلا نُشُوراً (3) أي بعثا للأموات\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا أي ما القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب افْتَراهُ محمد وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وهم من أهل الكتاب، قال تعالى: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (4) كفرا وكذبا أي بهما\rوَقالُوا أيضا هو أَساطِيرُ وعبارة السمين: قوله: وَاتَّخَذُوا يجوز أن يعود الضمير على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين، وأن يعود على من ادعى للّه شريكا وولدا لدلالة قوله: وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وأن يعود على المنذرين لدلالة نذيرا عليهم اهـ.\rقوله: آلِهَةً وصفهم بصفات سبع، أولها: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وآخرها قوله: وَلا نُشُوراً اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي: لأن العابدين لهم ينحتونهم ويصورونهم اهـ بيضاوي.\rقوله: ضَرًّا قدمه على النفع لأن دفع الضرر أهم، وقال: لأنفسهم ليدل على غاية عجزهم، لأن من لا ينفع نفسه لا ينفع غيره، وقدم الموت لمناسبته للضر المقدم اهـ شهاب.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ شروع في حكاية أباطيلهم المتعلقة بالمنزل والمنزل عليه معا وإبطالها اهـ أبو السعود.\rوالذين كفروا هم المشركون بقرينة ادعائهم إعانة بعض أهل الكتاب له اهـ شهاب.\rقوله: وَأَعانَهُ عَلَيْهِ أي الافتراء. قوله: (و هم من أهل الكتاب) يريدون بهم اليهود بأن تلقى إليه أخبار الأمم الماضية، وهو يعبر عنها بعبارات من عنده فهذا معنى عانتهم له اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) أي: ردا لهذه الشهبة. قوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً منصوب بجاؤوا فإن جاء وأتى يستعملان متعديين، أو هو منصوب بنزع الخافض وهو الذي درج عليه الشارح اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: ظُلْماً فيه أوجه، أحدها: أنه مفعول به لأن جاء يتعدى بنفسه وكذلك أتى. والثاني: أنه على إسقاط الخافض أي: جاؤوا بظلم. والثالث: أنه في موضع الحال فيجيء فيه ما في قولك: جاء زيد عدلا من الأوجه اهـ.\rقوله: (كفرا وكذبا) لف ونشر مرتب، وعبارة البيضاوي: فقد جاؤوا ظلما وهو جعل الكلام المعجز إفكا مختلفا متلقفا من اليهود، وزورا بنسبة ما هو بريء منه إليه انتهت.\rوالفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة، بل على الثاني هو عين الأول حقيقة، وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري، وقد لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالُوا (أيضا) أي كما قالوا الشبهة الأولى، وقوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ خبر مبتدأ محذوف كما أشار له الشارح، وعلى هذا فيكون قوله: اكْتَتَبَها في محل نصب على الحال، ويصح","part":5,"page":327},{"id":1813,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 328\rالْأَوَّلِينَ أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم اكْتَتَبَها انتسخها من ذلك القوم فغيره فَهِيَ تُمْلى تقرأ عَلَيْهِ ليحفظها بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) غدوة وعشيا، قال تعالى ردا عليهم\rقُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ الغيب فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً للمؤمنين رَحِيماً (6) بهم\rوَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ أن يكون قوله: أَساطِيرُ مبتدأ، وقوله: اكْتَتَبَها خبره اهـ شيخنا.\rقوله: اكْتَتَبَها أي: استكتبها. أي: أمر غيره بكتابتها ونسخها، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميا لا يقرأ الخط ولا يكتب باعترافهم، وقوله: (انتسخها) أي طلب نسخها أي: كتابتها. وقوله: (من ذلك القوم) حق التعبير أن يقول من أولئك القوم، فكأنه استعمل ذلك موضع أولئك، وقوله: بغيره متعلق بانتسخها أي أمره غيره أن ينسخها له لأنهم يعترفون بأنه لا يكتب، وقوله: (تقرأ) عَلَيْهِ أي: فليس المراد بالإملاء معناه الأصلي وهو الالقاء على الكاتب ليكتب اهـ شيخنا ..\rقوله: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ هذا من كلامهم، وقوله: بُكْرَةً وَأَصِيلًا المراد دائما وأبدا اهـ شيخنا.\rقوله: (الغيب) أي: ما غاب عنا. قوله: إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً تعليل لمحذوف تقديره: وأخر عقوبتكم ولم يعاجلكم بها لأنه كان غفورا رحيما اهـ شيخنا.\rوعبارة أبو السعود: وقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة أي: أنه تعالى أزلا وأبدا مستمر على المغفرة والرحمة المستتبعين للتأخير، فلذلك لا يعجل بعقوبتكم على ما تقولون في حقه مع كمال استيجابه إياها وغاية قدرته عليها اهـ.\rقوله: وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ الخ شروع في بيان بعض قبائحهم التي قالوها في شأن الرسول، وحاصل ما ذكر منها هنا ستة، والأخيرة هي قوله: إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً. وقد رد اللّه عليهم هذه الستة إجمالا في البعض وتفصيلا في البعض، فردّ بقوله: انْظُرْ كَيْفَ الخ الأربعة الأخيرة، ورد الرابعة والخامسة أيضا بقوله: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ الخ، ورد الأوليين بقوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ الخ [الفرقان: 20] اهـ شيخنا.\rوما: استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور بعدها خبره، ويأكل جملة حالية بها تتم فائدة الإخبار كقوله: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] وقد تقدم في سورة النساء أن لام الجر كتبت مفصولة من مجرورها وهو خارج عن قياس الخط، والعامل في الحال الاستقرار العامل في الجار أو نفس الجار ذكر أبو البقاء اهـ سمين.\rوفي الكشاف: وقالوا: مال هذا الرسول وقعت اللام مفصولة عن هذا في المصحف خارجة عن أوضاع الخط العربي وخط المصحف سنّة لا تغير اهـ.\rقوله: وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ الخ شروع في حكاية جناياتهم المتعلقة بخصوص المنزل عليه، وما استفهامية بمعنى إنكار الوقوع، ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها ما بعدها من الجار والمجرور، والإشارة تصغير لشأنه وتسميته رسولا بطريق الاستهزاء به أي أي شيء، وأي سبب حصل","part":5,"page":328},{"id":1814,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 329\rنَذِيراً (7) يصدقه\rأَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها أي من ثمارها فيكتفي بها، وفي قراءة نأكل بالنون أي نحن فيكون له مزية علينا بها وَقالَ الظَّالِمُونَ أي الكافرون للمؤمنين إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (8) مخدوعا مغلوبا على عقله، قال تعالى\rانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفعه وإلى ملك يقوم معه بالأمر فَضَلُّوا لهذا الذي يدعي الرسالة حال كونه يأكل الطعام كما نأكل ويمشي في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما نفعل اهـ أبو السعود.\rقوله: (هلا) أُنْزِلَ إِلَيْهِ أشار به إلى أن لو لا للتحضيض، وهو طلب الإنزال على سبيل العتو والطغيان، وهذا ما استظهره ابن هشام بعد نقله عن الهروي أنها للاستفهام اهـ كرخي.\rقوله: فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً العامة على نصبه وفيه وجهان، أحدهما: نصبه على جواب التحضيض. والثاني: قال أبو البقاء: فيكون منصوبا على جواب الاستفهام وفيه نظر، لأن ما بعد الفاء لا يترتب على هذا الاستفهام، وشرط النصب أن ينعقد منهما شرط وجزاء، وقرئ فيكون بالرفع وهو معطوف على أنزل وجاز عطفه على الماضي، لأن المراد بالماضي المستقبل، إذ التقدير لو لا ينزل اهـ سمين.\rقوله: (يصدقه) أي يشهد له ويرد على من يخالفه اهـ كرخي.\rقوله: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها معطوفان على أنزل لما تقدم من كونه بمعنى ينزل، ولا يجوز أن يعطف على فيكون المنصوب في الجواب لأنهما مندرجان في التحضيض في حكم الواقع بعد لولا، وليس المعنى على أنهما جواب للتحضيض فيعطفان على جوابه. وقرأ الأعمش، وقتادة: أو يكون له بالياء من تحت لأن تأنيث الجنة مجازي اهـ سمين.\rقوله: وَقالَ الظَّالِمُونَ هم القائلون الأولون إنما وضع المظهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بوصف الظلم وتجاوز الحد فيما قالوا اهـ أبو السعود.\rقوله: (مغلوبا على عقله) أي: فالمراد: بالسحر هنا لازمه وهو اختلال العقل اهـ.\rقوله: انْظُرْ كَيْفَ الخ استعظام للأباطيل التي اجترؤوا على التفوه بها وتعجب منها. أي: انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول الجارية مجرى الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة البعيدة عن الوقوع اهـ أبو السعود.\rقوله: (و المحتاج إلى ما ينفعه) أي: من الكنز والجنة فتحته شيئان. قوله: فَضَلُّوا (بذلك) أي: ضرب الأمثال عن الهدى أي الحق، وبيان وجه الجواب عن هذه الشبهة كأنه تعالى قال: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها، لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيها سبيلا البتة، إذ الطعن فيها إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهدا الجنس من القول اهـ كرخي.","part":5,"page":329},{"id":1815,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 330\rبذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) طريقا إليه\rتَبارَكَ تكاثر خير اللّه الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الذي قالوه من الكنز والبستان جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة وَيَجْعَلْ بالجزم لَكَ قُصُوراً (10) أيضا، وفي قراءة بالرفع استئنافا\rبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ القيامة وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) نارا مسعرة أي مشتدة قوله: (طريقا إليه) أي: الهدى: قوله: تَبارَكَ فعل وفاعله الذي، وأشار الشارح إلى أنه على حذف مضاف أي: تبارك خير الذي، وفسّر تبارك هنا بتكاثر وفيما سبق بتعالى، وفيما سيأتي آخر السورة بتعاظم اعتبارا لكل مقام بما يناسبه اهـ شيخنا.\rقوله: خَيْراً مِنْ ذلِكَ أي: الذي اقترحوه من أن يكون لك جنة تأكل منها بأن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة، وقوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بدلا من خير محقق لخيريته على ما قالوا، لأن ذلك كان مطلقا عن قيد التعدد وجريان الأنهار اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: جَنَّاتٍ يجوز أن يكون بدلا من خيرا، وأن يكون عطف بيان عند من يجوزه في النكرات، وأن يكون منصوبا بإضمار أعني وتجري من تحتها الأنهار صفة اهـ.\rقوله: (لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة) تعليل للتقييد بقوله: (أي في الدنيا) أي: فالعطاء في الدنيا هو الذي يصح تعليقه بإن الشرطية، وأما العطاء في الآخرة فهو محقق. والظاهر أن المراد بمشيئة الإعطاء في الآخرة تعلق الإرادة القديم الأزلي، لأن تعلقه الحادث إنما يكون عند وجود الشيء مقارنا لتعلق القدرة به تأمل. قوله: وَيَجْعَلْ (بالجزم) أي: عطفا على محل جعل الواقع جزاء، فسكون اللام في هذا المضارع للجزم لا للادغام، وقوله: (و في قراءة) أي سبعية بالرفع، وعليها فالمراد الجعل في الآخرة، وعبارة أبي السعود: ويجعل لك قصورا عطف على محل الجزاء الذي هو جعل، وقرئ بالوضع عطفا عليه أيضا لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع، ويجوز أن يكون استئنافا بوعد ما يكون له في الآخرة اهـ.\rوعبارة السمين: قوله: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر برفع يجعل، والباقون بإدغام لام يجعل في لام لك، أما الرفع ففيه وجهان، أحدهما: أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط، وقال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع. قال الزمخشري: وليس هذا مذهب سيبويه، بل مذهبه أن الجواب محذوف وأن هذا المضارع منوي به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين أنه جواب لا على حذفها بل لما كان الشرط ماضيا ضعف تأثير إن فيه فارتفع. فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين، ثم قال الشيخ: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في ضرورة. وأما القراءة الثانية فتحتمل وجهين، أحدهما: أن سكون اللام للجزم عطفا على محل جعل لأنه جواب الشرط. والثاني: أنه مرفوع وإنما سكن لأجل الإدغام قاله الزمخشري وغيره اهـ.\rقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ إضراب عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السابقة وانتقال منه إلى","part":5,"page":330},{"id":1816,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 331\rإِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب وَزَفِيراً (12) توبيخهم بحكاية جنايتهم الأخرى للتخلص إلى بيان ما لهم في الآخرة من فنون العذاب اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَعْتَدْنا أي: هيأنا وخلقنا فالنار موجودة اليوم لهذه الآية، كما أن الجنة كذلك لقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] وعبارة أبي السعود أي: هيأنا لهم نارا عظيمة شديدة الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب تكذيبهم على ما يشعر به وضع الموصول موضع ضميرهم، ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع وإعداد السعير لهم، وإن لم يكن لخصوص تكذيبهم بالساعة بل لأي تكذيب بشيء من الشريعة، لكن الساعة لما كانت هي العلة القريبة لدخولهم السعير اقتصر على ترتيب الإعداد على التكذيب بها اهـ.\rقوله: (نارا مسعرة) بالتشديد والتخفيف، ففي المصباح: وسعرت النار سعرا من باب نفع، وأسعرتها إسعارا أوقدتها فاستعرت اهـ.\rوفي المختار: سعر النار والحرب هيجها وألهبها وبابه قطع، وقرئ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير: 12] مخففا ومشددا والتشديد للمبالغة، واستعرت النار وتسعرت توقدت والسعير النار.\rوقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر: 47] قال الفراء: في عناء وعذاب، والسعر أيضا: الجنون اهـ.\rقوله: إِذا رَأَتْهُمْ أي: رؤية حقيقية بعينها كما جاء في حديث: إن لها عينين ولا مانع منه، والجملة الشرطية صفة اهـ شيخنا.\rولما لم تكن الحياة مشروطة بالبنية الحيوانية أمكن أن يخلق اللّه فيها الحياة فترى وتتغيظ وتزفر، وقيل: إن ذلك لزبانيتها ونسب إليها على حذف المضاف اهـ.\rقوله أيضا: إِذا رَأَتْهُمْ الخ ظاهره إثابت الرؤية لها، وفي البيضاوي ما يقتضي أن في العبارة قلبا حيث قال: إذا كانت بمرأى منهم اهـ.\rوفي زكريا عليه ما نصه: قوله: إذا كانت بمرأى منهم أوله بما ذكر لأنها تتصف بالرؤية، وهذا التأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة خلافا للأشاعرة، فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها، كما أشار إليه بقوله: هذا وإن الحياة الخ اهـ.\rوعبارة الخازن: فإن قلت: كيف تتصور الرؤية من النار في قوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ؟ قلت: يجوز أن يخلق اللّه تعالى لها حياة وعقلا ورؤية، وقيل: معناه رأتهم زبانيتها اهـ.\rقوله: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قيل: مسيرة سنة، وقيل: مائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: إذا رأتهم من مكان بعيد أي: من مسيرة خمسمائة عام سمعوا لها تغيظا وزفيرا قيل: المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، وقيل: المعنى إذا رأتهم خزانها سمعوا لها تغيظا وزفيرا حرصا على عذابهم. والأول أصح لما روي مرفوعا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من كذب","part":5,"page":331},{"id":1817,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 332\rصوتا شديدا، أو سماع التغيظ رؤيته وعلمه\rوَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً بالتشديد والتخفيف بأن يضيق عليه ومنها حال مكانا لأنه في الأصل صفة له مُقَرَّنِينَ مصفدين قد قرنت أي جمعت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والتشديد للتكثير دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13) هلاكا فيقال لهم عليّ متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا». وقيل: يا رسول اللّه أو لها عينان؟ قال: «ما سمعتم اللّه عز وجل يقول: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً يخرج عنق من النار له عينان يبصران ولسان ينطق فيقول: وكلت بمن جعل مع اللّه إلها آخر فلهو أبصر به من الطير بحب السمسم فيلتقطه».\rوفي رواية: «فيخرج عنق من النار فيلقط الكفار لقط الطير حب السمسم». ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقيل: أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة. وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران وأذنان يسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع اللّه إلها آخر، وبالمصورين». وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، وقال الكلبي: سمعوا لها تغيظا كتغيظ بني آدم وصوتا كصوت الحمار اهـ.\rقوله: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً التغيظ: إظهار الغيظ الذي هو الغضب الكامن في القلب كما قاله الشهاب، ولما كان التغيظ لا يسمع أشار الشارح أولا إلى أن المراد به ما يدل عليه وهو الغليان وهو يسمع، وثانيا إلى أن المراد بالسماع الرؤية والعلم والتغيظ يرى ويعلم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً إن قيل التغيظ لا يسمع، فالجواب من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه على حذف مضاف أي: صوت تغيظها. والثاني: أنه على حذف تقديره سمعوا ورأوا تغيظا وزفيرا فيرجع كل واحد إلى ما يليق به أي: رأوا تغيظا وسمعوا زفيرا. الثالث: أن يضمن سمعوا معنى يشمل الشيئين أي: أدركوا لها تغيظا وزفيرا اهـ.\rقوله: وَإِذا أُلْقُوا أي: طرحوا مكانا أي فيه، وقوله: (بأن يضيق) عليهم أي: كضيق الحائط على الوتد الذي يدق فيه بعنف، وقوله: (حال) من مكانا أي: وإذا ألقوا في مكان حال كونه منها اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنه في الأصل صفة له) أي: وصفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالا اهـ شيخنا.\rقوله: مُقَرَّنِينَ حال من الواو في ألقوا ومعناه شيئان: التصفيد أي تقييد الأرجل وجمع الأيدي والأعناق في السلاسل، فلذلك قال: مصفدين قد قرنت الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (مصفدين) في المختار: صفده شده وأوثقه من باب ضرب وكذا صفده تصفيدا، والصفد بفتحتين والصفاد بالكسر ما يوثق به الأسير من قيد وغل، والأصفاد القيود واحدها صفد اهـ.\rقوله: دَعَوْا هُنالِكَ أي: في ذلك المكان ثبورا أي: نادوا ثبورا فيقولون: يا ثبوراه أي: احضر فهذا أوانك، فإن الهلاك أخف عليهم مما هم فيه لكنهم لا يهلكون اهـ شيخنا.\rقوله: (فيقال لهم) أي: على سبيل التهكم بهم أي: تقول لهم خزنة جهنم اهـ شيخنا.","part":5,"page":332},{"id":1818,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 333\rلا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14) كعذابكم\rقُلْ أَذلِكَ المذكور من الوعيد وصفة النار خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ ها الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ في علمه تعالى جَزاءً ثوابا وفي الشهاب: قوله: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ الخ هذا معمول لقول محذوف كما قدره الشارح، وهذا المحذوف معطوف على ما قبله اهـ.\rقوله: ثُبُوراً واحِداً أي: مرة واحدة من الهلاك اهـ شيخنا.\rقوله: (كعذابكم) تشبيه في الكثرة، وفي نسخة لعذابكم باللام أي: لأجل دوام عذابكم وكثرته، فينبغي أن يكون دعاؤكم على حسبه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وادعوا ثبورا كثيرا لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد لقوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [النساء: 56] أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور اهـ.\rقوله: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ الخ فإن قيل: كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر؟ فالجواب: أن هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر فضربه وقال له: هذا خير أم ذاك، فإن قيل: الجنة اسم لدار مخلدة فأي فائدة في قوله جنة الخلد؟ فالجواب: أن الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان صفات الكمال كقوله تعالى: الْخالِقُ الْبارِئُ [الحشر: 24] وهذا من هذا الباب اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: فإن قيل: كيف قال أذلك خير ولا خير في النار؟ فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة، وقد علم أن السعادة أحب إليه. وقيل: ليس هو من باب أفعل منك وإنما هو كقولك عنده خير. قال النحاس: وهذا قول حسن اهـ.\rقوله أيضا: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ الخ الإشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم، أو الإشارة إلى الكنز والجنة، والراجع إلى الوصول محذوف أي: وعدها. وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح أو للدلالة على خلودها أو للتمييز عن جنات الدنيا اهـ بيضاوي.\rوقوله: الإشارة إلى العذاب المراد به عذاب النار التي عبّر عنها بالسعير، وإنما سماها عذابا بالتذكير اسم الإشارة، والدليل على إرادتها أنها هي التي تقابل جنة الخلد فلا وجه لما قيل إن الإشارة للسعير أو للمكان الضيق أولى اهـ شهاب.\rأي: لتقدم ذكر المرجع ولتحسن المقابلة اهـ.\rوقوله: والاستفهام والتفضيل الخ جواب عما يقال كيف يتصور الشك في أيهما خير حتى يحسن الاستفهام والترديد، وأجاب: بأن ذلك يحسن في معرض التقريع والتهكم اهـ زاده.\rقوله: كانَتْ لَهُمْ (في علمه تعالى) جواب كيف قال في وصف الجنة ذلك مع أنها لم تكن حينئذ جزاء ومصيرا، وإنما تكون بعد الحشر والنشر، أو قال ذلك لأن ما وعد اللّه به فهو في تحققه كأنه قد كان، ولأنه قد كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم اللّه بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم اهـ كرخي.","part":5,"page":333},{"id":1819,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 334\rوَمَصِيراً (15) مرجعا\rلَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ حال لازمة كانَ وعدهم ما ذكر عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا (16) يسأله من وعد به ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، أو تسأله لهم الملائكة ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم\rوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالنون والتحتانية وَما يَعْبُدُونَ مِنْ قوله: (مرجعا) أي: مسكنا ومستقرا.\rقوله: لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ أي: ما يشاؤونه من النعيم، ولعله يقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبتها، لأن الظاهر أن الناقص لا يدرك شيئا مما هو للكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحل إلا في الجنة اهـ بيضاوي.\rوقوله: ولعله يقصر الخ جواب عما يقال إن عموم الموصول يقتضي أنه إذا شاء أحد رتبة من فوقه كالأنبياء نالها، فلم يبق بين الناقص والكامل تفاوت، ويقتضي أيضا أنه إذا شاء أحد الشفاعة لأحد من أهل النار كأبيه أو ولده فإنها تقبل شفاعته مع أن عذاب الكافر مخلد، وتقدير الجواب: أن المراد لهم ما يشاؤون مما يليق برتبتهم، وأنه تعالى لا يلقي في خواطرهم أن ينالوا رتبة من هو أشرف منهم ولا يلتفتوا إلى حال غيرهم اهـ شهاب وزاده.\rقوله: (حال) أي: من الهاء في لهم أو من الواو في يشاؤون اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 334\r\rله: (حال) أي: من الهاء في لهم أو من الواو في يشاؤون اهـ.\rقوله: كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا في اسم كان وجهان، أحدهما: أنه ضمير يعود على ما من قوله ما يشاؤون ذكره أبو البقاء. والثاني: أن يعود على الوعد المفهوم من قوله: وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ومسؤولا على المجاز أي يسأل هل وفى به أم لا، أو يسأله من وعد به اهـ سمين.\rقوله: (ربنا وآتنا الخ) أي: يقول السائل في سؤاله ربنا وآتنا أي: أعطنا ما وعدتنا أي: من الجنة والنعيم (على رسلك) أي: على ألسنتهم اهـ شيخنا.\rقوله: (ربنا وأدخلهم) أي: يقولون في سؤالهم ربنا وأدخلهم الخ.\rقوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ هذا متصل في المعنى بقوله في أول السورة: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الفرقان: 3] الخ ويوم معمول لا ذكر مقدرا معطوفا على قل اهـ شهاب.\rوالضمير في نحشرهم للعابدين لغير اللّه، وقوله: وَما يَعْبُدُونَ عطف على مفعول نحشرهم ويضعف نصبه على المعية وغلب غير العاقل على العاقل فأتى بما دون من اهـ سمين.\rوقوله: وغلب غير العاقل الخ هذا أحد وجوه ثلاثة في المقام وهو غير ما سلكه الشارح، فإنه جرى على أن ما مستعملة في العقلاء فقط، والوجه الثالث أنها مستعملة فيما لا يعقل فقط. وعبارة أبي السعود: وما يعبدون من دون اللّه أريد بهم ما يعم العقلاء وغيرهم، لأن كلمة ما موضوعة للكل على قول، أو لتغليب الأصنام من غيرها على قول أو أريد بهم الملائكة والمسيح وعزير بقرينة السؤال.\rوالجواب: أو أريد الأصنام وينطقها اللّه تعالى أو تتكلم بلسان الحال كما قيل في شهادة الأيدي والأرجل اهـ.","part":5,"page":334},{"id":1820,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 335\rدُونِ اللَّهِ أي غيره من الملائكة وعيسى وعزير والجن فَيَقُولُ تعالى بالتحتانية والنون للمعبودين إثباتا للحجة على العابدين أَأَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) الحق بأنفسهم\rقالُوا سُبْحانَكَ تنزيها لك عما لا يليق بك ما كانَ يَنْبَغِي يستقيم لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ أي غيرك مِنْ أَوْلِياءَ مفعول أول، قوله: (بالنون) أي: مع النون في يقول ومع الياء فيه، وقوله: (و التحتانية) أي: مع التحتانية في يقول، فالقراءات ثلاثة وإن أوهم كلامه أنها أربعة اهـ شيخنا.\rقوله: (إثباتا للحجة على العابدين) أي: وتقريعا وتبكيتا لهم اهـ بيضاوي.\rوهذا جواب عما يقال إنه تعالى كان عالما في الأزل بحال المسؤول فما فائدة هذا السؤال؟\rوتقرير الجواب: أن فائدته تقريع العبدة وإلزامهم كما يقال لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116] لأنهم إذا سئلوا بذلك وأجابوا بما هو الحق الواقع تزداد حسرة العبدة ويبكتون بتكذيب المعبودين إياهم وتبرئهم منهم اهـ زاده.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين) أي: مع إدخال ألف بينهما وتركه فالتحقيق فيه قراءتان، وقوله:\r(و إبدال الثانية ألفا) هذه قراءة واحدة، وعليها فيلزم التقاء الساكنين على غير حده ولا يعترض عليه لأنه مسموع منه صلّى اللّه عليه وسلّم وكلامه حجة عربية لأنه أفصح العرب، فلا يعترض بما ذكر إلا على ما يسمع منه.\rوقوله: (و تسهيلها الخ) هاتان قراءتان، فمجموع القراءات هنا خمسة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: هؤُلاءِ نعت لعبادي أو عطف بيان عليه أو بدل منه اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا أي: المعبودون سبحانك الخ هذا استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل: قالوا سبحانك الخ اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قالوا: سبحانك أي قالوه تعجبا لأنهم ملائكة وأنبياء وهم معصومون فما أبعدهم من الإضلال الذي هو مختص بإبليس وجنوده، أو أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون الموسومون بذلك، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده اهـ.\rقوله: مِنْ أَوْلِياءَ جمع ولي بمعنى تابع أي: عابد، فأولياء بمعنى الأتباع اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: من أولياء أي أتباعا فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع، كالمولى يطلق على الأعلى والأسفل، ومنه أولياء الشيطان اهـ.\rوعبارة أبي السعود: ما كان ينبغي لنا أي: ما صح وما استقام لنا أن نتخذ من دونك أي:\rمتجاوزين إياك من أولياء نعبدهم لما بنا من الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذ وليا غيرك فضلا أن يتخذنا وليا، أو أو نتخذ من دونك أولياء أي أتباعا، فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع كالمولى يطلق على الأعلى والأسفل، ومنه أولياء الشيطان أي أتباعه اهـ.","part":5,"page":335},{"id":1821,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 336\rومن زائدة لتأكيد النفي، وما قبله الثاني فكيف نأمر بعبادتنا وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ من قبلهم بإطالة العمر وسعة الرزق حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن وَكانُوا قَوْماً بُوراً (18) هلكى، قال تعالى\rفَقَدْ كَذَّبُوكُمْ أي كذب المعبودون العابدين بِما تَقُولُونَ والاحتمال الأول في كلام أبي السعود هو اللائق بصنيع الشارح فعليه يراد بالأولياء المعبودون اهـ.\rقوله: (مفعول أول) أي: لنتخذ لأنه الذي يجوز أن تكون من فيه زائدة، بخلاف الثاني تقول: ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز عند الأكثرين ما اتخذت أحدا من ولي، ولو جاز ذلك لجاز فما منكم أحد عنه من حاجزين وحسن من السحاب النفي على نتخذ لأنه معمول لينبغي، وإذا انتفى الانبغاء لزم منه انتفاء متعلقه اهـ كرخي.\rقوله: (و ما قبله) وهو قوله: مِنْ دُونِكَ الثاني أي: المفعول الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: (فكيف نأمر بعبادتنا) أي: فكيف نأمرهم بأن يعبدونا أي: فما أضللناهم ولا أغويناهم ولكن متعتهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ الخ لما تضمن كلامهم أنا لم نضلهم ولم نحملهم على الضلال حسن هذا الاستدراك، وهو أن ذكروا سببه أي: أنعمت عليهم وتفضلت، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية اهـ سمين.\rقوله: (من قبلهم) يصح في من أن تكون موصولة تفسيرا للمراد بآبائهم، ويصح أن تكون حرف جر نعتا لآبائهم أي: الكائنين من قبلهم اهـ شيخنا.\rقوله: (تركوا الموعظة الخ) عبارة الخ أبي السعود: حتى نسوا الذكر أي: غفلوا عن ذكرك أو عن التذكر في آلائك والتدبر في آياتك، فجعلوا أسباب الهداية بسوء اختيارهم ذريعة إلى الغواية اهـ.\rقوله: بُوراً جمع بائر كهالك وزنا ومعنى، وهلكى جمع هالك على حد قوله:\rفعلى الوصف كقتيل وزمن\r\rاه شيخنا.\rوفي السمين: يجوز في بورا وجهان، أحدهما: أنه جمع بائر كعائذ وعوذ. والثاني: أنه مصدر في الأصل فيستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث وهو من البوار وهو الهلاك، وقيل: من الفساد وهي لغة الأزد يقولون: بارت بضاعته أي: فسدت، وأمرنا بائر أي فاسد، وهذا معنى قولهم كسدت البضاعة، وقال الحسن: هو من قولهم أرض بور أي: لا نبات بها، وهذا يرجع إلى معنى الهلاك والفساد أيضا اهـ.\rقوله: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ خطاب للعابدين على ما يفهم من صنيعه، فالواو واقعة على المعبودين، والكاف على العابدين. وقوله: بِما تَقُولُونَ أي: فيما تقولون، وقوله: (بالفوقانية) أي: باتفاق العشرة، وقوله: (أنهم آلهة) مقول القول اهـ شيخنا.","part":5,"page":336},{"id":1822,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 337\rبالفوقانية أنهم آلهة فَما تَسْتَطِيعُونَ بالتحتانية والفوقانية أي لا هم ولا أنتم صَرْفاً دفعا للعذاب عنكم وَلا نَصْراً منعا لكم منه وَمَنْ يَظْلِمْ يشرك مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19) شديدا في الآخرة\rوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل لهم مثل ما قيل لك وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً بلية ابتلي قوله: (أي لا هم) راجع للتحتانية، وقوله: (و لا أنتم) راجع للفوقانية فهو لف ونشر مرتب اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أي: أيها المكلفون اهـ بيضاوي.\rوإنما لم يجعل الضمير للكفار بقرينة السياق كما قيل لأنه يحتاج لتأويله بيدم على الظلم اهـ شهاب. قوله: نُذِقْهُ العامة بنون العظمة، وقرئ بالياء. وفي الفاعل وجهان، أظهرهما: أنه اللّه تعالى لدلالة قراءة العامة على ذلك. والثاني: أنه ضمير الظلم المفهوم من الفعل، وفيه تجوز بإسناد إذاقة العذاب إلى سببها وهو الظلم اهـ سمين.\rقوله: (في الآخرة) أي: وفي الدنيا أيضا.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ الخ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يشير له قول الشارح: وقد قيل لهم كما قيل لك، وقوله: إِلَّا إِنَّهُمْ الخ الجملة حالية وإن مكسورة باتفاق العشرة، واللام لام الابتداء زيدت في الخبر اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ الخ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا، فإنه أشرف الأشراف وقد ابتلي بأخس الأخساء اهـ شيخنا.\rقوله: (ابتلي الغني بالفقير الخ) هذا ما جرى عليه أكثر المفسرين، وهو أن الغني مثلا ابتلي بقول الفقير: ما لي لا أكون كهذا في الغنى ونحوه من الأقاويل الخارجة عن حد الإنصاف ومن مناصبته العداوة له، والذي يطلب من الغني الصبر على ما يقع من الفقير من قول أو فعل كما قال تعالى:\rوَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186] وقيل: إن اللّه تعالى جعل الغني فتنة للفقير لينظر هل يصبر على فقره أم لا. والأول أظهر لعمومه وشموله حتى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المخصوص بكرامة النبوة ويشهد له تسلية اللّه له وتصبيره على ما قالوه وتفوهوا به من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وقيل: إن الغني فتنة للفقير يقول: ما لي لم أكن مثله، والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع اهـ.\rوفي القرطبي: الثامنة قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ أي: أن الدنيا بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، والصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد","part":5,"page":337},{"id":1823,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 338\rالغني بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع يقول الثاني في كل ما لي لا أكون كالأول في كل أَتَصْبِرُونَ على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم؟ استفهام بمعنى الأمر أي اصبروا وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) بمن يصبر وبمن يجزع\r* وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لا يخافون البعث لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فكانوا رسلا إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فنخبر بأن محمدا رسوله، قال مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق كما قال الضحاك في معنى أتصبرون أي: على الحق. وأصحاب البلايا يقولون: لم لم نعاف؟ والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل. ألا ترى إلى قولهم: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كل منهما نفسه هذا عن البطر وذاك عن الضجر. وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:\r«ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان بعضكم لبعض فتنة»، وهو قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ أسنده الثعلبي اهـ.\rقوله: (بالفقير) أي: بأذاه حيث يقول له أنت لا تعطيني، أنت كذا أنت كذا ما لي لا أكون مثلك وكذا يقال في الباقي اهـ شيخنا.\rقوله: (يقول الثاني) أي: الفقير والمريض والوضيع في كل أي: من الأقسام الثلاثة، وقوله:\r(كالأول) أي: الغني والصحيح والشريف اهـ شيخنا.\rقوله: (استفهام بمعنى الأمر) نحو أأسلمتم أي: أسلموا كما مرّ في سورة آل عمران، وجرى كثيرون على أنها لمجرد الاستفهام أي: أتصبرون أم لا اهـ كرخي.\rروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم» اهـ خازن.\rقوله: (لا يخافون البعث) أي: لإنكارهم له لرفههم آمنون منه في زعمهم اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: لا يرجون أي: لا يؤملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث، أو لا يخافون لقاءنا بالشر على لغة تهامة، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية فإنها وصول إلى المراد به الوصول إلى جزائه، ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول اهـ.\rقوله: (فكانوا رسلا إلينا) أي: بالبعث وغيره بدل محمد، وعبارة البيضاوي: لو لا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا بصدق محمد، وقيل: فيكونون رسلا إلينا اهـ.\rقوله: (فنخبر) بالبناء للمفعول، وعبارة الخازن: فيخبرنا اهـ.","part":5,"page":338},{"id":1824,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 339\rتعالى لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا تكبروا فِي شأن أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا طغوا عُتُوًّا كَبِيراً (21) بطلبهم رؤية اللّه تعالى في الدنيا، وعتوا بالواو على أصله بخلاف عتيا بالإبدال في مريم\rيَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ في جملة الخلائق يوم القيامة، ونصبه باذكر مقدرا لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي الكافرين بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22) على عادتهم في الدنيا إذا نزلت بهم شدة قوله: (قال تعالى) أي: ردا عليهم في الشبهتين، فردّا الأولى بقوله لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا الخ، ورد الثانية بقوله: وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً وقوله: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا أي: حيث طمعوا في أن رسلهم يكونون ملائكة ولم يرضوا بأن يكون رسولهم بشرا لكبرهم، فعلى هذا قول الشارح بطلبهم رؤية اللّه في الدنيا متعلق بعتوا، والباء للسببية ولم يذكر متعلق استكبروا اهـ شيخنا.\rقوله: فِي (شأن) أَنْفُسِهِمْ يعني: أنهم لتكبرهم استكبروا أنفسهم أي: عدوها كبيرة لشأن وخصوصية لها فنزل فيه الفعل المتعدي منزلة اللازم وأصله من استكبره إذا عدّه كبيرا أي: عظيما. وفي الكشاف: معناه أنهم أصروا الاستكبار في أنفسهم وهو أظهر مما ذكره المصنف وعدل عنه، لأن ما ذكره أبلغ منه اهـ شهاب.\rقوله: (على أصله) أي: من عدم الإبدال، وقوله: (بالإبدال) أي: لمناسبة الفواصل هناك، وأصله كما تقدم الشارح هناك عتووا بواوين الأولى ساكنة فكسرت التاء، فيقال: سكنت الواو إثر كسرة فقلبت ياء فصار عتيوا، ثم يقال: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء اهـ شيخنا.\rقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ أي: ملائكة العذاب. قوله: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ هذه الجملة معمولة لقول مضمر أي: يرون الملائكة يقولون لا بشرى، فالقول خال من الملائكة وهو نظير التقدير في قوله:\rوَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23] اهـ سمين.\rوكل من الظرف والجار والمجرور خبر عن لا النافية للجنس اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَقُولُونَ حِجْراً الحجر: مصدر بمعنى الاستعاذة، وقوله محجورا تأكيد له على حد قولهم: حرام محرم، وقوله: (أي: عوذا) أي استعاذة ومعاذا بمعنى ما قبله اهـ شيخنا.\rوفي المختار: عاذ به من باب قال، واستعاذ به لجأ إليه وهو عياذه أي: ملجؤه وأعاذ به غيره وعوذه بمعنى، وقولهم: معاذ اللّه أي أعوذ به معاذا، والعوذة والتعويذ كله بمعنى، وقرأت المعوذتين بكسر الواو اهـ.\rوعبارة السمين: ويقولون معطوف على يرون فالضمير للكفار، وحجرا من المصادر الملتزم اضمار ناصبها ولا تصرف فيها اهـ.\rوفي البيضاوي: لا يتصرف في هذا المصدر ولا يظهر ناصبه اهـ.\rقال سيبويه: ويقول الرجل أتفعل كذا؟ فيقول: حجرا وهو من حجره من باب منع إذا منعه، لأن المستعيذ طالب من اللّه أن يمنع المكروه بحيث لا يلحقه، وكأن المعنى سأل اللّه أن يمنعه منعا ويحجره","part":5,"page":339},{"id":1825,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 340\rأي عوذا معاذا يستعيذون من الملائكة، قال تعالى\rوَقَدِمْنا عمدنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ من الخير كصدقة وصلة رحم وقرى ضيف وإغاثة ملهوف في الدنيا فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23) هو ما يرى في الكوى التي عليها الشمس كالغبار المفرق أي مثله في عدم النفع به إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا\rأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا من الكافرين حجرا، والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمها وهو لغة فيه. وحكى أبو البقاء فيه لغة ثالثة وهي الفتح قال: وقد قرئ بها. فعلى هذا يكمل فيه ثلاث لغات مقروء بهن.\rومحجورا صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل وموت مائت والحجر العقل لأنه يمنع صاحبه. قوله:\r(على عادتهم في الدنيا) عبارة أبي السعود: وهو كلمة يتكلمون بها عند لقاء عدوا أو هجوم نازلة هائلة يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون من اللّه أن يمنع المكروه فلا يلحقهم، فكأن المعنى: نسأل اللّه تعالى أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا اهـ.\rقوله: (يستعيذون من الملائكة) أي: يطلبون من اللّه عدم لقائهم اهـ شهاب.\rقوله: وَقَدِمْنا الخ لما كان القدوم عليه تعالى محالا فسره بلازمه وهو القصد، فقوله:\r(عمدنا) أي قصدنا وهو من باب ضرب، والقصد في حق اللّه يرجع لمعنى الإرادة اهـ شيخنا.\rقوله: (و قرى ضيف) القرى: مصدر بمعنى الإحسان إلى الضيف ويصح فيه كسر القاف مع القصر وفتحها مع المد، ويستعمل المكسور أيضا بمعنى ما يقدم للضيف من الزاد، ويقال في فعله قرى يقري كرمى يرمي، فمضارعه بفتح الياء اهـ شيخنا.\rقوله: (في الدنيا) متعلق بعملوا. قوله: هَباءً مَنْثُوراً الهباء والهبوة التراب الدقيق قاله ابن عرفة، وقال الجوهري: يقال فيه هبا يهبو إذا ارتفع. وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوة يتراءى مع ضوء الشمس، وقيل: الهباء ما تطاير من شرر النار إذا أضرمت الواحدة هباءة على حد تمر وتمرة اهـ سمين.\rوفي الخازن: والهباء هو ما يرى في الكوة كالغبار إذا وقعت الشمس فيها فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظلل والمنثور المفرق. قال ابن عباس: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر، وقيل: هو ما يسطع من حوافر الدواب من الغبار عند السير اهـ.\rقوله: (في الكوى) جمع كوة بفتح الكاف، وضمها وهي الطاقة في الحائط، لكن جمع المفتوح يجوز فيه كسر الكاف مع القصر والمد، وأما جمع المضموم فهو بضم الكاف مع القصر لا غير اهـ شيخنا.\rقوله: (لعدم شرطه) وهو الإيمان، وقوله: (و يجازون عليه في الدنيا) أي: بإعطاء الولد والمال والصحة والعافية اهـ شيخنا.\rقوله: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا (من الكافرين) أي: من مستقرهم في الدنيا، فأفعل التفضيل على بابه، وقوله: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا منهم أي: من الكافرين، من مقيلهم فيها، أي: في الدنيا فأفعل التفضيل على بابه أيضا اهـ شيخنا.","part":5,"page":340},{"id":1826,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 341\rفي الدنيا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) منهم أي موضع قائلة فيها وهي الاستراحة نصف النهار في الحر، وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار كما ورد في حديث\rوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ أي كل سماء بِالْغَمامِ أي معه، وهو غيم أبيض وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ من كل سماء تَنْزِيلًا (25) هو يوم وفي السمين: خير مستقرا وأحسن مقيلا في أفعل هنا قولان، أحدهما: أنه على بابه من التفضيل، والمعنى أن للمؤمنين في الآخرة مستقرا خيرا من مستقر الكفار، وأحسن مقيلا من مقيلهم لو فرض أن يكون لهم ذلك أو على أنهم خير في الآخرة منهم في الدنيا. والثاني: أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة اهـ.\rقوله: (في الدنيا) هو جواب ما يقال كيف قال خير مستقرا، وقد علم أنه لا خير في مستقر أهل النار، وإنما يقال هذا خير من هذا إذا كان في كل واحد منهما خير. وإيضاحه: أن معنى الآية أن أصحاب الجنة في الجنة خير مستقرا من أهل النار في الدنيا إذ مستقرهم في الدنيا ضروب من الملاهي تميل إليها القلوب، فإذا أخبروا بأن مستقر المطيعين في الآخرة خير من هذا المستقر الذي يعاينونه كان في ذلك تعزية لهم عن طلب مثله في العاجل، وتحريض لهم على التماس ما هو خير منه في الآجل اهـ كرخي.\rقوله: (و أخذ من ذلك) أي: من قوله وأحسن مقيلا، وذلك لأن القائلة تكون في نصف النهار والحساب من أوله، وقد أشارت الآية إلى أن كلّا من أهل الجنة وأهل النار قد قالوا أي: استقروا في وقت القيلولة، وإن كان استقرار المؤمنين في راحة، واستقرار الكافرين في عذاب، فيكون الحساب لجميع الخلائق قد انقضى في هذا الوقت اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. والقيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن اللّه تعالى قال:\rوأحسن مقيلا، والجنة: لا نوم فيها. ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس اهـ.\rقوله: (أي كل سماء) أخذه من أل.\rقوله: بِالْغَمامِ في هذه الباء ثلاثة أوجه، أحدها: أنها للسببية أي بسبب الغمام يعني بسبب طلوعه منها ونحوه قوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل: 18] كأنه الذي تتشقق به السماء.\rالثاني: أنها للحال. أي: ملتبسة بالغمام. الثالث: أنها بمعنى عن أي: عن الغمام كقوله: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ [ق: 44] اهـ سمين.\rقوله: (و هو غيم) أي: سحاب أبيض فوق السموات السبع، ثخنه كثخن السموات السبع وثقله كذلك، فينزل على السماء السابعة فيخرقها بثقله ويشققها وهكذا حتى ينزل إلى الأرض، وفيه الملائكة أي: ملائكة كل سماء فينزل أولا ملائكة السماء الدنيا وهم أزيد من أهل الأرض من إنس وجن، ثم ملائكة السماء الثانية وهم أزيد من ملائكة سماء الدنيا وهكذا، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا اصطفوا","part":5,"page":341},{"id":1827,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 342\rالقيامة، ونصبه باذكر مقدرا، وفي قراءة بتشديد شين تشقق بإدغام التاء الثانية في الأصل، وفي أخرى وننزل بنونين الثانية ساكنة وضم اللام ونصب الملائكة\rالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ لا يشركه فيه أحد وَكانَ اليوم يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (26) بخلاف المؤمنين\rوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية اصطفوا خلف هذا الصف صفا آخر، وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار والهرب اهـ زاده.\rوقد تقدم لهذا مزيد بسط في آخر سورة إبراهيم عند قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ [إبراهيم:\r48] الخ. قوله: (و نصبه باذكر مقدرا) وهو معطوف على يوم يرون الملائكة، وكذا قوله: يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ الخ. قوله: (في الأصل) أي: قبل قبلها شينا وتسكينها وادغامها في الشين، وقوله: فيها أي الشين وهو متعلق بإدغام اهـ شيخنا.\rقوله: (و في أخرى ننزل الخ). وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه القراءة على إنزال، وقال أبو علي: لما كان أنزل ونزل يجريان مجرى واحدا أجزأ مصدر أحدهما عن مصدر الآخر ومثله:\rوَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8] أي تبتلا اهـ كرخي.\rوهذه القراءة إنما تأتي عند تشديد الشين، والحاصل: أن في المقام ثلاث قراءات، فإذا شددت الشين جاء في ننزل القراءتان، وإذا خففت الشين جاء في ننزل قراءة واحدة وهي كونه ماضيا مبنيا للمفعول اهـ شيخنا.\rقوله: الْمُلْكُ مبتدأ، ويومئذ ظرف لذلك المبتدأ، والحق نعت له، وللرحمن خبره اهـ شيخنا.\rقوله: (لا يشركه فيه أحد) أي: لأن السلطان الظاهر والاستيلاء الكلي العام الثالث صورة ومعنى ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال له أصلا لا يكون إلا اللّه تعالى، فالملك مبتدأ، والحق صفته، وللرحمن خبره، ويومئذ متعلق بالملك. وفائدة التقييد أن ثبوت الملك المذكور له خاصة يومئذ، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فيكون لغيره أيضا تصرف صوري في الجملة اهـ كرخي.\rقوله: (بخلاف المؤمنين) أي: فليس عسيرا عليهم لما في الحديث: «إن يوم القيامة يهون على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا» اهـ كرخي.\rقوله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ عض اليدين والأنامل وأكل البنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة اهـ أبو السعود.\rقال عطاء: يأكل الظالم يديه حتى يأكل مرفقيه ثم ينبتان ثم يأكلهما، وهكذا كلما نبتت يداه أكلهما على ما فعل تحسرا اهـ خازن.\rوفي المصباح: عضضت اللقمة وبها وعليها أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تعب في الأكثر، لكن المصدر ساكن ومن باب نفع لغة قليلة وفي أفعال ابن القطاع من باب ردّ اهـ.","part":5,"page":342},{"id":1828,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 343\rالمشرك عقبة بن أبي معيط كان نطق بالشهادتين ثم رجع إرضاء لأبي بن خلف عَلى يَدَيْهِ ندما وتحسرا في يوم القيامة يَقُولُ للتنبيه يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ محمد سَبِيلًا (27) طريقا إلى الهدى\rيا وَيْلَتى ألفه عوض عن ياء الإضافة أي ويلتي ومعناه هلكتي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً أي قوله: (كان نطق بالشهادتين الخ) وسبب نطقه بهما أنه صنع يوما طعاما ودعا الناس إليه ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما قدم الطعام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا آكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه»، فنطق بها فأكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من طعامه. وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أخبر أبي بما وقع قال له: يا عقبة قد ملت إلى دين محمد، فقال عقبة: واللّه ما ملت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا إن شهدت له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فطعم، فقال أبي:\rلا أرضى عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه. ففعل ذلك عقبة فعاد بزاقه على وجهه فحرقه وقتل يوم بدر، وأما أبي فقتله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيده يوم أحد اهـ خازن.\rوهذا أحد قولين في الظالم والآخر أنه مطلق الكافر، وعبارة البيضاوي: والمراد بالظالم الجنس، وقيل: عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدعاه إلى ضيافته، فأبي أن يأكل طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، وكان أبي بن خلف صديقا له فعاتبه فقال: صبأت. فقال: لا ولكن أبى أن يأكل طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، فقال: لا أرضى عنك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه فأتاه فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال له عليه الصلاة والسّلام: «لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» فأسر يوم بدر فأمر عليا فقتله وطعن النبي أبيا بأحد في المبارزة فرجع إلى مكة ومات اهـ.\rوفي الخازن: وحكم الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية اللّه عز وجل.\rروى الشيخان، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك بحاء مهملة وذال معجمة أي يعطيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبا، ونافخ الكير إماأن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة».\rوروى عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» أخرجه أبو داود والترمذي. ولهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلّا تقي» اهـ.\rقوله: يَقُولُ يا لَيْتَنِي الخ الجملة حال من فاعل يعض اهـ.\rقوله: اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا أي: صاحبته في اتخاذ سبيل الهدى اهـ.\rقوله: (عوض عن ياء الإضافة) أي: ياء المتكلم. وأصله يا ويلتي بكسر التاء وفتح الياء ثم فتحت التاء فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فهذه الألف اسم لا حرف كما هو معلوم اهـ شيخنا.\rقوله: لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا فلان كناية عن علم من يعقل وهو منصرف، وفل كناية عن نكرة","part":5,"page":343},{"id":1829,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 344\rأبيا خَلِيلًا (28)\rلَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ أي القرآن بَعْدَ إِذْ جاءَنِي بأن ردني عن الإيمان به قال تعالى وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ الكافر خَذُولًا (29) بأن يتركه ويتبرأ منه عند البلاء\rوَقالَ الرَّسُولُ محمد يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي قريشا اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) متروكا قال تعالى من يعقل من الذكور، وفلانة كناية عن علم من يعقل من الإناث، وفلة كناية عن نكرة من يعقل من الإناث، والفلان والفلانة بالألف واللام كناية عن غير العاقل. ولام فل وفلان فيها وجهان، أحدهما:\rأنها واو. والثاني: أنها ياء اهـ سمين.\rقوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي الخ تعليل لتمنيه المذكور وتوضيح لتعلله وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندم وحسرته أي: واللّه لقد أضلني الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي القرآن) عبارة البيضاوي: عن الذكر أي: عن ذكر اللّه أو كتابه أو موعظة الرسول أو كلمة الشهادة، وقوله: وَكانَ الشَّيْطانُ يعني الخليل المضل أو إبليس لأنه حمل على مخاللته ومخالفته للرسول عليه السّلام، أو كل من تشيطن من جن وإنس اهـ.\rوفي الخازن: وكان الشيطان وهو كل متمرد عات صد عن سبيل اللّه من الجن والإنس اهـ.\rقوله: (قال تعالى) وَكانَ الشَّيْطانُ الخ أشار به إلى أن آخر كلام الظالم بعد إذ جاءني فالوقف عليه تام، والمراد بالشيطان إبليس فإنه الذي حمله على أن صار خليلا لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله. وهذه الجملة لا محل لها لاستئنافها لكونه من كلام الباري تعالى كما تقدم اهـ كرخي.\rقوله: خَذُولًا يقال: خذله يخذله بوزن نصره ينصره وهو في المعنى ضده، والمصدر الخذلان أي: ترك النصرة بعد الموالاة والمعاونة اهـ شيخنا.\rوقول الشارح: بأن يتركه أي يترك نصرته اهـ.\rقوله: وَقالَ الرَّسُولُ عطف على قوله: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [الفرقان: 21] وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه، وبيان ما يحيق بهم في الآخرة من الأهوال اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وقال الرسول أي بثا وشكاية للّه مما صنع قومه وفيه تخويف لقومه، لأن الأنبياء إذا شكوا إلى اللّه تعالى قومهم عجل لهم العذاب اهـ.\rوهذا القول قيل: صدر منه في الدنيا، وقيل: سيقع منه في الآخرة كما في الخازن.\rقوله: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً أي: متروكا فأعرضوا عنه ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. وقيل: جعلوه بمنزلة الشيء المهجور وهو السيىء من القول، فزعموا أنه شعر وسحر اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينة أو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه","part":5,"page":344},{"id":1830,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 345\rوَكَذلِكَ كما جعلنا لك عدوا من مشركي قومك جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍ قبلك عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ المشركين فاصبر كما صبروا وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً لك وَنَصِيراً (31) ناصرا لك على أعدائك\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كالتوراة والإنجيل والزبور، قال تعالى أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين فيكون أصله مهجورا فيه فحف الجار والمجرور، ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول اهـ.\rوقوله: أو هجروا ولغوا فيه هو على الأول من الهجر بالفتح ضد الوصل، وعلى هذا من الهجر بالضم وهو الهذيان وفحش القول والدخل وله معنيان لأنه إما بمعنى مدخولا فيه كقولهم: إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: 25] تعلمها من بعض أهل الكتاب، أو أنهم كانوا إذا قرئ القرآن رفعوا أصواتهم بالهذيان لئلا يسمع كقولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26] ويجوز أن لا يكون مهجورا اسم مفعول، بل يكون مصدرا بمعنى الهجر أطلق على القرآن وعلى طريق التسمية بالمصدر كالمجلود والمعقول بمعنى الجلد والعقل اهـ زاده وشهاب.\rوقوله: فيكون أصله مهجورا فيه أي: على الاحتمالين الأخرين، وعلى الأول منهما الهاجر الكفار، وعلى الثاني من أتى به على زعمهم الفاسد اهـ شهاب.\rقوله: مَهْجُوراً مفعول ثان لاتخذوا، وقوله: (متروكا) أي عن الإيمان به اهـ شيخنا.\rقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا الخ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم كما يشير له قول الشارح فاصبر كما صبروا اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: قوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا الخ لما شكا قومه للّه تعالى سلاه اللّه تعالى بقوله:\rوَكَذلِكَ جَعَلْنا أي كما جعلنا قومك يعادونك ويكذبونك جعلنا لكل نبي عدوا الخ اهـ.\rقوله: وَكَفى بِرَبِّكَ الباء زائدة في الفاعل، وقوله: هادِياً حال أي هاديا لك للطريق التي تستنصر بها عليهم كالغزو اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ حكاية لشبهة منهم تتعلق بالقرآن، وقوله: كَذلِكَ الخ ردّ لها اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وهذا اعتراض منهم لا طائل تحته لأن الاعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقا مع أن للتفريق فوائد، منها: ما أشار إليه بقوله: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لأن حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان أميا وكانوا يكتبون، فلو ألقي عليه جملة لعيي بحفظه ولعله لم يتهيأ له، فإن التلقن لا يتأتى إلا شيئا نشيئا، ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص على المعنى، ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك في قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبريل حالا بعد حال تثبت به فؤاده. ومنها: معرفة الناسخ والمنسوخ. ومنها: انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة اهـ.","part":5,"page":345},{"id":1831,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 346\rنزلناه كَذلِكَ أي متفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ نقوي قلبك وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) أي أتينا به شيئا بعد شيء بتمهل وتؤدة لتيسر فهمه وحفظه\rوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ في إبطال أمرك إِلَّا جِئْناكَ قوله: لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ قال الزمخشري: نزل هنا بمعنى أنزل كخبر أخبر وإلّا تدافعا يعني: أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك لتدافع مع قوله جملة واحدة لأن الجملة تنافي التفريق وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق وقد نص على ذلك في مواضع من كتاب الكشاف اهـ سمين.\rقوله: (قال تعالى) أي: ردا لهذه الشبهة. قوله: كَذلِكَ الكاف بمعنى مثل، والجار والمجرور نعت لمصدر محذوف مع عامله قدره الشارح بقوله: (نزلناه)، وهذا تقرير للعامل ولو قدر المصدر أيضا لقال نزلناه تنزيلا مثل ذلك التنزيل، وقوله: لِنُثَبِّتَ الخ تعليل للعامل المحذوف، وقوله: وَرَتَّلْناهُ معطوف عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي متفرقا) أفاد به أن الإشارة إلى الإنزال مفرقا لا إلى جملة، فلا يرد ما قيل إن ذلك في كذلك إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدم هو إنزاله جملة فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرقا اهـ كرخي.\rقوله: (أي أتينا به شيئا بعد شيء) عبارة أبي السعود: أي: كذلك نزلناه ورتلناه بديعا لا يقادر قدره، ومعنى ترتيله تفريقه آية بعد آية. قال النخعي والحسن وقتادة، وقال ابن عباس: بيناه بيانا فيه ترتيل وتثبيت، وقال السدي: فصلناه تفصيلا، وقال مجاهد: جعلنا بعضه في أثر بعض، هو الأمر بترتيل قراءته لقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4] وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل شيئا بعد شيء في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل اهـ.\rقوله: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ أي: بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك ألا جئناك بالحق الدفع له أي بيضوي.\rوقوله: كأنه مثل إشارة إلى أنه مجاز، وقوله: (في البطلان) أي: لأن أكثر الأمثال أمور مخيلة، والقدح بقولهم: لو لا أنزل إليك ملك لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة وغيره مما ورد، وقوله: إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ استثناء مفرغ عن أعم الأحوال فمحله النصب على الحالية وجعله مقارنا له، وإن كان بعد للدلالة على المسارعة إلى إبطال ما أتوا به تثبيتا لفؤاده اهـ شهاب.\rوقوله: من أعم الأحوال أي: لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إتياننا إليك بالحق، وبما هو أحسن بيانا لما هو الحق اهـ زاده.\rوالمعنى: كلما سألوا سؤالا عجيبا أجبنا عنه بجواب هو أحسن من سؤالهم. مثلا أنهم سألوا عن إنزاله جملة واحدة، فأجبنا بأنا أنزلناه متفرقا لنثبت به فؤادك، فإن قيل: قد ذكر أولا أن السؤال مثل في البطلان فكيف يصح أن يقال الجواب أحسن منه؟ وأجيب: بأن السؤال لما كان حسنا بزعمهم صح ذلك بالنظر لزعمهم، وأجيب أيضا بأنه مثل قولهم الصيف أحر من الشتاء أي: أن الجواب في باب الحق والحسن أقوى وأدخل من سؤالهم في باب القبح والبطلان اهـ زاده.","part":5,"page":346},{"id":1832,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 347\rبِالْحَقِ الدافع له وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (33) بيانا هم\rالَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ أي يساقون إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً هو جهنم وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) أخطأ طريقا من غيرهم وهو كفرهم\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35) معينا\rفَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي القبط فرعون وقومه، فذهبا إليهم بالرسالة فكذبوهما فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36) قوله: بِمَثَلٍ أي: شبهة وقادح في نبوتك. وقوله: الرافع له أي للمثل.\rقوله: وَأَحْسَنَ معطوف على الحق فهو مجرور بالفتحة، وتفسيرا تمييز أي أحسن بيانا مما ذكروه من المثل، وهذا التفضيل باعتبار زعمهم أن في القوادح التي قالوها بيانا على ما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يساقون) أي: يسحبون. وعبارة البيضاوي: أي يسحبون مقلوبين إليها، انتهت.\rوقوله: مقلوبين أي منكسين يطؤون الأرض على رؤوسهم ووجوههم مع ارتفاع أقدامهم بقدرة اللّه اهـ شهاب.\rقوله: (من غيرهم) بيان للمفضل عليه فهو متعلق بكل من شر وأضل، والمراد بغيرهم بقية الكفار ما عداهم، فهم أي الكفار الذين عاندوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أسوأ حالا في الآخرة من سائر الكفار اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو كفرهم) الضمير راجع للسبيل.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الخ جملة مستأنفة سيقت لتأكيد ما مرّ من التسلية بحكاية ما جرى بين الأنبياء وبين أقوامهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود، واللام جواب قسم محذوف اهـ أبو السعود.\rقوله: وَجَعَلْنا مَعَهُ الخ معطوف على آتينا، والواو لا تفيد ترتيبا، فإن من المعلوم أن إيتاء التوارة كان بعد إيتاء الرسالة لموسى وهارون بنحو من ثلاثين سنة، لأن إرسالهما كان في واقعة الطور عند مجيء موسى من الشام، ثم جاء مصر ومكث يدعو فرعون وقومه ثلاثين سنة، ثم خرج من مصر فانفلق له البحر فغرق فرعون وقومه، فذهب موسى إلى الشام فآتاه اللّه التوراة هناك، فقوله: فَقُلْنَا اذْهَبا معطوف على جعلنا، وكل من الجعل والقول كان قبل إيتاء التوراة كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: هارُونَ بدل أو بيان أو منصوب على القطع، ووزيرا معفول ثان، وقيل: حال والمفعول الثاني معه اهـ سمين.\rوقوله: وزيرا أي: يؤازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه اهـ بيضاوي.\rقوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إن كان المراد بها مصنوعات اللّه تعالى الدالة على انفراده بالملك والعبادة فالأمر ظاهر، وإن كان المراد بها خصوص الآيات التسع التي جاء بها موسى للقبط لم يظهر","part":5,"page":347},{"id":1833,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 348\rأهلكناهم إهلاكا\rوَاذكر قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ بتكذيبهم نوحا لطول لبثه فيهم فكأنه رسل، أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد أَغْرَقْناهُمْ جواب لما وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ بعدهم آيَةً عبرة وَأَعْتَدْنا في الآخرة لِلظَّالِمِينَ الكافرين عَذاباً أَلِيماً (37) مؤلما سوى ما يحل بهم في الدنيا\rوَاذكر عاداً قوم هود وَثَمُودَ قوم صالح وَأَصْحابَ الرَّسِ اسم بئر ونبيهم قيل شعيب وقيل غيره كانوا قعودا حولها فانهارت بهم وذلك لأنه وقت الأمر بالذهاب إلى القبط لم يكونوا قد رأوا شيئا من الآيات التسع حتى يكذبوا بها، لأن الأمر بالذهاب إليهم كان في واقعة الطور، وهي كانت قبل مجيء مصر ومخاطبة فرعون وقومه فلا تخلص إلا بحمل الماضي على معنى الاستقبال أي: سيكذبون بآياتنا اهـ شيخنا.\rقوله: فَدَمَّرْناهُمْ معطوف على ما قدره الشارح بقوله: (فذهبا إليهم الخ). وعبارة البيضاوي:\rالمعنى فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود وهو الزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم اهـ.\rقوله: أَغْرَقْناهُمْ (جواب لما) أي: لأنها حرف وجوب لوجوب. أما إذا قلنا إنها ظرف زمان فيجوز أن يكون قوله: قَوْمَ منصوبا بفعل مضمر يفسره قوله: أَغْرَقْناهُمْ ويرجع هذا بتقدير جمل فعلية قبله، وعلى ما قرره الشيح المصنف لا يتأتى ذلك لأن أغرقناهم حينئذ جواب لما وجوابها لا يفسر غيره اهـ كرخي.\rقوله: وَجَعَلْناهُمْ أي: جعلنا إغراقهم أو قصتهم. قوله: وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ يحتمل التعميم والتخصيص، فيكون وضعا للظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم اهـ بيضاوي.\rقوله: (سوى ما يحل بهم) أي: ينزل بهم، ويحل بهذا المعنى بضم الحاء وكسرها بخلاف سائر معانيه فهو فيها بالكسر فقط كما في المصباح اهـ.\rقوله: وَثَمُودَ بالصرف على معنى الحي وتركه على تأويله بالقبيلة قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (اسم بئر) قيدها المفسرون كالبيضاوي بأنها التي لم تطو أي لم تبن بالحجارة، وقيدها أهل اللغة كالقاموس بأنها التي طويت أي: بنيت بالحجارة فيؤخذ من مجموع النقلين أن الرس يطلق على البئر مطلقا أي سواء طويت أم لا. وفي القاموس: الرس ابتداء الشيء، ومنه رس الحمى ورسيسها والبئر المطوية بالحجارة، وبئر كانت لبقية من ثمود كذبوا نبيهم ورسوه في بئر، والاصلاح والإفساد ضد، والحفر والدرس ودفن الميت وغير ذلك.\rوعبارة السمين: قوله: وَأَصْحابَ الرَّسِ فيه وجهين، أحدهما: أنه من عطف المغاير وهو الظاهر. والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض، والمراد بأصحاب الرس ثمود لأن الرس البئر التي لم تطور، وعن أبي عبيد: وثمود أصحاب آثار، وقيل: الرس نهر بالشرق، ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه أي دسوه فيها اهـ.","part":5,"page":348},{"id":1834,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 349\rوبمنازلهم وَقُرُوناً أقواما بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (38) أي بين عاد وأصحاب الرس\rوَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39) أهلكنا قوله: (و قيل غيره) وهو حنظلة بن صفوان اهـ خطيب.\rوعبارة البيضاوي: هم قوم كانوا يعبدون الأصنام فبعث اللّه إليهم شعيبا فكذبوه، فبينما هم حول الرس وهي البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم، وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا، وقيل: الأخدود، وقيل: بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار، وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم اللّه تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون، وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح أو دمخ، وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سميت مغربا فدعا عليهم حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم إنهم قتلوه فأهلكوا، وقيل: قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي: دسوه في بئر اهـ.\rوقوله: بفلج اليمامة بفتح الفاء واللام وبجيم قرية عظيمة بناحية اليمن وموضع باليمن من مساكن عاد، وبسكون اللام واد قريب من البصرة قاله ابن الأثير اهـ زكريا.\rوقوله: يقال له فتح بفتح الفاء والتاء المثناة فوق والحاء المهملة، وقيل: المعجمة، وقيل: إنه بمثناة تحتية وجيم، ودمخ بدال مهملة وميم ساكنة وخاء معجمة اهـ شهاب.\rوقوله: سميت مغربا إما لاتيانها بأمر غريب هو اختطاف الصبيان، وقيل: إنها اختطفت عروسا، أو لغروبها أي غيبتها، ومغرب بضم الميم وفتحها اهـ شهاب.\rقوله: (كانوا قعودا) أي: نزولا حولها أي: البئر كما في عبارة غيره، وقوله: فانهارت أي انخسفت اهـ.\rقوله: (أي بين عاد وأصحاب الرس) أفاد أن ذلك إشارة إلى من تقدم ذكرهم وهم جماعات، فلذلك حسن دخول بين عليه، وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت أي: ذلك المحسوب أو المعدود اهـ كرخي.\rلكن الشارح فسر الإشارة باثنين من الثلاثة، وغيره فسرها بمجموع الثلاثة، ولعل عذر الشارح أن المدة التي بين عاد وثمود كانت قصيرة لم تسع قرونا كثيرة لأنها كانت مائة سنة فليتأمل.\rقوله: وَكُلًّا منصوب على الاشتغال بعامل مقدر يلاقي ضربنا في المعنى أي: أنذرنا وخوفنا، كلّا ضربنا له الأمثال أي أنذرناه وخوفناه بضربها اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وكلّا ضربنا الأمثال أي: بينّا له القصص العجيبة من قصص الأولين إنذارا وإعذارا، فلما أصروا أهلكوا كما قال: وكلّا تبرنا تتبيرا، أي: فتتنا تفتيتا ومنه التبر لفتات الذهب والفضة، وكلّا الأول منصوب بما دل عليه ضربنا كأنذرنا، والثاني بتبرنا لأن فارغ اهـ.\rقوله: الْأَمْثالَ أي القصص الغريبة التي تشبه الأمثال في الغرابة اهـ.","part":5,"page":349},{"id":1835,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 350\rإهلاكا بتكذيبهم أنبياءهم\rوَلَقَدْ أَتَوْا أي مرّ كفار مكة عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ مصدر ساء أي بالحجارة وهي عظمى قرى قوم لوط فأهلك اللّه أهلها لفعلهم الفاحشة أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في سفرهم إلى الشام فيعتبرون؟ والاستفهام للتقرير بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ يخافون قوله: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الخ أورد على هذا أن أتى يستعمل متعديا بنفسه أو بإلى، والجواب أنه ضمن معنى مرّ كما أشار له بقوله: مر كفار مكة اهـ.\rقوله: (أي مر كفار مكة) أي: في أسفارهم إلى الشام. وقوله: مَطَرَ السَّوْءِ مفعول مطلق لأمطرت فهو بمعنى الإمطار، والسوء هنا معناه الحجارة، والإمطار معناه الرمي أي رميت رمي الحجارة أي بالحجارة فقوله: مصدر ساء أي بحسب الأصل اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: وساء سوءا بالفتح فعل به ما يكره، والسوء بالضم اسم منه اهـ.\rقوله: (و هي عظمى قرى قوم لوط) واسمها سذوم بالذال المعجمة أو المهملة اهـ شيخنا.\rويصح حمل القرية على الجنس كما ذكره أبو السعود ونصه: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت أي: أهلكت بالحجارة وهي قرى قوم لوط، وكانت خمس قرى ما نجت منها إلّا واحدة كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث، وأما الباقيات فأهلكها اللّه تعالى بالحجارة اهـ.\rقوله: يَرَوْنَها أي: يرون آثارها وآثار ما حل بأهلها. قوله: (و الاستفهام للتقرير) أي: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وهو ما بعد النفي أي: ليقروا بأنهم رأوها يعتبروا بها اهـ.\rوفي أبي السعود: والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي: ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها، أو أكانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، فالمنكر في الأول ترك النظر وعدم الرؤية معا، والمنكر في الثاني عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها اهـ.\rقوله: بَلْ كانُوا الخ إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة، وإما انتقال من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكر إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم توقع النشور اهـ أبو السعود.\rقوله: لا يَرْجُونَ نُشُوراً أي: بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة، فلذلك لم ينظرو ولم يتعظوا فمروا كما مرت ركابهم، أو لا يؤملون نشورا كما يؤمله المؤمنون طمعا في الثواب، أو لا يخافونه على اللغة التهامية اهـ بيضاوي.\rوقوله: لا يتوقعون الخ لما كانت حقيقة الرجاء انتظار الخير وما فيه من سرور، وليس النشور خيرا في حق الكفار فلا يتصور نسبة رجاء النشور إلى الكفار حتى يصح نفيها احتيج إلى توجيه قوله لا يرجون نشورا. فوجه بثلاث توجيهات، أحدها: أن الرجاء مجاز عن التوقع والتوقع يستعمل في الخير والشر. والثاني: أن الرجاء باق على حقيقته. والثالث: أن الرجاء بمعنى الخوف اهـ شهاب.","part":5,"page":350},{"id":1836,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 351\rنُشُوراً (40) بعثا فلا يؤمنون\rوَإِذا رَأَوْكَ إِنْ ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً مهزوءا به يقولون أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) في دعواه محتقرين له عن الرسالة\rإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنه كادَ لَيُضِلُّنا يصرفنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها لصرفنا عنها، قال تعالى وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ عيانا في الآخرة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أخطأ طريقا أهم قوله: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ الخ جواب إذا ويرد عليه أنه منفي بإن، والجواب المنفي يجب قرنة بالفاء، ويجاب بأن إذا اختصمت من بين أدوات الشرط بأن جوابها المنفي لا يقترن بالفاء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: واختصت إذا بأن جوابها إذا كان منفيا بما أو إن أولا لا يحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط اهـ.\rقوله: إِلَّا هُزُواً مفعول ثان ليتخذون، وهو خبر في الأصل فلا يصح الحمل هنا إذ لا يقال أنت هزو، فلذلك أوله الشارح باسم المفعول ليصح الحمل اهـ شيخنا.\rقوله: أَهذَا الَّذِي الخ في محل نصب على الحال من الواو في يتخذونك، لكن على تقدير القول كما قدره الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: (في دعواه) متعلق برسولا أي: رسولا بحسب دعواه، وإلّا فهم ينكرون رسالته، وقوله:\r(محتقرين الخ) أخذه من الإشارة أي: فإشارة القريب هنا للتحقير اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وإخراج بعث اللّه رسولا في معرض التسليم بجعله صلة وهم على غاية الإنكار تهكم واستهزاء، ولولاه لقالوا له: أهذا الذي زعم أنه بعثه اللّه رسولا اهـ.\rوقوله: وإخراج بعث اللّه الخ لما ورد أن يقال مضمون الصلة يجب أن يكون معلوم الانتساب إلى ذات الموصول عند المتكلم، مع أنه هنا منكر عندهم. أجاب عنه: بأنه مبني على التهكم والاستهزاء اهـ زاده.\rقال الشهاب: ولم يلتفت إلى تقدير في زعمه لأن هذا أبلغ مع سلامته من التقدير اهـ.\rقوله: إِنْ كادَ من جملة مقولهم، وقوله: لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا أي: ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده والدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يورده مما يسبق إلى الذهن أنه حجج ومعجزات لو لا أن صبرنا عليها أي ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها اهـ بيضاوي.\rقوله: (قال تعالى) أي: ردا عليهم، وسوف يعلمون الخ فهذا جواب لقولهم: إن كاد ليضلنا الخ اهـ بيضاوي.\rقوله: مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا من: اسم استفهام مبتدأ، وأضل خبره، وسبيلا تمييز، والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي يعلمون المعلق عنها بالاستفهام، وقد أشار الشارح إلى كونها استفهامية بقوله: (أهم أم المؤمنون) اهـ شيخنا.","part":5,"page":351},{"id":1837,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 352\rأم المؤمنون\rأَرَأَيْتَ أخبرني مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي مهويه قدم المفعول الثاني لأنه أهم، وجملة من اتخذ مفعول أول لرأيت، والثاني أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) حافظا تحفظه عن اتباع هواه؟ لا\rأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ سماع تفهم أَوْ يَعْقِلُونَ ما تقول لهم أَنَ ما هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) أخطأ طريقا منها لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون قوله: (قدم المفعول الثاني الخ) هذا أحد وجهين، والآخر أنه لا تقديم ولا تأخير. وعبارة السمين: إلهه هواه مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير لاستوائهما في التعريف. قال الزمخشري:\rفإن قلت: لم أخر هواه، والأصل قوله اتخذ الهوى إلها؟ قلت: ما هو إلا تقديم للمفعول الثاني على الأول للعناية به، كما تقول: علمت منطلقا زيدا لفضل عنايتك بالمنطلق. قال الشيخ: وادعاء القلب يعني التقديم ليس بجيد لأنه من ضرورات الإشعار. قلت: وقد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من القلب المذكور في شيء، وإنما هو تقديم وتأخير فقط اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: وإلهه مفعول ثان لاتخذ قدم على الأول للاعتناء به، لأن الذي يدور عليه أمر التعجيب، ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما في التعريف فقد غاب عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة أي: أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من غير أن يلاحظه، وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النير بالكلية اهـ.\rقوله: (و جملة من اتخذ الخ) فيه مسامحة لأن من موصولة وهي مع صلتها من قبيل المفرد، وكأنه نظر لصورة جملة الصلة اهـ شيخنا.\rقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام للإنكار أي: لا تكون وكيلا عليه، ففوض أمره إلينا وهذا تأييس من إيمانهم اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ الخ أم مقدرة ببل والهمزة فهي منقطعة والهمزة المقدرة بها للاستفهام الإنكاري كما ذكره البيضاوي، ثم قال: وتخصيص الأكثر بالذكر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة اهـ.\rوضمير أكثرهم لمن باعتبار معناها اهـ شيخنا.\rقوله: (سماع تفهم) أي: اعتبار واتعاظ. قوله: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي: في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات، بل هم أضل سبيلا من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها وإن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا بخلاف هؤلاء، ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن وصد الناس عن الحق لأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم عليها، وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم اهـ بيضاوي.","part":5,"page":352},{"id":1838,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 353\rمولاهم المنعم عليهم\rأَلَمْ تَرَ تنظر إِلى فعل رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ من وقت الأسفار إلى قوله: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ الخ شروع في أدلة محسوسة على توحيده تعالى. وحاصل ما ذكر منها هنا خمسة، الأول: هذا. والثاني قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [الفرقان: 47]. والثالث قوله: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ [الفرقان: 48]. والرابع قوله: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان: 53]. والخامس قوله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً [الفرقان: 54] الخ اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ أي: ألم تنظر إلى صنعه كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ أي: كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، ولعل توجيه الرؤية إليه سبحانه مع أن المراد تقرير رؤيته عليه السّلام لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره عليه السّلام غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع، بل مطمح أنظاره معرفة شؤون الصانع المجيد اهـ أبو السعود.\rقوله: (تنظر) أشار به إلى أن الرؤية هنا بصرية لأنها تتعدى بإلى وأن فيه مضافا مقدرا، لأنه ليس المقصود رؤية ذات اللّه، وكيف منصوب بمد على الحال أي: ألم تر إلى صنيع ربك مد الظل كيف، أي: على أي حالة أي على وجه بسطه وتوسيعه، أو على وجه قبضه وتقليله وهي معلقة لتر إن لم تكن الجملة أعني جملة مد الظل مستأنفة اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: أَلَمْ تَرَ تنظر أو المعنى ألم تعلم كما اختاره الزجاج، وهذا أولى لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة اللّه تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق، ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه وهذا الخطاب، وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان إنعام اللّه تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم على هذه النعمة اهـ.\rقوله: (من وقت الإسفار الخ) لم نر هذا القول لغيره من المفسرين، والذي ذكروه فيه أقوال ثلاثة: من الفجر إلى الشمس، ومن الغروب إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى أن يزول بارتفاعها. وعبارة البحر: هو من وقت الفجر إلى طلوع الشمس هذا قول الجمهور، واعتراض بأنه لا يسمى ظلّا لأنه من بقايا الليل واقع في غير النهار، وقيل: الظل في غيبوبة الشمس إلى طلوعها اهـ.\rوعبارة البيضاوي: وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر، وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة: 30] اهـ.\rوعبارة أبي السعود: كيف مدّ الظل أي: كيف أنشأ ظلّا لأي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مدّه بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم. وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وأنه أطيب الأوقات، فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع، وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة في قوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة: 30] فغير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظم قدرة اللّه عز وجل","part":5,"page":353},{"id":1839,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 354\rوقت طلوع الشمس وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً مقيما لا يزول بطلوع الشمس ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرق لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اهـ.\rوفي القرطبي: قال الحسن وقتادة وغيرهما: مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها والأول أصح. والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب. وقال أبو العالية:\rنهار الجنة هكذا وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر اهـ.\rقوله: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي: ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد اهـ بيضاوي.\rوقوله: (أي) ثابتا أي دائما غير زائل، فإن السكنى الاستقرار، وذلك بأن لا تطلع الشمس أو لا تذهبه وهذا أنسب مما قبله بالامتنان بمد الظل اهـ شهاب.\rفالمعنى: ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا مستقرا لا يذهب عن وجه الأرض، والمعنى على الثاني ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك حركة انقباض ولا انبساط اهـ زاده.\rقوله: (لا يزول بطلوع الشمس) أي: بأن لا تطلع فلا يزول، فالنفي مسلط على مجموع القيد والمقيد، أو بأن تطلع مسلوبة الضوء على ما تقدم. قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أي: جعلنا الشمس ينسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء لأن الأشياء تعرف بأضدادها، ولو لا الشمس ما عرف الظل، ولو لا النور ما عرفت الظلمة، فالدليل فعيل بمعنى الفاعل، وقيل: بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخصيب أي: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به. أي أتبعناها إياه فالشمس دليل أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه ولم يؤنث الدليل وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم كما يقال: الشمس برهان والشمس حق، ثم قبضناه أي الظل الممدود إلينا قبضا يسيرا، أي يسيرا قبضه علينا، وكلام ربنا عليه يسير فمكث الظل في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرف على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، وإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار. وقال قوم: قبضه بغروب الشمس لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه، وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله مالك وإبراهيم التيمي. وقيل: ثم قبضناه أي: قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضا يسيرا. وقيل: يسيرا أي سريعا قاله الضحاك، وقال قتادة: خفيفا أي: إذ أغربت الشمس قبض الظل قبضا خفيفا كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة وليس يزول دفعة واحدة، فهذا معنى قول قتادة وهو قول مجاهد اهـ.","part":5,"page":354},{"id":1840,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 355\rأي الظل دَلِيلًا (45) فلولا الشمس ما عرف الظل\rثُمَّ قَبَضْناهُ أي الظل الممدود إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (46) خفيا بطلوع الشمس\rوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً سائرا كاللباس وَالنَّوْمَ سُباتاً راحة للأبدان بقطع الأعمال وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47) منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره\rوَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وفي قراءة الريح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي متفرقة قدّام المطر، وفي قراءة وثم في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادىء أوقات ظهورها اهـ بيضاوي.\rوقوله: وثم في الموضعين الخ لما كانت ثم التراخي الزماني وهو لا يصح هنا إذ ليس المعنى أنه تعالى بعد ذلك المد بزمان متراخ جعل الشمس عليه دليلا وجب حملها على المجاز بأن تجعل كلمة، ثم استعارة تبعية بأن شبه تفاضل الأمور وتباعد مراتبها بالبعد الزماني، واستعير لفظ المشبه به وهو ثم للمشبه اهـ زاده.\rوقوله: لتفاضل الأمور أي: الثلاثة مد الظل، وجعل الشمس عليه دليلا، وقبضه يسيرا. كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما اهـ كشاف.\rوقوله: أو لتفاضل مبادىء الخ أي: فالتراخي زماني لكنه باعتبار الابتداء فإن بينه وبين ابتداء ما بعده بعدا زمانيا فبين ابتداء الفجر وطلوع الشمس بعد وكذا ما بعده اهـ كشاف.\rقوله: (فلو لا الشمس ما عرف الظل) أي: كما أنه لو لا النور ما عرفت الظلمة والأشياء تعرف بأضدادها اهـ خازن.\rقوله: قَبْضاً يَسِيراً أي: قليلا حسبما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق اهـ بيضاوي.\rقوله: (خفيا) في نسخة خفيفا، وقوله: (بطلوع الشمس) الباء سببية. قوله: (كاللباس) أي:\rبجامع الستر. قوله: وَالنَّوْمَ سُباتاً من السبت وهو القطع لقطع الأشغال فيه كما أشار له الشارح، وقوله: (راحة) على حذف المضاف أي: سبب راحة اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: والسبات وزان غراب النوم الثقيل وأصله الراحة. يقال: منه سبت يسبت من باب قتل اهـ.\rوفي القاموس: أنه من بابي قتل وضرب، ثم قال: والسبات النوم أو خفيفة أو ابتداؤه في الرأس حتى يبلغ القلب اهـ.\rقوله: (بقطع الأعمال) متعلق براحة، والباء سببية. قوله: نُشُوراً أي: ذا نشور أي: انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش اهـ بيضاوي.\rوالنشور: مصدر من باب قعد كما في المصباح والمختار.\rقوله: أَرْسَلَ الرِّياحَ أي: المبشرات وهي الصبا والجنوب والشمال، بخلاف الدبور فإنها ريح العذاب التي أهلكت بها عاد اهـ شيخنا.","part":5,"page":355},{"id":1841,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 356\rبسكون الشين تخفيفا، وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون أي مبشرات، ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة نشير وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48) مطهرا\rلِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً بالتخفيف يستوي فيه المذكر والمؤنث، ذكره باعتبار المكان وَنُسْقِيَهُ أي الماء مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً إبلا وبقرا وغنما وَأَناسِيَّ كَثِيراً (49) جمع إنسان وأصله أناسين فأبدلت النون ياء وأدغمت فيها الياء أو جمع إنسي\rوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ أي وفي المصباح: والريح أربع: الشمال وتأتي من ناحية الشام، والجنوب تقابلها وهي الريح اليمانية، والثالثة الصبا وتأتي مطلع الشمس وهي القبول أيضا، والرابعة الدبور وتأتي من ناحية المغرب، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال: هي الريح وقد تذكر على معنى الهواء فيقال: هو الريح وهب الريح نقله أبو زيد. وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية الريح أي: وتكون أل للجنس.\rقوله: (و في قراءة بسكون الشين) حاصل ما نبه عليه من القراءات هنا أربع وكلها سبعية، لقوله:\r(تخفيفا) أي فالمفرد بحاله وهو نشور كرسول كما يخفف جمع رسول بتسكين السين اهـ شيخنا.\rقوله: (و مفرد الأولى) أي: ضم النون والسين ومثلها الثانية كما علمت، وقوله: (و الأخيرة) أي ومفرد الأخيرة وسكت عن الثانية لأنه نص فيها على أنه مصدر والمصدر مفرد اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ فيه التفات. قوله: طَهُوراً وصف الماء به إشعارا بالنعمة وتتميما للمنة بما بعده، فإن الماء الطهور أهنى وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته، وفيه تنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم أولى بذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: بَلْدَةً أي: أرضا. قوله: (يستوي فيه المذكر الخ) جواب عما يقال كان الأولى ميتة لتحصل المطابقة بين النعت والمنعوت في التأنيث، وأجاب عنه بقوله: (يستوي فيه الخ). وأجاب بجواب آخر بقوله: (ذكره الخ). وكان الصواب كما قال القاري أن يقول أو ذكره كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: وَنُسْقِيَهُ عطف على نحيي. قوله: أَنْعاماً خصها بالذكر لأنها ذخيرتنا ومدار معاش أكثر أهل المدر، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنها سبب لحياتها وتعيشها، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم اهـ كرخي.\rوقوله: مِمَّا خَلَقْنا حال على القاعدة في تقديم نعت النكرة عليها اهـ شيخنا.\rقوله: (و أصله أناسين) كسرحان وسراحين وهذا التوجيه هو مذهب سيبويه وهو الراجح. وقوله:\r(أو جمع إنسي) هو مذهب الفراء وهو معترض بأن الياء في إنسي للنسب وما هي فيه لا يجمع على فعالى كما قال:\rواجعل فعالى لغير ذي نسب\rاه شيخنا.","part":5,"page":356},{"id":1842,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 357\rالماء بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا أصله يتذكروا أدغمت التاء في الذال، وفي قراءة ليذكروا بسكون الذال وضم الكاف أي نعمة اللّه به فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (50) جحودا للنعمة حيث قالوا: مطرنا بنوء كذا\rوَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) يخوف أهلها ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها نذيرا ليعظم أجرك\rفَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ في هواهم وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي القرآن جِهاداً كَبِيراً (52)\rوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أرسلهما متجاورين هذا عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة قوله: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ أي: أجريناه وفرقناه في البلاد المختلفة والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما. وقال ابن عباس: ما عام بأمطر من عام ولكن اللّه يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية وهذا كما روي مرفوعا عن ابن مسعود يرفعه قال: «ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن اللّه عز وجل قسم هذه الأرض فجعل في السماء الدنيا هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ورزق معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول اللّه عز وجل ذلك إلى غيرهم فما زيد لبعض نقص من غيرهم، وإذا عصوا جميعا صرف اللّه ذلك المطر إلى الفيافي والبحار» اهـ خازن.\rقوله: (أي نعمة اللّه به) راجع للقراءتين، وعبارة البيضاوي: ليذكروا وليشكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم اهـ.\rقوله: (جحودا للنعمة) أي: حيث أضافوها لغير خالقها كما يشير له قوله حيث قالوا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (مطرنا بنوء كذا) النوء كما في المختار: سقوط نجم من المنازل في المغرب وطلوع رقيبه من المشرق في ساعته في كل ثلاثة عشر يوما ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يوما. وكانت العرب تضيف الأمطار والريح والحر والبرد إلى الساقط منهما، وقيل: إلى الطالع لأنه في سلطانه والجمع أنواء اهـ.\rقوله: لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أي: في زمنك ليكون الرسل المبعوثون معاونين لك اهـ شيخنا.\rقوله: نَذِيراً أي: نبيا ينذر أهلها فتخف عليك أعباء النبوة، لكن قصرنا الأمور عليك إجلالا وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل، فقال: بل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق اهـ بيضاوي.\rقوله: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي: فتصبر واثبت ولا تضجر اهـ شيخنا.\rقوله: وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي: اتل عليهم زواجره ونوادره اهـ شيخنا.\rوقوله: جِهاداً كَبِيراً أي: لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف اهـ بيضاوي.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي: خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان. من مرج دابته إذا خلاها اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: المرج أرض ذات نبات ومرعى، والجمع مروج مثل فلس وفلوس، ومرجت","part":5,"page":357},{"id":1843,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 358\rوَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر وَحِجْراً مَحْجُوراً (53) أي سترا ممنوعا به اختلاطهما\rوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً من المني إنسانا فَجَعَلَهُ الدابة مرجا من باب قتل رعت في المرج، ومزجتها مرجا أرسلتها ترعى في المرج اهـ.\rوفي المختار: وقوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي خلاهما لا يلتبس أحدهما بالآخر اهـ.\rقوله: هذا عَذْبٌ فُراتٌ إما استئناف أو حال بتقدير مقولا فيهما، والفرات: الشديد العذوبة من فرته وهو مقلوب رفته إذ كسره لأنه يكسر سورة العطش ويقمعها، كما أشار إليه المصنف بقوله:\rقامع للعطش من فرط عذوبته اهـ شهاب.\rوفي المصباح: والفرات الماء العذب يقال: فرت الماء فروتة وزان سهل سهولة إذا عذب ولا يجمع إلا نادرا على فرتان كغربان اهـ.\rوفي السمين: قوله: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ. هذه الجملة لا محل لها لأنها مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأن قائلا قال: كيف مرجهما؟ فقيل: هذا عذب وهذا ملح، ويجوز على ضعف أن تكون حالية، والفرات: البالغ في الحلاوة والتاء فيه أصلية لام الكلمة ووزنه فعال، وبعض العرب يقف عليها هاء وهذا كما تقدم لنا في التابوت، ويقال: سمي الماء العذب فراتا لأنه يفرت العطش أي:\rيشقه ويقطعه، والأجاج: البالغ في الملوحة، وقيل: في الحرارة، وقيل: في المرارة. وهذا من أحسن المقابلة حيث قال: عذب فرات وملح أجاج اهـ.\rقوله: (حاجزا) أي: حاجزا خلقيا لا يحس بل بمحض قدرة اللّه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: وَحِجْراً مَحْجُوراً أي: وتنافرا بليغا كأن كلّا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ من المتعوذ منه، وقيل: حدا محدودا. وذلك كدحلة تدخل البحر الملح فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها اهـ بيضاوي.\rوقوله: كأن كلا منهما الخ أي: فكأن هذا مأخوذ من أن حجرا يقوله المستعيذ لما يخافه، فأشار إلى أنه مراد هنا لكنه مجاز كما في قوله تعالى: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [الرحمن: 20] فانتفاء البغي ثم كالتعوذ هنا فجعل كل منهما في صورة الباغي على صاحبه المستعيذ منه، وهي استعارة تمثيلية كما في تلك الآية. وتقريرها كما في شروح الكشاف: أنه شبه البحران بطائفتين متعاديتين تريد كل منهما البغي على الآخرى، لكنهما امتنعتا من ذلك لمانع قوي فهي مصرحة تمثيلية بولغ فيها حيث جعل المعنى المستعار كاللفظ المقول فانقلبت مصرحة مكنية، ولذا كانت من أحسن الاستعارات، فلما منعا من الاختلاط شبه ذلك المنع بجعلهما قائلين هذا القول، فعبّر عن ذلك بأنه جعل بينهما هذه الكلمة.\rوظاهر تقريرهم أنه لا تقدير فيه وقد جعل بعضهم على هذا حجرا محجورا منصوبين بقول مقدر ولا بعد فيه، وجوز فيه بعضهم أن يكون مجازا مرسلا فأطلق حجرا محجورا على ما يلزمه من التنافر البليغ، وقال: إن كلام المصنف يحتملها اهـ شهاب.\rقوله: (أي سترا) أي: معنويا. قوله: (من المني) وقيل: المراد بالماء الذي خمرت به طينة آدم","part":5,"page":358},{"id":1844,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 359\rنَسَباً ذا نسب وَصِهْراً ذا صهر بأن يتزوج ذكرا كان أو أنثى طلبا للتناسل وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54) قادرا على ما يشاء\rوَيَعْبُدُونَ أي الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ بعبادته وَلا يَضُرُّهُمْ بتركها وهو الأصنام وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (55) معينا للشيطان بطاعته\rوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة عليه السّلام وجعله جزءا من مادة البشر ليجتمع ويتسلسل ويستعد لقبول الأشكال والهيئات بسهولة اهـ أبو السعود.\rقوله: (ذا نسب الخ) عبارة البيضاوي: أي: قسمة قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم، وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [القيامة: 39] قوله:\r(ذا صهر) أي: قرابة، فإن الصهر بالكسر القرابة كما في القاموس ونصه: والصهر بالكسر القرابة والختن وجمعه أصهار اهـ.\rوفي المصباح: الصهر جمعه أصهار. قال الخليل: الصهر أهل بيت المرأة. قال: ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعا أصهارا. وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم كالأبوين والإخوة وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهو أصهار المرأة أيضا. وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهم الأحماء، ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الأصهار، وصاهرت إليهم ولهم وفيهم صرت لهم صهرا اهـ.\rوفي القرطبي: النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين اهـ.\rقوله: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً أي: حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرا وأنثى اهـ بيضاوي.\rقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الخ لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تقبيح سيرة المشركين في عبادة الأوثان فقال: ويعبدون الخ اهـ زاده.\rقوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ أي: على رسول ربه أو على إطفاء نور ربه اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وكان الكافر على ربه أي: على عصيان ربه ظهيرا يظاهر الشيطان، أي:\rيعاونه ويتابعه بالعداوة والشرك. والمراد بالكافر الجنس أو أبو جهل، وقيل: هينا مهينا لا وقع له عند اللّه من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون كقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: 77] اهـ.\rقوله: (بطاعته) أي: بسببها، أي بسبب طاعته له.\rقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً لما بين أنه أرسل رسوله إلى كافة الخلق وقصر الأمر عليه إجلالا له بين أنه على أي حالة أرسله فقال: وما أرسلناك الخ اهـ زاده.\rوعبارة الشهاب أي: وما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك مبشرا ونذيرا فلا تحزن على عدم إيمانهم، واقتصر على صيغة المبالغة في الإنذار لتخصيصه بالكافرين إذا الكلام فيهم والإنذار","part":5,"page":359},{"id":1845,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 360\rوَنَذِيراً (56) مخوفا من النار\rقُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ ما أرسلت به مِنْ أَجْرٍ إِلَّا لكن مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) طريقا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى فلا أمنعه من ذلك\rوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِهِ أي قل سبحان اللّه والحمد للّه وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (58) عالما تعلق به بذنوب هو\rالَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من الكامل لهم، ولو قيل: إن المبالغة باعتبار الكم لشموله للعصاة جاز اهـ باختصار.\rقوله: (على تبليغ ما أرسلت به) أي: المفهوم من أرسلناك.\rقوله: (لكن) مَنْ شاءَ الخ أي: فالاستثناء منقطع والاستدراك باعتبار أن المراد من شاء أن يتخذ سبيلا بالإنفاق القائم مقام الأجر كالصدقة والنفقة في سبيل اللّه لا مطلقا ليناسب الاستدراك اهـ شهاب.\rوعبارة زاده: وعلى تقدير كون الاستثناء منقطعا يكون المعنى لا أطلب من أموالكم جعلا لنفسي لكن من شاء انفاقها لوجه اللّه فليفعل اهـ.\rقوله: (فلا أمنعه من ذلك) أي: من اتخاذ السبيل.\rقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ أي: في استكفاء شرورهم والاستغناء عن أجورهم، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم اهـ بيضاوي.\rوأشار بقوله: في استكفاء شرورهم الخ إلى أن الآية متصلة بقوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً، وقوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، فإنه لما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره بأن لا يطلب منهم أجرا البتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار وفي جلب المنافع اهـ زاده.\rوالتوكل: واعتماد القلب على اللّه تعالى في الأمور والأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها اهـ قرطبي.\rقوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي: نزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بأوصاف الكمال طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه اهـ بيضاوي.\rقوله: (عالما) أي: فلا لوم عليك أن آمنوا أو كفروا اهـ بيضاوي.\rقوله: (تعلق به) أي: بخبير أي: وقدم عليه لرعاية الفاصلة.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الخ لعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج اهـ بيضاوي.\rقوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي فخلق الأرض في يومين الأحد والاثنين، وما بينهما في يومين الثلاثاء والأربعاء، والسموات في يومين الخميس والجمعة وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة اهـ شيخنا.","part":5,"page":360},{"id":1846,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 361\rأيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ هو في اللغة سرير الملك الرَّحْمنُ بدل من ضمير استوى أي استواء يليق به فَسْئَلْ أيها الإنسان بِهِ بالرحمن خَبِيراً (59) يخبرك بصفاته\rوَإِذا قِيلَ لَهُمُ لكفار مكة اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا بالفوقانية والتحتانية، قوله: (لأنه لم يكن ثم شمس) أي: واليوم والزمن الذي بين طلوعها وغروبها اهـ شيخنا.\rقوله: (و العدول عنه) أي: عن خلقها في لمحة، وقوله: (التثبت) أي التأني في الأمور اهـ.\rقوله: (هو في اللغة سرير الملك) أي: والمراد به هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السموات السبع اهـ شيخنا.\rقوله: الرَّحْمنُ من قرأ الرحمن بالرفع ففيه أوجه، أحدها: أنه خبر الذي خلق، أو يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو الرحمن، أو يكون بدلا من الضمير في استوى، أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً على رأي الأخفش، أو يكون صفة للذي خلق إذا قلنا إنه مرفوع. وأما على قراءة زيد بن علي بالجر فيتعين أن يكون نعتا اهـ سمين.\rقوله: (أي استواء يليق به) هذا إشارة لمذهب السلف، وعلى مذهب الخلف يفسر الاستواء بالاستيلاء عليه بالتصرف فيه وفي سائر المخلوقات، وثم للترتيب الإخباري الذكري وليست للترتيب الزماني، فإن استيلاءه تعالى على العرش بالقهر والتصرف سابق على خلق السموات والأرض. قوله:\rفَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً به متعلق بخبيرا وقدم عليه لرعاية الفاصلة، أو هو متعلق باسأل أي: اسأل عنه خبيرا أي: عالما بصفاته اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: فاسأل به أي بتفاصيل ما ذكر إجمالا من الخلق والاستهزاء لا بنفسهما فقط، إذ بعد بيانهما لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء فائدة، فإنها مبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعي لكون المسؤول أمرا خطيرا مهتما بشأنه غير حاصل للسائل. وظاهر أن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس كذلك، وما قيل من أن التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيرا على أن الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد غيره فهو بمعزل من السداد، بل التقدير إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معتنيا به خبيرا عظيم الشأن محيطا بظواهر الأمور وبواطنها وهو اللّه سبحانه يطلعك على جلية الأمر، وقيل: فاسأل به من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكرنا، وقيل: الضمير للرحمن، والمعنى أن أنكروا إطلاقه على اللّه تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم، وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وما بعده خبره اهـ.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي: قالوه لما أنهم ما كانوا يطلقونه على اللّه تعالى، أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى، ولذلك قالوا: أنسجد لما تأمرنا أي: للذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك إيانا بالسجود من غير أن نعرف أن المسجود له ماذا. وقيل: لأن كان معربا لم يسمعوه، وقرئ يأمرنا بياء الغيبة على أنه قول بعضهم لبعض اهـ أبو السعود.","part":5,"page":361},{"id":1847,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 362\rوالآمر محمد ولا نعرفه؟ لا وَزادَهُمْ هذا القول لهم نُفُوراً (60) عن الإيمان. قال تعالى\rتَبارَكَ تعاظم الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً اثني عشر الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس قوله: (و الآمر محمد) أي: على كل من التحتانية والفوقانية، وقوله: (و لا نعرفه) حال من ما في قوله لما تأمرنا ولو ذكره بجنبه كغيره لكان أوضح، وقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري اهـ شيخنا.\rقوله: بُرُوجاً أي: منازل الكواكب السبعة السيارة وأصل البروج القصور العالية سميت هذه المنازل بروجا لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها اهـ أبو السعود وخازن.\rوعن الزجاج: أن البرج كل مرتفع فلا حاجة إلى التشبيه أو النقل اهـ شهاب.\rقوله: (اثني عشر) قد نظمها بعضهم في قوله:\rحمل الثور جوزة السرطان ... ورعى الليث سنبل الميزان\r\rورمى عقرب بقوس الجدي ... نزح الدلو بركة الحيتان\r\rاه شيخنا.\rقوله: (الحمل) ويسمى أيضا بالكبش، وقوله: (و الأسد) ويسمى أيضا بالليث كما تقدم في النظم، وقوله: (و الدلو) ويسمى أيضا بالدالي اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي منازل الكواكب السبعة) أي: محالها التي تسير فيها، وقد نظم بعضهم هذه السبعة بقوله:\rزحل شرى مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد الاقمار\r\rفزحل، نجم في السماء السابعة، والمشتري نجم في السماء السادسة، والمريخ نجم في السماء الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية، والقمر في الأولى اهـ شيخنا.\rقوله: (المريخ) بكسر الميم كما في المختار وهو بالجر بدل من الكواكب، وهو نجم في السماء الخامسة كما علمت وقوله: (و له) أي من البروج المذكورة الحمل والعقرب. وحاصل ما ذكره أن خمسة من الكواكب السبعة أخذت عشرة بروج كل واحد أخذ اثنين، وأن اثنين من السبعة وهما الشمس والقمر كل واحد منهما أخذ واحدا من البروج المذكورة اهـ شيخنا.\rقوله: (و الزهرة) بفتح الهاء كما في المختار. قوله: (و عطارد) ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع وهو معطوف على المريخ وهو بضم العين ويصرف ويمنع من الصرف كما في القاموس. قوله:","part":5,"page":362},{"id":1848,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 363\rوالحوت، وزحل وله الجدي والدلو وَجَعَلَ فِيها أيضا سِراجاً هو الشمس وَقَمَراً مُنِيراً (61) وفي قراءة سرجا بالجمع أي نيرات، وخص القمر منها لنوع فضيلة\rوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي يخلف كل منهما الآخر لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ بالتشديد والتخفيف كما تقدم ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62) أي شكرا لنعمة ربه عليه فيهما\rوَعِبادُ (و المشتري) معطوف على المريخ فهو مجرور، وقوله: (و زحل) بمعنى الصرف للعلمية والعدل كعمر وهو معطوف على المريخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلَ فِيها أي: في السماء كما أشار له بقوله أيضا، وإن كان يصح رجوع الضمير للبروج اهـ شيخنا.\rقوله: (أي نيرات) نعت لمحذوف أي: كواكب كبارا نيرات أي: مضيئات وهي السبع السيارة فدخل فيها القمر، فلذلك اعتذر عن عطفه بقوله: (و خص الخ)، وقوله: (لنوع فضيلة) أي: عند العرب لأنها تبني السنة على الشهور القمرية اهـ شيخنا.\rقوله: خِلْفَةً أي: ذوي خلفة أي: يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، وهي اسم للحالة من خلف كالركبة والجلسة من ركب وجلس اهـ أبو السعود.\rومثله البيضاوي: وقوله: أي: ذوي خلفة. يعني: أن الخلفة مصدر مبين للنوع فلا يصلح أن يكون مفعولا ثانيا لجعل إن كان بمعنى صير، ولا حالا من مفعوله إن كان بمعنى خلف مع أنه لا يخلو عنهما فلا بد من تقدير المضاف، وخلفة يكون بمعنى كان خليفته وبمعنى جاء بعده اهـ زاده.\rوفي القرطبي: قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء، فكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه، ويقال للمبطون أصابه خلفة أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك، ومنه خلفة النبات وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصعيد. وقال مجاهد: خلفة من الخلاف هذا أبيض وذاك أسود والأول أقوى، وقيل: يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، وقيل: هو من باب حذف المضاف أي: جعل الليل والنهار ذوي خلفة أي: اختلاف لمن أراد أن يذكر أي: يتذكر فيعلم أن اللّه لم يجعلهما كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات اللّه تعالى ويشكر اللّه تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم. وقال عمر بن الخطاب، وابن عباس، والحسن: معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل اهـ.\rقوله: أَنْ يَذَّكَّرَ مفعوله محذوف على كل من القراءتين قدره بقوله: (ما فاته الخ). قوله:\r(كما تقدم) أي: في قوله: ولقد صرفناه بينهم ليذكروا. قوله: أَوْ أَرادَ شُكُوراً أو للتقسيم والتنويع وهي مانعة خلو فتجوز الجمع اهـ شيخنا.\rقوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الخ كلام مستأنف مسوق لبيان أوصاف خلص عباد الرحمة وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال المنافقين، وإضافتهم إليه للتشريف اهـ أبو السعود.\rوإلّا فكل المخلوقات عباد اللّه اهـ شيخنا.","part":5,"page":363},{"id":1849,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 364\rالرَّحْمنِ مبتدأ وما بعده صفات له إلى: أولئك يجزون غير المعترض فيه الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي بسكينة وتواضع وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بما يكرهونه قالُوا سَلاماً (63) أي قولا يسلمون فيه من الإثم\rوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً جمع ساجد وَقِياماً (64) بمعنى قائمين قوله: (و ما بعده) أي: من الموصولات الثمانية التي أولها الذين يمشون، وآخرها وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان: 74] وقوله: (إلى أولئك الخ) أي:\rوأولئك هو الخبر كما سيذكره هناك بقوله: وأولئك وما بعده خبر عباد الرحمن المبتدأ، أو بعضهم جعل الخبر الذين يمشون على الأرض وما عطف عليه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان، أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة أي: قوله أولئك يجزون الغرفة، وبه بدأ الزمخشري والذين يمشون وما بعده صفات للمبتدأ. والثاني: أن الخبر الذين يمشون اهـ.\rقوله: (غير المعترض فيه) أي: فيما بعده، والمعترض هو قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً إلى قوله: مَتاباً وهو ثلاث آيات اهـ شيخنا.\rقوله: هَوْناً مصدر من باب قال كما في المختار.\rقوله: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ أي: السفهاء. وقوله: بما يكرهونه متعلق بخطابهم قالوا سلاما أي: إذا خاطبوهم بالسوء قالوا تسلما منكم ومتاركة لا خير بيننا وبينكم ولا شر، وقيل: سداد من القول يسلمون به من الأذية والإثم، وليس فيه تعرض لمعاملتهم مع الكفرة حتى يقال نسختها آية القتال كما نقل عن أبي العالية اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: وعن أبي العالية: نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بآية القتال ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة أسلم للعرض والورع اهـ.\rأي: فالمراد هنا الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية. قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على الكفار لكنه على معنى قوله: سلمنا منكم ولا خير بيننا وبينكم ولا شر. وقال المبرد: كان ينبغي أن يقول: لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم، وقال محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة، وقال ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ذلك، بل أمروا بالصفح والهجر الجميل، وقد كان عليه الصلاة والسّلام يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ الخ بيان لحالهم في معاملة الخالق بعد بيان حالهم في معاملة الخلق اهـ شيخنا.\rوتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمد وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للفاصلة اهـ بيضاوي.","part":5,"page":364},{"id":1850,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 365\rأي يصلون بالليل\rوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65) أي لازما\rإِنَّها ساءَتْ بئست مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (66) هي، أي موضع استقرار وإقامة\rوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا قوله: سُجَّداً خبر يبيتون ويضعف أن تكون تامة أي: يدخلون في البيات، وسجدا حال، ولربهم متعلق بسجدا، وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل لاتفاق الفواصل، وسجدا:\rجمع ساجد كضرب في ضارب اهـ سمين.\rوقيام جمع قائم كصيام جمع صائم، وقد أشار له بقوله: (بمعنى قائمين) اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الخ أي: فهم مع حسن معاملتهم لخالقهم وخلقه لا يأمنون مكر اللّه، بل هم وجلون خائفون من عذابه يقولون في دعائهم رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا الخ. قوله: إِنَّ عَذابَها الخ تعليل لقولهم: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، وكذا قوله: إِنَّها ساءَتْ الخ: وحذف العاطف بينهما فالجملتان من جملة مقولهم فهما في محل نصب، وقوله: كانَ غَراماً أي: في علمه تعالى، وقوله:\rأي: لازما أي: لزوما كليا في حق الكفار ولزوما بعده إطلاق إلى الجنة في حق عصاة المؤمنين اهـ شيخنا.\rوفي المختار: الغرام الشر الدائم والعذاب، وقوله تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي: هلاكا لازما اهـ.\rقوله: إِنَّها ساءَتْ الفاعل ضمير مستتر مبهم يفسره التمييز الذكور، والمخصوص بالذم محذوف قدره بقوله: (هي): وهو العائد على اسم إن فهو الرابط اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِنَّها ساءَتْ يجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف أي: أنها أي جهنم أحزنت أصحابها وداخليها، ومستقرا يجوز أن يكون تمييزا وأن يكون حالا، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى بئست فتعطى حكمها ويكون المخصوص محذوفا، وفي ساءت ضمير مبهم، ومستقرا يتعين أن يكون تمييزا أي: ساءت هي هي، فهي الثاني مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين ما وقعت خبرا عنه وهو كذا قدره الشيخ. وقال أبو البقاء:\rومستقرا تمييز، وساءت بمعنى بئس، فإن قيل: يلزم من هذه إشكال وذلك أنه لزم تأنيث فعل الفاعل المذكر من غير مسوغ لذلك، فإن الفاعل في ساءت على هذا يكون ضميرا عائدا على ما بعده وهو مستقرا ومقاما، وهما مذكران فمن أين جاء التأنيث؟ والجواب: أن المستقر عبارة عن جهنم فلذلك جاز تأنيث فعله اهـ.\rقوله: مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً قال بعضهم: هما بمعنى وهو الذي يشير له صنيع الشارح، وقال بعضهم: مستقر العصاة المؤمنين ومقاما للكافرين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ومستقرا ومقاما قيل مترادفان وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما، وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقر للعصاة فإنهم يخرجون والمقام للكفار فإنهم يخلدون اهـ.","part":5,"page":365},{"id":1851,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 366\rعلى عيالهم لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا بفتح أوله وضمه أي يضيقوا وَكانَ إنفاقهم بَيْنَ ذلِكَ الإسراف والإقتار قَواماً (67) وسطا\rوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي واحدا من الثلاثة يَلْقَ أَثاماً (68) أي عقوبة\rيُضاعَفْ وفي قراءة يضعف بالتشديد لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ بجزم الفعلين بدلا وبرفعهما استئنافا مُهاناً (69) حال\rإِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً منهم قوله: (بفتح أوله) أي: مع كسر التاء وضمها، وقوله: (و ضمه) أي: مع كسر التاء لا غير، فالقراءات ثلاث والقاف على كل ساكنة اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وقتر على عياله، أي: ضيق عليهم في النفقة وبابه ضرب ودخل وقتر تقتيرا وأقتر أيضا ثلاث لغات اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الخ شروع في بيان اجتنابهم للمعاصي بعد بيان إتيانهم بالطاعات اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها اهـ أبو السعود.\rفقوله: إِلَّا بِالْحَقِ راجع لقوله: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ. قوله: (أي واحدا من الثلاثة) في نسخة أي: ما ذكر من الثلاثة وهي أنسب بقوله: يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ إذ مضاعفته إنما تناسب جميع الثلاثة لا واحدا منهما اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: ومعنى الآية ومن يفعل شيئا من ذلك يلق أثاما الخ قيل: وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك تضاعفت له العقوبة على شركه وعلى معاصيه اهـ.\rقوله: يَلْقَ أَثاماً الأثام: كالوبال والنكال وزنا ومعنى جزاء الإثم الذي هو الذنب نفسه، ولذلك فسره الشارح بالعقوبة. وفي المختار: أثمه اللّه في كذا بالقصر يأثمه ويأثمه بضم الثاء وكسرها أثاما عده عليه إثما فهو مأثوم، وقال الفراء: أثمه اللّه يأثمه أثاما جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم أي: مجزي جزاء الإثم اهـ.\rقوله: (و في قراءة (؟ يضعف) بالتشديد) وكل من القراءتين يجيء مع جزم الفعل ورفعه، فالقراءات أربع وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (بجزم الفعلين بدلا) أي: بدل اشتمال اهـ شيخنا.\rقوله: مُهاناً أي: ذليلا محتقرا جامعا للعذاب الجسماني والروحاني اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا مَنْ تابَ استثناء متصل إلى الضمير المستتر في يلق أي: إلا من تاب فهو يلق الأثام، بل يزاد له في الإكرام بتبديل سيئاته حسنات اهـ شيخنا.\rقوله: وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً (منهم) الضمير المجرور عائد على من باعتبار معناه اهـ شيخنا.","part":5,"page":366},{"id":1852,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 367\rفَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ المذكورة حَسَناتٍ في الآخرة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) أي لم يزل متصفا بذلك\rوَمَنْ تابَ من ذنوبه غير من ذكر وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (71) أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا\rوَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي الكذب والباطل وَإِذا مَرُّوا قوله: فَأُوْلئِكَ الخ الإشارة إلى الموصول وهو من والجمع باعتبار معناه وهو له يبدل اللّه الخ، بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو يبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس بملكة الطاعة بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية مكانها، وقيل: يبدل بالشرك إيمانا وبقتل المؤمن قتل المشرك وبالزنا عفة وإحصانا اهـ أبو السعود.\rفعلى هذا يكون التبديل في الدنيا. وفي القرطبي: قال النحاس: من أحسن ما قيل في التبديل أنه يكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع. وقال مجاهد، والضحاك: أي يبدلهم اللّه عن الشرك الإيمان. وروي نحوه عن الحسن، قال الحسن: وقوم يقولون التبديل في الآخرة وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم اللّه إيمانا من الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور. وقيل:\rالتبديل عبارة عن الغفران أي: يغفر اللّه لهم تلك السيئات لا أنه يبدلها حسنات. قلت: ولا يبعد في كرم اللّه تعالى إذا صحت توبة العد أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ: «و أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» اهـ.\rقوله: سَيِّئاتِهِمْ (المذكورة) وهي ثلاثة. قوله: (بذلك) أي: المذكور من المغفرة والرحمة.\rقوله: مَنْ تابَ أي: عن المعاصي بتركها والندم عليها وعمل صالحا يتلافى به ما فرط، فإنه يتوب إلى اللّه يرجع إلى اللّه بذلك متابا مرضيا عند اللّه ماحيا للعقاب محصلا للثواب، أو يتوب متابا إلى اللّه الذي يحب التائبين ويحسن إليهم، أو فإنه يرجع إلى اللّه وإلى ثوابه مرجعا حسنا، وهذا تعميم بعض تخصيص اهـ بيضاوي.\rولما توهم اتحاد الشرط والجزاء أشار إلى توجيهه بوجوه حاصلها أن الجزاء فيه معنى زائد على ما في الشرط، وذلك المعنى مستفاد من قوله متابا، ومن تنكيره بعد تقييد ناصبه بكونه رجوعا إلى اللّه، فإن الشرط هو التوبة بمعنى الرجوع عن المعاصي، والجزاء هو الرجوع إلى اللّه أو مستفاد من لفظ الجلالة في قوله: يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فإن اللّه لما كان يحب التائبين ويحسن إليهم كان قوله: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً في قوة أن يقول يتوب إلى من يحب التائبين ويحسن إليهم، فكأنه قيل: من تاب عن المعاصي إلى الطاعة في الدنيا فإن تلك التوبة منه في الحقيقة توبة إلى اللّه، أو مستفاد من لفظ المضارع بأن يراد بقوله: يتوب الرجوع إلى ثوابه في الآخرة بخلاف الوجهين الأولين، إذ ليس المراد به فيهما الرجوع في الآخرة اهـ زاده.\rقوله: (غير من ذكر) أشار بذلك إلى أن العطف للمغايرة وبعضهم لم يقيد بهذا القيد وجعله من عطف العام اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ إما بمعنى لا يحضرون، فيكون الزور مفعولا به، وإما بمعنى الشهادة المعلومة فيكون الزور منصوبا بنزع الخافض أي: بالزور اهـ شيخنا.","part":5,"page":367},{"id":1853,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 368\rبِاللَّغْوِ من الكلام القبيح وغيره مَرُّوا كِراماً (72) معرضين عنه\rوَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا وعظوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي القرآن لَمْ يَخِرُّوا يسقطوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (73) بل خروا سامعين ناظرين منتفعين\rوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا بالجمع والإفراد قُرَّةَ أَعْيُنٍ لنا بأن وعبارة أبي السعود: والذين لا يشهدون الزور أي: لا يقيمون الشهادة الكاذبة أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل مشاركة فيه اهـ.\rقوله: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي: مروا على سبيل الإنفاق من غير قصد اهـ شيخنا.\rقوله: (و غيره) أي: غير الكلام القبيح وهو الفعل القبيح فهو معطوف على الكلام القبيح، فيكون قد بين اللغو بشيئين الكلام القبيح والفعل القبيح اهـ شيخنا.\rقوله: مَرُّوا كِراماً أي: مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه اهـ أبو السعود.\rوذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به اهـ بيضاوي.\rقوله: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها الخ النفي متوجه للقيد فقط وهو قوله صما وعميانا بدليل قوله: (بل خروا سامعين الخ). وقوله: سامعين في مقابلة صما، وناظرين في مقابلة عميانا، ومنتفعين حال من كل من سامعين وناظرين اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لم يخروا لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بأذن واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك: لا يلقاني زيد مسلما اهـ.\rقوله: (بل خروا سامعين الخ) عبارة أبي السعود: بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية وإنما عبر عن ذلك بنفي الضد تعريضا بما يفعله الكفرة والمنافقون اهـ.\rوخر من باب ضرب كما في المصباح. وفي القرطبي: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم أي: إذا قرئ عليهم القرآن ذكروا آخرتهم ومعادهم ولم يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع، وقال: لم يخروا وليس هناك خرور كما تقول: قعد يبكي وليس هناك قعود قاله الطبري واختاره. قال ابن عطية:\rوهو أن يخروا صما وعميانا صفة للكفار وهو عبارة عن إعراضهم، وقرر ذلك بقولهم: قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي وأنت لم تقصد الإخبار بقيام ولا قعود، وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة.\rقال ابن عطية: فكأن المستمع للذكر مقيم قناته قويم الأمر، فإذا أعرض وضل كان ذلك خرورا وهو السقوط على غير نظام وترتيب، وقيل: إذا تليت عليهم آيات الرحمن وجلت قلوبهم فخروا سجدا وبكيا ولم يخروا عليها صما وعميانا. وقال الفراء: أي: لم يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا اهـ.\rقوله: مِنْ أَزْواجِنا يجوز أن تكون لابتداء الغاية وأن تكون للبيان قاله الزمخشري، وجعله من التجريد أي: اجعل لنا قرة أعين من أزواجنا اهـ سمين.","part":5,"page":368},{"id":1854,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 369\rنراهم مطيعين لك وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74) في الخير\rأُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ الدرجة العليا في الجنة بِما صَبَرُوا على طاعة اللّه وَيُلَقَّوْنَ بالتشديد والتخفيف مع فتح الياء فِيها في الغرفة تَحِيَّةً وَسَلاماً (75) من الملائكة\rخالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (76) قوله: (بالجمع والإفراد) سبعيتان. قوله: قُرَّةَ أَعْيُنٍ قرة العين سرورها، والمراد به ما يحصل به السرور اهـ شيخنا.\rقوله: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي: اجعلنا بحيث يقتدون بنا في إقامة مواسم الدين بإفاضة العلم علينا والتوفيق للعمل الصالح اهـ أبو السعود.\rولفظ إمام يستوي فيه الجمع وغيره فالمطابقة حاصلة اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وتوحيد إماما لدلالته على الجنس وعدم اللبس كقوله: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر: 67] أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد واجعل كل واحد منا إماما أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم، وقيل: جمع آثم كصائم وصيام ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم اهـ.\rقوله: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الخ إشارة إلى المتصفين بما فصل في حيز الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به، وفيه دليل على أنهم متميزون بذلك أكمل تمييز ومنتظمون في سلك الأمور المشاهدة اهـ أبو السعود.\rقوله: الْغُرْفَةَ اسم جنس أريد به الجمع لقوله: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ: 37] اهـ أبو السعود.\rوقوله: (الدرجة العليا في الجنة) عبارة القرطبي: والغرفة: الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن حكاه ابن شجرة. وقال الضحاك: الغرفة الجنة. اهـ.\rقوله: بِما صَبَرُوا (على طاعة اللّه) عبارة البيضاوي: بصبرهم على المشاق في الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات اهـ.\rوالباء: سببية أي: سبب صبرهم.\rقوله: وَيُلَقَّوْنَ (بالتشديد) ومعناه يعطون كما في قوله تعالى: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [الإنسان: 11] حيث فسره الجلال هناك بقوله: أعطاهم. وقوله: والتخفيف ومعناه يجدون ويصادفون. ففي المصباح: لقيته ألقاه من باب تعب لقيا، والأصل على فعول ولقي بالضم مع القصر ولقا بالكسر مع المد والقصر، وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه اهـ.\rقوله: تَحِيَّةً وَسَلاماً (من الملائكة) لقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23] ويمكن أن يكون من اللّه لقوله تعالى سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:\r58] فلا يقال جمع بين التحية والسّلام مع أنهما بمعنى لقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: 44] ولخبر تحية أهل الجنة السّلام، لأن المراد هنا بالتحية سلام بعضهم على بعض أو المراد بالتحية إكرام اللّه تعالى لهم بالهدايا والتحف وبالسلام سلامه عليهم بالقول، ولو سلم أنهما","part":5,"page":369},{"id":1855,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 370\rموضع إقامة لهم، وأولئك وما بعده خبر عباد الرحمن المبتدأ\rقُلْ يا محمد لأهل مكة ما نافية يَعْبَؤُا يكترث بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ إياه في الشدائد فيكشفها فَقَدْ أي بمعنى كما هو قضية كلام الشيخ لساغ الجمع بينهما لاختلافهما لفظا كما مرّ نظيره اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: أي: تحييهم الملائكة ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات اهـ.\rوفي البيضاوي: تحية وسلاما أي: دعاء بالتعمير والسلامة أي: تحييهم الملائكة ويسلمون عليهم أو يحيي بعضهم بعضا، ويسلم عليه أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة اهـ.\rوقوله: أي: دعاء بالتعمير الخ تفسير لتحية وسلاما أي: أن التحية دعاء بالتعمير والسّلام دعاء بالسلامة اهـ زكريا.\rوعبارة الشهاب: قوله: دعاء بالتعمير أي طول العمر والبقاء لأن التحية أصل معناها قول حياك اللّه وأبقاك وهي مشتقة من الحياة كما أشاء إليه، والمراد من الدعاء به التكريم وإلقاء السرور وإلّا فهو متحقق لهم اهـ.\rخالِدِينَ فِيها أي: لا يموتون فيها ولا يخرجون اهـ بيضاوي.\rقوله: (و أولئك) أي: الواقع مبتدأ وما بعده أي: خبره وهو قوله: يُجْزَوْنَ الخ. أي: الجملة خبر عباد الرحمن الواقع مبتدأ اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لما وصف عبادة العباد وعدد صالحاتهم وحسناتهم وأثنى عليهم من أجلها ووعدهم رفع الدرجات، أتبع ذلك ببيان أنه إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم لأجل عبادتهم، فأمر رسوله بأن يقول لهم إن الاكتراث بهم عند ربهم إنما هو لأجل عبادتهم وحدها، لا لمعنى آخر. ولو لا عبادتهم لم يكترث بهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيئا يبالي به اهـ كشاف.\rوقال زاده: أي: أن مبالاة اللّه واعتناءه بشأنهم حيث خلق السموات والأرض وما بينهما إرادة للانتظام إنما هو ليعرفوا حق المنعم ويطيعوه فيما كلفهم به اهـ.\rوفي أبي السعود: قل ما يعبأ بكم أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون، إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتد بهم أصلا. أي: قل لهم كافة مشافها لهم بما صدر عن جنسهم من خير وشر ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم أي: أي عبء يعبأ بكم، وأي اعتداد يعتد بكم لو لا عبادتكم له تعالى حسبما مرّ تفصيله، فإن ما خلق له الإنسان معرفته تعالى وطاعته، وإلّا فهو وسائر البهائم سواء. وقال الزجاج: معناه: أي وزن يكون لكم عنده، وقيل: معناه ما يصنع بكم ربي لو لا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، وقيل: ما يصنع بعذابكم لو لا دعاؤكم معه آلهة، ويجوز أن تكون ما نافية اهـ.\rقوله: لَوْ لا دُعاؤُكُمْ (إياه) أشار به إلى أن المصدر مضاف لفاعله. قوله: فَسَوْفَ يَكُونُ (العذاب) أي: الذي يدل عليه فقد كذبتم، فعلى هذا الضمير راجع للتكذيب على حذف المضاف أي:\rفسوف يكون تكذيبكم أي: جزاؤه لزاما اهـ شيخنا.","part":5,"page":370},{"id":1856,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 371\rفكيف يعبأ بكم وقد كَذَّبْتُمْ الرسول والقرآن فَسَوْفَ يَكُونُ العذاب لِزاماً (77) ملازما لكم في الآخرة بعد ما يحل بكم في الدنيا فقتل منهم يوم بدر سبعون، وجواب لو لا دلّ عليه ما قبلها.\rقوله: لِزاماً مصدر لازم كقاتل قتالا، والمراد به هنا اسم الفاعل، ولذلك قال ملازما لكم اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً هذا تهديد لهم أي: يكون تكذيبكم لزاما. قال ابن عباس:\rموتا، وقيل: هلاكا، وقيل: وبالا. والمعنى يكون التكذيب لازما لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله، وقيل: معناه عذابا دائما وهلاكا لازما يلحق بعضكم بعضا. وقيل: يوم بدر قتل سبعون وأسر سبعون، وهو قول عبد اللّه بن مسعود، وأبي بن كعب، يعني أنهم قتلوا يوم بدر واتصل به عذاب الآخرة لازما لهم. روى الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود قال: خمس قد مضين الدخان واللزام والروم والبطشة والقمر، وفي رواية: الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام اهـ.\rوقوله: خمس أي: خمس علامات دالة على قيام الساعة قد مضين أي: وقعن. الدخان أي:\rالمذكور قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10] وعلى هذا فالمراد به شيء يشبه الدخان، وذلك أنه لما نزل بهم الجوع صار الواحد يرى كأنه بينه وبين السماء دخانا. والقمر أي: في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] والروم أي: في قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: 2] والبطشة أي: في قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى [الدخان: 16] وهي القتل يوم بدر، واللزام أي: في قوله تعالى: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً وقد عرفت أن ابن مسعود يقول:\rاللزام هو يوم بدر، وحينئذ فيكون مكررا مع البطشة، ويكون المعدود أربعة فقط. وأجيب: بأن المراد باللزام الأسر يوم بدر، وبالبطشة القتل يوم بدر فليتأمل. قوله: (دل عليه ما قبلها) وهو قوله: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي، والتقدير: لو لا دعاؤكم ما عبأ بكم أي: ما اكترث بكم، وهذا الجواب منفي، ولو لا تفيد انتفاءه فينحل المعنى إلى أنه تعالى اكترث بهم بدفع الشدائد عنهم بسبب دعائهم، وانظر على هذا ما موقع قوله: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ خصوصا على حل الشارح بقوله: (أي فكيف يعبأ بكم) الظاهر منه أنه لم يعبأ بهم لأجل تكذيبهم فتأمل اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وما عبأ به أي ما بالى وبابه قطع اهـ.","part":5,"page":371},{"id":1857,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 372\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الشعراء مكية إلا وَالشُّعَراءُ إلى آخرها- فمدني وهي مائتان وسبع وعشرون آية\rطسم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك\rتِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن، والإضافة بمعنى من الْمُبِينِ (2) المظهر الحق من الباطل\rلَعَلَّكَ يا محمد باخِعٌ نَفْسَكَ قاتلها بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rعن ابن عباس: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة». وعن البراء بن عازب أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن اللّه أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المص مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي» اهـ قرطبي.\rقوله: (إلا والشعراء إلى آخرها) وجملته أربع آيات.\rقوله: طسم تكتب متصلة بعضها ببعض كما في أكثر المصاحف، وفي بعضها كتابتها مفرقة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود: ط س م مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر يعنون أنه يقف على كل حرف وقفة يمييز بها كل حرف، وإلّا لم يتصور أن يلفظ بها على صورتها في هذا الرسم. وقرأ عيسى: وتروى عن نافع بكسر الميم هنا، وفي القصص على البناء، وأمال الطاء الأخوان وأبو بكر وقد تقدم ذلك اهـ.\rقوله: تِلْكَ مبتدأ. وقوله: (أي هذه الآيات) أي: آيات هذه السورة، وآيات الكتاب خبر.\rقوله: (المظهر الحق من الباطل) أي: فهو من أبان المتعدي أو الظاهر إعجازه من أبان اللازم، وهذا المعنى أليق بالمقام وأوفق للمرام، ولذا اقتصر عليه الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ في المصباح بخع نفسه بخعا من باب نفع قتلها من وجد أو غيظ، وبخع لي بالحق بخوعا انقاد وبذله اهـ.","part":5,"page":372},{"id":1858,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 373\rغما من أجل أَلَّا يَكُونُوا أي أهل مكة مُؤْمِنِينَ (3) ولعل هنا للإشفاق، أي أشفق عليها بتخفيف هذا الغم\rإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ بمعنى المضارع أي تظل أي تدوم أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) فيؤمنون، ولما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو لأربابها جمعت الصفة منه قوله: أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي: بهذا الكتاب. قوله: (للإشفاق) أي: فللترجي هنا بمعنى الأمر أي: ارحمها وارأف بها، وأشفق بقطع الهمزة من أشفق الرباعي وبوصلها من شفق الثلاثي والرباعي إن تعدى بمن كان بمعنى الخوف، وإن تعدى بعلى كان بمعنى الرحمة والرفق والحنو. ففي المصباح:\rوأشفقت من كذا بالألف حذرت، وأشفقت على الصغير حنوت وعطفت والاسم الشفقة وشفقت أشفق من باب ضرب لغة فأنا شفق وشفيق اهـ.\rقوله: إِنْ نَشَأْ الخ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد تعليل الأمر بإشفاقه على نفسه اهـ شهاب.\rوفي أبي السعود: وهذا استئناف مسوق لتعليل ما يفهم من الكلام من النهي عن التحسر المذكور ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به مشيئة اللّه حتما، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، ومفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء أعني قوله: نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آية أي: ملجئة لهم إلى الإيمان قاسرة عليه، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر اهـ.\rقوله أيضا: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ نشأ فعل الشرط وننزل جوابه، وقوله: آية أي: مخوفة لهم كرفع الجبل فوق رؤوسهم كما وقع لبني إسرائيل، وقوله: فَظَلَّتْ معطوف على الجزاء فهو في محل جزم اهـ شيخنا.\rوهذا أحد وجهين ذكرهما السمين، والآخر أنه مستأنف وهو الأنسب بقول الجلال أي: تظل تدوم ففسره بالمرفوع اهـ.\rوالعامة على نون الظلمة في كل من الفعلين. وروي عن أبي عمرو بالياء فيهما أي: إن يشأ اللّه ينزل وإن أصلها أن تدخل على المشكوك أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني اهـ سمين.\rقوله: (الذي هو لأربابها) أي: والأصل فظلوا خاضعين ثم لما نسب الخضوع للأعناق لظهور الكبر بها كان الظاهر أن يقال خاضعة، لكن لما وصفت الأعناق بالخضوع وهو وصف لأربابها في الحقيقة سوغ ذلك جمع بالياء والنون الذي هو للعقلاء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: خاضِعِينَ فيه وجهان.\rأحدهما: أنه خبر عن أعناقهم واستشكل جمعه سلامة لأنه مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه، أحدها: أن المراد بالاعناق الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور. الثاني: أنه على حذف مضاف أي: فظل أصحاب الأعناق ثم حذف وبقي الخبر على مكان عليه قبل الحذف مراعاة للمحذوف. الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب التأنيث بالإضافة. الرابع: أن الأعناق جمع عنق من الناس وهم الجماعة، فليس المراد الجارحة البتة.\rالخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الإضافة لبيان موضع الخضوع","part":5,"page":373},{"id":1859,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 374\rجمع العقلاء\rوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ قرآن مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ صفة كاشفة إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)\rفَقَدْ كَذَّبُوا به فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا عواقب ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6)\rأَوَلَمْ يَرَوْا ينظروا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها أي كثيرا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) نوع حسن\rإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً دلالة على كمال قدرته تعالى وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) في علم اللّه، وكان قال سيبويه زائدة\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ذو العزة وترك الكلام على أصله. السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لما أسند إليهم ما يكون من فعل العقلاء كقوله: ساجِدِينَ [يوسف: 4] وطائِعِينَ [فصلت: 11] في يوسف والسجدة.\rالوجه الثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في أعناقهم قاله الكسائي اهـ.\rقوله: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ من: زائدة: وقوله: مِنَ الرَّحْمنِ ابتدائية، وقوله: مُحْدَثٍ أي: تجدد انزاله، وقوله: (صفة كاشفة) أي: لفهم معناها من التعبير بالإتيان، وقوله: إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ جملة حالية اهـ شيخنا.\rقوله: (عواقب) وعبّر عنها بالأنباء أي: الأخبار لأن القرآن أنبأ وأخبر اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ الخ بعد ما بين أنه كلما أنزل عليهم ذكر لم يزدهم إلا نفورا وإعراضا بيّن أيضا أنه أظهر لهم أدلة تحدت في الأرض وقتا بعد وقت تدل على وحدانيته وكمال قدرته ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر اهـ زاده.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 374\r\rله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ الخ بعد ما بين أنه كلما أنزل عليهم ذكر لم يزدهم إلا نفورا وإعراضا بيّن أيضا أنه أظهر لهم أدلة تحدت في الأرض وقتا بعد وقت تدل على وحدانيته وكمال قدرته ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر اهـ زاده.\rقوله: إِلَى الْأَرْضِ أي: إلى عجائبها وبيّن بعض عجائبها بقوله: كَمْ أَنْبَتْنا فِيها. وكم: في محل نصب على المفعولية لأنبتنا، ومن كل زوج تمييز لها اهـ شيخنا.\rقوله: (نوع حسن) أي: كثير النفع، إذ ما من نبت إلا وله نفع. والمراد الدلالة الظاهرة الزائدة في الظهور على القدرة الكاملة، وإلّا فنفس الدلالة على القدرة مشتركة. قال الزمخشري: فإن قلت:\rما معنى الجمع بين كم وكل ولو قيل: أنبتنا فيها من كل زوج كريم لكفى؟ قلت: قد دل بكل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، ودل بكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط في الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما فنبه به على كمال قدرته اهـ.\rوإليه أشار في التقرير: فإن قيل حين ذكر الأزواج دل عليها بكلمتي الكثرة والإحاصة وكان لا يحصيها إلا علم الغيب، فكيف قال: إن في ذلك لآية، وهلا قال لآيات؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال: إن في ذلك الإنبات لآية. والثاني: أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية اهـ كرخي.\rقوله: لَآيَةً اللام زائدة في اسم إن المؤخر، وقد ذكرت هذه الآية في هذه السورة ثمان مرات اهـ شيخنا.\rقوله: (في علم اللّه) هذا توجيه أول مبني على أصالة كان، وقوله: وكان قال سيبويه الخ توجيه ثان ولو عبّر كما صنع غيره فقال: وقال سيبويه كان زائدة لكان أظهر في الفهم اهـ شيخنا.","part":5,"page":374},{"id":1860,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 375\rينتقم من الكافرين الرَّحِيمُ (9) يرحم المؤمنين\rوَاذكر يا محمد لقومك إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ليلة رأى النار والشجرة أَنِ أي بأن ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) رسولا\rقَوْمَ فِرْعَوْنَ معه ظلموا أنفسهم بالكفر باللّه وبني إسرائيل باستعبادهم أَلا الهمزة للاستفهام الإنكاري يَتَّقُونَ (11) وفي البيضاوي: وما كان أكثرهم مؤمنين في علم اللّه وقضائه، فلذلك لا تنفعهم أمثال هذه الآيات العظام اهـ.\rقوله: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى الخ شروع في قصص سبع، أولها: قصة موسى وقد ذكرت بقوله: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى. والثانية: قصة إبراهيم وقد ذكرت بقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ [الشعراء: 69]. والثالثة: قصة نوح وقد ذكرت بقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:\r105]. والرابعة: قصة هود وقد ذكرت بقوله: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 123].\rوالخامسة: قصة صالح وقد ذكرت بقوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 141]. والسادسة:\rقصة لوط وقد ذكرت بقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 160]. والسابعة: قصة شعيب وقد ذكرت بقوله: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 176] وكان النداء بكلام نفساني سمعه من كل الجهات من غير واسطة، وتقدم بسط هذا الكلام في سورة طه اهـ شيخنا.\rقوله: (و اذكر يا محمد) أي: اذكر لهم هذه القصص الآتي ذكرها ليتأملوا فيها فيعلموا ما وقع لأهلها المكذبين لرسلهم فينزجروا عن تكذيبك اهـ شيخنا.\rقوله: (ليلة رأى النار الخ) وتقدم في سورة طه أنها كانت ليلة مظلمة باردة ممطرة وكانت في سفره من الشام إلى مصر كما تقدم بسطه هناك اهـ شيخنا.\rقوله: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يجوز في أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية أي: بأن اهـ سمين.\rوليس هذا مطلع ما ورد في حيز النداء وإنما هو ما فصل في سورة طه من قوله تعالى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ إلى قوله: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [طه: 23] اهـ أبو السعود.\rقوله: (رسولا) حال من فاعل ائت، وقوله: قَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل، وقوله: (معه) أي: كما فهم بالأولى فإنه رأس الضلال ومنشأ الإضلال اهـ كرخي.\rقوله: (باستعبادهم) أي: استخدامهم في الأعمال الشاقة نحو أربعمائة سنة والأولى تفسير استعبادهم باتخاذهم عبيدا أي: معاملتهم معاملة العبيد اهـ شيخنا.\rوكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا اهـ قرطبي.\rقوله: (للاستفهام الإنكاري) أي: لكن المقصود هنا التعجب أي: تعجب يا موسى من عدم تقواهم، ولا يصح أن تكون للاستفهام الإنكاري قصدا لأنه للنفي ومدخولها هنا نفي، ونفي النفي إثبات فينحل المعنى إلى أنهم اتقوا اللّه وهو فاسد اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: قوله: أَلا يَتَّقُونَ استئناف جيء به اثر إرساله عليه السّلام إليهم للإنذار","part":5,"page":375},{"id":1861,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 376\rاللّه بطاعته فيوحدونه\rقالَ موسى رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12)\rوَيَضِيقُ صَدْرِي من تكذيبهم لي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بأداء الرسالة للعقدة التي فيه فَأَرْسِلْ إِلى أخي هارُونَ (13) معي\rوَلَهُمْ تعجيبا من غلوهم في الظلم وإفراطهم في العدوان اهـ.\rوفي السمين: والظاهر أن ألا للعرض، وقال الزمخشري: أنها لا النافية دخلت عليهم همزة الإنكار، وقيل: هي التنبيه اهـ.\rوفي القرطبي: ومعنى ألا يتقون ألا بخافون عقاب اللّه، وقيل: هذا من الإيماء إلى الشيء لأنه أمره أن يأتي القوم الظالمين ودل قوله: ألا يتقون على أنهم لا يتقون وعلى أنه أمرهم بالتقوى، وقيل:\rالمعنى قل لهم ألا يتقون وجاء بالياء لأنهم غيب وقت الخطاب ولو جاء بالتاء الجاز اهـ.\rقوله: قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ الخ اعتذر موسى بثلاثة أعذار كل منها مرتب على ما قبله، وليس مراده الامتناع من الرسالة بل مراده إظهار العجز عن هذا الأمر الثقيل وطلب المعونة عليه من اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي الجمهور على الرفع وفيه وجهان، أحدهما: أنه استنئاف إخبار بذلك. والثاني: أنه معطوف على خبر إن. وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسى والأعمش بالنصب فيهما، والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني، فالرفع على الاستئناف أو عطف على خبر إن كما مرّ، والنصب عطف على صلة أن فتكون الأفعال الثلاثة داخلة في حيز الخوف. وقال الزمخشري:\rوالفرق بينهما أي الرفع والنصب أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل: خوف التكذيب وضيق الصدر وامتناع انطلاق اللسان، والنصب يفيد أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة وفي جملتها نفي انطلاق اللسان وحقيقة الخوف إنما تلحق الإنسان لأمر سيقع وذلك كان واقعا فكيف جاز تعليق به؟ قلت: قد علق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له من ضيق الصدر والحبسة في اللسان الزائدة على ما كان به على أن تلك الحبسة التي كانت به زالت بدعونه، وقيل:\rبقيت منها بقية يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يرده الرفع لأن المعنى إني خائف ضيق الصدر غير منطلق اللسان. قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها، ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي يبقى اهـ سمين.\rقوله: (للعقدة) أي: الثقل الحاصل فيه بسبب وضع الجمرة عليه وهو صغير لما نتف لحية فرعون فاغتم منه فأشارت عليه زوجته أن يختبره، فقدم له تمرة وجمرة فأخذ الجمرة ووضعها على لسانه فحصل فيه ثقل في النطق اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَرْسِلْ أي: أرسل جبريل إلى أخي هارون وقوله: معي متعلق بأرسل أي: صيره رسولا مصاحبا في دعوة فرعون وقومه، وكان هارون إذ ذاك بمصر وموسى في الطور في المناجاة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي: في زعمهم وإلّا فقتله إياه كان من غير قصد كما يأتي في القصة اهـ.","part":5,"page":376},{"id":1862,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 377\rعَلَيَّ ذَنْبٌ بقتل القبطي منهم فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) به\rقالَ تعالى كَلَّا أي لا يقتلونك فَاذْهَبا أي أنت وأخوك، ففيه تغليب الحاضر على الغائب بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) ما تقولون وما يقال لكم، أجريا مجرى الجماعة\rفَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا أي كلا منا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) إليك\rأَنْ أي بأن أَرْسِلْ مَعَنا إلى الشام بَنِي إِسْرائِيلَ (17) فأتياه فقالا له ما ذكر\rقالَ فرعون لموسى أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا في منازلنا وَلِيداً صغيرا قريبا من الولادة بعد فطامه قوله: فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (به) أي: فيفوت المقصود من الرسالة، فهذا هو الخائف عليه اهـ شيخنا.\rقوله: فَاذْهَبا بِآياتِنا عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك اهـ سمين.\rقوله: (ففيه تغليب الحاضر) أي: في مكان الخطاب وهو موسى. على الغائب أي: عن ذلك المكان وهو هارون لأنه إذ ذاك بمصر والإرسال والخطاب المذكوران كانا في الطور كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: (أجريا) أي: موسى وهارون في قوله: مَعَكُمْ ولم يقل معكما كما في آية أخرى، وقوله: (مجرى الجماعة) أي تعظيما لهما اهـ شيخنا.\rقوله: (أي كلامنا) توجيه للمطابقة بين اسم إن وخبرها اهـ شيخنا.\rقوله: (فأتياه الخ) أشار به إلى أن قوله: قالَ (فرعون) الخ مبني ومرتب على هذا المقدر اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: فانطلقا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه فدخل البواب على فرعون وقال له: ههنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال له فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه فدخلا عليه وأديا الرسالة. وروى وهب وغيره أنهما لما دخلا على فرعون وجداه وقد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها فخاف خدامها أن تبطش بموسى وهارون فأسرعوا إليهما وأسرعت السباع إلى موسى وهارون فأقبلت تلحس أقدامهما وتبصبص إليهما بأذنابها وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا: إنا رسول رب العالمين فعرف موسى لأنه نشأ في بيته فقال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً على جهة المنّ عليه والاحتقار أي: ربيناك صغيرا ولم نقتلك في جملة من قتلناه ولبثت فينا من عمرك سنين، فمتى كان هذا الذي تدعيه. ثم قرره بقتل القبطي بقوله:\r(و فعلت فعلتك التي فعلت الخ) اهـ.\rقوله: قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ استفهام تقرير وقد امتن عليه أولا بنعمة التربية وثانيا بغفره له الذنب الذي وقع منه وهو قتل القبطي، وأجاب موسى عن الثانية بقوله: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، وعن الأولى بقوله وتلك نعمة الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِيداً حال. قوله: (قريبا من الولادة) أي: ففي الوليد مجاز لأنه يطلق على المولود","part":5,"page":377},{"id":1863,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 378\rوَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) ثلاثين سنة يلبس من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان يسمى ابنه\rوَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ هي قتله القبطي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد\rقالَ موسى فَعَلْتُها إِذاً أي حينئذ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) عما آتاني اللّه بعدها من العلم والرسالة\rفَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً علما وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)\rوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ أصله تمن بها عليّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22) بيان لتلك، أي اتخذتهم عبيدا حال ولادته وليس مرادا هنا، وقوله: (بعد فطامه) أي: وأما في زمن الرضاع فكان عند أمه ثم أخذه فرعون عنده بعد الفطام، وعدم هذا القيد أولى كما صنع غيره لأنه في مدة الرضاع وإن كأن عند أمه، لكنه كان تحت نظر فرعون وإشارته، فكانت أمه كالمرضعة المكتراة له تأمل. قوله: مِنْ عُمُرِكَ نعت لسنين مقدم عليه فهو في محل نصب على الحال على القاعدة في تقديم نعت النكرة عليها، ومن تبعيضية اهـ شيخنا.\rقوله: (و عدم الاستعباد) أي: عدم اتخاذك عبدا لي كبني إسرائيل.\rقوله: إِذاً (أي حينئذ) أي: حين إذ كنت لابثا فيكم، وهذا تفسير معنى إذ لا يذهب أحد إلى أن إذا ترادف من حيث الإعراب حينئذ وهي هنا حرف جواب فقط. وقال الزمخشري إنها حرف جواب وجزاء معا ثم قال: فإن قلت: إذا جواب وجزاء معا، والكلام وقع جوابا لفرعون فكيف وقع جزاء؟\rقلت: قول فرعون وفعلت فعلتك فيه معنى إنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازيا لك تسليما لقوله: لأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء اهـ كرخي.\rقوله: (عما آتاني اللّه بعدها من العلم والرسالة) أي: قبل أن يأتيني فيها عن اللّه شيء، فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. قال ابن جرير: العرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال، والحاصل: أنه أراد به وأنا من الجاهلين، أو من المخطئين لا من المتعدين، فلا يرد كيف قال موسى وأنا من الضالين والنبي لا يكون ضالا أبدا اهـ كرخي.\rقوله: لَمَّا خِفْتُكُمْ العامة على تشديد الميم وهي لما التي هي حرف وجوب عند سيبويه أو بمعنى هين عند الفارسي، وروي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم أي: لتخوفي منكم وما مصدرية اهـ سمين.\rقوله: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ رد بذلك ما وبخه به فرعون قدحا في نبوته وهو القتل بغير حق، ووجه الرد أن موهبة الحكم والنبوة كانت بعد تلك الحادثة اهـ كرخي.\rقوله: وَتِلْكَ مبتدأ ونعمة خبر، وتمنها صفة للخبر، وأن عبدت الخ عطف بيان على المبتدأ موضح له، فتلك إشارة إلى شيء مبهم، وقد وضح وبيّن بقوله: أَنْ عَبَّدْتَ الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَنْ عَبَّدْتَ فيه أوجه سبعة، أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان لتلك كقوله: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ [الحجر: 66]. والثاني: أنه في محل نصب مفعولا من أجله. والثالث: أنه بدل من نعمة. والرابع: أنه بدل من الهاء في تمنها. والخامس: أنه مجرور بياء","part":5,"page":378},{"id":1864,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 379\rولم تستعبدني، لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم، وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار\rقالَ فِرْعَوْنُ لموسى وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) الذي قلت إنك رسوله، أي أيّ شيء هو؟\rولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى وإنما يعرفونه بصفاته أجابه موسى عليه الصلاة والسّلام ببعضها\rقالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي خالق ذلك إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) بأنه تعالى خالقه فآمنوا به وحده\rقالَ فرعون لِمَنْ حَوْلَهُ من أشراف قومه أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) جوابه الذي لم يطابق السؤال\rقالَ موسى رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) وهذا وإن كان داخلا مقدرة أي: بأن عبدت. والسادس: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هي. والسابع: أنه منصوب بإضمار أعني: والجملة من تمنها صفة لنعمة وتمن يتعدى بالياء فقيل هي محذوفة أي: تمن بها. وقيل: ضمن تمن معنى تذكر اهـ.\rقوله: (بيان لتلك) أي: عطف بيان موضح لها، وقوله: (و لم تستعبدني الخ) أي: فلا فضيلة لك في عدم استعبادي الذي مننت به عليّ لأن استعبادك لغيري ظلم اهـ شيخنا.\rقوله: (و قدر بعضهم) وهو الأخفش أول الكلام أي: قبل وتلك، وأصل الكلام أو تلك الخ.\rأي: ليست هذه نعمة حتى تمن بها علي اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أي شيء هو) وذلك لأن ما للسؤال عن الحقيقة، أي: أي جنس هو من أجناس الموجودات اهـ.\rقوله: (ببعضها) وخص هذا البعض لأنه لا يشاركه فيه أحد وفيه إبطال لدعواه أنه إله اهـ كرخي.\rقوله: وَما بَيْنَهُمَا أي: بين الجنسين فلا يرد كيف قيل وما بينهما على التثنية والمرجوع إليه مجموع اهـ كرخي. قوله: (أي خالق ذلك) أي: ما ذكر من الأمور الثلاثة. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي: إن كنتم موقنين بالأشياء محققين لها علمتم ذلك، أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله اهـ أبو السعود.\rقوله: (من أشراف قومه) وكانوا خمسمائة لابسين للاساورة، ولم يكن يلبسها إلا السلاطين على عادة الملوك اهـ شيخنا.\rقوله: (الذي لم يطابق السؤال) أي: لأن ما للسؤال عن الحقيقة وقد أجابه بالصفة التي يسأل عنها بأي، وتقدم أن العدول عن الجواب المطابق متعين لاستحالته فالسؤال عن الحقيقة سفه وعبث اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ألا تستمعون جوابه سألته عن حقيقته وهو بذكر أفعاله أو يزعم أنه رب السموات وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر اهـ.\rقوله: قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فإن قلت: ذكر السموات والأرض وما بينها قد استوعب به الخلائق كلها فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟ قلت: خص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وهي أظهر دلالة على","part":5,"page":379},{"id":1865,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 380\rفيما قبله يغيظ فرعون ولذلك\rقالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)\rقالَ موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) أنه كذلك فآمنوا به وحده\rقالَ فرعون لموسى لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) كان سجنه شديدا يحبس الشخص في مكان تحت القادر، ثم خص المشرق والمغرب لأنهما أوضح دلالة وأظهر، وذلك أنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وطلوع النهار، وأراد بالمغرب غرب الشمس وزوال النهار. ومعلوم أن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخرة على تقدير مستقيم لا يكون إلا بتقدير قادر حكيم اهـ من الكشاف.\rقوله: (و هذا) أي: هذا الجواب وإن كان داخلا فيما قبله أي: في الجواب الذي قبله وهو قوله:\rرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال ربكم وربّ آبائكم الأولين جاء بدليل يفهمونه لأنهم يعلمون أنهم قد كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد لهم من مفن. وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا أنهم لا بد لهم من مكوّن اهـ.\rقوله: (و لذلك) أي: لشدة غيظه قال: إن رسولكم الخ. وسماه رسولا استهزاء وقوله:\rلَمَجْنُونٌ أي: لأني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن آخر اهـ بيضاوي.\rوفي أبي السعود: وأضافه إلى مخاطبيه ترفعا عن أن يكون مرسلا إلى نفسه اهـ.\rقوله: قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أي: ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك واحدا لا يجري أمرك في غيره ويموت فيه من لا تحب أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون، وقيل: علم موسى عليه السّلام أن قصده في السؤال معرفة عينه، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب اهـ قرطبي.\rقوله أيضا: قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما أي: فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات. إن كنتم تعقلون أي؛ إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكن فوق ذلك لاينهم أولا ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم اهـ بيضاوي.\rوقوله: أي: كان لكم عقل يعني أنه نزل منزلة اللازم هنا لأنه أبلغ وأوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه كما أشار له بقوله: عارضهم بمثل مقالتهم اهـ شهاب.\rوقوله: لاينهم أي: عاملهم باللين والرفق حيث قال لهم أولا: إن كنتم موقنين، ثم خاشنهم أي: أغلظ عليهم في الرد بقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ اهـ شهاب.\rوهذا جواب عما يقال قال أولا إن كنتم موقنين وآخرا إن كنتم تعقلون كما في الكشاف.\rقوله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ هذا عدول عن المحاجة بعد الانقطاع إلى التهديد، وهكذا ديدن المعاند المحجوج، واستدل به على ادعائه الألوهية وإنكاره للصانع، وإن تعجبه بقوله ألا تستمعون إنما هو من نسبه الربوبية إلى غيره، ولعله كان دهريا اعتقد أن","part":5,"page":380},{"id":1866,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 381\rالأرض وحد لا يبصر ولا يسمع فيه أحدا\rقالَ له موسى أَوَلَوْ أي أتفعل ذلك ولو جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) أي برهان بين على رسالتي\rقالَ فرعون له فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فيه\rفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32) حية عظيمة\rوَنَزَعَ يَدَهُ أخرجها من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ ذات من ملك قطرا أو تولى أمره بقوة طالعه استحق العبادة من أهله، واللام في قوله: مِنَ الْمَسْجُونِينَ للعهد أي: ممن عرفت حالهم في سجوني، فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا، ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: ثم لما انقطع فرعون لعنه اللّه في باب الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فتوعد موسى بالسجن ولم يقل ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك، لأن فيه الاعتراف بأن ثم إلها غيره، وفي نوعده بالسجن ضعف، وكان فيما يروى أنه يفزع من موسى فزعا شديدا حتى كان اللعين لا يمسك بوله اهـ.\rوفي المصباح: سجنته سجنا من باب قتل حبسته، والسجن بالكسر الحبس والجمع سجون مثل حمل وحمول اهـ.\rقوله: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي: أتفعل ذلك ولو جئتك بشيء يبين صدق دعواي يعني المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، والدلالة على صدق مدعي نبوته.\rفالواو للحال دخلت عليها الهمزة بعد حذف الفعل اهـ بيضاوي.\rولا ينافي هذا تقدير الفعل قبلها الذي قد يدل على أنها عاطفة لأن المقدر عامل الحال وصاحبها اهـ ملخصا من الشهاب.\rقوله: (أي أتفعل ذلك) أي: جعلي من المسجونين.\rقوله: قالَ فَأْتِ بِهِ إنما أمره فرعون بالإتيان بالشيء المبين لظنه أنه يقدر على معارضته اهـ شيخنا.\rقوله: (فيه) أي: في أن ذلك بينة وبرهانا اهـ شيخنا.\rقوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي: ظاهر ثعبانيته، واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء فانبعث إذا فجرته فانفجر اهـ بيضاوي.\rوقوله: أي: ظاهر ثعبانيته أي ليس بتمويه وتخييل كما يفعل السحرة، وهو مشتق من ثعب بمعنى جرى لجريه بسرعة من غير رجل كأنه ماء سائل. وأما كونه من الانفجار وإن كان مآله ما ذكر فليس بمراد اهـ شهاب.\rقوله: وَنَزَعَ يَدَهُ أي: من جيبه فإذا هي بيضاء للنظارين. قيل: لما رأى فرعون الآية الأولى قال: هل لك غيرها؟ فأخرج يده فقال: ما هذه؟ فقال فرعون: يدك فما فيها فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق اهـ أبو السعود.","part":5,"page":381},{"id":1867,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 382\rشعاع لِلنَّاظِرِينَ (33) خلاف ما كانت عليه من الأدمة\rقالَ فرعون لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) فائق في علم السحر\rيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (35)\rقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أخر أمرهما وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) جامعين\rيَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) يفضل موسى في علم السحر\rفَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وهو وقت الضحى من يوم الزينة\rوَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39)\rلَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) الاستفهام للحث على الاجتماع، والترجي على تقدير غلبتهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى\rفَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا قوله: (من الأدمة) أي: السمرة. قوله: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ أي: مستقرين حوله فهو ظرف وقع موقع الحال اهـ أبو السعود.\rومفعول القول قوله: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. قال الزمخشري: فإن قلت: ما العامل في حوله؟\rقلت: هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل، فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال اهـ كرخي.\rقوله: (فائق في علم السحر) أخذه من صيغة المبالغة اهـ.\rقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ الخ بهره سلطان المعجزة وحيره حتى حطه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده في زعمه، والامتثال بأمرهم أو إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم بعد ما كان مستقلا بالرأي والتدبير، وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ملكه ونسبة الإخراج والأرض إليهم لتنفيرهم عن موسى عليه السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: فَما ذا تَأْمُرُونَ أي: فأي شيء تأمرونني به في شأنه. قوله: (جامعين) أي: للسحرة.\rوقوله: يَأْتُوكَ مجزوم في جواب الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: (بفضل موسى) أي: يفوق ويزيد عليه في علم السحر اهـ شيخنا.\rقوله: لِمِيقاتِ يَوْمٍ أي: وقت يوم والإضافة على معنى من أي من يوم كما أشار له بقوله:\rوهو أي الميقات وقت الضحى من يوم الزينة، ويوم الزينة كان يوم عيد لهم، وقيل: يوم سوق اهـ شيخنا.\rقوله: (و الترجي على تقدير غلبتهم الخ) عبارة البيضاوي: والترجي باعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم الأصلي ألا يتبعوا موسى لا أن يتبعوا السحرة، فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يتبعوا موسى اهـ.\rأي: فالمراد أنا نرجو أن تكون الغلبة لهم فلا نتبع موسى اهـ زاده.\rوليس الرجاء لاتباع السحرة لأنه مقطوع به عندهم اهـ شيخنا.\rقوله: (على الوجهين) أي: تحقيقهما وتسهيل الثانية وكان عليه أن يقول: وتركه أي ترك الإدخال على الوجهين ليكون منها على القراءات الأربع.\rقوله: لَأَجْراً أي أجرة وجعلا.","part":5,"page":382},{"id":1868,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 383\rنَحْنُ الْغالِبِينَ (41)\rقالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً أي حينئذ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)\rقالَ لَهُمْ مُوسى بعد ما قالوا له إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فالأمر فيه للإذن بتقديم إلقائهم توسلا به إلى إظهار الحق\rفَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44)\rفَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ بحذف إحدى التاءين من الأصل تبتلع ما يَأْفِكُونَ (45) يقلبونه بتمويههم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى\rفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46)\rقالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47)\rرَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) لعلمهم بأن شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر\rقالَ فرعون آمَنْتُمْ قوله: قالَ نَعَمْ أي: لكم الأجر أي الأجرة والجعل على عملكم السحر وزادهم بقوله:\rوَإِنَّكُمْ إِذاً أي: إذا كنتم غالبين اهـ شيخنا.\rقوله: لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي: مني. قوله: (فالأمر فيه الخ) جواب عما يقال كيف يأمرهم بفعل السحر. وفي البيضاوي: ولم يرد بهذا أمرهم بالسحر والتمويه، بل أراد الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلا إلى أظهار الحق اهـ.\rوعبارة الكرخي: هذا جواب سؤال صورته كيف يجوز على النبي المعصوم الأمر بالكفر؟\rوحاصل الجواب: أن صيغة الأمر ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن الإذن فإن قيل: الإذن يستلزم الرضا فيعود الإشكال فالجواب: أن الممتنع هو الرضا في حال كونه مستحسنا ولا يلزم ذلك هنا، بل اللازم هو الرضا به للتوسل إلى إبطاله وهذا عين استقباحه فليس فيه محظور وهذا تفصيل ما أجمله الشيخ المصنف اهـ.\rقوله: وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ أي: نقسم ونحلف بعزة فرعون. أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم أنهم غالبون وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يأتوا به من السحر اهـ بيضاوي.\rقوله: (من الأصل) متعلق بحذف أي: حذفها من الأصل أي: أصل الصيغة اهـ شيخنا.\rقوله: (يقلبونه) أي: يغيرونه عن وجهه أي: حاله الأول من الجمادية إلى كونه حية تسعى اهـ شهاب.\rوقوله: (بتمويههم) الباء سببية.\rقوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أي: فخروا وسقطوا على الأرض ساجدين، وإنما بدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أنفسهم وكأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خوّلهم من التلقيف اهـ بيضاوي.\rوقوله: وكأنهم أخذوا الخ أي: ففي ألقى استعارة تبعية حسنها المشاكلة وليس مجازا مرسلا وإن احتمله النظم، ووجه الشبه عدم التمالك اهـ شهاب.\rقوله: قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ بدل اشتمال من ألقى أو حال بإضمار قد اهـ أبو السعود.\rقوله: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ بدل التوضيح والإشعار بأن سبب إيمانهم ما أجراه اللّه تعالى على يد موسى وهارون اهـ بيضاوي.\rقوله: (لعلمهم بأن ما شاهدوه الخ) تعليل لقوله: قالُوا آمَنَّا الخ، وقوله: (بأن ما شاهدوه من","part":5,"page":383},{"id":1869,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 384\rبتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا لَهُ لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ أنا لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فعلمكم شيئا منه وغلبكم بآخر فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما ينالكم مني لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)\rقالُوا لا ضَيْرَ لا ضرر علينا في ذلك إِنَّا إِلى رَبِّنا بعد موتنا بأي وجه كان مُنْقَلِبُونَ (50) راجعون في الآخرة\rإِنَّا نَطْمَعُ نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ أي بأن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) في زماننا\rوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى بعد العصا) هو ابتلاعها لحبالهم وعصيهم ه شيخنا.\rقوله: قالَ (فرعون) آمَنْتُمْ الخ أي: قال ذلك لما خاف على قومه أن يتبعوا السحرة اهـ شيخنا.\rقوله: (و إبدال الثانية) صوابه الثالثة لأنها هي المنقلبة ألفا فالذي في كلامه قراءة واحدة. وأما القراءة الأخرى التي هي بإحدى الهمزتين فالأولى فيها محذوفة والثالثة منقلبة ألفا أي الثالثة مبدلة ألفا على كل من القراءتين إثبات الهمزتين وحذف الأولى، وتقدم تحقيق هذا غير مرة اهـ شيخنا.\rقوله: (فعلمكم شيئا منه وغلبكم بآخر) أي أخفاه عنكم وأراد فرعون بهذا الكلام التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أن السحرة آمنوا على بصيرة وظهور حق. وإيضاحه إن غلبته لم تكن بالعجز الإلهي بل بما لم يعلمكم من السحر وأنتم لضعف عقولكم حسبتم أنه غلبكم بغير جنس السحر فآمنتم اهـ كرخي.\rقوله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ الخ بيان لما ينالهم منه، والحاصل: أنهم لما آمنوا لم يأمن فرعون أن يقول قومه إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفتهم بصحة أمر موسى عليه السّلام، فيسلكون طريقهم فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه، أحدها: قوله قبل أن آذن لكم، والمعنى أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه فتتطرق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياء منه. وثانيها: قوله: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وهذا تصريح بما رمز به أولا وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى، وإلّا ففي قوة السحرة أن يفعلوا مثل ما فعل هو وهذه شبهة قوية في تنفير من حوله. وثالثها:\rقوله: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وهو وعيد وتهديد شديد اهـ كرخي.\rوقيل: إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع والتصليب، وقيل: لم يفعله بهم ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تعليل لعدم الضير أي: لا ضير في ذلك، بل لنا فيه نفع عظيم لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه اللّه تعالى من تكفير الخطايا والثواب العظيم، أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به القتل أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت والقتل أهونها وأرجاها اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي بأن) أي: بسبب أن كنا أول المؤمنين، وقوله: (في زماننا) يرد عليه أن بني إسرائيل آمنوا قبلهم وهم من أهل زمانهم، فلذلك قال البيضاوي: أي من اتباع فرعون أو من أهل المشهد اهـ.","part":5,"page":384},{"id":1870,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 385\rسنين أقامها بينهم يدعوهم بآيات اللّه إلى الحق فلم يزدوا إلا عتوّا أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي بني إسرائيل، وفي قراءة بكسر النون ووصل همزة أسرى من سرى لغة في أسرى أي سر بهم ليلا إلى البحر إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) يتبعكم فرعون وجنوده فيلجون وراءكم البحر فأنجيكم وأغرقهم\rفَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ حين أخبر بسيرهم فِي الْمَدائِنِ قيل كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية حاشِرِينَ (53) جامعين الجيش قائلا\rإِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ طائفة قَلِيلُونَ (54) قيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا ومقدمة جيشه سبعمائة ألف فقللهم بالنظر إلى كثرة جيشه\rوَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) فاعلون ما يغيظنا قوله: (بعد سنين) أي: ثلاثين. قوله: (أي سر بهم ليلا) راجع لكل من القراءتين، وقوله: (إلى البحر) من جملة الموحى به فأوحى اللّه إليه أن يسير إلى جهة البحر لا إلى جهة الشام في البر، وعبارة القرطبي: فخرج موسى عليه الصلاة والسّلام ببني إسرائيل سحرا فترك الطريق إلى الشام على يساره، وتوجه نحو البحر فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول هكذا أمرت، فلما أصبح فرعون وعلم بسرى موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر.\rواختلف في سبب تأخر فرعون وقومه عن بني إسرائيل على قولين، أحدهما: لاشتغالهم بدفن أبكارهم، لأن الوباء في تلك الليلة وقع فيهم. والثانية: أن سحابة أظلتهم وظلمة فقالوا: نحن الآن في ظلمة فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا اهـ.\rوفي الخطيب: روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن اللّه أوحى إلى موسى أن اجمع بين بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن واضربوا بدمائها أبوابكم، فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، وأمرهم بقتل أبكار القبط، واختبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم ثم سر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. وروي أن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: إن لنا في هذه الليلة عيدا ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك جمع قومه وتبعهم اهـ.\rقوله: إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ عبارة البيضاوي: إنكم متبعون يتبعكم فرعون وجنوده وهو للأمر بالسير أي: سر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حيث تلجون فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم وأغرقهم اهـ.\rقوله: (فيلجون) أي: يدخلون. قوله: (طائفة) في البيضاوي: الشرذمة الطائفة القليلة، ومنها ثوب شراذم لما بلي وتقطع اهـ.\rقوله: (و مقدمة جيشه سبعمائة ألف) أي: وجملة جيشه ألف ألف وستمائة ألف اهـ.\rقوله: (فاعلون ما يغيظنا) أي: حيث خالفوا ديننا وذهبوا بأموالنا التي استعاروها وقتلوا أبكارنا وخرجوا من أرضنا بغير إذننا اهـ خازن.","part":5,"page":385},{"id":1871,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 386\rوَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) متيقظون وفي قراءة حاذرون مستعدون، قال تعالى\rفَأَخْرَجْناهُمْ أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه مِنْ جَنَّاتٍ بساتين كانت على جانبي النيل قوله: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي: وإنا لجمع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور أشار أولا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثا عليه أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كي لا يظن به ما يكسر سلطانه اهـ بيضاوي.\rقوله: لَجَمِيعٌ أي: جماعة فليست هذه الكلمة من ألفاظ التوكيد حتى يرد عليه أنها لا تستعمل إلا تابعة بل هي بمعنى جماعة كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة (؟ حاذرون)) قال أبو عبيدة: هما بمعنى واحد يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى، وقيل: بل بينهما فرق فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف، وقيل: الحذر المخلوق مجبولا على الحذر الحاذر ما عرض فيه ذلك اهـ سمين.\rوفي المصباح: حذر حذرا من باب تعب واحتذر واحتذر كلها بمعنى استعد وتأهب فهو حاذر وحذر، والاسم منه الحذر مثل حمل، وحذر الشيء إذا خافه فالشيء محذور أي: مخوف وحذرته الشيء فحذره اهـ.\rقوله: فَأَخْرَجْناهُمْ أي: خلقنا فيهم داعية الخروج فخرجوا اهـ.\rقوله: (كانت على جانبي النيل) أي: من أسوان إلى رشيد. وفي القرطبي: قال كعب الأحبار:\rأربعة أنهار من الجنة وضعها اللّه في الدنيا سيحان وجيحان والنيل والفرات. فسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة، والنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وقال ابن لهيعة: الدجلة نهر اللبن في الجنة، وقال قيس بن حجاج: لما فتحت مصر أتى أهلها إلى سيدنا عمرو بن العاص حين دخل بؤنة من أشهر القبط فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة وعادة لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها أرضينا أبويها وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: هذا لا يكون في الإسلام وإن الإسلام ليهدم ما قبله فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى لا يجري قليلا ولا كثيرا وهموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه فأعلمه بالقصة، فكتب إليه عمر بن الخطاب إنك قد أصبت بالذي فعلت وإن الإسلام يهدم ما قبله ولا يكون هذا، وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه، وكتب: إلى عمرو إني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي فألقها في النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد؛ فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك، قال:\rفألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى البطاقة في النيل أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه اللّه تبارك وتعالى في ليلة واحدة ستة عشر ذراعا، وقطع اللّه تلك السيرة من أهل مصر من تلك السنة، وكانت أرض مصر","part":5,"page":386},{"id":1872,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 387\rوَعُيُونٍ (57) أنهار جارية في الدور من النيل\rوَكُنُوزٍ أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوزا لأنه لم يعط حق اللّه منها وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58) مجلس حسن للأمراء والوزراء يحفه أتباعهم\rكَذلِكَ أي إخراجنا كما وصفنا وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) بعد إغراق فرعون وقومه\rفَأَتْبَعُوهُمْ لحقوهم مُشْرِقِينَ (60) وقت شروق الشمس\rفَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي رأى كل منهما الآخر قالَ كلها تروى من ستة عشر ذراعا بما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجانها، ولذلك سمي النيل إذا وصل ستة عشر ذراعا النيل السلطاني، وإنما قيل: نيل السلطان لأنه حينئذ يجب الخراج على الناس اهـ.\rقوله: (و سميت كنوزا الخ) عبارة الخازن: وإنما سماها كنوزا لأنه لم يؤد حق اللّه منها، وكل مال لم يؤد حق اللّه منه فهو كنز وإن كان ظاهرا اهـ.\rوفي الشهاب: قوله: وَكُنُوزٍ المراد بها إما الأموال تحت الأرض وخصها لأن ما فوقها انطمس، أو مطلق المال الذي لم يؤد منه حق اللّه لأنه يقال له كنز، والأول أوفق باللغة، والثاني مروي عن السلف فلا وجه للتحكم هنا اهـ.\rقوله: (للأمراء والوزراء) قيل: كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه والأمراء وعليهم قبة الديباج مرصعة بالذهب، وقوله: (يحفه أتباعهم) أي: يحف ذلك المجلس ويحيط به أتباع الأمراء الجالسين فيه واقفين حولهم للخدمة والأدب اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد: المقام الكريم المنابر وكانت ألف منبر لألف جبار يعظمون عليها فرعون وملكه، وقيل: مجالس الأمراء والرؤساء حكاه ابن عيسى وهو قريب من الأول، وقال سعيد بن جبير: سمعت أن المقام الكريم الفيوم اهـ.\rقوله: كَذلِكَ خبر مبتدأ محذوف على صنيعه حيث قدره بقوله: (أي اخراجنا)، وقوله:\rوَأَوْرَثْناها أي الجنات والعيون والكنوز اهـ شيخنا.\rوذلك أن اللّه عز وجل ردّ بني إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن الحسنة اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، وقيل:\rأراد بالوراثة هنا ما استعاروا من حلي آل فرعون بأمر اللّه تعالى. قلت: وكلا الأمرين جعل لهم والحمد للّه اهـ.\rقوله: وَأَوْرَثْناها الخ الظاهر أن هذه الجملة اعتراضية، وأن قوله: فَأَتْبَعُوهُمْ معطوف على أخرجناهم، وذلك لأن إعطاء البساتين وما بعدها لبني إسرائيل إنما كان بعد هلاك فرعون وقومه اهـ شيخنا.","part":5,"page":387},{"id":1873,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 388\rأَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) يدركنا جمع فرعون ولا طاقة لنا به\rقالَ موسى كَلَّا أي لن يدركونا إِنَّ مَعِي رَبِّي بنصره سَيَهْدِينِ (62) طريق النجاة قال تعالى\rفَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فَانْفَلَقَ فانشق اثني عشر فرقا فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) الجبل الضخم بينها مسالك سلكوها لم يبتل منها سرج الراكب ولا لبده\rوَأَزْلَفْنا قربنا ثَمَ هناك الْآخَرِينَ (64) فرعون وقومه حتى سلكوا مسالكهم\rوَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) بإخراجهم من البحر على هيئته المذكورة\rثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم لما تم دخولهم في البحر وخروج بني إسرائيل منه\rإِنَّ فِي ذلِكَ أي إغراق فرعون وقومه لَآيَةً عبرة لمن بعدهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) باللّه لم يؤمن منهم غير آسية امرأة فرعون وحزقيل مؤمن آل فرعون ومريم بنت ناموسي التي دلّت على عظام يوسف عليه السّلام\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ قوله: (أي لن يدركونا) أي: لأن اللّه وعدنا الخلاص منهم اهـ بيضاوي فكلا هنا للنفي.\rقوله: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى الخ قيل: لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر هاج البحر، فصار يرمي بموج كالجبل، قال يوشع: يا كليم اللّه أين أمرت فقد غشينا فرعون من خلفنا والبحر أمامنا، قال موسى: ههنا. فخاض يوشع البحر لا يواري الماء حافر دابته. وقال الذي يكتم إيمانه: يا كليم اللّه أين أمرت؟ قال: ههنا فحرك فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع فأوحى اللّه إليه أن أضرب بعصاك البحر الخ. فإذا الرجل واقف على فرسه ولم يبتل سرجه ولا لبده اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وذلك أن اللّه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله، وإلّا فضرب العصا ليس بفارق البحر ولا معينا على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة اللّه تعالى واختراعه اهـ.\rقوله: (اثني عشر فرقا) أي: قطعة بعدد أسباط بني إسرائيل، فسار كل سبط في مسلك اهـ.\rقوله: (الجبل العظيم) في القاموس: الطود الجبل أو عظيمه، والجمع أطواد وطاد يطود إذا ثبت اهـ.\rقوله: (بينها مسالك) أي: بين الاثني عشر فرقا.\rقوله: وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ قيل: كانت جبريل بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط: رويدا ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون:\rما رأينا أحسن سياسة من هذا الرجل، وكان القبط يقولون: ما رأينا أحسن داع من هذا اهـ خازن.\rقوله: (على هيئته المذكورة) وهي انفلاقه اثني عشر فرقا اهـ.\rقوله: (و حزقيل) قيل بنبوته وهو المذكور في قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: 28] الخ. وقوله: (و مريم الخ) وكانت عجوزا تعيش من العمر نحو سبعمائة سنة، وقوله:","part":5,"page":388},{"id":1874,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 389\rفانتقم من الكافرين بإغراقهم الرَّحِيمُ (68) بالمؤمنين فأنجاهم من الغرق\rوَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي كفار مكة نَبَأَ خبر إِبْراهِيمَ (69) ويبدل منه\rإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70)\rقالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً صرحوا بالفعل ليعطفوا عليه فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) أي نقيم نهارا على عبادتها، زادوه في الجواب افتخارا به\rقالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ حين تَدْعُونَ (72)\rأَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إن عبدتموهم أَوْ (على عظام يوسف) عبارة غيره: على قبر يوسف، وعبارة آخرين: على تابوت يوسف الذي دفن فيه، وكان من المرمر. وسبب دلالتها على قبره أن اللّه أمر موسى بأخذه معه إلى الشام حين خروجه من مصر فسأل عن قبره فلم يعرف إذا ذاك فدلته عليه هذه العجوز بعد ما ضمن لها موسى على اللّه الجنة، وكان يوسف قد دفن في قعر بحر النيل فحفر عليه موسى وأخرجه وذهب به إلى الشام في خروجه من مصر اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وذلك أن موسى عليه السّلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم عليه القمر فقال لقومه: ما هذا؟ قال علماؤهم: إن يوسف عليه السّلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من اللّه أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا. قال موسى: فأيكم يدري أين قبره؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف، فقالت: لا واللّه لا أفعل حتى تعطيني حكمي. قال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة فثقل عليه، فقيل له: أعطها حكمها فدلتهم عليه فاحتفروه واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها فإذا الطريق مثل ضوء النهار. وفي رواية فأوحى اللّه إليه أن أعطها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة فقالت: أنضبوا هذا الماء فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه الصلاة والسّلام، فتبينت لهم الطريق مثل ضوء النهار اهـ.\rقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ معطوف على اذكر المقدر عاملا في قوله: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى [الشعراء: 10] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و يبدل منه) أي: النبأ بدل اشتمال. قوله: ما تَعْبُدُونَ سألهم عن ذلك ليبني على جوابهم أن معبودهم بمعزل عن استحقاق العبادة بالكلية اهـ أبو السعود.\rقوله: (صرحوا بالفعل الخ) جواب عما يقال ما تعبدون سؤال عن المعبود فقط، فكان القياس أن يقولوا أصناما كقوله: وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219] ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا خَيْراً [النحل: 30] وإيضاحه أن هؤلاء قد جاؤوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين، فاشتملت على جواب إبراهيم وما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار، ونظل هنا بمعنى ندوم وما جرى عليه المصنف من أنهم كانوا يعبدونها نهارا فقط تبع فيه صاحب الكشاف، لكن مقام الافتخار أدعى للمعنى الأول ومن ثم جزم به البيضاوي اهـ كرخي.\rقوله: (زادوه) أي: قوله فتظل الخ اهـ.\rقوله: قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل جوابهم اهـ أبو السعود.\rولا بد هنا من محذوف أي: يسمعون دعاءكم أو يسمعونكم تدعون، فعلى الأول: وهي متعدية لواحد اتفاقا، وعلى الثاني: هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني وهو قول الفارسي،","part":5,"page":389},{"id":1875,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 390\rيَضُرُّونَ (73) كم إن لم تعبدوهم\rقالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) أي مثل فعلنا\rقالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)\rأَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)\rفَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لا أعبدهم إِلَّا لكن رَبَ وعند غيره الجملة المقدرة حال اهـ كرخي.\rقوله: إِذْ تَدْعُونَ منصوب بما قبله فما قبله وما بعده ماضيان معنى، وإن كانا مستقبلين لفظا لعمل الأول في إذ ولعمل إذ في الثاني. وقال بعضهم: إذ هنا بمعنى إذا، وقال الزمخشري: إنه على حكاية الحال الماضية ومعناه استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها هل سمعوكم إذ دعوتم وهو أبلغ في التبكيت اهـ سمين.\rقوله: قالُوا بَلْ وَجَدْنا الخ هذا الجواب منهم اعتراف بأنها بمعزل عما ذكر من السمع والمنفعة والمضرة بالمرة، واضطروا إلى إظهار أن لا مستند لهم سوى التقليد أي: ما علمنا ولا رأينا منهم ما ذكر من الأمور، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون أي فاقتدينا بهم اهـ أبو السعود.\rوآباءنا: مفعول أول، وجملة يفعلون في محل المفعول الثاني وكذلك معمول ليفعلون مقدم عليه اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ الخ صنيع أبي السعود يقتضي أن رأى هنا مستعملة في معناها الأصلي بمعنى العلم، وعليه فتكون بمعنى عرف لأنه ليس هنا إلا مفعول واحد وهو الموصول. ونصه: قال:\rأفرأيتم ما كنتم تعبدون أي: أنظرتم فأبصرتم أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه اهـ.\rوصنيع الكازروني يقتضي أنها بمعنى أخبروني، وتقدم أنها إذا كانت كذلك تعدت لمفعولين، أولهما: مفر وهو هنا الموصول. والثاني: جملة استفهامية وهي غير موجودة هنا، فتقدر في الكلام.\rونصه: قال: أفرأيتم أي أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون، أو أخبروني ما كنتم تعبدون هل هو حقيق بالعبادة أو لا؟ وهذا استهزاء بعبدة الأصنام، والفاء فاء السببية تفيد أن ما بعدها وهو العداوة سبب لطلب الإخبار عن حالهم، فهذه الفاء بمعنى اللام أي: أخبروني عن حالها لأنها عدوّ لي كما صرح به الرضي في قوله: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر: 34 ص: 77] اهـ.\rقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي بيان لحال ما يعبدونه بعد التنبيه على عدم علمهم بذلك، وأسند العداوة إلى نفسه تعريضا بهم وهو أنفع في النصيحة من التصريح بها بأن يقول فإنهم عدو لكم اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فإن قلت: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات لا تعقل؟ قلت: معناه فإنهم عدو لي يوم القيامة لو عبدتهم في الدنيا، وقيل: إن الكفار لما عبدوها ونزلوها منزلة الأحياء العقلاء أطلق إبراهيم لفظ العداوة عليها، وقيل: هو من المقلوب أراد فإني عدو لهم لأن من عاديته فقد عاداك اهـ.\rقوله: إِلَّا (لكن) رَبَّ الْعالَمِينَ أشار به إلى أن الاستثناء منقطع أي: لكن رب العالمين ليس كذلك بل هو وليي في الدنيا والآخرة لا يزال متفضلا عليّ فيهما اهـ أبو السعود. وهو منصوب على الاستثناء.","part":5,"page":390},{"id":1876,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 391\rالْعالَمِينَ (77) فإني أعبده\rالَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) إلى الدين\rوَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)\rوَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)\rوَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)\rوَالَّذِي أَطْمَعُ أرجو أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) أي الجزاء\rرَبِّ هَبْ لِي حُكْماً علما وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) النبيين\rوَاجْعَلْ قوله: الَّذِي خَلَقَنِي يجوز فيه أوجه: النصب على النعت لرب العالمين، أو البدل، أو عطف البيان، أو على إضمار، أعني: والرفع على الخبر لمبتدأ مضمر أي: هو الذي خلقني أو على الابتداء، وقوله: فَهُوَ يَهْدِينِ جملة اسمية في محل رفع خبر له. قال الحوفي: ودخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط، وهذا مردود لأن الموصول معين ليس عاما ولأن الصلة لا يمكن فيها التجدد فلم يشبه الشرط. وتابع أبو البقاء الحوفي ولكنه لم يتعرض للفاء فإن عنى ما عناه الحوفي فقد تقدم ما فيه، وإن لم يعنه فيكون تابعا للأخفش في تجويز زيادة الفاء في الخبر مطلقا نحو زيد فاضربه وقد تقدم تحريره اهـ سمين.\rقوله: فَهُوَ يَهْدِينِ (إلى الدين) أي: وغيره مما يهمني ويصلحني من أمور الدنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي الخ عطف على الصفة الأولى وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة المعطوفة للإيذان بأن كل واحد من تلك الصلات نعت جليل مستقل في إيجاب الحكم اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: قوله: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي يجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، وكذلك ما بعده، ويجوز أن تكون أوصافا للذي خلقني ودخول الواو جائز، وقد تقدم تحقيقه في أول البقرة اهـ.\rقوله: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفاء من اللّه تعالى استعمالا لحسن الأدب، كما قال الخضر: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [الكهف: 79] وقال: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما [الكهف: 82] اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ يُحْيِينِ عطف هنا بثم خلاف ما قبله لاتساع الأمرين الإماتة والإحياء لأن المراد بها الإحياء في الآخرة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي الخ ذكر ذلك هضما وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر، وطلب أن يغفر لهم ما يفرط منهم اهـ بيضاوي.\rقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً الخ لما ذكر فنون الألطاف الفائضة عليه من حضرة الحق من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه حمله ذلك على مناجاته تعالى ودعائه اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: رب هب لي حكما أي كمالا في العلم والعمل استعد به لخلافة الحق ورئاسة الخلق، وألحقني بالصالحين ووفقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذي لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره اهـ.\rقوله: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ أي: ألحقني بهم في العمل الصالح أو في درجات الجنة اهـ بيضاوي.","part":5,"page":391},{"id":1877,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 392\rلِي لِسانَ صِدْقٍ ثناء حسنا فِي الْآخِرِينَ (84) الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة\rوَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) أي ممن يعطاها\rوَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) بأن تتوب عليه فتغفر له وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو للّه كما ذكر في سورة براءة\rوَلا تُخْزِنِي تفضحني يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) أي الناس، قال تعالى فيه\rيَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) أحدا\rإِلَّا لكن مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) من الشرك قوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ من إضافة الموصوف لصفته كما أشار له بقوله: (ثناء حسنا) وقد أجاب اللّه تعالى دعاءه فما من أمة من الأمم إلا وهي تحييه وتثني عليه خصوصا هذه الأمة، وخصوصا في كل تشهد من تشهدات الصلوات اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي: جاها وحسن صيت في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين، ولذلك لم توجد أمة من الأمم إلا وهم محبون له مثنون عليه، أو صادقا من ذريتي يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rوقوله: أو صادقا الخ أي: فتكون الآية على تقدير مضاف أي: صاحب لسان صدق، أو هو مجاز من إطلاق الجزء على الكل، لأن الدعوة باللسان. وقوله: أصل ديني هو العقائد والأحكام التي لم تنسخ اهـ شهاب.\rقوله: مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ مفعول ثان ومن تبعيضية. أي: اجعلني بعض الذين يرثون جنة النعيم، أي: اجعلني مندرجا فيهم ومن جملتهم، وقوله: (أي ممن يعطاها) أي: بلا تعب ومشقة كالإرث الحاصل للإنسان من غير تعب اهـ شيخنا.\rوإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المحل للحال فيه اهـ.\rقوله: (بأن تتوب عليه الخ) مقتضى هذا التفسير أن الدعاء كان في حياة أبيه فدعا له بالتوفيق والهداية للإيمان، فحينئذ لا يستقيم قوله: (و هذا قبل أن يتبين له الخ). لأن التبين المذكور إنما حصل بموته كافرا كما تقدم في سورة براءة، وإذا كان التبين إنما حصل بعد موته كافرا لا يصح جعله قيدا للدعاء له في حياته بالهداية للإيمان، وإنما يصح هذا التقييد لو كان المراد الدعاء له بمغفرة الذنوب على حالته التي هو عليها فليتأمل. قوله: (و هذا) أي: الدعاء لأبيه بما ذكر، قوله: (كما ذكر في سورة براءة) أي: بقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [التوبة: 114] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي: بمعاقبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الورّاث أو بتعذيبي، وقال ذلك لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلا أو بتعذيب والدي أو ببعثه في عداد الضالين، وهو من الخزي بمعنى الهوان أو من الخزاية بمعنى الحياء أي: الاستحياء اهـ بيضاوي.\rقوله: (تفضحني) بابه قطع، وفي المصباح: الفضيحة العيب، والجمع فضائح وفضحته فضحا من باب نفع كشفته وفي الدعاء: لا تفضحنا بين خلقك أي استر عيوبنا ولا تكشفنا اهـ.\rقوله: (قال تعالى فيه) أي: في شأن هذا اليوم وبعضهم وجعل هذا أي قوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الخ من كلام إبراهيم، وإعرابه بدلا من يوم يبعثون. قال شيخنا: وهو أظهر. وفي السمين: قوله: يوم لا","part":5,"page":392},{"id":1878,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 393\rوالنفاق وهو قلب المؤمن فإنه ينفعه ذلك\rوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ قربت لِلْمُتَّقِينَ (90) فيرونها\rوَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أظهرت لِلْغاوِينَ (91) الكافرين\rوَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92)\rمِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من ينفع بدل من يوم قبله، وجعل ابن عطية هذا من كلام اللّه تعالى إلى آخر الآيات مع إعرابه يوم لا ينفع بدلا من يوم قبله، ورده الشيخ بأن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه أو آخر مثله مقدر، وعلى كل من هذين القولين لا يصح ما هنا لاختلاف المتكلمين اهـ.\rقوله: (قال تعالى فيه الخ) أشار به إلى أمرين، أحدهما: أن قوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ الخ ليس من كلام الخليل، ومع ذلك هو بدل من يوم قبله، وأنه إخبار من اللّه تعالى بصفة ذلك اليوم.\rالثاني: أن الاستثناء منقطع لأن سلامة القلب ليست من جنس الأول، وهذا هو الظاهر كما قاله أبو حيان اهـ كرخي.\rقوله: (لكن) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ الخ حمل الشارح الاستثناء على الانقطاع حيث فسر إلا بلكن على عادته في الإشارة للمنقطع وصرح غيره بأنه منقطع، ووجهه أنه على هذا استثناء من الفاعل وهو المال والبنون ومن أتى اللّه بقلب سليم غيرهما، وبعضهم جعله متصلا وجعله استثناء من المفعول الذي قدره الشارح بقوله: (أحدا) وهو ظاهر جدا اهـ شيخنا.\rوهذا الماضي بمعنى المضارع، وكذا يقال في قوله: وَأُزْلِفَتِ وَبُرِّزَتِ وقيل: وكبكبوا وقالوا اهـ شيخنا.\rقوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من الشرك والنفاق، أي: فينفعه ماله الذي أنفقه في الخير وولده الصالح بدعائه، كما جاء في الخبر: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». وأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، وهذا قول أكثر المفسرين. وقيل: السليم هو اللديغ من خشية اللّه، وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: 10] اهـ كرخي.\rقوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ عطف على لا ينفع، وصيغة الماضي فيه وفيما بعده من الجمل المنتظمة معه في سلك العطف للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره، كما أن صيغة المضارع في المعطوف عليه للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه حسبما يقتضيه مقام التهويل والتفظيع. أي: قربت الجنة للمتقين للكفر والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن، فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها، وبرزت الجحيم للغاوين: أي: الضالين عن طريق الحق هو الإيمان والتقوى أي: جعلت بارزة لهم بحيث يرونها مع ما فيها من أنواع الأحوال الهائلة ويوقنون بأنهم مواقعوها ولا يجدون عنها مصرفا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقِيلَ لَهُمْ أي: على سبيل التوبيخ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ما: موصولة أي: اسم موصول كما بينها الشارح بقوله: (من الأصنام). واختلفت المصاحف في رسمها موصولة بأين أو مفصولة عنها والفصل أظهر فليست هذه كالتي في قوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: 78] فهي زائدة وترسم موصولة باتفاق. وأين: خبر مقدم، وما: مبتدأ مؤخر أي: آلهتكم أين أي: في أي مكان. وهذا","part":5,"page":393},{"id":1879,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 394\rالأصنام هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) بدفعه عن أنفسهم لا\rفَكُبْكِبُوا ألقوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)\rوَجُنُودُ إِبْلِيسَ أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس أَجْمَعُونَ (95)\rقالُوا أي الغاوون وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) مع معبوديهم\rتَاللَّهِ إِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنه كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) بيّن\rإِذْ حيث نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) في العبادة\rوَما أَضَلَّنا عن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) أي الشياطين أو أولونا الذين اقتدينا بهم\rفَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين\rوَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) أي يهمه أمرنا سؤال توبيخ وتبكيت لا يتوقع له جواب اهـ كرخي.\rقوله: فَكُبْكِبُوا أي: الأصنام. وَالْغاوُونَ معطوف على الواو وسوغه الفصل بالظرف وبضمير الفصل، وقوله: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ معطوف على الواو أيضا. وقوله: أَجْمَعُونَ توكيد للواو وما عطف عليها اهـ شيخنا.\rوالكبكبة: تكرير الكب وهو الإلقاء على الوجه بتكرير معناه كأن من ألقي من النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها اهـ بيضاوي.\rقوله: (و من أطاعه) عطف تفسير.\rقوله: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا الخ معمول لقالوا، وجملة وهم فيها الخ في محل نصب على الحال اهـ شيخنا.\rقوله: (أي إنه) أي: الشأن.\rقوله: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ظرف لكونهم في ضلال مبين، وقيل: لما دل عليه الكلام أي: ضللنا، وقيل للضلال المذكور وإن كان فيه ضعف صناعي من حيث أن المصدر الموصوف لا يعمل بعد الوصف، وقيل: ظرف لمبين وصيغة المضارع لاستحضاره الصورة الماضية أي: تاللّه لقد كنا في غاية الضلال الفاحش وقت تسويتنا إياكم بهذه الأصنام في استحقاق العبادة برب العالمين الذي أنتم أدنى مخلوقاته وأذلهم وأعجزهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أو أولونا) أي: السابقون علينا.\rقوله: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ الخ جمع شافع، ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، ولأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ من الاحتمام بمعنى الاهتمام كما قاله الزمخشري اهـ شيخنا.\rوفي السمين: الحميم القريب من قوله حامة فلأن أي: خاصته، وقال الزمخشري: الحميم من الاحتمام وهو الاهتمام أو من الحامة وهي الخاصة وهو الصديق الخالص، والنفي هنا يحتمل نفي الصديق من أصله أو نفي صفته فقط والصديق يحتمل أن يكون مفردا وأن يكون مستعملا في الجمع كما يستعمل العدو فيه، فيقال: هم صديق وهم عدو اهـ.","part":5,"page":394},{"id":1880,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 395\rفَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) لو هنا للتمني، ونكون جوابه\rإِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من قصة إبراهيم وقومه لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103)\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)\rكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) بتكذيبهم له لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد أو لأنه لطول لبثه فيهم كأنه رسل وتأنيث قوم باعتبار معناه وتذكيره باعتبار لفظه\rإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نسبا نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) اللّه\rإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) على تبليغ ما أرسلت به\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) فيما آمركم به من توحيد اللّه وطاعته\rوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغه مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ أي ثوابي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109)\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) كرره تأكيدا\rقالُوا أَنُؤْمِنُ نصدّق لَكَ قوله: (أي يهمه أمرنا) بضم أوله وكسر ثانية من أهمه رباعيا أو بفتح أوله وضم ثانية من همه ثلاثيا. ففي المصباح: وأهمني الأمر بالألف أقلقني، وهمني هما من باب قتل مثله اهـ.\rقوله: فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ منصوب في جواب التمني.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المذكور من قصة إبراهيم وقومه) لَآيَةً أي: لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر، فإنها جاءت على أنظم ترتيب وأحسن تقرير يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلالتها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وتصوير الأمر في نفسه، وإطلاق الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا بهم، وإيقاظا لهم ليكون أدعى إلى الاستماع والقبول اهـ بيضاوي.\rقوله: (بتكذيبهم له) يشير بهذا التوجيه إلى أن الجمع على حقيقته، وقوله: (أو لأنه الخ). يشير به إلى أن في الجمع مسامحة وتجوزا اهـ شيخنا.\rقوله: (و تأنيث قوم) أي: تأنيث فعل المسند إليه باعتبار معناه، وهو الأمة والجماعة، وتذكيره أي: تذكير الضمير العائد إليه في قوله: إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ الخ. وفي البيضاوي: القوم مؤنث، ولذلك يصغر على قويمة. وفي المصباح: القوم يذكر ويؤنث، فيقال: قام القوم وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع لا واحد له من لفظه نحو: رهط ونفر اهـ.\rفقوله: مؤنث أي: على الأغلب لا أنه ذهب إلى أنه جمع قائم والأصل تأنيثه اهـ شهاب.\rقوله: (نسبا) أي: في النسب لا في الدين.\rقوله: أَلا تَتَّقُونَ (اللّه) أي: فتتركون عبادة غيره.\rقوله: مِنْ أَجْرٍ أي: أجرة، ومن زائدة في المفعول.\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ تصدير القصص الخمس بالحث على التقوى يدل على أن البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه، وكان الأنبياء متفقين على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع مبرئين عن المطامع الدنيئة والأغراض الدنيوية اهـ.\rقوله: (كرره تأكيدا) وحسن التأكيد كون الأول مرتبا على الرسالة والأمانة، وكون الثاني مرتبا","part":5,"page":395},{"id":1881,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 396\rلقولك وَاتَّبَعَكَ وفي قراءة وأتباعك جمع تابع مبتدأ الْأَرْذَلُونَ (111) السفلة كالحاكة والأساكفة\rقالَ وَما عِلْمِي أي علم لي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112)\rإِنْ ما حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي على عدم سؤاله أجرا منهم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وكرره للتأكيد والتنبيه على دلالة كل واحد من أمانته وحسم طمعه على وجوب طاعته فيما يدعوهم إليه، فكيف إذا اجتمعا اهـ.\rقوله: قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ الخ هذا من سخافة عقولهم وقصر رأيهم على حطام الدنيا، حتى جعلوا اتباع المقلين من الدنيا مانعا من اتباعهم، وجعلوا إيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة، وإنما لتوقع مال ورفعة اهـ بيضاوي.\rوفي سورة هود: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [هود: 27] اهـ.\rقوله: (و في قراءة الخ) عادته أنه يشير بهذه العبارة إلى كون القراءة سبعية، وهذا الصنيع منه أمر أغلبي فما هنا من غير الغالب فإن هذه القراءة ليعقوب من العشرة اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع تابع) كشاهد وأشهاد، أو جمع تبع كبطل وأبطال اهـ شيخنا.\rقوله: (مبتدأ) أي: وخبره الأرذلون، والجملة في محل نصب على الحال اهـ شيخنا.\rقوله: الْأَرْذَلُونَ أي: الأقلون جاها ومالا جمع الأرذل على الصحة، فإنه بالغلبة صار جاريا مجرى الاسم كالأكبر، وقيل: جمع أرذل جمع رذل كأكالب وأكلب وكلب اهـ أبو السعود.\rقوله: (السفلة) المراد بهم هنا فقراء الناس وضعفاؤهم، وإنما بادروا للاتباع قبل الأغنياء لاستيلاء الرئاسة على الأغنياء وصعوبة الانفكاك منها والأنفة عن الانقياد للغير، والفقير خليّ من تلك الموانع فهو سريع الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا اهـ قرطبي من سورة هود.\rقوله: قالَ وَما عِلْمِي ما يحتمل أن تكون استفهامية وأن تكون نافية، وقول الشارح أي علم لي إشارة إلى الاحتمال الأول، وإلى أن الإضافة على معنى اللام، وهذا الاستفهام إنكاري فيرجع لمعنى النفي. وفي السمين يجوز في ما وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنها استفهامية في محل رفع للابتداء، وعلمي خبرها، والباء متعلقة به. والثاني: أنها نافية، والباء متعلقة بعلمي أيضا. قاله الحوفي: ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلام به جملة اهـ.\rقوله: (أي علم لي) أشار إلى أن أصل علمي علم لي فحذف تخفيفا أي: وأي شيء علمي، والمراد انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم للّه واطلاعه على سرائرهم وبواطنهم اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: قال: وما علمي بما كانوا يعملون كان زائدة، والمعنى وما علمي بما يعملون أي: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع، وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال، فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما وقفت على ظواهرهم، والمعنى أي: لم أعلم أن اللّه يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم إن حسابهم أي: في أعمالهم وإيمانهم إلا على ربي لو تشعرون اهـ.","part":5,"page":396},{"id":1882,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 397\rفيجازيهم لَوْ تَشْعُرُونَ (113) تعلمون ذلك ما عبتموهم\rوَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)\rإِنْ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) بيّن الإنذار\rقالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول لنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) بالحجارة أو بالشتم\rقالَ نوح رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117)\rفَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي احكم وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) قال تعالى\rفَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) المملوء من الناس والحيوان\rثُمَ قوله: إِنْ حِسابُهُمْ أي: حساب بواطنهم. قوله: (ما عبتموهم) أي: نسبتموهم للعيب.\rقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ رد لما أشعر به كلامهم من طلبهم منه أن يطرد الضعفاء المؤمنين اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وما أنا بطارد المؤمنين جواب لما أوهمه قولهم من استدعاء طردهم وتوقف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم هو المانع لهم اهـ.\rوقوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ كالعلة له. وفي القرطبي: في سورة هود سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا كما سألت قريش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطرد الموالي والفقراء حسبما تقدم في سورة الأنعام اهـ.\rقوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، وزجرهم عن الكفر والمعاصي سواء كانوا من الاعزاء أو من الاراذل، فكيف يناسبني طرد الفقراء لأجل اتباع الأغنياء، أو ما أنا إلا مبعوث لإنذاركم بالبرهان الواضح، وقد فعلت وليس علي استرضاء بعضكم بطرد الآخرين اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ إنما قال هذا إظهارا لما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم واستخفافهم به اهـ بيضاوي.\rيعني: أن قوله رب إن قومي كذبون لم يقله نوح إفادة له تعالى بمضمون هذا الخبر ولا بكونه عالما بمضمونه لعلمه بأنه تعالى عالم الغيب والشهادة، ولكن أراد به إني أدعوك عليهم لأجل تخويفهم إياي بالرجم وامتحانهم إياي بقوله: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، وإنما أدعو عليهم لأجلك، ولأجل دينك لأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك اهـ زاده.\rقوله: إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ أي: صمموا على تكذيبي وأصروا عليه بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة فلم يزدهم دعائي إلا فرارا اهـ أبو السعود.\rقوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي: احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا أي: أنزل العقوبة والهلاك بهم بدليل قوله: وَنَجِّنِي أي: مما ينزل بهم. وهذه حكاية إجمالية لدعائه المفصل في سورة نوح، وفي زاده: فافتح بيني وبينهم فتحا من الفتاحة أي: الحكومة. والفتاح: الحاكم سمي به لفتحه المغلق من الأمور اهـ.\rوالفتاحة بالضم والكسر كما في القاموس.\rقوله: وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وكانوا ثمانين أربعون من الرجال وأربعون من النساء اهـ.","part":5,"page":397},{"id":1883,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 398\rأَغْرَقْنا بَعْدُ أي بعد إنجائهم الْباقِينَ (120) من قومه\rإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121)\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)\rكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)\rإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124)\rإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125)\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126)\rوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127)\rأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ مكان مرتفع آيَةً بناء علما للمارّة تَعْبَثُونَ (128) بمن يمر بكم وتسخرون منهم، والجملة حال من ضمير تبنون\rوَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ للماء تحت الأرض لَعَلَّكُمْ كأنكم قوله: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أفهم أنه لو كان نصفهم مؤمنين لما أخذوا اهـ كرخي.\rقوله: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ عاد: اسم قبيلة هود سميت باسم أبيها الأعلى وكان من نسل سام ابن نوح وقوله: الْمُرْسَلِينَ في إطلاق الجمع على هود ما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ أي: نسبا كما تقدم، وكان هود تاجرا جميل الصورة يشبه آدم، وعاش من العمر أربعمائة وأربعا وستين سنة اهـ شيخنا.\rقوله: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ استفهام تقريع وتوبيخ ومحل التوبيخ هو الجملة الحالية أي: تعبثون، وقوله: وَتَتَّخِذُونَ معطوف على تبنون، وكذا قوله: وَإِذا بَطَشْتُمْ الخ فوبخهم على أمور ثلاثة.\rفقول الشارح: فاتقوا اللّه في ذلك أي: المذكور من الأمور الثلاثة البناء والاتخاذ المذكور والتجبر اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: واعلم أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب الدنيا، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية وهي ممتنعة الحصول للعبد اهـ.\rقوله: بِكُلِّ رِيعٍ الريع: بكسر الراء وفتحها جمع ريعة وهو في اللغة المكان المرتفع، وقال أبو عبيدة: هو الطريق اهـ سمين.\rوقيل: هو الجبل اهـ مصباح.\rوفي القاموس: والريع بالكسر والفتح المرتفع من الأرض أو كل فج أو كل طريق أو الطريق المنفرج في الجبل، والجبل المرتفع الواحدة بهاء وبالكسر الصومعة وبرج الحمام والتل العالي وبالفتح فضل كل شيء كريع العجين والدقيق والبذر اهـ.\rقوله: (علما للمارة) أي: كالعلم في الارتفاع. وفي البيضاوي: آية علما للمارة تعبثون ببنائها، إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فلا يحتاجون إليها، أو بروج الحمام، أو بنيانا يجتمعون إليه للعبث بمن يمر بهم، أو قصورا بفتخرون بها.\rوفي أبي السعود: تعبثون أي: تجتمعون فيها، أي: الأبنية فتعبثون بمن يمر بكم اهـ.\rوفي المصباح: عبث عبثا من باب لعب وعمل ما لا فائدة فيه فهو عابث اهـ.\rفقول الشارح: وتسخرون عطف تفسير. قوله: مَصانِعَ جمع مصنعة بفتح الميم مع فتح النون أو ضمها وهي الحوض أو البركة. فقوله: مَصانِعَ أي حيضانا وبركا تجمعون فيها الماء فهي من قبيل الصهاريج اهـ شيخنا.","part":5,"page":398},{"id":1884,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 399\rتَخْلُدُونَ (129) فيها لا تموتون\rوَإِذا بَطَشْتُمْ بضرب أو قتل بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) من غير رأفة\rفَاتَّقُوا اللَّهَ في ذلك وَأَطِيعُونِ (131) فيما أمرتكم به\rوَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ أنعم عليكم بِما تَعْلَمُونَ (132)\rأَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133)\rوَجَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (134) أنهار\rإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) في الدنيا والآخرة إن عصيتموني\rقالُوا سَواءٌ عَلَيْنا مستو عندنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) أصلا أي لا نرعوي لوعظك\rإِنْ ما هذا الذي خوّفتنا به إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) في المختار: المصنعة بفتح الميم وضم النون أو فتحها كالحوض يجمع فيه ماء المطر والمصانع الحصون اهـ.\rقوله: لَعَلَّكُمْ (كأنكم) فسر لعل بكأن بدليل القراءة الشاذة كأنكم تخلدون، لكن على هذا الصنيع لا يحسن التوبيخ على البناء المذكور لأنه مباح، وبعضهم أبقاها على ظاهرها من الترجي أي:\rراجين ومؤملين أن تخلدوا في الدنيا لإنكاركم البعث والتوبيخ حينئذ ظاهر اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي: راجين أن تخلدوا في الدنيا أو عاملين عمل من يرجو ذلك فلذلك تحكمون بنيانها اهـ.\rوفي السمين: ولعل هنا على بابها، وقيل: للتعليل ويؤيده قراءة عبد اللّه كي تخلدون، وقيل:\rللاستفهام قاله زيد بن علي، وبه قال الكوفيون. وقيل: معناها التشبيه أي: كأنكم تخلدون، ويؤيده ما في مصحف أبي كأنكم تخلدون، وقرئ كأنكم خالدون، ولم أر من نص على أنها تكون للتشبيه اهـ.\rقوله: تَخْلُدُونَ (فيها) أي: الدنيا أو الأرض. قوله: وَإِذا بَطَشْتُمْ الخ البطش: السطوة والأخذ بعنف، وقال ابن عباس: إذا ضربتم بالسياط وقتلتم بالسيف فعلتم فعل الجبارين اهـ زاده.\rقوله: بِما تَعْلَمُونَ أي: من أنواع النعم الحاصلة لكم، ثم فصل هذا الإجمال بقوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ الخ بإعادة الفعل لزيادة التقرير، فإن التفصيل بعد الإجمال، والتفسير بعد الإبهام أدخل في ذلك اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ الخ فيه وجهان، أحدهما: أن الجملة الثانية بيان للأولى وتفسير لها. والثاني: أن بأنعام بدل من قوله بما تعلمون بإعادة العامل، كقوله: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس: 20] اتبعوا من لا يسألكم أجرا. قال الشيخ: والأكثرون لا يجعلون هذا بدلا، وإنما يجعلونه تكريرا، وإنما يجعلون البدل بإعادة العامل إذا كان العامل حرف جر من غير إعادة متعلقة نحو: مررت بزيد بأخيك، ولا يقولون: مررت بزيد مررت بأخيك على البدل اهـ.\rقوله: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ أي: إن لم تقوموا بشكر هذه النعم فإن كفران النعمة مستتبع للعقاب كما أن شكرها مستتبع لزيادتها، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم. 7] الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ هذا أبلغ من أن يقولوا أم لم تعظ، كما أشار له الشارح بقوله:\r(أصلا)، وقوله: (أي لا نرعوي) أي: لا ننتهي ولا نرجع عما نحن فيه لأجل وعظك إيانا اهـ شيخنا.","part":5,"page":399},{"id":1885,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 400\rأي اختلافهم وكذبهم، وفي قراءة بضم الخاء واللام، أي ما هذا الذي نحن عليه من أن لا بعث إلا خلق الأولين أي طبيعتهم وعادتهم\rوَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138)\rفَكَذَّبُوهُ بالعذاب فَأَهْلَكْناهُمْ في الدنيا بالريح إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139)\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)\rكَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)\rإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142)\rإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143)\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144)\rوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145)\rأَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا من الخير آمِنِينَ (146)\rفِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)\rوَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) لطيف لين\rوَتَنْحِتُونَ وفي المختار: وقد ارعوى عن القبيح أي: انكف وارتدع عنه. وفي السمين: قوله: أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ معادل لقوله: أَوَعَظْتَ،، وإنما أتى بالمعادل هكذا دون قوله: أم لم تعظ لتواخي القوافي. وأبدى له الزمخشري معنى فقال: وبينهما فرق لأن المعنى سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ اهـ.\rقوله: إِنْ هذا الخ تعليل لما قبله. قوله: (و في قراءة) أي: سبعية. قوله: (من أن لا بعث الخ) أي: من اعتقاد أن لا بعث، وقوله: (أي طبيعتهم الخ) عبارة الخازن: أي: عادة الأولين من قبلنا أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب اهـ.\rقوله: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي: على ما نحن عليه من الأعمال اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ أي: أصروا على تكذيبه، وقوله: (بالعذاب) لعل الباء فيه بمعنى في، في وعيده لهم بالعذاب اهـ شيخنا.\rقوله: (بالريح) الصرصر وهي ريح باردة شديدة الصوت لا ماء فيها وسلطت عليهم سبع ليال وثمانية أيام. أولها من صبح يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال وكانت في عجز الشتاء اهـ جلال من سورة الحاقة. وسيأتي هناك زيادة بسط لهذه القصة.\rقوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ اسم قبيلة صالح سميت باسم أبيها وهو ثمود جد صالح، ولذلك كان صالح أخاهم نسبا لاجتماعه معهم في الأب الأعلى، وعاش صالح من العمر مائتين وثمانين سنة، وبينه وبين هود مائة سنة اهـ شيخنا.\rقوله: الْمُرْسَلِينَ المراد، بهم صالح ففي التعبير عنه بالجمع ما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: أَتُتْرَكُونَ استفهام إنكاري توبيخي، وما: اسم موصول فسرها الشارح بقوله من الخير أي: النعم، والهاء للتنبيه وهنا اسم إشارة للمكان القريب، والمراد به الدنيا وهو ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول أي: لا تظنوا ولا ينبغي لكم أن تعتقدوا أنكم تتركون في الدنيا متقلبين في النعم التي فيها آمنين من العذاب اهـ شيخنا.\rقوله: آمِنِينَ حال من الواو في تتركون، وقوله: فِي جَنَّاتٍ الخ بدل من قوله: (فيما) ههنا بإعادة العامل لأجل تفصيل المجمل اهـ شيخنا.","part":5,"page":400},{"id":1886,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 401\rمِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) بطرين وفي قراءة فارهين حاذقين\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) فيما أمرتكم به\rوَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151)\rالَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وَلا يُصْلِحُونَ (152) بطاعة اللّه قوله: وَنَخْلٍ النخل: اسم جمع الواحدة نخلة وكل اسم جمع كذلك يؤنث ويذكر، وأما النخيل بالياء فمؤنثة اتفاقا اهـ مصباح.\rوقوله: (طلعها) هو ثمرها في أول ما يطلع وبعده يسمى خلالا ثم بلحا ثم بسرا ثم رطبا ثم تمرا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: طلعها وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو اهـ.\rوتشبيه بنصل السيف من حيث الهيئة والشكل. وفي المختار: ويقال للطلع هضيم ما لم يخرج من كفراه لدخول بعضه في بعض اهـ.\rوفي أبي السعود: والهضيم اللطيف اللين للطف الثمر، أو لأنّ النخل أنثى وطلع الاناث ألطف وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو أو متدل متكسر من كثرة الحمل، وإفراد النخل لفضله على سائر أشجار الجنات، أو لأن المراد به غيرها من الأشجار اهـ.\rقوله: وَتَنْحِتُونَ معطوف على تتركون فهو في حيز الاستفهام التوبيخي ومحل التوبيخ الحال، وهي قوله: فارِهِينَ من الفره وهو شدة الفرح، وقوله: (حاذقين) أي: ماهرين في العمل، وفي المصباح: حذق الرجل في صنعته من بابي ضرب وتعب حذقا مهر فيها وعرف غوامضها ودقائقها، وحذق الخل يحذق من باب ضرب حذوقا انتهت حموضته فلذع اللسان اهـ.\rوفي القرطبي: النحت النحر والبري يقال نحته ينحته بالكسر نحتا أي براه، والنحاتة البراية والمنحت ما ينحت به. وفي الصافات: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [الصافات: 95] فكانوا ينحتونها من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر اهـ.\rوفي الكرخي سورة الأعراف: وإنما كانوا ينحتون بيوتا في الجبال لطول أعمارهم، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم اهـ.\rوفي الخطيب: في سورة هود: وكان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذا كان قوم هود اهـ.\rقوله: وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ فيه إسناد مجازي في النسبة الإيقاعية أي: ولا تطيعوا المسرفين في أمرهم اهـ شيخنا.\rوالمسرفين قال ابن عباس: المراد بهم المشركون، وقيل: المراد بهم التسعة الذين عقروا الناقة اهـ خازن.\rقوله: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وصف موضع لإسرافهم، لأن المراد بالإسراف هنا ليس معناه المعروف، بل المراد به زيادة الفساد. ولما كان قوله يفسدون لا ينافي صلاحهم أحيانا أردفه بقوله: وَلا يُصْلِحُونَ لبيان كمال إفسادهم وإسرافهم فيه اهـ شهاب.","part":5,"page":401},{"id":1887,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 402\rقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) الذين سحروا كثيرا حتى غلب على عقلهم\rما أَنْتَ أيضا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) في رسالتك\rقالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ نصيب من الماء وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)\rوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) بعظم العذاب\rفَعَقَرُوها أي عقرها بعضهم برضاهم فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) على عقرها\rفَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ الموعود به قوله: ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي: فكيف تدعي أنك رسول إلينا اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ هذِهِ ناقَةٌ أشار إليها بعد ما أخرجها اللّه من الصخرة بدعائه كما اقترحوها. وعن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال: رأيت مبركها فإذا هو ستون ذراعا، ثم وصاهم صالح بأمرين، الأول: لها شرب الخ. والثاني: ولا تمسوها بسوء الخ اهـ زاده.\rقوله: (نصيب من الماء) أي: تشرب منه يوما وأنتم يوما لا تزاحمكم في يومكم ولا تزاحمونها في يومها وفي يومها تشربون من لبنها اهـ شيخنا.\rقوله: فَعَقَرُوها أي: يوم الثلاثاء فأخذهم العذاب يوم السبت بعد ما جعل لهم عليه علامة، وهو أنهم في اليوم الأول من ثلاثة الميعاد وهو يوم الأربعاء قد اصفرت وجوههم، ثم احمرت في الخميس، ثم اسودت في الجمعة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: في سورة النمل وفي قول مقاتل وغيره: أنه خراج في أبدانهم خراج مثل الحمص، فكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار من الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء وهلاكهم يوم الأحد انفقعت فيه تلك الخراجات وصاح عليهم جبريل صيحة فماتوا بالأمرين وكان ذلك ضحوة اهـ.\rقوله: (أي عقرها بعضهم) أي: ضربها بالسيف في ساقيها بعضهم واسمه قدار وكان قصيرا دميما وكان ابن زنا اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال السدي وغيره: أوحى اللّه إلى صالح إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك. فقالوا: ما كنا لنفعل. فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه فولد منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ثم للعاشر، فأبى أن يذبح ابنه وكان لم يولد له قبل ذلك، فكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا فكان إذا مرّ بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، وغضب التسعة عن صالح لأنه كان سببا لقتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا باللّه لنبيتنه وأهله، فقالوا: نخرج إلى سفر فيرى الناس سفرنا فنكون في غار حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا: ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقونا ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في القرية بل كان ينام في المسجد فإذا أصبح أتاهم فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم، فرأى ذلك ناس ممن كان قد اطلع على ذلك فصاحوا في القرية: يا عباد اللّه أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة اهـ.\rقوله: نادِمِينَ (على عقرها) أي: خوفا من أن يحل بهم العذاب لا توبة اهـ بيضاوي.","part":5,"page":402},{"id":1888,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 403\rفهلكوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)\rكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160)\rإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161)\rإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162)\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163)\rوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164)\rأَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) أي من الناس\rوَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي أقبالهن بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) متجاوزون الحلال إلى الحرام\rقالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ عن إنكارك علينا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) من بلدتنا\rقالَ لوط إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) المبغضين\rرَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) أي من عذابه أي: لأنه لا يناسب تفريع فأخذهم العذاب عليه، ولأن مجرد الندم ليس توبة اهـ شهاب.\rقوله: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم اهـ بيضاوي.\rقوله: أَخُوهُمْ لُوطٌ لم يكن لوط منهم في النسب، وإنما سمي أخاهم باعتبار أنه كان ساكنا ومجاورا لهم في قريتهم اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: إذ قال لهم أخوهم لوط أي: أخوهم في البلد لا في الدين ولا في النسب، لأنه ابن أخي إبراهيم عليهما السّلام وهما من بلاد المشرق من أرض بابل، وكأنه عبّر بالأخوة لاختياره لمجاورتهم ومناسبتهم بمصاهرتهم وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة وسنين عديدة وإتيانه بالأولاد من نسائهم مع موافقته لهم في أنه قروي اهـ.\rقوله: الذُّكْرانَ جمع ذكر، وفي المختار: الذكر ضد الأنثى وجمعه ذكور وذكران وذكارة كحجارة اهـ.\rوقوله: مِنَ الْعالَمِينَ حال. قوله: (أي أقبالهن) تفسير لما في قوله: ما خَلَقَ لَكُمْ. ومعنى خلق أصلح كما قرئ به أي: أحل وأباح اهـ شيخنا.\rقوله: (متجاوزون الحلال إلى الحرام) أي: لأن معنى العادي المعتدي في ظلمه المتجاوز فيه الحد، فالمراد إما التجاوز في الشهوة بقرينة المقام، أو في المعاصي مطلقا ويدخل فيه ما سبق الكلام فتعلقه عليهما مقدر لكنه إما خاص أو عام اهـ شهاب.\rقوله: (من بلدتنا) في نسخة قريتنا.\rقوله: مِنَ الْقالِينَ متعلق بمحذوف أي: لقال من القالين، وذلك المحذوف خبر إن، ومن القالين صفته، ولعملكم متعلق بالخبر المحذوف. ولو جعل من القالين خبر إن لعمل القالين في لعملكم فيفضي إلى تقديم معمول الصلة على الموصول وهو أل مع أنه لا يجوز اهـ زاده.\rوفي المصباح: وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر، وقد يمد إذا أبغضته ومن باب تعب لغة اهـ.\rوالقلى أبلغ البغض. وعبارة الكشاف: القلى البغض الشديد كأنه يقلي الفؤاد اهـ.","part":5,"page":403},{"id":1889,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 404\rفَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170)\rإِلَّا عَجُوزاً امرأته فِي الْغابِرِينَ (171) الباقين أهلكناها\rثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) أهلكناهم\rوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً حجارة من جملة الإهلاك فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) مطرهم\rإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174)\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)\rكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء هي غيضة شجر قرب مدين قوله: وَأَهْلَهُ أي: بنتيه وامرأته المؤمنة. قوله: (الباقين) أي: في العذاب. وعبارة الخطيب:\rثم استثنى من أهل بيته قوله: إِلَّا عَجُوزاً وهي امرأته كائنة في حكم الغابرين، أي: الماكثين الذين تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية، فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل لكونها لم تتابعه في الدين ولم تخرج معه، وكانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم، وقيل: إنها خرجت فأصابها حجر في الطريق فأهلكها، فإن قيل: قوله: فِي الْغابِرِينَ صفة لها، كأنه قيل إلا عجوزا في الغابرين غابرة ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم. أجيب: بأن معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها، أو في حكمهم كما مرت الإشارة إليه اهـ.\rوفي المصباح: غبر غبورا من باب قعد بقي. وقد يستعمل فيما مضى أيضا فيكون من الأضداد، وقال الزبيدي: غبر غبورا مكث. وفي لغة بالمهملة للماضي وبالمعجمة للباقي وغبر الشيء وزان سكر بقيته اهـ.\rقوله: (أهلكناهم) أي: بقلب قراهم عليهم وجعل أعلاها سافلها، وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي: على من كان منهم ذلك الوقت خارج القرى لسفر أو غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (مطرهم) هذا هو المخصوص بالذم اهـ.\rقوله: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ قد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات: في الحجر، وفي ق، وما هنا، وفي ص. والأولان بأل والجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر وبالتصرف الذي قاله الشارح هنا مع فتح التاء، مع أن الكل مجرورات بإضافة لفظ أصحاب إليها اهـ شيخنا.\rقوله: (بحذف الهمزة) أي: الثانية التي هي من بنية الكلمة التي هي أيكة، وقوله: (على اللام) أي: لام التعريف، وأما الهمزة الأولى فقد حذفت للاستغناء عنها بتحريك اللام لأنها همزة وصل لا تدخل إلا على الساكن كما يؤخذ من القرطبي، وقوله: (و فتح الهاء) في نسخة وفتح التاء وهي أوضح، وهذا الفتح نائب عن الكسر لأن اللفظ مجرور بالإضافة وممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار البقعة إن كان هذا اللفظ عربيا وللعلمية والعجمة إن كان أعجميا اهـ شيخنا.\rقوله: (و إلقاء حركتها على اللام الخ) هذا الصنيع يقتضي إن اللام الموجودة لام التعريف، وحينئذ لا يصح قوله وفتح الهاء إذ الاسم المقرون بأل سواء كانت معرفة أو غيرها يجر بالكسرة سواء وقع فيه نقل أو لا. وبعضهم وجه فتح الهاء بأن الاسم وزن ليلة فاللام من بنية الكلمة ولا نقل، بل حركة اللام أصلية فجره بالفتحة حينئذ ظاهر وهذا هو الظاهر اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب ما نصه: وقد استشكل هذه القراءة أبو علي الفارسي وغيره بأنه لا وجه للفتح، لأن نقل حركة الهمزة لا يقتضي تغيير الإعراب من الكسر إلى الفتح. وأجيب: بأن ليكة على هذه القراءة","part":5,"page":404},{"id":1890,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 405\rالْمُرْسَلِينَ (176)\rإِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ لم يقل أخوهم لأنه لم يكن منهم أَلا تَتَّقُونَ (177)\rإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178)\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179)\rوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180)\r* أَوْفُوا الْكَيْلَ أتموه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) الناقصين\rوَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) الميزان اسم البلدة وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث، واللام فيها جزء من الكلمة لا المعرفة لأنها توجب الصرف، فقول المصنف: إنها على النقل غير صحيح، وبهذا اندفع ما قاله النحاة فإنهم نسبوا هذه القراءة إلى التحريف اهـ ملخصا.\rوقد أطال السمين في توجيه هذه القراءة جدا ورجع إلى ما سمعته ونصه: قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر ليكة بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسما غير معرف بأل مضافا إليه أصحاب هنا، وفي ص خاصة. والباقون الأيكة معرفا بأل موافقة لما أجمع عليه في الحجر وفي ق. وقد اضطربت أقوال الناس في القراءة الأولى، وتجرأ بعضهم على قارئها، وسأذكر لك من ذلك طرفا، فوجهها على ما قال أبو عبيد أن ليكة اسم للقرية التي كانوا فيها، والأيكة اسم للبلاد كلها فصار الفرق بينهما شبيها بما بين مكة وبكة ورايتهن مع هذا في الذي يقال إنه مصحف الإمام مصحف عثمان مفترقات، فوجدت التي في الحجر والتي في ق الأيكة، ووجدت التي في الشعراء والتي في ص ليكة، ثم اجتمعت عليها مصاحف الأمصار بعد، وقرأ أهل المدينة على هذا اللفظ الذي قصصنا يعني بغير ألف ولام اهـ ما قاله أبو عبيد.\rقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: بعد ما نقلته عنه هذه عبارته اهـ.\rوفي القاموس: الليكة اسم قرية أصحاب الحجر، وبها قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وإنكار الزمخشري كونها اسم القرية غير جيد اهـ.\rقوله: (هي غيضة شجر) أي: مكان فيه شجر ملتف بعضه على بعض، وكان شجرهم الدوم فكل مكان كذلك يقال له غيضة بفتح الغين المعجمة وبالضاء المعجمة اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 405\r\rله: (هي غيضة شجر) أي: مكان فيه شجر ملتف بعضه على بعض، وكان شجرهم الدوم فكل مكان كذلك يقال له غيضة بفتح الغين المعجمة وبالضاء المعجمة اهـ شيخنا.\rقوله: (قرب مدين) وهي قرية شعيب سميت باسم بانيها مدين بن إبراهيم، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ الخ قد أرسل شعيب عليه السّلام لهم ولأهل مدين التي هي قريته، فكل أهل مدين أهلكوا بالصيحة وأصحاب الأيكة أهلكوا بعذاب يوم الظلة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال قتادة: بعث اللّه شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأهل مدين فأهلك اللّه أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين اهـ.\rقوله: (لأنه لم يكن منهم) أي: وإن كان من أهل قرية مدين كما تقدم في قوله: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [الأعراف: 85] اهـ شيخنا.\rقوله: (الناقصين) أي: لحقوق الناس. قوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وكان من جملة بخسهم أنهم يقصون الدراهم والدنانير، فهذا من عطف العام عل الخاص اهـ شيخنا.","part":5,"page":405},{"id":1891,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 406\rالسوي\rوَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ لا تنقصوهم من حقهم شيئا وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) بالقتل وغيره من عثي بكسر المثلثة أفسد، ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها\rوَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الخليقة الْأَوَّلِينَ (184)\rقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185)\rوَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنه نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186)\rفَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً بسكون السين قوله: (بالقتل وغيره) كقطع الطريق. قوله: (من عثي بكسر المثلثة) في المختار: عثا في الأرض أفسد وبابه سما وعثي أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال اللّه تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60]. قلت: قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية اهـ.\rوفي القاموس: عثى كسعى ورمى ورضى اهـ.\rقوله: (لمعنى عاملها) أي: وأما لفظهما فمختلف اهـ.\rقوله: (الخليقة) بمعنى الخلائق والأمم، وقوله: الْأَوَّلِينَ أي: الماضين كقوم لوط. وفي الخطيب: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ أي: من نطفة وإعدامكم أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله: وَالْجِبِلَّةَ أي الجماعة والأمم الأولين الذي كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة، لا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: 15] وقد أخذهم اللّه تعالى أخذ عزيز مقتدر اهـ.\rوفي السمين: العامة على كسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو حصين والأعمش والحسن بضمها وشد اللام، والسلمي بفتح الجيم أو كسرها مع سكون الباء، وهذه لغات في هذه الكلمة ومعناه الخلق المتحد الغلظ مأخوذ من الجبل اهـ.\rقوله: وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين منافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه اهـ بيضاوي.\rوالوصفان هما كونه من المسحرين وكونه بشرا اهـ زكريا.\rيعني أن كلّا منهما كاف، فكيف إذا اجتمعا وقد مرّ أن تركها لأنه استئناف للتعليل أو تأكيد اهـ شهاب.\rوفي السمين: وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا جاء في قصة هود: ما أنت بغير واو، وهنا وما أنت بالواو، فقال الزمخشري: إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مخالف للرسالة عندهم التسحير والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحورا ولا بشرا وإذا تركت الواو فلم يقصد إلّا معنى واحد وهو كونه مسحرا ثم أكد بكونه بشرا اهـ.\rقوله: (أي إنه) نَظُنُّكَ قدره غيره أي: إنا نظنك وهو أنسب. قوله: (قطعة) هذا على السكون وعلى الفتح قطعا أي: قطع عذاب من السماء. وفي القرطبي: وقال أبو عبيدة: الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة، وقرأ السلمي وحفص كسفا جمع كسفة أيضا وهي القطعة والجانب مثل كسر وكسر،","part":5,"page":406},{"id":1892,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 407\rوفتحها قطعة مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) في رسالتك\rقالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فيجازيكم به\rفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ هي سحابة أظلتهم بعد حر شديد أصابهم فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)\rإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190)\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)\rوَإِنَّهُ أي القرآن لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192)\rنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) وقال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء يقال: أعطني كسفة من ثوبك أي: قطعة، ويقال: الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ كسفا من السماء جعله واحدا ومن قرأ كسفا جعله جمعا اهـ.\rقوله: أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي: وبعذابه المنزل عليكم مما أوجبه لكم عليه في وقت المقدر لا محالة اهـ بيضاوي.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ أي: استمروا على تكذيبه. قوله: عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ أضيف إلى اليوم لا إليها إشارة إلى أن عذاب ذلك اليوم لم يكن قاصرا عليها، بل حل بهم فيه عذاب آخر غير الذي نزل منها اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وروي عن ابن عباس وغيره أيضا أن اللّه تعالى فتح عليهم بابا من أبواب جهنم، وأرسل عليهم هدة وحرا شديدا فأخذ بأنفسهم فدخلوا بيوتهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر فخرجوا هرابا، فأرسل اللّه تعالى سحابة فأظلتهم فوجدوا لها بردا وروحا وريحا طيبة، فنادى بعضهم بعضا فلما اجتمعوا تحت السحابة ألهبها اللّه عليهم نارا ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي فصاروا رمادا، فذلك قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [الأعراف: 78] كأن لم يغنوا فيها اهـ.\rقوله: (أصابهم) أي: سبعة أيام فشق عليهم شدته، فكانوا يدخلون تحت الأرض فيزدادوا حرا، فخرجوا إلى الصحراء فجاءتهم هذه السحابة فيها ريح لينة باردة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا وصاروا رمادا، وهذا العذاب الذي حل بهم هو الذي طلبوه تهكما بشعيب وتعنتا بقوله:\rفَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ اهـ شيخنا. قوله: عَظِيمٍ أي: عظيم عذابه.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً هذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وتهديدا للمكذبين له اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة اهـ.\rقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: فليس بشعر ولا أساطير الأولين ولا غير ذلك مما قالوه فيه، وقوله: نَزَلَ بِهِ الخ دليل على هذه الدعوى، وكذا قوله: إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:\r196] وقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً [الشعراء: 197] الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: وأنه لتنزيل رب العالمين هذا تقرير لحقيقة تلك القصص، وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من اللّه تعالى اهـ.","part":5,"page":407},{"id":1893,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 408\rجبريل\rعَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)\rبِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) بيّن وفي قراءة بتشديد نزل ونصب الروح والفاعل اللّه\rوَإِنَّهُ أي ذكر القرآن المنزل على محمد لَفِي زُبُرِ كتب الْأَوَّلِينَ (196) قوله: نَزَلَ بِهِ أي؛ ملتبسا به فهو في موضع الحال كما تقول: خرج زيد بثيابه، ومنه قوله تعالى: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [المائدة: 61] أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين لم يرد أنهم دخلوا بشيء يحملونه معهم، إنما أراد أنهم دخلوا على حال وخرجوا على تلك الحال اهـ كرخي.\rقوله: عَلى قَلْبِكَ إن أريد به الروح فظاهر، وإن أريد به العضو فتخصيصه لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تصعد منه إلى الدماغ فتنتعش بها المتخيلة، والروح الأمين جبريل عليه السّلام فإنه أمين اللّه على وحيه اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: قوله: عَلى قَلْبِكَ خصه بالذكر، وهو إنما أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ والرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير، ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث والمعقول. أما القرآن فقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق: 37]. وأما الحديث فقوله: صلّى اللّه عليه وسلّم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وأما المعقول فإن القلب إذا غشي عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل له شعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات اهـ.\rقوله: بِلِسانٍ يجوز أن يتعلق بالمنذرين أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان العربي وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل صلّى اللّه عليهم وسلم، ويجوز أن يتعلق بنزل أي: نزل اللسان لتنذر به لأنه لو نزل بالأعجمي لقالوا لم نزل علينا ما لا نفهمه. وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من به بإعادة العامل قال: أي نزل بلسان عربي أي: برسالة أو لغة اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: باللغة العربية. قوله: (و في قراءة) أي: سبعية. قوله: (أي ذكر القرآن الخ) لما كان ظاهر النظم يدل على أن القرآن نفسه مثبت في سائر الكتب وظاهر أنه ليس كذلك احتيج إلى تقدير المضاف أي: ذكر القرآن وانزاله على النبي المبعوث في آخر الزمان، أو أن أصول معانيه مثبتة في كتبهم على معنى أنه تعالى أخبر في كتبهم عن القرآن وإنزاله في آخر الزمان، وأنه تعالى بيّن أصول معانيه في كتبهم اهـ زاده.\rوفيه إشارة إلى رد ما نقل عن أبي حنيفة من جواز القراءة بالفارسية في الصلاة والاحتجاج له بهذه الآية لكونه سمى ما في زبر الأولين قرآنا وهو معناه لا لفظه، وقد قيل: إن الصحيح من مذهبه أن القرآن هو النظم والمعنى معا اهـ شهاب.\rقوله: (أي ذكر القرآن) المراد بذكر نعته والتحديث والإخبار عنه بأنه ينزل على محمد، وبأنه من عند اللّه وأنه صدق وحق، فهذا الإخبار موجود في كتب الأولين اهـ شيخنا.","part":5,"page":408},{"id":1894,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 409\rكالتوراة والإنجيل\rأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ لكفار مكة آيَةً على ذلك أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ممن آمنوا فإنهم يخبرون بذلك، ويكن بالتحتانية ونصب آية، وبالفوقانية ورفع آية\rوَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) جمع أعجم\rفَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ أي كفار مكة ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) أنفة من اتباعه\rكَذلِكَ أي مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي سَلَكْناهُ قوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً استفهام توبيخ وتقريع، وقوله: (على ذلك) أي على أن ذكره والإخبار عنه بالحقية كائن في كتب الأولين، وقوله: أَنْ يَعْلَمَهُ أي ما ذكر من ذكر القرآن أي: أي الإخبار عنه بما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (و أصحابه) وكانوا أربعة غيره: أسد وأسيد وثعلبة وابن يامين، فهؤلاء الخمسة من علماء اليهود وقد حسن إسلامهم اهـ شيخنا.\rقوله: (فإنهم يخبرون بذلك) أي: بأن ذكره، والحديث عنه بما تقدم كائن في كتبهم. قوله:\r(و نصب آية) على أنه خبر يكن مقدم واسمها أن يعلمه الخ. وقوله: (و رفع آية) أي على أنه اسمها وخبرها لهم، وأن يعلمه الخ يدل من اسمها أو على أنه فاعل بها وهي تامة ولهم حال، وأن يعلمه الخ بدل من الفاعل اهـ شيخنا.\rولا يجوز أن يكون آية اسمها، وأن يعلمه خبرها لأنه يلزم عليه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة، وقد نص بعضهم على أنه ضرورة اهـ من السمين.\rقوله: عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ الخ أي: مع أنه أي: الأعجمي لا يهتم باكتسابه أصلا ولا باختراعه لفقد الفصاحة فيه ولكونه ليس لغته اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع أعجم) فيه أنه وصف على وزن أفعل في المذكور، وعلى وزن فعلاء في المؤنث، وشرط الجمع بالياء والنون أن لا يكون الوصف كذلك. وأجيب بأنه جمع أعجمي بياء النسب وحذفت تخفيفا كأشعرين في أشعري، فقوله: (جمع أعجم) أي مخفف أعجمي اهـ شيخنا.\rلكن هذا الشرط إنما هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فيجزون جمع أفعل فعلاء جمع المذكر السالم. فعلى هذا يكون كلام الشارح على ظاهره. وفي السمين: قوله: عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ قال صاحب التحرير: الأعجمين جمع أعجمي، ولو لا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع سلامة. قلت:\rوكأن سبب منع جمعه أنه من باب أفعل فعلاء كأحمر حمراء، والبصريون لا يجيزون جمعه جمع سلامة إلا ضرورة، وقد جعله ابن عطية جمع أعجم فقال: الأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب يقال له أعجم، والأعجمي هو الذي نسبه في العجم وإن كان فصيح اللسان. وقال الزمخشري: الأعجم الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة أو استعجام والأعجمي مثله، إلا أن فيه زيادة ياء النسب توكيدا. قلت: وقد تقدم نحو من هذا في سورة النحل اهـ.\rقوله: (أنفة من اتباعه) في المصباح: أنف من الشيء أنفا من باب تعب، والاسم الأنفة مثل قصبة أي: استنكف وهو الاستكبار وأنف منه تنزه عنه اهـ.","part":5,"page":409},{"id":1895,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 410\rأدخلنا التكذيب به فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) أي كفار مكة بقراءة النبي\rلا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201)\rفَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202)\rفَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) لنؤمن فيقال لهم لا، قالوا متى هذا العذاب، قال تعالى\rأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204)\rأَفَرَأَيْتَ أخبرني إِنْ مَتَّعْناهُمْ قوله: كَذلِكَ معمول لسلكناه، والضمير في سلكناه للقرآن على حذف المضاف أي: سلكنا تكذيبه، أي: التكذيب به بقراءة النبي مثل إدخالنا التكذيب به في قلوبهم بقراءة الأعجمي، وفيه أن الأعجمي لم يقرأه ولم ينزل عليه والجملة الشرطية وهي قوله: وَلَوْ نَزَّلْناهُ الخ لا تستلزم الوقوع اهـ شيخنا.\rقوله: (أي مثل إدخالنا التكذيب) أي: في قلوبهم بقراءة الأعجمي أي ملتبسا بقراءة الخ، وكذا يقال في قوله بقراءة النبي. قوله: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ الجملة مستأنفة أو حال من الهاء في سلكناه أو من المجرمين، وقوله: حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ مقدم من تأخير، وأصل الكلام حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون فيرونه، فيقولوا: هل نحن منظرون أي: مؤخرون عن الإهلاك ولو طرفة عين لنؤمن؟\rفيقال لهم: لا. أي لا تأخير ولا إمهال اهـ شيخنا.\rوفي زاده على البيضاوي: قوله: فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً معطوف على يروا وقوله: فَيَقُولُوا معطوف على يأتيهم. وظاهر النظم يدل على أن مفاجأة العذاب واقعة عقيب رؤيته، ويكون سؤال الإنظار واقعا عقيب مفاجأته وليس كذلك، بل الذي يقع أولا هو المفاجأة ثم الرؤية ثم سؤال الإنظار، فوجب أن لا تكون الفاء للترتيب الزماني بل للترتيب الرتبي كما في الكشاف، بأن يكون المعنى لا يؤمنون بالقرآن حتى يروا العذاب الأليم، فما هو أشد من رؤيته وهو لحوقه بهم مفاجأة فما هو أشد منه وهو سؤالهم الإنظار مع القطع بامتناعه اهـ.\rوفي السمين: قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله فيأتيهم؟ قلت: ليس المعنى التعقيب في الوجود بل المعنى ترتبها في الشدة كأنه قيل لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة فما هو أشد منه، وهو سؤالهم النظرة مع القطع بامتناعها، ومثال ذلك أن تقول: إن أسات مقتك الصالحون فمقتك اللّه فإنك لا تقصد أن مقت اللّه بعد مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء اهـ.\rقوله: هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ استفهام تحسر وطمع في المحال وهو إمهالهم بعد مجيء العذاب اهـ شيخنا.\rقوله: (قالوا متى هذا العذاب) أي: استعجلوه تهكما بمحمد في إخباره به على حد قوله تعالى:\rوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [الحج: 47] الآيات اهـ شيخنا.\rوقالوا أيضا: فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم اهـ بيضاوي.\rقوله: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ استفهام توبيخ وتهكم بهم حيث استعجلوا ما فيه ضررهم وحتف أنفهم اهـ شيخنا.\rوالفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: أيكون حالهم كما ذكر من طلب الإنظار عند نزول","part":5,"page":410},{"id":1896,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 411\rسِنِينَ (205)\rثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) من العذاب\rما استفهامية بمعنى أي شيء أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) في دفع العذاب أو تخفيفه أي لم يغن\rوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208) العذاب الأليم فيستعجلون بعذابنا، وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد أو يغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون الخ، وإنما قدم الجار والمجرور للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به عذابه تعالى مع ما فيه من رعاية الفواصل اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَرَأَيْتَ معطوف على فيقولوا وما بينهما اعتراض، وقوله: ما كانُوا يُوعَدُونَ تنازعه، رأيته يطلبه فاعلا مفعولا أول وجاءهم يطلبه فأعملنا الأول وأضمرنا في الثاني ضميرا يعود عليه أي: ثم جاءهم هو أي الذي كانوا يوعدونه، وجملة ما أغنى عنهم الخ في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني لرأيت اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ الخ التاء فاعل رأيت، وقوله: ما كانُوا يُوعَدُونَ مفعول أول، وجملة ما أغنى في محل المفعول الثاني، وجواب الشرط محذوف يقدر من معنى المفعول الثاني تقديره: لم يغن عنهم تمتعهم أي: لم ينفعهم، وتمام هذا الإعراب تقدم في سورة الأنعام مبسوطا في قوله: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ [الأنعام: 40] الخ اهـ.\rوعبارة الكرخي: قوله: (أخبرني) وإذا كانت بمعنى أخبرني تعدت إلى مفعولين أحدهما مفرد والآخر جملة استفهامية غالبا اهـ.\rوقد تنازع أفرأيت وجاءهم في قوله: ما كانُوا يُوعَدُونَ، فإن أعملت الثاني وهو جاءهم رفعت به ما كانوا فاعلا به، ومفعول أرأيت الأول ولكنه حذف، والمفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية في قوله: ما أغنى عنهم، ولا بد من رابط بين هذه الجملة وبين المفعول الأول وهو مقدر تقديره: أفرأيت ما كانوا يوعدونه، وأضمرت في جاءهم ضميره فاعلا به، والجملة الاستفهامية مفعول ثان أيضا، والعائد مقدر على ما تقرر في الوجه قبله والشرط معترض وجوابه محذوف، وهذا كله مفهوم مما تقدم في سورة الأنعام، وإنما ذكرته هنا لأنه تقديره عسر يحتاج إلى تأويل وحسن صناعة، وهذا كله إنما يتأتى على قولنا إن ما استفهامية ولا يضرنا تفسيرهم لها بالنفي فإن الاستفهام قد يرد بمعنى النفي، وأما إذا جعلتها نافية حرفا كما قاله أبو البقاء فلا يتأتى ذلك، لأن مفعول أرأيت الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كما تقرر غير مرة اهـ سمين.\rقوله: ما كانُوا يُوعَدُونَ أي: به، وما اسم موصول. قوله: (استفهامية) أي: استفهام إنكار كما أشار له بقوله: (أي): لم يغن فهذا مساو في المعنى لقول بضعهم إنها نافية وهي على صنيع الشارح مفعول مقدم لأغنى، وقوله: ما كانُوا يُمَتَّعُونَ فاعل بأغنى، وما مصدرية أي تمتعهم أو كونهم متمتعين اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: ما أغنى عنهم أي: أي شيء، أو أي إغناء أغنى عنهم ما كانوا يمتعون، أي:\rكونهم ممتعين ذلك التمتيع المديد على أن ما مصدرية، أو ما كانوا يمتعون به من متاع الحياة الدنيا على أنها موصولة حذف عائدها، وأيّا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي، وقيل: ما نافية أي: لم يغن عنهم","part":5,"page":411},{"id":1897,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 412\rرسل تنذر أهلها\rذِكْرى عظة لهم وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) في إهلاكهم بعد إنذارهم. ونزل ردا لقول المشركين\rوَما تَنَزَّلَتْ بِهِ بالقرآن الشَّياطِينُ (210)\rوَما يَنْبَغِي يصلح لَهُمْ أن ينزلوا به وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) ذلك\rإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ (212) بالشهب\rفَلا تَدْعُ مَعَ تمتعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه اهـ.\rقوله: مِنْ قَرْيَةٍ من: زائدة في المفعول. قوله: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ يجوز أن تكون الجملة صفة لقرية، وأن تكون حالا منها وسوغ ذلك سبق النفي، وقال الزمخشري فإن قلت: كيف تركت الواو من الجملة بعد إلّا ولم تترك منها في قوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: 40] فلت: الأصل ترك الواو لأن الجملة صفة لقرية، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: 22] اهـ سمين.\rقوله: ذِكْرى علة لمنذرون أي: تنذرهم لأجل تذكيرهم العواقب. وفي الكرخي: قوله:\r(تنذر) أهلها ذكرى أشار إلى أن ذكرى في موضع المفعول لأجله، وبه صرح أبو البقاء وجوز كونه خبر مبتدأ محذوف أي: هذه ذكرى والجملة اعتراضية اهـ.\rقوله: وَما كُنَّا ظالِمِينَ أي: ليس من شأننا الظلم أو المعنى لسنا ظالمين في إهلاكهم أي: لا يصدر عنا بمقتضى الحكمة ما هو في صورة الظلم لو صدر من غيرنا بأن نهلك أحدا قبل إنذاره، أو بأن نعاقب من لم يذنب اهـ شهاب.\rقوله: (ردا لقول المشركين) مقول القول محذوف من عباراته وصرح به غيره أي: قولهم إن الشياطين يلقون القرآن إليه أي: على لسانه كما يأتون للكهنة بأخبار السماء اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وما تنزلت به الشياطين رد لما زعمه الكفرة في حق القرآن الكريم من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين اهـ.\rوفي الخطيب: ولما كان الكفرة يقولون إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به الشياطين أكذبهم اللّه تعالى بقوله: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. أي: فلا يكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون اهـ.\rقوله: (يصلح) لَهُمْ أي: يمكنهم. قوله: (لكلام الملائكة) لعل المراد به الوحي المنزل على الأنبياء فلا يرد أنهم قد يسترقون السمع، والمراد أن اللّه حفظ ما يوحى به إلى الأنبياء أن يسمعوه قبل نزول الملك به، فلا يلزم منه أنهم لا يسمعون آيات القرآن ولا يحفظونها وليس كذلك اهـ شهاب.\rوغرضه بهذا دفع التنافي بين قوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ، وقوله الآتي: يُلْقُونَ السَّمْعَ المقتضي أنهم يسمعون من الملائكة، ومحصل ما أشار له في دفع التنافي أن ما هنا محمول على سماع الوحي أي: ما يوحى به للأنبياء وحجب اللّه الشياطين عن سماعه لئلا يلزم التخليط بالوحي، وما سيأتي محمول على ما تعلق له بالوحي والشرائع، بل على غيره من الإخبار بالمغيبات.\rهذا وقد أشار إلى دفع التنافي بوجه آخر حيث قيد ما سيأتي بقوله: (و هذا قبل أن حجبت الشياطين عن","part":5,"page":412},{"id":1898,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 413\rاللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) إن فعلت ذلك الذي دعوك إليه\rوَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارا، رواه البخاري ومسلم\rوَاخْفِضْ جَناحَكَ ألن جانبك لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) الموحدين\rفَإِنْ عَصَوْكَ أي عشيرتك فَقُلْ لهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) من عبادة غير اللّه\rوَتَوَكَّلْ بالواو والفاء عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) اللّه أي فوض إليه جميع أمورك\rالَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) إلى الصلاة\rوَتَقَلُّبَكَ في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا فِي السَّاجِدِينَ (219) أي المصلين\rإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)\rهَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي كفار السماء)، فقوله هنا معزولون يعني بعد حجبهم عن الشيء، وذلك من حين بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله الآتي:\rيُلْقُونَ السَّمْعَ مفروض فيما قبل ذلك لكن يشكل عليه تمثيله بمسيلمة مع أنه كان في عصره صلّى اللّه عليه وسلّم، إلا أن يحمل إلقاء السمع إليه على ما قبل مبعثه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما بعد بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أنسد باب السماء على الشياطين وانقطع نزول الشياطين على الكهنة اهـ.\rقوله: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ الخ الخطاب له والمقصود غيره. قوله: (رواه البخاري ومسلم) أي:\rروى إنذاره لهم جهارا فقال في إنذاره: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من اللّه شيئا يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من اللّه شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئا يا صفية عمة رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئا يا فاطمة بنت رسول اللّه سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من اللّه شيئا» اهـ خازن.\rقوله: وَاخْفِضْ جَناحَكَ الخ) كناية عن التواضع واللطف بالمؤمنين، فهذا في قوة قوله: فبعد الإنذار من أمن منهم فتواضع له، ومن خالفك فتبرأ منه ومن عمله وقل له إني بريء الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي عشيرتك) تفسير للواو في عصوك اهـ.\rقوله: (بالواو والفاء) قراءتان سبعيتان. فعلى الواو هو معطوف على أنذر، وعلى الفاء هو بدل من جواب الشرط وهو قوله: فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: حِينَ تَقُومُ (إلى الصلاة) أي: منفردا. وقوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، أي: ويراك مصليا في الجماعة اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَقَلُّبَكَ معطوف على الكاف في يراك، وقوله: فِي السَّاجِدِينَ في بمعنى مع، وقوله: (أي المصلين) فسره بعضهم بالمؤمنين أي: يراك متقلبا في أصلاب وأرحام المؤمنين من لدن آدم وحواء إلى عبد اللّه وآمنة، فجميع أصوله رجالا ونساء مؤمنون، وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم فإنه كافر بمقتضى الآيات، وأجاب بعضهم بأنه كان عم إبراهيم لا أباه. وأجاب بعضهم بجواب أحسن من هذا، وهو أن قولهم أصول محمد لم يدخلهم الشرك محله ما دام النور المحمدي في الذكر وفي الأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير اللّه، وآزر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم، وأما قبل انتقاله فلم يعبد غير اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ الخ المقصود من هذا السياق إبطال كونه كاهنا، ومن قوله: وَالشُّعَراءُ","part":5,"page":413},{"id":1899,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 414\rمكة عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) بحذف إحدى التاءين في الأصل\rتَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ كذاب أَثِيمٍ (222) فاجر مثل مسيلمة وغيره من الكهنة\rيُلْقُونَ أي الشياطين السَّمْعَ أي ما سمعوه من الملائكة إلى الكهنة وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) يضمون إلى المسموع كذبا كثيرا، وكان هذا الخ إبطال كونه شاعرا، فقوله: عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ أي: وهو صلّى اللّه عليه وسلّم ليس كذلك، وقوله: يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ الخ أي: وهو لا يتبعه إلا المهتدون اهـ شيخنا.\rقوله: (أي كفار مكة) يحتمل أن تكون ندائية وهو الأظهر، ويحتمل أن تكون تفسيرية للمفعول وهو الكاف في أنبئكم اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ الجار والمجرور متعلق بتنزل، والجملة في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني والثالث أن جعل أنبئكم متعديا لثلاثة ومسد الثاني فقط أن جعل متعديا لاثنين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: عَلى مَنْ تَنَزَّلُ متعلق بتنزل بعده، وإنما قدم لأن له صدر الكلام وهو معلق لما قبله من فعل التنبئة لأنها بمعنى العلم، ويجوز أن تكون متعدية لاثنين فتسد الجملة المشتملة على الاستفهام مسد الثاني لأن الأول هو ضمير المخاطبين، ويجوز أن تكون متعدية لثلاثة فتسد الجملة مسد اثنين اهـ.\rقوله: (مثل مسيلمة) أي: من المتنبئة وغيره كسطيح من الكهنة جمع كاهن، وهو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة، والعراف هو الذي يخبر عن الأمور الماضية اهـ شيخنا.\rقوله: يُلْقُونَ السَّمْعَ يجوز أن يعود الضمير على الشياطين، وحينئذ يجوز أن تكون جملة يلقون حالا وأن تكون مستأنفة، ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئا، أو القاء الشيء المسموع إلى الكهنة، ويجوز أن يعود الضمير على كل أفاك أثيم من حيث إنه جمع في المعنى، فتكون الجملة إما مستأنفة أو صفة لكل أفاك أثيم، ومعنى الإلقاء ما تقدم اهـ سمين.\rفالمعنى: يلقون أي: الكهنة سمعهم إلى الشياطين أي: يصغون ويستمعون منهم أو يلقون ما سمعوه من الشياطين إلى عوام الخلق. قوله: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ الأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكون عن الجني، والمعنى وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون أقلهم صادقا على الإطلاق اهـ أبو السعود.\rوقد أشار الجلال إلى هذا المعنى بقوله: (يضمون إلى المسموع كذبا كثيرا) فأفاد أن الكثرة في المسموع لا في ذوات القائلين اهـ.\rوقال بعضهم: المراد بالأكثر الكل، والضمير في أكثرهم للأفاكين أي: الكهنة، أو للشياطين مثل الضمير في يلقون.","part":5,"page":414},{"id":1900,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 415\rقبل أن حجبت الشياطين عن السماء\rوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) في شعرهم فيقولون به ويروونه عنهم فهم مذمومون\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ من أودية الكلام وفنونه يَهِيمُونَ (225) يمضون فيجاوزون الحد مدحا وهجاء\rوَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فعلنا ما لا يَفْعَلُونَ (226) قوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال أهل التفسير: أراد شعراء الكفار الذي كانوا يهجون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم عبد اللّه بن الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو بن عبد اللّه الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقولوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ويروون عنهم قولهم فذلك قوله تعالى: يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أي: الذين يروون هجاء المسلمين، وقيل: الغاوون هم الشياطين، وقيل: هم السفهاء الضالون. وفي رواية أن رجلين أحدهما من الأنصار تهاجيا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومع كل واحد غواة من قومه وهم السفهاء، فنزلت هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ الوادي معروف، والمراد به هنا فنون القول وطرقه، والهيام أن يذهب المرء على وجهه من عشق أو غيره وهو تمثيل كما في الكشاف، والمعنى يخوضون في كل لغو من هجو ومدح اهـ شهاب.\rوفي البيضاوي: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها، وأغلب كلماتهم في التشبيب بالحرم والغزل والابتهار وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والوعد الكاذب والافتخار الباطل ومدح من لا يستحقه والإطراء فيه اهـ.\rقوله: يَهِيمُونَ يجوز أن تكون هذه الجملة خبر أن، وهذا هو الظاهر لأنه محط الفائدة. وفي كل واد متعلق به، ويجوز أن يكون في كل واد هو الخبر، ويهيمون حال من الضمير في الخبر، والعامل ما تعلق به هذا الخبر أو نفس الجار كما تقدم في نظيره غير مرة، ويجوز الجملة خبر أن بعد خبر عند من يرى تعدد الخبر مطلقا، وهذا من باب الاستعارة البليغة والتمثيل الرائع شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم والتشبب وأنواع الشعر بهيام الهائم في كل وجه وطريق، والهائم هو الذي يخبط في طريقه ولا يقصد موضعا معينا يقال: هام على وجهه أي: ذهب. والهائم: العاشق من ذلك والهيمان العطشان، والهيام داء يأخذ الإبل من العطش، وجمل أهيم وناقة هيماء والجمع فيهما قال تعالى:\rفَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة: 55] اهـ سمين.\rقوله: (يمضون) أي: يذهبون ويخوضون. قوله: (أي يكذبون) تفسير لقوله: يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ أي: لأنهم لا يقصدونه، وإنما ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها، وقيل: إنهم يمدحون الجود والكرم ويحثون عليه ولا يفعلونه، ويذمون البخل ويصرون عليه ويهجون الناس بأدنى شيء صدر منهم اهـ.","part":5,"page":415},{"id":1901,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 416\rأي يكذبون\rإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الشعراء وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي لم يشغلهم الشعر عن الذكر وَانْتَصَرُوا بهجوهم الكفار مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا بهجو الكفار لهم في جملة المؤمنين فليسوا مذمومين، قال اللّه تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا من الشعراء وغيرهم أَيَّ مُنْقَلَبٍ مرجع يَنْقَلِبُونَ (227) يرجعون بعد الموت.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ استثناء مما قدره أولا بقوله: (فهم مذمومون) بدليل قوله آخرا فليسوا مذمومين. وفي الخازن: ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الكفار ويهجوهم وينافحون عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه منهم حسان بن ثابت، وعبد اللّه بن رواحة وكعب بن مالك فقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. روي أن كعب بن مالك قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: قد أنزل في الشعر، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل».\rفصل في مدح الشعر روى البخاري، عن أبي بن كعب رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن من الشعر حكمة». وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل يتكلم بكلام فقال: «إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكمة» أبو داود.\rوقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح.\rوقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان علي أشعر من الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده، فروي أنه دعا عمر ابن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده قصيدة فأنشده إياها وهي قريب من تسعين بيتا، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها وكان حفظها من مرة واحدة اهـ.\rقوله: (قال اللّه تعالى) هذا استدلال على جواز ما فعلوه من هجوهم للكفار في مقابلة هجو الكفار لهم، وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ الخ استدلال على اشتراط المماثلة في المقابلة، فلا يجوز للمظلوم أن يزيد في الذم على ما ظلم به من الهجو اهـ شيخنا.\rقوله: أَيَّ مُنْقَلَبٍ معمول لينقلبون الذي بعده لا لما قبله لأن الاستفهام له الصدر وهو مفعول مطلق أي: ينقلبون. أي انقلابا والجملة سادة مسد مفعولي يعلم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: أي منصوب على المصدر والناصب له ينقلبون وقدم لتضمنه معنى الاستفهام وهو معلق لسيعلم سادّ مسد مفعوليه، وقال أبو البقاء: أي منقلب صفة لمصدر محذوف أي ينقلبون انقلابا أي: منقلب، ولا يعمل فيه سيعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وهذا الذي قاله مردود بأن أيا الواقعة صفة لا تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة لشيء بل هما قسمان كل منهما قسم برأسه، وأي: تنقسم إلى أقسام كثيرة اهـ.","part":5,"page":416},{"id":1902,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 417\rوفي القرطبي: ومعنى أي منقلب ينقلبون أي: أي مصير يصيرون، وأي مرجع يرجعون، لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العذاب وهو أشر مرجع، والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع منقلبا وليس كل منقلب مرجعا ذكره الماوردي. وأي منصوب بينقلبون وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا بسيعلم لأن أيا وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها كما ذكره النحويون. قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض، واللّه أعلم.","part":5,"page":417},{"id":1903,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 418\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النمل مكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية\rطس اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْقُرْآنِ آيات منه وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة هو\rهُدىً أي هاد من الضلالة وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) المصدقين به بالجنة\rالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يأتون بها على وجهها وَيُؤْتُونَ يعطون الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) يعلمونها بالاستدلال وأعيدهم لما فصل بينه وبين الخبر\rإِنَ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (ثلاث أو أربع الخ) في نسخة سورة النمل مكية وهي ثلاث الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) وعلى هذا القول ليس لهذا اللفظ محل من الإعراب لأن الإعراب فرع معرفة المعنى وهي آية مستقلة اهـ شيخنا.\rقوله: تِلْكَ مبتدأ أو قوله: آياتُ الْقُرْآنِ خبره، وقوله: (أي هذه الآيات) أي آيات هذه السورة اهـ شيخنا.\rقوله: (مظهر للحق من الباطل) عبارة أبي السعود: مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب، أو لسبيل الرشد والغي، أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، أو ظاهر الاعجاز على أنه من أبان بمعنى بان اهـ.\rقوله: (عطف بزيادة صفة) جواب عما يقال إن الكتاب والقرآن بمعنى واحد، فما فائدة العطف؟\rوحاصل الجواب: أن المعطوف لما كان فيه صفة زائدة على مفهوم المعطوف عليه كان مفيدا بهذا الاعتبار اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ مبتدأ وقوله: يُوقِنُونَ خبره وبالآخرة متعلق بالخبر، ولما فصل بينه وبين المبتدأ بالمتعلق الذي هو بالآخرة أعيد المبتدأ ثانيا ليتصل بخبره في الصورة. هذا ما أشار إليه بقوله:\rوأعيدهم اهـ شيخنا.\rوالجملة من تتمة الصلة والواو للحال أو للعطف وتغيير النظم للدلالة على قوة يقينهم وثباته وأنهم الأوحدون فيه اهـ بيضاوي.","part":5,"page":418},{"id":1904,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 419\rالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) يتحيرون لقبحها عندنا\rأُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ أشده في الدنيا القتل والأسر وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم\rوَإِنَّكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ أي يلقى عليك بشدة مِنْ لَدُنْ من عند حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) في ذلك اذكر\rإِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ زوجته أي: الكاملون في الاتصاف باليقين اهـ شهاب.\rقال زاده: ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه أتى به جملة اسمية وجعل خبرها مضارعا للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد اهـ.\rقوله: (بتركيب الشهوة) أي: بسبب تركيبها فيهم. وفي البيضاوي: زينا لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلناها مشتهاة بالطبع محبوبة للنفس اهـ.\rقوله: (يتحيرون فيها) أي: في الاستمرار عليها وتركها لعدم إدراكهم قبحها في الواقع، ولذلك قال لقبحها عندنا أي: لا عندهم لأنهما رأوها حسنة اهـ شيخنا.\rلكن فيه أنهم رأوها حسنة لا يتحيرون بل يعكفون ويستمرون عليها، فهذا التفسير غير واضح، والأولى تفسير غيره بأن يعمهون معناه يستمرون ويداومون وينهمكون فيها كما ذكره أبو السعود. وفي القرطبي: وعن ابن عباس، وأبي العالية: يتمادون، وعن قتادة: يلعبون، وعن الحسن: يتحيرون اهـ.\rقوله: (القتل والأسر) تفسير للأشد. قوله: وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ في إعرابه ما تقدم.\rقوله: هُمُ الْأَخْسَرُونَ المفضل عليه هو أنفسهم لكن باعتبار حالهم في الدنيا أي: أن خسرانهم في الآخرة أشد من خسرانهم في الدنيا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: الْأَخْسَرُونَ في أفعل هنا قولان، أحدهما: وهو الظاهر أنها على بابها من التفضيل وذلك بالنسبة إلى الكفار من حيث اختلاف الزمان والمكان يعني: أنهم أكثر خسرانا في الآخرة منهم في الدنيا أي: أن خسرانهم في الآخرة أكثر من خسرانهم في الدنيا، وقال جماعة منهم الكرماني: هي هنا للمبالغة لا للتشريك، لأن المؤمن لا خسران له في الآخرة البتة، وقد تقدم جواب ذلك وهو أن الخسران راجع إلى شيء واحد باعتبار اختلاف زمانه ومكانه اهـ.\rقوله: (أي يلقى عليك بشده) عبارة القرطبي أي: يلقى إليك فتتلقاه وتعلمه وتأخذه من لدن حكيم عليم اهـ.\rوفي السمين: لقي مخففا يتعدى لواحد ومضعفا يتعدى لاثنين فأقيم أولهما هنا مقام الفاعل، والثاني القرآن اهـ.\rقوله: (بشدة) أي: لما فيه من التكاليف الشاقة. قوله: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ الجمع بينهما مع أن العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على إتقان الفعل والإشعار بأن علوم القرآن منها","part":5,"page":419},{"id":1905,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 420\rعند مسيره من مدين إلى مصر إِنِّي آنَسْتُ أبصرت من بعيد ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن حال الطريق وكان قد ضلها أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ بالإضافة للبيان وتركها أي شعلة نار في رأس فتيلة أو عود لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها تستدفئون من البرد\rفَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ أي بأن بُورِكَ أي بارك اللّه مَنْ فِي النَّارِ أي موسى وَمَنْ ما هو حكمة كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقصص والإخبار عن المغيبات اهـ بيضاوي.\rوقوله: مع أن العلم داخل الخ فإن الحكمة اتقان الفعل بأن يفعله على وفق العلم، فإن من يعلم أمرا ولا يأتي بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، فلما وصف نفسه بكونه حكيما علم كونه عليما فما وجه الجمع بينهما؟ وتقرير الجواب أن العلم الذي يدخل في الحكمة هو العلم العملي وهو الذي يتعلق بكيفية عمل والعلم أعم منه، فكأنه قيل مصيب في أفعاله لا يفعل شيئا إلا على وفق علمه عليم بكل شيء سواء كان ذلك العلم مؤديا إلى العمل أم لا اهـ زاده.\rقوله: (في ذلك) متعلق بكل من حكيم وعليم، أي: في تنزيل القرآن وإلقائه على محمد أي: في غير ذلك كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ الخ اشتملت هذه السورة على قصص خمس، الأولى هذه ويليها قصة النملة ويليها قصة بلقيس، ويليها قصة صالح، ويليها قصة لوط اهـ شيخنا.\rقوله: (زوجته) أي: بنت شعيب، أي: وولده وخادمه وقوله: (عند مسيره) أي: سيره من مدين، وكان في ليلة مظلمة باردة مثلجة وقد أضل الطريق وأخذ زوجته الطلق اهـ شيخنا.\rوالحامل له على هذا السفر أن يجتمع بأمه وأخيه بمصر كما سبق عن أبي السعود في سورة طه.\rقوله: أَوْ آتِيكُمْ أي: مانعة خلو. قوله: (بالإضافة للبيان) أي: لأن الشهاب يكون قبسا وغيره كالكواكب فهو من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وثوب خز وهي بمعنى من أي شهاب قبس، وقوله: (و تركها) أي: مع تنوين شهاب، وعلى هذا فقبس بدل أو نعت على تأويله بالمفعول أي:\rشهاب مقتبس أي: مأخوذ من نار، وقوله: (أي شعلة نار) تفسير لكل من المضاف إليه فالشهاب:\rالشعلة، والقبس: النار اهـ شيخنا.\rقوله: (بدل من تاء الافتعال) أي: لوقوعها أي: التاء بعد حرف الإطباق وهو الصاد فقلبت طاء على القاعدة، وقوله: (من صلي) كعمي، وقوله: (و فتحها) كرمى اهـ شيخنا.\rقوله: (بكسر اللام) أي: من باب تعب، وقوله: (و فتحها) أي: من باب رمى لكن معنى الثاني لا يناسب هنا. ففي المصباح: صلي بالنار وصليها صلي من باب تعب وجد حرها والصلاء وزان كتاب حر النار، وصليت اللحم أصليه من باب رمى شويته اهـ.\rقوله: (تستدفئون) يقال: دفىء يدفأ من باب طرب وقرب اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: دفىء البيت يدفأ مهموز من باب تعب. قالوا: ولا يقال في اسم الفاعل دفيء وزان كريم بل وزان تعب، ودفىء الشخص فالذكر دفآن والأنثى دفأى مثل: غضبان وغضبي إذا لبس ما","part":5,"page":420},{"id":1906,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 421\rحَوْلَها أي الملائكة أو العكس، وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف ويقدر بعد في مكان وَسُبْحانَ اللَّهِ يدفئه، ودفؤ اليوم مثال قرب، والدفء وزان حمل خلاف البرد اهـ.\rقوله: نُودِيَ أي: ناداه اللّه أن بورك أن هذه هي الناصبة للمضارع فهي ثنائية وضعا دخلت هنا على الماضي وحرف الجر قبلها مقدر كما صنع الشارح وما بعدها في تأويل مصدر أي: نودي ببركة من النار الخ أي: بتقديسه وتطهيره مما يشغل قلبه عن غير اللّه وتخليصه للنبوة والرسالة أي: ناداه اللّه بأنا قدسناك وطهرناك واخترناك للرسالة كما تقدم في طه حيث قال: وأنا اخترتك الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: نُودِيَ في القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنه ضمير موسى وهو الظاهر. وفي أن حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنها المفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول. والثاني: أنها الناصبة للمضارع ولكن وصلت هنا بالماضي وتقدم تحقيق ذلك على إسقاط الخافض أي: نودي موسى بأن بورك. والثالث: أنها المخففة واسمها ضمير الشأن وبورك خبرها ولم يحتج هنا إلى فاصل لأنه دعاء، وقد تقدم نحوه في سورة النور في قوله: أن غضب على قراءة فعلا ماضيا.\rالثاني: من الأوجه الأولى أن القائم مقام الفاعل نفس بورك على حذف حرف الجر أي: بأن بورك وأن حينئذ إما ناصبة في الأصل وإما مخففة.\rالثالث: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل أي: نودي النداء ثم فسر بما بعده ومثله ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ [يوسف: 35] اهـ.\rقوله: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ أي: أن قدس وطهر من في النار وهو موسى وليس هو فيها حقيقة، بل في المكان القريب منها فصحة الكلام بحذف المضاف أو في مكان النار كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rوهذا أي قوله: أَنْ بُورِكَ الخ تحية من اللّه تعالى لموسى وتكرمة له كما حيا إبراهيم على ألنسة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود: 73] اهـ قرطبي.\rقوله: مَنْ فِي النَّارِ من قائم مقام الفاعل ببورك وبارك يتعدى بنفسه، فلذلك بني للمفعول باركك اللّه وبارك عليك وبارك فيك وبارك لك، والمراد بمن إما الباري تعالى وهو على حذف مضاف أي: من قدرته وسلطانه في النار، وقيل: المراد به موسى والملائكة، وكذلك قوله: ومن حولها.\rوقيل: المراد بمن غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها اهـ سمين.\rقوله: (أي العكس) أي: تفسر من الأولى بالملائكة والثاني بموسى، وقوله: بنفسه أي كما هنا، فإن قوله من في النار نائب فاعل بورك فتعدى له بنفسه كما علمت، وقوله: (و بالحرف) أي: في وعلى واللام اهـ شيخنا.\rقوله: (و يقدر بعد في مكان) لفظ مكان نائب فاعل يقدر أي: يقدر هذا اللفظ اهـ شيخنا.\rوالمكان هو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ [القصص: 30] اهـ بيضاوي.","part":5,"page":421},{"id":1907,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 422\rرَبِّ الْعالَمِينَ (8) من جملة ما نودي ومعناه تنزيه اللّه من السوء\rيا مُوسى إِنَّهُ أي الشأن أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)\rوَأَلْقِ عَصاكَ فألقاها فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌ حية خفيفة وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يرجع، قال تعالى يا مُوسى لا تَخَفْ منها إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَ عندي الْمُرْسَلُونَ (10) من حية وغيرها\rإِلَّا لكن مَنْ ظَلَمَ نفسه ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً أتاه بَعْدَ سُوءٍ أي تاب فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) أقبل التوبة وأغفر له\rوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ طوق القميص تَخْرُجْ خلاف لونها من الأدمة بَيْضاءَ قوله أيضا: (و يقدر بعد في) أي: لفظة في الجارة للنار مكان أي: لفظ مكان ليكون مضافا للنار أي: من مكان النار، وإنما احتيج لهذا التقدير لأن موسى إذا ذاك لم يكن في النار حقيقة وإلّا لاحترق على العادة، بل كان في المكان القريب منها اهـ شيخنا.\rقوله: (من جملة ما نودي) أي: نودي به أي: فهو من كلام اللّه مع موسى، وإنما وقع التعرض للتنزيه في هذا المقام لدفع ما رب أن يتوهمه موسى بحسب الطبع البشري الجاري على العادة الخلقية أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث ككلام الخلق، أو من أن اللّه المتكلم به في مكان أو في جهة اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَلْقِ عَصاكَ عطف على ما قبله من الجملة الاسمية الخبرية وقد تقدم أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل وأنه يجيز جاء زيد ومن بورك، وتقدمت أدلته في أول البقرة اهـ سمين.\rوقاله هنا بدون ذكر أن، وفي القصص بذكرها لأن ما هنا تقدمه فعل بعد أن وهو بورك، فحسن عطف الفعل عليه، وما هناك لم يتقدمه فعل بعد أن فذكرت أن لتكون جملة أن ألق عصاك معطوفة على جملة أن يا موسى إني أنا اللّه اهـ كرخي.\rقوله: تَهْتَزُّ جملة حالية من هاء رآها لأن الرؤية بصرية، وقوله: كَأَنَّها جَانٌ يجوز أن تكون حالا ثانية، وأن تكون حالا من ضمير تهتز فتكون حالا متداخلة اهـ سمين.\rقوله: (حية خفيفة) أي: في سرعة الحركة وإلّا فجثتها كانت كبيرة جدا اهـ شيخنا.\rقوله: (يرجع) أي: لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وتقول ولى مدبرا ولم يعقب بتشديد القاف وكسرها أي: لم يعطف ولم ينتظر اهـ.\rقوله: لا تَخَفْ أي: من غير ثقة أي أو لا تخف مطلقا اهـ أبو السعود.\rقوله: (عندي) أي: في حالة الإيحاء والإرسال وخطاب المشافهة، فإن من هو في هذه الحالة مستغرق في مطالعة شؤون اللّه عز وجل لا يخطر بباله خوف من شيء، وأما في غير هذه الحالة فالمرسلون أخوف الناس منه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ استثناء منقطع، ولذا فسره بلكن على عادته ومن شرطية جوابها فإني غفور رحيم، وقوله: (أتاه) تفسيره أي: أتى حسنا أي: علمه وقوله: (أي تاب) تفسير لأتاه اهـ شيخنا.\rقوله: (طوق القميص) سمي جيبا لأنه يجاب أي يقطع ليدخل فيه الرأس ولم يأمره بإدخالها في","part":5,"page":422},{"id":1908,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 423\rمِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص لها شعاع يغشى البصر آية فِي تِسْعِ آياتٍ مرسلا بها إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12)\rفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً أي مضيئة واضحة قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) بين ظاهر كمه لأنه كان عليه مدرعة صغيرة من صوف لا كم لها، وقيل: كان لها كم قصير اهـ شيخنا.\rقوله: تَخْرُجْ الظاهر أنه جواب لقوله: (أدخل) أي: أدخلها تخرج على هذه الصفة، وقيل:\rفي الكلام حذف تقديره وأدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج فحذف من الثاني ما أثبت في الأول، ومن الأول ما أثبت في الثاني، وهذا التقدير لا حاجة إليه اهـ سمين.\rقوله: بَيْضاءَ حال من فاعل تخرج ومن غير سوء يجوز أن يكون حالا أخرى، أو من الضمير في بيضاء أو صفة لبيضاء اهـ سمين.\rقوله: (لها شعاع) أي: لمعان وإشراق. قوله: (آية) أشار به إلى أن في تسع آيات في محل نصب على أنه متعلق بمحذوف حال أخرى من ضمير تخرج، وقد صرح بهذا المحذوف في سورة طه حيث قال هناك: تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى، فالمعنى هنا حال كونها آية مندرجة في جملة الآيات التسع اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فِي تِسْعِ آياتٍ فيه أوجه، أحدها: أنه حال ثالثة قاله أبو البقاء يعني: من فاعل تخرج أي: آية في تسع كذا قدره الثاني متعلقة بمحذوف أي: اذهب في تسع، وقد تقدم اختبار الزمخشري لذلك في أول هذا الموضع الثالث أن يتعلق بقوله: وَأَلْقِ عَصاكَ، وأدخل يدك أي: في جملة تسع الآيات ولقائل أن يقول كانت الآيات إحدى عشرة منها: اثنتان اليد والعصا، والتسع: الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم اهـ.\rوعلى هذا تكون في بمعنى مع لأن اليد والعصا حينئذ خارجتان من التسع، وكذا فعل ابن عطية أعني أنه جعل في تسع متصلا بألق وأدخل إلا أنه جعل اليد والعصا من جملة التسع، وقال تقديره يمهد لك ذلك وينشره في تسع، وجعل الزجاج في بمعنى من قال كما تقول خذ لي من الإبل عشرا فيها فحلان أي: منها فحلان اهـ.\rقوله: إِلى فِرْعَوْنَ متعلق بما قدره الشارح، وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا الخ تعليل لذلك المقدر اهـ شيخنا.\rقوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا أي: جاءهم موسى بها، وقوله: مُبْصِرَةً اسم فاعل، والمراد به المفعول اطلق اسم الفاعل على المفعول إشعارا بأنها لفرط وضوحها وإنارتها كأنها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: مُبْصِرَةً حال ونسب الإبصار مجازا لأن بها يبصر، وقيل: هو بمعنى مفعول نحو ماء دافق مدفوق اهـ.\rقوله: (أي مضيئة) أي: إضاءة معنوية في كلها وحسية أيضا في بعضها وهو اليد اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا هذا أي: نشاهده من الخوارق التي أتى بها موسى اهـ شيخنا.","part":5,"page":423},{"id":1909,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 424\rوَجَحَدُوا بِها أي لم يقروا وَقد اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي تيقنوا أنها من عند اللّه ظُلْماً وَعُلُوًّا تكبرا عن الإيمان بما جاء به موسى راجع إلى الجحد فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) التي علمتها من إهلاكهم\rوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ ابنه عِلْماً بالقضاء بين الناس ومنطق الطير وغير ذلك وَقالا شكرا للّه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا بالنبوة وتسخير الجن والإنس والشياطين عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)\rوَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ النبوة والعلم دون باقي أولاده قوله: وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ حال من الواو في جحدوا ولذلك قدر فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي تيقنوا الخ) أشار به إلى أن السين زائدة اهـ شيخنا.\rقوله: (راجع إلى الجحد) أي: على أنه علة له أو حال من فاعله أي: جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها شيخنا.\rقوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ كيف: خبر مقدم، وعاقبة اسمها، والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض لأنها معلقة لانظر بمعنى تفكر اهـ سمين.\rقوله: (من إهلاكهم) أي: بالإغراق على الوجه الهائل الذي هو عبرة للعالمين، وإنما يذكر تنبيها على أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيما بين كل باد وحاضر اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا بالمد أي: أعطينا داود الخ هذا شروع في القصة الثانية وهي قصة داود وسليمان، وكان لداود تسعة عشر ولدا سليمان واحد منهم، وعاش داود مائة سنة وبينه وبين موسى خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، وعاش سليمان نيفا وخمسين سنة، وبينه وبين محمد ألف سنة وسبعمائة سنة اهـ شيخنا نقلا عن التحبير.\rقوله: (و منطق الطير) أي: وعلما بمنطق الطير أي: الفهم من أصوات الطير كما سيذكره الشارح في قوله: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ اهـ شيخنا.\rوالظاهر أن كليهما كان يعلم منطق الطير وهو كذلك، لكن داود كان يعلم خصوص تسبيحه وسليمان يعرف سائر نطقه. وعبارة الخازن: ولقد آتينا داود وسليمان علما أي: علم القضاء والسياسة، وعلم داود تسبيح الجبال والطير، وعلم سليمان منطق الطير والدواب اهـ.\rقوله: (و غير ذلك) كالدواب وتسبيح الجبال اهـ كرخي.\rقوله: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: قال كل منهما الحمد للّه أي: شكر كل منهما ربه على هذه النعم، وقوله: (و تسخير الجن والإنس والشياطين) ظاهره أن هذا كان لكل من داود وسليمان، ومثله في هذا التعبير غيره من المفسرين كالخازن والخطيب اهـ.\rوهذا معطوف على مقدر تقديره فعملا بما أعطياه بالقلب بالعزم، وعملا به بالجوارح بالمباشرة، وعملا به باللسان فقالا: الحمد للّه الخ اهـ شيخنا.\rقوله: عَلى كَثِيرٍ الخ أي: ممن لم يؤت علما أو ممن لم يؤت علما مثل علمنا، وهذه المقالة على سبيل التحدث والشكر اهـ شيخنا.","part":5,"page":424},{"id":1910,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 425\rوَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ أي فهم أصواته وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تؤتاه الأنبياء والملوك إِنَ قوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (النبوة والعلم) أو الكتب بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشرة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالَ أي: سليمان يا أيها الناس الخ. وهذا كالشرح لقوله: وورث سليمان بالنسبة للنبوة وقوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دليل لإعطائه الملك اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ أي: قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم اللّه والضمير في علمنا، وأوتينا لك من داود وسليمان. وعبارة الخطيب: علمنا أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله منطق الطير أي: فهم ما يريده كل طائر إذا صوت وسمي صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس اهـ.\rولذلك قال الجلال: أي فهم أصواته اهـ.\rوخص الطير بالذكر مع أن كل حيوان وشجر كذلك لكونه كان يسير معه ويظلله اهـ كرخي.\rومقتضى هذا أن كلّا منهما كان يعلم أصوات الطير وما تريد، وتقدم التصريح به في عبارة الخازن. وفي البيضاوي: والنطق والمنطق في التعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا مفيدا كان أو غير مفيد، وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم: نطقت الحمامة ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما هو من جنسه، ولعل سليمان عليه السّلام مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية الغرض الذي صوت لأجله، والغرض الذي توخاه به اهـ.\rوفي القرطبي: وقال: يا أيها الناس أي: قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم اللّه علمنا منطق الطير أي: تفضل اللّه علينا زيادة على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل: في الآية كان سليمان جالسا إذ مرّ به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما يقول هذا الطائر إنه قال لي السّلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني إسرائيل أعطاك اللّه الكرامة وأظهرك على عدوك إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية وإنه سيرجع إلينا الثانية، ثم رجع فقال لهم: يقول السّلام عليك أيها الملك المسلط إن شئت أن تأذن لي كما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له فانطلق. وقال فرقد السبخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا نبي اللّه. قال: إنه يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، ومرّ بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فخاف فقال له سليمان: احذر، فقال الهدهد: يا نبي اللّه هذا صبي ولا عقل له فأنا أسخر به، ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده، فقال له: ما هذا؟ قال: ما رأيتها حين وقعت فيها يا نبي اللّه. قال: ويحك فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ؟ فقال: يا نبي اللّه إذا نزل القضاء عمي البصر. وقال كعب: صاح ورشان عند سليمان بن داود فقال سليمان: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: إنه يقول لدوا للموت وابنوا","part":5,"page":425},{"id":1911,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 426\rهذا المؤتى لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) البين الظاهر\rوَحُشِرَ جمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ للخراب، وصاحت فاختة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا وليتهم إذا خلقوا علموا ما خلقوا له، وصاح عنده طاووس فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول كما تدين تدان، وصاح عنده هدهد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول من لا يرحم ولا يرحم، وصاح عنده صرد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: إنه يقول استغفروا اللّه يا مذنبون، فمن ثم نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتله وقيل: إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت، ولذلك يقال له الصرد الصرام.\rوروي عن أبي هريرة: وصاحت عنده طيطرجي فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا، لا. قال: إنها تقول كل حي ميت وكل جديد بال، وصاحت عنده. خطافة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال:\rإنها تقول قدموا خيرا تجدوه، فمن ثم نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى اللّه تعالى الوحشة فآنسه اللّه بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم قال: ومعها أربع آيات من كتاب اللّه لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21] الآية إلى آخرها.\rوتمد صوتها بقولها العزيز الحكيم. وهدرت حمامة عند سليمان فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا.\rقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى عدد ما في سمواته وأرضه، وصاح قمري عند سليمان فقال:\rأتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول سبحان ربي العظيم المهيمن.\rفقال كعب: وحدثهم سليمان فقال: الغراب يقول اللهم العن العشار، والحدأ يقول: كل شيء هالك إلا وجهه والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والضفدع تقول:\rسبحان ربي القدوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل مكان. وقال مكحول: صاح دراج عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول:\rالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: 5] وقال الحسن، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: الديك إذا صاح قال: اذكروا اللّه يا غافلون. وقال الحسن بن علي. قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: النسر إذا صاح قال يا ابن آدم عش ما شئت فآخرك الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس راحة، وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغض آل محمد، وإذا صاح الخطاف قال: الحمد للّه رب العالمين إلى آخرها، فيقول: ولا الضالين، فيمد بها صوته كما يمد القارىء. قال قتادة، والشعبي: إنما هذا الأمر في الطير خاصة لقوله: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: 16] والنملة طائر إذ قد توجد له أجنحة. قال الشعبي: وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين. وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور، فخص بالذكر لكثرته مداخلته، ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمر الطير، وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات، فكان كل نبت يقول: أنا شجر كذا أنفع من كذا وأضر من كذا، فما ظنك بالحيوان اهـ بحروفه.\rقوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ من الأماكن المختلفة في مسير له فهم يوزعون أي: يحبسون حتى يرد أولهم على آخرهم. قيل: كان في جنوده وزراء وهم النقباء ترد أول العسكر","part":5,"page":426},{"id":1912,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 427\rوَالطَّيْرِ في مسير له فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) يجمعون ثم يساقون\rحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ هو بالطائف على آخره لئلا يتقدموا في المسير. قال محمد بن كعب القرظي: كان عسكر سليمان عليه الصلاة والسّلام مائة فرسخ في مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير. وقيل: نسجت له الجن بساطا من ذهب وحرير فرسخا في فرسخ، وكان يوضع في وسطه فيقعد وحوله كراسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة والناس حوله والجن والشياطين حول الناس والوحش حولهم وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه شمس، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة يعني حرة وسبعمائة سرية، فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به.\rوروي عن كعب الأحبار أنه قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور العظام تسع كل قدر عشرة من الإبل، فتطبخ الطباخون وتخبز الخبازون وهو بين السماء والأرض، واتخذ ميادين للدواب فتجري بين يديه والريح تهوي فسار من اصطخر يريد اليمن فسلك على مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما وصل إليها قال سليمان: هذا دار هجرة نبي يكون آخر الزمان طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه. ولما وصل مكة رأى حول البيت أصناما تعبد فجاوزه سليمان فلما جاوزه بكى البيت، فأوحى اللّه إليه ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك ومعه قوم من أوليائك مروا علي ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى اللّه تعالى إليه لا تبك فإني سوف أملأك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيا في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني أفرض عليهم فريضة يحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان والأصنام وعبدة الشيطان. ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي النمل اهـ خازن.\rقوله: (يجمعون ثم يساقون) أي: يمنعون من التقدم حتى يجتمعوا ثم يساقون أي: يؤمرون بالسير. وفي القرطبي: فهم يوزعون معناه يكفون ويوقفون ويرد أولهم على آخرهم. قال قتادة:\rوالوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم، وفي الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم، وقال الحسن أيضا: لا بد للناس من وازع أي: سلطان يكفهم اهـ.\rوفي المختار: وزعه يزعه وزعا مثل وضعه يضعه وضعا أي: كفه فانزع أي: انكف وأوزعه بالشيء أغراه به واستوزعت اللّه شكره فأوزعني أي: استلهمته فألهمني، والوازع الذي يتقدم الصف ويصلح ويقدم ويؤخر وجمعه وزعة، وقال الحسن، لا بد للناس من وازع أي: من سلطان يكفهم يقال:\rوزعت الجيش إذا حبست أولهم على آخرهم قال اللّه تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ اهـ.\rوقوله: وقال رب أوزعني من هذا المعنى لأن تحقيقه ألهمني بحيث أزع نفسي عما يسخطك اهـ قرطبي.\rوفي أبي السعود: فهم يوزعون أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم أي: يوقف أوائل العسكر حتى يلحقهم الأواخر فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة، ويجوز أن يكون","part":5,"page":427},{"id":1913,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 428\rأو بالشام نمله صغار أو كبار قالَتْ نَمْلَةٌ ملكة النمل وقد رأت جند سليمان يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ لا يكسرنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) نزل النمل منزلة العقلاء في ذلك لترتيب الصفوف كما هو المعاد في العساكر، وفيه اشعار بكمال مسارعتهم إلى السير وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا كله إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا أَتَوْا غاية لمحذوف تقديره فساروا حتى إذا أتوا الخ أي: ساروا مشاة على الأرض وركبانا حتى إذا أتوا على وادي النمل أي: على مكان فيه نمل كثير اهـ شيخنا.\rوفي السمين: حَتَّى إِذا أَتَوْا في المغيّى بحتى وجهان، أحدهما: هو يوزعون لأنه مضمن معنى فهم يسيرون ممنوعا بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا أتوا. والثاني: أنه محذوف أي: فساروا حتى إذا أتوا، وتقدم الكلام في حتى الداخلة على إذا هل هي حرف ابتداء أو حرف جر اهـ.\rقوله: (نمله صغار) أي: نمل هذا الوادي صغار وهو النمل المعروف، أو كبار أي كالبخاتي أو كالذباب، والقول الأول هو المشهور اهـ شيخنا.\rقوله: قالَتْ نَمْلَةٌ أي: قالت قولا مشتملا على حروف وأصوات، والمراد قالته على وجه النصيحة يا أيها النمل الخ. وقد اشتمل هذا القول منها على أحد عشر نوعا من البلاغة، أولها: النداء بيا، وثانيها: كنت بأي، وثالثها: نبهت بهاء التنبيه، ورابعها: سمت بقولها النمل، وخامسها: أمرت بقولها ادخلوا، وسادسها: نصت بقولها مساكنكم، وسابعها: حذرت بقولها لا يحطمنكم، وثامنها:\rخصصت بقولها سليمان، وتاسعها: عممت بقولها وجنوده، وعاشرها: أشارت بقولها وهم، وحادي عشرها: عذرت بقولها لا يشعرون اهـ شيخنا نقلا عن السيوطي في الإتقان.\rقوله: (ملكة النمل) وكانت عرجاء ذات جناحين وهي الحيوانات التي تدخل الجنة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال الثعلبي: كان للنملة جناحان فصارت من الطير فلذلك علم منطقها ولو لا ذلك ما علمه. قال أبو إسحاق الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل أخفت من ظلمي، أما علمت أني نبي عدل، فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت ويفتتن بالدنيا ويشتغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر، فلما تكلمت مع سليمان مضت مسرعة إلى قومها فقالت: هل عنكم من شيء نهديه إلى نبي اللّه؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له واللّه ما عندنا إلا نبقة واحدة. قالت: حسنة ائتوني بها فأتوها بها فحملتها بفيها وانطلقت تجرها، وأمر اللّه الريح فحملتها وأقبلت تشق الجن والإنس والعلماء والأنبياء على البساط حتى وقفت بين يديه، فوضعت تلك النبقة من فيها في فيه وأنشأت تقول:\rأم ترنا نهدي إلى اللّه ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله\r\rولو كان يهدى للجليل بقدره ... لأقصر عنه البحر يوما وساحله\r\rولكننا نهدي إلى من نحبه ... فيرضى بها عنا ويشكر فاعله","part":5,"page":428},{"id":1914,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 429\rالخطاب بخطابهم\rفَتَبَسَّمَ سليمان ابتداء ضاحِكاً انتهاء مِنْ قَوْلِها وقد سمعه من ثلاثة\rوما ذاك إلا من كريم فعاله ... وإلّا فما في ملكنا ما يشاكله\r\rفقال لها: بارك اللّه فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق اللّه وأكثر خلق اللّه. والنمل حيوان معروف شديد الإحساس والشم حتى أنه يشم الشيء من بعيد ويدخر قوته، ومن شدة إدراكه إنه يفلق الحبة فلقتين خوفا من الانبات، ويفلق حبة الكسبرة أربع فلق لأنها إذا فلقت فلقتين نبتت، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة اهـ.\rوهذه النملة التي تكلمت مع سليمان مؤنثة حقيقة بدليل لحاق علامة التأنيث لفعلها، لأن نملة تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تمييز ذلك قيل نملة ذكر ونملة أنثى نحو: حمامة ويمامة. وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة رضي عنه أنه وقف على قتادة وهو يقول: سلوني. فأمر أبو حنيفة شخصا سأل قتادة عن نملة سليمان هل كانت ذكرا أو أنثى فلم يجب، فقيل لأبي حنيفة في ذلك. فقال: أنثى واستدل بلحاق العلامة. قال الزمخشري: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة وقوعهما على المذكر والمؤنث فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى اهـ.\rإلا أن الشيخ قدر هذا فقال: ولحاق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر قالت نملة، لأن نملة وإن كانت بالتاء هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث، وما كان كذلك كاليمامة والقملة من كل ما يفرق بينه وبين جمعه بتاء التأنيث من الحيوان فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث، ولا يدل كونه مخبرا عنه إخبار المؤنث على أنه ذكر أو أنثى، لأن التاء دخلت فيه للفرق بين الواحد والجمع لا للدلالة على التأنيث الحقيقي، بل للدلالة على الوحدة من هذا الجنس اهـ سمين.\rقوله: (و قد رأت جند سليمان) مقتضى هذا مع قوله الآتي، وقد سمعه من ثلاثة أميال أنها رأت سليمان وجنوده من تلك المسافة، ولينظر هل هذه القوة في النملة دائما أو كانت خصوصية لهذه النملة فليتأمل. قوله: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ فيه وجهان، أحدهما: أنه نهي. والثاني: جواب للأمر. وإذا كان نهيا ففيه وجهان، أحدهما: أنه نهي مستأنف لا تعلق له بما قبله من حيث الإعراب، وإنما هو نهي لسليمان وجنوده في اللفظ في المعنى للنمل أي: لا تكونوا بحيث يحطمونكم كقوله: لا أَرَيْناكَ ههنا. والثاني: أنه بدل من جملة الأمر قبله وهي ادخلوا. وقد تعرض الزمخشري لذلك فقال: فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جوابا للأمر وأن يكون نهيا بدلا من الأمر، والذي جوز أن يكون بدلا منه أنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة. لا أرينك ههنا أرادت لا يحطمنكم جنود سليمان فجاءت بما هو أبلغ اهـ سمين.\rوفي المختار: حطمه من باب ضرب أي كسره فانحطم وتحطم، والتحطيم التكسير، والحطام ما تكسر من اليبس اهـ.\rقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ جملة حالية اهـ سمين.\rقوله: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً هذا مفرع على محذوف تقديره فسمع قولها المذكور فتبسم كما يشير له صنيع الشارح حيث قال: وقد سمعه من ثلاثة أميال الخ. وكل من التبسم والضحك والقهقهة انفتاح في","part":5,"page":429},{"id":1915,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 430\rأميال حملته إليه الريح فحبس جنده حين أشرف على واديهم حتى دخلوا بيوتهم، وكان جنده ركبانا ومشاة في هذا السير وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19) الأنبياء والأولياء\rوَتَفَقَّدَ الفم، لكن الأول انفتاح بلا صوت أصلا، والثاني انفتاح مع صوت خفيف، والثالث انفتاح مع صوت قوي اهـ ع ش على المواهب.\rوفي الخازن: فإن قلت: ما كان سبب ضحك سليمان عليه الصلاة والسّلام؟ قلت: سببه شيئان.\rأحدهما: ما دل على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وذلك قولها: وهم لا يشعرون يعني أنهم لو شعروا لم يفعلوا. الثاني: سروره بما آتاه اللّه مما لم يؤت أحدا من إدراك سمعه ما قالته النملة، وقيل: إن الإنسان إذا رأى أو سمع ما لا عهد له به عجب وضحك اهـ.\rقوله: (حتى دخلوا بيوتهم) غاية في قوله فحبس جنده اهـ.\rقوله: (في هذا السير) أي: في خصوص هذا السير أي: في وقت مروره على وادي النمل وكان هو وجنوده في غير هذا الوقت يركبون على البساط وتسير بهم الريح، لكن سبب سيرهم في هذا الوقت ركبانا ومشاة ما أشار له الخطيب ونصه: وكان سليمان يأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به مسيرة شهر، وأوحى اللّه إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك ألّا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت به الريح فأخبرتك به. ويحكى أنه مر بحرّاث، فقال الحرّاث. لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذن سليمان فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إني مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها اللّه خير ما أوتي آل داود واستمر ماشيا بمن معه حتى إذا أتوا أي: أشرفوا على وادي النمل الخ اهـ.\rوفي الخازن: فإن قلت: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وهم فوق البساط على متن الريح؟ قلت: كأنهم أرادوا النزول عند منقطع الوادي، فلذلك قالت النملة: لا يحطمنكم سليمان وجنوده لأنه ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم اهـ.\rقوله: (و على والدي) قال أهل الكتاب: وأمه هي زوجة أوريا بوزن قوتلا التي امتحن اللّه بها داود اهـ قرطبي.\rوأدرج فيه ذكر والديه تكثيرا للنعمة أو تعميما لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية اهـ بيضاوي.\rقوله: فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ على حذف مضاف أي: في جملة عبادك أو في بمعنى مع اهـ شيخنا.\rفإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، وقد تمنى يوسف عليه السّلام ذلك بقوله: فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: 101] أجيب: بأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي اللّه ولا يفعل معصية ولا يهم بها وهذه درجة عالية اهـ خطيب.","part":5,"page":430},{"id":1916,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 431\rالطَّيْرَ ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض ويدل عليه بنقره فيها فتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أي أعرض لي ما منعني من قوله: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ هذا شروع في أمر آخر وقع له في مسيره الذي كانت فيه قصة النمل والتفقد تطلب المفقود الغائب عنك، والطير اسم جمع واحده طائر، والمراد هنا جنسه وجماعته التي كانت تصحبه في سفره وتظلله بأجنحتها اهـ قرطبي.\rوفي الخازن: وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان عليه الصلاة والسّلام كان إذا نزل منزلا تظلله جنوده من الجن والإنس والطير من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد فنظر فرآه خاليا.\rوروي عن ابن عباس أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء كان يعرف موضع الماء، ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيحفرونه ويستخرجون الماء في ساعة يسيرة. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له سعيد ابن الأزرق: يا وصاف انظر ما تقول إن الصبي منا يضع القمح ويحثو عليه التراب فيجيء الهدهد وهو لا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك القدر إذا جاء حال دون البصر. وفي رواية: إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر. فنزل سليمان منزلا واحتاج إلى الماء فطلبوه فلم يجدوه فتفقد الهدهد ليدل سليمان على الماء فقال: مالي لا أرى الهدهد الخ اهـ.\rقال الكلبي: ولم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد اهـ قرطبي.\rقوله: (فتستخرجه الشياطين) أي: بأن تسلخ وجه الأرض عن الماء كما تسلخ الشاة اهـ قرطبي.\rوسلخ من باب قطع ونصر اهـ مختار.\rقوله: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ هذا استفهام استخبار ولا حاجة إلى دعاء القلب، وإن الأصل ما للهدهد لا أراه، إذ المعنى صحيح بدونه، والهدهد معروف اهـ سمين.\rقوله: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ أم: منقطعة كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره فقال: ما لي لا أراه ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له اهـ بيضاوي.\rوعلى هذا فتقدر ببل والهمزة أو بل وحدها أو بالهمزة وحدها على ما تقدم غير مرة في الكلام على أم المنقطعة. وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء عليه الصلاة والسّلام لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب جنوده من الجن والإنس والطير والوحش فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام ما شاء اللّه أن يقيم وكان ينحر في كل يوم طول مقامه خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين آلف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، ويعطي النصر على جميع من عاداه وتبلغ هيبته مسيرة شهر القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في اللّه لومة لائم. قالوا: فبأي دين يدين يا نبي اللّه؟ قال: بدين اللّه الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به. قالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي اللّه؟","part":5,"page":431},{"id":1917,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 432\rرؤيته أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال\rلَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً تعذيبا قال: مقدار ألف سنة، فليبلغ الشاهد الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل. قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: قد اشتغل سليمان بالنزول فارتفع نحو السماء ينظر إلى طول الدنيا وعرضها ففعل ذلك. فبينما هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس فنزل إليه فإذا هو بهدهد آخر وكان اسم هدهد سليمان يعفور وهدهد اليمن عفير، فقال عفير ليعفور: من أين أقبلت؟ من الشأم مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟\rقال: ملك الانس والجن والشياطين والطير والوحش والرياح فمن أنت؟ قال: عفير أنا من هذه البلاد.\rقال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس وإن لصاحبك ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها تملك اليمن وتحت يدها أربعمائة ملك كل على كورة مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر قائدا مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء. قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. قال: فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء فسأل عن الماء الجن والإنس فلم يعلموا، فتفقد الهدهد فلم يره فدعا بعريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح اللّه الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان. فغضب سليمان وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ الآية، ثم دعا العقاب وهو أشد الطير طيرانا فقال له: عليّ بالهدهد الساعة فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب يريده، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي إما ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه العقاب وقال: ويلك ثكلتك أمك إن نبي اللّه قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، فسارا متوجهين نحو سليمان عليه الصلاة والسّلام فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير وقالا له: ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي اللّه وأخبره بما قال سليمان، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي اللّه فقالوا: بلى، إنه قال: أو ليأتيني بسلطان مبين فقال: نجوت إذن وكانت غيبته من الزوال ولم يرجع إلا بعد العصر، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي اللّه، فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال له: أين كنت لأعذبنك عذابا شديدا، فقال: يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عز وجل، فلما سمع سليمان عليه الصلاة والسّلام ذلك ارتعد وعفا عنه ثم سأله: ما الذي أبطأك عني؟\rفقال الهدهد: أحطت بما لم تحط به الخ اهـ خازن.\rقوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً الخ الحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث فكلمة أو بين الأولين للتخيير، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما. قال الزمخشري: فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعليه لا كلام فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد، ومن أين درى أنه يأتي بسلطان حتى يقول أو ليأتيني بسلطان مبين؟ قلت: لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو","part":5,"page":432},{"id":1918,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 433\rشَدِيداً بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوامّ أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ بقطع حلقومه أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بنون مشددة مكسورة أو مفتوحة يليها نون مكسورة بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21) ببرهان بيّن ظاهر على عذره\rفَمَكَثَ بضم الكاف وفتحها غَيْرَ بَعِيدٍ أي يسيرا من الزمان، وحضر لسليمان متواضعا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه فعفا عنه وسأله عما لقي في غيبته فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بالصرف وتركه قبيلة باليمن سميت باسم جد لهم باعتباره صرف بِنَبَإٍ خبر يَقِينٍ (22)\rإِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً الخلف آل كلامه إلى قولك ليكونن أحد الأمور يعني: إن كان الإتيان بسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا ادعاء دارية اهـ كرخي.\rوأو الثانية ترجع في المعنى إلى أنها بمعنى إلا وهي قيد في كل من الأمرين قبلها، فكأنه قال:\rلأعذبنه إلا أن يأتيني أو لأذبحنه إلا أن يأتيني بسلطان مبين اهـ.\rقوله: (بنتف ريشه الخ) هذا أحد أقوال في معنى تعذيب سليمان للطير، وقيل: هو أن يجعل الطير مع ضده، وقيل: وهو بالفريق بينه وبين إلفه، وقيل: هو أن يطلى بالقطران ويشمس اهـ أبو السعود.\rقوله: (بنون مشددة مكسورة الخ) عبارة السمين: قرأ ابن كثير بنون التوكيد المشددة بعدها نون الوقاية وهذا هو الأصل، واتبع مع ذلك رسم مصحفه، والباقون بنون مشددة فقط، والأظهر أنها نون التوكيد الشديدة توصل بكسرها لياء المتكلم، وقيل: بل هي نون التوكيد الخفيفة أدغمت في نون الوقاية وليس بشيء لمخالفة الفعلين قبله، وقرأ عيسى بن عمر بنون مشددة مفتوحة لم يصلها بالياء اهـ.\rقوله: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ الضمير الفاعل للهدهد بقرينة قوله: (و حضر لسليمان) ويحتمل أن يعود على سليمان نفسه، والمعنى بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل اهـ قرطبي.\rقوله: (بضم الكاف وفتحها) الأول من باب قرب، والثاني من باب نصر اهـ.\rقوله: فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي: علمت ما لم تعلم وبلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك. ألهم اللّه الهدهد هذا الكلام فكافح سليمان تنبيها على أن أدنى جنده قد أحاط علما بما لم يحط به ليكون لطفا به في ترك الإعجاب والإحاطة بالشيء علما أن يعلمه من جميع جهاته حتى لا يخفى عليه معلوم اهـ خازن.\rفإن قلت: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بينهما قريبة وهي مسيرة ثلاث مراحل بين صنعاء ومأرب؟ فالجواب: أن اللّه عز وجل أخفى ذلك عنه لمصلحة رآها كما أخفى مكان يوسف على يعقوب اهـ قرطبي.\rقوله: (قبيلة باليمن الخ) أي: فمن صرفه نظر إلى أن أصله اسم رجل، ومن لم يصرفه إلى أنه اسم قبيلة، فإن فيه التعريف والتأنيث اهـ كرخي.","part":5,"page":433},{"id":1919,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 434\rتَمْلِكُهُمْ أي هي ملكة لهم اسمها بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة وَلَها عَرْشٌ سرير عَظِيمٌ (23) طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا، وارتفاعه ثلاثون ذراعا، مضروب من الذهب والفضة، مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد وقوائمه من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد، عليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق\rوَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ قوله: (اسمها بلقيس) وهي بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا هي آخرهم، وكان الملك يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج فيهم فخطب إلى الجن فزوجوه امرأة منهم يقال لها ريحانة بنت السكن. قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب إليهم: إنه كان كثير الصيد فربما اصطاد من الجن وهم على صور الظباء فيخلي عنهم، فظهر له ملك الجن وشكره على ذلك واتخذه صديقا فخطب ابنته فزوجه إياها اهـ خازن.\rوفي القاموس: وبلقيس بالكسر ملكة سبأ اهـ.\rقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على تملكهم وجاز عطف الماضي على المضارع، لأن المضارع بمعناه أي: ملكتهم. ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من مرفوع تملكهم وقد معها مقدرة عند من يرى ذلك اهـ سمين.\rوقال ابن عباس: كان يخدمها النساء وكان معها لخدمتها ستمائة أمرأة اهـ قرطبي.\rقوله: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عام أريد به الخصوص كما أشار له بقوله: (تحتاج إليه الملوك الخ).\rقوله: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ فإن قلت: قد وصف عرش بلقيس بالعظم وعرش اللّه بالعظم، فما الفرق بينهما؟ قلت: وصف عرشها بالعظيم بالنسبة إليها وإلى أمثالها من ملوك الدنيا، أما وصف عرش اللّه تعالى بالعظيم فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما فحصل الفرق اهـ خازن.\rوإلى هذا الفرق أشار الشارح بقوله: فيما يأتي وبينهما بون عظيم اهـ شيخنا.\rقوله: (طوله ثمانون الخ) عبارة القرطبي: قال مقاتل: كان طوله ثمانين ذراعا وعرضه كذلك وارتفاعه في الهواء كذلك اهـ.\rقوله: (مضرب) أي: مصنوع. قوله: (عليه سبعة أبواب) صوابه سبعة أبيات بدليل قوله: على كل بيت باب مغلق، وعبارة الخازن: وعليه سبعة أبيات وعلى كل بيت باب مغلق اهـ.\rولعل قول الجلال أبواب تحريف من النساخ اهـ.\rقوله: وَجَدْتُها هي التي بمعنى لقيت وأصبت فتتعدى لواحد فيكون يسجدون حالا من مفعولها وما عطف عليه اهـ سمين.\rقوله: يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ أي: فهم مجوس. قوله: فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الخ هذا","part":5,"page":434},{"id":1920,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 435\rطريق الحق فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24)\rأَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ أي أن يسجدوا له فزيدت لا وأدغم فيها نون أن، كما في قوله تعالى لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ والجملة في محل مفعول يهتدون بإسقاط إلى الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ الكلام مناسبة لما قبله وهي الرد على من يعبد الشمس وغيرها من دون اللّه، لأنه لا يستحق العبادة إلا من هو قادر على من في السموات والأرض عالم بجميع المعلومات اهـ خازن.\rقوله: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فيه دليل على القدرة، قوله: وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ الخ في دليل على إثبات العلم اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ يجب حذف هذه النون في الرسم وأن هي الناصبة للفعل ولا زائدة، والمعنى أن يسجدوا وهذا الفعل مع أن معمول لقوله لا يهتدون لكن بإسقاط حرف الجر وهو إلى، والمعنى فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا أي إلى السجود. وعلى هذا الإعراب لا يصح الوقف على قوله: لا يَهْتَدُونَ، ويصح أن يكون بدلا من أعمالهم والتقدير: قوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ عدم السجود اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَلَّا يَسْجُدُوا قرأ الكسائي بتخفيف إلا، والباقون بتشديدها، فأمر قراءة الكسائي فألا فيها حرف تنبيه واستفتاح وياء بعدها حرف نداء أو تنبيه أيضا على ما سيأتي، واسجدوا:\rفعل أمر فكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون يا اسجدوا، ولكن الصحابة أسقطوا ألف يا وهمزة الوصل من اسجدوا خطا لما سقط لفظا، ووصلوا الياء بسين اسجدوا فصارت صورته يسجدوا كما ترى فاتحدت القراءتان لفظا وخطا، واختلفتا تقديرا. واختلف النحويون في يا هذه هل هي حرف تنبيه أو للنداء، والمنادى محذوف تقديره يا هؤلاء لا اسجدوا وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى في سورة النساء يا لَيْتَنِي [النساء: 73] والمرجح أن تكون للتنبيه لئلا يؤدي إلى حذف كثير من غير بقاء ما يدل على المحذوف ألا ترى أن جملة النداء حذفت فلو ادعيت حذف المنادى كثر الحذف ولم يبق معمول يدل على عامله بخلاف ما إذا جعلتها للتنبيه، ولكن عارضنا هنا أن قبلها تنبيه آخر وهو ألا وقد اعتذر عن ذلك بأنه جمع بينهما تأكيدا. وأما قراءة الباقين فتحتاج إلى إمعان نظر وفيها أوجه كثيرة، أحدها: أن ألا أصلها أن لا فإن ناصبة للفعل بعدها، ولذلك سقطت نون الرفع ولا بعدها حرف نفي، وأن وما بعدها في موضع مفعول يهتدون على إسقاط الخافض أي: إلى أن لا يسجدوا ولا مزيدة كزيادتها في لئلا يعلم أهل الكتاب. الثاني: أنه بدل من أعمالهم وما بينهما اعتراض تقديره: وزين لهم الشيطان عدم السجود للّه. الثالث: أنه بدل من السبيل على زيادة لا أيضا والتقدير: فصدهم عن السجود للّه اهـ.\rقوله: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ يجوز أن يكون مجرور المحل نعتا للّه أو بدلا منه أو بيانا، ومنصوب المحل على المدح ومرفوعه على خبر ابتداء مضمر، والخبء: مصدر خبأت الشيء اخبؤه خبأ من باب نفع أي: سترته، ثم أطلق على الشيء المخبوء ونحوه هذا خلق اللّه. وفي التفسير: الخبء في السموات المطر وفي الأرض النبات اهـ سمين.\rقوله: فِي السَّماواتِ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالخبء أي المخبوء في السموات.","part":5,"page":435},{"id":1921,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 436\rفي قلوبهم وَما تُعْلِنُونَ (25) بألسنتهم\rاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) استئناف جملة ثناء مشتمل على عرش الرحمن في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم\r* قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرتنا به أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (27) أي من هذا النوع، فهو أبلغ من أم كذبت فيه، ثم دلهم على الماء فاستخرج وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان والثاني: أنه متعلق بيخرج على أن في بمعنى من أي: يخرجه من السموات وهو قول الفراء اهـ سمين.\rقوله: وَما تُعْلِنُونَ ذكره لتوسيع دائرة العلم للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى علمه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ اعلم أن ما حكى عن الهدهد من قوله: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ إلى هنا ليس داخلا تحت قوله: أحطت بما لم تحط به، وإنما هو من العلوم والمعارف التي اقتبسها من سليمان عليه السّلام أورده بيانا لما هو عليه وإظهارا لتصلبه في الدين، وكل ذلك لتوجيه قلبه عليه السّلام نحو قبول كلامه وصرف عنان عزيمته إلى غزوها وتسخير ولايتها اهـ أبو السعود.\rوقوله: ليس داخلا تحت قوله الخ. مراده بهذا أن الذي اختص به الهدهد عن سليمان وذكره بقوله أحطت بما لم تحط به قد انتهى بقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ، وأما قوله: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ إلى قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فهو وإن كان من مقول الهدهد لكنه ليس مما علمه دون سليمان، بل سليمان يعلمه أيضا على وجه أتم وأكمل من علم الهدهد، وإنما ذكره الهدهد بيانا لما هو عليه أي: لما هو معتقده وإظهارا لتصلبه في الدين. قوله: (و بينهما بون) أي: بعد. وفي المختار: البون الفضل والمزية، وقد بان من باب قال وباع، وبينهما بون بعيد وبين بعيد والواو أفصح، فأما بمعنى البعد فيقال بينهما بين بالياء لا غير اهـ.\rوفي المصباح: البون الفضل والمزية وهو مصدر بأنه يبونه بونا إذا فضله وبينهما بون أي:\rدرجتيهما أو بين اعتباريهما في الشرف، وأما في التباعد الجسماني بينهما بين بالياء لا غير اهـ.\rقوله: قالَ سَنَنْظُرُ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية كلام الهدهد، كأنه قيل: فما فعل سليمان بعد ذلك؟ فقيل: قال: سننظر أي نعترف اهـ شيخنا.\rقوله: (فهو أبلغ من أم كذبت) عبارة البيضاوي: والتغيير للمبالغة والمحافظة على الفواصل اهـ.\rوفي الشهاب: قوله: للمبالغة أي: لم يقل أم كذبت مع أنه أخصر وأشهر، لأن هذا أبلغ لإفادته انخراطه في سلك الكاذبين وعده منهم، فهو يفيد أنه كاذب لا محالة على أتم وجه ومن كان كذلك لا يوثق به اهـ.\rقوله: (من أم كذبت فيه) أي: فيما أخبرتنا به. قوله: (من عبد اللّه الخ) لم يبدأ باسم اللّه لأنها كانت كافرة قارئة فخاف من كفرها أن تستخف باسم اللّه فجعل اسمه وقاية لاسم اللّه وكانت عربية والكتابة عربية وهو الظاهر، وقيل: إنه كتب بالعجمية ولها ترجمان يترجم لها به لأنها عربية، ويحتمل","part":5,"page":436},{"id":1922,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 437\rكتابا صورته: من عبد اللّه سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم اللّه الرحمن الرحيم، السّلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين. ثم طبعه بالمسك وختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد:\rاذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ أي بلقيس وقومها ثُمَّ تَوَلَ انصرف عَنْهُمْ وقف قريبا منهم فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (28) يردّون من الجواب، فأخذه وأتاها وحولها أنها كانت تعرف غير العربي أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: (ثم طبعه بالمسك) أي: جعل عليه قطعة مسك كالشمع اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ إنما قال إليهم بلفظ الجمع لأنه جعله جوابا لقول الهدهد: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه فكأنه قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهـ خازن.\rوقرأ أبو عمر، وحمزة وأبو بكر بإسكان الهاء، وقالون بكسرها فقط من غير صلة بلا خلاف عنه، وهشام عنه وجهان: القصر والصلة، والباقون بالصلة بلا خلاف، وقد تقدم توجيه ذلك له في آل عمران والنساء وغيرهما عند يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75] ونُوَلِّهِ ما تَوَلَّى [النساء: 115] وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء موصولة بواو فألقوه إليهم، وقد تقدم أن الضم الأصل اهـ سمين.\rقوله: ما ذا يَرْجِعُونَ إن جعلنا انظر بمعنى تأمل وتفكر كانت ما استفهامية وفيها حينئذ وجهان، أحدهما: أن تجعل مع ذا بمنزلة اسم واحد ويكون مفعولا بيرجعون تقديره: أي شيء يرجعون. والثاني: أن تجعل ما مبتدأ وذا بمعنى الذي، ويرجعون صلتها وعائدها محذوف تقديره: أي شيء يرجعونه وهذا الموصول هو خبر ما الاستفهامية، وعلى التقديرين فالجملة الاستفهامية قد علق عنها العامل وهو انظر بالاستفهام فمحلها النصب على إسقاط الخافض أي: انظر في كذا وفكر فيه، وإن جعلنا بمعنى انتظر من قوله انظرونا نقتبس من نوركم كانت ماذا بمعنى الذي ويرجون صلة والعائد مقدر كما مر تقريره، وهذا الموصول مفعول به أي: انتظر الذي يرجعون اهـ سمين.\rقوله: (من الجواب) بيان لما. وعبارة البيضاوي: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول اهـ.\rقوله: (فأخذه) أي: أخذ الهدهد الكتاب وأتاها الخ. وعبارة القرطبي: وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها الجنود والعساكر فرفرف ساعة والناس ينظرون، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها، انتهت.\rوفي الخازن: كالقرطبي أيضا: أن الهدهد أخذ الكتاب وأتى به إلى بلقيس وكانت بأرض مأرب من اليمن على ثلاث مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة مستلقية على قفاها وقد غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها وكذلك كانت تفعل إذا رقدت، فألقى الكتاب على نحرها. وقيل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره ساعة والناس ينظرون فرفعت بلقيس رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقال وهب بن منبه: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع فيها حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد فسد الكوة بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة، فما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد،","part":5,"page":437},{"id":1923,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 438\rجندها وألقاه في حجرها فلما رأته ارتعدت وخضعت خوفا ثم وقفت على ما فيه ثم\rقالَتْ لأشراف قومها يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوا مكسورة أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29) مختوم\rإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ أي مضمونه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30)\rأَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)\rقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوا، أي أشيروا عليّ فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً قاضيته حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) تحضرون\rقالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وجاءت هي حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم الأشراف اهـ.\rقوله: (ارتعدت) وفي نسخة أرعدت بالبناء للمفعول. قوله: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي: الأشراف سموا ملأ لأنهم يملؤون العيون اهـ شيخنا.\rقوله: (و تسهيل الثانية) ليس المراد بالتسهيل هنا معناه المشهور، بل المراد به القلب فقوله بقلبها واوا تفسير للتسهيل والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: إِنِّي أُلْقِيَ بالبناء للمجهول والفاعل محذوف قيل: لجهلها به إن لم تكن شاهدته، وقيل: لاحتقاره إن كانت رأته اهـ شيخنا.\rقوله: كَرِيمٌ أي: مكرم معظم بختمه فلذا قال مختوم. وعن ابن عباس، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «كرامة الكتاب ختمه». اهـ خازن.\rوعن ابن المقنع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به اهـ خطيب.\rوفي البيضاوي: كريم لكرم مضمونه أو مرسله أو لأنه كان مختوما أو لغرابة شأنه اهـ.\rقوله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ استئناف وقع جوابا على سؤال مقدر كأنه قيل: ممن هو وماذا مضمونه؟\rفقالت: إنه من سليمان وإنه أي مضمونه أو المكتوب فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم، وفيه إشارة إلى سبب وصفها إياه بالكرم وأن لا تعلوا على أن مفسرة ولا ناهية أي: لا تتكبروا كما يفعل جبابرة الملوك، وقيل: مصدرية ناصبة للفعل ولا نافية محلها الرفع على أنها بدل من كتاب أو خبر لمبتدأ مضمر يليق بالمقام، أي: مضمونه أن لا تعلوا. أو النصب بإسقاط الخافض أي: بأن لا تعلوا اهـ أبو السعود.\rوقوله: أن مفسرة والمفسر كتاب لتضمنه معنى القول دون حروفه، والمعنى ألقي إلي كتاب هو أي: ذلك الكتاب، أي: مضمونه ومقصوده النهي عن العلو والأمر بالانقياد. قوله: وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي: طائعين مؤمنين، وقيل: منقادين اهـ خازن.\rقوله: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي: الأشراف من قومها وكانوا ثلاثمائة واثني عشر لكل منهم عشرة آلاف من الأتباع اهـ شيخنا.\rقوله: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً الخ أي: عادتي وشأني معكم أن لا أفعل أمرا حتى أحضركم وأشاوركم اهـ شيخنا.\rقوله: (قاضيته) أي: فاصلته. قوله: حَتَّى تَشْهَدُونِ المضارع منصوب بحتى ونصبه بحذف","part":5,"page":438},{"id":1924,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 439\rوَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أي أصحاب شدة في الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (33) نا نطعك\rقالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها بالتخريب وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34) أي مرسلو الكتاب\rوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) من قبول الهدية أو ردها، إن كان ملكا قبلها، أو نبيا لم يقبلها، فأرسلت خدما ذكورا وإناثا ألفا بالسوية، وخمسمائة لبنة من الذهب، نون الرفع والنون الموجودة نون الوقاية وياء المتكلم محذوفة اهـ شيخنا.\rقوله: نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ الخ يعني أشاروا عليها بالقتال، ومع ذلك ردوا الأمر إلى رأيها فقالوا:\rوالأمر إليك الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أصحاب شدة) تفسير لأولوا الثانية. قوله: ما ذا تَأْمُرِينَ ماذا هو المفعول الثاني لتأمرين، والأول محذوف تقديره: تأمريننا والاستفهام معلق للنظر ولا يخفى حكمه مما تقدم اهـ سمين.\rقوله: (نطعك) مجزوم في جواب الأمر.\rقوله: قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ الخ أي: فلم ترض بالحرب الذي أشاروا عليها به، بل مالت للصلح وبينت السبب في رغبتها فيه فقالت: إن الملوك الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أي: عنوة وقهرا. قوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ هذا من جملة كلامها أكدت به ما قبله، وقوله: (أي مرسلو الكتاب) تفسير للواو في يفعلون اهـ شيخنا.\rأي: أن الذين أرسلوا الكتاب يفعلون كذلك أي: مثل الذي تفعله الملوك مما ذكر.\rقوله: فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ بم تعلق بيرجع، وقوله: (من قبول الهدية الخ) بيان لما.\rوفي السمين: قوله: فَناظِرَةٌ عطف على مرسلة، وبم تعلق بيرجع، وقد وهم الحوفي فجعلها متعلقة بناظرة وهذا لا يستقيم، لأن اسم الاستفهام له صدر الكلام وبم يرجع متعلق لناظرة اهـ.\rوالمعنى: منتظرة رجوع الرسل وعودهم إليّ بأي جواب هل بقبول الهدية أو بردها اهـ.\rقوله: (إن كان ملكا قبلها) أي: وقاتلناه، وقوله: (أو نبيا لم يقبلها) أي: واتبعناه وذلك لأنها كانت لبيبة عاقلة متقنة للأمور، وكانت تعرف أن النبي لا يقبل الهدية، ولعل هذا في حق غير نبينا، أما هو فكان يقبل الهدية ويرد الصدقة اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة قد ساست الأمور وجربتها، انتهت.\rقوله: (فأرسلت خدما ذكورا وإناثا الخ) عبارة الخازن: فأهدت وصفاء ووصائف. قال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري لباس الغلمان الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في أيديهم أساور الذهب، وفي أعناقهم أطواق الذهب، وفي آذانهم أقرطة وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة فرس، والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس سرج من الذهب مرصع بالجواهر وأغشية الديباج، وبعثت إليه لبنات من ذهب ولبنات من فضة وتاجا","part":5,"page":439},{"id":1925,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 440\rمكللا بالدر والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود والألنجوج، وعمدت إلى حقة جعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزع معوجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب عقل ورأي، وكتبت مع المنذر كتابا تذكر فيه الهدية وقالت: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، وأدخل في الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا جن. وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء وأمرت الجواري أن يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظرا فيه غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي فتفهم قوله ورد الجواب. فانطلق الرسول بالهداية وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنا من الذهب والفضة ففعلوا، وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ وأن يفرش فيه لبن الذهب والفضة، وأن يخلوا قدر تلك اللبنات التي معهم وأن يعملوا حول الميدان حائطا مشرفا من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال سليمان: أي دواب البر والبحر أحسن؟ فقالوا: يا نبي اللّه رأينا في بحر كذا دواب مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص. قال: عليّ بها فأتوه بها، فقال:\rشدوها عن يمين الميدان وشماله، وقال للجن: عليّ بأولادكم فاجتمع منهم خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان وشماله، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع أربعة آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله، وأمر الجن والإنس والشياطين والوحوش والسباع والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت إليهم أنفسهم ووضعوا ما معهم من الهدايا.\rوقيل: إن سليمان لما فرش الميدان بلبنات الذهب والفضة ترك من طريقهم موضعا على قدر ما معهم من اللبنات، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا خافوا أن يتهموا بذلك فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع، ولما نظروا إلى الشياطين هالهم ما رأوا وفزعوا، فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم، وكانوا يمرون على كراديس الإنس والجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم بوجه طلق وتلقاهم متلقى حسنا وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه. وقال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها فجاءه جبريل عليه الصلاة والسّلام فأخبره بما فيها فقال لهم: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة. فقال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة، فقال سليمان: من لي بثقبها وسأل الإنس والجن فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا نرسل إلى الأرضة، فلما جاءت الأرضة أخذت شعرة في فمها ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصير رزقي في الشجرة فقال لها: لك وذلك، ثم قال: من لهذه الخرزة؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبي اللّه، فأخذت الدودة خيطا في فمها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت:\rيكون رزقي في الفواكه فقال: لك ذلك. ثم ميز بين الغلمان والجواري بأن أمرهم بأن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها، والغلام يأخذ الماء","part":5,"page":440},{"id":1926,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 441\rوتاجا مكللا بالجواهر، ومسكا وعنبرا وغير ذلك مع رسول بكتاب، فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر، فأمر أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانا، وأن يبنوا حوله حائطا مشرفا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن، عن يمين الميدان وشماله\rفَلَمَّا جاءَ الرسول بالهدية ومعه أتباعه سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والملك خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ من الدنيا بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) لفخركم بزخارف الدنيا\rارْجِعْ إِلَيْهِمْ بما أتيت به من الهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها من بلدهم سبأ، سميت باسم أبي قبيلتهم أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (37) أي إن لم يأتوني مسلمين، فلما رجع إليها الرسول بالهدية، جعلت سريرها داخل سبعة أبواب بيديه ويضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها والغلام يصبه على ظهره، فميز بين الغلمان والجواري، ثم رد سليمان الهدية كما أخبر اللّه عنه بقوله: قوله: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ الخ، انتهت.\rقوله: (بالسوية) أي: نصفهم من الغلمان ونصفهم من الجواري اهـ شيخنا.\rقوله: (مع رسول) متعلق بقوله: (فأرسلت خدما الخ). قوله: (فأمر أن تضرب) أي: أمر الجن تضرب الخ أي: كما يضرب الطين لبنات، وقوله: (و أن تبسط) أي: توضع في الأرض مثبتة كما يوضع البلاط، وقوله: (من موضعه) أي: من موضع سليمان إلى تسعة فراسخ أي: من جهة بلقيس مسيرة يوم وثمن يوم، وقوله: (ميدانا) حال من تسعة فراسخ أي: حال كونها ميدانا، والميدان: بفتح أوله وكسره محل ركض الخيل والجمع ميادين كما في القاموس، وقوله: (و أن يبنوا) أي: حائطا مشرفا أي؛ عاليا مرتفعا، وقوله: (مع أولاد الجن) أي: فجعلهم خدما للدواب، وقوله: (عن يمين الميدان الخ) حال أي: كونهم واقفين بها عن يمين الميدان وشماله، والغرض من هذا إظهار البأس والشدة على رسول بلقيس ليخبرها بما رأى اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ أَتُمِدُّونَنِ استفهام إنكار وتوبيخ أي: لا ينبغي لكم يا أهل سبأ أن تمدوني وتعاونوني بالمال، وقوله: فَما آتانِيَ اللَّهُ الخ تعليل لهذا النفي، وقوله: بَلْ أَنْتُمْ الخ إضراب انتقالي بيّن به السبب الحامل لهم على إمداده بالمال اهـ شيخنا.\rوالهدية: مصدر بمعنى الإهداء مضاف لفاعله أي: تفرحون بما تهدونه افتخارا على أمثالكم، أو لمفعوله أي تفرحون بما يهدى إليكم حبا في كثرة أموالكم. وعبارة الخازن: بل أنتم بهديتكم تفرحون معناه: أنكم أهل مفاخرة ومكاثرة بالدنيا تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بالدنيا، وليست الدنيا من حاجتي، لأن اللّه عز وجل قد أعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ارجع إليهم الخ اهـ.\rقوله: أَذِلَّةً حال، وقوله: وَهُمْ صاغِرُونَ حال ثانية مؤكدة للأولى اهـ شيخنا.\rقوله: (إن لم يأتوني مسلمين) بين بهذا المقدر أن القسم المذكور معلق عليه فلم يحنث سليمان","part":5,"page":441},{"id":1927,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 442\rداخل قصرها، وقصرها داخل سبعة قصور، وأغلقت الأبواب، وجعلت عليها حرسا، وتجهزت إلى المسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به فارتحلت في اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل ألوف كثيرة، إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها\rقالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ في الهمزتين ما تقدم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) منقادين طائعين فلي أخذه قبل ذلك لا بعده\rقالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِ هو القوي الشديد أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ الذي تجلس فيه للقضاء، وهو من في قسمه، وإنما كان يحنث لو لم يكن قسمه مطلقا اهـ شيخنا.\rقوله: (فلما رجع إليها الرسول الخ) قال ابن عباس: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان وأخبروها الخبر قالت: قد عرفت واللّه ما هذا بملك ولا لنا به من طاقة، وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم ارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف قائد تحت كل قائد ألوف اهـ خازن.\rقوله: (داخل سبعة أبواب) عبارة الخازن: ثم أمرت بعرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها داخل بعض، ثم أغلقت عليه سبعة أبواب الخ اهـ.\rقوله: (حرسا) بفتحتين جمع حارس كخدم جمع خادم أو بضم الأول وتشديد الثاني مفتوحا كركع جمع راحع اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل) بفتح القاف أي: ملك من ملوكها وسمي قيلا لأنه ينفذ كل ما يقول، وتقدم في عبارة الخازن أنه يقال له قائد اهـ.\rقوله: (إلى أن قربت منه) أي: من سليمان، وقوله: قوله: (شعر بها) بفتحتين أي: علم، وذلك أنه خرج يوما فجلس على سريره فسمع هرجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا بلقيس قد نزلت هنا بهذا المكان، وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان، فأقبل سليمان على جنوده وقال: يا أيها الملأ الخ اهـ خازن.\rقوله: قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا الخطاب هنا لكل من هو عنده في قبضته من الجن والإنس وغيرهما اهـ شيخنا.\rقوله: (في الهمزتين ما تقدم) أي: من تحقيقهما وإبدال الثانية واوا اهـ شيخنا.\rقوله: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس وعرشها في سبأ بلدة باليمن، وبينها وبين بيت المقدس مسيرة شهرين اهـ شيخنا.\rقوله: (فلي أخذه قبل ذلك) أي: قبل إتيانهم مسلمين لأنهم حينئذ حربيون، وقوله: (لا بعده) أي: لأن إسلامهم يعصم ما لهم اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ عِفْرِيتٌ بكسر العين، وقرئ شاذا بفتحها اهـ شيخنا.\rقوله: (هو القوي الشديد) كان مثل الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، وكان مسخرا لسليمان","part":5,"page":442},{"id":1928,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 443\rالغداة إلى نصف النهار وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌ أي على حمله أَمِينٌ (39) أي على ما فيه من الجواهر، وغيرها، قال سليمان: أريد أسرع من ذلك\rقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ المنزل وهو آصف بن برخيا كان صديقا يعلم اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعا به أجاب أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ إذا نظرت به إلى شيء فقال له انظر إلى السماء فنظر إليها ثم رد بطرفه فوجده موضوعا بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالاسم الأعظم أن يأتي اللّه به فحصل بأن جرى تحت واسمه ذكوان. وقيل: صخر اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَا آتِيكَ بِهِ يحتمل أنه مضارع أصله أأتي بهمزتين فوزنه أفعل فالأولى زائدة والثاني هي فاء الكلمة، ويحتمل أنه اسم فاعل فوزنه فاعل، فالهمزة الأولى فاء الكلمة والألف بعدها زائدة كالتي في ضارب قائم اهـ شيخنا.\rقوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي: من مجلسك.\rقوله: عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ المنزل أي: على الأنبياء قبل سليمان كالتوراة الذي أنزل على موسى اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو آصف بن برخيا) بالمد والقصر اهـ شهاب.\rوآصف هذا كان وزير سليمان، وقيل: كاتبه، وكان من أولياء اللّه تعالى تظهر الخوارق على يديه كثيرا اهـ شيخنا.\rوقيل: الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل، وقيل: ملك آخر، وقيل: سليمان نفسه، وعلى هذا فالخطاب في أنا آتيك للعفريت كأنه استبطأه فقال له ذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: (كان صديقا) أي: مبالغا في الصدق مع اللّه ومع الخلق اهـ.\rقوله: (يعلم اسم اللّه الأعظم) قيل: كان الدعاء الذي دعا به يا ذا الجلال والإكرام، وقيل: يا حي يا قيوم. ويروى ذلك عن عائشة. وروي عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. قال ابن عباس: إن آصف قال لسليمان حين صلّى مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه ونظر نحو اليمن، ودعا آصف فبعث اللّه الملائكة فحملوا السرير يجدون به تحت الأرض حتى نبع بين يدي سليمان، وقيل خرّ سليمان ساجدا ودعا باسم اللّه الأعظم فغاب العرش تحت الأرض حتى ظهر عند كرسي سليمان اهـ خازن.\rقوله: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ قال أبو السعود: الطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء وارتداده انضمامها ولكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد آثر الارتداد على الرد اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: إن الطرف كما يطلق على نظر العين يطلق على العين نفسها اهـ.\rقوله: (قال له) أي: قال آصف له أي: لسليمان انظر الخ. وقوله: (فنظر) أي: وقوله: (بطرفه) الباء زائدة في المفعول. قوله: (بأن جرى تحت الأرض) أي: بحمل الملائكة له لأمر اللّه لهم بذلك اهـ شيخنا.","part":5,"page":443},{"id":1929,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 444\rالأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا أي ساكنا عِنْدَهُ قالَ هذا أي الإتيان لي به مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ليختبرني أَأَشْكُرُ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَمْ أَكْفُرُ النعمة وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأجلها لأن ثواب شكره له وَمَنْ كَفَرَ النعمة فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌ عن شكره كَرِيمٌ (40) بالإفضال على من يكفرها\rقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي غيروه إلى حال تنكره إذا رأته نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي إلى معرفته أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) إلى معرفة ما يغير عليهم، قصد بذلك اختبار عقلها لما قيل له إن قوله: فَلَمَّا رَآهُ الخ مرتب على ما ذكره الشارح بقوله قال له: انظر إلى السماء الخ اهـ شيخنا.\rقوله: مُسْتَقِرًّا حال من الهاء في رآه، وليس المراد بالاستقرار هنا مطلق الحصول الذي هو المتعلق العام للظرف إذ لو كان كذلك لوجب حذفه، بل المراد بالاستقرار هنا حصول خاص وهو الثبوت من غير تحرك وتقلقل، فلذلك قال الشارح: أي ساكنا أي غير متحرك كأنه وضع من قبل بزمن متسع اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ فَضْلِ رَبِّي أي: إحسانه إليّ، وقوله: أَأَشْكُرُ أي بأن أراه فضلا من اللّه بلا حول مني ولا قوة وأقوم بحقه، أم أكفر بأن أثبت لنفسي فعلا وتصرفا في ذلك، أو أقصر في أداء مواجبه ومحلهما النصب على البدل من الياء اهـ بيضاوي.\rقوله: (و إدخال ألف بين المسهلة والأخرى الخ) أي: فالقراءات أربع كلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (لأن ثواب شكره له) أي: لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة اهـ خازن.\rقوله: (بالإفضال على من يكفرها) أي: فلا يقطع نعمه عنه بسبب اعراضه عن الشكر وكفران النعمة اهـ خازن.\rقوله: قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها معطوف في المعنى على قوله: قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي، والمقصود عطف المتعلق فكان يكفي أن يقال ونكروا لها عرشها، وإنما أعيد ذكر القول لكون المتعلق مخففا لكونه أولا ثناء على اللّه تعالى، وثانيا متعلقا بشأن عرشها اهـ شيخنا.\rقوله: (إلى حال تنكره إذا رأته) قال الراغب: التنكير جعل الشيء بحيث لا يعرف ضد التعريف، ومنه نقل إلى مصطلح أهل العربية اهـ شهاب.\rقوله: نَنْظُرْ أي: نعلم. قوله: (لما قيل له إن فيه شيئا) أي: نقصا والقائل له ما ذكر الجن، وقالوا له أيضا في شأنها كما سيأتي: ان رجليها كرجلي حمار، والحامل لهم على هذه الذم تنفيره عن تزوجها، لأنهم ظنوا وفهموا أنه سيتزوجها وكرهوا ذلك لأمرين، الأول: أن أمها جنية فخافوا أن تفشي له أسرار الجن. والثاني: أنهم خافوا أن يأتي له منها أولاد فيخلفوه في تسخير الجن فيدوم عليهم الذل والاستخدام اهـ شيخنا.","part":5,"page":444},{"id":1930,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 445\rفيه شيئا فغيروه بزيادة أو نقص أو غير ذلك\rفَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ أي أمثل هذا عرشك قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها إذ لم يقل أهذا عرشك، ولو قيل هذا، قالت نعم، قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلما وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) قوله: (أو غير ذلك) كجعل أعلاه أسفله اهـ شيخنا.\rقوله: قِيلَ (لها) أي: من جهة سليمان إما بالذات أو بالواسطة اهـ أبو السعود.\rقوله: أَهكَذا عَرْشُكِ أي: الذي تركته في قصرك وأغلفت عليه الأبواب وجعلت عليه حرسا اهـ شيخنا.\rوالهمزة للاستفهام، والهاء حرف تنبيه، والكاف حرف جر، وذا اسم إشارة مجرور بها والجار والمجرور خبر مقدم، وعرشك مبتدأ مؤخر، وفصل في هذا التركيب بين ها التنبيه واسم الإشارة بحرف الجار وهو الكاف، والأصل اتصال هاء التنبيه باسم الإشارة، فكان مقتضاه أن يقال: اهكذا عرشك؟\rوهذا الفصل لا يجوز بغير الكاف من حرف الجر، فلو قلت: أبهذا مررت وألهذا فعلت لم يجز فيه ذلك الفصل بأن تقول أهابذا مررت وأهالذا فعلت سمين.\rقوله: (و شبهت عليهم) أي: مع علمها بحقيقة الحال تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات ومراعاة لحسن الأدب في مجازاته عليه الصلاة والسّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: (و لو قيل هذا) أي: أهذا عرشك. قوله: (قال سليمان لما رأى الخ) أي: لأجل الثناء على اللّه والتحدث بنعمة أي: وإن هديت إلى العلم بجلال اللّه وقدرته وصدق الرسل المعجزات وإلى الإسلام، لكنا أوتينا العلم من قبلها أي: من قبل أن تؤتى هي العلم، وكنا مسلمين من قبل أن تسلم، وقوله: هذا معطوف على فقد تقديره فقد أصابت في الجواب وعقلت وعرفت، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: أي: قال سليمان: ما ذكر إلى قوله كافرين أي: قاله هو وقومه كأنهم لما سمعوا قولها كأنه هو، قالوا: أصابت في الجواب وعلمت قدرة اللّه وصحة النبوة بما سمعت من الآيات المتقدمة، وبما عاينت من هذه المعجزة الباهرة من أمر عرشها ورزقت الإسلام فعطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا العلم الخ أي: وأوتينا نحن العلم باللّه والإسلام قبلها، وصدها عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين أظهر الكفرة اهـ.\rوفي السمين: قوله: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها فيه وجهان.\rأحدهما: أنه من كلام بلقيس، فالضمير في قبلها راجع للمعجزة والحالة الدال عليهما السياق، والمعنى وأوتينا العلم بنبوة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة، وذلك لما رأت قبل ذلك من أمر الهدهد ورد الهدية.\rوالثاني: أنه من كلام سليمان وأتباعه فالضمير في قبلها عائد على بلقيس اهـ.","part":5,"page":445},{"id":1931,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 446\rوَصَدَّها عن عبادة اللّه ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (43)\rقِيلَ لَهَا أيضا ادْخُلِي الصَّرْحَ هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً من الماء وَكَشَفَتْ عَنْ قوله: وَصَدَّها الخ من جملة كلام سليمان، أو من جملة كلامها على الاحتمالين السابقين.\rوذكر أبو السعود احتمالا آخر وهو أنه من كلام اللّه تعالى، وقوله: ما كانَتْ ما فعل صد أي: الذي كانت تعبده وهو الشمس كما تقدم في قوله: وَجَدْتُها وَقَوْمَها الخ اهـ شيخنا.\rوهذا على أن موصولة، ويحمل أنها مصدرية أي: وصدها عبادة الشمس عن التقدم إلى الإسلام اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ تعليل لعبادة غير اللّه أي: إنها كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها وهي بينهم، بل حتى دخلت تحت ملك سليمان اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله إِنَّها العامة على كسر إن استئنافا وتعليلا. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو حيوة بالفتح وفيها وجهان، أحدهما: أنها بدل من ما كانت تعبد أي: وصدها أنها كانت من قوم الخ.\rوالثاني: أنها على اسقاط حرف العلة أي: لأنها فهي قريبة من قراءة العامة اهـ.\rقوله: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ لم يعطف على قوله أهكذا عرشك، لأنه استئناف في جواب ماذا قيل لها بعد الامتحان، ولو عطف لم يعد ذلك اهـ شهاب.\rوقوله أيضا: أي كما قيل نكّروا لها عرشها اهـ شيخنا.\rقوله: (هو سطح من زجاج) هذا أحد إطلاقاته، ففي السمين: والصرح: القصر أو صحن الدار أو بلاط متخذ من زجاج، وأصله من التصريح وهو الكشف، وكذب صراح أي: ظاهر مكشوف ولؤم صراح اهـ.\rقوله: (اصطنعه سليمان) أي: أمر الشياطين باصطناعه فحفروا حفيرة كالصهريج وجعلوا سقفها زجاجا شفافا وهو الصرح أي: السطح أي: سطح هذه الحفيرة ووضعوا فيها ماء وسمكا وضفضعا وغيرهما من حيوانات البحر، وصار الماء وما فيه يرى من هذا الزجاج، فمن لم يكن عالما بالحال يظن هذا ماء مكشفوفا ليس له سطح يمنع من الخوض فيه، مع أنه ليس كذلك، بل من أراد مجاوزته يمر فوق السطح الذي تحته الماء ولا يمسه الماء اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: روي أنه أمر قبل قدومها ببناء قصر صحنه من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه حيوانات البحر، ووضع سريره في صدره فجلس عليه، فلما أبصرته ظنته ماء راكدا فكشفت عن ساقيها اهـ.\rقوله: (لما قيل له إن ساقيها الخ) قالت له الجن وغرضهم بذلك تنفيره عن تزوجها كما تقدم اهـ.\rقوله: فَلَمَّا رَأَتْهُ أي: أبصرته. قوله: وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها أي: على عادة من أراد خوض","part":5,"page":446},{"id":1932,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 447\rساقَيْها لتخوضه وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانا قالَ لها إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مملس مِنْ قَوارِيرَ أي زجاج ودعاها إلى الإسلام قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادة غيرك وَأَسْلَمْتُ كائنة مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44) وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها فعملت له الشياطين النورة فأزالته بها، فتزوجها وأحبها وأقرها على ملكها، وكان الماء وهو لابس فإنه يشمر ثيابه خوفا عليها أن تبتل اهـ شيخنا.\rقوله: (لتخوضه) أي: لأجل أن تصل إلى سليمان اهـ خازن.\rقوله: (فرأى ساقيها) أي: فلما علم الحال صرف بصره عنها اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال وهب بن منبه: فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنها قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها لم يكن بدّ من امتثال الأمر، فكشفت عن ساقيها فإذا أحسن النساء ساقا سليمة مما قالت الجن فيها، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها: إنه صرح ممرد الخ اهـ.\rقوله: قالَ (لها) إِنَّهُ صَرْحٌ الخ هذا مرتب على ما قدره بقوله: (فرأى ساقيها الخ). وقدره بعضهم بقوله. فلما رأى ساقيها قال لها الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ أي: الذي ظننته ماء لا سطح فوقه يمنع منه صرح ممرد أي: مسقف بسطح، فمن أراد مجاوزته لا يحتاج إلى تشمير ثيابه، وقوله: مُمَرَّدٌ صفة أولى لصرح، وقوله: مِنْ قَوارِيرَ صفة ثانية جمع قارورة وقوله: (أي): زجاج جمع زجاجة اهـ شيخنا.\rقوله: (مملس) ومنه الأمرد لملاسة وجهه أي: نعومته لعدم الشعر به اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: والتمريد في البناء التمليس والتسوية، بناء ممرد أي: مطول والمارد المطول اهـ.\rقوله: مِنْ قَوارِيرَ في المصباح: القارورة: إناء من زجاح، والجمع قوارير والقارورة أيضا وعاء الرطب والنمر وهي القرصرة، وتطلق القارورة على المرأة لأن الولد أو المني يقر في رحمها كما يقر الشيء في الإناء، أو تشبها بآنية الزجاج لضعفها قاله الأزهري والعرب تكنى عن المرأة بالقارورة والقوصرة اهـ.\rوفي القاموس: والقارورة: حدقة العين وما قرّ فيه الشراب أو نحوه أو يخص بالزجاج، من فضة أي: من زجاج في بياض الفضة وصفاء الزجاج اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 5 448\r\rفي القاموس: والقارورة: حدقة العين وما قرّ فيه الشراب أو نحوه أو يخص بالزجاج، من فضة أي: من زجاج في بياض الفضة وصفاء الزجاج اهـ.\rقوله: (بعبادة غيرك) وهو الشمس. قوله: مَعَ سُلَيْمانَ حال من التاء في أسلمت كما أشار له بتقدير المتعلق أي: حالة كوني معه، أي: مصاحبة له في الدين وهو الإسلام، وليس ظرفا لغوا متعلقا بأسلمت، وإلا لأوهم اتحاد إسلاميهما في الزمان وليس كذلك، بل إسلامه قبل إسلامها كما تقدم في قوله: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها [النمل: 42] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فعملت له الشياطين النورة) أي: بعد أن سأل الإنس عما يزيل به ذلك الشعر، فقالوا له:","part":5,"page":447},{"id":1933,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 448\rيزورها في كل شهر مرة؛ ويقيم عندها ثلاثة أيام، وانقضى ملكها بإنقضاء ملك سليمان، روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسبحان من لا انقضاء لدوام ملكه\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ من القبيلة صالِحاً أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) في الدين فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم وفريق كافرون يحلق بالموسى، فقالت بلقيس: لم تمسني حديدة قط، فكره سليمان الموسى وقال: أنها تقطع ساقيها فسأل الجن فقالوا: لاندري: فسأل الشياطين فقالوا: نحتال لك حتى يكون جسدها كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ اهـ خازن.\rقوله: (فتزوجها) هذا أحد قولين، والآخر أنه زوجها لذي تبع ملك همدان اهـ بيضاوي.\rوذو تبع من ملوك اليمن، ويقال لهم الأذواء لأن أعلامهم تصدر بذو، والمراد صاحب هذا الاسم، وهمدان بسكون الميم ودال مهملة من بلاد اليمن وبفتح الميم من بلاد العجم اهـ شهاب.\rقوله أيضا: (فتزوجها) أي: وبقيت على نكاحه حتى مات عنها ورزق منها بولد ذكر اهـ خازن واسمه داود كما في زاده.\rوفي القرطبي: إن هذا الولد مات في زمن سليمان اهـ.\rقوله: (و أقرها على ملكها) أي: وأمر الجن فبنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون أي: قصور لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا اهـ خازن.\rقوله: (و يقيم عندها ثلاثة أيام) وكان يبكر من الشام إلى اليمن ومن اليمن إلى الشام اهـ خازن.\rقوله: (روي أنه ملك) أي: أعطى هذا الملك اهـ.\rقوله: (و مات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة) وتقدم أن أباه داود عاش مائة سنة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ هو أبو القبيلة التي منها صالح فهو جده، والمراد به هنا نفس لقبيلة وتسمى عادا الثانية وأما عاد الأولى فهم قوم هود وتقدم أن بينهما مائة سنة اهـ شيخنا.\rقوله: صالِحاً بدل من أخاهم أو عطف بيان، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة، وبينه وبين هود مائة سنة، وعاش هود أربعمائة سنة وأربعا وستين سنة، وبينه وبين نوح ثمانمائة سنة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بأن) اعْبُدُوا أشار به إلى أن أن مصدرية محذوفة الجار فيجيء في محلها المذهبان، ويصح كونها مفسرة لأن الإرسال يتضمن معنى القول اهـ كرخي.\rقوله: فَإِذا هُمْ أي: ففاجأ إرساله تفرقهم واختصامهم، فآمن فريق وكفر فريق، وتقدم حكاية اختصام الفريقين في سورة الإعراف بقوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75] الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: فَإِذا هُمْ فريقان. تقدم الكلام في إذا الفجائية، والمراد بالفريقين قوم صالح وأنهم انقسموا فريقين مؤمن وكافر، وقد صرح بذلك في الأعراف في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ","part":5,"page":448},{"id":1934,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 449\rقالَ للمكذبين يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي بالعذاب قبل الرحمة حيث قلتم إن كان ما أتيتنا به حقا فأئتنا بالعذاب لَوْ لا هلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ من الشرك لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) فلا تعذبون\rقالُوا اطَّيَّرْنا أصله تطيرنا أدغمت التاء في الطاء واجتلبت همزة الوصل، أي تشاءمنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي المؤمنين حيث قحطوا المطر وجاعوا قالَ طائِرُكُمْ شؤمكم عِنْدَ اللَّهِ أتاكم به بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) تختبرون بالخير والشر\rوَكانَ فِي الْمَدِينَةِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75] وجعل الزمخشري الفريق الواحد صالحا وحده والآخر جميع قومه، وحمله على ذلك العطف بالفاء فإنه يؤذن أنه بمجرد إرساله صاروا فريقين، ولا يصير قومه فريقين إلا بعد زمان ولو قليلا، ويختصون: صفة لفريقان على المعنى كقوله: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا [الحج: 19] وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: 9] اهـ.\rوأشار الشارح للمفاجأة بقوله: (من حين إرساله إليهم).\rقوله: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ أي: بطلبها. والمراد بها العذاب كما قال الشارح، والمراد بالحسنة الرحمة كما قال أيضا، وقوله: لعلكم ترحمون تعليل. وفي القرطبي: قال: يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة، والمعنى لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب لكم الثواب وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب، وكان الكفار يقولون لفرط الإنكار ائتنا بالعذاب، وقيل: أي لم تفعلون ما تستحقون به العاجلة بالعقاب لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. لو لا تستغفرون اللّه أي هلا تتوبون إلى اللّه الشرك لعلكم ترحمون أي: لكي ترحموا اهـ.\rوفي البيضاوي: قال يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالعقوبة فتقولون ائتنا بما تعدنا قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي: قبل التوبة فتؤخرونها إلى نزول العقاب، فإنهم كانوا يقولون إن صدق إيعاده تبنا حينئذ، وإلّا فنحن على ما كنا عليه اهـ.\rقوله: لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ (من الشرك) أي: بأن تؤمنوا. (و اجتلبت همزة الوصل) أي: لأجل التوصل للنطق بالساكن الذي هو الطاء المدغمة لأن المدغم ساكن دائما اهـ شيخنا.\rقوله: (أي تشاءمنا) أي: أصابنا الشؤم أي: الضيق والشدة. وفي القرطبي: الشؤم النحس ولا شيء أضر ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل اهـ.\rقوله: (حيث قحطوا المطر) أي: حبس ومنع عنهم اهـ.\rقوله: قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي: ما يصيبكم من الخير والشر بأمر اللّه وهو مكتوب عليكم سمي طائرا لأن لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم، وقال ابن عباس: الشؤم الذي أتاكم من عند اللّه بكفركم، وقيل: طائركم أي: عملكم عند اللّه سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء اهـ خازن.\rقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ جاء بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير ولو روعي ما بعده لقيل يفتنون","part":5,"page":449},{"id":1935,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 450\rمدينة ثمود تِسْعَةُ رَهْطٍ أي رجال يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي منها فرضهم الدنانير والدراهم وَلا يُصْلِحُونَ (48) بالطاعة\rقالُوا أي بعضهم لبعض تَقاسَمُوا أي احلفوا بِاللَّهِ بياء الغيبة وهو جائز، ولكنه مرجوح وتقول أنت رجل تفعل ويفعل بالتاء والياء، ونحن قوم نقرأ ويقرؤون اهـ سمين.\rوهذا إضراب عن بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه اهـ بيضاوي.\rوهو اختبارهم هل ينتبهون إلى أن ما أصابهم من حسنة فبفضل اللّه، وأن ما أصابهم من سيئة فبشؤم كسبهم اهـ زاده.\rقوله: (مدينة ثمود) وهي الحجر، كذا قال المفسرون هنا. وتقدم في سورة الحجر في هذا التفسير أن الحجر واد بين المدينة والشام وهو ديار ثمود اهـ شيخنا.\rقوله: تِسْعَةُ رَهْطٍ أي: أشخاص، وبهذا الاعتبار وقع تمييزا لفظه، وهم الذين سعوا في عقر الناقة وباشره منهم قدار بن سالف، وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من أبناء أشرافهم اهـ أبو السعود.\rوالإضافة بيانية أي: تسعة هم رهط. وفي المصباح: الرهط ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، وقال أبو زيد: الرهط والنفر ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضا: الرهط والنفر والقوم والمعشر والعشيرة معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت: الرهط والعترة بمعنى، ويقال الرهط ما فوق العشرة إلا الأربعين قاله الأصمعي ونقله ابن فارس أيضا، ورهط الرجل قومه وقبيلته الأقربون اهـ.\rوفي السمين: قوله: تِسْعَةُ رَهْطٍ الأكثر تمييز العدد يجر بمن كقوله: أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ [البقرة: 260] وفي المسألة مذاهب، أحدها: أنه لا يجوز إلا في قليل. الثاني: أنه يجوز ولكن لا ينقاس. الثالث: التفصيل بين أن يكون للقلة كرهط ونفر فيجوز، أو للكثرة فقط أولها وللقلة فلا يجوز نحو تسعة قوم، ونص سيبويه على امتناع ثلاثة غنم، وقال الزمخشري: وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى كأنه قيل تسعة أنفس اهـ.\rقوله: يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي: لا في المدينة فقط إفسادا لا يخالطه شيء من الإصلاح كما ينطق به قوله: وَلا يُصْلِحُونَ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي قال بعضهم) أي: التسعة. قوله: (أي احلفوا) أشار بهذا التفسير إلى أن تقاسموا فعل أمر.\rوفي السمين: قوله: تَقاسَمُوا يجوز فيه أن يكون أمرا أي: قال بعضهم لبعض احلفوا على كذا، ويجوز أن يكون فعلا ماضيا، وحينئذ يجوز أن يكون مفسرا لقالوا كأنه قيل ما قالوا؟ فقيل تقاسموا، ويجوز أن يكون حالا على إضمار قد أي قد قالوا ذلك متقاسمين، وإليه ذهب الزمخشري","part":5,"page":450},{"id":1936,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 451\rلَنُبَيِّتَنَّهُ بالنون والتاء وضم التاء الثانية وَأَهْلَهُ أي من آمن به أي نقتلهم ليلا ثُمَّ لَنَقُولَنَ بالنون والتاء وضم اللام الثانية لِوَلِيِّهِ أي ولي دمه ما شَهِدْنا حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ بضم الميم وفتحها أي إهلاكهم أو هلاكهم فلا ندري من قتلهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ (49)\rوَمَكَرُوا في ذلك مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً أي جازيناهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50)\rفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ أهلكناهم وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) بصيحة جبريل أو برمي فإنه يحتمل إن يكون أمرا وخبرا في محل الحال بإضمار قد اهـ.\rقوله: (بالنون) أي: مع فتح التاء وقوله: (و التاء) كان الأولى إعادة الباء بأن يقول وبالتاء لأن قوله وضم التاء الثانية خاص بالقراءة الثانية وصورتها هكذا لنبيتنه بضم التاء الأولى والثانية وهي من قبيل الخطاب المناسب للأمر في تقاسموا، والأولى من قبيل التكلم فعليها يكون هذا حكاية عما وقع منهم اهـ شيخنا.\rقوله: (أي من آمن به) وسيأتي أنهم أربعة آلاف. قوله: (بالنون) أي: مع فتح اللام، وقوله:\r(و التاء) فيه ما سبق من الاعتراض، وقراءة النون هنا مع قراءة النون في الذي قبله، وقراءة التاء مع التاء فهما قراءتان فقط اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ولي دمه) وهم رهطه الذين لهم ولاية الدم أي: دم صالح، ما شهدنا مهلك أهله أي:\rولا مهلكه هو أي: ما حضرنا قتله ولا ندري من قتله وقتل أهله، فقول الشارح: أي إهلاكهم أي إهلاك صالح وأهله، وقوله: (فلا ندري) من قتله أي قتل من ذكر من صالح وأهله، وقوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي: في إنكارنا لقتلهم اهـ.\rقوله: (بضم الميم) أي: مع فتح اللام، وقوله: (و فتحها) أي مع فتح اللام ومع كسرها فالقراءات ثلاث وقوله: (أي إهلاكهم) راجع للضم لأن من الرباعي، وقوله: (أو هلاكهم) راجع للفتح لأنه من الثلائي اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ إما من جملة مقولهم أو حال أي: نقول ما نقول والحال إنا لصادقون في ذلك، وفي البيضاوي: وإنا لصادقون أي: ونحلف إنا لصادقون، أو والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا اهـ.\rقوله: وَمَكَرُوا مَكْراً مكرهم هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح، ومكر اللّه إهلاكهم من حيث لا يشعرون على سبيل الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة كما في الكشاف وشروحه اهـ شهاب.\rأي: تشبيها له بالمكر من حيث كونه إضرارا في خفية، لأن المكر قصد الإضرار على طريق الغدر والحيلة اهـ زاده.\rقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ الخ شروع في بيان ما ترتب على مكرهم، وكيف: معلقة لفعل النظر، ومحل الجملة النصب بنزع الخافض أي: تفكر في إنه كيف كان عاقبة مكرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنَّا دَمَّرْناهُمْ بكسر إن كما هو المتبادر من سياق الشارح ويكون استئنافا بيّن به عاقبة","part":5,"page":451},{"id":1937,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 452\rالملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم\rفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً أي خالية ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الإشارة بِما ظَلَمُوا بظلمهم، أي كفرهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) قدرتنا فيتعظون\rوَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بصالح وهم أربعة آلاف وَكانُوا يَتَّقُونَ (53) الشرك\rوَلُوطاً منصوبا باذكر مقدرا قبله ويبدل منه إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي اللواط وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أي يبصر بعضكم بعضا انهماكا في المعصية\rأَإِنَّكُمْ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مكرهم بفتحها على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: وهي أي العاقبة تدميرنا إياهم والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: أَجْمَعِينَ تأكيد لكم من المعطوف والمعطوف عليه. قوله: (بصيحة جبريل) أي: على قومهم، وقوله: (أو برمي الملائكة) أي: عليهم أي التسعة فالكلام على التوزيع. وعبارة الخازن: قال ابن عباس: أرسل اللّه الملائكة تلك الليل إلى دار صالح يحرسونه، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة وهم يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم وأهلك اللّه جميع القوم بالصيحة، انتهت.\rفكلمة: (أو) في كلام الشارح للتنويع أي: أن عذابهم نوعان موزعان عليهم: نوع هو الصيحة على غير التسعة ونوع هو الرمي بالحجارة على التسعة اهـ.\rقوله: فَتِلْكَ مبتدأ، وبيوتهم: خبره، والجملة مقررة لما قبلها اهـ.\rقوله: خاوِيَةً (أي خالية) من خوى البطن إذ خلا، أو ساقطة متهدمة من خوى النجم إذا سقط اهـ بيضاوي.\rوخوى بالمعنيين من باب رمى. قوله: بِما ظَلَمُوا الباء سببية، وما مصدرية كما أشار له الشارح. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي: ما ذكر من التدمير العجيب بسبب ظلمهم اهـ شيخنا.\rقوله: آمَنُوا (بصالح الخ) عبارة غيره صالحا ومن معه من المؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: وَكانُوا يَتَّقُونَ أي: داموا على اتقاء الشرك والمعاصي، فكأنه قال: وداوموا على إيمانهم وعلى التقوى فلم يرتدوا ولم يفعلوا المعاصي، وخرج صالح بمن آمن معه إلى حضرموت فلما دخلها مات صالح فسمي حضرموت، قال الضحاك: ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضوراء على ما تقدم بيانه في قصة أصحاب الرس اهـ قرطبي.\rقوله: (و يبدل منه) أي: بدل اشتمال، والمراد الأمر بذكر ما وقع في وقت القول وهو المفعول المذكور لا الأمر بذكر نفس الوقت اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ جملة حالية من فاعل تأتون مفيدة لتأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ، وقوله: (يبصر بعضكم بعضا) إشارة إلى أنه من بصر العين، وقيل: إنه من بصر القلب أي: أتفعلونها والحال أنكم تعلمون علما يقينا أنها قبيحة.\rقوله: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ الخ هذا تعيين للفاحشة التي أبهمها أولا، وفيه إشارة إلى أن","part":5,"page":452},{"id":1938,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 453\rمِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) عاقبة فعلكم\r* فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أهله مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) من أدبار الرجال\rفَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها جعلناها بتقديرنا مِنَ الْغابِرِينَ (57) الباقين في العذاب\rوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً هو حجارة السجيل أهلكتهم فَساءَ بئس مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) بالعذاب مطرهم\rقُلِ يا محمد فعلتهم هذه مما يعيي الواصف ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها، ثم علل ذلك بقوله شهوة تنزيلا لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا عفاف، وقال: من دون النساء إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك، وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تقدم تفسيره في جواب تبصرون، فإن قيل: تجهلون صفة لقوم والموصوف لفظه لفظ الغائب، فهلّا طابق الوصف الموصوف؟\rأجيب: بأنه قد اجتمعت الغيبة والمخاطبة فغلبت المخاطبة لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة اهـ خطيب.\rقوله: (و إدخال ألف بينهما الخ) أي: وتركه فالقراءات أربع اهـ شيخنا.\rقوله: شَهْوَةً مفعول من أجله أو حال من الفاعل أو المفعول اهـ سمين.\rوقوله: مِنْ دُونِ النِّساءِ حال من الفاعل. قوله: (عاقبة فعلكم) وهي العذاب الذي حلّ بهم، وقيل: المعنى تفعلون فعل الجاهلين بقبحه وقيل الجهل بمعنى السفاهة والمجون أي: أنتم سفهاء ماجنون، والتاء فيه مع كونه صفة لقوم لكونهم في حيز الخطاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (فما كان جواب قومه) خبر مقدم، وإلّا أن قالوا في موضع الاسم. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق برفعه اسما وإلّا أن قالوا خبرا وهو ضعيف لما عرفت غير مرة اهـ سمين.\rقوله: آلَ لُوطٍ أي: لوطا وأهله، والمراد بهم بنتاه وزوجته المؤمنة كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ قَرْيَتِكُمْ فيه امتنان عليه بإسكانه عندهم، وذلك أنه لما قدم مع عمه إبراهيم من أرض بابل إلى الشام نزل إبراهيم بفلسطين ونزل لوط بسذوم، فأهلها قومه من حيث إرساله إليهم وإقامته عندهم مع كونه أجنبيا منهم أشار له الخطيب، والإضافة في قريتكم للجنس إذ تقدم أن قراهم كانت خمسة وأعظمها مدينة سذوم بالذال المعجمة أو المهملة اهـ.\rقوله: يَتَطَهَّرُونَ أي: يتنزهون ويتباعدون، وقالوا ذلك على سبيل الاستهزاء اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ فخرج لوط بأهله من أرضيهم، وطوى اللّه له الأرض حتى نجا ووصل إلى إبراهيم اهـ قرطبي من سورة هود.\rقوله: وَأَهْلَهُ أي: امرأته المؤمنة وبنتيه أي: أنجيناهم من العذاب الذي حلّ بقوم لوط، وهو أن جبريل اقتلع مدائنهم ثم قلبها فهلك جميع من فيها. قيل: كان فيها أربعة آلاف ألف، ثم إنه كان منهم أفراد في ذلك الوقت خارج المدائن لسفر أو غيره فأهلكهم اللّه بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل كما تقدم، فقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي: على كل من كان منهم خارج المدائن، والسجيل: هو الطين المحرق اهـ شيخنا.","part":5,"page":453},{"id":1939,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 454\rالْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار الأمم الخالية وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى هم آللَّهُ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه خَيْرٌ لمن يعبده أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) بالتاء والياء أي أهل مكة به أي الآلهة خير لعابديها\rأَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ قوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ لما فرغ من قصص هذه السورة أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بحمده تعالى وبالسلام على المصطفين، وكأن هذا صدر خطبة لما يلقي من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة الآتي ذكرها قوله: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الخ اهـ من النهر.\rقوله: وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال مقاتل: هم الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى:\rوَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: 181] قال ابن عباس: هم أصحاب محمد، وقال الكلبي: أمة محمد، وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين اهـ كرخي.\rوهذا الأخير هو اللائق بالمقابلة في قول الشارح على هلاك كفار الأمم الخالية. قوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) هذا من الشارح سبق قلم، لأن هذه الوجوه لم يقرأ بها أحد من القراء، بل غاية ما أجازوه وجهان فقط: تسهيل الثانية مقصورة وإبدالها ألفا ممدودة مدا لازما، وهذان الوجهان يجريان في خمس مواضع في القرآن غير هذا الموضع، أحدها: قوله في يونس: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: 59]. ثانيها وثالثها: في يونس أيضا: آلْآنَ في موضعين. رابعها وخامسها: في الأنعام في قوله: آلذَّكَرَيْنِ [الأنعام: 143 و144] في موضعين وهذان الوجهان هما اللذان أشار لهما ابن مالك بقوله:\rهمز أل كذا ويبدل ... مدا في الاستفهام أو يسهل\r\rاه شيخنا.\rقوله: أَمَّا يُشْرِكُونَ أم هذه متصلة عاطفة لاستكمال شروطها، والتقدير: أيهما خير وخير إما اسم تفضيل على زعم الكفار وإلزام الخصم أو صفة لا تفضيل فيها، وما بمعنى الذي وقيل: مصدرية وذلك على حذف مضاف من الأول أي: أتوحيد اللّه خير أم شرككم اهـ سمين.\rوكلام المصنف ظاهر في كون ما اسم موصول واقعة على الآلهة التي هي أصنامهم، فالآلهة: في كلامه تقرأ بالرفع تفسيرا لما، وكان الظاهر تقديم الآلهة على به، والهاء في به راجعة على اللّه. قال الخازن: والمعنى آللّه خير لمن عبده أم الأصنام لمن عبدها اهـ.\rففيه تبكيت للمشركين وتهكم بهم لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة اللّه تعالى، والإيثار لا يكون إلا لزيادة خير ومنفعة، ففي هذا الكلام تنبيه على نهاية ضلالتهم وجهلهم. وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان إذا قرأها قال: «بل اللّه خير وأبقى وأجل وأكرم» اهـ رازي.\rوأما أم في قوله: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الخ فهي منقطعة لعدم شرط كونها متصلة وهو تقدم الهمزة عليها، فهي بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام التوبيخي، وأما في الرسم فهي متصلة في هذا الموضع وفيما بعده من المواضع الأربعة الآتية ورسمها منفصلة تحريف اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أهل مكة) راجع لكل من الياء والتاء لكنه على الياء مرفوعا تفسيرا للواو وتكون أي","part":5,"page":454},{"id":1941,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 455\rوَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بِهِ حَدائِقَ جمع حديقة، وهو البستان المحوط ذاتَ بَهْجَةٍ حسن ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها لعدم تفسيرية، وعلى التاء منصوبا تفسيرا للخطاب، وتكون منادى، وتكون أي ندائية، وقوله: (الآلهة) بالرفع تفسير لما الواقعة مبتدأ، وقوله: (خير لعابديها) خبر عنها فهو محذوف، والتقدير: أم الآلهة التي يشركونها به خير لعابديها اهـ شيخنا.\rقوله: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ منقطعة لفظا وما ضمنها من كلمة بل للإضراب والانتقال من التبكيت تعريضا إلى التصريح به خطابا لمزيد التأكيد والتشديد، ومن كلمة الهمزة للاستفهام التقريري أي حملهم على الإقرار بالحق، ومن: مبتدأ خبره محذوف مع أم المعادلة للهمزة تعويلا على ما سبق في الاستفهام الأول، وكذا يقال في المواضع الأربعة الآتية، والمعنى: بل أمن خلق العالم الجسماني اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: قوله: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. أم هذه منقطعة لعدم تقدم همزة استفهام ولا تسوية، ومن خلق: مبتدأ وخبره محذوف فقدره الزمخشري خير أم لا يشركون فقدر ما أثبته في الاستفهام الأول وهو حسن، وقدره ابن عطية يكفر بنعمته ويشرك به ونحو هذا من المعنى، وقال أبو الفضل الرازي: لا بدّ من إضمار جملة معادلة وصار ذلك المضمر كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه، وتقدير تلك الجملة أمن خلق السموات والأرض كمن لم يخلق وكذلك أخواتها. وقد أظهر في غير هذه المواضع ما أضمر فيها كقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: 17]. قال الشيخ: وتسمية هذا المقدر جملة إن أرادوا أنها جملة من جهة الألفاظ فصحيح، وإن أرادوا الجملة المصطلح علينا عند النحاة فليس بصحيح بل هو مضمر من قبيل المفرد. وقرأ الأعمش: أمن بتخفيف الميم جعلها من الموصولة داخلة عليها همزة الاستفهام وفيها وجهان، أحدهما: أن تكون مبتدأه والخبر محذوف تقديره من الأوجه ولم يذكر الشيخ غير هذا. والثاني: أنها بدل من آللّه كأنه قيل: أمن خلق السموات والأرض خير أم يشركون ولم يذكر الزمخشري غيره، ويكون قد فصل بين البدل والمبدل منه بالخبر والمعطوف على المبدل منه وهو نظير قولك: أزيد خير أم عمرو أخوك على أن يكون أخوك بدل من أزيد، وفي جواز مثل هذا نظر اهـ.\rقوله: (فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم) أي: لتأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته والإيذان بأن إثبات الحدائق المختلفة الألوان والطعوم مع سقيها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده، ولذلك رشحه بقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها اهـ سمين.\rقوله: (جمع حديقة) من أحدق بالشيء أحاط به، فلذلك قال: وهي البستان المحوط. أي:\rبالحيطان فإن لم يكن محوطا فلا يقال له حديقة اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: والحديقة البستان يكون عليه حائط فعيلة بمعنى مفعولة، لأن الحائط أحدق بها أي أحاط ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط والجمع الحدائق اهـ.\rقوله: ذاتَ بَهْجَةٍ نعت لحدائق وسوغ إفراده أن المنعوت جمع كثرة لما لا يعقل، وجملة ما","part":5,"page":455},{"id":1942,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 456\rقدرتكم عليه أَإِلهٌ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في مواضعه السبعة مَعَ اللَّهِ أعانه على ذلك، أي ليس معه إله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) يشركون باللّه غيره\rأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها فيما بينها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا أثبت بها الأرض وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً بين العذب والملح لا يختلط أحدهما كان لكم الخ نعت ثان، ولكم خبر كان مقدم، وأن تنبتوا اسمها مؤخر اهـ شيخنا.\rقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أن تنبتوا اسم كان، ولكم خبر مقدم، والجملة المنفية يجوز أن تكون صفة لحدائق وأن تكون حالا لتخصصها بالصفة اهـ سمين.\rيعني: ما ينبغي لكم لأنكم لا تقدرون على ذلك، لأن الإنسان قد يقول أنا المنبت للشجرة بأن أغرسها وأسقيها الماء فأزال اللّه تعالى هذه الشبهة بقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها، لأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والطعوم والروائح تسقى بماء واحد لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ولا يتأتى لأحد وإن تأتي ذلك لغيره محال اهـ خازن.\rقوله: أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي: فضلا عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة اهـ أبو السعود.\rقوله: (و ادخال ألف بينهما على الوجهين) أي: وترك الإدخال على الوجهين فالقراءات أربع كلها سبعية وقوله: (في مواضعه السبعة) أي: هذه القراءات الأربعة تجري في كل من المواضع السبعة، وفي نسخة الخمسة وهي الصواب، لأن لفظ أإله وقع هنا خمس مرات، وأجاب الكرخي عن نسخة السبعة بأنه عدّ منها أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل: 67] هذان موضعان فيهما هذه القراءات الأربع تضم للخمسة تصير المواضع سبعة، لكن يبعده قوله هنا في مواضعه أي: مواضع هذا اللفظ، ومواضعه خمسة لا غير كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ليس معه إله) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري، وكذا يقال في المواضع الأربعة الآتية اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ إضراب وانتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوء حالهم اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً قيل: هو بدل من أمن خلق السموات والأرض الخ. وكذا ما بعده من الجمل الثلاث وحكم الكل واحد، والأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجه آخر أدخل في الإلزام بجهة من الجهات أي: جعلها بحيث يستقر عليها الإنسان والدواب بإخلاء بعضها من الماء ودحوها وتسويتها حسبما تدور عليه منافعهم اهـ أبو السعود.\rقوله: خِلالَها يجوز أن يكون ظرفا لجعل بمعنى خلق المتعدية لواحد، وأن يكون في محل المفعول الثاني على أنها بمعنى صير اهـ سمين. وقد جرى الشارح على الأول.\rقوله: (فيما بينها) أي: بين أجزائها. قوله: حاجِزاً أي: معنويا وهو المنع الإلهي، إذ ليس هناك حاجز حسي كما هو مشاهد اهـ شيخنا.","part":5,"page":456},{"id":1943,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 457\rبالآخر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) توحيده\rأَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ المكروب الذي مسه الضر إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ عنه وعن غيره وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ الإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (62) تتعظون بالفوقانية والتحتانية وفيه إدغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل\rأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ يرشدكم إلى مقاصدكم فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وبالنجوم ليلا وبعلامات الأرض نهارا وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) به غيره\rأَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ في الأرحام من نطفة ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد الموت وإن لم تعترفوا بالإعادة لقيام البراهين عليها وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي لا يفعل شيئا مما ذكر إلا اللّه ولا إله معه قُلْ يا محمد هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (64) قوله: الْمُضْطَرَّ اسم مفعول ولذلك فسره بالمكروب، وهذه الطاء أصلها تاء الافتعال قلبت طاء لوقوعها اثر حرف الاطباق وهو الضاد اهـ شيخنا.\rوالمراد بالمضطر الجنس لا جميع أفراده فلا يلزم منه إجابة كل مضطر اهـ كرخي.\rقوله: وَيَكْشِفُ السُّوءَ عطف عام على خاص كما أشار له بقوله: (عنه وعن غيره) اهـ شيخنا.\rقوله: (و فيه إدغام التاء في الذال) أي: على كل من القراءتين فالذال مفتوحة عليهما وكذا الكاف اهـ شيخنا.\rقوله: (لتقليل القليل) وتقليل القليل كناية عن العدم بالكلية، فالمراد نفي تذكرهم رأسا اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: والمعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي اهـ.\rقوله: (و بعلامات الأرض نهارا) كالجبال.\rقوله: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بمعنى المخلوق. قوله: (و إن لم يعترفوا بالإعادة) إشارة لسؤال حاصله: كيف يلزمون ويقام عليهم البرهان بإعادة الخلق في الآخرة مع إنكارهم لها، وأشار إلى جوابه بقوله لقيام البراهين. عليها أي: فلما كان عندهم من البراهين ما لو تأملوه لاعتقدوها وأقروا بها نزلوا منزلة العالم بالفعل اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: وهذا جواب عما يقال: كيف قيل لهم أمن يبدأ الخلق ثم يعيده وهم منكرون للإعادة؟ وإيضاح الجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة ظاهرة قوية، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار اهـ.\rقوله: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ذكر هنا أإله في خمسة مواضع متوالية وختم الأول بقوله:\rبَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، والثاني بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، والثالث بقوله: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ، والرابع بقوله: تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، والخامس بقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ه كرخي.","part":5,"page":457},{"id":1944,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 458\rأن معي إلها فعل شيئا مما ذكر. وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل\rقُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والناس الْغَيْبَ أي ما غاب عنهم إِلَّا لكن اللَّهُ يعلمه وَما يَشْعُرُونَ أي كفار مكة كغيرهم أَيَّانَ وقت يُبْعَثُونَ (65)\rبَلِ بمعنى هل ادَّارَكَ بوزن أكرم، وفي قراءة أخرى إدارك بتشديد الدال وأصله تدارك أبدلت التاء دالا وأدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل، أي بلغ ولحق أو تتابع وتلاحق عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي بها حتى سألوا قوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بتبكيتهم اثر التبكيت السابق أي: هاتوا برهانا عقليا أو نقليا يدل على أنه معه تعالى إلها اهـ أبو السعود.\rقوله: (أن معي إلها فعل شيئا الخ) كذا في بعض النسخ، وصوابه أن معه لأن الذي تقدم أإله مع اللّه، وأيضا فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم المأمور بهذا القول لا يقول لهم إن كنتم صادقين أن معي إلها وفي بعض النسخ أن مع اللّه إلها وهي ظاهرة اهـ شيخنا.\rقوله: (و سألوه عن وقت قيام الساعة) السائل هو المشركون كما في الخازن.\rقوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من: فاعل يعلم والظرف صلتها أي: لا يعلم الذي ثبت وسكن واستقر في السموات والأرض وهم الملائكة والإنس كما قال الشارح، والغيب: مفعول به، واللّه مبتدأ خبره محذوف كما قدره الشارح. وفسر إلّا بلكن إشارة إلى انقطاع الاستثناء، ويصح أن تكون من في محل نصب على المفعولية، والغيب بدل منها، واللّه فاعل بيعلم، والمعنى قل لا يعلم الأشياء التي تحدث في السموات والأرض الغائبة عنا إلا اللّه تعالى أشار له السمين. قوله: (من الملائكة الخ) بيان لمن. قوله: (أي ما غاب عنهم) أي: ومن جملته وقت قيام الساعة. قوله: إِلَّا (لكن) حمله على الانقطاع لأن الاتصال يقتضي أن اللّه من جملة من في السموات والأرض فيكون له مكان اهـ شيخنا.\rقوله: أَيَّانَ هي هنا بمعنى متى وهي منصوبة بيبعثون ومعلقة ليشعرون فهي مع ما بعدها في محل نصب بإسقاط الباء أي: ما يشعرون بكذا وكذا اهـ سمين.\rوقول الشارح: وقت يبعثون تفسير لأيان لكنه أخل بتفسير الاستفهام الذي في ضمنها، ولو قال متى يبعثون أو أي وقت يبعثون لكان أوضح اهـ.\rقوله: (بمعنى هل) أي: التي للاستفهام الإنكاري كما بينه بقوله ليس الأمر كذلك ولم يسلك هذا التقرير غيره، بل أبقوا بل على أصلها من الإضراب الانتقالي وقرروه بما فيه صعوبة، وما سلكه الشيخ أسهل مما سلكوه، وخلاصة تقرير الإضراب الانتقالي الذي سلكه غيره كالبيضاوي أن محصل ما سبق بيان عجزهم عن علم ما لا دليل عليه أصلا وهو مطلق الغيب وخصوص وقت قيام الساعة، وخلاصة قوله: بَلِ ادَّارَكَ إلى آخره بيان عجزهم عن علم ما تعضدت الأدلة على وقوعه لا محالة أشار له زاده.\rقوله: (أي بلغ ولحق) راجع للقراءة الأولى، وقوله: (أو تتابع الخ) راجع للثانية اهـ.\rقوله: فِي الْآخِرَةِ فيه وجهان، أحدهما: أن في علي بابها وأدرك وإن كان ماضيا لفظا فهو","part":5,"page":458},{"id":1945,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 459\rعن وقت مجيئها ليس الأمر كذلك بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (66) من عمى القلب وهو أبلغ مما قبله، والأصل عميون استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الميم بعد حذف كسرتها\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيضا في إنكار البعث أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) من القبور\rلَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) جمع أسطورة بالضم أي ما سطر من الكذب\rقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) بإنكارهم وهي هلاكهم مستقبل معنى لأنه كائن قطعا كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] وعلى هذا ففي متعلق بأدرك.\rوالثاني: أن في بمعنى الباء أي: بالآخرة، وعلى هذا فيتعلق بنفس علمهم كقولك: علمي يزيد كذا اهـ سمين.\rقوله: (ليس الأمر كذلك) أشار به إلى أن الاستفهام المفاد ببل هنا إنكاري أي: لم يحصل لهم علم بالآخرة اهـ شيخنا. أي: لم يصدقوا بها ولم يعتقدوها.\rقوله: (من عمى القلب) أي: فهم لا يدركون دلائلها لاختلال بصائرهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (أيضا) أي: كما سألوا عن وقت قيام الساعة، وقوله: (في إنكار) أي: في شأن إنكار البعث.\rقوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً الهمزة داخلة على مقدر عامل في إذا، وآباؤنا معطوف على اسم كان وهو الضمير المستتر البارز وسوغ العطف عليه الفصل بالخبر، وقوله: أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ بمعنى ما قبله وإنما أعيد تأكيدا، ولا يصح أن يكون مخرجون عاملا في إذا لوجود موانع ثلاثة كل منها لا يعمل ما بعده فيما قبله همزة الاستفهام وإن ولام الابتداء اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ وُعِدْنا هذا الخ أكدوا بهذا ما قبله من الإنكار، ووعد: فعل ماض مبني للمفعول، ونا: مفعول أول أقيم مقام الفاعل، وهذا مفعوله الثاني، ونحن توكيد للمفعول الأول، وآباؤنا معطوف عليه أي: على المفعول الأول الذي هو الضمير المتصل، وسوغ العطف عليه الفصل بالمفعول الثاني وبالضمير المنفصل الواقع توكيدا له اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ قَبْلُ متعلق بوعدنا أي: من قبل مجيء محمد من الرسل الماضية أي: فلو كان هذا الوعد حقا لحصل الموعود به اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: لقد وعدنا هذا أي: الإخراج من القبور كما كنا أول مرة نحن وآباؤنا من قبل أي:\rقبل محمد فقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له، فكأنه قيل: فما فائدة المراد به؟ فقالوا: إن هذا إلا أساطير الأولين أي: أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها ولا حقيقة لها، فإن قيل: لم قدم في هذه الآية هذا على نحن وآباؤنا، وفي آية أخرى قدم نحن وآباؤنا على هذا؟ أجيب بأن التقديم دليل على أن المقدم هو المعني بالذكر، وأن الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين دليل على أن إيعاد البعث هو الذي قصد بالكلام، وفي الأخرى دليل على أن إيعاد المبعوث بذلك الصدد اهـ.\rقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا الخ تهديد لهم على التكذيب، وتخويف بأن ينزل بهم","part":5,"page":459},{"id":1946,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 460\rبالعذاب\rوَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي لا تهتم بمكرهم عليك فأنا ناصرك عليهم\rوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71) فيه\rقُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ قرب لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) فحصل لهم القتل ببدر وباقي العذاب يأتيهم بعد الموت\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ومنه تأخير العذاب عن الكفار وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) فالكفار لا يشكرون تأخير العذاب لإنكارهم وقوعه\rوَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ تخفيه وَما مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم اهـ بيضاوي.\rقوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي: لأن في مشاهدتها ما فيه كفاية لأولي الأبصار اهـ أبو السعود.\rقوله: (بإنكاره) في نسخة بانكارهم وهو متعلق بالمجرمين، أي: أجرموا وعصوا بإنكار البعث، وقوله: (بالعذاب) أي الدنيوي إذ هو الذي يشاهدون آثاره اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ نزلت في شأن المستهزئين والحزن سببه إما فوات أمر في الماضي، أو توقع مكروه في المستقبل، أي: ولا تحزن على عدم إيمانهم فيما مضى ولا تغتم وتهتم بمكرهم في المستقبل اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَكُنْ بثبوت النون هنا على الأصل، وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعا: تسعة منها مبدوءة بالتاء، وثمانية بالياء، واثنان بالنون، وواحد بالهمزة وهو قوله:\rوَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم: 20] اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ولا تكن في ضيق أي في حرج وضيق صدر، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد وهما لغتان، وقرئ ضيق أي: أمر ضيق اهـ.\rقوله: (أي لا تهتم بمكرهم الخ) المتبادر أن هذا تفسير للجملة الثانية، وهي قوله: وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ، ويحتمل في الجملة أن يكون تفسيرا لها وللتي قبلها. قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خطاب للنبي ومن معه من المؤمنين.\rقوله: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ الخ عسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بمدخولها، وإنما يطلقونها إظهارا للوقار وإشعارا بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم، وعلى ذلك يجري اللّه في وعيده اهـ أبو السعود.\rقوله: رَدِفَ لَكُمْ فيه أوجه، أظهرها: أن ردف ضمن معنى فعل يتعدى باللام، أي: دنا وقرب، وبهذا فسره ابن عباس وبعض الذي فاعل به. والثاني: أن مفعوله محذوف واللام للعلة أي:\rردف الخلق لأجلكم ولشؤمكم. الثالث: أن اللام مزيدة في المفعول تأكيدا اهـ سمين.\rوفي القاموس: ردفه كسمع ونصر أي: تبعه اهـ.\rقوله: تَسْتَعْجِلُونَ أي: تستعجلون حلوله. قوله: (و منه) أي: الفضل تأخير العذاب. قوله:\r(بإنكارهم وقوعه) أي: بل يستعجلونه لجهلهم بوقوعه اهـ بيضاوي.","part":5,"page":460},{"id":1947,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 461\rيُعْلِنُونَ (74) بألسنتهم\rوَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ الهاء للمبالغة أي شيء في غاية الخفاء على الناس إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75) بيّن هو اللوح المحفوظ ومكنون علمه تعالى ومنه تعذيب الكفار\rإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ الموجودين في زمان نبيّنا أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) أي ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا\rوَإِنَّهُ لَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) من العذاب\rإِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ كغيرهم يوم القيامة بِحُكْمِهِ أي قوله: لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ أي: فليس التأخير لخفاء حالهم عليه اهـ زاده.\rوالعامة على ضم تاء المضارعة مأخوذ من أكن قال تعالى: أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة:\r235] وابن محيصن، وابن السميقع، وحميد بفتحها وضم الكاف يقال: كننته وأكننته بمعنى أخفيته وسترته اهـ سمين.\rقوله: (الهاء للمبالغة) سماها هاء باعتبار حالة الوقف، وعبارة غيره التاء وهي أوضح، وقوله أي: شيء تفسير لغائبه أي: وما من شيء غائب، وقوله: (في غاية الخفاء) أي: شدته أخذه من التاء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: في هذه التاء قولان، أحدهما: أنها للمبالغة كراوية وعلامة. والثاني: أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات اهـ.\rقوله: (و مكنون علمه تعالى) الواو بمعنى أو، فإنه قول ثان للمفسرين، وعليه فتسمية العلم كتابا على سبيل الاستعارة التصريحية حيث شبه الكتاب كالسجل الذي يضبط الحوادث ويحصيها ولا يشذ عنه شيء منها اهـ شيخنا.\rقوله: يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي: بالتصريح والتنصيص، ولذلك خص الأكثر بالذكر، فلا يخالف قوله: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59] اهـ كرخي.\rفهو يبين الكل لكن أكثره بالتصريح وأقله بالرمز والإشارة اهـ.\rقوله: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من جملته اختلافهم في شأن المسيح وتحزبهم فيه أحزابا، فركبوا متن العتو والغلو في الإفراط والتفريط والتشبيه والتنزيه، ووقع بينهم التباغض في أشياء حتى بلغوا إلى حيث لعن بعضهم بعضا اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: أكثر الذي هم فيه يختلفون كالتشبيه والتنزيه وأحوال الجنة والنار وعزير والمسيح اهـ.\rقوله: (أي ببيان) هذا الجار والمجرور متعلق بيقص، وقوله: (ما ذكر) أي: أكثر ما اختلفوا فيه، وقوله: (على وجهه) متعلق ببيان، وقوله: (الرافع) صفة للبيان، وقوله: (لو أخذوا به) متعلق بالرفع اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي: بين إسرائيل بدليل السياق، ولذلك قال الشارح كغيرهم.","part":5,"page":461},{"id":1948,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 462\rعدله وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الْعَلِيمُ (78) بما يحكم به فلا يمكن أحدا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه\rفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) أي الدين البيّن، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي فقال\rإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)\rوَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ ما تُسْمِعُ سماع إفهام وقبول إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا القرآن فَهُمْ قوله: (أي عدله) جواب عما يقال القضاء والحكم شيء واحد، فقوله: يَقْضِي بَيْنَهُمْ بحكمه بمنزلة أن يقال يقضي بقضائه أو يحكم بحكمه فما معناه وما فائدته؟ وتقرير الجواب: أن الحكم بمعنى العدل الحق والمحكوم به اهـ زاده.\rقوله: (فلا يمكن أحدا مخالفته) تفريع على العزيز كما صنع غيره فكان الأولى تقديمه بجنبه اهـ شيخنا.\rقوله: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ تفريع على كونه تعالى عزيزا عليما، لأن هذه الأوصاف توجب على كل أحد أن يفوض جميع أموره إليه، وقوله: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ تعليل صريح للتوكل عليه، فإن كونه عليه الصلاة والسّلام على الحق المبين يوجب وثوقه بحفظ اللّه له ونصرته وتأييده وقوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الخ تعليل للتوكل الذي هو عبارة عن التبتل إلى اللّه، وقد علل أولا بما يوجبه من جهته تعالى أعني كونه على الحق، ثم علل ثانيا بما يوجبه لكن لا بالذات بل بواسطة إيجابه للإعراض عما سواه، فإن كونهم كالموتى والصم والعمي موجب لقطع الطمع عن مشايعتهم ومعاضدتهم له، وداع إلى تخصيص الاعتضاد به تعالى اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: إنك لا تسمع الموتى تعليل آخر للأمر بالتوكل، بل من حيث إنه يقطع طمعه عن متابعتهم ومعاضدتهم رأسا اهـ.\rقوله: (ثم ضرب أمثالا) أي: تشبيهات لهم أي لبني إسرائيل. قوله: (بينها وبين الياء) أي: ينطق بها متوسطة بين الهمزة والياء، وذلك لأنها مكسورة بخلاف المفتوحة فإنها إذا سهلت ينطق بها بين الألف اللينة والهمزة المحققة اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ أي: معرضين. فإن قلت: ما معنى قوله مدبرين، والأصم لا يسمع سواء أقبل أو أدبر؟ قلت: هو تأكيد ومبالغة للأصم وقيل: إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع برفع الصوت أو يفهم بالإشارة فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. ومعنى الآية أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، وكالأصم الذي لا يسمع ولا يفهم اهـ خازن.\rقوله: بِهادِي الْعُمْيِ ضمنه معنى الصرف فعداه بعن، وفي السمين: قوله: عَنْ ضَلالَتِهِمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بهادي، وعدى بعن لتضمنه معنى تصرفهم. والثاني: أنه متعلق بالعمي لأنك تقول عمي عن كذا ذكره أبو البقاء، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه اللّه عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان اهـ.","part":5,"page":462},{"id":1949,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 463\rمُسْلِمُونَ (81) مخلصون بتوحيد اللّه\r* وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ حق العذاب أن ينزل بهم في جملة قوله: إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي: من هو في علم اللّه كذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: (مخلصون) فسر الإسلام بالإخلاص ليفيد ذكره بعد وصفهم بالإيمان اهـ زاده.\rقوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بيان لما أشير إليه سابقا بقوله: رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: 72] أي: بيان لبقيته من الساعة ومبادئها، إذ بعضه قد عجل لهم يوم بدر، فكأنه قيل: ما تستعجلونه قد حاق وقرب بعلاماته الدالة عليه، والمراد بالقول ما نطق به القرآن من الآيات الدالة على الساعة وما فيها مما كانوا يستعجلونه، والمراد بوقوعه حصوله أي: حصول مدلوله أي:\rقرب حصوله كما في قوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] أي: دنا وقرب وقوع مدلول القول المذكور الذي لا يكادون يسمعونه اهـ أبو السعود.\rقوله: (حق العذاب) هو تفسير لوقع، والعذاب تفسير للقول، والمراد بحقيقته تحققه وثبوته لا محالة لقرب زمنه اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وإذا وقع القول عليهم يعني إذا وجب عليهم العذاب، وقيل: إذا غضب اللّه عليهم، وقيل: إذا وجبت الحجة عليهم، وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، وقيل:\rإذا لم يرج صلاحهم وذلك في آخر الزمان قبل قيام الساعة اهـ.\rوفي القرطبي: واختلف في معنى وقع القول فقيل: معنى وقع القول عليهم وجب الغضب عليهم قاله قتادة. وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن عمر، وأبو سعيد الخدري رضي اللّه عنهما: إذا لم يأمروا ولم ينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم: وقال عبد اللّه بن مسعود: وقوع القول يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن. قال عبد اللّه أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع.\rقالوا: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسري عليه ليلا فيصبحون منه فقراء وينسون لا إله إلا اللّه ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع عليهم القول اهـ.\rقوله: (في جملة الكفار) يقتضي أن الضمير في عليهم راجع لقريش، وقد أشير إليهم فيما سبق بقوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الخ. فإن هذه الأمثال والتشبيهات لقريش لأن السياق فيهم. قوله:\rأَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ وهي الجساسة. وفي التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين التفخيمي من الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى، وقد ورد في الحديث أن طولها ستون ذراعا بذراع آدم عليه السّلام لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب.\rوروي أن لها أربع قوائم ولها زغب وريش وجناحان. وعن ابن جريح، في وصفها: رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أيل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السّلام. وقال وهب: وجهها وجه الرجل وباقي خلقها خلق الطير. وروي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: ليست بدابة لها ذنب ولكن لها لحية كأنه يشير إلى أنها رجل والمشهور أنها دابة ورأسها يبلغ عنان السماء أو يبلغ السحاب: وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه: فيها كل لون ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وعن الحسن رضي للّه عنه: لا يتم","part":5,"page":463},{"id":1950,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 464\rالكفار أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أي تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية تقول لهم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام، وعن علي رضي اللّه عنه: أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا تخرج كل يوم إلا ثلثها. وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل: من أين تخرج الدابة» فقال: «من أعظم المساجد حرمة على اللّه تعالى». يعني المسجد الحرام.\rوروي أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن، ثم تخرج بالبادية ثم تكمن دهرا طويلا، فبينما الناس في أعظم المساجد حرمة على اللّه تعالى وأكرمها فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. وقيل:\rتخرج من الصفا.\rوروي: بينما عيسى عليه السّلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم أي:\rتتحرك تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السّلام فتضرب المؤمن في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضيء وجهه وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو حتى يسود بها وجهه وتكتب بين عينيه كافر، ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة وأنت يا فلان من أهل النار.\rوروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه.\rوروى أبو هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «بئس الشعب شعب جياد» مرتين أو ثلاثا قيل: ولم ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين فتكلم بالعربية بلسان ذلق وذلك قوله تعالى: تُكَلِّمُهُمْ الخ» اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: وروي عن عبد اللّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا» واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا قد ذكرناه في كتاب التذكرة، نذكره هنا إن شاء اللّه مستوفى، فأول الأقوال فيها أنها فصيل ناقة صالح وهو أصحها، فإنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه الحجر فهو فيه حتى يخرج بإذن اللّه عز وجل. ويروى أنها دابة مزغبة شعراء ذات قوائم طولها ستون ذراعا، ويقال: إنها الجساسة وهو قول عبد اللّه بن عمرو. وروى ابن عمر أنها على خلقة الآدميين ورأسها في السحاب وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، واختلف من أي موضع تخرج فقال عبد اللّه بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة ينصدع فتخرج منه، وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت. وروي في خبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى عليه السّلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى، وأنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن مؤمن سمة كأنها كوكب دري، وتسم بني عيني الكافر نكتة سوداء كافر. وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السّلام، وقيل: من أرض الطائف. قال أبو قبيل: ضرب عبد اللّه بن عمرو أرض الطائف برجله وقال: من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس، وقيل: من بعض أودية تهامة قاله ابن","part":5,"page":464},{"id":1951,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 465\rمن جملة كلامها عنا أَنَّ النَّاسَ أي كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82) أي لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر كما أوحى اللّه إلى نوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ\rوَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ عباس، وقيل: من صخرة من شعب أجياد قاله عبد اللّه بن عمر، وقيل: من بحر سذوم قاله وهب بن منبه. وذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه. قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها، وهي ترد قول من قال من المفسرين إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر اهـ.\rقوله: (تقول لهم) تفسير لتكلمهم، وقوله: (عنا) متعلق بمحذوف أي حال كونها حاكية وناقلة لما تقوله عنا بأن تقول: قال اللّه إن الناس الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: تقول لهم من جملة كلامها عنا الخ يشير به إلى أنه من الكلام والحديث، ويؤيده قراءة أبي تنبئهم، وقراءة يحيى بن سلام تحدثهم، ويجوز أن يكون بمعنى تجرحهم، ويدل عليه قراءة ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وأبي زرعة والجحدري تكلمهم بفتح التاء وسكون الكاف وضم اللام من الكلم وهو الجرح، وقد قرئ تجرحهم، وقد جاء في الحديث أنها تسم الكافر اهـ.\rقوله: أَنَّ النَّاسَ قرأ الكوفيون بفتح أن والباقون بالكسر، فأما الفتح فعلى تقدير الباء أي: بأن الناس، ويدل عليه التصريح بها في قراءة عبد اللّه بأن الناس، ثم هذه الباء يحتمل أن تكون معدية وأن تكون سببية، وعلى التقديرين يجوز أن يكون تكلمهم بمعنييه من الحديث والجرح أي: تحدثهم بأن الناس أو بسبب أن الناس، أو تجرحهم بأن الناس أي: تسمهم بهذا اللفظ أو تسمهم بسبب انتفاء الإيمان. وأما الكسر فعلى الاستئناف ثم هو محتمل لأن يكون من كلام اللّه تعالى وهو الظاهر، وأن يكون من كلام الدابة فيعكر عليه بآياتنا، وحاصله: أن تكلمهم إن كان من الحديث، فيجوز أن يكون إما لإجراء تكلمهم مجرى تقول لهم كما جرى عليه الشيخ المصنف، وإما على إضمار القول أي:\rفتقول كذا وهذا القول تفسير لتكلمهم اهـ كرخي.\rقوله: (أي كفار مكة) تبع في هذا التفسير الخازن، وعبارته: يعني تخبر الناس أن أهل مكة لم يوقنوا بالقرآن والبعث اهـ.\rوهذا غير ظاهر لأن إخبارها في آخر الزمان للموجودين إذ ذاك بأن أهل مكة الذين كفروا به صلّى اللّه عليه وسلّم وعاصروه كانوا لا يوقنون لا فائدة فيه، فالأولى حمل الناس على الموجودين وقت خروجها من الكفار كما صنع جمهور المفسرين. قوله: (و النهي عن المنكر) في نسخة بعد هذا، ولا يبقى ولا تائب ولا يؤمن الخ. وقوله: ولا يبقى نائب أي: لا يوجد في ذلك الوقت من ينوب إلى اللّه أي: يتيقظ من غفلته، ولا تائب أي: لا تقبل توبة تائب من العصاة، ولا يؤمن كافر أي: لا يقبل إيمانه اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ الخ بيان إجمالي لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان بعض مبادئها بقوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ الخ [النمل: 82]. والمراد بهذا الحشر هو الحشر الخاص بهم","part":5,"page":465},{"id":1952,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 466\rبِآياتِنا وهم رؤساؤهم المتبوعون فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) أي يجمعون يرد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون\rحَتَّى إِذا جاؤُ مكان الحساب قالَ تعالى لهم أَكَذَّبْتُمْ أنبيائي بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا من جهة تكذيبكم بِها عِلْماً أَمَّا ذا فيه إدغام ما الاستفهامية كُنْتُمْ موصول أي ما الذي تَعْمَلُونَ (84) بما أمرتم به\rوَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ حق العذاب بِما ظَلَمُوا أي أشركوا فَهُمْ لا للعذاب بعد الحشر العام لكل الخلق اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ من هذه تبعيضية، وقوله: مِمَّنْ يُكَذِّبُ من هذه بيانية للفوج، وقوله:\r(و هم رؤساؤهم) تفسير لمن الواقعة بيانا وفي هذا التفسير قصور لأن جميع المكذبين رؤساء أو تابعين حكمهم ما ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: فَوْجاً الفوج: الجماعة كالقوم وقيدهم الراغب فقال: الفوج الجماعة المارة المسرعة، وكأن هذا هو الأصل ثم اطلق وإن لم يكن مرور ولا إسراع والجمع أفواج: وفؤج اهـ سمين.\rقوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يحبس أولهم ويوقف حتى يتلاحقون ويجتمعون ثم يساقون، وعن ابن عباس: أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة أي: قدامهم، وهكذا تحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار اهـ أبو السعود.\rقوله: (برد آخرهم إلى أولهم) في العبارة قلب وحقها أن يقول برد أولهم على آخرهم كما عبّر غيره أي: بأن يوقف أولهم حتى يلحقه آخرهم فيجتمعون ثم يساقون. وفي المصباح: وزعته عن الأمر أزعه وزعا من باب وهب منعته عنه وحبسته، وفي التنزيل: فهو يوزعون أي: يحبس أولهم على آخرهم لأجل تلاحقهم اهـ.\rقوله: أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي استفهام توبيخ وتقريع، وقوله: أَمَّا ذا أم بمعنى: بل فقط التي للإضراب الانتقالي من توبيخهم على التكذيب إلى توبيخهم على أعمالهم، وما اسم استفهام مبتدأ، وذا اسم موصول كما قال الشارح خبره، وكنتم تعلمون صلة الموصول والعائد محذوف اهـ شيخنا.\rقوله: بِآياتِي مفعول كذبتم، فالباء للتعدية أي: أنكرتموها وجحدتموها، وتقدير الشارح للمفعول ليس ضروريا بل فيه تكلف وتعسف اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً جملة حالية مفيدة لزيادة شناعة التكذيب ومؤكدة للإنكار والتوبيخ، أي: أكذبتم بها ببادئ الرأي من غير فهمها والتأمل فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمَّا ذا أم: منقطعة كما في السمين، فهي بمعنى بل، وما اسم استفهام أدغمت ميم الأولى في ميم الثانية، وقوله: (فيه إدغام ما الاستفهامية) أي الإدغام فيها أي: إدغام ميم أم في ميمها، وفي نسخة فيه ما الاستفهامية أي: في هذك التركيب ما الاستفهامية. وفي نسخة ما هو مضروب عليه هنا وهو تحريف من الكتبة مدخول على الشارح ليس في حظه وصورته: فيه إدغام إن الشرطية في ما الاستفهامية اهـ شيخنا.\rقوله: (حق العذاب) أي: نزل بهم بالفعل وهو كبهم في النار اهـ شيخنا.","part":5,"page":466},{"id":1953,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 467\rيَنْطِقُونَ (85) إذ لا حجة لهم\rأَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ كغيرهم وَالنَّهارَ مُبْصِراً بمعنى يبصر فيه ليتصرفوا فيه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان بخلاف الكافرين\rوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الأولى من إسرافيل فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي خافوا الخوف المفضي إلى الموت، كما في آية أخرى فَصَعِقَ أو التعبير فيه بالماضي لتحقق وقوعه إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أي قوله: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ أي بحجة واعتذار اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا الخ الرؤية هنا قلبية لا بصرية، لأن نفس الليل والنهار وإن كانا من المبصرات لكن جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ فيه حذف أي: مظلما يدل عليه والنهار مبصرا. وفي قفوله: وَالنَّهارَ مُبْصِراً حذف أيضا دل عليه ليسكنوا فيه أي: ليتحركوا فيه أشار له الشارح بقوله: (ليتصرفوا فيه) ففي الكلام احتباك اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى يبصر فيه) أي: ففي الكلام إسناد عقلي من الإسناد إلى الزمان اهـ.\rقوله: (ليتصرفوا) أي: ليتحركوا وينتشروا في مصالحهم، إذ هذا هو الذي يقابل السكون اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي: الجعل المذكور لآيات أي: دالة على صحة البعث وصدق الآيات الناطقة به دلالة واضحة. كيف لا وإن من تأمل في تعاقب الليل والنهار واختلافهما على وجوه مبنية على حكم تحار في فهمها العقول، ولا يحيط بها إلا اللّه، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحياة، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالتيقظ الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور، وجزم بأن اللّه تعالى قد جعل هذا أنموذجا ودليلا يستدل به على أن سائر الآيات حق نازل من عند اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ معطوف على ويوم نحشر داخل معه في حكمه وهو الأمر بذكره اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من كل من كان حيا ذلك الوقت لم يسبق له موت، أو كان ميتا لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء، وقوله: (المفضي إلى الموت) هذا في حق الأحياء، ويزاد عليه فيقال: والمفضي بهم إلى الغشي والإغماء في حق الأموات الأحياء في قبورهم، وقوله: (أي جبريل وميكائيل الخ) استثناء من الفزع المفضي إلى الموت، فهؤلاء لا يموتون بالنفخة الأولى، وإنما يموتون بين النفختين، وقوله: (و عن ابن عباس هم الشهداء) هذا استثناء من الفزع المفضي إلى الغشي أي الإغماء: فالشهداء لا يغشى عليهم بالنفخة الأولى كما سيأتي تحقيقه إلى شاء اللّه في سورة الزمر.\rقوله: (أي خافوا الخوف المفضي إلى الموت) أي: استمر بهم الخوف إلى أن ماتوا به، وقوله:\r(كما في) آية أخرى سيأتي له في سورة الزمر تفسير الصعق بالموت، فالمراد من الآيتين نفخة واحدة،","part":5,"page":467},{"id":1954,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 468\rجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وعن ابن عباس: هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم فكأنه قال هنا: ففزع من في السموات ومن في الأرض حتى مات بالفزع، فساوى قوله: فصعق، وغرضه من هذا التأويل الجري على المشهور من أن النفخ مرتان: نفخة الموت وهي هذه، ونفخة البعث الآتية في قوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] وقيل: إنه ثلاث مرات نفخة الفزع من غير موت التي تكون قبل نفخة الصعق، فيسير اللّه عندها الجبال تمر مرّ السحاب فتكون سرابا ثم ترتج الأرض بأهلها، ونفخة الموت، ونفخة الإحياء اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل، وقال مجاهد: كهيئة البوق، وقيل: هو البوق بلغة اليمن، وقد مضى في الانعام بيانه وما للعلماء في ذلك ففزع من في السموات ومن الأرض إلا من شاء اللّه. قال أبو هريرة: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة»، قلت: يا رسول اللّه ما الصور؟ قال: «قرن واللّه عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين» وذكر الحديث. ذكره علي بن معبد، والطبري، والثعلبي وغيرهم، وصححه ابن العربي وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك، وأن الصحيح أن النفخ في الصور نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لا زمان لها أي فزعوا فزعا ماتوا منه، أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره، فإنه قال في كلامه على هذه الآية: والمراد النفخة الثانية أي: يحيون فزعين يقولون من بعثنا من مرقدنا، ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم ليجتمع الخلق في أرض الجزاء، وقال الماوردي: ويوم ينفخ في الصور هو يوم النشور من القبور. قال: وفي هذا الفزع قولان، أحدهما: أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في كذا أسرعت إلى ندائك في معونتك. القول الثاني: أن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحذر لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين. قلت:\rوالسنة الثابتة من حديث أبي هريرة، وحديث عبد اللّه بن عمر تدل على أنهما نفختان لا ثلاث خرجهما مسلم، وقد ذكرناهما في كتاب التذكرة، وهو الصحيح إن شاء اللّه تعالى أنهما نفختان قال اللّه تعالى:\rوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: 68] فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع، فدل على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بين النفختين أربعون سنة. الأولى يميت اللّه بها كل حي والأخرى يحيى اللّه بها كل ميت» اهـ.\rقوله: (أي جبريل الخ) أي: فهؤلاء الأربعة لا يموتون عند النفخة الأولى كما أن باقي الملائكة تموت عندها، بل يموتون بين النفختين ويحيون قبل الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: (و عن ابن عباس هم الشهداء) وقيل: هم حملة العرش، وقيل: موسى عليه السّلام، وقيل: أهل الجنة من الحور والولدان وأهل النار من الخزنة والزبانية، ولعل المراد ما يعم ذلك لعدم قرينة الخصوص اهـ من البيضاوي.","part":5,"page":468},{"id":1955,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 469\rيرزقون وَكُلٌ تنوينه عوض عن المضاف إليه أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة أَتَوْهُ بصيغة الفعل واسم الفاعل داخِرِينَ (87) صاغرين والتعبير في الإتيان بالماضي لتحقق وقوعه\rوَتَرَى الْجِبالَ تبصرها وقت النفخة تَحْسَبُها تظنها جامِدَةً واقفة مكانها وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ فهؤلاء كلهم لا يفضي بهم الفزع إلى الغشي والإغماء، بل هو أقل من ذلك. قال القشيري:\rوالأنبياء داخلون في الشهداء لأن لهم الشهادة مع النبوة اهـ كازروني.\rقوله: (بصيغة الفعل) أي: الماضي فيقرأ بفتح الهمزة المقصورة، ثم التاء المفتوحة ثم الواو الساكنة. وقوله: (و اسم الفاعل) أي: يقرأ بمد الهمزة وضم التاء وسكون الواو، وأصله آتونه جمع آت فحذفت النون للإضافة اهـ. شيخنا.\rقوله: (صاغرين) أي: صغار ذل وهيبة من الجبار، فيشمل هذا الطائعين والعاصين اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (صاغرين) الصغار في اللغة الذل أو أشده، والمراد به ذل العبودية والرق لا ذل الذنوب والمعاصي، وذلك يعم الخلق كلهم كما في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: 93] اهـ.\rوفي القاموس: دخر الشخص كمنع وفرح دخرا ودخورا صغر وذل وأدخرته بالألف للتعدية اهـ.\rقوله: (و التعبير في الإتيان بالماضي) أي: إذا قرئ بصيغة الفعل الماضي وهي القراءة الأولى اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَرَى الْجِبالَ معطوف على ينفخ، وقوله: تَحْسَبُها حال من الجبال، وقوله:\rجامِدَةً مفعول ثان، وقوله: وَهِيَ تَمُرُّ الخ حال من جامدة اهـ شيخنا.\rقوله: (وقت النفخة) عبارة أبي السعود: وهذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق يبدل اللّه عز وجل الأرض غير الأرض، ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكون بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ [طه: 107] وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه السّلام، وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية. وقالوا في تفسير قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [الكهف: 47] وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [الكهف: 47] وَحَشَرْناهُمْ [الكهف: 47] أن صيغة الماضي في المعطوف مع كون المعطوف عليه مستقبلا للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك هذا، وقد قيل إن المراد بالنفخة هي النفخة الأولى، والفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما في قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: 68] الخ فيختص أثرها بمن كان حيا عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم، وجوز أن يراد بإتيان داخرين، ورجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له، ولا وريب في أن ذلك مما ينبغي أن تنزه ساحة التنزيل عن أمثاله، وأبعد من هذا ما قيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق، وهي التي أريد بقوله تعالى: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً","part":5,"page":469},{"id":1956,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 470\rالمطر إذا ضربته الريح، أي تسير سيره حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة، ثم تصير كالعهن، ثم تصير هباء منثورا صُنْعَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله، أي صنع اللّه ذلك صنعا الَّذِي أَتْقَنَ أحكم كُلَّ شَيْءٍ صنعه إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88) بالياء والتاء أي أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة\rمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي لا إله إلا اللّه يوم القيامة فَلَهُ خَيْرٌ ثواب مِنْها أي بسببها وليس للتفضيل إذ لا فعل خير منها، وفي واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ [ص: 15] فيسير اللّه هذه الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا وترج الأرض بأهلها رجا، فتكون كالسفينة الموثقة في البحر أو كالقنديل المعلق تحركه الرياح، فإنه مما لا ارتباط له بالمقام قطعا، والحق الذي لا محيد عنه ما قدمناه ومما هو نص في الباب ما سيأتي من قوله تعالى:\rوَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ اهـ.\rقوله: (لعظمها) وذلك لأن الاجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها اهـ بيضاوي.\rوعبارة الخازن: وذلك أن كل شيء عظيم وكل جسم كبير وكل جمع كثير يقسر عنه البصر لكثرته وعظمه وبعد ما بين أطرافه، فهو يحسبه الناظر واقفا وهو سائر كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه اهـ.\rقوله: (المطر) قال القاري: هذا التفسير لا يوافق اللغة ولا المعقول ولا المنقول، فالصواب إبقاء اللفظ على ظاهره اهـ.\rقوله: (حتى تقع) أي: الجبال على الأرض فتستوي أي: الأرض بها أي: الجبال، وقوله:\rمبثوئة حال من الجبال أي: مفتتة كالرمل السائل، ثم تصير كالعهن أي: الصوف المندوف فتطيرها الرياح، ثم تصير هباء أي: غبارا لطيفا منثورا أي: متفرقا فلا استقرار لها ولا اجتماع بل تضيعها الرياح اهـ شيخنا.\rقوله: (مؤكد لمضمون الجملة قبله) فإن ما تقدم من نفخ الصور المؤدي إلى الفزع العام وحضور الكل الموقف وما فعل بالجبال إنما هو من صنع اللّه لا يحتمل غيره اهـ زاده.\rقوله: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ الإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته وهو مأخوذ من قولهم:\rتقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضا ما رمي به في الغدير من ذلك أو الأرض اهـ سمين.\rقوله: (أي أعداؤه الخ) تفسير للواو في يفعلون.\rقوله: بِالْحَسَنَةِ الباء للملابسة أي: جاء ملتبسا بها وموصوفا بكونه من أهلها بأن مات على الإيمان، وليس المراد أنه يذكرها في القيامة اهـ شيخنا.\rوقوله: (يوم القيامة) ظرف لجاء. قوله: (أي لا إله إلا اللّه) وقيل: الحسنة كل طاعة عملها العبد للّه تعالى اهـ خازن.","part":5,"page":470},{"id":1957,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 471\rآية أخرى عشر أمثالها وَهُمْ أي الجاؤون بها مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بالإضافة وكسر الميم وفتحها وفزع منونا وفتح الميم آمِنُونَ (89)\rوَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي الشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ بأن وليتها وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها من باب أولى، ويقال لهم تبكيتا هَلْ أي ما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) من الشرك والمعاصي قل لهم\rإِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي مكة الَّذِي حَرَّمَها أي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم قوله: (أي بسببها) أي: فمن سببية. قوله: (و ليس للتفضيل) أي: وليس خيرا أفعل تفضيل، إذ لو كان كذلك لكان المعنى فله أخير وأفضل منها أي: فله عبادة أفضل منها أي: الحسنة المذكورة مع أنها هي أفضل الأعمال والأفعال. هذا ما أشار له بقوله: (إذ لا فعل خير منها) أي: إذ لا طاعة أفضل من لا إله إلا اللّه اهـ.\rقوله: وَهُمْ مبتدأ له: آمِنُونَ خبر. قوله: (بالإضافة) أي: إضافة فزع إلى يوم، وقوله: (و كسر الميم) أي: كسرة إعراب، وقوله: (و فتحها) أي: الميم أي: فتحة بناء لإضافة يوم إلى المبني، وهذا معطوف على كسر الميم فهو قراءة ثانية في الإضافة أي: فإذا قرئ بإضافة فزع إلى يوم جاز في الميم كسرها وفتحها قراءتان سبعيتان، وقوله: (و فزع منونا) معطوف على بالإضافة أي: ويقرأ بفزع منونا وفتح الميم لا غير، فهذه قراءة ثالثة سبعية أيضا، ولو عبّر بأو لكان أوضح بأن فزع منونا إلا أن يقال الواو بمعنى أو، وقوله: وفتح الميم أي: أنه ظرف لآمنون أو لمحذوف هو صفة للفزع أي:\rفزع كائن يومئذ، والتنوين في يومئذ عوض عن جملة محذوفة أي: يوم إذ جاؤوا بالحسنة اهـ شيخنا.\rفإن قلت: كيف نفى الفزع هنا، وقد قال قبله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [النمل: 87]؟ قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع وهول يفجأ من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، وأما الفزع الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه، وأما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد اهـ خازن.\rقوله: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي: ألقوا فيها عليها، وقوله: (بأن وليتها) للضمير المستتر للوجوه والبارز للنار أو عكسه احتمالا كل منها جائز اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنها موضع الشرف) أي: الأشرف أو هو بمعنى الشريف اهـ شيخنا.\rقوله: (و يقال لهم) أي: وقت كبهم على وجوههم في النار أي: تقول لهم خزنة جهنم ولو قال مقولا لهم الخ لكان أوضح، لأن قوله: هَلْ تُجْزَوْنَ في محل نصب على الحال من الهاء في وجوههم أي: كبت وجوههم في حال كونهم مقولا لهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (قل لهم) إِنَّما أُمِرْتُ الخ أمر بأن يقول لهم ذلك بعد ما بين لهم أحوال المبدأ والمعاد تنبيها لهم على أنه قد تم أمر الدعوة بما لا مزيد عليه، ولم يبق لهم بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة اللّه والاستغراق في مراقبته غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا أصلحوا أو أفسدوا ليحملهم ذلك على أن يهتموا بأمر أنفسهم ويشتغلوا بالتدبير فيما شاهدوه من الآيات اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِي حَرَّمَها هذه قراءة الجمهور صفة لرب، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس التي صفة","part":5,"page":471},{"id":1958,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 472\rإنسان ولا يظلم فيها أحد ولا يصطاد صيدها ولا يختلى خلاها، وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع اللّه عن بلدهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب وَلَهُ تعالى كُلُّ شَيْءٍ فهو ربه وخالقه ومالكه وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) للّه بتوحيده\rوَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان فَمَنِ اهْتَدى له فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي لأجلها فإن ثواب اهتدائه له وَمَنْ ضَلَ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى فَقُلْ له إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) المخوفين فليس علي إلا التبليغ، وهذا قبل الأمر بالقتل\rوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها للبلدة والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة ولا يعارضه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة» لأن إسناد تحريمها إلى اللّه لأنه بقضائه وحكمه، وإسناده إلى إبراهيم لأنه مظهره أي: بمعنى اخباره، وتخصيص مكة بهذه الإضافة تشريف لهم وتعظيم لشأنها، فلا ينافي قوله: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ اهـ كرخي.\rقوله: (و لا يختلى) أي: يقطع خلاها بالقصر هو الحشيش ما دام رطبا، فإذا يبس قيل له حشيش فقط اهـ شيخنا.\rقوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: أن أثبت على ما كتبت عليه من كوني من جملة الثابتين على ملة الإسلام المنقادين لها اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي: أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه الرائقة المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا، أو على تلاوته على الناس بطريق تكرير الدعوة وتثنية الإرشاد فيكون ذلك تنبيها على كفايته في الهداية والإرشاد من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى، فمعنى قوله: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ حينئذ فمن اهتدى بالإيمان به والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام، وعلى الأول فمن اهتدى باتباعه إياي فيما ذكر من العبادة والإسلام وتلاوة القرآن، فإنما منافع اهتدائه عائدة إليه لا إلي اهـ أبو السعود.\rقوله: فَمَنِ اهْتَدى (له) أي: للإيمان بدليل قوله: (و من ضل عن الإيمان) اهـ شيخنا.\rقوله: فَقُلْ (له) إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أشار بهذه إلى أن جواب ومن ضل هو ما بعده، والرابط محذوف كما قدره، وهذا أظهر من جعل الجواب محذوفا أي: فوبال ضلاله عليه اهـ كرخي.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي: فهو منسوخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ما أفاض عليّ من نعمائه التي أجلها النبوة المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية، ووفقني لتحمل أعبائها وتبليغ أحكامها إلى كافة الورى اهـ أبو السعود.\rقوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ هذا من جملة الكلام المأمور بقوله: أي سيريكم اللّه في الدنيا آياته الباهرة التي نطق بها القرآن اهـ أبو السعود.","part":5,"page":472},{"id":1959,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 5، ص: 473\rفأراهم اللّه يوم بدر القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم اللّه إلى النار وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) بالياء والتاء، وإنما يمهلهم لوقتهم.\rقوله: (و ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم) قيل: إن الذين قتلوا يوم بدر من المشركين كانت الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وقال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم على المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا ولو أدبارهم ضربت الملائكة أدبارهم اهـ من الخازن في سورة الأنفال.\rقوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ كلام مسوق من جهته تعالى مقرر لما قبله. وقوله:\r(بالياء) وعلى هذه القراءة فهو وعيد محض أي: ما ربك بغافل عن أعمالهم فلا تحسب أن تأخير عذابهم لغفلته عن أعمالهم السيئة، وقوله: (و التاء) وعلى هذه القراءة فهو وعد للطائعين ووعيد للعاصين، أي: وما ربك بغافل عما تعمله أنت من الحسنات وما تعملون أنتم أيها الكفار من السيئات فيجازي كلّا بعمله لا محالة اهـ أبو السعود.\rتم بعونه تعالى الجزء الخامس ويبدأ الجزء السادس وأوله سورة القصص.","part":5,"page":473},{"id":1960,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 3\rالمجلد السادس\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القصص\rمكية وتسمى أيضا سورة موسى، وتقدم أن أسماء السورة توفيقية وكذا ترتيبها وترتيب الآيات اهـ إلا إِنَّ الَّذِي فَرَضَ الآية نزلت بالجحفة. وإلا الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ وهي سبع أو ثمان وثمانون آية\rطسم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك\rتِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ الإضافة بمعنى من الْمُبِينِ (2) المظهر الحق من الباطل\rنَتْلُوا نقص عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ خبر مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِ الصدق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) لأجلهم لأنهم المنتفعون به\rإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا تعظم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله: (نزلت بالجحفة) قال مقاتل: خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الغار ليلا مهاجرا في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها فقال له جبريل إن اللّه يقول إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد أي: إلى مكة ظاهرا عليها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالجحفة فليست مكية ولا مدنية. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إلى معاد قال إلى الموت، وعن مجاهد أيضا، وعكرمة، والزهري، والحسن: أن المعنى لرادك إلى يوم القيامة وهو اختيار الزجاج يقال: بيني وبينك المعاد أي: يوم القيامة لأن الناس يعودون فيه أحياء وفرض معناه أنزل اهـ قرطبي.\rقوله: (أي هذه الآيات) أي: آيات هذه السورة.\rقوله: نَتْلُوا عَلَيْكَ أي: بواسطة جبريل، وقوله: مِنْ نَبَإِ مُوسى من تبعيضية أي: نتلو عليك شيئا هو بعض نبأ وخبر وقصة موسى وفرعون اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: نَتْلُوا عَلَيْكَ يجوز أن يكون مفعوله محذوفا دلت عليه صفته، وهو قوله:\rمِنْ نَبَإِ مُوسى تقديره عليك شيئا من نبأ موسى، ويجوز أن تكون من مزيدة على رأي الأخفش أي:\rنتلو عليك نبأ موسى اهـ.\rقوله: (نقص) في المصباح: وقصصت الخبر قصا من باب قتل حدثته على وجهه والاسم القصص بفتحتين اهـ.\rقوله: بِالْحَقِ حال من فاعل نتلو أي: حال كوننا ملتبسين بالصدق أو من المفعول أي: حال كونه أي: الخبر ملتبسا بالحق اهـ شيخنا.","part":6,"page":3},{"id":1961,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 4\rفِي الْأَرْضِ أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا في خدمته يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ هم بنو إسرائيل يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ المولودين وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يستبقيهن أحياء لقول بعض الكهنة له إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملكك إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) بالقتل وغيره\rوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يقتدى بهم في الخير وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) ملك فرعون\rوَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أرض مصر قوله: (لأجلهم) أشار به إلى أن اللام للتعليل متعلق بنتلو وهو الظاهر اهـ.\rقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ الخ مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل وما نبؤهما؟ فقيل: إن فرعون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي: فرقا يشيعونه في كل ما يريده من الشر والفساد أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته أو أصنافا في استخدامه يستعمل كل صنف في عمل ويسخره فيه من بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة والبغضاء لا تتفق كلمتهم اهـ أبو السعود.\rقوله: يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً حال من فاعل جعل أو صفة لشيعا، وقوله: يُذَبِّحُ بدل اشتمال من قوله: يَسْتَضْعِفُ الخ اهـ شيخنا.\rقال ابن عباس: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس وعملوا المعاصي ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلط اللّه عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم اللّه على يد نبيه موسى عليه السّلام اهـ خازن.\rقوله: مِنْهُمْ أي: أهل مصر. قوله: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ أي: كثيرا فقد قيل: إنه ذبح سبعين ألفا اهـ.\rقوله: (لقول بعض الكهنة الخ) تعليل لقوله: يُذَبِّحُ الخ. قوله: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي: الراسخين في الإفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك الجريمة العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء عليهم السّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَ معطوف على أن فرعون الخ داخل معه في حكم تفسير النبأ وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو حال من يستضعف اهـ بيضاوي.\rوقوله: أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: نتفضل عليهم بإنجائهم من بأسه اهـ شيخنا.\rقوله: (يقتدى بهم) أي: بعد أن كانوا أتباعا مسخرين مهانين اهـ.\rقوله: الْوارِثِينَ أي: وراثة معهودة فيما بينهم كما ينبئ عنه تعريف الوارثين اهـ أبو السعود.\rأي: لا الوارثة المعهودة في شرعنا اهـ شيخنا.\rقوله: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أصل التمكين أن يجعل للشيء مكان يتمكن فيه ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر اهـ بيضاوي.","part":6,"page":4},{"id":1962,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 5\rوالشام وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما وفي قراءة ويرى بفتح التحتانية والراء ورفع الأسماء الثلاثة مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6) يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه\rوَأَوْحَيْنا وحي إلهام أو منام إِلى أُمِّ مُوسى وهو المولود المذكور ولم يشعر بولادته غير أخته أي: نسلطهم على مصر والشام يتصرفون فيهما كيفما يشاؤون اهـ أبو السعود.\rقوله: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ أي: رؤية بصرية، وفرعون وما عطف عليه مفعول أول، وما كانوا يحذرون مفعول ثان وقوله: (و في قراءة الخ) وعليها فله مفعول واحد فقط وهو ما كانوا يحذرون اهـ شيخنا.\rقوله: وَجُنُودَهُما الإضافة إليهما إما للتغليب، أو أنه كان لهامان جنود مخصوصة وإن كان وزيرا أو لأن جند السلطان جند لوزيره اهـ شهاب.\rقوله: (و الراء) أي: وفتح الراء، وعلى هذه القراءة تجب إمالة الألف إمالة محضة، وقوله:\r(و رفع الأسماء الثلاثة) أي: على الفاعلية. قوله: مِنْهُمْ أي: من أولئك المستضعفين وهم بنو إسرائيل، وهم متعلق بنري أي: ونري فرعون وهامان وجنودهما من بني إسرائيل ما كانوا يحذرون أي: يخافونه منهم وقد كان اهـ شيخنا.\rقوله: (الذي يذهب ملكهم على يديه) استشكل بأن ذهاب ملكهم وهلاكهم ليس مما رأوه وأجيب: بأن الابصار لا يتوقف على الحياة عند أهل الحق، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم في أهل القلب: «ما أنتم بأسمع منهم» مع أنه يجوز أن المراد يكون رؤية طلائعه وأسبابه وذلك حين أدركهم الغرق اهـ كرخي.\rقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى الخ معطوف على قوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ الخ دخل معه في حكم تفسير النبأ، وقد اشتملت هذه الآية على أمرين أرضعيه فألقيه، ونهيين لا تخافي ولا تحزني، وخبرين إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، وبشارتين في ضمن الخبرين الرد والجعل المذكوران اهـ شيخنا.\rقوله: (وحي إلهام أو منام) عبارة القرطبي: اختلف في هذا الوحي إلى أم موسى، فقالت فرقة:\rكان قولا في منامها، وقال قتادة: كان إلهاما، وقالت فرقة: كان بملك تمثل لها. قال مقاتل: أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما أرسل الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور خرجه البخاري ومسلم. وقد ذكرناه في سورة براءة وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة الناس من غير نبوة، وقد سلمت الملائكة على عمران بن حصين ولم يكن بذلك نبيا اهـ.\rقوله: إِلى أُمِّ مُوسى واسمها يوحانذ بضم الياء وكسر النون وبالذل المعجمة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال الثعلبي: كان اسم أم موسى لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب اهـ.\rقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها وكانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى ومصاحبة لها، فلما أضربها الطلق أرسلت إليها","part":6,"page":5},{"id":1963,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 6\rفقالت: قد نزل بي ما نزل فليسعفني حبك إياي اليوم فعالجتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عيني موسى فارتعش كل مفصل فيها ودخل حب موسى قلبها. قالت القابلة لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتيني إلا ومرادي قتل مولودك، ولكن وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا على بابها ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى بخرقة وألقته في التنور وهو مسجور وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى ولم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ فقالت: هي مصافية لي فدخلت عليّ زائرة فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ فقالت: لا أدري فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل اللّه عليه النار بردا وسلاما فاحتملته قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها وقذف اللّه في نفسها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ فقالت: لي ابن أخبئه في التابوت وكرهت الكذب. قال: ولم تقل أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما همّ بالكلام أمسك اللّه لسانه فلم يطق الكلام وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول فأعياهم أمره. قال كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه ردّ عليه لسانه فتكلم فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه، فبقي حيران فجعل اللّه عليه أن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه، وأن يكون معه، ويحفظه حيثما كان وعرف اللّه منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر للّه ساجدا وقال: يا رب دلني على هذا العبد الصالح فدله اللّه عليه فآمن به وصدقه.\rوقال وهب: لما حملت أم موسى كتمت أمرها عن جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق اللّه وذلك شيء ستره اللّه تعالى لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي ولد فيها بعث فرعون القوابل إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتش قبل ذلك مثله، وحملت أم موسى فلم يتغير لونها ولم تكبر بطنها وكانت القوابل لا يتعرضن لها. فلما كانت الليلة التي ولدته فيها ولا رقيب لها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، وأوحى اللّه إليها أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم وهو البحر ليلا. قال ابن عباس وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها الأطباء والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر فيوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك وذلك في يوم كذا في ساعة كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس. فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في","part":6,"page":6},{"id":1964,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 7\rأَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ البحر أي النيل وَلا تَخافِي غرقه وَلا تَحْزَنِي لفراقه إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي وخافت عليه فوضعته في تابوت مطلى بالقار من داخل ممهد له فيه وألقته في بحر النيل ليلا\rفَالْتَقَطَهُ بالتابوت صبيحة البحر قد تعلق بشجرة ائتوني به فابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في التابوت، وإذا النور بين عينيه، وقد جعل اللّه رزقه في إبهامه يمص منها لبنا فألقى اللّه محبته في قلب آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت إلى ما يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرئت في الحال بإذن اللّه تعالى فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة في قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا رمي به في البحر خوفا منك، فهمّ فرعون بقتله فقالت آسية: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أي: فنصيب منه خيرا أو نتخذه ولدا، وكانت آسية لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لو قال فرعون يومئذ قرة عين لي كما هو لك لهداه اللّه كما هداها». فقيل لآسية: سميه.\rفقالت: سميته موشى لأنها وجدناه في الماء والشجر لأن من هو الماء وشا هو الشجر، فأصل موسى بالمهملة موشى بالعجمة اهـ خازن.\rقوله: أَنْ أَرْضِعِيهِ يجوز أن تكون أن مفسرة وأن تكون مصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين كأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان فكسر أولهما اهـ سمين.\rوأمرها بإرضاعه مع أنها ترضعه طبعا وإن لم تؤمر بذلك ليألف لبنها فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به لربما كانت تسترضع له مرضعة فيفوت المقصود اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وكان الوحي برضاعه قبل ولادتها وقيل بعدها اهـ.\rقوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ أي: من الذبح أي: اشتد خوفك عليه. قوله: وَلا تَخافِي (غرقه) بهذا التقرير اندفع التناقض بين إثبات الخوف في قوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ وبين نفيه في قوله: وَلا تَخافِي، وحاصل الدفع أن المثبت هو خوف الذبح والمنفي هو خوف الغرق، والخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقع في المستقبل، والحزن غم يصيبه لأمر وقع ومضى، فلا يرد أن يقال ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ أي: من قريب بحيث تأمنين عليه، والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن اهـ شيخنا.\rقوله: (فوضعته في تابوت) وكان طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار وجعلت المفتاح في التابوت اهـ قرطبي.\rقوله: (مطلي بالقار) أي: الزفت. قوله: (ممهد له فيه) نعت ثان لتابوت أي ممهد لموسى فيه أي: في التابوت أي: مفروش له فيه ففرشت له قطنا محلوجا اهـ شيخنا.","part":6,"page":7},{"id":1965,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 8\rالليل آلُ أعوان فِرْعَوْنَ فوضعوه بين يديه وفتح وأخرج موسى منه وهو يمص من إبهامه لبنا لِيَكُونَ لَهُمْ في عاقبة الأمر عَدُوًّا يقتل رجالهم وَحَزَناً يستعبد نساءهم، وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حزنه كأحزنه إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وزيره وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8) من الخطيئة أي عاصين فعوقبوا على يديه\rوَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ وقد همّ مع أعوانه بقتله هو قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ قوله: (و أغلقته) أي: وقيرت رأسه.\rقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ معطوف على ما قدره بقوله (فأرضعته) الواقع امتثالا لقوله: أَنْ أَرْضِعِيهِ، وبقوله: (و ألقته في بحر النيل) الواقع امتثالا لقوله فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، وقوله: (بالتابوت) أي: مصحوبا به، وقوله: (صبيحة الليل) وكان يوم الاثنين اهـ شيخنا.\rقوله: (و فتح) أي: فتحته آسية بعد أن عالجوه بالفتح والكسر فلم يقدروا كما تقدم اهـ.\rقوله: (في عاقبة الأمر) أي: فاللام لام العاقبة أبرز مدخولها في معرض العلة لالتقاطهم تشبيها له في الترتب عليه بالغرض الحامل عليه اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً في اللام الوجهان المشهوران لعلية المجازية بمعنى أن ذلك لما كان نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله أو للصيرورة اهـ.\rقوله: (يستعبد نساءهم) ظاهر هذه العبارة أن موسى بعد غرق القبط كان يستعبد نساءهم أي:\rيعاملهن معاملة العبيد في التسخير في الأعمال، ولم نر من ذكر هذا في هذه القصة في سائر مواضعها في القرآن، ويمكن أن يقال المراد باستعباده نساءهم تذليلهن أي: تصييرهن أذلاء ضعفاء لعدم الرجال الذين يقومون عليهن بالخدمة والنفقة فليتأمل. قوله: (من حزنه الخ) في المختار: الحزن والحزن ضد السرور، وقد حزن من باب طرب وأحزنه غيره وحزنه أيضا من باب نصر مثل سلكه وأسلكه وحزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم اهـ.\rقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ الخ هذا معترض بين المعطوف وهو قوله: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ، والمعطوف عليه وهو قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ اهـ.\rقوله: كانُوا خاطِئِينَ من المصباح: والخطأ مهموز بفتحتين ضد الصواب ويقصر ويمد وهو اسم من أخطأ فهو مخطىء. قال أبو عبيدة: خطىء خطأ من باب علم وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد، وقال غيره: خطىء في الدين وأخطأ في كل شيء عامدا كان أو غير عامد، وقيل: إذا تعمد ما نهي عنه فهو خاطىء وأخطأ إذا أراد الصواب فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب وفعله قيل قصده أو تعمده، والخطأ الذنب تسمية بالمصدر وخطأته بالتثقيل قلت له أخطأت وتخفيف الرباعي جائز، وأخطأ الحق إذا بعد عنه وأخطأه السهم تجاوزه ولم يصبه اهـ.\rقوله: (فعوقبوا على يديه) أي: مع أنه تربىّ على أيديهم فهذا أبلغ في إذلالهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء","part":6,"page":8},{"id":1966,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 9\rيَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً فأطاعوها وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) بعاقبة أمرهم معه\rوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى\rوكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم، فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الولد أكبر من ابن سنة وأنت تذبح ولدان هذه السنة فدعه يكون عندي، وقيل: إنها قالت له أنه أتاني من أرض أخرى وليس هو من بني إسرائيل اهـ خازن.\rوفي أبي السعود: وآسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق عليه السّلام، وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى عليه السّلام، وقيل: كانت عمته حكاه السهيلي اهـ.\rقوله: قُرَّتُ عَيْنٍ فيه وجهان، أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: قرة عين. والثاني: وهو بعيد جدا أن يكون مبتدأ والخبر لا تقتلوه، وكان مقتضى هذا أن يقال لا تقتلوها إلا أنه لما كان المراد مذكرا ساغ ذلك والعامة من القراء وأهل العلم والمفسرين يقفون على ولك. ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه أنه وقف على لا أي: هو قرة عين لي فقط ولك لا أي ليس هو قرة عين لك ثم يبتدىء بقوله تَقْتُلُوهُ، وهذا لا ينبغي أن يصح عنه وكيف يبقى تقتلوه من غير نون رفع ولا مقتضى لحذفها، ولذلك قال الفراء: هو لحن اهـ سمين.\rوترسم هذه التاء مجرورة وليس في القرآن غيرها بخلاف قرة أعين في الفرقان والسجدة فإنهما يرسمان بالهاء على الأصل اهـ شيخنا.\rقوله: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً إنما قالت ذلك لما رأت فيه من العلامات الغريبة فتخيلت فيه النجابة والبركة، وقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبناه فإنه حقيق بذلك اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا الخ أي: لأن في جبينه أثر اليمن، وقال الزمخشري:\rفإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع لأهله، وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وإبراء البرصاء، ولعلها توسمت فيه النجابة المؤذنة بكونه نفاعا اهـ.\rقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من آل فرعون، والتقدير: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، وقالت امرأة فرعون: كيت وكيت وهم لا يشعرون بأنهم على خطأ عظيم فيما صعنوا من الالتقاط ورجاء النفع منه والتبني له اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ جملة حالية وهل هي من كلام اللّه تعالى وهو الظاهر، أمن من كلام امرأة فرعون كأنها لما رأت الملأ أشاروا بقتله قالت له كذا أي: افعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ معطوفة على قوله:\rفَالْتَقَطَهُ، والجملة من قوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ إلى خاطِئِينَ معترضة بين المتعاطفين وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون أنهم لا خطأ في التقاطه. قال الشيخ: ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن اهـ.\rقوله: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً فيه وجهان، أحدهما: ألقته ليلا فأصبح فؤادها في النهار فارغا الثاني: أنها ألقته نهارا ومعنى أصبح صار اهـ قرطبي.","part":6,"page":9},{"id":1967,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 10\rلما علمت بالتقاطه فارِغاً مما سواه إِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنها كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي بأنه ابنها لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بالصبر أي سكناه لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) المصدقين بوعد اللّه، وجواب لو لا دلّ عليه ما قبلها\rوَقالَتْ لِأُخْتِهِ مريم قُصِّيهِ أي اتبعي أثره حتى تعلمي خبره فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ من مكان بعيد قوله: فارِغاً (مما سواه) أي: من التفكر في شيء سواه أي انحصرت فكرتها فيه لتراكم الهم عليها لما وقع في يد العدو اهـ شيخنا.\rوقيل: معناه ناسيا للوحي الذي أوحى اللّه عز وجل إليها حين أمرها أن تلقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني والعهد الذي عهد إليها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين فجاءها الشيطان وقال: كرهت أن يقتل فرعون ابنك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيتيه في البحر وأغرقتيه، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت: إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد اللّه إليها اهـ خازن.\rقوله: لَتُبْدِي بِهِ ضمن معنى تصرح فعدي بالباء كما أشار له الشارح كأن تقول وا ابناه اهـ خازن.\rوفي السمين: قوله: لَتُبْدِي بِهِ الباء مزيدة في المفعول أي: لتظهره، وقيل: ليست زائدة بل سببية والمفعول محذوف أي لتبدي القول بسبب موسى أو بسبب الوحي، فالضمير يجوز عوده على موسى أو على الوحي اهـ.\rقوله: لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها جوابها محذوف أي: لأبدت كقوله: وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف: 24] وقوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق بربطنا اهـ سمين.\rقوله: (بوعد اللّه) أي: وعده برده، والوعد مذكور في قوله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ اهـ.\rقوله: (دل عليه ما قبلها) تقديره: لصرحت بأنه ابنها، وقوله: (لتكون علة للربط) اهـ.\rقوله: لِأُخْتِهِ (مريم) أي: شقيقته، وأمهما يوحانذ، وأبوهما عمران وهو غير عمران أبي مريم أم عيسى، لأن بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وذكر الماوردي عن الضحاك أن اسمها كلثمة، وقال السهيلي: كلثوم جاء ذلك في حديث رواه الزبير بن بكار أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لخديجة: «أشعرت أن اللّه زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثوم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون» فقالت: اللّه أخبرك بذلك؟ فقال: «نعم» فقالت: بالرفاه والبنين اهـ.\rقوله: عَنْ جُنُبٍ في موضع الحال إما في الفاعل أي: بصرت به مستخفية كائنة عن جنب، وإما من المجرور أي بعيدا منها. وقرأ العامة جنب بضمتين وهو صفة لمحذوف أي: عن مكان بعيد، وقال أبو عمرو بن العلاء أي: عن شوق وهي لغة جذام يقولون: جنبت إليك أي اشتقت، وقرأ قتادة، والحسن، والأعرج، وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون، وعن قتادة أيضا بفتحهما، وعن الحسن","part":6,"page":10},{"id":1968,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 11\rاختلاسا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) أنها أخته وأنها ترقبه\r* وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ أي قبل رده 1 إلى أمه، أي منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له فَقالَتْ أخته هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ لما رأت حنوّهم عليه يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ بالارضاع وغيره وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) وفسرت ضمير له بالملك جوابا لهم، فأجيبت، فجاءت بأمه، جنب بالضم والسكون، وعن سالم عن جانب وكلها بمعنى واحد ومثله الجناب والجنابة اهـ سمين.\rوأشار الشارح إلى أن عن بمعنى من، وجنب: بمعنى المكان البعيد. قوله: (اختلاسا) أي:\rاختفاء. قوله: (و إنها ترقبه) أي: تنظره.\rقوله: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ الخ شروع في بيان سبب رده إلى أمه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي منعناه الخ) جعله مجازا إما استعارة أو مرسلا، لأن من حرم عليه شيء فقد منعه لأن الصبي ليس من أهل التكليف. والمراضع جمع مرضع بضم الميم وكسر الضاد وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء أو لأنه بمعنى شخص مرضع اهـ شهاب.\rقوله: (من المراضع المحضرة) أي: التي أحضرها فرعون. قوله: يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ (بالإرضاع) وهي امرأة قتل ولدها وأحب شيء إليها أن تجد ولدا ترضعه اهـ خازن.\rقوله: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أي: لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وغذائه، والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد، وقيل: لما قالت وهم له ناصحون قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: ما أعرفه، ولكن قلت وهم للملك ناصحون، وقيل: إنها قالت إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصلنا به، وقيل: قالوا لها: من هم؟ قالت: أمي. قالوا: أو لأمك ولد؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في السنة التي لا يقتل فيها الولدان قالوا: صدقت، فأتينا بها فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا اهـ خازن.\rقوله: (و فسرت) أي: مريم أخته ضمير له أي في قولها: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ جوابا لهم، وذلك أنها لما قالت هذه الكلمة فهموا منها أنها تعرفه وتعرف أهله، فقالت لهم في الجواب: مرادي بالضمير في له الملك أي: فرعون لا موسى كما فهمتم، ومعنى نصحهم للملك امتثالهم أمره، وقوله:\r(فأجيبت) أي: أجابوها عن قولها (هل أدلكم الخ) أي: أذنوا لها في الإتيان بمرضعة، وقوله:\r(و أجابتهم) أي: أمه عن قبول ثديها وذلك لأنها لما حضرت وقبل ثديها مع كونه كان قد مكث عندهم ثمانية أيام لا يقبل ثدي مرضعة أصلا، وكان همّ فرعون وامرأته من الدنيا أن يجد له مرضعة يقبل ثديها فاتهموها بأنها أمه، فاعتذرت عن ذلك وأجابتهم بأن سبب قبوله ثديها أنها طيبة الريح وطيبة اللبن اهـ شيخنا:\rوفي البيضاوي: روي أن هامان لما سمع قولها وهم له ناصحون قال: إنها لتعرفه وأهله فخذوها واحبسوها حتى تخبر بحاله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، فأمرها فرعون بأن تأتي بمن","part":6,"page":11},{"id":1969,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 12\rفقبل ثديها، وأجابتهم عن قبوله بأنها طيبة الريح طيبة اللبن، فأذن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعت به كما قال تعالى\rفَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائه وَلا تَحْزَنَ حينئذ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ برده إليها حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي الناس لا يَعْلَمُونَ (13) بهذا الوعد ولا بأن هذه أخته وهذه أمه فمكث عندها إلى أن فطمته وأجرى عليها أجرتها لكل يوم دينار وأخذتها لأنها مال حربي فأتت به فرعون فتربى عنده كما قال تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء\rأَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ\rوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وهو ثلاثون سنة أو وثلاث وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة آتَيْناهُ حُكْماً حكمة وَعِلْماً فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا يكفله فأتت بأمه وموسى على يد فرعون يبكي طلبا للرضاع وهو يعلله شفقة عليه، فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال لها: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتي بصبي إلا قبلني فدفعه إليها الخ اهـ.\rقوله: (فأذن لها في إرضاعه) أي: بعد أن قال لها أقيمي عندنا لإرضاعه، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي إن رضيتم أن أرضعه في بيتي وإلّا فلا حاجة لي فيه وأظهرت الزهد فيه نفيا للتهمة عنها، فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها من يومها اهـ خطيب.\rولم يبقى أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر اهـ قرطبي.\rقوله: (بلقائه) أي: وصوله إليها وتربيتها له في بيتها اهـ شيخنا.\rقوله: (و أجرى عليها) أي: أجرى فرعون عليها أي أمر لها بإجراء أجرتها كل يوم دينار. قوله:\r(و أخذتها لأنها مال حربي) عبارة الخطيب: فإن قيل: كيف جاز لها أن تأخذ الأجرة منه على ارضاع ولدها؟ أجيب: بأنها ما كانت تأخذه على أنه أجر على الإرضاع، ولكنه مال حربي كانت تأخذه على وجه الاستباحة اهـ.\rوالظاهر أن هذا السؤال لا يرد من أصله لأنه لم يكن إذا ذاك شرع حتى تلتزم حكمه، وعلى فرض أن يكون فليس بلازم أن يكون كشرعنا لجواز أن يكون له تفاريع أخر تأمل. قوله: (و هو ثلاثون سنة) عبارة الخازن: قيل: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقيل: الأشد ثلاث وثلاثون سنة اهـ.\rقوله: (أي بلغ أربعين سنة) فيه أنه تقدم له أن بلوغه الأربعين كان عند رجوعه من مدين، لأنه أقام في مصر ثلاثين سنة، ثم ذهب إلى مدين وأقام فيها عشر سنين، ووقعة قتل القبطي كانت قبل ذهابه لمدين فهي السبب فيه، ولو فسر الاستواء كما صنع غيره بأن يقول أي: انتهى شبابه وتكامل عقله لكان أظهر اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: واستوى أي: اعتدل قده وعقله. آتيناه حكما أي: نبوة وعلما بالدين أو علم الحكماء، والعلماء أو سمتهم قبل استنبائه فلا يقول قولا ولا يفعل فعلا يستجهل فيه وهو أوفق لنظم القصة لأنه تعالى استنبأه بعد الهجرة والمراجعة اهـ.","part":6,"page":12},{"id":1970,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 13\rوَكَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) لأنفسهم\rوَدَخَلَ موسى الْمَدِينَةَ مدينة فرعون وهي منف بعد أن غاب عنه مدة عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها وقت القيلولة فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي إسرائيلي وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ والمراد بالهجرة خروجه إلى مدين، وبالمراجعة رجوعه منها اهـ شهاب.\rقوله: (قبل أن يبعث نبيا) ولعل إيتاءه الفقه كان بطريق الإلهام، وفي القرطبي: وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به ويجتمعون إليه وكان هذا قبل النبوة اهـ.\rقوله: (كما جزيناه) أي: على إحسانه العمل. وفي البيضاوي: وكذلك ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمه نجزي المحسنين على احسانهم اهـ.\rقوله: (منف) بضم فسكون وبمنع الصرف للعلمية والعجمة أو التأنيث، والمعروف فيها منوف بواو وهي مدينة معروفة اهـ شهاب وكشاف.\rقوله: (بعد أن غاب عنه) أي: فرعون مدة، وعبارة الخازن: ودخل المدينة. المدينة هي قيل منف من أعمال مصر، وقيل: قرية يقال لها أم خنان على فرسخين من مصر، وقيل: هي مدينة عين الشمس اهـ.\rوقيل: المدينة هي مصر كما في البيضاوي.\rقوله: عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قيل: هو نصف النهار واشتغال الناس بالقيلولة، وقيل:\rدخلها بين المغرب والعشاء، قيل: سبب دخوله المدينة في ذلك الوقت أن موسى كان يسمى ابن فرعون، وكان يركب مراكب فرعون ويلبس لباسه، فركب فرعون يوما وكان موسى غائبا فلما قدم قيل له: إن فرعون قد ركب فركب موسى في أثره فأدركه المقيل في أرض منف فدخلها وليس في طرقها أحد، وقيل: كان لموسى تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون له، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه فخالفهم في دينهم حتى أنكروا ذلك منه وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخفيا على حين غفلة من أهلها، وقيل: لما ضرب موسى فرعون بالعصا في صغره أراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير فتركه وأمر بإخراجه من مدينته فأخرج منها فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل على حين غفلة من أهلها يعني عن ذكر موسى ونسيانهم خبره لبعد عهدهم به. وعن علي أنه كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم اهـ خازن.\rقوله: (وقت القيلولة) وقيل: بين العشاءين روي ذلك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ذكره الحافظ السيوطي في الدر المنثور، فيكون قوله: عَلى حِينِ غَفْلَةٍ حالا من الفاعل أي: مختلسا أو من المفعول اهـ كرخي.\rقوله: رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ أما القبطي فكافر اتفاقا وأما الإسرائيلي فقيل: كان مؤمنا وقيل: كان كافرا، والذي يؤخذ من صنيعه في شرح قوله: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ أنه كان كافرا اهـ شيخنا.\rقوله: هذا مِنْ شِيعَتِهِ الخ الجملتان نعتان أيضا لرجلين اهـ شيخنا.","part":6,"page":13},{"id":1971,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 14\rفرعون فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فقال له موسى خلّ سبيله فقيل إنه قال لموسى:\rلقد هممت أن أحمله عليك فَوَكَزَهُ مُوسى أي ضربه بجمع كفه وكان شديد القوّة والبطش فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله ولم يكن قتله ودفنه في الرمل قالَ هذا أي قتله مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ المهيج والإشارة واقعة على طريق الحكاية لما وقع وقت الوجدان كان الرائي لهما يقول له لا في المحكي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شهاب.\rوعبارة زاده: أي: رجلين مقولا فيهما هذا من شيعته وهذا من عدوه اهـ.\rقوله: وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ وكان طباخا لفرعون واسمه فليثون، وكان القبطي يريد أن يسخر الإسرائيلي لحمل الحطب. قال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا عنهم كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم فوجد موسى رجلين الخ اهـ خازن.\rقوله: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ هذه قراءة العامة من الغوث أي: طلب غوثه ونصره، وقرئ شاذا بالعين المهملة والنون من الإعانة اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: فاستغاثه الذي من شيعته أي: سأله أن يغيثه بالإعانة كما ينبىء عند تعديته بعلى اهـ.\rأي: أو أنه ضمن معنى النصر، ويؤيده قوله: استنصره بالأمر اهـ شهاب.\rواستغاث يتعدى بنفسه تارة كما هنا وتارة بالباء كقولك: استغثت بزيد على عمرو. الأول في المختار، والثاني في المصباح. قوله: فَوَكَزَهُ مُوسى أي: دفعه بجمع كفه، والفرق بين الوكز واللكز أن الأول بجمع الكف، والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل العكس والنكز كاللكز اهـ سمين.\rوفي المصباح: وكزه وكزا من باب وعد ضربه ودفعه، ويقال: ضربه بجمع كفه على ذقنه، وقال الكسائي: وكزه لكمه اهـ.\rوفيه أيضا: لكزت لكزا من باب قتل ضربه بجمع كفه في صدره، وربما أطلق على جميع البدن اهـ.\rوفي القاموس لكز البئر كنصر وفرح فني ماؤها، ونكز الماء نكوزا غار، ونكز فلان ضرب ودفع، والنكز بالفتح الغرز بشيء محدد الطرف اهـ.\rقوله: (بجمع كفه) بضم فسكون وهو من إضافة الصفة للموصوف أي: بكفه مجموعة، وقيل:\rضربه بعصا اهـ قرطبي.\rقوله: فَقَضى أي: موسى عليه: أي القبطي، أي: أوقع عليه القضاء أي: الموت، وهذا معنى قوله أي: (قتله) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: (فقضى) أي موسى أو اللّه تعالى أو الضمير للفعل أي الوكز اهـ.\rقوله: (و لم يكن قصد قتله) جواب ما يقال كيف ساغ له قتل القبطي وإيضاحه: أنه لم يقصد","part":6,"page":14},{"id":1972,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 15\rغضبي إِنَّهُ عَدُوٌّ لابن آدم مُضِلٌ له مُبِينٌ (15) بيّن الإضلال\rقالَ نادما رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بقتله فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) أي المتصف بهما أزلا وأبدا\rقالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ بحق إنعامك عَلَيَ بالمغفرة اعصمني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا لِلْمُجْرِمِينَ (17) قتله بل هو على سبيل الخطأ لأنه وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه، فالوكزة لا تقتل غالبا وإنما وافقت أجله، وأما جعله ذلك من عمل الشيطان فلكونه كان الأولى له تأخير فعله إلى زمن آخر، فلما عجله وترك المندوب جعله من عمل الشيطان، وأما تسميته ظلما فمن حيث إنه حرم نفسه الثواب بترك المندوب أو من حيث إنه قال ذلك على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى والاعتراف بالتقصير من القيام بحقوقه، وإن لم يكن ثم ذنب. وأما استغفاره من ذلك فمعناه اغفر لي ترك هذا المندوب اهـ كرخي.\rلكن كونه خطأ مشكل على ما هو مقرر في الفروع لأنه قصد الفعل ومتى قصد الفعل لم يكن خطأ، بل إن كانت هذه الوكزة تقتل غالبا فهو عمد وإن لم تقتل غالبا فهو شبه عمد، وكل منهما حرام من الكبائر على مقتضى شرعنا، فالأولى أن يقال إن فعل موسى كان من قبيل دفع الصائل وهو لا إثم فيه بل هو واجب، وأشار لهذا القرطبي بقوله: وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين من الملل كلها وفرض في جميع الشرائع اهـ.\rقوله: قالَ هذا أي: قتله، وقيل: هذا إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، والمعنى أن عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد منه بيان كونه مخالفا للّه تعالى مستحقا للقتل، وقيل:\rهذا إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان وحزبه اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي: لأنه لم يؤمر بقتل الكفار، أو لأنه كان مؤمنا فيهم فلم يكن له اغتيالهم ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ، وإنما عده من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه على عادته في استعظام محقرات فرطت منهم اهـ.\rقوله: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي تقدم أن هذا تواضع منه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، أي: بقتل القبطي من غير أمر، وقيل: هو على سبيل التواضع والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب، وقوله: فَاغْفِرْ لِي أي: ترك هذا المندوب، وقيل: يحتمل أن يكون المراد ربي إني ظلمت نفسي حيث فعلت هذا، فإن فرعون إذا عرف ذلك قتلني به فقال: فاغفر لي أي استره عليّ ولا توصل خبره إلى فرعون فغفر له أي:\rفستره عن الوصول إلى فرعون اهـ.\rقوله: فَغَفَرَ لَهُ أي: وعلم أنه غفر له بإلهام أو بغيره اهـ شيخنا.\rقوله: (بحق إنعامك علي الخ) أشار بهذا إلى أن ما مصدرية والكلام على حذف مضاف، وأشار بقوله: (أعصمني) إلى أن الباء متعلقة بمقدر هو هذا، وقوله: فَلَنْ أَكُونَ جواب شرط قدره بقوله:\r(إن عصمتني) هذا ما جرى عليه الشارح اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال الزمخشري: قوله بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف","part":6,"page":15},{"id":1973,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 16\rالكافرين بعد هذه إن عصمتني\rفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر ما يناله من جهة القتيل فَإِذَا تقديره أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبن فلن أكون ظهيرا للمجرمين، وأن يكون استعطافا كأنه قال رب اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من الكفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جماعته وتكثير سواده حيث كان يركب بموكبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى قتله. وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أؤمر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمنا ونصرة المؤمن واجبة في جميع الشرائع، وقيل في بعض الروايات: إن ذلك الإسرائيلي كان كافرا، وإنما قيل له إنه من شيعته لأن كان إسرائيليا ولم يرد الموافقة في الدين، فعلى هذا ندم لأنه أعان كافرا على كافر فقال: لا أكون بعد هذا ظهيرا للكافرين، وقيل: ليس هذا خبرا بل هو دعاء أي: فلا أكون بعد هذا ظهيرا أي: فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين. وقال الفراء: المعنى اللهم وهذا قول الكسائي والفراء. قال السكائي: وفي قراءة عبد اللّه فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين، وقال الفراء: المعنى اللهم فلن أكون ظهيرا للمجرمين اهـ.\rقوله: (إنعامك) عَلَيَ (بالمغفرة) عبارة القرطبي: بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ أي: من المعرفة والحكمة والتوحيد. قال القشيري: ولم يقل بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ من المغفرة لأن هذا قبل الوحي، وما كان عالما بأن اللّه غفر له ذلك القتل، وقال الماوردي: بما أنعمت عليّ فيه وجهان، أحدهما: من المغفرة وكذلك ذكر المهدوي بما أنعمت عليّ بالمغفرة فلن أعين بعدها مجرما، وقال الثعلبي: بما أنعمت عليّ أي بالمغفرة فلم تعاقبني. الوجه الثاني: من الهداية قلت قوله فَغَفَرَ لَهُ يدل على المغفرة ولعله علمها بطريق الإلهام أو بإخبار الملك، ولا يلزم من هذا نبوته في هذا الوقت اهـ.\rقوله: (عونا) أي: معينا. قوله: (بعد هذه) أي: بعد هذه المرة التي وقعت مني، وهذا يقتضي أنه كان معينا للكافر، فيقضي أن الإسرائيلي كان كافرا اهـ شيخنا.\rقوله: فِي الْمَدِينَةِ أي: التي قتل فيها القبطي اهـ خازن.\rوقوله: خائِفاً الظاهر أنه خبر أصبح وفي المدينة متعلق به، ويجوز أن يكون حالا والخبر في المدينة ويضعف تمام أصبح أي: دخل في الأصباح، وقوله: يَتَرَقَّبُ يجوز أن يكن خبرا ثانيا، وأن يكون حالا ثانية، وأن يكون بدلا من الحال الأولى أو الخبر الأول، أو حالا من الضمير في خائفا فتكون حالا متداخلة، ومفعول يترقب محذوف أي يترقب المكروه أو الفرج أو الخبر هل وصل لفرعون أم لا اهـ سمين.\rوتقدم في طه وغيرها أن الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم يخافون ردا على من قال غير ذلك، وأن الخوف لا ينافي المعرفة باللّه ولا التوكل عليه اهـ قرطبي.\rقوله: فَإِذَا الَّذِي إذا فجائية، والذي مبتدأ نعت لمحذوف أي: فإذا الإسرائيلي الذي، واستنصره صلة الذي، ويستصرخه خبر المبتدأ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إذا فجائية والذي مبتدأ خبره إما إذا، ويستصرخه حال، وإما يستصرخه، وإذا فضله على بابها اهـ.","part":6,"page":16},{"id":1974,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 17\rالَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيث به على قبطي آخر قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) بيّن الغواية لما فعلته أمس واليوم\rفَلَمَّا أَنْ زائدة أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما لموسى والمستغيث به قالَ المستغيث ظانّا أنه يبطش به لما قال له يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً قوله: (على قبطي آخر) أي: يريد أن يستخدم الإسرائيلي، والاستصراخ الاستغاثة وهو من الصراخ، وذلك لأن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث اهـ قرطبي.\rقوله: قالَ مُوسى * الخ قال ابن عباس: إن القبط قالوا لفرعون إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا فقال: اطلبوا قاتله ومن يشهد عليه، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر فاستغاثه على الفرعوني، وكان موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ اهـ خازن.\rقوله: قالَ لَهُ أي: للإسرائيلي هذا ما جرى عليه الشارح، وقيل: الضمير في له للقبطي.\rأي: قال موسى للقبطي إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ في تسخير الإسرائيلي اهـ قرطبي.\rقوله: (بين الغواية) بفتح الغين. يقال غوى يغوي كرمى يرمي وغواية كعداوة اهـ شيخنا.\rقوله: (لما فعلته أمس واليوم) أي: من تسببك أمس في قتل رجل واليوم تقاتل آخر اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ حيث قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه اهـ.\rقوله: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ الخ وذلك أن موسى أخذته الغيرة والرقة على الإسرائيلي فمد يده ليبطش بالقبطي، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به هو لما رأى من غضبه وسمع من قوله:\rإِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فقال: يا موسى أتريد إلى آخره اهـ شيخنا.\rقوله: (زائدة) وتطرد زيادتها في موضعين، أحدهما: بعد لما كهذه الآية. والثاني: قبل لو مسبوقة بقسم كقوله:\rفاقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لنا يوم من الشر مظلم\r\rاه سمين.\rقوله: (ظانا أنه) أي: موسى يبطش به أي: يقتله، وقوله: (لما قال له) علة لظنه المذكور أي:\rإنما ظن الإسرائيلي في موسى هذا الظن للذي قاله موسى له وهو قوله: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فما موصولة وعائدها محذوف اهـ شيخنا.\rوقيل: القائل ما ذكر هو نفس القبطي وكأنه توهم من زجر موسى للإسرائيلي أنه هو الذي قتل الرجل بالأمس اهـ بيضاوي.\rوهذا هو الظاهر لقوله: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ الخ. وأيضا فقوله: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً الخ.\rلا يليق إلا بالقبطي الجاني على الإسرائيلي اهـ زاده.","part":6,"page":17},{"id":1975,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 18\rبِالْأَمْسِ إِنْ ما تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) فسمع القبطي ذلك فعلم أن القاتل موسى، فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر فرعون الذباحين بقتل موسى، فأخذوا في الطريق إليه\rوَجاءَ رَجُلٌ هو مؤمن آل فرعون مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ آخرها يَسْعى يسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ من قوم فرعون يَأْتَمِرُونَ بِكَ يتشاورون فيك لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ من المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) في الأمر بالخروج\rفَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ لحوق طالب أو غوث اللّه إياه قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) قوم فرعون\rوَلَمَّا تَوَجَّهَ قصد بوجهه تِلْقاءَ مَدْيَنَ جهتها، وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر، سميت قوله: جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ الجبار: هو الذي يقتل ويضرب ولا ينظر في العواقب، وقيل: هو الذي يتعاظم ولا يتواضع لأمر اللّه اهـ خازن.\rقوله: مِنَ الْمُصْلِحِينَ أي: بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن اهـ بيضاوي.\rقوله: (هو مؤمن ال فرعون) وهو ابن عم فرعون واسمه حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: سمعان وهو الذي ذكر في قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: 28] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: يَسْعى يجوز أن يكون صفة وأن يكون حالا، لأن النكرة قد تخصصت بالوصف بقوله:\rمِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، فإن جعلت من أقصى متعلقا بجاء، فيسعى صفة ليس إلا قاله الزمخشري بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدم أن سيبويه يجيز ذلك من غير شرط، وفي آية يس قدم من أقصى على رجل، لأنه لم يكن أقصاها وإنما جاء منها، وهنا وصفه بأنه من أقصاها وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان اهـ سمين.\rفما هنا في قضية موسى، وما هناك في قضية حواريي عيسى اهـ.\rقوله: (يتشاورون فيك) أي: في شأنك. وقيل: معناه يأمر بعضهم بقتلك اهـ خازن.\rوهذا أقرب للفظ والمعنى اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ يتشاورون بسببك، وإنما سمي التشاور ائتمارا لأن كلّا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر به اهـ.\rقوله: إِنِّي لَكَ يجوز أن يتعلق لك بما يدل عليه الناصحين، أي: ناصح لك من جملة الناصحين أو بنفس الناصحين للاتساع في الظروف أو على جهة البيان أعني لك اهـ سمين.\rقوله: (لحوق طالب الخ) قولان للمفسرين. قوله: قالَ رَبِّ نَجِّنِي أي: خلصني منهم واحفظني من لحوقهم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ الخ أي: قصد نحوها ماضيا إليها قيل: لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنه أهل مدين من ولد إبراهيم وهو من ولد إبراهيم، ومدين هو مدين بن إبراهيم قيل:\rخرج موسى خائفا بلا ظهر ولا زاد ولا أحد: ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ونبات الأرض حتى ريئت خضرته في باطنه من خارج، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه. قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من اللّه لموسى اهـ خازن.","part":6,"page":18},{"id":1976,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 19\rبمدين ابن إبراهيم، ولم يكن يعرف طريقها قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) أي قصد الطريق، أي الطريق الوسط إليها، فأرسل اللّه له ملكا بيده عنزة فانطلق به إليها\rوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ بئر فيها أي وصل إليها وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً جماعة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ أي سواهم امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تمنعان أغنامهما عن الماء قالَ موسى لهما ما خَطْبُكُما أي ما شأنكما لا تسقيان قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ جمع راع أي يرجعون عن قال مقاتل: وكان ملك مدين لغير فرعون اهـ قرطبي.\rقوله: سَواءَ السَّبِيلِ من إضافة الصفة للموصوف كما أشار له بقوله: (أي الطريق الوسط)، وفسر سواء بالقصد ثم فسّر القصد بالوسط اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الطريق الوسط) وكان لها ثلاث طرق، فأخذ موسى الوسط وجاء الطلاب في أثره فساروا في الآخريين اهـ أبو السعود.\rقوله: (ملكا) في القرطبي: إنه كان راكبا فرسا وأنه جبريل اهـ.\rقوله: (بيده عنزة) وهي ما فوق العصا ودون الرمح في طرفها زج كزج الرمح أي: حربة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ مشى موسى عليه السّلام حتى ورد ماء مدين أي: بلغها ووصل إليها، ووروده الماء معناه بلوغه لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه اهـ قرطبي.\rقوله: (بئر فيها) خبر مبتدأ محذوف صرح به الخازن أي: هو بئر فيها اهـ شيخنا.\rومقصود الشارح الإشارة إلى أنه من ذكر الحال وإرادة المحل فأطلق الماء وأريد البئر اهـ كرخي.\rوالبئر: مؤنثة ويجوز تخفيف الهمزة اهـ مصباح.\rقوله: (جماعة) أي: كثيرة فتنكير أمة للتكثير اهـ كرخي.\rقوله: (أي سواهم) أي: ومن قبلهم أي: قبل أن يصل إليهم اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: من دونهم أي: في موضع أسفل منهم، وفي الخازن: أي في موضع بعيد منهم اهـ.\rقوله: تَذُودانِ صفة لامرأتين لا مفعول ثان، لأن وجد بمعنى لقي اهـ كرخي.\rقوله: (عن الماء) أي: تختلط أغنامهما بأغنامهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم ترك المفعول غير مذكور في قوله يَسْقُونَ وتذودان لا نَسْقِي؟ قلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قولهما لا نسقي حتى يصدر الرعاء المقصود منه السقي لا المسقى اهـ كرخي.\rقوله: حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ الصدر عن الشيء الرجوع عنه. يقال في فعله: صدر من باب ضرب","part":6,"page":19},{"id":1977,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 20\rسقيهم خوف الزحام فنسقي، وفي قراءة يصدر من الرباعي أي يصرفون مواشيهم عن الماء وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) لا يقدر أن يسقي\rفَسَقى لَهُما من بئر أخرى بقربهما رفع حجرا عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس ثُمَّ تَوَلَّى انصرف إِلَى الظِّلِ لسمرة من شدة حر الشمس وهو جائع فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ طعام فَقِيرٌ (24) محتاج فرجعتا إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه فسألهما عن ذلك فأخبرتاه بمن سقى لهما، فقال لإحداهما: ادعيه لي، قال تعالى\rفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أي واضعة كمّ درعها على وجهها حياء منه قالَتْ إِنَ ونصر ودخل، والصدر بفتحتين اسم مصدر منه ويتعدى بنفسه، فيقال: صدره غيره أي: رجعه ورده ويستعمل رباعيا فيقال: أصدره غيره اهـ من القاموس والمختار.\rقوله: (جمع راع) أي: على غير قياس لأن فاعل الوصف المعتل اللام كقاض قياسه فعلة نحو قضاة ورماة خلافا للزمخشري في قوله: (إن جمع راع) على فعال قياس كصيام وقيام اهـ كرخي.\rقال ابن مالك: في نحو رام ذو إطراد فعله. اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ابداء منهما للعذر في مباشرة السقي بأنفسهما كأنهما قالتا إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: قيل: أبوهما هو شعيب عليه الصلاة والسّلام، وقيل: ثبرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات بعد ما كف بصره، وقيل: هو رجل ممن آمن بشعيب اهـ.\rقوله: (لا يقدر أن يسقي) أي: فيرسلنا اضطرارا، وبه يندفع ما يقال كيف ساغ لنبي اللّه شعيب عليه السّلام أن يرضى لا بنتيه بسقي الماشية، فإن الضرورات تبيح المحظورات مع أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه والعادات متباينة فيه كما فصل الزمخشري، وهو أن أحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر اهـ كرخي.\rقوله: فَسَقى لَهُما أي: غنمها لأجلهما اهـ سمين.\rقوله: (بقربها) أي: بقرب التي عليها الزحام. قوله: (إلا عشرة أنفس) وقيل: سبعة، وقيل:\rثلاثون وقيل: أربعون، وقيل: مائة. قوله: (سمرة) بضم الميم وجمعها سمر كرجل وهي شجرة عظيمة من شجر الطلح اهـ شيخنا.\rقوله: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ أي: لأي شيء أنزلت إلى قليل أو كثير، وقوله: (محتاج) إذ بات ثمان ليال طاويا، أو إني لما أنزلت إلي من خير الدين فقير في الدنيا فيكون شكرا اهـ كرخي.\rوأنزل بمعنى المضارع، وفقير خبر إن، وفي السمين: قال الزمخشري: عدى باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب اهـ.\rأي: وإلا فهو يتعدى بإلى.\rقوله: فَجاءَتْهُ معطوف على ما قدره الشارح بقوله: (فرجعتا إلى أبيهما الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: تَمْشِي حال من الفاعل، وقوله: عَلَى اسْتِحْياءٍ حال من الضمير في تمشي، وعلى\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 21\r\rله: تَمْشِي حال من الفاعل، وقوله: عَلَى اسْتِحْياءٍ حال من الضمير في تمشي، وعلى","part":6,"page":20},{"id":1978,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 21\rأَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فأجابها منكرا في نفسه أخذ الأجرة، كأنها قصدت المكافأة إن كان ممن يريدها، فمشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها، فقال لها:\rامشي خلفي ودليني على الطريق ففعلت، إلى أن جاء أباها وهو شعيب عليه السّلام وعنده عشاء، فقال له: اجلس فتعشّ، قال: أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل خير عوضا، قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام، فأكل وأخبره بحاله، قال تعالى فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ مصدر بمعنى المقصوص من قتله القبطي، وقصدهم قتله وخوفه من فرعون قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) إذ لا سلطان لفرعون على مدين\rقالَتْ إِحْداهُما وهي المرسلة الكبرى أو الصغرى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ اتخذه أجيرا يرعى غنمنا أي بدلنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) أي استأجره لقوته وأمانته، فسألها عنهما فأخبرته بما تقدم من رفعه حجر البئر ومن قوله لها امشي خلفي، وزيادة بمعنى مع، أي: مع استحياء والاستحياء والحياء بالمد الحشمة والانقباض والانزواء. يقال: استحيت بياء واحدة وبياءين ويتعدى بنفسه وبالحروف فيقال: استحيته واستحيت منه اهـ من المصباح.\rقوله: (كم درعها) أي: قميصها. قوله: أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ما مصدرية. قوله: (منكرا في نفسه أخذ الأجرة) أي: فلم تكن إجابته لهذا الغرض بل كانت لأجل التبرك بأبيها لما سمع منها أنه شيخ كبير اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (فأجابها منكرا الخ) جواب عن سؤال كيف أجاب دعوتها مع قولها المذكور، والحال أنه لم يسق لهم طلبا للأجر وإن سمي في الدعوة أجرا. وإيضاحه: أنه أجاب دعوتها ودعوة أبيها وهو منكر في نفسه أن سقيه كان لطلب الأجرة، وإنما هو لوجه اللّه تعالى وللتبرك برؤية الشيخ، ولذا امتنع من أكل طعامه إلى أن بيّن له أنه ليس للأجرة هذا وأن من فعل فعلا معروفا وأهدى بشيء لم يحرم أخذه، فهذا مبني على تسليم قبول شيء في مقابلة بره، والأول منع له. وفي الكشاف:\rأن طلب الأجر لشدة الفاقة غير منكر وهو جواب آخر ويشهد لصحته لو شئت لا تخذت عليه أجرا اهـ.\rقوله: (بين يديه) أي: أمامه. قوله: (مما سقيت) من بمعنى عن وما مصدرية. قوله: (و هي المرسلة) وهي التي تزوجها موسى اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الخ تعليل للأمر قبله كما إشار له الشارح اهـ شيخنا.\rوجعل خير اسما لإن مع أن الظاهر فيه أن يكون خبرا، ويكون القوي اسما لإن، وذلك لأن ما هو أعنى فهو بالتقديم أولى فإن شدة العناية والاهتمام لما كانت متعلقة بالخيرية قدمت وجعلت اسم إن، وذكر الفعل بلفظ الماضي ولم تقل تستأجر مع أنه الظاهر لأنه جعله لتحققه وتجربته منزلا منزلة ما مضى وعرف قبل اهـ شهاب وزاده.\rقوله: (فسألها عنهما) بأن قال لها وما أعلمك قوته وأمانته اهـ أبو السعود.\rقوله: (و زيادة) أي: وأخبرته بزيادة على بيان القوة والأمانة اهـ شيخنا.","part":6,"page":21},{"id":1979,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 22\rأنها لما جاءته وعلم بها صوب رأسه فلم يرفعه فرغب في إنكاحه\rقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ وهي الكبرى أو الصغرى عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي تكون أجيرا في رعي غنمي ثَمانِيَ حِجَجٍ أي سنين فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي رعي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ التمام وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ باشتراط العشر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ للتبرك مِنَ الصَّالِحِينَ (27) الوافين بالعهد\rقالَ موسى ذلِكَ الذي قلته بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ الثمان أو العشر وما زائدة أي لكن فيه أن هذا من جملة الأمانة كما صنع البيضاوي فلا زيادة، وقوله: (صوب): أي خفض رأسه. قوله: هاتَيْنِ فيه إشارة إلى أنه كانت له بنات أخر، وقد قال البقاعي إنه له سبع بنات كما في التوراة اهـ شهاب.\rقوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي في محل نصب على الحال إما من الفاعل أو من المفعول أي:\rمشروطا على أو عليك ذلك، وتأجرني فعل مضارع أجرته كنت له أجيرا، ومفعوله الثاني محذوف أي:\rتأجرني نفسك، وثماني حجج ظرف له. ونقل الشيخ عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قلت:\rالزمخشري لم يجعلها مفعولا ثانيا على هذا الوجه، وإنما جعلها مفعولا ثانيا على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف وهذا نصه ليتبين لك، قال: تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيرا كقولك: أبوته إذا كنت له أبا، وثماني حجج ظرف أو من أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أجركم اللّه ورحمكم، وثماني حجج مفعول به، ومعناه رعي ثماني حجج فنقل عنه الشيخ الوجه الأولى من المعنيين المذكورين في تأجرني فقط، وحكي عنه أنه أعرب ثماني حجج مفعولا به وكيف يستقيم ذلك أو يتجه، وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافا ليصح المعنى به أي: رعي ثماني حجج، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجابة على الزمان اهـ سمين.\rقوله: (التمام) أشار إلى أن فمن عندك خبر مبتدأ محذوف أي: والتقدير فالتمام من عندك تفضلا لا من عندي إلزاما عليك، والجملة جزاء الشرط، والظاهر أنه استدعاء عقد بالأجل الأول نظرا إلى شرعنا، ويمكن كونه عقدا صحيحا عندهم اهـ كرخي.\rقوله: (باشتراط العشر) أي: ولا بالمناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الأعمال اهـ بيضاوي.\rقوله: (للتبرك) عبارة أبي السعود: ومراده عليه السّلام بالاستثناء التبرك به وتفويض أمره إلى توفيقه تعالى لا تعليق صلاحه بمشيئته تعالى، انتهت.\rقوله: (الوافين بالعهد) عبارة البيضاوي: من الصالحين في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالعهد اهـ.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وبيني وبينك خبره أي: ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم وثابت بيننا جميعا لا يخرج عنه واحد منا، لا أنا عما شرطت عليّ ولا أنت عما شرطته على نفسك اهـ أبو السعود.\rقوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ أي: شرطية، وجوابها فلا عدوان عليّ. وفي ما هذه قولان أشهرهما:\rأنها زائدة كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة والأجلين بدل منها اهـ سمين.","part":6,"page":22},{"id":1980,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 23\rرعيه قَضَيْتُ به أي فرغت منه فَلا عُدْوانَ عَلَيَ بطلب الزيادة عليه وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ أنا وأنت وَكِيلٌ (28) حفيظ أو شهيد، فتم العقد بذلك وأمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصا الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم من آس الجنة، وقال أبو السعود: وتعميم انتفاء العدوان لكلا الأجلين بصدد المشارطة مع عدم تحقق العدوان في أكثرهما رأسا للقصد إلى التسوية بينهما في الانتفاء أي: أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان أو أيما الأجلين قضيت فلا إثم عليّ في قضاء الأكثر لا إثم عليّ في قضاء الأقصر فقط اهـ.\rقوله: (الثمان أو العشر) بالنصب لأنه تفسير لأي بدليل أنه عطف بأو، ولو كان تفسيرا للأجلين المجرور لعطف بالواو. قوله: (فتم العقد) أي عقد النكاح والإجارة بذلك أي: بما صدر من شعيب وهو قوله: إِنِّي أُرِيدُ الخ. ومن موسى وهو قوله ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الخ، ولعل هذا كان في شرعهما وإلّا فهذه الصيغة لا تكفي عندنا في عقد النكاح، لأن الواقع من شعيب وعد بالإنكاح، والواقع من موسى ليس فيه مادة التزويج ولا الإنكاح، وأيضا الصداق ليس راجعا للمنكوحة بل لأبيها، وغير الشارح جرى على أنهما عقدا عقدا بغير الصورة المذكورة هنا منهما اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (فتم العقد بذلك الخ) يستشكل ذلك بأن شعيبا عليه السّلام إنما قال: أريد أن أنكحك إحدى ابنتي الخ فوعد، وأيضا لم يعين المنكوحة ويجاب كما أفاده شيخنا الظاهر أنه وقع التعيين حين إنجاز الوعد اهـ.\rوفي أبي السعود: وليس ما حكي عنهما عليهما السّلام في الآية تمام ما جرى بينهما من الكلام في إنشاء عقد النكاح وعقد الإجارة وإيقاعهما، بل هو بيان لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه حسبما يتوقف عليه مساق القصة إجمالا من غير تعرض لبيان مواجب العقدين في تلك الشريعة تفصيلا اهـ.\rقال كثير من المفسرين: إنه زوجه الصغرى وهي التي أرسلها في طلبه واسمها كما في الكشاف صفراء، وقيل: الكبرى واسمها صفوراء اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: إن الصغرى اسمها صفيراء، والكبرى اسمها صفراء أو صفوراء اهـ.\rوفي القرطبي: وروي اسم احداهما ليا والأخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب، وقيل: ابن أخي شعيب، وإن شعيبا قد مات وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب عليه السّلام وهو ظاهر القرآن. قال اللّه تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [الأعراف: 85] اهـ.\rقوله: (فوقع في يدها عصا آدم) فأتت بها أباها فمسها وكان مكفوفا فضن بها وقال: أعطيه غيرها فردتها ثم أخذت عصا فما وقع في يدها إلا هي واستمر يراجعها سبع مرات، فدفعها إلى موسى وعلم أن له شأنا. وقيل: أودعها شعيبا ملك في صورة رجل، فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فأتته بها فردها سبع مرات فلم يقع في يدها غيرها فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة عنده فتتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع، فأتاهما الملك فقال: ألقياها فمن رفعها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطقها فرفعها","part":6,"page":23},{"id":1981,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 24\rفأخذها موسى بعلم شعيب\r* فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي رعيه وهو ثمان أو عشر سنين وهو المظنون به وَسارَ بِأَهْلِهِ زوجته بإذن أبيها نحو مصر آنَسَ أبصر من بعيد مِنْ جانِبِ الطُّورِ اسم جبل ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا هنا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن الطريق وكان قد أخطأها أَوْ جَذْوَةٍ بتثليث الجيم قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) تستدفئون، والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها\rفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ لموسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ لموسى لسماعه كلام اللّه فيها مِنْ موسى عليه السّلام فكانت له اهـ أبي السعود.\rقوله: (من آس الجنة) حملها آدم معه حين أهبط من الجنة وتوارثها الأنبياء بعده، فصارت منه إلى نوح ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته اهـ خازن.\rقوله: (و هو المظنون به) أي: اللائق به لكمال مروءته فالظن به أنه وفي الأكمل، وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين، وعن مجاهد وغيره: أنه أقام عند شعيب عشرة أخرى. قال ابن عطية: وهو ضعيف.\rقوله: وَسارَ بِأَهْلِهِ أي: لصلة رحمه وزيادة أمه وأخيه بمصر، ولما عزم على السير قال لزوجته: اطلبي من أبيك أن يعطينا بعض الغنم فطلبت من أبيها ذلك، فقال: لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شبهها من كل أبلق وبلقاء، فأوحى اللّه إلى موسى في النوم أن أضرب بعصاك الماء واسق منه الغنم ففعل ذلك، فما أخطأت واحدة إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه اللّه إلى موسى وابنته، فوفى له بشرطه وأعطاه الأغنام اهـ خازن.\rقوله: (زوجته) أي: وابنه منها والخادم. قوله: أَوْ جَذْوَةٍ قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون بالكسر وهي لغات في العود الذي في رأسه نار. هذا هو المشهور وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب، وقد ورد يقتضي وجود اللهب فيه، وقيل: الجذوة العود الغليظ سواء كان في رأسه نار أم لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار اهـ سمين.\rقوله: (قطعة وشعلة) عبارة البيضاوي: أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن ولذلك بينه بقوله: مِنَ النَّارِ اهـ.\rقوله: (تستدفئون) من دفىء من باب تعب، ودفؤ من باب قرب، في المصباح: دفىء البيت يدفأ مهموز من باب تعب، ودفىء الشخص فالذكر دفآن والأنثى دفأى مثل غضبان وغضبى إذا لبس ما يدفئه ويسخنه، ودفؤ اليوم مثال قرب والدفء موازن حمل خلاف البرد وهو السخونة اهـ.\rوقوله: (بكسر اللام) أي: من باب رضي وفتحها من باب رمى اهـ.\rقوله: نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ الخ قيل: إن موسى لما رأى النار مشتعلة في الشجرة الخضراء علم أنه لا يقدر على ذلك إلا اللّه فعلم أنه تعالى هو المتكلم بالنداء المذكور، وقيل: إن اللّه خلق فيه علما ضروريا بأن المتكلم هو اللّه تعالى وبأن ذلك الكلام كلامه، وقيل: إنه قيل لموسى كيف","part":6,"page":24},{"id":1982,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 25\rالشَّجَرَةِ بدل من شاطئ بإعادة الجار لنباتها فيه، وهي شجرة عناب أو عليق أو عوسج أَنْ مفسرة لا مخففة يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30)\rوَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها فَلَمَّا رَآها عرفت أنه نداء اللّه تعالى؟ قال: إني سمعته بجميع أجزائي من سائر جهاتي، فلما وجدت حس السمع من جميع الأجزاء علمت بذلك أنه لا يقدر عليه أحد إلا اللّه اهـ خازن.\rوفي الكرخي: وذهب جماعة من العلماء منهم الإمام الغزالي: إلا أنه عليه الصلاة والسّلام سمع كلامه تعالى الأزلي النفسي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته المقدسة في الآخرة بلا كم ولا كيف، ولعلهم يجعلون قوله مِنْ شاطِئِ الْوادِ حالا من ضمير موسى في نودي أي: قريبا منه أو كائنا فيه على أن تكون كلمة من بمعنى في كما قالوا في قوله: أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [فاطر: 40] اهـ.\rقوله: مِنْ شاطِئِ الْوادِ من لابتداء الغاية، والأيمن صفة للشاطئ أو للوادي، والأيمن من اليمن وهو البركة أو من اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة لموسى الذي يلي يمينك ويسارك، والشاطئ: صفة الوادي والنهر أي حافته أو طرفه، وكذلك الشط والسيف والساحل كلها بمعنى، وقوله: فِي الْبُقْعَةِ متعلق بنودي أو بمحذوف على أنه حال من الشاطئ اهـ سمين.\rقوله: (لسماعه كلام اللّه) أي: وإيتاء النبوة والرسالة له فيها اهـ خازن.\rقوله: (بدل) أي: بدل اشتمال، ووجه الملابسة بقوله: (لنباتها فيه) أي: في الشاطئ اهـ شيخنا.\rقوله: (أو عوسج) أي: شوك. قوله: أَنْ (مفسرة) أي: لأن النداء قول أي: بأن يا موسى، وقوله: (لا مخففة) أي من الثقيلة لعدم إفادتها هذا المعنى المقصود، وأشار بهذا إلى ردّ قول من قال إن اسمها محذوف يفسره جملة النداء أي: نودي بأنه أي: الشأن كما نقله السمين واستبعده اهـ كرخي.\rقوله: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وقال في سورة طه نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 11] وقال في النمل نُودِيَ أَنْ بُورِكَ [النمل: 8] من في النار ومن حولها وهما مخالفان لما هنا من حيث اللفظ إلا أن الجميع متوافق في المقصود وهو فتح باب الاستنباء وسوق الكلام على وجه يؤدي إليه.\rقال الإمام: لا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء اهـ زاده.\rوالعامة على إني بالكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه، وقرئ بالفتح إشكال لأنه إن جعلت أن تفسيرية وجب كسر إني للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، وإن جعلت مخففة لزم تقدير إني بمصدر، والمصدر مفرد وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تخرج عليه هذه القراءة أن تكون أن تفسيرية، وإني معمولة لفعل مضمر تقديره أن يا موسى أعلم أني أنا اللّه اهـ سمين.\rقوله: وَأَنْ أَلْقِ معطوف على أن يا موسى فكلاهما مفسر لنودي، والفاء في قوله: فَلَمَّا رَآها الخ مفصحة عن جمل قد حذفت تعويلا على دلالة الحال عليها وإشعارا بغاية سرعة تحقق مدلولاتها، أي: فألقاها فصارت ثعبانا فاهتزت اهـ أبو السعود.","part":6,"page":25},{"id":1983,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 26\rتَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌ وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ أي يرجع فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)\rاسْلُكْ أدخل يَدَكَ اليمنى بمعنى الكف فِي جَيْبِكَ هو طوق القميص وأخرجها تَخْرُجْ خلاف ما كانت عليه من الأدمة بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي برص فأدخلها وأخرجها تضيء كشعاع الشمس تغشى البصر وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ بفتح الحرفين وسكون الثاني مع فتح الأول وضمه، أي الخوف الحاصل من إضاءة اليد بأن تدخلها في جيبك فتعود إلى حالتها الأولى، وعبر عنها بالجناح لأنها للإنسان كالجناح للطائر فَذانِكَ بالتشديد والتخفيف أي العصا واليد وهما وهي التي ذكرها الشارح بقوله: (فألقاها). قوله: (و هي الحية الصغيرة) يعني في أول وقت الإلقاء فلا يخالف هذا قوله: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107، الشعراء: 32] إذ يجوز أن يعظم ويكبر عقيب تلك الحالة بلا تأخير فيصير كالثعبان فيصح معنى المفاجأة حينئذ اهـ كرخي.\rقوله: (من سرعة حركتها) تعليل للتشبيه أي: وشبهت بالجان من أجل سرعة حركتها.\rقوله: وَلَّى مُدْبِراً قال وهب: إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى أن موسى سمع صرير أسنانها وقعقعة الشجر والصخر في جوفها، فحينئذ ولّى مدبرا اهـ خازن.\rقوله: اسْلُكْ يَدَكَ السلك بالفتح والسلوك كل منهما مصدر لسلك الشيء في الشيء أنفذه فيه فإنه من بابي قعد ونصر اهـ من المصباح.\rقوله: (من الأدمة) أي: السمرة. قوله: (تغشى البصر) أي: تغطيه. قوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضمونا وفي الآخر مضموما إليه، وذلك قوله هنا: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ، وقوله في طه: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الرَّهْبِ أي: من أجله وهو متعلق باضمم. قوله: (بفتح الحرفين الخ) القراءات الثلاث سبعيات. قوله: (بأن تدخلها) تفسير للضم أي: تدخل اليد اليمنى التي حصل فيها البياض في جيبك فتعود إلى حالتها فيزول عنك الفزع الذي حصل لك اهـ شيخنا.\rقال ابن عباس: أمره اللّه تعالى أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه اهـ خازن.\rقوله: (كالجناح للطائر) فإن الطائر إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالتشديد والتخفيف) فالمشدد تثنية ذلك بلام البعد، فالتشديد عوض عنها في المفرد والمخفف تثنية ذاك بدونها اهـ شيخنا.","part":6,"page":26},{"id":1984,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 27\rمؤنثان وإنما ذكر المشار به إليهما المبتدأ لتذكير خبره بُرْهانانِ مرسلان مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (32)\rقالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً هو القبطي السابق فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) به\rوَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً أبين فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة يُصَدِّقُنِي بالجزم جواب الدعاء وفي قراءة بالرفع، وجملته صفة ردءا إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)\rقالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ نقويك بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً غلبة فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بسوء اذهبا بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (35) لهم\rفَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قوله: مِنْ رَبِّكَ متعلق بمحذوف وهو صفة لبرهانان، وقدره الشارح بقوله: (مرسلان) وغيره بقوله: (كائنان) اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: إِلى فِرْعَوْنَ متعلق بمحذوف أي: اذهب إلى فرعون، وقدره أبو البقاء مرسلان إلى فرعون كما أشار إليه في التقرير اهـ.\rقوله: لِساناً أي كلاما. قوله: رِدْءاً منصوب على الحال، والردء العون وهو فعل بمعنى مفعول كالدفء بمعنى المدفوء به، وردأته على عدوه أعنته عليه، وردأت الحائط دعمته بخشبة لئلا يسقط. وقال النحاس: يقال ردأته، وأردأته وقرأ نافع ردا بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينونّه كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف اهـ سمين.\rقوله: يُصَدِّقُنِي أي بتلخيص الحق وتقرير الحجة بتوضيحها وتزييف الشبه اهـ أبو السعود.\rيعني ليس المراد بقوله: يُصَدِّقُنِي مجرد قوله له صدقت، أو قوله للناس صدق أخي لأنه لا يحتاج فيه إلى زيادة الفصاحة، وإنما طريق تصديقه أن يلخص الحق بلسانه ويجادل الكفار ببيانه، وذلك يجري مجرى التصديق كما يصدق القول بالبرهان اهـ زاده.\rقوله: (جواب الدعاء) أي: الأمر سماه دعاء تأدبا اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ يُكَذِّبُونِ أي: لأن لساني لا يطاوعني عند المحاجة اهـ بيضاوي.\rبسبب العقدة التي كانت فيه بسبب الجمرة اهـ خازن.\rقوله: (تقويك) أي: فإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور، ولذلك يعبر عنه باليد وعن شدتها بشدة العضد اهـ بيضاوي.\rأي: فهو مجاز مرسل على طريق إطلاق السبب وإرادة المسبب بمرتبتين، فإن شدة العضد سبب مستلزم لشدة اليد، وشدة اليد مستلزمة لقوة الشخص في المرتبة الثانية اهـ زاده.\rوقال الشهاب: الشدة التقوية فهو إما كناية تلويحية عن تقويته لأن اليد تشد بشد العضد والجملة تشد بشد اليد ولا مانع من الحقيقة كما توهم، أو استعارة تمثيلية شبه حال موسى في تقويه بأخيه بحال اليد في تقويها بالعضد اهـ.\rقوله: بِآياتِنا يجوز فيه أوجه: أن يتعلق بنجعل أو بيصلون أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على","part":6,"page":27},{"id":1985,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 28\rواضحات حال قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً مختلق وَما سَمِعْنا بِهذا كائنا فِي أيام آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (36)\rوَقالَ بواو وبدونها مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ أي عالم بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ الضمير للرب وَمَنْ عطف على من قبلها تَكُونُ بالفوقانية والتحتانية لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أي هو أنا في الشقين فأنا محق فيما جئت به إِنَّهُ لا يُفْلِحُ البيان فيتعلق بمحذوف أيضا أو بالغالبون على أن أل ليست موصولة، أو موصولة واتسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسم وجوابه متقدم وهو فلا يصلون، أو من لغو القسم قاله الزمخشري اهـ سمين.\rوجعله الشارح متعلقا بمحذوف حيث قال: اذهبا، وقد صرح به في آية أخرى. وقال أبو السعود في سورة طه: جمعهما في صيغة أمر الحاضر مع أن هارون لم يكن حاضرا مجلس المناجاة، بل كان في ذلك الوقت بمصر للتغليب فغلب الحاضر على غيره، وتقدم هناك أن اللّه في ذلك الوقت أرسل جبريل بالرسالة لهارون وهو بمصر اهـ.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا المراد بها هنا العصا واليد إذ هما اللتان أظهرهما موسى إذ ذاك، والتعبير عنهما بصيغة الجمع قد مر سره في سورة طه اهـ أبو السعود.\rوهو أن في كل منهما آيات عديدة اهـ شيخنا.\rقوله: (واضحات) أي: واضحات الدلالة. قوله: (مختلق) أي: لم يفعل قبل هذا الوقت مثله أو تعلمته ثم افتريته على اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: بِآياتِنا حال من هذا متعلق بمحذوف قدره بقوله (كائنا) اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالَ مُوسى هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها وكل وافق مصحفه فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة وإثباتها وحذفها واضحان اهـ سمين.\rقوله: (و بدونها) وذلك لأن الجملة الثانية إذا كانت كالمتصلة بالأولى لكونها جوابا لسؤال اقتضته الأولى تنزل الأولى منزلة السؤال، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال اهـ زاده.\rكأنه قيل هنا: ماذا قال موسى في جوابهم؟ فقال: قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ الخ.\rقوله: (بالفوقانية والتحتانية) سبعيتان، وعبارة السمين: قرأ العامة تكون بالتأنيث وله خبرها وعاقبة اسمها ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة والتأنيث لأجل ذلك لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ جملة في موضع الخبر، وقرئ بالياء من تحت على أن يكون عاقبة اسمها والتذكير بالفصل ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن والجملة خبر كما تقدم، ويجوز أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى من والجملة في موضع الحال، ويجوز أن يكون ناقصة واسمها ضمير من والجملة خبرها اهـ.\rقوله: (أي العاقبة المحمودة) استفيد من هذا الحل أن العاقبة بمعنى الجنة والإضافة على معنى في والدار هي دار الآخرة الصادقة بكل من الجنة والنار. وحمل غيره الدار على دار الدنيا وحمل العاقبة على الجنة. قال البيضاوي: الدار هي الدنيا وعاقبتها المحمودة هي الجنة، وإنما كانت عاقبتها لأن الدنيا خلقت مجازا وطريقا إليها اهـ.","part":6,"page":28},{"id":1986,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 29\rالظَّالِمُونَ (37) الكافرون\rوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا عاليا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وفي الكرخي: إيضاحه أن المراد بالدار الدنيا وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأنها جعلت مجازا إلى الآخرة، وهذا بيان لوجه إرادة الخاص من العام، فإن الدار تعم الدارين، ويجوز انفهام الخصوص من كلمة له فإن العاقبة الغير المحمودة تكون عليه لا له، والمقصود من الآخرة بالذات هو الثواب للمطيعين العابدين، قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذريات: 56] فيكون الثواب هو العاقبة الأصلية فينصرف المطلق إليها والعقاب، إنما قصد بالعرض والتبعية فلا اعتداد بعاقبة السوء لأنها من نتائج أعمال الفجار فلا يرد السؤال، وهو أن العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار، لأن الدنيا إما أن تكون خاتمتها بخير أو بشر. فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر اهـ.\rقوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ الخ أي: قال اللعين ما ذكر بعدما جمع السحرة لمعارضة موسى، وكان بين موسى وبينهم ما كان اهـ أبو السعود.\rقوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي قال القاضي: نفى علمه بإله غيره دون وجوده، إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه، ولذلك أمر ببناء الصرح، ليصعد إليه ويطلع على الحال بقوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ الخ اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ إِلهٍ غَيْرِي الظاهر أنه لا يريد بإلهية نفسه كونه خالقا للسموات والأرض وما فيهما من الذوات والصفات، فإن العلم بامتناع ذلك مما لا يخفى على أحد، فالشك في ذلك يقتضي زوال العقل بالكلية فالمخذول لعنه اللّه كأنه يظن أن الأفلاك والكواكب كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي فلا حاجة إلى إثبات صناع اهـ.\rقوله: عَلَى الطِّينِ أي: بعد اتخاذه لبنا. قيل: إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به وهو الذي علم صنعته لهامان، ولما أمر وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال والفعلة حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، فطبخ الآجر والجبس ونشر الخشب وسبك المسامير فبنوه رفعوه حتى ارتفع ارتفاعا عالم يبلغه بناء أحد من الخلق، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه وأمر بنشابة فضربها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يصعد هذا الصرح راكبا على البرازين، فبعث اللّه جبريل عليه السّلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعة ثلاثة قطع: قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف، وقطعة وقعت في البحر، وقطعة وقعت في المغرب ولم يبق أحد عمل في الصرح عملا إلّا هلك اهـ خازن.\rقوله: (فاطبخ لي الآجر) وإنما قال أوقد لي ولم يقل اطبخ لي الآجر، لأنه أولى من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلِّي أَطَّلِعُ الخ كأنه توهم أنه لو كان هناك إله كان جسما في السماء يمكن الرقي إليه اهـ أبو السعود.","part":6,"page":29},{"id":1987,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 30\rوأقف عليه وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38) في ادعائه إلها آخر وأنه رسوله\rوَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ أرض مصر بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (39) بالبناء للفاعل والمفعول\rفَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِ البحر المالح فغرقوا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) حين صاروا إلى الهلاك\rوَجَعَلْناهُمْ في الدنيا أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء: رؤساء في الشرك يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ بدعائهم إلى الشرك وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) بدفع العذاب عنهم\rوَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً خزيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ قوله: (و أقف عليه) أي: على حاله. قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أي: في وجوده كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (و إنه) أي: موسى رسوله أي: رسول الإله.\rقوله: فِي الْأَرْضِ أي: أرض مصر. قوله: بِغَيْرِ الْحَقِ حال أي: استكبروا ملتبسين بغير الحق.\rقوله: (بالبناء للفاعل وللمفعول) سبعيتان.\rقوله: فَأَخَذْناهُ أي عقيب ما بلغوا من الكفر والعتو أقصى الغايات اهـ أبو السعود.\rوفي هذا تفخيم وتعظيم لشأن الأخذ واستحقار للمأخوذين، كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم، ونظيره وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] اهـ بيضاوي.\rقوله: (و إبدال الثانية ياء) هذا الوجه جائز عربية فقط ولم يقرأ به أحد من السبع اهـ شيخنا.\rقوله: (بدعائهم إلى الشرك) أي: المؤدي إلى النار فكأنهم دعوا إليها اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَتْبَعْناهُمْ الخ أي: لا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون خلفا عن سلف اهـ أبو السعود.\rقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ فيه أوجه، أحدها: أن يتعلق بالمقبوحين على أن أل ليست موصولة أو موصولة واتسع فيه، وأن يتعلق بمحذوف يفسره المقبوحين كأنه قيل: وقبحوا يوم القيامة نحو: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ [الشعراء: 168] أو يعطف على موضع في الدنيا أي:\rوَأَتْبَعْناهُمْ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أو معطوف على لعنة على حذف مضاف أي: ولعنة يوم القيامة. الوجه الثاني: أظهرها والمقبوح المطرود قبحه اللّه طرده، وقيل: من المقبوحين أي: من الموسومين بعلامة منكرة كزرقة العيون وسواد الوجوه، والقبيح أيضا عظيم الساعد مما يلي النصف منه إلى المرافق اهـ سمين.\rوفي المصباح: قبح الشيء قبحا فهو قبيح من باب قرب وهو خلاف حسن وقبحه اللّه يقبحه بفتحتين نحاه اللّه عن الخير، وفي التنزيل: هم من المقبوحين أي: المبعدين عن الفوز والتثقيل مبالغة وقبح عليه فعله تقبيحا اهـ.","part":6,"page":30},{"id":1988,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 31\rهُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) المبعدين\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم بَصائِرَ لِلنَّاسِ حال من الكتاب جمع بصيرة وهي نور القلب أي أنوارا للقلوب وَهُدىً من الضلالة لمن عمل به وَرَحْمَةً لمن آمن به لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) يتعظون بما فيه من المواعظ\rوَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الجبل أو الوادي أو المكان الْغَرْبِيِ من موسى حين المناجاة إِذْ قَضَيْنا أوحينا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ بالرسالة إلى فرعون وقومه وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) لذلك فتعلمه فتخبر به\rوَلكِنَّا أَنْشَأْنا قوله: مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الخ التعريض لكون إيتاء التوراة بعد إهلاك الأمم الماضية للإشعار بمسيس الحاجة الداعية إليها تمهيدا إلى إنزال القرآن على رسول اللّه، فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس معالم الشرائع وانطماس آثارها وأحكامها المؤديين إلى اختلال نظام العالم المستدعيين للتشريع الجديد بتقرير الأصول الباقية على ممر الدهور، وترتيب الفروع المتبدلة بتبديل العصور، وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة كأنه قيل: ولقد آتينا موسى التوراة على حين حاجة إليها، وقوله: بَصائِرَ لِلنَّاسِ أي: أنوارا لقلوبهم تبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل بعد أن كانت عميا عن الفهم والإدراك بالكلية، فالبصرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين الذي به تبصر اهـ أبو السعود.\rقوله: (و عاد) معطوف على نوح فهو منصوب، وكان الأولى رسمه بألف بعد الدال إذ رسمه بدونها يوهم أنه معطوف على نوح فيقضي أن لعاد قوما مع أنهم أنفسهم قوم هود اهـ شيخنا.\rقوله: (حال من الكتاب) أي: إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر أو على المبالغة، ويجوز كونه مفعولا لأجله وكذا هدى ورحمة اهـ كرخي.\rقوله: (أي أنوارا للقلوب) في الكشاف: البصيرة نور القلب الذي يستبصر به كما أن البصر نور العين الذي تبصر به اهـ كرخي.\rقوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ أي: وما كنت حاضرا بالجانب الغربي من موسى حين ناجاه اللّه وأرسله اهـ خازن.\rوهذا شروع في بيان أن إنزال القرآن واقع في زمان شدة الحاجة إليه ببيان أن الوقوف على هذه الأحوال لم يحصل لك بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها، فوجب أن يكون بوحي من اللّه تعالى اهـ أبو السعود.\rوالمراد من هذا السياق الدلالة على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإخبار عن المغيبات التي لا تعرف إلا بالوحي اهـ بيضاوي.\rقوله: وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ فإن قلت: لما قال وما كنت بجانب الغربي ثبت أنه لم يكن شاهدا، لأن الشاهد لا بد أن يكون حاضرا، فما الفائدة في ذكره؟ فالجواب: يظهر مما روي عن ابن","part":6,"page":31},{"id":1989,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 32\rقُرُوناً أمما بعد موسى فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي فجئنا بك رسولا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا خبر ثان فتعرف قصتهم فتخبر بها وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) لك وإليك بأخبار المتقدمين\rوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ الجبل إِذْ حين نادَيْنا موسى أن خذ الكتاب بقوة وَلكِنْ أرسلناك رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ عباس أنه قال: لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرته ما شاهدت ما وقع فيه، فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشاهد ولا يرى ما كان فيه اهـ زاده.\rقوله: (فتعلمه) وفي نسخة فتعرفه. قوله: (و اندرست العلوم وانقطع الوحي) فاقتضت الحكمة التشريع الجديد فجئنا بك رسولا اهـ أبو السعود.\rقوله: (و أوحينا إليك خبر موسى وغيره) أي: ليكن معجزة لك وتذكيرا لقومك، وبه يندفع السؤال كيف يتصل قوله: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً بهذا الكلام، ومن أي وجه يكون استداركا؟ وإيضاحه:\rأنه قال: وما كنت مشاهدا لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب على عادة اللّه في اختصاراته فإذن هذا الاستدراك شبيه بالاستدراكين بعده اهـ كرخي.\rقوله: (وَ ما كُنْتَ ثاوِياً الخ من المعلوم أن واقعة مدين كانت قبل واقعتي الطور، فمقتضى الترتيب الوقوعي أن تقدم عليهما، وإنما وسط بينهما للتنبيه على أن كلّا منهما برهان مستقل على أن اخباره صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه القصص بطريق الوحي الإلهي، ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل دليل واحد على ما ذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي أَهْلِ مَدْيَنَ أي: شعيب ومن آمن معه، وقوله: تَتْلُوا عَلَيْهِمْ جملة حالية والضمير لأهل مكة. أي: ما كنت مقيما في أهل مدين وقت تلاوتك على أهل مكة خبرهم وقصتهم مع موسى ومع شعيب حتى تنقلها بطريق العيان والمشافهة، وإنما أتتك بطريق الوحي الإلهي فإخبارك لأهل مكة إنما هو عن وحي لا عن حضور ومشاهدة للمخبر عنه، وهذا أحد احتمالين في الضمير والمعنى عليه واضح كما عرفت، وأكثر المفسرين على أن الضمير لأهل مدين، والمراد بتلاوته عليهم القراءة عليهم بطريق التعلم منهم. وفي الخطيب: وما كنت ثاويا أي: مقيما إقامة طويلة مع الملازمة بمدين في أهل مدين، أي: قوم شعيب عليه السّلام كمقام موسى وشعيب فيهم. تتلو: أي: تقرأ عليهم تعلما منهم آياتنا العظيمة التي منها قصتهم فتكون ممن يتهم بأمور الوحي ويتعرف دقيق اخباره فيكون خبرهم وخبر موسى عليه السّلام معك، ولكنا كنا مرسلين إياك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الاخبار تتلوها عليهم، ولو لا ذلك ما علمتها ولم تخبرهم بها اهـ.\rقوله: (خبر ثان) أي: لكان.\rقوله: (أن خذ الكتاب) أي: المكتوب وهو ألواح التوراة كما في قوله تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي","part":6,"page":32},{"id":1990,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 33\rقَبْلِكَ وهم أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) يتعظون\rوَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر وغيره فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ المرسل بها وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) وجواب لو لا محذوف وما بعدها مبتدأ. والمعنى لو لا الإصابة الْأَلْواحِ [الأعراف: 145] الخ. وهذا ما جرى عليه الشارح حيث جعل هذه الآية متعلقة بإيتاء التوراة، وجعل المتقدمة أي قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ الخ متعلق بأصل الإرسال، وبين الإرسال وإيتاء التوراة نحو من ثلاثين سنة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل اللّه موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين لأخذ التوراة اهـ.\rوبعضهم جرى على عكس هذا الترتيب، فجعل الأولى في قصة التوراة والثانية في قصة الإرسال اهـ.\rقوله: ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ أي: لم يأتهم نذير قبلك لوجودهم في فترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة، أو بينك وبين إسماعيل بناء على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل اهـ أبو السعود.\rقوله: فَيَقُولُوا رَبَّنا عطف على تصيبهم داخل معه في حيز لو لا الامتناعية اهـ أبو السعود.\rوالفاء: للسببية كما ذكره الشارح أي: تشير لكون ما بعدها وهو قولهم المذكور مسببا عما قبلها وهو نزول العقاب اهـ شيخنا.\rقوله: (و جواب لولا) أي: الأولى، وأما الثانية فهي تحضيضية وجوابها مذكور وهو قوله:\rفَنَتَّبِعَ فلذلك نصب اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ هي الامتناعية وأن وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء أي: ولو لا إصابة المصيبة لهم وجوابها محذوف، وقدره الزجاج ما أرسلنا إليهم رسلا يعني أن الحامل على إرسال الرسل لهم تعللهم بهذا القول فهو كقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] وقدره ابن عطية لعاجلناهم بالعقوبة ولا معنى لهذا. وفيقولوا عطف على تصيبهم، ولو لا الثانية تحضيض، وفنتبع جوابه فلذلك نصب على إضمار أن. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه؟ قلت:\rالقول هو المقصود بأن يكون سببا للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها لو لا وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: (و لو لا قولهم) هذا إذ أصابتهم مصيبة لما أرسلناك ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على كفرهم، وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقيني لم يقولوا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، انتهت.\rقوله: (و المعنى لو لا الإصابة الخ) هذا ناظر لمقتضى التركيب. وقوله: (أو لولا) الخ ناظر","part":6,"page":33},{"id":1991,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 34\rالمسبب عنها قولهم أو لو لا قولهم المسبب عنها أي لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلنا إليهم رسولا\rفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ محمد مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا هلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما أو الكتاب جملة واحدة، قال تعالى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ حيث قالُوا فيه وفي محمد سِحْرانِ وفي قراءة سحران أي القرآن والتوراة تَظاهَرا تعاونا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍ من النبيين والكتابين كافِرُونَ (48)\rقُلْ لهم فَأْتُوا بِكِتابٍ لحاصل المعنى، فالسبب في امتناع جواب لو لا إنما هو قولهم المذكور ولذلك قال: المسبب عنها قولهم، وقوله: (ما أرسلناك) هذا الجواب منفي وهي تدل على امتناع الجواب لوجود الشرط، فالمعنى انتفى عدم إرسالك إليهم أي: أرسلناك إليهم لقولهم المذكور أي: لأجل أن يبطل تعللهم بقولهم المذكور عند نزول العذاب بهم اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: أورد هنا إشكال وهو أن الآية تقتضي وجود إصابتهم بها ووجود قولهم المذكور.\rوالواقع أنهم لم يصابوا ولم يقولوا القول المذكور، فحينئذ يشكل هذا الترتيب من حيث إن لو لا حرف امتناع لوجود، فيصير المعنى أرسلناك إليهم لنزول المصيبة بهم ووجود قولهم المذكور وهذا غير صحيح. وتكلف بعضهم الجواب بأن في الكلام حذف المضاف، والتقدير: ولو لا كراهة أن تصيبهم الخ فالمحقق الموجود إنما هو كراهة مصيبتهم المترتب عليها قولهم المذكور، فيكون المعنى أرسلناك إليهم لأجل كراهة أن يصابوا فيقولوا ما ذكر. وقال صاحب الانتصاف: إن التحقيق أنها إنما تدل على أن ما بعدها مانع من جوابها، والمانع قد يكون موجودا وقد يكون مفروضا وما هنا من الثاني فلا إشكال فيه وإن لم يقدر المضاف اهـ بنوع تصرف.\rقوله: (أو لو لا قولهم المسبب عنها) أي: لولا قولهم هذا عند إصابة العقوبة لهم بسبب جناياتهم ما أرسلناك، ولكن لما كان قولهم ذلك محققا لا محيد عنه أرسلناك قطعا لمعاذيرهم بالكلية اهـ أبو السعود.\rقوله: قالُوا أي: تعنتا لَوْ لا أُوتِيَ الخ. قوله: (أو الكتاب) معطوف على الآيات. وهذا إشارة لقول آخر في تفسير المثل، وعبارة الخازن: مثل ما أوتي موسى من الآيات كالعصا واليد البيضاء، وقيل: لولا أوتي كتابا جملة واحدة كما أوتي موسى التوراة كذلك اهـ.\rقوله: مِنْ قَبْلُ متعلق بأوتي أي: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من التوراة أي: من قبل ظهورك وإيتائك القرآن، والمعنى أنهم كفروا الآن بالذي أوتيه موسى قبل وجودك. قوله: (ساحران) خبر مبتدأ محذوف أي: هما ساحران اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية. قوله: (تعاونا) أي: بتصديق كل منهما للآخر، وذلك أنهم أي:\rكفار مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود بالمدينة في عيد لهم فسألوهم عن شأنه عليه السّلام، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ما ذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: (و الكتابين) الواو: بمعنى أو. قوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ الخ أي: قل لهم ما ذكر تعجيزا","part":6,"page":34},{"id":1992,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 35\rمِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما من الكتابين أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) في قولكم\rفَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ دعاءك بالإتيان بكتاب فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ في كفرهم وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي لا أضل منه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) الكافرين\r* وَلَقَدْ وَصَّلْنا بينا لَهُمُ الْقَوْلَ القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) يتعظون فيؤمنون\rالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) أيضا نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد اللّه بن سلام وغيره ومن لهم وتوبيخا وتقريعا إذا لم تؤمنوا بهذين الكتابين وقلتم فيها ما قلتم فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما، أي: أوضح وأبين في هداية الخلق فإن أتيتم به اتبعته أنا فقوله: أَتَّبِعْهُ مجزوم في جواب الأمر المحذوف اهـ شيخنا.\rقوله: (في قولكم) أي: إنهما ساحران.\rقوله: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أي: إن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى منهما وهذا كقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: 24] اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ أي: من غير أن يكون لهم مستند ومتمسك يتمسكون به في قولهم المذكور اهـ شيخنا.\rوإنما أداة حصر أي: أنهم ليس لهم مستند في ذلك وإنما لهم محض هواهم الفاسد اهـ.\rقوله: (أي ما أضل منه) أي: فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا العامة على التشديد، إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض وأصله من وصل الحبل، وإما جعلناه أوصالا أي: أنواعا من المعاني قاله مجاهد اهـ سمين.\rوعبارة البيضاوي: ولقد وصلنا لهم القول أي: أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير، أو في النظم لتتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر، انتهت.\rوجعلناه متنوعا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ومواعظ ونصائح اهـ أبو السعود.\rوكلام الجلال: أمس بهذا الاحتمال الثاني وقوله: لَهُمُ أي لكفار مكة.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الذين: مبتدأ أول، وهم: مبتدأ ثان، ويؤمنون: خبر الثاني، والجملة خبر الأول، وبه متعلق بيؤمنون اهـ سمين.\rقوله أيضا: (أي) آمنوا بكتابهم. قوله: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود) عبارة الخازن:\rنزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد اللّه بن سلام وأصحابه وقيل: بل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم أربعون رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب، فلما رأوا ما بالمسلمين من الحاجة والخصاصة قالوا: يا رسول اللّه إن لنا أموالا فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزلت هذه الآيات إلى قوله:\rوَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام اهـ.","part":6,"page":35},{"id":1993,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 36\rالنصارى قدموا من الحبشة ومن الشام\rوَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) موحدين\rأُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بإيمانهم بالكتابين بِما صَبَرُوا بصبرهم على العمل بهما وَيَدْرَؤُنَ يدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ منهم وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) يتصدقون\rوَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ الشتم والأذى من الكفار أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ سلام متاركة أي سلمتم منا من الشتم وغيره لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) لا نصحبهم. ونزل في قوله: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به، وقوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ استئناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذ، وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة، وكونهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الجملة اهـ بيضاوي.\rقوله: مَرَّتَيْنِ منصوب على المصدر. وبما صبروا: ما مصدرية والباء تتعلق بيؤتون أو بنفس الأجر اهـ سمين.\rقوله: (على العمل بهما) عبارة البيضاوي: بصبرهم وثباتهم على الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى المشركين وما عاداهم من أهل دينهم، انتهت.\rقوله: وَيَدْرَؤُنَ عطف على يؤتون، وكذا قوله: يُنْفِقُونَ وكذا جملة: وإذا سمعوا اللغو، وقوله: بِالْحَسَنَةِ أي: بالطاعة، وقوله: السَّيِّئَةَ أي: المعصية. وقوله: (منهم) أي الصادرة منهم. قوله: (و الأذى) عطف عام، وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تبا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم اهـ خازن.\rقوله: وَقالُوا أي: للاغين اهـ كرخي.\rلنا أعمالنا الخ أي: لنا ديننا ولكم دينكم اهـ خازن.\rقوله: (سلام متاركة) أي: سلام إعراض وفراق لا سلام تحية، وقوله: (من الشتم وغيره) أي:\rفلا نقابلكم بمثل ما فعلتم بنا اهـ خازن.\rقوله: (لا نصحبهم) عبارة غيره: لا نطلب صحبتهم وهي أوضح، لأن الابتغاء هو الطلب اهـ شيخنا.\rقوله: (و نزل في حرصه الخ) وذلك أنه لما حضرته الوفاة جاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «يا عم قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاج لك بها عند اللّه»، فقال: يا ابن أخي قد علمت أنك لصادق، ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت، ولو لا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ثم أنشد:\rولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا\r\rلولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا\r\rولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، ثم مات اهـ خازن وأبو السعود.","part":6,"page":36},{"id":1994,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 37\rحرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على إيمان عمه أبي طالب\rإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هدايته وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِالْمُهْتَدِينَ (56)\rوَقالُوا أي قومه إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أي ننتزع منها بسرعة قال تعالى أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يأمنون فيه من الإغارة والقتل الواقعين من بعض العرب على بعض يُجْبى بالفوقانية والتحتانية إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ من كل أوب قوله: مَنْ أَحْبَبْتَ (هدايته) أي: أو نفسه، والأول هو الأظهر أي: لا تقدر أن تدخله في الإسلام، فيكون معنى الهداية خلق الاهتداء وهو المذكور في كلام مشايخ أهل السنة، وحينئذ فلا تنافي بين هذا وبين قوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] لأن الذي أثبت وأضيف إليه الدعوة، والذي نفي عنه هداية التوفيق وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه: وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام: 122] اهـ كرخي.\rقوله: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي: فيدخله في الإسلام. قوله: بِالْمُهْتَدِينَ أي: بمن قدر له في الأزل أن يهتدي اهـ خازن.\rقوله: (أي قومه) أي: قوم محمد وهم أهل مكة، فإن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: إنا نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب أن يتخطفونا من أرضنا فرد اللّه عليهم بقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ الخ اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ أي: إن نصاحبك في اتباع الهدى وهو دين الإسلام أي: في الدخول فيه والعمل به. قوله: (قال تعالى) أي: ردا عليهم أيضا بقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا الخ وبقوله:\rوَما كانَ رَبُّكَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً أي: نجعل مكانهم حرما ذا أمن اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قال أبو البقاء: عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل وقد صرح به في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً [العنكبوت: 67] ومكن متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى جعل كقوله: (مكناهم) فيما إن مكناكم فيه وقد تقدم تحقيقه في الأنعام. وآمنا قيل: بمعنى مؤمن من دخله، وقيل: هو من قبيل التجوز في الإسناد أي: آمنا أهله، وقيل: فاعل بمعنى النسب أي: ذا أمن اهـ.\rقوله: (يأمنون فيه) أشار بهذا إلى أن في الكلام مجازا عقليا اهـ شيخنا.\rوهذا أحد الوجوه المتقدمة عن السمين. قوله: يُجْبى إِلَيْهِ أي: يجمع ويحمل ويساق إليه، وقوله: (من كل أوب) أي: من كل ناحية وكل طريق، والجملة صفة أخرى لحرما دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم بانقطاع الميرة، وقوله: رِزْقاً منصوب على أنه مصدر مؤكد لمعنى يجبى إليه، إذ معناه يرزقون فيه أو حال من الثمرات اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: وجاؤوا من كل أوب معناه من كل مرجع أي: من كل فج اهـ.\rوفي القاموس: الأوب المحل والطريق والجهة اهـ.\rقوله: (بالفوقانية والتحتانية) سبعيتان. قوله: كُلِّ شَيْءٍ مجاز عن الكثرة كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: 23] اهـ كرخي.","part":6,"page":37},{"id":1995,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 38\rرِزْقاً لهم مِنْ لَدُنَّا أي عندنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) أن ما نقوله حق\rوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي عيشها وأريد بالقرية أهلها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قوله: رِزْقاً إن جعلته مصدرا جاز انتصابه على المصدر المؤكد، لأن معنى يجبى إليه نرزقهم، وإن ينتصب على المفعول له والعامل محذوف أي: نسوقه إليه رزقا، وإن يكون في موضع الحال من ثمرات لتخصصها بالإضافة، وإن جعلته اسما للمرزوق انتصب على الحال من ثمرات اهـ سمين.\rقوله: (أن ما نقوله حق) أي: أن الذي قلناه، وهو إنا مكناهم في الحرم وجعلناه آمنا وسقنا إليه الرزق من كل جهة حق.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الخ رد لقولهم إن نتبع الهدى معك نتخطف الخ. فقد اعتقدوا أنهم ما داموا على دينهم فإنهم في أمن، وإن اتبعوا الرسول نزل بهم البلاء فبين اللّه لهم أن الأمر بالعكس، وهو أنهم إن تركوا دينهم وأسلموا أمنهم اللّه من عذاب الدنيا والآخرة، وإن داموا على دينهم لم يؤمنهم اللّه من عذاب الدارين بدليل أنه أهلك كثيرا من القرى بأنواع العذاب لكفرهم. وفي أبي السعود: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الخ بيّن اللّه بهذا أن الأمر بالعكس، وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس اللّه ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم أي: وكثيرا من أهل القرى كان حالهم كحال هؤلاء في الأمن والخصب فبطروا وطغوا فدمرهم اللّه وخرب ديارهم اهـ.\rقوله: بَطِرَتْ أي: طغت وتنمردت، وانتصاب معيشتها على الظرفية بحذف المضاف أي بطرت في زمن معيشتها، وفسرها الشارح بالعيش والمراد به الحياة أي: بطرت في زمن حياتها. وفي الكرخي: بطرت معيشتها أي كفرت نعمة معيشتها فحذف المضاف وانتصب معيشتها على الظرف أي:\rأيام معيشتها، ويصح أن يكون على إسقاط في أي في معيشتها وهي ما يعاش به من النبات والحيوان وغيرهما اهـ.\rوفي السمين: قوله: مَعِيشَتَها فيه: أوجه: مفعول به على تضمين بطرت خسرت، أو على الظرف أي أيام معيشتها قاله الزجاج، أو على حذف في أي: في معيشتها، أو على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول به وهو قريب من سفه نفسه اهـ.\rوفي القاموس: البطر محرك النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة وفعل الكل كفرح، وبطر الحق أي تكبر عنده فلا يقبله اهـ.\rقوله: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ أي: قد خربت بما ظلموا، وقوله: إِلَّا قَلِيلًا أي: إلا في زمان قليل كما أشار له بقوله (يوما أو بعضه) إذ المار في الطريق إذا نزل للاستراحة إنما يستمر يوما أو بعضه في الغالب اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وجملة لم تسكن حال والعامل فيها معنى تلك، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا.\rوقوله: إِلَّا قَلِيلًا أي إلا سكنا قليلا كسكون المسافر ونحوه، أو إلا زمنا قليلا، أو إلا مكانا قليلا","part":6,"page":38},{"id":1996,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 39\rقَلِيلًا للمارّة يوما أو بعضه وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) منهم\rوَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بظلم منها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها أي أعظمها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ (59) بتكذيب الرسل\rوَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها أي تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ أي ثوابه خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) بالتاء والياء أن الباقي خير من الفاني\rأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ مصيبه وهو الجنة كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: أن القليل منها قد يسكن اهـ.\rوفي الكرخي: إِلَّا قَلِيلًا أي: إلا سكنى قليلا، فالاستثناء من المصدر المفهوم من قوله لم تسكن، وجعله أبو البقاء من الزمان أي: إلا زمانا قليلا كما أشار إليه الشيخ المصنف اهـ.\rوالإشارة للقرى التي يمرون عليها في أسفارهم. قوله: الْوارِثِينَ (منهم) أي: الوارثين لها منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وغيرها اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما كانَ رَبُّكَ الخ بيان للعادة الربانية أي: ما صح وما استقام وما كان وما ثبت في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار، بل حتى يبعث الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أعظمها) وهي المدن بالنسبة لما حواليها، فعادة أن اللّه يبعث الرسل في المدائن لأن أهلها أعقل وأنبل وأفطن وغيرهم يتبعهم اهـ شيخنا.\rأي: أكثر نبالة وهي الفضل والشرف يقال: نبل فلان فهو نبيل أي شرف فهو شريف، فإن الرسل إنما تبعث غالبا إلى الأشراف وهم غالبا يسكنون المدن والمواضع التي هي أمهات ما حواليها من القرى اهـ زاده.\rقوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا أي: الناطقة بالحق ويدعوهم إلينا بالترغيب والترهيب، وذلك لإلزام الحجة وقطع المعذرة بأن يقولوا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ،* والالتفات إلى نون العظمة لتربية المهابة والروعة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما كُنَّا الخ عطف على وما كان، وقوله: إِلَّا وَأَهْلُها الخ استثناء من أعم الأحوال أي: وما كنا نهلكم في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ما شرطية، ومن شيء بيان لها، وقوله: فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا خبر مبتدأ محذوف، والجملة جوابها أي: فهو متاع الحياة الدنيا، وقرئ فمتاعا الحياة بنصب متاعا على المصدر أي: يتمتعون متاعا والحياة نصب على الظرف. قوله: (بالتاء والياء) سبعيتان. قوله: (أن الباقي خير من الفاني) يعني: أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا فإنه يكون خارجا عن حد العقل ورضي اللّه تعالى عن الشافعي حيث قال: من وصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة اللّه تعالى، فجعل أعقل الناس هم المشتغلون بالطاعة اهـ كرخي.\rقوله: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ الخ الفاء لترتيب إنكار التساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وبين ما عند اللّه اهـ أبو السعود.","part":6,"page":39},{"id":1997,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 40\rفيزول عن قريب ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) النار، الأول المؤمن، والثاني الكافر، أي لا تساوي بينهما\rوَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ اللّه فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) هم شركائي\rقالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بدخول النار وهم رؤساء الضلالة رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا هم ومن: مبتدأ، وجملة وعدناه صلتها. وقوله: كَمَنْ مَتَّعْناهُ خبرها، والمراد بالوعد الموعود به كما يتبادر من قوله فَهُوَ لاقِيهِ أو الوعد باق على ظاهره، ويقدر في فهو لاقيه مضاف أي لاقي متعلقة وهو الموعود به. قوله: (مصيبة) أي: مدركه لا محالة لاستحالة الخلف في وعده تعالى، ولذلك جيء بالاسمية المفيدة لتحققه وعطفت بفاء السببية اهـ أبو السعود.\rقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: المشوب بالاكدار المستتبع للتحسر على الانقطاع اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ هُوَ بضم الهاء وتسكينها سبعيتان اهـ شيخنا.\rوالضم ظاهر والتسكين تشبيها للمنفصل بالمتصل كما في البيضاوي، وعبارة السمين: اجراء لثم مجرى الواو والفاء، وفي أبي السعود: ثم هو الخ معطوف عى متعناه داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه مقرر له، كأنه قيل: كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثم نحضره يوم القيامة النار، وفي جعله من جملة المحضرين من التهويل ما لا يخفى، وثم للتراخي في الزمان أو في الرتبة اهـ.\rقوله: (الأول) وهو من وعدناه، والثاني من متعناه.\rقوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أي: ينادي اللّه المشركين الذين عبدوا غير اللّه، والقصد من هذا النداء توبيخهم وتقريعهم بأن معبوداتهم لم تنفعهم في هذا الوقت، وقوله: أَيْنَ شُرَكائِيَ: أي أين الذين عبدتموهم من دوني وأثبتم لهم شركة في استحقاق العبادة، ولم يجيبوا عن هذا السؤال لما علمت أن القصد منه توبيخهم وتقريعهم والسؤال إذا كان كذلك لا يكون له جواب، وقوله: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ مستأنف في جواب سؤال مقدر تقديره: فماذا حصل من المشركين عند هذا السؤال؟\rوجواب هذا السؤال: أنه حصل منهم التنازع والتجادل والتخاصم بين الرؤساء منهم وأتباعهم منهم، فقال: الرؤساء: رَبَّنا هؤُلاءِ الخ فهذا من قبيل قوله: (و برزوا للّه جميعا)، فقال الضعفاء للذين استكبروا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً* الخ. والإشارة في قوله: رَبَّنا هؤُلاءِ للمشركين العوام التابعين للرؤساء في الكفر تأمل. قوله: فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الخ تفسير للنداء اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ مفعولاه محذوفان قدرهما الشارح بقوله: (هم شركائي)، وأولهما هو عائد الموصول اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ استئناف مبني على سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا صدر عنهم حينئذ، وقوله: (و هم رؤساء الضلالة) أي: الذين اتخذوهم أربابا من دون اللّه تعالى بأن أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوا عنه، ومعنى حق عليهم القول إنه ثبت مقتضاه وتحقق مؤاده وهو قوله تعالى:\rلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 119] وغيره من آيات الوعيد وتخصيصهم بهذا الحكم مع شموله للاتباع أيضا لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب حسبما يشعر به قوله تعالى:\rلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 85] ومسارعتهم إلى الجواب مع كون","part":6,"page":40},{"id":1998,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 41\rمبتدأ وصفة أَغْوَيْناهُمْ خبره فغووا كَما غَوَيْنا لم نكرههم على الغي تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) ما نافية وقدم المفعول للفاصلة\rوَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي الأصنام الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء اللّه فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ دعاءهم وَرَأَوُا هم الْعَذابَ أبصروه السؤال للعابدين مطلقا، إما لتفطنهم أن السؤال عنهم لإحضارهم وتوبيخهم بالإضلال وجزمهم بأن العبدة سيقولون هؤلاء أضلونا، وإما لأن العبدة قد قالوه اعذارا، وهؤلاء إنما قالوا ما قالوا ردا لقولهم إلا أنه لم يحك قوله (العبدة) إيجازا لظهوره اهـ أبو السعود.\rقوله: أَغْوَيْناهُمْ (خبره) فيه أنه مفيد لأنه عن الصلة التي في المبتدأ إلا أن يقال أفاد بالنظر لتقييده بقوله كَما غَوَيْنا اهـ شيخنا.\rوعبارة النهر: هؤلاء مبتدأ وصفته الاسم الموصول الذي هو الذين، وأغوينا صلة للذين، والعائد محذوف تقديره أغويناهم، وأغويناهم خبر المبتدأ وتقيد بقوله: كَما غَوَيْنا، فاستفيد من الخبر ما لم يستفد من الصلة انتهت.\rفقول الجلال: خبره أي بمعونة وملاحظة الظرف وهو قوله: كَما غَوَيْنا لأن الفائدة إنما حصلت منه، وقوله: (فغووا) أشار به إلى أن كما غوينا متعلق بأغويناهم من حيث مطاوعة اللازم له.\rوعبارة البحر: وهؤلاء مبتدأ، والذين أغوينا صفته وأغويناهم كما غوينا الخبر، وكما غوينا صلة لمطاوع أغويناهم أي متعلق به أي: فغووا كما غوينا أي تسببنا لهم في الغي فقبلوا منا، وهذا الإعراب قاله الزمخشري. وقال أبو علي: ولا يجوز هذا الوجه لأنه ليس في الخبر زيادة على ما في صفة المبتدأ قال: فإن قلت: قد وصل الخبر بقوله كَما غَوَيْنا وفيه زيادة. قلت: الزيادة بالظرف لا تصيره أصلا في الجملة لأن الظروف فضلات، وقال: هو الذين أغوينا هو الخبر أغوينا مستأنف، وقال غير أبي علي: لا يمتنع الوجه الأول لأن الفضلات في بعض المواضع تلزم كقوله: زيد عمرو قائم في داره اهـ.\rوالمعنى هؤلاء أتباعنا آثروا الكفر على الإيمان كما آثرناه نحن وكنا السبب في كفرهم فقبلوا منا، انتهت.\rفلا فرق إذا بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا لهم داعيا إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء اللّه تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد وبالوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفا عن الكفر وداعيا إلى الإيمان اهـ خطيب.\rقوله: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ هذا تقدير لما قبله ولذلك لم يعطف، وكذا قوله: ما كانُوا الخ أي:\rوإنما كانوا يعبدون أهواءهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي: قيل لهم هذا القول تهكما بهم وتبكيتا لهم اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: وقيل: أي للكفار ادعوا شركاءكم أي استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم فدعوهم أي استغاثوا بهم، فلم يستجيبوا لهم أي فلم يجيبوهم ولا انتفعوا بهم اهـ.\rقوله: وَرَأَوُا الْعَذابَ أي: رأوه وقد غشيهم اهـ أبو السعود.","part":6,"page":41},{"id":1999,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 42\rلَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) في الدنيا لما رأوه في الآخرة\rوَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) إليكم\rفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ الأخبار المنجية في الجواب يَوْمَئِذٍ أي لم يجدوا خبرا لهم فيه نجاة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66) عنه فيسكتون\rفَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ صدق بتوحيد اللّه وَعَمِلَ صالِحاً أدّى الفرائض فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) الناجين بوعد اللّه\rوَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما يشاء ما كانَ لَهُمُ للمشركين الْخِيَرَةُ الاختيار قوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ الخ عطف على ما قبله فسئلوا أولا عن إشراكهم وثانيا عن جوابهم الرسل الذين نهوهم عن ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ أي: صارت كالعمي عنهم لا تهتدي إليهم، وأصله فعموا عن الأنباء فقلب والقلب من محسنات الكلام اهـ أبو السعود.\rوقول الشارح أي: لم يجدوا خبرا فيه إشارة للقلب وتعدية الفعل بعلى لتضمنه معنى الخفاء اهـ شيخنا.\rوالعامة على تخفيف الميم، وقرأ الأعمش، وجناح بن حبيش: بضم العين وتشديد الميم، وقد تقدمت القراءتان للسبعة في هود، وقرأ طلحة لا يساءلون بتشديد السين على ادغام التاء في السين اهـ سمين.\rقوله: فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (عنه) أي: عن الجواب النافع، وذلك لفرط الدهشة أو لعلمهم بأن الكل سواء في الجهل أبو السعود.\rقوله: فَأَمَّا مَنْ تابَ الخ لما ذكر حال الكافرين وما جرى عليهم ذكر حال المؤمنين وما جرى لهم، لأنه جرت عادة اللّه أنه إذا ذكر أحد الفريقين ذكر الآخر تأمل. قوله: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ عسى هنا للتحقق على عادة الكرام أو للترجي من قبل التائب بمعنى: فليتوقع الفلاح اهـ أبو السعود.\rقوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال ابن عباس: والمعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته، وقال يحيى بن سلام: المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته، وحكى النقاش أن المعنى وربك يخلق ما يشاء يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ويختار الأنصار لدينه.\rقلت: وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر أن اللّه اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة. يعني: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا فجعلهم أصحابي وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون، وذكر سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أبيه في قوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من النعم الضأن، ومن الطير الحمام. قال العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقوم على أمر من أمور الدنيا إلا حتى يسأل اللّه تعالى الخيرة في ذلك، وذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ الآية، وفي الركعة الثانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ","part":6,"page":42},{"id":2000,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 43\r[الأخلاص: 1] واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ الآية والركعة الثانية: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] وكل حسن ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السّلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به» قال: «و يسمي حاجته». وروت عائشة عن أبي بكر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أمرا قال: «اللهم خر لي واختر لي». وروى أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له: «يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى ما يسبق إلى قلبك فاعلمه فإن الخير فيه». قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخيرة فيه إن شاء اللّه تعالى، وإن عزم على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم الاثنين اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ قرطبي رحمه اللّه.\rقوله: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فيه أوجه، أحدها: أن ما نافية فالوقف على يختار. والثاني: أن ما مصدرية أي: يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به أي: مختارهم. الثالث: أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف أي: ما كان لهم الخيرة فيه كقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: 43] أي منه. وجوز ابن عطية أن تكون كان تامة ولهم الخيرة جملة مستأنفة قال:\rويتجه عندي أن تكون مفعوله إذا قدرنا كان التامة أي: أن اللّه يختار كل كامل لهم. ولهم الخيرة مستأنف معناه تعديد النعم عليهم في اختيار اللّه لهم. وقال الزمخشري: ما كان لهم الخيرة بيان لقوله:\rوَيَخْتارُ لأن معناه ويختار ما يشاء ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى أن الخيرة للّه تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. قلت: لم يزل الناس يقولون إن الوقف على يختار والابتداء بما على أنها نافية وهو مذهب أهل السنة، ونقل ذلك عن جماعة كأبي جعفر وغيره وأن كونها موصولة متصلة بيختار مذهب المعتزلة، وقال بعضهم: ويختار لهم ما يشاؤوه من الرسل فما على هذا واقعة على العقلاء اهـ سمين.\rقوله أيضا: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ كلام مستأنف أي: ليس لأحد من خلقه أن يختار شيئا اختيارا حقيقيا بحيث يقدم على تنفيذه بدون اختيار اللّه، وإنما فسر الشارح الضمير بالمشركين مراعاة لسبب نزول الآية، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، والآية نزلت في الوليد بن المغيرة حيث قال: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي: التخير كالطيرة بمعنى التطير، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا والأمر كذلك، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار اللّه منوط بدواع لا اختيار لهم فيها اهـ.","part":6,"page":43},{"id":2001,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 44\rفي شيء سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) عن إشراكهم\rوَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ تسرّ قلوبهم من الكفر وغيره وَما يُعْلِنُونَ (69) بألسنتهم من ذلك\rوَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى الدنيا وَالْآخِرَةِ الجنة وَلَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ في كل شيء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) بالنشور\rقُلْ لأهل مكة أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً دائما إِلى يَوْمِ وفي المصباح: الخيرة بالسكون اسم من الاختيار مثل الفدية اسم من الافتداء، والخيرة بفتح الياء بمعنى الخيار والخيار هو الاختيار، ويقال: هي اسم من تخيرت مثل الطيرة من تطيرت، وقيل:\rهما لغتان بمعنى واحد، ويؤيده قول الأصمعي: الخيرة بالفتح والإسكان ليس بمختار، وقال في البارع: خرت الرجل على صاحبه أخيره من باب باع خيرا وزان عنب وخيرا وخيرة إذا فضلته عليه اهـ.\rقوله: سُبْحانَ اللَّهِ أي: تنزيها له عن أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره اختيار اهـ بيضاوي.\rقوله: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي: لأنه المولي للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ [الزمر: 74] ابتهاجا بفضله والتذاذا بحمده اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالنشور) أي: الخروج من القبور.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ أرأيتم وجعل تنازعا في الليل وأعمل الثاني، ومفعول أرأيتم الثاني هو جملة الاستفهام بعده، والعائد منها على الليل محذوف تقديره بضياء بعده، وجواب الشرط محذوف وتحرير هذا قد مضى في سورة الأنعام فهو نظيره، وسرمدا مفعول ثان إن كان الجعل تصييرا أو حال إن كان خلقا وإنشاء والسرمد الدائم الذي لا ينقطع اهـ سمين.\rوقوله: (و أعمل الثاني الخ) سكت عن مفعول أرأيتم الأول، ويلزم من إعمال الثاني أن يكون هو ضميرا محذوفا، والتقدير: قل أرأيتموه أي: الليل، فقول الشارح أي: أخبروني حل معنى لا إشارة للمفعول الأول، ويحتمل أن يكون إشارة إليه وأنه محذوف هو ضمير المتكلم وعلى هذا فلا تنازع في الكلام اهـ.\rقوله: سَرْمَداً من السرد وهو المتابعة والاطراد، والميم مزيدة كما في دلامص من الدلاص يقال: درع دلاص أي ملساء لينة اهـ أبو السعود.\rوقوله: (و الميم) مزيدة أي لدلالة الاشتقاق عليه فوزنه فعمل، ومختار صاحب القاموس كبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر اهـ شهاب.\rوقوله: (كميم دلامص) بضم الدال المهملة وكسر الميم وهو البراق، ومنه دلاص وأدرع دلاص للدرع اهـ شهاب.\rوعبارة زكريا: الدلامص درع براق يقال درع دلاص الواحد والجمع على لفظ واحد قاله الجوهري اهـ.\rقوله: (دائما) أي: بإسكان الشمس تحت الأرض أو بتحريكها حول الأفق الغائر اهـ بيضاوي.","part":6,"page":44},{"id":2002,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 45\rالْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ بزعمكم يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ نهار تطلبون فيه المعيشة أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) ذلك سماع تفهم فترجعون عن الإشراك\rقُلْ لهم أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ بزعمكم يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ تستريحون فِيهِ من التعب أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) ما أنتم عليه من الخطإ في الإشراك فترجعون عنه\rوَمِنْ رَحْمَتِهِ تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ في النهار بالكسب وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) النعمة فيهما\rوَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وقوله: (الغائر) بالغين المعجمة، أي: الغير المرئي وليس تحت الأرض بالكلية حتى يكون تكرارا اهـ شهاب.\rقوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بجعل أو بسرمدا هذا أو بمحذوف على أنه صفة لسرمدا هذا اهـ سمين.\rقوله: (بزعمكم) عبارة البيضاوي: من إله غير اللّه يأتيكم بضياء كان حقه هل إله غير اللّه فذكر بمن على زعمهم أن غيره آلهة اهـ.\rوقوله: (كان حقه الخ) أي: لأن هل لطلب التصديق وهو المناسب للمقام بحسب الظاهر لا من التي لطلب التعيين المقتضي لأصل الوجود، لكنه أتى به على زعمهم أن آلتهم موجودة تبكيتا وتضليلا فهو أبلغ اهـ شهاب.\rقوله: يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ صفة أخرى لإله عليها يدور التبكيت والإلزام كما في قوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [يونس: 31، وسبأ: 24] اهـ شيخنا.\rقوله: (سماع تفهم) دفع لما يتوهم من أن الظاهر أن يقال: أَفَلا تُبْصِرُونَ لأن هذا هو المطابق للمقام، لأن المراد أنكم لو كنتم على بصيرة وتدبر لما ذكرناه لعرفتم أنه لا إله غير اللّه يقدر على ذلك، لأن مجرد الإبصار لا يفيد ما ذكر فهو توبيخ لهم على أبلغ وجه اهـ شهاب.\rقوله: إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً أي: بإسكان الشمس في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق اهـ بيضاوي.\rقوله: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ الخ قيل: إن من نعمة اللّه تعالى على الخلق أن جعل الليل والنهار يتعاقبان، لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب ليحصل ما يحتاج إليه ولا يتم ذلك إلا في الراحة السكون له فلا بد منهما. فأما في الجنة فلا تعب ولا نصب فلا حاجة بهم إلى الليل ولذلك يدوم لهم الضياء أبدا، فبين اللّه تعالى أنه القادر على ذلك ليس غيره فقال: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ الخ اهـ خازن.\rقوله: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ فيه مدح للسعي في طلب الرزق كما ورد الكاسب حبيب اللّه وهو لا ينافي التوكل اهـ شهاب.","part":6,"page":45},{"id":2003,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 46\rذكر ثانيا ليبنى عليه\rوَنَزَعْنا أخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً وهو نبيهم يشهد عليهم بما قالوا فَقُلْنا لهم هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ما قلتم من الإشراك فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَ في الإلهية لِلَّهِ لا يشاركه فيه أحد وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75) في الدنيا من أن معه شريكا، تعالى عن ذلك\r* إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى ابن عمه وابن خالته وآمن به فَبَغى عَلَيْهِمْ بالكبر والعلو وكثرة المال وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ تثقل بِالْعُصْبَةِ الجماعة أُولِي قوله: (ذكر ثانيا ليبنى عليه الخ) عبارة البيضاوي: ويوم يناديهم تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب اللّه من الإشراك به، أو الأول لتقرير فساد رأيهم، والثاني لبيان أنه لم يكن عن مستند وإنما هو محض تشبه وهوى اهـ.\rقوله: فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَ أي: التوحيد للّه، وقوله (في الإلهية) في نسخة في الآلهية. قوله:\r(غاب) عَنْهُمْ أي: غيبة الشيء الضائع اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى قارون اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة اهـ من النهر.\rقوله: (ابن عمه) أي: ابن عم موسى، وهذا العم اسمه يصهر بياء تحتية مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وهاء مضمومة ابن قاهث بقاف وهاء مفتوحة وثاء مثلثة، فإن يصهر أبا قارون، وعمران أبا موسى كانا أخوين ابني قاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السّلام. وفي رواية أن موسى ابن عمران بن يصهر بن قاهث الخ. فيصهر على هذه الرواية جده لا عمه اهـ زاده مع زيادة من الشارح.\rفتلخص أن قارون على الرواية الأولى ابن عم موسى، وعلى الثانية عمه تأمل. قوله: (و آمن به) وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة فسمع كلام اللّه اهـ رازي.\rأي: ثم حسد موسى على رسالته وهارون على إمامته فكفر بعدما آمن بهما بسبب كثرة ماله اهـ شيخنا.\rقوله: (فبغى عليهم) أي: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالكبر) ومن تكبره أن زاد في ثيابه شبرا، ومن جملة بغيه الكبر وحسده لموسى عليه السّلام على النبوة وظلمه لنبي إسرائيل حين ملكه فرعون عليهم، وكان يسمى المنور لحسن صورته اهـ من النهر.\rوقوله: (و العلو) أي الظلم أو الجاه اهـ قاري.\rقوله: مِنَ الْكُنُوزِ قيل: أظفره اللّه بكنز من كنوز يوسف عليه السّلام، وقيل: سميت أمواله كنوزا لأنه كان ممتنعا من أداء الزكاة، وبسبب ذلك عادى موسى عليه السّلام أول عداوته، وما موصولة صلتها إن ومعمولاها، والصحيح أن الباء للتعدية أي لتنوء العصبة، وقوله: مَفاتِحَهُ وكانت من حديد، فلما كثرت وثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر كل مفتاح على قدر الأصبع وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا اهـ خازن.","part":6,"page":46},{"id":2004,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 47\rأصحاب الْقُوَّةِ أي تثقلهم، فالباء للتعدية، وعدتهم قيل سبعون وقيل أربعون وقيل عشرة وقيل غير ذلك، اذكر إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ المؤمنون من بني إسرائيل لا تَفْرَحْ بكثرة المال فرح بطر إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) بذلك\rوَابْتَغِ اطلب فِيما آتاكَ اللَّهُ من المال الدَّارَ الْآخِرَةَ بأن تنفقه في طاعة اللّه وَلا تَنْسَ تترك نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي أن تعمل فيها للآخرة وعبارة الرازي: كانت المفاتيح من جلود الإبل وكانت تحمل معه إذا ركب على ستين بغلا اهـ.\rقوله: لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ فيه وجهان، أحدهما: أن الباء للتعدية كالهمزة ولا قلب في الكلام، والمعنى لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي: لتثقل المفاتح العصبة. والثاني: أن في الكلام قلبا، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي: لتنهض بها قاله أبو عبيد كقولهم: عرضت الناقة على الحوض، وقد تقدم الكلام في القلب وإن فيه ثلاثة مذاهب. وقرأ بديل بن ميسرة لينوء بالياء من تحت والتذكير لأنه راعى المضاف المحذوف، إذ التقدير حملها أو ثقلها وقيل: الضمير في مفاتحه لقارون فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير كقولهم: ذهبت أهل اليمامة. قال الزمخشري: يعني كما اكتسب أهل التأنيث اكتسب هذا التذكير اهـ سمين.\rوفي المصباح: وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال نهض اهـ.\rوفي القاموس: ناء بالحمل نهض مثقلا، وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه، وناء فلان أثقل فسقط ضد اهـ.\rقوله: (أي تثقلهم) أي: فلا يستطيعون حملها اهـ كرخي.\rوقال الرازي: فلا يستطيعون ضبطها لكثرتها اهـ.\rقوله: (وعدتهم) أي: العصبة. قوله: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ أي: قالوا له خمس جمل من قوله: لا تَفْرَحْ إلى قوله: وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ اهـ شيخنا.\rقوله: (فرح بطر) والفرح أيضا فرح سرور، ومنه قوله تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: 58] فالفرح المحض بالدنيا من حيث إنها دنيا مذموم على الاطلاق، فالعاقل من لا يلقي لها بالا فلا يفرح بإقبالها ولا يحزن لإدبارها، وما أحسن قول المتنبي:\rأشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا\r\rاه كرخي.\rقوله: الْفَرِحِينَ (بذلك) أي: بكثرة المال.\rقوله: فِيما آتاكَ اللَّهُ يجوز أن يتعلق بمحذوف بابتغ، وفي سببية وأن يتعلق على أنه حال أي متقلبا فيما أتاك، وما مصدرية أو بمعنى الذي اهـ سمين.\rقوله: الدَّارَ الْآخِرَةَ أي: الجنة. وقوله: (بأن تنفقه في طاعة اللّه) كصدقة وصلة رحم وإطعام جائع وكسوة عار ونفقة على محتاج اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا فسّر بعضهم النصيب بالكفن، وعليه قول الشاعر:","part":6,"page":47},{"id":2005,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 48\rوَأَحْسِنْ للناس بالصدقة كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ تطلب الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بعمل المعاصي إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) بمعنى أنه يعاقبهم\rقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ أي المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي في مقابلته، وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون، قال تعالى أَوَلَمْ\rنصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تدرج فيهما وحنوط\r\rوفسره البيضاوي بما يحتاج إليه منها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أن تعمل فيها للآخرة) ففي الحديث «اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك». وهو مرسل وهذا ما جرى عليه مجاهد وابن زيد قالا: لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا من الدنيا أن يعمل في عمره للآخرة، وقيل: معناه خذه ما تحتاجه من الدنيا وأخرج الباقي. قال الحسن: أمر أن يعدم الفضل ويمسك ما يغنيه اهـ كرخي.\rقوله: كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ الكاف للتشبيه أي أحسن احسانا كإحسان اللّه إليك أو للتعليل، واعلم أنه لما أمره بالإحسان بالمال أمره ثانيا بالإحسان مطلقا، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء اهـ كرخي.\rقوله: قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ الخ هذا جواب عن قولهم له: إن ما عنك تفضل من اللّه فأنفق منه شكرا ليبقى فكأنه رده بأنه ليس تفضلا بل لاستحقاق له في ذاته اهـ شهاب.\rوعبارة أبي السعود: قال مجيبا لناصحيه كأنه يريد الردّ به على قولهم كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ فأنكر إنعام اللّه عليه بتلك الأموال، وعلى علم في موضع الحال من مرفوع أوتيته، وعندي صفة لعلم اهـ سمين.\rوقوله: حال من مرفوع أوتيته وهو تاء المتكلم، والمعنى إنما أوتيته حال كوني على علم عندي أي: حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي، وعبارة الخازن: أي على فضل وخير علمه اللّه عندي فرآني أهلا لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره اهـ.\rقوله: (و كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة) وقيل: العلم الذي فضل به هو علم الكيمياء، فإن موسى كان يعلم علم الكيمياء فعلم قارون ثلث ذلك العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه، فخذعهما قارون حتى أضاف علميهما إلى علمه، فكان يأخذ من الرصاص فيجعله فضة ومن النحاس فيجعله ذهبا، وكان ذلك سبب كثرة أمواله، وقيل: كان علمه حسن التصرف في التصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب اهـ رازي.\rقوله: أَوَلَمْ يَعْلَمْ الهمزة للإنكار داخلة على مقدر أي أعلم ما ادعاه ولم يعلم أن اللّه الخ فيبقى نفسه من الهلاك. وأهلك: فعل ماض فاعله ضمير يرجع على اللّه، ومن هو أشد من موصولة مفعول باهلك وهو أشد صلة له، ومن قبله متعلق بأهلك، ومن القرون حال من من هو أشد مقدمه عليه اهـ سمين مع زيادة من أبي السعود.","part":6,"page":48},{"id":2006,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 49\rيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ الأمم مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً للمال أي وهو عالم بذلك ويهلكهم اللّه وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حسبا\rفَخَرَجَ قارون عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ بأتباعه الكثيرين ركبانا، متحلين بملابس الذهب والحرير، على خيول وبغال متحلية قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ للتنبيه لَنا مِثْلَ ما قوله: (أي هو عالم بذلك) أي: بأن اللّه قد أهلكهم من قبله، والمقصود التعجب والتوبيخ، والمعنى أنه إذا أراد اهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافا، وسبب علمه باهلاك من قبله أنه قرأه في التوراة وسمع من حفاظ التواريخ اهـ كرخي.\rقوله: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ أي: يسألهم اللّه عن كيفية ذنوبهم وكميتها إذا أراد أن يعاقبهم اهـ رازي.\rقوله: (فيدخلون النار بلا حساب) هذا أحد قولين في المسألة والآخر وعليه الجمهور أنهم يحاسبون ويشدد عليهم كما قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] الآية. وفي الخطيب: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون اختلف في معناه فقال قتادة: يدخلون النار بغير سؤال ولا حساب، وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفون بسيماهم، وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال توبيخ وتقريع، وقيل: المراد أن اللّه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ؟ [الحجر: 92] أجيب: بحمل ذلك على وقتين. وقال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة وقد يكون للتوبيخ والتقريع وقد يكون للاستعتاب. قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 35] اهـ.\rقوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ معطوف على قال إنما أوتيته على علم وما بينهما اعتراض، وفي زينته متعلق بمحذوف حال من فاعل خرج أي خرج كائنا في زينته أي متزينا، وكان خروجه يوم السبت، وقوله: (باتباعه الكثيرين) كانوا أربعة آلاف على زيه وكان عن يمينه ثلاثمائة غلام وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج، وقيل: كان أتباعه تسعين ألفا عليهم المعصفرات وهو أول يوم رئي في المعصفر، وكانت خيولهم وبغالهم متحلية بالديباج الأحمر، وكانت بغلته شهباء أي بياضها أكثر من سوادها سرجها من ذهب، وكان على سرجها الأرجوان بضم الهمزة والجيم وهو قطيفة حمراء اهـ من النهر.\rقوله: (بأتباعه) الباء: بمعنى مع أي مع أتباعه. قوله: (على خيول الخ) متعلق بركبانا.\rقوله: قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا الخ وكانوا مؤمنين يحبون الدنيا تمنوا المال ليقربوا به إلى اللّه تعالى وينفقوه في سبيل الخير فتمنوا مثله لا عينه حذرا من الحسد، وقيل: كانوا كفارا اهـ رازي.","part":6,"page":49},{"id":2007,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 50\rأُوتِيَ قارُونُ في الدنيا إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ نصيب عَظِيمٍ (79) واف فيها\rوَقالَ لهم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بما وعد اللّه في الآخرة وَيْلَكُمْ كلمة زجر ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة بالجنة خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً مما أوتي قارون في الدنيا وَلا يُلَقَّاها أي الجنة المثاب بها إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) على الطاعة وعن المعصية\rفَخَسَفْنا بِهِ بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ قوله: (واف) أي: وافر وقوله: (فيها) الأظهر أن يقول منها قوله: (كلمة زجر) وهي منصوبة بمقدر أي ألزمكم اللّه ويلكم، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء الهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والحث على ترك ما لا يرتضى اهـ خازن.\rقوله: (مما أوتي قارون في الدنيا) أي: لأن الثواب منافعه عظيمة خالصة عن شوائب المضار دائمة، وهذه النعم على الضد في هذه الصفات اهـ كرخي.\rوهذا بيان للمفضل عليه اهـ.\rقوله: وَلا يُلَقَّاها أي: يفهمها ويوقف عليها ويوفق للعمل ها، وقوله: (أي الجنة الخ) أشار بهذا إلى أن الضمير عائد للثواب الذي هو الجنة اهـ.\rقوله: (على الطاعة وعن المعصية) أي: وعلى الرضا بقضائه في كل ما قسم من المنافع والمضار والصبر وحبس النفس وهو كف وثبات، فلذا عدي تعديتهما بعن وعلى إذ له متعلقان ما انقطع عنه وهو المعصية وما اتصل به وهو الطاعة، فعدي للأول بعن وللثاني بعلى، وقيل: عن فيه بدلية اهـ شهاب.\rقوله: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ الخ قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم، وكان حسن الصوت فبغى وطغى واعتزل بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون ويطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس: فلما انزلت الزكاة على موسى أتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وكذلك سائر الأشياء ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده شيئا كثيرا فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بنو إسرائيل وقال لهم: إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو يريد أن يأخذ أموالكم. قالت بنو إسرائيل: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت. قال: آمركم أن تأتونا بفلانة الزانية فنجعل لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوا فدعوها. فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم، وقيل: جعل لها طشتا من ذهب، وقيل: قال لها قارون أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل.\rفلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى إلى موسى فقال له: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج لهم موسى وهم في براح من الأرض فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنى","part":6,"page":50},{"id":2008,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 51\rفِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) منه\rوَأَصْبَحَ وله امرأة رجمناه حتى يموت. فقال قارون: وإن كنت أنت. قال: وإن كنت أنا. قال قارون: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة الزانية. قال موسى: ادعوها فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها اللّه بالتوفيق، فقالت في نفسها: أحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول اللّه، فقالت:\rلا واللّه ولكن قارون جعل لي جعلا على أن أقذفك بنفسي: فخر موسى ساجدا يبكي ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى اللّه إليه إني أمرت الأرض تطيعك فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن اللّه بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا فلم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم الأرض بأقدامهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم الأرض إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وأصحابه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشده قارون اللّه والرحم حتى قيل إنه ناشده سبعين مرة وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم، فأوحى اللّه إلى موسى: ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم تغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته. وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد. قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. وفي الخبر إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور، وأصبحت بنو إسرائيل يتحدثون فيما بينهم إن موسى إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا اللّه موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض فذلك قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ الخ اهـ خازن مع زيادة من القرطبي.\rوروي عن الحارث بن إسحاق من حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف جدا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» لأن قارون لبس جبة فاختال فيها خسف اللّه به الأرض. وقد ذكر في فتح الباري نكتة لطيفة وهي أن مقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون اهـ ابن لقيمة.\rوفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك اهـ.\rقوله: مِنْ فِئَةٍ يجوز أن يكون اسم كان إن كانت ناقصة وله الخبر أو ينصرونه، وأن يكون فاعلا إن كانت تامة وينصرونه صفة لفئة فيحكم على موضعها بالجر لفظا وبالرفع معنى لأن من مزيدة فيها اهـ سمين.\rقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ حال من فئة. قوله: مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي: الممتنعين بأنفسهم، وقوله:\r(منه) أي العذاب.\rقوله: وَأَصْبَحَ أي: صار الذين تمنوا مكانه أي منزلته ورتبته من الدنيا، وقوله: بِالْأَمْسِ","part":6,"page":51},{"id":2009,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 52\rالَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ أي من قريب يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ يضيق على من يشاء، ووي اسم فعل بمعنى أعجب، أي أنا، والكاف بمعنى ظرف لتمنوا ولم يرد بالأمس خصوص اليوم الذي قبل يومه بل الوقت القريب كما أشار له الشارح بقوله: (أي من قريب) اهـ قاري.\rوالكلام على حذف مضاف أي: مثل مكانه اهـ.\rقوله: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ وويكأنه فيه مذاهب، أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي: أنا والكاف للتعليل، وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن اللّه يبسط الرزق الخ وقياس هذا القول أن يوقف على وي وحدها وقد فعل ذلك الكسائي. الثاني: قال بعضهم كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين، وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي. الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة المحذوف أي: اعلم أن اللّه يبسط الخ. قال الأخفش: وهو يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو. الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو. الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس. ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع اللّه، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير، ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين، فعامة القراء اتبعوا الرسم، والكسائي وقف على وي، وأبو عمرو على ويك اهـ سمين.\rوفي الخطيب: ووي اسم فعل بمعنى أعجب أي: أنا، والكاف بمعنى اللام. وهذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف. واختلف القراء في الوقف فالكسائي وقف على الياء قبل الكاف، ووقف أبو عمرو على الكاف، ووقف الباقون على النون وعلى الهاء، وحمزة يسهل الهمزة في الوقف على أصله، وأما الوصل فلا خلاف فيه بينهم اهـ.\rوعبارة حرز الأماني مع شرحها لابن القاصح:\rوقف ويكأنه ويكأن برسمه ... وبالياء قف رفقا وبالكاف حللا\r\rأمر بالوقف للجميع على النون في ويكأن وعلى الهاء في ويكأنه برسمه لأنه كذلك رسم على ما لفظ به، ثم أخرج الكسائي وأبا عمرو فقال: وبالياء قف رفقا أمر بالوقف على الياء للمشار إليه بالراء فى قوله رفقا وهو الكسائي، ثم قال: وبالكاف حللا يعني أن المشار إليه بالحاء في قوله: حللا وهو أبو عمرو وقف على الكاف، ومعنى حللا أبيح فحصل من ذلك أن أبي عمرو يقف ويك ويبتدىء أن اللّه أنه، وأن الكسائي يقف وي ويبتدىء بالكلمة بكمالها، انتهت.\rقوله: (اسم فعل بمعنى أعجب) فإن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف تنبهوا لخطئهم في تمنيهم مثل ما أوتي قارون، حيث علموا أن بسط الرزق لا يكون لكرامة الرجل على اللّه ولا تضييقه لهوانه فتعجبوا من أنفسهم كيف وقعوا في مثل هذا الخطأ، ثم ابتدؤوا يقولون كأن اللّه يبسط الرزق الخ، والمعنى ليس الأمر كما زعمنا من أن البسط ينبىء عن الكرامة","part":6,"page":52},{"id":2010,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 53\rاللام لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا بالبناء للفاعل والمفعول وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82) لنعمة اللّه كقارون\rتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ الجنة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ بالبغي وَلا فَساداً بعمل المعاصي وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ (83) عقاب اللّه بعمل الطاعات\rمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ والقبض ينبىء عن الهوان، بل كان منهما بمقتضى مشيئته، وكذا الكلام في قوله: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ تعجبوا من تمنيهم مثل حال قارون، ثم قالوا: ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح اهـ زاده.\rقوله: لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا أي: بعدم اعطائنا ما تمنيناه اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: لولا أن منّ اللّه علينا بالإيمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي لخسف بنا اهـ.\rوقرأ الأعمش: لولا منّ اللّه بحذف أن وهي مرادة لأن لو لا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه أيضا:\rلولا منّ اللّه برفع النون وجر الجلالة وهي واضحة اهـ سمين.\rقوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) وعلى القراءة الثانية نائب الفاعل الجار والمجرور اهـ.\rقوله: وَيْكَأَنَّهُ الخ هذا تأكيد لما قبله.\rقوله: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ تلك: مبتدأ، والدار الآخرة: صفة ونجعلها خبر اهـ.\rقوله: لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا عبر بالإرادة لأنها أبلغ في النفي اهـ شيخنا.\rقوله: (بعمل المعاصي) كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر اهـ شيخنا.\rقوله: (بعمل الطاعات) أي: من الإتيان بالمأمورات واجتناب المنهيات اهـ.\rقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي: جاء يوم القيامة متصفا بها بأن كان من المؤمنين اهـ.\rووجه المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه لما حكم بأن العاقبة للمتقين أكد ذلك بوعد المحسنين ووعيد المسيئين ثم وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين، وقوله: فَلا يُجْزَى الَّذِينَ الخ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعا عليهم، والأصل فلا يجزون كما أشار له البيضاوي، والحسنة ما يحمد فاعلها شرعا وسميت حسنة لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها في القيامة، والمراد الحسنة المقبولة الأصلية المعمولة للعبد أو ما في حكمها كما لو تصدق عنه غيره لا المأخوذة في نظير ظلامتهم كما لو ضرب زيد عمرا ضربة وكان لزيد حسنات موجودة فيؤخذ منها ويعطى لعمرو، فهذه الحسنة لا تنسب لعمرو لا حقيقة، ولا حكما أي لا تنسب لفعله فلا تضاعف له، وذلك لأن فاعلها حقيقة هو زيد وسببها ضربه لعمرو فعمرو لم يتسبب فيها بفعله وخرج بالمعمولة ما لو همّ بحسنة فلم يعملها المانع فإنها تكتب له واحدة ويجازى عليها من غير تضعيف والتضعيف خاص بهذه الأمة، وأما غير هذه الأمة من بقية الأمم فلا تضعيف لهم، والصواب دخول المضاعفة حسنات العصاة إن كانت على وجه يتناوله القبول بأن يعملها على وجه لا رياء فيه ولا سمعة وعدم دخولها في أعمال الكفار، لأنه لا يجتمع مع الكفر طاعة مقبولة إن لم يسلم وإلّا فتكون كالمقبولة في الإسلام ولا تضاعف الحسنات الحاصلة بالتضعيف، وأما السيئة فهي ما يذم فاعلها شرعا صغيرة كانت أو كبيرة، وسميت سيئة لأن فاعلها يساء","part":6,"page":53},{"id":2011,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 54\rمِنْها ثواب بسببها وهو عشر أمثالها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) أي مثله\rإِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أنزله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ إلى مكة وكان قد اشتاقها قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) نزل جوابا لقول كفار مكة له: إنك في ضلال، أي فهو الجائي بالهدى، وهم في الضلال، وأعلم بمعنى عالم\rوَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ القرآن إِلَّا لكن ألقي إليك رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً معينا لِلْكافِرِينَ (86) على دينهم الذي دعوك إليه\rوَلا يَصُدُّنَّكَ أصله يصدوننك حذفت نون الرفع بها عند المجازاة عليها اهـ من شرح الجوهرة.\rقوله: (أي مثله) فحذف المثل وأقيم مقامه ما كانوا يعملون مبالغة في المماثلة، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرر أفضل تهجين لحالهم وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بعشرة أمثالها اهـ كرخي.\rقوله: (أنزله) عبارة البيضاوي: أي: أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه اهـ.\rقوله: (إلى مكة) أي: كما رواه البخاري عن ابن عباس، فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منها فيعود إليها، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من الغار ليلا وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه فنزل عليه جبريل وقال له: أتشتاق إلى بلدك ومولدك. فقال عليه السّلام: نعم. فقال جبريل: إن اللّه تعالى يقول إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد يعني إلى مكة ظاهرا عليهم، وهذا أقرب التفاسير لأن الظاهر من المعاد الذي هو اسم مكان أنه الذي كان وفارقه وحصل العود إليه وذلك لا يليق إلا بمكة، فنزلت هذه الآية بالجحفة فليست مكية ولا مدنية اهـ زاده.\rقوله: (و أعلم بمعنى عالم) إنما احتيج إلى تأويله باسم الفاعل ليصح نصبه للمفعول به اهـ شيخنا.\rقوله: وَما كُنْتَ تَرْجُوا الخ أي: وما كنت قبل مجيء الرسالة إليك ترجو وتؤمل انزال القرآن عليك، فإنزاله عليك ليس عن معاد ولا عن تطلب سابق منك. وفي القرطبي: أي ما علمت أنا نرسلك إلى الخلق وننزل عليك القرآن اهـ.\rوقوله: أَنْ يُلْقى أي يوحي إليك الكتاب، وهذا تذكير له صلّى اللّه عليه وسلّم بالنعم ثم أمره اللّه بخمسة أشياء فقال: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا يَصُدُّنَّكَ لا ناهية. ويصدن: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به، والنون المذكورة نون التوكيد. وقوله: عَنْ آياتِ اللَّهِ، أي عن تبليغ أو قراءة آيات اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (حذفت نون الرفع للجازم) أي: وهو لا الناهية أي: وحذفت الواو لأن النون لما حذفت","part":6,"page":54},{"id":2012,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 55\rللجازم، والواو الفاعل، لالتقائها مع النون الساكنة عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي لا ترجع إليهم في ذلك وَادْعُ الناس إِلى رَبِّكَ بتوحيده وعبادته وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) بإعانتهم، ولم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه\rوَلا تَدْعُ تعبد مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ إلا إياه لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) بالنشور من قبوركم.\rالتقى ساكنان الواو والنون المدغمة، فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة، وقوله: (أصله) أي: قبل دخول الجازم موافق لما في بعض كتب ابن هشام، وتعقب بأنه إنما يأتي على ندور وهو تأكيد الفعل الخالي عن الطلب وما ألحق به فعل به كما فعل في ليقولن ما يحبسه اهـ كرخي.\rقوله: بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ إذ بمعنى وقت أي: بعد وقت انزالها عليك، ويصح أن تكون بمعنى أن المصدرية كما تقدم عن أبي السعود في سورة آل عمران. قوله: (أي لا ترجع إليهم) أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى أقوالهم فيصدوك عن إتباع آيات اللّه، وقوله: (في ذلك) أي: في صدهم لك اهـ شيخنا.\rقوله: (بتوحيده) أي: إلى توحيده فالباء بمعنى إلى وهو بدل من إلى ربك اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ الخ خطاب له، والمراد غيره أيضا على حد لئن أشركت الآية اهـ.\rقوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ أي: في حد ذاته لأن وجوده ليس ذاتيا بل لاستناده إلى واجب الوجود فهو بالقوة وبالذات معدوم حالا، والمراد بالمعدوم ما ليس له وجود ذاتي لأن وجوده، كلا وجود وأما حمل هالك على المستقبل فكلام ظاهري اهـ شهاب.\rقوله: (إلا إياه) أشار به إلى أن الوجه يعبر به عن الذات وقضية الاستثناء إطلاق الشيء على اللّه تعالى وهو الصحيح لأن المستثنى داخل في المستثنى منه، وإنما جاء على عادة العرب في التعبير بالإشراف عن الجملة ومن لم يطلقه عليه جعله متصلا أيضا وجعل الوجه ما عمل لأجله سبحانه فإن ثوابه باق اهـ كرخي.\rوالمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية أشياء نظمها السيوطي في قوله:\rثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم\r\rهي العرش والكرسي نار وجنة ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم\r\rاه شيخنا.\rقوله: وَإِلَيْهِ أي: إلى جزائه ترجعون اهـ.\rوعبارة الخطيب: وإليه وحده ترجعون أي في جميع أحوالكم في الدنيا وبالنشور من القبور للجزاء في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، انتهت.","part":6,"page":55},{"id":2013,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 56\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة العنكبوت مكية وهي تسع وستون آية\rالم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك\rأَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا أي بقولهم آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) يختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم، نزل في جماعة آمنوا فآذاهم المشركون\rوَلَقَدْ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (مكية) أي: كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة والقول الآخر لهما، وهو قول يحيى بن سلام إنها مكية إلا عشر آيات من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين بمكة، وقال علي رضي اللّه عنه: نزلت بين مكة والمدينة اهـ قرطبي.\rقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ الخ الاستفهام للتقرير أو للتوبيخ فلا يقتضي جوابا لأنه في معنى كيف وقع منهم حسبان ذلك اهـ كرخي.\rقوله: أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا هو على تقدير الباء في محل نصب على الحال من الواو في يتركوا كما تقول ركب زيد بثيابه، وقيل: هو على تقدير لام التعليل أي: أحسبوا تركهم غير مفتونين لأجل قولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب وغير مفتوتين من تمام المفعول الأول، ولقولهم آمنا هو المفعول الثاني كقولك: حسبت ضربه للتأديب، وهذا الإعراب يقتضي أن العلة مصب الإنكار وليس كذلك، فالوجه أن يجعل قوله أَنْ يُتْرَكُوا سادا مسد مفعولي حسب عند الجمهور في هذا، وفي قوله: أَنْ يَسْبِقُونا ويجعل قوله: أَنْ يَقُولُوا علة للحسبان، ويكون معنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركوا غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليميز الراسخ في الدين من غيره اهـ من البيضاوي وزكريا مع تصرف في اللفظة.\rقوله: (بما يتبين به حقيقة إيمانهم) أي: مشاق التكليف كالمهاجرة والمجاهدة، ورفض الشهوات ووظائف التكاليف وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب اهـ بيضاوي.\rقوله: (نزل في جماعة) كعمار بن ياسر، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمان بن","part":6,"page":56},{"id":2014,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 57\rفَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم علم مشاهدة وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) فيه\rأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يفوتونا فلا ننتقم منهم ساءَ بئس ما الذي يَحْكُمُونَ (4) ه حكمهم هذا\rمَنْ كانَ يَرْجُوا يخاف لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ به هشام وكانوا يعذبون بمكة فكانت صدورهم تضيق لذلك اهـ رازي.\rقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ متصل بقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ، أو بقوله: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه اهـ بيضاوي.\rوقوله: متصل بقوله أَحَسِبَ النَّاسُ أي: بأن يكون حالا من فاعله لبيان علية إنكار الحسبان، والمعنى أحسبوا ذلك وقد علموا أنه خلاف سنة اللّه ولن تجد لسنة اللّه تبديلا، والمقصود التنبيه على خطئهم في هذا الحسبان، وقوله: أو بقوله وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ بأن يكون حالا من فاعله لبيان أنه لا وجه لتخصيصهم أنفسهم بعدم الافتتان، والمعنى أحسبوا أن لا يكونوا كغيرهم ولا يسلك بهم مسلك الأمم السابقة فيكون داخلا في حيز متعلق الحسبان المنكر تخطئة لهم اهـ زاده.\rوفي القرطبي: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار وكقوم نشروا بالمناشير في دين اللّه فلم يرجعوا عنه. روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، واللّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه ولكنكم كنتم تستعجلون اهـ.\rقوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل في هذا وقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ بلفظ اسم الفاعل وفيه نكتة وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات اهـ زاده.\rقوله: (علم مشاهدة) أي: ظهور. وهذا جواب ما يقال ظاهر الآية يدل على تجدد علم اللّه ما أن اللّه تعالى عالم بهم قبل الاختبار، وحاصل الجواب أن معنى الآية فليظهرن اللّه الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومه، وقد تقدم التنبيه على مثل هذا كثيرا اهـ كرخي.\rقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الخ أم منقطعة فتقدر ببل وهمزة الاستفهام اهـ سمين.\rوبل التي في ضمنها للإضراب الانتقالي من قصة إلى قصة والهمز التي في ضمنها للاستفهام التوبيخي، فالكلام انتقال من توبيخ الأول على حسبانهم بلوغ الدرجات من غير مشاق بل بمجرد الإيمان، فانتقل منه إلى توبيخ أشد وهو حسبانهم أن يفوتوا عذاب اللّه ويفروا منه. قوله: يَحْكُمُونَ (حكمهم هذا) جعل ما موصولة، ويحكمون صلة، والعائد محذوف كما قدره، والجملة فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف أي: حكمهم، ويجوز أن تكون ما تمييزا ويحكمون صفتها والفاعل مضمر يفسره ما والمخصوص أيضا محذوف، ويجوز أن تكون ما مصدرية وهو قول ابن كيسان، فعلى هذا","part":6,"page":57},{"id":2015,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 58\rلَآتٍ فليستعد له وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال العباد الْعَلِيمُ (5) بأفعالهم\rوَمَنْ جاهَدَ جهاد حرب أو نفس فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ فإن منفعة جهاده له لا للّه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم\rوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ بعمل يكون التمييز محذوفا والمصدر المؤول مخصوص بالذم أي: ساء حكما حكمهم وجيء بيحكمون دون حكموا، إما للتنبيه على أن هذا دينهم، وإما لوقوعه موقع الماضي لأجل الفاصلة اهـ كرخي.\rقوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يؤمل ثوابه أو يخاف حسابه أو يطمع في ثوابه وقوله:\r(يخاف) لِقاءَ اللَّهِ أي: للبعث والجزاء والحساب، وجواب الشرط محذوف قدره الشارح بقوله (فليستعد له) وليس جواب شرط قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ لأنه لا يصح أن يكون هو الجواب تأمل.\rوفي السمين: قوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ. من يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة، والفاء لشبهها بالشرطية، والظاهر أن هذا ليس بجواب لأن أجل اللّه آت لا محالة من غير تقييد بشرط لأنه لو كانت جواب الشرط لزم أن من لا يرجو لقاء اللّه لا يكون أجل اللّه آتيا له، لأن المعلق على شرط ينعدم بانعدام الشرط، بل الجواب محذوف أي: فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا كما قد صرح به اهـ.\rقوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ (به) أي: له، وعبارة البيضاوي: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أي: فإن الوقت المضروب للقائه لآت لجاء، وإذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء كائنا لا محالة فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضا اهـ.\rقوله: الْعَلِيمُ (أفعالهم) أي: وعقائدهم ونفاقهم اهـ قاري.\rقوله: وَمَنْ جاهَدَ الخ لما بين اللّه تعالى أن التكليف والامتحان حسن واقع بين أن نفعه يعود إلى المكلف، والحصر المذكور في الآية إضافي معناه أن جهاده لا يصل منه إلى اللّه نفع، فلا يرد أن بقال كيف يستقيم الحصر المذكور مع أن جهاد الشخص قد ينتفع به غيره كما ينتفع الآباء بصلاح الأولاد وينتفع من سنّ سنة حسنة بفعل من استن بها، ثم إنه تعالى لما بين إجمالا أن من عمل صالحا فإنما يعمل لنفسه فصل ذلك النفع بعض تفصيل، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا الخ اهـ زاده.\rوفي الخازن: الجهاد هو الصبر على الشدة، وقد يكون في الحرب، وقد يكون في مخالفة النفس اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، والخبر جملة القسم المحذوفة وجوابها أي: واللّه لنكفرن، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال أي ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم اهـ سمين.\rفإن قلت: يستدعي وجود السيئات حتى تكفر والذين آمنوا وعملوا الصالحات بأسرها من أين تكون لهم سيئة؟ فالجواب: أنه ما من مكلف إلّا وله سيئة أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ [التوبة: 43] لهم اهـ كرخي.","part":6,"page":58},{"id":2016,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 59\rالصالحات وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ بمعنى حسن نصبه بنزع الخافض الباء الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (7) وهو الصالحات\rوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً أي إيصاء ذا حسن بأن يبرهما وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ بإشراكه عِلْمٌ موافقة للواقع فلا مفهوم له فَلا تُطِعْهُما في الإشراك إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) فأجازيكم به\rوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) قوله: أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ قيل: هو على حذف مضاف أي: ثواب أحسن، والمراد بأحسن هنا مجرد الوصف قيل: يلزم أن جزاءهم بالحسن مسكوت عنه، وهذا ليس بشيء لأنه من باب الأولى، فإنه إن جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى اهـ سمين.\rقوله: (الباء) بدل من الخافض.\rقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ نزلت في سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين إلى الإسلام، وفي أمه حمنة حين أسلم آلت أمه أن لا تطعم ولا تشرب ولا تستظل بسقف حتى تموت أو يكفر سعد بمحمد، فأبى سعد أن يسمع لها وصبرت نفسها ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى غشي عليها، فأتى سعد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بما كان من أمرها فأنزل اللّه وَإِنْ جاهَداكَ الآية اهـ من النهر.\rفلم يطعها سعد وقال لها: واللّه لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد عليه السّلام، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت اهـ قرطبي.\rقوله: (أي إيصاء ذا حسن) أشار به إلى أن حسنا منصوب على أنه نعت لمصدر وصينا مع حذف مضاف كقوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً. قال الكواشي: أو هو في نفسه حسن أي على المبالغة، وأجاز ابن عطية أن ينتصب على المفعول به قال: وفي ذلك تجوز والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه اهـ كرخي.\rقوله: (بأن يبرهما) أي: يحسن إليهما بكل ما يمكنه من وجوه الإحسان، فيشمل ذلك اعطاء المال والخدمة ولين القول وعدم المخالفة لهما وغير ذلك. وفي المصباح: وبررت والدي من باب علم أبره برا وبرورا أحسنت الطاعة إليه ورفقت به وتحريت محابه وتوقيت مكارهه اهـ.\rقوله: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي وفي لقمان عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي [لقمان: 15] لأن ما في هذه السورة وافق ما قبله لفظا وهو قوله: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ وفي لقمان محمول على المعنى، لأن التقدير وإن حملاك على أن تشرك اهـ كرماني.\rقوله: (فوافقة للواقع) علة لمحذوف تقديره: وذكر هذا القيد موافقة للواقع، وقوله: (فلا مفهوم له) بيان ذلك أنه ليس ثم إله لك به علم وإله لا علم لك به، بل الإله واحد وهذا وما في لقمان والأحقاف نزل في سعد بن أبي وقاص اهـ كرخي.\rقوله: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فيه بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين اهـ.\rقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: بصالح أعمالكم وسيئها فأجزيكم عليها اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا يجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب على الاشتغال اهـ سمين.","part":6,"page":59},{"id":2017,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 60\rالأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ أي أذاهم له كَعَذابِ اللَّهِ في الخوف منه فيطيعهم فينافق وَلَئِنْ لام قسم جاءَ نَصْرٌ للمؤمنين مِنْ رَبِّكَ فغنموا لَيَقُولُنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الإيمان فأشركونا في الغنيمة، قال تعالى أَوَلَيْسَ قوله: (بأن نحشرهم معهم) أشار به إلى أنه معنى إدخالهم فيهم كونهم معدودين من جملتهم لاتصافهم بصفتهم اهـ شهاب.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ الخ لما بين المؤمنين والكافرين فيما تقدم في قوله:\rفَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ وبين الكفار بقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ [العنكبوت: 40] وبين المؤمنين بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [العنكبوت: 70] الخ بين حال المنافقين بقوله: وَمِنَ النَّاسِ الخ، وعبارة النهر: ونزلت في المنافقين، ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين ذكر حال المنافقين ناس آمنوا بألسنتهم، فإذا آذاهم الكفار جعلوا ذلك الأذى صارفا لهم عن الإيمان كما أن عذاب اللّه صارف للمؤمنين عن الكفر، انتهت.\rقوله: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي عذبوا تعذيبا لم يصبروا عليه وتركوا الدين الحق، وكان يمكنهم أن يصبروا على الأذى إلى حد الإكراه وتكون قلوبهم مطمئنة بالإيمان، فجعل المنافقون فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب اللّه صارف للمؤمنين عن الكفر، فعذاب الناس له دافع وعذاب اللّه ما له من دافع، وأيضا عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم وعذاب اللّه بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب له النفس ولا تعد عذابا كما تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذابا، واعلم أن الأقسام ثلاثة: مؤمن ظاهرا وباطنا، ومؤمن ظاهرا لا باطنا، وكافر ظاهرا وباطنا اهـ رازي.\rوقال الشهاب وفي للسببية أو المراد في سبيل اللّه اهـ.\rقوله: كَعَذابِ اللَّهِ أي: جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع اللّه من يخاف عذابه، فإن قيل: هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازا عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب اللّه، فالجواب: أن الأمر ليس كذلك لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب اللّه، لأن عذاب اللّه يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهرا وباطنا والمكره ليس كذلك بل في باطنه الإيمان اهـ كرخي.\rقوله: لَيَقُولُنَ العامة على ضم اللام أسند الفعل لضمير الجماعة حملا على معنى من بعد أن حمل على لفظها، ونقل أبو معاذ النحوي أنه قرأ ليقولن بالفتح جريا على مراعاة لفظها أيضا، وقراءة العامة أحسن لقوله: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ اهـ سمين.\rقوله: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الإيمان أي: وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا اهـ خازن.\rوفيه إشارة إلى أن المراد المعية في الإيمان، وليس المراد المعية والصحبة في القتال لأنها غير واقعة اهـ شهاب.","part":6,"page":60},{"id":2018,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 61\rاللَّهِ أي بعالم بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (10) قلوبهم من الإيمان والنفاق؟ بلى\rوَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (11) فيجازي الفريقين، واللام في الفعلين لام قسم\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ديننا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ في اتباعنا إن كانت، والأمر بمعنى الخبر، قال تعالى وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (12) في ذلك\rوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ أوزارهم وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ بقولهم للمؤمنين اتبعوا سبيلنا، وإضلالهم مقلديهم وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (13) يكذبون على اللّه، سؤال توبيخ، واللام في الفعلين لام قسم، وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ وعمره أربعون سنة أو أكثر فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى توحيد اللّه فكذبوه قوله: (قال اللّه تعالى) أي تكذيبا لهم في قولهم: إنا كنا معكم في الإيمان اهـ من الخازن.\rقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء وليعلمن المنافقين أي: بترك الإيمان عند البلاء. قيل: نزلت هذه الآية في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال ابن عباس: نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم إلى بدر، وهم الذين نزلت فيهم: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النحل: 28] وقيل: هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هنا مدنية، وباقي السورة مكي اهـ خازن.\rقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ تغيير الأسلوب حيث عبّر في الأول بالفعل، وفي الثاني باسم الفاعل تفنن لرعاية الفاصلة كما في البيضاوي. قوله: (و الأمر) أي: في قوله: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ بمعنى الخبر قال الزمخشري: هو في معنى قول من يريد اجتماع أمرين في الوجود، فيقول: ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء فقوله: وَلْنَحْمِلْ أي وليكن منا الحمل وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب، وقرأ الحسن وعيسى بكسر لام الأمر وهو لغة الحجاز اهـ كرخي.\rوعبارة الشهاب: قوله: (و الأمر بمعنى الخبر) يعني أن أصل وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أن تتبعونا نحمل خطاياكم فعدل عنه إلى ما ذكر مما هو خلاف الظاهر من أمرهم لأنفسهم بالحمل اهـ.\rقوله: (بقولهم للمؤمنين) الباء سببية.\rقوله: عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي: من الأباطيل التي أضلوا بها ومن جملتها هذا الوعد اهـ بيضاوي وشهاب.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الخ وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن اللّه تعالى لما بين التكليف وذكر أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق الثواب العظيم، ووعد المنافق العذاب الأليم ذكر أن هذا التكليف ليس مختصا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل من قبله كان كذلك كنوح وإبراهيم وغيرهما اهـ رازي.\rقوله: (و عمره أربعون سنة أو أكثر) قال في التحبير: روى ابن جرير عن ابن عباس أن نوحا بعث","part":6,"page":61},{"id":2019,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 62\rفَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ أي الماء الكثير، طاف بهم وعلاهم فغرقوا وَهُمْ ظالِمُونَ (14) مشركون\rفَأَنْجَيْناهُ أي نوحا وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين كانوا معه فيها وَجَعَلْناها آيَةً عبرة لِلْعالَمِينَ (15) لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسلهم، وعاش نوح بعد الطوفان ستين سنة أو وهو ابن ثلاثمائة وخمسين، ونوح بن لمك بفتح اللام وسكون الميم والكاف ابن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين وكسر اللام وبالخاء المعجمة، كما ضبطه ابن الأثير، ابن إدريس بن بزد بن أهاليل بن قيتان بن أنوش بن شيث بن آدم، وبين نوح وآدم ألف سنة اهـ.\rوفي القرطبي: وكان اسم نوح السكن، وإنما سمي السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه فهو أبوهم، وولد له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير، وولد حام القبط والسودان وبربر، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وليس في كل هؤلاء خير. وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة، وفي ولد حام سواد وبياض قليل، وفي ولد يافث الصفرة والحمرة وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تمسيه يام. وسمين نوح نوحا لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى اللّه تعالى فكان كلما كفروا بكى وناح عليهم، وذكر القشيري أبو القاسم عبد الكريم في كتاب التحبير له: روي أن نوحا عليه السّلام كان اسمه يشكر، ولكن لكثرة بكائه على خطيئته أوحى اللّه تعالى إليه يا نوح كم تنوح فسمي نوحا، فقيل: يا رسول اللّه أي شيء كانت خطيئته؟ فقال: «إنه مرّ بكلب فقال في نفسه ما أقبحه، فأوحى اللّه تعالى إليه أخلق أنت أحسن من هذا» اهـ.\rوفي الخطيب: وأما قبره فقد روى ابن جرير والأرزقي حديثا مرسلا أن قبره بالمسجد الحرام، وقيل: ببلد البقاع يعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك اهـ.\rقوله: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ألف منصوب على الظرف وإِلَّا خَمْسِينَ عاماً منصوب على الاستثناء، وفي وقوع الاستثناء من أسماء العدد خلاف وللمانعين عنه جواب في هذه الآية، وقد روعيت هنا نكتة لطيفة وهي أنه غاير بين تمييز العددين فقال في الأول سنة وفي الثاني عاما لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما استراح منهم بقي في زمن حسن، والعرب تعبر عن الخصب بالعام وعن الجدب بالسنة اهـ سمين.\rفإن قلت: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟ قلت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام فقال له اللّه تعالى: إن نوحا لبث هذا العدد الكثير ولم يؤمن من قومه إلا القليل فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك اهـ رازي.\rقوله: (طاف بهم) أي: أحاط وارتفع على أعلى جبل أربعين ذراعا، وقيل: خمسة عشر حتى غرق كل شيء غير من في السفينة اهـ خازن من سورة هود.\rوفي قوله: (طاف بهم الخ) إشارة إلى ما قاله الرازي من أن معنى الطوفان كل ما طاف أي أحاط بالإنسان لكثرته ماء كان أو غيره كالظلمة، ولكنه غلب في الماء كما هو المراد هنا اهـ شهاب.\rقوله: (إن عصوا رسولهم) مفرد مضاف فيعم وفي نسخة رسلهم اهـ شيخنا.","part":6,"page":62},{"id":2020,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 63\rأكثر، حتى كثر الناس\rوَاذكر إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ خافوا عقابه ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مما أنتم عليه من عبادة الأصنام إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) الخير من غيره\rإِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً تقولون كذبا إن الأوثان شركاء للّه إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً لا يقدرون أن يرزقوكم فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ قوله: (و عاش نوح بعد الطوفان ستين سنة أو أكثر) قال أبو السعود: في سورة الأعراف: عاش نوح بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا ومائتين وأربعين سنة اهـ.\rقوله: وَإِبْراهِيمَ العامة على نصبه عطفا على نوحا أو بإضمار اذكر أو عطفا على هاء أنجيناه والنخعي، وأبي جعفر، وأبو حيوة، وإبراهيم رفعا على الابتداء والخبر مقدر أي: ومن المرسلين إبراهيم. وقوله: إِذْ قالَ بدل من إبراهيم بدل اشتمال اهـ سمين.\rقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ أي: وحدوه لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره، فقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ إشارة إلى الإثبات، وقوله: وَاتَّقُوهُ إشارة إلى نفي الغير، لأن من يشرك مع الملك غيره في ملكه فقد أتى بأعظم الجرائم، وقيل: اعبدوا اللّه فيه إشارة إلى الإتيان بالواجبات، وقوله: وَاتَّقُوهُ فيه إشارة إلى الامتناع من المحرمات ثم يدخل في الأول وهو قوله اعْبُدُوا اللَّهَ الاعتراف باللّه، وفي الثاني وهو قوله: وَاتَّقُوهُ الامتناع من الشرك ثم ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ وجه بقوله: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً. الخ اهـ رازي.\rقوله: ذلِكُمْ أي: ما ذكر من العبادة والتقوى خير لكم الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: خَيْرٌ لَكُمْ (مما أنتم عليه) أي: على تقدير الخيرية فيه على زعمكم، وقيل: التقدير خير من كل شيء لأن حذف المفضل عليه يقتضي العموم مع عدم احتياجه إلى التأويل. إذ المراد بكل شيء في خيرية، ويجوز كونه صفة لا اسم تفضيل اهـ شهاب.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الخير) وهو عبادة اللّه، وقوله: (من غيره) أي: الشر وهو عبادة الأصنام اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 63\r\rله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الخير) وهو عبادة اللّه، وقوله: (من غيره) أي: الشر وهو عبادة الأصنام اهـ.\rقوله: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الخ استدل على أن ما هو عليه شر بدليلين، الأول: هذا والثاني: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الخ أي: فعملهم شر لا خير فيه لتركهم عبادة الرازق القادر إلى عبادة ما لا طائل في عبادته، ووجه الدليل الأول أن ما هم عليه زور وباطل فهو بيان لبطلان دينهم وشريته في نفسه بعد بيان شريته بالنسبة إلى الدين الحق اهـ شهاب.\rقوله: (يقدرون) تفسير لقوله لا يَمْلِكُونَ أي: لا يستطيعون، وقوله: (أن يرزقوكم) تفسير لرزقا، وأشار بهذا إلى أن رزقا مصدر مؤول بأن والفعل، فيكون مفعولا به ليملكون ورزقا نكرة في سياق النفي فيعم أي: شيئا من الرزق. وفي السمين: قوله: رِزْقاً يجوز منصوبا على المصدر ناصبه لا يملكون لأنه في معناه، وعلى أصول الكوفيين أن يكون الأصل لا يملكون أن يرزقوكم رزقا فإن يرزقوكم هو مفعول يملكون ويجوز أن يكون بمعنى المرزوق فينتصب مفعولا به اهـ.","part":6,"page":63},{"id":2021,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 64\rاطلبوه منه وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)\rوَإِنْ تُكَذِّبُوا أي تكذبوني يا أهل مكة فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من قبلي وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) الإبلاغ البين، في هاتين القصتين تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال تعالى في قومه\rأَوَلَمْ يَرَوْا بالياء والتاء ينظروا كَيْفَ يُبْدِئُ قوله: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ذكرهما بعد طلب الرزق، لأن الأول سبب لحدوث الرزق، والثاني سبب لبقائه لأن الشكر يزيد النعم والمعاصي تزيل النعم اهـ شهاب.\rقوله: إِلَيْهِ أي: إلى محل جزائه ترجعون.\rقوله: وَإِنْ تُكَذِّبُوا الخ لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد، وجواب الشرط محذوف أي: فلا يضرني تكذيبكم لأنه كذب أمم الخ، وإنما تضرون أنفسكم وهذه الآيات من هنا إلى قوله عَذابٌ أَلِيمٌ* اعتراض بذكر شأن النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقريش، وهدم مذهبهم، والوعيد على سوء صنيعهم توسط بين طرفي قصة إبراهيم تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وللتنفيس عنه لأن أباه خليل اللّه إبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليهما كان مبتلي بما ابتلي به من شرك القوم وتكذيبهم فحاله مع قومه كحال إبراهيم مع قومه اهـ بيضاوي بتصرف.\rوفي الخازن: قيل: هذه الآيات إلى قوله فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ [النمل: 56 والعنكبوت: 24 و29] يحتمل أن تكون من تمام قول إبراهيم لقومه، وقيل: إنها وقعت معترضة في أثناء قصة إبراهيم تذكيرا لأهل مكة وتحذيرا لهم اهـ.\rقوله: (يا أهل مكة) فعلى هذا يكون قوله: وَإِنْ تُكَذِّبُوا إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ معترضا في خلال قصة إبراهيم، وقيل: إن الكل من قصة إبراهيم ولا اعتراض في الكلام وهذا القول صدر به البيضاوي.\rقوله: (من قبلي) اسم موصول مفعول به لكذب أي: فلم يضر الرسل تكذيبهم اهـ شيخنا.\rقوله: (في هاتين القصتين) أي: قصة نوح وقصة إبراهيم، لكن قصة نوح تمت وقصة إبراهيم باقية، وأول تمامها قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ [النمل: 56 والعنكبوت: 24 و29] إلى قوله:\rإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27] اهـ.\rقوله: (و قال تعالى) أي: ردا على أمة محمد المكذبة في البعث والحشر، وقوله: (في قومه) أي: قوم محمد على ما جرى عليه الشارح من الاعتراض اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لما بين اللّه تعالى الأصل الأول وهو التوحيد، فأشار إلى الثاني وهو الرسالة بقوله: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور: 54] شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي اهـ من النهر.\rقوله: (بالياء والتاء) أي: قرأ حمزة، وشعبة والكسائي بتاء الخطاب أي؛ مخاطبة من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لقومه، والباقون بياء الغيبة فالضمير للأمم أي أو لم يروا الأمم. فإن قيل: متى رأى الإنسان بدء الخلق حتى يقال أولم يروا كيف يبدىء اللّه الخلق؟ فالجواب: أن المراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو","part":6,"page":64},{"id":2022,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 65\rاللَّهُ الْخَلْقَ هو بضم أوّله، وقرئ بفتحه من بدأ وأبدأ، بمعنى أي يخلقهم ابتداء ثُمَ هو يُعِيدُهُ الخلق كما بدأهم إِنَّ ذلِكَ المذكور من الخلق الأول والثاني عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) فكيف ينكرون الثاني\rقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ لمن كان قبلكم وأماتهم ثُمَ كالرؤية، والعاقل يعلم أن البدء من اللّه لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق، وإلّا لما كان الخلق الأول خلقا أول فهو من اللّه اهـ كرخي.\rقوله: (و قرئ بفتحه) أي: في الشواذ، وقوله: (من بدأ وأبدأ) أي: من الثلاثي والرباعي فهو لف ونشر مشوش اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَ (هو) يُعِيدُهُ قدر هو إشارة إلى أن الجملة مستأنفة وليست معطوفة على ما قبلها، وكذا قوله: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ فالجملتان مستأنفان إخبارا من اللّه بالإعادة بعد الموت، وقدم ما قبل هاتين الجملتين على سبيل الدلالة على إمكان ذلك، وإذا أمكن ذلك وأخبر الصادق بوقوعه صار واجبا معطوفا بعلمه لا شك فيه من النهر لأبي حيان.\rوقال البيضاوي: ثم يعيده معطوف على أولم يروا لا على يبدىء فإن الرؤية غير واقعة عليه اهـ.\rقال شهاب: وسبب امتناع عطفه على يبدىء أن الرؤية إن كانت بصرية فهي واقعة على الابداء دون الإعادة فلو عطف عليه لم يصح، وكذا إن كانت علمية لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل اهـ.\rقال زاده: فإن قلت: أو ليس هذا من عطف الخبر على الإنشاء؟ أجيب بأن الاستفهام فيه لما كان للإنكار وتقرير الرؤية كان اخبارا من حيث المعنى أي: قدروا ذلك وعلموه اهـ.\rقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ حكاية كلام اللّه لإبراهيم أو محمد عليهما السّلام اهـ بيضاوي.\rأي: وليس من مقالة إبراهيم لقومه من عند نفسه على تقرير أن تكون الآيات المذكورة من قوله:\rوَإِنْ تُكَذِّبُوا إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ من قصة إبراهيم، ولا من مقالة سيدنا محمد من عند نفسه على جعلها معترضة بين أجزاء قصة إبراهيم، إذا لا وجه لهما أن يقولا من عند أنفسهما قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، بل الظاهر أنه كلام أحدهما لقومه على حكاية كلام اللّه لهم أي: قال اللّه لي قل لهم سيروا في الأرض أي: قل لمنكري البعث يسيرون في الأرض ليشاهدوا كيف أنشأ اللّه جميع الكائنات، ومن قدر من إنشائها بدءا يقدر على إعادتها اهـ زاده.\rقوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ أبرز اسم اللّه في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء اللّه الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال:\rلأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر اللّه بفعل حتى يسند إليه البدء، فقال: يبدىء اللّه ثم قال: ثم يعيده، وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى اللّه تعالى فاكتفى به، وأما اظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال:\rثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ، فيقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال:\rينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة أخرى اهـ رازي.","part":6,"page":65},{"id":2023,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 66\rاللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ مدّا وقصرا مع سكون الشين إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ومنه البدء والإعادة\rيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ رحمته وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) تردّون\rوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ربكم عن إدراككم فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ لو كنتم فيها أي لا تفوتونه وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍ يمنعكم منه وَلا نَصِيرٍ (22) ينصركم من عذابه\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أي القرآن والبعث أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي جنتي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (23) مؤلم، قال تعالى في قصة إبراهيم\rفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ قوله: (مدا وقصرا) عبارة السمين: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو النشاءة بالمد هنا وفي النجم والواقعة، والباقون بالقصر مع سكون الشين، وهما لغتان كالرأفة والرآفة وانتصابهما على المصدر المحذوف الزوائد، والأصل الإنشاءة أو على حذف العالم أي: ينشىء فينشؤون النشأة وهي مرسومة بالألف وهو يقوي قراءة المد اهـ.\rقوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ لما ذكر النشأة الآخرة ذكر ما يكون فيها وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا وحكمه، وإثابة أهل الإثابة فضلا ورحمة، وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة لأن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب أولا لسبق ذكر مستحقيه اهـ رازي.\rقوله: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ الخطاب لبني آدم وهم من أهل الأرض وليس في وسعهم الهرب في السماء، والمقصود بيان امتناع الفوات على جميع التقادير ممكنا كان أو مستحيلا، كما أشار إليه الشارح بقوله: (لو كنتم فيها). وهذا إن حملت الأرض والسماء على المشهور من معناهما، ويجوز أن يراد بهما جهة السفل وجهة العلو اهـ من زاده.\rوقال هنا في الأرض ولا في السماء، واقتصر في الشورى على الأرض لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمروذ الذي حاول الصعود إلى السماء وقد حذفا معا للاختصار في قوله في الزمر: وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ [الزمر: 51] اهـ كرخي.\rقوله: (عن إدراككم) أي: لحوقكم، والمراد أن يدرككم عذابه اهـ شهاب.\rقوله: فِي الْأَرْضِ أي: الفسيحة ولا فى السماء أي: التي هو أفسح من الأرض اهـ.\rقوله: (أي القرآن والبعث) الأول راجع لقوله بِآياتِ اللَّهِ، والثاني راجع لقوله وَلِقائِهِ فهو لف ونشر مرتب كما يؤخذ من الخازن.\rقوله: أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي: ييأسوا منها يوم القيامة، وصيغة الماضي لدلالة عمله على تحقيق وقوعه أو يئسوا منها في الدنيا لأنكارهم البعث والجزاء اهـ أبو السعود.\rوأضاف الرحمة إلى نفسه ولم يضف العذاب إليها لسبق رحمته وإعلاما لعباده بعمومها لهم اهـ.\rقوله: (قال تعالى) أي: تكميلا لما سبق قبل قوله إِنْ تُكَذِّبُوا.\rقوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ الخ لما أمرهم بعبادة اللّه تعالى وبين سفههم في عبادة الأوثان، وظهرت حجته عليهم رجعوا إلى الغلبة فجعلوا القائم مقام جوابه فيما أمرهم به. قولهم: اقتلوه أو","part":6,"page":66},{"id":2024,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 67\rحَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ التي قذفوه فيها، بأن جعلها بردا وسلاما إِنَّ فِي ذلِكَ أي إنجائه منها لَآياتٍ هي عدم تأثيرها فيه، مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) يصدقون بتوحيد اللّه وقدرته لأنهم المنتفعون بها\rوَقالَ إبراهيم إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً تعبدونها وما مصدرية مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له، حرقوه والآمر بذلك إما بعضهم لبعض أو كبراؤهم قالوا لأتباعهم اقتلوه فستريحوا منه عاجلا أو حرقوه بالنار، فأما أن يرجع إلى دينكم إذا أوجعته النار، وإما أن يموت إذا أصر على قوله ودينه، وفي الكلام حذف تقديره فقذفوه في النار فأنجاه اللّه من النار، وفي ذلك إشارة إلى خلوصه من النار بعد إلقائه، وجاء هنا الترديد بين قتله وإحراقه فقد يكون ذلك من قائلين ناس أشاروا بالقتل وناس أشاروا بالإحراق، وفي الأنبياء حرقوه اقتصروا على أحد الأمرين وهو الذي فعلوه فرموه في النار ولم يقتلوه اهـ من النهر.\rوعبارة الرزاي: إلا أن قالوا اقتلوه أي: قال رؤساء القوم لأتباعهم، لأن الجواب لا يصدر إلا من الأكابر والقتل لا يباشره إلا الأتباع اهـ.\rقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أي: لا تجيبوا عن براهنيه الثلاثة الدالة على الأصول، وهي التوحيد والنبوة والحشر. واقتلوه الخ وإنما أجابوا بذلك لعدم قدرتهم على الجواب الصحيح اهـ رزاي.\rقوله: اقْتُلُوهُ أي: بسيف أو نحوه ليظهر مقابلته بالإحراق فلا حاجة لجعل أو بمعنى بل اهـ شهاب.\rقوله: (بأن جعلها عليه بردا وسلاما) روي أنه في ذلك اليوم لم ينتفع أحد بنار اهـ خازن.\rقوله: (هي) أي: الآيات وذكر منها ثلاثة الأولى: عدم تأثيرها فيه، والثانية: إخمادها، والثالثة:\rإنشاء روض أي: بستان مكانها أي: في مكانها أي: وسطها اهـ شيخنا.\rوفي المختار: خمدت الناس سكن لهبها ولم يطفأ وجمرها بخلاف همدت، يقال: همدت النار أي طفئت وذهبت البتة وبابهما دخل وأخمدها غيرها اهـ.\rوفيه أيضا: الروضة من البقل والعشب وجمعها روض ورياض، والبقل كل نبات اخضرت به الأرض، والعشب الكلأ الرطب وماضيه أعشب يقال أعشبت الأرض أن أنبتت العشب اهـ.\rقوله: (في زمن يسير) أي: مقدار طرفة عين بحيث إنها لم تؤذه ولكن أحرقت وثاقه لينحل، وهذا راجع لإخماد والإنشاء اهـ شهاب.\rقوله: (لأنهم المنتفعون بها) تعليل لمحذوف أي: وخصوا بالذكر لأنهم الخ. وقوله: (بها) أي:\rالآيات.\rقوله: وَقالَ (إبراهيم) معطوف على فأنجاه اللّه من النار أي: قال بعد إنجائه من النار: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ الخ لم يحصل له منهم رعب ولا مهابة اهـ شيخنا.\rقوله: (و ما مصدرية) وعلى جعل ما مصدرية يكون مفعول اتخذ الثاني محذوفا تقديره آلهة اهـ زاده.","part":6,"page":67},{"id":2025,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 68\rوما كافة، المعنى تواددتم على عبادتها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يتبرأ القادة من الأتباع وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يلعن الأتباع القادة وَمَأْواكُمُ مصيركم جميعا النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25) مانعين منها\r* فَآمَنَ لَهُ صدق بإبراهيم لُوطٌ وهو ابن أخيه هاران وَقالَ إبراهيم إِنِّي مُهاجِرٌ من قومي إِلى رَبِّي أي إلى حيث أمرني وقوله: (و ما) كافة أي: كفت أن ومنعتها عن العمل فركبت ما مع إن وصار المجموع أداة حصر، فالمعنى اتخذتم الأثان إلا لأجل المدة بينكم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وقال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ في ما هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف هو المفعول الأول، وأوثان مفعول ثان، والخبر مودة في قراءة من رفع كما سيأتي، والتقدير: إن الذي تخذتموه أوثانا مودة أي ذو مودة أو جعل نفس المودة مبالغة ومحذوف على قراءة من نصب مودة أي: الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم أو يكون عليكم لدلالة قوله: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ. والثاني: أن تجعل ما كافة وأوثانا مفعول به والاتخاذ هنا متعد لواحد أو لاثنين. والثاني: هو من دون اللّه فمن رفع مودة كانت خبر مبتدأ مضمر أي: ذات مودة أو جعلت نفس المودة مبالغة، والجملة حينئذ صفة لأوثانا أو مستأنفة ومن نصب كان مفعولا له أو بإضمار أعني. الثالث: أن تجعل ما مصدرية، وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول أي إن سبب اتخاذكم أوثانا فيمن رفع مودة، ويجوز أن لا يقدر بل يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة، وفي قراءة من نصب يكون الخبر محذوفا على ما مرّ في الوجه الأول. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي برفع مودة غير منونة وجر بينكم، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر بنصب مودة منونة ونصب بينكم، وحمزة وحفص بنصب مودة غير منونة وجر بينكم، فالرفع قد تقدم والنصب أيضا تقدم فيه وجهان، ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولا ثانيا على المبالغة والإضافة للاتساع في الظرف، ومن نصبه فعلى أصله. ونقل عن عاصم أنه رفع مودة غير منونة ونصب بينكم وخرجت على إضافة مودة للظرف، وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن قراءة لقد تقطع بينكم بالفتح إذا جعلنا بينكم فاعلا اهـ.\rقوله: (تواددتم على عبادتها) أي: اجتمعتم وتحاببتم على مودتها.\rقوله: (يتبرأ القادة) أي: يقولون للأتباع لا نعرفكم. قوله: (جميعا) أي: القادة والأتباع.\rقوله: (مانعين منها) أي: يخرجونكم منها كما أخرج إبراهيم اهـ رازي.\rقوله: (صدق بإبراهيم) أي: صدق بنبوته وإن كان مؤمنا قبل ذلك اهـ شهاب.\rوقال زاده: يجب الوقف على لوط لأن قوله: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ مقول إبراهيم، فلو وصل لتوهم أن الفعل الثاني للوط فيفسد المعنى اهـ.\rوهذا على قول الجمهور إن الضمير في قال لإبراهيم، وقيل: إنه للوط أي: وقال لوط إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي الخ حكاه القرطبي. وعلى هذا فلا يتعين الوقف على لوط، بل يصح وصله بما بعده اهـ.\rولوط أول من آمن بإبراهيم اهـ بيضاوي","part":6,"page":68},{"id":2026,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 69\rربي، وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (26) في صنعه\rوَوَهَبْنا لَهُ بعد إسماعيل إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ بعد إسحاق وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ فكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته وَالْكِتابَ بمعنى الكتب، أي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وهو الثناء الحسن في كل أهل الأديان وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) الذين لهم الدرجات العلا\rوَاذكر لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي أدبار الرجال ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (28) الإنس والجن\rأَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ طريق المارة بفعلكم الفاحشة بمن يمر بكم، فترك الناس الممرّ بكم قوله: (أي إلى حيث أمرني ربي) أي: إلى مكان أمرني ربي بالتوجه إليه، وإنما أول بذلك لأن ظاهره يوهم الجهة اهـ رازي.\rقوله: (و هاجر من سواد العراق) أي: مع زوجته سارة ابنة عمه ومع لوط ابن أخيه فنزل بحران ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين ونزل لوط بسدوم اهـ بيضاوي.\rوكان عمر إبراهيم إذ ذاك خمسا وسبعين سنة اهـ قرطبي.\rقوله: وَوَهَبْنا لَهُ معطوف على مقدر مأخوذ من لفظ العزيز أي: أعززناه ووهبنا له الخ أي:\rوهبنا له بعد هجرته وكذلك إسماعيل بعد الهجرة أيضا اهـ.\rقوله: (بعد إسماعيل) أي: بعده بأربع عشرة سنة. قوله: فِي ذُرِّيَّتِهِ أي: ذرية إبراهيم.\rقوله: (و هو الثناء الحسن الخ) أي: يثنون عليه ويذكرونه في آخر كل تشهد. وعبارة البيضاوي وآتيناه أجره على هجرته إلينا في الدنيا بإعطاء الولد من غير أوانه، والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وانتماء أهل الملل إليه والثناء والصلاة عليه إلى آخر الدهر اهـ.\rقوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي: الكاملين في الصلاح اهـ.\rقوله: ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ استئناف مقرر لفحشها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع وتحاشت عنه النفوس حتى قدموا عليها لخبث طينتهم اهـ بيضاوي.\rوهذه الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة لأنها اشتركت مع الزنا في كونها فاحشة، وقد قال اللّه تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً [الإسراء: 32] وهذا وإن كان قياسا إلا أن الجامع مستفاد من الآية اهـ رازي.\rقيل: أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعه فيها حصى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به، وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دارهم ولهم قاض بذلك اهـ بغوي.\rقوله: (طريق المارة بفعلكم الفاحشة الخ) عبارة البيضاوي: وتقطعون السبيل أي: وتتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق، أو تقطعون سبيل النسل بالإعراض عن","part":6,"page":69},{"id":2027,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 70\rوَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ أي متحدثكم الْمُنْكَرَ فعل الفاحشة بعضكم ببعض فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) في استقباح ذلك، وأن العذاب نازل بفاعليه\rقالَ رَبِّ انْصُرْنِي بتحقيق قولك في إنزال العذاب عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) العاصين بإتيان الرجال فاستجاب اللّه دعاءه\rوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى بإسحاق ويعقوب بعده قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أي قرية لوط إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (31) كافرين\rقالَ إبراهيم إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا أي الرسل نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ بالتخفيف والتشديد وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32) الباقين في العذاب الحرث وإتيان ما ليس بحرث اهـ.\rقوله: (فترك الناس الممر) أي: المرور بكم. قوله: (فعل الفاحشة الخ) عبارة البيضاوي:\rكالجماع والضراط وحل الإزار وغيرها من القبائح مع عدم المبالاة بها، وقيل: الحذف ورمي البنادق اهـ.\rوقوله: (بعضكم) بالرفع بدل من الواو في تأتون اهـ.\rقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا الخ أي: قالوا ذلك استهزاء اهـ خازن.\rأي: فما كان جوابا من جهتهم بشيء من الأشياء إلا هذه الكلمة الشنيعة أي لم يصدر عنهم في هذه المرة من مرات مواعظ لوط عليه السّلام، وقد كان أوعدهم فيها بالعذاب، وأما في سورة الأعراف من قوله تعالى: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [الأعراف: 82] الآية فهو الذي صدر عنهم بعد هذه المرة وهي المرة الأخيرة من مرات المقاولات الجارية بينهم وبينه عليه السّلام، وقد مر تحقيقه في سورة الأعراف اهـ أبو السعود.\rقوله: (فاستجاب اللّه دعاءه) فأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا إبراهيم بالذرية الطيبة، فجاؤوا أولا إلى إبراهيم فيقدر هذا كله قبل قوله: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا الخ. وفي أبي السعود: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى الخ لما دعا لوط عليه الصلاة والسّلام على قومه بقوله: رَبِّ انْصُرْنِي استجاب اللّه دعاءه وأمر ملائكة بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين، فبشروا إبراهيم بذرية طيبة، لكن البشارة أثر الرحمة، والإنذار بالإهلاك أثر الغضب، ورحمته سبقت غضبه فقدم المباشرة على الإنذار، ولما كان في الإهلاك إخلاء الأرض من العباد قدم على ذلك بشارة إبراهيم بأنه يملأ الأرض من العباد الصالحين اهـ.\rقوله: (بإسحاق ويعقوب) أي: وبإهلاك قوم لوط فبشروه بأمرين اقتصر الشارح هنا على أحدهما وتقدم بسطه في سورة هود. قوله: (أي قرية لوط) وهي سدوم.\rقوله: قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً أي وهو غير ظالم اهـ كرخي.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) قراءتان سبعيتان. قوله: كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي: كانت في علم اللّه وحكمه الأزلي من الغابرين، وقوله: (الباقين في العذاب) أي: المنغمسين فيه الذين لم يخلصوا منه","part":6,"page":70},{"id":2028,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 71\rوَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ حزن بسببهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً صدرا لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ بالتشديد والتخفيف وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33) ونصب أهلك عطف على محل الكاف\rإِنَّا مُنْزِلُونَ بالتخفيف والتشديد عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً عذابا مِنَ السَّماءِ بِما بالفعل الذي كانُوا يَفْسُقُونَ (34) به أي بسبب فسقهم\rوَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً ظاهرة هي آثار خرابها لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) يتدبرون\rوَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ بسبب أن الدال على الشر له نصيب كفاعله، كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط، فصارت واحدة منهم بسبب الدلالة اهـ رازي.\rقوله: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ تقدم نظيرها إلا أنه هنا زيدت أن توكيدا وهو مطرد اهـ سمين.\rقوله: سِيءَ بِهِمْ عبارة البيضاوي: جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، انتهت.\rوقوله: (جاءته المساءة) إشارة إلى أن النائب عن الفاعل ضمير المصدر، والغم عطف تفسير للمساءة، وقوله: (بسببهم) إشارة إلى أن الباء في بهم سببية اهـ شهاب.\rويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود إلى لوط تأمل. قوله: ذَرْعاً تمييز محول عن الفاعل أي: ضاق ذرعه بهم، وقوله: صَدْراً تفسير لحاصل المعنى وإلّا فالذرع معناه الطاقة والقوة ففي المصابح: وضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها اهـ.\rوفي البيضاوي: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي: طاقته، كقولهم ضاقت يده، ومقابلة رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقا له، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع اهـ.\rقوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ أي: عذابا منها، وسمي بذلك لأنه يقلق المعذب من قولهم ارتجز إذا ارتجس أي: اضطرب اهـ بيضاوي.\rوفي الخطيب: واختلف في ذلك الرجز فقيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل: خسف. وعلى هذا يكون المراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء اهـ.\rقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ متعلق بتركنا أو بآية أو ببينة وهو أظهر. وفي الخازن: لقوم يعقلون أي يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول. قال ابن عباس: الآية البينة آثار منازلهم الخربة، وقيل: هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها اللّه عز وجل حتى أدركتها أوائل هذه الأمة، وقيل: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض اهـ.\rقوله: وَإِلى مَدْيَنَ متعلق بمضمر معطوف على أرسلنا في قصة نوح أي: وأرسلنا إلى مدين شعيبا الخ اهـ أبو السعود.","part":6,"page":71},{"id":2029,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 72\rأَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ اخشوه هو يوم القيامة وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) حال مؤكدة لعاملها من عثي بكسر المثلثة أفسد\rفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة الشديدة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (37) باركين على الركب ميتين\rوَأهلكنا عاداً وَثَمُودَ بالصرف وتركه بمعنى الحي والقبيلة وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ إهلاكهم مِنْ مَساكِنِهِمْ بالحجر واليمن وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ من الكفر والمعاصي فَصَدَّهُمْ وأضيف هنا إليهم حيث قال أخاهم شعيبا بخلافه في قصة نوح وإبراهيم ولوط حيث ذكر قوم مؤخرا عنهم معرفا بالإضافة إلى ضمير كل واحد منهم، لأن الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم، لأن اللّه لا يبعث رسولا إلى غير معين، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بالإضافة لنبيهم، فقيل: قوم نوح وقوم لوط وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله فقال: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً وإلى عاد أخاهم هودا رازي.\rقوله: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن غيره ذلك، لأن لوطا كان في زمن إبراهيم وإبراهيم سبقه بذلك حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق، وإنما ذكروا عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة، وأما غيره فجاؤوا في زمن غير مشتهر بالتوحيد فأمروا به اهـ رازي.\rقوله: وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ أي: جزاء اليوم الواقع فيه. قوله: (من عثى الخ) في المصباح:\rعثا يعثو وعثى ويعثي من بابي قال وتعب أفسد فهو عاث اهـ.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ فإن قيل: كيف يكذب شعيب في قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا مع أنه لا يكذب الآمر ولا الناهي، وإنما يكذب المخبر لكون الكذب معناه عدم مطابقة الخبر للواقع؟ قلنا: ما ذكره من الأمر والنهي يتضمن جملا اخبارية فكأنه قال: اللّه واحد فاعبدوه والحشر كائن فارجوه والفساد محرم فلا تقربوه، فالتكذيب يرجع إلى الإخبارات الضمنية اهـ زاده.\rقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فإن قيل: هنا وفي الأعراف فأخذتهم الرجفة، وقال في هود:\rفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ [الحجر: 83، المؤمنون: 81] والقصة واحدة. قلنا: يجوز أن يجتمع على إهلاكهم سببان. وقيل: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته فرجفت في قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب اهـ زاده.\rقوله: وَعاداً هم قوم هود وثمودا قوم صالح قوله: (إهلاكهم) أشار به إلى أن فاعل تبين ضمير ومن للابتداء أي: من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها اهـ قاري.\rوكان أهل مكة يمرون عليها. وقوله: مِنْ مَساكِنِهِمْ. أي منازلهم الكائنة في الحجر واليمن فالباء في كلام الشارح بمعنى في اهـ شيخنا.\rقوله: (بالحجر) أي: حجر ثمود، وهو واد بين المدينة والشام كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ هذا بيان لسبب ما جرى عليهم فأعمالهم عباداتهم غير اللّه","part":6,"page":72},{"id":2030,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 73\rعَنِ السَّبِيلِ سبيل الحق وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ذوي بصائر\rوَأهلكنا قارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ من قبل مُوسى بِالْبَيِّناتِ الحجج الظاهرات فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (39) فائتين عذابنا\rفَكُلًّا من المذكورين أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً ريحا عاصفة فيها حصباء كقوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ كثمود وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ كقارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كقوم نوح وفرعون وقومه وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فيعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) بارتكاب الذنب\rمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ أي أصناما يرجون نفعها كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً لنفسها تأوي إليه وَإِنَّ أَوْهَنَ أضعف الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لا يدفع عنها حرا ولا بردا، كذلك وصدهم عن السبيل أي عبادة اللّه، وكانوا مستبصرين بواسطة الرسل لم يكن لهم في ذلك عذر لأن الرسل أوضحوا عن السبيل اهـ رازي.\rقوله: وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أي: بواسطة الرسل التي أرسلت إليهم، وقوله: (ذوي بصائر) أي عقلاء متمكنين من النظر لكنهم لم يفعلوا. وفي البيضاوي: وكانوا مستبصرين أي: متمكنين من النظر والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا، أو متبينين أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسل لهم ولكنهم لجوا حتى هلكوا اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: (ذوي بصائر) أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء يقال: فلان مستبصر إذا كان عاقلا لبيبا صحيح النظر، والمراد في أمور الدنيا اهـ.\rقوله: وَقارُونَ معطوف على عادا وقدمه على فرعون لشرف نسبه بقرابته من موسى لكونه ابن عمه اهـ.\rقوله: وَهامانَ هو وزير فرعون. قوله: فَاسْتَكْبَرُوا أي: عن عبادة اللّه. قوله: (فائتين عذابنا) أي: فارين منه.\rقوله: بِذَنْبِهِ أي: بسبب ذنبه. قوله: (عاصفة) أي: شديدة، وفي المختار: عصفت الريح اشتدت وبابه ضرب وجلس اهـ.\rقوله: (أي أصناما يرجون نفعها) شبه حال من اتخذ الأصنام أولياء وعبدها، واعتمد عليها راجيا نفعها وشفاعتها بحال العنكبوت التي اتخذت بيتا لا يغني عنها في حر ولا برد ولا مطر ولا أذى اهـ زاده.\rوالعنكبوت معروف ونونه أصلية، الواو والتاء مزيدتان بدليل قولهم في الجمع عناكيب، وفي التصغير عنيكيب ويذكر ويؤنث وهذا مطرد في أسماء الأجناس اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: والعنكبوت يقع على الواحد والجمع والمذكور والمؤنث والغالب في استعماله التأنيث والتاء فيه كتاء طاغوت، ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكاب اهـ.\rقوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ جملة حالية اهـ.","part":6,"page":73},{"id":2031,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 74\rالأصنام لا تنفع عابديها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) ذلك ما عبدوها\rإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما بمعنى الذي يَدْعُونَ يعبدون بالياء والتاء مِنْ دُونِهِ غيره مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (42) في صنعه\rوَتِلْكَ الْأَمْثالُ في القرآن نَضْرِبُها نجعلها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها أي يفهمها إِلَّا الْعالِمُونَ (43) المتدبرون\rخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أي محقّا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً دالة على قدرته تعالى لِلْمُؤْمِنِينَ (44) خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين\rاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ القرآن وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي: المثل أي: أن مثلهم كمثل العنكبوت اهـ.\rوجواب لو محذوف قدره ما عبدوها، وقوله: إِنَّ اللَّهَ الخ تعليل لما قبله اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى الذي) أي: منصوبة بيعلم أي: يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم وهذا أظهر الأوجه فيها. والثاني: أنها استفهامية على جهة التوبيخ فتكون هي وما عمل فيها معترضا بين قوله يَعْلَمُ وبين قوله وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كأنه قيل: أي: شيء يدعون من دونه. والثالث: أنها نافية ومن مزيدة في المفعول به، كأنه قيل: ما يدعون من دونه ما يستحق أن يطلق عليه شيء اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ دُونِهِ (غيره) أي: من إنس وجن ومن شيء بيان لما. قوله: (أي يفهمها) أي: يفهم صحتها وحسنها وفائدتها اهـ.\rقوله: نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يجوز أن يكون خبر تلك، والأمثال نعت أو بدل أو عطف بيان، وأن يكون الأمثال خبرا ونضربها حال وأن يكون خبرا ثانيا اهـ سمين.\rقوله: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الخ هذا شروع في تسلية المؤمنين بعد أن أمر الخلق جميعا بالإيمان فلم يأت الكفار بما أمرهم به من الإيمان وحصل اليأس منه أي: فإن لم يؤمنوا فلا يضر ذلك في يقينكم وإيمانكم اهـ رازي.\rقوله: (أي محقا) أي: غير قاصد به باطلا، فإن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار له بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ اهـ بيضاوي.\rوقال الشهاب: والباء في بالحق للملابسة، والجار والمجرور حال اهـ.\rقوله: (خصوا بالذكر الخ) جواب ما قيل كيف خص الآية في خلق السموات والأرض بالمؤمنين، مع أن في خلقهما آية لكل عاقل كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25] وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [آل عمران: 190] إلى قوله: يَعْقِلُونَ اهـ كرخي.\rقوله: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ أي تقربا إلى اللّه تعالى بقراءته وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني وتذكيرا للناس وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الخلق، وأقم الصلاة أي: داوم على إقامتها وحيث كانت الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة، وكان أمره عليه السّلام بإقامتها متضمنا لأمر الأمة بها علل بقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى","part":6,"page":74},{"id":2032,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 75\rتَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ شرعا أي من شأنها ذلك ما دام المرء فيها وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ من عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ كأنه قيل: وصل بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر الخ. ومعنى نهيها عنهما أنها سبب للانتهاء عنهما لأنها مناجاة للّه تعالى، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته وإعراض كلي عن معاصيه. قال ابن مسعود، وابن عباس رضي اللّه عنهم: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي اللّه تعالى، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من اللّه تعالى إلا بعدا. وقال الحسن، وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه اهـ أبو السعود.\rوقوله: (ما دام المرء فيها) التقييد بهذا أحد قولين الآخر أنها تنهي عنهما مطلقا أي: في سائر الأوقات، فقد روي عن أنس رضي اللّه عنه: أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاله فقال: «إن صلاته ستنهاه» لم يلبث أن تاب وحسن حاله اهـ أبو السعود.\rوبيان ذلك أن الصلاة تشغل جميع بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه خشع وأخبت لربه وتذكر أنه واقف بين يدي مولاه وأنه مطلع عليه وأنه يراه فصلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب اللّه تعالى وظهرت على جوارحه هيئتها ولو بعد خروجه منها، ولم يكد يفتر عن ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة، فهذا معنى هذه الآية، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون.\rقلت: لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله فهو أبلغ في المقصود وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود ولا زمن مخصوص ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي اللّه تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن صلاته قاصرة على الأجزاء أي: إسقاط الطلب عن المكلف ولا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل كصلاتنا، فتلك تنزل صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان مرتكبا للمعاصي قد بعد من اللّه بسببها فتلك الصلاة تتركه يتمادى على بعده، وعلى هذا يتخرج الحديث المروي عن ابن مسعود: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللّه إلا بعدا» وليس معناه أن نفس صلاة العاصي تبعده من اللّه حتى كأنها معصية بل معناه أنها لا تؤثر في تقريبه من اللّه بل تتركه في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان بسبيله فكأنها بعدته حيث لم تكف بعده عن اللّه. وقيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها اهـ قرطبي.\rقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أي: بسائر أنواعه من تحميد وتهليل وتسبيح وغير ذلك، وعبارة الخازن:\rولذكر اللّه أكبر أي: إنه أفضل الطاعات. عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم» قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: «ذكر اللّه» أخرجه الترمذي. وله عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل: أي العبادة أفضل درجة عند اللّه يوم القيامة؟ قال: «الذاكرون اللّه كثيرا» قالوا: يا رسول اللّه ومن الغازي في سبيل اللّه؟","part":6,"page":75},{"id":2033,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 76\rغيره من الطاعات وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (45) فيجازيكم به\r* وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي أي المجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالدعاء إلى اللّه بآياته والتنبيه على حججه إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فقال: «لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حين ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون اللّه كثيرا أفضل منه درجة» اهـ.\rوقوله: أَكْبَرُ أي أفضل وقوله: (من غيره من الطاعات) أي: التي ليس فيها ذكر اللّه، وقد نقل القرطبي هذا التقييد عن ابن زيد وقتادة، وقيل: معنى أكبر إنه أشد تأثيرا في الزجر والنهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة إذا داوم عليه العبد. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر اللّه أكبر على الإطلاق أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأن الانتهاء لا يكون إلا ممن ذكر اللّه مراقبا له اهـ. والذكر النافع هو الذي يكون مع العلم واقبال القلب وتفرغه مما سوى اللّه تعالى، أما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى اهـ قرطبي.\rوقيل: المراد بالذكر نفس الصلاة، وعبارة أبي السعود: ولذكر اللّه أكبر أي للصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به كما في قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] للإيذان بأن ما فيها من ذكر اللّه تعالى هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات اهـ.\rقوله: يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ أي: من الذكر ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ شروع في بيان إرشاد أهل الكتاب بعد بيان إرشاد أهل الشرك اهـ شيخنا.\rواختلف العلماء في قوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ فقال مجاهد: هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى اللّه عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ معناه إلا الذين ظلموكم، وإلّا فكلهم ظلمة على الإطلاق، وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد اللّه بن سلام ومن آمن معه إلا بالتي هي أحسن أي: في الموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك، وقوله على هذا التأويل: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا يريد من بقي في كفرهم منهم كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم والآية على هذا أيضا محكمة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال أي: قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: 29] قال قتادة: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: جعلوا للّه ولدا وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] وإن اللّه فقير فهؤلاء كالمشركين في سقوط الجزية. وقال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك، وقول مجاهد حسن لأن أحكام اللّه عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخير يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا القول ابن العربي.\rقال مجاهد، وسعيد بن جبير: وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية اهـ قرطبي.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء متصل وفيه معنيان، أحدهما: إلا الظلمة فلا تجادلوهم","part":6,"page":76},{"id":2034,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 77\rبأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وَقُولُوا لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) مطيعون\rوَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ القرآن كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ التوراة كعبد اللّه بن سلام وغيره يُؤْمِنُونَ بِهِ بالقرآن وَمِنْ هؤُلاءِ أي أهل مكة مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا بعد ظهورها إِلَّا الْكافِرُونَ (47) أي اليهود، وظهر لهم أن القرآن حق، والجائي به البتة بل جادلوهم بالسيف. والثاني: جادلوهم بغير التي هي أحسن أي أغلظوا لهم كما أغلظوا عليكم، وقرأ ابن عباس: إلا حرف تنبيه أي فجادلوهم اهـ سمين.\rقوله: (بأن حاربوا الخ) أشار به إلى أن المراد بالظلم هنا الامتناع عن قبول عقد الجزية أو نقص العقد بعد قبوله، والمراد الامتناع عما يلزمهم شرعا فلا يرد كيف قال: إلا الذين ظلموا مع أن أهل الكتاب ظالمون لأنهم كافرون، قال تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254] اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: إلا الذين ظلموا منهم بالإفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد، وقولهم:\rيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] ونحو ذلك فإنه حينئذ يجب المدافعة بما يليق بحالهم اهـ.\rقوله: (أو يعطوا الجزية) أي يلتزموها. قوله: وَقُولُوا الخ هذا تبيين لمجادلتهم بالتي هي أحسن. روى أبو هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم الآية» اهـ كرخي.\rوعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللّه وبكتبه وبرسله، فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم، وإن قالوا حقا لم تكذبوهم» اهـ بيضاوي.\rوروى عبد اللّه بن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لم يهدوكم وقد ضلوا، فإما أن يكذبوا بحق، وإما أن يصدقوا بباطل» اهـ قرطبي.\rقوله: (في ذلك) أي: فيما أخبروكم به. قوله: (كعبد اللّه بن سلام وغيره) فيه أن إسلامهم إنما كان بالمدينة والسورة مكية، ويجلب بأن هذا من قبيل الإخبار بالغيب فأخبره تعالى بحالهم قبل وقوعه اهـ من الكرخي.\rقوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا الخ الجحد إنكار الشيء بعد معرفته، ولهذا قال الشارح بعد ظهورها اهـ.\rوعبر عن الكتاب بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها، وعلى كونها من عند اللّه تعالى وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها وغاية التشنيع على من يجحد بها اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي اليهود) ومثلهم النصارى فلا وجه للتخصيص، بل كان الصواب أن يقول كاليهود والمعنى إلا المتوغلون في الكفر اهـ قاري.","part":6,"page":77},{"id":2035,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 78\rمحق، وجحدوا ذلك\rوَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ القرآن مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً أي لو كنت قارئا كاتبا لَارْتابَ شكّ الْمُبْطِلُونَ (48) اليهود فيك وقالوا الذي في التوراة أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب\rبَلْ هُوَ أي القرآن الذي جئت به آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي المؤمنون يحفظونه وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) أي اليهود وجحدوها بعد ظهورها لهم\rوَقالُوا أي كفار مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي محمد آياتٌ مِنْ رَبِّهِ وفي قراءة آيات كناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها كيف وفي أبي السعود: إلا الكافرون أي المتوغلون في الكفر المصممون عليه، فإن ذلك يصدهم عن التأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيقتها اهـ.\rقوله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا الخ شروع في الدليل على كون القرآن معجزا. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: قال البغوي في التهذيب: هل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحسن الخط ولا يكتب ويحسن الشعر ولا يقوله أو لا؟ والأصح أنه كان لا يحسنهما، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه اهـ شهاب.\rقوله: مِنْ كِتابٍ مفعول تتلوا. ومن زائدة ومن قبله حال من كتاب أو متعلق بنفس تتلوا اهـ سمين.\rقوله: (أي لو كنت قارئا) راجع لقوله: تَتْلُوا، وقوله: (كاتبا) راجع لقوله: وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ فهو لف ونشر مرتب. قوله: (و قالوا الذي في التوراة الخ) فعلى هذا يكون إبطالهم موافقا للواقع وعلى هذا فليس المراد أنهم مبطلون في الذهاب إلى هذا الاحتمال على تقدير كونه قارئا كاتبا، بل المراد أنهم مبطلون في الارتياب في كون القرآن وحيا إليها مع كثرة وجوه الإعجاز سوى كون الموحى إليه أميا اهـ زاده.\rقوله: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ إضراب عن ارتيابهم أي: ليس القرآن مما يرتاب فيه لكونه في الصدور وكونه محفوظا بخلاف غيره من الكتاب فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة صدورهم أناجيلهم اهـ شهاب.\rوهو جمع إنجيل، والمعنى أنهم يقرؤون كتاب اللّه عز وجل عن ظهر قلب وهو مثبت محفوظ في صدورهم كما كان كتاب النصارى مثبتا في أناجيلهم أي كتبهم اهـ زاده.\rقوله: (يحفظونه) أي: عن ظهر قلب بخلاف الكتب السابقة، فلذلك لا يقدرون على تحريفه ولا تغييره، والمراد أنهم يحفظونه تلقيا منك وبعضهم من بعض، وأنت تلقيته عن جبريل عن اللوح المحفوظ فلم تأخذه من كتاب بطريق تلقيه منه اهـ.\rقوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا أي: كتابنا أي: القرآن. قوله: (أي اليهود) فيه ما تقدم اهـ.\rقوله: آياتٌ مِنْ رَبِّهِ وقرأ الأخوان، وابن كثير وأبو بكر آية بالإفراد لأن غالب ما جاء في القرآن كذلك، والباقون آيات بالجمع لأن بعده قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ بالجمع إجماعا والرسم محتمل له اهـ سمين.\rقوله: (ينزلها كيف يشاء) أي: من غير دخل لأحد في ذلك قطعا اهـ أبو السعود.","part":6,"page":78},{"id":2036,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 79\rيشاء وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) مظهر إنذاري بالنار أهل المعصية\rأَوَلَمْ يَكْفِهِمْ فيما طلبوا أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن يُتْلى عَلَيْهِمْ فهو آية مستمرة لا انقضاء لها، بخلاف ما ذكر من الآيات إِنَّ فِي ذلِكَ الكتاب لَرَحْمَةً وَذِكْرى عظة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)\rقُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً بصدقي يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومنه حالي وحالكم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وهو ما يعبد من دون اللّه وَكَفَرُوا بِاللَّهِ منكم أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52) في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان\rوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى له لَجاءَهُمُ الْعَذابُ عاجلا وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) بوقت إتيانه يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ في الدنيا\rوَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54)\rيَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ فيه بالنون أي نأمر قوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ كلام مستأنف وارد من جهته تعالى ردا على اقتراحهم وبيانا لبطلانه، والهمزة للإنكار والنفي، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: أقصر محمد ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ هذا جواب لقولهم: لولا أنزل عليه آيات في ربه أي: أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحداهم بأن يأتوا بمثله أو سورة منه فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا سحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم ومع ذلك عجزوا عن المعارضة اهـ.\rقوله: أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ في محل رفع فاعل يكف. قوله: (فهو آية مستمرة) أي: باقية على ممر الدهور والسنين بخلاف ناقة صالح وغيرها وأخذ الاستمرار من المضارع في قوله يُتْلى عَلَيْهِمْ اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى (له) أي: للعذاب. قوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً كوقعة بدر فإنها أتتهم بغتة وهم لا يشعرون على ما يشهد له كتب السير. وقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يحتمل وجهين، أحدهما: تأكيد معنى قوله بَغْتَةً كما يقول القائل أتيته على غفلة منه بحيث لم يدر، فقوله: (بحيث لم يدر) أكد معنى الغفلة. والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا اهـ كرخي.\rقوله: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ في الدنيا ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطمة أو لكمة قد يوري من نفسه الجلد ويقول باسم اللّه هات، وأما من وعد بإغراق أو إحراق ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد فلا يخطر بباله أن يقول هات ما توعدتني به، فقال ههنا:\rيستعجلونك أولا إخبارا عنهم، وثانيا تعجبا منهم اهـ كرخي.\rقوله: لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي: ستحيط بهم فعبر عن الاستقبال بالحال للدلالة على التحقيق والمبالغة، أو يراد بجهنم أسبابها الموصلة إليها فلا تأويل في قوله محيطة اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ ظرف لقوله محيطة اهـ سمين.","part":6,"page":79},{"id":2037,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 80\rبالقول، وبالياء أي يقول الموكل بالعذاب ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) أي جزاءه فلا تفوتونا\rيا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) في أي أرض تيسرت فيها العبادة، بأن تهاجروا إليها من أرض لم تتيسر فيها. نزل في ضعفاء مسلمي مكة كانوا في ضيق من إظهار الإسلام بها\rكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57) بالتاء والياء بعد البعث\rوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ننزلهم وفي قراءة بالمثلثة بعد النون من الثواء الإقامة وتعديته إلى غرفا قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فإن قيل: لم خص الجانبين ولم يذكر اليمين ولا الشمال ولا الخلف ولا الأمام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويميينه وشماله، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم اهـ رازي.\rقوله: وَيَقُولُ معطوف على يغشاهم، وقوله: (فيه) أي في ذلك اليوم اهـ.\rقوله: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ إياي منصوب بفعل مضمر، أي: فاعبدوا إياي فاعبدون فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، والفاء في قوله: فَإِيَّايَ بمعنى الشرط أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوا لأن الأرض واسعة اهـ قرطبي.\rقوله: (كانوا في ضيق من إظهار الإسلام) أي: وأما اليوم فإنا بحمد اللّه لم نجد أعون على قهر النفس وأجمع للقلب وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من الفتن وأظهر لأمر الدين من مكة حرسها اللّه اهـ قاري.\rقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ لما أمر اللّه المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان فخوفهم بالموت، فالأولى أن يكون أي كل أحد ميت فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، فإن كان نفس ذائقة الموت، فالأولى أن يكون ذلك في سبيل اللّه فيجازيكم عليه فلا تخافوا من بعد الوطن. ثم ذكر ثواب المهاجر فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ اهـ زاده.\rقوله: ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي: مرارته ومشاقه.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين قبل ما يكون للكافرين بقوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة: 49] فبين أن للمؤمنين الجنات في مقابلة أن للكافرين النيران، وبيّن أن فيها غرفا تحتها الأنهار في مقابلة أن تحت الكافرين النار، وبيّن أن ذلك أجر عملهم بقوله: نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ في مقابلة ما تقدم للكفار قوله: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولم يذكر ما فوق المؤمنين لأن المؤمنين في أعلى عليين فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم ولم يجعل الماء من تحت أقدامهم بل من غرفهم لأن الماء يكون ملتذا به في أي جهة كان، وعلى أي بعد كان تحت الغرفة اهـ رازي.\rقوله: (و في قراءة بالمثلثة) أي: الساكنة بعد النون وياء مفتوحة بعد الواو المكسورة المخففة من","part":6,"page":80},{"id":2038,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 81\rبحذف في مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ مقدرين الخلود فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58) هذا الأجر هم\rالَّذِينَ صَبَرُوا أي على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدين وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) فيرزقهم من حيث لا يحتسبون\rوَكَأَيِّنْ كم مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا لضعفها اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ (60) بضمائركم\rوَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ أي الكفار مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الثواء وهو الإقامة، وغرفا على هذه القراءة مفعول به بتضمين نثوي معنى ننزل فيتعدى لاثنين بسبب التضمين، لأن ثوي قاصر وأكسبته الهمزة التعدي لواحد إما على تشبيه الظرف المختص بالمبهم وإما على إسقاط الخافض اتساعا أي: في غرف. وأما على القراءة الأولى بالباء الموحدة فغرفا مفعول ثان لأن بوأ يتعدى لاثنين، قال تعالى: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران: 121] ويتعدى تارة باللام كما قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ [الحج: 26] وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة لغرفا اهـ سمين.\rوقول الشارح: وتعديته إلى غرف الخ يعني على القراءة الثانية، وهذا الحذف ليس بلازم لأن ثوى يتعدى بنفسه الحرف. وفي المختار: ثوى بالمكان يثوي بالكسر ثواء وثويا أيضا بوزن بوزن مضى أي أقام به. ويقال: ثوى البصرة وثوى بالبصرة وأثوى بالمكان لغة في ثوى وأثوى غيره يتعدى ويلزم وثوى غيره أيضا تثوية اهـ.\rقوله: خالِدِينَ فِيها أي: الغرف.\rقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا صفة للعاملين أو منصوب على المدح أو خبر لمبتدأ محذوف كما أشار إليه الشارح اهـ.\rقوله: (لإظهار الدين) متعلق بالهجرة.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ هذا شروع في بيان ما يعين على التوكل اهـ رازي.\rوفي الخازن: وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال للمؤمنين الذي كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: هاجروا إلى المدينة فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال فمن يطعمنا بها ويسقينا، فأنزل اللّه تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ أي: ذات حاجة إلى غذاء لا تحمل رزقها أي: لا ترفع رزقها معها لضعفها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير. قال سفيان بن عيينة: ليس شيء من الخلق يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة اهـ.\rوكأين مبتدأ، وقوله: لا تَحْمِلُ صفة لها واللّه يرزقها خبره، ومن دابة تمييز لكأين اهـ سمين.\rقوله: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ سوّى بين الحريص والمتوكل في الرزق، وبين الراغب والقانع، وبين الجلد والعاجز يعني: أن الجلد لا يتصور أنه مرزوق بجلده، ولا يتصور العاجز أنه ممنوع من الرزق بعجزه اهـ قرطبي.\rقوله: السَّمِيعُ (لأقوالكم) مقول القول محذوف أي: قولكم نخشى الفقر.\rقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أتى بشيئين، أحدهما: يتعلق بالذوات وهو","part":6,"page":81},{"id":2039,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 82\rالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك\rاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيق لَهُ بعد البسط، أي لمن يشاء ابتلاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) ومنه محل البسط والتضييق\rوَلَئِنْ لام القسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فكيف يشركون به قُلِ لهم الْحَمْدُ لِلَّهِ على ثبوت الحجة عليكم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) تناقضهم في ذلك\rوَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ خلق السموات والأرض. والثاني: يتعلق بالصفات وهو تسخير الشمس والقمر اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله (فأنى) في جواب شرط مقدر أي: أن صرفهم الهوى والشيطان فأنى يؤفكون اهـ شهاب.\rقوله: (بعد إقرارهم بذلك) أي: ما ذكر من الخلق والتسخير اهـ.\rقوله: وَيَقْدِرُ لَهُ الضمير راجع لمن على حد قولك: عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر اهـ كرخي.\rقوله: فَأَحْيا بِهِ أي: بالنبات الأرض الخ. وقوله: مِنْ بَعْدِ مَوْتِها أي: جدبها وقحط أهلها اهـ قرطبي.\rقوله: (فكيف يشركون به) أي: بعد هذا الإقرار. وعبارة القرطبي: أي: فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة وإذا قدر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين فكرر تأكيدا اهـ.\rتنبيه:\rذكر في السموات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر التسخير، لأن مجرد خلق الشمس والقمر ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك ما حصل الليل والنهار ولا الصيف والشتاء، فحينئذ الحكمة إنما هو في تحريكهما وتسخيرهما اهـ كرخي.\rقوله: (على ثبوت الحجة عليكم) عبارة القرطبي: قال الحمد للّه على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته، وقيل: قل الحمد للّه على إقرارهم بذلك، وقيل: قل الحمد للّه على إنزال الماء وإحياء الأرض بالنبات اهـ.\rقوله: (تناقضهم في ذلك) أي حيث يقرون بأنه المبدىء لك ما عداه ثم يشركون به الصنم اهـ بيضاوي.\rقوله: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إشارة إلى التحقير والتصغير لأمرها، وكيف لا يصغرها وهي لا تزن عند اللّه جناح بعوضة اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ اللهو: هو الاستمتاع بلذات الدنيا، وقيل: هو الاشتغال بما لا يعنيه وما لا يهمه واللعب: هو العبث وفي هذا تصغير للدنيا وازدراء بها، ومعنى الآية أن سرعة زوال الدنيا عن أهلها وتقلبهم فيها وموتهم عنها كما يلعب الصبيان ساعة ثم ينصرفون اهـ خازن.\rوقيل: اللهو هو الإعراض عن الحق بالكلية، واللعب الإقبال على الباطل اهـ رازي.","part":6,"page":82},{"id":2040,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 83\rوأما القرب فمن أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ بمعنى الحياة لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (64) ذلك ما آثروا الدنيا عليها\rفَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الدعاء، أي لا يدعون معه غيره لأنهم في شدة لا يكشفها إلا هو فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) به\rلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النعمة وَلِيَتَمَتَّعُوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، قوله: (و أما القرب) كالصلاة والصوم والحج الاستغفار والتسبيح اهـ.\rقوله: لَهِيَ الْحَيَوانُ قدر أبو البقاء وغيره قبل المبتدأ مضافا أي: وأن حياة الدار الآخرة وإنما قدروا ذلك ليتطابق المبتدأ والخبر والمبالغة أحسن، وواو الحيوان عن ياء عند سيبويه وأتباعه، وإنما أبدلت واوا شذوذا، وكذا في حياة علما. وقال أبو البقاء: لئلا يلتبس بالتثنية يعني لو قيل حييان، قال:\rولم تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها لئلا تحذف إحدى الألفين. وغير سيبويه حمل ذلك على ظاهره فالحياة عنده لامها واو ولا دليل لسيبويه في حي، لأن الواو متى انكسر ما قبلها قلبت ياء نحو عرى ورعى ورضى اهـ سمين.\rقوله: (بمعنى الحياة) أي: الدائمة الخالدة التي لا موت فيها اهـ خازن.\rقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي: أن الحياة هي حياة الآخرة وقوله: (ما آثروا الدنيا عليها) جواب لو.\rقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ؟ قلت: اتصل بمحذوف دل عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم معناه هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد، فإذا ركبوا الخ اهـ سمين.\rوذلك لأنهم كانوا إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتد الريح ألقوها في البحر وقالوا: يا رب يا رب ودعوا اللّه مخلصين أي: صورة لا حقيقة، لأن قلوبهم مشحونة بالشرك اهـ من الخازن.\rقوله: إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ جواب لما أي فاجأ التنجية إشراكهم باللّه أي: لم يتأخر عنها، واللام في ليكفروا لام كي وليتمتعوا عطف عليه، والمعنى عادوا إلى شركهم ليكفروا أي: الحامل لهم على الشرك كفرهم بما أعطاهم اللّه وتلذذهم بما متعوا به من عرض الدنيا بخلاف المؤمنين فلم يقابلوها إلا بالشكر للّه تعالى على ذلك، ثم ذكرهم تعالى نعمه حيث أسكنهم بلدة آمنوا فيها لا يغزوهم أحد من كونهم قليلي العدد قارين في مكان غير ذي زرع، وهذه من أعظم النعم التي كفروا بها وهي نعمة لا يقدر عليها إلا اللّه تعالى اهـ من النهر.\rوقوله: (لام كي) فيه شيء لأنه ليس الحامل لهم على الإشراك قصد الكفر، والظاهر أنها لام العاقبة والمآل كما أشار له الشهاب.\rقوله: بِما آتَيْناهُمْ من نعمة الإنجاء. قوله: (أمر تهديد) أي: في الفعلين وبعضهم جعل اللام لام كي فيهما، ومحله في الثانية عند كسر اللام. أما على قراءة تسكينها فهي لام الأمر اهـ شيخنا.","part":6,"page":83},{"id":2041,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 84\rوفي قراءة بسكون اللام أمر تهديد فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) عاقبة ذلك\rأَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّا جَعَلْنا بلدهم مكة حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ قتلا وسبيا دونهم أَفَبِالْباطِلِ الصنم يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) بإشراكهم\rوَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن أشرك به أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِ النبي أو الكتاب لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْكافِرِينَ (68) أي فيها ذلك وهو منهم\rوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا في حقنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي طرق السير إلينا قوله: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ الجملة حال بتقدير مبتدأ أي: وهم يتخطف الناس الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي فيها ذلك) أشار به إلى أن همزة الإنكار إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع إلى معنى التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (و هو) أي من افترى على اللّه كذبا وكذب بالحق وقوله: (منهم) أي من الكافرين اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي: أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة فينا، أي: بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا لنهدينهم سبلنا أي: طرق السير إلينا، وهي الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي توصل إلى رضا اللّه عز وجل. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور فإن اللّه تعالى قال: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. وقال الحسن: الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد اللّه:\rوالذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وقال أبو سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعضهم من عمل بما علم وفق لعلم ما لم يعلم، وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لم نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم، وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعة اهـ خطيب.\rوعبارة القرطبي: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي: جاهدوا الكفار فينا أي لطلب مرضاتنا. قال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال، وقال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين اللّه وطلب مرضاته. قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال عياش، وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون. وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من عمل بما علم علمه اللّه ما لم يعلم». وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا، قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:\r282]. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة اللّه تعالى وهو الجهاد الأكبر. قال ابن عيينة: مثل السنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى سلم فكذلك من لزم السنة في الدنيا سلم. قال عبد اللّه بن سلام: والذين جاهدوا في طاعتنا","part":6,"page":84},{"id":2042,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 85\rوَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) المؤمنين بالنصر والعون.\rلنهدينهم سبل ثوابنا وهذا يتناول جميع الطاعات اهـ.\rقوله: لَنَهْدِيَنَّهُمْ أي: لنزيدنهم هدى، وقوله: (أي طرق السير إلينا) أي: طرق الوصول إلى مرضاتنا. قوله: لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر إظهارا لشرفهم بوصف الإحسان اهـ سمين.\rواللام للتوكيد وفي مع قولان قيل: اسم، وقيل: حرف. فدخول اللام عليها ظاهر على القول الأول ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء، وكذا على الثاني من حيث إن فيها معنى الاستقرار كما في نحو: إن زيدا لفي الدار، ومع إذا سكنت عينها فهي حرف لا غير، وإذا فتحت جاز أن تكون اسما وأن تكون حرفا والأكثر أن تكون حرفا جاء لمعنى اهـ من القرطبي واللّه أعلم.","part":6,"page":85},{"id":2043,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 86\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الروم مكية وهي ستون أو تسع وخمسون آية\rالم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك\rغُلِبَتِ الرُّومُ (2) وهم أهل كتاب، غلبتها فارس وليسوا أهل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (مكية) أي: إلا قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [الروم: 17] الآية اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: إنها مكية كلها من غير خلاف.\rقوله: غُلِبَتِ الرُّومُ الروم اسم قبيلة وسميت باسم جدها وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم اهـ من تفسير ابن جزي.\rوسمي عيصو لأنه كان مع يعقوب في بطن فعند خروجهما تزاحما وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم أخرج قبلك وإلّا خرجت من جنبها فتأخر يعقوب شفقة منه، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين اهـ شيخنا.\rوسبب نزول هذه الآية على ما ذكره المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم لأن فارس كانوا مجوسا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم رجلا يقال له شهريزان، وبعث قيصر جيشا وأمّر عليهم رجلا يدعى بخنس، فالتقيا بإذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم وإنكم أن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فو اللّه لتظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم. فقام إليه أبي بن خلف الجمحي وقال: كذبت. فقال له الصديق: أنت أكذب يا عدو اللّه، فقال: اجعل أجلا أناحبك عليه، والمناحبة: بالحاء المهملة القمار والمراهنة أي: أراهنك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت لك، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت لي.\rففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بذلك وكان ذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع فزايده في الخطر ومادده","part":6,"page":86},{"id":2044,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 87\rكتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم\rفِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة، التقى فيها الجيشان، والبادىء بالغزو الفرس وَهُمْ أي الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ أضيف المصدر إلى المفعول، أي غلبة فارس إياهم سَيَغْلِبُونَ (3) فارس\rفِي بِضْعِ سِنِينَ هو ما بين الثلاث إلى التسع أو في الأجل». فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت فقال: لا فتعال أزايدك في الخطر وأماددك في الأجل، فجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين وقيل إلى سبع، فقال: قد فعلت. فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفله ابنه عبد اللّه بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبد اللّه بن أبي بكر فلزمه وقال:\rلا واللّه لا أدعك حتى تعطيني كفيلا ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي جرحه إياها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك قبل أن يحرم القمار فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «تصدق به» اهـ خازن.\rقوله: (و هم أهل كتاب) أي: نصارى، فهم أقرب إلى الإسلام، وقوله: (و ليسوا أهل كتاب) أي: ليس الفرس أهل كتاب بل مجوس فهم أقرب إلى كفار قريش اهـ.\rقوله: (غلبتها فارس) اسم أعجمي علم على تلك القبيلة فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث بل والعجمة اهـ.\rقوله: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ متعلق بغلبت. قوله: (أي أقرب أرض الروم) فأدنى أفعل تفضيل بمعنى أقرب، وأل في الأرض بدل من المضاف إليه، والمراد بالجزيرة ما بين دجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب وحدها على ما روي عن الأصمعي أنها من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا، وسبب تسميتها جزيرة إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها كبحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات اهـ زاده.\rوقال ابن جزي في تفسيره: الجزيرة بين الشام والعراق وهي أول الروم إلى فارس اهـ.\rوفي الخازن: في أدنى الأرض يعنى أقرب أرض الشام إلى فارس، وقيل: هي أذرعات، وقيل:\rالأردن، وقيل: الجزيرة اهـ.\rوكانت هذه الوقعة قبل الهجرة بخمس سنين على القول بأن الوقعة الثانية كانت في السنة الثانية من الهجرة في يوم بدر كما يؤخذ من قول الشارح الآتي: فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول مع قوله: وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر، وقيل: إن الوقعة الثانية كانت عام الحديبية سنة ست، وعليه تكون الوقعة الأولى قبل الهجرة بسنة. قوله: (بالجزيرة) صفة لأرض الروم متعلق بمحذوف أي:\rأرض الروم الكائنة بالجزيرة. قوله: وَهُمْ مبتدأ، وقوله: (من بعد غلبهم) مصدر الفعل المبني للمجهول فهو مضاف للمفعول أي: وهم من بعد كونهم مغلوبين أو من بعد مغلوبيتهم، وقوله:\rسَيَغْلِبُونَ خبر المبتدأ ومن بعد غلبهم متعلق به اهـ سمين.","part":6,"page":87},{"id":2045,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 88\rالعشر، فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول، وغلبت الروم فارس لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى أن غلبة فارس أولا وغلبة الروم ثانيا، بأمر اللّه أي إرادته وَيَوْمَئِذٍ أي يوم تغلب الروم يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)\rبِنَصْرِ اللَّهِ إياهم قوله: فِي بِضْعِ سِنِينَ أبهم البضع ولم يبينه وإن كان معلوما لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت كما يؤخذ ذلك من الرازي. قوله: (فالتقى الجيشان) أي: جيش قيصر ملك الروم فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي إلى الفرس وغلبوهم وقتلوهم ومات كسرى ملك الفرس اهـ.\rقوله: مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ العامة على بنائهما لقطعهما عن الإضافة وارادتها أي: من قبل الغلب ومن بعده أو من قبل كل أمر ومن بعده، وحكى الفراء كسرهما من غير تنوين وغلطه النحاس وقال:\rإنما يجوز من قبل ومن بعد يعني مكسورا منونا. قلت: وقد قرئ بذلك ووجهه إنه لم ينو إضافتهما فأعربهما، وحكي من قبل بالتنوين والجر ومن بعد بالبناء على الضم، وقد خرج بعضهم ما حكاه الفراء على أنه قدر أن المضاف إليه موجود فترك الأول بحاله اهـ سمين.\rقوله: (أي من قبل غلب الروم) أي: من قبل كونهم غالبين، وهذا القبل هو وقت كونهم مغلوبين، وقوله: (و من بعده) أي بعد غلب الروم بمعنى كونهم مغلوبين وبعد كونهم مغلوبين هو وقت كونهم غالبين، فكأنه قال: من وقت المغلوبية ووقت الغالبية فهو لف ونشر مرتب على الآية. وعبارة أبي السعود: للّه الأمر من قبل ومن بعد أي: في أول الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون كأنه قيل من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين، والمعنى أن كلّا من كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر اللّه تعالى وقضائه، وتلك الأيام نداولها بين الناس اهـ.\rقوله: (و المعنى أن غلبة فارس أولا وغلبة الروم ثانيا الخ) المصدر مضاف لفاعله في كل منهما أشار به إلى جواب ما قيل أي: فائدة في ذكر قوله مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ، لأن قوله سَيَغْلِبُونَ بعد قوله غلبت الروم لا يكون إلا من بعد الغلبة. وإيضاح الجواب: أن فائدته إظهار القدرة وبيان أن ذلك بأمر اللّه لأن من غلب بعد غلبه لا يكون إلا ضعيفا، فلو كان غلبتهم بشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا قبل غلبهم، فإذا غلبوا بعد ما غلبوا دل على أن ذلك بأمر اللّه فقال من بعد غلبهم ليتفكروا في ضعفهم ويتذكروا أنه ليس بقوتهم، وإنما ذلك بأمر هو من اللّه تعالى، وقوله: (في أدنى الأرض) لبيان شدة ضعفهم أي: انتهى بعضهم إلى أن وصل عدوهم إلى طرف بلادهم وكسروهم وهم في بلادهم، ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن وبنواهناك الرومية لبيان أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم بإذن اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: (أي يوم تغلب الروم) أشار به إلى أن التنوين في يومئذ قائم مقام الجملة التي تضاف إذ إليها اهـ كرخي.\rقوله: يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ أي: لموافقتهم الروم في أن الكل أهل كتاب وأعداؤهم أهل أصنام اهـ.\rقوله: بِنَصْرِ اللَّهِ متعلق بيفرح اهـ كرخي.","part":6,"page":88},{"id":2046,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 89\rعلى فارس، وقد فرحوا بذلك وعملوا به يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك فيه، مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الرَّحِيمُ (5) بالمؤمنين\rوَعْدَ اللَّهِ مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل وعدهم اللّه النصر لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ به وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (6) وعده تعالى بنصرهم\rيَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي معايشها من التجارة والزراعة والبناء والغراس وغير ذلك وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7) إعادة هم تأكيد\rأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ليرجعوا عن غفلتهم ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قوله: (و قد فرحوا) أي: المؤمنون، وقوله: (بذلك) أي: النصر. قوله: (يوم بدر) بدل من يوم وقوعه أو ظرف منصوب بوقوعه، وقوله (بنزول) متعلق بعلموا، فإن غلبة الروم كانت يوم غلبة المسلمين المشركين ببدر ووصل ذلك إلى المؤمنين بخبر جبريل اهـ رازي.\rوقوله: (بذلك) أي بغلبة الروم على فارس، وقوله: (مع فرحهم) متعلق بقوله (و قد فرحوا) فهما فرحتان.\rقوله: وَعْدَ اللَّهِ منصوب مؤكد لمضمون الجملة التي تقدمت وهي قوله: سَيَغْلِبُونَ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ اهـ من النهر.\rفوعدهم بالنصر وبالفرح، فكأنه قال وعدهم بالنصر وعدا ووعدهم بالفرح وعدا لا يخلف اهـ.\rوقوله: لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ مقرر لمعنى هذا المصدر، ويصح كونه حالا من المصدر الموصوف فهو مبين للنوع كأنه قيل: وعد اللّه وعدا غير مخلف اهـ كرخي.\rقوله: (بدل من اللفظ بفعله) أي: وعدهم اللّه وعدا كقوله: (له علي ألف عرفا) لأن معناه اعترفت له بها اعترافا اهـ ابن جزي.\rقوله: (به) أي: بالنصر. قوله: لا يَعْلَمُونَ (وعده تعالى الخ) أي: لجهلهم وعدم تفكرهم نفى عنهم العلم النافع للآخرة، وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا اهـ من النهر.\rوقوله: (بنصرهم) أي: المؤمنين.\rقوله: يَعْلَمُونَ الضمير للأكثر وكذا يقال فيما بعده. قوله: (أي معايشها الخ) يوضحه قول الكشاف قوله: يَعْلَمُونَ بدل من قوله لا يَعْلَمُونَ، وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا، وقوله: ظاهرا من الحياة الدنيا يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها وباطنها، وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة، وهذا أحسن من قول الحوفي إنّه مستأنف من حيث المعنى، إلى أن الصناعة لا تساعد عليه لأن بدل فعل مثبت من فعل منفي لا يصح اهـ كرخي.\rقوله: (إعادة هم) أي: إعادة لفظ هم الثانية للتأكيد.\rقوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أي: ألم يشغلوا قلوبهم الفارغة عن الكفر بالتفكر اهـ.","part":6,"page":89},{"id":2047,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 90\rوَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى لذلك تفنى عند انتهائه وبعد البعث وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ أي كفار مكة بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8) أي لا يؤمنون بالبعث بعد الموت\rأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً كعاد وثمود وَأَثارُوا الْأَرْضَ حرثوها وقلبوها للزرع والغرس وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي كفار مكة وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الظاهرات فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بإهلاكهم بغير جرم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) بتكذيبهم رسلهم\rثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى تأنيث الأسوأ الأقبح، خبر كان على رفع عاقبة، واسم كان على نصب عاقبة، والمراد بهم جهنم وإساءتهم وقوله: فِي أَنْفُسِهِمْ ظرف للتفكر وليس مفعولا للتفكر إذ متعلقه خلق السموات والأرض اهـ سمين.\rقوله: ما خَلَقَ ما نافية. وفي هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها. والثاني: أنها معلقة للتفكر فيكون في محل نصب على إسقاط الخافض ويضعف أن تكون استفهامية بمعنى النفي وفيها الوجهان المذكوران، وبالحق إما سببية وإما حالية اهـ سمين.\rوفي الشهاب: قوله: إِلَّا بِالْحَقِ الباء للملابسة أي: ما خلقها باطلا ولا عبثا بغير حكمة بالغة ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة وبتقدير أجل مسمى تنتهي إليه، ولذا عطف عليه قوله: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ الخ اهـ.\rقوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي: وبأجل مسمى فهو معطوف على الحق، وقوله: (لذلك) أي لخلق الثلاثة أي: لدوام خلقه وبقائها، وقوله: (تفنى) أي: السموات والأرض وما بينهما، وفي نسخة يفني بالياء التحتية فالضمير فيها عائد للمذكور من السموات والأرض وما بينهما وقوله: (و بعده) أي: بعد الفناء البعث جملة من مبتدأ وخبر قدم الخبر فيها أي: والبعث كائن بعده أي بعد الفناء اهـ شيخنا.\rقوله: بِلِقاءِ رَبِّهِمْ متعلق بكافرون، واللام لا تمنع ذلك لأنها وقعت في غير موضعها وهو خبر إن اهـ كرخي.\rقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ توبيخ لهم بعدم اتعاظهم بمشاهدة أحوال أمثالهم الدالة على عاقبتهم وما لهم، والهمزة لتقرير النفي، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي قعدوا في أماكنهم ولم يسيروا اهـ أبو السعود.\rقوله: أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها نعت لمصدر محذوف أي: عمارة أكثر من عمارتهم، وقرئ وآثاروا بألف بعد الهمزة وهو اشباع لفتحة الهمزة اهـ سمين.\rقوله: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ الخ شرع في بيان هلاكهم في الآخرة بعد بيان هلاكهم في الدنيا بتكذيبهم رسلهم اهـ شيخنا.\rقوله: (خبر كان على رفع عاقبة) عبارة السمين: قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر بالرفع،","part":6,"page":90},{"id":2048,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 91\rأَنْ أي بأن كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (10)\rاللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشىء خلق الناس ثُمَّ يُعِيدُهُ أي خلقهم بعد موتهم ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) بالياء والتاء\rوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) يسكت المشركون لانقطاع حجتهم\rوَلَمْ يَكُنْ أي لا يكون لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ ممن أشركوهم باللّه وهم الأصنام ليشفعوا لهم شُفَعاءُ وَكانُوا أي يكونون بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (13) أي متبرئين منهم\rوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ تأكيد يَتَفَرَّقُونَ (14) أي المؤمنون والكافرون\rفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ جنة يُحْبَرُونَ (15) والباقون بالنصب. فالرفع على أنها اسم كان وذكر الفعل لأن التأنيث مجازي. وفي الخبر حينئذ وجهان، أحدهما: السوأى أي: الفعلة السوأى أو الخصلة السوأى. والثاني: أن كذبوا أي: كان آخر أمرهم التكذيب، فعلى الأول يكون في أن كذبوا وجهان، أحدهما: أنه على إسقاط الخافض إما لام العلة أي: لأن كذبوا، وإما باء السببية أي: بأن كذبوا، فلما حذف الحرف جرى القولان المشهوران بين الخليل وسيبويه في محل إن. والثاني: أنه بدل من السوأى أي: ثم كان عاقبتهم التكذيب، وعلى الثاني يكون السوأى مصدرا لأساؤوا أو أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي: أساء والفعلة السوأى، والسوأى تأنيث الأسوأ. وأما النصب فعلى خبر كان وفي الاسم وجهان. أحدهما: السوأى أي: كانت الفعلة السوأى عاقبة المسيئين وأن كذبوا على ما تقدم. والثاني: أن الاسم أن كذبوا والسوأى على ما تقدم أيضا اهـ.\rقوله: (و إساءتهم) أَنْ كَذَّبُوا أي: حصلت لهم الإساءة بسبب تكذيبهم الآيات واستهزائهم بها اهـ شيخنا.\rقوله: يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ قرأ العامة ببنائه للفاعل وهو المعروف يقال: أبلس الرجل أي:\rانقطعت حجته فسكت فهو قاصر لا يتعدى، وقرأ السلمي: يبلس مبنيا للمفعول وفيه بعد لأن أبلس لا يتعدى، وقد خرجت هذه القراءة على أن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، إذ الأصل يبلس إبلاس المجرمين، ويبلس هو الناصب ليوم تقوم ويومئذ مضاف لجملة تقديرها يومئذ تقوم وهذا كأنه تأكيد لفظي، إذ يصير التقدير يبلس المجرمون يوم تقوم الساعة اهـ سمين.\rقوله: (أي لا يكون) لَهُمْ الخ إشارة إلى أن هذا من قبيل التعبير بالماضي عن المضارع وذلك لتحقق وقوعه وكذا يقال فيما بعده، والمراد بالماضي المضارع المنفي بلم اهـ شهاب.\rفلما كانت لم لنفي الماضي معنى وليس مراداهنا فسرها بلا التي لنفي المضارع ليتوصل إلى تفسير الفعل الذي في حيزها بالمضارع الحقيقي اهـ.\rقوله: (تأكيد) أي: لفظي والتنوين عوض عن جملة، والتقدير يوم إذ تقوم الساعة اهـ سمين.\rقوله: (أي المؤمنون والكافرون) دل على هذا التعميم ما قبله من عموم الخلق في قوله: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ [الروم: 11] وما بعده في قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: 26] الخ اهـ شهاب.\rقوله: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ الروضة: كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة، ومعنى يحبرون","part":6,"page":91},{"id":2049,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 92\rيسرّون\rوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ البعث وغيره فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (16)\rفَسُبْحانَ اللَّهِ أي سبحوا اللّه بمعنى صلّوا حِينَ تُمْسُونَ أي تدخلون في المساء، وفيه صلاتان: المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) تدخلون في الصباح، وفيه صلاة الصبح\rوَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اعتراض ومعناه يحمده أهلهما وَعَشِيًّا عطف على حين، وفيه صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر\rيُخْرِجُ الْحَيَ يكرمون أو ينعمون. روي أن في الجنة أشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث اللّه ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: يُحْبَرُونَ أي: يسرون، والحبر والحبور السرور، وقيل: هو من التحبير وهو التحسين: يقال هو حسن الحبر والسبر والسبر بكسر الحاء والسين وفتحهما. وفي الحديث:\r«يخرج من النار رجل ذهب حبره وسبره» فالمفتوح مصدر والمكسور اسم اهـ.\rقوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ الخ لما بين اللّه تعالى عظمته في الابتداء بقوله: ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ [الروم: 8] وعظمته في الانتهاء قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ* وإن الناس يتفرقون فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير أمر بتسبيحه وحمده اللذين هما وسيلتان للنجاة من العذاب اهـ رازي.\rوروي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قال سبحان اللّه وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» وعنه أنه قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان اللّه وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» اهـ خازن.\rقوله: (بمعنى صلوا) هذا قول. وقال بعضهم: المراد به التنزيه أي: نزهوا اللّه عن صفات النقص وصفوه بصفات الكمال وهذا أولى لأنه يتضمن الصلاة، لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب الذي هو الاعتقاد الجازم، ويتناول التنزيه باللسان وهو الذكر الحس، ويتناول التنزيه بالأركان وهو العمل الصالح، والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني، فاللسان ترجمان الجنان، والأركان ترجمان اللسان. لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان فهي مشتملة على الذكر باللسان والتصديق بالجنان فهو نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو تنزيه الذي من جملته الصلاة اهـ رازي.\rقوله: (أي تدخلون في المساء الخ) يشير به إلى أن تمسون وتصبحون تامان اهـ كرخي.\rقوله: (و فيه) أي: المساء. قوله: (و فيه) أي: الصباح. قوله: (اعتراض) أي: بين المعطوف والمعطوف عليه، ونكتته أن تسبيحهم لنفعهم لا له فعليهم أن يحمدوه إذا سبحوه لأجل نعمة هدايتهم إلى التوفيق اهـ رازي. قوله: (و فيه) أي: في العشي. قوله: (و فيه) أي: الظهيرة بمعنى الحين.\rقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ الخ وجه مناسبتها لما قبلها أن الإنسان عند الإصباح يخرج من","part":6,"page":92},{"id":2050,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 93\rمِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ النطفة والبيضة مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها وَكَذلِكَ الإخراج تُخْرَجُونَ (19) من القبور بالبناء للفاعل والمفعول\rوَمِنْ آياتِهِ تعالى الدالة على قدرته أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أي أصلكم آدم ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ من دم ولحم تَنْتَشِرُونَ (20) في الأرض\rوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً تخلقت حوّاء من ضلع آدم وسائر النساء من نطف الرجال والنساء لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وتألفوها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ جميعا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) شبه الموت وهو النوم إلى شبه الحياة وهو اليقظة اهـ رازي.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ الخ جملة من مبتدأ وخبر أي: ومن جملة علامات توحيده وأنه يبعثكم خلقكم واختراعكم من تراب ومن لابتداء الغاية اهـ سمين.\rوذكر لفظ من آياته ست مرات تنتهي عند قوله: إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم: 25] ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآيات بقيام السموات والأرض لكونه من العوارض اللازمة لأن كلّا من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه فيتعجب من وقوف الأرض وعدم نزولها ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين خلقكم وخلق لكم من أنفسكم، وذكر من الآفاق السماء والأرض، وذكر لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف اللون، وذكر من عوارضه المنام والابتغاء ومن عوارض الآفاق البرق والمطر ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض اهـ من النهر.\rفجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء اثنان أصول واثنان لوازم واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق اثنان أصول واثنان لوازم واثنان عوارض اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ الترتيب والمهلة هنا ظاهران فإنهم يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة، وتنتشرون حال، وإذاهي الفجائية إلا أن الفجائية أكثر ما تقع بعد الفاء لأنها تقتضي التعقيب ووجه وقوعها مع ثم بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة أي: بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في مواضع أخر مع كوننا نطفة ثم مضغة ثم عظما مجردا ثم عظما لحما فاجأ البشرية والانتشار اهـ سمين.\rقوله: أَزْواجاً أي: زوجات. قوله: (و سائر النساء) أي: باقيهن. قوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي: الأزواج وقوله: (و تألفوها) عطف تفسير اهـ.\rقوله: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً قال ابن عباس ومجاهد: المودة الجماع، والرحمة: الولد وقاله الحسن أيضا، وقيل: المودة والرحمة عطف قلوب بعضهم على بعض، وقال السدي: المودة المحبة والرحمة والشفقة، وروي معناه عن ابن عباس قال: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء اهـ قرطبي.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي: فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق أزواجهم من أنفسهم وإلقاء المودة والرحمة بينهم اهـ أبو السعود.","part":6,"page":93},{"id":2051,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 94\rفي صنع اللّه تعالى\rوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي لغاتكم من عربية وعجمية وغيرها وَأَلْوانِكُمْ من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِلْعالِمِينَ (22) بفتح اللام وكسرها أي ذوي العقول وأولي العلم\rوَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ بإرادته راحة لكم وَابْتِغاؤُكُمْ بالنهار مِنْ فَضْلِهِ أي تصرفكم في طلب المعيشة بإرادته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) سماع تدبر واعتبار\rوَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ أي إراءتكم الْبَرْقَ خَوْفاً للمسافر من الصواعق وَطَمَعاً قوله: يَتَفَكَّرُونَ (في صنع اللّه) أي: لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس والتجانس بين الأشياء كالزوجين اهـ كرخي.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ أي: الدالة على أمر البعث وما يتلوه من الجزاء خلق السموات والأرض، إما من حيث إن القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادة مساعدة لها أظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك، وإما من حيث أن خلقهما وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر ومعاده كما يفصح عنه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: 29] وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الحديد: 4] واختلاف ألسنتكم أي: لغاتكم بأن علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها وأقدره عليها أو أجناس نطقكم وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساويين في الكيفية من كل وجه، وألوانكم بياض الجلد وسواده وتوسطه فيما بينهما أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها وخلاها بحيث وقع بها التمايز بين الأشخاص، حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة وإن كانا في غاية التشابه، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السموات والأرض مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للإيذان باستقلاله والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم اهـ أبو السعود.\rوقدم السماء على الأرض لأن السماء كالذكر فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة لأن الأرض تنبت وتخضر بالمطر اهـ شيخنا.\rقوله: (بفتح اللام وكسرها) سبعيتان.\rقوله: مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ الخ قيل: في الآية تقديم وتأخير ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وإبتغاؤكم من فضله بالنهار فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطف عليه، لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار والأحسن أن يجعل على حاله، والنوم بالنهار مما كان العرب تعده نعمة من اللّه ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة اهـ سمين.\rقوله: (بإرادته) أي: لا يقدر على اجتلابه إذا امتنع ولا على دفعه إذا ورد إلا اللّه فهو من صنع اللّه الحكيم اهـ كرخي.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ الظاهر في إعرابه أن يكون جملة من مبتدأ وخبر وحذف الناصب","part":6,"page":94},{"id":2052,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 95\rللمقيم في المطر وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها بأن تنبت إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) يتدبرون\rوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ بإرادته من غير عمد ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور من الفعل، والأصل أن يريكم فلذلك أوله بالمصدر وهذاهو الموافق لإخواته التي ذكر فيها الحرف المصدري اهـ سمين.\rقوله: (يتدبرون) أي: لأن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فيما ذكر وغيره، فإن قيل:\rما الحكمة في قوله هنا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وقوله فيما تقدم لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ؟ فالجواب: أنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام القاصرة أن ذلك بالطبيعة، لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف والبرق والمطر ليس أمرا مطردا غير مختلف بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قويا وتارة يكون ضعيفا فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال: هو آية لمن له عقل وإن لم يتفكر تاما اهـ كرخي.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ أي: تبقى وتثبت، وهذا شروع في بيان بقائهما وثباتهما بعد بيان إيجادهما في قوله: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ اهـ شيخنا.\rوأظهر كلمة أن هنا التي هي علم الاستقبال لأن القيام هنا بمعنى البقاء لا الإيجاد وهو مستقبل باعتبار أواخره وما بعد نزول هذه الآيات اهـ شهاب.\rفائدة:\rذكر قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ في أربع مواضع ولم يذكره في الأول وهو قوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [الروم: 20] ولا في الأخير وهو هذا ووجه عدم ذكره في الأول أن خلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد وهو الإيجاد فاكتفى فيهما بذكره مرة واحدة أي اكتفى بذكر قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ مرة واحدة، وأما قيام السموات والأرض الذي هو الأخير فلذكره الدلائل الظاهرة بقوله:\rللعالمين، ويسمعون ويعقلون فيكون الأمر بعدها أظهر فلم يميز أحدا عن أحد وذكر ما هو مدلوله وهو قدرته على الإعادة اهـ رازي.\rقوله: (من غير عمد) بفتحتين اسم جمع لعمود، وقيل: جمع له كأديم وأدم وبضمتين جمع عمود كرسول ورسل اهـ سمين من سورة الهمزة.\rقوله: مِنَ الْأَرْضِ الأظهر أنه متعلق بدعاكم ولا جائز أن يتعلق بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: ومن الأرض متعلق بدعاكم إذ يكفي في ذلك كون المدعو فيها يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي لا بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها اهـ.\rوإذا الأولى في قوله: إِذا دَعاكُمْ شرطية. والثانية: في قوله: إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ فجائية وهي تقوم مقام الفاء في جواب الشرط اهـ قرطبي.","part":6,"page":95},{"id":2053,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 96\rإِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) منها أحياء فخروجكم منها بدعوة من آياته تعالى\rوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (26) مطيعون\rوَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ للناس ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد هلاكهم وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة تنبيه:\rقال هنا: إذا أنتم تخرجون وقال في خلق الإنسان أولا ثم إذا أنتم بشر تنشرون، لأنه هناك يكون خلق وتقدير وتدريج حتى يصير التراب قابلا للحياة فتنفخ فيه الروح فإذاهو بشر، وأما في الإعادة فلا يكون تدريج بل يكون بدء وخروج فلم يقل هنا ثم اهـ كرخي.\rقوله: (في الصور) وهو الناقور الذي يجمع اللّه فيه الأرواح عند نفخة البعث المشتمل على ثقب بعددها فتخرج منه الأرواح إلى أجسادها فلا تخطىء روح جسدها وبين النفختين أربعون عاما اهـ من شرح اللقاني على الجوهرة.\rقوله: (فخروجكم) مبتدأ. وقوله: مِنْ آياتِهِ أي: علاماته خبر. قوله: (مطيعون) أي: في الحياة والبقاء أو الموت والبعث وإن عصوا في العبادة. وعبارة النهر: مطيعون لأفعاله لا يمتنع عليه شيء يريد فعله بهم من حياة موت ومرض وصحة فهي طاعة الإرادة لا طاعة العبادة اهـ.\rوفي القرطبي: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال النحاس مطيعون طاعة انقياد، وقيل: قانتون مقرون بالعبودية إما بالمقال وإما بالدلالة قاله عكرمة وأبو مالك والسدي، وقال ابن عباس: قانتون مصلون، وقال الربيع بن أنس: كل له قانتون أي: قائم يوم القيامة كما قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين: 6] أي: للحساب، وقال الحسن: كل له قائم للشهادة أنه عبد له، وقال سعيد بن جبير:\rقانتون مخلصون اهـ.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ حمله الشارح على المصدر حيث علق به قوله للناس، وعلى هذا فضمير ثم بعيده عائد له بمعنى المخلوق فهو استخدام وقوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الضمير للإعادة المفهمومة من الفعل، ولعل التذكر باعتبار كونها ردا وإرجاعا أو مراعاة للخبر. وعبارة الكرخي: وذكر الضمير فيه مع أنه راجع للإعادة المأخوذة من لفظ يعيده نظرا إلى المعنى دون اللفظ وهو رجعه أو رده كما نظر إليه في قوله: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [الفرقان: 49] أي: مكانا ميتا أي: تذكيره باعتبار الخبر اهـ.\rقوله: (بالنظر إلى ما عند المخاطبين الخ) فيه إشارة إلى جواب السؤال المشهور وهو أنه كيف قال تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، والأفعال كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى متساوية في السهولة؟\rوإيضاحه: أن الأمر مبني على ما ينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم من أن الإعادة للشيء أهون من ابتدائه لأن من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، فالإعادة محكوم عليها بزيادة السهولة أو أن أهون ليست للتفضيل بل هي صفة بمعنى هين كقولهم: اللّه أكبر أي كبير وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وقيل: إن الضمير في عليه ليس عائدا على اللّه تعالى بل هو عاد على الخلق أي: والعود أهون على الخلق أي: أسرع لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن صارت","part":6,"page":96},{"id":2054,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 97\rالشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند اللّه تعالى سواء في السهولة وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا اللّه وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (27) في خلقه\rضَرَبَ جعل لَكُمْ أيها المشركون مَثَلًا كائنا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وهو هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من مماليككم مِنْ شُرَكاءَ لكم فِي ما رَزَقْناكُمْ من الأموال وغيرها فَأَنْتُمْ إنسانا، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات فكأنه قيل: وهو أقصر عليه وأيسر وأقل انتقالا، والمعنى أنهم يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا أو مضغا إلى أن يصيروا رجالا ونساء وهي رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى يجوز أن يكون مرتبطا بما قبله وهو قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي:\rقد ضربه لكم مثلا فيما يسهل وفيما يصعب، وإليه نحا الزجاج أو بما بعده من قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ. وقيل: المثل الوصف وفي السموات يجوز أن يتعلق بالأعلى أي: أنه علا في هاتين الجهتين، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الأعلى أو من المثل أو من الضمير في الأعلى فإنه يعود على المثل اهـ سمين.\rقوله: (و هي أنه لا إله إلا اللّه) أي: هي الوحدانية اهـ.\rوفي أبي السعود: وله المثل الأعلى أي: الوصف الأعلى العجيب الشأن من القدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال التي ليس لغيره ما يدانيها فضلا عما يساويها، ومن فسرها بقوله لا إله إلا اللّه أراد به الوصف بالوحدانية اهـ.\rقوله: مَثَلًا (كائنا) مِنْ أَنْفُسِكُمْ أشار به إلى أن من ابتدائية في موضع الصفة لمثلا، والمعنى أخذ وانتزع مثلا من أحوال أنفسكم التي هي أقرب الأمور إليكم اهـ كرخي.\rفمن الأولى للابتداء، والثانية تبعيضية، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام الإنكاري اهـ بيضاوي.\rقوله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ شركاء مبتدأ، ومن مزيدة فيه وخبره لكم، ومما ملكت أيمانكم متعلق بمحذوف حال من شركاء لأنه في الأصل نعت نكرة فقدم عليها، والعامل فيه هو العامل في هذا الجار الواقع خبرا والخبر مقدر بعد المبتدأ، وفيما رزقناكم متعلق بشركاء وما في مما ملكت بمعنى النوع، وتقدير ذلك كله: هل شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم مستقرون لكم، فكائنون هو الوصف المتعلق به مما ملكت، فلما قدم صار حالا ومستقرون هو الخبر الذي تعلق به لكم، وقيل: الخبر مما ملكت ولكم متعلق بما تعلق به الخبر، وقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ جواب الاستفهام الذي بمعنى النفي وفيه متعلق بسواء، وتخافونهم خبر ثان لأنتم تقديره فأنتم مستوون معهم فيما رزقناكم خائفون كخوف بعضكم بعضا أيها السادة، والمراد نفي الأشياء الثلاثة أعني الشركة والاستواء مع العبيد وخوفهم إياهم، وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء، والخوف كما هو أحد الوجهين في قولك ما تأتينا فتحدثنا بمعنى ما تأتينا محدثا بل تأتينا ولا تحدثنا، بل المراد نفي لجميع ما تقدم، وقوله: كَخِيفَتِكُمْ أي: خيفة مثل خيفتكم والمصدر مضاف لفاعله اهـ سمين.","part":6,"page":97},{"id":2055,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 98\rوهم فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك اللّه شركاء له كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نبيّنها مثل ذلك التفصيل لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) يتدبرون\rبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بالإشراك أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي لا هادي له وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (29) مانعين من عذاب اللّه\rفَأَقِمْ يا محمد وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً مائلا إليه، أي أخلص دينك للّه أنت ومن تبعك فِطْرَتَ اللَّهِ خلقته الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وهي دينه أي قوله: فِي ما رَزَقْناكُمْ يعني أنه ليس لكم في الحقيقة وإنما هو اللّه تعالى ومن رزقه حقيقة، فإذا لم يجز أن يشرككم فيما هو لكم من حيث الاسم فكيف يكون له تعالى شريك فيما هو له حقيقة اهـ سمين.\rقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ أي: مستوون في التصرف فيه على عادة الشركاء.\rقوله: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه الإضراب مع الالتفات وأقيم الظاهر مقام الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم اهـ شيخنا.\rقوله: وَما لَهُمْ أي: لمن أضله اللّه والجمع باعتبار معنى من اهـ أبو السعود.\rقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الخ تمثيل لإقباله على الدين واستقامته واهتمامه وترتيب أسبابه، فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر عقد عليه طرفه ومد إليه نظرة وقوّم له وجهه مقبلا عليه أي: فقوم وجهك له وعدله غير ملتفت يمينا وشمالا، وحنيفا: حال من فاعل أقم أو من مفعوله أو من الذين اهـ أبو السعود.\rقوله: (أنت ومن اتبعك) هذاهو المراد بقوله فيما يأتي حال من فاعل أقم وما أريد به أي أن الخطاب في الظاهر له، والمراد به وأمته اهـ شيخنا.\rقوله: فِطْرَتَ اللَّهِ ترسم بالتاء المجرورة وليس في القرآن غيرها، وفي الفطرة تفسيران قيل:\rالمراد بها قابلية الدين الحق والتهيؤ لها، وقيل: المراد بها دين الإسلام، والشارح أشار إلى الأول بقوله (خلقته) وإلى الثاني بقوله: (و هي دينه) فوقع في كلامه خلط قول بآخر إلا أن تجعل الواو في كلامه بمعنى أو اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: فِطْرَتَ اللَّهِ وهي الحنيفية التي وضعت الخلقة عليها وإن عبد غير اللّه، ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري لأنه موجود حتى في الكفار، وإنما الاعتبار بالإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والتعلم اهـ.\rوعبارة الكرخي: قوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الخ أشار أن المراد بالفطرة هي دين الإسلام، وأن نصبها بالهمزة الذي قدره كما قال الزمخشري قال: وإنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وهو حال من الضمير في الزموا وقوله: وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا وَلا تَكُونُوا معطوف على هذا المضمر وهذا ما عزي لابن عباس وغيره. وذهب قوم إلى أن الآية خاصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم اللّه على","part":6,"page":98},{"id":2056,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 99\rالإسلام إذ كل مولود يولد عليها أي على العهد الذي أخذ عليه بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى [الأعراف: 172] فإن قلت: قد جاء في الخبر الصحيح أن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا. قلنا لعل معناه أنه قدر أو كتب في بطن أمه إنه لو عاش يصير كافرا بإضلال شياطين الإنس والجن فلا مخالفة، وقيل: ما فطر عليه الإنسان من الشقاوة والسعادة، والمعنى أن الشقي لا يصير سعيدا وبالعكس اهـ.\rوفي القرطبي ما نصه: المسألة الثالثة اختلف العلماء في معنى الفطرة في الكتاب والسنة على أقوال منها: الإسلام قاله أبو هريرة، وابن شهاب وغيرهما قالوا: وهو المعروف عند عامة المسلمين من أهل التأويل، وعلى هذا يكون المعنى أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه اللّه على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا يكونون في الجنة سواء كانوا أولاد مسلمين أو أولاد كفار، وقال آخرون الفطرة هي البدأة التي ابتدأهم اللّه عليها أي: على ما فطر اللّه عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا:\rوالفطرة في كلام العرب البدأة والفاطر المبتدىء واحتجوا على ذلك بما روي عن كعب القرظي في قوله: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال من ابتدأ اللّه خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ اللّه خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة فقد ابتدأ اللّه خلق إبليس على الضلالة وعمل السعادة مع الملائكة، ثم رده إلى ما ابتدأ خلقه عليه وكان من للكافرين. وقالت فرقة: ليس المراد قوله تعالى: فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ولا بقوله عليه الصلاة والسّلام:\r«كل مولود يولد على الفطرة» العموم وإنما المراد بالناس المؤمنون إذ لو فطر الجميع على الإسلام ما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار كما قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] وأخرج الذرية من صلب آدم سودا وبيضا. وقال في الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافرا. وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: والفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه فكأنه قال: كل مولود يولد خلقه يعرف بها ربه. وقال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات اللّه، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه ويؤمن به ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه». وقال شيخنا في عبارته: إن اللّه تعالى خلق قلوب بني آدم قابلة للحق كما خلق أسماعهم وأبصارهم قابلة للمسموعات والمرئيات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهم الدين الحق، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يتصرف فيه فتجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه واضح. قلت: وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمور الدنيا وتأكدت حجة اللّه عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات","part":6,"page":99},{"id":2057,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 100\rالزموها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لدينه أي لا تبدلوه بأن تشركوا ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم والأرض والشمس والقمر والبر والبحر واختلاف الليل والنهار، فلما قويت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا، وأنهم وإن ماتوا صغارا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال لأن اللّه تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [الأعراف: 172] ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية وأنه لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينتقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا، ومن مات من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن مات من أولاد المشركين قبل أن يجري عليه القلم فلا يكونون مع آبائهم في النار لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينتقض الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل وهو جمع بين الأحاديث واللّه أعلم اهـ.\rوفي القاموس: والجمعاء من البهائم التي لم يذهب من بدنها شيء اهـ.\rقوله: الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها صفة لفطرة اللّه مؤكدة لوجوب الامتثال للأمر، فإن خلق اللّه الناس على فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو عن ملة الإسلام من موجبات لزومها والتمسك بها قطعا، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها وما اختاروا عليها دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن، ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام حكاية عن رب العزة:\r«كل عبادي خلقت حنفاء فاغتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري» اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي الزموها) المراد بلزومها الجريان على موجبها وعدم الإخلال به باتباع الهوى وتسويل الشياطين اهـ أبو السعود.\rقوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ تعليل للأمر بلزوم فطرته تعالى أو لوجوب الامتثال له أي: لا صحة ولا استقامة لتبديله بالإخلال بموجبه وعدم ترتيب مقتضاه عليه بإتباع الهوى وقبول وسوسة الشياطين، وقيل: لا يقدر أحد أن يغيره فلا بد حينئذ من حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأسا، ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق والتمكن من إدراكه ضرورة أن التبديل بالمعنى الأول مقدر بل واقع قطعا، فالتعليل حينئذ من جهة أن سلامة الفطرة متحققة في كل أحد فلا بد من لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم الإخلال به بما ذكر من اتباع الهوى وخطوات الشياطين اهـ أبو السعود.\rقوله: لِخَلْقِ اللَّهِ أي: لما جبلكم وطبعكم عليه من قبول الحق اهـ شيخنا.\rقوله: (المستقيم) تفسير للدين القيم وقوله: (توحيد اللّه) تفسير لاسم الإشارة. قوله: (حال من فاعل أقم) أي: وما بينهما اعتراض. وقوله: (و ما أريد به) وذلك لأن الخطاب في أقم للكل والإفراد إنما هو لأن الرسول إمام الأمة فأمره مستتبع لأمرهم اهـ أبو السعود.","part":6,"page":100},{"id":2058,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 101\rتوحيد اللّه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (30) توحيد اللّه\r* مُنِيبِينَ راجعين إِلَيْهِ تعالى فيما أمر به ونهى عنه، حال من فاعل أقم وما أريد به أي أقيموا وَاتَّقُوهُ خافوه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)\rمِنَ الَّذِينَ بدل بإعادة الجار فَرَّقُوا دِينَهُمْ باختلافهم فيما يعبدونه وَكانُوا شِيَعاً فرقا في ذلك كُلُّ حِزْبٍ منهم بِما لَدَيْهِمْ عندهم فَرِحُونَ (32) مسرورون، وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به\rوَإِذا مَسَّ النَّاسَ أي كفار مكة ضُرٌّ شدّة دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ راجعين إِلَيْهِ دون غيره ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً بالمطر إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)\rلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أريد به التهديد وعبارة السمين: قوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ حال من فاعل الزموا المضمر كما تقدم، أو حال من فاعل أقم على المعنى لأنه ليس يراد به واحد بعينه، وإنما المراد الجميع. وقيل: حال من الناس إذا أريد بهم المؤمنون، وقيل: منصوب على خبر كان المضمر أي كونوا منيبين لدلالة قوله: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ اهـ.\rقوله: وَاتَّقُوهُ معطوف على مقدر متصيد من الحال التي قبله قدره الشارح بقوله: أي أقيموا أي: أقيموا وجوهكم للدين اهـ شيخنا.\rقوله: (فرقا في ذلك) أي: ما يعبدونه.\rقوله: كُلُّ حِزْبٍ الخ الجملة اعتراض مقرر لما قبله من تفريقهم دينهم وكونهم شيعا اهـ أبو السعود.\rقوله: (مسرورون) أي: ظنا منهم أنهم على الحق اهـ أبو السعود.\rوقوله: (و في قراءة فارقوا) أي سبعية.\rقوله: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ إذا شرطية، وقوله: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ الخ فجائية أي: فاجأهم إشراك فريق منهم، وهي رابطة لجواب إذا الأولى بشرطها فهي قائمة مقام الفاء في الربط، فكأنه قيل: ففريق منهم يشركون وقوله: مِنْهُ متعلق برحمة والضمير راجع للضر، ومن بمعنى بدل أو راجع للّه أي رحمة كائنة منه خلقا وإيجادا، وكونها كائنة منه كذلك لا يستفاد من قوله أَذاقَهُمْ إذ لا يلزم من إذاقته الرحمة لهم أن يكون خلقها منه، فظهر أن قوله منه محتاج إليه ولا بد، قوله: رَحْمَةً أي: خلاصا من تلك الشدة اهـ شيخنا.\rقوله: يُشْرِكُونَ في مراعاة معنى لفظ الفريق، وكذا في قوله: لِيَكْفُرُوا اهـ شيخنا.\rقوله: (أريد به التهديد) أي: أريد بهذا الأمر المدلول عليه باللام التهديد أي: فاللام لام الأمر وكذا الأمر الصريح وهو قوله: فَتَمَتَّعُوا أريد به التهديد أيضا اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: أريد به التهديد أشار به إلى أن اللام في قوله ليكفروا ولأمر ومعناه التوعد كقوله بعده: فتمتعوا، أو هي لام العاقبة فيه إذ لام العاقبة تقتضي المهلة، ولهذا سميت لام المآل","part":6,"page":101},{"id":2059,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 102\rفَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) عاقبة تمتعكم، فيه التفات عن الغيبة\rأَمْ بمعنى همزة الإنكار أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً حجة وكتابا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ تكلم دلالة بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) أي يأمرهم بالإشراك؟ لا\rوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ كفار مكة وغيرهم رَحْمَةً نعمة فَرِحُوا بِها فرح بطر وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ شدة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) ييأسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدّة\rأَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) بها\rفَآتِ ذَا والشرك والكفران متقارنان لا مهلة بينهما أم هي لام كي اهـ.\rقوله: (فيه) أي: في قوله فَتَمَتَّعُوا التفات أي: عن الغيبة إلى الخطاب لأجل المبالغة في زجرهم، قوله: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ الخ فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بالإعراض عنهم وبعدهم عن ساحة الخطاب اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي: على مذهب الكوفيين في أن أم المنقطعة بمعنى الهمزة فقط، ومذهب البصريين أنها بمعنى بل والهمزة والشارح يرتكب هذا تارة وذلك أخرى اهـ شيخنا.\rقوله: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ في حيز المنفي المستفاد من أم، وقوله: بِما كانُوا الباء للتعدية وما مصدرية بدليل قوله: (أي: يأمرهم بالإشراك) لكن يبعده الضمير وهو قوله: بِما كانُوا بِهِ، فإنه عائد على ما المصدرية لا يعود عليها الضمير، فالأحسن كما قال غيره إنها موصولة أي: بالأمر الذي كانوا بسببه يشركون اهـ شيخنا.\rقوله: (لا) أي: لم ننزل عليهم سلطانا ولم يأمرهم بالإشراك اهـ شيخنا.\rقوله: (فرح بطر) جواب عما يقال الفرح بنعم اللّه مطلوب كما دل عليه قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [يونس: 58] فبذلك فليفرحوا فكيف ذم هؤلاء عليه اهـ شيخنا.\rقوله: يَقْنَطُونَ بفتح النون وكسرها سبعيتان وبابه ضرب وتعب اهـ مصباح.\rقوله: (ييأسون من الرحمة) أي: وهذا خلاف وصف المؤمنين كما أشار إليه بقوله: (و من شأن المؤمن الخ). أو يقال الدعاء اللساني بناء على مجرى العادة لا ينافي القنوط القلبي، وقد يشاهد مثل ذلك في كثير من الناس فلا يخالف هذا قوله: دعوا ربهم منيبين إليه، أو المراد يفعلون فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء اهـ كرخي.\rقوله: (و من شأن المؤمن الخ) مقابل لمحذوف دل عليه السياق تقديره: وحالهم هذا ليس شأن المؤمن فإن شأنه أن يشكر الخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الخ أي: فما بالهم لم يشكروا في السراء والضراء كالمؤمنين اهـ أبو السعود.\rقوله: (امتحانا) أي: هل يشكر أم يطغى فيكفر، وقوله: (ابتلاء) أي: هل يصبر أم يضيق ذرعا فيكفر اهـ شيخنا.","part":6,"page":102},{"id":2060,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 103\rالْقُرْبى القرابة حَقَّهُ من البر والصلة وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر من الصدقة، وأمّة النبي تبع له في ذلك ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي ثوابه بما يعملون وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) الفائزون\rوَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً بأن يعطى شيئا هبة أو هدية ليطلب أكثر منه، فسمي باسم قوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (بها) أي: فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة اهـ أبو السعود.\rقوله: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ الخ عدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة يدل على أن ذلك في صدقة التطوع، وقد احتج أبو حنيفة بهذه الآية على وجوب نفقة المحارم والشافعي قاس سائر الأقارب ما عدا الفروع والأصول على ابن العم لأنه لا ولادة بينهم اهـ خطيب.\rقوله: (من الصدقة) أي: صدقة التطوع، ولا يصح حملها على الواجبة وهي الزكاة لأن السورة مكية والزكاة ما فرضت إلا في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة اهـ شيخنا.\rقوله: (و أمة النبي تبع له في ذلك الخ) أشار به إلى أن الأمر وإن كان لنبينا عليه الصلاة والسّلام فأمته تبع له في ذلك، وخص هذه الثلاثة من بين الأصناف الثمانية المذكورة في آية الصدقات لأنه أراد ههنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال سواء كان زكويا أو لم يكن وسواء كان من قبل الحول أو بعده لأن المقصود هنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للإنسان مال زائد، والفقير داخل في المسكين لأن من أوصى للمسكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا، وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم، وقدم القريب لأن دفع حاجته واجب سواء كان في مخمصة أو لم يكن، فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع اهـ كرخي.\rقوله: وَما آتَيْتُمْ بالمد والقصر قراءتان سبعيتان. وفي البيضاوي: وقرأ ابن كثير بالقصر بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا اهـ.\rوهو يؤول من حيث المعنى إلى القراءة المشهورة لأنه يقال أتى معروفا وأتى قبيحا إذا فعلهما اهـ زاده.\rقوله: (بأن يعطى) أي: الطامع في الدنيا شيئا هبة أو هدية الخ أي: فالآية مسوقة في الربا المكروه ولكنه محرم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: 6] أي: لا تعط وتطلب أكثر مما تعطي وحرم عليه تشريفا له اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: والربا الزيادة وقد مضى في البقرة معناه وهو هناك محرم وههنا حلال، وثبت بهذا أنه قسمان منه حلال ومنه حرام قاله عكرمة في قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ قال: الربا نوعان فربا حلال وربا حرام، فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه وليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم، ولذلك قال ابن عباس: وما آتيتم من ربا يريد هدية الرجل التي يرجو أن يثاب أفضل منها فذلك الذي لا يربو عند اللّه ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية. قال ابن عباس، وابن جبير، وطاوس، ومجاهد: هذه الآية نزلت في هبة الثواب،","part":6,"page":103},{"id":2061,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 104\rالمطلوب من الزيادة في المعاملة لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ المعطين أي يزيد فَلا يَرْبُوا يزكوا عِنْدَ اللَّهِ أي لا ثواب فيه للمعطين وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ صدقة تُرِيدُونَ بها وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازي عليه كالسلام وغيره وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند اللّه، وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. قال المهلب: واختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها وقال: إنما أراد الثواب فقال مالك: ينظر فيه فإن كان مثله يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك مثاله هبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط وهو قول الشافعي الآخر. وعن علي رضي اللّه عنه قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه اللّه، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب. فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب عليها بخلاف القسمين الآخرين فلا يرجع فيهما صاحبهما اهـ.\rقوله: (فسمي) أي المعطي الذي هو الهدية باسم المطلوب أي للدافع أي الذي يطلب الدافع أخذه من المهدى إليه في مقابلة ما أعطاه، فهو الذي يسمى ربا حقيقة لأنه زائد على المدفوع بحسب غرض وطمع الدافع، والربا هو الزيادة ولذلك بين المطلوب بقوله (من الزيادة في المعاملة) اهـ شيخنا.\rوالمراد بالمعاملة ما فعله المعطي من الهدية والهبة.\rقوله: فِي أَمْوالِ النَّاسِ أي: في اجتلابها وتحصيلها، وهو وإن كان يربو في ماله ويطلب الزيادة فيه لكن هذه الزيادة لما كانت مأخوذة بطريق غير شرعي وكانت غير مملوكة للآخذ بل هي باقية على ملك صاحبها الذي هو المهدى إليه، ففي الحقيقة الذي حصلت الزيادة في ماله هو المهدى إليه حصلت بالهدية التي أخذها فانضمت لما له الذي من جملته ما دفعه في مقابلتها الذي هو باق على ملكه، فلذلك أتى بهذه الظرفية. فالمعنى أن المرابي يحصل زيادة تكون أموال الناس ظرفا لها، فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المرابي من أموال الناس لا يملكها أصلا اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: والمراد بالناس المرابي أو الدافع للزيادة والزيادة تكون في ماله بما أخذه على الوجهين اهـ.\rقوله: (المعطين) أي: الآخذين للهبة والهدية، وقوله: (للمعطين) أي: الدافعين للهبة والهدية، فالأول جمع معطى اسم مفعول، والثاني جمع معط اسم فاعل اهـ شيخنا.\rقوله: (صدقة) أي: صدقة تطوع لما تقدم، وجملة تريدون الخ نعت لزكاة، والعائد محذوف كما قدره الشارح، وعبّر عن الصدقة بالزكاة ليفيد أنها مطهرة أي تطهرون بها أموالكم من الشبه وأبدانكم من خبث المعاصي وأخلاقكم من الغل والدنس اهـ خطيب.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي: ذوو الأضعاف من الثواب ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوة واليسار، أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة، وقرئ بفتح العين اهـ بيضاوي.","part":6,"page":104},{"id":2062,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 105\rالْمُضْعِفُونَ (39) ثوابهم بما أرادوه، فيه التفات عن الخطاب\rاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ ممن أشركتم باللّه مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ لا سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) به\rظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ أي القفار بقحط المطر وقلة النبات وَالْبَحْرِ أي البلاد وقوله: (ذوو الأضعاف) يعني أنه اسم فاعل من أضعف إذا صار ذا ضعف بكسر فسكون بأن يضاعف له ثواب ما أعطاه كأقوى وأيسر إذا صار ذا قوة ويسار فهو لصيرورة الفاعل ذا أصله، وقوله:\r(أو الذين ضعفوا الخ) أي على أنه من أضعف والهمزة للتعدية ومفعوله محذوف وهو ما ذكر ولذا أتبعه بقراءة الفتح لأنها تؤيده اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ قال ابن عباس: أي: من صدقة تريدون وجه اللّه فأولئك هم المضعفون أي: ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر كما قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] وقال: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: 265] الآية وفي معنى المضعفين قولان، أحدهما: نضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا، والآخر أنه قد أضعف لهم الخير والنعيم أي: هم أصحاب أضعاف، كما يقال: فلان مقو إذا كانت إبله قوية أو له أصحاب أقوياء، ومسمن إذا كانت إبله سمانا، ومعطش إذا كانت إبله عطاشا، ومضعف إذا كانت إبله ضعيفة اهـ.\rقوله: (فيه) أي: في قوله: فَأُولئِكَ التفات عن الخطاب أي: للتعظيم كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفا لحالهم، فهو أمدح لهم من أن يقول وأنتم المضعفون، أو للتعميم لغير المخاطبين كأنه قال: من فعل ذلك فأولئك هم المضعفون، وكان مقتضى ظاهر المقابلة أن يقال فيربو عند اللّه، فغيّر عبارة الربا إلى الإضعاف ونظم الفعلية إلى الاسمية الدالة على الدوام المشتملة على ضمير الفصل المفيد للحصر اهـ كرخي.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ الخ أثبت له تعالى لوازم الألوهية وخواصها ونفاها رأسا عما اتخذتوه شركاء له تعالى من الأصنام وغيرها، والاسم الكريم مبتدأ، والاسم الموصول خبره، ويجوز أن يكون الاسم الموصول صفة، والخبر جملة هل من شركائكم ورابطة اسم الإشارة في قوله: مِنْ ذلِكُمْ لأنه بمعنى من أفعاله، ومن الأولى والثانية لبيان شيوع الحكم في جنس الشركاء، والأفعال والثالثة مزيدة لتعميم النفي اهـ أبو السعود.\rقوله: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ خبر مقدم ومن للتبعيض، ومن يفعل هو المبتدأ، ومن ذلكم متعلق بمحذوف لأنه حال من شيء بعده فإنه في الأصل صفة له، ومن الثالثة مزيدة في المفعول به لأنه في حيز النفي المستفاد من الاستفهام، والتقدير: من الذي يفعل شيئا من ذلكم من شركائكم اهـ.\rقوله: (لا) أي: ليس منها من يفعل شيئا من هذه الأفعال اهـ شيخنا.\rقوله: ظَهَرَ الْفَسادُ في القاموس: فسد كنصر وكرم فسادا ضد صلح فهو فاسد، والفساد: أخذ المال ظلما، والجدب والمفسدة ضد المصلحة اهـ.","part":6,"page":105},{"id":2063,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 106\rالتي على الأنهار بقلة مائها بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ من المعاصي لِيُذِيقَهُمْ بالياء والنون بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي عقوبته لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) يتوبون\rقُلْ لكفار مكة سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فأهلكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم وفي القرطبي: اختلف في معنى الفساد وفي معنى البر والبحر فقال قتادة والسدي: الفساد الشرك وهو أعظم الفساد، وقيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة ونحو ذلك، وقال ابن عباس: هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية وعنه أيضا أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقال ابن عطية: فإذا قلّ المطر قل الغوص فيه وعميت دواب البحر، وقال ابن عباس: إذا أمطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ، وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش، والبر والبحر هما المعروفان المشهوران، وقيل: البر الفيافي والبحر القرى قاله عكرمة. وقال ابن عباس: البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان من ذلك على شط نهر اهـ.\rقوله: (أي القفار) بكسر القاف جمع قفر بفتحها وهو المفازة التي لا ماء فيها ولا كلأ، وأما القفار بفتح القاف فهو الخبز الذي لا أدم معه ومنه أقفر البيت إذا خلا من الأدم اهـ شيخنا.\rقوله: (بقحط المطر الخ) أي: وبالظلم والغرق وموت دواب البر والبحر وقلة اللؤلؤ لقلة المطر اهـ كرخي.\rقوله: (أي البلاد التي على الأنهار) وسميت بحرا لمجاز المجاورة اهـ شيخنا.\rقوله: بِما كَسَبَتْ الباء سببية وما مصدرية. أي: بسبب كسبهم اهـ سمين.\rقوله: (من المعاصي) وأولها قتل قابيل هابيل، فكانت الأرض قبل ذلك مونقة نضرة مثمرة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها الثمر، وكان البحر عذبا، وكان الأسد لا يصول على الغنم ونحوها، فلما قتله اقشعرت الأرض ونبت الشوك في الأشجار، وصار ماء البحر ملحا، وتسلطت الحيوانات بعضها على بعض اهـ خازن.\rقوله: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا اللام للعلة متعلقة بظهر، وقيل: بمحذوف أي: عاقبهم بذلك ليذيقهم، وقيل: اللام للصيرورة، وقرأ قنبل: لنذيقهم بنون العظمة، والباقون بياء الغيبة اهـ سمين.\rقوله: (أي عقوبته) أشار به إلى تقرير مضاف في الكلام أي: بعض عقوبة الذي عملوا وفي الكرخي: قوله: (أي عقوبته) أي: في الدنيا وهي أن اللّه قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة اهـ.\rقوله: كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ استئناف للدلالة على أن ما أصابهم لفشو الشرك فيما بينهم أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم اهـ أبو السعود.","part":6,"page":106},{"id":2064,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 107\rخاوية\rفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ دين الإسلام مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ هو يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار\rمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وبال كفره وهو النار وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) يوطئون منازلهم في الجنة\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 107\r\rمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وبال كفره وهو النار وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) يوطئون منازلهم في الجنة\rلِيَجْزِيَ متعلق بيصدعون الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ يثيبهم إِنَّهُ لا قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ الخ لما بين تعالى أن المعاصي سبب لسخط اللّه أمر رسوله بأن يستقيم على الدين تثبيتا للمؤمنين على ما هم عليه، إلا أنه خاطب به سيدهم تعظيما له ولكونه واسطة بين اللّه وبين الأمة اهـ زاده.\rقال الزجاج: أي: أقم صدرك واجعل وجهتك اتباع الدين القيم يعني الإسلام، وقيل: المعنى أوضح للحق أو بالغ في الإعذار واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم اهـ قرطبي.\rقوله: مِنَ اللَّهِ يجوز أن يتعلق بيأتي أو بمحذوف يدل عليه المصدر. أي: لا يرده من اللّه أحد، ولا يجوز أن يعمل فيه مرد، لأنه كان ينبغي أن ينون إذ هو من قبل المطولات، والمراد يوم القيامة كما أفاده الشيخ المصنف يعني لا يقدر أحد على رده من اللّه وغيره عاجز عن رده فلا بد من وقوعه اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: من اللّه متعلق بيأتي أو بمرد لأنه مصدر، والمعنى لا يرده اللّه تعالى لتعلق إرادته القديمة بمجيئه اهـ.\rقوله: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ التنوين عرض عن الجملة المحذوفة أي: يوم إذ يأتي هذا اليوم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: صدعته صدعا من باب نفع وشققته فانصدع، وصدعت القوم صدعا فتصدعوا أي: فرقتهم فتفرقوا وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: 94] قيل: مأخوذ من هذا أي: شق جماعاتهم بالتوحيد، وقيل: افرق بذلك بين الحق والباطل، وقيل: أظهر ذلك وصدعت بالحق تكلمت به جهارا، وصدعت الفلاة قطعتها اهـ.\rقوله: مَنْ كَفَرَ الخ تفصيل لقوله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: (يوطئون منازلهم) أي: يتخذون ويهيئون منازلهم ولتسببهم في تهيئة المنازل لهم وتمهيدها واتخاذها نسب إليهم اهـ شيخنا.\rوفي المختار: ومهد الفراش بسطه ووطأه وبابه قطع اهـ.\rقوله: (متعلق بيصدعون) عبارة السمين: قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا الخ في متعلقه أوجه، أحدها: يمهدون. والثاني: يصدعون. والثالث: محذوف. قال ابن عطية: تقديره ذلك ليجزي وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله من كفر ومن عمل، وجعل الشيخ قسيم قوله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ محذوفا لدلالة قوله: إنه لا يحب الكافرين عليه هذا إذا علقنا اللام بيصدعون أو بذلك المحذوف. قال: تقديره ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله والكافرين بعدله.","part":6,"page":107},{"id":2065,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 108\rيُحِبُّ الْكافِرِينَ (45) أي يعاقبهم\rوَمِنْ آياتِهِ تعالى أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ بمعنى لتبشركم بالمطر وَلِيُذِيقَكُمْ بها مِنْ رَحْمَتِهِ المطر والخصب وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ السفن بها بِأَمْرِهِ بإرادته وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ تطلبوا الرزق بالتجارة في البحر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم فكذبوهم فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أهلكنا الذين كذبوهم وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ قوله: أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ أي الشمال والصبا والجنوب فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فهي ريح العذاب ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلِيُذِيقَكُمْ (بها) أي: الرياح أي: بسببها، وقوله: مِنْ رَحْمَتِهِ من تبعيضية أي:\rبعض رحمته، وفسرها بقوله: (المطر والخصب) فيقرآن بالجر على سبيل البدل، وفسر الخطيب الرحمة بقوله أي: نعمته من المياه العذبة والأشجار الرطبة وصحة الأبدان وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا اللّه اهـ.\rقوله: وَلِيُذِيقَكُمْ هذه الجملة معطوفة على مبشرات نظرا للمعنى من حيث إن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية مبدأ الاشتقاق، فلذلك قال الشارح لتبشركم اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: وَلِيُذِيقَكُمْ إما عطف معنى مبشرات لأن الحال والصفة يفهمان العلة، فكان التقدير لتبشركم وليذيقكم، وإما أن يتعلق بمحذوف أي: وأرسلها ليذيقكم، وإما أن تكون الواو مزيدة على رأي فتتعلق اللام بأن يرسل اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين معنى أي قوله: ومن آياته أن يرسل الرياح الخ وقوله: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ الخ. وفي الكرخي: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ قال أبو حيان: اعتراض جاء تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتأنيسا ووعدا بالنصر ووعيدا لأهل الكفر، وحقيقة نصر المؤمنين على اللّه لا تختص بالدنيا بل تعم الآخرة أيضا، فما في الآخرة من متناولات الآية اهـ.\rقوله: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا بعض القراء يقف على حقا ويبتدىء بما بعده يجعل اسم كان مضمرا فيها، وحقا خبرها أي: وكان الانتقام حقا، وجعل بعضهم حقا منصوبا على المصدر، واسم كان ضمير الشأن،\rوعلينا: خبر مقدم، ونصر: مبتدأ مؤخر والجملة خبرها، وبعضهم جعل حقا منصوبا على المصدر أيضا وعلينا خبر مقدم ونصر اسمها مؤخر، والصحيح أن نصر اسمها وحقا خبرها وعلينا متعلق بحقا: أو بمحذوف صفة اهـ سمين.\rوعن أبي الدرداء قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على اللّه أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة» ثم تلا هذه الآية وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ أخرجه الترمذي ولفظه: «من رد عنه عرض أخيه رد اللّه عن وجهه النار» اهـ خازن.","part":6,"page":108},{"id":2066,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 109\rالْمُؤْمِنِينَ (47) على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين\rاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً تزعجه فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ من قلة وكثرة وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً بفتح السين وسكونها قطعا متفرقة فَتَرَى الْوَدْقَ المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ أي وسطه فَإِذا أَصابَ بِهِ بالودق مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) يفرحون بالمطر\rوَإِنْ وقد كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ تأكيد لَمُبْلِسِينَ (49) آيسين من إنزاله\rفَانْظُرْ إِلى آثارِ وفي قراءة آثار رَحْمَتِ اللَّهِ أي نعمته بالمطر قوله: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ استئناف مسوق لبيان ما أجمل فيما سبق من أحوال الرياح اهـ أبو السعود.\rقوله: (تزعجه) أي: تهيجه وتحركه. قوله: فَيَبْسُطُهُ أي: ينشره متصلا بعضه ببعض أي:\rينشره كمال الانتشار وإلّا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائما وقوله: فِي السَّماءِ أي في جهتها أي: في جهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة اهـ شيخنا.\rقوله: (من قلة وكثرة) أي: ومن سير تارة ووقوف أخرى اهـ أبو السعود.\rقوله: (بفتح السين) جمع كسفة والمسكن مخفف من المحرك فهما بمعنى، فقوله: (قطعا) تفسير للوجهين والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: الكسفة بالكسر القطعة من الشيء، والجمع كسف وكسف، وجمع الجمع أكساف وكسوف وكسفه قطعه اهـ.\rقوله: إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي: فاجأ استبشارهم نزوله اهـ أبو السعود.\rوقوله: (يفرحون بالمطر) عبارة غيره: يستبشرون الخصب اهـ.\rقوله: وَإِنْ كانُوا فسر الشارح أن بقد، وتبع في هذا البغوي، وقال غيره، الأولى أنها مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف أي: وإن الشأن كانوا الخ. ويدل على ذلك اللام في لمبلسين فإنها اللام الفارقة اهـ شيخنا.\rقوله: (تأكيد) قال ابن عطية: وفائدة هذا التأكيد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ يحتمل الفسحة في الزمان، أي: من قبل أن ينزل بكثير كالأيام، فجاء قوله: مِنْ قَبْلِهِ بمعنى أن ذلك متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد، وقال الزمخشري: وفائدة التوكيد فيه الدلالة أن عهدهم بالمطر قد بعد فاستحكم بأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان استبشارهم على قدر اغتمامهم بذلك وهو كلام حسن اهـ سمين.\rقوله: (آيسين) وفي المصباح: وأبلس الرجل إبلاسا سكت، وأبلس: أيس، وفي التنزيل:\rفَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 44] اهـ.\rقوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ أي: المترتبة على تنزيل المطر من النبات والأشجار والثمار، والفاء للدلالة على سرعة ترتبها عليه، وقوله: كَيْفَ الخ في حيز النصب بنزع الخافض، وكيف معلق لا نظر أي: فانظر إلى إحيائه البديع للأرض بعد موتها، وقيل: على الحالية بالتأويل، وأيا ما كان","part":6,"page":109},{"id":2067,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 110\rكَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها بأن تنبت إِنَّ ذلِكَ المحيي الأرض لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)\rوَلَئِنْ لام قسم أَرْسَلْنا رِيحاً مضرة على نبات فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا صاروا جواب القسم مِنْ بَعْدِهِ أي بعد اصفراره يَكْفُرُونَ (51) يجحدون النعمة بالمطر\rفَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52)\rوَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ ما تُسْمِعُ سماع إفهام وقبول إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا القرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) مخلصون بتوحيد اللّه\r* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ماء مهين ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ آخر وهو ضعف الطفولية قُوَّةً أي قوة الشباب ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ فالمراد بالنظر التنبيه على عظيم قدرته وسعة رحمته ما فيه من التمهيد لأمر البعث اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة آثار) أي: سبعية. قوله: إِنَّ ذلِكَ (المحيي الأرض) وهو اللّه تعالى. قوله:\r(مضرة) وهي الريح الدبور التي أهلكت بها عاد، وقوله: فَرَأَوْهُ أي: النبات مصفرا أي: بعد خضرته اهـ شيخنا.\rقوله: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ أي: بعد اصفرار الزرع يكفرون: أي يجحدون ما سلف من النعمة، والمعنى أنهم يفرحون عند الخصب ولو أرسلت عذابا على زرعهم لجحدوا سالف نعمتي اهـ خازن.\rوفي هذا من ذمهم بعدم تشبثهم وسرعة تزلزهم بين طرفي الإفراط والتفريط ما لا يخفى حيث كان الواجب عليهم أن يتوكلوا على اللّه تعالى في كل حال، ويلجؤوا إليه بالاستغفار إذا احتبس عنهم القطر، ولا ييأسوا من روح اللّه تعالى، ويبادروا إلى الشكر بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولا يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة ولا يكفروا بنعمائه، فعكسوا الأمر وأبوا ما يجديهم وأتوا ما يرديهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (جواب القسم) أي: الساد مسد جواب الشرط لأنه اجتمع هنا شرط وقسم، والشرط مؤخر فيحذف جوابه دلالة عليه بجواب القسم على القاعدة أي: وباللّه لئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة فضرت زرعهم بالصفرة فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الخ تعليل لمحذوف أي: لا تجزع ولا تحزن على عدم إيمانهم فإنهم موتى صم عميّ، ومن كان كذلك لا يهتدي اهـ شيخنا.\rوقوله: (الدعاء راجع) للفعلين قبله. قوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) سبعيتان.\rقوله: عَنْ ضَلالَتِهِمْ متعلق بالعمى أو بهادي على تضمينه معنى صارف كما تقدم في سورة النمل. قوله: فَهُمْ مُسْلِمُونَ فيه مراعاة معنى من اهـ.\rقوله: (بتوحيد اللّه) أي: فيه.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ جملة من مبتدأ وخبر، وقوله: مِنْ ضَعْفٍ أي: أصل ضعيف ولذا فسره بقوله: (ماء مهين) وإطلاق الضعف على الأصل الضعيف تجوز، لأن الضعف مصدر ضد القوة كما يأتي وقوله: (مهين) في القاموس المهين الحقير والضعيف والقليل والفعل في كل مهن ككرم اهـ.","part":6,"page":110},{"id":2068,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 111\rضَعْفاً وَشَيْبَةً ضعف الكبر وشيب الهرم، والضعف في الثلاثة بضم أوله وفتحه يَخْلُقُ ما يَشاءُ من الضعف والقوة والشباب والشيبة وَهُوَ الْعَلِيمُ بتدبير خلقه الْقَدِيرُ (54) على ما يشاء\rوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ يخلف الْمُجْرِمُونَ الكافرون ما لَبِثُوا مكثوا في القبور غَيْرَ ساعَةٍ قال تعالى كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (55) يصرفون عن الحق البعث، كما صرفوا عن الحق الصدق في مدة اللبث\rوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ من الملائكة وغيرهم لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ فيما كتبه قوله: وَشَيْبَةً أي: شيبا وهو بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين وهو أول سن الشيخوخة، ويقوي الضعف إلى ما شاء اللّه تعالى اهـ خطيب.\rقوله: (بضم أوله وفتحه) سبعيتان. وفي المصباح: الضعف بفتح الضاد في لغة تميم وبضمها في لغة قريش خلاف القوة والصحة، فالمضموم مصدر ضعف مثال قرب قربا، والمفتوح مصدر ضعف ضعفا من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي والمضموم في الجسد وهو ضعيف والجمع ضعفاء وضعاف أيضا اهـ.\rقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي: توجد وتحصل الساعة أي: القيامة وهي النفخة الثانية، وسميت ساعة لحصولها في آخر ساعة من ساعات الدنيا، ولفظ يوم منصوب بيقسم. وقوله: (يحلف) أي: حلفا كاذبا مخالفا للواقع أوقعهم فيه الدهشة والحيرة، قوله: غَيْرَ ساعَةٍ أي: قطعة يسيرة من الزمان اهـ شيخنا.\rقوله: (الكافرون) أي: المنكرون للبعث. قوله: ما لَبِثُوا (في القبور) قاله مقاتل والكلبي أو في الدنيا، وقدمه القاضي على ما قبله كالكشاف اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: ما لَبِثُوا أي: في الدنيا غير ساعة استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة. وقال مقاتل، والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [الأحقاف: 35] وقيل: فيما بين فناء الدنيا والبعث. وفي حديث رواه الشيخان:\r«ما بين النفختين أربعون» وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام اهـ.\rقوله: (يصرفون عن الحق) أن عن الإقرار والاعتراف به في الدنيا، وقوله: الْبَعْثِ بدل من الحق وهذا بيان للمشبه. وقوله: (كما صرفوا الخ) بيان للمشبه به الذي هو المراد باسم الإشارة اهـ شيخنا.\rقوله: (في مدة اللبث) أي: في القبور أو في الدنيا على ما تقدم.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الخ أي: قالوا ردا على هؤلاء الكفرة وتكذيبا لهم، وقوله:\r(و غيرهم) أي: من الأنبياء والمؤمنين، وقوله: لَقَدْ لَبِثْتُمْ أي: في القبور، وقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ أي لبثم فيها بحسب ما علمه اللّه وقدره، وقوله: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ معطوف على لقد لبثم فهو من جملة المقول اهـ شيخنا.","part":6,"page":111},{"id":2069,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 112\rفي سابق علمه إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي أنكرتموه وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) وقوعه\rفَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ بالياء والتاء الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ في إنكارهم له وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) لا يطلب منهم العتبى، أي الرجوع إلى ما يرضي اللّه\rوَلَقَدْ ضَرَبْنا جعلنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ تنبيها لهم وَلَئِنْ لام قسم جِئْتَهُمْ يا محمد بِآيَةٍ مثل العصا واليد لموسى لَيَقُولَنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء وفي البيضاوي: والفاء في قوله: فهذا جواب شرط محذوف تقديره إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يومه أي: فقد تبين بطلان إنكاركم اهـ.\rقوله: (الذي أنكرتموه) أي: في الدنيا، وقوله: كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي: لا تعرفون ولا تقرون بوقوعه.\rقوله: فَيَوْمَئِذٍ لفظ يوم منصوب بلا تنفع والتنوين في إذ عوض عن جمل محذوفة أي: يومئذ قامت الساعة وحلف المشركون كاذبين، ورد عليهم الملائكة والمؤمنون وبينوا كذبهم لا تنفع الخ اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: فيومئذ تفصيل لما يفهم مما قبلها من أنه لا يفيدهم تقليل مدة اللبث ولا يفيدهم ولا النسيان أو هو جواب شرط مقدر أيضا. وقوله: مَعْذِرَتُهُمْ كأنهم توهموا أن التقليل ونحوه عذر في عدم طاعتهم كقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ [فاطر: 37] الآية اهـ.\rقوله: لا يَنْفَعُ (بالياء والتاء) سبعيتان وقوله: مَعْذِرَتُهُمْ أي: اعتذارهم اهـ.\rقوله: (العتبى) اسم من أعتب كالرجعى وزنا ومعنى، ولذلك فسرها بقوله: (أي الرجوع إلى ما يرضي اللّه) أي: من التوبة والعمل الصالح، وذلك لانقطاع التكليف في ذلك اليوم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ لا يدعون إلى ما يقتضي أعتابهم أي: إزالة عتبهم من الطاعة والتوبة، كما دعوا إليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان فأعتبته أي: استرضاني فأرضيته اهـ.\rوفي المصباح: عتب عليه عتبا من باب ضرب وقتل ومعتبا أيضا لامه في سخطه فهو عاتب وعتاب مبالغة وبه سمي، ومنه عتاب بن أسيد، وعاتبه معاتبة وعتابا. قال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة، وأعتبني: الهمزة للسلب أي: أزال الشكوى والعتاب، واستعتب طلب الإعتاب، والعتبي اسم من الأعتاب اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ أي: ولقد وصفنا لهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال مثل صفة المبعوثين يوم القيامة، ما يقولون وما يقال لهم وما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب أو بينا لهم كل مثل ينبههم على التوحيد والبعث وصدق الرسول اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: أي يرشدهم قطعا لعذرهم وكلمة من للتبعيض اهـ كرخي.\rقوله: لَيَقُولَنَ اللام مؤكدة واقعة في جواب قسم ويقولن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، فاللام مفتوحة باتفاق القراء والفاعل هو الاسم الموصول الذي هو من","part":6,"page":112},{"id":2070,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 113\rالساكنين الَّذِينَ كَفَرُوا منهم إِنْ ما أَنْتُمْ أي محمد وأصحابه إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) أصحاب أباطيل\rكَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59) التوحيد كما طبع على قلوب هؤلاء\rفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصرك عليهم حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60) بالبعث، أي لا يحملنك على الخفة والطيش بترك الصبر، أي لا تتركنه.\rقبيل الظاهر وهو الذين كفروا. إذا علمت هدا علمت أن قول الشارح حذف منه الخ سبق فلم، وكان الأولى إسقاط هذه العبارة لأنها توهم أن الفعل بضم اللام وأن فاعله واو محذوفة لالتقاء الساكنين وتوهم أن ضم اللام قراءة، وقد علمت أنه ليس كذلك وجل من لا يسهو اهـ شيخنا.\rقوله: (منهم) حال أن حال كون الكافرين من جملة الناس اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَعْلَمُونَ (التوحيد) عبارة البيضاوي: لا يطلبون العلم ويصرون على خرافات اعتقدوها فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق اهـ.\rقوله: فَاصْبِرْ الفاء فصيحة أي: إذا علمت حالهم وطبع اللّه على قلوبهم فاصبر الخ اهـ شهاب.\rقوله: لا يُوقِنُونَ (بالبعث) أي: لا يصدقون به. قوله: (و الطيش) عطفه على الخفة مرادف وهو من باب باع يبيع اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الطيش الخفة وهو مصدر من باب باع اهـ.\rقوله: (أي لا تتركنه) أي: الصبر بسبب تكذيبهم وإيذائهم فإنهم ضالون شاكون لا يستغرب منهم ذلك اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: يقال: استخف فلان فلانا إذا استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي اهـ.","part":6,"page":113},{"id":2071,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 114\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة لقمان مكية إلا وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآيتان فمدنيتان وهي أربع وثلاثون آية\rالم (1) اللّه أعلم بمراده به\rتِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن الْحَكِيمِ (2) ذي الحكمة والإضافة بمعنى من هو\rهُدىً وَرَحْمَةً بالرفع لِلْمُحْسِنِينَ (3) وفي قراءة العامة بالنصب حالا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة\rالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بيان للمحسنين وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) هم الثاني تأكيد\rأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) الفائزون\rوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ أي ما يلهي منه عما بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (إلّا ولو أن ما في الأرض) في نسخة أو إلّا ولو أن ما في الأرض الخ يشير إلى قولين، قيل: مكية كلها، وقيل: إلا الآيتين. وفي البيضاوي: وقيل: إلا ثلاث آيات من قوله: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ [لقمان: 27] الخ وهذا قول ثالث. قوله: (ذي الحكمة) زاد في الكشاف أو وصف بصفة اللّه تعالى على الإسناد المجازي قال: ويجوز أن يكون الأصل الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو الضمير المجرور، فبانقلابه مرفوعا بعد الجر استكن في الصفة المشبهة وهو من حسن الصناعة اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى من) أي: آيات من الكتاب أي: هي بعضه. قوله: (بالرفع) هذه قراءة حمزة على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدره فهدى مرفوع بضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين كفتى، ورحمة مرفوع بضمة ظاهرة. وقوله: (و في قراءة العامة) المراد بهم ما عدا حمزة من بقية السبعة، وقوله: (حالا) منصوب على الحال أي: حالة كون كل منهما حالا وفي نسخة حالان، وقوله:\r(العامل) مبتدأ، وقوله: (ما في تلك الخ) خبره اهـ شيخنا.\rقوله: (بيان للمحسنين) أي: بيان لهم بأشهر أوصافهم.\rقوله: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ مبتدأ خبره يوقنون.\rقوله: مَنْ يَشْتَرِي من مفرد لفظا جمع معنى وروعي لفظها أولا في ثلاثة ضمائر يشتري ويضل ويتخذ وروعي معناها ثانيا في موضعين وهما أولئك لهم، رجع إلى مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر","part":6,"page":114},{"id":2072,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 115\rيعني لِيُضِلَ بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طريق الإسلام بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها بالنصب عطفا على يضل وبالرفع عطفا على يشتري هُزُواً مهزوءا بها أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6) ذو إهانة\rوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا أي القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً متكبرا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً\rوهي وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: لَهْوَ الْحَدِيثِ اللهو مصدر لها يلهو، والمراد به هنا اسم الفاعل أي: ما يلهي ويشغل، والإضافة على معنى من ولذلك قال: أي ما يلهي أي: يشغل منه عما يعني أي: عما يعني الإنسان ويهمه من طاعة ربه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ما يلهي منه) فيه ميل إلى ما ذكره الحسن من أن لهو الحديث كل ما يشغل عن عبادة اللّه وذكره من السمر والأضاحيك والخرافات والمغنيات والمزامير والمعازف، وفي كلام الشيخ المصنف إشارة إلى الإضافة بمعنى من أي: اللهو من الحديث، لأن اللهو يكون حديثا وغيره فهو كثوب خز، وهذا أبلغ من حذف المضاف اهـ كرخي.\rوقوله: (عما يعني) بفتح الياء التحتية أي: ينفع في الآخرة وهو استماع القرآن والعمل به اهـ.\rقوله: (بفتح الياء) أي: ليستمر ويدوم ويثبت على الضلال وقوله: (و ضمها) أي: ليضل غيره فهو ضال مضل وهما سبعيتان اهـ شيخنا.\rقال الزمخشري: فإن قلت: القراءة بالضم بينة لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ قلت: له معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ولا يصد عنه ويزيد فيه، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد الناس عنه. الثاني: أن يوضع ليضل موضع ليضل لما قيل إن من أصل كان ضلالا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف اهـ سمين.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: علم بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن اهـ بيضاوي.\rفاستفيد منه أن قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بيشتري على أنه حال من فاعله، أي يشتري غير عالم بحال ما يشتريه الخ. وفي الكرخي: فإن قلت ما معنى قوله تعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ قلت: لما جعله مشتريا لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق، ونحوه قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: 16] للتجارة أي: لصوابها اهـ كرخي.\rقوله: وَيَتَّخِذَها أي: الآيات أو السبيل.\rقوله: وَلَّى أي: أعرض، وقوله: مُسْتَكْبِراً حال. قوله: (و الثانية بيان للأولى) عبارة السمين: قوله: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً حال ثانية، أو بدل مما قبلها، أو حال من فاعل يسمعها، أو تبيين لما قبلها. وجوز الزمخشري أن تكون جملتا التشبيه استئنافيتين اهـ.","part":6,"page":115},{"id":2073,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 116\rصمما، وجملتا التشبيه حالان من ضمير ولى، أو الثانية بيان للأولى فَبَشِّرْهُ أعلمه بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7) مؤلم، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث، كان يأتي الحيرة يتجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول: إن محمدا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8)\rخالِدِينَ فِيها حال مقدرة أي مقدرا خلودهم فيها إذا دخلوها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي وعدهم اللّه ذلك وحقه حقا وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغلبه شيء فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده الْحَكِيمُ (9) الذي لا يضع شيئا إلا في محله\rخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي العمد جمع عماد وهو الأسطوانة، وهو صادق بأن لا عمد أصلا وَأَلْقى فِي قوله: (و هو) أي: من يشتري لهو الحديث النضر بن الحارث بن كلدة كان صديقا لقريش اهـ شيخنا.\rقوله: (كان يأتي الحيرة) بكسر الحاء مدينة بقرب الكوفة كما في المختار اهـ شيخنا.\rقوله: (فيستملحون حديثه) أي: يعدونه مليحا حسنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الخ بيان لحال المؤمنين بآياته تعالى أثر بيان حال الكافرين بها اهـ أبو السعود.\rقوله: (حال مقدرة) أي: المجرور باللام في لهم اهـ.\rقوله: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا قال السمين: وعد مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ في معنى وعدهم اللّه ذلك، وحقا مصدر مؤكد لغيره أي: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى وعد اللّه ذلك وعدا، وتقدير الثانية وحقه حقا اهـ.\rوعبارة الكرخي: قوله: (وعدهم اللّه ذلك وحقه حقا) أشار إلى أن وعد اللّه حقا مصدران مؤكدان، الأول: مؤكد لنفسه لأن معنى لهم جنات النعيم وعدهم اللّه بها فأكد معنى الوعد بالوعد، وحقا دال على معنى الثبات أكد به معنى الوعد وأكد جميعا قوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ اهـ.\rقوله: (أي وعدهم اللّه ذلك) أي: أن لهم جنات النعيم اهـ.\rقوله: خَلَقَ السَّماواتِ الخ استئناف مسوق للاستشهاد على عزته تعالى التي هي كمال القدرة وتمهيد لقاعدة التوحيد وإبطال لأمر الإشراك وتبكيت لأهله، والعمد جمع عماد كأهب جمع إهاب وهو ما يعمد به أي: يسند، يقال: عمدت الحائط إذ دعمته اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: الدعامة بالكسر ما يسند به الحائط إذا مال يمنعه السقوط، ودعمت الحائط دعما من باب نفع اهـ.\rقوله: (أي العمد) قد جعل الضمير راجعا للعمد، وعليه فجملة ترونها صفة لها. وقوله:","part":6,"page":116},{"id":2074,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 117\rالْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا مرتفعة أَنْ لا تَمِيدَ تتحرك بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا فيه التفات عن الغيبة مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) صنف حسن\rهذا خَلْقُ اللَّهِ أي مخلوقه فَأَرُونِي أخبروني يا أهل مكة ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ غيره أي آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى، وما استفهام إنكار مبتدأ، وذا بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني معلق عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين بَلِ للانتقال الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) بيّن بإشراكهم وأنتم منهم (الأسطوانة) بضم الهمزة وهي السارية وقوله: وهي أن النفي صادق الخ أي: وهذا هو المراد اهـ شيخنا.\rوالتقييد للعمدة المنفية بالرؤية فيه رمز إلى أنه تعالى عمدها بعمد لا ترى وهي عمد القدرة اهـ أبو السعود.\rوقوله: (جمع عماد) أي كما في القاموس وجمع عمود أيضا أي: كما فيه. وفي المختار: ونص الثاني العمود جمعه في القلة أعمدة، وجمع الكثرة عمد بفتحتين وعمد بضمتين اهـ.\rوفي المصباح: وعمدت الحائط عمدا دعمته وأدعمته بالألف لغة، والعماد ما يسند به والجمع عمد بفتحتين اهـ.\rقوله: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ قال ابن عباس: هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض وهي سبعة عشر جبلا منها قاف، وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سيناء أخرجه ابن جرير في المبهمات للسيوطي اهـ ابن لقيمة على البيضاوي.\rوفي المختار: رسا الشيء ثبت وبابه عدا وسما، والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ واحدتها راسية اهـ.\rقوله: وَبَثَّ فِيها أي: نشر وفرق من كل دابة. من: زائدة، وقوله: فَأَنْبَتْنا فِيها أي الأرض.\rقوله: هذا أي: ما ذكر من السموات والأرض وما تعلق بهما من الأمور المعدودة اهـ أبو السعود.\rقوله: فَأَرُونِي يحتاج لثلاثة مفاعيل الياء أولهما، وجملة الاستفهام سادة مسد الاثنين كما سيأتي اهـ شيخنا.\rفقول الشارح معلق عن العمل أي: في الثاني والثالث، وهذا الإعراب غير ما تقدم للسمين غير مرة، وهو أن أرى إذا كانت بمعنى أخبر فإنها تتعدى لمفعولين الأول: مفرد صريح وهو هنا ضمير التكلم، والثاني: جملة استفهامية وهي هنا ماذا خلق تأمل. قوله: (و ما استفهام إنكار) أي: وتوبيخ وتقريع. قوله: (معلق على العمل) أي: في لفظ جزأي هذه الجملة، ولكنه عامل في محلها النصب، فقوله: (و ما بعده) هو جملة الاستفهام اهـ شيخنا.\rقوله: (للانتقال) أي: من تبكيتهم وتقريعهم بما تقدم المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالكلية","part":6,"page":117},{"id":2075,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 118\rوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ منها: العلم والديانة والإصابة في القول، وحكمه كثيرة مأثورة، كان يفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا، وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا إلى الإعلام ببطلان ما هم عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (و أنتم) أي يا أهل مكة منهم أي من الظالمين.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الخ كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك اهـ أبو السعود.\rوهو اسم أعجمي فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: عربي وهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، والأول أظهر اهـ شيخنا.\rقيل: هو لقمان بن فاغور بن ناخور بن تارخ وهو آزر، فعلى هذا هو ابن أخي إبراهيم، وقيل:\rكان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته، وقيل: إنه عاش ألف سنة حتى أدرك داود، وقيل: كان قاضيا في بني إسرائيل. واتفق العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا إلا عكرمة والشعبي فقالا بنبوته، وعلى هذا تكون الحكمة هي النبوة، وقيل: خيّر بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. وروي أنه كان نائما في نصف النهار فنودي: يا لقمان هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعا وطاعة فإني أعلم أن اللّه تعالى إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت وهو لا يراهم: يا لقمان هل لك في الحكمة؟ قال: فإن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه المظلوم من كل مكان إن عدل نجا وإن أخطأ الطريق أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولم يصب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي بها داود بعده فقبلها يعني الخلافة، ولم يشترط ما اشترط لقمان فهو في الخطيئة غير مرة كل ذلك يعفو اللّه عنه، وكان لقمان يؤازر داود لحكمته. وقيل: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وقيل: كان خياطا. وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلانا الراعي؟ قال: بلى. قال: فيم بلغت ما بلغت؟ قال:\rبصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني. وقيل: كان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقيل: خيار السودان ثلاثة بلال بن رباح، ومهجع مولى عمر، ولقمان، والنجاشي رابعهم اهـ خازن.\rقوله: (منها العلم والديانة الخ) عبارة الخازن: والحكمة العقل والفهم، وقيل: العمل به ولا يسمى الرجل حكيما حتى يجمعهما. وقيل: الحكمة المعرفة والأمانة في الأمور، وقيل: الحكمة شيء يجعله اللّه في العقل ينوره به كما ينور البصر فيدرك المبصر اهـ.\rقوله: (و حكمه كثيرة) قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم اهـ خازن.\rوقوله: مأثورة أي: منقولة. قوله: (قال في ذلك) أي في شأن ذلك أي في شأن الاعتذار عن ترك الفتيا ألا أكتفي أي أستريح بترك الفتيا إذا كفيتها بقيام داود بها اهـ شيخنا.","part":6,"page":118},{"id":2076,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 119\rكفيت؟ وقيل له: أي الناس شر؟ قال: قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئا أَنِ أي وقلنا له أن اشْكُرْ لِلَّهِ على ما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأن ثواب شكره له وَمَنْ كَفَرَ النعمة فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عن خلقه حَمِيدٌ (12) محمود في صنعه\rوَاذكر إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَ تصغير إشفاق لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ باللّه لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) فرجع إليه وأسلم\rوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ أمرنا أن يبرهما حَمَلَتْهُ أُمُّهُ فوهنت وَهْناً عَلى وَهْنٍ قوله: (أي وقلنا له الخ) وعلى هذا التقدير فالظاهر أن أن زائدة. وفي الكرخي: قوله: (أي وقلنا له الخ) أشار إلى أن أن هي المفسرة، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول لأنه تعليم أو وحي اهـ.\rوالواو في كلامه زائدة، فلو قال أي: قلنا له اشكر كما قال غيره لكان أوضح، فمعنى وآتيناه الحكمة قلنا له اشكر للّه. وفي القرطبي: أن أشكر للّه فيه تقديران، أحدهما أن تكون أن بمعنى أي فتكون مفسرة أي: قلنا له اشكر، والقول الآخر: أنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها كما حكى سيبويه كتبت إليه أن أقم اهـ.\rوفي البيضاوي: أن أشكر للّه لأن اشكر أو أي اشكر، فإن إيتاء الحكمة في معنى القول اهـ.\rقوله: مَنْ يَشْكُرْ الخ مستأنف مقرر لمضمون ما قبله موجب لامتثال الأمر اهـ أبو السعود.\rقوله: (محمود في صنعه) أي: حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد، أو محمود بالفعل من جميع المخلوقات بلسان الحال أو المقال اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ الخ بيان لتكميله لغيره بعد بيان كماله في نفسه، فإن اللائق بالإنسان أن يكمل أولا في نفسه ثم يعتني بتكميل غيره اهـ خازن.\rقال السهيلي: واسم ابنه ثاران في قول الطبري والعتبي، وقال الكلبي: اسمه مشكم، وقيل:\rأنعم حكاه النقاش. وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما، ودل على هذا قوله: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ اهـ قرطبي.\rقوله: وَهُوَ يَعِظُهُ أي والحال. قوله: (تصغير إشفاق) أي: محبة. قوله: لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لأن التسوية بين من يستحق العبادة ومن لا يستحقها وضع لها في غير موضعها فهو ظلم عظيم اهـ خازن.\rقوله: (فرجع إليه) أي إلى أبيه أي: إلى دينه وهو الإسلام، فقوله: (و أسلم) عطف تفسير وهذا مبني على أنه كان كافرا. وقيل: كان مسلما ونهاه عن أن يقع منه إشراك في المستقبل اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: فرجع إليه أسلم ثم قال له: يا بني اتخذ تقوى اللّه تعالى تجارة يأتك الربح من غير بضاعة. يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكر الآخرة والعرس يشهيك الدنيا. يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك. يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة. يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله. يا بني اتق اللّه ولا تر الناس إنك تخشى ليكرموك بذلك وقلبك فاجر. يا بني ما ندمت على الصمت قط فإن الكلام إذا كان","part":6,"page":119},{"id":2077,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 120\rمن فضة كان السكوت من ذهب يا بني اعتزل الشر كما يعتزلك فإن الشر للشر خلق. يا بني عليك بمجالس العلماء واستمع كلام الحكماء، فإن اللّه تعالى يحيي الأرض بوابل المطر، فإن من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم. يا بني لا ترسل رسولك جاهلا فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك. يا بني لا تنكح أمة غيرك فتورث بنيك حزنا طويلا. يا بني يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم. يا بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه اللّه عز وجل فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك وإن تك غبيا يعلموك وإن يطلع اللّه عز وجل عليهم برحمة تصبك معهم. يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه اللّه عز وجل، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة، وإن يطلع اللّه عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم. يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك. يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيها ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى اللّه، وحشوها الإيمان باللّه، وشراعها التوكل على اللّه لعلك أن تنجو. يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر. يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب مذمتهم فنفسه منهم في غناء والناس منه في راحة. يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن اللّه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء. يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم. يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلّا فاحذره. يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها ترتحل. يا بني عود لسانك أن يقول اللهم اغفر لي فإن للّه ساعات لا ترد. يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل. يا بني ارج اللّه رجاء لا يجرئك على معصيته وخف اللّه خوفا لا يؤيسك من رحمته. وإنما أكثرت من ذلك لعل اللّه ينفعني ومن طالعه بذلك، وسيأتي في كلام اللّه تعالى زيادة على ذلك. واقتصرت على هذا القدر، وإلّا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها لجعل منها مجلدات، فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال:\rوضع لقمان جرابا من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة موعظة، ويخرج خردلة خردلة فنفذ الخردل، فقال: يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلا لتفطر فتفطر ابنه، فسبحان من يعز ويذل ويغني ويفقر ويشفي ويمرض ويرفع من يشاء اهـ.\rقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ كلام مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان مؤكد لما اشتملت عليه من النهي عن الشرك، وقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ إلى قوله: فِي عامَيْنِ اعتراض بين المفسر والمفسر، فإن قوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ تفسير لوصينا وما بينهما اعتراض مؤكد للوصية في حقهما خاصة اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص كما تقدم في العنكبوت وعليه جماعة المفسرين، وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا ترك فريضة على الأعيان وتلزم طاعتهما في المباحات اهـ.","part":6,"page":120},{"id":2078,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 121\rأي ضعفت للحمل، وضعفت للطلق، وضعفت للولادة وَفِصالُهُ أي فطامه فِي عامَيْنِ وقلنا له أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) أي المرجع\rوَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ موافقة للواقع فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً أي بالمعروف البر والصلة وَاتَّبِعْ سَبِيلَ قوله: (أمرناه أن يبرهما) في المصباح: والرجل يبر برا وزان علم يعلم علما فهو بر بالفتح وبار أيضا أي صادق أو تقي وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار وجمع الثاني بررة مثل كافر وكفرة، وبررت والدي أبره برا وبرورا أحسنت الطاعة إليه ورفقت به وتحريت محابه وتوقيت مكارهه، وبر الحجة واليمين، والقول برا أيضا، ويستعمل أيضا متعديا بنفسه في الحج وبالحرف في اليمين، والقول فيقال بر اللّه الحج يبره برورا أي: قبله، وبررت في القول واليمين وأبر فيهما برورا أيضا إذا صدقت فيهما فأنا بر وبار. وفي لغة يتعدى بالهمز فيقال: أبر اللّه الحج وأبررت القول واليمين اهـ.\rقوله: وَهْناً حال من أمه أي: ذات وهن أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال أي: تهن وهنا، وقوله: عَلى وَهْنٍ صفة للمصدر أي: كائنا على وهن أي: تضعف ضعفا فوق ضعف فإنها لا يزال يتضاعف ضعفها اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: وَهْناً عَلى وَهْنٍ قال ابن عباس: شدة بعد شدة، وقيل: إن المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، وذلك لأن الحمل ضعف والطلق ضعف والوضع ضعف اهـ.\rوفي المختار: الوهن الضعف، وقد وهن من باب وعد ووهنه غيره يتعدى ويلزم، ووهن بالكسر يهن وهنا لغة فيه وأوهنه غيره ووهنه توهينا، والوهن والموهن نحو من نصف الليل، قال الأصمعي:\rهو حين يدبر الليل اهـ.\rقوله: فِصالُهُ أي: ترك إرضاعه في عامين أي: في انقضائهما وفطامه ترك إرضاعه، وفيه دليل على أن مدة الإرضاع حولان اهـ بيضاوي.\rقوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلّى الصلوات لخمس فقد شكر اللّه تعالى، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين اهـ خازن.\rوفي أن وجهان، أحدهما: أنها مفسرة. والثاني: أنها مصدرية في محل النصب بوصينا وهو قول الزجاج اهـ سمين.\rقوله: (موافقة للواقع) أي: ذكر هذا القيد موافقة للواقع أي: فلا مفهوم له إذ ليس للّه شريك يعلم لأنه مستحيل اهـ شيخنا.\rقوله: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا أي: في أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دمت حيا معروفا ببرهما إن كانا على دين يقران عليه، ومعاملتهما بالحلم والاحتمال وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم اهـ خطيب.\rقوله: (أي بالمعروف) أشار بذلك إلى أنه منصوب بنزع الخافض، والأكثر على أنه صفة لمصدر محذوف أي صحابا معروفا اهـ كرخي.","part":6,"page":121},{"id":2079,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 122\rطريق مَنْ أَنابَ رجع إِلَيَ بالطاعة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) فأجازيكم عليه، وجملة الوصية وما بعدها اعتراض\rيا بُنَيَّ إِنَّها أي الخصلة السيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ أي في أخفى مكان من ذلك يَأْتِ بِهَا اللَّهُ فيحاسب قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ خطاب لسائر المكلفين أي: واتبع أيها المكلف دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، وقيل: من أناب إليّ يعني أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه. قال ابن عباس: وذلك أنه حينما أسلم أتاه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وقالوا: صدقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم هو صادق فآمنوا، ثم حملهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام بإرشاد أبي بكر رضي اللّه عنه اهـ خازن.\rقوله: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي: أنت ووالداك ومن أناب إليّ اهـ شيخنا.\rقوله: فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما بيضاوي.\rقوله: (و جملة الوصية) وهي قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ وما بعدها وهو قوله: وَإِنْ جاهَداكَ الخ اعتراض أي: بين كلامي لقمان مع ابنه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و جملة الوصية وما بعدها) أي قوله: وَوَصَّيْنَا إلى قوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اعتراض أي: بين قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم، وقوله: يا بُنَيَ على سبيل الاستطراد تأكيدا لما قصه لقمان من النهي عن الشرك على أنه في هذا المعترض وقع الاعتراض بين الوصية ومفعولها، وهو أن اشكر بقوله حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ تخصيصا للأمر بزيادة التأكيد في الوصية لما تكابده من المشاق وتذكيرا لعظيم حقها وإفرادها بالذكر اهـ.\rوفي الخطيب: فإن قيل: وصى اللّه تعالى بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم، لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ. أجيب: بأن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفا لكونه من جملة جسده، والأم حملته ثقيلا آدميا مودعا فيها، وبعد وضعه وتربيته ليلا ونهارا وبينهما ما لا يخفى من المشقة اهـ.\rقوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ الخ وذلك أن ابن لقمان قال: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها اللّه؟ فقال: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من جنس الخردل فتكن أي:\rمع صغرها في صخرة. قال ابن عباس: هي صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار وخضرة السماء منها، وقيل: خلق اللّه الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، وقيل: على ظهر ثور وهو على الصخرة وهي التي ذكرها لقمان فليست في السماء ولا في الأرض اهـ خازن.\rقوله: إِنْ تَكُ مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفا اهـ شيخنا.\rقوله: (من ذلك) أي: المذكور من الثلاثة، فالأخفى من الصخرة كأن تكون في صخرة تحت الأرضين لسبع، والأخفى من السموات كأن تكون في أعلاها، والأخفى من الأرض كأن تكون في أسفلها اهـ شيخنا.","part":6,"page":122},{"id":2080,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 123\rعليها إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ باستخراجها خَبِيرٌ (16) بمكانها\rيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ بسبب الأمر والنهي إِنَّ ذلِكَ المذكور مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) أي معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها\rوَلا تُصَعِّرْ وفي قراءة تصاعر خَدَّكَ لِلنَّاسِ لا تمل وجهك عنهم تكبرا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي خيلاء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ متبختر في مشيه فَخُورٍ (18) على الناس\rوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ توسط فيه بين الدبيب والإسراع، وعليك السكينة قوله: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ معنى الآية أنه محيط علما بالأشياء صغيرها وكبيرها، وقيل: إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارة ابنه من هيبتها وعظمتها فمات اهـ خازن.\rقوله: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ أي: على الذي أصابك أي: في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد كأذيتهم أو لا كالمرض اهـ خطيب.\rقوله: مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ مصدر بمعنى المفعول كما أشار له بقوله: (أي: معزوما). وفي البيضاوي: من عزم الأمور أي: مما عزمه اللّه من الأمور أي: قطعه قطع إيجاب مصدر أطلق للمفعول اهـ.\rأي: حتمه على المكلفين ولم يرخص في تركه اهـ.\rقوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ أي: لا تمله متعمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا عن الحالة القاصرة. قال عبيدة: وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوي عنقه، ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود بقوله للناس بلام العلة أي: لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم، وذلك لا يكون إلّا تهاونا بهم من الكبر، بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشرا منبسطا من غير كبر ولا علو. وعن ابن عباس: لا تتكبر فتحقر الناس ولا تعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وقيل: هو الرجل يكون بينك وبينه الحسنة فيلقاك فتعرض عنه، وقيل: هو الذي إذا سلمت عليه لوى عنقه تكبرا، وقيل: معناه لا تحتقر الفقير بل يكون الفقير والغني عندك سواء اهـ خطيب.\rوفي المصباح: الصعر ميل في العنق وانقلاب في الوجه إلى أحد الشدقين، وربما كان الإنسان أصعر خلقة أو صعره غيره بشيء يصيبه وهو مصدر من باب تعب وصعر خده بالتثقيل وصاعره أماله عن الناس إعراضا وتكبرا اهـ.\rقوله: (و في قراءة تصاعر) وهما بمعنى وكل منهما في خط المصحف الإمام بلا ألف اهـ شيخنا.\rقوله: فَخُورٍ (على الناس) أي: بنفسه يظن أن أسباغ النعم الدنيوية من محبة اللّه تعالى له وذلك من جهله فإن اللّه أسبغ نعمه على الكافر الجاحد، فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده اهـ خطيب.\rقوله: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ في الحديث: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»، والإسراع الوارد في مشيه صلّى اللّه عليه وسلّم محمول على ما فوق البطء المفرط، والأول أخرجه ابن عدي وغيره من حديث أبي هريرة، والثاني أورده ابن الأثير عن عائشة رضي اللّه عنها اهـ كرخي.","part":6,"page":123},{"id":2081,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 124\rوالوقار وَاغْضُضْ اخفض مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ أقبحها لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أوله زفير، قوله: (بين الدبيب) وهو ضعف المشي جدا يقال: دب يدب بالكسر دبيبا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: دب الصغير يدب من باب ضرب دبيبا، ودب الجيش دبيبا أيضا ساروا سيرا لينا اهـ.\rقوله: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ من تبعيضية، وعند الأخفش يجوز أن تكون مزيدة ويؤيده قوله:\rإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ [الحجرات: 3] وقيل: من صوتك صفة لموصوف محذوف أي: شيئا من صوتك، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت اهـ سمين.\rقوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ الخ تعليل للأمر بخفض الصوت على أبلغ وجه وآكده مبني على تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق إفراط في التنفير عن رفع الصوت اهـ أبو السعود.\rوأنكر قيل: مبني من الفعل المبني للمفعول نحو أشغل من ذات النحيين وهو مختلف فيه اهـ سمين.\rوفي الخطيب: فإن قيل: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟\rأجيب: بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته، وربما يخرق الغشاء الذي في داخل الأذن، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار، ولأن المشي يؤذي آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع، وآلة السمع على باب القلب، فإن الكلام ينقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي، وأيضا فلأن قبيح القول أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن، لأن اللسان ترجمان القلب. ولما كان رفع الصوت فوق الحاجة منكرا كما أن خفضه دونها تماوتا وتكبرا، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بمن. فافهم أن الطرفين مذمومان، علل النهي عن الأول بقوله: إِنَّ أَنْكَرَ أي أفظع وأشنع وأوحش الأصوات برفعها فوق الحاجة لصوت الحمير أي: هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة، فإن كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير وآخره شهيق وهما فعل أهل النار، وأفرد الصوت ليكون نصا على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك، وأما الرفع مع الحاجة فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع. فإن قيل: كيف ينكر كونه أنكر الأصوات مع أن جر المنشار بالمبرد، ودق النحاس بالحديد أشد صوتا؟ أجيب من وجهين، الأول: أن المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير. قال موسى بن أعين: سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان: 29] قال: صياح كل شيء تسبيح اللّه تعالى إلا الحمار. والثاني:\rأن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ولا يتأذى به كصوت المنشار بخلاف الصوت الخالي عن الفائدة وهو صوت الحمار اهـ.\rوفي القرطبي: لصوت الحمير اللام للتأكيد ووحد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة لأنه","part":6,"page":124},{"id":2082,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 125\rوآخره شهيق\rأَلَمْ تَرَوْا تعلموا يا مخاطبين أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها وَما فِي الْأَرْضِ من الثمار والأنهار والدواب وَأَسْبَغَ أوسع وأتم عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً هي حسن الصورة وتسوية الأعضاء وغير ذلك وَباطِنَةً هي المعرفة وغيرها وَمِنَ مصدر، والمصدر يدل على الكثرة وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو صائت، ويقال: صوت تصويتا فهو مصوت رجل صات أي شديد الصوت بمعنى صائت اهـ.\rوفي الخطيب ما نصه: وعن عبد اللّه بن دينار: أن لقمان قدم من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات. قال: الحمد للّه ملكت أمري قال: فما فعلت أمي؟ قال: ماتت قال:\rذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدد فراشي. ما فعلت أختي؟ قال: ماتت.\rقال: سترت عورتي. قال: ما فعل أخي؟ قال: مات. قال: انقطع ظهري اهـ.\rقوله: (أوله زفير) أي: صوت قوي، وآخره شهيق أي صوت ضعيف اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ الخ رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين، وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد. والمراد بالتسخير إما جعل المسخر بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقادا له يتصرف فيه كيف يشاء ويستعمله حسبما يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان، أو لا يكون كذلك بل يكون سببا لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السموات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشا أو معادا. وأما جعله منقادا للأمر مذللا على أن معنى لكم لأجلكم، فإن جميع ما في السموات وما في الأرض من الكائنات مسخر للّه تعالى مستتبع لمنافع الخلق وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء، وإن كان مسخرا له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر للّه اهـ أبو السعود.\rقوله: (يا مخاطبين) القياس يا مخاطبون بالواو لأن المنادى يبنى على ما يرفع به، وكأنه نظر إلى كونه ليس المقصود مخاطبين فهو نكرة غير مقصودة بخصوصها اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ بالجمع وظاهرة حال وبالإفراد وظاهرة نعت سبعيتان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قرأ نافع، وأبو عمرو نعمه مضافا لهاء الضمير فظاهرة حال منها، والباقون نعمة بسكون العين وتنوين تاء التأنيث اسم جنس مراد به الجمع فظاهرة نعت لها. وقرأ ابن عباس، ويحيى وأصبغ بإبدال السين صادا وهي لغة كلب يفعلون ذلك مع الغين والحاء والقاف كصفح وصقر اهـ.\rوفي المصباح: وسبغت النعمة سبوغا من باب قعد اتسعت، وأسبغها اللّه أفاضها وأتمها، وأسبغت الوضوء أتممته اهـ.\rقوله: ظاهِرَةً وَباطِنَةً قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس وقد سأل عن هذه الآية: «الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيىء عملك». قال سعيد بن جبير في قول اللّه عز وجل وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: 6] قال: يدخلكم الجنة، وتمام نعمة اللّه عز وجل","part":6,"page":125},{"id":2083,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 126\rالنَّاسِ أي أهل مكة مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً من رسول وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (20) أنزله اللّه بل بالتقليد\rوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا قال تعالى أَيتبعونه وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (21) أي موجباته؟ لا\r* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي يقبل على طاعته وَهُوَ مُحْسِنٌ موحد فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى بالطرف الأوثق الذي لا يخاف على العبد أن يدخله الجنة، فكذا لما كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سمي نعمة. وقيل: الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة: المعرفة والعقل. وقال المحاسبي: الظاهرة نعمة الدنيا، والباطنة نعمة العقبى. وقيل: الظاهرة ما ترى بالإبصار من المال والجاه والجمال في الناس والتوفيق للطاعات، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من حسن العلم باللّه وحسن اليقين وما يدفعه اللّه عن العبد من الآفات، وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة كلها ترجع إلى هذه اهـ قرطبي.\rقوله: (و تسوية الأعضاء) أي: تناسبها بعضها مع بعض ككون اليدين متساويتين طولا وغلظا ولونا اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ الخ نزلت في النضر بن الحارث، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اللّه تعالى وفي صفاته بغير علم اهـ خازن.\rقوله: فِي اللَّهِ أي: في توحيده وصفاته بغير علم أي: مستفاد من دليل ولا هدى أي: من جهة رسول اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي: نير واضح بخلاف الكتب المبدلة فإنها مظلمة لأن المتمسك بها مخطىء على شفا جرف هار اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أي: لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى اهـ أبو السعود.\rقوله: (أيتبعونه) فيه إشارة إلى هذا الشرط للحال، والتقدير: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب، فلا حاجة إلى أن جواب لو محذوف، واختار البيضاوي أن الواو للعطف ولا يلزم عطف الإنشاء على الأخبار، فإن الاستفهام للإنكار أي: لا ينبغي أن يكون حالهم كذلك، والأول أولى كما في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: يَدْعُوهُمْ أي: يدعو آباءهم فالضمير لآبائهم لا لأنفسهم كما قيل، لأن مدار إنكار الأتباع واستبعاده كون المتبوعين تابعين للشيطان لا كون أنفسهم كذلك أبو السعود.\rقوله: (لا) لا ينبغي ولا يليق هذا الاتباع. قوله: (أي يقبل على طاعته) مأخوذ من أسلمت المتاع إلى الزبون اهـ بيضاوي.\rوالزبون: بفتح الزاي المشتري من الزبن وهو الدفع اهـ شهاب. لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع.\rوفي الكرخي: قوله: (أي: يقبل الخ) يريد أن الوجه بمعنى الذات، والمراد من إسلامه إسلام أموره اهـ.\rقوله: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي: تعلق بأوثق ما يتعلق به هو تمثيل للمتوكل المشتغل","part":6,"page":126},{"id":2084,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 127\rانقطاعه وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) مرجعها\rوَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ يا محمد كُفْرُهُ لا تهتم بكفره إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23) أي بما فيها كغيره فمجاز عليه\rنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا قَلِيلًا أيام حياتهم ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ في الآخرة إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (24) وهو عذاب النار لا يجدون عنه محيصا\rوَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) وجوبه عليهم\rلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا، فلا يستحق العبادة فيهما غيره إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُ عن خلقه الْحَمِيدُ (26) المحمود في صنعه\rوَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ عطف على اسم أن يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ بالطاعة بمن أراد أن يرتقي إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى الجبل المتدلي منه اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالطرف الأوثق) وهو جانب اللّه سبحانه فإنه مرجو لكل عبد اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: بالطرف الأوثق الخ أي: الحبل الأوثق الموصل إلى اللّه بلا انفصام وهو تشبيه تمثيلي لذكر طرف التشبيه اهـ.\rقوله: وَمَنْ كَفَرَ الخ تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: فَلا يَحْزُنْكَ بفتح الياء وبضم الزاي وبضم الياء وكسر الزاي سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بما فيها) أي: من الخواطر والمقاصد والنيات، وقوله: (فمجازي) أي فهو مجاز عليه.\rقوله: ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ أي: نلجئهم ونردهم، وقوله: غَلِيظٍ أي: يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ، أو يضم إلى الإحراق والتضييق اهـ أبو السعود.\rقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي: لغاية وضوح الأمر بحيث اضطروا إلى الاعتراف به، وقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على أن جعل دلائل التوحيد بحيث لا يكاد ينكرها المكابرون اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم اهـ.\rوعبارة القرطبي: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ما هدانا من دينه وليس الحمد لغيره اهـ.\rقوله: (وجوبه) أي: التوحيد عليهم. قوله: (فيهما) أي: السموات والأرض.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ أي: الذي في الأرض، وبيّنه بقوله مِنْ شَجَرَةٍ وتوحيد شجرة لأن المراد تفصيل الآحاد اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و توحيد شجرة) أي: حيث قيل شجرة بتاء الوحدة دون شجر أو أشجار، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة شجرة حتى لا يبقى واحدة من جنسها إلا وقد بريت أقلاما، ولو لم يفرد لم يفد هذا المعنى إذ الجمع يتحقق بما فوق الثلاثة إلا أن تدخل عليه لام الاستغراق هكذا قرروه","part":6,"page":127},{"id":2085,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 128\rسَبْعَةُ أَبْحُرٍ مداد ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ المعبر بها عن معلوماته بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك، لأن معلوماته تعالى غير متناهية إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء حَكِيمٌ (27) لا يخرج شيء من علمه وحكمته\rما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ خلقا وفيه بحث، فإن المفرد التفصيل بدون تكرار أو الاستغراق بدون نفي محل نظر لأنه إنما عهد ذلك في نحو: جاؤوني رجلا رجلا وما عندي تمرة اهـ شهاب.\rقوله: وَالْبَحْرُ أي: المحيط لأنه المتبادر من التعريف إذ هو الفرد الكامل اهـ شهاب.\rقوله: (عطف على اسم أن) أي: وهو ما. والتقدير: ولو أن البحر يمد. وهذا على قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون بالرفع عطفا على موضع أن ومعمولها إذ هو مرفوع على الفاعلية بفعل مضمر أي:\rلو ثبت أو مبتدأ خبره يمده، والجملة حال أي: في حال كون البحر ممدودا اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ الآية لما احتج على المشركين بما احتج بيّن أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القفال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض، وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما والبحار مدادا فتكتب بها عجائب صنع اللّه الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القشيري:\rفرد معنى الكلمات إلى المقدورات وحمل الآية على الكلام القديم أولى، والمخلوق لا بد له من نهاية، وإذا نفيت النهاية فهو نفي للنهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه والقديم لا نهاية له على التحقيق. وقال أبو علي: المراد بالكلمات ما في الإمكان دون ما خرج منه إلى الوجود وهذا نحو ما قاله القفال، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات اللّه وهي في نفسها غير متناهية، وإنما قرب الأمر إلى أفهام البشر من الكثرة لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور، وسياق نزول الآية يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم. قال ابن عباس:\rإن سبب هذه الآية أن اليهود قالت: يا محمد كيف عنينا بهذا القول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام اللّه وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «التوراة قليل من كثير»، ونزلت هذه الآية والآية مدنية. قوله: كَلِماتُ اللَّهِ أي:\rكلامه القديم النفسي القائم بذاته تعالى، وقوله (المعبر بها عن معلوماته) يعني على سبيل الفرض، والتقدير: أي: لو كان يعبر به وإلّا فالتعبير به محال، لأن التعبير إنما يكون بالألفاظ المحدثة، وبعد هذا كله لا حاجة لقوله (المعبر بها الخ) لأن الكلام القديم في حد ذاته لا يتناهى ولا ينحصر فليتأمل اهـ.\rقوله: (بكتبها) أي: بسبب كتبها، أي لو كتبت بتلك الأقلام بذلك المداد ما نفدت ولا تناهت الخ اهـ.\rقوله: إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: إلا كخلقها وبعثها، فقوله: (خلقا وبعثا لف ونشر مرتب). وفي القرطبي: قال الضحاك: المعنى ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة: قال النحاس: وهكذا قدره النحويون يعني إلا كخلق نفس مثل: وَسْئَلِ","part":6,"page":128},{"id":2086,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 129\rوبعثا، لأنه بكلمة كن فيكون إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع كل مسموع بَصِيرٌ (28) يبصر كل مبصر لا يشغله شيء عن شيء\rأَلَمْ تَرَ تعلم يا مخاطبا أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ يدخل اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ يدخله فِي اللَّيْلِ فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ منهما يَجْرِي في فلكه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)\rذلِكَ المذكور بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الثابت وَأَنَّ ما يَدْعُونَ بالياء والتاء يعبدون مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ الزائل الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وقال مجاهد: لأنه يقول للقليل والكثير كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117] ونزلت الآية في أبي بن خلف وجماعة قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إن اللّه خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة، فأنزل اللّه عز وجل ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ لأن اللّه تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة اهـ.\rقوله: (بما نقص) أي: بالجزء الذي نقص من الآخر.\rقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عطف على يولج، والاختلاف بينهما في الصيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد في كل حين، وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه ولا تجدد، وإنما التعدد والتجدد في آثاره اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قاله هنا بلفظ إلى وفي فاطر والزمر بلفظ اللام، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهي إليه الخلق وهما قوله: ما خَلْقُكُمْ الآية وقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً [لقمان: 33] الآية فناسب ذكر إلى الدالة على الانتهاء. وما في فاطر والزمر خال عن ذلك، إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه وما في الزمر ذكر مع ابتدائه فناسب ذكر اللام، والمعنى يجري كل كما ذكر لبلوغ أجل اهـ كرخي.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عطف على أن اللّه يولج الخ داخل معه في حيز الرؤية اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكَ (المذكور) أشار إلى ما تلي من الآيات الكريمة، وهو مبتدأ خبره قوله بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ أي بسبب أنه تعالى هو الحق الثابت ألوهيته، وقوله: وَأَنَّ ما يَدْعُونَ أي: ولأجل بطلان ألوهية ما يدعون من دونه اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: ذلك إشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري بها اهـ.\rوقوله: (بسبب أنه الثابت) الخ أشار إلى أن الحق الثابت المحقق، ومعنى ثباته وجوده، ومعنى كونه في ذاته أن ذلك ليس باستناده إلى شيء آخر فيكون واجب الوجود لذاته، فلذا فسره بقوله الواجب من جميع جهاته فهو عطف بيان له، والمراد بالجهات الوجوه أي: في ذاته وصفاته وغيرهما مما يليق بجنابه اهـ شهاب.\rقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان.","part":6,"page":129},{"id":2087,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 130\rوَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ على خلقه بالقهر الْكَبِيرُ (30) العظيم\rأَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ يا مخاطبين بذلك مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ عبرا لِكُلِّ صَبَّارٍ عن معاصي اللّه شَكُورٍ (31) لنعمته\rوَإِذا غَشِيَهُمْ أي علا الكفار مَوْجٌ كَالظُّلَلِ كالجبال التي تظل من تحتها دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الدعاء بأن ينجيهم، أي لا يدعون معه غيره فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ متوسط بين الكفر والإيمان، ومنهم باق على كفره وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ومنها الإنجاء من الموج إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ غدار كَفُورٍ (32) لنعم اللّه تعالى\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ الخ استشهاد آخر على باهر قدرته وغاية حكمته وشمول إنعامه اهـ أبو السعود.\rوالباء للصلة أو للحال اهـ بيضاوي.\rوقوله: (للصلة) أي: للتعدية أو للسببية، وقوله: (أو للحال) أي: للملابسة والمصاحبة واقعة مع متعلقها حالا أي: مصحوبة أي: بنعمته اهـ شهاب.\rقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي: بإحسانه في تهيئة أسباب الجري. قوله: (عبرا) لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ فبعث نفسه في التفكر في عدم غرقه، وفي سيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهابا وإيابا تارة بريحين وتارة بريح واحدة، وفي إنجاء أبيه نوح عليه السّلام، ومن أراد اللّه تعالى من خلقه وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض وفي غير ذلك من شؤونه وأموره اهـ خطيب.\rقوله: (أي على الكفار) أي: أحاط بهم اهـ.\rقوله: (أي لا يدعون معه غيره) أي: لزوال ما ينازع الفطرة الإيمانية من الهوى ولتقليد بما دهاهم من الشدائد اهـ أبو السعود.\rقوله: (غيره) كالأصنام. قوله: (متوسط بين الكفر والإيمان) أي: لانزجاره بعض الانزجار، ومنهم باق على كفره لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في الافتراء من بعض. قال الأصفهاني: فمنهم مقتصد أي: عدل موف في البر بما عاهد اللّه عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على إيمانه اهـ.\rقال الرازي: المقتصد المتوسط بين السابق بالخيرات، والظالم لنفسه وهو الذي تساوت سيئاته وحسناته اهـ.\rوما قاله الشيخ المصنف تبع فيه الكشاف وعبارته: فمنهم مقتصد متوسط في الظلم والكفر لأنه انزجر بعض الانزجار اهـ كرخي.\rوفي الخازن: قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل، وذلك أنه هرب عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن أنجانا اللّه من هذا لأرجعن إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، ومنهم من لم يوف بما عاهد وهو المراد بقوله:\rوَما يَجْحَدُ بِآياتِنا الخ اهـ.\rقوله: (غدار) أي: لأنه نقض العهد الفطري ورفض ما كان عليه في البحر وهذا في مقابلة صبار","part":6,"page":130},{"id":2088,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 131\rأهل مكة اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي يغني والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ فيه شيئا وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ فيه شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ بالبعث فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإسلام وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ في حلمه وإمهاله الْغَرُورُ (33) الشيطان\rإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ متى تقوم وَيُنَزِّلُ بالتخفيف والتشديد الْغَيْثَ بوقت يعلمه وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ أذكر أم أنثى، ولا كما أن كفور في مقابلة شكور اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: الختر الغدر والخديعة أو أقبح الغدر كالختور، والفعل كضرب ونصر وهو خاتر وختار وختير وختور اهـ.\rقوله: لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ الخ كل من الجملتين نعت ليوما، والعائد في كل منهما مقدر قدره الشارح بقوله (فيه) اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: ومعنى الآية أن اللّه ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما أي: الوالد والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده في الدنيا لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له عليه من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة فكل إنسان يقول نفسي ولا يهتم بقريب ولا بعيد، وقال ابن عباس: كل امرىء تهمه نفسه اهـ.\rقوله: وَلا مَوْلُودٌ مبتدأ وهو مبتدأ ثان وجاز خبره، والجملة خبر مولود وجاز الابتداء به وهو نكرة لأنه في سياق النفي اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: وَلا مَوْلُودٌ جوزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه مبتدأ وما بعده الخبر.\rوالثاني: أنه معطوف على والد، وتكون الجملة صفة اهـ.\rقوله: شَيْئاً تنازع فيه العاملان أن يجزي وجاز فأعمل الثاني وحذف من الأول، فلذلك قدره الشارح في الأول اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ بأن يرجئكم التوبة والمغفرة فيجسركم على المعاصي اهـ بيضاوي.\rوقوله: بِاللَّهِ أي: بسبب اللّه وفي الكلام حذف المضاف أي: بسبب حلم اللّه كما أشار له بقوله (في حلمه وإمهاله) اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ نزلت لما قال الحارث بن عمرو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: متى الساعة؟ وأنا قد ألقيت الحب في الأرض فمتى السماء تمطر؟ وامرأتي حامل فهل حملها ذكر أم أنثى؟ وأي شيء أعمله غدا؟ ولقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ اهـ خازن بتصرف.\rقوله: عِلْمُ السَّاعَةِ أي: علم وقت قيامها كما أشار له بقوله: (متى تقوم) اهـ شيخنا.\rقوله: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ معطوف على عنده علم الساعة الواقع خبر إن، أي: وإن اللّه ينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وقوله: (بوقت) أي: في وقت يعلمه أي: وفي مكان يعلمه اهـ شيخنا.","part":6,"page":131},{"id":2089,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 132\rيعلم واحدا من الثلاثة غير اللّه تعالى وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر، ويعلمه اللّه تعالى وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ويعلمه اللّه تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكل شيء خَبِيرٌ (34) بباطنه كظاهره، روى البخاري عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب خمسة\rإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى آخر السورة.\rوهذا من حيث ظاهر التركيب وأما من حيث المعنى فهو معطوف على الساعة فيكون العلم مسلطا أي: وعنده علم ينزل الغيث أي: علم وقت نزوله يشير لهذا التقدير قول الشارح بوقت أي: في وقت يعلمه ويشير إلى العطف المذكور، قوله: (و لا يعلم واحدا) من الثلاثة غير اللّه فهذا يقتضي أن كلّا من الثلاثة في حيز العلم، وأن العلم مسلط على ينزل تأمل. قوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان.\rقوله: ما ذا تَكْسِبُ غَداً يجوز أن تكون ما استفهامية فتعلق الدراية وأن تكون موصولة فتنصب بها اهـ سمين.\rوقوله: (يجوز أن تكون) ما استفهامية وعلى هذا الاحتمال فتكون مبتدأ، وذا اسم موصول خبره، قوله: وأن تكون موصولة هذا الاحتمال لا يستقيم لأن ذا بعدما تمنع من ذلك إذ هي الأحق بأن تكون موصولة، فالأولى إبدال هذا الاحتمال باحتمال أن تكون ما مع ذا ركبا وجعلا اسم استفهام، ويكون مفعولا للفعل بعده أي ما تدري نفس تكسب غدا أي شيء، وجملة تكسب سادة مسد مفعول تدري وهي بمعنى العرفان فتنصب مفعولا واحدا تأمل. قوله: بِأَيِّ أَرْضٍ متعلق بتموت وهو معلق للدراية، فالجملة في محل نصب، والباء ظرفية بمعنى أي في أي أرض نحو: زيد بمكة أي: فيها، فإن قيل: لم قال ذلك ولم يقل بأي وقت تموت مع أن كلّا منهما غير معلوم لغيره، بل نفي العلم بالزمان أولى لأن من الناس من يدعي علمه بخلاف المكان؟ فالجواب: أنه إنما خص المكان بنفي علمه، لأن الكون في مكان دون مكان في وسع الإنسان واختياره، فاعتقاده علم مكان موته أقرب بخلاف الزمان، ولأن للمكان دون الزمان تأثيرا في جلب المصلحة والسقم وتأثيرهما فيه أكثر.\rتنبيه\rأضاف في الآية العلم إلى نفسه في الثلاثة من الخمسة المذكورة ونفي العلم عن العباد في الأخيرتين منها. مع أن الخمسة سواء في اختصاص اللّه تعالى بعلمها وانتفاء علم العباد بها، كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير بقوله: (و يعلمه اللّه)، لأن الثلاثة الأولى أمرها أعظم وأفخم فخصت بالإضافة إليه تعالى، والأخيرتان من صفات العباد فخصتا بالإضافة إليهم مع أنه إذا انتفى عنهم علمهما كان انتفاء علم ما عداهما من الخمسة أولى اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ (بكل شيء الخ) يشير إلى أن اللّه تعالى لما خصص أولا علمه بالأشياء المذكورة بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الخ ذكر أن علمه غير مختص بها بل هو عليم مطلقا بكل شيء وليس علمه بظواهر الأشياء فقط، بل هو خبير بظواهر الأشياء وبواطنها اهـ كرخي.","part":6,"page":132},{"id":2090,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 133\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة السجدة مكية وهي ثلاثون آية\rالم (1) اللّه أعلم بمراده به\rتَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ لا رَيْبَ شك فِيهِ خبر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (مكية) أي غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة قاله الكلبي ومقاتل، وقال غيرهما، إلا خمس آيات من قوله: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة: 16] إلى الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: 20] وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ السجدة، وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الإنسان: 1] الحديث. وخرّج الدارمي أبو محمد في مسنده، عن جابر بن عبد اللّه قال: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينام حتى يقرأ الم تَنْزِيلُ السجدة، تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: 1]. قال الدارمي: وأخبرنا أبو المغيرة قال: حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال: اقرؤوا المنجية وهي الم تَنْزِيلُ، فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها ما يقرأ شيئا غيرها، وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها عليه وقالت: رب اغفر له فإنه كان يكثر قراءتي، فشفعه الرب فيه وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة اهـ قرطبي.\rقوله: (ثلاثون آية) وقيل: تسع وعشرون بناء على الاختلاف في أن آخر الآية لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أو هو كافرون، فعلى الأولى تكون ثلاثين وعلى الثاني تكون تسعا وعشرين اهـ شيخنا.\rقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ فيه أوجه خمسة، أحدها: أنه خبر عن الم لأن ألم يراد به السورة وبعض القرآن، وتنزيل بمعنى منزل والجملة من قوله: لا رَيْبَ فِيهِ حال من الكتاب، والعامل فيها تنزيل لأنه مصدر، ومن رب العالمين متعلق به أيضا، ويجوز أن يكون حالا من الضمير فيه لوقوعه خبرا والعامل فيه الظرف أو الاستقرار. والثاني: أن يكون تنزيل مبتدأ، ولا ريب فيه خبره، ومن رب العالمين حال من الضمير في فيه، ولا يجوز حينئذ أن يتعلق بتنزيل لأن المصدر أخبر عنه فلا يعمل ومن يتسع في الجار لا يبالي بذلك. الثالث: أن يكون تنزيل مبتدأ أيضا، ومن رب خبره، ولا ريب حال أو معترض. الرابع: أن يكون لا ريب ومن رب العالمين خبرين لتنزيل. الخامس: أن يكون تنزيل خبر مبتدأ مضمر، وكذلك لا ريب، وكذلك من رب فيكون كل جملة مستقلة برأسها ويجوز أن يكونا حالين من تنزيل، وأن يكون من رب وهو الحال ولا ريب معترض، وتقدم في أول البقرة ما يرشد لهذا، وإنما أعدته تطرئة اهـ سمين.","part":6,"page":133},{"id":2091,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 134\rأول مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) خبر ثان\rأَمْ بل يَقُولُونَ افْتَراهُ محمد؟ لا بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ به قَوْماً ما نافية أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) بإنذارك\rاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد، وآخرها الجمعة ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وهو قوله: أَمْ يَقُولُونَ أم مقطعة وهي عند البصريين تقدر ببل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري، والشارح هنا قدرها ببل فقط، وقال بعده: لا إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري مع أنه لم يذكر الهمزة ولعلها سقطت من قلم النساخ، وقوله: (لا) أي لا ينبغي ولا يليق منهم هذا القول اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ هُوَ الْحَقُ إضراب ثان، ولو قيل: بأنه إضراب إبطال لنفس افتراه وحده لكان صوابا وعلى هذا يقال كل ما في القرآن إضراب فهو انتقال إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطالا لأنه إبطال لقولهم أي: ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحق اهـ سمين.\rقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً ينصب مفعولين، والثاني محذوف قدره بقوله. وفي السمين: الظاهر أن المفعول الثاني للإنذار محذوف وقوما هو الأول إذ التقدير لتنذر قوما العقاب، وما أتاهم جملة منفية في محل نصب صفة لقوما. يريد الذين في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام. وجعله الزمخشري كقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [يس: 6] فعلى هذا يكون من نذير هو فاعل أتاهم، ومن مزيدة فيه ومن قبلك صفة لنذير، ويجوز أن يتعلق من قبلك بأتاهم، وجوز الشيخ أن تكون ما موصولة في الموضعين، والتقدير لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، ومن نذير متعلق بأتاهم أي: أتاهم على لسان نذير من قبلك وبواسطته، وكذلك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ أي:\rالعقاب الذي أنذره آباؤهم، فما مفعولة في الموضعين، وأنذر متعد إلى اثنين. قوله تعالى: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: 13] وهذا القول جار على ظواهر القرآن. قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: 24] أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير. قلت: وهذا الذي قاله ظاهر اهـ.\rوفي الخازن: المراد بالقوم العرب لأنهم كانوا أمة لم يأتهم نذير قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال ابن عباس: يعني أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام اهـ.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ متعلق بقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً، والترجي معتبر من جهته عليهم السّلام، أي لتنذرهم راجيا لاهتدائهم أو لرجاء اهتدائهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي: على التوزيع كما يأتي في سورة فصلت فخلق الأرض أولا في الأحد والاثنين، وخلق ما فيها ثانيا في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات ثالثا في الخميس والجمعة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال الحسن: في ستة أيام أي: من أيام الدنيا، وقال ابن عباس: إن اليوم من الأيام الستة التي خلق اللّه فيها مقداره ألف سنة من سني الدنيا، وقال الضحاك: في ستة آلاف سنة أي:\rفي مدة ستة أيام من أيام الآخرة، وليست ثم للترتيب وإنما هي بمعنى الواو اهـ.","part":6,"page":134},{"id":2092,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 135\rفي اللغة سرير الملك، استواء يليق به ما لَكُمْ يا كفار مكة مِنْ دُونِهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍ اسم ما بزيادة من أي ناصر وَلا شَفِيعٍ يدفع عذابه عنكم أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) هذا فتؤمنون\rيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ مدّة الدنيا ثُمَّ يَعْرُجُ يرجع الأمر والتدبير إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قوله: (و هو في اللغة سرير الملك) والمراد به هنا الجسم النوراني المحيط بالعالم كله اهـ شيخنا.\rقوله: (استواء يليق به) اختلف العلماء في هذه الآية ونظائرها على قولين، أحدهما: ترك التعرض إلى بيان المراد. والثاني: التعرض إليه، والأول أسلم كما جرى عليه الشيخ المصنف، لأن صفة الاستواء مما لا يجب العلم بها، فمن لم يتعرض إليه لم يترك واجبا ومن تعرض إليه فقد يخطىء فيعتقد خلاف ما هو عليه، فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم، والثاني يكاد يقع في أن يكون جاهلا، وعدم العلم والجهل المركب كالسكوت والكذب، ولا شك أن السكوت خير من الكذب اهـ كرخي.\rقوله: (اسم ما) فيه أن الترتيب مفقود هنا إلا أن يقال إنه جرى على رأي ضعيف لا يشترطه في عملها اهـ شيخنا.\rقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: أمر الدنيا أي: شأنها وحالها والأمور التي تقع فيها، والمراد بتدبير أمرها القضاء السابق الذي هو الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، وجعل القضاء مبتدأ من جانب السماء لكون القضاء منوطا بأسباب سماوية منتهيا إلى الأرض لانتهاء آثار تلك الأسباب إلى الأرض، وعروج أمر الدنيا إليه تعالى مجاز عن ثبوته في علمه اهـ زاده.\rفإلى متعلقة بيدبر لتضمنه معنى ينزل، ومن ابتدائية وإلى انتهائية اهـ.\rوفي القرطبي: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض قال ابن عباس: ينزل القضاء والقدر، وقيل:\rينزل الوحي مع جبريل. وروى عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبر أمر الدنيا أربعة:\rجبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل صلوات اللّه عليهم أجمعين، فأما جبريل عليه السّلام فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وقد قيل: إن العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش موضع التفصيل. قال اللّه تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يدبر الأمر: يفصل الآيات وما دون السموات موضع التصريف. قال اللّه تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان: 50] اهـ.\rقوله: (مدة الدنيا) وهي سبعة آلاف سنة كما ورد من عدة طرق، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث في الألف السادس، ودلت الآثار على أن مدة أمته صلّى اللّه عليه وسلّم تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة اهـ من كتاب للسيوطي سماه الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف.\rقوله: (يرجع الأمر والتدبير) أي: التصرف في المخلوقات بالحشر والحساب ووزن الأعمال والتعذيب والتنعيم وغير ذلك مما يقع في ذلك اليوم. قوله: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني العالم، وليس بيوم محدود الطرفين بين ليلتين، والعرب تعبر","part":6,"page":135},{"id":2093,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 136\rمِمَّا تَعُدُّونَ (5) في الدنيا، وفي سورة سأل خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وهو يوم القيامة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا، كما جاء في الحديث\rذلِكَ الخالق المدبر عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي ما غاب عن الخلق وما حضر الْعَزِيزُ المنيع في ملكه الرَّحِيمُ (6) بأهل طاعته\rالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بفتح اللام فعلا عن مدة العصر باليوم، وقوله هنا كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مشكل مع قوله تعالى في سورة سأل خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4] وقد تكلم العلماء في ذلك فقيل: إن يوم القيامة فيه أيام فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة، وقيل: هو أوقات مختلفة فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة، وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا كل موقف ألف سنة، فمعنى يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة أي مقدار وقت أو موقف من يوم القيامة. وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت، فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة اهـ من القرطبي.\rقوله: (لشدة أهواله) أي: فالمراد من ذكر الألف وذكر الخمسين التنبيه على طوله والتخويف منه لا العدد المذكور بخصوصه اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وعالم: خبر أول، والعزيز خبر ثان، والرحيم ثالث، والذي أحسن الخ رابع اهـ شيخنا.\rوفي السمين: العامة على رفع عالم، والعزيز والرحيم على أن يكون ذلك مبتدأ وعالم خبره والعزيز والرحيم خبر إن، أو نعتان أو العزيز الرحيم مبتدأ وصفته والذي أحسن خبره، أو العزيز الرحيم خبر مبتدأ مضمر، وقرأ زيد بن علي بجر الثلاثة وتخرجها على أشكالها أن يكون فلك إشارة إلى الأمر المدبر ويكون فاعلا ليعرج والأوصاف الثلاثة بدل من الضمير في إليه كأنه قيل: ثم يعرج الأمر المدبر إليه عالم الغيب أي: إلى عالم الغيب، وأبو زيد برفع عالم وخفض العزيز الرحيم على أن يكون ذلك عالم مبتدأ وخبرا، والعزيز الرحيم بدلان من الهاء في إليه أيضا وتكون الجملة بينهما اعتراضا اهـ.\rقوله: الَّذِي أَحْسَنَ يجوز أن يكون تابعا لما قبله في قراءتي الرفع والخفض، وأن يكون خبرا آخر، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون منصوبا على المدح اهـ سمين.\rومعنى أحسن أتقن وأحكم. قوله: (صفة) أي: للمضاف وهو كل، فتكون في محل نصب أو للمضاف إليه وهو شيء فتكون في محل جر اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: خَلَقَهُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر بسكون اللام، والباقون بفتحها. فأما الأولى ففيها أوجه، أحدها: أن يكون خلقه بدلا من كل شيء بدل اشتمال، والضمير عائد على كل شيء، وهذاهو المشهور المتداول. الثاني: أنه بدل كل من كل والضمير على هذا عائد على الباري تعالى، ومعنى أحسن حسن لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما تقتضيه الحكمة، فالمخلوقات كلها حسنة. الثالث: أن يكون كل شيء مفعولا أول، وخلقه مفعولا ثانيا على أن يضمن","part":6,"page":136},{"id":2094,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 137\rماضيا صفة، وبسكونها بدل اشتمال وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ آدم مِنْ طِينٍ (7)\rثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ذريته مِنْ سُلالَةٍ علقة مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ضعيف هو النطفة\rثُمَّ سَوَّاهُ أي خلق آدم وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أي جعله حيا حساسا، بعد أن كان جمادا وَجَعَلَ لَكُمُ أي لذريته السَّمْعَ بمعنى الأسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) ما زائدة مؤكدة للقلة\rوَقالُوا أي منكر والبعث أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ غبنا فيها، بأن صرنا ترابا مختلطا بترابها أَإِنَّا أحسن معنى أعطى وألهم. قال مجاهد: أعطي كل جنس شكله، والمعنى خلق كل شيء على شكله الذي خصه به. الرابع: أن يكون كل شيء مفعولا ثانيا قدم، وخلقه مفعول أول أخر على أن يضمن أحسن معنى ألهم وعرف. قال الفراء: ألهم كل شيء خلقه فيما يحتاجون إليه فيكون أعلمهم ذلك.\rوأما القراءة الثانية: فخلق فيها فعل ماض، والجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه فتكون منصوبة المحل أو مجرورته اهـ.\rقوله: (ذريته) سميت الذرية بالنسل لأنها تنسل منه أي: تنفصل اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي: كما أن آدم من سلالة من طين فلا يخالف ما في سورة المؤمنون لأن المذكور هنا صفة ذرية آدم، والمذكور ثم صفة آدم اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ سَوَّاهُ أي: قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي اهـ بيضاوي.\rوجعل الشارح هذا الضمير عائدا لآدم، وجعله غيره عائدا لنسله. وعبارة أبي السعود: ثم سواه أي عدله بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي اهـ.\rقوله: مِنْ رُوحِهِ إضافة تشريف كبيت اللّه وناقة اللّه اهـ خازن.\rوالمراد بروحه جبريل، وإلّا فاللّه تعالى منزه عن الروح الذي يقوم الجسد وتكون به حياته كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (أي لذريته) أي: المذكورين في قوله: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ، ففي الكلام التفات عن الغيبة إلى الخطاب اهـ شيخنا.\rوفي زاده: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ فيه التفات من ضمير الغائب المفرد في قوله: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ الخ إلى الخطاب، ولم يخاطبهم قبل ذلك لأن الخطاب إنما يكون مع الحي، فلما قال: ونفخ فيه من روحه وخاطبه بعد ذلك وقال وَجَعَلَ لَكُمُ الخ اهـ.\rقوله: قَلِيلًا معمول لتشكرون، والقلة بمعنى النفي كما ينبىء عنه بعده أي: شكرا قليلا، أو زمانا قليلا تشكرون اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا الخ كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة إيذانا بأن ما ذكر من عدم شكرهم لتلك النعم موجب للإعراض عنه وتعديد جناياتهم اهـ أبو السعود.","part":6,"page":137},{"id":2095,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 138\rلَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ استفهام إنكاري، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين، قال تعالى بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث كافِرُونَ (10)\r* قُلْ لهم يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي بقبض أرواحكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) أحياء فيجازيكم بأعمالكم\rوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ الكافرون ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مطأطئوها قوله: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ تقدم اختلاف القراء في الاستفهامين في سورة الرعد، والعامل في إذا محذوف تقديره نبعث أو نخرج لدلالة خلق جديد عليه، ولا يعمل فيه خلق جديد لأن ما بعد إن والاستفهام لا يعمل فيما قبلهما، وجواب إذا محذوف إذا جعلتها شرطية. وقرأ العامة ضللنا بضاد معجمة ولام مفتوحة بمعنى ذهبنا مع قولهم ضل اللبن في الماء، وقيل: غيبنا. والمضارع من هذا يضل بكسر العين وهو كثير. وقرأ يحيى بن يعمر، وابن محيصن، وأبو رجاء بكسر اللام وهي لغة العالية، والمضارع من هذا يضل بالفتح. وقرأ علي وأبو حيوة ضللنا بضم الضاد وكسر اللام المشدد من ضلله بالتشديد اهـ سمين.\rقوله: (في الموضعين) متعلق بقوله استفهام إنكار، وبقوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) الموضوعان هما أَإِذا ضَلَلْنا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ إضراب انتقال من بيان كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أبلغ وأشنع منه، وكفرهم بالوصول إلى العاقبة وما يلقونه فيها من الأهوال اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ (لهم) يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ قال ذلك هنا وقال في الأنعام تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام: 61] وفي الزمر اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: 42] ولا منافاة لأن اللّه تعالى هو المتوفى حقيقة بخلق الموت وأمر الوسائط بنزع الروح وهم غير ملك الموت أعوان له ينزعونها من الأظافر إلى الحلقوم، فصحت الإضافات كلها، والتوفي استيفاء العدد ومعناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت كما أشار إليه في التقرير، ومعلوم أن التفعل والاستفعال يلتقيان في مواضع مثل تقضيته واستقضيته وتعجلته واستعجلته قاله في الكشاف، وهو جواب ما يقال كيف فسرنا التوفي بالاستيفاء اهـ كرخي.\rروي أن الدنيا جعلت لملك الموت مثل راحة اليد فيأخذ منها من شاء أخذه من غير مشقة، فهو يقبض أرواح الخلق من مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقال ابن عباس: إن خطوته ما بين المشرق، والمغرب وقال مجاهد: جعلت له الأرض مثل الطشت يتناول منه حيث يشاء، وقيل: إنه على معراج بين السماء والأرض، وقيل: إن له حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له: الآن ينزل بك عسكر الموت اهـ خازن.\rقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ الخ عبارة أبي السعود: ولو ترى إذ المجرمون وهم القائلون","part":6,"page":138},{"id":2096,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 139\rحياء يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا ما أنكرنا من البعث وَسَمِعْنا منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً فيها إِنَّا مُوقِنُونَ (12) الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون، أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ الآية، أو جنس المجرمين وهم من جملتهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ من الحياء والخزي عند ظهور قبائحهم التي اقترحوها في الدنيا. ربنا أي: يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي: صرنا ممن يبصر ويسمع، وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات المبصرة والآيات المسموعة وكنا من قبل عميا وصما لا ندرك شيئا، فارجعنا إلى الدنيا نعمل عملا صالحا حسبما تقتضيه تلك الآيات، وقوله تعالى: إِنَّا مُوقِنُونَ دعاء منهم لصحة الأفئدة والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بموجبها، كما أن قبله ادعاء لصحة صفتي البصر والسمع كأنهم قالوا: وأيقنا وكنا من قبل لا نعقل شيئا أصلا، وإنما عدلوا إلى الجملة الاسمية المؤكدة إظهارا لثباتهم على الإيقاع، وكما رغبتهم فيه وكل ذلك للجد في الاستدعاء طمعا في الإجابة إلى ما سألوه من الرجعة، ويجوز أن يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه، فإنهم حينئذ يشاهدون الكفر والمعاصي على صور منكرة هائلة وتخبرهم الملائكة بأن مصيرهم إلى النار لا محالة. فالمعنى أبصرنا قبح أعمالنا وكنا نراها في الدنيا حسنة، وسمعنا أن مردنا إلى النار وهو الأنسب بما بعده من الوعد بالعمل الصالح هذا، وقد قيل: المعنى وسمعنا منك تصديق رسلك وأنت خبير بأن تصديقه تعالى لهم حينئذ يكون بإظهار مدلول ما أخبروا به من الوعد والوعيد لا بالإخبار بأنهم صادقون حتى يسمعوه، وقيل: وسمعنا قول الرسل أي: سمعنا سمع طاعة وإذعان ولا يقدر لنرى مفعول إذ المعنى لو تكن منك رؤية في ذلك الوقت أو يقدر ما تنبىء عنه صلة إذ والمضي فيها وفي لو باعتبار أن الثابت في علم اللّه تعالى بمنزلة الواقع، وجواب لو محذوف أي: لرأيت أمرا فظيعا لا يقادر قدره، والخطاب لكل أحد ممن يصلح له كائنا من كان إذ المراد بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستعظامها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة، بل كل من تتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها اهـ.\rوفي السمين: وإذ على بابها من المضي لأن لو تصرف المضارع للمضي وإنما جيء به هنا ماضيا لتحقيق وقوعه نحو: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] وجعله أبو البقاء مما وقعت فيه إذ موقع إذا ولا حاجة إليه اهـ.\rقوله: ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ العامة على أنه اسم فاعل مضاف لمفعوله تخفيفا، وزيد بن علي نكسوا فعلا ماضيا رؤوسهم مفعول به اهـ سمين.\rقوله: (مطأطئوها) أي: خافضوها. قوله: وَسَمِعْنا (منك تصديق الرسل) عبارة أبي السعود:\rوأنت خبير بأن تصديقه تعالى لهم حينئذ يكون بإظهار ما أخبروا به من الوعد والوعيد لا بالإخبار بأنهم صادقون حتى يسمعوه اهـ.\rقوله: إِنَّا مُوقِنُونَ (الآن) أي: إنا آمنا في الحال ويحتمل أن يكون المراد منه أنهم ينكرون الشرك كقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] اهـ كرخي.","part":6,"page":139},{"id":2097,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 140\rوجواب لو رأيت أمرا فظيعا، قال تعالى\rوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ الجن وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها\rفَذُوقُوا العذاب بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي بترككم الإيمان به إِنَّا نَسِيناكُمْ تركناكم في العذاب وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ الدائم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) من الكفر والتكذيب\rإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا القرآن الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا وعظوا قوله: (و جواب لو لرأيت أمرا فظيعا) أي: شنيعا عجيبا، ويجوز أن تكون لو للتمني والمضي فيها وفي إذ، لأن الثابت في علم اللّه بمنزلة الواقع ولا يقدر لنرى مفعول لأن المعنى لو تكون منك رؤية في هذا الوقت أو يقدر ما دل عليه صلة إذ اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و المضي فيها) أي: في لو على كونها شرطية لأنها حرف امتناع لامتناع فيما مضى، وقوله: (ما دل عليه) صلة إذ أي: ما أضيفت إليه لأنه بمنزلة الصفة المتممة لها للزومها للإضافة وهو المجرمون أو وقوفهم على النار اهـ شهاب.\rقوله: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي: وجب قضائي وثبت وعيدي، وقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ قدم الجن لأن المقام مقام تحقير، ولأن الجهنميين منهم أكثر فيما قيل، ولا يلزم من قوله أَجْمَعِينَ دخول جميع الإنس والجن فيها، لأنها تفيد عموم الأنواع لا الأفراد، فالمعنى لأملانها من ذينك النوعين جميعا كما ذكره بعض المحققين، ورد بأنه قصد ما ذكر كان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقول كليهما، فالظاهر أنها لعموم الأفراد والتعريف فيهما للعهد، والمراد عصاتهما، ويؤيده قوله في آية أخرى خطابا لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 85] فتأمل اهـ.\rقوله: (أي بترككم الإيمان به) أي: فالمراد بالنسيان لازمه وهو الترك وقوله: وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ تكرير هذا للتأكيد والتشديد ولتبيين المفعول المطوي للذوق والإشعار بأن سببه ليس مجرد النسيان، بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا اهـ أبو السعود.\rوقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال الجوهري: وذقت ما عند فلان أي: خبرته، وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها، وأذاقه اللّه وبال أمره وتذوقته أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق أي: مجرب معلوم اهـ قرطبي.\rقوله: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الخ هذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي: أنهم لإلفهم الكفر لا يؤمنون بك، وإنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له المتعظون به، وهم الذين إذا قرئ عليهم القرآن خروا سجدا، قال ابن عباس: ركعا، وقال المهدوي: وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة آية السجدة، واستدل بقوله عز وجل: وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ص: 24] وقيل: المراد به السجود المعروف وعليه أكثر العلماء أي: خروا سجدا للّه على وجوههم تعظيما لآياته وخوفا من سطوته وعذابه، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ","part":6,"page":140},{"id":2098,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 141\rبِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا متلبسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي قالوا: سبحان اللّه وبحمده وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) عن الإيمان والطاعة\rتَتَجافى جُنُوبُهُمْ ترتفع عَنِ الْمَضاجِعِ مواضع الاضطجاع بفرشها لصلاتها بالليل تهجدا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً من عقابه وَطَمَعاً في رحمته وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16) يتصدقون\rفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ خبىء لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ما تقرّ به أي: خلطوا التسبيح بالحمد أي: نزهوه وحمدوه، فقالوا في سجودهم: سبحان اللّه وبحمده سبحان ربي الأعلى وبحمده أي: تنزيها له عن قول المشركين، وقال سفيان: وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي:\rصلوا حمدا لربهم وهم لا يستكبرون كما استكبر أهل مكة عن السجود اهـ قرطبي.\rقوله: (القرآن) يتأمل ما المراد به، فإن كان المراد به مطلق القرآن، وإن لم يكن فيه آية أشكل قوله خروا سجدا، فإن السجود لا يشرع لتلاوة القرآن إلا إذا كان فيه آية سجدة من آيات السجود المعروفة، وإن كان المراد به خصوص آيات السجدات أشكال قوله إذا ذكروا بها مع تفسير التذكير بالوعظ كما ذكروه، ووجه الإشكال أن أكثر آيات السجدات بل كلها ليس فيها وعظ أي: تخويف وتذكير بالعواقب، إذ هذا حقيقة الوعظ بل غالبها يرجع لمدح الساجدين تصريحا وذم غيرهم تلويحا كهذه الآية، وقد يكون بعكس ذلك أي: ذم غير الساجدين تصريحا ومدح الساجدين تلويحا كآية الانشقاق فليتأمل. فلم نر من المفسرين من بين هذا ولا من تعرض له.\rقوله: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا، وكذلك يدعون. وإذا جعل يدعون حالا احتمل أن يكون حالا ثانية، وأن يكون حالا من الضمير في جنوبهم لأن المضاف جزء، والتجافي الارتفاع وعبّر به عن ترك النوم خوفا وطمعا إما مفعول من أجله وإما حالان وإما مصدران لعامل مقدر اهـ سمين.\rقوله: (بفرشها) الباء للمصاحبة أي: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ المفروشة للنوم، والتقييد بهذا لمزيد مدحهم لأن المضجع إذا كان مفروشا كان النوم فيه ألذ والنفس إليه أميل، فإذا هجروه في تلك الحالة كان أمدح لهم، وقوله: (لصلاتهم) متعلق بتتجافى أي: تتباعد عن المضاجع لأجل اشتغالهم بالصلاة. وفي الخازن: تتجافى جنوبهم ترتفع عن المضاجع جمع مضجع بفتح الجيم وهو الموضع الذي يضطجع فيه بفرش وهم المتهجدون بالليل الذين يقيمون الصلاة اهـ.\rقوله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ أي: لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عمن عداهم اهـ أبو السعود.\rوالمراد لا تعلم نفس ما أخفي لهم علما تفصيليا وإلّا فنحن نعلم ما أعد للمؤمنين من النعيم إجمالا من حيث إنه غرف في الجنة وقصور وأشجار وأنهار وملابس ومآكل وغير ذلك اهـ.\rقوله: (خبىء) لَهُمْ في المصباح: خبأت الشيء خبأ مهموز من باب نفع سترته ومنه الخابية وترك همزها تخفيفا لكثرة الاستعمال، وربما همزت على الأصل، وخبأته حفظته والتشديد تكثير ومبالغة، والخبء بالفتح اسم لما خبىء اهـ.\rقوله: مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ القرة بمعنى اسم الفاعل أي: ما يحصل به القرير أي: الفرح والسرور كما","part":6,"page":141},{"id":2099,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 142\rأعينهم، وفي قراءة بسكون الياء مضارع جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (17)\rأَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (18) أي المؤمنون والفاسقون\rأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى أشار له بقوله: (ما تقربه أعينهم) أي: فلا يلتفتون إلى غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية بسكون الياء أي: التي في آخر الفعل، وقوله: (مضارع) أي:\rمضارع أخفى، فالهمزة للتكلم وهو مبني للفاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء الساكنة منع من ظهورها الثقل، وعلى القراءة الأولى يكون فعلا ماضيا مبنيا للمفعول مبنيا على فتح الياء اهـ شيخنا.\rوما يجوز أن تكون موصولة أي: لا تعلم الذي أخفاه اللّه. وفي الحديث: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ويجوز أن تكون استفهامية معلقة لتعلم، فإن كانت متعدية لاثنين سدت مسدهما أو لواحد سدت مسده، وإذا كانت استفهامية فعلى قراءة من قرأ ما بعدها فعلا ماضيا تكون في محل رفع بالابتداء والفعل بعدها الخبر، وعلى قراءة من قرأه مضارعا تكون مفعولا مقدما، ومن قرة أعين حال مما اهـ سمين.\rقوله: جَزاءً مفعول مطلق معمول لمحذوف أي: جوزوا جزاء، أو مفعولا لأجله معمول لأخفي أي: أخفي لهم لأجل جزائهم اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً الخ الهمزة داخلة على مقدر أي: أفبعد ما بينهما من التفاوت والتباين يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه كالفاسق الذي ذكرت أحواله، والتصريح بقوله: لا يَسْتَوُونَ مع إفادة الإنكار لنفي المساواة على أبلغ وجه، وآكده ليبني عليه التفصيل الآتي اهـ أبو السعود.\rقوله: كَمَنْ كانَ فاسِقاً أي: كافرا، والمراد بالمؤمن مقابله ليشمل العاصي. وفي السمين:\rأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعمد الوقف على قوله فاسِقاً، ويبتدىء بقوله لا يَسْتَوُونَ اهـ.\rأي: في المآل والمستقر بدليل قوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ. وفي الكرخي: لا يستوون أي:\rشرفا ومثوبة، والضمير في يستوون لمن الواقعة على الفريقين وفيه مراعاة معناها بعد مراعاة لفظها، فلذلك قال الشارح: أي: المؤمنون والفاسقون اهـ شيخنا.\rقوله: (أي المؤمنون) كعلي رضي اللّه عنه، والفاسقون كالوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما تنازع، فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت فإنك صبي وأنا واللّه أبسط منك لسانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة، فقال علي: اسكت فإنك فاسق، فأنزل اللّه عز وجل: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ، والمراد به هنا الفسق الكامل بقرينة المقابلة للمؤمنين، وإلّا فالمؤمن قد يكون فاسقا، ونظيره: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ [الجاثية: 21] الآية، إذ ليس كل مجرم ومسيء كافرا، ولم يقل يستويان لأنه لم يرد مؤمنا واحدا ولا فاسقا واحدا، بل أراد جنس المؤمنين والفاسقين اهـ كرخي.\rقوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ تفصيل لمراتب الفريقين في الآخرة بعد ذكر أحوالهما في الدنيا اهـ أبو السعود.","part":6,"page":142},{"id":2100,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 143\rنُزُلًا هو ما يعدّ للضيف بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (19)\rوَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا بالكفر والتكذيب فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)\rوَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجدب سنين والأمراض دُونَ قبل الْعَذابِ الْأَكْبَرِ عذاب الآخرة لَعَلَّهُمْ أي من بقي منهم يَرْجِعُونَ (21) إلى الإيمان\rوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ قوله: نُزُلًا حال من جنات المأوى أي: حالة كونها مهيأة ومعدة لهم كما يعد ما يحصل به الإكرام للضيف اهـ شيخنا.\rقوله: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: بسبب أعمالهم، وليس المراد السبب الحقيقي حتى يخالف حديث لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله بل ما يفضي إلى الجنة بمقتضى وعد اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا (بالكفر والتكذيب) هذا إشارة إلى حال الكافر واعلم أن العمل الصالح له مع الإيمان تأثير، فلذلك قال: آمنوا واعملوا الصالحات، وأما الكفر فلا التفات إلى الأعمال معه، فلهذا لم يقل: وأما الذين فسقوا وعملوا السيئات، لأنه المراد من قوله: فَسَقُوا كفروا، ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل، لظن أن مجرد الكفر لا عقاب عليه اهـ كرخي.\rقوله: (و التكذيب) أي: للرسل. قوله: كُلَّما أَرادُوا الخ استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم. روي أنه تضربهم النار فيرتفعون إلى طبقاتها حتى إذا قربوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم لهبها فيهوون إلى قعرها، وهكذا يفعل بهم أبدا، وكلمة في للدلالة على أنهم مستقرون فيها وإنما الإعادة من بعض طبقاتها إلى بعض اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقِيلَ لَهُمْ معطوف على أعيدوا أي: تقول لهم الخزنة ذوقوا، أو يقول اللّه لَهُمْ ذُوقُوا الخ، والذوق حسي ومعنوي اهـ قرطبي.\rقوله: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ صفة لعذاب، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال: وذكر على معنى الجحيم أو الحريق قال ذلك هنا، وقال في سبأ: الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [سبأ: 42] فذكر الوصف، والضمير هنا نظرا للمضاف وهو العذاب وأنثهما ثم نظرا للمضاف إليه وهو النار، وخص ما هنا بالتذكير لأن النار وقعت موقع ضميرها لتقدم ذكره، والضمير لا يوصف فناسب التذكير، وفي سبأ لم يتقدم ذكر النار ولا ضميرها فناسب التأنيث اهـ كرخي.\rقوله: (بالقتل والأسر الخ) عبارة الخطيب: من العذاب الأدنى أي عذاب الدنيا: قال الحسن:\rهو مصائب الدنيا وأسقامها، وقال عكرمة: هو الجوع بمكة سبع سنين حتى أكلوا فيها الجيف والعظام والكلاب، وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر اهـ.\rقوله: (أي من بقي منهم) أي: بعد القحط وبعد يوم بدر اهـ خازن.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (إلى الإيمان) أي: فلا يقعوا في الأكبر، فإن قيل: ما الحكمة في هذا الترجي وهو على اللّه تعالى محال؟ فالجواب فيه وجهان، أحدهما: معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين، كقوله: إِنَّا نَسِيناكُمْ [السجدة: 14] يعني تركناكم كما يترك الناس حيث لا يلتفت إليه أصلا فكذلك","part":6,"page":143},{"id":2101,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 144\rذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ القرآن ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي لا أحد أظلم منه إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي المشركين مُنْتَقِمُونَ (22)\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْ لِقائِهِ وقد التقيا ههنا. والثاني: نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل: إذا رآهم لعلهم يرجعون بسببه اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ الخ بيان إجمالي لحال من قابل آيات اللّه تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح، وكلمة ثم لاستبعاد الإعراض عنها عقلا مع غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لا أحد أظلم منه) أي: فالاستفهام إنكاري. قوله: (أي المشركين) أي: كل من اتفق منه إجرام وإن هانت جريمته، فكيف بمن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرما من كل مجرم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ إنما ذكر موسى لقربه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ووجود من كان على دينه إلزاما لهم، وإنما لم يختر عيسى عليه السّلام للذكر والاستدلال، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السّلام فتمسك بالمجمع عليه اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ لِقائِهِ في الهاء أقوال، أحدها: أنها عائدة على موسى، والمصدر مضاف لمفعوله أي: من لقائك موسى ليلة الإسراء. الثاني: أن الضمير يعود على الكتاب، وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي: من لقاء الكتاب لموسى، أو المفعول أي: من لقاء موسى الكتاب، لأن اللقاء يصح نسبته إلى كل منهما. الثالث: أنه يعود على الكتاب على حذف مضاف أي: من لقاء مثل كتاب موسى. الرابع: أنه عائد على ملك الموت عليه السّلام لتقدم ذكره. الخامس: أنه عائد على الرجوع المفهوم من قوله: ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة: 11] أي: لا تكن في مرية وشك من لقاء الرجوع. السادس: أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من البلاء والامتحان قاله الحسن، أي: لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه، وهذه أقوال بعيدة ذكرتها للتنبيه على ضعفها وأظهرها أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب أي: لا ترتب في أن موسى لقي الكتاب وأنزل عليه اهـ سمين.\rوفي القرطبي: أي: فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى قاله ابن عباس، ولقد لقيه ليلة الإسراء. وقال قتادة: المعنى فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها، وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول قاله مجاهد والزجاج. وعن الحسن أنه قال في معناه: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فأوذي وكذب، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك مثل ما لقيه من التكذيب والأذى، فالهاء عائدة على محذوف، والمعنى من لقاء مثل ما لاقى. قال النحاس: وهذا قول غريب إلا أنه من رواية عمرو بن عبد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [السجدة: 11] فجاء معترضا بين: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [البقرة: 87] وبين وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ [الإسراء: 2] اهـ.\rقوله: (و قد التقيا ليلة الإسراء) أشار به إلى أن المصدر مضاف لمفعوله أي: من لقائك موسى","part":6,"page":144},{"id":2102,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 145\rليلة الإسراء وَجَعَلْناهُ أي موسى أو الكتاب هُدىً هاديا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (23)\rوَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين، وإبدال الثانية ياء، قادة يَهْدُونَ الناس بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم وَكانُوا بِآياتِنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يُوقِنُونَ (24) وفي قراءة بكسر اللام وتخفيف الميم\rإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) من أمر الدين\rأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ أي يتبين لكفار مكة إهلاكنا أي: التقيا في الأرض عند الكثيب الأحمر وفي السماء السادسة. روى البخاري عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتيت على موسى ليلة المعراج على الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره» فإن قلت: قد صح في حديث المعراج أنه رآه في السماء السادسة، فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ قلت: يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعوده إلى السماء، ثم صعد إلى السماء السادسة فوجده هناك قد سبقه لما يريده اللّه وهو على كل شيء قدير اهـ خازن.\rقوله: أَئِمَّةً وهم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل، وقيل: هم أتباع الأنبياء اهـ خازن.\rقوله: (و إبدال الثانية ياء) هذا الوجه جائز عربية لا قراءة، ففي كلام الشارح الناس وفي شرح العقائد أصله أأممة لأنها جمع إمام، ولكن لما اجتمع المثلان وهما الميمان أدغمت الأولى في الثانية ونقلت حركتها على الهمز، فصار أئمة بهمزتين فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين اهـ.\rوقوله: (قادة) جمع قائد مثل سيد وسادة اهـ.\rقوله: بِأَمْرِنا أي: بأمرنا إياهم بذلك أو بتوفيقنا لهم اهـ أبو السعود.\rقوله: لَمَّا صَبَرُوا بفتح اللام وتشديد الميم في قراءة الجمهور على أن لما هنا هي التي فيها معنى الجزاء، وهي ظرف بمعنى حين أي: جعلناهم أئمة حين صبروا نحو: أحسنت إليك لما جئتني، والضمير للأئمة، وجوابها محذوف دل عليه: وجعلنا منهم أو هو نفسه هو الجواب، والتقدير: ولما صبروا جعلنا منهم أئمة، وفي قراءة لحمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم على جعل اللام جارة تعليلية، وما مصدرية، والجار متعلق بالجعل أي: جعلناهم كذلك لصبرهم وإيقانهم اهـ كرخي بزيادة.\rقوله: وَكانُوا معطوف على صبروا وقوله: بِآياتِنا أي: التي في تضاعيف الكتاب لإمعانهم النظر فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ أي: بين الأنبياء وأممهم، وقيل: بين المؤمنين والمشركين اهـ شيخنا.\rقوله: (من أمر الدين) بيان لما.\rقوله: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الهمز للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: أغفلوا ولم يتبين لهم، والفاعل مأخوذ من قوله: أَهْلَكْنا، والمفعول مأخوذ من كم فقوله: (إهلاكنا) إشارة للفاعل، وقوله: (كثيرا) إشارة لكم التي هي المفعول ومن في قوله: مِنَ الْقُرُونِ بيانية لكم ومن قبلهم حال من القرون اهـ شيخنا.","part":6,"page":145},{"id":2103,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 146\rكثيرا مِنَ الْقُرُونِ الأمم بكفرهم يَمْشُونَ حال من ضمير لهم فِي مَسْكَنِهِمْ في أسفارهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرتنا أَفَلا يَسْمَعُونَ (26) سماع تدبر واتعاظ\rأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ اليابسة التي لا نبات فيها فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم\rوَيَقُولُونَ للمؤمنين مَتى هذَا الْفَتْحُ بيننا وبينكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (28)\rقُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ بإنزال العذاب قوله: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ جملة مستأنفة بيان لوجه هدايتهم، أو حال من ضمير لهم، أو من القرون اهـ شهاب.\rوعبارة أبي السعود: يَمْشُونَ أي: يمرون في أسفارهم إلى التجارة على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم، وقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي: فيما ذكر من كثرة إهلاكنا الأمم الخالية اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي: التي جرز نباتها أي: قطع وأزيل بالمرة، وقيل: هو اسم موضع باليمن اهـ شيخنا.\rوفي المختار: أرض جرز وجرز كعسر وعسر لا نبات بها وجرز وجرز كنهر ونهر كله بمعنى اهـ.\rوفي المصباح: الجرزة القبضة من القت ونحوه أو الحزمة والجمع جرز مثل غرفة وغرف، وأرض جرز بضمتين قد انقطع الماء عنها فهي يابسة لا نبات فيها اهـ.\rقوله: تَأْكُلُ مِنْهُ أي: من ذلك الزرع أنعامهم كالتبن والقصل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها وأنفسهم كالحبوب التي يعتادها الإنسان والثمار اهـ أبو السعود.\rوقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على النبات، ولأن أكلها منه مقدم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرج سنبله، وجعلت الفاصلة يبصرون لأن الزرع مرئي وفيما قبله يسمعون لأن ما قبله مسموع، أو ترقيا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ودفع العذر اهـ شهاب.\rقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ الخ كان المسلمون يقولون: إن اللّه سيفتح لنا على المشركين ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إذا سمعوه يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء: مَتى هذَا الْفَتْحُ أي: النصر والفصل بالحكم اهـ أبو السعود.\rوعبارة زاده: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ. الفتح إما القضاء والفصل بالحكومة بين المحق والمبطل، وإما نصر المؤمنين وإظهارهم على الكفار، لأن المؤمنين كانوا يقولون: يبعث اللّه الخلائق أجمعين ويحكم بين المطيع والعاصي فيثيب المطيع ويعاقب العاصي، فيقولون: متى هذا الفتح والحكم. وكذا كان المؤمنون يقولون: إن اللّه ينصرنا عليكم اهـ.\rقوله: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ المراد به يوم القيامة الذي هو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم والعدول عن تطبيق الجواب على ظاهر سؤالهم للتنبيه على أنه ليس مما ينبغي أن يسأل عنه لكونه أمرا","part":6,"page":146},{"id":2104,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 147\rبهم لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) يمهلون لتوبة أو معذرة\rفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ أنزل العذاب بهم إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، وهذا قبل الأمر بقتالهم.\rبينا، وإنما المحتاج إلى البيان عدم نفع إيمانهم في ذلك اليوم، كأنه قيل: لا تستعجلوا فكأني بكم قد آمنتم فلم ينفعكم واستنظرتم فلم تنتظروا اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: ومناسبة الجواب لسؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم، فإنهم لما أرادوا الاستعجال تكذيبا واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال اهـ.\rقوله: لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ إن عم غير المستهزئين فهو تعميم بعد تخصيص، وإن خص بهم فهو إظهار في مقام الإضمار تسجيلا عليهم بالكفر وبيانا، لعلة عدم النفع وعدم إمهالهم اهـ شهاب.\rوعبارة زاده: قوله: لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ هذا ظاهر على تقدير أن يراد بيوم الفتح يوم القيامة، لأن الإيمان المقبول هو الذي يكون في دار الدنيا ولا يقبل بعد خروجهم منها ولا هم ينظرون أي: يمهلون بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا، ومن حمل يوم الفتح على يوم بدر أو يوم فتح مكة قال: معناه لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ إذا جاءهم العذاب وقتلوا، لأن إيمانهم حال القتل إيمان اضطرار، وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: يمهلون بتأخير العذاب عنهم، ولما فتحت مكة هربت قوم من بني كنانة فلحقهم خالد بن الوليد فأظهروا الإسلام فلم يقبله منهم خالد وقتلهم، فلذلك قوله تعالى: لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ اهـ.\rقوله: (أو معذرة) أي: اعتذار. قوله: (و هذا) أي قوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ قبل الأمر الخ أي:\rفهو منسوخ بآية السيف اهـ شيخنا.","part":6,"page":147},{"id":2105,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 148\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأحزاب مدنية وهي ثلاث وسبعون آية\rيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ دم على تقواه وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فما يخالف شريعتك إِنَّ اللَّهَ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (مدينة) أي: في قول جميعهم نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وطعنهم في مناكحته وغيرها، وهي ثلاث وسبعون آية. وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة، وكانت فيها آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم. ذكره أبو بكر بن الأنباري، عن أبي بن كعب، وهذا يحمله أهل العلم على أن اللّه تعالى رفع أي: نسخ من سورة الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا مما هي عليه الآن، وأن آية الرجم نسخ لفظها وبقي حكمها.\rوأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض اهـ قرطبي.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُ لم يقل في ندائه يا محمد كما قال في نداء غيره يا موسى يا عيسى يا داود بل عدل إلى يا أيها النبي إجلالا له وتعظيما، كما قال: يا أيها الرسول، وإن عدل عن وصفه إلى اسمه في الإخبار عنه في قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: 29] وقوله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران: 144] ليعلم الناس أنه رسول اللّه ليلقبوه بذلك ويدعوه به اهـ كرخي.\rقوله: (دم على تقواه) أي: فالمراد بالتقوى المأمور بها الثبات عليها والازدياد منها، فإن لها بابا واسعا وعرضا عريضا لا ينال مداه اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: (دم على تقواه) جواب عما يقال: ما الفائدة في الأمر لمن هو مشتغل بشيء بالاشتغال بذلك الشيء فإنه لا يقال للجالس مثلا اجلس، وفيه إشارة إلى ما روي أن أهل مكة طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، ويزوجه شيبة بن ربيعة ابنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع فنزلت اهـ.\rوفي الخازن: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد اللّه بن أبي رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن","part":6,"page":148},{"id":2106,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 149\rكانَ عَلِيماً بما يكون قبل كونه حَكِيماً (1) فيما يخلقه\rوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وفي قراءة بالفوقانية\rوَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في أمرك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) حافظا لك، وأمته تبع له في ذلك كله\rما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ردا على من قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي بهمزة وياء وبلا ياء تُظْهِرُونَ بلا ألف قبل الهاء وبها، والتاء الثانية في أبيرق فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة وقل إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر: يا رسول اللّه ائذن لنا في قتلهم، فقال: «إني أعطيتهم الأمان»، فقال عمر: اخرجوا في لعنة اللّه وغضبه، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عمر أن يخرجهم من المدينة، فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ اهـ.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً هذه الجملة تعليل للأمر والنهي مؤكدة لمضمون وجوب الامتثال اهـ أبو السعود: والواو ضمير الكفرة والمنافقين على قراءة التحتية أي: أن اللّه خبير بمكائدهم فيدفعها عنك اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و في قراءة) أي سبعية.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا باللّه في موضع رفع لأنه فاعل كفى، ووكيلا نصب على البيان أو الحال اهـ كرخي.\rقوله: (تبع له في ذلك) أي: ما ذكر من قوله: اتَّقِ اللَّهَ إلى هنا اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ قَلْبَيْنِ من زائدة في المفعول وقوله: فِي جَوْفِهِ أي: لأنه معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني ومنبع القوى بأسرها فيمتنع تعدده لأنه يؤدي إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلا لكل القوى وغير أصل لها اهـ كرخي.\rقوله: (ردا على من قال من الكفار الخ) تعليل لمحذوف أي: نزل ردا على من قال من الكفار الخ. فنزلت في أبي معمر جميل بن معمر الفهري كان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا من أجل أن له قلبين وكان هو يقول: لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم اللّه المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى برجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا. فقال: ما بال إحدى نعليك في يديك والأخرى في رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده اهـ خازن.\rقوله: تُظْهِرُونَ بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء والهاء دون ألف، والأصل تتظهرون بتاءين فسكنت التاء الثانية وقلبت ظاء وأدغمت في الظاء، فهذه قراءة واحدة، وقوله: (و بها) أي: بالألف بعد الظاء إما مع فتح التاء وفتح الهاء وتشديد الظاء مضارع تظاهر، والأصل تتظاهرون بتاءين فسكنت التاء الثانية وقلبت ظاء وأدغمت في الظاء، وإما فتح التاء والهاء مع تخفيف الظاء والأصل أيضا بتاءين","part":6,"page":149},{"id":2107,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 150\rالأصل مدغمة في الظاء مِنْهُنَ بقول الواحد مثلا لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي أُمَّهاتِكُمْ أي كالأمهات في تحريمها بذلك، لعد ذلك في الجاهلية طلاقا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذكر في سورة المجادلة وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ جمع دعيّ وهو من يدعى لغير أبيه ابنا له أَبْناءَكُمْ حذفت إحداهما، وأما بضم التاء وكسر الهاء مع تخفيف الظاء مضارع ظاهر، فالحاصل أن فيها أربع قراءات واحدة بلا ألف وثلاثة مع الألف كما يؤخذ من السمين ومتن الشاطبية، وفي الماضي ثلاث لغات تظهر كتكلم وتظاهر كتقاتل وظاهر كقاتل. وهذا القراءات الأربعة واردة في الموضعين بقدر سمع، إلا واحدة من هذه الأربع وهي فتح التاء والهاء مع تخفيف الظاء وعدم تأتيها هناك لعدم اجتماع تاءين، لأن المضارع هناك مبدوء بالياء، وقوله: (و التاء الثانية) أي على قراءتين من الأربع وهما تشديد الظاء بدون ألف ومع الألف، والقراءتان الباقيتان ليس فيهما تاء ثانية حتى تدغم في الظاء تأمل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وأخذ هذه الأفعال من لفظ الظهر كأخذ لبى من التلبية، وإنما عدى بمن لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل متباعدين من نسائهم بسبب الظاهر كما تقدم في تعدية الإيلاء بمن في البقرة اهـ.\rقوله: (مثلا) متعلق بما بعده أي: أو يقول صيغة أخرى، كأنت عليّ كأختي أو كبنتي أو غير ذلك، وضابطه أن يشبه زوجته بأنثى محرم له اهـ.\rقوله: أُمَّهاتِكُمْ مفعول ثان لجعل. قوله: (بشرطه) وهو العود كما ذكر في سورة المجادلة بقوله: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة: 3] أي: فيه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها زمن يمكنه أن يفارقها فيه ولا يفارقها، لأن مقصود المظاهر وصف المرأة بالتحريم وإمساكها بخالفه اهـ كرخي.\rقوله: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ أجمع أهل التفسير على أن هذا القول أنزل في زيد بن حارثة. روى الأئمة عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه، وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشام بستة خيل من تهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة، ثم جاء عنده أبوه وعمه في فدائه فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء» فاختار الرق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على حريته وقومه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك: «يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه» وكان يطوف على خلق قريش يشهدهم على ذلك فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا اهـ قرطبي.\rقوله: (جمع دعي) بمعنى مدعو فعيل بمعنى مفعول وأصله دعيو فأدغم ولكن جمعه على أدعياء غير مقيس لأن أفعلاء إنما يكون جمعا لفعيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تقي وأتقياء وغني وأغنياء، وهذا وإن كان فعيلا معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول، فكان القياس جمعه على فعلى كقتيل وقتلى وجريح وجرحى، ونظير هذا في الشذوذ قولهم: أسير وأسارى والقياس أسرى، وقد سمع في الأصل اهـ سمين.","part":6,"page":150},{"id":2108,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 151\rحقيقة ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي اليهود والمنافقين قالوا لما تزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: تزوج محمد امرأة ابنه، فأكذبهم اللّه تعالى في ذلك وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ في ذلك وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) سبيل الحق لكن\rادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ أعدل عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ بنو عمكم قوله: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ مبتدأ وخبر، وقوله: بِأَفْواهِكُمْ أي: فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الخارج اهـ أبو السعود.\rوالإشارة إلى ما ذكر من الأمور الثلاثة أو إلى الأخير منها فقط وهو المتبادر من صنيع الشارح ومن السياق لقوله فيما يأتي: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: ذلكم إشارة إلى ما يفهم مما ذكر من الظهار والدعاء أو إلى الأخير الذي هو المقصود من مساق الكلام أي: دعاؤكم بقولكم: هذا ابني قولكم الخ اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 151\r\rفي أبي السعود: ذلكم إشارة إلى ما يفهم مما ذكر من الظهار والدعاء أو إلى الأخير الذي هو المقصود من مساق الكلام أي: دعاؤكم بقولكم: هذا ابني قولكم الخ اهـ.\rقوله: (أي اليهود) تفسير للكاف في أفواهكم اهـ.\rقوله: (قالوا لما تزوج الخ) أعيد تأكيدا فهم مما قبله اهـ.\rقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الخ نزلت في زيد بن حارثة على ما تقدم بيانه، وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد دليل على أن التبني كان معمولا في الجاهلية والإسلام يتوارث به ويتناصر، إلى أن نسخ اللّه بقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أعدل، فرفع اللّه حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه وأرشد بقوله: أَقْسَطُ إلى الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا.\rوقال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني وهو من نسخ السنّة بالقرآن، فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف قيل يا أخي يعني في الدين، قال اللّه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] فلو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة لقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وكذلك لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه ليس عليك بأس قاله قتادة بخلاف الحال في زيد بن حارثة، فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله متعمدا عصى لقوله، وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أي: فعليكم الجناح، ولذلك قال بعده:\rوَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي: غفورا للعمد رحيما برفع إثم الخطأ اهـ قرطبي.\rقوله: هُوَ أي: دعاؤهم لآبائهم، فالضمير لمصدر ادعوهم كما في قوله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: 8] وأقسط: أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقا من القسط بمعنى العدل أي: الدعاء لآبائهم بالغ في العدل والصدق في حكم اللّه تعالى وقضائه اهـ أبو السعود.\rقوله: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ أي: حتى تنسبوهم لهم، وقوله: فَإِخْوانُكُمْ أي: فهم إخوانكم في الدين أي: فادعوهم بمادة الأخوة كأن تقول له يا أخي، وقوله: (بنو عمكم) تفسير للموالي، فإن الموالي يطلق على معان من جملتها ابن العم أي: فإذا لم تعرفوا أبا شخص تنسبونه إليه","part":6,"page":151},{"id":2109,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 152\rوَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ في ذلك وَلكِنْ في ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ فيه وهو بعد النهي وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما كان من قولكم قبل النهي رَحِيماً (5) بكم في ذلك\rالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ في حرمة نكاحهن عليهم وَأُولُوا الْأَرْحامِ ذو والقرابات بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في الإرث فِي كِتابِ اللَّهِ وأردتم خطابه فقولوا له يا ابن عمي اهـ شيخنا.\rقوله: (في ذلك) أي في دعائهم لغير آبائهم حقيقة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ يجوز في ما وجهان، أحدهما: أنها مجرورة المحل عطفا على ما قبلها المجرور بفي والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدت. والثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتداء والخبر محذوف تقديره تؤاخذون به، أو عليكم فيه الجناح ونحوه اهـ سمين.\rقوله: أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ أي: أرأف وأشفق فيما دعاهم إليه من أمر الدين والدنيا، فإن نفوسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، وهو يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، والمعنى: أن طاعتهم للنبي أولى من طاعتهم لأنفسهم اهـ شيخنا.\rوقوله: (فيما دعاهم إليه) متعلق بأولى. قوله: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي: سواء دخل بهن أو لا، وسواء مات عنهن أو طلقهن اهـ شيخنا.\rقوله: (في حرمة نكاحهن عليهم) أي: تحريما مؤبدا أي: لا في غير ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن فإنه حرام كما في حق سائر الأجنبيات، ولا يقال لبناتهن أخوات للمؤمنين، ولا لأخواتهن وأخواتهن أخوال وخالات للمؤمنين اهـ خازن.\rقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ جمع رحم وهو القرابة، وقوله: أَوْلى بِبَعْضٍ على حذف مضاف أي: بإرث بعض، كما أشار بقوله (في الأرث). وقوله: (في كتاب اللّه) متعلق بأولي أي: هذه الأولوية وهذا الاستحقاق كائن وثابت في كتاب اللّه تعالى، وقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق بأولى أيضا أي:\rالأقارب بعضهم أولى بإرث بعضهم من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون الأجانب، وقوله: (أي: من الإرث) أشار به إلى أن المؤمنين متعلق بأولى، وقوله: (فنسخ) يحتمل أن يكون النسخ بهذه الآية كما يشير له قوله: كانَ ذلِكَ على صنيع الشارح حيث فسر اسم الإشارة بالنسخ المذكور، ويحتمل أن يكون بآية الأنفال وهو قوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: 75] قال الشهاب: وهذا الاحتمال أولى، لأن سورة الأنفال متقدمة نزولا على هذه السورة، فنسبة النسخ إليها أولى، وتكون هذه الآية مؤكدة لتلك اهـ شيخنا.\rقوله: بَعْضُهُمْ يجوز فيه وجهان، أن يكون بدلا من أولوا. والثاني: أنه مبتدأ وما بعده خبر والجملة خبر الأول اهـ سمين.\rقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ يجوز أن يتعلق بأولى، لأن أفعل التفضيل يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في أولي، والعامل فيها أولى لأنها شبيهة بالظرف، ولا جائز","part":6,"page":152},{"id":2110,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 153\rمِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أي من الإرث بالإيمان والهجرة الذي كان أول الإسلام فنسخ إِلَّا لكن أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً بوصية فجائز كانَ ذلِكَ أي نسخ الإرث بالإيمان والهجرة، بإرث ذوي الأرحام فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6) وأريد بالكتاب في الموضعين اللوح المحفوظ\rوَاذكر إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ حين أخرجوا من صلب آدم كالذر جمع ذرة وهي أصغر النمل وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بأن يعبدوا اللّه ويدعوا إلى عبادته، أن يكون حالا من أولو للفصل بالخبر، ولأنه لا عامل فيها اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: من التوارث بوصف الإيمان الذي كان في صدر الإسلام أي:\rبالإيمان مع ضميمة المؤاخاة. وفي الخازن: قيل: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وقيل: آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين الناس، فكان يؤاخي بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ اهـ.\rقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ يجوز في من وجهان، أحدهما: أنها من الجارة للمفضل عليه كهي في زيد أفضل من عمرو، والمعنى وأولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين الأجانب. والثاني: أنها للبيان جيء بها بيانا لأولي الأرحام فتتعلق به، والمعنى: وأولو الأرحام من المؤمنين أولى بالإرث من الأجانب اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا الاستثناء منقطع كما أشار له الشارح بتفسير إلا بلكن على عادته، وأن تفعلوا في تأويل مصدر مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله (فجائز) اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا هذا استثناء من غير الجنس وهو مستثنى من معنى الكلام وفحواه. إذ التقدير: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في الإرث وغيره، لكن إذا فعلتم مع غيرهم من أوليائكم خيرا كان لكم ذلك اهـ.\rقوله: إِلى أَوْلِيائِكُمْ أي: من توالونهم وتوادونهم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب وضمن تفعلوا معنى توصلوا أو تسدوا فعدى بإلى اهـ شيخنا.\rقوله: (بوصية) وذلك أن اللّه تعالى نسخ التوارث بالحلف والإخاء والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن تولاه بما أحب من ثلث ماله اهـ خازن.\rقوله: (بإرث ذوي الأرحام) متعلق بنسخ اهـ.\rقوله: مَسْطُوراً أي: مكتوبا.\rقوله: وَإِذْ أَخَذْنا يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يكون منصوبا باذكر أي: واذكر إذ أخذنا.\rوالثاني: أن يكون معطوفا على محل في الكتاب فيعمل فيه مسطورا أي: كان هذا الحكم مسطورا في الكتاب ووقت أخذنا اهـ سمين.\rقوله: (و هي أصغر النمل) وهي صغيرة جدا بحيث إن نحو الأربعين منها أصغر من جناح بعوضة اهـ شيخنا.","part":6,"page":153},{"id":2111,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 154\rوذكر الخمسة من عطف الخاص على العام وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7) شديدا بالوفاء بما حملوه وهو اليمين باللّه تعالى، ثم أخذ الميثاق\rلِيَسْئَلَ اللّه الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تبليغ الرسالة تبكيتا للكافرين بهم وَأَعَدَّ تعالى لِلْكافِرِينَ بهم عَذاباً أَلِيماً (8) مؤلما هو عطف قوله: (بأن يعبدوا اللّه الخ) تفسير للميثاق، والمراد بالميثاق هنا الوصية والأمر اهـ.\rقوله: (من عطف الخاص على العام) أي: لأنهم أصحاب الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل وأئمة الأنام فذكرهم لمزيد شرفهم، وقدم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم مع أنه مؤخر بعثا تعظيما له، وإنما قدم نوح عليه في آية شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: 13] لأنها سيقت لوصف ما بعث به نوح من العهد القديم، وما بعث نبينا من العهد الحديث، وما بعث به من توسطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح فيها أشد مناسبة للمقصود من بيان أصالة الدين وقدمه اهـ كرخي.\rقوله: (بالوفاء بما حملوه) أي: من عبادة اللّه والدعاء إليها، وقوله: (و هو اليمين) أي: وهو أي الميثاق الغليظ اليمين. أي: الحلف باللّه على أن يعبدوا اللّه ويدعوا إلى عبادته، فالميثاق الثاني غير الأول لما عرفت أن الميثاق الأول هو الوصية والأمر هذا ما جرى عليه الشارح اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (و هو اليمين باللّه تعالى) كما جزم به الواحدي، وهذا جواب ما فائدة إعادة الميثاق بقوله: وَأَخَذْنا الخ. وإيضاحه أن المراد بالميثاق الغليظ اليمين باللّه تعالى على الوفاء بما حملوا، وعليه فلا إعادة لاختلاف الميثاقين أو هو الأول، وإنما كرر لزيادة صفته وإيذانا بتوكيده. قال الزمخشري: فإن قلت: فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟ قلت: أراد به ذلك الميثاق بعينه ومعناه، وأخذنا منهم الميثاق غليظا وجزم به البغوي اهـ.\rوفي القرطبي: والميثاق هو اليمين باللّه، فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين، وقيل:\rالأول هو الإقرار باللّه، والثاني في أمر النبوة، ونظير هذا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: 81] الآية أي: أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول اللّه وأن يعلن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأن لا نبي بعده. قوله: (ثم أخذ الميثاق الخ) أشار بهذا إلى أن قوله لِيَسْئَلَ متعلق بأخذنا، ويكون في الكلام التفات عن التكلم إلى الغيبة وكذا يقال في قوله: وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ الخ اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (ثم أخذ الميثاق الخ) أشار به إلى أن اللام في ليسأل لام كي، وأن أخذ الميثاق ليسأل المؤمنين عن صدقهم والكافرين عن كذبهم، فاستغنى عن الثاني بذكر مسببه وهو قوله:\rوَأَعَدَّ ومفعول صدقهم محذوف كما قدره الشارح، ويجوز أن يكون صدقهم في معنى تصديقهم ومفعوله محذوف أيضا، أي: عن تصديقهم الأنبياء، وقيل: اللام للصيرورة أي: وأخذ الميثاق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا اهـ.\rقوله: الصَّادِقِينَ أي: الرسل. قوله: (تبكيتا للكافرين بهم) أي: أن الحكمة في سؤالهم مع علمه تعالى أنهم صادقون تبكيت من أرسلوا إليهم اهـ كرخي.\rقوله: وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معطوفا على ما دل عليه ليسأل","part":6,"page":154},{"id":2112,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 155\rعلى أخذنا\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ من الكفار متحزبون أيام حفر الصادقين إذ التقدير فأثاب الصادقين وأعد للكافرين. والثاني: أنه معطوف على أخذنا لأن المعنى أن اللّه أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني، والتقدير: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فأثابهم، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم وأعد لهم عذابا أليما اهـ سمين.\rقوله: لِلْكافِرِينَ (بهم) أي: بالصادقين وهم الرسل.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هذا إشارة إلى غزوة الأحزاب، وكانت في شوال سنة أربع، وقيل: سنة خمس. وسببها: أنه لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من أكابرهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب إلى أن قدموا مكة على قريش، فحرضوهم على حرب رسول اللّه وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، ثم قالت قريش لأولئك اليهود: يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فأخبرونا أنحن على الحق أم محمد؟ فقالوا: بل أنتم على الحق، فأنزل اللّه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: 51] الآيات. فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لحرب محمد، ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤوا غطفان وقيس وغيلان فطلبوهم لحرب محمد فأجابوهم، وخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن، ولما تهيأ الكل للخروج أتى ركب من خزاعة في أربع ليال حتى أخبروا محمدا بما اجتمعوا عليه، فشرع في حفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي فقال له: يا رسول اللّه إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه النبي والمسلمون حتى أحكموه، وكان النبي يقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ومكثوا في حفره ستة أيام، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربع وعشرين، وقيل: شهرا. فلما فرغوا من حفره أقبلت قريش والقبائل وجملتهم اثنا عشر ألفا، فنزلوا حول المدينة والخندق بينهم وبين المسلمين، فلما رأته قريش قالوا:\rهذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها، فشرعوا يتراموا مع المسلمين بالنبل ومكثوا في ذلك الحصار خمسة عشر يوما، وقيل: أربعة وعشرين يوما، فاشتد على المسلمين الخوف. ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي من غطفان جاء ليلا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: إني أسلمت وأن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «خذل عنا إن استطعت»، فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم فألقى فتنة بين العدو بعضهم مع بعض حتى نفر قلوب بعضهم من بعض، وقصته مشهورة في كتب السير، وبعث اللّه عليهم ريحا عاصفا وهي ريح الصبا في ليلة شديدة البرد والظلمة، فقلعت بيوتهم وقطعت أطنابهم وكفأت قدورهم، وصارت تلقي الرجل على الأرض، وأرسل اللّه الملائكة فزلزلتهم ولم تقاتل، بل نفثت في قلوبهم الرعب، ثم إن رسول اللّه دعا حذيفة بن اليمان فقال له: «اذهب فأتني بخبر القوم» قال حذيفة: فأخذت سهمي ثم انطلقت أمشي فدخلت في القوم وقد أرسل اللّه عليهم ريحا وجنودا. فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح بهم قام فقال: يا معشر قريش ليستعرف كل منكم جليسه وأحذروا الجواسيس، فبادرت أنا فأخذت بيد عن يميني وقلت له: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان وقبضت بيد من على يساري وقلت له: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشية أن","part":6,"page":155},{"id":2113,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 156\rالخندق فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها من الملائكة وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالتاء من حفر الخندق، وبالياء من تخريب المشركين بَصِيراً (9)\rإِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرب وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن كل شيء إلى عدوها من كل جانب وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم من شدة يظنوا بي، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش واللّه إنكم لستم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله وشرع القوم يقولون: الرحيل الرحيل والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم وتضربهم بالحجارة ولم تجاوز عسكرهم، ورحلوا وتركوا ما استثقلوا من متاعهم، وحين انجلى الأحزاب قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» اهـ ملخصا من الخازن وسيرة الحلبي.\rقوله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وهي نصره لكم المذكور في قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً الخ، وقوله: إِذْ جاءَتْكُمْ يجوز أن يكون منصوبا بنعمة أي: النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوبا باذكروا على أن يكون بدلا من نعمة بدل اشتمال اهـ سمين.\rقوله: (متحزبون) أي: مجتمعون، وكانوا اثني عشر ألفا من قريش ومن غطفان ومن يهود قريظة والنضير اهـ شيخنا.\rوكان المسلمون في هذه الواقعة ثلاثة آلاف، وقوله: (أيام حفر الخندق) ومدة أيام حفره تقدم الخلاف في عددها. قوله: رِيحاً وهي ريح الصبا التي تهب من الشرق، وكانت باردة شديدة جدا حتى قلعت خيامهم ورمهم بالحجارة والحصى، وسفت التراب في وجوههم ومع هذا لم تتجاوزهم اهـ شيخنا.\rقوله: (من الملائكة) وكانوا ألفا ولم يقاتلوا وإنما ألقوا الرعب في قلوب الأحزاب اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتاء وبالياء) سبعيتان.\rقوله: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ بدل من إذ جاءتكم اهـ أبو السعود.\rقوله: (من أعلى الوادي) وهم أسد وغطفان، وقوله: (و أسفله) وهم قريش وكنانة اهـ خازن.\rوقوله: (من المشرق والمغرب) بدل مما قبله على اللف والنشر المرتب. قوله: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ معطوف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير اهـ أبو السعود.\rوقوله: الْأَبْصارُ أي: أبصاركم اهـ.\rقوله: (إلى عدوها) أي: حال كونها ناظرة وشاخصة إلى عدوها، وقوله: (من كل جانب) أي:\rالمحيط من كل جانب اهـ شيخنا.\rقوله: وَبَلَغَتِ أي: وصلت القلوب الحناجر جمع حنجرة، وهي رأس الغلصمة، والغلصمة:\rرأس الحلقوم، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم. وقال الراغب: رأس الغلصمة من خارج اهـ سمين.","part":6,"page":156},{"id":2114,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 157\rالخوف وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) المختلفة بالنصر واليأس\rهُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ اختبروا ليتبين المخلص من غيره وَزُلْزِلُوا حركوا زِلْزالًا شَدِيداً (11) من شدة الفزع\rوَاذكر إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بالنصر إِلَّا غُرُوراً (12) باطلا\rوَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ هي أرض المدينة ولم تصرف للعلمية ووزن وقوله: (و هي منتهى الحلقوم) أي: من أسفله، وقوله: (من شدة الخوف) متعلق ببلغت. قوله:\rالظُّنُونَا قرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون الظنون وبعد لام الرسول في قوله:\rوَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: 67] وصلا ووقفا للرسم، لأن هذه الثلاثة رسمت في المصحف كذلك، وأيضا فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت ثبتت وقفا للحاجة إليها وقد ثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام، فكذلك هذه الألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة بحذفها في الحالين لأنها لا أصل لها، وقولهم: أجريت الفواصل مجرى القوافي غير معتد به لأن القوافي يلزم الوقف عليها غالبا والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تشبه بها، والباقون بإثباتها وقفا وحذفها وصلا إجراء للفواصل مجرى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق، ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفا وتحذف وصلا اهـ سمين.\rقوله: (بالنصر واليأس) أي: بعضهم ظن النصر، وبعضهم ظن اليأس اهـ شيخنا.\rقوله: هُنالِكَ منصوب بابتلى، وقيل: بتظنون، واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان، أظهرهما: أنه ظرف مكان بعيد أي: في ذلك المكان الدحض وهو الخندق. والثاني: أنه ظرف زمان اهـ سمين.\rقوله: زِلْزالًا مصدر مبين للنوع بالوصف، والعامة على كسر الزاي، وعيسى والجحدري فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على فعلال نحو: زلزال وقلقال وصلصال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو صلصال بمعنى مصلصل، وزلزال بمعنى مزلزل اهـ سمين.\rقوله: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ الخ قائله معتب بن بشير قال: يعدنا محمد بفتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا وخوفا ما هذا إلا وعد غرور اهـ بيضاوي.\rقوله: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ القائل هو أوس بن قيظي بكسر الظاء المعجمة من رؤساء المنافقين اهـ بيضاوي وشهاب.\rقوله: (هي أرض المدينة) أي: هي اسم للأرض التي المدينة في ناحية منها سميت باسم رجل من العمالقة كان نزلها في قديم الزمان، وقيل: يثرب اسم لنفس المدينة، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن تسمى بهذا الاسم لما فيه من التثريب وهو التقريع والتوبيخ، فذكروها بهذا الاسم مخالفة للنبي اهـ شيخنا.\rوفي المختار: التثريب التعيير والاستقصاء في اللوم، وثرب عليه تثريبا قبح عليه فعله اهـ.\rوفي الخطيب: وفي بعض الأخبار أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى أن تسمى المدينة يثرب وقال: هي طابة كأنه","part":6,"page":157},{"id":2115,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 158\rالفعل لا مُقامَ لَكُمْ بضم الميم وفتحها، أي لا إقامة ولا مكانة فَارْجِعُوا إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سلع، جبل خارج المدينة للقتال وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَ في الرجوع يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ غير حصينة يخشى عليها، قال تعالى وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ ما يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (13) من القتال\rوَلَوْ دُخِلَتْ أي المدينة عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها نواحيها ثُمَّ سُئِلُوا أي سألهم الداخلون الْفِتْنَةَ الشرك لَآتَوْها بالمد والقصر، أي أعطوها وفعلوها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً (14)\rوَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (15) كره تلك اللفظة، فعدلوا عن هذا الاسم الذي وسمها به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديما مع نهيه عنه، واحتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف اهـ.\rقوله: (و وزن الفعل) أي: فإنها على وزن يضرب. قوله: (بضم الميم وفتحها) سبعيتان. قوله:\r(و لا مكانة) أي: تمكنا. وعلى هذه النسخة هو بمعنى الإقامة فيكونان راجعين لقراءة الضم، وفي نسخة ولإمكانها، وعليها فالأول راجع للضم والثاني للفتح اهـ شيخنا.\rقوله: (جبل خارج المدينة) أي: قريب منها بينها وبين الخندق، فجعل المسلمون ظهورهم إليه ووجوههم إلى العدو اهـ شيخنا.\rقوله: ولا يَسْتَأْذِنُ معطوف علي مرّ وصيغة المضارع لاستحضار الصورة اهـ أبو السعود.\rقوله: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أصل العورة في اللغة الخلل في البناء ونحوه بحيث يمكن دخول السارق فيها، وهي في الأصل مصدر فيوصف بها مبالغة أو بالتأويل اهـ شهاب.\rقوله: (غير حصينة) أي: لأنها قصيرة الحيطان وفي أطراف المدينة فيخشى عليها من السراق اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) أي: تكذيبا لهم.\rقوله: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ أي: دخلها الأحزاب. قوله: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ أي: الردة ومقاتلة المسلمين لآتوها: لأعطوها. وقرأ الحجازيان بالقصر بمعنى لجاؤوها وفعلوها وما تلبثوا بها بالفتنة أي: باجتنابها إلا يسيرا قدر ما يكون السؤال والجواب، وقيل: وما لبثوا بالمدينة بعد الارتداد إلا يسيرا اهـ بيضاوي.\rوعبارة الخازن: وما تلبثوا بها أي باجتنابها أي: لأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به نفوسهم، وقيل: معناه وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالمد والقصر) سبعيتان. وقوله: (أي: أعطوها الخ) لف ونشر مرتب.\rقوله: لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي: حلفوا من قبل غزوة الخندق أن لا يولوا ظهورهم فرارا من العدو، بل يثبتوا على القتال حتى يموتوا شهداء وهم قوم لم يحضروا وقعة بدر، فلما رأوا ما وعد اللّه لأهلها من الكرامة قالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن ولا نفر اهـ شيخنا.","part":6,"page":158},{"id":2116,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 159\rعن الوفاء به\rقُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً إن فررتم لا تُمَتَّعُونَ في الدنيا بعد فراركم إِلَّا قَلِيلًا (16) بقية آجالكم\rقُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ يجيركم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً هلاكا وهزيمة أَوْ يصيبكم بسوء إن أَرادَ اللّه بِكُمْ رَحْمَةً خيرا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا ينفعهم وَلا نَصِيراً (17) يدفع الضر عنهم\r* قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ المثبطين وفي الخطيب، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر، فرأوا ما أعطى اللّه تعالى أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا: لئن أشهدنا اللّه قتالا لنقاتلن فساق اللّه تعالى إليهم ذلك اهـ.\rقوله: لا يُوَلُّونَ جواب لقوله: عاهَدُوا لأنه في معنى أقسموا، وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة، ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا نولي، والمفعول الأول محذوف أي: لا يولون العدو الأدبار، وقال أبو البقاء: ويقرأ بتشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم اهـ سمين.\rقوله: (عن الوفاء به) أي: مسؤولا صاحبه هل وفى به أو لا فيسأل عن الوفاء به، وقيل: معنى كونه مسؤولا أنه مطلوب الوفاء به اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ الخ. أي: لأنه لا بد لكل إنسان من الموت، إما حتف أنفه، أو يقتل بالسيف في وقت معين سبق به القضاء وجرى به القلم اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ فَرَرْتُمْ جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك اهـ سمين.\rقوله: وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: وإن نفعكم الفرار مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعا أو إلّا زمانا قليلا اهـ بيضاوي.\rوإذا حرف جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها، ولم يشذ هنا ما شذ في الإسراء فلم يقرأ بالنصب، والعامة على الخطاب في تمتعون وقرئ بالغيبة اهـ سمين.\rقوله: (إن) أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً على حد قوله: علفتها تبنا وماء باردا، فلذلك قدر الشارح ما بناسبه فقال: (أو يصيبكم بسوء الخ). فليس معمولا للسابق وهو يعصمكم لعدم صحة المعنى عليه كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من الشر؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجري مجرى قوله: (متقلدا سيفا ورمحا)، أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. قال الشيخ:\rأما الوجه الأول ففيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني: هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مراد اللّه قلت: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جمل اهـ.\rقوله: (المثبطين) أي للمسلمين عن القتال مع رسول اللّه، وهم جماعة من المنافقين كانوا يخذلون المسلمين اهـ شيخنا.","part":6,"page":159},{"id":2117,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 160\rمِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَ تعالوا إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ القتال إِلَّا قَلِيلًا (18) رياء وسمعة\rأَشِحَّةً عَلَيْكُمْ بالمعاونة جمع شحيح، وهو حال من ضمير يأتون فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي كنظر أو كدوران الذي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي سكراته فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وفي المصباح: ثبطه تثبيطا قعد به عن الأمر وشغله عنه أو منعه تخذيلا ونحوه اهـ.\rقوله: هَلُمَّ إِلَيْنا اسم فعل أمر عند الحجازيين، ويلزم صيغة واحدة في خطاب الواحد وغيره والمذكر والمؤنث وعند بني تميم فعل أمر وتلحقه علامات التثنية والجمع والتأنيث، وقوله: (تعالوا) أي: ارجعوا إلينا واتركوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (تعالوا) إِلَيْنا أي لتستريحوا. يعني أن يهود المدينة طلبوا المنافقين ليستريحوا وخوفوا المؤمنين لرجعوا.\rتنبيه:\rهلم هنا لازم وفي الأنعام متعد لنصبه مفعوله وهو شهداءكم بمعنى أحضروهم وههنا بمعنى أحضروا وتعالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضا وحذف مفعوله فإنه قال: هلموا إلينا أي قربوا أنفسكم إلينا اهـ.\rقوله: (رياء وسمعة) أي: من غير احتساب، ولو كان ذلك للّه لكان كثيرا اهـ خازن.\rقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ العامة على نصبه وفيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الذم. الثاني:\rإلى الحال. وفي العامل فيه وجهان، أحدهما: ولا يأتون قاله الزجاج. الثاني: هلم إلينا قاله الطبري.\rوقرأ ابن أبي عبلة أشحة بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي: هم أشحة، وأشحة جمع شحيح وهو لا ينقاس إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع في أفعلاء نحو: خليل وأخلاء وظنين، وأظناء، وضنين وأضناء. وقد سمع أشحاء وهو القياس، والشح: البخل. وتقدم في آل عمران اهـ سمين.\rقوله: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا بصره وربما غشي عليه. وفي الخوف وجهان، أحدهما: من قتال العدو إذا أقبل قاله السدي. الثاني:\rالخوف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا غلب قاله ابن شجرة. وقوله: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ خوفا من القتال على القول الأول، ومن النبى صلّى اللّه عليه وسلّم على الثانى. تدور أعينهم لذهول عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة، وقيل: لشدة خوفهم حذرا أن يأتيهم العقل من كل جهة اهـ قرطبي.\rوجملة ينظرون حال، لأن الرؤية هنا بصرية اهـ.\rقوله: كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي: فإنه يذهب عقله ويشخص بصره، وقوله: (كنظر أو كدوران الخ) أشار به إلى أن قوله: كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ فيه وجهان، أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف من ينظرون. أي: ينظرون إليك نظرا كنظر الذي يغشى عليه. والثاني: أنه نعت لمصدر","part":6,"page":160},{"id":2118,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 161\rوحيزت الغنائم سَلَقُوكُمْ آذوكم أو ضربوكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي الغنيمة يطلبونها أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا حقيقة فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ الإحباط عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19) بإرادته\rيَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ من الكفار لَمْ يَذْهَبُوا إلى مكة لخوفهم منهم وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرة أخرى يَوَدُّوا يتمنوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ أي كائنون في البادية يَسْئَلُونَ عَنْ محذوف أيضا من تدور أي: دورانا كدوران عين الذي يغشى عليه فبعد الكاف محذوفان وهما دوران وعين اهـ كرخي.\rقوله: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أي: لها تأثير في الأذية كتأثير الحديد، وأصل السلق بسط العضو للضرب وهو من باب ضرب اهـ شيخنا.\rوفي المختار: سلقه بالكلام آذاه وهو شدة القول باللسان، وقال تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ. وسلق البصل والبيض أغلاه بالنار إغلاء خفيفا وباب الكل ضرب اهـ.\rوفي المصباح أنه من باب قتل أيضا اهـ.\rوعبارة الشهاب: أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يدا أو لسانا كما قال الراغب، فتفسيره بالضرب مجاز، والحامل عليه توصيل الألسنة بالحداد، ويجوز أن يشبه اللسان بالسيف على طريق الاستعارة المكنية والضرب تخييل اهـ.\rوفي السمين: يقال: سلقه أي: اجترأ عليه في خطابه وخاطبه مخاطبة بليغة وأصله البسط، ومنه سلق امرأته أي: بسطها وجامعها والسليقة الطبيعة اهـ.\rقوله: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي: لهم حرص واعتناء بالمال، ففي المختار: الشح البخل مع الحرص اهـ.\rقوله: لَمْ يُؤْمِنُوا (حقيقة) أي: وإن أظهروا الإيمان لفظا اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أظهر بطلانها إذ ليس لهم أعمال صحيحة حتى تحبط، أو المراد أبطل تصنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنفعة دنيوية أصلا اهـ أبو السعود.\rقوله: يَحْسَبُونَ أي: هؤلاء المنافقون لشدة جبنهم يظنون أن الأحزاب لم يذهبوا ولم ينهزموا، ففروا إلى داخل المدينة اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ الخ يجوز أن يكون مستأنفا أي: هم من الخوف بحيث إنهم لا يصدقون أن الأحزاب قد ذهبوا عنهم، ويجوز أن يكون حالا من أحد الضمائر المتقدمة إذا صح المعنى ولو بعد العامل كذا قاله أبو البقاء اهـ.\rقوله: الْأَحْزابَ أي: قريشا وغطفان واليهود اهـ خازن.\rقوله: لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ جمع باد وهو ساكن البادية، أي: يتمنوا أن لو كانوا ساكنين خارج المدينة بعداء عن الأحزاب، وجملة يسألون الخ حال من الواو في بادون فهي من جملة المتمني أي:","part":6,"page":161},{"id":2119,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 162\rأَنْبائِكُمْ أخباركم مع الكفار وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ هذه الكرة ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) رياء وخوفا من التعيير\rلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ بكسر الهمزة وضمها حَسَنَةٌ اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه لِمَنْ بدل من لكم كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يخافه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) بخلاف من ليس كذلك\rوَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ من الكفار قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الابتلاء والنصر وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ في الوعد وَما زادَهُمْ ذلك إِلَّا إِيماناً تصديقا بوعد اللّه يتمنوا لو كانوا سكان بادية، ويتمنوا أن تأتيهم أخبار المسلمين مع الكفار اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: يسألون كل قادم من جانب المدينة عن أنبائكم عما جرى عليكم اهـ.\rوفي السمين: قوله: يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا من فاعل يحسبون اهـ.\rقوله: (هذه الكرة) أي: ووقع قتال آخر اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ هذا عتاب للمتخلفين عن القتال أي: كان لكم قدوة في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث بذل نفسه لنصرة دين اللّه في خروجه إلى الخندق، وأيضا فقد شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه حمزة وجاع بطنه، ولم يكن إلا صابرا محتسبا وشاكرا راضيا. واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين، أحدهما: أنه المنافقون عطفا على ما تقدم من خطابهم. الثاني:\rأنه المؤمنون لقوله تعالى: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ واختلف في هذه الأسوة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم هل هي على الإيجاب أو على الاستحباب؟ على قولين، أحدهما: أنها على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب. الثاني: أنها على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب ويحتمل أن تحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا اهـ قرطبي.\rقوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الأسوة بمعنى الاقتداء، وهي اسم وضع موضع المصدر وهو الائتساء كالقدوة من الاقتداء، وائتسى فلان فلان أي اقتدى به اهـ سمين.\rوفي المصباح: الأسوة بكسر الهمزة وضمها القدوة وتأسيت به وائتسيت اقتديت اهـ.\rقوله: (بكسر الهمزة وضعها) سبعيتان اهـ.\rقوله: (في مواطنه) أي: القتال. قوله: (بدل من لكم) أي: بدل بعض بإعادة العامل.\rقوله: ما وَعَدَنَا اللَّهُ أي: بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [البقرة: 214] إلى قوله:\rأَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214]، وقوله: وَرَسُولُهُ أي بقوله: أن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع ليال أو عشر، وبقوله: سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم، وقوله:\rوَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي: ظهر صدق خبرهما اهـ أبو السعود.\rقوله: وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ من تكرير الظاهر تعظيما، ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم اللّه تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقول: وصدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد كره ذلك ورد على من قاله حيث قال: من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له: بئس خطيب القوم أنت قل:","part":6,"page":162},{"id":2120,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 163\rوَتَسْلِيماً (22) لأمره\rمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ من الثبات مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ مات أو قتل في سبيل اللّه وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ذلك وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) في العهد وهم بخلاف حال المنافقين\rلِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ بأن يميتهم على ومن يعص اللّه ورسوله قصدا إلى تعظيم اللّه، وقيل: إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما، وعلى الأول استشكل بعضهم قوله صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد جمع بينهما في ضمير واحد، وأجيب: بأن والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعرف بقدر اللّه منا، فليس لنا أن نقول كما يقول اهـ سمين.\rقوله: وَما زادَهُمْ (ذلك) أي: الوعد أو الصدق، وفي السمين: قوله: وَما زادَهُمْ فاعل زاد ضمير الوعد أي: وما زادهم وعد اللّه أو الصدق، وقال مكي: ضمير النظر لأن قوله: لَمَّا رَأَ بمعنى لما نظروا، وقيل: ضمير الرؤية وإنما ذكر لأن تأنيثهما غير حقيقي ولم يذكر مكي غيرهما، وهذا عجيب منه حيث ضيق واسعا مع الغنية عنه، وقرأ ابن أبي عبلة: وما زادوهم بضمير الجمع ويعود للأحزاب، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخبرهم أن الأحزاب تأتيهم بعد تسع أو عشر اهـ.\rقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا الخ هم رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا أدركوا حربا مع رسول اللّه ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ الخ تفصيل لحال الصادقين وتقسم لهم إلى قسمين، والنحب في الأصل النذور وهو أن يلتزم الإنسان شيئا من أعماله ويوجبه على نفسه وقضاؤه الفراغ منه والوفاء به، وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أي ينتظر قضاء نحبه كأنهم مستمرون على نذورهم، وقد قضوا بعضها وهو الثبات مع رسول اللّه والقتال إلى حين نزول الآية وينتظرون انقضاء بعضها الباقي وهو القتال إلى الموت. ويجوز أن يكون النحب مستعارا لالتزام الموت شهيدا إما بتنزيل أسبابه التي هي أفعال اختيار للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه وإيراده الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام المدح، وأما ما قيل من أن النحب استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة الحيوان فهو تقبيح للاستعارة وإذهاب لرونقها اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: نحب نحبا من باب ضرب بكى، والاسم النحيب ونحب نحبا من باب قتل نذر، وقضى نحبه مات أو قتل في سبيل اللّه وفي التنزيل: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ اهـ.\rوفي القرطبي: والنحب النذر والعهد والموت والحاجة والمدة اهـ.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ذلك أي: القتل في سبيل اللّه اهـ.\rقوله: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان ما هو داع إلى وقوع ما حكي من الأقوال والأحوال، كأنه قيل: وقع جميع ما وقع لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ الخ. وقيل: متعلق بما قبله من نفي التبديل المنطوق به وإثبات المعرض به للمنافقين، وقيل: تعليل لصدقوا، وقيل: تعليل لما يفهم من قوله: وَما زادَهُمْ الخ، وقيل لما يستفاد من قوله: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الخ كأنه قيل: ابتلاهم اللّه برؤية ذلك الخطب ليجزي الآية اهـ أبو السعود.\rقوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ معطوف على العلة لكن لم يتقدم له في النظم ما يكون علة له، فلذلك أشار الشارح لتقديره بقوله: (و هم بخلاف حال المنافقين)، فيفهم من هذا ما هو معلل بالعلة","part":6,"page":163},{"id":2121,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 164\rنفاقهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لمن تاب رَحِيماً (24) به\rوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الأحزاب بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً مرادهم من الظفر بالمؤمنين وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالريح والملائكة وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا على إيجاد ما يريده عَزِيزاً (25) غالبا على أمره\rوَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي قريظة مِنْ صَياصِيهِمْ حصونهم جمع صيصية وهو ما يتحصن به المعطوفة، والمعنى أن المنافقين لم يصدقوا فلذلك يعذبهم الخ. وفي السمين: قوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ جوابه محذوف، وكذلك مفعول شاء محذوف أيضا أي: إن شاء تعذيبهم عذبهم، فإن قيل: عذابهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وقد شاء تعذيبهم إذا ماتوا؟ أجيب: بأن المراد بتعذيبهم إماتتهم على النفاق بدليل العطف في قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ اهـ.\rوقد أشار له الشارح بقوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) اهـ.\rقوله: بِغَيْظِهِمْ أي: متغيظين فهو حال والباء للمصاحبة، وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولا به. قلت: وهذا لا يظهر اهـ كرخي.\rقوله: لَمْ يَنالُوا خَيْراً حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المجرور بالإضافة اهـ كرخي.\rقوله: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ روى البخاري عن سلمان بن صرد قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيز انجلى الأحزاب يقول: «الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم» اهـ خازن.\rقوله: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الخ شروع في غزوة بني قريظة. قيل: كانت في آخر ذي القعدة سنة خمس، وقيل: سنة أربع على الخلاف المتقدم في غزوة الخندق. قال العلماء بالسير: لما أصبح صلّى اللّه عليه وسلّم من الليلة التي انصرف فيها الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف هو والمؤمنين إلى المدينة ووضعوا السلاح. فلما كان الظهر أتى جبريل وعليه عمامة من استبرق راكبا على بغلة بيضاء عليها قطيفة من ديباج، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقه الأيمن، فقال: يا رسول اللّه قد وضعت السلاح؟ قال: نعم. قال جبريل: عفا اللّه عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. وروي أنه كان الغبار على وجه جبريل ووجه فرسه، فقال: إن اللّه يأمرك بالسير إلى بني قريظة فانهض إليهم فإني قد قطعت أوتارهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وألقيت الرعب في قلوبهم. فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مناديا ينادي: إن من كان مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فحاصرهم المسلمون خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أتنزلون في حكمي» فأبوا، فقال:\r«أتنزلون على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس» فرضوا به فحكمه فيهم، فقال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبع سموات» فحبسهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دار بنت الحارث من نساء بني النجار، ثم خرج إلى سوق المدينة الذي هو سوقها اليوم فخندق فيه خندقا ثم بعث إليهم فأتى بهم إليه، وفيهم حيي بن أخطب رئيس بني النضير، وكعب بن أسد رأس القوم أي: بني قريظة وكانوا ستمائة أو سبعمائة، فأمر عليا","part":6,"page":164},{"id":2122,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 165\rوَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الخوف فَرِيقاً تَقْتُلُونَ منهم وهم المقاتلة وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) منهم أي الذراري\rوَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها بعد وهي خيبر أخذت بعد قريظة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27)\rيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وهن تسع وطلبن منه من زينة الدنيا ما والزبير بضرب أعناقهم وطرحهم في ذلك الخندق. فلما فرغ من قتلهم وانقضى شأنهم توفي سعد المذكور بالجرح الذي أصابه في وقعة الأحزاب، وحضره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأبو بكر، وعمر. قالت عائشة: فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني في حجرتي قالت:\rوكانوا كما قال اللّه تعالى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29] اهـ ملخصا من الخازن.\rقوله: (و هو ما يتحصن به) أي: من الحصون وغيرها حتى الشوكة في رجل الديك أو في السمك يقال لها صيصية اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: جمع صيصية وهي ما يتحصن به، ولذلك تقال لقرن الثور والظباء وشوكة الديك اهـ.\rوفي القاموس: وفي الصيصية شوكة الحائك يسوي بها السدى واللحمة وشوكة الديك التي في رجله وقرن البقر والظباء والحصن وكل ما امتنع به اهـ.\rقوله: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ فريقا منصوب بما بعده، وكذلك فريقا منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف اللّه الرعب في قلوبهم، والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان في رواية بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأولى فقط، وابن حيوة تأسرون بضم السين اهـ سمين.\rقوله: (و هم المقاتلة) أي: الطوائف التي قاتلت وكانوا ستمائة، وقيل: سبعمائة اهـ خازن.\rقوله: (أي الذراري) وكانوا سبعمائة، وقيل: وخمسين اهـ خازن.\rقوله: (بعد) أي: الآن أي وقت قتال بني قريظة. قوله: (و هي خيبر) أي: أو فارس أو الروم أو غيرها من كل أرض ظهر عليها المسلمون بعد ذلك إلى يوم القيامة والمضي لتحقق وقوعه اهـ كرخي.\rقوله: (أخذت بعد قريظة) أي: بسنتين أو ثلاث، لأن قريظة كانت في الرابعة أو الخامسة على الخلاف المتقدم، وخيبر كانت في السابعة في المحرم وهي مدينة كبيرة ذات حصون ثمانية، وذات مزارع ونخل كثير بينها وبين المدينة الشريفة أربع مراحل فأقبل عليها صبيحة النهار، وفي تلك الليلة لم يصح لهم ديك ولم يتحركوا، وكان فيها عشرة آلاف مقاتل، فنزل رسول اللّه عليها وحاصرها وبنى هناك مسجدا صلى به طول مقامه عندها، وقطع من نخلها أربعمائة نخلة، وسبى أهلها وأصاب من سبيها صفية بنت حيي بن أخطب رئيس بني النضير، وتقدم أنه مات مع بني قريظة في وقعتهم وكانت من سبط هارون أخي موسى، فأسلمت ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها اهـ من سيرة الحلبي.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الخ اختلفوا في هذا التخيير هل كان تفويضا للطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويضا للطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَ ولأن","part":6,"page":165},{"id":2123,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 166\rجوابهن لم يكن على الفور بدليل أنه قال لعائشة: لا تستعجلي حتى تستشيري أبويك، ولو كان تفويضا لكان الجواب على الفور. وذهب قوم إلى أنه كان تفويضا ولو اخترن أنفسهن لكان الاختيار طلاقا اهـ خازن.\rقوله: (و هن تسع) أي: اللاتي كن تحته وقت هذا التخيير تسع وهن اللاتي مات عنهن. وفي المواهب: واختلف في عدة أزواجه صلّى اللّه عليه وسلّم وترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله ومن مات عنهن، ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها ومن عرضت نفسها عليه. والمتفق على دخوله بهن إحدى عشرة امرأة ست من قريش: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة.\rوأربع عربيات: زينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، وجويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية. وواحدة غير عربية من بني إسرائيل وهي صفية بنت حيي من بني النضير. ومات عنده صلّى اللّه عليه وسلّم منهن اثنتان: خديجة وزينب أم المساكين، ومات صلّى اللّه عليه وسلّم عن تسع دخل بهن باتفاق. وقد ذكر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم تزوج نسوة غير من ذكرن وجملتهن اثنتا عشرة امرأة الأولى:\rالواهبة نفسها له صلّى اللّه عليه وسلّم وهي أم شريك القرشية. الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة. الثالثة: عمرة بنت يزيد. الرابعة: أسماء بنت النعمان. الخامسة: مليكة بنت كعب. السادسة: فاطمة بنت الضحاك.\rالسابعة: عالية بنت ظبيان. الثامنة: قتيلة بنت قيس. التاسعة: سبأ بنت أسماء. العاشرة: شراق بنت خليفة أخت دحية الكلبي. الحادية عشرة: ليلى بنت الخطيم. الثانية عشرة: امرأة من غفار. فهؤلاء الاثنتا عشرة جملة من ذكر من أزواجه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفارقهن في حياته بعضهن قبل الدخول وبعضهن بعده على خلاف، فجملة من عقد عليهن ثلاث وعشرون امرأة دخل ببعضهن دون بعض. مات عنده منهن بعد الدخول خديجة وزينب بنت خزيمة، ومات منهن قبل الدخول اثنتان أخت دحية وبنت الهذيل باتفاق.\rواختلف في مليكة وسبأ هل ماتت أو طلقهما مع الاتفاق على أنه لم يدخل بهما. وفارق بعد الدخول باتفاق بنت الضحاك وبنت ظبيان وقبله باتفاق عمرة وأسماء الغفارية. واختلف في أم شريك هل دخل بها مع الاتفاق على الفرقة والمستقيلة التي جهل حالها، فالمفارقات باتفاق سبع، واثنتان على خلف، والميتات في حياته باتفاق أربع. ومات صلّى اللّه عليه وسلّم عن عشر واحدة لم يدخل بها وهي قتيلة بنت قيس، وخطب صلّى اللّه عليه وسلّم ثمان نسوة ولم يعقد عليهن باتفاق. وأما سراريه التي دخل عليهن بالملك فأربعة: مارية القبطية، وريحانة بنت شمعون من بني قريظة، وقيل: من بني النضير، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش واسمها نفيسة، والرابعة أصابها في بعض السبي ولم يعرف اسمها اهـ من المواهب من المقصد الثاني.\rوقد بسط الكلام عليهن هناك جدا فارجع إليه إن شئت. قوله: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي: السعة والتنعم فيها. وقوله: وَزِينَتَها أي: زخارفها. روي أنهن سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة فنزلت، فبدأ بعائشة رضي اللّه عنها فخيرها فاختارت اللّه ورسوله، ثم اختارت الباقيات اختيارها فشكر لهن ذلك، فأنزل اللّه تعالى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: 52] أي: بعد التسع اللاتي اخترنك. وتعليق التسريح بإرادتهن الدنيا وجعلها قسيما لإرادتهن الرسول يدل على أن المخيرة إذا","part":6,"page":166},{"id":2124,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 167\rليس عنده إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ أي متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (28) أطلقكن من غير ضرار\rوَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ أي الجنة فَإِنَ اختارت زوجها لم تطلق خلافا لزيد والحسن ومالك وإحدى الروايتين عن علي، ويؤيده قول عائشة:\rخيرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاخترناه ولم يعد طلاقا وتقديم التمتيع على التسريح المسبب عنه من الكرم وحسن الخلق، وقيل: لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها فإنه طلقة رجعية عندنا وبائنة عند الحنفية اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و قيل لأن الفرقة الخ) علة أخرى لتقديم التمتيع أي بعضهم قال: إن الفرقة تحصل بمجرد إرادتهن الدنيا لأن الآية توجب تفويض الطلاق إليها فبمجرد إرادتهن لها يحصل الطلاق، وإذا حصل الطلاق ترتبت عليه المتعة اهـ كازروني.\rأي: فذكر المتعة في محله والتسريح ليس بمعنى التطليق بل بمعنى الإخراج من البيوت بعده، وهذا أيضا مما فسرت به الآية اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: وروى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد اللّه قال: دخل أبو بكر ليستأذن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فدخل، فوجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا واجما ساكنا وحوله نساؤه قال عمر فقلت:\rواللّه لأقولن شيئا أضحك به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت يا رسول اللّه: لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول تسألن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما ليس عنده فقلن: واللّه لا نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا أبدا ما ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين ثم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ حتى بلغ قوله: لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً قال: فبدأ بعائشة فقال يا عائشة: «إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك» قالت: وما هو يا رسول اللّه؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول اللّه أستشير أبوي بل أختار اللّه ورسوله والدار الآخرة. قال العلماء: أما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عائشة أن تشاور أبويها فإنه كان يحبها وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم أن أبويها لا يشيران عليها بفراقه اهـ.\rقوله: فَتَعالَيْنَ فعل أمر مبني على سكون الياء ونون النسوة فاعل، وأصل هذا الأمر أن يكون الأمر على مكانا من المأمور فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر استعماله حتى صار معناه أقبل، وهو هنا كناية عن الاختيار والإرادة والعلاقة هي أن المخير يدنو إلى من يخبره اهـ خطيب.\rقوله: أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَ العامة على جزمهما وفيه وجهان، أحدهما: أنه مجزوم على جواب الشرط وما بين الشرط وجزائه معترض ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض. والثاني: أن الجواب قوله: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ جواب لهذا الأمر اهـ سمين.\rقوله: تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: تردن رسوله، وذكر اللّه للإيذان بجلالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عنده تعالى اهـ أبو السعود.","part":6,"page":167},{"id":2125,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 168\rاللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَ بإرادة الآخرة أَجْراً عَظِيماً (29) أي الجنة فاخترن الآخرة على الدنيا\rيا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء وكسرها أي بينت أو هي بينة يُضاعَفْ وفي قراءة يضعف بالتشديد، وفي أخرى نضعف بالنون معه ونصب العذاب لَهَا الْعَذابُ قوله: (فاخترن الآخرة) فلما اخترنها قصره اللّه عليهن وحرم عليه النكاح غيرهن، فقال: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: 52] اهـ خازن.\rقوله: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَ العامة على يأت بالياء من تحت حملا على لفظ من، وزيد بن علي والجحدري ويعقوب بالتاء من فوق حملا على معناها، لأنه ترشح بقوله: مِنْكُنَ ومنكن حال من فاعل يأت، وتقدمت القراءة في مُبَيِّنَةٍ بالنسبة لكسر الياء وفتحها وفي النساء اهـ سمين.\rقوله: مِنْكُنَ من بيانية لأنهن كلهن محسنات اهـ أبو السعود.\rقوله: بِفاحِشَةٍ أي: معصية ظاهرة قيل: هو كقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] لا أن منهن من أتت بفاحشة، لأن اللّه صان أزواج الأنبياء عن الفاحشة، وقال ابن عباس:\rالمراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وقال قوم: لو قدر اللّه الزنا من واحدة وقد أعاذهن اللّه عن ذلك لكانت تحد حدين لعظم قدرها كما يزاد حد الحرة على الأمة، والعذاب بمعنى الحد قال اللّه تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: 2] وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرتين. قال أبو رافع:\rكان عمر رضي اللّه عنه كثيرا ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في صلاة الصبح، وكان إذا بلغ: يا نساء النبي رفع بها صوته، فقيل له في ذلك. فقال: «أذكرهن العهد». وقال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته. وقالت فرقة: بل قوله تعالى: بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعم جميع المعاصي، وكذلك الفاحشة كيف وردت. قال مقاتل: هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة كما أن إيتاء الأجر مرتين في الآخرة، وهذا حسن لأن نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأتين بفاحشة توجب حدا، وقد قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط وإنما خانتا في الإيمان والطاعة. وقال بعض المفسرين: العذاب الذي توعدون به ضعفين هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وكذلك الأجر. قال ابن عطية: وهذا ضعيف اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا ترفع عنهن حدود الدنيا عذاب الآخرة كل ما هو حال الناس عليه بحكم حديث عبادة بن الصامت، وهذا أمر لم يرو في أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا حفظ تقرره، وأهل التفسير على أن الرزق الكريم الجنة ذكره النحاس اهـ.\rقوله: (بفتح الياء وكسرها) سبعيتان. وقوله: (أي: بينت) أي: بينها اللّه أي: بين قبحها وفحشها: وقوله: (أو هي بينة) أي: من بان الأمر أي: ظهر أي: بان فحشها وقبحها، فهذا لف ونشر مرتب اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة يضعف الخ) والقراءات الثلاث سبعيات اهـ شيخنا.","part":6,"page":168},{"id":2126,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 169\rضِعْفَيْنِ ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)\r* وَمَنْ يَقْنُتْ يطع مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي مثلي ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتية في تعمل ونؤتها وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31) في الجنة زيادة\rيا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ كجماعة مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ اللّه فإنكن أعظم فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ للرجال فَيَطْمَعَ قوله: (أي مثليه) أي: لأن الذنب منهن أقبح، فإن زيادة قبح الذنب تابعة لزيادة فضل المذنب وزيادة النعمة عليه، ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتبت الأنبياء بما لا تعاتب به الأمم اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلا وأضعافه أمثاله، وقال الخليل: التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثليه وأكثر وكذلك الاضعاف والمضاعفة، وقال الأزهري: الضعف في كلام العرب المثل هذا هو الأصل، ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد وليس للزيادة حد يقال: هذا ضعف هذا أي: مثله، وهذان ضعفا هذا أي: مثلاه وثلاثة أمثاله لأن التضعيف زيادة غير محصورة، فلو قال في الوصية: أعطوه ضعف نصيب ولد أعطى ثلاث أمثاله حتى لو حصل للابن مائة أعطى مائتين في الضعف وثلاثمائة في الضعفين، وعلى هذا جرى عرف الناس واصطلاحهم، والوصية تحمل على العرف لا على دقائق اللغة اهـ.\rقوله: وَكانَ ذلِكَ أي: التضعيف على اللّه يسيرا أي: فليس كونكن تحت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكونكن جليلات شريفات مما يدفع العذاب عنكن، وليس أمر اللّه كأمر الخلق حتى يتعذر عليه تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهن وأعوانهن أو شفعائهن وإخوانهن، وخص اللّه تعالى نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتضعيف العقوبة على الذنب والمثوبة على الطاعة. أما الأول: فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهده غيرهن، ولأن في معصيتهن إيذاء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذنب من آذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم من ذنب غيره، وأما الثاني: فلأنهن أشرف من سائر النساء لقربهن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكانت الطاعة منهن أشرف كما أن المعصية منهن أقبح اهـ كرخي.\rقوله: وَتَعْمَلْ صالِحاً فيه مراعاة معنى من على قراءة التاء ومراعاة لفظها على قراءة الياء اهـ شيخنا.\rقوله: مَرَّتَيْنِ أي: مرة على الطاعة والتقوى، وأخرى على طلبهن رضاء رسول اللّه بالقناعة وحسن المعاشرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (زيادة) أي: على أجرها المضاعف اهـ أبو السعود.\rقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ قال الزمخشري: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي: إذا تقصيت جماعات النساء واحدة واحدة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة ومنه قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء:\r152] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق بين قال الشيخ: أما قوله أحد","part":6,"page":169},{"id":2127,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 170\rالَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ نفاق وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (32) من غير خضوع\rوَقَرْنَ بكسر القاف وفتحها فِي بُيُوتِكُنَ من القرار وأصله اقررن بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح الراء وكسرها، نقلت حركة الراء إلى القاف وحذفت مع همزة الوصل وَلا تَبَرَّجْنَ بترك إحدى التاءين من أصله تَبَرُّجَ في الأصل بمعنى وحده وهو الواحد فصحيح، وأما قوله: وضع إلى قوله وما وراءه فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد، لأن واحدا يطلق على كل شيء اتصف بالوحدة، وأحد المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل، وأيضا فيفرق بينهما بأن المختص بالنفي جامد وهذا وصف، وأيضا المختص بالنفي مختص بالعقلاء، وهذا لا يختص، وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري من الحكم على المجموع اهـ سمين.\rوفي الخازن: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، بل أنتن أكرم عليّ وثوابكن أعظم لدي اهـ.\rوفي زكريا على البيضاوي: قوله: لَسْتُنَ (كجماعة) واحدة من جماعات النساء سلك كالزمخشري ذلك ليطابق بين المتفاضلين في الجمع، وإلّا فالحمل على الإفراد بأن يقال: ليست كل واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء صحيح، بل أولى ليلزم منه تفضيل الجماعة على الجماعة بخلاف الحمل على الجمع اهـ.\rقوله: إِنِ اتَّقَيْتُنَ قيل: جواب هذا الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، وهو الذي يشير له صنيع الشارح، فإن قوله: (فإنكن أعظم) تعليل لنفي المساواة التي يفيدها التشبيه، وعلى هذا فقوله: فَلا تَخْضَعْنَ الخ مستأنف، وقيل: هو الجواب اهـ شيخنا.\rقوله: (نفاق) عبارة غيره فجور. قوله: قَوْلًا مَعْرُوفاً عبارة غيره أي: حسنا بعيدا عن الريبة، وعبارة الخازن: معروفا أي: يوجبه الدين والإسلام عند الحاجة إليه من غير خضوع فيه، فإن المرأة بطلب منها الغلظة في المقال وتخشين الصوت إذا خاطبت الأجانب لقطع الطمع فيها اهـ.\rقوله: (بكسر القاف وفتحها) سبعيتان. قوله: (من القرار) أي: الثبات أشار إلى توجيه القراءتين فمن كسر القاف قال: إن قرن أمر من القرار وهو السكون تقول قر يقر إذا سكن، وأصله أقرون بكسر الراء وفتحها لغتان، ومن فتحا قال: إنه من قررت المكان بفتح الراء وكسرها فمضارعه يقررن، والأمر اقررن حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف اهـ كرخي.\rقوله: (و أصله أقررن) بوزن أفعلن فالقاف فاء الكلمة والراء الأولى عينها، والثانية لامها، وقوله (بكسر الراء) أي: لأنه من باب ضرب يضرب وهذه هي اللغة الفصحى فيه، وقوله: (و فتحها) أي: بناء على أنه من باب علم يعلم، فقوله (بفتح الراء) راجع للأولى، وقوله: (و كسرها) راجع للثاني، وقوله (نقلت حركة) الراء أي: الأولى إذ هي المتحركة وهي عين الكلمة كما علمت وحركتها على القراءة الأولى كسرة، وعلى الثانية فتحة، وقوله (و حذفت) أي: لا لتقائها ساكنة مع الراء الثانية، وقوله: (مع همزة الوصل) أي: للاستغناء عنها بحركة القاف المنقولة من الراء اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَبَرَّجْنَ أي: لا تتبخترن في مشيكن. قوله: تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى اختلف","part":6,"page":170},{"id":2128,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 171\rالْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال، والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الإثم يا أَهْلَ الْبَيْتِ أي نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَيُطَهِّرَكُمْ الناس في الجاهلية الأولى، فقيل: في الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السّلام، وكانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وقال الحكم بن عيينة: ما بين آدم ونوح وهي ثمانمائة سنة وحكيت لهم سيرة دميمة، وقال ابن عباس: ما بين نوح وإدريس، وقال الكلبي: ما بين نوح وإبراهيم قيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها، وقالت فرقة: ما بين موسى وعيسى، وقال الثعلبي: ما بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال أبو العالية: هي زمان داود وسليمان عليهما السّلام كان فيه للمرأة قميص من الدرع غير مخيط الجانبين، وكان النساء يظهرن ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها، فينفرد خلها بما فوق الإزار وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل وربما سأل أحدهما صاحبه البدل، وقال مجاهد: كان النساء يمشين بين الرجال فلذلك التبرج. قال ابن عطية: والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي أدركنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفار، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، فكان أمر النساء دون حجبة، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى، وقد أوقع لفظ الجاهلية تلك المدة التي قبل الإسلام، وذكر الثعلبي وغيره: أن عائشة رضي اللّه عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى يبتل خمارها، وذكر أن سودة قيل لها: لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت فأمرني اللّه أن أقر في بيتي فو اللّه ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها رضوان اللّه عليها. قال ابن العربي: لقد دخلت نيفا على ألف قرية فما رأيت نساء أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس التي ألقي بها الخليل عليه السّلام بالنار فإني أقمت فيها، فما رأيت امرأة في الطريق نهارا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها ثم يمتلىء المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة انصرفن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه اهـ قرطبي.\rقوله: (و الإظهار بعد الإسلام الخ) هذا في قوة قوله: (و الجاهلية الأخرى) هي ما يفعله فسقه النساء في الإسلام، وقد بين حكمها في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ [النور: 31] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ الخ تعليل لجميع ما تقدم من الأوامر والنواهي من قوله: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب: 32] إلى هنا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أي: الذنب المدنس لعرضكم، وهذا تعليل لأمرهن ونهبهن على الاستئناف ولذلك عمم الحكم، وقوله: أَهْلَ الْبَيْتِ نصب على النداء أو المدح ويطهركم عن المعاصي تطهيرا، واستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطهير للتنفير عنها اهـ.\rقوله: وَيُطَهِّرَكُمْ (منه) أي: الرجس.","part":6,"page":171},{"id":2129,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 172\rمنه تَطْهِيراً (33)\rوَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ القرآن وَالْحِكْمَةِ السنة إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً بأوليائه خَبِيراً (34) بجميع خلقه\rإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ المطيعات وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ في الإيمان وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على الطعات وَالْخاشِعِينَ المتواضعين وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ عن الحرام وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً للمعاصي وَأَجْراً عَظِيماً (35) على الطاعات\rوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ قوله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى أي: اذكرن في أنفسكن ذكرا دائما أو اذكرن للغير على جهة الوعظ والتعليم اهـ خطيب.\rوهذا تذكير بما أنعم اللّه به عليهن حيث جعلن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، وشاهدن من حال الوحي ما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة والتعرض للتلاوة في البيوت دون النزول فيها، مع أنه الأنسب بكونها مهبط الوحي لعموم تلاوة جميع الآيات ووقوعها في كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر والتذكير بخلاف النزول، وعدم تعيين التالي التلاوة تلاوة جبريل وتلاوة النبي وتلاوتهن وتلاوة غيرهن تعليما وتعلما اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ آياتِ اللَّهِ بيان لما.\rقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الخ نزلت لما قال أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه ذكر الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقيل: السائل أم سلمة قالت: يا رسول اللّه ما بال ربنا يذكر الرجال في كتابه ولا يذكر النساء، فنخشى أن لا يكون فيهن خير اهـ خازن.\rقوله: وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إن قلت لم عطف هذا على ما قبله مع أنهما متحدان شرعا.\rفالجواب: أنهما ليسا بمتحدين مطلقا، بل هما متحدان ما صدقا لا مفهوما أخذا من الفرق بين الإسلام والإيمان الشرعيين إذ الإسلام الشرعي هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والإيمان الشرعي عكس ذلك، وكفى في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهوما، وإن اتحد ما صدقا اهـ كرخي.\rقوله: وَالْحافِظاتِ حذف مفعوله لتقدم ما يدل عليه، والتقدير: والحافظاتها. وكذا يقال في والذاكرات وحسن الحذف رؤوس الفواصل، وغلب المذكر على المؤنث في لهم ولم يقل ولهن اهـ سمين.\rقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ أي: ما صح وما استقام لرجل ولا لامرأة من المؤمنين إذا قضى اللّه ورسوله أمرا. أي: إذا أراد رسول اللّه أمرا، وذكر اللّه لتعظيم أمره والإشعار بأن قضاءه قضاء اللّه تعالى اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الخ لفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناه الحظر","part":6,"page":172},{"id":2130,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 173\rوَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ بالتاء والياء لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي الاختيار مِنْ أَمْرِهِمْ خلاف أمر اللّه ورسوله؛ نزلت في عبد اللّه بن جحش وأخته زينب، خطبها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعنى لزيد بن حارثة فكرها ذلك حين علما بظنهما قبل، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطبها لنفسه، ثم رضيا للآية وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (36) بينا، فزوجها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لزيد ثم وقع بصره عليها بعد حين، فوقع في نفس زيد والمنع فيجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون كما في هذه الآية، وربما كان لا متناع ذلك الشيء عقلا كقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: 60] وربما كان للعلم بامتناعه شرعا كقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشورى: 51] وربما كان في المندوبات كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل ونحو هذا اهـ.\rوالجار والمجرور خبر كان مقدم وأن تكون اسمها مؤخر، وقوله: إِذا قَضَى اللَّهُ يجوز أن يكون ظرفا محضا معمولا للاستقرار الذي تعلق به الخبر أي: وما كان مستقرا لمؤمن ولا مؤمنة وقت قضاء اللّه كون خيرة له في أمره وأن تكون شرطية، ويكون جوابها مقدرا مدلولا عليه بالنفي المتقدم.\rوقرأ الكوفيون وهشام: يكون بالياء من أسفل لأن الخيرة مجازي التأنيث وللفصل أيضا، والباقون بالتاء من فوق مراعاة للفظها، وقد تقدم أن الخيرة مصدر تخير كالطير من تطير. ونقل عيسى بن سليمان أنه قرئ الخيرة بسكون الياء ومن أمرهم حال من الخيرة، وقيل: من بمعنى في وجمع الضمير في أمرهم وما بعده، لأن المراد بالمؤمن والمؤمنة الجنس وغلب المذكر على المؤنث اهـ سمين.\rقوله: أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أي: يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجمع الضميرين لعموم مؤمن ومؤمنة لوقوعهما في سياق النفي اهـ أبو السعود.\rفلما وقعا في سياق النفي كانا بمعنى كل مؤمن ومؤمنة اهـ زاده.\rقوله: (بالتاء والياء) سبعيتان. قوله: الْخِيَرَةُ مصدر كما أشار له بقوله (أي: الاختيار)، وقوله: (خلاف أمر اللّه) منصوب بذلك المصدر أي: مفعول به أي: أن يختاروا خلاف أمر اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (نزلت في عبد اللّه بن جحش وأخته زينب) أي بنت جحش أيضا وأمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه، وقوله: (فكرها ذلك) أي كون الخطبة لزيد، وذلك أنها لما علمت الحال قالت: أنا بنت عمتك يا رسول اللّه فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة وزيد أسود اهـ خازن.\rوقوله: (لظنهما قبل) أي: قبل علمهما بأن الخطبة لزيد، وقوله: (للآية) علة لرضيا أي: ورضيا لما نزلت الآية موبخة لهما اهـ شيخنا.\rفلما سمعا الآية سلما وجعلا الأمر بيد رسول اللّه اهـ خازن.\rقوله: مُبِيناً أي: بينا انحرافه عن الصواب اهـ بيضاوي.\rقوله: (فزوجها النبي لزيد) أي: وساق إليها رسول اللّه عشرة دنانير وستين درهما وخمارا ودرعا","part":6,"page":173},{"id":2131,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 174\rكراهتها، ثم قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أريد فراقها فقال:\rأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ كما قال تعالى وَإِذْ منصوب باذكر تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر اهـ خازن.\rوكان زوجة النبي قبلها أم أيمن وولدت له أسامة، وكانت ولادته بعد البعثة بثلاث سنة، وقيل:\rبخمس: وفي شرح المواهب: أن أم أيمن هي بركة الحبشة بنت ثعلبة بن حصن أعتقها عبد اللّه أبو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: بل أعتقها هو صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: كانت لأمه أسلمت قديما وهاجرت الهجرتين وماتت بعده صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسة أشهر، وقيل: بسنة اهـ.\rوكان تزوج زيد بزينب قبل الهجرة بنحو ثمان سنين، وبعدما طلق زيد زينب زوجه صلّى اللّه عليه وسلّم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت وهبت نفسها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فزوجها من زيد اهـ شيخنا.\rقوله: (ثم وقع بصره عليها الخ) فيه شيء من حيث إنه يقتضي أنه لم يكن يعرفها قبل ذلك مع أنها بنت عمته ومقتضى العادة أن لا يخفى عليه شيء من حالها ومن حيث إن حبه لها وتعلقه بها وهي في عصمة رجل بعيد من كماله صلّى اللّه عليه وسلّم، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح. قوله: (فقال أمسك عليك زوجك) أي: لا تفارقها.\rقوله: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الخ اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم الطبري وغيره إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها وشكا منها غلظة القول وعصيان الأمر والأذى باللسان والتعظيم بالشرف قال له: اتق اللّه فيما تقول عنها أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه فعل ما يجب عليه من الأمر بالمعروف. وقيل: واللّه أحق أن تخشاه أي: أحق أن تستحي منه ولا تأمر زيدا بإمساكه زوجته بعد أن أعلمك اللّه أنها تكون زوجتك فعاتبه اللّه على هذا.\rوروي عن علي بن الحسين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد أوحى اللّه إليه إن زيدا يطلق زينب وإنه يتزوجها بتزويج اللّه إياها، فلما شكا زيد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خلق زينب وأنها لا تطيعه وأعلمه بأنه يريد طلاقها قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على جهة الأدب والوصية: اتق اللّه في قولك أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، وخشي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه لو أمره بطلاقها، فعاتبه اللّه على هذا القدر من أن خشي الناس في شيء قد أباحه اللّه تعالى بأن قال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ مع علمك بأنه يطلق، وأعلمه أن اللّه أحق بالخشية أي: في كل حال. قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي أبي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. والمراد بقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهي عن التزوج بنساء الأبناء وتزوج هو بزوجة ابنه، فأما ما روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هوي زينب امرأة زيد وأنه عشقها، فهذا إنما يصدر عن الجاهل بعصمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن مثل هذا أو مستخف بحرمته صلّى اللّه عليه وسلّم قال الترمذي الحكيم في نوادر","part":6,"page":174},{"id":2132,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 175\rكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل البعثة وأعتقه وتبناه أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ الأصول: إنما عتب اللّه عليه من أجل أنه قد أعلمه بأنه ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا تزوج زوجة ابنه واللّه أحق أن تخشاه.\rوقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطيئة، ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن تفتتن الناس. قال ابن العربي: فإن قيل: لأي معنى قال له أمسك عليك زوجك، وقد أخبره اللّه أنها زوجته؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يعلمه اللّه به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها. فإن قيل: كيف يأمره بإمساكها وقد علم أن الفراق لا بد منه وهذا تناقض؟ قلت: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة كإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن اللّه يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن فليس في مخالفته متعلق الأمر بمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلا وحكما، وهذا من نفيس العلم فاقبلوه اهـ قرطبي.\rقوله: (اشتراه رسول اللّه) أي: صورة وإلّا فهو كان حرا لعدم مشروعية الرق بالسبي قبل البعثة خصوصا والوقت وقت فترة وأهلها ناجون لا يقال فيهم حربيون، وفي نسبة الشراء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نسمح إلى المنقول في السير أن خديجة اشترته بأربعمائة درهم ووهبته للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي ما نصه: المنعم عليه في هذه الآية هو زيد بن حارثة، وقد تقدم خبره في أول السورة. وروي أن عمه لقيه يوما وكان ورد مكة في شغل له فقال له: ما اسمك يا غلام؟ قال: زيد.\rقال: ابن من؟ قال: ابن حارثة. قال: ابن من؟ قال: ابن شراحيل الكلبي. قال: فما اسم أمك؟ قال:\rسعدى وكنت في أخوالي طيىء فضمه إلى صدره وأرسل إلى أخيه وقومه فحضروا وأرادوا منه أن يقيم عندهم، فقالوا: لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد اللّه فأتوه وقالوا: هذا ابننا فرده علينا، فقال: اعرضوا عليه فإن اختاركم فخذوا بيده، فبعث إلى زيد وقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي وهذا أخي وهذا عمي، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «فأي صاحب كنت لك؟» فبكى. قال: «لم سألتني عن ذلك أخبرك فإن أحببت أن تلحق بهم فالحق وإن كنت أردت أن تقيم عندي فأنا من قد عرفت»، فقال: ما أختار عليك أحدا فجذبه عمه وقال: يا زيد اخترت العبودية على أبيك وعمك. قال: أي واللّه العبودية عند محمد أحب إليّ من أن أكون عندكم فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «اشهدوا أني وارث ومورث»، فلم يزل يقال زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب: 5] ونزل ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب: 40] قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي رضي اللّه عنه: كان يقال زيد بن محمد حق نزل ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ، فقال: أنا زيد بن حارثة وحرم عليه أنا زيد بن محمد، فلما نزع هذا الشرف وهذا الفخر منه وعلم اللّه وحشته من ذلك شرفه بخصيصية لم يكن يخص بها أحدا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو أنه سماه في القرآن فقال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها يعني من زينب فذكره اللّه تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب ونوه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ألا ترى إلى قول أبي بن كعب حين قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا»، فبكى وقال أذكرك هناك وكان بكاؤه من الفرح حيث إن","part":6,"page":175},{"id":2133,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 176\rفي أمر طلاقها وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ مظهره من محبتها، وأن لو فارقها زيد تزوجتها اللّه تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآن يتلى مخلدا لا يبلى يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن وأهل الجنة كذلك أبدا لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين إذ القرآن كلام اللّه القديم وهو باق لا يبيد، فاسم زيد في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة ذكره في تلاوتهم السفرة للكرام البررة وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضا من اللّه له مما نزع منه وزاد في الآية أن قال: إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أي: بالإيمان، فدل على أنه من أهل الجنة، علم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى رضي اللّه عنه اهـ بحروفه.\rقوله: (و أعتقه وتبناه) أي: قبل البعثة أيضا. قوله: (من محبتها) بيان لما أبداه، وقوله: (و أن لو فارقها الخ) معطوف عليه فهو من جملة البيان، فالحاصل أن الذي أخفاه في نفسه ثم أظهره اللّه هو محبتها وتزوجها لو فارقها زيد اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي قوله: (من محبتها الخ) هذا أحد القولين في الآية قاله ابن عباس، والثاني أن الذي أخفاه هو ما أعلمه اللّه تعالى به من أن زيدا سيطلقها وينكحها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فعاتبه اللّه تعالى فقال: لم قلت أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك. وهذا القول هو المقصود المعول عليه عند الجمهور.\rوفي الخطيب: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ أي: ما أخبرك اللّه به من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد. مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهذا دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه اللّه تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد، لأن اللّه تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه اللّه سبحانه، وقول ابن عباس كان في قلبه حبها بعيد، وكذا قول قتادة ودّ أنه لو طلقها زيد وكذا قول غيرهما كان في قلبه إن فارقها زيد تزوجها. وروى سفيان بن عيينة عن علي عن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ قال: قلت يقول لما جاء زيد إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: يا رسول اللّه إني أريد أن أطلقها، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ»، فقال علي بن الحسين: ليس كذلك كان اللّه تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال إني أريد أن أطلقها قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ فعاتبه اللّه تعالى وقال: لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمت أنها ستكون من أزواجك وهذاهو اللائق والأليق بحال الأنبياء، وهو مطابق للتلاوة لأن اللّه تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزوجها منه، فقال: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها فلو كان الذي أضمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محبتها أو إرادة طلاقها لكل يظهر ذلك، لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه اللّه تعالى من أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي. قال البغوي: وهذاهو الأولى والأليق وإن كان الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم، لأن الود وميل النفس من طبع البشر اهـ بحرفه.","part":6,"page":176},{"id":2134,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 177\rوَتَخْشَى النَّاسَ أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ في كل شيء، وتزوجها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد، وانقضت عدتها، قال تعالى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً حاجة زَوَّجْناكَها فدخل عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغير إذن، وأشبع المسلمين خبزا ولحما لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مقضيه مَفْعُولًا (37)\rما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ أحل اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ أي كسنة اللّه فنصب بنزع الخافض فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قوله: (و تزوجها) فعل أمر. وفي نسخة ويزوجكها فعلا مضارعا اهـ.\rقوله: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً أي: حاجته منها ولم يبق له فيها أرب وتقاصرت همته وطابت عنها نفسه وطلقها وانقضت عدتها، وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبنى تحل بعد الدخول بها اهـ خازن.\rقوله: زَوَّجْناكَها أي: ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفا لك ولها. قال أنس: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني اللّه من فوق سبع سموات، وكانت تقول للنبي: جدي وجدك واحد وليس من نسائك من هي كذلك غيري، وقد أنكحنيك اللّه والسفير في ذلك جبريل اهـ خازن.\rقوله: (فدخل عليها النبي بغير إذن) عبارة القرطبي: فدخل عليها بغير إذن ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق ولا شيء مما يكون شرطا في حقوقنا ومشروعا لنا، وهذا من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلّم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين اهـ قرطبي.\rوكان تزوجه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة ثلاث وهي أول من مات بعده من زوجاته الشريفات، ماتت بعده بعشر سنين عن ثلاث وخمسين سنة اهـ من المواهب.\rقوله: (و أشبع المسلمين خبزا ولحما) روى الشيخان عن أنس قال: ما أولم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أحد من نسائه كما أولم على زينب، أولم عليها بشاة وأطعم الناس خبزا ولحما حتى تركوه اهـ خازن.\rقوله: لِكَيْلا يَكُونَ الخ علة للتزويج وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل اهـ بيضاوي.\rأي: فما ثبت له من الأحكام يثبت لأمته إلا ما علم أنه من خصوصياته بدليل اهـ شهاب.\rقوله: حَرَجٌ أي: إثم في أزواج أدعيائهم جمع دعي وهو المتبنى أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني اهـ زاده.\rقوله: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي: مفعولا في الخارج لا محالة اهـ بيضاوي.\rقوله: (فنصب بنزع الخافض) هو سماعي كما مرّ، وأحسن منه إنه اسم موضوع المصدر قاله الزمخشري، أو على المصدر كصنع اللّه ووعد اللّه، واختار الشيخ المصنف الأول لما جاء أن اليهود عابوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكثرة النساء، فرد اللّه عليهم بقوله: سُنَّةَ اللَّهِ أي: كسنة اللّه في الأنبياء الذين من قبل.","part":6,"page":177},{"id":2135,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 178\rقَبْلُ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ فعله قَدَراً مَقْدُوراً (38) مقضيا\rالَّذِينَ نعت للذين قبله يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل اللّه لهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) حافظا لأعمال خلقه ومحاسبتهم\rما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ فليس أبا زيد، أي والده، فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب وَلكِنْ كان رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيا، وفي قراءة بفتح قال بعضهم: هذا ما ظهر لي اهـ كرخي.\rقوله: (أن لا حرج عليهم) تفسير لسنة اللّه، وقوله (في ذلك) أي نكاح زوجة المتبنى، وقوله:\r(توسعة لهم في النكاح) فكان لهم الحرائر والسراري، فقد كان لداود مائة امرأة، ولسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية اهـ خازن.\rقوله: قَدَراً مَقْدُوراً كظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد، والقضاء الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر عبارة عن إيجاده إياها على تقدير مخصوص معين، لكن كل منهما يستعمل بمعنى الآخر كما فسر المصنف القدر بالقضاء، فالمراد إيجاد ما تعلقت به الإرادة اهـ شهاب.\rقوله: (فلا يخشون مقالة الناس) في نسخة ما قاله الناس.\rقوله: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ أي: وكل رسول أبو أمته لا مطلقا، بل من حيث إنه شفيق ناصح لهم واجب التوقير والطاعة عليهم، وزيد منهم ليس بينه وبينه ولادة، وقرئ رسول اللّه بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقرئ لمن بالتشديد على حذف الخبر أي: ولكن رسول اللّه أب من غير وراثة إذ لم يعش له ولد ذكر اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قوله: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ العامة على تخفيف لكن ونصب رسول، ونصبه إما على إضمار كان دلالة السابقة عليها أي: ولكن كان رسول اللّه، وإما بالعطف على أبا أحد، والأول أليق لأن لكن ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق بها أن تدخل على الجمل كالتي ليست بعاطفة. وقرأ أبو عمرو في رواية بتشديدها على أن رسول اللّه اسمها، وخبرها محذوف للدلالة عليه، ولكن رسول اللّه هو أي محمد وحذف خبرها سائغ. وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بتخفيفها، ورفع رسول على الابتداء والخبر مقدر أي: هو أو بالعكس أي: ولكن هو رسول اللّه اهـ.\rولعل وجه الاستدراك أنه لما نفى كونه أبا لهم كان ذلك مظنة أن يتوهم أنه ليس بينهم وبينه ما يوجب تعظيمهم إياه وانقيادهم له، فدفعه ببيان أن حقه آكد من حق الأب الحقيقي من حيث إنه رسولهم، ولما كان قوله: مِنْ رِجالِكُمْ مظنة أن يتوهم أنه أبو أحد من رجال نفسه الذين ولدوا منه دفعه بقوله: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ فإنه يدل على أنه لا يكون بالواحد من رجال نفسه أيضا، لأنه لو بقي له ابن بالغ بعده لكان اللائق به أن يكون نبيا بعده فلا يكون هو خاتم النبيين اهـ زاده.\rوأورد في الكشف منع الملازمة إذ كثير من أولاد الأنبياء لم يكونوا أنبياء، فإنه أعلم حيث يجعل رسالته. وأجاب الشهاب عن ذلك بقوله: الملاءمة ليست مبنية على اللزوم العقلي والقياس المنطقي،","part":6,"page":178},{"id":2136,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 179\rالتاء كآلة الختم أي به ختموا وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40) منه بأن لا نبي بعده، وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)\rوَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) أول النهار وآخره\rهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ أي يرحمكم وَمَلائِكَتُهُ أي يستغفرون لكم لِيُخْرِجَكُمْ بل على مقتضى الحكمة الإلهية، وهي أن اللّه أكرم بعض الرسل بجعل أولادهم أنبياء كالخليل، ونبينا أكرمهم وأفضلهم، فلو عاش أولاده اقتضى تشريف اللّه له جعلهم أنبياء اهـ.\rقوله: (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيا) النفي في الحقيقة متوجه للوصف أي: كون ابنه رجلا وكونه نبيا بعده، وإلّا فقد كان له من الذكور أولاد ثلاثة إبراهيم والقاسم والطيب، ويقال له أيضا الطاهر، ولكنهم ماتوا قبل البلوغ فلم يبلغوا مبلغ الرجال اهـ من الخازن.\rقوله: (كآلة الختم) راجع لقراءة الفتح، وكذا قوله: (أي به ختموا) اهـ شيخنا.\rقوله: (منه بأن لا نبي بعده) أي: من علمه بكل شيء علمه بأن لا نبي بعده، وعبارة الخازن:\rدخل في علمه بكل شيء علمه أن لا نبي بعده، انتهت.\rقوله: (و إذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) جواب ما يقال كيف قال تعالى: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وعيسى ينزل بعده وهو نبي ولا يرد على هذا حكمه بأشياء من وضع الجزية وعدم قبوله غير الإسلام، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث مما يخالف شرعنا الآن، لأن ذلك شرع نبينا عند نزول عيسى عليهما الصلاة والسّلام، وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟\rقلت: معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ بعده أحد، وعيسى ممن نبىء قبله وحين ينزل ينزل عاملا بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ الخ قال ابن عباس: لم يفرض اللّه تعالى فريضة على عباده إلا جعل لها حدا معلوما وعذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلّا مغلوبا على عقله، فلذلك أمرهم به في الأحوال فقال: فاذكروا اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبكم وقال: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً أي: بالليل والنهار، وفي البر والبحر: وفي الصحة والسقم، وفي السر والعلانية اهـ خازن.\rقوله: بُكْرَةً وَأَصِيلًا تخصيصها بالذكر ليس لقصر التسبيح عليهما دون سائر الأوقات، بل لإظهار فضلهما لكونهما مشهودين، كما أن إفراد التسبيح بين سائر الأذكار مع اندراجه فيها إنما هو لكونه العمدة فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من الأمرين، فإن صلاته تعالى عليهم مع عدم استحقاقهم لها ومع استغنائه تعالى عن العالمين مما يوجب المداومة على ما أوجبه عليهم من ذكره وتسبيحه، وقوله: وَمَلائِكَتُهُ عطف على المستكن في يصلي لمكان الفصل المغني عن التأكيد بالمنفصل، لكن لا على أن يراد بالصلاة الرحمة أولا والاستغفار ثانيا، فإن استعمال اللفظ الواحد في معنيين متغايرين مما لا مساغ له، بل على أن يراد بها معنى مجازي عام يكون كلا","part":6,"page":179},{"id":2137,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 180\rليديم إخراجه إياكم مِنَ الظُّلُماتِ أي الكفر إِلَى النُّورِ أي الإيمان وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43)\rتَحِيَّتُهُمْ منه تعالى يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ بلسان الملائكة وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44) هو الجنة\rيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً على من أرسلت إليهم وَمُبَشِّراً من صدّقك بالجنة وَنَذِيراً (45) منذرا من كذبك بالنار\rوَداعِياً إِلَى اللَّهِ إلى طاعته بِإِذْنِهِ بأمره وَسِراجاً المعنيين فردا له حقيقيا وهو الاعتناء بما فيه خيرهم وصلاح أمرهم، فإن كلّا من الرحمة والاستغفار فرد حقيقي له، وقوله: لِيُخْرِجَكُمْ الخ متعلق بيصلي أي: يعتني بأموركم هو وملائكته ليخرجكم الخ وقوله: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً اعتراض مقرر لمضمون ما قبله اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ جمع الأول لتعدد أنواع الكفر وإفراد الثاني لأن الإيمان شيء واحد لا تعدد فيه اهـ شيخنا.\rقوله: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً اعتراض مقرر لمضمون ما قبله أي: كان بكافة المؤمنين الذي أنتم من زمرتهم رحيما، ولذلك يفعل بكم ما يفعل من الاعتناء بإصلاحكم بالذات وبالواسطة ويهديكم إلى الإيمان والطاعة اهـ أبو السعود.\rقوله: تَحِيَّتُهُمْ الخ بيان للأحكام الآجلة لرحمة اللّه بهم بعد بيان آثارها العاجلة التي هي العناية بأمرهم وهدايتهم إلى ما يحيون به، وقوله: وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً بيان لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ أي: يوم لقائه عند الموت أو عند الخروج من القبور، أو عند دخول الجنة اهـ بيضاوي.\rوقوله: (بلسان الملائكة) يصح رجوعه لكل من الاحتمالات الثلاثة، فقد روى الشيخان عن ابن مسعود: أنه إذا جاء ملك الموت بقبض روح المؤمن يقول له: ربك يقرئك السّلام، وورد أن الملائكة تسلم على المؤمن حين يخرجون من قبورهم بشارة لهم، وأنها تسلم عليهم في الجنة كما في قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [الرعد: 23] اهـ من الخازن وأبي السعود.\rقوله: سَلامٌ أي إخبار بالسلامة من كل مكروه وآفه اهـ بيضاوي.\rقوله: (على من أرسلت إليهم) أي: لتترقب أحوالهم وتشاهد أعمالهم، وتتحمل الشهادة على ما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال تؤديها يوم القيامة أداء مقبولا فيما لهم وفيما عليهم اهـ أبو السعود.\rفعلى هذا تكون شهادته عليهم مراقبة أحوالهم في الدنيا، وتكون الحال مقارنة، وجعلها بعضهم مقدرة منتظرة بأن حمل الشهادة على شهادته عليهم في الآخرة بأن يشهد في القيامة عليهم بما حصل منهم في الدنيا من تصديق وتكذيب، وعن سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم لهم اهـ.\rقوله: (بأمره) أشار به إلى أنه لم يرد به حقيقة الإذن لأنه مستفاد من أرسلناك، وإنما أراد بأمره،","part":6,"page":180},{"id":2138,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 181\rمُنِيراً (46) أي مثله في الاهتداء به\rوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (47) هو الجنة\rوَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فيما يخالف شريعتك وَدَعْ اترك أَذاهُمْ لا تجازهم عليه إلى أن تؤمر فيهم بأمر وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فهو كافيك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) مفوّضا إليه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ويوضحه قول الكشاف فإن قلت: قد فهم من قوله: إِنَّا أَرْسَلْناكَ داعيا أنه مأذون له في الدعاء، فما فائدة قوله بِإِذْنِهِ؟ قلت: لم يرد به حقيقة الإذن، وإنما جعل الإذن مستعارا للتسهيل والتيسير، لأن الدخول في حق الملك متعذر، فإذا حصل الإذن سهل وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلا لما تعذر من ذلك وضع موضعه، وذلك أن دعاءه أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر فقال بإذنه للإيذان بأن الأمر صعب لا يستطاع إلا إذا سهله اللّه ويسره اهـ.\rوحاصله أنه أطلق الإذن وأريد به التيسير بعلاقة السببية، فإن التصرف في ملك الغير متعذرا فإذا أذن سهل وتيسر اهـ كرخي.\rقوله: (أي مثله في الاهتداء به) أي: فيهتدي بالرسول من ظلمات الجهالات وتقتبس من نوره أنوار البصائر اهـ بيضاوي.\rفإن قلت: كيف شبه اللّه تعالى نبيه بالسراج دون الشمس مع أنها أتم؟ فالجواب: أن المراد بالسراج هنا الشمس كما قوله تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نوح: 16] أو شبهه بالسراج لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء كما يتفرغ من السراج سرج لا تحصى بخلاف الشمس اهـ كرخي.\rقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عطف على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين بأن لهم من اللّه فضلا أي: على مؤمني سائر الأمم في الرتبة والشرف وزيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضل والإحسان، ولما وصف عليه الصلاة والسّلام بنعوت خمسة قوبل كل منها بخطاب يناسبه خلا أنه لم يذكر مقابل الشاهد صريحا، وهو الأمر بالمراقبة ثقة بظهور دلالة مقابلة المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر آنفا، وقوبل النذير بالنهي عن مداراة الكفار والمنافقين والمسامحة في إنذارهم كما تحققته، وقوبل الداعي إليه تعالى بإذنه بالأمر بالتوكل عليه من حيث إنه عبارة عن الاستمداد منه تعالى والاستعانة به، وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به تعالى فإن من أيده اللّه تعالى بالقوة القدسية ورشحه بالنبوة وجعله برهانا نيرا يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد حقيق بأن يكتفي عن كل ما سواه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ نهي عن مداراتهم في أمر الدعوة وعن استعمال لين الجانب في التبليغ كنى على ذلك بالنهي عن طاعتهم مبالغة في الزجر والتنفير عن المنهي عنه اهـ أبو السعود.\rقوله: (لا تجازهم عليه) أي: بالمحاربة هذا إشارة إلى أن أذاهم مضاف للفاعل أي: أذيتهم إياك أي: مجازاتها من عقاب وغيره، ويجوز أن يكون مضافا لمفعوله أي: اترك ما آذوك به فلا تؤاخذهم حتى تؤمر، أي: دعه إلى اللّه فإنه يعذبهم بأيديكم وبالنار اهـ كرخي.\rقوله: (إلى أن تؤمر فيهم بأمر) وقد أمر فيهم بالقتال فهذا منسوخ بآية القتال اهـ خازن.","part":6,"page":181},{"id":2139,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 182\rإِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ وفي قراءة تماسوهن أي تجامعوهن فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها تحصونها بالأقراء وغيرها فَمَتِّعُوهُنَ اعطوهن ما يستمتعن به، أي إن لم يسم لهنّ أصدقة، وإلا فلهنّ نصف المسمى فقط، قاله ابن عباس وعليه الشافعي وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (49) خلوا سبيلهن من غير إضرار\rيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ قوله: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ أي: أو الكتابيات، وإنما خص المؤمنات بالذكر للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة، وقوله: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَ التراخي ليس قيدا، وفائدة التعبيرة بثم إزالة ما عسى أن يتوهم من أن تراخي الطلاق بقد إمكان الإصابة كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة اهـ بيضاوي.\rوقوله: (كما يؤثر في النسب) أي: إذا دعت أن ما ولد لها منه ومضى قدر زمن مدة الحمل اهـ شهاب.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية، وقوله: (أي تجامعوهن) راجع للقراءتين اهـ.\rقوله: تَعْتَدُّونَها أي: تعدونها من عددت الدراهم، وإسناد عدها إلى الرجل فيه إشارة إلى أنها حق الأزواج اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: (تعتدونها) صفة لعدة تعتدونها تفتعلونها إما من العدد وإما من الاعتداد أي: تحسبونها أي: تستوفون عددها من قولك عد الدراهم فاعتدها أي: استوفى عددها نحو كلته فاكتاله وزنته فاتزنه اهـ.\rقوله: (أعطوهن ما يستمتعن) أي: يتمتعن به، وهو المتعة الواجبة للمفارقة في الحياة إذا كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، وكانت مفوضة ولم يفرض لها شيء قبل الفراق، وأشار الشارح إلى هذا التفصيل بقوله: (إن لم يسم لهن أصدقة الخ). قوله: (خلوا سبيلهن) أي: أخرجوهن من منازلكم، إذ ليس لكم عليهن عدة من غير إضرار ولا منع حق اهـ أبو السعود.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ الخ لما خير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه فاخترنه حرم عليه التزويج لغيرهم والاستبدال بهن مكافأة لهن عن فعلهن، والدليل على ذلك قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: 52] الآية. وهل كان يحل له أن يطلق واحدة منهن بعد ذلك؟ فقيل: لا يحل له ذلك جزاء لهن على اختيارهن له. وقيل: كان يحل له ذلك كغيره من الناس ولكن لا يتزوج بدلها، ثم نسخ هذا التحريم وأبيح له أن يتزوج بمن شاء عليهم من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ فالإحلال يقتضي تقدم حظر، وزوجاته اللاتي في حياته لم تكن محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزوج بالأجنبيات فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ الآية. ومعلوم أنه لم يكن تحته من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته أحد، فثبت أنه أحل له التزوج بهن زيادة على من كن في عصمته، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في النزول على الآية المنسوخة، كآية الوفاة في البقرة. وقد اختلف","part":6,"page":182},{"id":2140,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 183\rأُجُورَهُنَ مهورهن وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ من الكفار بالسبي، كصفية وجويرية وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ بخلاف من لم يهاجرن الناس في قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ، فقيل: المراد بها أن اللّه تعالى قد أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها قاله ابن زيد والضحاك، فعلى هذا تكون الآية مبيحة جميع النساء حاشا ذوات المحارم، وقيل: المراد أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ أي: الكائنات عندك لأنهن قد اخترنك على الدنيا والآخرة قاله الجمهور من العلماء وهو الظاهر، لأن قوله آتَيْتَ ماض، ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط، ويكون أمر الحل على هذا التأويل ضيقا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتزوج في أي الناس شاء وكان يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمى سرّ نساؤه بذلك. قلت: والقول الأول لما ذكرناه ويدل أيضا على صحته ما أخرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة: ما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أحل اللّه له النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح اهـ قرطبي.\rقوله: اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ أي: دفعتها معجلة أو سميتها في العقد، وأيا ما كان فتقييد الإحلال بهذا القيد وتقييد المملوكات بكونهن مسبيات وتقييد الأقارب بالهجرة يحتمل كل من القيود الثلاثة أن يكون قيدا للحل في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم، ويحتمل أن يكون لبيان الأفضل، والأولى لا لكون الحل متوقفا عليه أفاده البيضاوي وأبو السعود. وسميت المهور أجورا لأنها أجرة الابضاع اهـ بيضاوي.\rقوله: مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ بيان لما ملكت، وليس هذا قيدا بل لو ملكت يمينه بالشراء كان الحكم كذلك وإنما خرج مخرج الغالب اهـ سمين.\rقوله: (كصفية) كانت بنت حيي بن أخطب من نسل هارون أخي موسى وهي من سبي خيبر. أذن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لدحية الكلبي في أخذ جارية فأخذها، فقيل للنبي: أعطيته سيدة بني قريظة والنضير وهي لا تصلح إلا لك، فخشي عليهم الفتنة فأعطاه غيرها ثم أعتقها وتزوجها وبنى بها وهو راجع إلى المدينة.\rوفي رواية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لها: «هل لك في؟» قلت: نعم يا رسول اللّه إني كنت أتمنى ذلك في الشرك، وكان بعينها خضرة فسألها عنها، فقالت: إنها كانت نائمة ورأس زوجها ملكهم في حجرها، فرأت قمرا وقع في حجرها، فلما استيقظ أخبرته فلطمها وقال: تتمنين ملك يثرب. ماتت في رمضان سنة خمسين ودفنت بالبقيع. وقوله: (و جويرية) كانت بنت الحارث الخزاعية، وكانت وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكاتبها، فجاءت تسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفته بنفسها، فقال: هل لك إلى ما هو خير من ذلك أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم فسمع الناس بذلك فأعتقوا ما بأيديهم من قومها وقالوا: أصهار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قالت عائشة: فما رأينا امرأة كانت أعظم في قومها بركة منها أعتق بسببها مائة أهل بيت من بني المصطلق. خرجه أبو داود. وقسم لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت بنت عشرين سنة، وتوفيت سنة خمسين اهـ من ابن حجر على الهمزية.\rقوله: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ أي: أحللنا لك ذلك زائدا على الأزواج اللاتي آتيت أجورهن على قول الجمهور، لأنه لو أراد أحللنا كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها لما قال بعد ذلك","part":6,"page":183},{"id":2141,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 184\rوَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها يطلب نكاحها بغير صداق خالِصَةً لَكَ وبنات عمك وبنات عماتك، لأن ذلك داخل فيما تقدم. قلت: وهذا لا يلزم، وإنما خص هؤلاء بالذكر تشريفا لهن كما قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: 68] واللّه أعلم اهـ قرطبي.\rوفي الخازن: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ أي: نساء قريش، وقوله: وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ أي: نساء بني زهرة اهـ.\rوقد سئل كثير عن حكمة إفراد العم والخال دون العمة والخالة، حتى أن السبكي صنف جزءا فيه سماه بذل الهمة في أفراد العم وجمع العمة، وقد رأيت لهم فيه كلمات كلها ضعيفة كقول الرازي: إن العم والخال على زنة المصدر والمصدر يستوي فيه المفرد والجمع بخلاف العمة والخالة، وقيل:\rإنهما يعمان إذا أضيفا والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة اهـ من الشهاب.\rقوله: (بخلاف من لم يهاجرن) أي: فلا يحللن له. وهذا الاشتراط قد نسخ اهـ خازن.\rقال السيوطي: مما حرم عليه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة نكاح من لم تهاجر في أحد الوجهين، وفي بعض شروح الكشاف أنه حرم عليه ثم نسخ اهـ شهاب.\rقوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً معطوفة على مفعول أحللنا أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق، أما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه، ثم إن ظاهر الآية النكاح ينعقد في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ الهبة فيكون من خصوصياته وعليه جماعة. وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد في حقه إلا بلفظ النكاح أو التزويج كما في حق سائر الأمة، وعلى هذا فاختصاصه إنما هو في ترك المهر وعدم لزومه له لا في لفظ النكاح، واختلفوا في أن العقد بلفظ الهبة هل وقع له بالفعل؟ قال ابن عباس، ومجاهد: لم تكن عند النبي امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقوله: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها جملة شرطية لا تستلزم الوقوع، وقال آخرون: وقع له نكاح الواهبة بالفعل. واختلفوا فيها فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية الهلالية أم المساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين، والضحاك، ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة، والزهري: هي خولة بنت حكيم من بني سليم اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال الزمخشري: قيل الموهوبات أربع؟ ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم اهـ.\rقوله: مُؤْمِنَةً يدل على أن الكافرة لا تحل له. قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه. قال ابن العربي، والصحيح عند تحريمها عليه وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان في جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر، فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلّى اللّه عليه وسلّم على المؤمنات، ولذا كان لا تحل له الكتابية الكافرة لنقصانها بالكفر اهـ قرطبي.\rوأما تسريه بالأمة الكتابية فالأصح فيه الحل، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم اهـ من المواهب.","part":6,"page":184},{"id":2142,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 185\rوفي الروض وشرحه لشيخ الإسلام ما نصه: وما خص به صلّى اللّه عليه وسلّم أنه حرم عليه نكاح الكتابية الكافرة لأنها تكره صحبته، ولأنه أشرف من أن يضيع ماءه في رحم كافرة، ولقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: 6] ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر: «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني» رواه الحاكم وصحح إسناده لا التسري بها فلا يحرم. قال الماوردي: لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم تسرى بريحانة وكانت يهودية من سبي قريظة، واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، ويجاب بأن القصد بالنكاح إصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما، ومما خص به أيضا أنه يحرم عليه نكاح الأمة ولو مسلمة، لأن نكاحها معتبر بخوف العنت وهو معصوم وبفقدان مهر الحرة ونكاحه غني عن المهر ابتداء وانتهاء ويرق الولد ومنصبه صلّى اللّه عليه وسلّم ينزه عنه اهـ.\rقوله: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ أي: ملكته بضعها بأي عبارة كانت بلا مهر أي: إن اتفق ذلك كما ينبئ عنه تنكيرها لكن لا مطلقا، بل عند إرادته استنكاحها كما نطق به قوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها فإن ذلك جار منه مجرى القبول، وحيث لم تكن الآية نصا في كون تمليكها بلفظ الهبة لم تصلح أن تكون مناطا للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة، وإيراده في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات عن الخطاب للإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به كما ينطق به قوله: خالِصَةً لَكَ اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها أي: ينكحها، يقال: نكح واستنكح مثل عجل واستعجل وعجب واستعجب ويجوز أن يراد الاستنكاح بمعنى طلب النكاح أو طلب الوطء اهـ قرطبي.\rوالشرط الثاني قيد للشرط الأول في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها فإنها جارية مجرى القبول اهـ بيضاوي.\rوفي السمين ما نصه: قوله: إِنْ وَهَبَتْ نفسها للنبي إن أراد النبي هذا من اعتراض الشرط على المشروط، والثاني قيد في الأول، ولذلك أعربوه حالا لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود. فلو قال: إن أكلت إن ركبت فأنت طالق، فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل، وهذا لتتحقق الحالية والتقييد كما ذكرت، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب فلهذا اشترطنا تقدم الثاني وقد مضى تحقيق هذا وأنه يشترط أن لا يكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقولك: إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حرّ لا يتصور هنا تقديم الطلاق على التزويج، إلا أني قد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية، وذلك أن الشرط الثاني هنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم الخاص بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لا أنه لا يمكن عقلا. وذلك أن المفسرين فسروا قوله تعالى: إِنْ أَرادَ بمعنى قبل الهبة لأنه بالقبول منه عليه السّلام يتم نكاحه، وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة، إذ القبول متأخر، وأيضا فالقصة كانت على ما ذكرته من تأخر إرادته عن هبتها وهو مذكور في التفسير، والشيخ لما جاء إلى ههنا جعل الشرط الثاني مقدما على الأول على القاعدة العامة ولم يشتمل شيئا مما ذكرته، وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به، ولم يظهر عنه","part":6,"page":185},{"id":2143,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 186\rمِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ النكاح بلفظ الهبة من غير صداق قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أي المؤمنين فِي أَزْواجِهِمْ من الأحكام بألا يزيدوا على أربع نسوة، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر وَفي ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء بشراء وغيره، بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية، بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ قبل الوطء لِكَيْلا متعلق بما قبل ذلك يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ضيق في النكاح وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما يعسر التحرز عنه رَحِيماً (50) بالتوسعة في ذلك\r* تُرْجِي بالهمزة والياء بدله تؤخر مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ أيّ أزواجك عن نوبتها جواب إلا ما قدمته من أن ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلث لك آنفا اهـ بحروفه.\rقوله: خالِصَةً مصدر معمول لمحذوف أي: خلصت لك خالصة، ومجيء المصدر على هذه الزنة وارد كالعاقبة والكاذبة، وفاعله محذوف قدره الشارح بقوله (النكاح بلفظ الهبة الخ). وأل عوض عن الضمير المضاف إليه أي: خالصا لك نكاحها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: خالِصَةً العامة على النصب وفيه أوجه، أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل وهبت أي: حال كونها خالصة لك دون غيرك. الثاني: أنها حال من امرأة لأنها وصفت فتخصصت وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج. الثالث: أنها نعت مصدر مقدر أي: هبة خالصة فنصبها بوهبت. الرابع: أنها مصدر مؤكد كوعد اللّه اهـ.\rقوله: (من غير صداق) أي: ومن غير ولي ومن غير شهود اهـ كرخي.\rقوله: قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ الخ اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من خلوص الإحلال له ببيان أنه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه تكرمة له وتوسيعا عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (متعلق بما قبل ذلك) وهو قوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ الخ. وعبارة الخازن: وهذا يرجع إلى أول الآية، والمعنى أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ والموهوبة لك لئلا يكون عليك ضيق الخ اهـ.\rوفي البيضاوي: أنه متعلق بخالصة. وعبارة أبي السعود: واللام متعلقة بخالصة باعتبار ما فيه من معنى ثبوت الإحلال وحصوله له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ الخ شروع في بيان حكم معاشرته لنسائه بعد بيان حلهن له اهـ شيخنا.\rواختلف العلماء في تأويل هذه الآية وأصح ما قيل فيها التوسعة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى وهو الذي ثبت معناه في الصحيح. عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كنت أغار على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على اللائي وهبن أنفسهن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأقول: أو تهب المرأة نفسها لرجل، فلما أنزل اللّه عز وجل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي","part":6,"page":186},{"id":2144,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 187\rوَتُؤْوِي تضم إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ منهن فتأتيها وَمَنِ ابْتَغَيْتَ طلبت مِمَّنْ عَزَلْتَ من القسمة فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في طلبها وضمها إليك، خيّر في ذلك بعد أن كان القسم واجبا عليه ذلِكَ التخيير أَدْنى أقرب إلى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَ ما ذكر المخير فيه إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ قالت: قلت: واللّه ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. قال ابن العربي: هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه، والمعنى المراد هو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان مخيرا في أزواجه إن شاء أن يقسم قسم وإن شاء أن يترك القسم ترك، فخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن جعل الأمر إليه فيه، لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون فرض عليه تطييبا لنفوسهن وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي، وقيل: كان القسم واجبا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية، وقيل:\rالمراد الواهبات. روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ قالت: هذا في الواهبات أنفسهن. قال الشعبي: هن الواهبات أنفسهن، تزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهن وترك منهن. وقال الزهري: ما علمنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرجأ أحدا من أزواجه بل آواهن كلهن. قال أبو رزين:\rكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد همّ بطلاق بعض نسائه فقلن له: اقسم لنا ما شئت فكان ممن أوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب فكانت قسمتهن من نفسه فسوّى بينهن، وكان ممن أرجأ سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفية فكان يقسم لهن ما شاء. وقال ابن عباس وغيره: المعنى في طلاق من شاء ممن حصل في عصمته وإمساك من شاء. وقيل غير هذا وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والإباحة وما اخترناه أصح، واللّه أعلم اهـ قرطبي.\rقوله: (و الياء بدله) أي: الياء الساكنة فهو مرفوع بضمة مقدرة عليها اهـ شيخنا.\rقوله: (عن توبتها) أي: توبتها من القسم. قوله: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ (طلبت) أي: طلبت ردها إلى فراشك بعد أن عزلتها وأسقطتها من القسمة اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ابتغيت طلبت والابتغاء الطلب، وعزلت أزلت والعزلة الازالة، أي: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمها إليك فلا بأس عليك في ذلك، وكذلك حكم الإرجاء فدل أحد الطرفين على الثاني اهـ.\rومن يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنها شرطية في محل نصب بما بعدها وقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْكَ جوابها، والمعنى من طلبتها من النسوة اللاتي عزلتهن فليس عليك في ذلك جناح. والثاني:\rأن تكون مبتدأ والعائد محذوف، وعلى هذا فيجوز في من أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وقوله:\rفَلا جُناحَ عَلَيْكَ خبر أو جواب أي: والتي ابتغيتها، ولا بد حينئذ من ضمير راجع إلى اسم الشرط من الجواب أو في ابتغائها وطلبها. وقيل: في الكلام حذف معطوف تقديره ومن ابتغيت ممن عزلت ومن لم تعزل سواء لا جناح عليك، كما تقول: من لقيك ممن لم يلقك جميعهم لك شاكر، تريد: من لقيك ومن لم يلقك وهذا فيه الغاز اهـ سمين.\rقوله: وَلا يَحْزَنَ أي: وأقرب إلى قلة حزنهن وأقرب إلى رضاهن جميعا لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم اللّه فتطمئن له نفوسهن اهـ بيضاوي.","part":6,"page":187},{"id":2145,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 188\rكُلُّهُنَ تأكيد للفاعل في يرضين وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ من أمر النساء والميل إلى بعضهن، وإنما خيرناك فيهن تيسيرا عليك في كل ما أردت وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَلِيماً (51) عن عقابهم\rلا يَحِلُ بالتاء والياء لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ بعد التسع اللآتي اخترنك فعلم منه أن قوله: وَلا يَحْزَنَ معطوف على أن تقر ويرضين معطوف عليه أيضا اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: ذلِكَ أَدْنى أي: ذلك التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن وأطيب لنفوسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من اللّه تعالى، وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَ أي: أعطيتهن كلهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء، واللّه يعلم ما في قلوبكم من أمر النساء والميل إلى بعضهن اهـ.\rوفي القرطبي: قال قتادة وغيره: إن ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان من عندنا، لأنهن إذا علمن أن العدل من اللّه قرت أعينهن بذلك، لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيا بما أوتي منه وإن قل، وإن علم أن له حقا لم يقنعه ما يؤتى منه واشتدت غيرته عليه وعظم وحرصه فيه، فكان ما فعل اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه إلى قرار أعينهن بما يسمح به لهن دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه اهـ.\rقوله: (ما ذكر) مفعول به والمخير فيه بدل منه، وفي نسخة من المخير فيه، والمخير فيه هو القسم وتركه والعزل والإيواء كما في الخازن.\rقوله: كُلُّهُنَ العامة على رفعه توكيدا للفاعل في يرضين، وأبو إياس بالنصب توكيدا لمفعول آتيتهن اهـ سمين.\rقوله: (و الميل إلى بعضهن) أي: طبعا. وفي البحر: اتفقت الروايات على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعدل بينهن في القسمة حتى مات، ولم يستعمل شيئا مما أبيح له ضبطا لنفسه وأخذا بالأفضل غير سودة رضي اللّه عنها، فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي اللّه عنها اهـ كرخي.\rقوله: حَلِيماً (عن عقابهم) أي: فينبغي أن تتقي محارمه، لأن انتقام الحليم وغضبه أمر عظيم اهـ شيخنا.\rقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان. قوله: (بعد التسع) أي: بعد اجتماعهن في عصمتك، وكذا في قوله: (و قد ملك بعدهن الخ). وعبارة البيضاوي: من بعد التسع أي: فهن في حقه كالأربع في حقنا، أو من بعد اليوم أي: يوم نزول الآية حتى لو ماتت واحدة لم يحل له نكاح أخرى اهـ.\rوقوله: (اللاتي اخترنك) أي: كما تقدم في آية التخيير اهـ.\rفقد قصرك اللّه عليهن تكرمة وجزاء لهن على اختيارهن اللّه ورسوله، وهن التسع اللاتي توفي عنهن. وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسوده بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية اهـ أبو السعود.","part":6,"page":188},{"id":2146,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 189\rوَلا أَنْ تَبَدَّلَ بترك إحدى التاءين في الأصل بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء فتحل لك وقد ملك صلّى اللّه عليه وسلّم بعدهن قوله: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله يقول أحدهم:\rخذ زوجتي وأعطني زوجتك. روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، فأنزل اللّه عز وجل: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ اهـ قرطبي.\rوهذا خلاف ما قرره الشارح من أن المراد التبديل بالطلاق اهـ.\rقوله: مِنْ أَزْواجٍ مفعول به، ومن مزيدة فيه لاستغراق الجنس اهـ سمين.\rقوله: (بدل من طلقت) أي: من كلهن أو بعضهن. قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ أي: حسن من تأتي بهن بدلا، وهذا كقولك: أعطوا السائل ولو على فرس. أي: في كل حال، ولو على هذه الحالة المنافية للإعطاء. قال الزمخشري: قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ في معنى الحال والفاعل وهو الضمير في تبديل لا من المفعول الذي هو من أزواج لأنه متوغل في التنكير، وتقديره: مفروضا إعجابك بهن اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ استثناء من النساء لأنه يتناول الأزواج والإماء، وقيل: منقطع اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قوله: إلا ما ملكت يمينك فيه وجهان، أحدهما: أنه مستثنى من النساء فيجوز فيه وجهان، النصب على أصل الاستثناء، والرفع على البدل وهو المختار. والثاني: أنه مستثنى من أزواج قاله أبو البقاء، فيجوز أن يكون في موضع نصب على أصل الاستثناء، وأن يكون في موضع جر بدلا منهن على اللفظ، وأن يكون في موضع نصب بدلا منهن على المحل اهـ.\rوفي القرطبي: واختلف العلماء في حل الأمة الكافرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على قولين:\rأحدهما: تحل لعموم قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن قالوا قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي: لا تحل لك النساء من غير المسلمات، فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك أي: لا يحل لك أن تتزوج كافرة فتكون أما للمؤمنين وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ، فإن له أن يتسرى بها.\rالقول الثاني: لا تحل تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال اللّه عز وجل: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: 10] فكيف به صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: (و قد ملك بعدهن مارية) أي: القبطية أهداها له المقوقس ملك القبط وهم أهل مصر وإسكندرية، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث له حاطب بن أبي بلتعة بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام صورته: بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد بن عبد اللّه إلى المقوقس عظيم القبط: سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم","part":6,"page":189},{"id":2147,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 190\rمارية وولدت له إبراهيم ومات في حياته وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52) حفيظا\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ القبط: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: 67] الآية. فلما جاء حاطب بالكتاب إلى المقوقس وجده في الإسكندرية فدفعه إليه فقرأه ثم جعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية، ثم كتب جوابه في كتاب صورته: بسم اللّه الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط: سلام عليك أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وعلمت أن نبيا قد بقي وما كنت أظن أنه يخرج إلا بالشام، وقد أكرمت رسولك أي فإنه قد دفع له مائة دينار وخمسة أثواب، وبعثت لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم أي وهما مارية وسيرين، وثياب أي: عشرين ثوبا من قباطي مصر. قال بعضهم: وأرسل له عمائم وقباطي وطيبا وعودا وندا ومسكا مع ألف مثقال من الذهب ومع قدح من قوارير وبغلة للركوب والسّلام عليك. ولم يزد على ذلك ولم يسلم، وأهدى إليه جارية أخرى زيادة على الجاريتين وخصيا يقال له مأبور، والبغلة وهي الدلدل وكانت شهباء وفرسا وهو اللزاز، فإنه سأل حاطبا ما الذي يحب صاحبك من الخيل؟ فقال له: الأشقر وقد تركت عنده فرسا يقال لها المرتجز فانتخب له فرسا من خيل مصر الموصوفة فأسرج وألجم وهو فرسه الميمون، وأهدى إليه عسلا من عسل بنها قرية من قرى مصر وأعجب به صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «إن كان هذا عسلكم فهذا أحلى» ثم دعا فيه بالبركة اهـ من سيرة الحلبي.\rقوله: (و ولدت له إبراهيم) أي: في ذي الحجة سنة ثمان، وقوله: (و مات في حياته) أي: حياة أبيه وله سبعون يوما، وقيل: سنة وعشرة أشهر. وفي رواية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يصل عليه بنفسه بل أمرهم فصلوا عليه اهـ من ابن حجر على الهمزية. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ الخ شروع في بيان ما تجب رعايته على الناس من حقوق نساء النبي أثر بيان ما تجب مراعاته عليه من حقوقهن، وقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي: لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مأذونا لكم. وقوله: إِلى طَعامٍ متعلق بيؤذن لتضمنه معنى الدعاء اهـ أبو السعود.\rوقد أشار الشارح للتضمين بقوله (بالدعاء) اهـ.\rقال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: روى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحش حين أصبح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأطالوا المكث، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب فإذاهم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورجعت حتى إذا بلغ حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذاهم قد خرجوا، فضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيني وبينه الستر وأنزل الحجاب. زاد في رواية قال: دخل معي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ وروى الشيخان عن عائشة رضي اللّه عنها أن أزواج النبي كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المواضع الخالية لقضاء الحاجة من البول والغائط، وكان عمر رضي اللّه عنه يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: احجب","part":6,"page":190},{"id":2149,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 191\rنساءك، فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل اللّه بآية الحجاب. وقال ابن عباس: إن الآية أي قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ الخ نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيدخلون قبل الطعام ويجلسون إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتأذى بهم، فنزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ الآية اهـ خازن.\rوفي القسطلاني على البخاري: وقد تحصل من جملة الأخبار من موافقات عمر بن الخطاب خمسة عشر: تسع لفظيات، وأربع معنويات، واثنتان في التوراة.\rفأما اللفظيات فمقام إبراهيم حيث قال: يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت والحجاب وأسارى بدر حيث شاوره صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم فقال رسول اللّه: «هؤلاء أئمة الكفر فاضرب أعناقهم» فهوي صلّى اللّه عليه وسلّم ما قاله الصديق من أطلاقهم وأخذ الفداء فنزلت: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [الأنفال: 67] رواه مسلم وغيره. وقوله: (لأمهات المؤمنين) لتكففن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو ليبدله اللّه أزواجا خيرا منكن فنزلت، أخرجه أبو حاتم وغيره. وقوله لما اعتزل عليه السّلام نساءه في المشربة: يا رسول اللّه إن كنت طلقت نساءك فاللّه عز وجل معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون فأنزل اللّه: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [التحريم: 4] الآية وأخذه بثوب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قام يصلي على عبد اللّه بن أبي ومنعه من الصلاة عليه فأنزل اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة: 84] أخرجه الشيخان: ولما نزل: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: 80] قال عليه الصلاة والسّلام:\rفلأزيدنك على السبعين فأخذ في الاستغفار لهم، فقال عمر: يا رسول اللّه واللّه لا يغفر اللّه لهم أبدا استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم فنزلت: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المؤمنون:\r6] خروجه في الفضائل ولما نزل قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون:\r12] إلى قوله: أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [المؤمنون: 14] قال عمر: (تبارك الله أحسن الخالقين) [المؤمنون: 14] فنزلت، رواه الواحدي في أسباب النزول. وفي رواية: فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «تزيد في القرآن يا عمر» فنزل جبريل بها وقال: إنها تمام الآية خرجها السخاوندي في تفسيره. ولما استشاره عليه الصلاة والسّلام في عائشة حين قال لها أهل الأفك ما قالوا فقال: يا رسول اللّه من زوجكها؟ قال: «اللّه تعالى».\rقال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها سبحانك هذا بهتان عظيم فأنزلها اللّه تعالى ذكره، صاحب الرياض عن رجل من الأنصار.\rوأما المعنويات فروى ابن السمان في الموافقة أن عمر قال لليهود: أنشدكم باللّه هل تجدون وصف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا: إن اللّه لم يبعث رسولا إلا كان له من الملائكة كفيل وإن جبريل هو الذي يكفل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عدونا من الملائكة وميكائيل سلمنا، فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه. قال عمر: فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي سلم جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل فنزل: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: 97] إلى قوله:","part":6,"page":191},{"id":2150,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 192\rآمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ في الدخول بالدعاء إِلى طَعامٍ فتدخلوا غَيْرَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [البقرة: 98] وعند السلفي أن عمر كان حريصا على تحريم الخمر وكان يقول:\rاللهم بيّن لنا في الخمر فإنها تذهب المال والعقل فنزل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة:\r219] الآية. فتلاها عليه السّلام فلم ير فيها بيانا شافيا فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] فتلاها عليه السّلام فلم ير فيها بيانا شافيا، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [المائدة: 90] الآية فتلاها عليه السّلام فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا رب انتهينا وذكر الواحدي أنها نزلت في عمر، ومعاذ، ونفر من الأنصار. وعن ابن عباس أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل غلاما من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها، فقال عمر: يا رسول اللّه وددت لو أن اللّه تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النور: 58] الآية رواه أبو الفرج وصاحب الفضائل، وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائما وقد انكشف بعض جسده فقال:\rاللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت. ولما نزل قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: 39 و40] بكى عمر وقال: يا رسول اللّه. وقليل: من الآخرين آمنا برسول اللّه وصدقناه ومن ينجو منا قليل فأنزل اللّه تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: 39 و40] فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: قد أنزل اللّه فيما قلت.\rوأما موافقته لما في التوراة؛ فعن طارق بن شهاب: جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: أرأيت قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 132] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أجيبوه، فلم يكن عندهم منها شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السموات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين الليل؟ قال:\rحيث شاء اللّه عز وجل. قال عمر: فالنار حيث شاء اللّه عز وجل. قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنها لفي كتاب اللّه المنزل كما قلت. خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة. وروي أن كعب الأحبار قال يوما عند عمر بن الخطاب: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفس عمر بيده إنها لتابعتها في كتاب اللّه عز وجل. فخرّ عمر ساجدا للّه، اهـ ملخصا من مناقب عمر من الرياض اهـ قسطلاني بحروفه.\rقوله: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ فيه دليل على أن البيت للرجل ويحكم له به فإن اللّه أضافه إليه، فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34] قلنا: إضافة البيوت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إضافة ملك، وإضافة البيوت إلى الأزواج إضافة محل بدليل أنه جعل فيها الإذن إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والآذن إنما يكون المالك. واختلف العلماء في بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي كان يسكن فيها نساؤه بعد موته هل هي ملك لهن أو لا؟ على قولين: فقالت طائفة: كانت ملكا لهن بدليل أنهن سكن فيها بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وفاتهن، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهب لهن ذلك في حياته. الثاني: أن ذلك كان إسكانا كما يسكن الرجل أهله ولم يكن هبة وامتدت سكناهن بها إلى الموت وهذاهو الصحيح وهو الذي أرتضاه أبو عمر بن عبد البر، وابن العربي وغيرهما، فإن ذلك من مؤونتهن التي","part":6,"page":192},{"id":2151,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 193\rناظِرِينَ منتظرين إِناهُ نضجه مصدر أنى يأني وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استثناها لهن كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال: لا تقسم ورثتي دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة أهلي، ومؤونة عاملي فهو صدقة. هكذا قال أهل العلم، قالوا: ويدل على ذلك أن مساكنهن لم ترثها عنهن ورثتهن. قالوا: وفي ترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن لهن ملكا، وإنما كان لهن سكنى حياتهن، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الحرام الذي يعم المسلمين نفعه، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما مضين إلى سبيلهن، فزيد إلى أصل المال فصرف لمنافع المسلمين مما يعم نفعه الجميع واللّه الموفق اهـ قرطبي.\rقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ فيه أوجه، أحدهما: أنه في موضع نصب على الحال تقديره: إلا مصحوبين بالإذن. الثاني: أنه على إسقاط باء السببية تقديره: إلا بسبب الإذن لكم كقوله: فَاخْرُجْ مِنْها [الحجر: 34] أي: بسببه. الثالث: أنه منصوب على الظرف. قال الزمخشري: إلا أن يؤذن في معنى الظرف تقديره: إلا وقت أن يؤذن لكم وغير ناظرين حال من لا تدخلوا وقع الاستثناء على الحال والوقت معا، كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن لكم، ولا تدخلوا إلا غير ناظرين إناه اهـ سمين.\rقوله: (بالدعاء) إِلى طَعامٍ أشار به إلى أنه متعلق بيؤذن لأنه متضمن معنى يدعى للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة إليه وإن حصل الإذن في الدخول اهـ كرخي.\rقوله: (فتدخلوا) غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ هذا التقدير من الشارح يفسد المعنى لأنه يقتضي أنه إذا أذن له في الدخول لا يجوز له القعود انتظارا لاستواء الطعام مع أنه يجوز، فالأولى ما قاله غيره من أن هذه الآية منزلة على قوم كانوا يدخلون من غير إذن وينتظرون نضج الطعام، فنهاهم اللّه عن كل من الأمرين.\rوفي البيضاوي: والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلّا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته صلّى اللّه عليه وسلّم بالإذن لغير الطعام ولا اللبث بعد الطعام لأمر مهم اهـ.\rوفي الكشاف: والاستثناء واقع على الوقت والحال معا كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه اهـ شهاب.\rقوله: (نضجه) بفتح النون وضمها وهو مصدر. أي: استواءه وإدراكه، وفعله نضج ينضج كفره يفرح اهـ شيخنا.\rوفي المختار: نضج الثمر واللحم بالكسر من باب سمع نضجا بضم النون وفتحها أي: أدرك فهو ناضج ونضيج اهـ.\rوقوله: (مصدر أنى يأني) أي: مصدر سماعي لأنه من باب رمى وقياس مصدره أنى كرمى، لكنه لم يسمع وإنما المسموع أنى بالكسر والقصر بوزن رضى اهـ.\rقوله: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فيه لطيفة وهي أن في العادة إذا قيل لمن يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا بإذن يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلا ولا بالدعاء فقال: لا تفعلوا مثل ما","part":6,"page":193},{"id":2152,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 194\rتمكثوا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ من بعضكم لبعض إِنَّ ذلِكُمْ المكث كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يخرجكم وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ أن يخرجكم أي لا يترك بيانه، وقرئ يستحي بياء واحدة وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَ أي أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ستر ذلِكُمْ يفعله المستنكفون، بل كونوا طائعين إذا قيل لكم لا تدخلوا فلا تدخلوا، وإذا قيل لكم: ادخلوا فادخلوا. وقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ يفيد الجواز، وقوله: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يفيد الوجوب فليس تأكيدا، بل هو مفيد فائدة جديدة اهـ رازي.\rقوله: فَإِذا طَعِمْتُمْ أي: أكلتم الطعام. يقال: طعم بكسر العين يطعم بفتحها طعما كفهم وطعما كقفل كما في المصباح والمختار. في الخطيب: فإذا طعمتم أي: أكلتم طعاما أو شربتم شرابا فانتشروا أي: اذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد الأكل والشرب اهـ.\rقوله: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ يجوز أن يكون منصوبا عطفا على غير لا تدخلوها مستأنسين، وأن يكون مجرورا عطفا على ناظرين أي: غير ناظرين ومستأنسين، وقوله: (لحديث) يحتمل أن تكون اللام لام العلة أي: مستأنسين لأجل أن يحدث بعضكم بعضا، وأن تكون المقوية للعامل لأنه فرع أي:\rولا مستأنسين حديث أهل البيت أو غيرهم اهـ سمين.\rوفي المصباح: أنست به أنسا من باب علم، وفي لغة من باب ضرب، والأنس بالضم اسم منه، واستأنست به وتأنست به إذا سكن القلب ولم ينفر اهـ.\rقوله: كانَ أي: في علم اللّه يؤذي النبي أي: لتضييق المنزل عليه وعلى أهله واشتغاله فيما لا يعنيه اهـ بيضاوي.\rقوله: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أي: من إخراجكم. فالكلام على حذف مضاف أشار له بقوله: (أن يخرجكم) وعبارة غيره: من إخراجكم، وقوله: مِنَ الْحَقِ المراد بالحق الاخراج ليكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد، وقد أشار له بقوله: (أن يخرجكم)، ومن البيانية مقدرة في كلامه أي: من أن يخرجكم أي: من إخراجكم أي: لا يستحيي من الحق الذي هو إخراجكم، وأشار بقوله:\r(أي لا يترك) بيانه إلى أن إطلاق الاستحياء في حقه تعالى مجاز علاقته اللزوم أو السببية، لأن من استحيا من شيء يتركه ولا يفعله عادة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لا يترك بيانه) أي: بل يأمر به أي: ببيانه. قوله: (و قرئ يستحي) أي: قرئ شاذا وهذه القراءة في الثاني فقط، وعبارة البيضاوي: وقرئ واللّه لا يستحي بياء واحدة اهـ.\rوالمحذوفة قيل هي الأولى بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها، فعلى هذا وزنه يستفع، لأن الأولى عين الكلمة وقد حذفت، وقيل: الثانية فوزنه يستفع اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أزواج النبي) أي: المدلول عليهن بذكر بيوته. روي أن عمر قال: يا رسول اللّه يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت. وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأكل ومعه أصحابه يأكلون فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وهي تأكل معهم، فكره النبي ذلك فنزلت هذه الآية اهـ أبو السعود.","part":6,"page":194},{"id":2153,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 195\rأَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ من الخواطر المريبة وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ بشيء وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ ذنبا عَظِيماً (53)\rإِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ في نكاحهن بعده فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54) فيجازيكم عليه\rلا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَ أي المؤمنات وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ من وقوله: متاعا أي: ما ينتفع به. قوله: ذلِكُمْ أي: ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس للحديث، وسؤال المتاع من وراء الحجاب اهـ أبو السعود.\rقوله: (من الخواطر المريبة) عبارة القرطبي: ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال، أي: ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية، وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته اهـ.\rقوله: وَما كانَ لَكُمْ أي: ما صح وما استقام لكم أي: تؤذوا الخ، وأن تؤذواهو اسم كان ولكم الخبر، وقوله: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا عطف على اسم كان وأبدا ظرف، وقوله: وَاتَّقِينَ اللَّهَ عطف على محذوف أي: امتثلن ما أمرتن به واتقين اللّه اهـ سمين.\rقوله: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً نزلت في رجل من الصحابة قال: إذا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نكحت عائشة. قيل: وهذا الرجل هو طلحة بن عبيد اللّه. قال ابن عباس: وندم هذا الرجل على ما حدث به نفسه، فمشي إلى مكة على رجليه، وحمل على عشرة أفراس في سبيل اللّه، وأعتق رقيقا فكفّر اللّه عنه اهـ قرطبي.\rقوله: مِنْ بَعْدِهِ أي: بعد وفاته أو بعد فراقه اهـ بيضاوي.\rوالذي جرى الرملي في شرح المنهاج، أي: من عقد عليها صلّى اللّه عليه وسلّم تحرم على غيره سواء دخل بها صلّى اللّه عليه وسلّم أو لا، وأما حكم إمائه فمن دخل بها منهن حرمت على غيره وإلّا فلا، هذا ما جرى عليه فيه أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ ذلِكُمْ أي: ما ذكر من إيذائه ونكاح أزواجه من بعده اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أي: تظهروه على ألسنتكم، وقوله: أَوْ تُخْفُوهُ أي: في صدوركم.\rقوله: (فيجازيكم عليه) هذا في الحقيقة جواب الشرط في قوله: إِنْ تُبْدُوا اهـ شيخنا.\rقوله: لا جُناحَ عَلَيْهِنَ أي: أزواج النبي وهذا استثناء في المعنى من وجوب الاحتجاب.\rروي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء: يا رسول اللّه إن نكلمهن أيضا من وراء الحجاب؟\rفنزل: لا جُناحَ عَلَيْهِنَ الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي آبائِهِنَ أي: في رؤية وكلام آبائهن لهن، فالكلام على حذف المضاف أشار له بقوله: (أن يروهن ويكلموهن) اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا نِسائِهِنَ المضاف إليه واقع على أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله الشارح: أي: المؤمنات","part":6,"page":195},{"id":2154,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 196\rالإماء والعبيد أن يروهن ويكلموهن من غير حجاب وَاتَّقِينَ اللَّهَ فيما أمرتن به إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55) لا يخفى عليه شيء\rإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) أي قولوا: اللهم صل على محمد وسلم\rإِنَّ الَّذِينَ تفسير للمضاف أي: ولا جناح على زوجات النبي في عدم الاحتجاب عن نسائهن أي: عن النساء المسلمات وإضافتهن لهن من حيث المشاركة في الوصف وهو الإسلام، وأما النساء الكافرات فيجب على أزواج النبي الاحتجاب عنهن كما يجب على سائر المسلمات أي: ما عدا ما يبدو عند المهنة، أما هذا فلا يجب على المسلمات حجبه وستره عن الكافرات اهـ شيخنا.\rقوله: وَاتَّقِينَ اللَّهَ عطف على محذوف أي: امتثلن ما أمرتن به، واتقين اللّه في أن يراكن غير هؤلاء اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ الخ هذه الآية شرف اللّه بها رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته وموته، وأظهر بها منزلته عنده تعالى، والصلاة من اللّه عليه صلّى اللّه عليه وسلّم رحمته ورضوانه ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره اهـ قرطبي.\rفإن قيل: إذا صلّى اللّه وملائكته فأي حاجة به إلى صلاتنا؟ أجيب: بأن الصلاة عليه ليس لحاجته إليها وإلّا فلا حاجة به إلى صلاة الملائكة أيضا، وإنما القصد بها تعظيمه صلّى اللّه عليه وسلّم وعود فائدتها علينا بالثواب والقرب منه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خطيب.\rقوله: وَمَلائِكَتَهُ العامة على النصب نسقا على اسم إن ويصلون هل هو خبر عن اللّه وملائكته أو عن الملائكة فقط. وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين خلاف. وقرأ ابن عباس: ورويت عن أبي عمرو وملائكته رفعا. فيحتمل أن يكون عطفا على محل اسم إن عند بعضهم، وأن يكون مبتدأ والخبر محذوف وهو مذهب البصريين، وقد تقدم فيه بحث نحو: زيد ضارب وعمرو أي: ضارب في الأرض اهـ سمين.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ أي: فإنكم أولى بذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: تَسْلِيماً مصدر مؤكد. قال الإمام: ولم تؤكد الصلاة لأنها مؤكدة بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ الخ وقيل: إنه من الاحتباك فحذف عليه من أحدهما، والمصدر من الآخر. وقال بعض الفضلاء: أنه سئل في منامه لم خص السّلام بالمؤمنين دون اللّه والملائكة ولم يذكر له جوابا. قلت:\rوقد لاح لي فيه نكتة سرية أي شريفة، وهي أن السّلام تسليمه عما يؤذيه، فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي النبي، والأذية إنما هي من البشر فناسب التخصيص بهم والتأكيد، وإليه الإشارة بما ذكر بعده اهـ.\rقوله: (أي قولوا اللهم صلّ على محمد وسلم) هما فرض غير مؤقت عند الأكثرين، ويجبان في تشهد الصلوات فقط عند الشافعي ويكرهان على غير الرسل والملائكة إلّا تبعا، لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل صلّى اللّه عليه وسلّم، ولذلك كره أن يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزا جليلا اهـ كرخي.","part":6,"page":196},{"id":2155,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 197\rيُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهم الكفار، يصفون اللّه بما هو منزه عنه من الولد والشريك، ويكذبون رسوله لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أبعدهم وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) ذا إهانة وهو النار\rوَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يرمونهم بغير ما عملوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وفي أبي السعود: هذه الآية دليل على وجوب الصلاة والسّلام عليه مطلقا أي: من غير تعرض لوجوب التكرار، وعليه قيل: يجب ذلك كلما جرى ذكره، ومنهم من قال: يجب في مجلس مرة وإن تكرر ذكره مرارا، ومنهم من قال: يجب في العمر مرة، وقيل: في كل صلاة اهـ.\rوفي القسطلاني في مسالك الحنفاء ما نصه: اختلف في مشروعية الصلاة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم على قولين.\rقيل: مستحبة، وقيل واجبة وعلى الثاني قيل: واجبة في التشهد الأخير من كل صلاة وعليه الشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وقيل: تجب في الصلاة من غير تعيين لمحل منها، وقيل: تجب في خارج الصلاة. قيل: كلما ذكر. وقيل: في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره فيه، وقيل: تجب في العمر مرة واحدة، وقيل: تجب في الجملة من غير حصر، وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، وبسط الكلام على ذلك فراجعه إن شئت.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أريد بالإيذاء فعل ما يكرهانه ليعم هذا القدر والإيذاء الحقيقي في حق الرسول والمجازي في حقه تعالى لاستحالة حقيقة التأذي عليه تعالى أفاده أبو السعود. وفي القرطبي: اختلف العلماء في إذاية اللّه تعالى بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء:\rمعناه تكون بالكفر، ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه ووصفه بما لا يليق به كقول اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] وقول النصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] وقول المشركين:\rالملائكة بنات اللّه والأصنام شركاؤه وقال عكرمة: معناه تكون بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا اللّه بنحت الصور وغيرها. وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لعن اللّه المصورين» قلت: هذا مما يقوي قول مجاهد بتحريم تصوير الشجر وغيره إذ كل ذلك صفة اختراع وتشبه بفعل اللّه الذي انفرد به سبحانه وتعالى وقالت فرقة: ذلك على حذف مضاف تقديره يؤذن أولياء اللّه، وأما إذاية رسول اللّه فمعناه ظاهر اهـ.\rقوله: (و هم الكفار) أي: اليهود والنصارى والمشركون. فاليهود قالوا: عزير ابن اللّه والنصارى قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ والمشركون قالوا الملائكة بنات اللّه والأصنام شركاؤه. اهـ خازن.\rقوله: (أبعدهم) أي: عن رحمته.\rقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الخ قيل: نزلت في علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل نزلت في شأن عائشة رضي اللّه عنها، وقيل: نزلت في شأن الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يبتغون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيتبعون المرأة فإن سكتت تبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة، لأن زي الكل كان واحدا فشكون ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل: وَالَّذِينَ","part":6,"page":197},{"id":2156,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 198\rتحملوا كذبا وَإِثْماً مُبِيناً (58) بينا\rيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن، إلا عينا واحدة ذلِكَ أَدْنى أقرب إلى أَنْ يُعْرَفْنَ بأنهن حرائر فَلا يُؤْذَيْنَ بالتعرض لهن، بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما سلف منهن من ترك الستر رَحِيماً (59) بهن إذ سترهن\r* لَئِنْ لام قسم لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بالزنا وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ المؤمنين بقولهم: قد أتاكم العدو، وسراياكم قتلوا أو هزموا لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ لنسلطنك عليهم ثُمَّ لا يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية اهـ خازن.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الخ لما بيّن حال المؤذين وزجرهم عن الإيذاء أمر نبيه بأن يأمر المتأذيات بما يدفع أذاهن في الجملة من التستر والتميز عن مواقع الإيذاء اهـ أبو السعود.\rقوله: يُدْنِينَ يحتمل أن يكون مقول القول وهو خبر بمعنى الأمر ويحتمل أن يكون جواب لأمر على حد: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: 31] والجلباب: إزار واسع يلتحف به اهـ شهاب.\rقوله: (تشتمل) أي: تتغطى وتستتر بها المرأة من فوق الدرع والخمار، وقيل: هو الملحفة وكل ما يستتر به من كساء وغيره اهـ خازن.\rقوله: (إلا عينا واحدة) قال ابن عباس: وأمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهم حرائر وهو قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ الخ اهـ خازن.\rقوله: (فلا يغطين وجوههن) أي: فكن لا يغطين وجوههن، وقوله: (و كان المنافقون يتعرضون لهن) أي: للنساء إذا خرجن، لكن كانوا يتعرضون للإماء دون الحرائر، ولم يكونوا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا، فكن يخرجن في درع وخمار فشكوا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزل نهي الحرائر عن أن يتشبهن بالإماء بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الخ اهـ زاده.\rقوله: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ الخ أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد يعني أن بعض الناس جمع هذه الأوصاف الثلاثة، فالواو مقحمة، وقيل الموصوف متغاير ومتعدد، فكان من المنافقين قوم يرجفون وقوم يتبعون النساء للريبة اهـ.\rقوله: مَرَضٌ (بالزنا) عبارة الخازن: في قلوبهم مرض، أي: فجور وهم الزناة اهـ.\rوفي الخطيب مرض أي: غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي اهـ.\rقوله: وَالْمُرْجِفُونَ أصل الإرجاف التحريك مأخوذ من الرجفة التي هي الزلزلة ووصفت بها الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة اهـ أبو السعود.\rقوله: (لنسلطنك عليهم) أي: فتستأصل بالقتل وقد أمره اللّه أيضا بلعنهم وهذا هو الإغراء بهم","part":6,"page":198},{"id":2157,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 199\rيُجاوِرُونَكَ يساكنونك فِيها إِلَّا قَلِيلًا (60) ثم يخرجون\rمَلْعُونِينَ مبعدين عن الرحمة أَيْنَما ثُقِفُوا وجدوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به\rسُنَّةَ اللَّهِ أي سن اللّه ذلك فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ من الأمم الماضية في منافقيهم المرجفين المؤمنين وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) منه\rيَسْئَلُكَ النَّاسُ أي أهل مكة عَنِ السَّاعَةِ متى وقد أغراه بهم أيضا في قوله: أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا الخ. والحاصل أن معنى الآية أنهم إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون، وقد فعل بهم صلّى اللّه عليه وسلّم هذا، فإنه لما نزلت سورة براءة جمعوا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا فلان قم فاخرج فإنك منافق، ويا فلان قم»، فقام إخوانهم من المسلمين وتولوا إخراجهم من المسجد اهـ قرطبي.\rقوله: ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إنما عطف بثم، لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به فتراخت حاله عن الحال المعطوف عليه اهـ كشاف.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 199\r\rله: ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إنما عطف بثم، لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به فتراخت حاله عن الحال المعطوف عليه اهـ كشاف.\rيعني: أنها للتفاوت الرتبي، والدلالة على أن ما بعدها أبعد مما قبلها وأعظم وأشد عندهم اهـ شهاب.\rقوله: مَلْعُونِينَ حال من مقدر حذف هو وعامله أشار له بقوله: (ثم يخرجون) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مَلْعُونِينَ حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء. قال ابن عطية لأنه بمعنى ينتفون منها ملعونين، وقال الزمخشري: دخل حرف الاستثناء على الحال والظرف معا كما مرّ في قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ [الأحزاب: 53] وجوز الزمخشري أن ينتصب على الذم، وجوز ابن عطية أن يكون بدلا من قليلا على أنه حال كما تقدم تقريره، ويجوز أن يكون ملعونين نعتا لقليلا على أنه منصوب على الاستثناء من واو يجاورونك كما تقدم تقريره. أي: لا يجاورك منهم أحد إلّا قليلا ملعونا، ويتجوز أن يكون منصوبا بأخذ والذي هو جواب الشرط وهذا عند الكسائي والفراء فإنما يجيزان تقديم معمول الجواب على أداة الشرط نحو خيرا أن تأتني نصب اهـ.\rقوله: (أي الحكم فيهم هذا) أي: الأخذ والقتل على جهة الأمر به يعني أن الآية خبر بمعنى الأمر أي: خذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف اهـ.\rقوله: (أي سنّ اللّه ذلك) أي: أخذهم وقتلهم أينما ثقفوا، وأشار بذلك إلى أن سنة اللّه منصوب على المصدر المؤكد، وقوله: تَبْدِيلًا (منه) أي: من اللّه أي لا يبدل اللّه سنته اهـ ابن العماد.\rقوله: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي: لابتنائها على أساس الحكمة التي عليها يدور فلك التشريع اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن النسخ بكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ اهـ.\rقوله: يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ الخ قيل: إن اليهود كانوا يسألونه عنها امتحانا لأن اللّه أخفى","part":6,"page":199},{"id":2158,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 200\rتكون قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ يعلمك بها أي أنت لا تعلمها لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ توجد قَرِيباً (63)\rإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ أبعدهم وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) نارا شديدة يدخلونها\rخالِدِينَ مقدرا خلودهم فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحفظهم عنها وَلا نَصِيراً (65) يدفعها عنهم\rيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا للتنبيه أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66)\rوَقالُوا أي الأتباع منهم رَبَّنا علمها في التوراة، فأمر نبيه أن يجيبهم بقوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها الخ اهـ خازن.\rوعبارة أبي السعود: يسألونك عن الساعة أي: عن وقت قيامها، لأن المشركين سألوا عن ذلك استعجالا بطريق الاستهزاء واليهود، سألوا عنه امتحانا، لأن اللّه تعالى عمى وقتها في التوراة وسائر الكتب اهـ.\rقوله: عَنِ السَّاعَةِ أي: عن وقت قيامها ووجودها، كما أشار له بقوله: (متى تكون) اهـ.\rقوله: عِنْدَ اللَّهِ أي: لا يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما يُدْرِيكَ ما: مبتدأ، أو جملة يدريك خبره والاستفهام إنكاري، وقد أشار لهذا الإعراب ولتفسير الاستفهام بقوله له: (أي أنت لا تعلمها) اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّ السَّاعَةَ الظاهر أن لعل تعلق كما يعلق التمني، وقريبا خبر كان على حذف موصوف أي شيئا قريبا، وقيل: التقدير قيام الساعة فروعيت الساعة في تأنيث تكون، وروعي المضاف المحذوف في تذكير قريبا، وقيل قريبا كثر استعماله استعمال الظروف فهو هنا ظرف في موضع الخبر اهـ سمين.\rوقوله: (الظاهر أن لعل تعلق الخ) هذا يقتضي أن لقوله: لَعَلَّ السَّاعَةَ معمول لفعل الدراية، والمعنى عليه وما يدريك قرب قيامها، لكن صنيع الشارح وكذا غيره من التفاسير يقتضي أن قوله:\rوَما يُدْرِيكَ جملة مستقلة، وقوله: لَعَلَّ السَّاعَةَ جملة مستقلة أيضا فتأمل.\rقوله: خالِدِينَ فِيها أي: في السعير لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم، وقوله: أَبَداً تأكيد لما استفيد من خالدين، وقوله: لا يَجِدُونَ حال ثانية أو حال من خالدين اهـ سمين.\rقوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ ظرف ليقولون مقدم عليه، أو ظرف لخالدين أو لنصيرا اهـ أبو السعود.\rقوله: تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ أي تصرف من جهة إلى جهة كاللحم فيشوى بالنار، أو من حال إلى حال وقرئ تقلب بمعنى تتقلب، وقرئ تقلب أي: نحن اهـ بيضاوي.\rقوله: يَقُولُونَ يا لَيْتَنا الخ استئناف مبني على سؤال نشأ في حكاية حالهم الفظيعة، كأنه قيل:\rفماذا يصنعون عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسرين على ما فاتهم يا ليتنا الخ أو حال من ضمير وجوههم، أو من نفس الوجوه. وقوله: وَقالُوا الخ عطف على يقولون والعدول إلى الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرا كقوله السابق، بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة اهـ أبو السعود.","part":6,"page":200},{"id":2159,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 201\rإِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وفي قراءة ساداتنا جمع الجمع وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) طريق الهدى\rرَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ أي مثلي عذابنا وَالْعَنْهُمْ عذبهم لَعْناً كَبِيراً (68) عدده وفي قراءة بالموحدة أي عظيما\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا مع نبيكم كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى بقولهم مثلا: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا بأن وضع ثوبه على حجر ليغتسل، ففرّ قوله: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا يعنون بهم الذين لقنوهم الكفر والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبراء لتقوية الاعتذار، وإلّا فهم في مقام التحقير والإهانة اهـ أبو السعود.\rقوله: سادَتَنا جمع على غير قياس سواء جعل جمعا لسيد أو سائد، وقوله: (جمع الجمع) أي: هو على هذه القراءة جمع الجمع. أي: جمع تصحيح بالألف والتاء اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: سادَتَنا قرأه ابن عامر في آخرين بالجمع بالألف والتاء الباقون سادتنا على أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء ثم سادة يجوز أن يكون جمعا لسيد ولكنه لا ينقاس لأن فعيلا لا يجمع على فعلة، وسادة بوزن فعلة إذ الأصل سودة، ويجوز أن يكون جمعا لسائد نحو فاجر وفجرة وكافر وكفرة وهو أقرب إلى القياس مما قبله، وابن عامر جمع هذا ثانيا بالألف والتاء وهو غير مقيس أيضا نحو: جمالات. وقرأ عاصم كبيرا بالموحدة والباقون بالمثلثة وتقدم معناهما في البقرة اهـ.\rقوله: (أي مثلي عذابنا) أي: لأنهم ضلوا وأضلوا اهـ شيخنا.\rقوله: (مثلا) راجع لقوله: (إلا أنه آدر)، أي: أو قولهم إنه أبرص اهـ شيخنا.\rوقوله: (ما يمنعه أن يغتسل معنا الخ). روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعضهم، وكان موسى عليه السّلام يغتسل وحده فقالوا: واللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر» قال: «فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال: فجعل موسى عليه السّلام يعدو إثره يقول ثوبي حجر ثوبي حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: واللّه ما بموسى من بأس، فقام الحجر حتى نظروا إليه» قال: «فأخذ ثوبه فاستتر به وطفق بالحجر ضربا». قال أبو هريرة: واللّه إن به ندبا ستة أو سبعة من ضرب موسى اهـ قرطبي.\rوفي القاموس: الندابة أثر الجرح الباقي على الجلد، والجمع ندب مثل شجر وأندب وندوب اهـ.\rقوله: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا أي: أظهر براءته لهم، وقوله: مِمَّا قالُوا ما مصدرية أو موصولة أي: من الذي قالوه اهـ.\rقوله: (ففر الحجر به) أي: بالثوب. قوله: (لا أدرة به) الأدرة بضم الهمزة وسكون الدال المهملة وراء مفتوحة مرض تنتفخ منه الخصيتان وتكبران جدا لا نصباب مادة أو ريح غليظ فيهما، ورجل آدر بالمد كآدم به أدرة اهـ شهاب.","part":6,"page":201},{"id":2160,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 202\rالحجر به حتى وقف بين ملإ من بني إسرائيل، فأدركه موسى فأخذ ثوبه فاستتر به، فرأوه لا أدرة به وهي نفخة في الخصية وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69) ذا جاه. ومما أوذي به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قسم قسما، فقال رجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه تعالى، فغضب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك وقال:\rيرحم اللّه موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، رواه البخاري.\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70) صوابا\rيُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ يتقبلها وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) نال غاية مطلوبه\rإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب قوله: وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (ذا جاه) يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة، فهو وجيه إذا كان ذا جاه وقدر، والعامة على قراءة عند الظرفية المحازية، وابن مسعود، والأعمش، وأبو حيوة عبدا من العبودية للّه جار ومجرور وهي حسنة اهـ كرخي.\rقوله: (يتقبلها) أو يوفقكم للأعمال الصالحة اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ قال ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها اللّه تعالى على عباده عرضها على السموات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم. وقال ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في المكيال، وأشد من هذا كله الودائع. وقيل: هي جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وقيل: هي الصوم وغسل الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: أول ما خلق اللّه من الإنسان الفرج، وقال: هذه الأمانة استودعكها، فالفرج أمانة والأذنان أمانة والعين أمانة واليد أمانة والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وفي رواية عن ابن عباس: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء لا في قليل ولا في كثير، فعرض اللّه هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، وهذا قول جماعة من التابعين وأكثر السلف فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن. قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا، وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين اللّه تعالى، لئلا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة لأمره، وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة للّه تعالى مطيعة لأمره ساجدة له. قال بعض أهل العلم: ركب اللّه تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن. وقيل: المراد من العرض على السموات والأرض والجبال هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها، والقول الأول أصح وهو قول العلماء: فأبين أن يحملنها وأشفقن منها أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب، وحملها الإنسان يعني آدم. قال اللّه عز وجل لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت، فحملها آدم فقال:\rبين أذني وعاتقي، قال اللّه تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك وأجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل فارخ عليه حجابه وأجعل للسانك لحيين وغلاما، فإذا خشيت فاغلق عليه وأجعل","part":6,"page":202},{"id":2161,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 203\rوتركها من العقاب عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ بأن خلق فيها فهما ونطقا فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ خفن مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ آدم بعد عرضها عليه إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه بما حمله لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر إلى العصر. إنه كان ظلوما جهولا. قال ابن عباس: ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه وما تحمل من الأمانة. وقيل: ظلوما حين عصى ربه جهولا أي لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة. وقيل: ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ولم يف بضمانها: وقيل في تفسير الآية قول آخر، وهو أن اللّه تعالى ائتمن السموات والأرض على شيء وائتمن آدم وأولاده على شيء، والأمانة في حق الاجرام العظام هي الخضوع والطاعة لما خلقن له. وقوله: (فأبين أن يحملنها) أي: أدين الأمانة ولم يخن فيها، وأما الأمانة في حق بني آدم فهو ما ذكر من الطاعة والقيام بالفرائض، وقوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي: خان فيها، وعلى هذا القول حكي عن الحسن أنه قال: الإنسان هو الكافر والمنافق حملا الأمانة وخانا فيها، والقول الأول قول السلف وهو الأول في تفسير الآية اهـ خازن.\rقوله: (مما في فعلها) من بمعنى مع أي مع ما في فعلها أي: الأمانة التي هي التكاليف، وقوله:\r(من الثواب) بيان لما أي: عرضناها مع الثواب والعقاب على السموات اهـ شيخنا.\rقوله: (بأن خلق فيها فهما) أي: حتى عقلت الخطاب. وقوله: (و نطقا) أي: حتى أجابت بما تقدم اهـ خازن.\rقوله: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع التكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك وإن كان مذكرا، وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السموات على المذكر وهو الجبال، واعلم أنه لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الحجر: 31] لأن السجود هناك كان فرضا، وههنا الأمانة كانت عرضا والإباء هناك كان استكبارا وههنا كان استصغارا لقوله تعالى: وَأَشْفَقْنَ مِنْها أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ معطوف على مقدر أي: فعرضناها على الإنسان فحملها كما أشار له بقوله: (بعد عرضها عليه)، وهذا المقدر هو المشار إليه بقوله: (متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم) أي: متعلقة بعرضنا المقدر اهـ شيخنا.\rولا حاجة إلى هذا كله بل كان يكفي أن يقول متعلقة بحملها اهـ.\rوفي القرطبي: واللام متعلقة بحملها أي: حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع، وقيل: متعلقة بعرضنا أي: عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم اللّه، وإيمان المؤمن ليثيبه اللّه اهـ.\rقوله: ظَلُوماً (لنفسه) المراد بظلمه لها إتعابه إياها كما أشار له بقوله: (بما حمله) وهذا الظلم","part":6,"page":203},{"id":2162,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 204\rجَهُولًا (72) به\rلِيُعَذِّبَ اللَّهُ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ المضيعين الأمانة وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ المؤدين الأمانة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للمؤمنين رَحِيماً (73) بهم.\rممدوح من الأنبياء ومن توقف فيه، فهم أن المراد بالظلم حقيقته وهي مجاوزة حد الشرع اهـ شيخنا.\rقوله: جَهُولًا (به) أي: بعاقبته وأن النفس لا تطيق الدوام عليه اهـ شيخنا.\rقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ الخ أي: حملها الإنسان ليعذب اللّه بعض أفراده الذين لم يراعوها على أن اللام للعاقبة، فإن التعذيب وإن لم يكن غرضا حاملا على تحملها، لكن لما ترتب الأغراض على الأفعال المعلل بها أبرز في معرض الغرض أي: كان عاقبة حمل الإنسان أن يعذب اللّه من أفراده من لم يقم بهذه الأمانة، وأن يثيب من قام بها والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل الخطب وتربية المهابة والإظهار في موضع الإضمار ثانيا في قوله: وَيَتُوبَ اللَّهُ لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه، واللّه أعلم اهـ أبو السعود.\rقوله: غَفُوراً (للمؤمنين) أي: حيث عفا عن فرطاتهم رحيما بهن حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم، مكرما لهم بأنواع الكرم واللّه أعلم اهـ خطيب.","part":6,"page":204},{"id":2163,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 205\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة سبإ مكية إلا وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الآية. وهي أربع أو خمس وخمسون آية\rالْحَمْدُ لِلَّهِ حمد تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد، وهو الوصف بالجميل للّه تعالى الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة وَهُوَ الْحَكِيمُ في فعله الْخَبِيرُ (1) بخلقه\rيَعْلَمُ ما يَلِجُ يدخل فِي الْأَرْضِ كماء وغيره وَما يَخْرُجُ مِنْها كنبات وغيره وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rبالصرف وتركه كما سيأتي في الشرح. قوله: (حمد تعالى نفسه) من باب فهم كما في المختار، وقوله: (بذلك) أي: بذلك القول وهو الجملة المذكورة، وقوله: (المراد به) نعت لذلك، وقوله: (من ثبوت الحمد الخ) بيان للمضمون، وقوله: (للّه) متعلق بثبوت اهـ شيخنا.\rقوله: (ملكا وخلقا) تمييزان عن نسبة ما في السموات اهـ كرخي.\rقوله: (كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة) يقولون: الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن، الحمد للّه الذي صدقنا وعده فله الحمد في الدارين فحذف الدنيا لدلالة الآخرة عليها، لأن النعم فيهما كله منه. فإن قلت: الحمد مدح النفس ومدحها مستقبح فيما بين الخلق فما وجه ذلك؟ فالجواب: إنه دليل على أن حاله تعالى بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه تعالى أن تقاس أفعاله على أفعال العباد وهذا يهدم أصول المعتزلة بالكلية قاله الفخر الرازي اهـ كرخي.\rقوله: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ الخ تفصيل لبعض ما يحيط به علمه تعالى من الأمور التي نيطت بها مصالحهم الدينية والدنيوية اهـ أبو السعود.\rقوله: ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أي: من المطر والكنوز والأموات وما يخرج منها أي: من النبات والأشجار والعيون والمعادن والأموات إذا بعثوا وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أي: من الثلج والبرد والمطر وأنواع البركات والملائكة، وَما يَعْرُجُ فِيها: أي: في السماء من الملائكة وأعمال العباد، وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ أي: للمفرطين في أداء ما وجب عليهم من شكر نعمه اهـ خازن.","part":6,"page":205},{"id":2164,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 206\rرزق وغيره وَما يَعْرُجُ يصعد فِيها من عمل وغيره وَهُوَ الرَّحِيمُ بأوليائه الْغَفُورُ (2) لهم\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ القيامة قُلْ لهم بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ بالجر صفة، والرفع خبر مبتدإ، وعلام بالجر لا يَعْزُبُ يغيب عَنْهُ مِثْقالُ وزن ذَرَّةٍ أصغر نملة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) بيّن هو اللوح المحفوظ\rلِيَجْزِيَ فيها الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) قوله: (كماء وغيره) أي: كالكنوز والدفائن والأموات، وعورض هذا بأنها مما يوضع فيها لا مما يلج فيها. فالجواب: بأن الوضع هو الإيلاج والولوج مطاوعة اهـ كرخي.\rقوله: وَما يَعْرُجُ فِيها ضمن العروج معنى الاستقرار فعداه بفي دون إلى والسماء جهة العلو مطلقا اهـ شهاب.\rقوله: لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ أرادوا بضمير التكلم جنس البشر قاطبة لا أنفسهم أو معاصريهم فقط، كما أرادوا بنفي إتيانها نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها مع تحققها في نفس الأمر، وإنما عبروا بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ (لهم) بَلى رد لكلامهم وإثبات لما نفوه على معنى ليس الأمر إلا إتيانها.\rوقوله: وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ تأكيد له على أتم الوجوه وأكملها، وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ الخ تقوية للتأكيد لأن تعقيب القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه وقوة إثباته وصحته لما أن ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالجر صفة الخ) والقراءات الثلاث سبعيات اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَعْزُبُ عَنْهُ بضم الزاي في قراءة الجمهور، وقرأ الكسائي بكسرها اهـ بيضاوي.\rوفي المصباح: وعزب الشيء من باب قتل وضرب غاب وخفي اهـ.\rقوله: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ جملة من مبتدأ وخبر مؤكدة لنفي العزوب اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ العامة على رفع أصغر وأكبر وفيه وجهان، أحدهما:\rالابتداء والخبر إلا في كتاب. والثاني: النسق على مثقال وعلى هذا فيكون قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ تأكيدا للنفي في لا يعزب كأنه قال: لكنه في كتاب مبين ويكون في محل الحال. وقرأ قتادة، والأعمش، ورويم، عن أبي عمرو، ونافع أيضا: بفتح الراءين وفيه وجهان، أحدهما: أن لا هي لا التبرئة بني اسمها معها، والخبر قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ. والثاني: النسق على ذرة اهـ.\rقوله: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ إشارة إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب أيضا فإن قيل: فأي حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد وإن يعلم الأكبر؟ فالجواب:\rلما كان اللّه تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال: الإثبات في الكتاب ليس كذلك، فإن الأكبر مكتوب فيه أيضا اهـ كرخي.\rقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا علة لقوله لتأتينكم وبيان لما يقتضيه إتيانها اهـ أبو السعود.","part":6,"page":206},{"id":2165,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 207\rحسن في الجنة\rوَالَّذِينَ سَعَوْا فِي إبطال آياتِنا القرآن مُعاجِزِينَ وفي قراءة وفيما يأتي معاجزين، أي مقدرين عجزنا أو مسابقين لنا فيفوتونا لظنهم أن لا بعث ولا عقاب أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ سيىء العذاب أَلِيمٌ (5) مؤلم بالجر والرفع، صفة لرجز وعذاب\rوَيَرَى وقد أشار له للشارح بقوله: (فيها) أي: الساعة اهـ شيخنا.\rقوله: (حسن في الجنة) أي: محمود العاقبة.\rقوله: وَالَّذِينَ سَعَوْا يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ، وأولئك وما بعده خبره.\rوالثاني: أنه عطف على الذين قبله أي: ويجزي الذين سعوا ويكون أولئك بعده مستأنفا، وأولئك الذين قبله وما في حيزه معترضا بين المتعاطفين اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي (إبطال) آياتِنا (القرآن) أي: بالطعن فيها ونسبتها إلى السحر والشعر وغير ذلك لأن المكذب آت بإخفاء آيات بينات، فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية. وقوله: (و فيما يأتي) أي: آخر السورة. قوله: (أي مقدرين الخ) لف ونشر مرتب، فالأول توجيه للقراءة الأولى، والثاني للثانية. وقد تقدم نظير ذلك مع زيادة في سورة الحج اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: معجزين أي: مثبطين عن الإيمان من أراده اهـ.\rومعنى التقدير في كلام الشارح الاعتقاد وقوله: (مسابقين) أطلق المعاجزة على المسابقة لكون كل واحد من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللحوق به والمسابقة مع اللّه وإن كانت مما لا يتصور إلا أن المكذبين بآيات اللّه لما قدروا في أنفسهم وطمعوا أن كيدهم في الإسلام يتم لهم شبهوا بمن يسابق اللّه بحسب زعمهم اهـ زاده.\rوفي الشهاب: عند الآية الآتية ما نصه قال الراغب: أصل معنى العجز التأخر لكون المتأخر خلف عجز السابق أو عنده، ثم تعورف فيما هو معروف ظاهرا، فالمراد هنا بالمعاجزة التأخر المسبوق بتقديم السابق، ومعنى المفاعلة غير مقصود هنا إذ المقصود السبق وعدم قدرة غيرهم عليهم لغلبتهم، فلذا لم يقل في تفسيره مسابقين فغلبتهم إما للأنبياء وهي متصورة أو للّه وهي غير متصورة، فلذا جعلها بناء على زعمهم الفاسد وظنهم الباطل لا أنه موضوع له اهـ.\rقوله: (فيفوتونا) في نسخة فيفوتوننا، وفي البيضاوي: كي فوتونا وعليها فحذف النون ظاهر اهـ.\rوقوله: (لظنهم أن لا بعث الخ) علة لقوله سعوا.\rقوله: وَيَرَى الَّذِينَ معطوف على يجزي فهو منصوب أو مستأنف فهو مرفوع، فقول الشارح يعلم يصح قراءته بالوجهين، والذين: فاعل، والذي أنزل: مفعول أول، وقوله: هُوَ (فصل) أي:","part":6,"page":207},{"id":2166,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 208\rيعلم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مؤمنو أهل الكتاب، كعبد اللّه بن سلام وأصحابه الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن هُوَ فصل الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ طريق الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) أي اللّه ذي العزة المحمود\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي قال بعضهم على جهة التعجيب لبعض هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ هو محمد يُنَبِّئُكُمْ يخبركم أنكم إِذا مُزِّقْتُمْ قطعتم كُلَّ مُمَزَّقٍ بمعنى تمزيق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ ضمير فصل متوسط بين المفعولين، والحق مفعول ثان، ويهدي معطوف على المفعول الثاني أي:\rيرونه حقا وهاديا اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: ويهدي عطف على الحق عطف الفعل على الاسم لأن الفعل في تأويل الاسم كأنه قيل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ وهاديا اهـ.\rوفي الشهاب: قوله: وَيَهْدِي فيه أوجه، أحدها: أنه مستأنف وفاعله إما ضمير الذين أنزل أو اللّه، فقوله: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ التفات. الثاني: أنه معطوف على الحق بتقدير، وأنه يهدي. الثالث:\rأنه معطوف عليه عطف الفعل على الاسم. الرابع: أنه حال بتقدير وهو يهدي اهـ.\rقوله: (مؤمنو أهل الكتاب الخ) عبارة القرطبي: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قال مقاتل: الذين أوتوا العلم هم مؤمنو أهل الكتاب، وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: أهل الكتاب، وقيل: جميع المسلمين وهو أصح لعمومه، والرؤية بمعنى العلم وهي في موضع نصب عطفا على ليجزي أي: ليجزي وليرى قاله الزجاج والفراء اهـ.\rويرد على العطف المذكور أن المراد من الآية ثبوت العلم لهم في الدنيا، والعطف يقتضي ثبوته لهم في الآخرة وليس مرادا فالحق هو الاستئناف اهـ.\rقوله: (هو محمد) ونكروه سخرية به واستهزاء قاتلهم اللّه اهـ أبو السعود.\rوفي الشهاب: والتعبير عنه برجل المنكر من باب التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل وهو عندهم أشهر من الشمس اهـ.\rوفي القرطبي: فإن قلت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مشهورا علما في قريش وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم فما معنى قولهم هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول في أمر مجهول؟ قلت: كانوا يقصدون بذلك السخرية والهزء به فأخرجوه مخرج التحاكي ببعض الحكايات التي يتحاكى بها للضحك والتلهي متجاهلين به اهـ.\rقوله: (أنكم) إِذا مُزِّقْتُمْ الخ تقديره: أنكم غير واف بالمقصود فإن غرضه الإشارة إلى العامل في إذا، وعبارة غيره: أنكم تبعثون إذا مزقتم ولو قدره هكذا لكان أوضح. وعبارة السمين: قوله: إِذا مُزِّقْتُمْ إذا منصوب بقدر أي: تبعثون وتحشرون وقت تمزقكم لدلالة إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ عليه، ولا يجوز أن يكون العامل ينبئكم لأن التنبئة لهم تقع ذلك الوقت ولا مزقتم، لأنه مضاف إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا خلق جديد لأن ما بعد إن يعمل فيما قبلها، ومن توسع في الظرف أجازه. هذا إذا جعلنا إذا ظرفا محضا، فإن جعلناها شرطا كان جوابها مقدر أي: تبعثون وهو العامل في","part":6,"page":208},{"id":2167,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 209\rجَدِيدٍ (7)\rأَفْتَرى بفتح الهمزة للاستفهام، واستغنى بها عن همزة الوصل عَلَى اللَّهِ كَذِباً في ذلك أَمْ بِهِ جِنَّةٌ جنون تخيل به ذلك، قال تعالى بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ المشتملة على البعث والعذاب فِي الْعَذابِ فيها وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) من الحق في الدنيا\rأَفَلَمْ يَرَوْا ينظروا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما فوقهم وما تحتهم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ إذا عند الجمهور. قال الشيخ: والجملة الشرطية يحتمل أن تكون معمولة لينبئكم لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ثم أكد ذلك بقوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، ويحتمل أن يكون إنكم لفي خلق جديد معلقا لينبئكم سادا مسد المفعولين ولو لا اللام لفتحت إن، وعلى هذا فجملة الشرط اعتراض وقد منع قوم التعليق في أعلم وبابها والصحيح جوازه اهـ.\rقوله: (بمعنى تمزيق) يشير به إلى أن ممزق اسم مصدر وهو قياس كل ما زاد على الثلاث أن يجيء مصدره وزمانه ومكانه على زنة اسم مفعوله أي: كل تمزيق، ويجوز أن يكون ظرف مكان قاله الزمخشري أي: كل مكان تمزيق من القبور وبطون الوحش والطير اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: تنشؤون خلقا جديدا بعد أن تمزقت أجسادكم كل تمزيق وتفريق بحيث تصير ترابا اهـ بيضاوي.\rوجديد عند البصريين بمعنى فاعل يقال: جد الشيء فهو جاد وجديد، وعند الكوفيين بمعنى مفعول من جددته أي قطعته اهـ سمين.\rقوله: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يحتمل أن يكون هذا من تمام قول الكافرين أولا أي: من كلام القائلين هل ندلكم، ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل هل ندلكم، كأنه القائل لما قال له هل ندلكم على رجل؟ أجابه فقال هو يفتري على اللّه كذبا الخ اهـ خطيب.\rقوله: (و استغنى بها) أي: في التوصل للنطق بالساكن اهـ شيخنا.\rقوله: كَذِباً (في ذلك) أي: في الأخبار بأنهم يبعثون، وقوله: (تخيل به ذلك) أي أنهم يبعثون اهـ شيخنا.\rقوله: (قال تعالى) بَلِ الَّذِينَ الخ أي: جوابا عن ترديدهم الوارد على طريقة الاستفهام بالإضراب عن شقيه وإبطالهما وإثبات قسم ثالث كاشف عن حقيقة الحال مناد عليهم بسوء حالهم وبطلان ما قالوا في حقه كأنه قيل: ليس الأمر كما زعموا بل هم في كمال اختلاط العقل وغاية الضلال عن الفهم والإدراك الذي هو الجنون حقيقة وفميا يؤدي إليه ذلك من العذاب، ولذلك يقولون ما يقولون اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَلَمْ يَرَوْا الخ استئناف مسوق لتهويل ما اجترؤوا عليه من تكذيب آيات اللّه واستعظام ما قالوا في حق رسول اللّه، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: أَفَلَمْ يَرَوْا فيه الرأيان المشهوران، فقدره الزمخشري: أعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف اهـ.\rقوله: إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ من المعلوم أن ما بين يدي الإنسان هو كل ما يقع نظره","part":6,"page":209},{"id":2168,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 210\rنُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً بسكون السين وفتحها قطعة مِنَ السَّماءِ وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء إِنَّ فِي ذلِكَ المرئي لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) راجع إلى ربه، تدل على قدرة اللّه على البعث وما يشاء\r* وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا نبوة وكتابا وقلنا يا جِبالُ أَوِّبِي ارجعي مَعَهُ عليه من غير أن يحول وجهه إليه، وما خلفه هو كل ما لا يقع نظره عليه حتى يحول نظره إليه فيعم الجهات كلها، فإن قيل: هلا ذكر الأيمان والشمائل كما ذكرهما في قوله في الأعراف: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: 17] فالجواب: أنه وجد هنا ما يغني عن ذكرهما من لفظ العموم والسماء والأرض بخلاف هناك اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ نَشَأْ الخ بيان لما ينبىء عنه ذكر إحاطتهما بهم من المحذور المتوقع من جهتهما، وفيه تنبيه على أنه لم يبق من أسباب وقوعه إلا تعلق المشيئة به أي: فعلوا ما فعلوا من المنكر الهائل المستتبع للعقوبة، فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم من جميع جوانبهم بحيث لا مفر لهم عنه ولا محيص.\rإن نشأ جريا على موجب جناياتهم نخسف بهم الأرض كما خسفناها بقارون، أو نسقط عليهم كسفا أو قطعا من السماء كما أسقطناها على أصحاب الأيكة لاستيجابهم ذلك بما ارتكبوه من الجرائم اهـ أبو السعود.\rقوله: (قطعة) الأولى أن يقول قطعا، لأن كلّا من كسف وكسف جمع كسفة بمعنى قطعة كما تقدم عن القاموس في سورة الروم. قوله: (في الأفعال الثلاثة) أي: نشأ ونخسف ونسقط. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المرئي) أي: من السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالنظر من جميع الجوانب اهـ أبو السعود.\rوقاله هنا بتوحيد آية، وقال بعد ذلك: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [إبراهيم: 5 ولقمان: 31 وسبأ: 19] بجمعها لأن ما هنا إشارة إلى إحياء الموتى فناسب التوحيد وما بعده إشارة إلى سبأ قبيلة تفرقت في البلاد فصاروا فرقا فناسب الجمع اهـ كرخي.\rقوله: يا جِبالُ محكي بقول مضمر، ثم إن شئت قدرته مصدرا ويكون بدلا من فضلا على جهة تفسيره به، كأنه قيل: آتيناه فضلا قولنا يا جبال. وإن شئت قدرته فعلا، وحينئذ فلك وجهان: إن شئت جعلته بدلا من آتيناه، وإن شئت جعلته مستأنفا اهـ سمين.\rقوله: أَوِّبِي مَعَهُ العامة على فتح الهمزة وتشديد الواو أمر من التأويب وهو الترجيع، وقيل:\rالتسبيح بلغة الحبشة، والتضعيف يحتمل أن يكون للتكثير، واختار الشيخ أن يكون للتعدي. قال:\rلأنهم فسروه برجعي معه التسبيح ولا دليل فيه لأنه تفسير معنى، وقرأ ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن أبي إسحاق: أو بي بضم الهمزة وسكون الواو أمر من آب يؤوب أي: ارجعي معه بالتسبيح اهـ سمين.\rقوله: (ارجعي) مَعَهُ (بالتسبيح) أي: كلما رجع فيه، فكان كلما سبح يسمع من الجبال التسبيح معجزة له اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: فكان داود إذ نادى بالتسبيح أو بالنياحة أجابته الجبال وعطفت الطير عليه من","part":6,"page":210},{"id":2169,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 211\rبالتسبيح وَالطَّيْرَ بالنصب عطفا على محل الجبال، أي ودعوناها تسبح معه وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) فكان في يده كالعجين وقلنا\rأَنِ اعْمَلْ منه سابِغاتٍ دروعا كوامل يجرها لابسها على الأرض وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي نسج الدروع، قيل لصانعها سرّاد، أي اجعله بحيث تتناسب فوقه، وقيل: كان إذا لحقه ملل أو فتور أسمعه اللّه تسبيح الجبال فينشط له اهـ.\rقوله: (عطفا على محل الجبال) ويؤيده القراءة بالرفع عطفا على لفظها تشبيها للحركة البنائية العارضة بحركة الإعراب، أو بالنصب عطفا على فضلا أو هو مفعول معه لأبي اهـ بيضاوي.\rقوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ عطف على أتينا وهو من جملة الفضل اهـ سمين.\rوسبب ذلك أن اللّه تعالى أرسل له ملكا في صورة رجل فسأله داود عن حال نفسه فقال له: ما تقول في داود؟ فقال: نعم هو لو لا خصلة فيه. فقال داود: وما هي؟ فقال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال. فسأل داود ربه أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال، فألان اللّه له الحديد وعلمه صنعة الدروع، فهو أول من اتخذها، وكانت قبل ذلك صفائح. قيل: كان يعمل كل يوم درعا ويبيعها بأربعة آلاف درهم وينفق ويتصدق منها، فلذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «كان داود لا يأكل إلا من عمل يده» اهـ خازن.\rقوله: (فكان في يده كالعجين) أي: من غير نار ومن غير آلة اهـ.\rقوله: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ فيها وجهان، أظهرهما: أنها مصدرية على حذف الحرف أي: لأن أعمل. والثاني: قاله الحوفي وغيره إنها مفسرة، ورد هذا بأن شرطها تقدم ما هو بمعنى القول ولم يتقدم هنا إلا ألنا، واعتذر بعضهم عن هذا بأن يقدر ما هو بمعنى القول. أي: وأمرناه أن اعمل ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، وقرئ صابغات لأجل الغين وتقدم تقديره في لقمان عند قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ [لقمان: 20] اهـ سمين.\rقوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ اختلف في معنى قوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي: نسج الدروع: يقال لصانعه: الزراد والسراد، فقيل: معناه قدر المسامير في حلق الدروع أي: لا تجعل المسامير غلاظا فتكسر الحلق ولا دقاقا فتقلقل فيها، ويقال: السرد المسمار في الحلقة يقال: درع مسرودة أي:\rمسمورة الحلق، أو قدر في السرد اجعله على القصد وقدر الحاجة، وقيل: اجعل كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها السهم، ولتكن في ثخنها بحيث لا يقطعها سيف ولا تثقل على الدراع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البر والبحر، والبرد والحر، والظاهر كما قال البقاعي: إنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة إليها بسبب إلانة الحديد، وإلّا لم يكن بينه وبين غيره فرق ولا كان للإلانة كبير فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير، وقال الرازي: يحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد، وقوله تعالى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي: إنك غير مأمور أمر إيجاب، وإنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة، فقدّر في ذلك العمل ولا تشتغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل فيه القوت فحسب اهـ خطيب.\rقوله: (أي اجعله) أي: النسج، وقوله: (بحيث تتناسب حلقه) بأن تكون على مقادير متناسبة اهـ شهاب.","part":6,"page":211},{"id":2170,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 212\rحلقه وَاعْمَلُوا أي آل داود معه صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) فأجازيكم به\rوَسخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ وقراءة الرفع بتقدير تسخير غُدُوُّها مسيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال شَهْرٌ وَرَواحُها سيرها من الزوال إلى الغروب شَهْرٌ أي مسيرته وَأَسَلْنا أذبنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي النحاس فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وعمل الناس إلى اليوم مما ولو قال حلقها لكان أوضح كما قال القاري والحلق بفتحتين أو بكسر ففتح جمع حلقة بفتح فسكون وقد يقال بفتحتين اهـ من المختار.\rوفيه أيضا: سرد الدرع أي: نسجها، وهو إدخال الحلق بعضها في بعض يقال: سرد الدرع سردا من باب نصر اهـ.\rقوله: (أي آل داود) بالنصب على أن ندائية، وبالرفع على أنها تفسيرية للواو اهـ شيخنا.\rقوله: (و سخرنا) لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أخذ تقدير هذا العامل من التصريح به في موضع آخر في قوله: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ [ص: 36] الخ. قوله: (بتقدير تسخير) أي: على أنه مبتدأ مضاف للريح، والجار والمجرور في محل رفع خبر، والأصل وتسخر الريح كائن لسليمان، ثم حذف المبتدأ وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه ثم قدم الخبر اهـ شيخنا.\rقوله: غُدُوُّها شَهْرٌ أي: جريها بالغداة وهي من أول النهار إلى الزوال مسيرة شهر، ورواحها شهر أي: سيرها من الزوال إلى الغروب مسيرة شهر، والجملة إما مستأنفة أو حال من الريح. وعن الحسن: كان سليمان يغدو من دمشق فيقيل في إسطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من إسطخر فيبيت ببابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع اهـ من الخازن وأبي السعود.\rقوله: (أي مسيرته) راجع لكل من القسمين قبله اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ القطر: النحاس المذاب، ومعنى أسلنا له عين القطر جعلنا النحاس في معدنه كالعين النابعة من الأرض، وفي القرطبي: والظاهر أن اللّه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته اهـ.\rوعبارة البيضاوي: أساله اللّه من معدنه ينبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سماه عينا وكان ذلك باليمن اهـ.\rقوله: (فأجريت ثلاثة أيام) قيل: مرة واحدة، وقيل: كان يسيل في كل شهر ثلاثة أيام اهـ أبو السعود.\rقوله: (و عمل الناس) مبتدأ، وقوله: (مما أعطي سليمان) خبر. أي: من الكرامة التي أعطيها سليمان. أي: عمل الناس في النحاس. أي: اصطناعهم له بعد لينه وإذابته، ولو كانت بالنار من آثار الكرامة التي أعطيها سليمان ولولاها ما لان النحاس أصلا، لأنه قبل سليمان لم يكن يلين أصلا بنار ولا بغيرها اهـ شيخنا.","part":6,"page":212},{"id":2171,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 213\rأعطي سليمان وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ بأمر رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ يعدل مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا له بطاعته نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12) النار في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة تحرقه\rيَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ أبنية مرتفعة يصعد إليها بدرج وَتَماثِيلَ جمع قوله: مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، وخبره الجار والمجرور قبله أي:\rمن الجن من يعمل، وأن يكون في موضع نصب بفعل مقدر أي: وسخرنا من يعمل، ومن الجن متعلق بهذا المقدر أو بمحذوف على أنه حال أو بيان اهـ سمين.\rويؤيد الاحتمال الثاني ما في سورة ص من قوله تعالى: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص:\r37] فإنه هناك منصوب بسخرنا المصرح به. قوله: عَنْ أَمْرِنا (له) أي: لمن يزغ، وقوله: (بطاعته) أي: سليمان. قوله: (بأن يضربه ملك) أي: وكله اللّه الجن للذين يستعملهم سليمان، فكان بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته اهـ خازن.\rقوله: يَعْمَلُونَ لَهُ الخ تفصيل لما ذكر من عملهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أبنية مرتفعة) فليس المراد بها محاريب المساجد التي هي مواضع صلاة الإمام الراتب المسماة بالقبل اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: من محاريب أي: أبنية مرتفعة سميت بالمحاريب لأنها يذب عنها ويحارب عليها اهـ. وكتب عليها الشهاب.\rقوله: (أبنية مرتفعة) هذا أصل معنى المحراب وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته ثم نقل إلى الطاق التي يقف بحذائها الإمام وهي مما أحدث في المساجد اهـ.\rوكان مما عملوا له بيت المقدس، وذلك أن داود ابتدأه، أي: ابتدأ بناءه في موضع فسطاط أي:\rخيمة موسى التي كان ينزل فيها فرفعه قدر قامة، فأوحى اللّه إليه لم يكن تمامه على يديك بل على يد ابن لك اسمه سليمان. فلما قضي على داود واستخلف سليمان وأحب إتمامه جمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، فأرسل بعضهم في تحصيل الرخام، وبعضهم في تحصيل البلور من معادنه وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح، فلما فرغ منها ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا منهم من يستخرج الذهب والفضة من معادنها، ومنهم من يستخرج الجواهر والياقوت والدر الصافي من أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك والطيب والعنبر من أماكنه. فأتى من ذلك بشيء كثير، ثم أحضر الصناع لنحت تلك الأحجار وإصلاح تلك الجواهر وثقب تلك اليواقيت واللالي، فبناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وجعل عمده من البلور الصافي وسقفه بأنواع الجواهر، وبسط أرضه بالعنبر، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ بيت أبهى ولا أنور منه، فكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلم يزل على هذا البناء حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمه وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر وحمله إلى ملكه بالعراق اهـ خازن.\rقوله أيضا: مِنْ مَحارِيبَ المحاريب في اللغة كل موضع مرتفع، وقيل للذي يصلى فيه:\rمحراب لأنه يجب أن يرفع ويعظم، وقال الضحاك: من محاريب أي: من مساجد وكذا قال قتادة،","part":6,"page":213},{"id":2172,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 214\rتمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء، أي صور من نحاس وزجاج ورخام ولم يكن اتخاذ الصور حراما في شريعته وَجِفانٍ جمع جفنة كَالْجَوابِ جمع جابية، وهي حوض كبير، يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها وَقُدُورٍ راسِياتٍ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بالسلالم، وقلنا اعْمَلُوا يا آلَ داوُدَ بطاعة اللّه شُكْراً له على ما آتاكم وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13) العامل بطاعتي شكرا لنعمتي\rفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ على سليمان الْمَوْتَ أي مات ومكث قائما على عصاه حولا ميتا، والجن تعمل تلك وقال مجاهد: المحاريب دون القصور، وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار اهـ قرطبي.\rقوله: وَتَماثِيلَ قيل: كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان وذكر بعضهم أنها صور الأنبياء عليهم السّلام والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا قال صلّى اللّه عليه وسلّم: أن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أي: ليذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة، وقيل: إن هذه التماثيل رجال اتخذوهم من نحاس، وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل اللّه ولا يحيق فيهم السلاح، ويقال: إن أسفنديار كان منهم واللّه أعلم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد على الكرسي بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا جلس أظل النسران بأجنحتهما اهـ قرطبي.\rقوله: (هي حوض كبير) سمي جابية لأن الماء يجبى فيه أي: يجمع اهـ خازن.\rوقوله: (يجتمع على الجفنة الخ) هذا بيان لعظم وكبر الجفان المشبهة بالحيضان اهـ شيخنا.\rقوله: آلَ داوُدَ قيل: المراد من آل داود نفسه، وقيل: آل داود سليمان وأهل بيته. قال ثابت البناني: كان داود عليه السّلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي اهـ خازن.\rقوله: شُكْراً يجوز فيه أوجه، أحدهما: أنه مفعول به أي اعملوا الطاعة سميت الصلاة ونحوها شكرا لسدها مسده. الثاني: أنه مصدر من معنى عملوا كأنه قيل اشكروا شكرا بعملكم، أو اعملوا عمل شكر. الثالث: أنه مفعول من أجله أي: لأجل الشكر. الرابع: أنه مصدر واقع موقع الحال أي:\rشاكرين. الخامس: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره واشكروا شكرا. السادس: أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره اعملوا عملا شكرا اهـ سمين.\rقوله: وَقَلِيلٌ خبر مقدم، وعن عبادي صفة له، والشكور مبتدأ مؤخر اهـ سمين.\rقوله: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ الخ قال العلماء: كان سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فدخله المرة التي مات فيها فأعلمه اللّه بوقت موته، فقال: اللهم اخف على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس بأنهم يعلمونه، فقام في المحراب يصلي على عادته متكئا على عصاه قائما،","part":6,"page":214},{"id":2173,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 215\rالأعمال الشاقة على عادتها، لا تشعر بموته، حتى أكلت الأرضة عصاه، فخرّ ميتا ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ مصدر أرضت الخشبة بالبناء للمفعول، أكلتها الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ وكان للمحراب طاقات من بين يديه ومن خلفه، فكان الجن ينظرون إليه ويحسبون أنه حي ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطوله منه قبل ذلك، فمكثوا يعملون حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتا اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وذلك أن داود أسس بيت المقدس، فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمامه فأمر سليمان الجن به فلما دنت وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد وكان بقي لإتمامه سنة، ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء وأنهم يعلمون ما في غد، ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيه فمات، ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء بيت المقدس. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية.\rوحكي أن سليمان عليه السّلام ابتدأ بناء بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه وكان عمره سبعا وستين سنة، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة وكان ملكه خمسين سنة وقرب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه بنائه عيدا وقام على الصخرة رافعا يديه إلى اللّه تعالى بالدعاء، وقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني على بناء هذا المسجد، اللهم فأوزعني شكرك على ما أنعمت عليّ وتوفني على ملتك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه، ولا خائف إلا أمنته، ولا سقيم إلا شفيته. ولا فقير إلا أغنيته، والخامس أن لا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه إلا من أراد إلحادا أو ظلما يا رب العالمين ذكره الماوردي.\rقلت: وهذا أصح مما تقدم من أنه لم يتم بناؤه إلا بعد موته بسنة، والدليل على صحة هذا ما أخرجه النسائي وغيره بإسناد صحيح، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل اللّه تعالى خلالا ثلاثا حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل اللّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل اللّه حين فرغ من بنائه أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه». فهذا وما قبله صريح أنه أكمل بناءه في حال حياته واللّه أعلم اهـ.\rقوله: (حتى أكلت الأرضة عصاه) فلما أكلتها شكرتها الجن وأحبوها فهم يأتونها بالماء والطين في خروق الخشب اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وفي الخبر أن الجن شكرت ذلك للأرضة فأينما كانت يأتونها بالماء قال السدي:\rوالطين ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشبة فإنه مما تأتيها به الشياطين شكرا وقالوا لها: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما اهـ.\rقوله: (بالبناء للمفعول) يتأمل ما وجه اعتباره لهذا المصدر من المبني للمفعول مع أن الدابة مضافة إليه. والظاهر من إضافتها إليه أن يكون المراد به المعنى الذي يقوم بها وهو مصدر المبني","part":6,"page":215},{"id":2174,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 216\rبالهمز وتركه بألف، عصاه، لأنها ينسأ ويطرد ويزجر بها فَلَمَّا خَرَّ ميتا تَبَيَّنَتِ الْجِنُ انكشف لهم أَنْ مخففة أي أنهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (14) العمل الشاق لهم، لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب، وعلم كونه سنة، بحساب ما أكلته الأرضة من العصا بعد موته يوما وليلة مثلا\rلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ بالصرف للفاعل لأنها هي الفاعلة لأكل الخشبة فليتأمل اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ما دَلَّهُمْ أي: الجن، وقيل: آله على موته إلا دابة الأرض أي: الأرضة أضيفت إلى فعلها، وقرئ الأرض بفتح الراء وهو تأثر الخشبة من فعلها، يقال: أرضت الأرضة الخشبة أرضا، فأرضت أرضا مثل أكلت السوس الأسنان أكلا فأكلت أكلا اهـ.\rوفي السمين: في دابة الأرض وجهان، أظهرهما: أن المراد بها الأرض المعروفة، والمراد بدابة الأرض الأرضة دويبة تأكل الخشب. والثاني: أن الأرض مصدر كقولك: أرضت الدابة الخشبة تأرضها أرضا أي: أكلتها فكأنه قيل: دابة الأكل يقال أرضت الدابة الخشبة تأرضها أرضا فأرضت بالكسر أي:\rتأكل أكلا بالفتح، ونحوه: جدعت أنفه جدعا فجدع هو جدعا بفتح عين المصدر وبفتح الراء. قرأ ابن عباس، والعباس بن الفضل: وهي مقوية للمصدرية في القراءة المشهورة، وقيل: الأرض بالفتح ليس مصدرا بل هو جمع أرضة، وعلى هذا يكون من باب إضافة العام إلى الخاص، لأن الدابة أعم من الأرضة وغيرها من الدواب اهـ.\rقوله: (بالهمز) أي: الساكن أو المفتوح، فهاتان قراءتان مع قوله: (و تركه بألف)، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ إما حال أو مستأنفة، وقرأ منسأته بهمزة ساكنة ابن ذكوان، وبألف محضة نافع وأبو عمرو، وبهمزة مفتوحة الباقون. والمنسأة: العصا اسم آلة من نسأه أي: أخره كالمكسحة والمكنسة اهـ.\rقوله: (لأنها تنسأ الخ) عبارة البيضاوي: من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها، انتهت.\rقوله: (العمل الشاق لهم) في نسخة له أي: الكائن له، أي: لسليمان. وعلى نسخة لهم فاللام بمعنى على اهـ شيخنا.\rقوله: (لظنهم حياته) علة للبثهم المنفي، وقوله: (خلاف ظنهم) أي: ظنا خلاف ظنهم علم الغيب الذي كانوا يدعونه وقوله: (و علم) بالبناء للمفعول أي: علم لهم كونه أي: العمل سنة بحساب الخ. أو يقرأ وعلم بصيغة المصدر على أنه مبتدأ، وقوله: (بحساب الخ) خبره. وفي أبي السعود ما نصه: فأراد الجن أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت في يوم وليلة مقدارا فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة اهـ.\rقوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ الخ لسبأ خبر مقدم، وآية اسمها مؤخر وفي مساكنهم حال من سبأ أي:\rكانت لهم الآية المذكورة حال كونهم في مساكنهم قبل تفرقهم منها، والمقصود من ذكر هذه القصة أن","part":6,"page":216},{"id":2175,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 217\rوعدمه، قبيلة سميت باسم جد لهم من العرب فِي مَسْكَنِهِمْ باليمن آيَةٌ دالة على قدرة اللّه تعالى جَنَّتانِ بدل عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ عن يمين واديهم وشماله، وقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يذكرها لقومه لعلهم يتعظون وينزجرون ويعتبرون بها اهـ شيخنا.\r1 قوله: (بالصرف وعدمه) وفي عدم الصرف وجهان فتح الهمزة وسكونها، فالقراءات ثلاث.\rوقوله: فِي مَسْكَنِهِمْ فيه ثلاث قراءات أيضا: الجمع كمساجد، والإفراد بكسر الكاف كمسجد، والإفراد بفتحها كمذهب اهـ شيخنا.\rقوله: (سميت باسم جد لهم) وهو سبأ بن يشجب بضم الجيم ابن يعرب بن قحطان. روى فروة ابن مسيك المرادي قال: وأنزل في سبأ ما أنزل قال رجل: يا رسول اللّه وما سبأ أرض أو امرأة؟ قال:\r«ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرا من العرب فتيامن منهم ستة أي: سكنوا اليمن، وتشاءم منهم أربعة أي: سكنوا الشام فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، أما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار»، فقال رجل: يا رسول اللّه وأما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة» أخرجه الترمذي مع زيادة وقال: حديث حسن غريب اهـ خازن.\rقوله: فِي مَسْكَنِهِمْ (باليمن) وكان بينها وبين صنعاء ثلاثة أيام اهـ شيخنا.\rقوله: آيَةٌ (دالة على قدرة اللّه) أي: بملاحظة أحوالها السابقة وهي نضارتها وخصبها وثمارها واللاحقة كتبديلها وعدم ثمرها اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: آية دالة على قدرة اللّه تعالى، وعلى أن لهم خالقا خلقهم، وإن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وورائحها وأزهارها. وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر اهـ.\rقوله: جَنَّتانِ أي: جماعتان من البساتين عن يمين وشمال. أي: جماعة عن يمين وجماعة عن شمال كل طائفة من تلك الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين، بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة، أي:\rكانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار تستتر الناس بظلالها اهـ.\rقوله: (بدل) أي: من آية التي هي اسم كان بدل مثنى من مفرد، لأن هذا المفرد يصدق على المثنى لأنهما لما تماثلتا في الدلالة واتحدت جهتهما فيهما صح جعلها آية واحدة كما في قوله تعالى:\rوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50]. واعتمد أبو حيان كون جنتان خبر مبتدأ محذوف أي:\rهي جنتان أي: بستانان اهـ كرخي.\rقوله: (عن يمين واديهم وشماله) أشار إلى أن واديهم قد أحاطت به الجنتان باليمين والشمال، وهذا هو المشهور. وقيل: المراد عن يمين وشمال من أتاهما، والظاهر أن كلمة في هنا بمعنى عند، فإن المساكن محفوفة بالجنتين لا مظروفة لهما اهـ كرخي.","part":6,"page":217},{"id":2176,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 218\rوَاشْكُرُوا لَهُ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبإ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ليس بها سباخ، ولا بعوضة، ولا ذبابة، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها وَاللّه رَبٌّ غَفُورٌ (15)\rفَأَعْرَضُوا عن شكره وكفروا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ جمع قوله: (و قيل لهم) أي: بلسان الحال أو بلسان المقال من نبي لهم أو ملك، وهذا الأمر للإذن والإباحة اهـ شيخنا.\rقوله: (أرض سبأ الخ) هذا التقدير يقتضي عدم ارتباط الجملة الثانية على تقديره بما قبلها، وعبارة القرطبي: بلدة طيبة هذا كلام مستأنف أي: هذه بلدة طيبة أي: كثيرة الثمار، وقيل: غير سبخة، وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها، قال مجاهد: هي صنعاء، ورب غفور أي والمنعم بها عليكم ورب غفور يستر ذنوبكم، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه.\rوقيل: إنما ذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام، وقد مضى القول في هذا في أول البقرة. وقيل: إنما امتن عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا اهـ.\rوفي المصباح: ويطلق البلد والبلدة على كل موضع من الأرض عامرا كان أو خلاء اهـ.\rقوله: (سباخ) جمع سبخة كرقاب جمع رقبة. وقوله: (و لا بعوضة) البعوض البق كما في المختار، وقوله: (و لا برغوث) بضم الباء كما في المختار أيضا اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: والسبخة محركة ومسكنة أرض ذات نز وملح والجمع سباخ وقد أسبخت الأرض اهـ.\rقوله: فَأَعْرَضُوا (عن شكره) أي: مع ما أعطوه من النعم الداعية إليه. قيل: أرسل لهم ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى اللّه وذكروهم بنعمه وأنذورهم عقابه فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف للّه علينا نعمة فقولوا له فليحبس عنا هذه النعم إن استطاع اهـ خازن.\rوفي القرطبي: فَأَعْرَضُوا يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين. قال السدي:\rبعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم. قال القشيري: وكان لهم رئيس يلقب بالحمار وكانوا في زمن من الفترة بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر، فلهذا يقال: أكفر من حمار. وقال الجوهري: وقولهم أكفر من حمار وهو رجل من عاد مات له أولاد فكفر كفرا عظيما، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر فإن أجابه وإلّا قتله، ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرقوا في البلاد على ما يأتي، ولهذا قيل في المثل: تفرقوا أيادي سبأ. وقيل: الأوس والخزرج منهم اهـ.\rقوله: (جمع عرمة) بوزن كلم جمع كلمة، وقوله: (و غيره) أي: كالوادي والجسور اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ. العرم فيما يروى عن ابن عباس السد، فالتقدير سيل السد العرم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي، وقال قتادة العرم اسم وادي سبأ كان يجتمع إليه","part":6,"page":218},{"id":2177,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 219\rعرمة، وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته، أي سيل واديهم الممسوك بما ذكر، فأغرق جنتيهم وأموالهم وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ تثنية ذوات مفرد على الأصل أُكُلٍ خَمْطٍ مرّ بشع، بإضافة أكل بمعنى مأكول وتركها ويعطف عليه وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ مسايل من الأودية، فردموا ردما بين جبلين وجعلوا لذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا الرسل سلط اللّه عليهم الفأرة فنقبت الردم. قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة، فلما جاء ما أراده اللّه بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهرر فثاورتها حتى استأخرت عن الحجر، ثم وثبت فدخلت في الفرجة التي عندها ونقبت السد حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل تلك الفرجة حتى بلغ السد وفاض الماء على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم. وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم، وهو الذي يقال له الخلد قاله قتادة أيضا، ونسب السيل إليه لأنه سببه، وقد قال ابن الأعرابي أيضا: العرم من أسماء الفأر، وقال مجاهد، وابن أبي نجيح: العرم ماء أحمر أرسله اللّه تعالى في السد فشقه وهدمه، وعن ابن عباس: أن العرم المطر الشديد. وروي أن العرم سد بنته بلقيس صاحبة سليمان عليه السّلام وهو المنسأة بلغة حمير بنته بالصخر والقار، وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض وهو مشتق من العرامة وهي الشدة يقال: رجل عارم أي: شديد اهـ.\rقوله: (الممسوك) نعت للسيل وقوله: (بما ذكر) أي: بالعرم أي: الذي كان ممسوكا ومحبوسا بالعرم قبل إرساله عليهم، وقطع العرم بواسطة الفأر فتهدم ودخل السيل عليهم، وإضافة السيل إلى العرم من حيث إنه كان ممسوكا به ومن حيث إنه قطعه وغلبه ودخل عليهم تأمل. قوله: جَنَّتَيْنِ تسميتهما جنتين تهكم بهم على طريق المشاكلة اهـ.\rقوله: (تثنية ذوات مفرد) أي: أن لفظ ذوات مفرد لأن أصله ذوية، فالواو عين الكلمة، والياء لامها لأنه مؤنث ذو، وذو أصله ذوي فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار ذوات ثم حذفت الواو تخفيفا. وفي تثنيته وجهان: تارة ينظر للفظه الآن فيقال ذاتان، وتارة ينظر له قبل حذف الواو فيقال ذواتان، فقول الشارح على الأصل متعلق بتثنية أي: تثنيته بهذه الصيغة منظور فيها لأصله وهو حالته قبل حذف الواو. وعبارة السمين في سورة الرحمن: وفي تثنية ذات لغتان، إحداهما: الرد إلى الأصل فإن أصله ذوية، فالعين واو، واللام ياء لأنها مؤنثة ذو. والثانية: تثنيته على اللفظ فيقال ذاتان اهـ.\rقوله: (مر) أي: فالخمط اسم للمر والحامض من كل شيء، وفي المختار: الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل له.\rوفي السمين: والخمط قيل شجر الأراك، وقيل كل شجر ذي شوك، وقيل كل نبت أخذ طعما من مرارة وقيل شجرة لها ثمر تشبه الخشخاش لا ينتفع به اهـ.\rقوله: (بشع) في القاموس: البشع ككتف من الطعام الكريه فيه مرارة، والكريه ريح الفم الذي لا","part":6,"page":219},{"id":2178,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 220\rقَلِيلٍ (16)\rذلِكَ التبديل جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا بكفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور، أي ما يناقش إلا هو\rوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين سبإ وهم باليمن وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر، وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة قُرىً يتخلل ولا يستكاك، والمصدر البشاعة والبشع محركة، وقد بشع كفرح ومن أكل شبعا، والسيىء الخلق والدميم والخبيث النفس والعابس اليابس، وبشع الوادي كفرح تضايق بالماء وبالأمر ضاع به ذرعا اهـ.\rقوله: (بإضافة أكل) أي: على أنها من إضافة الموصوف لصفته وعلى الإضافة فالكاف مضمومة لا غير، وقوله: (و تركها) أي: يقرأ أكل بالتنوين وخمط صفة له، وعلى ترك الإضافة ففي الكاف وجهان تسكينها وضمها، فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (و يعطف عليه) أي: على أكل لا على خمط اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَثْلٍ قال الفراء: يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا، ومنه اتخذ منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وورقه كورق الطرفاء الواحدة أثلة والجمع أثلاث اهـ قرطبي.\rقوله: مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ وصف بالقلة لأن ثمره وهو النبق يطيب أكله ولذا يغرس في البساتين، والصحيح أن السدر صنفان صنف يؤكل ثمره وينتفع بورقه في غسل الأيدي، وصنف له ثمرة غضة لا تؤكل أصلا ولا ينتفع بورقه وهو الضال وهو المراد هنا اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكَ مفعول ثان لجزيناهم مقدم عليه لأنه ينصب مفعولين أي: جزيناهم ذلك التبديل لا غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (بكفرهم) أي: بسببه. قوله: (بالياء والنون) سبعيتان. قوله: (أي ما يناقش إلا هو) أشار إلى جواب كيف حصر الأمر بالمجازاة في الكافر مع أن المؤمن والكافر يجازيان وإيضاحه أنه لا يجازى بكل عمله ويناقش عليه إلا الكافر، وأما المؤمن ففي الحديث: «إن الصلاتين يكفران ما بينهما» الخ اهـ كرخي.\rقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ الخ مجموعة معطوف على ما مجموع قبله عطف قصة على قصة، فذكر أولا ما أنعم به عليهم من الجنتين ثم تبديلهما بما مر، ثم ذكر هنا ما كان أنعم به عليهم أيضا قبل هلاكهم بالسيل من جعل بلادهم متواصلة ثم عاقبهم بجعلها متفاصلة اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي: قبل إرسال السيل عليهم اهـ.\rفقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ الخ معطوف على قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ الخ.\rوقوله: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا الخ. معطوف في المعنى على قوله: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ الخ. فالحاصل أنه ذكر لهم نعمتين ونقمتين فعطف النعمة على النعمة، وعطف النقمة على النقمة اهـ.\rقوله: قُرىً ظاهِرَةً عبارة الخازن: قيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام، انتهت.","part":6,"page":220},{"id":2179,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 221\rظاهِرَةً متواصلة من اليمن إلى الشام وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ بحيث يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، إلى انتهاء سفرهم، ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء، أي وقلنا سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (18) لا تخافون في ليل ولا في نهار\rفَقالُوا رَبَّنا باعِدْ وفي قراءة باعد بَيْنَ أَسْفارِنا إلى الشام اجعلها مفاوز ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد والماء، فبطروا قوله: (متواصلة) أي: يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين أهلها أو راكبة متن الطريق للسائر فيه غير بعيدة عن مسالكهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي: جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل ومن قرية إلى قرية. وقال الفراء: أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى، وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء لخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أيتها أراد اهـ قرطبي.\rقوله: (بحيث يقيلون) من باب باع أي: ينزلون وقت القيلولة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي وقلنا) سِيرُوا فِيها أي: في هذه المسافة فهو أمر تمكين أي: كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمر بمعنى الخبر وفيه إضمار القول، وليالي وأياما منصوبان على الحال، وقيل: ليالي وأياما بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم أي: كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جائعين ولا ظامئين كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أماكن لا يحرك بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه اهـ قرطبي.\rقوله: سِيرُوا فِيها في لفظ في إشعار بشدة القرب، حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى اهـ شهاب.\rقوله: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وعجل لهم إجابة هذه الدعوة بتخريب تلك القرى المتواصلة وجعلها بلقعا لا يسمع فيها داع ولا مجيب اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة، ولم يصبروا على العافية تمنوا طول الأسفار والكد في المعيشة كقول بني إسرائيل: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها [البقرة: 61] الآية. وكالنضر بن الحارث حين قال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: 32] الآية. فأجابه اللّه تعالى، وقتل يوم بدر بالسيف صبرا، وكذلك هؤلاء تبددوا في الدنيا ومزقوا كل ممزق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الزاد اهـ.\rقوله: أَحادِيثَ جمع حديث بمعنى الخبر كما في القاموس، وفي القرطبي: فجعلناهم أحاديث أي: يتحدث بأخبارهم وتقديره في العربية ذوي أحاديث اهـ.\rقوله: (اجعلها مفاوز) تفسير لقوله باعد ولم يظهر من كلامه تفسير البينية فكان معناها بعد بين","part":6,"page":221},{"id":2180,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 222\rالنعمة وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم في ذلك وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فرقناهم في البلاد كل التفريق إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ عبرا لِكُلِّ صَبَّارٍ عن المعاصي شَكُورٍ (19) على النعم\rوَلَقَدْ صَدَّقَ بالتخفيف والتشديد عَلَيْهِمْ أي الكفار منهم سبأ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أنهم بإغوائه يتبعونه فَاتَّبَعُوهُ فصدق بالتخفيف في ظنه، أو صدق بالتشديد منازل أسفارنا أي: المنازل التي ننزل فيها بأن يكون بين كل واحد والآخر مسافة بعيدة، والمفاوز جمع مفوزة. وفي المصباح: المفاوز الموضع المهلك مأخوذة من فوز بالتشديد إذا مات لأنها مظنة الموت، وقيل: من فاز إذا نجا وسلم سميت به تفاؤلا بالسلامة اهـ.\rقوله: (في ذلك) أي: بسبب ذلك أي: بسبب ما حصل لهم أي: جعلناهم بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من أحوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: ويتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل، فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ اهـ.\rالأيدي هنا بمعنى الأولاد لأنه يعتضد بهم، وفي المفصل الأيدي الأنفس كناية أو مجاز. قال في الكشف: وهو أحسن تأمل اهـ شهاب.\rقوله: كُلَّ مُمَزَّقٍ أي: فرقناهم تفريقا لا يتوقع بعده عود اتصال: قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة وكانت العرب تضرب بهم المثل فيقال: تفرقوا أيادي سبأ، وأيادي سبأ أي: مذاهب سبأ وطرقها اهـ قرطبي.\rقوله: (المذكور) أي: من قصتهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ عليهم متعلق بصدق كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك ولا تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شيء من الصلة على الموصول اهـ قرطبي.\rقوله: (إنهم بإغوائه يتبعونه) وسنده في هذا الظن ما رآه منهم من انهماكهم في الشهوات أو من إصغار آدم إلى وسوسته، فقال: إن ذريته أضعف منه، وقيل: ظن ذلك عند قول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] اهـ أبو السعود.\rقوله: (فصدق بالتخفيف الخ) مراده بهذا تفسير القراءتين وهما سبعيتان. وقوله: (في ظنه) يشير به إلى أن ظنه على قراءة التخفيف منصوب بنزع الخافض، وقوله: (أو صدق بالتشديد الخ) يشير به إلى أن ظنه على قراءة التشديد مفعول به، والمعنى حقق ظنه أو وجده صادقا، ويصح أن يكون على التخفيف مفعولا به أيضا، فإن الصدق يعدى إلى ما هو في معنى القول بنفسه، فيقال: صدق وعده أي:\rجعل وعده مصادقا، والظن كالوعد في أنه نوع من القول ومن قرأ صدق بالتشديد جعله مفعولا به، وقال: معناه حقق عليهم ظنه أي: صار فيما ظنه على يقين لأنه ظن أولا أن يغويهم حيث قال في حق بني آدم: لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ص: 82] ولَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء: 62] إلا أنه لم يكن على يقين في أنه يتأتى له ذلك اهـ زاده.","part":6,"page":222},{"id":2181,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 223\rظنه، أي وجده صادقا إِلَّا بمعنى لكن فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) للبيان أي وهم المؤمنون لم يتبعوه\rوَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ تسليطا منا إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ قوله: (بمعنى لكن) إنما حمل على الانقطاع لأنه فسر الضمير أولا بالكفار فلا يتناول المؤمنين اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نصب على الاستثناء وفيه قولان، أحدهما: أن يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيرا من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، أي: ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق منهم وهو المعنى بقوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر:\r42] فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلهم فمن على هذا للتبيين لا للتبعيض اهـ.\rقوله: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ أي: على من صدق عليهم ظن إبليس وعلى الفريق المؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: (تسليط منا) الظاهر أن الشيخ المصنف رحمه اللّه تعالى نظر إلى أن التسلط وهو فعل الحق تعالى هو الأصل والمرجع لأن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ونحوه في الكشاف. وأما عبارة القاضي البيضاوي: تسلط واستيلاء فالظاهر أنه نظر إلى الذي هو وصف الشيطان وهو التسليط بالإغواء وإن كان ناشئا عن التسليط وفيه رعاية الأليق في عدم إسناد الأمور القبيحة ولو بالنسبة إلينا تعالى كما في قوله تعالى: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80] حيث لم يقل: وإذا أمرضني الخ ونحو ذلك كثير اهـ.\rقوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ ضمن معنى نميز فعدى بمن في قوله: مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ. ومنها متعلق بمحذوف على معنى البيان أي: أعني منها وبسببها، وقيل: من بمعنى في، وقيل: هو حال من شك اهـ سمين.\rقوله: (علم ظهور) أي: فاللام للعاقبة لا تعليلية اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (علم ظهور) فعلى هذا يكون الاستثناء مفرغا من أعم العلل تقديره: وما كان له عليهم استيلاء لشيء من الأشياء إلا لهذا وهو تمييز المحق من الشاك. قال ابن الخطيب: إن علم اللّه من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير، ولكن يتغير تعلق علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر، فعلم اللّه في الأزل أن العالم سيوجد فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم، وإذا عدم علمه معدوما، كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها، ثم إذا قابلها عمرو تظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدل في صفاتها، وإنما التغيير في الخارجات فكذلك ههنا اهـ.\rقوله: مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ يجوز في من وجهان، أحدهما: أنها استفهامية فتسد مسد مفعولي العلم كذا ذكره أبو البقاء وليس بظاهر، لأن المعنى إلا لنميز ونظهر للناس من يؤمن ممن لا يؤمن، فعبر عن مقابله بقوله: مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ لأنه من نتائجه ولوازمه. والثاني: أنها موصولة وهذا هو","part":6,"page":223},{"id":2182,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 224\rمِنْها فِي شَكٍ فنجازي كلا منهما وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) رقيب\rقُلِ يا محمد لكفار مكة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي زعمتموهم آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره لينفعوكم بزعمكم قال تعالى فيهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ وزن ذَرَّةٍ من خير أو شر فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ شركة وَما لَهُ تعالى مِنْهُمْ من الآلهة مِنْ ظَهِيرٍ (22) معين\rوَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ الظاهر كما تقدم تفسيره. وفي نظم الصلتين نكتة لا تخفى وهي التخالف بينهما بالفعلية الدالة على الحدوث والاسمية المشعرة بالدوام والثبات ومقابلة الإيمان بالشك المؤذن بأن أدنى مرتبة الكفر توقع في الورطة، وجعل الشك محيطا وتقديم صلته والعدول إلى كلمة من مع أنه يتعدى نفي للمبالغة والإشعار بشدته وأنه لا يرجى زواله. وقال العلامة الطيبي: لعل نكتة إيقاع الشك في الصلة الثانية في مقابل الإيمان المذكور في الصلة الأولى، وأنه لم يقل من هو مؤمن بالآخرة ممن هو كافر بها، أو من يوقن بالآخرة ممن هو في شك منها ليؤذن بأن أدنى شك في الآخرة كفر، وأن الكافرين لا يوقنون في الرد بل هم مستقرون في الشك لا يتجاوزون إلى اليقين اهـ.\rوالأول أوجه اهـ كرخي.\rقوله: حَفِيظٌ (رقيب) فهو تعالى قادر على منع إبليس منهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز اهـ كرخي.\rقوله: قُلِ ادْعُوا بكسر اللام على أصل التخلص من التفاء الساكنين وبضمها اتباعا لضمة العين، والدال بينها حاجز غير حصين لسكونها، ويصح أن يكون ضم اللام بالنقل من ضمة الهمزة إذ أصله قل ادعوا فنقلت ضمة الهمزة للام وهما قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: (أي زعمتموهم آلهة) أي: فالمفعولان محذوفان، الأول: لطول الموصول بصفته، والثاني: لقيام صفته. أعني قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ مقامه اهـ أبو السعود.\rقوله: (لينفعوكم) متعلق بادعوا. وعبارة الخازن: والمعنى أدعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، انتهت.\rوقوله: (فيهم) أي في الآلهة أي: في شأنهم لا يملكون الخ، والجملة مستأنفة لبيان حالهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ أي: لا يملكون أمرا من الأمور، وذكر السموات والأرض للتعميم عرفا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ أي: ما للّه من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل اللّه تعالى هو المنفرد بالإيجاد فهو الذي يعبد وعبادة غيره محال اهـ قرطبي.\rقوله: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أي: شفاعة الملائكة وغيرهم عنده أي: عند اللّه تعالى إلا لمن أذن له. قراءة العامة أذن بفتح الهمزة لذكر اللّه عز وجل أولا، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي أذن بضم","part":6,"page":224},{"id":2183,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 225\rالهمزة على ما لم يسم فاعله، والآذن هو اللّه عز وجل، ومن يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قال ابن عباس: جلي عن قلوبهم الفزع، وقال قطرب: أخرج ما فيها من الخوف، وقال مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة أي: أن الشفاعة لا تكون من هؤلاء المعبودين من دون اللّه من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن اللّه يأذن للملائكة والأنبياء في الشفاعة وهم على غاية الفزع من اللّه كما قال: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28] والمعنى أنه إذا أذن في الشفاعة وورد عليهم كلام اللّه فزعوا لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف من أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الملائكة الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن: ماذا قال ربكم، أي: ماذا أمر اللّه به؟ فيقولون لهم: قال الحق وهو أن أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين وهو العلي الكبير، فله أن يحكم في عباده بما يريد، ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن يكون في الآخرة، وفي الكلام إضمار أي: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ففزع لما ورد عليه من الإذن مهابة لكلام اللّه عز وجل، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجابوا بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى أي: لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون للّه تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا قضى اللّه في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعا لقوله: (كأنها سلسلة على صفوان) فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم قالوا: الحق وهو العلي الكبير». قال: «و الشياطين بعضهم فوق بعض» قال: حديث حسن صحيح.\rوقال النواس بن سمعان. قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه تعالى إذا أراد أن يوحي بأمر وتكلم بالوحي أخذت السموات والأرض منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من اللّه تعالى، فإذا سمع أهل السموات ذلك صعقوا وخرّوا للّه سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه اللّه تعالى ويقول له من وحيه ما أراد، ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير» قال: «فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر اللّه تعالى». وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون في هذا العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة، والكهنة تخبر الناس يكون كذا وكذا فيجدونه كذلك، فلما بعث اللّه سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم دحروا ومنعوا بالشهب، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم يذبح كل يوم شاة، حتى أشرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا على أموالكم فإنه لم يمت من في السماء أما ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل، والنهار، فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حدث فأتوني من كل تربة أرض فأتوه بها، فلما شم تربة مكة قال: من ههنا جاء الحدث فأنصتوا","part":6,"page":225},{"id":2184,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 226\rتعالى ردا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ بفتح الهمزة وضمها لَهُ فيها حَتَّى إِذا فُزِّعَ بالبناء للفاعل وللمفعول عَنْ قُلُوبِهِمْ كشف عنها الفزع بالإذن فيها قالُوا قال بعضهم لبعض استبشارا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ فيها قالُوا القول الْحَقَ أي قد أذن فيها وَهُوَ فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد بعث، وهذا تنبيه من اللّه تعالى وإخبار منه أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكنهم أن يشفعوا لأحد حتى يؤذن لهم فإذا أذن لهم وسمعوا صعقوا، وكانت هذه حالهم فكيف تشفع الأصنام، أو كيف يؤملون الشفاعة منهم ولا يعترفون بالقيامة اهـ قرطبي.\rقوله: (ردا) أي: نزل ردا الخ اهـ.\rقوله: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أي: إلا لشافع أذن له في الشفاعة على ما يشير له قوله: (ردا لقولهم الخ) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا لِمَنْ أذن له فيه أوجه، أحدها: أن اللام متعلقة بنفس الشفاعة. قال أبو البقاء: كما تقول شفعت له. الثاني: أن يتعلق بتنفع قاله أبو البقاء أيضا وفيه نظر لأنه يلزم عليه أحد أمرين، إما زيادة اللام في المفعول في غير موضعها وإما حذف مفعول تنفع وكلاهما خلاف الأصل.\rالثالث: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشفاعة المقدر أي: لا تنفع الشفاعة لأحد إلا لمن أذن له، ثم المستثنى منه المقدر يجوز أن يكون هو المشفوع له وهو الظاهر، والشفع ليس مذكورا إنما دل عليه الفحوى، والتقدير لا تنفع الشفاعة لأحد من المشفوع لهم إلا لمن أذن تعالى للشافعين أن يشفعوا فيه، ويجوز أن يكون هو الشافع والمشفوع له ليس مذكورا تقديره لا تنفع الشفاعة من أحد إلا لشافع أذن له أن يشفع، وعلى هذا فاللام في له لام التبليغ لا لام العلة اهـ.\rقوله: (بفتح الهمزة وضمها) سبعيتان اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ التضعيف هنا للسلب كما أشار له بقوله: (كشف عنها الفزع) كما يقال:\rقردت البعير أي: أزلت قراده وهذا غاية لمحذوف. قال الزمخشري: فإن قلت: بأي شيء اتصل قوله:\rحَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وأي شيء وقعت حتى غاية له؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا وتوقفا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن لهم، وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان وطول من التربص، ودل على هذه الحال قوله في سورة النبأ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ [النبأ: 37] إلى قوله: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [النبأ: 38] فكأنه قال يتربصون ويتوقفون مليا فزعين وهلين حتى إذا فزع عن قلوبهم أي: كشف الفزع عن قلوب الشافعين، والمشفوعين لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق أي القول وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى اهـ سمين.\rقوله: (و المفعول) أي: والقائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور بعده والقراءتان سبعيتان.\rقوله: القول الْحَقَ أي: قالوا: قال ربنا القول الحق وهو الإذن في الشفاعة للمستحقين لها اهـ أبو السعود.","part":6,"page":226},{"id":2185,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 227\rالْعَلِيُ فوق خلقه بالقهر الْكَبِيرُ (23) العظيم\r* قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ المطر وَالْأَرْضِ النبات قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوه لا جواب غيره وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ أي أحد الفريقين لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) بيّن الإبهام، تلطف بهم داع إلى الإيمان إذا وفقوا له\rقُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا أذنبنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) لأنا بريئون منكم\rقُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ يحكم بَيْنَنا بِالْحَقِ فيدخل المحقين الجنة والمبطلين النار وَهُوَ الْفَتَّاحُ الحاكم الْعَلِيمُ (26) بما يحكم به\rقُلْ أَرُونِيَ أعلموني الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ في العبادة وفي السمين: والحق منصوب بقال مضمر أي قالوا: قال ربنا الحق أي: القول الحق اهـ.\rقوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ من تمام كلام الشفعاء قالوه اعترافا بغاية عظمة جنابه تعالى وقصور شأن كل من سواه اهـ أبو السعود.\rفليس لملك ولا نبي أن يتكلم في ذلك اليوم إلا بإذنه اهـ بيضاوي.\rقوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ الخ أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بتبكيت المشركين بحملهم على الإقرار بأن آلهتم لا يملكون شيئا، وأن الرازق هو اللّه وأنهم لا ينكرونه كما نطق به قوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [يونس: 31] إلى قوله: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ لما كانوا قد يتلعثمون في الجواب أيضا مخافة الإلزام قيل له: قل اللّه، إذ لا جواب سواه عندهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (لا جواب غيره) أي: لأنه لا جواب غيره. قوله: (أي أحد الفريقين الخ) عبارة البيضاوي:\rأي وأن أحد الفريقين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال واختلاف الحرفين، لأن الهادي كمن صعد منارا ينظر الأشياء ويتطلع عليها أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى شيئا، أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتقصى منها اهـ.\rقوله: (في الإبهام) خبر مقدم وقوله: (تلطف الخ) مبتدأ مؤخر، وقوله: قُلْ لا تُسْئَلُونَ الخ هذا أيضا من جملة التلطف اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في التواضع، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين اهـ فهو أيضا من جملة التلطف.\rقوله: أَرُونِيَ فيها وجهان، أحدهما: أنها علمية متعدية قبل النقل إلى اثنين، فلما جيء بهمزة النقل تعدت لثلاثة، أولها: المتكلم. ثانيها: الموصول. ثالثها: شركاء وعائد الموصول محذوف أي:\rألحقتموهم. والثاني: أنها بصرية متعدية قبل النقل لواحد وبعده لاثنين، أولهما: ياء المتكلم.\rثانيهما: الموصول وشركاء نصب على الحال من عائد الموصول أي: بصروني الملحقين به حال كونهم شركاء له اهـ سمين.\rوأريد بأمرهم بإراءته الأصنام مع كونها بمرأى منه صلّى اللّه عليه وسلّم إظهار خطئهم وإطلاعهم على بطلان رأيهم أي: أرونيها لأنظر أي صفة فيها اقتضت إلحاقها باللّه في استحقاق العبادة وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزامهم الحجة اهـ أبو السعود.","part":6,"page":227},{"id":2186,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 228\rكَلَّا ردع لهم عن اعتقاد شريك له بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (27) في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه\rوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً حال من الناس قدم للاهتمام لِلنَّاسِ بَشِيراً مبشرا للمؤمنين بالجنة وَنَذِيراً منذرا للكافرين بالعذاب وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (28) ذلك\rوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29) فيه\rقُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30) عليه وهو يوم قوله: بَلْ هُوَ في هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه ضمير عائد على اللّه تعالى أي: ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو اللّه والعزيز الحكيم صفتان. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن واللّه مبتدأ والعزيز الحكيم خبران له والجملة خبر هو اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا كَافَّةً فيه أوجه، أحدها: أنه حال من الكاف في أرسلناك، والمعنى إلا جامعا للناس في الإبلاغ والكافة بمعنى الجامع والهاء فيه للمبالغة كهي في علامة ورواية قاله الزجاج. وهذا بناء منه على أنه اسم فعل من كف يكف بمعنى جمع. الثاني: أن كافة مصدر جاءت على الفاعل كالعاقبة والعافية، وعلى هذا فوقوعها حالا إما على المبالغة، وإما على حذف مضاف أي: ذا كافة للناس. الثالث: أن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره إلا رسالة كافة. قال الزمخشري: إلا رسالة عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. الرابع: أن كافة حال من الناس أي: للناس كافة إلا أن هذا قد رده الزمخشري فقال: المجرور على الجار وكم ترى من يرتكب مثل هذا الخطأ ثم لا يكتفي به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى فيرتكب الخطأين معا. قال الشيخ: أما قوله لأن تقدم حال المجرور عليه الخ فليس كذلك بل هو مختلف فيه، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز، وذهب أبو علي، وابن كيسان، وابن برهان، وابن ملكون إلى جوازه قال الشيخ: وهو الصحيح ثم قال الشيخ: وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به، وإذا جاز تقديمها على صاحبها وعلى العامل فيه فتقديمها على صاحبها وحده أجوز. قال: وممن حملها على الحال من الناس ابن عطية، فإنه قال قدمت للاهتمام اهـ.\rقوله: بَشِيراً وَنَذِيراً حالان من الكاف. قوله: (ذلك) أي: المذكور من الأمور الثلاثة وهي عموم رسالته وكونه بشيرا وكونه نذيرا.\rقوله: وَيَقُولُونَ أي: بطريق الاستهزاء متى هذا الوعد يعنون به المبشر به والمنذر عنه، أو الموعود بقوله: يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين.\rقوله: قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ أي وعد يوم أو زمان وعد والإضافة للتبيين، ويؤيده أنه قرئ ميعاد يوم منونين على البدل اهـ أبو السعود.\rقوله: لا تَسْتَأْخِرُونَ أي: إن طلبتم التأخير عنه ساعة، وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي: إن طلبتم الاستعجال. وهذا جواب تهديد جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإنكار اهـ بيضاوي.","part":6,"page":228},{"id":2187,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 229\rالقيامة\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالين على البعث لإنكارهم له، قال تعالى فيهم وَلَوْ تَرى يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ الكافرون مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا الرؤساء لَوْ لا أَنْتُمْ صددتمونا عن الإيمان لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) بالنبي\rقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ؟ لا بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وقوله: (جواب تهديد الخ) جواب عما يقال كيف انطبق هذا جوابا لسؤالهم، مع أنهم سألوا عن تعيين وقت الوعد، لأن متى سؤال عن الوقت المعين، ولا تعرض في الجواب لتعيين الوقت. وتقرير الجواب: أن سؤالهم وإن كان على صورة استعلام الوقت إلا أن مرادهم الإنكار والتعنت، والجواب المطابق لمثل هذا السؤال أن يجاب بطريق التهديد على تعنتهم اهـ زاده.\rوجملة لا تستأخرون عنه يجوز أن تكون صفة لميعاد إن عاد الضمير في عنه عليه أو ليوم إن عاد الضمير في عنه عليه، فيجوز أن يحكم على موضعها بالرفع أو الجر اهـ سمين.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ الخ وسبب ذلك أن أهل الكتاب قالوا لهم: إن صفة محمد في كتبنا فاسألوه، فلما سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب. قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه أي: قبله من التوراة والإنجيل، بل نكفر بالجميع، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجون بقولهم، فظهر بذلك تناقضهم وقلة عقلهم اهـ قرطبي.\rقوله: (لإنكارهم له) أي: للبعث. قوله: (قال تعالى فيهم) أي: في بيان حالهم في القيامة.\rقوله: وَلَوْ تَرى جوابها محذوف أي: لرأيت أمرا عجيبا، وقوله: إِذِ الظَّالِمُونَ بمعنى وقت ظرف لترى، وقوله: مَوْقُوفُونَ أي: محبوسون في موقف الحساب جمع موقوف اسم مفعول من وقف الثلاثي المتعدي. وفي المصباح: وقفت الدابة تقف وقفا ووقوفا سكنت ووقفتها أنا يتعدى ولا يتعدى، ووقفت الرجل عن الشيء وقفا منعته عنه اهـ. وبابه وعد كما في المختار اهـ.\rوقوله: (يرجع الخ) حال وقوله: (يقول الخ) بدل منه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ولو ترى مفعول ترى، وجواب لو محذوفان للفهم أي: لو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم راجعا بعضهم إلى بعض القول لرأيت حالا فظيعة وأمرا منكرا ويرجع حال من ضمير موقوفون والقول منصوب بيرجع لأنه يتعدى قال تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ [التوبة: 83] وقوله:\rيَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا الخ تفسير لقوله: (يرجع) فلا محال له، وأنتم بعد لو لا مبتدأ على أصح المذهب، وهذاهو الأفصح أعني وقوع ضمائر الرفع بعد لو لا خلافا للمبرد حيث جعل خلاف هذا لحنا اهـ.\rقوله: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي: جوابا للأتباع فهو كما في أبي السعود استئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا قال الذين استكبروا في الجواب اهـ.\rقوله: بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ إنما وقعت إذ مضافا إليها وإن كانت من الظروف اللازمة للظرفية لأنه","part":6,"page":229},{"id":2188,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 230\rفي أنفسكم\rوَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي مكر فيهما منكم بنا إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً شركاء وَأَسَرُّوا أي الفريقان النَّدامَةَ على ترك الإيمان به لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي أخفاها كل عن رفيقه مخافة التعيير وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا في يتوسع في الزمان ما لا يتوسع في غيره فأضيف إليه الزمان اهـ عمادي.\rوتقدم في آل عمران قول آخر وهو أن إذ بمعنى أن المصدرية. قوله: (لا) أي: فالاستفهام إنكاري اهـ شيخنا.\rفأنكروا كونهم الصادين لهم عن الإيمان وأثبتوا أنهم هم الصادون لأنفسهم بسبب كونهم راسخين في الجرم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فإن قيل: لم عطف هنا وترك العطف فيما سبق؟ قلت: لأن الذين استضعفوا مر أولا كلامهم فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول اهـ كشاف.\rقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ المعنى أن المستكبرين لما أنكروا أن يكونوا السبب وأثبتوا أن ذلك باختيارهم كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم كأنهم قالوا: بل من جهة مكركم لنا ليلا ونهارا وحملكم إيانا على الشرك وإتخاذ الأنداد اهـ عمادي.\rوفي السمين: قوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إضراب عن إضرابهم وإبطال له، ومكر فاعل فعل محذوف أي بل صدنا مكرهم بناء في الليل والنهار، فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه الظرف اتساعا وجعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، وقوله: إِذْ تَأْمُرُونَنا ظرف للمكر أي: بل مكركم الدائم وقت أمركم لنا اهـ.\rوفي السمين: قوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ يجوز رفعه من ثلاثة أوجه، أحدها: الفاعلية تقديره بل صدنا مكركم في هذين الوقتين. الثاني: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي: مكر الليل صدنا. الثالث:\rالعكس أي: سبب كفرنا مكركم، وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم:\rليل ماكر فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه، وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه، وهذان أحسن من قول من قال إن الإضافة بمعنى في أي: في الليل لأن ذلك لم يثبت في غير محل النزاع اهـ.\rقوله: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ الخ جملة مستأنفة أو حال من كل من الذين استضعفوا والذين استكبروا.\rقوله: (أي أخفاها كل عن رفيقه) عبارة أبي السعود: أي: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والإضلال وأخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير أو أظهروها، فإنه من الأضداد وهو المناسب لحالهم اهـ.","part":6,"page":230},{"id":2189,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 231\rالنار هَلْ ما يُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33) في الدنيا\rوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها رؤساؤها المتنعمون إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34)\rوَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً ممن آمن وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35)\rقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (36) ذلك\rوَما أَمْوالُكُمْ وَلا قوله: وَما أَرْسَلْنا شروع في تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: إِلَّا قالَ الخ حال من قرية وإن كانت نكرة لوقوعها في سياق النفي اهـ شيخنا.\rقوله: بِما أُرْسِلْتُمْ متعلق بخبر إن وبه متعلق بأرسلتم والتقدير إنا كافرون بالذي أرسلتم به، وإنما قدم للاهتمام وحسنه تراخي الفواصل اهـ سمين.\rقوله: وَقالُوا نَحْنُ الخ أرادوا أنهم أكرم على اللّه من أن يعذبهم نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، ولو لا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم منها، فأبطل اللّه ظنه بقوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي الخ اهـ عمادي.\rوفي الخازن: وقالوا: أي: المترفون والأغنياء للفقراء الذين آمنوا نحن أكثر أموالا وأولادا أي:\rفلو لم يكن اللّه راضيا بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا أموالا ولا أولادا. وما نحن بمعذبين أي: لأنه تعالى قد أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة، وقوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي الخ يعني أنه تعالى يبسط الرزق ويضيقه امتحانا وابتلاء، ولا يدل البسط على رضاه ولا التضييق على سخطه اهـ.\rقوله: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي: إما لأن العذاب الأخروي لا يقع أصلا، وإما لأنه تعالى لما أكرمنا في الدنيا بالمال والبنين لا يهيننا في الآخرة على تقدير أن فيها عذابا اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي أي: قل ردا عليهم وحسما لمادة طمعهم وتحقيقا للحق الذي يدور عليه أمر التكوين يَبْسُطُ الرِّزْقَ الخ أي: فلا غرض له في البسط ولا في التضييق فربما يوسع على العاصي ويضيق على المطيع، وربما يعكس الأمر وربما يضيق عليهما معا وربما يوسع على شخص في وقت ويضيق عليه في آخر. كل ذلك حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة، فلا ينقاس على ذلك أمر الثواب والعذاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها اهـ أبو السعود.\rقوله: لا يَعْلَمُونَ (ذلك) فيزعمون أن مدار البسط هو الشرف والكرامة، ومدار التضييق هو الهوان والذل، ولا يدرون أن الأول كثيرا ما يكون بطريق الاستدراج، والثاني بطريق الابتلاء ورفع الدرجات اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما أَمْوالُكُمْ الخ كلام مستأنف من جهته تعالى خوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق أي: وما جماعة أموالكم ولا أولادكم بالجماعة التي تقربكم عندنا قربة، فإن الجمع المكسر عقلاء وغير عقلاء سواء في حكم التأنيث أو بالخصلة التي تقربكم عندنا وقرئ بالذي أي بالشيء الذي اهـ أبو السعود.","part":6,"page":231},{"id":2190,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 232\rأَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى قربى أي تقريبا إِلَّا لكن مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا أي جزاء العمل: الحسنة مثلا بعشر فأكثر وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ من الجنة آمِنُونَ (37) من الموت وغيره، وفي قراءة الغرفة بمعنى الجمع\rوَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا القرآن بالإبطال وفي السمين: قوله: بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ صفة للأموال والأولاد لأن جمع التكسير العاقل وغير العاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. وقال الفراء، والزجاج: إنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا: والتقدير وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم، وهذا لا حاجة إليه أيضا. ونقل عن الفراء ما تقدم من أن التي صفة للأموال والأولاد معا وهو الصحيح، وجعل الزمخشري التي صفة لموصوف محذوف قال: ويجوز أن يكون هي التقوى وهي المقربة عند اللّه زلفى وحدها أي:\rليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند اللّه بالتقريب. قال الشيخ: ولا حاجة إلى هذا الموصوف. قلت: والحاجة إليه بالنسبة إلى المعنى الذي ذكره اهـ.\rقوله: زُلْفى مصدر من معنى العامل. إذ التقدير تقربكم قربى، وقرأ الضحاك زلفا بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمع زلفة كقربة وقرب جمع المصدر لاختلاف أنواعه اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا مَنْ آمَنَ استثناء من الكاف في تقربكم، وحمله الشارح على الانقطاع لكون الخطاب للكفار، ومن آمن ليس داخلا فيهم اهـ شيخنا.\rوقيل: إنه متصل على أن يجعل الخطاب عاما للكفرة والمؤمنين أو على أنه ابتداء كلام لا مقول لهم اهـ شهاب.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا مَنْ آمَنَ فيه أوجه، أحدها: أنه استثناء منقطع فهو منصوب المحل.\rالثاني: أنه في محل جر بدلا من الضمير في أموالكم قاله الزجاج، وغلطه النحاس بأنه بدل من ضمير المخاطب قال: ولو جاز هذا لجاز رأيتك زيدا. الثالث: أن من آمن في محل رفع على الابتداء والخبر قوله: فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ اهـ.\rوفي أبي السعود: إِلَّا مَنْ آمَنَ الخ أي: وما الأموال والأولاد تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي أنفق أمواله في سبيل اللّه وعلم أولاده الخير ورباهم على الصلاح، وقوله: فَأُولئِكَ الخ إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها، كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها اهـ. وعلى تقديره يكون متصلا.\rقوله: فَأُولئِكَ مبتدأ وقوله: لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ جملة من مبتدأ وخبر خبر عن أولئك اهـ أبو السعود.\rقوله: جَزاءُ الضِّعْفِ مضاف إلى مفعوله أي: أن يجازيهم اللّه الضعف اهـ عمادي.\rأو هو من إضافة الموصوف إلى صفته أي: لهم الجزاء المضاعف. قوله: (مثلا) أي وجزاء الحسنتين بعشرين، وهكذا ويحتمل أن قوله مثلا راجع لما بعده أي: بعشر أو بسبعين أو بسبعمائة أو بأكثر. قوله: (الموت وغيره) أي: من سائر المكاره. قوله: (و في قراءة) أي: سبعية. وقوله: (بمعنى الجمع) أي: حملا لأل على أنها جنسية اهـ شيخنا.","part":6,"page":232},{"id":2191,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 233\rمُعاجِزِينَ لنا مقدرين عجزنا وأنهم يفوتونا أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38)\rقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لَهُ بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاء وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ في الخير فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) يقال كل إنسان يرزق قوله: (مقدرين) أي: معتقدين عجزنا. قوله: (بعد البسط) أي: فالضمير في له راجع لمن يشاء بقيد أنه وقع له البسط، وقوله: (أو لمن يشاء) أي: فالضمير راجع لمن يشاء لا بقيد البسط فهما تفسيران، وقوله: (ابتلاء) علة لقوله: وَيَقْدِرُ لَهُ اهـ شيخنا.\rوفي القاري: فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين أو في المؤمن وما سبق في شخصين أو في الكافر فلا تكرار وقيل: إنه تأكيد اهـ.\rوعبارة البيضاوي: فهذا في شخص واحد بدليل قوله: وَيَقْدِرُ لَهُ باعتبار وقتين وما سبق في شخصين فلا تكرير، انتهت.\rوقوله: (فلا تكرير) أي: بل فيه تقرير لأن التوسيع والتقتير ليسا لكرامة ولا هوان، فإن لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد اهـ شهاب.\rقوله: وَما أَنْفَقْتُمْ أي: على أنفسكم وعيالكم. وقيل: ما تصدقتم. وقوله: فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي: إما عاجلا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما آجلا بالثواب في الآخرة اهـ خازن.\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا».\rوروي من حديث أبي الدرداء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق اللّه كلهم إلا الثقلين، اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا» وأنزل اللّه تعالى في ذلك من القرآن فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى [الليل: 5] الآيات اهـ قرطبي في سورة الليل.\rوفي السمين: قوله: وَما أَنْفَقْتُمْ يجوز أن تكون ما موصولة في محل رفع بالابتداء، والخبر قوله: فَهُوَ يُخْلِفُهُ ودخلت الفاء لشبهه بالشرط ومن شيء بيان كذا قيل، والثاني أن تكون شرطية فتكون في محل نصب مفعولا مقدما وفهو يخلفه جواب الشرط اهـ.\rقوله: (في الخير) أي: في وجوهه قوله: يقال كُلَّ إِنسانٍ الخ) أي: يقال قولا لغويا، وغرضه بهذا تصحيح التعبير بالجمع مع أن الرازق في الحقيقة واحد وهو اللّه. وعبارة الكرخي: فيه إشارة إلى أن الجمع من حيث الصورة لأن الرازق يطلق لغة على غيره تعالى، انتهت.\rوأورد على هذا وعلى نظائره ابن عبد السّلام في أماليه كما نقله السيوطي في شرح السنن أنه لا بد من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقة لا صورة. وأجيب: بأن الرازقين بمعنى الموصلين للرزق والواهبين له بجعله حقيقة في هذا، كما صرح به الراغب حيث قال: الرزق العطاء الجاري والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه فيقال: رازق لغير اللّه ولا يقال لغيره تعالى رزاق ولا حاجة إلى ما قيل من أنه من عموم المجاز أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه اهـ شهاب.","part":6,"page":233},{"id":2192,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 234\rعائلته أي من رزق اللّه\rوَاذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي المشركين ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياء وإسقاطها كانُوا يَعْبُدُونَ (40)\rقالُوا سُبْحانَكَ تنزيها لك عن الشريك أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي لا موالاة بيننا وبينهم من جهتنا بَلْ للانتقال كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ الشياطين أي يطيعونهم في عبادتهم إيانا أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) مصدقون فيما قوله: (يرزق عائلته) أي: عياله وفي المختار: العيلة والعالة الفاقة، يقال: عال يعيل عيلة أي افتقر فهو عائل، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة: 28] وعيال الرجل من يعوله، وواحد العيال عيل كجيد، والجمع عيائل مثل جيائد، وأعال الرجل كثرت عياله فهو معيل والمرأة معيلة قال الأخفش: أي صار ذا عيال اهـ.\rقوله: إِيَّاكُمْ مفعول مقدم ليعبدون، فلما قدم انفصل وقدم لرعاية الفاصلة اهـ شيخنا.\rقوله: (و إبدال الأولى ياء) هذا سبق قلم من الشارح، إذ لم يقرأ بهذه القراءة أحد، فالذي في كلامه قراءتان فقط تحقيقهما وإسقاط الأولى، وبقي ثلاثة وهي تسهيل الأولى مع تحقيق الثانية وعكسه، وإبدال الثانية ياء ساكنة ممدودة مع تحقيق الأولى، فالقراءات خمسة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: كانُوا يَعْبُدُونَ خبر هؤلاء، وإياكم مفعول يعبدون وتخصيص الملائكة بالخطاب لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم، وإلّا فيقال لعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116] فلا اختصاص لمثل هذا الخطاب بالملائكة، والتخصيص بالذكر هنا لأن المقصود حكاية ما يقال لهم. وقال صاحب الكشاف: هذا خطاب للملائكة وتقريع للكفار وارد على المثل السائر: إياك أعني واسمعي يا جارة. ونحوه قوله عز وجل: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116] وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برآء مما وجه إليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير اهـ كرخي.\rقوله: أَنْتَ وَلِيُّنا مضاف لمفعوله أي: أنت الذي نواليك أي: نتقرب منك بالعبادة ونواصلك، فقوله: مِنْ دُونِهِمْ أي: ليس بيننا وبينهم موالاة من جهتنا أي: لم يكن لنا دخل في عبادتهم لنا، فلذلك قال الشارح من جهتنا، ثم بينوا السبب الحامل لهم على عبادتهم بقولهم: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ فالإضراب انتقالي، كما قال الشارح أي: من بيان عدم مدخليتهم أي: الملائكة في عبادة الكفار لهم إلى بيان مدخلية الجن اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يطيعونهم) عبارة البيضاوي: حيث أطاعوهم في عبادة غير اللّه تعالى، وقيل: كانوا يتمثلون لهم ويخيلون إليهم أنهم الملائكة فيعبدونهم اهـ.\rوقوله: (حيث أطاعوهم الخ) أي: فعبادتهم مجاز عن إطاعتهم فيما سولوه لهم، وقوله: (و قيل كانوا يتمثلون الخ). وعلى هذا فعبادتهم لهم حقيقة اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: وفي التفاسير أن حيا يقال له بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم وإنهم ملائكة وإنهم بنات اللّه، وهو قوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: 158] اهـ.","part":6,"page":234},{"id":2193,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 235\rيقولون لهم، قال تعالى\rفَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ أي بعض المعبودين لبعض العابدين نَفْعاً شفاعة وَلا ضَرًّا تعذيبا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42)\rوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآن بَيِّناتٍ واضحات بلسان نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ من الأصنام وَقالُوا ما هذا أي القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب مُفْتَرىً على اللّه قوله: أَكْثَرُهُمْ مبتدأ، وقوله: مُؤْمِنُونَ خبر، وبهم متعلق بمؤمنون، والأكثر هنا بمعنى الكل اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: فإن قيل: جميعهم متابعون للشياطين فما وجه قوله: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ، فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطعهم؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم فقالوا: أكثرهم لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن ويؤمنون بهم، ولعل في الوجود من لم يطلع اللّه الملائكة على حاله من الكفار. الثاني: هو أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ لاطلاعهم على أعمالهم، وقالوا: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب، فإن القلب لا يطلع على ما فيه إلا اللّه كما قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [الأنفال: 43] اهـ.\rقوله: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ الخ الفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة، فإنه محقق أجابوا بذلك أم لا بل لترتيب الأخبار به عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي بعض المعبودين) وهم الملائكة. وقوله: (لبعض العابدين) وهم الكفار. قوله:\rوَنَقُولُ معطوف على لا يملك أي: واليوم نقول الخ اهـ.\rقوله: الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ وقع الموصول هنا وصفا للمضاف إليه وفي السجدة وصفا للمضاف في قوله: عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فقيل: لأنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب كما صرح به في النظم، فوصف لهم ما لابسوه وما هنا عند رؤية النار عقب الحشر فوصف لهم ما عاينوه، وكونه هنا وصفا للمضاف على أن تأنيثه مكتسب تكلف اهـ شهاب.\rقوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي: الدالة على التوحيد بدليل قوله: قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ الخ فلذلك أتى الشارح بمن التبعيضية فقال من القرآن اهـ شيخنا.\rقوله: (بلسان نبينا) أشار بهذا إلى مرجع الإشارة في قوله: ما هذا أي: فهي راجعة على التالي المفهوم من تتلى اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ في تكرير الفعل والتصريح بالفاعل إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه اهـ بيضاوي.\rيعني: أنه لما ذكر قوله: قالُوا في جواب قوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا كان الظاهر أن يذكر مقول الكفرة بأن يعطف بعضه على بعض بأن يقال: كذا وكذا من غير أن يعاد فعل القول مع كل مقول، وقد أعيد ذلك حيث قيل: قالوا كذا وكذا، ثم قيل وقال الذين كفروا بإعادة الفعل مرة ثالثة، والتصريح","part":6,"page":235},{"id":2194,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 236\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِ القرآن لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) بيّن، قال تعالى\rوَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) فمن أين كذبوك\rوَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا أي هؤلاء مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ من القوّة وطول العمر، وكثرة المال فَكَذَّبُوا رُسُلِي بفاعله والمقام مقام الإضمار كما في الأولين اهـ زاده.\rقوله: إِلَّا إِفْكٌ (كذب) أي: في حد ذاته أي: غير مطابق للواقع وقوله: مُفْتَرىً (على اللّه) أي: من حيث نسبته إلى اللّه، فمفترى تأسيس لا تأكيد اهـ شيخنا.\rقوله: لِلْحَقِ أي: في الحق أي في شأنه.\rقوله: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها أي: دالة على صحة الإشراك، وقوله: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ أي يدعوهم إلى الإشراك، وإذا انتفت الكتب الدالة على ذلك والرسول الجائي به فمن أين لهم هذه الشبه وهذا في غاية تجهيلهم وتسفيه رأيهم اهـ بيضاوي.\rفالمنفي إنما هو وصف الكتب المذكورة ووصف النذير المذكور، ولا أصل الكتب ولا أصل إرسال الرسول، وهذا ما أشار له الشارح بقوله: (فمن أين كذبوك). وهناك تفسير آخر ذكره الشهاب حاصله: أن المنفي أصل الكتب وأصل إرسال الرسل، وذلك لأن العرب كانوا في فترة إذ لم يبعث لهم نبي بعد إسماعيل وقد انقضت رسالته بموته.\rوحاصل المعنى على هذا: أنه لا عذر لهم في الشرك ولا في عدم تصديقك بخلاف أهل الكتاب، فإن لهم نوع عذر لأن لهم دينا وكتابا فيشق عليهم تركهما، ويحتجون على عدم المتابعة بأن نبيهم حذرهم ترك دينه، وإن كان هذا احتجاجا باطلا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي هؤلاء) أي: كفار مكة وقوله: ما آتَيْناهُمْ أي: كفار الأمم الماضية أو الضمير في بلغوا لكفار الأمم الماضية، والمعنى على هذا وما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى اهـ بيضاوي.\rوقوله: مِعْشارَ لغة في العشر. وعبارة البحر: المعشار مفعال من العشر ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع ومعناهما العشر والربع، وقال وقوم: المعشار عشر العشر انتهت وبهامشه:\rوقال الماوردي: المعشار هنا هو عشير العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف.\rقال: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل اهـ.\rقوله: (من القوة الخ) أي: ومع ذلك لم تنفعهم قوتهم وطول أعمارهم وكثرة أموالهم شيئا في دفع الهلاك عنهم حين كذبوا رسلهم، فهؤلاء أولى بأن يحل بهم العذاب لتكذيبهم رسولهم اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَذَّبُوا رُسُلِي عطف على كذب الذين من قبلهم عطف تفسير وما بينها حال أو اعتراض اهـ أبو السعود.","part":6,"page":236},{"id":2195,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 237\rإليهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45) إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك، أي هو واقع موقعه\r* قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ هي أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ أي لأجله مَثْنى اثنين اثنين وَفُرادى واحدا واحدا وعبارة البيضاوي: ولا تكرير لأن الأول للتكثير، والثاني للتكذيب، انتهت.\rوحاصله: أن الأول لما حذف مفعوله كان عاما في تكذيب الرسل وغيرهم أي: حصل منهم التكذيب كثيرا لكل من أخبرهم بشيء فإنجر بهم الطغيان حتى كذبوا الرسل اهـ.\rوفي الكشاف: فإن قلت: ما معنى فكذبوا رسلي وهو مستغنى عنه بقوله: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قلت: لما كان معنى قوله: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ التكثير وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل مسببا عنه. ونظيره: أن يقول القائل أقدم فلان على الكفر فكذب بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ كرخي.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ معطوف على محذوف قدره البيضاوي بقوله: فحين فَكَذَّبُوا رُسُلِي جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كان نكيري لهم أي: عليهم، فليحذر هؤلاء من مثله اهـ.\rوالنكير: تغيير المنكر أي: إزالته، فقوله: (بالعقوبة) أي: في الدنيا إذ هي التي يحصل بها تغييره، وقوله: (واقع موقعه) أي: فهو في غاية العدل خال عن الجور والظلم، وقوله: (إنكاري عليهم الخ) جعل تدميرهم إنكارا تنزيلا للفعل منزلة القول كما في قول الشاعر:\rوتشتم بالأفعال لا بالتكلم\r\rاه شهاب.\rقوله: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ أي: آمركم وأوصيكم بواحدة أي: بخصلة واحدة، ثم بيّن تلك الخصلة فقال: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ الخ اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ أي: إنما أذكركم وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه بواحدة أي: بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام تقتضي نفي الشرك وإثبات الإله. قال مجاهد: هي لا إله إلا اللّه، وهذا قول ابن عباس والسدي، وعن مجاهد أيضا: بطاعة اللّه، وقيل: بالقرآن لأنه يجمع كل المواعظ، وقيل: تقديره بخصلة واحدة ثم بينها بقوله: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى اهـ.\rقوله: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ليس المراد حقيقة القيام الذي هو الانتصاب على القدمين، بل المراد به النهوض بالهمة والاعتناء والاشتغال بالتفكير في أمر محمد وما جاء به، أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه لينظر فيه، وأما الواحد فيفكر في نفسه أيضا بعدل ونصفة فيقول: هل رأينا من هذا الرجل جنونا أو جربنا عليه كذبا قط، وقد علمتم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما به من جنون، بل علمتموه أرجح قريش عقلا وأوزنهم حلما وأحدهم ذهنا وأرضاهم رأيا وأصدقهم قولا وأزكاهم نفسا وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمتدحون به، وإذا علمتم بذلك كفاكم أن تطالبوه بآية، وإذا جاء بها تبين أنه نبي صادق فيما جاء به اهـ خازن.\rقوله: مَثْنى وَفُرادى إنهما قال مثنى وفرادى، لأن الجماعة يكون مع اجتماعها تشويش الخاطر والمنع من الفكر وتخليط الكلام والتعصب للمذاهب، وانتصب مثنى وفرادى على الحال،","part":6,"page":237},{"id":2196,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 238\rثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فتعلموا ما بِصاحِبِكُمْ محمد مِنْ جِنَّةٍ جنون أَنْ ما هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ أي قبل عَذابٍ شَدِيدٍ (46) في الآخرة إن عصيتموه\rقُلْ لهم ما سَأَلْتُكُمْ على الإنذار والتبليغ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي لا أسألكم عليه أجرا إِنْ أَجْرِيَ ما ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) مطلع يعلم صدقي\rقُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ يلقيه إلى أنبيائه عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) ما وقدم مثنى لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإن انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزداد بصيرة. وقال الشاعر:\rإذ اجتمعوا جاؤوا بكل غريبة ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علما\r\rاه من البحر.\rقوله: (فتعلموا) يحتمل أنه إشارة لتقدير ما ذكر لدلالة التفكر عليه لكونه طريقه، أو أن التفكر مجاز عن العلم، فلذا عمل في الجملة المعلق عنها. وذهب ابن مالك إلى أن تفكر يعلق حملا له على أفعال القلوب، ولو حمل على التضمين لم يبعد والتعبير يصاحبكم للإيماء إلى أن حاله مشهور بينهم اهـ شهاب.\rوعبارة البحر: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا عطف بيان على أن تقوموا، والفكرة هنا في حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيما نسبوه إليه، فإن الفكرة تهدي غالبا إلى الصواب، والوقف عند أبي حاتم على قوله: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ نفي مستأنف، والذي يظهر أن الفعل معلق عن الجملة المنفية فهي في موضع نصب على إسقاط في، انتهت.\rقوله: مِنْ جِنَّةٍ مبتدأ مؤخر أو فاعل بالظرف قبله لاعتماده اهـ سمين.\rقوله: إِنْ هُوَ أي: المحدث عنه بعينه إلا نذير، أي: خالص إنذاره لكم بين يدي. أي: قبل حلول عذاب شديد، أي: في الآخرة إن عصيتموه اهـ خطيب.\rقوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يحتمل أن تكون ما شرطية مفعولا مقدما، وقوله: فَهُوَ لَكُمْ جوابها، وأن تكون موصولة في محل رفع بالابتداء والعائد محذوف أي: سألتكموه، والخبر فهو لكم، ودخلت الفاء لشبه الموصوف بالشرط، وعلى كل من الاحتمالين فيحتمل أن المعنى أنه لم يسألهم أجرا البتة فيكون كقولك: إن أعطيتني شيئا فخذه مع علمك بأنه لم يعطك شيئا، ويؤيده إن أجري إلا على اللّه، فيكون الكلام كناية عن أنه لم يسأل أصلا لأن ما يسأله السائل يكون له، فجعله للمسؤول منه كناية عن عدم السؤال بالكلية، وهذا الاحتمال هو الذي أشار له الشارح بقوله: (أي: لا أسألكم عليه أجرا الخ). ويحتمل أنه سألهم شيئا نفعه عائد عليهم، وهو المراد بقوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان: 57] وقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23] واتخاذ السبيل ينفعهم، وقربى رسول اللّه قرباهم اهـ ملخصا من السمين والبيضاوي والشهاب.\rقوله: يَقْذِفُ بِالْحَقِ يجوز أن يكون مفعوله محذوفا لأن القذف في الأصل الرمي، وعبر به هنا عن الإلقاء أي: يلقي الوحي إلى أنبيائه بالحق أي: بسبب الحق أو ملتبسا بالحق، ويجوز أن يكون","part":6,"page":238},{"id":2197,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 239\rغاب عن خلقه في السماوات والأرض\rقُلْ جاءَ الْحَقُ الإسلام وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ الكفر وَما يُعِيدُ (49) أي لم يبق له أثر\rقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي إثم ضلالي عليها وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي من القرآن والحكمة إِنَّهُ سَمِيعٌ الدعاء قَرِيبٌ (50)\rوَلَوْ التقدير يقذف الباطل بالحق أي: يدفعه ويصرفه به كقوله: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ [الأنبياء:\r18] ويجوز أن تكون الباء زائدة أي يلقي الحق كقوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [البقرة: 195] ويضمن يقذف معنى يقضي ويحكم اهـ سمين.\rقوله: عَلَّامُ الْغُيُوبِ خبر ثان لإن أو خبر مبتدأ مضمر أو بدل من الضمير في يقذف اهـ سمين.\rقوله: وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي: زهق الشرك بحيث لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعل مثلا في الهلاك بالمرة أبو السعود. والإبداء فعل الشيء ابتداء والإعادة فعله عن طريق الإعادة، ولما كان الإنسان ما دام حيا لا يخلو عن ذلك كنى به عن حياته وبنفيه عن هلاكه، ثم شاع ذلك في كل ما ذهب ولم يبق له أثر وإن لم يكن ذا روح فهو كناية أيضا أو مجاز متفرع على الكناية، وإليه أشار المصنف والفعلان منزلان منزلة اللازم أو المفعول محذوف اهـ شهاب.\rقوله: (أي لم يبق له أثر) يشير إلى أن ما نافية وهو الظاهر، وهذا مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، أي: كان أصل هذا الكلام مستعملا في معنى هلاك الحي كناية عنه من غير نظر إلى مفرداته فأخذ منه واستعمل ذهاب الباطل ذهابا لم يبق معه أثر، فعلم من كلامه أنه لا مفعول ليبدىء ولا ليعيد إذ المراد لا يوقع هذين الفعلين، وقيل: مفعوله محذوف أي: ما يبتدىء لأهله خيرا ولا يعيده وهو تقدير الحسن اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وذلك أن الكفار قالوا: تركت دين آبائك فضللت فقال اللّه له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءة العامة ضللت بفتح اللام، وقرأ يحيى بن وثاب وغيره: قل إن ضللت بكسر اللام فإنما أضل بفتح الضاد، والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضللت بفتح اللام أضل بكسر الضاد. قال اللّه تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وهذه لغة نجد وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون ضللت بكسر اللام أضل بفتح الضاد اهـ قرطبي.\rقوله: فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي: فإن وبال ضلالي لأنها سببه إذ هي الأمارة بالسوء، وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ الخ أي لأن الاهتداء بهدايته وتوفيقه اهـ بيضاوي.\rوقوله: وبهذا الاعتبار أي اعتبار أن كل ما هو بسببها فهو وبال عليها فوقع التقابل بين قوله:\rفَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وبين قوله: فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي وإلّا فلا تقابل بينهما ظاهرا، لأنه إنما يظهر التقابل بينهما إن أورد فيهما كلمة على أو كلمة الباء بأن يقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي على نفسي، أو بأن يقال: إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي الخ. فأجاب بأنهما متقابلان من جهة المعنى لأن قوله: فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي في قوة أن يقال فإنما أضل بنفسي اهـ زاده باختصار.\rقوله: فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي يجوز أن تكون ما مصدرية أي: بسبب إيحاء ربي إليّ، وأن تكون","part":6,"page":239},{"id":2198,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 240\rتَرى يا محمد إِذْ فَزِعُوا عند البعث لرأيت أمرا عظيما فَلا فَوْتَ لهم منا، أي لا يفوتونا وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) أي القبور\rوَقالُوا آمَنَّا بِهِ بمحمد أو القرآن وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ موصولة أي: بسبب الذي يوحيه فعائدها محذوف اهـ سمين.\rقوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ (للدعاء) عبارة البيضاوي: يسمع قول كل من المهتدي والضال وفعله وإن بالغ في إخفائهما وهي أنسب بالسياق، انتهت.\rقوله: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ذكر أحوال أهل الكفر في وقت يضطرون فيه إلى معرفة الحق، والمعنى: لو ترى إذ فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس اللّه تعالى بهم. روي معناه عن ابن عباس، وعن الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة، وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم وقاله قتادة. وقال ابن معقل: إذا عاينوا عقاب اللّه جل جلاله يوم القيامة. وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارا إلى التوبة. وقال سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف به في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذاهو فزعهم فلا فوت فلا نجاة قاله ابن عباس. وقال مجاهد: فلا مهرب وأخذوا من مكان قريب أي: من القبور، قيل: من حيث كانوا فهم من اللّه قريبون لا يبعدون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها، فلما يدخلون البيداء يخسف بهم فهو الأخذ من مكان قريب اهـ قرطبي.\rقوله: (لرأيت أمرا عظيما) أشار به إلى أن جواب لو محذوف، ويجوز أن تكون إذ مفعول ترى أي ولو ترى وقت فزعهم على المجاز العقلي، ويجوز أن يكون ظرفا له اهـ كرخي.\rوالأولى من هذا أن مفعول ترى محذوف أي: ولو ترى حالهم وقت أن فزعوا الخ.\rقوله: (أي لا يفوتوننا) أي: لا بهرب ولا بحصن اهـ كرخي.\rقوله: وَأُخِذُوا وقوله: وَقالُوا وقوله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ الثلاثة معطوفة على فزعوا والأربعة بمعنى الاستقبال وعبّر فيها بالماضي لتحقق الوقوع اهـ شيخنا.\rقوله: (أي القبور) وهي قريبة من مساكنهم في الدنيا كما قاله أبو حيان، أو قريبة من اللّه أي: لا يبعد عليه أخذهم منها كما قاله غيره اهـ شيخنا.\rوقيل: أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ أي: قبضت أرواحهم في أماكنهم، فلم يمكنهم الفرار من الموت. وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع، ويجوز أن يكون هذا الفزع الذي هو بمعنى الإجابة يقال: فزع الرجل إذا أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يأخذوا في الآخرة، ومن قال هو فزع يوم القيامة قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها: وقيل: أخذوا من مكان قريب أي: من جهنم فألقوا فيها اهـ قرطبي.\rقوله: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ أي: قالوا ذلك وقت النزع وهو وقت نزول العذاب بهم عند الموت","part":6,"page":240},{"id":2199,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 241\rبالواو وبالهمزة بدلها أي تناول الإيمان مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) عن محله إذ هم في الآخرة ومحله الدنيا\rوَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ في الدنيا وَيَقْذِفُونَ يرمون بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) أي بما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة حيث قالوا في النبي ساحر شاعر كاهن، وفي القرآن سحر شعر كقوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: 84] أو عند البعث فإن الكفار كلهم يؤمنون حينئذ، ونفى اللّه عنهم نفع الإيمان عنهم بقوله: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ اهـ زاده.\rقوله: وَأَنَّى لَهُمُ أي: من أين لهم، أي: كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب، وذلك لا يكون إلا في الدنيا وهم في الآخرة، والدنيا من الآخرة بعيدة، فأنى هنا للاستبعاد، فإن قيل: كيف قال في كثير من المواضع إن الآخرة من الدنيا قريبة وسمى الساعة قريبة، فقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: 1] لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17]؟ فالجواب أن الماضي كالأمس الدابر وهو أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت، فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه اهـ كرخي.\rقوله: التَّناوُشُ مبتدأ، وأنّى خبره، أي: كيف لهم التناوش ولهم حال، ويجوز أن يكون لهم رافعا للتناوش لاعتماده على الاستفهام، أي: كيف استقر لهم التناوش وفيه بعد اهـ سمين.\rوفي المصباح: ناشه نوشا من باب قال تناوله، والتناوش التناول يهمز ولا يهمز، وتناوشوا بالرماح تطاعنوا بها اهـ.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس، والضحاك: التناوش الرجعة أي: يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا وهيهات من ذلك. وقال السدي: هو التوبة أي: طلبوها وقد بعدت لأنه إنما تقبل التوبة في الدنيا. وقيل: التناوش التناول. قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته ناشه ينوشه نوشا، ومنه المناوشة في القتال وذلك إذا تدانى الفريقان اهـ.\rقوله: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهو الآخرة بدليل قوله: (عن محله الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ الخ أي: ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من المطاعن، أو في العذاب من البت على نفيه من مكان بعيد من جانب بعيد من أمره وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الرسول وحال الآخرة كما حكاه من قبل، ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه اهـ بيضاوي.\rوهذا استعارة تمثيلية تقريرها أنه شبه حالهم في ذلك أي: في قولهم آمنا به حيث لا ينفعهم الإيمان بحال من رمى شيئا من مكان بعيد وهو لا يراه، فإنه لا يتوهم إصابته ولا لحوقه لخفائه عنه وغاية بعده، فالباء في بالغيب بمعنى في أي في محل غائب عن نظرهم أو للملابسة اهـ شهاب.\rقوله: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ المكان البعيد وهو وهمهم الفاسد وظنهم الخاطىء، وهو بعيد عن رتبة العلم ورتبة الصدق والتحقيق اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بما غاب) وهو قولهم ساحر الخ. وقوله: (بعيدة) أي: عن الصدق والتحقق اهـ شيخنا.","part":6,"page":241},{"id":2200,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 242\rكهانة\rوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من الإيمان أي قبوله كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ أشباههم في الكفر مِنْ قَبْلُ أي قبلهم إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54) موقع في الريبة لهم فيما آمنوا به الآن ولم يعتدوا بدلائله في الدنيا.\rقوله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ أي: في الآخرة، وقوله: (أي: قبوله) أي نفعه بحيث يخلصهم من الخلود في النار اهـ شيخنا.\rوحيل: فعل مبني للمفعول وإذا بني للفاعل يقال فيه حال وهو فعل لا يتعدى، ونائب الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل كأنه قيل: وحيل هو أي الحول. وجعل بعضهم نائب الفاعل الظرف وهو بينهم، واعترض بأنه كان ينبغي أن يرفع. وأجيب بأنه إنما بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، ورد بأن المضاف إلى غير متمكن لا يبنى مطلقا، فلا يجوز قام غلامك ولا مررت بغلامك بالفتح، وتقدم في قوله: لقد تقطع بينكم ما يغنينا عن إعادته اهـ من البحر والسمين.\rقوله: (أشباههم في الكفر) في المختار: وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع وقوله تعالى: كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أي: بأمثالهم اهـ.\rقوله: مِنْ قَبْلُ متعلق بفعل أو بأشياعهم أي الذين شايعوهم قبل ذلك الحين اهـ سمين.\rوعبارة البحر: من قبل يصح أن يكون متعلقا بأشياعهم أي من أتصف بصفاتهم من قبل أي: في الزمان الأول، ويؤيده أن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد ويصح أن يكون متعلقا بفعل إذا كانت الحيلولة في الدنيا، انتهت.\rقوله: (أي قبلهم) أي: الذين كانوا قبلهم في الدنيا أي: كانوا فيها سابقين عليهم في الزمان، فالظرف وهو قوله: مِنْ قَبْلُ نعت لأشياعهم تأمل.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ أي: من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، وقيل: في الدين والتوحيد والمعنى واحد، يقال: أراب الرجل أي: صار ذا ريبة فهو مريب، ومن قال هو من الريب الذي هو الشك والتهمة قال: يقال شك مريب كما يقال عجب عجيب وشعر شاعر في التأكيد اهـ قرطبي.\rقوله: (موقع الريبة لهم) أي: فهو من أرابه أوقعه في ريبة وتهمة فالهمزة للتعدية اهـ شهاب.\rوإسناد الإرابة إلى الشك مجاز قصد به المبالغة في الشك، وقال ابن عطية: الشك المريب أقوى ما يكون من الشك وأشده اهـ سمين.\rوفي الكرخي: قوله: (مع الريبة لهم) أو ذي ريبة منقول من المشكك أو الشاك نعت به الشك للمبالغة قاله القاضي. وإيضاحه، قول الكشاف: مريب إما من أرابه إذا أوقعه في الريبة والتهمة، أو من أراب الرجل إذا صار ذا ريبة، ودخل فيها وكلاهما أي: المعنيين مجاز إلا أن بينهما فرقا وهو أن الريب من الأول أي: المتعدي منقول ممن يصبح أن يكون مريبا من الأعيان إلى المعنى، والمريب من الثاني أي: اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر اهـ.\rقوله: (و لم يعتدوا بدلائله) حال من الواو في آمنوا به في الآخرة والحال أنهم لم يعتدوا في الدنيا بدلائله الواضحة وفي نسخة ولم يهتدوا لدلائله اهـ شيخنا.","part":6,"page":242},{"id":2201,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 243\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة فاطر مكية وهي خمس أو ست وأربعون آية\rالْحَمْدُ لِلَّهِ حمد اللّه تعالى نفسه بذلك، كما بين في أول سبأ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خالقهما على غير مثال سبق جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا إلى الأنبياء أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rوتسمى أيضا سورة الملائكة كما في البيضاوي وغيره وهذه السورة ختام السور المفتتحة بالحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة، وهي الإيجاد الأول ثم الإبقاء الأول، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتحة بالابتداء خطيب.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 243\r\rتسمى أيضا سورة الملائكة كما في البيضاوي وغيره وهذه السورة ختام السور المفتتحة بالحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة، وهي الإيجاد الأول ثم الإبقاء الأول، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتحة بالابتداء خطيب.\rقوله: (حمد تعالى نفسه) أي: تعظيما لها وتعليما لعباده كيفية الثناء عليه تعالى وباعتبار الثاني جعل الشارح هذه الجملة في سورة الحمد معمولة لقول محذوف حيث قدره هناك بقوله: قولوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وقوله: (بذلك) أي: بذلك التركيب فهو صادر من جهته تعالى، وحينئذ فالظاهر أن أل فيه جنسية أو استغراقية أي: جنس الحمد أو جميع أفراده مملوك أو مملوكة لي ومختصة بي، ولا يضر أن تكون عهدية إلا في الحمد الصادر من الخلق، لأنهم في تقرير العهدية يجعلون المعهود والمعلوم هو الصادر منه تعالى كالمذكور هنا، فلو جعلت هنا عهدية لم يكن هناك شيء معهود معلوم غير الحاصل بهذه الجملة فليتأمل اهـ شيخنا.\rقوله: (بذلك) أي: بهذا اللفظ المذكور، وقوله: (كما بين في أول سبأ) عبارته هناك حمد تعالى نفسه بذلك المراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد وهو الوصف بالجميل للّه اهـ.\rقوله: (خالقهما) أصل الفطر الشق مطلقا. وقيل: الشق طولا فكأنه شق العدم بإخراجهما منه اهـ أبو السعود.\rوبابه نصر كما في المختار، وقول الشارح: على غير مثال سبق أي: وعلى غير مادة، والظاهر أن هذا ليس من معنى الفطر لغة، وإنما أخذه من المعنى وسياق الكلام تأمل.\rقوله: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ أي: بعضهم، إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم، وقوله: أُولِي أَجْنِحَةٍ نعت لرسلا وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا أو للملائكة وهو جيد معنى: إذ كل الملائكة لها","part":6,"page":243},{"id":2202,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 244\rالْخَلْقِ في الملائكة وغيرها ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)\rما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ كرزق أجنحة فهي صفة كاشفة، والمسوغ للتخالف في التعريف جعل أل جنسية، وقوله: مَثْنى الخ القصد به التكثير واختلافهم في عدد الأجنحة لا الحصر، وإلّا فبعضهم له ستمائة وغير ذلك، ومثنى مجرور بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر نيابة عن الكسرة لأنه غير منصرف للوصف، والعدل عن المكرر أي: اثنين اثنين وهو بدل من أجنحة، فإن قلت: لا يخلو إما أن يكون جاعل بمعنى الماضي أو غيره. فإن كان الأول لزم أن لا يعمل مع أنه عامل رسلا، وإن كان الثاني لزم أن تكون إضافته غير محضة، فلا يصح أن يكون صفة للمعرفة. قلنا: صرح الطيبي بأن جاعل هنا للاستمرار فباعتبار أنه يدل على المضي يصلح كونه للمعرفة، وباعتبار أنه يدل على الحال والاستقبال يصلح للعمل اهـ كازروني.\rقوله: رُسُلًا (إلى الأنبياء) عبارة البيضاوي: جاعل الملائكة رسلا وسائط بين اللّه تعالى وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرؤيا الصالحة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه اهـ.\rقوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مستأنف وما يشاء هو المفعول الثاني للزيادة والأول لم يقصد فهو محذوف اقتصارا، لأن ذكر قوله: فِي الْخَلْقِ يغني عنه اهـ سمين.\rقوله: (في الملائكة وغيرها) أي: يزيد صورة ومعنى كملاحة الوجه وحسن الصوت وجودة العقل ومتانته، فقد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل ليلة المعراج بستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب أخرجه الشيخان اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ أي: يزيد في خلق الأجنحة وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته، والأصل الجناحان لأنهما بمنزلة اليدين ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه. فإن قيل: قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه فما صورة الثلاثة؟ أجيب: بأن الثالث لعله يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران.\rقال الزمخشري: فقد مرّ بي في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما اجسادهم، وجناحان للطيران يطيرون بهما في الأمر من أمور اللّه تعالى، وجناحان على وجوههم حياء من اللّه تعالى.\rوروى ابن ماجه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «رأيت جبريل عند سدرة المنتهى وله ستمائة جناح ينتثر من رأسه الدر والياقوت». وروي أنه سأل جبريل أن يتراءى له في صورته فقال: إنك لن تطيق ذلك فقال: «إني أحب أن تفعل»، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم أفاق وجبريل عليه السّلام مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال:\r«سبحان اللّه ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا». فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل له اثنا عشر ألف جناح جناح منها بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش على كاهله، وأنه ليتضاءل الأحايين لعظمة اللّه حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير. وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ «هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن»، وقيل: هو الخط الحسن. عن قتادة: الملاحة في العينين. والآية كما قال الزمخشري مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة","part":6,"page":244},{"id":2203,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 245\rومطر فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ من ذلك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ أي بعد إمساكه وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (2) في فعله\rيا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ\rواعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش ومتانة في العقل وجزالة في الرأي وجرأة في القلب وسماحة في النفس وذلالة في اللسان ولباقة في التكلم وحسن تأن في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف اهـ.\rوالوصع: بفتح الصاد المهملة وسكونها وبالعين المهملة كما في القاموس.\rقوله: ما يَفْتَحِ اللَّهُ ما: اسم شرط جازم منصوبة المحل بفعل الشرط، ومن رحمة بيان لها وروعي معناها في قوله: فَلا مُمْسِكَ لَها. وروعي لفظ الأخرى في قوله: فَلا مُرْسِلَ لَهُ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وَما يُمْسِكْ يجوز أن يكون على عمومه أي: أي شيء أمسكه من رحمة أو غيرها. فعلى هذا التذكير في قوله له ظاهر لأنه عائد على ما يمسك، ويجوز أن يكون قد حذف المبين من الثاني لدلالة الأولى عليه تقديره: وما يمسك من رحمة، فعلى هذا التذكير في قوله له على لفظ ما في قوله أولا: فَلا مُمْسِكَ لَها التأنيث فيه حمل على معنى ما لأن المراد به الرحمة، فحمل أولا على المعنى وفي الثاني على اللفظ والفتح والإمساك استعارة حسنة اهـ.\rوفي أبي السعود: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ عبّر عن إرسالها بالفتح إيذانا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون، وأعزها منالا وتنكيرها للإشاعة والإبهام أي: أي شيء يفتح اللّه من خزائن رحمة كانت من نعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة إلى غير ذلك مما لا يحاط به اهـ.\rقوله: مِنْ رَحْمَةٍ تبيين أو حال من اسم الشرط، ولا يكون صفة لما لأن اسم الشرط لا يوصف. قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للأشاعة والإبهام كأنه قيل: أي رحمة كانت سماوية أو أرضية. قال الشيخ: والعموم مفهوم من اسم الشرط، ومن رحمة بيان لذلك العام من أي صنف هو، وهو مما اجتزىء فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعروف المطابق في العموم لاسم الشرط، وتقديره:\rمن الرحمات ومن في موضع الحال انتهى اهـ سمين.\rقوله: (من ذلك) أي: من رحمة. ففي الكلام حذف من الثاني لدلالة الأول هذا ما سلكه الشارح، وبعضهم جعل ما عامة في الرحمة وغيرها كالغضب، ويؤيده عدم تبيينها وتبيين الأولى اهـ شيخنا.\rوعبارة الخطيب: واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة، والثاني مطلق يتناولها ويتناول الغضب، وفي ذلك أشعار بأن رحمته سبقت غضبه، انتهت.\rقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ أي: لا تنسوها. وفي كلام الكشاف إشارة إلى ذلك حيث قال: ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد ذكرها به وبالقلب اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: ومعنى هذا الذكر الشكر اهـ.","part":6,"page":245},{"id":2204,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 246\rبإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم هَلْ مِنْ خالِقٍ من زائدة وخالق مبتدأ غَيْرُ اللَّهِ بالرفع والجر، نعت لخالق لفظا ومحلا وخبر المبتدأ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَمن الْأَرْضِ النبات والاستفهام للتقرير، أي لا خالق رازق غيره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) من أين قوله: نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ النعمة: هنا بمعنى الإنعام بدليل تقدير المتعلق الذي ذكره هذا ما درج عليه الجلال اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: إنها بمعنى المنعم به حيث قال: احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها اهـ.\rقوله: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ قرأ الأخوان غير بالجر نعتا لخالق على اللفظ ومن خالق مبتدأ زيدت فيه من وفي خبره قولان، أحدهما: هو الجملة من قوله: يَرْزُقُكُمْ. والثاني: أنه محذوف تقديره لكم ونحوه. وفي يرزقكم على هذا وجهان، أحدهما: أنه صفة أيضا لخالق فيجوز أن يحكم على موضعه بالجر اعتبارا باللفظ، وبالرفع اعتبارا بالموضع. الثاني: أنه مستأنف. وقرأ الباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه خبر المبتدأ. والثاني: أنه صفة لخالق على الموضع، والخبر إما محذوف وإما يرزقكم. الثالث: أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية، لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام، إلا أن الشيخ توقف في مثل هذا من حيث إن اسم الفاعل وإن اعتمد إلا أنه لم يحفظ فيه زيادة من قال، فيحاج مثله إلى سماع ولا يظهر التوقف، فإن شروط الزيادة والعمل موجودة، وعلى هذا الوجه فيرزقكم إما صفة أو مستأنف. وجعل الشيخ استئنافه أولى قال: لانتفاء صدق خالق على غير اللّه بخلاف كونه صفة، فإن الصفة تقيد فيكون ثم خالق غير اللّه لكنه ليس برازق. وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي غير بالنصب على الاستثناء، والخبر يرزقكم أو محذوف، ويرزقكم مستأنف أو صفة اهـ سمين.\rقوله: (بالرفع والجر) سبعيتان، وقوله: (لفظا ومحلا) لف ونشر مشوش اهـ.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) أي: والتوبيخ، وفي البيضاوي: أنه للإنكار اهـ.\rقوله: (أي لا خالق رازق غيره) هذا حل معنى، وإلّا فلو جرى على أسلوب الإعراب الذي ذكره لقال: أي: لا خالق غيره رازق اهـ شيخنا.\rوفي نسخة أي: لا خالق ولا رازق غيره. قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ استئناف مسوق لتقرير النفي المستفاد مما قبله اهـ أبو السعود.\rقوله: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ من الأفك بالفتح وهو الصرف يقال: ما أفكك عن كذا، أي: ما صرفك عنه، وقيل: هو من الإفك بالكسر وهو الكذب، ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب أي: من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد اللّه اهـ قرطبي.\rوفي المختار: والأفك بالفتح مصدر أفكه أي: قلبه وصرفه عن الشيء وبابه ضرب، ومنه قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا [الأعراف: 28] قوله: (من أين تصرفون) أين هنا","part":6,"page":246},{"id":2205,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 247\rتصرفون عن توحيده، مع إقراركم بأنه الخالق الرازق؟\rوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ في ذلك فاصبر كما صبروا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) في الآخرة، فيجازي المكذبين، وينصر المرسلين\rيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث وغيره حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإيمان بذلك وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ في حلمه وإمهاله الْغَرُورُ (5) الشيطان\rإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا بطاعة اللّه ولا تطيعوه إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ بمعنى كيف، أي: من أي حالة ومن أي وجه وبأي سبب تعبدون غيره، فغيره ليس فيه وصف يقتضي أن تنصرفوا لعبادته، فإنه لا يقدر على خلق ولا على رزق ولا على غيرهما اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ الخ شروع في تسليته، وجواب الشرط محذوف قدره بقوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ إذ هو الذي يصلح ترتبه على تكذيبهم له كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (فاصبر كما صبروا) أشار إلى أن هذاهو جواب قوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ دل عليه فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ أي: وصبروا يوضحه قول الكشاف، فإن قلت: ما وجه صحة جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يتعقب الشرط وهذا سابق له؟ قلت: معناه وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، فوضع فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ موضع فتأس استغناء بالسبب عن المسبب يعني بالتكذيب عن التأسي اهـ.\rقوله: (في ذلك) أي: في المجيء بما ذكر.\rقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ مصدر مضاف لفاعله وقوله: (بالبعث وغيره) كالحساب والعقاب. قوله:\rفَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا المراد نهيهم عن الاغترار بها، وإن توجه النهي صورة إليها كما في قولهم:\rبعين ما لا أرينك ههنا اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الشيطان بأن يمينكم المغفرة مع الإصرار على المعصية فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتمادا على دفع الطبيعة اهـ.\rقوله: (في حلمه) أي: بسبب حلمه وإمهاله أي: فلا يكن حلمه وإمهاله سببا في اتباعكم الشيطان في غروره اهـ شيخنا.\rقوله: الْغَرُورُ العامة على الفتح وهو صيغة مبالغة كالصبور والشكور، وأبو السماك، وأبو حيوة بضمها إما جمع غار كقاعد وقعود، وإما مصدر كالجلوس اهـ سمين.\rقوله: عَدُوٌّ أي: عظيم لأن عداوته عامة قديمة، والعموم يفهم من قوله: لَكُمْ حيث لم يخص ببعض دون بعض، والقدم من الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار اهـ كرخي.\rقوله: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أي: في عقائدكم وأفعالكم، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم اهـ بيضاوي.","part":6,"page":247},{"id":2206,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 248\rأتباعه في الكفر لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) النار الشديدة\rالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه. ونزل في أبي جهل وغيره\rأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بالتمويه فَرَآهُ حَسَناً من مبتدأ خبره كمن هداه اللّه لا، دلّ أو كونوا معتقدين لعداوته عن صميم قلب، وإذا فعلتم فعلا فتفطنوا له فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء ويزين لكم القبائح اهـ شهاب.\rوقال القشيري: ولا يتعزى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب، فإنه لا يغفل عن عداوتكم فلا تغفلوا أنتم عن مولاكم لحظة اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ الخ تقرير لعداوته وتحذير من طاعته، واللام للتعليل اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا يجوز رفعه ونصبه وجره. فرفعه من وجهين، أقواهما: أن يكون مبتدأ، والجملة بعده خبره، والأحسن أن يكون لهم هو الخبر وعذاب فاعله. والثاني: أنه بدل من واو ليكونوا. ونصبه من أوجه: البدل من حزبه، أو النعت له، أو إضمار فعل كأذم ونحوه. وجره من وجهين: النعت أو البدلية من أصحاب. وأحسن الوجوه الأول لمطابقة التقسيم، واللام في ليكونوا إما للعلة على المجاز من إقامة السبب مقام المسبب، وإما للصيرورة اهـ سمين.\rقوله: (هذا) أي قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا الخ اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل في أبي جهل وغيره) أي: من مشركي مكة. قال ابن عباس، وقال سعيد بن جبير:\rنزلت في أصحاب الأهواء والبدع، وقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون الكبائر اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وفيمن زين له سوء عمله أربعة أقوال، أحدها: أنهم اليهود والنصارى والمجوس قاله أبو قلابة، ويكون سوء عمله معاندة الرسول. الثاني: أنهم الخوارج رواه عمر بن القاسم، فيكون سوء عمله تحريف التأويل. الثالث: الشيطان قاله الحسن، ويكون سوء عمله الاغواء. الرابع: كفار قريش قاله الكلبي، ويكون عمله الشرك. وقيل: إنما نزلت في العاصي بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، وقال غيره: نزلت في أبي جهل بن هشام فرآه حسنا أي: صوابا قاله الكلبي، وقيل: جميلا.\rقلت: والقول بأن المراد كفار قريش أظهر الأقوال لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ [البقرة: 272] وقوله: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [آل عمران: 176] وقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ [الكهف: 6] وقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [الشعراء: 3] أي: لا يكونوا مؤمنين، وقوله في هذه الآية: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ وهذا ظاهر بيّن أي:\rلا ينفع تأسفك على كفرهم فإن اللّه أضلهم، وهذه الآية ترد على القدرية قولهم على ما تقدم أي:\rأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً تريد أن نهديه، وإنما ذلك إلى اللّه لا إليك والذي إليك هو التبليغ اهـ.\rقوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ الخ تقدير لما سبق من التباين بين عاقبتي الفريقين ببيان تباين","part":6,"page":248},{"id":2207,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 249\rعليه فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ على المزين لهم حَسَراتٍ باغتمامك أن لا يؤمنوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) فيجازيهم عليه\rوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وفي قراءة الريح فَتُثِيرُ سَحاباً المضارع لحكاية الحال الماضية أي تزعجه فَسُقْناهُ فيه التفات عن حالهما المؤدي إلى تباين تينك العاقبتين وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ تقرير له وتحقيق للحق ببيان أن الكلّ بمشيئته اهـ أبو السعود.\rقوله أيضا: فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ أي: زينه له الشيطان ونفسه الأمارة وهواه القبيح، وقوله:\r(بالتمويه) بأي: التحسين. ففي البيضاوي: بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انعكس رأيه فرأى الباطل حقا والقبيح حسنا، كمن لم يزين له بل وفق عرف الحق واستحسن الأعمال واستقبح ما هم عليه اهـ.\rقوله: سُوءُ عَمَلِهِ أي: عمله السيىء فهو إضافة الصفة للموصوف اهـ شهاب.\rقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري. وقوله: (دل عليه) أي: على الخبر المذكور أي:\rعلى تقديره بخصوص ما ذكر اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: فحذف الخبر لدلالة، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ الخ ه.\rووجه الدلالة أنه يقتضي أن يكون الكلام السابق مشتملا على ذكر من يهديه وهو من لم يزين له اهـ زاده.\rقوله: فَلا تَذْهَبْ العامة على فتح التاء والهاء مسندا لنفسك من باب لا أرينك ههنا، أي: لا تتعاط أسباب ذلك. وقرأ أبو جعفر، وقتادة والأشهب: بضم التاء وكسر الهاء مسندا لضمير المخاطب نفسك مفعول به اهـ سمين.\rأي: فلا تهلكها عليهم، أي: على عدم إيمانهم، وقوله: حَسَراتٍ مفعوله لأجله، والجمع للدلالة على تضاعف اغتمامه على كثرة قبائحهم الموجبة للتأسف والتحسر عليهم، وعليهم صلة لتذهب كما يقال: هلك عليه حبا ومات عليه حزنا ولا يجوز أن يتعلق بحسرات، لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله اهـ أبو السعود.\rوالحسرة: همّ النفس على فوات أمر اهـ كرخي.\rوفي المختار: والحسرة أشد التلهف على الشيء الفائت تقول: حسر على شيء من باب طرب وحسره أيضا فهو حسير اهـ.\rقوله: (أن لا يؤمنوا) أي: على أن لا يؤمنوا. قوله: (و في قراءة (؟ الريح)) أي: سبعية. قوله:\r(الحكاية الحال الماضية) أي: استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي تزعجه) أي تحركه وتثيره. قوله: (عن الغيبة) أي: التي في قوله: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ اهـ شيخنا.","part":6,"page":249},{"id":2208,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 250\rالغيبة إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ بالتشديد والتخفيف لا نبات بها فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ من البلد بَعْدَ مَوْتِها يبسها أي أنبتنا به الزرع والكلأ كَذلِكَ النُّشُورُ (9) أي البعث والإحياء\rمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ قوله: إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ في المصباح: البلد يذكر ويؤنث والبلدة البلد، وتطلق البلد والبلدة على كل موضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، وفي التنزيل: إلى بلد ميت أي: إلى أرض ليس بها نبات ولا مرعى، فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم، فأطلق الموت على عدم النبات والمرعى، وأطلق الحياة على وجودهما اهـ.\rفقول الشارح: من البلد من فيه بيانية لما علمت أن البلد هي القطعة من الأرض تأمل. قوله:\rفَأَحْيَيْنا بِهِ أي: بمائة أي: المطر النازل منه اهـ شيخنا.\rقوله: كَذلِكَ النُّشُورُ أي: في كمال الاختصاص بالقدرة الربانية، والكاف في محل رفع على الخبرية. أي: مثل ذلك الإحياء الذي تشاهدونه إحياء الأموات في صحة المقدورية وسهولة الثاني اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: كَذلِكَ النُّشُورُ أي: كمثل إحياء الموت نشور الأموات في صحة المقدورية، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه، وكذلك لا مدخل فيها. وقيل: في كيفية الإحياء، فإن اللّه تعالى يرسل ماء من تحت العرش فتنبت منه أجساد الخلق اهـ.\rوفي الكرخي: ووجه التشبيه من وجوه، أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة. وثانيها: كما أن الريح تجمع القطع السحابية كذلك تجمع أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء. وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت كذلك نسوق الروح إلى الجسد الميت اهـ.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً قيل: معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا. وقيل: معناه من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة اللّه وهو دعاء إلى طاعة من له العزة، أي:\rفليطلب العزة من عند اللّه بطاعته، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز، فبين اللّه أن لا عزة إلا للّه ولرسوله ولأوليائه المؤمنين اهـ خازن.\rوفي القرطبي: ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة ومن أين تستحق، فتكون الألف واللام للاستغراق وهو المفهوم من آيات هذه السورة، فمن طلب العزة من اللّه وصدقه في طلبها بافتقار وذل وسكون وخضوع وجدها عنده إن شاء اللّه غير ممنوعة ولا محجوبة عنه.\rقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من تواضع للّه رفعه اللّه ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده». وقد ذكر اللّه قوما طلبوا العزة من عند سواه فقال: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النساء: 139] فقد أنبأك صريحا لا إشكال فيه أن العزة له يعز بها من يشاء ويذل بها من يشاء. وقال صلّى اللّه عليه وسلّم مفسرا لقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً «من أراد عز الدارين فليطع العزيز» وهذا معنى قول الزجاج. ولقد حسن من قال:\rوإذا تذللت الرقاب تواضعا ... منا إليك فعزها في ذلها","part":6,"page":250},{"id":2209,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 251\rجَمِيعاً أي في الدنيا والآخرة، فلا تنال منه إلا بطاعته فليطعه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يعلمه وهو: لا إله إلا اللّه، ونحوها وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ يقبله وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ المكرات السَّيِّئاتِ بالنبي في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في الأنفال لَهُمْ عَذابٌ فمن كان يريد العزة لينال الفوز ويدخل دار العزة فليقصد بالذلة للّه سبحانه الاعتزاز به فإنه من اعتز بالعبيد أذله اللّه ومن اعتز باللّه أعزه اللّه اهـ.\rومن شرطية مبتدأ، أو جواب الشرط محذوف قدره بقوله: (فليطعه)، وقوله: فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الخ تعليل للجواب المحذوف اهـ شيخنا.\rوقدرة البيضاوي بقوله: فليطلبها من جنابه اهـ.\rقوله: (يعلمه) أجاز بهذا إلى أن في الكلام مجازا في المسند ومجازا في الإسناد، فالصعود مجاز عن العلم، لأن الصعود حقيقة من صفات الاجرام، والكلم معلوم فأسند الفعل للمفعول به اهـ شيخنا.\rكقولهم: عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: 21 القارعة: 7].\rوفي البيضاوي: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ بيان لما تطلب وتنال به العزة، وهو التوحيد والعمل الصالح، وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما اهـ.\rوفي القرطبي: والصعود هو الحركة إلى فوق وهو العروج أيضا، ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله لأن موضع الثواب فوق وموضع العذاب أسفل. وقال الزجاج:\rيقال: الأمر إلى القاضي أي علمه، وخص الكلام الطيب بالذكر لبيان الثواب، وقوله: إِلَيْهِ أي:\rإلى اللّه يصعد، وقيل: يصعد إلى سمائه، والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم. وقيل: يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعة العبد إلى السماء والكلم الطيب هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة. وقيل هو التحميد والتمجيد ونحوه اهـ.\rقوله: (و نحوها) أي: من الأذكار والتسبيحات وقراءة القرآن وغيرها من عبادات اللسان اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ الخ بيان لحال الكلم الخبيث والعمل السيىء بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح وأهلهما اهـ أبو السعود.\rقوله: السَّيِّئاتِ ليس مفعولا به لأن مكر لازم بل هو مفعول مطلق، كما أشار لهذا بتقدير الموصوف الذي هو الموصوف الحقيقي والمكرات بفتحات جمع مكره بسكون الكاف، وهي المرة من المكر الذي هو الحيلة والخديعة اهـ شيخنا.\rوقيل: المراد بالمكر هنا الرياء في الأعمال اهـ قرطبي.\rوفي السمين: قوله: يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ يمكرون أصله قاصر، فعلى هذا ينتصب السيئات على نعت مصدر محذوف أي المكرات السيئات، أو نعت لمضاف إلى المصدر أي: أصناف المكرات","part":6,"page":251},{"id":2210,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 252\rشَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) يهلك\rوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي منيّ بخلق ذرّيته منها ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ذكورا وإناثا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ حال أي معلومة له وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي ما يزاد في عمر طويل العمر وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي ذلك السيئات، ويجوز أن يكون يمكرون السيئات مضمنا معنى يكسبون فينتصب السيئات مفعولا به اهـ.\rقوله: (في دار الندوة) وهي التي بناها قصي بن كلاب، والندوة: التحدث أو مكانه فهي كالنادي اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وتنادوا نادى بعضهم بعضا، وتنادوا أيضا تجالسوا في النادي، والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدثهم، وكذا الندوة والنادي والمنتدى، فإن تفرق عنه فليس بندي، ومنه سميت دار الندوة التي بناها قصي بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي: يجتمعون للمشاورة اهـ.\rقوله: (كما ذكر في الأنفال) أي: بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: 30] الخ.\rقوله: وَمَكْرُ أُولئِكَ وضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم عليه من الشر والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك. وقوله: هُوَ يَبُورُ أي: يهلك ويفسد خاصة لا من مكروا به، وقد أبادهم اللّه إبادة بسبب مكراتهم حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب، فجمع عليهم مكراتهم الثلاث التي اكتفوا في حقه بواحدة منها اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ يَبُورُ جوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون هو فصلا بين المبتدأ وخبره، وهذا مردود بأن الفصل لا يقع الخبر إذا كان فعلا، إلا أن الجرجاني جوز ذلك، وجوز أبو البقاء أيضا أن يكون هو تأكيدا وهذا مردود بأن المضمر لا يؤكد الظاهر اهـ سمين.\rقوله: (يهلك) أي: يفسد ولا يتم لهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ الخ دليل آخر على صحة البعث والنشور اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً أي: أصنافا ذكورا وإناثا اهـ خازن.\rقوله: مِنْ أُنْثى من مزيدة في أنثى، وكذلك في من معمر، إلا أن الأول فاعل وهذا مفعول قام مقامه، وإلّا بعلمه حال أي: ملتبسة بعلمه اهـ سمين.\rقوله: (حال) أي: من أنثى، وقوله: (أي معلومة) أي من حيث حملها أي علما تفصيليا اهـ.\rقوله: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: وما يعمر من معمر إلا كتب عمره كم هو سنة، وكم هو شهرا، وكم هو يوما، وكم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره يوم نقص شهر نقص سنة حتى يستوفي أجله. وقال ابن جبير أيضا: فما مضى من أجله فهو النقصان وما يستقبله فهو الذي يعمره، فالهاء على هذا للمعمر. وعن سعيد أيضا: يكتب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل ذلك ذهب يوم يومان حتى يأتي إلى آخره، وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين سنة. وقيل: إن اللّه كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع وتسعين إن عصى فأيهما بلغ فهو كتاب، وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسّلام: «من أحب أن يبسط","part":6,"page":252},{"id":2211,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 253\rالمعمر أو معمر آخر إِلَّا فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) هين\rوَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة سائِغٌ شَرابُهُ شربه وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة وَمِنْ كُلٍ منهما تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا هو السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ من الملح وقيل منهما حِلْيَةً له في رزقه وينسأ له في أثره أي: يؤخر في عمره فليصل رحمه» أي: أنه يكتب في اللوح المحفوظ عمر فلان كذا سنة فإن وصل رحمه زيد في عمره كذا سنة فبين ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ أنه سيصل رحمه فمن اطلع على الأول دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان وقد مضى هذا المعنى عند قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: 39] والكناية على هذا ترجع إلى المعمر. وقيل: المعنى وما يعمر من معمر أي: هرم ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب أي: بقضاء من اللّه عز وجل روي معناه عن الضحاك. فالكناية في عمره ترجع إلى معمر آخر غير الأول على حد عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر، وقراءة العامة ينقص بضم الياء وفتح القاف، وقرأت فرقة منهم يعقوب ينقص بفتح الياء وضم القاف أي: لا ينقص من عمره شيء يقال: نقص الشيء بنفسه ونقصه غيره وزاد بنفسه وزاده غيره يتعدى ويلزم، وقرأ الأعرج، والزهري بسكون الميم وضمها الباقون وهما لغتان كالسحت والسحت اهـ.\rقوله: إِنَّ ذلِكَ أي: كتابة الأعمال والآجال غير متعذر عليه، بل هو يسير لا يتعذر عليه منها شيء ولا يعسر اهـ قرطبي.\rوفي المصباح: ويسر الشيء مثل قرب قل فهو يسير، ويسر الأمر يسرا من باب تعب، ويسر يسرا من باب قرب فهو يسير أي سهل، ويسره اللّه فتيسر واستيسر بمعنى اهـ.\rقوله: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر، والفرات الذي يكسر العطش، والسائغ الذي يسهل الحرارة لعذوبته، والأجاج الذي يحرق الحلق بملوحته. وقوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ الخ إما استطراد لبيان صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع، وإما تكملة للتمثيل على معنى أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات، فكذلك المؤمن والكافر وإن اشتركا في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لا يتساويان في الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية اهـ أبو السعود.\rوفي القاموس: وفرت الماء ككرم فروته عذاب اهـ.\rوفيه: وأيضا وأج الماء أجوجا بالضم يأجج كيسمع ويضرب وينصر إذا اشتدت ملوحته اهـ.\rقوله: سائِغٌ شَرابُهُ أي: سهل انحداره، وسائغ شرابه يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا، والجملة خبر ثان، وأن يكون سائغ خبرا وشرابه فاعلا به لأنه اعتمد اهـ سمين.\rوإنما فسر الشارح الشراب بالشرب، لأن الشراب هو المشروب فيلزم إضافة الشيء لنفسه اهـ.\rقوله: (و قيل منهما) أي: من حيث إنه يكون في البحر الملح عيون عذبة تمتزج بالملح، فبهذا الاعتبار يكون اللؤلؤ منهما اهـ خازن.","part":6,"page":253},{"id":2212,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 254\rتَلْبَسُونَها هي اللؤلؤ والمرجان وَتَرَى تبصر الْفُلْكَ السفن فِيهِ في كل منهما مَواخِرَ تمخر الماء أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة لِتَبْتَغُوا تطلبوا مِنْ فَضْلِهِ تعالى بالتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) اللّه على ذلك\rيُولِجُ يدخل اللّه اللَّيْلَ فِي النَّهارِ فيزيد وَيُولِجُ النَّهارَ يدخله فِي اللَّيْلِ فيزيد وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ منهما يَجْرِي في فلكه لِأَجَلٍ مُسَمًّى يوم القيامة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِهِ أي غيره وهم الأصنام ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) لفافة النواة\rإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا وفي القرطبي: وقيل في البحر الملح عيون عذبة، ومنها يخرج اللؤلؤ عند التمازج، وقيل: من مطر السماء اهـ.\rقوله: حِلْيَةً تَلْبَسُونَها فيه دليل على أن لباس كل شيء بحسبه، فالخاتم يجعل في الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل اهـ قرطبي.\rقوله: (و المرجان) في المصباح: والمرجان قال الأزهري وجماعة هو صغار اللؤلؤ وقال الطرطوشي: هو عروق حمر تطلع من البحر كأصبح الكف. قال: وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض كثيرا اهـ.\rقوله: (تمخر الماء) من باب دخل وقطع اهـ.\rقوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ متعلق بمواخر اهـ.\rقوله: (يدخل اللّه) اللَّيْلَ أي: زيادته. وقوله: وَيُولِجُ النَّهارَ أي: زيادته في الليل.\rقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عطف على يولج، واختلاف الصيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد حينا فحينا، وأما تسخير النيرين فأمر لا تجدد ولا تعدد فيه، وإنما المتعدد المتجدد آثاره اهـ أبو السعود.\rقوله: لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي: قدره اللّه لفنائهما اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكُمُ أي: المتصف بالصفات المتقدّمة من أول السورة إلى هنا، وهو مبتدأ وأخبر عنه بإخبار ثلاثة اللّه وما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الخ استدلال على تفرده تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله:\rإِنْ تَدْعُوهُمْ الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله كاشف عن جلية حال ما يدعونه بأنه جماد ليس من شأنه السماع اهـ أبو السعود.\rقوله: (لفافة النواة) بكسر اللام وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (لفافة النواة) أي: القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، وقيل: هي النكتة في ظهرها، ومعلوم أن في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة. الفتيل: وهو ما في شق النواة، والقطمير: وهو اللفافة، والنقير: وهو ما في ظهرها، والثفروق: وهو ما بين القمع والنواة اهـ.","part":6,"page":254},{"id":2213,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 255\rدُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا فرضا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ما أجابوكم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ بإشراككم إياهم مع اللّه، أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم وَلا يُنَبِّئُكَ بأحوال الدارين مِثْلُ خَبِيرٍ (14) عالم وهو اللّه تعالى\r* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ بكل حال وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُ عن خلقه الْحَمِيدُ (15) المحمود في صنعه بهم\rإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وفي القرطبي: والقطمير القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة قاله أكثر المفسرين، وقال ابن عباس: هو شق النواة وهو اختيار المبرد قاله قتادة وعن قتادة أيضا: أن القطمير القمع الذي على رأس النواة، وقال الجوهري: ويقال هو النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة اهـ.\rقوله: (ما أجابوكم) أي: بجلب نفع ولا دفع ضرر اهـ قرطبي.\rقوله: (بإشراككم إياهم) أي: فالمصدر مضاف لفاعله وقوله: (أي يتبرؤون منكم) أي: بقولهم ما كانوا إيانا يعبدون اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين، ممن يعقل كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين أي: يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر اللّه عن عيسى بقوله: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ [المائدة: 116] ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا أي: يحييها اللّه حتى تخبر بأنها ليست أهلا للعبادة اهـ.\rقوله: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يعني اللّه بذلك نفسه أي: لا ينبئك أحد مثلي لأني عالم بالأشياء وغيري لا يعلمها اهـ خازن.\rوالمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لها من الألوهية اهـ أبو السعود.\rوهذا الخطاب يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. والثاني: أن ذلك الخطاب غير مختص بأحد أي: هذا الذي ذكر هو ما ذكر ولا ينبئك أيها السامع كائنا من كنت مثل خبير اهـ كرخي.\rقوله: أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ أي: في أنفسكم وفيما يعرض لكم من سائر الأمور وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به، ولذلك قال تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النساء: 28] اهـ بيضاوي.\rقوله: الْحَمِيدُ فإن قلت: قد قوبل الفقير بالغني فما فائدة الحميد؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم، وليس كل غني نافعا إلا إذا كان جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه واستحق عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه اهـ كشاف.\rقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ الآية. هذا بيان لغناه وفيه بلاغة كاملة لأن قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي: ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله:\rوَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعني إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك كمال وعظمة، فلو أذهبه لزال ملكه","part":6,"page":255},{"id":2214,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 256\rبدلكم\rوَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) شديد\rوَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ آثمة أي لا تحمل وِزْرَ نفس أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ نفس مُثْقَلَةٌ بالوزر إِلى حِمْلِها منه أحد ليحمل بعضه لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ المدعو ذا قُرْبى قرابة كالأب والابن وعدم الحمل في الشقين حكم من اللّه وعظمته فهو قادر على أن يخلق خلقا جديدا أحسن من هذا وأجمل، وما ذلك أي: الإذهاب والإتيان على اللّه بعزيز اهـ كرخي.\rقوله: بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي: بقوم آخرين أطوع منكم أو بعالم آخر غير ما تعرفونه اهـ بيضاوي.\rقوله: (شديد) عبارة البيضاوي: بمتعذر أو متعسر وعبارة الكشاف: بممتنع اهـ.\rقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ الخ وأما قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ [العنكبوت: 13] الآية فهي في الضالين المضلين، فيحملون أثقال ضلالتهم وأثقال إضلالهم لغيرهم، فما حملوا إلا أثقال وزر أنفسهم اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: قال ابن عباس، يلقي الأب والأم الابن فيقولان له: يا بني أحمل عنا بعض ذنوبنا.\rفيقول: لا أستطيع حسبي ما علّي اهـ.\rقوله: وازِرَةٌ أي: نفس وازرة، فحذف الموصوف للعلم به، ومعنى تزر تحمل أي: لا تحمل نفس حامله حمل نفس أخرى اهـ سمين.\rوفي المصباح: والوزر الإثم والوزر الثقل، ومنه يقال: وزر يزر من باب وعد إذا حمل الإثم، وفي التنزيل وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: لا تحمل عنها حملها من الإثم والجمع أوزار مثل حمل وأحمال، ويقال: وزر بالبناء للمفعول من الإثم فهو موزور اهـ.\rقوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أي: نفس مثقلة بالذنوب نفسا إلى حملها فحذف المفعول به للعلم، والعامة لا يحمل مبنيا للمفعول وشيء قائم مقام فاعله، وأبو السماك وطلحة. وتروى عن الكسائي: لا تحمل بفتح التاء من فوق وكسر الميم أسند الفعل إلى ضمير النفس المحذوفة التي جعلتها مفعولة لتدع، أي: لا تحمل تلك النفس المدعوة شيئا مفعول بلا تحمل اهـ سمين.\rقوله: مِنْهُ صفة لحلمها بمعنى المحمول، والضمير راجع للوزر أي: إلى محمولها الكائن من الوزر اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الحمل بالكسر ما يحمل على الظهر ونحوه، والجمع أحمال وحمول، وحملت المتاع حملا من باب ضرب. فأنا حامل والأنثى حاملة بالتاء لأنها صفة مشتركة اهـ.\rوفي المختار: قال ابن السكيت: الحمل بالفتح وما كان في البطن أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر ما كان على ظهر أو رأس. قال الأزهري: وهذا هو الصواب وهو قول الأصمعي، وقال: امرأة حامل أو حاملة إذا كانت حبلى، فمن قال حامل قال هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال حاملة بناه على حملت فهي حاملة. وذكر ابن دريد: أن حمل الشجرة فيه لغتان الفتح والكسر اهـ.\rقوله: وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي: ولو كان المدعو ذا قربى. وقيل: التقدير ولو كان الداعي ذا","part":6,"page":256},{"id":2215,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 257\rتعالى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي يخافونه وما رأوه لأنهم المنتفعون بالإنذار وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَمَنْ تَزَكَّى تطهر من الشرك وغيره فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ فصلاحه مختص به وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) المرجع فيجزي بالعمل في الآخرة\rوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19) الكافر والمؤمن\rوَلَا الظُّلُماتُ الكفر وَلَا النُّورُ (20) الإيمان\rوَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) الجنة والنار\rوَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ المؤمنون ولا الكفار، وزيادة لا في الثلاثة قربى. والمعنيان حسنان، وقرئ ذو بالرفع على أنها التامة أي: ولو حضر ذو قربى نحو: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: 280] قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة، لأن المعنى على أن المثقلة إذا دعت أحدا إلى حملها لا يحمل منه ولو كان مدعوها ذا قربى وهو ملتئم ولو قلت ولو وجد ذو قربى لخرج عن التئامه. قال الشيخ: وهو ملتئم على المعنى الذي ذكرناه. قلت: والذي قاله هو أي: ولو حضر إذ ذاك ذو قربى، ثم قال: وتفسيره كان هو مبني للفاعل بوجد وهو مبني للمفعول تفسير معنى، والذي يفسر النحوي به كان التامة نحو حدث وحضر ووقع اهـ سمين.\rقوله: (في الشقين) أي: الحمل القهري المذكور بقوله: وَلا تَزِرُ الخ والاختياري المذكور بقوله: وَإِنْ تَدْعُ الخ، فالأول نفي للحمل إجبارا، والثاني نفي للحمل اختيارا. وقوله: (حكم من اللّه تعالى) أي: وحكمه تعالى لا يخلو عن حكمة، فعدم الحمل في الشقين لا يخلو عن حكمة اهـ شيخنا.\rقوله: (و ما رأوه) أي: والحال أنهم ما رأوه فهو غائب عنهم بمعنى عدم رؤيتهم له، وهذا يشير إلى أن بالغيب حال من المفعول وإن كان يصح جعله حالا من الفاعل ولا يأباه صنيع الشارح، وقوله:\r(لأنهم الخ) تعليل للقصر المذكور: إنما قصر إنذاره على أهل الخشية لأنهم المنتفون به، فالمعنى إنما ينفع إنذارك أهل الخشية اهـ شيخنا.\rقوله: (أداموها) في نسخة أدوها.\rقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ استوى من الأفعال التي لا يكتفي فيها بواحد، فلو قلت:\rاستوى زيد لم يصح، فمن ثم لزم العطف على الفاعل أو تعدد اهـ سمين.\rوهذا شروع في ضرب مثل للمؤمن والكافر، وقد قررنا ببيان التنافي أولا بين ذاتيهما، وثانيا بين وصفيهما، وثالثا بين مستقريهما وداريهما في الآخرة، وقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ الخ تقرير لمثل آخر لهما وهو أبلغ من الأول لكمال التنافي بين الحي والميت، ولذلك أعيد الفعل، وأما التنافي بين الأعمى والبصير فليس تاما لإمكان اشتراكهما في كثير من الإدراكات اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَا الْحَرُورُ هو شدة حر الشمس اهـ سمين.\rوفي المصباح: الحر بالفتح خلاف البرد يقال: حر اليوم والطعام يحر من باب تعب، وحر حرا وحرورا من بابي ضرب وقعد لغة، والاسم الحرارة فهو حار وحرت النار تحر من باب تعب توقدت وأسعرت، والحرة بالفتح أرض ذات حجارة سود، والجمع حرار مثل كلبة وكلاب، والحرور وزان","part":6,"page":257},{"id":2216,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 258\rتأكيد إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ هدايته فيجيبه بالإيمان وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) أي الكفار، شبههم بالموتى فيجيبون\rإِنْ ما أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) منذر لهم\rإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ بالهدى بَشِيراً من أجاب إليه وَنَذِيراً من لم يجب إليه وَإِنْ ما مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا سلف فِيها نَذِيرٌ (24) نبي ينذرها\rوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي أهل مكة فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ رسول الريح الحارة. قال الفراء: تكون ليلا ونهارا. وقال أبو عبيدة: أخبرنا رؤبة أن الحرور بالنهار والسموم بالليل، وقال أبو عمرو بن العلاء: الحرور السموم بالليل والنهار والحرور مؤنثة اهـ.\rقوله: (و زيادة لا في الثلاثة) أي: في المواضع الثلاثة أي: في الجمل الثلاث، أولاها: وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ الثانية: وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ والثالثة: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ وقد زيدت في هذه الثلاثة خمس مرات اثنتين في الأولى، واثنتين في الثانية، وواحدة في الثالثة، والكل لتأكيد نفي الاستواء، فالزيادة في عبارته شاملة لأصل زيادتها كالأولى من الجملة الأولى، ولتكريرها كالثانية منها اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ الخ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتنتهي بقوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ والمراد من قوله: يُسْمِعُ الخ أي: يهدي ويوصل من يشاء وصوله كما أشار له بقوله: (فيجيبه بالإيمان) اهـ شيخنا.\rقوله: (شبههم بالموتى) أي: في عدم التأثر بدعوته، وقوله: (فيجيبون) الضمير راجع لمن باعتبار معناها لأنه فسرها بالكفار اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أي: لا استقلالا بل بإرسالنا إليك كما بين بقوله: إِنَّا أَرْسَلْناكَ، وقوله: بِالْحَقِ حال من الكاف كما يشير إليه قوله: (بالهدى)، ويصح أن يكون حالا من الفاعل أي: أرسلناك حال كوننا محققين في إرسالك اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا نَذِيرٌ أي: رسول منذر فليس عليك إلا التبليغ، وليس لك من الهدي شيء إنما الهدي بيد اللّه عز وجل اهـ قرطبي.\rقوله: (سلف) في المصباح: سلف سلوفا من باب قعد مضى وانقضى فهو سالف، والجمع سلف وسلاف مثل خدم وخدام، ثم جمع السلف على أسلاف مثل سبب وأسباب اهـ.\rوفي المختار: يقال سلف بفتح اللام يسلف بضمها إذا مضى وانقضى اهـ.\rقوله: (نبي ينذرها) أي: أو عالم ينذر عنه فلا ترد الفترة واكتفى به عن البشير لأنه المقصود من البعثة اهـ كرخي.\rتنبيه:\rالأمة: للجماعة الكثيرة، وتقال لكل أهل عصر، والمراد هنا أهل العصر، فإن قيل: كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد لم يرسل إليا رسول ينذرها؟ أجيب: بأن آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خطيب وخازن.","part":6,"page":258},{"id":2217,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 259\rبِالْبَيِّناتِ المعجزات وَبِالزُّبُرِ كصحف إبراهيم وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (25) هو التوراة والإنجيل، فاصبر كما صبروا\rثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا بتكذيبهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26) إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك، أي هو واقع موقعه\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا فيه وهذا يقتضي أن أهل الفترة مكلفون لبقاء آثار الرسل المتقدمة فيهم، وهو خلاف ما في ابن حجر على الهمزية ونصه: ومن المقرر أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل وإن إسماعيل انتهت رسالته بموته فما بين إسماعيل ومحمد من العرب من أهل الفترة وهم ناجون في الآخرة من الخلود في النار، وكذا كل من بين كل رسولين بنص الآية وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] فما بين إسماعيل ومحمد من العرب أهل فترة فهذا الزمن فترة في حق خصوص العرب إذ لم يرسل إليهم قبل محمد غير إسماعيل، وأما ما بين عيسى ومحمد فهو فترة في حق العرب وغيرهم كبني إسرائيل: إذ لم يرسل بعد عيسى رسولا أصلا.\rوالحاصل أن أهل الفترة من أهل الجنة وإن غيروا وبدلوا وعبدوا غير اللّه، لأنه لم يرسل إليهم رسولا لأن من قبلهم من الرسل انتهت رسالته بموته، إذ لم يعلم لأحد من الرسل استمرار رسالته بعد الموت إلا نبينا، فهم غير مكلفين بما يفعلون ولو كان صورة معصية، لكن ورد النص بتعذيب بعض أهل الفترة كعمرو بن لحي فيتلقى ويعتقد فيمن ورد بخصوصهم لا لأن ما فعلوه كفر بل لحكمة يعلمها اللّه تعالى لم نطلع عليها اهـ ملخصا.\rوحينئذ فالظاهر أنه لا يحصل الانفصال بين الآية وبين ما تقرر إلا بأن يلتزم أن جملة العرب أمة ويصدق سبق وتقدم النذير فيها بتقدم إسماعيل وأن بني إسرائيل أمة، ويصدق تقدم النذير فيهم بتقدم عيسى ومن قبله فتأمل.\rقوله: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ حال قوله: وَبِالزُّبُرِ اسم لكل ما يكتب، وعبارة الخطيب: والزبر الأمور المكتوبة، انتهت.\rوقوله: (كصحف إبراهيم) وهي ثلاثون أي: وكصحف موسى قبل التوراة وهي عشرة، وكصحف شيث وهي ستون، فجملة الصحف مائة تضم لها الكتب الأربعة، فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة اهـ شيخنا.\rقوله: (فاصبر كما صبروا) أشار به إلى أن جواب الشرط محذوف وأن المذكور دليل له اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ تقدم أن النكير بمعنى الإنكار وهو تغيير المنكر، وفي قوله: (أي هو واقع) موقعه إشارة إلى أن الاستفهام تقريري كما قاله الكرخي، وينبغي أن يتأمل فيه اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ الخ استئناف مسوق لتقرير ما قبله من اختلاف أحوال الناس، ببيان أن الاختلاف والتفاوت في الخلائق أمر مطرد في جميع المخلوقات من النبات والجماد والحيوان اهـ أبو السعود.","part":6,"page":259},{"id":2218,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 260\rالتفات عن الغيبة بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها كأخضر وأحمر وأصفر وغيرها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ قوله: فَأَخْرَجْنا فيه التفات من الغيبة إلى التكلم، وإنما كان ذلك لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء، ومختلفا: نعت لثمرات، وألوانها: فاعل به، ولو لا ذلك لأنث مختلفا، ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل جاز تذكيره، ولو أنث فقيل مختلفة، كما تقول: اختلفت ألوانها لجاز، وبه قرأ زيد بن علي اهـ سمين.\rقوله: (فيه التفات عن الغيبة) أي: لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبىء عن كمال القدرة اهـ أبو السعود.\rقوله: مُخْتَلِفاً أَلْوانُها أي: في أصل اللون كالأصفر والأحمر، وفي شدة اللون الواحد وضعفه، فلذلك لم يذكر الشارح هذا المتعلق ليعم بخلاف قوله: فيما بعد مختلف ألوانها، فإن المراد الاختلاف بالشدة والضعف في اللون الواحد، ولذلك ذكره الشارح، وأما الاختلاف في أصل اللون فهو مذكور بقوله: بِيضٌ وَحُمْرٌ اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ العامة على ضم الجيم وفتح الدال جمع جدة وهي الطريقة من قولك: جددت الشيء أي قطعته، وقال أبو الفضل: هي ما يخالف من الطرائق لون ما يليها، ومنه جدة الحمار للخط الذي في ظهره، وقرأ الزهري: جدد بضم الجيم والدال جمع جديدة، يقال: جديدة وجدد وجدائد، وقال أبو الفضل: جمع جديد بمعنى آثار جديدة واضحة الألوان، وعنه أيضا جدد بفتحهما، وقد رد أبو حاتم هذه القراءة من حيث النقل، والمعنى وقد صححها غيره وقال: الجدد الطريق الواضح البين إلا أنه وضع المفرد موضع الجمع، إذ المراد الطرائق والخطوط اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي: ذو جدد، أي: خطط وطرائق يقال: جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقرئ جدد بالضم جمع جديدة بمعنى الجدة، وجدد بفتحتين وهو الطريق الواضح اهـ.\rوفي الشهاب: الجدد جمع جده بالضم وهي الطريق، ومن جده إذا قطعه، وقدر المضاف لأن الجبال ليست نفس الطرائق والخطط بضم ثم فتح جمع خطة بالضم بمعنى الخط بالفتح اهـ.\rوالمعنى في الجبال ما هو ذو جدد يخالف لونها لون الجبل، فيؤول المعنى إلى أن من الجبال ما هو مختلف ألوانه فتتلاءم القرائن الثلاث، فإن ما قبلها، فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، وما بعدها:\rومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه اهـ زاده.\rقوله أيضا: وَمِنَ الْجِبالِ وقوله: وَمِنَ النَّاسِ الخ إيراد هاتين الجملتين اسميتين مع مشاركتهما للفعلية قبلهما في الاستشهاد بمضمون كل على تباين الناس في الأحوال، لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام فيما ذكر من الألوان أمر مستمر، فعبّر عنه بما يدل على الاستمرار، وأما إخراج الثمرات المختلفة فأمر حادث، فعبّر عنه بما يدل على الحدوث، ولما كان فيه نوع خفاء علق الرؤية به بطريق الاستفهام التقريري بخلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما، فإنها مشاهد غنية عن التأمل، فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر اهـ أبو السعود.","part":6,"page":260},{"id":2219,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 261\rجمع جدة طريق في الجبل وغيره بِيضٌ وَحُمْرٌ وصفر مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها بالشدّة والضعف وَغَرابِيبُ سُودٌ (27) عطف على جدد، أي صخور شديدة السواد، يقال كثيرا: أسود غربيب، وقليلا: غربيب أسود\rوَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ كاختلاف الثمار والجبال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ بخلاف الجهال ككفار مكة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه قوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها مختلف صفة لجدد أيضا، وألوانها: فاعل به كما تقدم في نظيره، ولا جائز أن يكون مختلف خبرا مقدما، وألوانها: مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة، إذ كان يجب أن يقال:\rمختلفة لتحملها ضمير المبتدأ اهـ سمين.\rقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ سود بدل أو عطف بيان من غرابيب اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: الغرابيب تأكيد للأسود، كالقاني تأكيد للأحمر، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد، وإنما قدم للمبالغة اهـ.\rوعبارة السمين: وقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه معطوف على حمر عطف ذي لون على لون. الثاني: أنه معطوف على بيض. الثالث: أنه معطوف على جدد. قال الزمخشري، معطوف على بيض وعلى جدد كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد ثم قال: ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ. بمعنى: ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلفا ألوانها كما قال ثمرات مختلف ألوانها، ولم يذكر بعد غرابيب سود مختلف ألوانها كما ذكر ذلك بعد بيض وحمر، لأن الغرابيب هو البالغ في السواد فصار لونا واحدا غير متفاوت بخلاف ما تقدم، وغرابيب جمع غربيب وهو الأسود المتناهي في السواد فهو تابع للأسود كفاقع وناصع ويقق، فمن ثم زعم بعضهم أنه في نية التأخير، ومذهب هؤلاء أنه يجوز تقديم الصفة على موصوفها اهـ.\rقوله: (عطف على جدد) أي: الذي هو مبتدأ، وقوله: مِنَ الْجِبالِ خبر عن المتعاطفين اهـ شيخنا.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ خبر مقدم، وقوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ نعت لمحذوف هو المبتدأ أي صنف مختلف ألوانه من الناس، وقوله: كَذلِكَ نعت لمصدر محذوف معمول لمختلف أي اختلافا كذلك، والوقف هنا تام اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ الخ تكملة لقوله: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [الأنبياء:\r49] بتعيين من يخشاه من الناس بعد بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم، أما في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل، وأما في الأوصاف الصورية فبطريق التصريح توفية لكل واحد منها حقها اللائق بها من البيان. أي: إنما يخشاه تعالى بالغيب العالمون به وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، لما أن مدار الخشية معرفة المخشي والعلم بشؤونه اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان","part":6,"page":261},{"id":2220,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 262\rغَفُورٌ (28) لذنوب عباده المؤمنين\rإِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ يقرؤون كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً زكاة أو غيرها يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) تهلك\rلِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم المذكورة وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ (30) لطاعتهم\rوَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ القرآن هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ تقدمه من الكتب إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) عالم بالبواطن والظواهر\rثُمَّ أَوْرَثْنَا أعطينا أخشى منه، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام: «إني أخشاكم للّه وأتقاكم له» ولذلك أتبعه ذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته وتقديم المفعول، لأن المقصود حصر الفاعلية، ولو أخر انعكس الأمر، وقرئ برفع الجلالة ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة للتعظيم، فإن المعظم يكون مهيبا اهـ.\rوفي القرطبي: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ إنما يخشى اللّه بالرفع من عباده العلماء بالنصب وهو عمر بن عبد العزيز، وتحكى عن أبي حنيفة؟ قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. إن اللّه عزيز غفور تعليل لوجوب الخشية الدالة على عقوبته للعصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب والمثاب حقه أن يخشى اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ في خبر إن وجهان، أحدهما: الجملة من قوله: يَرْجُونَ أي: أن التالين يرجون، ولن تبور صفة لتجارة، وليوفيهم متعلق بيرجون أو بتبور أو بمحذوف أي فعلوا ذلك ليوفيهم، وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون اللام لام العاقبة. والثاني: أن الخبر أنه غفور شكور جوزه الزمخشري على حذف العائد أي: غفور لهم، وعلى هذا فيرجون حال من أنفقوا أي أنفقوا ذلك راجين اهـ سمين.\rقوله: سِرًّا وَعَلانِيَةً لف ونشر مشوش كما يقتضيه صنيع أبي السعود حيث قال: وقيل: السر في المسنونة والعلانية في المفروضة اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: سِرًّا وَعَلانِيَةً حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سرا فذاك وإلّا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء، ويمكن أن يكون المراد بالسر الصدقة المطلقة، وبالعلانية الزكاة، وإليه أشار في التقرير اهـ.\rقوله: لَنْ تَبُورَ في المختار: وبار الشيء يبور بورا بالفتح وبورا أيضا هلك، وأباره اللّه أهلكه، وبار المتاع كسد وبار عمله بطل اهـ.\rقوله: (المذكورة) أي: بقوله: يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ اهـ.\rقوله: مِنَ الْكِتابِ يجوز أن تكون من للبيان وأن تكون للجنس وأن تكون للتبعيض وهو فصل أو مبتدأ، ومصدقا حال مؤكدة اهـ سمين.\rقوله: (عالم بالبواطن والظواهر) لف ونشر مرتب. قوله: (أعطينا) قال مجاهد: فأورثنا استعارة تبعية شبه إعطاء الكتاب إياهم من غير كد وتعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث، فقوله: الَّذِينَ","part":6,"page":262},{"id":2221,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 263\rالْكِتابَ القرآن الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا وهم أمّتك فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالتقصير في العمل به وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعمل به أغلب الأوقات وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته ذلِكَ أي إيراثهم الكتاب هُوَ الْفَضْلُ اصْطَفَيْنا مفعوله أول، والكتاب مفعوله الثاني قدم لشرفه إذ لا لبس اهـ زاده.\rقوله: مِنْ عِبادِنا يجوز أن تكون من للبيان على معنى إن المصطفين هم عبادنا، وأن تكون للتبعيض أي أن المصطفين بعض عبادنا لا كلهم اهـ سمين.\rقوله: (و هم أمتك) أي: أمة الإجابة سواء حفظوه أو لا، فهو عطية لجميعهم حتى من لم يحفظه لأنه قدوته وفيه هدايته وبركته اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وليس من لازم وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ [الأعراف: 169] اهـ.\rوفي الشهاب: وتوريث الكتاب للجهال كتوريث بعض الورثة السفهاء المضيعين لما ورثوه اهـ.\rقوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الخ عن ابن عباس قال: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم الكافر نعمة اللّه غير الجاهد لها، لأنه تعالى حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقيل:\rالظالم هو الراجح السيئات، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته، والسابق هو الذي رجحت حسناته. وقيل: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق في باطنه خير من ظاهره، وقيل: الظالم هو الموحد بلسانه الذي يخالفه جوارحه، والمقتصد هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد. وقيل: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم. وقيل:\rالظالم التالي للقرآن غير العالم به وغير العامل به، والمقتصد التالي له العالم به الغير العامل به، والسابق التالي له العالم به العامل به. وقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.\rولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يؤخذ بالكسب والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى بأن اللّه. أي: تمكين من له القوة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار، وجمع صفات الكمال وتسهيله وتيسيره لئلا يأمن أحد مكره تعالى. قال الرازي في اللوامع: ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته اهـ خطيب.\rفإن قلت: لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال الناس ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة، فإذا عصى الرجل دخل في حيز الظالمين، فإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، فإذا صحت توبته وكثرت عبادته ومجاهدته دخل في عداد السابقين.\rوقيل: قدم الظالم لكثرة الظلم وغلبته، ثم المقتصد قليل بالإضافة إلى الظالم، والسابق أقل من القليل فلهذا ذكر آخرهم، ومعنى سابق الخيرات أي بالأعمال الصالحة إلى الجنة أو إلى رحمة اللّه اهـ خازن.\rقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ متعلق بقوله: سابِقٌ بِالْخَيْراتِ كما يشير له صنيع أبي السعود ونصه. وفي قوله: بِإِذْنِ اللَّهِ أي تيسيره وتوفيقه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها اهـ.","part":6,"page":263},{"id":2222,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 264\rالْكَبِيرُ (32)\rجَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة يَدْخُلُونَها الثلاثة بالبناء للفاعل والمفعول خبر جنات المبتدإ يُحَلَّوْنَ خبر ثان فِيها مِنْ بعض أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً مرصع بالذهب وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33)\rوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ جميعه إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ للذنوب شَكُورٌ (34) للطاعات\rالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي الإقامة مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ تعب وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (35) إعياء من التعب لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول قوله: (المبتدأ) أي: على كل من القراءتين.\rقوله: مِنْ أَساوِرَ جمع أسورة جمع سوار اهـ أبو السعود.\rومن للتبعيض كما أشار له بقوله: (بعض) ومن في قوله: مِنْ ذَهَبٍ بيانية. قوله: (مرصع بالذهب) أي: مركب على الذهب ولا حاجة لهذا، بل المنقول أنهم يحلون فيها أسورة من ذهب، وأسورة من فضة، وأسورة من لؤلؤ. وفي تذكرة القرطبي: قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وفي الصحيح: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء» اهـ.\rقوله: وَقالُوا أي: ويقولون وصيغة الماضي للدلالة على التحقق اهـ أبو السعود.\rقوله: (جميعه) كحزن الخوف من سوء العاقبة، وحزن الأمراض والآفات والموت، وحزن وسوسة إبليس، وحزن زوال النعم الظاهرة اهـ أبو السعود.\rقوله: أَحَلَّنا أي: أنزلنا. قوله: دارَ الْمُقامَةِ مفعول ثان لأحلنا، ولا يكون ظرفا لأنه مختص فلو كان ظرفا لتعدى إليه الفعل بفي، والمقامة الاقامة، ومن فضله متعلق بأحلنا، ومن إما للعلة وإما لابتداء الغاية اهـ سمين.\rقوله: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ حال من المفعول الأول لأحلنا أو الثاني، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما إلا أن الأول أظهر اهـ زاده.\rقوله: (ذكر الثاني الخ) لما ورد أنه ما الفائدة في نفي اللغوب، مع أن انتفاءه يعلم من نفي النصب، لأن انتفاء السبب يستلزم انتفاء المسبب. أجاب عنه: بأن انتفاء التابع وإن كان يعلم من نفي المتبوع لكنه نفاه بعد ذلك قصدا للمبالغة في بيان انتفائه، وقيل: النصب تعب البدن، واللغوب: تعب النفس، ونفي أحدهما لا يدل على انتفاء الآخر اهـ زاده.\rقوله: (التابع للأول) أي: في الوجود. إذ هو مسبب عنه ولازم له اهـ شيخنا.\rوانتفاء السبب أو الملزوم يدل على انتفاء المسبب أو اللازم وفي كتب اللغة ما يقتضي أن النصب واللغوب متساويان معنى، ففي المختار: ونصب تعب وبابه طرب اهـ.\rوفيه أيضا: اللغوب بضمتين التعب والإعياء وبابه دخل، ولغب بالكسر لغوبا لغة ضعيفة اهـ.\rوفي القاموس: نصب كفرح أعيا، وفيه أيضا لغب لغبا ولغوبا كمنع وسمع وكرم أعيا أشد الإعياء اهـ.","part":6,"page":264},{"id":2223,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 265\rللتصريح بنفيه\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بالموت فَيَمُوتُوا يستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها طرفة عين كَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) كافر بالياء والنون المفتوحة مع كسر الزاي ونصب كل\rوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها يستغيثون بشدة وعويل يقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا منها نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فيقال لهم أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما وقتا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ الرسول فما أجبتم فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين مَنْ قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ عطف على قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ [فاطر: 29] ما بينهما كلام متعلق بالذين يتلون كتاب اللّه على ما تقدم اهـ كرخي.\rقوله: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ أي: لا يحكم عليهم بالموت ثانيا فيموتوا ويستريحوا ونصبه بإضمار أن، وقرئ فيموتون عطفا على يقضي كقوله تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 36] ولا يخفف عنهم من عذابها، بل كلما خبت زيد إسعارها. وكذلك أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي كل كفور مبالغ في الكفر لا جزاء أخف وأدنى منه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالياء) أي: المضمومة أي: والزاي المفتوحة ورفع كل هذا تمام هذه القراءة، وأما قراءة النون فقد تممها وهما سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: يَصْطَرِخُونَ فِيها من الصراخ أي الصياح بجهد استعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته اهـ عمادي.\rقوله: (و عويل) العويل: رفع الصوت بالبكاء، وفي القاموس: وأعول رفع بصوته بالبكاء والصياح كعول والاسم العولة والعول والعويل اهـ.\rقوله: رَبَّنا أَخْرِجْنا على إضمار القول، وذلك القول إن شئت قدرته فعلا مفسرا ليصطرخون، أي: يقولون في صراخهم رَبَّنا أَخْرِجْنا، وإن شئت قدرته حالا من فاعل يصطرخون أي قائلين:\rربنا، ويصطرخون يفتعلون من الصراخ وهو شدة رفع الصوت، فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الصاد اهـ سمين.\rقوله: صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ يجوز أن يكونا نعتي مصدر محذوف أي عملا صالحا غير الذي كنا نعمل، وأن يكونا نعتي مفعول به محذوف أي نعمل شيئا صالحا غير الذي كنا نعمل، وأن يكون صالحا نعتا لمصدر وغير الذي كنا نعمل هو المفعول به اهـ سمين.\rقوله: (فيقال لهم) أي: جوابا لقولهم رَبَّنا أَخْرِجْنا الخ، أي: فيقال لهم توبيخا وتبكيتا، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الخ. والاستفهام إنكاري، والواو للعطف على مقدر أي: أولم نمهلكم ولم نؤخركم عمرا يتذكر فيه من تذكر، أي: يتمكن فيه مريد التذكير من التذكر والتفكر، وقوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ عطف على الجملة الاستفهامية نظرا لمعناها، لأنها في معنى قد عمرناكم. فالعطف في الحقيقة على الخبر لا على الإنشاء اهـ شيخنا.\rقوله: ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ ما: نكرة موصوفة بمعنى وقتا كما فسرها به الشارح، وقوله: يَتَذَكَّرُ","part":6,"page":265},{"id":2224,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 266\rنَصِيرٍ (37) يدفع العذاب عنهم\rإِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38) فِيهِ أي يمكنه فيه التذكر، وذلك الوقت هو عمر كل منهم فهو مختلف باختلافهم هذا هو الأحسن اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: والعمر الذي قد أعذر اللّه فيه إلى ابن آدم ستون سنة رواه البزار، ورواه البخاري بلفظ: «من عمره اللّه ستين سنة فقد أعذر اللّه إليه» أي: أسقط عذره حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر. يقال: أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر اهـ.\rوفي القرطبي: والمعنى أن من عمره اللّه ستين سنة لم يبق له عذر، لأن الستين قريب معترك المنايا وهو سن الانابة والخشوع وترقب المنية ولقاء اللّه، ففيه إعذار بعد إنذار الأول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمرتان في الأربعين والستين.\rوروى ابن ماجة، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجاوز ذلك» اهـ.\rقوله: (الرسول) أي: أي رسول كان. لأن هذا الكلام مع الكفار على الإطلاق اهـ شيخنا.\rوقيل: النذير هو الشيب أو موت القريب، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب الموت اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: واختلفوا في النذير فقيل: القرآن، وقيل: الرسول قاله زيد بن علي وابن زيد.\rوقال ابن عباس، وعكرمة، وسفيان وغيرهم: هو الشيب وقيل: هو الحمى، وقيل: موت الأهل والأقارب، وقيل: كمال العقل. والنذير بمعنى المنذر.\rقلت: فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت. قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت أي كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه، والشيب نذير أيضا لأنه يأتي في سن الاكتهال وهو علامة لمفارقته سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب، وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان وحين وزمان، وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه، وأما محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فبعثه اللّه مبشرا ونذيرا إلى عباده قاطعا لحججهم، قال اللّه تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] وقال: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] اهـ.\rقوله: فَذُوقُوا الفاء لترتب الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجيء النذير، وفي قوله:\rفَما لِلظَّالِمِينَ للتعليل اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ نَصِيرٍ يجوز أن يكون فاعلا بالجار لاعتماده، وأن يكون مبتدأ مخبرا عنه بالجار قبله اهـ سمين.\rقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل لما قبله، وذات تأنيث ذو بمعنى صاحب أي: بالأمور صاحبة لصدور ومصاحبتها لها من حيث اختباؤها فيها، وقوله: (فعلمه بغيره الخ) استنتاج للمدعي من","part":6,"page":266},{"id":2225,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 267\rبما في القلوب، فعلمه بغيره أولى بالنظر إلى حال الناس\rهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ جمع خليفة، أي يخلف بعضكم بعضا فَمَنْ كَفَرَ منكم فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي وبال كفره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً غضبا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً (39) للآخرة\rقُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ الدليل، فالغير هو غيب السموات والأرض، إذ هو المدعي المستدل عليه، وقوله: (أولى) لما ورد عليه أن علم اللّه تعالى لا تفاوت فيه بأولوية وأدونية، بل جميع الأشياء منكشفة له على حد سواء لا فرق بين ما خفي منها على الخلق وما ظهر لهم. أجاب عنه بقوله: (بالنظر إلى حال الناس) أي الأولوية إنما هي بالنظر إلى حال الناس من حيث جرت عادتهم بأن من يعلم الخفي يعلم الظاهر بالأولى لسهولة الاطلاع عليه أكثر وقلة موانع الاطلاع عليه، والذي في الصدور أشد خفاء من غيره مما غاب في السموات والأرض، لأن ما في الصدور لا يطلع عليه إلا صاحبه، وأما غيره كالدفائن المكنوزة فقد يطلع عليه غير صاحبه اهـ شيخنا.\rقوله: (فعلمه بغيره أولى) أشار به إلى أن قوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ جار مجرى التعليل لما قبله، لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان أعلم بغيره، فلو قال قائل: الكافر ما كفر باللّه إلا أياما معدودة، فكان ينبغي ألّا يعذب إلا مثل تلك الأيام، فيقال: إن اللّه لا يخفى عليه غيب السموات والأرض فلا يخفى عليه ما في الصدور، وكان يعلم من الكافر أن الكفر تمكن في قلبه لو دام إلى الأبد لما أطاع اللّه اهـ كرخي.\rقوله: (جمع خليفة) هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها جمع خليف، والأولى أولى لأن خلائف جمع خليفة، وأما خليف فجمعه خلفاء. وفي أبي السعود: يقال للمستخلف خليفة وخليف ويجمع الأول على خلائف، والثاني على خلفاء اهـ.\rوقوله: (أي يخلف بعضكم بعضا) أي ويرى منه ما يعتبر به والعاقل من يعتبر بغيره اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ الخ بيان لوبال كفرهم وغائلته والتكرير لزيادة التقرير والتنبيه على أن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين القبيحين بطريق الاستقلال والأصالة اهـ أبو السعود.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ الخ أي: قل لهم تبكيتا، ورأى هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد بلا همزة ولاثنين بالهمز كما هنا، والأول منهما شركاءكم، والثاني ماذا خلقوا من الأرض أي: الجملة الاستفهامية فهي في محل نصب وأرأيتم بمعنى أخبروني، فقوله: أَرُونِي أي أخبروني بدل منه بدل اشتمال والاستفهام في قوله: ما ذا خَلَقُوا الخ إنكاري كما أشار له بقوله: (لا شيء من ذلك) أي المذكور من الأمور الثلاثة أي: خلقهم لشيء وشركتهم في شيء وإيتائهم الكتاب اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قُلْ أَرَأَيْتُمْ فيها وجهان، أحدهما: أنها ألف استفهام على بابها ولم تضمن هذه الكلمة معنى أخبروني بل هي استفهام حقيقي، وقوله: أَرُونِي أمر تعجيز. الثاني: أن الاستفهام غير مراد، وأنها ضمنت معنى أخبروني، فعلى هذا تتعدى لاثنين أحدهما شركاءكم، والثاني الجملة الاستفهامية من قوله: ما ذا خَلَقُوا. وأروني جملة اعتراضية، ويحتمل أن تكون المسألة من باب التنازع، فإن أرأيتم يطلب ماذا خلقوا مفعولا ثانيا وأروني يطلبه أيضا معلقا له، وتكون المسألة من باب","part":6,"page":267},{"id":2226,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 268\rتَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء للّه تعالى أَرُونِي أخبروني ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ شركة مع اللّه فِي خلق السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ حجة مِنْهُ بأن لهم معي شركة لا شيء من ذلك بَلْ إِنْ ما يَعِدُ الظَّالِمُونَ الكافرون بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (40) باطلا بقولهم: الأصنام تشفع لهم\r* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي يمنعهما من الزوال وَلَئِنْ لام قسم زالَتا إِنْ ما أَمْسَكَهُما يمسكهما إعمال الثاني على مختار البصريين، وأروني هنا بصرية تعدت للثاني بهمزة النقل والبصرية قبل النقل تعلق بالاستفهام اهـ.\rقوله: (الذين زعمتم أنهم شركاء للّه) عبارة البيضاوي: والإضافة إليهم لأنهم جعلوهم شركاء للّه تعالى أو لأنفسهم فيما يملكونه، انتهت.\rفمعنى شركاءكم الشركاء بجعلكم، وقوله: (أو لأنفسكم فيما يملكونه) أي: فإنهم كانوا يعينون شيئا من أموالهم لآلهتهم وينفقونه على خدمتها ويذبحون عندها اهـ زاده.\rقوله: أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا أي: أخبروني عماذا خلقوا أو بماذا خلقوا اهـ شيخنا.\rوجملة أروني الخ بدل اشتمال أو كل من أرأيتم كأنه قيل أو خبروني عن شركائكم أروني أي جزء خلقوا من الأرض الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ وقوله: أَمْ آتَيْناهُمْ معطوفان على ماذا خلقوا اهـ شيخنا.\rوأم في الموضعين منقطعة بمعنى بل والهمزة، فيكون قد أضرب عن الاستفهام الأول وشرع في استفهام آخر والاستفهام إنكاري اهـ شهاب وزاده.\rقوله: فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ الضمير في آتيناهم وفي فهم الأحسن أن يعود على الشركاء لتناسق الضمائر، وقيل: يعود على المشركين فيكون التفاتا من خطاب إلى غيبة، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وابن كثير، وحفص بيّنة بالافراد، والباقون بينات بالجمع وإن في إن يعد نافية اهـ سمين.\rقوله: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ لما نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير الرؤساء للأتباع اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: لما نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير الأسلاف للأخلاف أو الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند اللّه يشفعون لهم بالتقرب إليه اهـ.\rقوله: بَعْضُهُمْ بدل من الظالمون، وقوله: (بقولهم) أي الرؤساء أي يقولونه لأتباعهم اهـ.\rقوله: (أي يمنعهما من الزوال) أشار به إلى أن قوله: أَنْ تَزُولا في محل المفعول الثاني على إسقاط الجار قاله الزجاج، وجوزوا فيه أن يكون مفعولا من أجله أي: كراهة أن تزولا، وقيل: لئلا تزولا وأن يكون بدل اشتمال أي: يمنع زوالهما اهـ كرخي.\rقوله: وَلَئِنْ زالَتا قد اجتمع هنا قسم وشرط والمقدم الأول، فيكون الجواب المذكور وهو","part":6,"page":268},{"id":2227,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 269\rمِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي سواه إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (41) في تأخير عقاب الكفار\rوَأَقْسَمُوا أي كفار مكة بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ غاية اجتهادهم فيها لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ رسول لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ اليهود والنصارى وغيرهم، أي أيّ واحدة منها، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا، إذ قوله: إِنْ أَمْسَكَهُما الخ جوابا للأول، فلا محل له من الإعراب، وجواب الثاني محذوف دل عليه المذكور على حد قوله:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت\r\rاه شيخنا.\rقوله: (أي سواه) الظاهر أنه تفسير لمن بعده، فهي بمعنى غير أي من أحد غيره، ومن الثانية ابتدائية والأولى زائدة اهـ شيخنا.\rقوله: (في تأخير عقاب الكفار) هذا راجع لقوله: حَلِيماً، ولم يفسر غفورا. وعبارة الخطيب: إنه كان حليما إذا أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدهدا كما قال تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: 90] لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرصة. غفورا أي: محاء لذنوب من رجع إليه، وأقبل بالاعتراف عليه فلا يعاقبه ولا يعاتبه اهـ.\rقوله: وَأَقْسَمُوا أي: كفار مكة أقسموا قبل أن يبعث اللّه رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فلعنوا من كذب نبيه منهم، وأقسموا باللّه جل اسمه لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ أي: نبي ليكونن أهدى من إحدى الأمم يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم نفروا عنه ولم يؤمنوا به استكبارا وعتوا عن الإيمان اهـ قرطبي.\rقوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ جهد منصوب على المصدرية أو على الحال أي: جاهدين. قال الفراء:\rالجهد بالفتح من قولك اجهد جهدك أي: ابلغ غايتك، والجهد بالضم الطاقة، وعند غير الفراء كلاهما بمعنى الطاقة اهـ زاده.\rوإنما كان القسم باللّه غاية أيمانهم لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم، فإذا اشتد عليهم الحال وأرادوا تحقيق الحق حلفوا باللّه كما تقدم في سورة الأنعام اهـ شيخنا.\rقوله: لَيَكُونُنَ جواب للقسم المقدر والكلام فيه كما تقدم، وقوله: لَئِنْ جاءَهُمْ حكاية لمعنى كلامهم لا للفظه، إذ لو كان كذلك لكان التركيب لئن جاءنا لنكونن اهـ سمين.\rقوله: مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ إحدى هنا عامة وإن كانت نكرة في الإثبات، فالمعنى من كل الأمم نبه عليه بعض الشراح، فقول الشارح أي: أي واحدة لو قال بدله أي كل واحدة لكان أوضح اهـ شيخنا.\rقوله: (من تكذيب بعضهم بعضا) فحينئذ قالوا: واللّه لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من هؤلاء الفرق اهـ أبو السعود.","part":6,"page":269},{"id":2228,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 270\rقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما زادَهُمْ مجيئه إِلَّا نُفُوراً (42) تباعدا عن الهدى\rاسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ عن الإيمان مفعول له وَمَكْرَ العمل السَّيِّئِ من الشرك وغيره وَلا يَحِيقُ يحيط الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وهو الماكر، ووصف المكر بالسيىء أصل، وإضافته إليه قبل استعمال آخر قدر فيه مضاف حذرا من الإضافة إلى الصفة فَهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ سنة اللّه فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أي لا يبدل وفي البيضاوي: وذلك أن قريشا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن اللّه اليهود والنصارى لو أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم أي: واحدة من أمم اليهود والنصارى وغيرهم أو من الأمة التي يقال فيها إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة اهـ.\rقوله: ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً جواب لما فيه دليل على أنها حرف لا ظرف، إذ لا يعمل ما بعد ما النافية فيما قبلها وتقدمت له نظائر، وإسناد الزيادة للنذير مجاز لأنه سبب في ذلك قوله: فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125] اهـ سمين.\rقوله: اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ يجوز أن يكون مفعولا له أي: لأجل الاستكبار، وأن يكون بدلا من نفور أو أن يكون حالا أي: حال كونهم مستكبرين قاله الأخفش اهـ سمين.\rقوله: (و وصف المكر) أي: في التركيب الثاني وهو قوله: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وقوله: (أصل) أي: جاء على الأصل من استعمال الصفة تابعة، وقوله: (قبل). هذا التركيب أي: في التركيب الذي قبله وهو قوله: وَمَكْرَ السَّيِّئِ وقوله: (آخر) أي: جاء على خلاف الأصل حيث أضيفت فيه الصفة للموصوف. وقوله: (قدر فيه مضاف) أي: مضاف إليه، وقوله: (حذرا من الإضافة) أي: إضافة المكر الذي هو الموصوف إلى السيىء الذي هو صفته، فيتخلص من هذا بجعل المكر مضافا لمحذوف هو مضاف إليه وموصوف بالسيىء اهـ.\rوفي السمين قوله: وَمَكْرَ السَّيِّئِ فيه وجهان، أظهرهما: أنه عطف على استكبارا. والثاني:\rأنه عطف على نفورا، وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل، إذ الأصل والمكر السيىء، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي العمل السيىء اهـ.\rقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ المعنى: فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار اهـ خطيب.\rقوله: إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ مصدر مضاف لمفعوله تارة كما هنا ولفاعله أخرى، كقوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا الخ. وفي السمين: إلّا سنّة الأولين مصدر مضاف لمفعوله، وسنّة اللّه مضاف لفاعله، لأنه تعالى سنّها بهم فصحت إضافتها إلى الفاعل والمفعول اهـ.\rقوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا الخ الفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب، ونفي","part":6,"page":270},{"id":2229,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 271\rبالعذاب غيره، ولا يحول إلى غير مستحقه\rأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً فأهلكهم اللّه بتكذيبهم رسلهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ يسبقه ويفوته فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً أي بالأشياء كلها قَدِيراً (44) عليها\rوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا من المعاصي ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها أي الأرض مِنْ دَابَّةٍ نسمة تدب عليها وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي لا يبدل بالعذاب غيره الخ) هذا جواب عن سؤال تقديره التبديل تغيير الشيء عما كان عليه مع بقاء مادته، والتحويل نقله من مكان إلى آخر، فكيف قال ذلك مع أن سنّة اللّه لا تبدل ولا تحول، وإيضاحه أنه أراد بالأول أن العذاب لا يبدل بغيره، وبالثاني أنه لا يحول عن مستحقه إلى غيره كما تقدم وجمع بينهما هنا تعميما لتهديد المسيء لقبح مكره في قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ اهـ كرخي.\rقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الخ استشهاد على ما قبله من جريان سنته تعالى تكذيب المكذبين بما يشاهدونه في سيرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار ديارهم الماضية والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام أي: أقعدوا في مساكنهم ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: على أي حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم، فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون آثارهم وأملهم فوق أملهم وعملهم فوق عملهم، وكانوا أطول منهم أعمارا وأشد اقتدارا ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنتم يا أهل مكة كفرتم بمحمد وبمن قبله اهـ خطيب.\rقوله: وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي: وأطول أعمارا فما نفعهم طول المدى وما أغنى عنهم شدة القوة ومحل الجملة النصب على الحالية اهـ أبو السعود.\rأو معطوفة على الصلة أو مستأنفة اهـ سمين.\rقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ الخ تقرير لما يفهم قبله من استئصال الأمم السابقة، وقوله: إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً تعليل لذلك التقدير اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ شَيْءٍ (يسبقه ويفوته) هذا يفيد أن يكون المراد بيان أن الأولين مع شدة قوتهم ما أعجزوا اللّه وما فاتوه، فهؤلاء أولى بأن لا يعجزوه اهـ كرخي.\rقوله: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ أي: لأجل شؤم معاصيهم اهـ بيضاوي.\rوأشار بهذا إلى وجه الملاءمة بين الشرط والجزاء وإيضاحه أنه تعالى إذا كان يؤاخذ الناس بما كسبوا كان يقطع عنهم النعم التي من جملتها المطر، فإذا لم يستحقوه بسبب المعاصي وانقطع عنهم انقطع النبات فيموت جميع الحيوانات جوعا بطريق التبعية لهم، فهذا كناية أريد بها الملزوم، فالمعنى","part":6,"page":271},{"id":2230,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 272\rوَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45) فيجازيهم على أعمالهم بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين.\rلو يؤاخذ اللّه الناس بما كسبوا انقطع عنهم ما هو سبب معاشهم فيموتون اهـ زاده.\rوفي السمين: قوله: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها تقدم نظيرها في النحل إلّا أنه هناك لم يجر للأرض ذكر، بل عاد الضمير على ما فهم من السياق، وهنا قد صرح بها في قوله: فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وهنا على ظهرها استعارة من ظهر الدابة دلالة على التمكن والتقلب عليها، والمقام هنا يناسب ذلك لأنه حث على السير للنظر والاعتبار، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب اهـ.\rوفي زاده: قوله: عَلى ظَهْرِها فيه استعارة مكنية شبه الأرض بالدابة التي يركب الإنسان عليها من جهة تمكنه عليها، ثم أثبت لها ما هو من لوازم المشبه به وهو الظهر.\rفإن قيل: كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابل الوجه فهو من قبيل إطلاق الضدين على شيء واحد؟ قلت: صح ذلك باعتبارين فإنه يقال لظاهرها ظهر الأرض من حيث إن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال، ويقال له وجه الأرض لكون الظاهر منها كالوجه للحيوان، وإن غيره كالبطن وهو الباطن منها اهـ.\rوفي القرطبي: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا يعني من الذنوب ما ترك على ظهرها من دابة.\rقال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دب ودرج. قال قتادة: وقد فعل ذلك في زمن نوح، وقال الكلبي: من دابة يريد الجن والإنس دون غيرهما لأنهما مكلفان بالعقل، وقال ابن جريج، والأخفش، والحسن بن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم قلت: والأول أظهر لأنه عن صحابي كبير. قال ابن مسعود: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، وقال يحيى بن أبي كثير: أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر، فقاله له رجل: عليك بنفسك، فإن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال أبو هريرة: كذبت واللّه الذي لا إله إلا هو، ثم قال: والذي نفسي بيده إن الحبار لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم، وقال اليماني ويحيى بن سلام في هذه الآية: يحبس اللّه المطر فيهلك كل شيء، وقد مضى في البقرة نحو هذا من عكرمة ومجاهد في تفسير: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنوهم، وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: 159] قال: «دواب الأرض ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى» قال مقاتل: الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ، وقال يحيى: هو يوم القيامة اهـ.\rقوله: (نسمة) بفتحتين أي: ذي روح من التنسم وهو التنفس اهـ شهاب.\rقوله: (فيجازيهم) هذا في الحقيقة هو جزاء الشرط وهو العامل في إذا على القاعدة فيها من أنها تخفض شرطها بالإضافة وتنصب بجوابها اهـ.","part":6,"page":272},{"id":2231,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 273\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يس مكية أو إلا قوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا الآية أو مدنية وهي اثنتان وثمانون آية\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rعن معقل بن يسار قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اقرأوا يس على موتاكم». وذكر الآجري من حديث أم الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما من ميت يقرأ عليه يس إلّا هوّن اللّه عليه». وفي مسند الدارمي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه اللّه غفر اللّه له في تلك الليلة» خرجه أبو نعيم الحافظ. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب اللّه له بها قراءة القرآن عشر مرات». وعن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن في القرآن لسورة تشفع لقارئها وتغفر لمستمعها ألا وهي سورة يس تدعى في التوارة المعمة. قيل: يا رسول اللّه ما المعمة» قال: «تعم صاحبها بخير الدنيا وتدفع عنه أهوال الآخرة وتدعى أيضا الدافعة والقاضية». قيل: يا رسول اللّه وكيف ذلك؟ قال: «تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضي له كل حاجة». وفي حديث الدارمي، عن شهر بن حوشب قال: قال ابن عباس: «من قرأ يس حين أصبح يعطى يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلة أعطي يسر ليلته حتى يصبح». وروى الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن أهل الجنة يرفع عنهم القرآن فلا يقرؤون شيئا سوى طه ويس». وعن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قسوة فليكتب يس في جام أي: إناء بزعفران ثم يشربه».\rوذكر الثعلبي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ سورة يس ليلة الجمعة أصبح مغفورا له».\rوعن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من دخل المقبرة فقرأ سورة يس خفف العذاب عن أهلها ذلك اليوم وكان له بعدد من فيها حسنات». وقال يحيى بن أبي كثير: بلغني أن من قرأ سورة يس ليلا لم يزل في فرح حتى يصبح ومن قرأها حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، وقد حدثني بهذا من جربها، ذكره الثعلبي وابن عطية، وقال ابن عطية: ويصدق ذلك التجربة اهـ قرطبي.\rوفي البيضاوي: وعن ابن عباس أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس. من قرأها يريد بها وجه اللّه غفر له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن عشر مرات وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه، ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه. وأيما مسلم قرأ","part":6,"page":273},{"id":2232,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 274\rيس (1) اللّه أعلم بمراده به\rوَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني سورة يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» اهـ.\rقوله: (أو مدنية) لم نر من ذكر هذا الخلاف غيره من المفسرين، وقوله: (اثنتان وثمانون آية) الذي ذكره غيره من المفسرين ثلاث وثمانون آية.\rقوله: يس قرأ العامة بسكون السين وأدغم النون في الواو بعدها ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وقالون، وحفص وورش بخلاف عنه، وكذلك النون من ن والقلم وأظهرهما الباقون. فمن أدغم فللخفة ولأنه لما وصل والتقى متقاربان من كلمتين، أولهما ساكن وجب الإدغام ومن أظهرهما فللمبالغة في تفكيك هذه الحروف بعضها من بعض لأنه بنية الوقف. وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق بفتح النون، إما على البناء على الفتح تخفيفا كأين وكيف، وإما على أنه مفعول باتل مقدرا، وإما على أنه مجرور بحرف القسم وهو على الوجهين غير منصرف للعلمية والتأنيث. وقرأ الكلبي بضم النون فقيل:\rإنه خبر مبتدأ مضمر أي هذه يس ومنع من الصرف لما تقدم، وقيل: بل هي حركة بناء كحيث، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا وأبو السماك يس بكسر النون، وذلك على أصل التقاء الساكنين، ولا يجوز أن تكون حركة إعراب اهـ سمين.\rقوله: (اللّه أعلم بمراده به) جرى رضي اللّه عنه على أن هذا اللفظ من الحروف المقطعة كحم وطس. وفي البيضاوي: يس كآلم في المعنى والإعراب، وقيل: معناه يا إنسان بلغة طيىء على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به، وقرئ بالكسر كجير، وبالفتح على البناء كأين أو الإعراب على تقدير: اتل، أو اقرأ يس، أو بإضمار حرف القسم والفتحة لمنع الصرف للعلمية والتأنيث، فإنه علم على السورة وبالضم بناء كحيث أو إعرابا على تقدير مبتدأ أي: هذه يس اهـ.\rوقوله: (فاقتصر على شطره) أي: شطر الاسم وهو سين، وضم لذلك الشطر حروف النداء وهو الياء، مقتضى هذا أن يبنى على الضم لا غير، وعليه فيكون تسكينه في القراءة للتخفيف تأمل. وقيل:\rمعناه يا سيد البشر، وقيل: هو اسم القرآن اهـ خازن.\rقوله: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ قسم وجوابه إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فهو مستأنف لا محل له من الإعراب اهـ شيخنا.\rقوله: (المحكم) فعيل بمعنى مفعل، كقولهم: عقدت العسل فهو عقيد بمعنى معقد وليس بمعنى مفعول كشيطان رجيم بمعنى مرجوم، وليس هو في الآية بمعنى ذلك لأنه إنما يقال محكوم به ونحو ذلك، ولا بمعنى فاعل أي: حاكم لأن الحاكم الحقيقي هو اللّه تعالى، فظهر بذلك أن القرآن الحكيم منظوم لا ناظم محكوم فيه لا حاكم، وأن الحاكم المطلق هو اللّه تعالى أو على معنى النسب أي: ذي الحكم أو لأنه دليل ناطق بالحكمة بطريق الاستعارة والمتصف بها على الإسناد المجازي اهـ كرخي.","part":6,"page":274},{"id":2233,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 275\rإِنَّكَ يا محمد لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)\rعَلى متعلق بما قبله صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) أي طريق الأنبياء قبلك، التوحيد والهدى والتأكيد بالقسم وغيره، رد لقول الكفار له: لست مرسلا\rتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ في ملكه الرَّحِيمِ (5) بخلقه خبر مبتدأ مقدر، أي القرآن\rلِتُنْذِرَ به قَوْماً متعلق بتنزيل ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ أي لم ينذروا في زمن الفترة فَهُمْ أي القوم غافِلُونَ (6) عن الإيمان والرشد\rلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وجب عَلى أَكْثَرِهِمْ بالعذاب فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) أي الأكثر\rإِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ قوله: (متعلق بما قبله) أي: بالمرسلين أي: بالمرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة أو خبر ثان لإن وهو الأحسن في العربية، والمعنى إنك لمن المرسلين إنك على صراط مستقيم، وقال القاضي: يجوز أن يكون حالا من المستكن في الجار والمجرور، وفائدته وصف الشرع بالاستقامة صريحا، وإن دل عليه أي: وصف الشرع بالاستقامة لمن المرسلين التزاما اهـ كرخي.\rقوله: (و غيره) أي: إن واللام وإسمية الجملة اهـ كرخي.\rقوله: (خبر مبتدأ الخ) أي: هذا تنزيل العزيز الرحيم، وهذا على قراءة الرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وحفص بالنصب مفعولا مطلقا لمقدر أي: نزل القرآن تنزيلا، وأضيف لفاعله أو بأمدح وباق برفع كما مرت الإشارة إليه اهـ كرخي.\rقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً أي: العرب وغيرهم، وقوله: آباؤُهُمْ أي: الأقربون، وإلّا فآباؤهم لا يعدون قد أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل وآباء غيرهم الأقدمون أنذروا بعيسى ومن قبله، وقوله: (في زمن الفترة) هو بالنسبة للعرب ما بين إسماعيل ومحمد وبالنسبة لغيرهم ما بين عيسى ومحمد اهـ شيخنا.\rقوله: (أي لم ينذروا) أشار به إلى أن ما نافية، لأن قريش لم يبعث إليهم نبي قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فالجملة صفة لقوما أي: قوما لم ينذروا، ويصح كونها موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد على هذين الوجهين مقدر أي: ما أنذره آباؤهم فتكون ما وصلتها أو وصفتها منصوبة المحل على المفعول الثاني لتنذر، والتقدير لتنذر قوما الذي أنذره آباؤهم من العذاب، أو لتنذر قوما عذابا أنذره آباؤهم اهـ كرخي.\rقوله: فَهُمْ غافِلُونَ مرتب على نفي الإنذار، وقوله: (أي: القوم). قال أبو السعود: الضمير للفريق أي: لم تنذر آبائهم فهم جميعا غافلون اهـ.\rقوله: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ يعني قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:\r119] اهـ بيضاوي.\rوقول الشارح: بالعذاب يقتضي أن المراد بالقول الحكم والقضاء الأزلي، وهذا جواب قسم مقدر أي: واللّه لقد ثبت وتحقق عليهم القول لكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يقتضيه، بل بسبب إصرارهم الاختياري على الكفر والإنكار اهـ أبو السعود.\rقيل: نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشام وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجفت يداه","part":6,"page":275},{"id":2234,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 276\rأَغْلالًا بأن تضم إليها الأيدي، لأن الغل يجمع اليد إلى العنق فَهِيَ أي الأيدي مجموعة إِلَى الْأَذْقانِ جمع ذقن وهي مجتمع اللحيين فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) رافعون رؤسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان ولا يخفضون رؤوسهم له إلى عنقه والتصق الحجر بيده. فقال ابن عباس، وعكرمة وغيرهما: فهو هنا تمثيل أي: هو بمنزلة من غلت يده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى فقال الرجل الثاني: وهو الوليد بن المغيرة أنا أرضخ رأسه. فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى اللّه بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه، فقال: واللّه ما رأيته ولقد سمعت صوته، فقال الثالث:\rواللّه لأشدخن أنا رأسه، ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقهرى ينكص على عقبيه حتى خرّ على قفاه مغشيا عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم رأيت الرجل، فلما دنوت منه فإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت قط فحلا أعظم منه حال بيني وبينه فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني، فأنزل اللّه تعالى:\rإِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ اهـ قرطبي.\rقوله: (بأن تضم إليها الأيدي) وطأ بهذا لأجل إرجاع الضمير في قوله: فَهِيَ (إلى الأيدي).\rوحاصل ما قصده أن الأيدي وإن لم يجر لها في العبادة ذكر، لكن الغل يدل عليها لأنه يجمعها مع الأعناق. وقوله: إِلَى الْأَذْقانِ جعله متعلقا بمحذوف قدره مجموعة، ولو قدره مرفوعة لكان أظهر لأن اليد ترفع تحت الذقن ويلبس الغل ضاما لها وللعنق، فظهر قوله: (رافعون رؤوسهم) أي: تكون الأيدي تحت الأذقان ومحبوسة بالغل فلا يستطيعون خفضها اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم فهي إلى الأذقان فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم إليه اهـ.\rوقوله: (واصلة إلى أذقانهم) إما لكونه غليظا عريضا يملأ ما بين الصدر والذقن، فعلى هذا تنوين أغلالا للتعظيم، والفاء في قوله: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ، وفي قوله: فَهُمْ مُقْمَحُونَ فاء النتيجة، ولأنه حينئذ يرفع الرأس إلى فوق، وإما لكون طرف الغل الذي يجمع اليدين إلى العنق يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة يدخل فيها رأس العمود خارجا من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحا، والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره يقال: قمح البعير فهو قامح إذا رفع رأسه بعد الشرب لارتوائه أو لبرودة الماء أو لكراهة طعمه اهـ زاده وكشاف.\rوفي المختار: الأقماح رفع الرأس وغض البصر يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه اهـ.\rوفي القاموس: وأقمح الغل الأسير ترك رأسه مرفوعا لضيقه اهـ.\rقوله: (و هذا) أي قوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا الخ تمثيل أي: تشبيه أي: للمعنى المذكور بقوله: (و المراد أنهم لا يذعنون الخ) أي: شبهت هيئتهم في عدم تيسر الإيمان لهم للمنع","part":6,"page":276},{"id":2235,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 277\rوَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا بفتح السين وضمها في الموضعين فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) تمثيل أيضا لسدّ طرق الإيمان عليهم\rوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الإلهي بهيئة من غلت يده وعنقه، فلم يستطع أن يتعاطى مقصوده للمنع الحسي الذي قام به، فالجامع مطلق المانع والاستعارة تمثيلية اهـ شيخنا.\rوقيل: الكلام على حقيقته من الإخبار بما يفعل بهم في النار. وفي القرطبي: وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل غدا بأقوام في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل كما قال اللّه تعالى: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل وأخبر عنه بلفظ الماضي اهـ.\rقوله: (بفتح السين وضمها) سبعيتان.\rقوله: فَأَغْشَيْناهُمْ العامة على الغين المعجمة أي: غطينا أبصارهم فهو على حذف مضاف.\rوابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وأبو رجاء في آخرين فأغشيناهم بالعين المهملة وهو ضعف البصر. يقال: عشي بصره وأعشيته أنا وقوله هذا يحتمل الحقيقة والمجاز اهـ سمين.\rوفي زاده: وقرئ فأغشيناهم بالعين المهملة من العشي مقصورا وهو مصدر لأعشى إذا لم يبصر ليلا، والمعنى أضعفنا أبصارهم عن إدراك الهدى كما أضعفت عين الأعشى والقراءتان متقاربتان اهـ.\rقوله: (تمثيل أيضا) أي: استعارة تمثيلية مشبه فيها المعنى المراد الذي ذكره بقوله: (لسد طرق الإيمان عليهم) أي: سدا إليها معنويا، فشبه هذا المعنى بحال من سدت عليه الطرق سدا حسيا فلم يصل لمطلوبه اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وقال الضحاك: (و جعلنا من بين أيديهم سدا) أي: الدنيا، ومن خلفهم أي الأخرة أي عموا عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا. قال اللّه تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [فصلت: 25] أي: زينوا لهم الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة، وقيل: على هذا ما بين أيديهم سدا أي: غرورا بالدنيا ومن خلفهم سدا أي: تكذيبا بالآخرة، وقيل: ما بين أيديهم الآخرة وما خلفهم الدنيا اهـ.\rوفي البيضاوي: هذا تمثيل آخر بمن أحاط بهم سدان، فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل اهـ.\rقوله: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ الخ بيان لشأنهم بطريق التوبيخ بعد بيانه بطرق التمثيل أي: مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه، وقوله: لا يُؤْمِنُونَ استئناف مؤكد لما قبله مبين لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء أو حال مؤكدة له أو بدل منه، ولما بين كون الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إليهم عقبة بيان من ينفعه الإنذار فقال: إنما تنذر الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين) أي: مع إدخال ألف بينهما وتركه ففي التحقيق قراءتان، وإن كان صنيعه يوهم أنه قراءة واحدة، وفي الأبدال واحدة، وفي التسهيل اثنتان فجملة القراءات هنا خمس اهـ شيخنا.","part":6,"page":277},{"id":2236,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 278\rالثانية ألفا وتسهيلها، وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10)\rإِنَّما تُنْذِرُ ينفع إنذارك مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ القرآن وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ خافه ولم يره فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) هو الجنة\rإِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى للبعث وَنَكْتُبُ في اللوح المحفوظ ما قَدَّمُوا في حياتهم من خير وشرّ ليجازوا عليه وَآثارَهُمْ ما استنّ به بعدهم وَكُلَّ شَيْءٍ نصبه بفعل يفسره أَحْصَيْناهُ ضبطناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12) كتاب بيّن هو اللوح المحفوظ\rوَاضْرِبْ اجعل لَهُمْ مَثَلًا مفعول أول أَصْحابَ مفعول ثان الْقَرْيَةِ أنطاكية إِذْ جاءَهَا إلى قوله: (و الأخرى) وهو الأولى.\rقوله: إِنَّما تُنْذِرُ الخ لما ورد على هذا الحصر أمران، الأول: أنه يخالف قوله: سابقا لِتُنْذِرَ قَوْماً الخ. الثاني: أنه يخالف عموم بعثته، وقد أجاب عن الأمرين بقوله: (ينفع إنذارك)، فالمحصور إنما هو الإنذار النافع فلا ينافي وجود غيره لمن ينتفع به اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْغَيْبِ حال من الفاعل أو المفعول. قوله: فَبَشِّرْهُ الخ الفاء لترتيب البشارة أو الأمر بها على ما قبلها من إتباع الذكر والخشية اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى بيان لشأن عظيم ينطوي على الإنذار والتبشير انطواء إجماليا اهـ أبو السعود.\rقوله: (في اللوح المحفوظ) الأولى في صحف الملائكة ليناسب صيغة المضارع اهـ شيخنا.\rقوله: (ما استنّ به بعدهم) أي: من أثر حسن كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبس أي وقف حبسوه أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر اللّه من ألحان وملاه ونحو ذلك للخبر المشهور: «من سنّ سنّة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من وزرهم شيء». فإن قيل الكتابة قبل الإحياء، فكيف أخر في الذكر حيث قال: نحيي ونكتب ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم. فالجواب: أن الكتابة معظمة لأمر الإحياء، لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة في نفسها إن لم يكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا والإحياء هو المعتبر، والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء اهـ كرخي.\rقوله: (نصبه بفعل يفسره الخ) أشار به إلى أن نصب كل على الاشتغال اهـ كرخي.\rقوله: وَاضْرِبْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية اهـ قرطبي.\rقوله: (أصحاب مفعول ثان) الصواب أنه مفعول أول اهـ قاري. وأبو السعود:\rوضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ [التحريم: 10] وأخرى في ذكر حالة غريبة، وبيانها","part":6,"page":278},{"id":2237,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 279\rللناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى: وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ [إبراهيم: 45] فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على تكذيب الرسل أي: طبق حالهم بحالهم على أن مثلا مفعول ثان لاضرب، وأصحاب القرية مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه، وعلى الثاني اذكر وبيّن لهم قصة هي في الغرابة كالمثل: قوله: (إنطاكية) بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة قاعدة العواصم، وهي ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة أجبل دورها اثنا عشر ميلا، والعواصم بلاد قصبتها إنطاكية اهـ.\rوهي بأرض الروم. قال العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى عليه الصلاة والسّلام رسولين من الحواريين إلى أهل إنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب يس فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى عليه الصلاة والسّلام ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أمعكما آية؟ قالا: نعم نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص بإذن اللّه. قال الشيخ: إن لي ابنا مريضا منذ سنين. قالا: فانطلق بنا نتطلع حاله فأتى بهما فمسحا ابنه، فقام في الوقت بإذن اللّه تعالى صحيحا، ففشا الخبر في المدينة وشفى اللّه تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى، وكان لهم ملك يعبد الأصنام اسمه أنطيخا، وكان من ملوك الروم فانتهى خبرهما إليه فدعا بهما وقال: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى عليه الصلاة والسّلام. قال: وفيما جئتما؟ قالا: ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال: وهل لنا إله دون آلهتنا؟ قالا: نعم الذي أوجدك وآلهتك. قال لهما: قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما.\rوقال وهب: بعث عيسى عليه الصلاة والسّلام هذين الرجلين إلى إنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا اللّه تعالى فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه الصلاة والسّلام رأس الحواريين شمعون الصفي على أثرهما ليبصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي عشرته. فقال للملك ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأيي أيها الملك أن تدعوهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى ههنا. قالا: اللّه الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال شمعون: فصفاه وأوجزا. قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمناه. فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من طين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك فقال شمعون للملك: إن أنت سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا كان لك الشرف ولإلهك. فقال له الملك: ليس لي عنك سر مكتوم، فإن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع. وكان شمعون يدخل مع الملك على الصنم ويصلي ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به","part":6,"page":279},{"id":2238,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 280\rآخره، بدل اشتمال من أصحاب القرية الْمُرْسَلُونَ (13) أي رسل عيسى\rإِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما إلى آخره بدل من إذ الأولى فَعَزَّزْنا بالتخفيف والتشديد قوّينا الاثنين بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)\rقالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)\rقالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ جار مجرى القسم، وزيد التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإنكار في إِنَّا وبكما. قالا: إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن ههنا ميتا قد مات منذ سبعة أيام وهو ابن دهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا وقد تغير، فجعلا يدعوان ربهما علانية وشمعون يدعو ربه سرا فقام الميت وقال: إني ميت منذ سبعة أيام وكنت مشركا، فدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم عليه فآمنوا باللّه، ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وهذين، وأشار بيده إلى صاحبيه وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وعيسى روح اللّه وكلمته. فتعجب الملك من ذلك، فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبره بالحال وأنه رسول عيسى ودعا. فآمن الملك وآمن معه قوم وكفر آخرون، وقيل: بل كفر الملك وأجمع على قتل الرسل هو وقومه، فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما قال وهب: اسمهما يحنا وبولس، وقال كعب: صادق ومصدوق فعززنا بثالث الخ اهـ خازن.\rقوله: (إلى آخره) في الموضعين المراد بآخره فيهما آخر القصة وهو قوله: إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس: 30] اهـ شيخنا.\rقوله: الْمُرْسَلُونَ صادق بمجيء الاثنين أولا ومجيء الثالث لهما فصاروا ثلاثة ثانيا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي رسل عيسى) وقيل: إنهم كانوا رسلا من اللّه تعالى أرسلهم من غير واسطة عيسى إلى أصحاب هذه القرية اهـ قرطبي.\rقوله: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ نسبة إرسالهما إليه تعالى مع أنهم رسل عيسى، لأن إرسالهما كان بأمر اللّه، والاثنان هما يحنا وبولس وقيل صادق ومصدوق، والثالث هو شمعون اهـ شيخنا.\rقوله: (بدل من إذ الأولى) أي: بدل مفصل من مجمل وهو من قبيل بدل الكل من الكل اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) قال السمين: وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف، أي:\rفقويناهما أو فغلبناهما بثالث اهـ شيخنا.\rقوله: (فقالوا) أي: الثلاثة إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. أكدوا كلامهم لسبق الإنكار في تكذيب الاثنين وتكذيبهما تكذيب للثالث لاتحاد كلمتهم اهـ أبو السعود.\rقوله: قالُوا ما أَنْتُمْ خطاب للثلاثة، وقوله: إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون اهـ بيضاوي.\rقوله: (جار مجرى القسم) أي: في التأكيد به، وفي أنه يجاب يما يجاب به القسم، وقوله:","part":6,"page":280},{"id":2239,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 281\rإِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)\rوَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) التبليغ البيّن الظاهر بالأدلة الواضحة، وهي:\rإبراء الأكمه والأبرص والمريض، وإحياء الميت\rقالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا تشاء منا بِكُمْ لانقطاع المطر عنا بسببكم لَئِنْ لام قسم لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ بالحجارة وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) مؤلم\rقالُوا طائِرُكُمْ شؤمكم مَعَكُمْ بكفركم أَإِنْ همزة استفهام دخلت على إن الشرطية، (على ما قبله) وهو قوله: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، إذ فيه مؤكدان فقط أن واسمية الجملة، وقوله:\r(لزيادة الإنكار) أي لتعدده ثلاث مرات حيث قالوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، وقوله: في إِنَّا إِلَيْكُمْ الخ متعلق باللام أي صفة لها. أي وزيد التأكيد باللام الكائنة في قوله: إِنَّا إِلَيْكُمْ الخ. أو متعلق بزيد من حيث تعلقه باللام، أي وزيد التأكيد باللام في إنا إليكم الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكشاف: فإن قلت: لم قيل إنا إليكم مرسلون أولا وإنا إليكم لمرسلون آخرا؟ قلت: لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار اهـ.\rوهذا لما مخالف في المفتاح من أنهم أكدوا في المرة الأولى، لأن تكذيب الاثنين تكذيب للثالث لاتحاد المقالة، فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا التأكيد، وما ذهب إليه الزمخشري نظرا إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم إخبار ولا تكذيب لهم في المرة الأولى، فالتأكيد فيها للاعتناء والاهتمام بالخبر اهـ شهاب.\rقوله: (و هي إبراء الأكمه) أي: الأعمى.\rقوله: قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ أصل التطير التفاؤل بالطير، فإنهم كانوا يزعمون أن الطائر السانح سبب للخير، والبارح سبب للشر، ثم استعمل في كل ما يتشاءم به اهـ زاده.\rوفي المختار: وطائر الإنسان عمله الذي قلده، والطير أيضا الاسم من التطير ومنه قولهم: لا طير إلا طير اللّه، كما يقال: لا أمر إلا أمر اللّه. وقال ابن السكيت: يقال: طائر اللّه لا طائرك ولا تقل طير اللّه وتطير من الشيء وبالشيء، والاسم الطيرة بوزن عنبة وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء. وفي الحديث: أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وقوله تعالى: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل:\r47] أصله تطيرنا فادغم اهـ.\rقوله: (تشاء منا) أي: حصل لنا الشؤم. قوله: (لانقطاع المطر عنا بسببكم) قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم، وقيل إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين، وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم من أن كل نبي إذا دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك اهـ قرطبي.\rقوله: (لام قسم) أي: لكنهم حنثوا في هذا القسم لأنهم لم يتمكنوا من بره لإهلاك اللّه لهم اهـ شيخنا.\rقوله: عَذابٌ أَلِيمٌ هو التحريق بالنار. قوله: (بكفركم) أي: حاصل بسبب كفركم. وعبارة البيضاوي: سبب شؤمكم معكم وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم، انتهت.\rوفي القرطبي: فقالت الرسل: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، أي: شؤمكم معكم، أي: حظكم من الخير","part":6,"page":281},{"id":2240,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 282\rوفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى ذُكِّرْتُمْ وعظتم وخوفتم، وجواب الشرط محذوف، أي تطيرتم وكفرتم وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) متجاوزون الحد بشرككم\rوَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ هو والشر معكم ولازم في أعناقكم وليس هو من شؤمنا. قال معناه الضحاك، وقال قتادة: أعمالكم معكم، وقال ابن عباس: معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم، وقال الفراء: طائركم معكم رزقكم وعملكم والمعنى واحد اهـ.\rقوله: (و إدخال ألف) أي: وتركه. وقوله: (و بين الأخرى) أي همزة الاستفهام، فجملة القراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (و جواب الشرط محذوف الخ) هذا ما ذهب إليه سيبويه، وهو أنه إذا اجتمع شرط واستفهام يجاب الاستفهام، وذهب يونس إلى إجابة الشرط فالتقدير عند سيبويه: أئن ذكرتم تتطيرون وعند يونس تطيروا مجزوما اهـ كرخي.\rقوله: (و هو محل الاستفهام) أي: هو المستفهم عنه الموبخ عليه أي: لا ينبغي منكم ولا يليق أن ترتبوا التطاير والكفر على الوعظ والتخويف، بل اللائق أن ترتبوا عليه الإيمان والانقياد اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ اضراب عما تقتضيه الشرطية من كون التذكير سببا للشؤم أو مصححا للتوعد، أي: ليس الأمر كذلك، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان فلذلك أتاكم الشؤم اهـ أبو السعود.\rقوله: (متجاوزون الحد بشرككم) وهذا لا ينافي كون أهل إنطاكية أول المؤمنين برسل عيسى، فإن الملك وقومه آمنوا، وهلاك قاتلي حبيب لا يستلزم هلاك أهل إنطاكية اهـ كرخي.\rقوله: (هو حبيب النجار) كان يصنع لهم الأصنام، وقيل: كان إسكافيا، وقيل: كان قصارا.\rوقال ابن عباس، ومقاتل، ومجاهد: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام وهو ممن آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع الأكبر، وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن أحد بنبي غير نبينا إلا بعد ظهوره، وأما نبينا فآمن به قبل ظهوره كثير اهـ قرطبي.\rقوله: (كان قد آمن بالرسل) أي: رسل عيسى، وسبب إيمانه بهم أنه كان مجذوما وعبد الأصنام سبعين سنة لكشف ضره فلم يكشف، فلما دعاه الرسل إلى عبادة اللّه قال لهم: هل من آية. قالوا له:\rندعوا ربنا القادر يفرج عنك ما بك، فقال: إن هذا عجيب قد عبدت هذه الأصنام سبعين سنة فلم تستطع تفريجه، فهل يستطيع ربكم تفريجه في غداة واحدة؟ قالوا: نعم ربنا على ما يشاء قدير فدعوا ربهم فكشف ما به فآمن اهـ أبو حيان.\rقوله: مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ وهي القرية السابق ذكرها وعبّر عنها هنا بالمدينة إشارة لكبرها واتساعها، فيكون حبيب قد أسرع كثيرا اهـ شيخنا.","part":6,"page":282},{"id":2241,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 283\rحبيب النجار كان قد آمن بالرسل، ومنزله بأقصى البلد يَسْعى يشتد عدوا لما سمع بتكذيب القوم الرسل قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)\rاتَّبِعُوا تأكيد للأول مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً على رسالته وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) فقيل له: أنت على دينهم فقال\rوَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي خلقني، أي قوله: (يشتد عدوا) أي حرصا على نصح قومه وللذب عن رسله كقوله: وَسَعى لَها سَعْيَها [الإسراء: 19] اهـ زاده.\rقوله: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكايته مجيئه، كأنه قيل: فماذا قال عند مجيئه؟ فقيل: قال يا قوم الخ اهـ أبو السعود.\rوقوله: الْمُرْسَلِينَ أي الذين هم رسل من طرف عيسى اهـ.\rقوله: (تأكيد للأول) أي: أن الفعل تأكيد للفعل، وأما قوله: مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً فهو بدل من المرسلين كما قاله بعضهم، وهذاهو المتبادر من صنيعه إذ لو كان مراده أن التأكيد اتبعوا من لا يسألكم أجرا بجملته لأخر قوله: (تأكيد للأول) عنه. وعبارة النهر: أمرهم أولا باتباع المرسلين أي: هم رسل إليكم فاتبعوهم، ثم أمرهم ثانيا بجملة جامعة في الترغيب في كونهم لا ينقص منهم من حطام الدنيا شيئا وفي كونهم يهتدون بهداهم، فيشتملون على خيري الدنيا والآخرة. وقد أجاز بعض النحويين في من أن تكون بدلا من المرسلين ظهر فيه العامل كما ظهر إذا كان حرف جر كقوله تعالى: لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ [الزخرف: 33] والجمهور لا يعربون ما صرح فيه بالعامل الرافع والناصب بدلا، بل يجعلون ذلم مخصوصا بحرف الجر وإذا ذكر الرافع أو الناصب سموا ذلك بالتابع لا بالبدل، انتهت.\rوعبارة السمين: قوله: مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً بدل من المرسلين بإعادة العامل، إلا أن الشيخ قال: النحاة لا يقولون ذلك إلا إذا كان العامل حرف جر، وإلا فلا يسمونه بدلا بل تابعا وكأنه يريد التأكيد اللفظي بالنسبة إلى العامل اهـ.\rقوله: مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً أي: فإنهم لو كانوا متهمين بعدم الصدق لسألوكم المال، وقوله:\rوَهُمْ مُهْتَدُونَ أي: فاهتدوا أنتم أيضا تبعا لهم اهـ قرطبي.\rوقوله: وَهُمْ أي من لا يسألكم فالضمير راجع لمعنى من اهـ.\rقوله: (أنت على دينهم) المعنى على الاستفهام أي: أأنت على دينهم فأداته محذوفة.\rقوله: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي الخ تلطف بهم في الإرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه حيث أراهم أنه أختار لهم ما يختار لنفسه، والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم كما ينبىء عنه قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الذي أشار به إلى تهديدهم وتخويفهم، ثم عاد للمساق الأول وهو التلطف في النصيحة، فقال: أأتخذ الخ اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ أصل الكلام وما لكم لا تعبدون، ولكنه صرف الكلام","part":6,"page":283},{"id":2242,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 284\rلا مانع لي من عبادته الموجود مقتضيها وأنتم كذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) بعد الموت فيجازيكم بكفركم\rأَأَتَّخِذُ في الهمزتين منه ما تقدم في أَأَنْذَرْتَهُمْ وهو استفهام بمعنى النفي مِنْ دُونِهِ أي غيره آلِهَةً أصناما إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ التي زعمتموها شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) صفة آلهة\rإِنِّي إِذاً أي إن عبدت غير اللّه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) بيّن\rإِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) أي أسمعوا قولي، فرجموه فمات\rقِيلَ له عند موته ادْخُلِ الْجَنَّةَ وقيل عنهم ليكون الكلام أسرع قبولا، ولذلك جاء قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ دون وإليه أرجع، وقوله:\rأَأَتَّخِذُ مبني على كلامه الأول، وهذه الطريقة أحسن من ادعاء الالتفات اهـ.\rقوله: (الموجود مقتضيها) وهو كون اللّه فطره وخلقه اهـ شيخنا.\rقوله: (في الهمزتين منه) أي: من هذا التركيب ما تقدم الخ، والذي تقدم في كلامه قراءات أربعة، وتقدم أن التحقيق أنها خمسة والخمسة تأتي هنا أيضا وكلها سبعية في الموضعين اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ دُونِهِ يجوز أن يتعلق بأتخذ على أنها متعدية لواحد وهو آلهة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من آلهة، وأن يكون مفعولا ثانيا قدم على أنها المتعدية لاثنين اهـ سمين.\rقوله: لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً أي: لا تنفعني ولا تدفع عني. قوله: (صفة آلهة) أي:\rالجملة الشرطية وهي قوله: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ الخ صفة آلهة فهي في محل نصب. وقال أبو السعود:\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 284\r\rجملة الشرطية وهي قوله: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ الخ صفة آلهة فهي في محل نصب. وقال أبو السعود:\rوالظاهر أنها استئنافية سيقت لتعليل النفي المذكور وجعلها صفة لآلهة كما ذهب إليه بعضهم. ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك اهـ كرخي.\rقوله: إِنِّي إِذاً التنوين عوض عن جملة محذوفة قدرها الشارح بقوله: (إن عبدت غير اللّه) اهـ شيخنا.\rوقوله: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. أي: لأن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل اهـ بيضاوي.\rقوله: فَاسْمَعُونِ العامة على كسر النون وهي نون الوقاية حذفت بعدها ياء الإضافة مجتزىء عنها بكسرة النون وهي اللغة العالية، وقرأ بعضهم بفتحها وهي غلط اهـ سمين.\rقوله: (أي اسمعوا قولي) أي: ما قلته لكم، وهو ما ذكره بقوله: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ الخ.\rفالخطاب للكفرة شافههم بهذا إظهار للتصلب في الدين وعدم المبالاة بالقتل اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: فاسمعون أي فاشهدوا أي كونوا شهودي بالإيمان اهـ.\rقوله: (فرجموه فمات) قال ابن مسعود: ووطئوه بأرجلهم حتى خرجت أمعاؤه من دبره، وألقي في بئر وهي الرس وهم أصحاب الرس، وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي حتى قتلوه، وقال الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها ورموا فوقه التراب فمات ردما، وقال الحسن: حرقوه حرقا وعلقوه في سور المدينة وقبره في سور إنطاكية حكاه","part":6,"page":284},{"id":2243,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 285\rدخلها حيا قالَ يا لَيْتَ حرف تنبيه قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)\rبِما غَفَرَ لِي رَبِّي بغفرانه وَجَعَلَنِي مِنَ الثعلبي. وقال القشيري والحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه اللّه إلى السماء فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة، فإذا أعاد اللّه الجنة أدخلها. وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه فو اللّه ما خرجت روحه إلا في الجنة فدخلها فذلك قوله تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ فلما شاهدها قال: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ الخ اهـ قرطبي.\rوفي الخازن: ولما قتلوه غضب اللّه له فعجل لهم العقوبة، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ الخ.\rقوله: قِيلَ (له عند موته) ادْخُلِ الْجَنَّةَ عبارة أبي السعود: قيل له ذلك لما قتلوه إكراما له بدخولها كسائر الشهداء، وقيل: لما هموا بقتله رفعه اللّه إلى الجنة. قال الحسن: وعن قتادة: أدخله اللّه الجنة وهو فيها حي يرزق. وقيل: معناه البشرى بدخولها وأنه من أهلها، والجملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حاله ومقامه، كأنه قيل: كيف كان لقاؤه لربه بعد ذلك التصلب في دينه، فقيل: قيل ادخل الجنة. وهكذا قوله: قالَ يا لَيْتَ الخ، فإنه جواب عن سؤال نشأ من حكاية حاله.\rكأنه قيل: فماذا قال عند نيله لتلك الكرامة السنية؟ فقيل: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي الخ. وإنما تمنى علمهم بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب التوبة عن الكفر جريا على سنن الأولياء في كظم الغيظ والترحم، انتهت.\rأو ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على حق اهـ بيضاوي.\rولم يذكر لفظ له في نظم الآية لأن الغرض بيان القول دون المقول له فإنه معلوم اهـ بيضاوي.\rقوله: (و قيل دخلها حيا) معطوف على قوله: (فرجموه فمات)، أي: وقيل: لم يتمكنوا منه بل لما هموا بقتله رفعه اللّه من بينهم وأدخله الجنة حيا إكراما له كما وقع لعيسى أنه رفعه اللّه وأسكنه السماء وهذا القول قاله قتادة، وعليه فالأمر في قوله: ادْخُلِ الْجَنَّةَ أمر تكوين لا أمر امتثال على حد قوله:\rأَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] اهـ شيخنا.\rفالمعنى أدخله اللّه الجنة سريعا. قوله: يا لَيْتَ قَوْمِي وهم الذين قتلوه فنصحهم حيا وميتا.\rوفي الخبر أنه عليه الصلاة والسّلام قال في هذه الآية «نصح لهم في حياته وبعد موته». وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا باللّه طرفة عين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس وهم الصديقون، وذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي ما: موصولة أو مصدرية، والباء: صلة يعلمون أو استفهامية جاءت على الأصل والباء صلة غفر أي بأي شيء غفر لي؟ يريد به المهاجرة عن دينهم والمصابرة على أذيتهم اهـ بيضاوي.\rوقوله: جاءت على الأصل أي من إثبات ألفها إذا جرت وهو قليل والأكثر حذفها اهـ شهاب.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بغفرانه) أشار تبعا للكسائي إلى أن ما مصدرية تلويحا بالرد على كثيرين أنها استفهامية، إذ لو كانت لحذفت ألفها كقوله: بم يرجع المرسلون، ولم تحذف فلم تكن استفهامية","part":6,"page":285},{"id":2244,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 286\rالْمُكْرَمِينَ (27)\r* وَما نافية أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ أي حبيب مِنْ بَعْدِهِ بعد موته مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أي ملائكة لإهلاكهم وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) ملائكة لإهلاك أحد\rإِنْ ما كانَتْ عقوبتهم إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بهم جبريل فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) ساكنون ميتون\rيا حَسْرَةً عَلَى بل مصدرية. يعني أنها مع مدخولها في تأويل المصدر كما قرره، قاله شيخ الإسلام رحمه اللّه. ويجاب بأن حذف ألفها أكثري لا كلي، ويجوز كونها موصولة والعائد محذوف تقديره بالذي غفره لي ربي من الذنوب، واستضعف هذا من حيث إنه يصير معناه أنه تمنى أن يعلم قومه بذنوب المغفورة، وليس المعنى على ذلك إنما المعنى على تمني علمهم بغفران ربه ذنوبه وإليه أشار في التقرير اهـ.\rقوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ الخ فيه استحقار لهم ولإهلاكهم، وإيماء إلى التفخيم بشأن الرسل اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي: ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله قاله قتادة ومجاهد والحسن. وقال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء، وقيل: الجند العساكر أي لم أحتج في إهلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر، بل أهلكهم بصيحة واحدة، قال معناه ابن مسعود وغيره. وقوله: وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ تصغير لأمرهم أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل ومن بعد رفعه إلى السماء وقيل: المعنى وما كنا منزلين على من كان قبلهم. قال الزمخشري: فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق فقال: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: 9] وقال بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران: 124] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: 125]؟ قلت: إنما كان يكفي ملك واحد فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة، ولكن اللّه فضل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والاعزاز ما لم يؤت أحدا، فمن ذلك أنه أنزل جنودا من السماء وكأنه أشار بقوله: وَما أَنْزَلْنا، وبقوله: وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله بغيرك اهـ.\rقوله: عَلى قَوْمِهِ وهم أصحاب القرية الذين رجموه اهـ شيخنا.\rقوله: (بعد موته) أي: أو بعد رفعه إلى الجنة حيا على القول الآخر اهـ شيخنا.\rقوله: وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ تعليل لما قبله أي: لأن عادتنا المستمرة في الأزمنة الماضية قبل زمن محمد أنا لم ننزل ملائكة لإهلاك الكفار بل نهلكهم بغير الملائكة اهـ شيخنا.\rقوله: (لإهلاك أحد) أي: من الأمم السالفة وإنما جعلنا إنزال الجند من خصائصك في الاستنصار من قومك اهـ أبو السعود.\rقوله: (صاح بهم) أي عليهم جبريل، وقوله: خامِدُونَ بابه فعد اهـ شيخنا.\rوقوله: (ميتون) أي فشبهوا بالنار الخامدة التي صارت رمادا رمزا إلى أن الحي كالنار الساطعة في الحركة والالتهاب والميت كالرماد في عدمها اهـ أبو السعود.","part":6,"page":286},{"id":2245,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 287\rالْعِبادِ هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها مجاز أي هذا أوانك فاحضري ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) مسوق لبيان سببها، لاشتماله على استهزائهم المؤدي إلى إهلاكهم المسبب عنه الحسرة\rأَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة القائلون للنبي:\rلست مرسلا، والاستفهام للتقرير أي علموا كَمْ خبرية بمعنى كثيرا معمولة لما بعدها، قوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ الخ يحتمل أنه من كلام الملائكة، ويحتمل أنه من كلام المؤمنين وأل في العباد للجنس، وقوله: (مجاز) أي: والمراد منه تهويل أمرهم وتشنيعه وتقبيحه، وقوله: (أي هذا أوانك) وهو وقت الاستهزاء بالرسل اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود نصها: فالمستهزئون أحقاء بأن يتحسروا على أنفسهم أو يتحسر عليهم المتحسرون، انتهت.\rوعبارة الكرخي قوله: (هؤلاء ونحوهم) فيه إشارة إلى أن الألف واللام في العباد لتعريف الجنس، أي: جنس الكفار المكذبين، وهذا التحسر من الملائكة أو المؤمنين أو من اللّه استعارة لتعظيم جرمهم، وحينئذ تكون كالألفاظ التي وردت في حق اللّه كالضحك والنسيان والسخرية والتعجب والتمني اهـ.\rوقيل: المراد بالعباد نفس الرسل، وعلى: بمعنى من. وفي القرطبي: وقال الطبري: المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتلهفا وتندما في استهزائهم برسل اللّه؛ وقال ابن عباس: يا حسرة على العباد يا ويلا على العباد، وعنه أيضا: حل هؤلاء محل من يتحسر عليهم. وروى الربيع، عن أنس، عن أبي العالية أن العباد ههنا الرسل، وذلك أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا: يا حسرة على العباد فتحسروا على قتلهم وترك الإيمان بهم، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان. وقال مجاهد، والضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل وقيل: يا حسرة على العباد من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لما وثب القوم لقتله، وقيل: الرسل الثلاثة هم الذين قالوا حين قتل القوم ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة، وحل بالقوم العذاب يا حسرة على هؤلاء كأنهم تمنوا أن يكونوا قد آمنوا، وقيل: هذا من قول القوم، قالوا لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة على اختلاف الروايات: يا حسرة على هؤلاء الرسل وعلى هذا الرجل ليتنا آمنا بهم في الوقت الذي ينفعنا الإيمان فيه، وتم الكلام على هذا ثم ابتداء فقال: ما يأتيهم من رسول اهـ.\rقوله: إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ جملة حالية من مفعول يأتيهم اهـ سمين.\rقوله: (مسوق الخ) أي: فهو مستأنف لا محل له من الإعراب، وقوله: (لبيان سببها) أي بالواسطة، فإنه سبب لإهلاكهم وإهلاكهم سبب لها كما يعلم من تقريره وقوله: (لاشتماله) أي دلالته اهـ شيخنا.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) أي على قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] اهـ شيخنا.","part":6,"page":287},{"id":2246,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 288\rمعلقة لما قبلها عن العمل، والمعنى أنا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ كثيرا مِنَ الْقُرُونِ الأمم أَنَّهُمْ أي المهلكين إِلَيْهِمْ أي المكذبين لا يَرْجِعُونَ (31) أفلا يعتبرون بهم؟ وأنهم الخ، بدل مما قبله قوله: (معمولة لما بعدها الخ) إشارة إلى أن يروا ليس عاملا في كم لأنها إذا كانت خبرية لا يعمل فيها ما قبلها بل ما بعدها، وهو هنا أهلكنا، وهي معلقة لما قبلها وهو يروا عن العمل ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية، لكن قال ابن هشام: لا يتعين في الآية خبرية كم، بل يجوز كونها استفهامية إلى آخر ما ذكره اهـ كرخي.\rقوله: (و المعنى أنا) أَهْلَكْنا أي: قد علموا أنا أهلكنا أي: إهلاكنا للأمم السالفة كثيرا، وقوله: (بدل مما قبله) أي بدل اشتمال لأن إهلاكهم مشتمل ومستلزم لعدم رجوعهم، أو بدل كل نظرا إلى أن إهلاكهم مآله رجوعهم فكأنه عينه، وقوله: (برعاية) المعنى المذكور وهو قوله: أنا أهلكنا الخ المعنى قد علموا إهلاكنا كثيرا من القرون السابقة المشتمل على عدم عودهم أي المهلكين إلى هؤلاء الباقين وهم أهل مكة، فينبغي لهم أن يعتبروا بهم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: كَمْ أَهْلَكْنا. كم: هنا خبرية فهي مفعول بأهلكنا تقديره كثيرا من القرون أهلكنا، وهي معلقة ليروا ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية، وقيل: يروا علمية، وكم استفهامية.\rوأنهم إليهم لا يرجعون فيه أوجه.\rأحدها: أنه بدل من كم. قال ابن عطية: وكم هنا خبرية وأنهم بدل منها والرؤية بصرية. قال الشيخ: وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية كانت في موضع نصب بأهلكنا ولا يسوغ فيها إلا ذلك، وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون أنهم بدلا منها، لأن البدل على نية تكرار العامل، ولو سلطت أهلكنا على أنهم لم يصح ألا ترى أنك لو قلت أهلكنا انتفاء رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاما. لكن ابن عطية توهم أن يروا مفعوله كم، فتوهم أن أنهم إليهم لا يرجعون بدل منه، لأنه يسوغ أن يسلط عليه فتقول: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون، وهذا وأمثاله دليل على ضعفه في علم العربية.\rالثاني: قال الزمخشري: ألم يروا. ألم يعلموا وهو معلق عن العمل في كم، لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها سواء كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام إلا أن معناها نافذ في الجملة كما نفذ في قولك: ألم يروا أن زيدا لمنطلق وإن لم يعمل في لفظها، وأنهم إليهم لا يرجعون بدل من كم أهلكنا على المعنى لا على اللفظ. تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.\rالثالث: أن أنهم معمول لفعل محذوف دل عليه السياق، والمعنى تقديره قضينا وحكمنا أنهم إلينا لا يرجعون. ويدل على صحة هذا قراءة ابن عباس والحسن إنهم بكسر الهمزة على الاستئناف، والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها، فهو مقو لأن تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها، والضمير في أنهم عائد على معنى كم، وفي إليهم عائد على ما دل عليه واو يروا. وقيل:\rبل الأول عائد على ما عاد عليه واو يروا، والثاني عائد على المهلكين اهـ.","part":6,"page":288},{"id":2247,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 289\rبرعاية المعنى المذكور\rوَإِنْ نافية أو مخففة كُلٌ أي كل الخلائق مبتدأ لَمَّا بالتشديد بمعنى إلّا، أو بالتخفيف، فاللام فارقة، وما زائدة جَمِيعٌ خبر المبتدإ، أي مجموعون لَدَيْنا عندنا في الموقف بعد بعثهم مُحْضَرُونَ (32) للحساب خبر ثان\rوَآيَةٌ لَهُمُ على البعث خبر مقدم الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ بالتشديد والتخفيف أَحْيَيْناها بالماء مبتدأ وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا كالحنطة فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)\rوَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ قوله: وَإِنْ كُلٌ الخ بيان لرجوع الكل إلى المحشر بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: (و إن نافية) وعلى هذا الاحتمال تكون لما بالتشديد، وقوله: (أو مخففة) وعليه تكون لما بالتخفيف وأن مهملة عن العمل، وكل مبتدأ وما بعده خبره ولزمت اللام في الخبر فرقا بين المخففة والنافية. وفي السمين: فمن شدد لما جعلها بمعنى إلّا وإن نافية، ومن خفف لما جعل أن مخففة من الثقيلة واللام فارقة وما مزيدة هذا قول البصريين، والكوفيون يقولون أن إن نافية ولما بالتخفيف بمعنى إلّا اهـ.\rقوله: (أي كل الخلائق) أي: فالتنوين عوض عن المضاف إليه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي مجموعون) فسره بهذه إشارة إلى أن فعيلا بمعنى مفعول، وإلى أنه غير مستدرك مع كل لأنه لا يستدرك معها إلا لو كان مستعملا على وجه التوكيد.\rوالحاصل أن كل أشير بها لاستغراق الأفراد وشمولهم، وجميع أشير بها لاجتماع الكل في مكان واحد وهو المحشر اهـ شيخنا.\rقوله: لَدَيْنا متعلق بجميع أو بمحضرون اهـ شيخنا.\rقوله: (على البعث) أي: وعلى التوحيد، فالأول يناسبه قوله: الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها والثاني يناسبه قوله: وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا إلى قوله: أَفَلا يَشْكُرُونَ أي: فيرجعون عن عبادة غير اللّه. هكذا يستفاد من الرازي اهـ شيخنا.\rقوله: (خبر مقدم) أي: ولهم صفة له.\rقوله: أَحْيَيْناها يحتمل الاستئناف وهو ظاهر، ويحتمل أن يكون نعتا وهو المتبادر من صنيع الشارح حيث أخر قوله: (مبتدأ عنه) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَحْيَيْناها يجوز أن يكون خبر الأرض، ويجوز أن يكون حالا من الأرض إذا جعلناها مبتدأ وآية خبرا مقدما، وجوز الزمخشري في أحييناها وفي نسلخ أن يكونا صفتين للأرض والليل، وإن كانا معرفتين بأل لأنه تعريف بأل الجنسية فهما في قوة النكرة اهـ.\rقوله: وَجَعَلْنا معطوف على أحييناها. قوله: مِنْ نَخِيلٍ في المختار: النخيل والنخيل بمعنى والواحد نخلة اهـ.","part":6,"page":289},{"id":2248,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 290\rالْعُيُونِ (34) أي بعضها\rلِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ بفتحتين وبضمتين، أي ثمر المذكور من النخيل وغيره وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي لم تعمل الثمر أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) أنعمه تعالى عليهم؟\rسُبْحانَ وفي المصباح: النخل اسم جمع الواحدة نخلة، وكل جمع يفرق بينه وبين واحده بالتاء فأهل الحجاز يؤنثونه، وأهل نجد وتميم يذكرونه، وأما النخيل بالياء فمؤنثه. قال ابن حاتم: لا اختلاف في ذلك اهـ.\rوبهذا تعلم أن قول الشارح وغيره ليس على ما ينبغي لأنه أعاد الضمير على النخل مذكرا فكان الأولى أن يقول وغيرها فتأمل، وقوله: وَأَعْنابٍ الأعناب جم عنب والعنبة الواحدة من العنب اهـ مصباح.\rقوله: وَفَجَّرْنا العامة على التشديد تكثيرا، لأن فجّر بالتخفيف متعد، وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف والمفعول محذوف على كل من القراءتين أي ينبوعا في آية سبحان اهـ سمين.\rقوله: (أي بعضها) أشار به إلى أن من تبعيضية. وقيل: إنها زائدة اهـ كرخي.\rقوله: (بفتحتين الخ) سبعيتان. قوله: (أي ثمر المذكور) جواب عما يقال المقام يقتضي تثنية الضمير، فأجاب عنه بأنه راجع لما يشتمل الأمرين بتأويلهما بالمذكور، فقوله: (و غيره) الغير هو الأغناب اهـ شيخنا.\rقوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ في ما هذه أربعة أوجه، أحدها: أنها موصولة أي: ومن عدي عملته أيديهم من الغرس والمعالجة وفيه تجوز على هذا. والثاني: أنها نافية أي لم يعملوه هم بل الفاعل له هو اللّه تعالى. الثالث: أنها نكرة موصوفة والكلام فيها كالذي في الموصولة. الرابع: أنها مصدرية أي: ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به، فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة اهـ سمين.\rوعبارة الخطيب: وما عملته أيديهم عطف على الثمر، والمراد ما يتخذ منه كالعصير والدبس.\rفما موصولة أي من الذي عملته أيديهم، ويؤيد هذا قراءة حمزة والكسائي وشعبة بحذف الهاء من عملته، ونافية على قراءة الباقين بإثباتها أي وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها، وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد مخلوق مثل دجلة والفرات والنيل اهـ.\rقوله: أَفَلا يَشْكُرُونَ إنكار واستقباح لعدم شكرهم للنعم المعدودة، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: يرون هذه النعم أو أيتنعمون بهذه النعم فلا يشكرونها اهـ أبو السعود.\rقوله: (أنعمه) جمع نعمة بالكسر ونعماء بالفتح والمد فكل منهما يجمع على أنعم. وفي المصباح: وجمع النعمة نعم مثل سدرة وسدر، وأنعم أيضا مثل أفلس، وجمع النعماء أنعم مثل بأساء وأبؤس اهـ.\rقوله: سُبْحانَ الَّذِي الخ استئناف مسوق لتنزيهه تعالى عما فعلوه من ترك شكره على النعم المذكورة، فالمعنى تنزه بذاته عن كل ما لا يليق به مما فعلوه اهـ أبو السعود.","part":6,"page":290},{"id":2249,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 291\rالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ الأصناف كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من الحبوب وغيرها وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ من الذكور والإناث وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) من المخلوقات العجيبة الغريبة\rوَآيَةٌ لَهُمُ على القدرة العظيمة اللَّيْلُ نَسْلَخُ نفصل مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) داخلون في الظلام\rوَالشَّمْسُ تَجْرِي إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى، والقمر كذلك لِمُسْتَقَرٍّ لَها إليه أي لا وفي القرطبي: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها نزه نفسه سبحانه عن قول الكفار إذ عبدوا غيره مع ما رأوا من نعمه وآثار قدرته، وفيه تقدير معنى الأمر أي سبحوه ونزهوه عما لا يليق به، وقيل:\rفيه معنى التعجب أي عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات، ومن تعجب من شيء قال: سبحان اللّه، والأزواج الأنواع والأصناف فكل زوج صنف لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى، وقوله: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يعني من النبات لأنه أصناف، ومن أنفسهم يعني وخلق منهم أولادا أزواجا ذكورا وإناثا. ومما لا يعلمون، أي: من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض، ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة، ويجوز أن لا يعلمه مخلوق، ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرك به اهـ.\rقوله: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ بيان للأزواج، وكذا قوله: وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ. فبين الأزواج بهذه الأمور الثلاثة التي لا يخرج عنها شيء من أصناف المخلوقات اهـ شيخنا.\rقوله: (الغريبة) كالتي في السموات والتي تحت الأرضين اهـ شيخنا.\rقوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر كما مرّ، وقوله: نَسْلَخُ الخ جملة مبينة لكيفية كونه آية اهـ أبو السعود.\rونسلخ من بابي قطع ونصر كما في المختار قوله: (على القدرة العظيمة) أي القدرة على البعث.\rقوله: (نفصل) مِنْهُ من بمعنى عن أي: نزيل عنه النهار الذي هو كالساتر له، فإذا زال الساتر وهو النهار ظهر الأصل وهو الليل، فصحّ ترتب قوله: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. وفي الكرخي: نفصل منه أي نزيل عنه النهار، وظاهره يشعر بأن النهار طارىء على الليل. قال المرزوقي: الآية دلت على أن الليل قبل النهار، لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ، كما أن المعطي قبل العطاء، لكن كلامه في سورة الرعد مؤذن بأن بين الليل والنهار توالجا وتداخلا قال اللّه تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5] اهـ.\rوفي القرطبي: والسلخ الكشف والنزع، يقال: سلخه اللّه من دينه ثم يستعمل بمعنى الاخراج، وقد جعل ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ فهو استعارة، ومظلمون معناه داخلون في الظلام. يقال: أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا أي دخلنا في وقت الظهيرة، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل: منه بمعنى عنه. والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار فإذاهم مظلمون أي: في ظلمة لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم اهـ.\rقوله: (من جملة الآية) أي: فهو معطوف على الأرض الواقع مبتدأ، وقوله: (أو آية أخرى) أي","part":6,"page":291},{"id":2250,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 292\rتتجاوزه ذلِكَ أي جريها تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (38) بخلقه\rوَالْقَمَرَ بالرفع والنصب وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده قَدَّرْناهُ من حيث سيره مَنازِلَ ثمانية وعشرين فهو مبتدأ خبره تجري الخ. وقوله: (و القمر كذلك) أي أنه من جملة الآية أو آية أخرى على ما تقدم اهـ شيخنا.\rفائدة:\rسئل الرملي هل القمر الموجود في كل شهر هو الموجود في الآخر أو غيره؟ فأجاب: بأن في كل شهر قمرا جديدا اهـ.\rقوله: لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي: تنتهي في سيرها لمستقر لها فتقف فيه ولا تنتقل عنه. ومستقرها هو مكان تحت العرش تسجد فيه كل ليلة عند غروبها، فتستمر ساجدة فيه طول الليل فعند طلوع النهار يؤذن لها في أن تطلع من مطلعها أو لا، فإذا كان آخر الزمان لا يؤذن لها في الطلوع من المشرق، بل يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من المغرب وهذاهو الصحيح، وقيل: إن الشمس في الليل تسير وتشرق على عالم آخر من أهل الأرض وإن كنا لا نعرفه، ويؤيد هذا القول ما قاله الفقهاء في باب المواقيت كالشمس الرملي من أن الأوقات الخمسة تختلف باختلاف الجهات والنواحي، فقد يكون المغرب عندنا عصرا عند آخرين، ويكون الظهر صبحا عند آخرين وهكذا. وعبارة الخازن: والشمس تجري لمستقر لها أي إلى مستقر لها. قيل: إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل:\rتسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها وهو أنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها. وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وعن ابن عباس: والشمس تجري لا مستقر لها أي لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا إلى يوم القيامة. صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أبو ذر قال: سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله تعالى:\rوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال: «مستقرها تحت العرش». وفي رواية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أي تذهب الشمس؟» قال: اللّه ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها»، فذلك قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أخرجاه في الصحيحين. قال الشيخ محيي الدين النووي: اختلاف المفسرون فيه فقال جماعة بظاهر الحديث. قال الواحدي: فعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع، وقيل تجري إلى مستقر لها وأصل لا تتعداه، وعلى هذا فمستقرها انتهاء سيرها عن انقضاء الدنيا، وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه اللّه تعالى فيها واللّه أعلم، انتهت.\rقوله: (بالرفع) أي على أنه معطوف على المبتدأ المتقدم أو على أنه مبتدأ خبره قدرناه، وقوله:\r(و النصب) أي على الاشتغال كما بينه بقوله: (و هو منصوب الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: مَنازِلَ فيه أوجه، أحدها: أنه مفعول ثان لقدرنا بمعنى صيرنا. الثاني: أنه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره ذا منازل. الثالث: أنه ظرف أي قدرنا سيره في منازل اهـ سمين.","part":6,"page":292},{"id":2251,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 293\rمنزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما وليلة إن كان تسعة وعشرين يوما حَتَّى عادَ في آخر منازله في رأي العين كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) أي كعود الشماريخ إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصغر\rلَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي يسهل ويصح لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ فتجتمع معه في الليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ فلا يأتي قبل انقضائه وَكُلٌ تنوينه عوض عن وإلى هذا الثالث أشار الجلال بقوله: (من حيث سيره) اهـ.\rقوله: (أي كعود الشماريخ) جمع شمراخ وهو كالشمروخ بالضم عيدان العنقود الذي عليه الرطب وما يجمعه مما فوقه يسمى العذق بكسر العين كذا في المصباح، ووجه الشبه مركب وهو الاصفرار والدقة والاعوجاج اهـ شهاب.\rوعبارة السمين: والعرجون عود العذق ما بين الشماريخ إلى منبته من النخلة وهو تشبيه بديع مشبه به القمر في ثلاثة أشياء دقته واستقواسه واصفراره اهـ.\rوفي المصباح: العذق بكسر العين الكباسة ثم قال: والكباسة عنقود النخل اهـ.\rقوله: (إذا عتق) في المختار: عتق من باب ظرف إذا قدم ومن باب قعد أيضا اهـ.\rقوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ الخ أي: لأن ذلك يخل بتكوين النبات وتعييش الحيوان اهـ أبو السعود.\rولا نافية كما يؤخذ من عبارة غيره، وكذا في قوله: وَلَا اللَّيْلُ الخ كما يؤخذ من عبارة غيره أيضا، ومن عبارته هو حيث قال: فلا يأتي قبل انقضائه اهـ شيخنا.\rأي: لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، بل يتعاقبان لا يجيء أحدهما قبل وقته، وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر، فلا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء اهـ خازن.\rقوله: (يسهل ويصح لها الخ) أي: فإنه يخل بتكون النبات وتدبير الحيوان وأفهم بإيلاء لا لها دون الفعل أن حركتها بالتسخير لا بإرادتها، ونفى تعالى الإدراك عن الشمس دون عكسه لأن مسير القمر أسرع لأنه يقطع فلكه في شهر، والشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، فكانت جديرة بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها، وكان القمر خليقا بأن يوصف بنفي السبق لسرعة سيره اهـ كرخي.\rقوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ لا نافية كما عرفت أي: وليس الليل بسابق النهار فالكلام على حذف المضاف أي ولا الليل سابق انقضاء النهار كما أشار إليه بقوله: (فلا يأتي قبل انقضائه) أي لا يأتي الليل في أثناء النهار وقبل أن ينقضي كأن يأتي في وقت الظهر، وهذا لا ينافي أن الليل برمته في الوجود في النهار برمته كما ذكر في كتب اللغة اهـ شيخنا.\rوهو أحد قولين، والآخر أن النهار سابق في الوجود على الليل، وقد أشار القرطبي بقوله:\rواستدل بعضهم بقوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ على أن النهار مخلوق قبل الليل وأن الليل لم يسبقه بالخلق اهـ.","part":6,"page":293},{"id":2252,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 294\rالمضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم فِي فَلَكٍ مستدير يَسْبَحُونَ (40) يسيرون نزلوا منزلة العقلاء\rوَآيَةٌ لَهُمْ على قدرتنا أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ وفي قراءة ذرياتهم أي آباءهم الأصول ووجه الاستدلال على هذا أن المعنى وليس الليل بسابق النهار يعني بل النهار هو السابق، وهذا ينظر إلى مقابلة جملة الليل بجملة النهار، والآية محتملة لكل من القولين.\rقوله: (فلا يأتي) أي الليل قبل انقضائه أي النهار، وإن كان سير القمر أسرع من سير الشمس، بل لا يزالان يتعاقبان لمصالحكم فلا يجتمعان حتى يبطل ما دبر اللّه وينقضي ما ألفه وتطلع الشمس من مغربها فيجتمعان اهـ كرخي.\rقوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال العماد ابن كثير في البداية والنهاية: حكى ابن حزم، وابن الجوزي وغير واحد الاجماع على أن السموات كرية مستديرة، واستدل عليه بآية كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. قال الحسن: يدورون، وقال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل. قالوا: ويدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع آخرها من المشرق. قال ابن حجر: حكى الاجماع على أن السموات مستديرة جمع وأقاموا عليه الأدلة، وخالف في ذلك فرق يسيرة من أهل الجدل.\rوقال ابن العربي: السموات ساكنة لا حركة فيها جعلها اللّه تعالى ثابتة مستقرة هي لنا كالسقف للبيت، ولهذا سماها السقف المرفوع اهـ ابن لقيمة على البيضاوي.\rقوله: (النجوم) أي: المدلول عليها بذكر الشمس والقمر. قوله: (نزلوا منزلة العقلاء) أي فعبّر عنهم بضمير جمع الذكور والمسوغ له التعبير بالسباحة التي هي من أوصاف العقلاء اهـ شيخنا.\rقوله: وَآيَةٌ لَهُمْ أي: لأهل مكة أنا حملنا ذريتهم الضمير أيضا لأهل مكة، وقوله: (أي أباءهم الأصول) أي الأقدمين وهم الذين كانوا في سفينة نوح، فهؤلاء آباء لأهل مكة بالوسائط وإطلاق الذرية على الأصول صحيح، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدين الأصول والفروع، لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق والفروع مخلوقون من الأصول، والأصول خلقت منهم الفروع. وفي البغوي: واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد اهـ.\rوفي القرطبي: هذه الآية من أشكل ما في هذه السورة لأنهم هم المحمولون، فقيل: المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون، فالضميران مختلفان ذكره المهدي، وحكاه النحاس عن علي بن سليمان أنه سمعه يقوله، وقيل: الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون المراد بذرياتهم أولادهم وضعفاءهم، فالفلك على القول الأول سفينة نوح، وعلى الثاني يكون اسما للجنس أخبر تعالى بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يضعف عن المشي والركوب من الذرية والضعفاء، فيكون الضميران على هذا متفقين، وقيل: الذرية الآباء والأجداد حملهم اللّه تعالى في سفينة نوح عليه السّلام، فالآباء ذرية والأبناء ذرية بدليل هذه الآية قاله أبو عثمان، وسمى الآباء ذرية لأنه ذرأ منهم الأبناء، وقول رابع أن الذرية النطف حملها اللّه تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون قاله علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ذكره الماوردي اهـ.\rقوله: (على قدرتنا) أي: على البعث. قوله: (المملوء) أي: ومع ذلك نجاه اللّه من الغرق، فهذا","part":6,"page":294},{"id":2253,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 295\rفِي الْفُلْكِ أي سفينة نوح الْمَشْحُونِ (41) المملوء\rوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي مثل فلك نوح، وهو ما عملوه على شكله من السفن الصغار والكبار بتعليم اللّه تعالى ما يَرْكَبُونَ (42) فيه\rوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ مع إيجاد السفن فَلا صَرِيخَ مغيث لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) ينجون\rإِلَّا رَحْمَةً مِنَّا الوصف له دخل في الامتنان، وكانت السفينة مملوءة بالحيوان لأنه جعلها ثلاث طبقات السفلى وضع فيها السباع والهوام، والوسطى وضع فيها الدواب والأنعام، والعليا وضع فيها الآدميين والطير اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ مِثْلِهِ من تبعيضية أو زائدة، وعلى كل منهما فمدخولها في محل نصب على الحال من المفعول المؤخر وهو ما يَرْكَبُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو ما عملوه) الضمير للمثل أي المثل هي السفن التي عملوها على شكل فلك نوح، وهذا التفسير أحد أقوال ثلاثة. وقيل: هو خصوص الإبل، وقيل: مطلق الدواب التي تركب. وفي القرطبي: وفي معنى المثل ثلاثة أقوال. مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير. وروي عن ابن عباس أن معنى من مثله الإبل خلقها اللّه لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تشبه الإبل بالسفن. القول الثاني: أنه الإبل والدواب وكل ما يركب. والقول الثالث: أنه السفن. قال النحاس: وهو أصحها لأنه متصل الإسناد. عن ابن عباس: وخلقنا لهم من مثله ما يركبون قال: خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها، وقال أبو مالك: إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار. وروي عن ابن عباس أيضا، والحسن، وقتادة، وقال الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح عليه السّلام. قال الماوردي، ويحيى، وعلي: مقتضى تأويل علي رضي اللّه عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء، وقول خامس في قوله: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكيا اهـ.\rقوله: (بتعليم اللّه) متعلق بشكله أي: شكل سفينة نوح الكائن بتعليم اللّه إياه أي أيا نوح أو أيا التعليم أو أيا الشكل، وعل كل فغرضه بهذا الجواب عما يقال: كيف أسند خلق السفن له مع أنها من مصنوعاتهم، والعادة أن مصنوع العبد ينسب له لا للّه وإن كان بخلقه حقيقة لا يقال خلق اللّه البيت أو الثوب أو غير ذلك.\rوحاصل الجواب أن أصل السفن وهو سفينة نوح لما كان بمحض تعليم اللّه تعالى وليس لنوح فيه معلم من المخلوقات نسب خلق السفن إليه تعالى لكون أصلها بمحض إقداره وإلهامه، وعبارة أبي السعود: وجعلها مخلوقة للّه مع كونها من مصنوعات العباد ليس لمجرد كون صنعهم بأقدار اللّه تعالى بل لمزيد اختصاص أصلها وهو سفينة نوح بقدرته تعالى وعظمته، انتهت.\rقوله: (مع إيجاد السفن) أي: ومع ركوبهم لها، إذ ركوبهم لا ينجي إلا بفضل اللّه تعالى اهـ شيخنا.\rقوله: (مغيث لهم) كما يطلق الصريخ على المغيث يطلق على الصاروخ وهو المستغيث فهو من","part":6,"page":295},{"id":2254,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 296\rوَمَتاعاً إِلى حِينٍ (44) أي لا ينجيهم إلا رحمتنا لهم وتمتيعنا إياهم بلذاتهم إلى انقضاء آجالهم\rوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من عذاب الدنيا كغيرهم وَما خَلْفَكُمْ من عذاب الآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) أعرضوا\rوَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46)\rوَإِذا قِيلَ أي قال الأضداد، كما صرح به أهل اللغة، ويكون مصدرا بمعنى الإغاثة لأنه في الأصل بمعنى الصراخ وهو صوت مخصوص وكل منهما صحيح هنا اهـ شهاب.\rقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا استثناء مفرغ من أعم العلل اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل:\rاستثناء منقطع، وقيل: على المصدر بفعل مقدر أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمة، والفاء في قوله: فلا صريخ رابطة لهذه الجملة بما قبلها، فالضمير في لهم عائد على المغرقين، وجوز ابن عطية هذا ووجها آخر وجعله أحسن منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المسافرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلا برحمة اللّه، وليس قوله: فلا صريخ لهم مربوطا بالمغرقين اهـ.\rوليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن موضوعها والكلام عن التئامه اهـ.\rقوله: (أي لا ينجيهم إلا رحمتنا الخ) في نسخة أي لا تنجيهم إلا رحمتنا بهم اهـ.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا الخ بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا يشاهدونها وعدم تأملهم فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: (كغيركم) أي: كما اتقاه غيركم وهم المؤمنون اهـ شيخنا.\rقوله: (من عذاب الآخرة) إطلاق الخلف على هذا مع أنه سيأتي فهو أمام الخلائق، لأن لفظ الخلف يطلق على كل من الضدين اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم يعني الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، وقيل: ما بين أيديكم يعني وقائع اللّه تعالى بمن كان قبلكم من الأمم، وما خلفكم يعني الآخرة اهـ.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ إما حال من الواو في اتقوا، أو علة له أي راجين أن ترحموا، أو كي ترحموا فتنجوا من ذلك لما عرفتم أن مناط النجاة ليس إلا رحمة اللّه، وجواب إذا محذوف ثقة بانفهامه من قوله: وَما تَأْتِيهِمْ الخ انفهاما بينا اهـ أبي السعود.\rوقدره الشارح بقوله: (أعرضوا.)\rقوله: مِنْ آيَةٍ من زائدة وقوله: مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ تبعيضية، وقوله: إِلَّا كانُوا الخ جملة حالية.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا الخ إشارة إلى أنهم اخلوا بجميع التكاليف، لأن جملتها ترجع إلى أمرين التعظيم لجانب اللّه والشفقة على خلق اللّه اهـ زاده.","part":6,"page":296},{"id":2255,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 297\rفقراء الصحابة لَهُمْ أَنْفِقُوا علينا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الأموال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا استهزاء بهم أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ في معتقدكم هذا إِنْ ما أَنْتُمْ في قولكم لنا ذلك قوله: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: بالصانع وهم زنادقة بمكة اهـ أبو السعود ومثله البيضاوي.\rوفي الشهاب عليه ما نصه: قوله: كَفَرُوا بالصانع يعني أنكروا وجوده وهم المعطلة المنكرون لوجود الباري، وهذا مروي عن ابن عباس، ولذا أظهر في مقام الإضمار، وقوله: بعده مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ لا ينافيه لأنه تهكم أو مبني على اعتقاد المخاطبين كما أشار إليه المصنف بقوله: (استهزاء بهم) اهـ.\rوهذاهو الذي يوافق صنيع الجلال حيث قال أولا في معتقدكم، وثانيا مع معتقدكم هذا، ثم قال البيضاوي بعد ما تقدم: وقيل: قاله مشركو قريش حيث استطعمهم فقراء المؤمنين قصدوا به أن اللّه لما كان قادرا أن يطعمهم ولم يفعل فنحن أحق بذلك فلا تخالف اهـ.\rوفي الخازن: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ أي أنرزق مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ أي:\rرزقه. وقيل: كان العاصي بن وائل السهمي إذا سأله المسكين قال له: اذهب إلى ربك فهو أولى مني بك، ويقول: قد منعه اللّه أفأطعمه أنا؟ ومعنى الآية: أنهم قالوا لو أراد اللّه أن يرزقهم لرزقهم فنحن نوافق مشيئة اللّه فيهم فلا نطعم من لم يطعمه، وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه اللّه، وهذا الذي يزعمون باطل، لأن اللّه تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا، وأعطى الدنيا الغني لا استحقاقا، وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبتلي الغني بالفقير فيما فرض له من مال الغني، ولا اعتراض لأحد في مشيئة اللّه وحكمته في خلقه، والمؤمن يوافق أمر اللّه تعالى اهـ.\rوفي القرطبي: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي: تصدقوا على الفقراء: قال الحسن:\rيعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء، وقيل: هم المشركون، قال لهم فقراء أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أعطونا من أموالكم ما زعمتم أنه للّه وذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الأنعام:\r136] فقالواهذا للّه فحرموهم، وقالوا: لو شاء اللّه أطعمكم استهزاء فلا نطعمكم حتى ترجوا إلى ديننا.\rقالوا: أنطعم أي: أنرزق. عن ابن عباس: كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالتصدق على المسكين قالوا:\rلا واللّه أيفقره اللّه ونطعمه نحن، وكانوا يسمعون من المؤمنين يعلقون أفعال اللّه بمشيئة يقولون: لو شاء لأغنى فلانا، ولو شاء اللّه لأعز، ولو شاء لكان كذا، فأخرجواهذا الجواب استهزاء بالمؤمنين. وما كانوا يقولون بتعليق الأمور بمشيئة اللّه تعالى، وقيل: قالواهذا تعلقا بقول المؤمنين لهم أنفقوا مما رزقكم اللّه أي: إذا كان رزقنا فهو قادر أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا، وكان هذا الاحتجاج باطلا، لأن اللّه عز وجل إذا ملك عبدا مالا ثم أوجب عليه حق فكأنه انتزع ذلك القدر منه فلا معنى للاعتراض، وقد صدقوا في قولهم لو شاء اللّه أطعمه، ولكن كذبوا في الاحتجاج اهـ.\rقوله: أَنُطْعِمُ لم يقل أننفق مع أنه المناسب لما قبله، إما لأنه المراد من الإنفاق أو نطعمه بمعنى نعطي، أو لأنه يدل على منع غيره بالطريق الأولى اهـ شهاب.","part":6,"page":297},{"id":2256,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 298\rمع معتقدكم هذا إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) بيّن، وللتصريح بكفرهم موقع عظيم\rوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالبعث إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) فيه، قال تعالى\rما يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة إسرافيل الأولى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) بالتشديد أصله يختصمون نقلت قوله: مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ مفعول أنطعم. وقوله: أَطْعَمَهُ جواب لو، على أحد الجائزين وهو تجرده من اللام، والأفصح أن يكون باللام نحو لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً [الواقعة: 65] اهـ سمين.\rقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ هو من كلام المشركين كما يفهم من صنيع الشارح وهذا أحد أقوال ثلاثة. وفي القرطبي: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ. قيل: هو من قول الكفار للمؤمنين أي: في سؤال المال في اتباعكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قال معناه مقاتل وغيره. وقيل: هو من قول أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لهم، وقيل: من قول اللّه تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجواب، وقيل: إن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن اللّه قادر على إطعام هؤلاء؟ قال:\rنعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر وأمر الأغنياء بالإعطاء، فقال أبو جهل: واللّه يا أبا بكر إن أنت إلا في ضلال أتزعم أن اللّه قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت فنزلت هذه الآية ونزل قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [الليل: 6] الآيتين اهـ.\rقوله: (موقع عظيم) وهو الإشارة لاختلاف نوعي الكفار، لأن المراد بهم الزنادقة المنكرون لوجود الصانع المختار، والمراد بهم فيما سبق في قوله: أَلَمْ يَرَوْا الخ كفار قريش المعترفون بوجود اللّه مع كونهم يعبدون الأصنام ليقربوهم إليه اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الخ رجوع للكلام مع الكفار من قريش المعترفين بوجود اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ينتظرون) فإن قيل: هم ما كانوا منتظرين بل كانوا جازمين بعدمها. قلنا: نعم إلا أنهم جعلوا منتظرين نظرا إلى قولهم متى تقع، لأن من قال: متى يقع الشيء الفلاني يفهم من كلامه أنه ينتظر وقوعه اهـ زاده.\rقوله: (الأولى) وهي التي تموت بها من كان موجودا على وجه الأرض اهـ شهاب.\rقوله: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ بفتح الياء مضارع خصم كعلم، وأصله اختصم فنقلت حركة التاء إلى الخاء، ثم قلبت أي: التاء صادا وأدغمت في الصاد وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء فوقع الإعلال في الماضي كما وقع في مضارعه الذي أشار له بقوله أصله يختصمون، وقوله:\r(نقلت حركة التاء) أي: بتمامها أو بعضها فتحت. هذا قراءتان فتح الخاء فتحة تامة واختلاسها أي:\rالنطق ببعض فتحها، وقوله: (و أدغمت) أي بعد قلبها صادا، وقوله: (و في قراءة) تلخص من كلامه أن القراءات هنا ثلاثة وبقي رابعة وهي فتح الياء وكسر الخاء وكسر الصاد المشددة، وعلى هذه القراءة فحركة الخاء ليست حركة نقل، وإنما هو لما حذفت حركة التاء صارت ساكنة فالتقت ساكنة مع الخاء فحركت أي الخاء بالكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، فتخلص أن القراءات أربعة وكلها","part":6,"page":298},{"id":2257,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 299\rحركة التاء إلى الخاء وأدغمت في الصاد أي وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة يخصمون كيضربون أي يخصم بعضهم بعضا\rفَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً أي أن يوصوا وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) من أسواقهم وأشغالهم بل يموتون فيها\rوَنُفِخَ فِي الصُّورِ هو قرن النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة فَإِذا هُمْ أي المقبورون مِنَ سبعية وكلها مع فتح الياء، وليس لنا قراءة سبعية بضمها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: يَخِصِّمُونَ قرأ حمزة بكسون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم، والمعنى يخصم بعضهم بعضا بالمفعول محذوف. وأبو عمرو، بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد.\rونافع، وابن كثير، وهشام كذلك إلا أنهم بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد.\rوالأصل في القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد، فنافع، وابن كثير، وهشام نقلوا فتحها إلى الساكن قبلها نقلا كاملا، وأبو عمرو، وقالون اختلسا حركتها تنبيها على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسر أولهما، فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور. وروي عن أبي عمرو، وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد والنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حدهما، وقرأ جماعة يخصمون بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعا، وقرأ أبي يختصمون على الأصل. قال الشيخ: وروي عنهما أي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم. قلت: وهذه هي قراءة حمزة ولم يحكها هو عنه وهذا يشبه قوله في البقرة يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [البقرة: 20] لا يَهْدِي [البقرة: 264] في يونس اهـ.\rقوله: (أي وهم في غفلة عنها) أشار إلى أن المراد من الاختصام لازمه وهو الغفلة هي أعم من أن تحصل به أو بغيره فلذلك قال: يتخاصم وتبايع الخ اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وقد صح من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «و لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» أخرجه البخاري وهو طرف من حديث اهـ.\rقوله: (أي يخصم بعضهم بعضا) أي: فالمفعول محذوف على هذه القراءة اهـ.\rقوله: (أي أن يوصوا) أي: على أولادهم وأموالهم اهـ.\rقوله: وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ معطوف على فلا يستطيعون. وفي أبي السعود: فلا يستطيعون توصية في شيء من أمورهم إن كانوا فيما بين أهليهم، ولا إلى أهلهم يرجعون إذا كانوا خارج أبوابهم، بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا اهـ.\rقوله: (أي المقبورون) أي: من شأنه أن يقبر فيشمل من أكلته السباع ونحوه، وقوله: مِنَ الْأَجْداثِ جمع جدث كفرس وأفراس اهـ شيخنا.\rوقرئ من الأجداف بالفاء وهي لغة في الأجداث. بقال: جدث وجدف اهـ سمين.","part":6,"page":299},{"id":2258,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 300\rالْأَجْداثِ القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) يخرجون بسرعة\rقالُوا أي الكفار منهم يا للتنبيه وَيْلَنا هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا هذا أي البعث ما أي الذين وَعَدَ به الرَّحْمنُ وَصَدَقَ فيه قوله: (يخرجون بسرعة) أي: بطرق الجبر والقهر لا بطريق الاختيار اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي يقال: نسل الذئب ينسل من باب ضرب يضرب، وقيل: ينسل بالضم أيضا وهو الإسراع في المشي اهـ.\rقوله: يا وَيْلَنا العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو ويل مضاف لما بعده، ونقل أبو البقاء عن الكوفيين أن وي كلمة برأسها. ولنا جار ومجرور اهـ.\rولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا عجب لنا، لأن وي تفسير بمعنى أعجب منا، وابن أبي ليلى يا ويلتا بتاء التأنيث، وعنه أيضا يا ويلتي بإبدال الياء ألفا وتأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي اهـ سمين.\rقوله: (و لا فعل له من لفظه) أي: بل من معناه وهو هلك اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ بَعَثَنا العامة على فتح ميم من، وبعثنا فعلا ماضيا خبرا لمن الاستفهامية قبله وابن عباس، والضحاك وغيرهما بكسر الميم على أنها حرف جر، وبعثنا مصدر مجرور بمن، فمن الأولى متعلقة بالويل، والثانية متعلقة بالبعث، والمرقد يجوز أن يكون مصدرا أي من رقادنا وأن يكون مكانا وهو مفرد أقيم مقام الجمع، والأول أحسن إذ المصدر يفرد مطلقا اهـ.\rقوله: (لأنهم كانوا بين النفختين نائمين) عن مجاهد أنهم يستريحون من العذاب قبيل النفخة الثانية ويذوقون طعم النوم اهـ.\rفعليه يكون قولهم من مرقدنا حقيقة، لأن المرقد حقيقة هو مكان النوم اهـ شيخنا.\rعبارة الخازن: فاللّه تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون، فإذا بعثوا في الثانية عاينوا أهوال القيامة دعوا بالويل، انتهت.\rقوله: ما وَعَدَ الرَّحْمنُ أي: وعدنا به. وقوله: وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ أي: صدقونا فيه فالمفعول من كل محذوف، ولم يقدره الشارح. وقوله: (أقروا الخ) أشار به إلى أن هذه الجملة من كلامهم، فيكون هذا مبتدأ أو الموصول مع صلته خبره، والجملة في محل نصب لتسلط قوله قالوا عليها أي: قالوا السؤال، وجوابه: فلما سألوا فلن يجابوا أجابوا من تلقاء أنفسهم، فعلى هذا يكون الوقف على مرقدنا تاما. وقوله: (و قيل يقال لهم ذلك) أي: من جانب المؤمنين أو الملائكة أو اللّه أقوال ثلاثة. وعلى كل فهذا مبتدأ وما بعد خبره، وبعضهم أعرب هذا نعتا لمرقدنا أو بدلا منه اهـ شيخنا.\rوعلى هذا فما وعد الرحمن منقطع عما قبله فهو مستأنف، وما اسم موصول مبتدأ، والخبر مقدر","part":6,"page":300},{"id":2259,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 301\rالْمُرْسَلُونَ (52) أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقيل يقال لهم ذلك\rإِنْ ما كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا عندنا مُحْضَرُونَ (53)\rفَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)\rإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ بسكون الغين وضمها عما فيه أهل أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق ووجب عليكم، ويحتمل أن ما خبر مبتدأ مضمر أي:\rهذا وعد الرحمن أو الذي وعده الرحمن اهـ من السمين.\rقوله: (أقروا حين لا ينفعهم الخ) فعلى هذاهذه الجملة من كلامهم أجابوا أنفسهم، وقوله:\r(و قيل يقال لهم ذلك) أي من قبل الملائكة أو المؤمنين فيجيبوهم عن سؤالهم، وعدلوا عن سننه لأنه سؤال عمن يبعثهم إشارة إلى أن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث، فيكون هذا من أسلوب الحكيم أشار إليه البيضاوي اهـ.\rقوله: إِنْ كانَتْ أي: النفخة التي حكيت عنهم آنفا وهي الثانية اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: إن كانت إلا صيحة واحدة يعني أن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهو قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتقطعة، والعظام المتفرقة، والشعور المتمزقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، وهذا معنى قوله تعالى: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: 42] وقوله: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر: 8] على ما يأتي اهـ.\rقوله: فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ فإذاهم جميع مبتدأ وخبر، وجميع نكرة، ومحضرون:\rصفته، والمعنى: محضرون مجمعون، احضروا موقف الحساب وهو قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [النحل: 77] قرطبي.\rقوله: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً هذا حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقا للحق وتقريعا لهم، وقوله: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الخ من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لندامتهم وحسرتهم، فإن الأخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة. وفي هذه الحكاية زجر لهؤلاء الكفار عما هم عليه، ودعاء إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين والتعبير عن حالهم بهذه الجملة الاسمية قبل تحققها لتنزيل المترقب الوقوع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة وقوعها اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي شُغُلٍ الشغل: هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه لكونه أهم عنده من الكل، إما لإيجابه كمال المسرة والبهجة، أو كمال المساءة والغم، والمراد هنا هو الأول وما فيه من التنكير والإبهام للإيذان بارتفاعه عن رتبة البيان، والمراد به ما هم فيه من فنون الملاذ التي تلهيهم عما عداها بالكلية، وإما أن المراد به افتضاض الأبكار أو السماع أو ضرب الأوتار أو التزاور أو ضيافة اللّه تعالى، أو شغلهم عما فيه أهل النار على الإطلاق، أو شغلهم عن أهاليهم في النار لا يهمهم أمرهم ولا يبالون بهم كي لا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم، كما روى كل واحد منها عن واحد من أكابر السلف، فليس مرادهم بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط، بل بيانه أنه من جملة إشغالهم وتخصيص كل منهم كلّا من تلك الأمور بالذكر محمول على اقتضاء مقام البيان إياه اهـ أبو السعود.","part":6,"page":301},{"id":2260,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 302\rالنار مما يتلذذون به، فافتضاض الأبكار، لا شغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نصب فيها فاكِهُونَ (55) ناعمون خبر ثان لإن، والأول في شغل\rهُمْ مبتدأ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ جمع ظلة أو ظل خبر، أي لا تصيبهم الشمس عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة وهو السرير في الحجلة أو الفرش فيها مُتَّكِؤُنَ (56) خبر ثان متعلق على\rلَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ فيها ما يَدَّعُونَ (57) يتمنون قوله: (بسكون العين وضمها) سبعيتان. قوله: (ناعمون) أي: متلذذون في النعمة من الفكاهة اهـ بيضاوي.\rوقوله: (من الفكاهة) بالضم وهي التمتع والتلذذ مأخوذ من الفكاهة اهـ شهاب.\rوضبطها زاده بفتح الفاء وفسرها بطيب العيش والنشاط. قال الجوهري: الفكاهة بالضم المزاح والفكاهة بالفتح مصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب العيش فرحانا ذا نشاط من التنعم، فلما فسر الفاكه بالمتلذذ المتنعم وجب أن يكون قوله: (من الفكاهة) بفتح الفاء اهـ.\rقوله: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ الخ استئناف مسوق لبيان كيفية شغلهم وتفكههم وتكميلها بما يزيدهم بهجة وسرورا من شركة أزواجهم لهم فيما هم فيه من الشغل والفكاهة اهـ أبو السعود.\rقوله: (جمع ظلة) كقباب جمع قبة وزنا ومعنى، وقوله: (أو ظل) كشعاب جمع شعب وقوله:\r(أي لا تصيبهم الشمس) أي: لعدمها بالكلية اهـ شيخنا.\rقوله: (في الحجلة) بفتحتين. وقيل: بسكون الجيم مع ضم الحاء وقيل: مع كسرها. والمراد بها نحو قبة تعلق على السرير وتزين به العروس اهـ مناوي على الشمائل.\rوقوله: أو الفرش بالرفع عطفا على السرير. يعني: أن الأريكة فيها قولان، قيل: السرير الكائن في الحجلة وقيل: الفرش الكائن في الحجلة. قوله: (متعلق على) أي: على الأرائك متعلق بمتكئون اهـ.\rقوله: لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ الخ بيان لما يتنعمون به في الجنة من المآكل والمشارب ويتلذذون به من الملاذ الجسمانية والروحانية بعد بيان ما لهم فيها من مجالس الأنس ومحافل القدس تكميلا لبيان ما هم فيه من الشغل والبهجة أي: ولهم فيها فاكهة كثيرة من كل نوع من أنواع الفواكه، وقوله: لَهُمْ ما يَدَّعُونَ. لهم: خبر مقدم. وما يدعون: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة السابقة اهـ أبو السعود.\rوأصل يدعون يدتعيون على وزن يفتعلون استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين، فصار يدتعون، ثم أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال فصار يدعون اهـ زاده.\rوفي ما هذه ثلاث أوجه: موصولة اسمية نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف مصدرية، ويدعون مضارع ادعى بوزن افتعل من دعا يدعو واشرب معنى التمني. قال أبو عبيدة: العرب تقول ادع على ما شئت. أي: تمن، وفلان في خير ما يدعى أن يتمنى. وقال الزجاج: هو من الدعاء أي: ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت غلامي، وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي: ما يتداعونه، وفي خبرها","part":6,"page":302},{"id":2261,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 303\rسَلامٌ مبتدأ قَوْلًا أي بالقول خبره مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) بهم أي يقول لهم سلام عليكم\rوَيقول امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أي انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم\r* أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أمركم يا بَنِي آدَمَ على لسان رسلي أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ لا تطيعوه إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه الجار قبلها. والثاني: أنه سلام أي: مسلم خالص أو ذو سلامة اهـ سمين.\rقوله: (أي بالقول) جعله منصوبا بنزع الخافض وانفرد به، وغيره جعله منصوبا بفعل هو صفة السّلام. وعبارة السمين: قوله: (سلام) العامة على رفعه وفيه أوجه، أحدها: أنه خبر ما يدعون.\rالثاني: أنه بدل من ما قاله الزمخشري. قال الشيخ: وإذا كان بدلا كان ما يدعون خصوصا، والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه، وإذا كان عموما لم يكن بدلا منه. الثالث: أنه صفة لما، وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة، أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخالفهما تعريفا وتنكيرا. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لقولا أي سلام يقال لهم قولا، وقيل: تقديره سلام عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره من رب، وقولا مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر اهـ.\rقوله: (أي يقول لهم سلام الخ) أشار به إلى أن الجملة معمولة لمحذوف، وقوله: وَامْتازُوا الخ معمول لقول محذوف أيضا كما قدره بقوله: ويقول امتازوا الخ. فلما ذكر ما يقال المؤمنين في قوله: (سلام الخ) ذكر ما يقال للكافرين فقال وامتازوا الخ. ولما امتثلوا ما أمروا به قال لهم على جهة التقريع والتوبيخ ألم أعهد إليكم الخ اهـ من النهر.\rوفي الخازن: روى البغوي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بينما أهل الجنة في نعيم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم السّلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقي نوره وبركته عليهم في ديارهم» اهـ.\rقوله: (عند اختلاطهم بهم) أي: حين يسار بهم إلى الجنة اهـ بيضاوي.\rقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ الخ من جملة ما يقال لهم بطريق التقريع والتبكيت والإلزام، والعهد الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنفعة، والمراد ههنا ما كلفهم اللّه به على ألسنة الرسل من الأوامر والنواهي، والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يزينه عبّر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادة اللّه عز وجل اهـ أبو السعود.\rقوله: (آمركم) أي: وأنهاكم ففيه اكتفاء أو أنه استعمل الأمر في التكليف الشامل للأمر والنهي، وذلك لأنه بين العهد بشيئين النهي عن طاعة الشيطان والأمر بعبادة الرحمن. اهـ.\rوفي البيضاوي: وعهد إليكم ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره اهـ.","part":6,"page":303},{"id":2262,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 304\rمُبِينٌ (60) بيّن العداوة\rوَأَنِ اعْبُدُونِي وحدوني وأطيعوني هذا صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (61)\rوَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا خلقا جمع جبيل كقديم، وفي قراءة بضم الباء كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) عداوته وإضلاله، أو ما حل بهم من العذاب فتؤمنون، ويقال لهم في الآخرة\rهذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) بها\rاصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)\rالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى وقيل: المراد بالعهد هو السابق في عالم الذر بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف:\r172] ولذا قال يا بَنِي آدَمَ اهـ شهاب.\rقوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ أن مفسرة لأنه تقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه ولا ناهية والفعل مجزوم بها اهـ شيخنا.\rوقوله: وَأَنِ اعْبُدُونِي عطف على أن لا تعبدوا بناء على أن أن فيها مفسرة للعهد الذي هو معنى القول بالنهي والأمر. أو مصدرية حذف منها الجار أي: ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي عبادتي وفي تقديم النهي على الأمر، لما أن حق التخلية التقديم على التحلية كما في كلمة التوحيد وليتصل به قوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فإنه إشارة إلى عبادته التي هي عبارة عن التوحيد والإسلام اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل لوجوب الانتهاء.\rقوله: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ الخ جواب قسم محذوف والجملة استئناف مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع اهـ أبو السعود.\rأو هي في المعنى تعليل للعلة قبلها وهي قوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ اهـ شيخنا.\rقوله: جِبِلًّا بضم الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام، وقوله: (خلقا) أي طائفة من الخلق أقلها عشرة الآف والكثير لا يحصيه إلا اللّه تعالى، وقوله: (و في قراءة) بضم الباء أي وضم الجيم وتخفيف اللام، وهاتان القراءتان سبعيتان، وبقي ثالثة كذلك وهي جبلّا بكسر الجيم والباء وتشديد اللام كسجل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: جِبِلًّا قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو، وابن عامر بضمة وسكون، والباقون بضمتين واللام مخففة كلتيهما، وابن أبي إسحاق والزهري، وابن هرمز بضمتين وتشديد اللام، والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام، والأشهب، والعقيلي واليماني، وحماد بن سلمة بكسرة وسكون. وهذه لغات في هذه اللفظة، وقرئ جبلا بكسر الجيم وفتح الباء، وقرأ أمير المؤمنين علي جيلا بالياء المثناة من أسفل وهي واضحة اهـ.\rقوله: (أو ما حل بهم من العذاب) عبارة الخازن: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أي: ما بلغكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس، انتهت.\rقوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الخ استئناف خوطبوا به بعد تمام التوبيخ والتقريع عند إشرافهم على شفير جهنم، وقوله: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ الخ أمر تبكيت وإهانة اهـ أبو السعود.","part":6,"page":304},{"id":2263,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 305\rأَفْواهِهِمْ أي الكفار لقولهم: واللّه ربنا ما كنا مشركين وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ وغيرها بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65) فكل عضو ينطق بما صدر منه\rوَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ لأعميناهم قوله: اصْلَوْهَا أي: ذوقوا حرها، وقوله: بما كنتم تكفرون، أي: بسبب كفركم.\rقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي: ختما يمنعها عن الكلام، والمراد به إسكاتهم عنه، وهذا مرتبط بقوله: اصلوها اليوم الخ. روي أنه حين يقال لهم ذلك يجحدون ما صدر عنهم في الدنيا فيخاصمون، فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون أنهم ما كانوا مشركين ويقولون: لا نجيز علينا شاهدا إلا من أنفسنا فيختم على أفواههم، ويقال لأركانهم: انطقي فتنطق بما صدر منها اهـ أبو السعود.\rفإن قلت: ما الحكمة في جعل نطق اليد كلاما، ونطق الرجل شهادة؟ قلت: الحكمة هي أن اليد مباشرة والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة بما رأى، وقول الفاعل إقرار على نفسه بما فعل اهـ من الخازن.\rوفي الكرخي: قال الإمام: أسند اللّه تعالى فعل الختم إلى نفسه وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا أو قهرا والإقرار مع الإجبار غير مقبول فقال: تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ أي: باختيارها بعد إقدار اللّه تعالى لها على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم اهـ.\rقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا الخ مفعول المشيئة محذوف أي: لو نشاء طمسها لفعلنا، وقوله:\rفَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي أرادوا أن يستبقوه، وقوله: (الطريق) أي: المحسوس، وقوله: (ذاهبين) أي:\rإلى حاجاتهم كالسفر، والمراد أن في قدرتنا إزالة نعمة البصر عنهم، فيصيروا عميا لا يقدرون على التردد في الطريق لمصالحهم، ولكن أبقينا عليهم نعمة البصر فضلا وكرما، فحقهم أن يشكروا عليها ولا يكفروا، فهذا توبيخ لهم أي توبيخ اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ لمسحنا أعينهم حتى تصير ممسوحة اهـ.\rوقوله: (لمسحنا) بالحاء المهملة أي: أذهبنا أحداقهم وأبصارهم حتى لو أرادوا سلوك الطريق الواضح المألوف لهم لا يقدرون عليه اهـ شهاب.\rوفي المصباح: طمست الشيء طمسا من باب ضرب محوته اهـ.\rوفي القرطبي: وقد روي عن عبد اللّه بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة وقال: إذا كان يوم القيامة ومدّ الصراط ينادي مناد ليقم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته، فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس اللّه أعين فجارهم فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ينادي مناد ليقم عيسى عليه السّلام وأمته فيقوم ويتبعونه برهم وفاجرهم فيكون مثلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء ذكره النحاس، وقد ذكرناه في التذكرة اهـ.","part":6,"page":305},{"id":2264,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 306\rطمسا فَاسْتَبَقُوا ابتدروا الصِّراطَ الطريق ذاهبين كعادتهم فَأَنَّى فكيف يُبْصِرُونَ (66) حينئذ أي لا يبصرون\rوَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ قردة وخنازير أو حجارة عَلى مَكانَتِهِمْ وفي قراءة مكاناتهم جمع مكانة بمعنى مكان، أي في منازلهم فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (67) أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء\rوَمَنْ نُعَمِّرْهُ بإطالة أجله نُنَكِّسْهُ وفي قراءة بالتشديد من التنكيس فِي الْخَلْقِ أي خلقه فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفا وهرما أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) أن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وفي قراءة بالتاء قوله: فَاسْتَبَقُوا عطف على لطمسنا وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وقرأ عيسى فاستبقوا أمرا وهو على إضمار القول أي: فيقال لهم استبقوا. والصراط: ظرف مكان مختص عند الجمهور، فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول به مجازا جعله مسبوقا لا مسبوقا إليه، وتضمن استبقوا معنى بادروا، وما على حذف الجار أي إلى الصراط اهـ سمين.\rقوله: لَمَسَخْناهُمْ أي: بتغيير صورهم وإبطال قواهم، وقوله: عَلى مَكانَتِهِمْ أي:\rلمسخناهم مسخا يحل بهم في منازلهم لا يقدرون أن يفروا منه بإقبال ولا بإدبار، وذلك قوله: فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ أي: ولا رجوعا فوضع موضعه الفعل لمراعاة الفاصلة، والمعنى لو نشاء عقوبتهم بما ذكر من الطمس والمسخ جريا على موجب جناياتهم المستدعية لها لفعلنا، ولكنا لم نشأها جريا على سنن الرحمة والحكمة الداعيتين إلى إمهالهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية، وقوله: (أي في منازلهم) أي: فعلى بمعنى في قوله: (و لا مجيء) أشار به إلى أن ولا يرجعون معطوف على مضيا.\rقوله: نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أي: نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره، وقرأ عاصم، وحمزة: ننكسه من التنكيس وهو أبلغ والنكس أشهر اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: ننكسه قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نكسه مبالغة، والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نكسه وهي محتملة للمبالغة وعدمها اهـ.\rوفي المصباح: نكسته نكسا من باب قتل قلبته، ومنه قيل: ولد منكوس إذا خرج رجلاه قبل رأسه، لأنه مقلوب مخالف للعادة، ونكس المريض نكسا بالبناء للمفعول عاوده المرض كأنه قلب إلى المرض اهـ.\rقوله: (أي خلقه) أي: خلق جسده وقواه الباطنية، فكل منهما ينقلب حاله فيرجع من القوة إلى الضعف الذي هو بدؤه قوله: (ضعيفا) مقابل لقوله: (قوته). وقوله: (و هرما) مقابل لقوله: (و شبابه)، وهذا في أغلب الناس وفي غير الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، أما هم فلا يهرمون ولا يضعفون بطول العمر، ولم يحك عن نبي من الأنبياء من عاش منهم ألفا ومن عاش منهم من دون ذلك أنه نقص شيء من قواه اهـ خطيب.\rقوله: (أن القادر على ذلك) أي: على تنكيس من طال عمر، وقوله: (على البعث) أي وعلى","part":6,"page":306},{"id":2265,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 307\rوَما عَلَّمْناهُ أي النبي الشِّعْرَ ردّ لقولهم أن ما أتى به من القرآن شعر وَما يَنْبَغِي يسهل طمس الأعين ومسخ الذوات اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية. وعبارة السمين: وقد تقدم في الأنعام أن نافعا وابن ذكون قرأ تعقلون بالخطاب، والباقون بالغيبة، انتهت.\rقوله: (رد لقوهم الخ) فالمعنى ليس القرآن بشعر، لأن الشعر كلام متكلف موضوع ومقال مزخرف مصنوع منسوج على منوال الوزن، والقافية مبني على خيالات وأوهام واهية، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزه عن مماثلة كلام البشر المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما يَنْبَغِي لَهُ أي: لا يصح منه ولا يتأتى له. أي: جعلناه بحيث لو أراد إنشاء لم يقدر عليه، أو أراد إنشاده لم يقدر عليه أيضا بالطبع والسجية، فعدم قدرته على الانشاء ظاهر مقرر في النفوس، وعدم قدرته على الانشاد لما روي عن عائشة أنه قيل لها كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه ولم يتمثل إلا ببيت ابن رواحة:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالاخبار من لم تزود\r\rفجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالاخبار، فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول اللّه. فقال: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي. وقال العلماء: ما كان يتزن له بيت شعر، وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه مكسرا اهـ من البيضاوي والخازن.\rوكتب الشهاب: قوله: أي ما يصح منه ولا يتأتى له الخ. المراد كما قال ابن الحاجب: لا يستقيم عقلا كقوله: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: 92] لأنه لو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عقلا في أن ما جاء به من عند نفسه، ولذا قال: ويحق القول الخ. لأنه لم يبق إلا العناد الموجب للهلاك فظهر ارتباطه بما قبله وما بعده اهـ.\rوفي القرطبي ما نصه: وإصابة الوزن منه صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأحيان لا توجب أنه يعلم الشعر كقوله:\rأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\rوالمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر أن التمثيل بالبيت لا يوجب أن يكون قائله عالما بالشعر ولا أن يسمى شاعرا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطا على سبيل الاتفاق لا يكون خياطا. قال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أي: ما علمناه أن يشعر. أي: ما جعلناه شاعرا وهذا لا ينافي أن ينشىء شيئا من الشعر من غير قصد كونه شعرا. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل هذا، وقد قيل: إنما أخبر اللّه عز وجل أنه ما علمه الشعر ولم يخبر أنه لا ينشىء الشعر، وقد قالوا: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشاعر، وإنما وافق الشعر فما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه اهـ.","part":6,"page":307},{"id":2266,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 308\rلَهُ الشعر إِنْ هُوَ ليس الذي أتى به إِلَّا ذِكْرٌ عظة وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) مظهر للأحكام وغيرها\rلِيُنْذِرَ بالياء والتاء به مَنْ كانَ حَيًّا يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون وَيَحِقَّ الْقَوْلُ بالعذاب عَلَى الْكافِرِينَ (70) وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به\rأَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا، والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ في جملة الناس مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أي عملناه بلا شريك ولا معين أَنْعاماً هي الإبل والبقر والغنم فَهُمْ لَها قوله: لِيُنْذِرَ متعلق بمحذوف يدل عليه قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ. أي: أنزل عليه لينذر اهـ زاده.\rقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان اهـ.\rقوله: مَنْ كانَ حَيًّا تخصيص الإنذار به لأنه المنتفع به، وقوله: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ الخ إيرادهم في مقابلة من كان حيا فيه إشعار بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة التي هي المعرفة أموات في الحقيقة اهـ أبو السعود.\rكما أشار له الشارح بقوله: (و هم كالميتين) اهـ.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) أي: بمدخول النفي، وقوله: (الداخلة عليها) الضمير في عليها يحتمل عوده على مدخول الواو وهو جملة النفي، ويحتمل عوده على الهمزة المفهومة من قوله:\r(و الاستفهام) ودخول الواو عليها بحسب الأصل، فإن أصل التركيب وألم يروا، لكن لما كان الاستفهام له الصدارة قدمت الهمزة على الواو، وقوله: (للعطف) قال بعضهم أي على أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [يس: 31] وهذا هو المناسب لصنيع الشارح حيث جعل الواو مؤخرة من تقديم، وبعضهم جعل المعطوف عليه مقدرا تقديره: ألم يتفكروا أو ألم يلاحظوا ولم يروا الخ. فتكون الواو عاطفة على هذا المقدر، فعلى هذا تكون الهمزة في محلها، وقد عرفت أنه لا يناسب صنيع الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ أي: لأجلهم وانتفاعهم، وقوله: (في جملة الناس) حال من الهاء من لهم أي: حال كونهم في جملة الناس فليست هذه النعم مقصورة عليهم، وقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا الخ. أتى به بعد قوله: خَلَقْنا للإشارة إلى حصر الخلق لهذه النعم فيه تعالى واستقلاله به كما أشار له بقوله: (بلا شريك ولا معين) فهو كناية على الحصر فهو كقول القائل: عملت هذا بيدي إذا انفردت به ولم يشاركك فيه أحد فهو كناية عرفية، وقوله: أَنْعاماً خلقنا وخصها بالذكر لأن منافعها أكثر من غيرها اهـ شيخنا.\rقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا الظاهر أنه استعارة تمثيلية، فالمعنى المراد منه مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، ويجوز أن يكون من المجاز المتفرع على الكناية بأن يكنى عن الإيجاد بعمل الأيدي فيمن له ذلك، ثم بعد الشيوع يستعمل لغيره، وأما التجوز في الأيدي وحدها فلا وجه اهـ شهاب.","part":6,"page":308},{"id":2267,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 309\rمالِكُونَ (71) ضابطون\rوَذَلَّلْناها سخرناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ مركوبهم وَمِنْها يَأْكُلُونَ (72)\rوَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ كأصوافها وأوبارها وأشعارها وَمَشارِبُ من لبنها جمع مشرب بمعنى شرب أو موضعه أَفَلا يَشْكُرُونَ (73) المنعم عليهم بها فيؤمنون، أي ما فعلوا ذلك\rوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره آلِهَةً أصناما يعبدونها لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) يمنعون من عذاب اللّه تعالى بشفاعة آلهتهم بزعمهم\rلا يَسْتَطِيعُونَ أي آلهتهم، نزلوا منزلة العقلاء نَصْرَهُمْ وَهُمْ أي آلهتهم من قوله: فَهُمْ لَها مالِكُونَ أي: ملكا شرعيا بحيث يتصرفون فيها بسائر وجوه التصرفات، أو المراد بملكها ضبطها أي: قهرها والاستيلاء عليها، والأول أظهر ليكون قوله: وذللناها لهم تأسيسا لنعمة على حيالها لا تتمة لما قبلها اهـ أبو السعود بالمعنى.\rفتعلم من هذا أن الشارح جرى على الوجه الثاني الذي يلزم عليه التأكيد هذا، ويفهم من حواشيه أن ضبطها ممكن أن يفسر بالضبط الحسي أي: قهرها اللازم لتذليلها، وأن يفسر بالضبط الشرعي وهو الاستيلاء عليها شرعا اللازم لملكها، فعلى هذا يمكن أن ينزل صنيعه على ما رضيه أبو السعود.\rقوله: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ الخ الفاء فيه لتفريع أحكام التذليل عليه وتفصيلها أي: فبعض منها مركوبهم أي معظم منافعه الركوب وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمة الركوب. ومنها يأكلون أي:\rوبعض منها يأكلون لحمه ولهم فيها أي: في الأنعام بقسميها اهـ أبو السعود.\rوإنما غير الأسلوب في قوله: وَمِنْها يَأْكُلُونَ لأن الأكل يعم الأنعام كلها بخلاف الركوب فهو خاص بالإبل منها اهـ شهاب.\rقوله: (كأصوافها الخ) وكجلودها ونسلها والحرث عليها اهـ شيخنا.\rقوله: (جمع مشرب) بالفتح مصدر أو مكان اهـ سمين.\rوقوله: (أو موضعه) الظاهر أن المراد به ضروعها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي ما فعلوا ذلك) أي: الشكر، وأشار بهذا إلى أن الاستفهام انكاري، وإلى أن قوله:\rوَاتَّخَذُوا الخ معطوف على مقدر هو هذا اهـ.\rقوله: (يعبدونها) تفسير لاتخذوا، وقوله: لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ حال أي حال كونهم راجين النصرة منهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بزعمهم) متعلق بشفاعة.\rقوله: (لا يستطيعون الخ) استئناف مسوق لبيان بطلان رأيهم وخيبة رجائهم وانعكاس تدبيرهم أي: لا تقدر آلهتهم على نصرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (نزلوا منزلة العقلاء) أي: فعبر عنهم بصيغة جمع الذكور اهـ.\rقوله: وَهُمْ مبتدأ، وجند: خبر أول، ولهم متعلق بجند ومحضرون: خبر ثان أو نعت لجند اهـ شيخنا.","part":6,"page":309},{"id":2268,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 310\rالأصنام لَهُمْ جُنْدٌ بزعمهم نصرهم مُحْضَرُونَ (75) في النار معهم\rفَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ لك لست مرسلا وغير ذلك إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) من ذلك وغيره فنجازيهم عليه\rأَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ يعلم وهو العاصي بن وائل أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ منيّ إلى أن صيرناه شديدا قويا فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ شديد الخصومة لنا مُبِينٌ (77) بينها في نفي البعث\rوَضَرَبَ لَنا مَثَلًا في ذلك وأعاد الشارح الضمير على الأصنام وهو أحد وجهين، والآخر أنه عائد على الكفار العابدين لها.\rوفي القرطبي: وهم بمعنى الكفار لهم أي للآلهة جند محضرون. قال الحسن: يمنعون عنهم، وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا، وقيل: المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وهذه الأقوال الثلاثة متقارية المعنى، وقيل: وهم أي الآلهة جند لهم أي للعابدين محضرون معهم في النار فلا يدفع بعضهم عن بعض، وقيل: معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند اللّه عليهم في جهنم لأنهم يلعنوهم في جهنم ويتبرؤون من عبادتهم اهـ.\rقوله: مُحْضَرُونَ (في النار) أي: ليعذبوا بهم على حد قوله: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [البقرة: 24 والتحريم: 6] اهـ شيخنا.\rقوله: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ الخ الفاء لترتيب النهي على ما قبله، فلا بد أن يكون عبارة عن خسرانهم وحرمانهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة وانعكاس الأمر عليهم بترتيب الشر على ما رتبوه لرجاء الخير، فإن ذلك مما يهون الخطب ويورث السلوة والنهي، وإن توجه بحسب الظاهر إلى قولهم، لكنه في الحقيقة متوجه إلى رسول اللّه ونهي له عن التأثر به بطريق الكناية على أبلغ وجه وأوكده اهـ أبو السعود.\rوهذا مرتبط بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ على ما فسّر به الشارح من قوله: قَوْلُهُمْ (لك لست مرسلا) اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا نَعْلَمُ الخ تعليل للنهي قبله اهـ أبو السعود.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ أي: نطفة قذرة خسيسة، فإذا هو خصيم مبين أي:\rجدل بالباطل بين الخصومة، والمعنى العجب من جهل هذا المخاصم مع مهانة أصله لأنه يتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز لمجادلته في إنكاره البعث، فكيف لا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة ويترك الخصومة. نزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في إنكار البعث وأتاه بعظم قد رمّ وبلي ففتته بيده وقال: أترى يحيي اللّه هذا بعد ما رم؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «نعم ويبعثك ويدخلك النار»، فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات اهـ خازن.\rقوله: (و هو العاصي بن وائل) لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب اهـ كرخي.\rقوله: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ عطف جملة النفي داخل معها في حيز الإنكار والتعجب كأنه قيل:\rأولم ير الإنسان أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، ففاجأ خلقه خصومته لنا في أمر يشهد بصحته وتحققه مبتدأ فطرته شهادة بينة اهـ أبو السعود.","part":6,"page":310},{"id":2269,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 311\rوَنَسِيَ خَلْقَهُ من المنيّ وهو أغرب من مثله قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) أي بالية، ولم يقل بالتاء لأنه اسم لا صفة، وروي أنه أخذ عظما رميما ففتته وقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أترى يحيي اللّه وهذا الأسلوب في العطف هو ما أشار له الشارح بقوله: (إلى أن صيرناه شديدا قويا) اهـ.\rقوله: (في نفي البعث) متعلق بخصيم.\rقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أي أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر هي في الغرابة والبعد عن العقول كالمثل، وهي إنكار إحيائنا العظام، أو قصة عجيبة في زعمه واستبعدها وعدها من قبيل المثل وأنكرها أشد الإنكار وهي إحياؤنا إياها أو جعل لنا مثلا ونظيرا من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم ونفي الكل على العموم. فالمثل على الأول هو إنكار إحيائه للعظام، فإنه أمر عجيب في نفس الأمر حفيق لغرابته وبعده من العقول بأن يعد مثلا ضرورة جزم العقول ببطلان الإنكار ووقوع المنكر لكونه كالإنشاء، بل هو أهون منه في قياس العقل. وعلى الثاني هو إحياؤه تعالى لها، فإنه أمر عجيب في زعمه قد استبعده وعده من قبيل المثل وأنكره أشد الإنكار مع أنه من نفس الأمر أقرب شيء من الوقوع لما سبق من كونه مثل الإنشاء أو أهون منه. وأما على الثالث فلا فرق بين أن يكون المثل هو الإنكار أو المنكر اهـ أبو السعود.\rقوله: (في ذلك) أي: في نفي البعث اهـ.\rقوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ أي: ذهل عنه وترك ذكره على طريقة اللدد والمكابرة اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: وَنَسِيَ خَلْقَهُ. أي: خلقنا إياه على الوجه المذكور الدال على بطلان ما ضربه من المثل، وهذا عطف على ضرب داخل في حيز الإنكار والتعجب أو حال من فاعله بتقدير قد أو بدونه اهـ.\rقوله: خَلْقَهُ مصدر مضاف لمفعوله أي: خلق اللّه إياه من المني، وقوله: (و هو أغرب)، أي خلقه من المني أغرب من مثله الذي ذكره بقوله: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (و هو أغرب من مثله) أي حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه، وهو النطفة المذكورة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله حيث صار ينكر قدرة اللّه تعالى ويقول: من يحيي العظام بعد ما رمت، مع علمه أن منشأه من تراب، وسماه مثلا وإن لم يكن مثلا لما اشتمل عليه من الأمر العجيب وهو إنكار الإنسان قدرة اللّه تعالى على إحياء الموتى مع شهادة العقل والنقل على ذلك اهـ.\rقوله: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ الخ بيان لضرب المثل فهو على حد. فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم الخ شيخنا.\rقوله: وَهِيَ رَمِيمٌ في المختار: رمّ بالفتح يرم بالكسر إذا بلي وبابه ضرب اهـ.\rقوله: (و لم يقل بالتاء الخ) إشارة لسؤال حاصله أن فعيلا في الآية بمعنى فاعل وقد تقرر أن فعيلا بمعنى فاعل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث بالتاء، فينبغي أن يقال رميمة، وقوله: (لأنه اسم لا صفة)","part":6,"page":311},{"id":2270,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 312\rهذا بعد ما بلي ورمّ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «و يدخلك النار»\rقُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ مخلوق عَلِيمٌ (79) مجملا ومفصلا، قبل خلقه وبعد خلقه\rالَّذِي جَعَلَ لَكُمْ في جملة الناس مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) جواب عنه، وإيضاحه أن فعيلا بمعنى فاعل لا تلحق التاء في مؤنثه إلا إذا بقيت وصفيته، وما هنا انسلخ عنها وغلبت عليه الاسمية أي صار بالغلبة اسما لما بلي من العظام أفاده زاده اهـ شيخنا.\rقوله: (ففتته) أي: كسره، وقوله: (أترى) أي أتعتقد اهـ.\rقوله: (فقال صلّى اللّه عليه وسلّم نعم ويدخلك النار) قالوا: إن هذا الجواب من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب أو السائل بغير ما يتطلب. فقوله عليه الصلاة والسّلام نعم وهو الجواب الكافي في دفع سؤاله وزاده صلّى اللّه عليه وسلّم جوابا بقوله: (و يدخلك النار)، مع أنه لم يسأل عن هذا، وإنما ذكره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له في الجواب، لأن سؤاله إنما كان سؤال متعنت منكر لا سؤال مسترشد طالب للحق اهـ كرخي.\rقوله: يُحْيِيهَا الخ أي: قل له على سبيل تبكيته وتذكيره بما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال اهـ أبو السعود.\rقوله: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي: يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها، فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتنة المتبددة أصولها وفصولها ومواقعها وطريق تمييزها وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق، وإعادة الأعراض والقوى التي كانت فيها أو احداث مثلها اهـ بيضاوي.\rقوله: (مجملا) معمول لعليم أي يعلمه مجملا ومفصلا أفاده الكرخي.\rقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الخ بدل من الموصول الأول، وعدم الاكتفاء بعطف صلته للتأكيد ولتفاوتهما في كيفية الدلالة اهـ أبو السعود.\rقوله: (المرخ) بفتح الميم وسكون الراء وبالخاء المعجمة شجر سريع الوري أي القدح.\rوالعفار: بفتح العين المهملة وبالفاء والباء بعد الألف، فيجعل العفار كالزند يضرب به على المرخ.\rقال الجوهري: لكن عكس الزمخشري ذلك اهـ زكريا على البيضاوي.\rوعبارة الخازن: فمن أراد النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتخرج منهما النار بإذن اللّه انتهت.\rوهذا قول ابن عباس. وقوله: (أو كل شجر) هذا قول الحكماء يقولون: في كل شجر نار إلا العناب اهـ من الخازن أيضا.\rقوله: (إلا العناب) قالوا: ولذلك تتخذ منه مطارق القصارين اهـ كرخي.\rقوله: فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي: فمن قدر على أحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها اهـ أبو السعود.","part":6,"page":312},{"id":2271,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 313\rتقدحون، وهذا دال على القدرة على البعث، فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب\rأَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مع عظمهما بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي الأناسي في الصغر؟ بَلى أي هو القادر على ذلك، أجاب نفسه وَهُوَ الْخَلَّاقُ الكثير الخلق الْعَلِيمُ (81) بكل شيء\rإِنَّما أَمْرُهُ شأنه إِذا أَرادَ شَيْئاً أي خلق شيء أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) أي فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفا على يقول\rفَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ ملك، زيدت الواو والتاء للمبالغة أي القدرة على كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) تردون في الآخرة.\rقوله: (و الخشب) بفتحتين أو بضمتين أو بضم فسكون اهـ مختار.\rقوله: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ الخ استئناف مسوق من جهته تعالى لتحقيق مضمون الجواب الذي أمر عليه السّلام بأن يخاطبهم به، والهمزة للانكار والنفي، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: الذي أنشأها أول مرة وليس الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، وليس الذي خلق السموات والأرض بقادر الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي الأناسي) جمع إنسان اهـ كرخي.\rوهو تفسير للمضاف إليه أي: مثل هؤلاء الأناسي الذين ماتوا، والمرادهم وأمثالهم على سبيل التقديم والتأخير، والمراد هم على طريق الكناية في نحو مثلك يفعل كذا أفاده الشهاب.\rقوله: بَلى جواب من جهته وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكاري من تقدير ما بعد النفي وإيذان بتعين الجواب نطقوا به أو تلعثموا فيه، وقوله: وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ عطف على ما يفيده الإيجاب أي: بلى هو قادر على ذلك وهو الخلاق العليم الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أجاب نفسه) أي: لأنه لا جواب للعاقل سواه اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّما أَمْرُهُ مبتدأ وقوله: أَنْ يَقُولَ له خبره، وقوله: فَيَكُونُ: أي فيحدث. قوله:\r(عطفا على يقول) ومعنى يقول كن يكونه، فهو تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول الأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى أولية عمل واستعمال آلة قطعا لمادة الشبهة وقياس قدرة اللّه على قدرة الخلق اهـ قاري.\rفمعنى أن يقول له كن أن تتعلق به قدرته تعلقا تنجيزيا.\rقوله: فَسُبْحانَ الَّذِي الخ تنزيه له تعالى عما وصفوه به، وتعجيب مما قالوا في شأنه اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ العامة على ترجعون مبنيا للمفعول، وزيد بن علي بالبناء للفاعل اهـ.\rسمين.","part":6,"page":313},{"id":2272,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 314\rروى الترمذي عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لكل شيء قلب وقلب القرآن يس». قال الغزالي: لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر، وهذا المعنى مقرر فيها بأبلغ وجه. يعني فشابهت القلب الذي به يصح البدن، واستحسنه الإمام فخر الدين الرازي. وقال النسفي: لأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة الوحدانية والرسالة والحشر وهو القدر الذي يتعلق بالقلب والجنان، وأما الذي باللسان وبالأركان ففي غير هذه السورة، فلما كان فيها أعمال القلب لا غير سماها قلبا ولهذا أمر بقراءتها عند المحتضر لأنه في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة والأعضاء ساقطة، لكن القلب قد أقبل على اللّه ورجع عما سواه، فيقرأ عنده ما يزاد به قوة على قلبه ويشتد يقينه بالأصول الثلاثة اهـ كرخي.","part":6,"page":314},{"id":2273,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 315\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الصافات مكية وهي مائة واثنتان وثمانون آية\rوَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) الملائكة لصف نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء، تنتظر ما بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rقوله: (مكية) أي: في قول الجميع اهـ قرطبي.\rقوله: وَالصَّافَّاتِ مفعول محذوف قدره بقوله: (نفوسها أو أجنحتها) اهـ شيخنا.\rوقرأ أبو عمرو، وحمزة بإدغام التاء من الصفات والزاجرات والتاليات في صاد صفا وزاي زجرا وذال ذكرا، وكذلك فعلا في الذاريات ذروا، وفي الملقيات ذكرا، وفي العاديات ضبحا بخلاف عن خلاد في الأخيرين، وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك. والصافات هم الملائكة أو المجاهدون أو المصلون، أو الصافات أجنحتها وهي الطير. كقوله: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ [النور: 41] والزاجرات السحاب أو العصاة إن أريد بهم العلماء، والزجر: الدفع بقوة وهو قوة التصويت، وزجرت الإبل والغنم إذا فزعت من صوتك، وأما فالتاليات فيجوز أن يكون ذكرا مفعوله، والمراد بالذكر القرآن وغيره في تسبيح وتحميد، ويجوز أن يكون ذكرا مصدرا أيضا من معنى التاليات وهذا أوفق بما قبله. قال الزمخشري: الفاء في فالزاجرات فالتاليات إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، وإما على ترتبها في التفاوت في بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل فالأعمل فالأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقولك: رحم اللّه المحلقين فالمقصرين، فأما هنا فإن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصافات في التفاضل، فإذا كان الملائكة فيكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو على العكس، وإن ثنيت الموصوف فالترتب في الفضل فتكون الصافات ذوات فضل، والزاجرات أفضل، فالتاليات أبهر فضلا، أو على العكس يعني بالعكس في الموضعين أنك ترتقي من أفضل إلى فاضل إلى مفضول، أو تبدأ بالأدنى ثم بالفاضل ثم بالأفضل، والواو في هذا للقسم والجواب قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ اهـ سمين.\rوالصف أن يجعل الشيء على خط مستقيم، يقال: صففت القوم فاصطفوا إذا أقمتهم على خط مستقيم لأجل الصلاة أو الحرب اهـ زاده.\rقوله: (الملائكة تصف نفسها الخ) قال أبو مسلم الأصفهاني: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على","part":6,"page":315},{"id":2274,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 316\rتؤمر به\rفَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) الملائكة تزجر السحاب أي تسوقه\rفَالتَّالِياتِ أي قراء القرآن يتلونه ذِكْراً (3) مصدر من معنى التاليات\rإِنَّ إِلهَكُمْ يا أهل مكة لَواحِدٌ (4)\rرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث، والملائكة مبرؤون عن هذه الصفة. وأجيب بوجهين، الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات. والثاني: أنهم مبرؤون عن التأنيث المعنوي، وأما التأنيث اللفظي فلا وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة.\rتنبيه: اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين، أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحلف بغير اللّه تعالى، ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا باللّه تعالى ففي ذلك إضمار تقديره: ورب الصافات والزاجرات والتاليات ومما يؤكد هذا أنه تعالى صرّح به في قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها [الشمس: 6].\rوالثاني: وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل، وأما النهي عن الحلف بغير اللّه تعالى فهو نهي للمخلوق عن ذلك اهـ خطيب.\rوأما الخالق جل جلاله فيقسم ببعض مخلوقاته تعظيما لها كقوله: والشمس، والليل، والضحى، والطور، والنجم إلى غير ذلك.\rقوله: (في العبادة) أي: في مقاماتها المعلومة حسبما ينطق به قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] اهـ أبو السعود.\rقوله: (أو أجنحتها) ومعنى صفها بسطها كما سيأتي له في سورة تبارك. وقوله: (ما تؤمر به) أي من صعود أو هبوط أو غيرها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي قراءة القرآن الخ) في نسخة أي جماعة قراء القرآن تتلوه اهـ.\rقوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ جواب القسم، فإن قلت: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين، الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن والكافر، فالأول باطل لأن المؤمن مقر به من غير حلف، والثاني باطل أيضا لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير. الثاني: أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد، وأقسم في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق، فقال: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً [الذاريات: 1] إلى قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ الذاريات: 6] وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء. أجيب على ذلك بأوجه، أولها: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل الغيبية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيدا لما تقدم، لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب، وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب. ثانيها: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة، فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة. ثالثها: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله وهو قوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ اهـ خطيب.","part":6,"page":316},{"id":2275,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 317\rوَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5) أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب\rإِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا قوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ بدل من واحد، أو خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف اهـ سمين.\rقوله: وَرَبُّ الْمَشارِقِ إعادة الرب فيها لما فيها من غاية ظهور آثار الربوبية وتجددها كل يوم، فإنها ثلاثمائة وستون مشرقا، فالشمس تشرق كل يوم من مشرق منها، وبحسبها اختلفت المغارب فتغرب كل يوم في مغرب اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي والمغارب للشمس) أشار بهذا إلى أن في الكلام اكتفاء على حد سرابيل تقيكم الحر، واقتصر على المشارق ولم يعكس لأن شروق الشمس سابق على غروبها، وأيضا فالشروق أبلغ في النعمة وأكثر نفعا من الغروب، فذكر المشرق تنبيها على كثرة إحسان اللّه تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بالمشرق فقال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [البقرة: 285] وجمع هنا المشرق وحذف مقابله، وثناه في الرحمن، وجمعه في المعارج وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة، لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه، ومنها الإجمال والتفصيل والذكر والحذف والتثنية والجمع والإفراد باعتبارات مختلفة، فأفرد وأجمل في المزمل أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وجمع وفصل في المعارج أراد مشارق السنة ومغاربها وهي تزيد على سبعمائة، وثنى وفصل في الرحمن أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيها، وجمع وحذف هنا أراد جميع مشارق السنة، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف كما مرت الإشارة إليه، وخص ما هنا بالجمع موافقة للمجموع أول السورة وبالحذف مناسبة للزينة إذ هي إنما تكون غالبا بالضياء والنور وهما ينشآن من المشرق لا من المغرب، وما في الرحمن بالتثنية موافقة للتثنية في يَسْجُدانِ [الرحمن: 6] وفي: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: 25] وبذكر المقابلين موافقة لبسط صفاته تعالى وإنعاماته، ثم وما في المعارج بالجمع موافقة للجمع قبله وبعده وبذكر المقابلين موافقة لكثرة التأكيد في القسم وجوابه، وما في المزمل بالإفراد موافقة لما قبله من إفراد ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما بعده من إفراد ذكر اللّه تعالى وبذكر المقابلين موافقة للحصر في قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ* ولبسط أوامر اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم اهـ كرخي.\rقوله: (لها كل يوم مشرق ومغرب) أي: محل تشرق منه ومحل تغرب فيه. قال السدي:\rالمشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب، فإن قلت: قد قال في موضع آخر رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: 17]: وقال في موضع آخر رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [المزمل: 9] فما وجه الجمع بين هذه المواضع؟ قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب، وأراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، ومغرب الصيف ومغرب الشتاء، وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي اهـ خازن.\rوعبارة الخطيب: قد خلق اللّه تعالى للشمس ثلاثمائة وستين كوة في المشرق وثلاثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها ذلك اليوم إلا من العام المقبل، انتهت.","part":6,"page":317},{"id":2276,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 318\rبِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) أي بضوئها أو بها، والإضافة للبيان كقراءة تنوين زينة المبينة بالكواكب\rوَحِفْظاً منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها بالشهب مِنْ كُلِ متعلق بالمقدر شَيْطانٍ مارِدٍ (7) عات خارج عن الطاعة\rلا يَسَّمَّعُونَ أي الشياطين مستأنف، وسماعهم هو في المعنى قوله: (السماء الدنيا) أي: القربى من أهل الأرض. قوله: (أي بضوئها) لأن الضوء والنور من أحسن الصفات وأكملها، ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس، وقوله: (أو بها الخ). فإن الإنسان إذا نظر في الليلة المظلمة إلى السماء ورأى هذه الكواكب مشرقة متلألئة على سطح أزرق وجدها في غاية الزينة اهـ خازن.\rقوله: (المبينة بالكواكب) يعني: أنه على قراءة تنوين زينة تكون الكواكب عطف بيان عليها، وبقي قراءة ثالثة وهي تنوين زينة ونصب الكواكب والثلاثة سبعيات اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ قرأ أبو بكر بتنوين زينة ونصب الكواكب وفيه وجهان، أحدهما: أن تكون الزينة مصدرا وفاعله محذوف تقديره محذوف بأن زين اللّه الكواكب في كونها مضيئة حسنة في أنفسها. والثاني: أن الزينة اسم لما يزان به كالليقة لما تلاق به الدواة، فتكون الكواكب على هذا منصوبة بإضمار. أعني: أو تكون بدلا من سماء الدنيا بدل اشتمال أي: كواكبها أو من محل بزينة، وحمزة وحفص كذلك إلا أنهما خفضا الكواكب على أن يراد بزينة ما يزان به والكواكب بدل أو بيان للزينة. والباقون بإضافة زينة إلى الكواكب وهي تحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون إضافة أعم إلى أخص فتكون للبيان نحو ثوب خز. الثاني: أنها مصدر مضاف لفاعله أي: بأن زينت الكواكب السماء بضوئها. والثالث: أنه مضاف لمفعوله أي: بأن زينها اللّه بأن جعلها مشرقة مضيئة في نفسها وقرأ ابن عباس، وابن مسعود بتنوينها ورفع الكواكب، فإن جعلتها مصدرا ارتفع الكواكب، وإن جعلتها اسما لما يتزين به فعلى هذا يرتفع الكواكب بإضمار مبتدأ أي: هي الكواكب وهي قوة البدل اهـ سمين.\rقوله: وَحِفْظاً منصوب إما على المصدر بإضمار فعل أي حفظناها حفظا، وإما على المفعول من أجله على زيادة الواو والعامل فيه زينا، أو على أن يكون العامل مقدرا أي: لحفظها زيناها، أو على الحمل على المعنى المتقدم أي: إنا خلقنا السماء الدنيا زينة وحفظا ومن كل متعلق بحفظا إن لم يكن مصدرا مؤكدا. وبالمحذوف إن جعل مصدرا مؤكدا، ويجوز أن يكون صفة لحفظا اهـ سمين.\rقوله: (بفعل مقدر) أي: معطوف على زينا اهـ.\rقوله: مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ في المختار: مرد من باب ظرف فهو مارد ومريد وهو العاتي. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسّلام منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب وهو الشعلة من النار فلا يخطئه أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس في البراري اهـ مواهب اهـ ابن لقيمة على البيضاوي.\rقوله: (مستأنف) أي: لبيان حالهم بعد حفظ السماء منه مع التنبيه على كيفية الحفظ وما يعتريهم في أثناء ذلك من العذاب اهـ أبو السعود.","part":6,"page":318},{"id":2277,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 319\rالمحفوظ عنه إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى الملائكة في السماء، وعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء، وفي قراءة بتشديد الميم والسين، وأصله يتسمعون، أدغمت التاء في السين وَيُقْذَفُونَ أي الشياطين بالشهب مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) من آفاق السماء\rدُحُوراً مصدر دحره أي طرده وأبعده، وهو مفعول له وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ واصِبٌ (9) دائم\rإِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ مصدر أي المرّة والاستثناء من ضمير يسمعون، أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من وفي السمين: وهذه الجملة منقطعة عما قبلها في الإعراب، ولا يجوز فيها أن تكون صفة لشيطان على المعنى، إذ يصير التقدير من كل شيطان مارد غير سامع أو مستمع وهو فاسد، ولا يجوز أيضا أن يكون جوابا لسؤال سائل لم تحفظ من الشياطين إذ يفسد معنى ذلك، وقال بعضهم: أصل الكلام لئلا يسمعوا فحذفت اللام وأن وارتفع الفعل وفيه تعسف، وقد وهم أبو البقاء فجوز أن تكون صفة وأن تكون حالا وأن تكون مستأنفة، فالأولان ظاهرا الفساد، والثالث إن عنى به الاستئناف البياني فهو فاسد أيضا. وإن أراد الانقطاع على ما قدمته فهو صحيح اهـ.\rقوله: (هو في المعنى الخ) يشير بهذا إلى أن قوله: مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ على حذف مضاف أي:\rمن سماع كل شيطان اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة بتشديد الميم والسين) أي: يطلبون (؟ السماء). وفي البيضاوي: من التسمع وهو تطلب السماع اهـ.\rقوله: (أدغمت التاء) أي: بعد تسكينها وقلبها سينا اهـ.\rقوله: (من آفاق السماء) أي: من نواحيها وجهاتها، أي: من كل جهة سمعوا منها للاستراق.\rقوله: (مصدر دحره) من باب خضع كما قال في المختار.\rقوله: وَلَهُمْ (في الآخرة) أي: غير ما في الدنيا من عذاب الرجم بالشهب اهـ أبو السعود.\rقوله: واصِبٌ (دائم) أي: إلى النفخة الأولى كما قاله مقاتل اهـ خطيب.\rوفي المختار: وصب الشيء يصب بالكسر وصوبا دام، ومنه قوله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [النحل: 52] وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ اهـ.\rقوله: (و الاستثناء من ضمير يسمعون) أي: ومن في محل رفع بدل من الواو. وفي السمين:\rقوله: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فيه وجهان، أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلا من ضمير لا يسمعون وهو أحسن لأنه غير موجب. والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف. قلت: ويجوز أن تكون من شرطية وجوابها فأتبعه أو موصولة وخبرها فأتبعه وهو استثناء منقطع، وقد نصوا على أن مثل هذه الجملة تكون استثناء منقطعا كقوله تعالى:\rلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ [الغاشية: 22] والخطفة مصدر معرف بأل الجنسية أو العهدية اهـ سمين.","part":6,"page":319},{"id":2278,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 320\rالملائكة فأخذها بسرعة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ كوكب مضيء ثاقِبٌ (10) يثقبه أو يحرقه أو يخبله\rفَاسْتَفْتِهِمْ استخبر كفار مكة تقريرا أو توبيخا أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا من الملائكة قوله: (فأخذها بسرعة) أخذه من التعبير بالخطف. وفي البيضاوي: الخطف الاختلاس، والرماد اختلاس كلام الملائكة مسارقة، ولذلك عرف الخطفة وأتبع بمعنى تبع اهـ.\rوفي المختار: تبعه من باب طرب إذا مشى خلفه أو مرّ به فمضى معه، وكذا اتبعه وهو افتعل وأتبعه على أفعل، وقال الأخفش: تبعه وأتبعه بمعنى مثل ردفه وأردفه، ومنه قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ اهـ.\rقوله: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ فإن قلت جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا يقتضي ثبوتها وبقاءها فيها، وجعلها رجوما يقتضي زوالها وانفصالها عنها، فكيف الجميع بين هاتين الحالتين؟ قلت: إن ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكوكب شعلة يرمى بها الشيطان والكوكب باق بحاله، وهذا كمثل القبس يؤخذ من النار وهي على حالها اهـ خازن من سورة الملك.\rفإن قلت: إذا كان الشيطان يعلم أنه يصاب ولا يصل إلى مقصوده، فكيف يعود مرة أخرى؟\rقلت: يعود رجاء نيل المقصود وطمعا في السلامة، كراكب البحر فإنه يشاهد الغرق أحيانا لكن يعود إلى ركوبه رجاء السلامة ونيل المقصود اهـ خازن.\rوفي البيضاوي ما نصه: لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون عنه رأسا، ولا يقال إن الشيطان من النار فلا يحترق لأنه ليس من النار الصرفة، كما أن الإنسان ليس من التراب الصرف مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة أهلكتها اهـ.\rقوله: (يثقبه) أي: بحيث يموت من ثقبه، وعبارة غيره: يقتله أو يحرقه أو يخبله، وأو للتنويع أي تارة يقتله وتارة يحرقه وتارة يخبله أي: يفسده بحيث يصير غولا في البراري يضل الناس عن الطريق اهـ شيخنا.\rلكن يقال: الآية مصرحة بأنه ثاقب، فكيف يتأتى كونه يخبله أو يحرقه. ولهذا قال البيضاوي:\rثاقب مضيء كأنه يثقب الجو بضوئه اهـ.\rوهذا يتأتى معه تفسير الثاقب بكونه يخبل الشيطان أو يحرقه أو يثقب جسده، ونقل القرطبي في تفسير الثاقب قولين، قيل: بمعنى المضيء، وقيل: بمعنى المستوقد من قوله: (اثقب زندك) أي:\rاستوقد نارك اهـ.\rوكل من هذين التفسيرين يقبل كلا من الاحتمالات الثلاثة في الشارح تأمل. قوله: (أو يخبله) في المصباح: الخبل بسكون الباء الجنون وشبهه كالهوج والبله، وقد خبله الحزن إذا أذهب فؤاده من باب ضرب فهو مخبول ومخبل، والخبل بفتحها أيضا الجنون، وخبلته خبلا من باب ضرب أيضا فهو مخبول إذا أفسدت عضوا من أعضائه أو أذهبت عقله، والخبال بفتح الخاء يطلق على الفساد والجنون اهـ.\rقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ الخ. الغرض من هذا السياق إثبات المعاد والرد عليهم في دعوى استحالته","part":6,"page":320},{"id":2279,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 321\rوالسماوات والأرضين وما فيهما، وفي الإتيان بمن تغليب العقلاء إِنَّا خَلَقْناهُمْ أي أصلهم آدم مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) لازم يلصق باليد، المعنى أن خلقهم ضعيف فلا يتكبروا، بإنكار النبي والقرآن المؤدّي إلى هلاكهم اليسير\rبَلْ للانتقال من غرض إلى آخر، وهو الاخبار بحاله وحالهم عَجِبْتَ بفتح التاء خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي من تكذيبهم إياك وَهم يَسْخَرُونَ (12) وتقريره إن استحالته إما لعدم قابليه المادة بناء على أن المعاد هو الأجزاء الأصلية، ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام وقد علموا أن الإنسان الأول وهو آدم إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم، وأيضا قد شاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط نزو ذكر على أنثى، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك أي بطريق التولد من الطين، أو أن الاستحالة لعدم قدرة الفاعل فيقال لهم: من قدر على خلق هذه الأشياء العظام هو أقدر على ما لا يعتد به بالإضافة إليها، خصوصا وقد قدر على بدئهم أولا وقدرته ذاتية لا تتغير اهـ بيضاوي.\rقوله: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أي: أقوى خلقة وأمتن بنية أو أصعب خلقا وأشق إيجادا اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمْ مَنْ خَلَقْنا العامة على تشديد الميم وهي أم المتصلة عطفت من على هم وقرأ الأعمش بتخفيفها وهو استفهام ثان فالهمزة للاستفهام أيضا، ومن مبتدأ وخبره محذوف أي: الذين خلقناهم أشد فهما جملتان مستقلتان وغلب من يعقل على غيره فلذلك أتى بمن اهـ سمين.\rوتكتب أم مفصولة من في هذا الموضع، وعبارة ابن الجزري مع شرحها لشيخ الإسلام: واقطعوا أم من قوله أم من أسس بنيانه في التوبة، ومن قوله: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً [فصلت: 40] في فصلت ومن قوله: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [النساء: 109] في النساء ومن قوله: أَمْ مَنْ خَلَقْنا في ذبح أي:\rالصافات سميت به لقوله تعالى فيها: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: 107] وما عدا ذلك نحو:\rأمن لا يهدي وأمن خلق السموات والأرض، وأمن يجيب المضطر إذا دعاه موصول بأن لا يكتب بعد الهمزة ميم منفصلة عن من اهـ.\rقوله: لازِبٍ يقال: لزب يلزب لزوبا من باب دخل، وقوله: (لازم) مفعوله محذوف أي: ما يعلق به كما أشار له بقوله: (يلصق باليد) اهـ شيخنا.\rوفي المختار: تقول صار الشيء لازبا أي: ثابتا وهو أفصح من لازما اهـ.\rقوله: (و المعنى أن خلقهم الخ) يتأمل هذا المعنى فإن تطبيقه على الآية عسر كما لا يخفى اهـ شيخنا. وقد عرفت أن المراد من الآية إثبات المعاد ورد استحالته اهـ.\rقوله: بَلْ عَجِبْتَ إضراب إما من مقدر دلّ عليه فاستفتهم أي: هم لا يقرون بل الخ أو عن الأمر بالاستفتاء أي: لا تستفتهم فإنهم معاندون بل انظر إلى تفاوت حالك وحالهم اهـ شهاب.\rقوله: (بفتح التاء) أي وبضم التاء أيضا سبعيتان وفي بعض النسخ بعد قوله: (إياك) وبضمها للّه","part":6,"page":321},{"id":2280,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 322\rمن تعجبك\rوَإِذا ذُكِّرُوا وعظوا بالقرآن لا يَذْكُرُونَ (13) لا يتعظون\rوَإِذا رَأَوْا آيَةً كانشقاق القمر يَسْتَسْخِرُونَ (14) يستهزئون بها\rوَقالُوا فيها إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) بيّن، وقالوا منكرين البعث\rأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) في الهمزتين في الموضعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين\rأَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) بسكون الواو عطفا بأو، وبفتحها تعالى أو على تقدير قل اهـ.\rوفي الخطيب: قرأ حمزة والكسائي بل عجبت بضم التاء، والباقون بفتحها أما بالضم فبإسناد التعجب إلى اللّه وليس هو كالتعجب من الآدميين، كما قال تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] وقال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه، والعجب من اللّه تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا، كما في الحديث: «عجب ربك من شاب ليس له صبوة» وفي حديث آخر: «عجب ربك من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم» وقوله: ألكم الأل بالفتح أشد القنوط، وقيل: هو رفع الصوت بالبكاء. وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: إن اللّه تعالى لا يعجب من شيء، ولكن وافق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما عجب رسوله قال تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5] أي: هو كما تقوله، وأما بالفتح فعلى أنه خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي عجيب من تكذيبهم إياك اهـ.\rوفي القرطبي: قال الهروي، وقال بعض الأئمة: معنى قوله: بَلْ عَجِبْتَ بالضم بل جاريتهم على عجبهم، لأن اللّه تعالى أخبر عنهم في موضع بالتعجب من الحق فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ص: 4] وقال إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ص: 5] فقال تعالى: بَلْ عَجِبْتَ أي: بل جاريتهم على عجبهم اهـ.\rقوله: (و هم) يَسْخَرُونَ (من تعجبك) أي: ومن تقريرك للبعث اهـ.\rقوله: أَإِذا مِتْنا الخ أصله أنبعث إذا متنا، فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار وإشعارا بأن البعث مستنكر في نفسه، وفي هذه الحالة أشد استنكارا اهـ بيضاوي.\rقوله: (و ادخال ألف بينهما الخ) أي: وترك الإدخال أيضا، فالقراءات أربعة في كل موضع من الموضعين وإن كان في كلامه اثنتان فقط في كل موضع، وبقي قراءتان الأولى أن يقرأ الأولى بألفين والثاني بواحدة، والثانية عكس هذه وهذا على سبيل الإجمال، وإلّا فهناك بسط يعلم من كتب القراءات اهـ شيخنا.\rقوله: (عطفا بأو) أي: على محل إن واسمها وعلى هذا فأو للشك، والمعنى أنحن مبعوثون أم آباؤنا يبعثون، ويصح على هذا أن يكون العطف على الضمير في لمبعوثون لعدم الفاصل. وقوله:\r(و الهمزة الخ) راجع لقراءة الفتح، وقوله: (للاستفهام) أي: الإنكار، وقوله: (بالواو) أي: لا بأو كما في الوجه الأول، وقوله: (و المعطوف عليه) أي على كل من القراءتين، وقوله: (أو الضمير الخ) أي:","part":6,"page":322},{"id":2281,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 323\rوالهمزة للاستفهام، والعطف بالواو والمعطوف عليه محل إن واسمها أو الضمير في لمبعوثون، والفاصل همزة الاستفهام\rقُلْ نَعَمْ تبعثون وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (18) صاغرون\rفَإِنَّما هِيَ ضميره مبهم يفسره زَجْرَةٌ أي صيحة واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ أي الخلائق أحياء يَنْظُرُونَ (19) ما يفعل بهم\rوَقالُوا أي الكفار يا للتنبيه يا وَيْلَنا هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه، وتقول على القراءة الثانية، فيكون مبعوثون عاملا فيه أيضا، لكن يرد عليه أن ما بعد همزة الاستفهام لا يعمل فيه ما قبلها، فالأولى أن يجعل مبتدأ محذوف الخبر أي: أو آباؤنا يبعثون، وأجاب الشهاب بأن الهمزة على هذا الوجه في العطف مؤكدة للأولى لا مقصودة بالاستقلال فهي في النية مقدمة فصح عمل ما قبلها فيما بعدها، وقوله: (و الفاصل) أي: بين المعطوف عليه وهو ضمير الرافع المستكن وبين المعطوف وهو آباؤنا همزة الاستفهام فهو على حد قوله: (أو فاصل) ما اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أَوَآباؤُنَا وقرأ ابن عامر، وقالون بسكون الواو على أنها أو العاطفة المقتضية للشك، والباقون بفتحها على أنها همزة استفهام دخلت على واو العطف، وهذا الخلاف جار أيضا في الواقعة، وقد تقدم مثل هذا في الأعراف في قوله: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [الأعراف: 98] فمن فتح الواو أجاز في آباؤنا وجهين، أحدهما: أن يكون معطوفا على محل أن واسمها. والثاني: أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في لمبعوثون واستغنى بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكنها تعين فيه الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم الفاصل اهـ.\rقوله: وَأَنْتُمْ داخِرُونَ جملة حالية والعامل فيها نعم بالنظر لمعناها، ولذلك فسرها بقوله:\r(تبعثون)، فالعامل في الحقيقة هو الفعل المقدرة هي به اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وَأَنْتُمْ داخِرُونَ الخطاب لهم ولآبائهم بطريق التغليب، والجملة حال من فاعل ما دل عليه نعم أي: نعم كلكم تبعثون والحال أنكم صاغرون أذلاء اهـ.\rقوله: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ الخ الجملة جواب شرط مقدر أو تعليل لنهي مقدر، أي: إذا كان الأمر كذلك فإنما هي الخ أولا تستصعبوه فإنما هي الخ اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين قوله: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ هي ضمير البعثة المدول عليهم بالسياق لما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازا، وقال الزمخشري: هي مبهمة يوضحها خبرها. قال الشيخ: وكثيرا ما يقول هو أو ابن مالك أن الضمير يفسره خبره، ووقف أبو حاتم على ويلنا وجعل ما بعده من قول الباري تعالى، وبعضهم جعل هذا يوم الدين من كلام الكفرة فيقف عليه، وقوله: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ من قول الباري تعالى، وقيل: الجميع من كلامهم، وعلى هذا فيكون قوله: تُكَذِّبُونَ إما التفاتا من التكلم إلى الخطاب، وإما مخاطبة من بعضهم لبعض اهـ.\rقوله: (أي صيحة) واحِدَةٌ وهي النفخة الثانية. قوله: فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أي: ينتظرون.\rقوله: يا وَيْلَنا الوقف هنا تام لأن ما بعده كلام مستقل كما أشار له بقوله: (و تقول لهم الملائكة الخ) اهـ شيخنا.","part":6,"page":323},{"id":2282,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 324\rلهم الملائكة هذا يَوْمُ الدِّينِ (20) أي الحساب والجزاء\rهذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين الخلائق الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) ويقال للملائكة\r* احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالشرك وَأَزْواجَهُمْ قرناءهم من الشياطين وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22)\rمِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من الأوثان فَاهْدُوهُمْ دلوهم وسوقوهم إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23) طريق النار\rوَقِفُوهُمْ احبسوهم عند الصراط إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ويقال لهم توبيخا\rما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25) لا ينصر بعضكم بعضا كحالكم في قوله: الَّذِي كُنْتُمْ الخ نعت لليوم.\rقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا خطاب من اللّه عز وجل للملائكة أو من بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف، وقيل: من الموقف إلى الجحيم، وأزواجهن أي: أشباههم ونظراءهم من العصاة عابد الصنم مع عبدة الصنم وعابد الكوكب مع عبدة الكوكب كقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: 70] وقيل: قرناءهم من الشياطين، وقيل نساءهم اللآتي على دينهم وما كانوا يعبدون من دون اللّه من الأصنام ونحوها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم. قيل: هو عام مخصوص بقوله تعالى:\rإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى [الأنبياء: 101] الآية الكريمة. وأنت خبير بأن الموصول عبارة عن المشركين خاصة جيء به لتعليل الحكم بما في حيز صلته، فلا عموم ولا تخصيص فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ أي: عرفوهم طريقها ووجوههم إليها وفيه تهكم بهم. وقفوهم احبسوهم في الموقف كأن الملائكة سارعوا إلى ما أمروا به من حشرهم إلى الجحيم فأمروا بذلك وعلل بقوله تعالى: إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ إيذانا من أول الأمر بأن ذلك ليس للعفو عنهم ولا ليستريحوا بتأخير العذاب في الجملة بل ليسألوا، لكن لا عن عقائدهم وأعمالهم كما قيل، فإن ذلك قد وقع قبل الأمر بهم إلى الجحيم بل عما ينطق به قوله: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بطرق التوبيخ والتقريع والتهكم أي: لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تزعمون في الدنيا، وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت لأنه وقت تنجيز العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة وحالة انقطاع الرجاء عنها بالكلية، فالتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا وتأثيرا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَزْواجَهُمْ عطف على الموصول أو مفعول معه. وقوله: وَما كانُوا يَعْبُدُونَ الخ أي: احشروهم أي: أزواجهم وأصنامهم معهم زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم اهـ أبو السعود.\rوقوله: (قرناءهم). يعني أن الزوج يطلق على مجموع المتقارنين وعلى أحدهما فيقال لمجموع فردتي الخف زوج ولإحداهما زوج اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ العامة على الكسر على الاستئناف المفيد للعلة، وقرئ بفتحها على حذف لام العلة أي: قفوهم لأجل سؤال اللّه إياهم اهـ.\rقوله: (عن جميع أقوالهم وأفعالهم) وفي الحديث: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع. عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين كسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به» اهـ كرخي.\rقوله: (و يقال لهم توبيخا) أي: تقول لهم خزنة جهنم اهـ خازن.","part":6,"page":324},{"id":2283,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 325\rالدنيا، ويقال عنهم\rبَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) منقادون أذلاء\rوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) يتلاومون ويتخاصمون\rقالُوا أي الأتباع منهم للمتبوعين إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) عن الجهة التي كنا نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم، المعنى إنكم قوله: (لا ينصر بعضكم بعضا) أي: بحيث يدفع عنه ما هو فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (و يقال لهم) معطوف على ويقال للملائكة احشروا الخ فالضمير في لهم راجع للملائكة، وهذا في المعنى بيان للأوامر المتقدمة أي: احشروهم واهدوهم وقفوهم فإنهم لا يمتنعون ولا يتعاصون لأنهم اليوم مستسلمون اهـ شيخنا.\rوفي بعض النسخ ويقال عنهم اهـ.\rأي ويقال في شأنهم على سبيل التوبيخ لهم اهـ.\rقوله: عَنِ الْيَمِينِ حال من فاعل تأتوننا، واليمين إما الجارية عبّر بها عن القوة، وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كل منهما يمين الآخر، فالتقدير على الأول تأتوننا أقوياء، وعلى الثاني قسمين حالفين اهـ سمين.\rففي المراد باليمين تفاسير عديدة، فمن جملتها أن المراد بها اليمين الشرعية التي هي القسم كما ذكره غير واحد، فالمراد بالجهة في كلام الشارح الحلف، وعن بمعنى من، قوله: (نأمنكم) أي:\rنصدقكم منها أي من أجلها وبسببها، والباء في قوله: (بحلفكم) للتصوير أي: تصوير اليمين في الآية، أي: تفسيرها، فالمراد بها الحلف الشرعي. قال الشهاب ما نصه: قوله: (أو عن الحلف) ومعنى إتيانهم عن الحلف أنهم يأتونهم مقسمين لهم على حقية ما هم عليه، والجار والمجرور حال وعن بمعنى الباء كما في قوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: 3] أو ظرف لغو اهـ.\rوفي البيضاوي: عن اليمين عن أقوى الوجوه وأمتنها أو عن الدين أو الخير كأنكم تنفعوننا نفع السانح فتبعناكم وهلكنا مستعار من يمين الإنسان الذي هو أقوى الجانبين وأشرفهما وأنفعهما، ولذلك يسمى يمينا ويسمى بالسانح أو عن القوة والقهر فتقصروننا على الضلال، أو عن الحلف فإهم كانوا يحلفون لهم أنهم على الحق اهـ.\rوقوله: (نفع السانح) هو ما أتاك عن يمينك من طائر أو هو ضد البارح، ومن العرب من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح ومنهم من يعكس قاله الخليل وفي النهاية السانح من جاء من جهة يشارك إلى يمينك والبارح ضده فقد علمت أن لأهل اللغة في تفسيرهما مذهبين، وأن العرب في التيمن والتشاؤم فرقتان، ومراد المصنف بالسانح ما يتيمن به وأنه ما جاء من جهة اليمين لأنه الموافق لقوله عن اليمين، ووجه التيمن به أنه جاء من جهة اليمين وهي مباركة، ووجه التيمن بضده أنه متوجه لها وصيده أمكن، فقوله: (نفع السانح) لبيان الاستعارة وتحقيقها فتدبر اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: قال مجاهد: هذا قول الكفار للشياطين وقال قتادة: وهو قول الإنس للجن، وقيل: هو من قول الأتباع للمتبوعين دليله قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ: 31]. وقيل: تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة","part":6,"page":325},{"id":2284,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 326\rأضللتمونا\rقالُوا أي المتبوعون لهم بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وإنما يصدق الاضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الايمان إلينا\rوَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ قوّة وقدرة نقهركم على متابعتنا بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) ضالين مثلنا\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 326\r\rوَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ قوّة وقدرة نقهركم على متابعتنا بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) ضالين مثلنا\rفَحَقَ وجب عَلَيْنا جميعا قَوْلُ رَبِّنا بالعذاب أي قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* إِنَّا جميعا لَذائِقُونَ (31) العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم\rفَأَغْوَيْناكُمْ المعلل بقولهم إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) قال تعالى:\rفَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ وتنفروننا عنه. قلت: وهذا القول حسن جدا لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدين أي: كنتم تزيفون لنا الضلالة، وقيل: اليمين بمعنى القوة أي: تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر ومنه قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي: بالقوة وقوة الرجل في يمينه وهذا قول ابن عباس ومجاهد قال: تأتوننا عن اليمين أي: من قبل الحق إنه معكم وكله متقارب اهـ.\rقوله: قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا الخ أجابوا بأجوبة خمسة، الأول: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ الثاني:\rوَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ الثالث: بَلْ كُنْتُمْ. الخ. الرابع: فَحَقَّ عَلَيْنا الخ. الخامس:\rفَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ اهـ رازي.\rوهذا إضراب من المتبوعين إبطالي لما ادعاه التابعون أي: لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات اهـ شيخنا.\rقوله: (أن لو كنتم مؤمنين) أي: أن لو اتصفتم بالإيمان اهـ.\rقوله: ما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ جواب آخر تسليمي على فرض إضلالهم بأنهم لم يجبروهم عليه اهـ شهاب.\rقوله: قَوْلُ رَبِّنا أي: وعيده.\rقوله: إِنَّا لَذائِقُونَ إخبار منهم بأنهم ذائقوا العذاب جميعهم الرؤساء والأتباع اهـ من النهر لأبي حيان.\rقوله: (و نشأ عنه) أي: عن قَوْلُ رَبِّنا أي: وعيده المذكور أي: فلما وجب وثبت علينا قضاء هذا الوعيد أغويناكم لأننا صرنا من الأشقياء اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَغْوَيْناكُمْ أي: فدعوناكم إلى الغي دعوة غير ملجئة فاستجبتم لنا باختياركم واستحبابكم الغي على الرشد، إنا كنا غاوين فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك الدعوة لتكونوا أمثالنا في الغواية اهـ أبو السعود.\rفلا ينافي قولهم أولا وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ أي: يوم إذ يتساءلون ويتحاورون ويتخاصمون بما سبق. قوله: (كما نفعل بهؤلاء) أي: عبدة الأوثان إذ الكلام فيهم من قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ إلى هنا، وقوله: (غير هؤلاء) كالنصارى واليهود اهـ شيخنا.","part":6,"page":326},{"id":2285,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 327\rيوم القيامة فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) أي لاشتراكهم في الغواية\rإِنَّا كَذلِكَ كما نفعل بهؤلاء نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) غير هؤلاء، أي نعذبهم التابع منهم والمتبوع\rإِنَّهُمْ أي هؤلاء بقرينة ما بعده كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)\rوَيَقُولُونَ أَإِنَّا في همزتيه ما تقدم لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) أي لأجل قول محمد، قال تعالى\rبَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) الجائين به وهو أن لا إله إلّا اللّه\rإِنَّكُمْ فيه التفات لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38)\rوَما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39)\rإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أي المؤمنين استثناء منقطع أي ذكر جزاؤهم في قوله\rأُولئِكَ الخ لَهُمْ في الجنة رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) بكرة وعشيا\rفَواكِهُ بدل أو بيان للرزق، وهو ما قوله: إِنَّهُمْ أي هؤلاء أي: عبدة الأوثان كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا اللّه يستكبرون. أي: إذا قيل لهم قولوا لا إله إلا اللّه فأضمر القول، ويستكبرون في موضع نصب على خبر كان، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر إن وكان ملغاة، ولما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي طالب عند موته واجتماع قريش قولوا لا إله إلا اللّه تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم أبو وأنفوا من ذلك اهـ قرطبي.\rقوله: يَسْتَكْبِرُونَ أي: عن النطق بكلمة التوحيد أو على من يدعوهم إليها اهـ شيخنا.\rقوله: (في همزيته ما تقدم) أي: من تحقيقهما وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه فالقراءات أربعة اهـ شيخنا.\rقوله: لَتارِكُوا آلِهَتِنا أي: عبادتها.\rقوله: وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ رد عليهم بأن ما جاء به من التوحيد حق قام به البرهان وتطابق عليه المرسلون اهـ بيضاوي.\rقوله: (و هو) أي: الحق أن لا إله إلا اللّه أن مخففة واسمها ضمير الشأن اهـ شيخنا.\rقوله: (فيه التفات) أي: من الغيبة إلى الخطاب لإظهار كمال الغضب عليهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (استثناء منقطع) أي: استثناء من الواو في تجزون والمعنى أن الكفرة لا يجزون إلا بقدر أعمالهم، وأما عباد اللّه المخلصون فإنهم يجزون أضعافا مضاعفة اهـ أبو السعود.\rوهذاهو المناسب لقوله: (أي ذكر جزاؤهم الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ذكر أولا الرزق وهو ما تتلذذ به الأجسام، وثانيا الإكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل الذي هم فيه وهو جنات النعيم، ثم أشرف المحل وهو السرر، ثم لذة التأنس بأن بعضهم مقابل بعضا وهو أتم السرور وآنسة، ثم المشروب وأنهم لا يتناولون ذلك بأنفسهم، بل يطاف عليهم بالكوؤس، ثم وصف ما يطاف عليهم به من الطيب وانتفاء المفاسد، ثم ذكر تمام النعمة الجسمانية وختم بها كما بدأ باللذة الجسمانية من الرزق وهي أبلغ الملاذ وهي التأنس بالنساء اهـ من النهر.\rوقوله: (إلى آخره) وهو قوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: 49] قوله: مَعْلُومٌ أي:","part":6,"page":327},{"id":2286,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 328\rيؤكل تلذذا لا لحفظ صحة، لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظها بخلق أجسادهم للأبد وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) بثواب اللّه سبحانه وتعالى\rفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43)\rعَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) لا يرى بعضهم قفا بعض\rيُطافُ عَلَيْهِمْ على كل منهم بِكَأْسٍ هو الإناء بشرابه مِنْ مَعِينٍ (45) من خمر يجري معلوم وقته كما أشار له بقوله: (بكرة وعشيا). وفي البيضاوي: معلوم خصائصه من الدوام وتمحض اللذة اهـ.\rوهذا جواب سؤال صرّح به السمرقندي بأن الرزق لا يكون معلوما إلا إذا كان مقدرا بمقدار لأن ما لا يتعين مقداره لا يكون معلوما وقد قيل في آية أخرى يرزقون فيها بغير حساب وما لا يدخل تحت الحساب لا يحد ولا يقدر، فلذا جعل معلوميته باعتبار خصائصه المعلومة لهم من آيات آخر. كقوله:\rلا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 33] اهـ شهاب.\rوفي الخطيب: أولئك لهم في الجنة رزق معلوم بكرة وعشيا بيان لحالهم، وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية. فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية، وقيل: معلوم الصفة أي:\rمخصوص بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر، وقيل: معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع، وقيل: معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب اللّه تعالى اهـ.\rقوله: (بدل) أي: بدل كل من كل، لأن جميع ما يتناوله أهل الجنة على سبيل التفكه فالفواكه مساوية للرزق فتشمل الخبز واللحم لأنهما يؤكلان فيها تلذذا اهـ شيخنا.\rقوله: (لا لحفظ صحة) الأولى بنية اهـ قاري.\rوقوله: (بخلق أجسامهم للأبد) أي: على وجه يدوم أبدا اهـ شيخنا.\rقوله: (بثواب اللّه) عبارة البيضاوي: وهم مكرمون في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال كما عليه رزق الدنيا اهـ.\rقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يجوز أن يتعلق بمكرمون، وأن يكون خبرا ثانيا وأن يكون حالا، وكذلك على سرر متقابلين حال، ويجوز أن يتعلق على سرر بمتقابلين ويطاف عليهم صفة لمكرمون أو حال من الضمير في متقابلين أو من الضمير في أحد الجارين إذ جعلناه حالا اهـ سمين.\rقوله: عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ قال عكرمة، ومجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلا وتحاببا، وقيل: الأسرة تدور كيف شاؤوا فلا يرى أحد قفا أحد، وقال ابن عباس: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد والسرير ما بين صنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد واللّه أعلم اهـ قرطبي.\rقوله: بِكَأْسٍ الكأس ما كان من الزجاج فيه خمر أو نحوه من الأنبذة لا يسمى كأسا إلا وفيه خمر، وإلّا فقدح. وقد يسمى الخمر كأسا تسمية للشيء باسم محله اهـ من النهر.\rوقال أبو السعود: الكأس إناء فيه خمر أو الخمر نفسه، فإن الكأس يطلق على كل منهما اهـ.","part":6,"page":328},{"id":2287,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 329\rعلى وجه الأرض كأنهار الماء\rبَيْضاءَ أشد بياضا من اللبن لَذَّةٍ لذيذة لِلشَّارِبِينَ (46) بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب\rلا فِيها غَوْلٌ ما يغتال عقولهم وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) بفتح الزاي وكسرها من نزف الشارب وأنزف أي يسكرون، بخلاف خمر الدنيا\rوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ حابسات الأعين على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهنّ قوله: (بشرابه) أي: مع شرابه.\rقوله: مِنْ مَعِينٍ اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف اهـ نهر.\rمن شراب معين أو نهر معين أي: ظاهر للعيون أو خارج من العيون، وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء اهـ بيضاوي.\rوقوله: (أي ظاهر للعيون) مبني على أن المعين اسم مفعول من عانه يعينه أي: نظر إليه بعينه فاصله معيون كمبيع ومبيوع، وقوله: (أو خارج من العيون) مبني على أن المعين فاعل مأخوذ من عين الماء وهو منبعه ومخرجه اهـ زاده.\rقوله: (يجري على وجه الأرض) أشار بهذا إلى التجوز في إطلاق المعين عليه، وأن علاقته المشابهة والمعين حقيقة هو النهر الجاري على وجه الأرض الخارج من العيون من عان الماء إذا نبع اهـ شيخنا.\rقوله: بَيْضاءَ صفة الكأس. وقال الشيخ: صفة لكأس أو للخمر ولذة: صفة أيضا وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف المضاف أي: ذات لذة، أو على جعل لذة بمعنى لذيذ فيكون وصفا على فعل كصعب. يقال: لذّ الشيء يلذ لذا فهو لذيذ ولذ واللذيذ كل شيء مستطاب وللشاربين: صفة للذة وقوله: لا فِيها غَوْلٌ صفة أيضا، وبطل عمل لا وتكررت لتقدم خبرها اهـ سمين.\rقوله: لا فِيها غَوْلٌ أي: غائلة من غاله إذا أفسده وأهلكه اهـ أبو السعود.\rوقال ابن عباس وغيره: الغول صداع في الرأس اهـ نهر.\rقوله: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ عن سببية أي: ولا هم ينزفون بسببها فهذا على حد قوله تعالى:\rوَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: 82] اهـ شيخنا.\rقوله: (بفتح الزاي) أي: مع ضم الياء فهو مبني للمفعول وقوله: (و كسرها) أي: مع ضم الياء أيضا فهو مبني للفاعل، وقوله: (من نزف الشارب) بالبناء للمفعول راجع للأول، وقوله: (و أنزف) بالبناء للفاعل راجع للثاني اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قرأ الأخوان ينزفون هنا وفي الواقعة بضم الياء وكسر الزاي ووافقهما عاصم على ما في الواقعة فقط والباقون بضم الياء وفتح الزاي، وابن أبي إسحاق بالفتح والكسر، وطلحة بالفتح والضم. والغول: كل ما اغتالك أي: أهلكك ومنه الغول بالضم شيء توهمته العرب، ولها فيه أشعار كالعنقاء اهـ.\rقوله: قاصِراتُ الطَّرْفِ يجوز أن يكون من باب الصفة المشبهة أي: قاصرات أطرافهن","part":6,"page":329},{"id":2288,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 330\rعِينٌ (48) ضخام الأعين حسانها\rكَأَنَّهُنَ في اللون بَيْضٌ للنعام مَكْنُونٌ (49) مستور بريشه، لا يصل إليه غبار ولونه وهو البياض في صفرة أحسن ألوان النساء\rفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ بعض أهل الجنة عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) عما مرّ بهم في الدنيا\rقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) صاحب ينكر البعث\rيَقُولُ لي تبكيتا أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) بالبعث\rأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا في الهمزتين في الثلاثة مواضع ما تقدم لَمَدِينُونَ (53) مجزيون ومحاسبون؟ أنكر ذلك أيضا كمنطق اللسان، وأن يكون من باب اسم الفاعل على أصله، فعلى الأول المضاف إليه مرفوع المحل، وعلى الثاني منصوبه أي: قصرن أطرافهن على أزواجهن وهو مد عظيم، والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين، والذكر أعين والبيض جمع بيضة هو معروف، والمراد به هنا بيض النعام، والمكنون من كننته أي: جعلته في كن، والعرب تشبه المرأة به في لونه هو بياض مشرب بعض صفرة والعرب تحبه اهـ سمين.\rقوله: (ضخام الأعين) أي: عظام المقلة، ويلزمه مع الوصف بالحسن سعتها. وعبارة البيضاوي: نجل العيون جمع عيناء، انتهت.\rقال الشهاب: نجل العيون بضم النون جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة اهـ.\rقوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ (للنعام) وشبههن ببيض النعام على عادة العرب في تشبيه النساء به، وخص بيض النعام لصفائه وكونه أحسن منظرا من سائره، ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة مع لمعان كما في الدر وهو لون محمود في النساء اهـ شهاب.\rوفي الحديث: إن رقة جلدهن أي: الحور العين كرقة قشرة البيض السفلي اهـ كرخي.\rقوله: (أحسن ألوان النساء) أي: عند العرب، وإلا فأحسنها عند العجم والروم الأبيض المشرب بحمرة اهـ قاري.\rقوله: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ معطوف على يطاف أي: يشربون فيتحادثون على الشراب كما هو عادة الشراب وقوله: يَتَساءَلُونَ أي: عن الفضائل والمعارف وما جرى لهم وما عملوه في الدنيا والتعبير بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي: من أهل الجنة، وهذا من جملة ما يتحدثون به ويتساءلون فيه اهـ شيخنا.\rقوله: يَقُولُ (لي تبكيتا) أي: وتوبيخا على عدم إنكار البعث، وفي المصباح: بكت زيد عمرا تبكيتا عيّره وقبح فعله، ويكون التبكيت بلفظ الخبر كما في قول إبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليه بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] فإنه قاله تبكيتا وتوبيخا على عبادتهم الأصنام اهـ.\rقوله: (ما تقدم) أي: من الوجوه الأربعة، وهي تحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه اهـ شيخنا.\rقوله: (مجزيون) أي: فهو من الدين بمعنى الجزاء، وقوله: (أنكر ذلك) أي الجزاء والحساب","part":6,"page":330},{"id":2289,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 331\rقالَ ذلك القائل لإخوانه هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) معي إلى النار لننظر حاله؟ فيقولون: لا\rفَاطَّلَعَ ذلك القائل من بعض كوى الجنة فَرَآهُ أي رأى قرينه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) أي وسط النار\rقالَ له تشميتا تَاللَّهِ إِنْ مخففة من الثقيلة كِدْتَ قاربت لَتُرْدِينِ (56) لتهلكني بإغوائك\rوَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي عليّ بالإيمان لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) معك في النار. ويقول أهل الجنة\rأَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58)\rإِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى أي التي في الدنيا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) هو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة اللّه تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب\rإِنَّ هذا الذي ذكر لأهل الجنة أيضا كما أنكر البعث اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ (ذلك القائل لإخوانه) أي: من أهل الجنة، وقوله: مُطَّلِعُونَ أي: مقبلون لنطلع. قوله: (من بعض كوى الجنة) الكوة الثقب في الحائط وهي بفتح الكاف وضمها. وفي الجمع وجهان: كسرها وضمها، ولكن مع الكسر يصح المد والقصر ومع الضم يتعين القصر اهـ شيخنا.\rقوله: (تشيمتا) التشميت: الفرح والسرور بما يصيب العدو من المصائب وفي المختار: الشماتة الفرح ببلية العدو وبابه سلم اهـ.\rقوله: تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب، وإن مخففة أو نافية، واللام فارقة أو بمعنى إلا، وعلى التقديرين فهي جواب القسم اهـ سمين.\rقوله: (مخففة من الثقيلة) أي: واسمها محذوف أي: إنك كدت اهـ.\rقوله: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ الهمزة للاستفهام دخلت على فاء العطف، والمعطوف عليه محذوف معناه: أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا بمعذبين إلا موتتنا الأولى اهـ قرطبي.\rقوله: إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى منصوب على المصدر والعامل فيه الوصف. قيل: ويكون الاستثناء مفرغا، وقيل: استثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: 56] اهـ سمين.\rقوله: (هو استفهام تلذذ الخ) أي: فهو من سؤال بعضهم لبعض، ويحتمل أنه من سؤالهم للملائكة، وفي القرطبي: هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حيث يذبح الموت ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت، وقيل: هو من قول المؤمنين على جهة التحديث بنعمة اللّه في أنهم لا يموتون ولا يعذبون أي: هذه حالنا وصفتنا، وقيل: هو من قول المؤمنين توبيخا للكافرين لما كانوا ينكرونه من البعث، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا، ثم يقول المؤمن مشيرا إلى ما هو فيه إن هذا لهو الفوز العظيم قرطبي.\rوفي أبي السعود وقيل: إن أهل الجنة أول ما دخلوا الجنة لا يعلمون أنهم لا يموتون، فإذا جيء بالموت على صفة كبش الفداء فذبح ونودي يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت يعلمونه، فيقولون ذلك تحدثا بنعمة اللّه تعالى واغتباطا بها اهـ.\rقوله: (من تأييد الحياة الخ) لف ونشر مرتب. قوله: (الذي ذكر لأهل الجنة) أي: من قوله:","part":6,"page":331},{"id":2290,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 332\rلَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)\rلِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) قيل يقال لهم ذلك، وقيل هم يقولونه\rأَذلِكَ المذكور لهم خَيْرٌ نُزُلًا وهو ما يعد للنازل من ضيف وعيره أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) المعدة لأهل النار، وهي من أخبث الشجر المرّ بتهامة، ينبتها اللّه في الجحيم كما سيأتي\rإِنَّا أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ الخ.\rقوله: لِمِثْلِ هذا أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة والانصرام اهـ بيضاوي.\rقوله: (قيل يقال لهم ذلك) أي: ما ذكر من الجملتين من قبل اللّه تعالى، وقيل: هم يقولونه أي:\rيقوله بعضهم لبعض، ويبعد كلا من هذين الاحتمالين قوله: فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ فإن العمل والترغيب فيه إنما يكون في الدنيا، فالأولى أنه من كلام اللّه تعالى ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات اهـ.\rقوله: أَذلِكَ معمول لمحذوف أي: قل يا محمد لقومك على سبيل التوبيخ والتبكيت والتهكم أذلك خير نزلا، وقوله: (المذكور لهم) أي: للمؤمنين من الرزق السالق ذكره في قوله: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: نُزُلًا تمييز لخير والخيرية بالسنبة إلى ما اختاره الكفار على غيره، والزقوم شجرة مسمومة متى مست جسد أحد تورم فمات والتزقم البلع بشدة وجهد للأشياء الكريهة، وقول أبي جهل وهو من العرب العرباء لا نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد من العناد والكذب البحت اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. أصل النزل الفضل والريع، فاستعير للحاصل من الشيء فانتصابه على التمييز أي أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير نزلا أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم. ويقال: النزل لما يقام ويهيأ من الطعام الحاضر للنازل، فانتصابه على الحالية، والمعنى أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلا، والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق ذفرة مرة كريهة الرائحة تكون في تهامة سميت بها الشجرة الموصوفة اهـ.\rقوله: (و هو ما) أي: الطعام الذي يعد ويهيأ للنازل والمعنى أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم فأيهما خير في كونه نزلا اهـ أبو السعود.\rقوله: (من ضيف) وهو الذي يجيء بدعوة وقوله: (و غيره) وهو الذي يأتي بلا دعوة اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ أي: التي هي نزل أهل النار، والزقوم ثمر شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها، فهم يزقمونه على أشد كراهة، وقيل: هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر اهـ خازن.\rوالإضافة من إضافة المسمى إلى الاسم اهـ.\rقوله: (المعدة لأهل النار) أي: كما يعد القرى للضيف وهذا على سبيل التهكم اهـ شيخنا.","part":6,"page":332},{"id":2291,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 333\rجَعَلْناها بذلك فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) أي الكافرين من أهل مكة إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته؟\rإِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) أي قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها\rطَلْعُها المشبه بطلع النخل كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) أي الحيات القبيحة المنظر\rفَإِنَّهُمْ أي قوله: (من أخبث الشجر المر الخ) عبارة البيضاوي: وهو اسم شجرة صغيرة الورق منتنة مرة تكون بتهامة سميت به الشجرة الموصوفة، انتهت.\rقوله: إِنَّا جَعَلْناها بذلك أي: بسبب ذلك أي: نباتها في الجحيم أي بسبب الإخبار به فتنة للظالمين أي: ابتلاء واختباراهل يصدقوا أو لا فكذبوه وخاضوا في القرآن وكذبوه كما أشار له بقوله:\r(إذ قالوا النار تحرق الشجر) فكيف تنبته اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أي: محنة وعذابا لهم في الآخرة وابتلاء في الدنيا، فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا: كيف ذلك والنار تحرق الشجر، ولم يعلموا أن من يقدر على خلق حيوان هو السمندل يعيش في النار ويتلذذ بها يقدر على خلق الشجر في النار وحفظه منها اهـ.\rقوله: (إذ قالوا) ظرفية أو تعليلية.\rقوله: تَخْرُجُ أي: تنبت في أصل الجحيم أي: أسفلها، وقوله: (إلى دركاتها). وفي المختار: الدركات المنازل اهـ.\rقوله: طَلْعُها الطلع حقيقة اسم لثمر النخل أول بروزه فاطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة كما أشار له بقوله: (المشبه بطلع النخل) أي: في الطلوع والبروز كل عام، أو في الشكل اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: طَلْعُها أي: حملها الذي يخرج منها مستعار من طلع النخل لمشاركته له في الشكل، أو الطلوع من شجرة قالوا: أول الثمر طلع، ثم خلال، ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر اهـ.\rقوله: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ أي: في تناهي القبح والهول، وهو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك، وقيل: الشياطين حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف، ولعلها شبهت بها لكونها قبيحة المنظر اهـ بيضاوي.\rوقوله: (و هو تشبيه بالمتخيل الخ) رد على بعض الملاحدة إذ طعن فيه بأنه تشبيه بما لا يعرف فإنه لا يشترط أن يكون معروفا في الخارج، بل يكفي كونه مركوزا في الذهن والخيال ألا ترى إلى امرىء القيس يقول:\rومسنونة زرق كأنياب أغوال\rلأن الغول مرتسم في خيال كل أحد بصورة قبيحة اهـ شهاب.\rوقوله: (لها أعراف) جمع عرف بضم فسكون شعر على ما تحت الرأس اهـ شهاب.\rوعبارة السمين: قوله: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ فيه وجهان، أحدهما: أنه حقيقة وأن رأس","part":6,"page":333},{"id":2292,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 334\rالكفار لَآكِلُونَ مِنْها مع قبحها لشدّة جوعهم فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66)\rثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67) أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبا له\rثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الشياطين شجر بعينه بناحية تسمى الإستن وهو شجر مر منكر الصورة سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلا يشبه به، وقيل: الشياطين صنف من الحيات، وقيل: هو شجر يقال له الصرم، فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه، وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة. والثاني: أنه من باب التمثيل والتخيل، وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره والشياطين وإن كانوا موجودين لكنهم غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات اهـ.\rقوله: (لشدة جوعهم) أي: أو لقهرهم على الأكل منها.\rقوله: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أي: على ما يأكلون منها كما أشار له بقوله: (بالمأكول منها)، والشوب: مصدر شابه يشوبه من باب قال إذا خلطه فهو الخلط، والمراد به هنا اسم الفاعل كما أشار له بقوله: (فيصير شوبا له) اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أي: على الشجرة التي ملؤوا منها بطونهم بعد ما شبعوا منها وغلبها العطش وطال استسقاؤهم كما ينبىء عنه كلمة ثم، ويجوز أن يكون لما في شرابهم من مزيد الكراهة والبشاعة اهـ.\rقوله: لَشَوْباً العامة على فتح الشين وهو مصدر على أصله، وقيل: يراد به اسم المفعول، ويدل له قراءة بعضهم لشوبا بالضم. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقص بمعنى المنقوص، وعطف بثم لأحد معنيين إما لأنه يؤخر ما يظنونه ويرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك أتى بثم المقتضية للتراخي، وإما لأن العادة تقضي بتراخي الشرب عن الأكل فعمل على ذلك المنوال، وأما ملء البطن فيعقب الأكل فلذلك عطف على ما قبله بالفاء اهـ سمين.\rقوله: (يفيد أنهم يخرجون الخ) وهذا قول الأقل، والجمهور على أنه داخلها وأنهم لا يخرجون أصلا اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ أي: لإلى دركاتها أو إلى نفسها، فإن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها، وقيل: الحميم خارج عنها بقوله تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44] يوردون إليه كما تورد الإبل إلى الماء ثم يردون إلى الجحيم اهـ.\rوقوله: وقيل: الحميم خارج عنها الخ. هذه وجه في الجواب ثالث فيه أن الحميم خارج عن محل من النار يخرج المجرمون للسقي منه كما تخرج الدواب للماء، وليس المراد أنه خارج عن الجحيم بالكلية حتى ينافي أنهم بعد دخولهم النار لا يخرجون منها بالاتفاق، بل إنه في غيرهم مقرهم، فيجوز أن يكون في طبقة زمهريرية منها مثلا اهـ.","part":6,"page":334},{"id":2293,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 335\rالْجَحِيمِ (68) يفيد أنهم يخرجون منها لشرب الحميم وأنه خارجها\rإِنَّهُمْ أَلْفَوْا وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69)\rفَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) يزعجون إلى اتباعهم فيسرعون إليه\rوَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) من الأمم الماضية\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) من الرسل مخوفين\rفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) الكافرين، أي عاقبتهم العذاب\rإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة، أو لأن اللّه أخلصهم لها على قراءة فتح اللام\rوَلَقَدْ نادانا نُوحٌ بقوله: ربّ إني مغلوب فانتصر فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) له نحن، قوله: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ الخ تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب بتقليد آباءهم في الدين من غير أن يكون لهم ولا لآبائهم شيء يتمسك به أصلا. أي: وجدوهم ضالين في نفس الأمر، وليس لهم ما يصلح شبهة فضلا عن صلاحية الدليل اهـ أبو السعود.\rقوله: ضالِّينَ حال أو مفعول ثان.\rقوله: يُهْرَعُونَ أي: من غير أن يتدبروا أنهم على الحق أو لا مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل، والإهراع: الإسراع الشديد كأنهم يزعجون ويحثون على الإسراع على آثارهم اهـ أبو السعود.\rوذلك الإسراع والاتباع في الدنيا فعلم منه أن عبارة الشارح وهي قوله: (يزعجون الخ) فيها نوع قلب اهـ.\rوفي المصباح: هرع وأهرع بالبناء للمفعول فيهما إذا أعجل اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ الخ وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا الخ كل من اللامين جواب قسم، وتكريره لإبراز كمال الاعتناء لتحقيق مضمون كل من الجملتين اهـ أبو السعود. وقوله: قَبْلَهُمْ أي قبل قريش.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ أي: الأولين، وقوله: (من الرسل) بيانية.\rقوله: فَانْظُرْ الخ خطاب للنبي أو لكل من يتأتى منه التمكن من مشاهدة آثارهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي عاقبتم العذاب) هذا حل معنى، وعبارة الخازن: والمعنى انظر كيف كان اهلاكنا المنذرين، انتهت.\rقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ استثناء منقطع لأن ما قبله وعيد وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد اهـ سمين.\rقوله: (لإخلاصهم في العبادة) هذا على قراءة كسر اللام بدليل قوله: (أو لأن اللّه الخ) اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ الخ شروع في تفصيل ما أجمل فيما سبق بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ الخ. ففصله ببيان أحوال بعض المرسلين وحسن عاقبتهم وتضمن ذلك البيان سوء عاقبة","part":6,"page":335},{"id":2294,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 336\rأي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق\rوَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) أي الغرق\rوَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) فالناس كلهم من نسله عليه السّلام، وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك\rوَتَرَكْنا أبقينا عَلَيْهِ ثناء حسنا فِي الْآخِرِينَ (78) من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة بعض المنذرين، كقوم نوح، وفرعون، ولوط، وإلياس. ووجه تقديم قصة نوح على سائر القصص الآتية غني عن البيان، واللام جواب قسم محذوف، وكذا التي في قوله: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ أي: وتاللّه لقد نادانا نوح لما يئس من إيمان قومه بعد ما دعاهم إليه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يزدادوا إلا نفورا فأجبناه أحسن الإجابة، فو اللّه لنعم المجيبون نحن فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه اهـ أبو السعود.\rوحاصل ما يأتي من القصص سبع. قصة نوح، وقصة إبراهيم، وقصة إسماعيل، وقصة موسى وهارون، وقصة إلياس، وقصة لوط، وقصة يونس اهـ شيخنا.\rقوله: (رب أني مغلوب) بفتح الهمزة على الحكاية إذ التلاوة بفتحها وإن كان تسليط القول هنا عليها يقتضي كسرها، وقوله: (فانتصر) أي: انتصر لي بالانتقام منهم اهـ شيخنا.\rقوله: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ الواو للتعظيم، وقوله: (نحن) هو المخصوص بالمدح اهـ شيخنا.\rقوله: (و أهله) أي: وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم الثلاث اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وأهله يعني أهل دينه وهم من آمن معه، وكانوا ثمانين على ما تقدم اهـ.\rقوله: هُمُ الْباقِينَ ضمير فصل. قوله: (فالناس كلهم من نسله) وقال قوم: كان لغير ولد نوح أيضا نسل بدليل قوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [الإسراء: 3] وقوله: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ [هود: 48] فعلى هذا يكون المعنى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ، يعني ذرية المؤمنين دون ذرية من كفر فإنا أغرقناهم اهـ قرطبي.\rقوله: (سام وهو الخ) الثلاثة بمنع الصرف للعلمية والعجمة وفارس كذلك للعلمية والتأنيث لأنه علم قبيلة اهـ شيخنا.\rقوله: (و الخزرج) هكذا في بعض النسخ وهو تصحيف وخطأ فاحش، والصواب ما في غالبها وهو الخزر بفتح الخاء المعجمة وبفتح الزاي، وهو في الأصل جيل خزر العيون أي: ضيقوها صغيروها، والمراد بهم هنا التتار وهم صنف من الترك اهـ قاري.\rوهم المعروفون الآن بالططر اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: خزرت العين خزرا من باب تعب إذا صغرت وضاقت، فالرجل أخزر والأنثى خزراء وتخازو الرجل قبض جفنه ليحدد النظر اهـ.\rقوله: (و ما هنالك) أي: وما هناك أي: عند يأجوج ومأجوج وهم القوم المذكورون في قوله","part":6,"page":336},{"id":2295,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 337\rسَلامٌ منا عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79)\rإِنَّا كَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80)\rإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا تعالى: وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الكهف: 93] اهـ قاري.\rقال الخازن هناك: هم قوم إذا طلعت الشمس عليهم دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم، وقيل: إذا طلعت عليهم نزلوا في الماء فإذا ارتفعت خرجوا يرعون كالبهائم، وقيل: هم قوم عراة يفرش بعضهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى وهم مجاورون ليأجوج ومأجوج اهـ.\rقوله: (ثناء حسنا) أشار به إلى أن مفعول تركنا محذوف، فعلى هذا يكون قوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ كلاما مستقلا، وقوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ الخ. كلام مستقل أيضا دعاء من اللّه تعالى لنوح، وقد أشار الشارح في التقرير لهذا بقوله هنا، ويحتمل أن يكون مفعول تركنا هو جملة سلام الخ من حيث المعنى، أي: تركنا عليه أن يسلموا عليه إلى يوم القيامة أي: أن يقولوا سلام على نوح أي هذه الجملة اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ مبتدأ وخبر وفيه أوجه، أحدهما: أنه مفسر لتركنا.\rوالثاني: أنه مفسر لمفعوله أي: تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام. وقيل: ثم قول مقدر أي: فقلنا سلام، وقيل: ضمن تركنا معنى قلنا، وقيل: سلط تركنا على ما بعد، قال الزمخشري: وتركنا عليه في الآخرين هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له، وهو من الكلام المحكي كقولك: قرأت سورة أنزلناها، وهذا الذي قاله قوله الكوفيين جعلوا الجملة في محل نصب مفعولا بتركنا لا أنه ضمن معنى القول، بل هو على معناه بخلاف الوجه قبله، وهو أيضا من أقوالهم. وقرأ عبد اللّه سلاما وهو مفعول به لتركنا اهـ.\rوفي القرطبي: وقال سعيد بن المسيب وبلغني أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قال حين يمسي سلام على نوح في العالمين لم تلدغه عقرب» ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من نزل منزلا فليقل أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل». وفيه عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال: ما نمت الليلة. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أي شيء؟» قال: لدغتني عقرب، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم يضرك» اهـ.\rقوله: فِي الْعالَمِينَ متعلق بما تعلق به الجار قبله، ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين جميعا اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لما فعل بنوح من إكرامه بإجابة دعائه وإبقاء ذريته وذكره الجميل وتسليم العالمين عليه، فعلل ذلك بكونه من زمرة المأمورين بالإحسان الراسخين فيه، وإن ذلك من قبيل مجازاة الإحسان، وقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الخ تعليل لكونه من المحسنين لخلوص عبوديته وكمال إيمانه اهـ أبو السعود.\rقوله: (كما جزيناهم) الضمير لنوح وقومه، فجزاء الكل الخلاص من الغرق ويخص نوح بالسلام عليه في الآخرين اهـ شيخنا.","part":6,"page":337},{"id":2296,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 338\rالْمُؤْمِنِينَ (81)\rثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) كفار قومه\r* وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ أي ممن تبعه في أصل الدين لَإِبْراهِيمَ (83) وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة، وكان بينهما هود وصالح\rإِذْ جاءَ أي تابعه وقت مجيئه رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) من الشك وغيره\rإِذْ قالَ في قوله: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ علل إحسانه بإيمانه إجلالا لشأن الإيمان وشرفه وترغيبا في تحصيله والثبات عليه والازدياد منه، كما قال تعالى في مدح إبراهيم عليه السّلام: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة: 130] وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى فلا يرد كيف مدح نوحا وإبراهيم وغيرهما كموسى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام بذلك، مع أن مرتبة الرسل فوق مرتبة المؤمنين اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ معطوف على نجيناه وأهله فالترتيب حقيقي، لأن نجاتهم بركوب السفينة حصلت قبل غرق الباقين، والشهاب فهم أنه معطوف على قوله: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ، فجعل الترتيب اخباريا لأن الآخرين كان قبل جعل ذريته باقين اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ في المختار: الشيعة أتباع الرجل وأنصاره اهـ.\rففيها معنى المشتق، فلذلك قال أي: ممن تابعه اهـ.\rوفي المصباح: الشيعة الأتباع والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ثم صارت الشيعة اسما لجماعة مخصوصة، والجمع شيع مثل سدرة وسدر، والأشياع جمع الجمع اهـ.\rمأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار الذي يوقد به الكبار حتى تستوقد اهـ قرطبي.\rقوله: (في أصل الدين) أي: وإن اختلفت فروع شرائعهما، ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق كلي أو أكثري، وعن ابن عباس: من أهل دينه وعلى سنته أو ممن شايعه على التصلب في دين اللّه ومصابرة المكذبين اهـ أبو السعود.\rقوله: (و إن طال الزمن الخ) جملة حالية، وقوله: (و هو ألفان الخ) كذا وقع في البيضاوي والكشاف والقرطبي، والذي في جامع الأصول أن بينهما ألف سنة ومائة واثنتين وأربعين سنة اهـ كرخي.\rقوله: (و كان بينهما هود وصالح) أي: فقط. وعبارة أبي السعود: وما كان بينهما إلّا نبيان هود وصالح عليهما السّلام، انتهت.\rوالذي قبل نوح ثلاثة: إدريس وشيت وآدم، فجملة من قبل إبراهيم من الأنبياء ستة.\rقوله: إِذْ جاءَ رَبَّهُ الخ ومعنى مجيئة ربه بقلبه سليما إخلاصه له كأنه جاء به تحفة من عنده اهـ بيضاوي.\rوقوله: ومعنى (مجيئه الخ) يعني أن حقيقة المجيء بالشيء نقله من مكانه، وهذا المعنى لا يتصور فيما نحن فيه، فكان الظاهر جاء ربه سليم القلب، ففي جاء استعارة تصريحية تبعية شبه إخلاصه قلبه بمجيئه بتحفة في أنه فاز بما يستجلب به رضاه اهـ شهاب وزاده.","part":6,"page":338},{"id":2297,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 339\rهذه الحالة المستمرة له لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ موبخا ما ذا الذي تَعْبُدُونَ (85)\rأَإِفْكاً في همزتيه ما تقدم آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) وإفكا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب أي أتعبدون غير اللّه\rفَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87) إذ عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب؟ لا، قوله: (أي تابعه وقت مجيئه الخ) أشار بهذا إلى أن الظرف متعلق بشيعته أي: معمول له لما فيه من معنى المتابعة، وأشار بقوله (في هذه الحالة المستمرة) إلى أن الظرف الثاني بدل من الظرف الأول اهـ شيخنا.\rعبارة الكرخي: قوله: (أي تابعه وقت مجيئه) أشار بهذا إلى أن الظرف متعلق بشيعته، وبه صرح في الكشاف قال: لما في الشيعة من معنى المشايعة، ثم جوز أن يتعلق بمحذوف وهو اذكر، أي: اذكر إذ جاء ربه أي: وقت مجيئه ربه، وتعقب الأول أبو حيان بلزوم الفصل بينه وبينه معموله بأجنبي، وهو قوله: لَإِبْراهِيمَ وبلزوم عمل ما قبل اللام الابتدائية فيما بعدها، وأجيب بأنه يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها، وبأنه يجوز أن يكون المراد تعلق معنى، وكثيرا ما يجري ذلك في كلامهم، والتعلق اللفظي يكون بشيعته المقدر بعد اسم إن الاستئناف كأنه سئل متى شايعه؟ فقيل: شايعه إِذْ جاءَ رَبَّهُ الخ، والظرف على الثاني بدل من الأول كما أشار إليه اهـ.\rقوله: (من الشك وغيره) أي: من آفات القلوب ومن العلائق لما في الشيعة من المعاني الشاغلة عن التبتل إلى اللّه تعالى. وقال صاحب الفرائد: لما كان المقام مقام المدح وجب أن يكون سالما عن كل الآفات لأن السالم عن البعض يدخل فيه كل القلوب لأنه ما من قلب إلا وهو سالم من البعض، ومعنى المجيء به ربه اخلاصه له كأنه جاء به متحفا إياه بطريق التمثيل. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى المجي به ربه؟ قلت: معناه أنه أخلص للّه قلبه وعرف ذلك منه، فضرب المجيء مثلا لذلك أي: لقوله أخلص للّه قلبه قاله الطيبي اهـ كرخي.\rقوله: (ما الذي) أشار بهذا إلى أن ذا اسم موصول، فما مبتدأ وذا مع صلته خبره اهـ شيخنا.\rقوله: أَإِفْكاً فيه أوجه، أحدهما: أنه مفعول من أجله أي: أتريدون آلهة دون اللّه إفكا فآلهة مفعول به، ودون ظرف لتريدون، وقدمت معمولات الفعل اهتماما بها، وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول من أجله على المفعول به اهتماما به لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري. الثاني: أن يكون مفعولا به بتريدون، ويكون آلهة بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسرها بها ولم يذكر ابن عطية غيره. والثالث: أنه حال من فاعل تريدون أي:\rتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك، وإليه نحا الزمخشري. قال الشيخ: وجعل المصدر حالا يطرد إلا مع أما نحو أما علما فعالم اهـ سمين.\rقوله: (في همزتيه ما تقدم) وهو الوجوه الأربعة تحقيق الهمزتين مع إدخال ألف بينهما وتركه، وتسهيل الثانية كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أتعبدون غير اللّه) كان عليه أن يزيد المفعول له ليفي بمعنى ما تقدم أي: أتعبدون غير","part":6,"page":339},{"id":2298,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 340\rوكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم، وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم اخرج معنا\rفَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) إيهاما لهم أنه يعتمد اللّه إفكا أي: لأجل الإفك والكذب اهـ شيخنا.\rقوله: (إذ عبدتم) أي: وقت أن عبدتم غيره، وقوله: (أنه يترككم) معمول للظن. أي: أي سبب حملكم على ظن أنه تعالى يترككم بلا عقاب حين عبدتم غيره؟ فالسؤال في الحقيقة عن سبب الكفر ومقتضيه كما ذكره البيضاوي وأشار بقوله: (لا) إلى أن الاستفهام إنكاري أي: ليس لكم سبب ولا عذر يحملكم على الظن المذكور اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: أشار به إلى أنه استفهام توبيخ وتحذير وتوعد. وقال القاضي: والمعنى إنكار ما يوجب ظنا فضلا من قطع يصد عن عبادته، أو يجوز الإشراك به، أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإلزام وهو كالحجة على ما قبله، انتهت.\rوقوله: (المعنى الخ) يعني أن الاستفهام إنكاري، والمراد من إنكار الظن إنكار ما يقتضيه اهـ شهاب.\rقوله: (و كانوا نجامين) أي: يتعاطون علم النجوم ويتعاملون به، وقوله: (فخرجوا إلى عيد لهم) وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لهما هرمزا اهـ قرطبي.\rقوله: (زعموا التبرك عليه) أي: زعموا أنها تبرك عليه أي تنزل فيه البركة اهـ شيخنا.\rقوله: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ أي: في علمها أو كتبها، وقوله: (ليعتمدوه) الأولى أن يقول ليتركوه ويعذروه في التخلف. وفي الخازن: قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون ويتعاملون به لئلا ينكروا عليه ذلك، وأراد أن يباكتهم في عبادة الأصنام ويلزمهم الحجة على بطلانها اهـ.\rوفي القرطبي: فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي وكان علم النجوم مستعملا عندهم منظورا فيه فأوهمهم هو من تلك الجهة وأرادهم معتقدهم عذرا لنفسه، وذلك أنهم أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. وقال ابن عباس: كان علم النجوم من النبوة، فلما حبس اللّه تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فكان نظر إبراهيم فيها علما نبويا.\rوحكى جرير عن الضحاك: كان علم النجوم باقيا إلى زمن عيسى عليه السّلام حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم: من أين علمتم بموضعه؟ قالوا: من النجوم فدعا ربه عند ذلك، فقال: اللهم لا تفهمهم في علمها فلا يعلم علم النجوم أحد فصار حكمها في الشرع محظورا وعلمها في الناس مجهولا. وقال الحسن: المعنى أنهم لما كلفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل، فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي أي: فيما طلع له منه، فعلم أن كل حي سقيم، فقال:\rإني سقيم. وقال الخليل والمبرد: يقول للرجل إذا فكر في نفسه تدبر ونظر في النجوم، وقيل كانت الساعة التي دعوه فيها إلى الخروج معهم ساعة تعتاده فيها الحمى، وقيل: المعنى فنظر فيما نجم من","part":6,"page":340},{"id":2299,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 341\rعليها ليعتمدوه\rفَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) عليل أي سأسقم\rفَتَوَلَّوْا عَنْهُ إلى عيدهم مُدْبِرِينَ (90)\rفَراغَ مال في خفية إِلى آلِهَتِهِمْ وهي الأصنام وعندها الطعام فَقالَ استهزاء أَلا الأشياء، فعلم أن لها خالقا ومدبرا، وأنه يتغير كتغيرها فقال: إِنِّي سَقِيمٌ. وقال الضحاك: معنى سقيم سأسقم سقم الموت لأن من كتب اللّه عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأله عن سارة: هي أختي، يعني: أخته في الدين. وقال ابن عباس، وابن جبير، والضحاك أيضا: أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون وكانوا يهربون من الطاعون، ولذلك تولوا عنه مدبرين أي: فارين منه خوفا من العدوى اهـ.\rقوله: فِي النُّجُومِ أي: في علم النجوم، ولم يقل إلى النجوم مع أن النظر إنما يتعدى بإلى كما في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف: 143] لأن في بمعنى إلى كما في قوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إبراهيم: 9] أو أن النظر هنا بمعنى الفكر وهو يتعدى بفي كما في قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 185] فصار المعنى تفكر في علم النجوم كما مرت الإشارة إلى ذلك اهـ كرخي.\rقوله: (أي سأسقم) من باب طرب. يقال في مصدره سقما بفتحتين، وسقما بضم فسكون، وسقاما بكسر أوله اهـ شيخنا.\rقوله: (أي سأسقم) جواب ما يقال كيف جاز له عليه السّلام أن يقول إني سقيم، والحال أنه لم يكون سقيما؟ وإيضاحه: أنه كقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: 30] أي: ستموت أو سقيم القلب عليكم لعبادتهم الأصنام وهي لا تضر ولا تنفع، أو أن من يموت فهو سقيم اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: قال: إني سقيم وكان صادقا في ذلك، فجعله عذرا في تخلفه عن عيدهم، وقيل: أراد إني سقيم القلب لكفرهم، وقيل: في علمها أو في كتبها أو أحكامها، ولا منع من ذلك حيث كان قصده عليه السّلام إيهامهم حين أرادوا أن يخرجوا به عليه السّلام إلى معبدهم ليتركوه، فإن القوم كانوا نجامين فأوهمهم أنه قد استدل بإمارة في علم النجوم على أنه سقيم، أي: مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان الطاعون أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون منه العدوى فتفرقوا عن إبراهيم خوفا منها فهربوا إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام اهـ.\rقوله: إِلى آلِهَتِهِمْ اهـ. وكانت اثنين وسبعين صنما بعضها من حجر، وبعضها من خشب، وبعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من نحاس، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر، وكان في عينيه ياقوتتان تتقدان نورا اهـ شيخنا.\rقوله: (و عندها الطعام) أي: والحال.\rقوله: فَقالَ (استهزاء) أي بها اهـ حازن.\rوقال بعضهم: بعابديها. وعلى كل حال فهذا الاستهزاء غير ظاهر لأنه إذا كان عندها وحده ومنفردا بها فلا يعقل استهزاؤه بها ولا بعابديها اهـ شيخنا.","part":6,"page":341},{"id":2300,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 342\rتَأْكُلُونَ (91) فلم ينطقوا فقال\rما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) فلم تجب\rفَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) بالقوة فكسرها، فبلغ قومه ممن رآه\rفَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) أي يسرعون المشي، فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها\rقالَ لهم موبخا أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95) من الحجارة وغيرها أصناما\rوَاللَّهُ ولعل كان عنده من يسمع كلامه من معدنتها أو غيرهم اهـ.\rقوله: فَراغَ عَلَيْهِمْ أي: مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته بمكان، وضربا مصدر واقع موقع الحال أي: فراغ عليهم ضاربا أو مصدر لفعل مقدر حال تقديره: فراغ يضرب ضربا أو ضمن راغ معنى ضرب وهو بعيد باليمين متعلق بضربا إن لم يجعله مؤكدا وإلّا فبعامله، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر وأن يراد بها القوة، فالباء على هذا للحال أي ملتبسا بالقوة، وأن يراد بها الحلف وفاء بقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَ [الأنبياء: 57] والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي عليهم من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه توبيخ وأتى بضمير العقلاء في قوله عليهم جريا على ظن عبدتها أنها كالعقلاء اهـ سمين. وفي المختار: راغ الثعلب من باب قال وروغانا بفتحتين والاسم منه الرواغ بالفتح، وأراغ وارتاغ إذا طلب وأراد وأراغ إلى كذا مال إليه سرا وحاد، وقوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي: أقبل. وقال القراء: عليهم، وفلان يراوغ في الأمر مرواغة اهـ.\rقوله: (بالقوة) أي: القدرة فاستعمل اليمين في القدرة على حد: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات: 47] اهـ شيخنا.\rقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ معطوف على ما قدره الشارح بقوله: (فكسرها الخ)، وقوله: يَزِفُّونَ بكسر الزاي مع فتح الياء وضمها قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: يَزِفُّونَ حال من فاعل أقبلوا وإليه يجوز تعلقه بما قبله أو بما بعده، وقرأ حمزة يزفون بضم الياء من أزف وله معنيان، أحدهما: أنه من أزف يزف أي دخل في الزفيف وهو الإسراع، أو زفاف العروس وهو المشيء على هينة، لأن القوم كانوا في طمأنينة من أمرهم كذا قيل. وهذا الثاني ليس بشيء، إذ المعنى أنهم لما سمعوا بذلك بادروا مسرعين فالهمزة على هذا ليست للتعدية. والثاني: أنه من أزف غيره أي: حمله على الزفيف وهو الإسراع أو على الزفاف وقد تقدم ما فيه، وباقي السبعة بفتح الياء من زف الظليم يزف أي: عدا بسرعة، وأصل الزفيف للنعام اهـ سمين.\rقوله: (و أنت تكسرها) هذا يدل على أن إبراهيم هو الكاسر لآلهتهم وقوله: في الأنبياء: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ [الأنبياء: 62] يدل على أنهم ما عرفوا الكاسر لها. وأجيب بأنه يحتمل أن بعضهم عرفه فأقبل إليه، وبعضهم جهله فسأله، أو أن كلهم جهلوه وسألوا إبراهيم عنه، فلما عرفوه أقبلوا إليه اهـ كرخي.\rقوله: قالَ (لهم موبخا) أَتَعْبُدُونَ ووجه التوبيخ ظاهر، وهو أن الخشب والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبودا البتة، فإذا نحته وشكله على الوجه المخصوص لم يحدث فيه إلا آثار تصرفه عن هيئته، فلو صار معبودا لهم عند ذلك لزم أن الشيء الذي لم يكن معبودا إذا حصل فيه آثار","part":6,"page":342},{"id":2301,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 343\rخَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96) من نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده، وما مصدرية، وقيل موصولة، وقيل موصوفة\rقالُوا بينهم ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فاملؤوه حطبا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) النار الشديدة\rفَأَرادُوا بِهِ كَيْداً بإلقائه في النار لتهلكه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) صار معبودا وفساده واضح اهـ زاده.\rقوله: ما تَنْحِتُونَ النحت: البري، ففي المختار: نحته براه وبابه ضرب وقطع أيضا نقله الأزهري، والنحاتة: البراية اهـ.\rوقوله: (أصناما) تفسير لما. قوله: (و ما مصدرية) راجع لقوله: (من نحتكم). وقوله: (و قيل موصولة وقيل موصوفة) راجعان لقوله: (و منحوتكم) اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَما تَعْمَلُونَ في ما هذه أربعة أوجه، أحدها: أنها بمعنى الذي أي: خلق الذي تصنعونه فالعمل هنا التصوير والنحت. الثاني: أنها مصدرية أي: خلقكم وأعمالكم، وجعلها الأشعرية دليلا على خلق أفعال عباد اللّه تعالى وهو الحق. والثالث: أنها استفهامية وهو استفهام توبيخ أي: وأي شيء تعملون. والرابع: أنها نافية أي: أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئا، والجملة من قوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ حال، ومعناها حينئذ أتعبدون الأصنام على حالة تنافي ذلك وهي أن اللّه خالقكم وخالقهم جميعا، ويجوز أن تكون مستأنفة اهـ.\rقوله: (و قيل موصولة) أي: وخلق الذي تصنعونه، والعمل هنا التصوير والنحت نحو عمل الصانع السوار أي: صاغه، ويرجحه ما قبله أي: أتعبدون الذي تنحتون أو بمعنى الحدث، ويدل على خلق الأعمال، فإن فعلهم كان يخلق اللّه فيهم، مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، ويرجح على الأولين بعدم الحذف والمجاز. فعلى الأول وهو أن تكون موصولة يلزم الحذف وهو الضمير، وعلى الثاني وهو أن تكون ما مصدرية والعمل بمعنى المعمول يلزم المجاز، وليس المراد بالحدث معنى الإيقاع فإنه لا وجود له بالاتفاق حتى يكون متعلق الخلق اهـ كرخي.\rقوله: بُنْياناً قيل بنوا له حائطا من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه من الحطب وأوقدوا عليه النار وطرحوه فيها اهـ خازن.\rقوله: (و أضرموه بالنار) أي: أوقدوه بها. وفي المختار: الضرام بالكسر اشتعال النار في الحلفاء ونحوها وهو أيضا دقاق الحطب الذي يسرع به اشتعال النار فيه، والضرمة بفتحتين السعفة أو الشيحة في طرفها نار، وضرمت النار من باب طرب، وتضرمت واضطرمت أي: التهبت وأضرمها غيرها وضرمها شدد للمبالغة اهـ.\rقوله: (النار الشديدة) قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم اهـ خطيب.\rومن الجحمة وهي شدة التأجج واللام بدل الإضافة أي: جحيم ذلك البنيان اهـ بيضاوي.\rوفي القاموس: الجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض كالجحمة وتصم، وكل نار عظيمة في مهواة والمكان الشديد الحر كالجاحم وجحمها كمنعها أو قدها فجحمت ككرمت جحوما","part":6,"page":343},{"id":2302,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 344\rالمقهورين فخرج من النار سالما\rوَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي مهاجر إليه من دار الكفر سَيَهْدِينِ (99) إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال\rرَبِّ هَبْ لِي ولدا مِنَ الصَّالِحِينَ (100)\rفَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) أي ذي حلم كثير\rفَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي أن وكفرح جحما وجحما وجحوما اضطرب، والجاحم الجمر الشديد الاشتعال اهـ.\rقوله: فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً أي: شرا. قوله: (المقهورين) عبارة البيضاوي: الأسفلين الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شأنه حيث جعل النار عليه بردا وسلاما اهـ.\rقوله: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ معطوف على ما قدره بقوله: (فخرج الخ) اهـ شيخنا.\rوهذه الآية أصل في الهجرة وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السّلام، وذلك حين خلصه اللّه من النار قال: إني ذاهب إلى ربي أي مهاجر من بلدة قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه سيهدين فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة وزوجته إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام، وقيل: ذاهب بعملي وعبادتي وقلبي ونيتي، فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن، وقد مضى بيان هذا في الأنبياء مستوفى. وقيل: خرج إلى حران فأقام بها مدة، ثم قيل: قال ذلك لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخا لهم، وقيل: قاله لمن هاجر معه من أهله فيكون ذلك ترغيبا، وقيل: قال ذلك قبل إلقائه في النار. وفيه على هذا القول تأويلان، أحدهما: إني ذاهب إلى ما قضاه عليّ ربي. الثاني: إني ميت كما يقال لمن مات قد ذهب إلى اللّه تعالى، لأنه عليه السّلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار على المعهود من حال النار في تلف ما يلقى فيها إلى أن قيل لها:\rكُونِي بَرْداً وَسَلاماً [الأنبياء: 69] فحينئذ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: سَيَهْدِينِ على هذا القول تأويلان، أحدهما: سيهدين إلى الخلاص منها. الثاني: سيهدين إلى الجنة اهـ قرطبي.\rقوله: سَيَهْدِينِ أي: إلى ما فيه صلاح ديني وإلى مقصدي وبت القول بذلك لسبق الوعد أو لفرط توكله أو للبناء على عادته تعالى معه، ولم يكن كذلك حال موسى عليه السّلام حيث قال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [القصص: 22] ولذلك أتى بصيغة التوقع اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: سَيَهْدِينِ أي: سيثبتني على هداي ويزيدني هدى، وهذا يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من اللّه تعالى، ولا يمكن حمله على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار، لأن ذلك كان حاصلا في الزمان الماضي، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله، وأما قول موسى عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي فكان قبل النبوة، وفي كلامه إشارة إلى أن سين الاستقبال للجزم بوقوع الفعل، وفي المفصل أن سيفعل جواب لن يفعل، وكانت العادة جارية على القطع في الإرشاد فحدث بذلك لقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] فدلالة السين على التأكيد من جهة كونها في مقابلة لن. قال سيبويه: لن أفعل نفي سأفعل اهـ.\rقوله: (إلى حيث أمرني ربي) أي: إلى مكان أمرني الخ وهذا متعلق بكل من ذاهب ويهدين كما تشير له عبارة البيضاوي، وقوله: (بالمصير إليه) أي: إلى حيث وكذا ما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الصَّالِحِينَ أي: بعض الصالحين ليعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة","part":6,"page":344},{"id":2303,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 345\rيسعى معه ويعينه، قيل بلغ سبع سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى أي رأيت فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر اللّه تعالى فَانْظُرْ ما ذا تَرى من الرأي، يعني: الولد لأن لفظ الهبة على الإطلاق خاص به اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: ولفظ الهبة غالب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم: 53] اهـ.\rقوله: فَبَشَّرْناهُ أي: فاستجبنا له فبشرناه بغلام حليم، أي: على لسان الملائكة الذين جاؤوا له في صورة أضياف فبشروه بالغلام، ثم انتقلوا من قريته إلى قرية لوط لإهلاك قومه كما تقدم في هود ويأتي في الذاريات اهـ قرطبي.\rقوله: (فلما بلغ معه) معه متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلا قال: مع من بلغ السعي؟\rفقيل: مع أبيه. ولا يجوز تعلقه ببلغ لأنه يقتضي بلوغهما معا حد السعي. قال الطيبي: يرد أن لفظة مع تقتضي استحداث المصاحبة لأن معه على هذا حال من فاعل بلغ فيكون قيدا للبلوغ فيلزم منه ما ذكر من المحذور، لأن معنى المعية المصاحبة وهي مفاعلة، وقد قيد الفعل بها فيجب الاشتراك فيه، ولا يجوز تعلقه بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه لأنه عند العمل مؤول بأن والفعل وهو موصول ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، لأنه كتقدم جزء من الشيء المترتب الأجزاء عليه، فتعين أن يكون بيانا. قال معناه الزمخشري: ومن يتسع في الظرف يجيز تعلقه بالسعي اهـ سمين.\rوإلى هذا الثاني يشير صنيع الشارح حيث قال: أي: أن يسعى معه. وفي القرطبي: فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى فيه مع أبيه في أمور دنياه معينا له على أعماله قال: يا بُنَيَ الخ اهـ.\rتنبيه:\rلما كانت العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وكان إبراهيم قد سأل ربه الولد ووهب له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، واللّه تعالى قد اتخذه خليلا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة وأن لا يشارك فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنزعها من قلب الخليل، فأمر بذبح المحبوب، فلما قدم على ذبحه وكانت محبة اللّه أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح وصدق الخليل الرؤيا اهـ مواهب اهـ ابن لقيمة.\rقوله: يا بُنَيَ بفتح الياء وكسرها سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: أَنِّي أَذْبَحُكَ أي: أفعل الذبح أو أمر به فهما احتمالان اهـ أبو السعود.\rويشير للثاني افعل ما تؤمر ويشير للأول قد صدقت الرؤيا اهـ شيخنا.\rوروي أنه رأى ليلة التروية أن قائلا يقول له: إن اللّه يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح فكر في نفسه أنه من اللّه أو من الشيطان، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من اللّه تعالى ثم رأى مثله في الليلة","part":6,"page":345},{"id":2304,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 346\rشاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به قالَ يا أَبَتِ التاء عوض عن ياء الإضافة افْعَلْ ما تُؤْمَرُ به سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) على ذلك\rفَلَمَّا أَسْلَما خضعا وانقادا لأمر اللّه تعالى وَتَلَّهُ الثالثة، فهمّ بنحره فقال له: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ الخ ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر اهـ بيضاوي.\rوهذه الجملة سادة مسد معمولي أرى اهـ شيخنا.\rقوله: ما ذا تَرى يجوز أن تكون ماذا مركبة مغلبا فيها الاستفهام، فتكون منصوبة بترى وما بعدها في محل نصب بانظر لأنها معلقة له، وأن تكن ما استفهامية وذا موصولة، فتكون ماذا مبتدأ وخبرا والجملة معلقة أيضا، وأن تكون ماذا بمعنى الذي فتكون معمولا لانظر. وقرأ الأخوان ترى بالضم والكسر والمفعولان محذوفان أي: تريني إياه من صبرك واحتمالك، وباقي السبعة ترى بفتحتين من الرأي، وقرأ الأعمش والضحاك ترى بالضم والفتح بمعنى ما يخيل إليك ويسنح خاطرك، وقوله:\rما تُؤْمَرُ يجوز أن تكون ما بمعنى الذي، والعائد مقدر أي: تؤمره، والأصل تؤمر به ولكن حذف الجار مطرد فلم يحذف العائد إلا وهو منصوب المحل، فليس حذفه هنا كحذفه في قولك جاء الذي مررت وأن تكون مصدرية أي: أمرك على إضافة المصدر للمفعول اهـ سمين.\rقوله: (شاوره ليأنس الخ) عبارة الخازن: فإن قلت: لم شاوره في أمر قد علم أنه حتم من اللّه؟\rقلت: لم يشاوره ليرجه إلى رأيه، وإنما شاوره ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء اللّه وليعلم صبره وعزيمته على طاعة اللّه وليثبت قدمه ويصبرها، انتهت.\rقوله: قالَ يا أَبَتِ بفتح التاء وكسرها سبعيتان، وقوله: (التاء عوض عن ياء الإضافة) أي فهي في محل جر لأن المعوض عنه كذلك اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ قال ابن إسحاق وغيره: لما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ هذا الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب، فلما خلا بابنه في الشعب أخبره بما أمر اللّه به، فقال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ اهـ خازن.\rقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ إنما علق ذلك بمشيئة اللّه على سبيل التبرك، وأنه لا حول عن المعصية إلا بعصمة اللّه ولا قوة على طاعة اللّه إلا بتوفيق اللّه اهـ خازن.\rقوله: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي: صرعه وأسقطه على شقه، وقيل: هو الرمي بقوة وأصله من رماه على التل وهو المكان المرتفع أو من التليل وهو العنق، أي: رماه على عنقه، ثم قيل لكل إسقاط وإن لم يكن على تل ولا على عنق، والجبين ما انكشف من الجبهة اهـ سمين.\rوفي المصباح: والجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما. فتكون الجبهة بين جبينين وجمعه جبن بضمتين مثل بريد وبرد وأجبنه مثل أسلحة اهـ.\rوفي القاموس: تله تلا من باب قتل فهو متلول وتليل صرعه أو ألقاه على عنقه وخده اهـ.","part":6,"page":346},{"id":2305,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 347\rلِلْجَبِينِ (103) صرعه عليه، ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة، وكان ذلك بمنى، وأمرّ السكين وفيه أيضا: الصرع ويكسر الطرح على الأرض كالمصرع كمقعد وهو موضعه أيضا، وقد صرعه كمنعه والصرعة بالكسر للنوع اهـ.\rقوله: (صرعه عليه) قال ابن عباس: أضجعه على جنبه فلما فعل ذلك قال الابن: يا أبت أشدد رباطي كي لا أضرب، واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فينقص أجرى وتراه أمي فتحزن واستحد شفرتك وأسرع بها على حلقي ليكون أهون عليّ، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليهاالسّلام مني وإن رأيت أن ترد قميصي عليها فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر اللّه. ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه ثم أقبل عليه وهو يبكي والابن يبكي، فلما وضع السكين على حلقه لم تؤثر شيئا فاشتدها بالحجر مرتين أو ثلاثا كل ذلك لا تستطيع أن تقطع شيئا، فمنعت بقدرة اللّه تعالى، وقيل: ضرب اللّه صفيحة من نحاس على حلقه والأول أبلغ في القدرة وهو منع الحديد عن اللحم، فعند ذلك قال الابن: يا أبت كبني لوجهي على جبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني فأدركتك رأفة تحول بينك وبين أمر اللّه وأنا أنظر إلى الشفرة فأجزع منها، ففعل ذلك إبراهيم ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت، فنودي يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا الخ اهـ خازن.\rقوله: (بمنى) بالصرف وعدمه ويذكر ويؤنث باعتبار المكان والبقعة اهـ شوبري على المنهج.\rقوله: (و أمر السكين) قد جرى على هذاهنا، ونقله الخازن عن ابن عباس، ونقله غيره من المفسرين، والأمر النقلي لا يعارض إلا بنقل أوضح منه أو بالطعن في سنده. إذا علمت هذا علمت أن ما سلكه الشارح نفسه في شرح جمع الجوامع من أن هذا قول اعتزالي غير سديد لأنه لم يقم عليه دليلا نقليا بل تمسك بأمر عقلي لا شاهد فيه اهـ.\rوفي القرطبي: وقد اختلف الناس في وقوع هذا الأمر فقال أهل السنّة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل، لأنه لو حصل الفراغ في امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء، وقوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات: 105] أي حققت ما نبهناك عليه وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك هذا أصح ما قيل به في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما نسخ بوجه، لأن معنى ذبحت الشيء قطعته، واستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم: لا تنظر إليّ فترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض، فأخذ السكين فأمرّ بها على حلقه فانقلبت، فقال له: ما لك؟ فقال: انقلبت السكين، فقال:\rاطعني بها طعنا. وقال بعضهم: كان كلما قطع جزأ التأم، وقالت طائفة: وجدت حلقه نحاسا أو مغشى بنحاس، وكان كلما أراد قطعا وجد منعا فهذا كله جائز في القدرة الإلهية لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمر لا يدرك بالنظر إنما طريقه الخبر، ولو كان قد جرى ذلك لبيّنه اللّه تعظيما لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات اللّه عليهما، وكان أولى بالبيان من الفداء، وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، ولما أتى ما أمر به من الاضجاع قيل له: قد صدقت الرؤيا. وهذا كله خارج عن المفهوم ولا","part":6,"page":347},{"id":2306,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 348\rعلى حلقه فلم تعمل شيئا بمانع من القدرة الإلهية\rوَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104)\rقَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا بما أتيت به مما أمكنك من أمر الذبح، أي يكفيك ذلك، فجملة ناديناه جواب لما بزيادة الواو إِنَّا كَذلِكَ كما جزيناك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) لأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم\rإِنَّ هذا الذبح المأمور به لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) أي الاختبار الظاهر\rوَفَدَيْناهُ أي المأمور بذبحه يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم، وأيضا لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء اهـ.\rقوله: أَنْ يا إِبْراهِيمُ أن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول اهـ.\rقوله: (مما أمكنك) جواب عن سؤال، وعبارة الخازن: فإن قلت: كيف قال اللّه قد صدقت الرؤيا، وهو إنما رأى أن يذبح ابنه وما كان تصديقها إلا لو حصل منه الذبح؟ قلت: جعله اللّه مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه وأتى بما أمكنه وفعل ما يفعله الذابح فأتى بالمطلوب وهو انقيادهما لأمر اللّه انتهت.\rقوله: (فجملة ناديناه جواب لما) لم يقدم ما يتفرع عليه هذا، فلو عبر بالواو لكان أوضح. وعبارة السمين: في جواب لما ثلاثة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنه محذوف أي نادته الملائكة أو ظهر صبرهما أو جزلنا لهما أجرهما. الثاني: أنه وتله للجبين بزيادة الواو وهو قول الكوفيين والأخفش، والثالث: أنه وناديناه والواو زائدة أيضا اهـ.\rقوله: (بإفراج الشدة عنهم) الذي في كتب اللغة أن يقال: فرّج اللّه الغم بالتشدييد كشفه، وفرج فرجا من باب ضرب لغة والاسم الفرج بفتحتين اهـ.\rفكان على الشارح التعبير بالتفريج أو الفرج اهـ.\rقوله: وَفَدَيْناهُ معطوف على ناديناه. قوله: (قولان) عبارة القرطبي: واختلف العلماء في المأمور بذبحه، فقال أكثرهم الذبيح إسحاق، وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب، وابنه عبد اللّه وهو الصحيح عنه، وعبد اللّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللّه، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللّه بن عمر وعمر أبوه، فهؤلاء سبعة من الصحابة، وقال به من التابعين علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وقتادة، ومسروق، والقاسم بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد اللّه بن أبي الهذيل، ومالك بن أنس كلهم قالوا الذبيح إسحاق، وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد منهم النحاس والطبري وغيرهما. قال سعيد ابن جبير: أرى إبراهيم ذبح إسحاق في المنام فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف اللّه عنه الذبح أمره أن يذبح الكبش فذبحه، وسار به إلى الشام مسيرة شهر في روحة واحدة وطويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وعن الصحابة، والتابعين. واحتجوا له بأن اللّه عز وجل قد أخبر عن إبراهيم حين فارق قومه وهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط وقال: إني ذاهب إلى ربي سيهدين أنه دعا فقال: رب هب لي من الصالحين.\rفقال تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ. وما يعبدون من دون اللّه وهبنا له إسحاق ويعقوب وبأن اللّه تعالى قال:","part":6,"page":348},{"id":2307,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 349\rوهو إسماعيل أو إسحاق قولان بِذِبْحٍ بكبش عَظِيمٍ (107) من الجنة هو الذي قربه هابيل، جاء به جبريل عليه السّلام فذبحه السيد إبراهيم مكبرا\rوَتَرَكْنا أبقينا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ثناء حسنا وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم، وإنما بشر بإسحاق لأنه قال: وبشرناه بإسحاق وقال هنا بغلام حليم، وذلك قبل أن يتزوج بهاجر وقبل أن يولد له إسماعيل وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا بإسحاق فتلخص من هذا أن إسحاق أكبر من إسماعيل، وقال آخرون:\rالذبيح إسماعيل، وقال به من الصحابة أبو هريرة، وأبو الطفيل، وعامر بن واثلة. وروي عن ابن عمر وابن عباس أيضا. ومن التابعين سعيد بن المسيب، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، والربيع ابن أنس، ومحمد بن كعب القرطبي، والكلبي، وعلقمة. واحتجوا لهذا بأن اللّه تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق الوعد في قوله: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم: 54] فوفى به، وبأن اللّه تعالى قال: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا. وأيضا فإن اللّه تعالى قال: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ ومن وراء إسحاق يعقوب، فكيف يأمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب. وأيضا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس، وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع. أما قولهم كيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا؟ فإنه يحتمل أن يكون المعنى وبشرناه بنبوته بعد أن كان من أمره ما كان قاله ابن عباس، ولعله أمره بذبح إسحاق بعد أن ولد إسحاق يعقوب، أو يقال لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد له من إسحاق، وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس.\rفالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدم: نعم ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أن الذبيح إسماعيل، وتقدم أن الأول آكد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقال الزجاج: اللّه أعلم أيهما الذبيح. وهذا مذهب ثالث وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين وتفويض علم ذلك إلى اللّه تعالى، فإن هذه المسألة ليست من العقائد التي كلفنا بمعرفتها فلا نسأل عنها في القيامة، فهي مما ينفع علمه ولا يضر جهله، انتهت بتصرف.\rقوله: (بكبش) عَظِيمٍ وقيل: كان وعلا أهبط عليه من ثبير اهـ بيضاوي.\rوالوعل: التيس الجبلي اهـ.\rقوله: (و هو الذي قرّبه هابيل) أي: فحق له أن يكون عظيما لأنه تقبل مرتين، وقيل: عظمه لكونه من عند اللّه، وقيل: من حيث ثوابه، وقيل: من حيث سمنه خازن.\rقوله: (فذبحه السيد إبراهيم) وقد بقي قرناه معلقين على الكعبة إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير. قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة، وقال ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد يبس اهـ خازن.\rومن المعلوم المقرر أن كل ما هو من الجنة لا تؤثر فيه النار فلم يطبخ لحم الكبش بل أكلته السباع والطيور تأمل. قوله: (مكبرا) روي أنه لما ذبحه قال جبريل: اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر، فقال إبراهيم: اللّه أكبر وللّه الحمد فبقي هذا سنّة اهـ أبو السعود.","part":6,"page":349},{"id":2308,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 350\rسَلامٌ منا عَلى إِبْراهِيمَ (109)\rكَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) لأنفسهم\rإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)\rوَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ استدل بذلك على أن الذبيح غيره نَبِيًّا حال مقدرة، أي يوجد مقدرا نبوّته مِنَ الصَّالِحِينَ (112)\rوَبارَكْنا عَلَيْهِ بتكثير ذريته وَعَلى إِسْحاقَ ولده، بجعلنا أكثر الأنبياء من نسله وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ كافر مُبِينٌ (113) بيّن الكفر\rوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (114) بالنبوّة\rوَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما بني إسرائيل مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) أي استعباد فرعون إياهم\rوَنَصَرْناهُمْ على القبط فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116)\rوَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) البليغ البيان فيما أتى به من الحدود والأحكام وغيرهما، وهو التوراة قوله: كَذلِكَ الإشارة إلى بقاء ذكره الجميل فيما بين الأمم لا إلى ما أشير إليه فيما سبق فلا تكرار، وعدم تصدير الجملة بأنا للاكتفاء بما مرّ آنفا اهـ أبو السعود.\rقوله: (استدل بذلك الخ) وذلك لأن العطف للمغايرة، لأن هذه الجملة معطوفة على جملة فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ إلى آخر القصة، فدل العطف على أن القصة الماضية في غير إسحاق اهـ شيخنا.\rوأجاب القائلون بأن الذبيح هو إسحاق بأن البشارة الأولى كانت بأصل وجوده، والثانية كانت بنبوته. وفي القرطبي: قال ابن عباس في قوله تعالى: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا بشّر بنبوته، ووقعت البشارة به مرتين، فعلى هذا الذبيح هو إسحاق، قلت: وقد ذكرنا أولا ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل وأن المبشر به هو إسحاق بنص التنزيل، فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا، فالذبيح لا شك هو إسحاق، فبشر به إبراهيم مرتين الأولى بولادته، والثانية بنبوته. ولا تكون النبوة إلا في حال الكبر اهـ.\rقوله: مِنَ الصَّالِحِينَ يجوز أن يكون صفة لنبيا، وأن يكون حالا من الضمير في نبيا فتكون حالا متداخلة، ويجوز أن تكون حالا ثانيا اهـ سمين.\rقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما خبر مقدم، وقوله: مُحْسِنٌ الخ مبتدأ مؤخر، وقوله: وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ فيه تنبيه على أن النسب لا تأثير له في الهداية والضلال، فإن الظلم في أعقابها لا يعود عليهما بالنقيصة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا أي: أنعمنا، وقوله: (بالنبوة) أي وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية اهـ خطيب.\rقوله: وَنَصَرْناهُمْ الضمير عائد على موسى وهارون وقومهما، وقيل: عائد على الاثنين بلفظ الجمع تعظيما اهـ سمين.\rقوله: فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ يجوز في هم أن يكون تأكيدا، وأن يكون بدلا، وأن يكون فصلا وهو الأظهر اهـ سمين.\rقوله: (و غيرها) كالقصص والمواعظ.","part":6,"page":350},{"id":2309,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 351\rوَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الطريق الْمُسْتَقِيمَ (118)\rوَتَرَكْنا أبقينا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) ثناء حسنا\rسَلامٌ منا عَلى مُوسى وَهارُونَ (120)\rإِنَّا كَذلِكَ كما جزيناهما نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121)\rإِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)\rوَإِنَّ إِلْياسَ بالهمز أوّله وتركه لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) قيل هو ابن قوله: وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي: دللناهما على الطريق الموصل إلى الحق والصواب عقلا وسمعا اهـ خطيب.\rقوله: (كما جزيناهما) أي: بما تقدم من إنجائهما من الكرب العظيم ونصرهما على قومها وإيتائهما الكتاب وإبقاء الثناء عليهما اهـ.\rقوله: (إنهما من عبادنا المؤمنين) تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره وأصالة أمره اهـ خطيب.\rقوله: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ روي عن ابن مسعود أنه قال: إلياس هو إدريس وكذلك هو في مصحفه. وقال أكثر المفسرين: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل. قال ابن عباس: هو ابن عم اليسع، وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران واللّه أعلم، وقال محمد بن إسحاق وعلماء السير والأخبار: لما قبض اللّه عز وجل حزقيل النبي عليهم الصلاة والسّلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون اللّه عز وجل، فبعث اللّه عز وجل إليهم إلياس نبيا.\rكانت الأنبياء يبعثون من بعد موسى عليه الصلاة والسّلام في بني إسرائيل بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة، وكان يوشع لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل، وإن سبطا منهم حصل في قسمته بعلبك ونواحيها وهم الذين بعث إليهم إلياس، وعليهم يومئذ ملك اسمه أرحب، وكان قد أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان له صنم من ذهب طوله عشرون ذراعا وله أربعة وجوه، وكان اسمه بعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا به أربعمائة سادن وجعلوهم أبناءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك، وكان إلياس يدعوهم إلى عبادة اللّه عز وجل وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك، فإنه آمن به وصدقه، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرسده، ثم إن الملك ارتد واشتد غضبه على إلياس، وقال: يا إلياس ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلا وهم بتعذيب إلياس وقتله. فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هاربا ورجع الملك إلى عبادة بعل ولحق إلياس بشواهق الجبال، فكان يأوي إلى الشهاب والكهوف فبقي سبع سنين على ذلك خائفا مستخفيا يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون واللّه يستره منهم. فلما طال الأمر على إلياس وسئم الكمون في الجبال وطال عصيان قومه وضاق بذلك ذراعا دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل: انظر يوم كذا وكذا فأخرج إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كان بالموضع الذي أمر به إذ أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كالنار حتى وقف بين يدي إلياس فوثب عليه فانطلق به الفرس، فناداه اليسع. يا إلياس ما تأمرني؟ فقذف إلياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك","part":6,"page":351},{"id":2310,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 352\rعلامة استخلافه إياه على بني إسرائيل وكان ذلك آخر العهد به. ورفع اللّه تعالى إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فصار إنسيا ملكيا أرضيا سماويا، ونبأ اللّه تعالى اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى إليه وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وحكم اللّه تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع اهـ خازن.\rوكان إلياس على صفة موسى في الغضب والقوة نشأ نشأة حسنة يعبد اللّه وجعله اللّه نبيا رسولا، وآتاه اللّه آيات، وسخر له الجبال والأسود وغيرهما، وأعطاه قوة سبعين نبيا ذكره الثعلبي اهـ زرقاني.\rوروي أن الياس والخضر يصومان رمضان كل عام ببيت المقدس، ويحضران موسم الحج كل عام. وذكر ابن أبي الدنيا أنهما يقولان عند فراقهما عن الموسم: ما شاء اللّه ما شاء اللّه، لا يسوق الخير إلا ما شاء اللّه ما شاء اللّه، لا يصر السوء إلا اللّه ما شاء اللّه ما شاء اللّه، ما يكون من نعمة فمن اللّه ما شاء اللّه ما شاء اللّه توكلت على اللّه حسبنا اللّه ونعم الوكيل اهـ قرطبي.\rوإلياس موكل بالفيافي والقفار، والخضر موكل بالبحار. وعن علي كرم اللّه وجهه: أن مسكن الخضر ببيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط، وقد عدّهما بعض المحدثين في جملة الصحابة كعيسى، وهما تابعان لأحكام هذه الأمة. واختلف في كون الخضر نبيا مرسلا أو نبيا فقط، أو هو من الأولياء، وأما الياس فهو نبي مرسل باتفاق، وورد أن الخضر لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن اهـ ملخصا من ع ش على المواهب.\rوفي الخصائص الكبرى للسيوطي: عن أنس قال: غزونا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى إذا كنا عند فج الناقة عند الحجر سمعت صوتا يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أنس انظر ما هذا الصوت»، فدخلت الجبل فإذا رجل عليه ثياب بيض أبيض الرأس واللحية طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما رآني قال: أنت صاحب رسول اللّه؟ فقلت: نعم.\rقال: فارجع إليه فاقرئه السّلام وقل له هذا أخوك الياس يريد أن يلقاك. فرجعت إلى رسول اللّه فأخبرته، فجاء يمشي وأنا معه حتى إذا كنا قريبا منه تقدم النبي وتأخرت أنا فتحدثا طويلا، فنزل عليهما من السماء شيء شبه السفرة ودعواني فأكلت معهما فإذا فيهما كمأة ورمان وحوت وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت ثم جاءت سحابة فحملته، وأنا أنظر إلى بياض ثيابه فيما تهوي قبل السماء اهـ.\rوقال السيوطي في الاتقان: قال وهب: إن الياس عمر كما عمر الخضر وإنه يبقى إلى آخر الدنيا اهـ ابن لقيمة على البيضاوي.\rقوله: (بالهمز أوله) أي: همزة مكسورة هي همزة قطع. وقوله: (و تركه) القراءتان سبعيتان وتوجيههما أنه اسم أعجمي تلاعبت به العرب فقطعواهمزته تارة ووصلوها أخرى، وقالوا فيه أيضا الياسين كإسرافيل اهـ سمين.\rقوله: (قيل هو ابن أخي هارون) هذا أحد قولين للمفسرين، والأكثرون على أنه سبط هارون أخي","part":6,"page":352},{"id":2311,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 353\rأخي هارون أخي موسى، وقيل غيره، أرسل إلى قوم ببعلبك ونواحيها\rإِذْ منصوب باذكر مقدرا قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) اللّه\rأَتَدْعُونَ بَعْلًا اسم صنم لهم من ذهب، وبه سمي البلد أيضا، مضافا إلى بك أي أتعبدونه وَتَذَرُونَ تتركون أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) فلا تعبدونه\rاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) برفع الثلاثة على إضمار هو، وبنصبها على البدل من أحسن\rفَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) في النار\rإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) أي المؤمنين منهم فإنهم نجوا منها\rوَتَرَكْنا عَلَيْهِ موسى، لأنه ابن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران، وقال ابن عباس: هو ابن عم اليسع اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي في سورة الأنعام ما نصه: وتوهم قوم أن اليسع هو الياس وليس كذلك، لأن اللّه تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب: اليسع صاحب الياس وكانا قبل زكريا ويحيى وعيسى، وقيل: الياس هو إدريس وهذا غير صحيح، لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته، وقيل: الياس هو الخضر، وقيل: لا بل الخضر هو اليسع اهـ.\rقوله: (منصوب باذكر مقدرا) وقال السمين: هو ظرف لقوله: لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ اهـ.\rقوله: (اسم صنم لهم) طوله عشرون ذراعا وله أربعة أوجه فاعتنوا به وعظموه حتى أخدموه بأربعمائة خادم وجعلوهم أبناءه، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بالضلال، والخدمة يحفظونه ويعلمونه الناس، وقوله: (و به سمي البلد) أي ثانيا، وأما أولا فاسم البلد بك فقط، فاسمها في الأصل بك، ثم لما عبد فيها هذا الصنم المسمى ببعل سميت بعلبك اهـ من أبي السعود.\rقوله: (مضافا إلى بك) أي مضموما إليه، فإن التركيب مزجي لا إضافي وهذا قيد في كونه اسم البلد، وأما في حال كونه اسما للصنم فهو بعل فقط من غير ضم شيء إليه اهـ.\rقوله: وَتَذَرُونَ يجوز أن يكون حالا وأن يكون عطفا على تدعون فيكون داخلا في حيز الانكار اهـ سمين.\rوقوله: أَحْسَنَ الْخالِقِينَ أي المقدرين، فإن الخلق حقيقة في اختراع الأشياء، ويستعمل أيضا بمعنى التقدير وهو المراد هنا اهـ زاده.\rفاندفع ما يتوهم من ثبوت الخلق لغيره تعالى، لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه. وأجاب الشهاب بأن خلق اللّه بمعنى الإيجاد وخلق العباد كسبهم وهو على مذهب المعتزلة ظاهر، لأن المراد أحسن من يطلق عليه ذلك بأي معنى كان كما قاله الآمدي اهـ شهاب.\rقوله: (فإنهم نجوا منها) ظاهر هذا أن الاستثناء من محضرون وهو غير سديد، بل الحق أنه من الواو وفي كذبوه، وعبارة السمين: قوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ استثناء متصل من فاعل فكذبوه، وفيه دلالة على أن قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا، ولا يجوز أن يكونوا مستثنين من ضمير محضرون لأنه يلزم عليه أن يكونوا مندرجين فيمن كذب، لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد اللّه المخلصين وهو بين الفساد لا يقال هو مستثنى منه استثناء منقطعا لأنه يصير المعنى، لكن عباد اللّه المخلصين من غير هؤلاء لم","part":6,"page":353},{"id":2312,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 354\rفِي الْآخِرِينَ (129) ثناء حسنا\rسَلامٌ منا عَلى إِلْ ياسِينَ (130) قيل هو إلياس المتقدم ذكره، وقيل هو ومن آمن معه، فجمعوا معه تغليبا، كقولهم للملهب وقومه المهلبون، وعلى قراءة آل ياسين بالمد أي أهله، المراد به إلياس أيضا\rإِنَّا كَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131)\rإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)\rوَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) اذكر\rإِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134)\rإِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) أي الباقين في العذاب\rثُمَّ دَمَّرْنَا أهلكنا الْآخَرِينَ (136) كفار قومه\rوَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ على يحضروا ولا حاجة إلى هذا بوجه إذ به يفسد نظم الكلام، انتهت.\rقوله: (قيل هو الياس المتقدم ذكره) فعلى هذاهو مفرد مجرور بالفتحة لأنه غير منصرف للعلمية والعجمة، وقوله: (و قيل هو الخ) فعلى هذا هو مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، فسمي كل واحد من قومه إلياس تغليبا وجمعوا على الياسين، وقوله: (و قومه) عبارة السمين وبنيه، وقوله: (المراد به) أي بالمضاف وهو آل، وأما ياسين فهو أبوه، فعلى هذه القراءة كأنه قيل: سلام على ابن ياسين، فآل مجرور بالكسرة، وياسين مضاف إليه مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة اهـ شيخنا.\rوقوله أيضا: (أي كما أن المراد بالياسين الياس)، فكل من الياسين وآل المضاف إلى ياسين المراد به إلياس، فقد عبّر عنه في الآية بثلاث عبارات بالياس والياسين وآل المضاف إلى ياسين تأمل.\rوعبارة البيضاوي: الياسين لغة في الياس كسيناء وسينين الخ اهـ.\rوعبارة السمين: قوله: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ قرأ نافع وابن عامر على آل ياسين بإضافة آل بمعنى أهل إلى ياسين، والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة بياسين كأنه جمع إلياس جمع سلامة، فأما الأولى فإنه أراد بالآل الياس ولد ياسين كما تقدم وأصحابه، وقيل: المراد بياسين هذا الياس المتقدم فيكون له اسمان وآله رهطه وقومه المؤمنون، وقيل: المراد بياسين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما القراءة الثانية فقيل هي جمع الياس المتقدم وجمع باعتبار أصحابه كالمهالبة والأشاعرة في المهلب وبنيه والأشعري وقومه، وهو في الأصل جمع المنسوبين إلى الياس، والأصل الياسي كأشعري ثم استثقل تضعيفهما فحذفت إحدى ياءي النسب، فلما جمع جمع سلامة التقى ساكنان إحدى الياءين وياء الجمع فحذفت أولاهما لالتقاء الساكنين، فصار الياسين كما ترى وقد تقدم طرف من هذا آخر الشعراء عند قوله: الأعجمين اهـ.\rقوله: (كما جزيناه) أي: ببقاء سيرته الحسنة في الآخرين اهـ.\rقوله: (اذكر) إِذْ نَجَّيْناهُ الخ جواب كيف قال، وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وهو كان رسولا قبل التنجية، فما وجه تعليق إذ نجيناه؟ وحاصله: أنه ليس متعلقا به بل بمحذوف، وكذا القول في قوله: وَإِنَّ يُونُسَ الخ. وقيل: هو من المرسلين حتى في هذه الحالة كما جرى عليه الشيخ المصنف فيما سيأتي اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا عَجُوزاً هي امرأته اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنَّكُمْ الخطاب لأهل مكة اهـ شيخنا.","part":6,"page":354},{"id":2313,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 355\rآثارهم ومنازلهم في أسفاركم مُصْبِحِينَ (137) أي وقت الصباح يعني بالنهار\rوَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) يا أهل مكة ما حل بهم فتعتبرون به\rوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)\rإِذْ أَبَقَ هرب قوله: مُصْبِحِينَ حال. وقوله: (أي وقت الصباح) بيان لمعناه في الأصل وهو من أصبح التامة، وقوله: (يعني بالنهار) بيان للمراد منه، وقوله: وَبِاللَّيْلِ عطف على مصبحين فهو حال أخرى، والباء للملابسة اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على مقدر أي: أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يونس هو ذو النون وهو ابن متى وهو ابن العجوز التي نزل عليها الياس فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر ويونس صبي يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها، ثم إن الياس سئم ضيق البيوت فلحق الجبال ومات ابن المرأة يونس فخرجت في أثر إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته أن يدعو اللّه لها لعله يحيي لها ولدها، فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوما مضت من موته، فتوضأ وصلى ودعا اللّه فأحيا اللّه يونس بن متى بدعوة الياس عليه السّلام، وأرسل اللّه يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام. وفي الخبر وفي وصف يونس أنه كان ضيق الصدر، فلما حمل أعباء النبوة تفسح تحتها تفسح البعير تحت الحمل الثقيل فمضى على وجهه مضي الآبق الناد، وهذه المغاضبة كانت صغيرة ولم يغضب على اللّه ولكن غضب للّه إذ رفع العذاب عنهم، وقال ابن مسعود: أبق من ربه أي من أمر ربه حين أمره بالعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم، وقد كان يتوعد قومه بنزول العذاب في وقت معلوم، وخرج من عندهم في ذلك الوقت فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم، فلذلك ذهب مغاضبا. وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن جديد، وقيل: إنه غاضب قومه حين طال عليهم أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه ولم يصبر على أذاهم، وقد كان اللّه أمره بملازمتهم والدعاء إلى الإيمان فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من اللّه روي معناه عن ابن عباس والضحاك وإن يونس كان شابا ولم يتحمل أثقال النبوة، ولهذا قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ولا تكن كصاحب الحوت. وعن الضحاك أيضا: خرج مغاضبا لقومه لأن قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول اللّه عز وجل كفروا بهذا، فوجب أن يغاضبهم وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى اللّه عز وجل، وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه. قال ابن عباس: أراد شعيب النبي والملك الذي كان في وقته واسمه حزقيل أن يبعثوا يونس لملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكانت الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه فيعمل على مقتضى وحي ذلك النبي، وكان أوحى إلى شعيب أن قل لحزقيل الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوبهم ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم، فقال يونس لشعيب: هل أمرك اللّه بإخراجي؟ قال: لا.\rقال: فهل سماني لك؟ قال: لا. قال: فههنا أنبياء أقوياء أمناء فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي شعيب والملك وقومه فأتى بحر الروم فكان من قصته ما كان. قال القشيري: والأظهر أن هذه المغاضبة كانت","part":6,"page":355},{"id":2314,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 356\rإِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) السفينة المملوءة حين غاضب قومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به، فركب السفينة فوقفت في لجة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة\rفَساهَمَ قارع أهل السفينة فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر\rفَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ابتلعه وَهُوَ مُلِيمٌ (142) أي آت بما يلام عليه، من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بعد إرسال اللّه تعالى إياه، وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم فإنه كره رفع العذاب عنهم. وقيل:\rإنه كان من أخلاق قومه أن من جربوا عليه الكذب قتلوه فخشي أن يقتل فغضب وخرج فارا على وجهه حتى ركب في سفينه اهـ من القرطبي من هنا ومن سورة الأنبياء.\rوتقدم في سورة يونس مزيد بسط عن الخازن.\rقوله: إِذْ أَبَقَ ظرف للمرسلين. أي: هو من المرسلين حتى في هذه الحالة، وأبق: أي هرب يقال: أبق العبد يأبق إباقا فهو آبق، والجمع إباق كضراب، وفيه لغة ثانية بالكسر يأبق بالفتح اهـ سمين.\rوأصل الإباق الهروب من السيد، وإطلاقه على هروب يونس استعارة تصريحية، فشبه خروجه بغير إذن ربه بإباق العبد من سيده، أو هو مجاز مرسل من استعمال المقيد في المطلق اهـ بيضاوي وشهاب.\rوفي المصباح: أبق العبد أبقا من بابي تعب وقتل في لغة والأكثر من باب ضرب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد والإباق بالكسر اسم منه فهو آبق والجمع أباق مثل كافر وكفار اهـ.\rقوله: (حين غاضب قومه) أي: غضب عليهم فالمفاعلة ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة أي: غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر اهـ كرخي من سورة الأنبياء.\rقوله: (فوقفت) أي: من غير سبب يقتضي وقوفها في لجة البحر أي: بحر الدجلة اهـ.\rقوله: (فقال الملاحون هنا عبد آبق) وكان من عادتهم أن السفينة إذا كان فيها آبق أو مذنب لم تسر وكان ذلك بدجلة اهـ شهاب.\rقوله: (قارع أهل السفينة) أي: أي: غالبهم بالقرعة بالسهام، وعبارة السمين: أي غالبهم في المساهمة وهي الاقتراع، انتهت.\rوحصلت المقارعة مرة واحدة وقيل ثلاث مرات اهـ خازن.\rقوله: (فألقوه في البحر) في البيضاوي: أنه ألقى نفسه في الماء اهـ.\rقوله: (أي آت بما يلام عليه) يقال: ألام فلان إذا فعل ما يلام عليه اهـ مختار وسمين.\rوفي البيضاوي: وَهُوَ مُلِيمٌ أي: داخل في الملامة أو آت بما يلام عليه أو مليم نفسه اهـ.\rوقوله: (أي: داخل في الملامة) يعني: أن بناء أفعل للدخول في الشيء نحو أحرم إذا دخل","part":6,"page":356},{"id":2315,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 357\rبلا إذن من ربه\rفَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) الذاكرين بقوله كثيرا في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين\rلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة\r* فَنَبَذْناهُ ألقيناه من بطن الحوت بِالْعَراءِ بوجه الأرض أي بالساحل من يومه أو بعد ثلاثة أو سبعة أيام، أو عشرين أو أربعين يوما وَهُوَ سَقِيمٌ (145) عليل كالفرخ الحرم، وقوله: (أو آت الخ) أي: فالهمزة للصيرورة نحو أغد البعير أي: صار ذا غدة فهو هنا لما أتى ما يستحق اللوم عليه صار ذا لوم، وقوله: (أو مليم نفسه) أي: فالهمزة للتعدية ومفعوله محذوف اهـ شهاب.\rوفي المصباح: لامه لوما من باب قال عذله فهو ملوم على النقص الفاعل لائم، والجمع لوم مثل راكع وركع، وألامه بالألف لغة فهو ملام، والفاعل مليم، والاسم الملامة، والجمع ملاوم، واللائمة مثل الملامة، وألام الرجل إلامة فعل ما يستحق عليه اللوم وتلوّم تلوما تمكث اهـ.\rقوله: (بقوله كثيرا) متعلق بكان، وقوله لا إله إلا أنت الخ مقول القول اهـ شيخنا.\rيعني: أنه سبح إذا قال سبحان اللّه والكثرة مستفادة من جعله من المسبحين دون أن يقال مسبحا بجعله عريقا فيهم منسوبا إليهم ومثله يستلزم الكثرة لا من التفعيل لأن معنى سبح لم يعتبر فيه ذلك اهـ شهاب.\rقوله: فِي بَطْنِهِ الظاهر أنه متعلق بلبث، وقيل: حال أي: مستقرا اهـ سمين.\rقوله: (قبرا له) قيل: وهو باق على الحياة، وقيل: بأن يموت فيبقى في بطنه ميتا اهـ أبو السعود.\rوالثاني أقرب لقول الشارح لصار بطن الحوت قبرا له، لأن القبر للميت اهـ شيخنا.\rقوله: فَنَبَذْناهُ أي: أمرنا الحوت بنبذه اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: وإنما أضاف تعالى النبذ إلى نفسه وإن كان الحوت هو النابذ لأن أعمال العباد مخلوقة للّه، انتهت.\rقوله: بِالْعَراءِ أي: في العراء والعراء الأرض الواسعة التي لا نبات بها ولا معلم مشتق من العري وهو عدم السترة شبهت الأرض الجرداء بذلك لعدم استتارها بشيء، والعراء بالقصر الناحية ومنه اعتراه أي: قصد عراه، وأما الممدود فهو كما تقدم الأرض الفيحاء اهـ سمين.\rقوله: (أي بالساحل) وهو شاطىء البحر. قال ابن دريد: هو مقلوب وإنما الماء سحله أي:\rقشره وكشطه اهـ مختار.\rقوله: (من يومه) أي: التقطه ضحى وألقاه عشية قاله الشعبي والأقوال بعده الأول لمقاتل، والثاني لعطاء، والثالث للضحاك، والرابع للسدي وغيره اهـ كرخي.","part":6,"page":357},{"id":2316,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 358\rالممعط\rوَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وهي القرع تظله بساق على خلاف العادة في القرع، معجزة له، وكانت تأتيه وعلة صباحا ومساء، يشرب من لبنها حتى قوي\rوَأَرْسَلْناهُ بعد ذلك كقبله إلى قوم بنينوى من أرض الموصل إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ بل يَزِيدُونَ (147) عشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفا\rفَآمَنُوا عند معاينة العذاب الموعودين به فَمَتَّعْناهُمْ أبقيناهم ممتعين بمالهم قوله: (الممعط) بضم الميم الأولى وتشديد الثانية مفتوحة بعدها عين مهملة بعدها طاء كذلك أي: المنتوف شعره اهـ قاري.\rوأصله منمعط فأدغمت النون في الميم، وفي المختار: رجل أمعط بين المعط وهو الذي لا شعر على جسده، وقد معط من باب طرب، وامتعط شعره وتمعط أي تساقط من داء ونحوه وكذا انمعط وهو انفعل اهـ.\rقوله: مِنْ يَقْطِينٍ هو يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام فيه لا يبرح قيل: اليقطين كل ما لم يكن له ساق كالقثاء والقرع والبطيخ، وقيل: هو اسم للقرع خاصة اهـ سمين.\rوخص اللّه القرع لأنه يجمع برد الظل ولين الملمس وكبر الورق، وأن الذباب لا يقربه، فإن جسد يونس حين ألقي لم يكن يتحمل الذباب اهـ من تفسير ابن جزي.\rقوله: (و هي القرع) وقيل: كانت شجرة التين، وقيل: الموز تغطى بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره اهـ بيضاوي.\rقوله: (و علة) أي: غزالة وهي بفتح الأول والثاني وبكسر الثاني وسكونه.\rقوله: (كقبله) فالمعنى كما أرسلناه إلى مائة ألف فلما خرج من بطن الحوت أمر أن يرجع إليهم ثانيا اهـ خازن.\rوفي الشهاب: فالإرسال الثاني هو الأول ويرد عليه الفاء في فآمنوا وأجيب بأنه تعقيب عرفي أو بأنها للتفصيل أو للسببية اهـ.\rقوله: (بنينوى) بكسر النون الأولى وياء ساكنة ونون مضمومة وألف مقصورة بعد الواو اهـ شيخنا.\rومثله في الشهاب ثم قال: وهي اسم الموصل أو قرية بقربها اهـ.\rقوله: أَوْ يَزِيدُونَ في أو هذه سبعة أوجه قد تقدمت بتحقيقها وأدلتها في أول البقرة عند قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ [البقرة: 19] فعليك بالالتفات إليها ثمة فالشك بالنسبة إلى المخاطبين. أي: أن الرائي يشك عند رؤيتهم والإبهام بالنسبة إلى أن اللّه تعالى أبهم أمرهم والإباحة بالنسبة إلى الناظر، أي:\rأن الناظر إليهم يباح له أن يحذرهم بهذا القدر أو بهذا القدر وكذلك التخيير أي: هو مخير بين أن يحذرهم كذا أو كذا والإضراب ومعنى الواو واضحان اهـ سمين.\rقوله: (الموعودين به) نعت سبي أي: الذي وعدوا به اهـ.","part":6,"page":358},{"id":2317,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 359\rإِلى حِينٍ (148) تنقضي آجالهم فيه\rفَاسْتَفْتِهِمْ استخبر كفار مكة توبيخا لهم أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ بزعمهم أن الملائكة بنات اللّه وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) فيختصون بالأسنى\rأَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) خلقنا، فيقولون ذلك؟\rأَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ كذبهم لَيَقُولُونَ (151)\rوَلَدَ فإن قلت: كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد ما نزل بهم وقبل توبتهم ولم يكشف العذاب عن فرعون حين آمن ولم يقبل توبته؟ قلت: أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، أحدها: أن ذلك كان خاصا بقوم يونس واللّه يفعل ما يشاء. الجواب الثاني: أن فرعون ما آمن إلا بعد مباشرة العذاب وهو وقت اليأس من الحياة، وقوم يونس دنا منهم العذاب ولم ينزل بهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجوا العافية. والجواب الثالث: أن اللّه عز وجل علم صدق نيتهم في التوبة فقبل توبتهم، بخلاف فرعون فإنه ما صدق في إيمانه ولا أخلص فلم يقبل اللّه منه إيمانه اهـ خازن من سورة يونس.\rقوله: (ممتعين) وفي نسخة متمتعين وقوله: (بما لهم) بفتح اللام أي: بالذي لهم من النعم اهـ قاري.\rقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ الخ معطوف على مثله في أول السورة فأمر أولا باستفتائهم عن وجه إنكار البعث وساق الكلام في تقريره جارا لما يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا للّه البنات ولأنفسهم البنين في قولهم الملائكة بنات اللّه اهـ بيضاوي.\rوقوله معطوف على مثله، وهو قوله: فَاسْتَفْتِهِمْ أهم أشد خلقا، والفاء في المعطوف عليه واقعة في جواب شرط مقدر، وهذه عاطفة تعقيبية لأنه أمر بهما من غير تراخ، لكنه أورد عليه أن فيه فصلا طويلا إن لم يمتنع لا ينبغي ارتكابه، وقد استقبح النحاة الفصل بجملة في نحو أكلت لحما وأضرب زيدا وخبزا فما بالك بجمل بل بسورة، وأشار المصنف إلى جوابه بأن ما كره النحاة في عطف المفردات، وأما الجمل فلاستقلالها يغتفر فيها ذلك وهنا الكلام لما تعانقت معانيه وارتبطت مبانيه حتى كأنه جملة واحدة لم يعد بعدها بعدا، فلذلك قال جارا لما يلائمه اهـ شهاب.\rقوله: (استخبر كفار مكة) أي: عن سبب وصحة هذه القسمة التي قسموها، وقوله: أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ أي: ألهذه القسمة وجه اهـ شيخنا.\rقوله: (فيختصون بالأسنى) أي: بالقسم الأسنى أي: الأرفع وهو الذكور وفي نسخة بالأبناء اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً يجوز أن تكون أم منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وأن تكون متصلة معادلة للهمزة كأن المستفهم يدعي ثبوت أحد الأمرين عندهم ويطلب تعيينه منهم قائلا أي: هذين الأمرين تدعونه اهـ زاده.\rوقوله: وَهُمْ شاهِدُونَ الواو للحال.\rقوله: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت الأمر بالاستفتاء مسوق لإبطال مذهبهم الفاسد ببيان أنه ليس مبناه إلا الإفك الصريح والافتراء القبيح من غير أن يكون لهم دليل أو شبهة اهـ أبو السعود.","part":6,"page":359},{"id":2318,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 360\rاللَّهُ بقولهم: الملائكة بنات اللّه وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) فيه\rأَصْطَفَى بفتح الهمزة للاستفهام واستغنى بها عن همزة الوصل فحذفت، أي اختار الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)\rما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) هذا الحكم الفاسد\rأَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) بإدغام التاء في الذال أنه سبحانه وتعالى منزه عن الولد\rأَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) حجة واضحة أن للّه ولدا\rفَأْتُوا بِكِتابِكُمْ التوراة فأروني ذلك فيه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157) في قولكم ذلك\rوَجَعَلُوا أي المشركون بَيْنَهُ تعالى وَبَيْنَ الْجِنَّةِ أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار نَسَباً بقولهم إنها بنات اللّه وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ أي قائلي ذلك قوله: وَلَدَ اللَّهُ فعل ماض وفاعل، وقوله: (بقولهم) إلى أن قولهم ولد اللّه لازما لقولهم الملائكة بنات اللّه فنسب إليهم بحسب اللازم لا لأنهم قالوه صريحا اهـ شيخنا.\rقوله: لَكاذِبُونَ (فيه) أي: في قولهم الملائكة بنات اللّه.\rقوله: أَصْطَفَى الْبَناتِ الخ استفهام إنكار واستبعاد وتقريع الإصفاء أخذ صفوة الشيء اهـ بيضاوي.\rقوله: (و استغنى بها) أي: في التوصل للنطق بالساكن.\rقوله: ما لَكُمْ التفات لزيادة التوبيخ والأمر في قوله: فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ للتعجيز والإضافة للتهكم اهـ شهاب.\rقوله: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ جملتان استفهاميتان ليس لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهم أولا عما استقر لهم وثبت استفهام إنكار وثانيا استفهام تعجب من حكمهم بهذا الحكم الجائر وهو أنهم نسبوا أخس الجنسين وما يتطيرون به، ويتوارى أحدهم من قومه عند بشارته به إلى ربهم وأحسن الجنسين إليهم اهـ سمين.\rقوله: (أنه سبحانه الخ) مفعول تذكرون.\rقوله: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ إضراب وانتقال من توبيخهم وتبكيتهم بتكليفهم بما لا يدخل تحت الوجود أصلا أي: بل ألكم حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات اللّه تعالى ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من مستند حسي أو عقلي، وحيث انتفى كلاهما فلا بد من مستند نقلي اهـ أبو السعود.\rقوله: (أن للّه ولدا) أي: على أن للّه ولدا. قوله: (التوراة) فيه أن الخطاب مع المشركين والتوراة ليست لهم اهـ قاري.\rوفي بعض النسخ إسقاط التوراة وهي واضحة اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ الخ التفات للغيبة للإيذان بانقطاعهم عن درجة الخطاب واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم وتحكى جنايتهم لآخرين اهـ كرخي.\rقوله: (لاجتنابهم) أي: سميت الملائكة جنة لاجتنانهم أي: استتارهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أي: الملائكة أي: وباللّه لقد علمت الجنة التي عظموها بأن جعلوا","part":6,"page":360},{"id":2319,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 361\rلَمُحْضَرُونَ (158) للنار يعذبون فيها\rسُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عَمَّا يَصِفُونَ (159) بأن للّه ولدا\rإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) أي المؤمنين، استثناء منقطع، أي فإنهم ينزهون اللّه تعالى عما يصفه هؤلاء\rفَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (161) من الأصنام\rما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي على معبودكم، وعليه متعلق بقوله بينها وبينه تعالى نسبا وهم الملائكة أن الكفرة محضرون النار لكذبهم في قولهم ذلك، والمراد به المبالغة في التكذيب ببيان أن الذين ادعى هؤلاء لهم تلك النسبة، ويعلمون أنهم أعلم منهم بحقيقة الحال يكذبونهم في ذلك ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكما مؤبدا اهـ أبو السعود.\rقوله: سُبْحانَ اللَّهِ الخ هذا من كلام الملائكة فمن هنا إلى قوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ من كلامهم كما ذكره العمادي. وقد أشار له أبو السعود فقال: هذا حكاية لتنزيه الملائكة الحق سبحانه عما وصفه به المشركون بعد تكذيبهم لهم في ذلك بتقدير قول معطوف على علمت، وقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الخ شهادة منهم ببراءة المخلصين من أن يصفوه بذلك متضمنة لتبرئتهم منه بحكم اندراجهم في زمرة المخلصين، فكأنه قيل: ولقد علمت الملائكة أن المشركين لمعذبون بقولهم ذلك، وقالوا: سبحان اللّه عما يصفون به، لكن عباد اللّه الذين نحن من جملتهم برآء من ذلك الوصف، وقوله: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ الخ تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين ببيان عجزهم عن إغوائهم وإضلالهم، والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام وقوله: وَما مِنَّا الخ من كلامهم أيضا لتبيين رتبتهم ورفعتها عن أن يتصفوا بما ذكره فيهم المشركون بعدما ذكر من تكذيب الكفرة فيما قالوا وتنزيه اللّه عن ذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: (فإنهم ينزهون اللّه الخ) فيه إشارة إلى أن الاستثناء من الواو في يصفون كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ في هذا الاستثناء وجوه، أحدها: أنه منقطع والمستثنى منه إما فاعل جعلوا أي: جعلوا بينه وبين الجنة نسبا إلا عباد اللّه. الثاني: أنه فاعل يصفون أي: لكن عباد اللّه يصفونه بما يليق به تعالى. الثالث: أنه ضمير محضرون أي: لكن عباد اللّه ناجون وعلى هذا فتكون جملة التسبيح معترضة، وظاهر كلام أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناء متصلا لأنه قال مستثنى من واو جعلوا أو محضرون، ويجوز أن يكون متصلا فظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو فيهما متصل لا منفصل وليس ببعيد كأنه قيل: وجعل الناس ثم استثنى منهم هؤلاء، وكل من لم يجعل بين اللّه وبين الجنة نسبا فهو عند اللّه مخلص من الشرك اهـ.\rقوله: (أي على معبودكم) أعاد الضمير على ما وعلى هذا الاحتمال يتعين أن تكون ما في محل نصب على المفعول معه، وتكون سادة مسد خبر إن، وعبارة البيضاوي: ويجوز أن يكون وما تعبدون لما فيه من معنى المقارنة سادا مسد خبر إن، أي: إنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها اهـ.\rوعلى هذا فيحسن السكوت على تعبدون كما يحسن في قولك: إن كل رجل وضيعته. وحكى الكسائي: أن كل ثوب وثمنه، والمعنى إنكم مع معبوديكم مقرنون، كما يقدر ذلك في إن كل رجل وضيعته مقترنان اهـ سمين.","part":6,"page":361},{"id":2320,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 362\rبِفاتِنِينَ (162) أي أحدا\rإِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163) في علم اللّه تعالى، قال جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم\rوَما مِنَّا معشر الملائكة أحد إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) في السماوات يعبد اللّه فيه لا يتجاوزه\rوَإِنَّا لَنَحْنُ وقوله: ما أَنْتُمْ الخ كلام آخر، وما نافية. وأنتم: اسمها إن كانت عاملة، أو مبتدأ إن كانت مهملة، والمعنى ما أنتم عليه أي: على ما تعبدونه، فالضمير عائد على ما، وقوله: بِفاتِنِينَ أي:\rبباعثين على طريقة الفتنة، والمفعول محذوف كما قدره الشارح بقوله: (أي: أحدا)، وقوله: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ مستثنى من المفعول المحذوف، أو هو مفعول بفاتنين إن جعل الاستثناء مفرغا، والمعنى إلا شخصا صاليا الجحيم. أي: ومستوجبا لصليها ودخولها في علم اللّه أي: فإنكم تفتنونه وتحملونه وتبعثونه على عبادة الأصنام. وهذا الاحتمال هو المنطبق على تقدير الشارح كما علمت.\rوفي المقام احتمال آخر وهو أن ما معطوفة على اسم إن، وجملة ما أنتم خبر إن وما عطف عليه، وأنتم واقع على الخاطبين، وأصنامهم المعبر عنها بما على سبيل تغليب المخاطب على الغائب، والأصل فإنكم ومعبودكم ما أنتم ولا هو فغلب المخاطب، وعليه متعلق بفاتنين، والضمير عائد على اللّه تعالى، ومفعول فاتنين محذوف، والمعنى أما أنتم ولا معبودكم بفاتنين أي: مفسدين عليه تعالى أحدا من عباده إلا من هو صال الجحيم. يقال: فتن فلان على فلان امرأته أي: أفسدها عليه، وهذا الاحتمال قرره البيضاوي أيضا وغيره، وقد عرفت أن المنطبق على كلام الشارح هو الأول تأمل.\rقوله: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ من مفعول بفاتنين والاستثناء مفرغ اهـ سمين.\rوهذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فهو استثناء من المفعول الذي قدره الشارح، وصال معتل كقاض فرفعه بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وقرأ العامة صال الجحيم بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت منه لامه لالتقاء الساكنين وحمل لفظ من فأفرده كما أفرد هو اهـ.\rقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فيه وجهان، أحدهما: أن منا صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ، والخبر الجملة في قوله: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ تقديره: ما أحد منا إلا له مقام، وحذف المبتدأ مع من جيد فصيح. والثاني: أن المبتدأ محذوف أيضا وإلا له مقام صفة حذف موصوفها، والخبر على هذا هو الجار المتقدم، والتقدير وما منا أحد إلا له مقام معلوم اهـ سمين.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 362\r\rله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فيه وجهان، أحدهما: أن منا صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ، والخبر الجملة في قوله: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ تقديره: ما أحد منا إلا له مقام، وحذف المبتدأ مع من جيد فصيح. والثاني: أن المبتدأ محذوف أيضا وإلا له مقام صفة حذف موصوفها، والخبر على هذا هو الجار المتقدم، والتقدير وما منا أحد إلا له مقام معلوم اهـ سمين.\rوهذا حكاية لاعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم، والمعنى وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر اللّه في تدبير العالم، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: سبحان اللّه عما يصفون من كلام الملائكة ليتصل بقوله: ولقد علمت الجنة كأنه قال: ولقد علمت الملائكة أن المشركين بذلك للشقاوة المقدرة ثم اعترفوا بالعبودية وتفاوت مراتبهم فيها لا يتجاوزونها، وقيل: هو من كلام النبي والمؤمنين، والمعنى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في الجنة أو بين يدي اللّه تعالى في القيامة وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة والمنزهون له عن السوء اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: قال مقاتل: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ هذه الثلاث آيات نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم","part":6,"page":362},{"id":2321,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 363\rالصَّافُّونَ (165) أقدامنا في الصلاة\rوَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) المنزهون اللّه عما لا يليق به\rوَإِنْ مخففة من الثقيلة كانُوا أي كفار مكة لَيَقُولُونَ (167)\rلَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً كتابا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) أي من كتب الأمم الماضية\rلَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) العبادة له، قال تعالى\rفَكَفَرُوا بِهِ أي الكتاب الذي جاءهم وهو القرآن الأشرف من تلك الكتب فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) عاقبة كفرهم\rوَلَقَدْ سَبَقَتْ عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أهنا تفارقني فقال جبريل: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني هذا، وأنزل اللّه تعالى حكاية عن قول الملائكة وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ الآيات. والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام معلوم فحذف الموصول وهو من، وتقديره عند البصريين وما منا ملك إلا له مقام معلوم أي: مكان معلوم في العبادة قاله ابن مسعود وابن جبير، وقال ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح. وقالت عائشة رضي اللّه عنها: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم» اهـ.\rقوله: (أحد) فيه إشارة إلى أن الآية من باب حذف الموصوف أي: أحد. وإقامة الصفة مقامه أي: إلا له مقام معلوم وهو تابع في هذا للكشاف اهـ كرخي.\rقوله: (أقدامنا في الصلاة) يعني في مقام العبودية وفي كلامه إشارة إلى أن مفعول الصافون والمسبحون يكون مرادا ويجوز أن لا يراد البتة أي: نحن من أهل هذا الفعل، فعلى الأول يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم، وذلك يدل على أن طاعات البشر بالنسبة إلى طاعات الملائكة كالعدم حتى يصح هذا الحصر. قال ابن الخطيب: وكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال البشر أقرب درجة من الملك فضلا عن أن يقال هو أفضل منه أم لا اهـ كرخي.\rقوله: (مخففة من الثقيلة) أي: واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة أي: أن الشأن كانت قريش تقول: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا الخ أي: كانوا يقولون ذلك قبل مبعث النبي اهـ شيخنا.\rوعبارة الخازن: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ يعني: كفار مكة قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لو أن عندنا ذكرا من الأولين. يعني: كتابا مثل كتاب الأولين، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: لأخلصنا العبادة للّه فكفروا به أي: فلما أتاهم الكتاب كفروا به فسوف يعلمون فيه تهديد لهم، انتهت.\rونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فاطر: 42] والمراد بالنذير الرسول، وقد قيل هنا إن الذكر هو الرسول اهـ.\rقوله: لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: وما كنا نخالف، وهذا كقولهم: لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فاطر: 42] اهـ أبو السعود.\rقوله: فَكَفَرُوا بِهِ الفاء فصيحة كما في قوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا الخ وجه المناسبة أنه لما هدد اللّه تعالى الكفار بقوله: فَسَوْفَ","part":6,"page":363},{"id":2322,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 364\rكَلِمَتُنا بالنصر لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) وهي لأغلبن أنا ورسلي؛ أو هي قوله\rإِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172)\rوَإِنَّ جُنْدَنا أي المؤمنين لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة\rفَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي أعرض عن كفار مكة حَتَّى حِينٍ (174) تؤمر فيه بقتالهم\rوَأَبْصِرْهُمْ إذا نزل بهم العذاب فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) عاقبة كفرهم فقالوا استهزاء: يَعْلَمُونَ (عاقبة كفرهم) أردافه بما يقوي قلب الرسول فقال: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين اهـ من الرازي.\rقال أبو السعود: ولقد سبقت كلمتنا هذا استئناف مقرر للوعيد وتصديره فالقسم لغاية الاعتناء بتحقيق مضمونه. أي: وباللّه لقد سبق وعدنا لهم بالنصر والغلبة اهـ.\rقوله: كَلِمَتُنا (بالنصر) أي: وعدنا به المفهوم من محل آخر، كما قال لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21] وقوله: (أو هي) قوله إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ أي: فيكون بدلا من كلمتنا أو تفسيرا لها، وعلى الأول يكون مستأنفا وإنما سمي الوعد بالنصر كلمة وهو كلمات لانتظامها في معنى واحد، فهو مجاز من إطلاق الجزء على الكل اهـ شهاب.\rوقوله: (لانتظامها الخ) قال القسطلاني: والمراد بها القضاء المتقدم منه قبل أن يخلق خلقه في أم الكتاب الذي جرى به القلم بعلو المرسلين على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم الحرب، وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب. والحاصل: أن قاعدة أمرهم وأساسه الظفر والنصرة اهـ بحروفه.\rوعبارة أبي السعود: ولا يقدح في هذا الوعد انهزامهم في بعض المشاهد، فإن قاعدة أمرهم وأساسه الظفر والنصرة، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من ابتلاء والمحنة فالحكم للغالب، انتهت\rقوله: وَإِنَّ جُنْدَنا في المصباح: الجند الأنصار والأعوان، والجمع أجناد وجنود الواحد جندي، فالياء للوحدة مثل روم ورومي، وجند بفتحتين بلد باليمين اهـ.\rقوله: (و إن لم ينتصر بعض منهم) الخ أشار بهذا إلى جواب سؤال مقدر وهو أنه قد شوهد غلبة حزب الشيطان في بعض المشاهد كأحد، فقوله: (غالبون) أي: باعتبار الغالب فقد يعطى الأكثر حكم الكل ويلحق القليل بالعدم، أو يقال في الجواب معنى غالبون أي: باعتبار عاقبة الحال وملاحظة المآل وهو ما جرى عليه الشيخ المصنف. واقتصر البيضاوي على الجواب الأول لما في الوعدين من الدلالة على الثبات والاستهزاء اهـ كرخي.\rقوله: حَتَّى حِينٍ أي: إلى زمن يسير نؤمر فيه بقتالهم فقوله: (بقتالهم) أي: بجهادهم، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم أول الأمر مأمورا بالتبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار تأليفا لهم، ثم أمر بالجهاد في السنة الثانية من الهجرة اهـ زيادي على المنهج.\rقال ابن حجر: وغزواته صلّى اللّه عليه وسلّم سبع وعشرون غزوة قاتل في ثمان منها بنفسه بدر، وأحد، والمصطلق، والخندق، وقريظة، وخيبر، وحنين والطائف اهـ.\rقوله: وَأَبْصِرْهُمْ (إذا نزل بهم العذاب) أي: من القتل والأسر، والمراد بالأمر الدلالة على أن","part":6,"page":364},{"id":2323,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 365\rمتى نزول هذا العذاب؟ قال تعالى تهديدا لهم:\rأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176)\rفَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ بفنائهم، قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فَساءَ بئس صباحا صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177) فيه إقامة الظاهر مقام المضمر\rوَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178)\rوَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) ذلك كائن قريب كأنه أمامه لأن أمره بمشاهدة ذلك وهو لم يقع يدل على أنه لشدة قربه كأنه حاضر قدامه مشاهد له خصوصا إذا قيل إن الأمر للفور اهـ شهاب.\rقوله: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ سوف هنا للوعيد لا للتبعيد، إذ ليس المقام مقامه كما تقول سوف أنتقم منك وأنت متهيىء اهـ كرخي.\rقوله: بِساحَتِهِمْ الساحة: الفناء الخالي من الأبنية وجمعها سوح، فألفها منقلبة عن واو فتصغر على سويحة، وبهذا يتبين ضعف قول الراغب إنها من ذوات الياء حيث عدّها في مادة سيح، ثم قال الساحة المكان الواسع، ومنه ساحة الدار، والسائح الماء الجاري في الساحة، وساح فلان في الأرض مرّ مرور السائح ورجل سائح وسياح اهـ.\rويحتمل أن يكون لها مادتان لكن كان ينبغي أن يذكر ما هي الأشهر أو يذكرهما معا اهـ سمين.\rقوله: (بفنائهم) في المصباح: الفناء مثل كتاب الوصيد وهو سعة أما البيت، وقيل: ما امتد من جوانبه اهـ.\rقوله: (تكتفي بذكر الساحة الخ) أي: تستغني على سبيل الكناية، فالمعنى فإذا نزل بهم أي:\rفالساحة كناية عن القوم. أي: فإذا نزل بهم العذاب فشبه العذاب بجيش هجم عليهم فأناخ بفنائهم بغتة وهم في ديارهم، ففي الضمير المستتر في نزل استعارة بالكناية والنزول تخييل اهـ بيضاوي وشهاب.\rقوله: (بئس صباحا الخ) أشار بهذا إلى أن ضمير بئس يعود على المخصوص، وأن التمييز محذوف، وأن المذكور مخصوص لا فاعل اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والمخصوص بالذم محذوف أي صباحهم اهـ.\rوالصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت فيهم الهجوم والغارات في الصباح سموا الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر اهـ بيضاوي.\rوقوله: (فيه إقامة الظاهر الخ). أي: في التعبير بالمنذرين فأل عهدية، فكان مقتضى الظاهر أن يقال صباحهم اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: المخصوص بالذم محذوف تقديره فساء صباح المنذرين. صباحهم استعير من صباح الجيش المبيت في وزن اسم الفاعل لوقت نزول العذاب، وسموا الغارة صباحا لكثرة وقوعها فيه، واللام في: المنذرين للجنس، فإن أفعال الذم والمدح تقتضي الشيوع للابهام والتفصيل، فلا يجوز أن تقول بئس الرجل هذا، ونعم الرجل هذا إذا اردت رجلا بعينه، فلا يجوز أن تكون اللام للعهد اهـ.\rقوله: وَأَبْصِرْ حذف مفعوله إما اختصارا لدلالة الأول عليه وإما اقتصارا اهـ سمين.","part":6,"page":365},{"id":2324,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 366\rكرر تأكيدا لتهديدهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم\rسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ الغلبة عَمَّا يَصِفُونَ (180) بأن له ولدا\rوَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) المبلغين عن اللّه التوحيد والشرائع\rوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182) على نصرهم وهلاك الكافرين.\rقوله: (و تسلية له) الأولى أن يقول وتسليته ليكون معطوفا على تهديدهم. أي: تأكيدا لتهديدهم ولتسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنها قد علمت مما تقدم، أفاده القاري اهـ شيخنا.\rقوله: سُبْحانَ رَبِّكَ الخ الغرض من هذا تعليم المؤمنين أن يقولوه ولا يخلوا به ولا يغفلوا عنه لما روي عن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ اهـ.\rقوله: رَبِّ الْعِزَّةِ أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذي العزة، كما تقول صاحب صدق لاختصاصه به، وقيل: المراد العزة المخلوقة الكائنة بين خلقه، ويترتب على القولين مسألة اليمين، فعلى الأولى ينعقد بها اليمين لأنها صفة من صفاته بخلاف الثاني لا ينعقد بها اليمين اهـ سمين.\rقوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم اهـ بيضاوي.","part":6,"page":366},{"id":2325,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 367\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة ص مكية وهي ست أو ثمان وثمانون آية\rص اللّه أعلم بمراده به وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) أي البيان أو الشرف، وجواب هذا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rويقال لها سورة داود اهـ خازن.\rويجوز في ص هذه السكون على الحكاية والفتح لمنع الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار أن هذا الاسم علم على السورة، والجر مع التنوين نظرا إلى كون السورة قرآنا اهـ شيخنا.\rقوله: ص فيها قراءات خمسة الجمهور على السكون، وقرئ بالضم من غير تنوين كما قرئ به في ق ون، قرئ بالفتح من غير تنوين كما قرئ به في ق ون، وقرئ بالكسر مع التنوين وبدونه. وقد بسط السمين الكلام على توجيه الكل، وعبارته: قرأ العامة بسكون الدال من صاد كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه. وقرأ أبي الحسن، وابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة، وأبو السماك بكسر الدال من غير تنوين وفيها وجهان، أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب.\rوالثاني: أنه أمر من المصاداة وهي المعارضة، ومنه صوت الصدى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الخالية، والمعنى عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه قاله الحسن، وعنه أيضا: أنه من صاديت أي حادثت، والمعنى حادث الناس بالقرآن. وقرأ ابن أبي إسحاق كذلك إلا أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللّه لأفعلن بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة وإنما صرفه ذهابا إلى معنى الكتاب والتنزيل. وعن الحسن أيضا، وابن السميقع، وهارون الأعور: صاد بالضم من غير تنوين على أنه اسم للسورة وهو خبر مبتدأ مضمر، أي: هذه صاد ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذا قرأ ابن السميقع وهارون ق ون بالضم على ما تقدم. وقرأ عيسى، وأبو عمرو في رواية محبوب صاد بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفا كأين وكيف، والجر بحرف القسم المقدر، وإنما منع من الصرف للعلمية والتأنيث كما تقدم والنصب بإضمار فعل، أو على حذف حرف القسم نحو قوله:\rفذاك أمانة اللّه الثريد\rوامتنعت من الصرف لما تقدم، وكذلك قرأ ق ون بالفتح وهما كما تقدم ولم أحفظ التنوين مع الفتح والضم، انتهت.","part":6,"page":367},{"id":2326,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 368\rالقسم محذوف، أي ما الأمر، كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة\rبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فِي عِزَّةٍ حمية وتكبر عن الإيمان وَشِقاقٍ (2) خلاف وعداوة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم\rكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي أمة من الأمم الماضية فَنادَوْا حين نزول العذاب بهم وَلاتَ حِينَ قوله: وَالْقُرْآنِ تقدم مثله في يس والقرآن، وجواب القسم فيه أقوال كثيرة، أحدهما: أنه قوله إن ذلك لحق قاله الزجاج والكوفيون غير الفراء. قال الفراء: لا نجده مستقيما لتأخيره، جدا عن قوله:\rوَالْقُرْآنِ. الثاني: أنه قوله: كَمْ أَهْلَكْنا، والأصل لكم أهلكنا فحذفت اللام كما حذفت في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس: 9] بعد قوله: والشمس لما طال الكلام قاله ثعلب والفراء.\rالثالث: أنه قوله إن كل إلا كذب الرسل قاله الأخفش. الرابع: أنه قوله ص لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضا. وهذا بناء منهما على جواز تقدم جواب القسم، وأن هذا الحرف مقتطع من جملة هو دال عليهم وكلاهما ضعيف. الخامس: أنه محذوف. واختلفوا في تقديره، فقال الحوفي: تقديره لقد جاءكم الحق ونحوه، وقدره ابن عطية ما الأمر كما تزعمون، والزمخشري: إنه لمعجز، والشيخ إنك لمن المرسلين قال: لأنه نظير يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:\r1] اهـ سمين.\rقوله: (أي البيان أو الشرف) عبارة البيضاوي: والمراد العظمة أو الشرف أو الشهوة أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من العقائد والشرائع والمواعيد، انتهت.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس، ومقاتل: معنى ذي الذكر ذي البيان، وقال الضحاك: ذي الشرف أي: أن من آمن به كان شرفا له في الدارين كما قال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره، وقيل: ذي الذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين، وقيل: ذي الذكر أي أسماء اللّه تعالى وتمجيده، وقيل: ذي الذكر أي ذي الموعظة اهـ.\rقوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ اضراب وانتقال من قصة إلى أخرى بيّن به سبب قولهم (بتعدد الآلهة) أي: ليس الحامل لهم عليه الدليل، بل مجرد الحمية والخصام والشقاق اهـ شيخنا.\rقوله: كَمْ أَهْلَكْنا الخ هذا وعيد لهم على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أصاب من قبلهم من المستكبرين، وكم مفعول أهلكنا ومن قرن تمييز لها اهـ شيخنا.\rومن قبلهم لابتداء الغاية اهـ سمين.\rقوله: فَنادَوْا أي: القرن. قوله: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ هذه التاء كما ترسم مفصولة من حين اتباعا لبعض المصاحف العثمانية، كذلك يجوز رسمها موصولة بالحاء اتباعا لبعضها الآخر، فهي مما اختلف فيه المصاحف، فيجوز فيها الوجهان. ويتبعهما الوقف فبعضهم يقف على التاء، وبعضهم على لا كما هو مقرر في محله. وفي السمين: وفي الوقف عليها مذهبان، المشهور عند العرب وجماهير السبعة بالتاء المجرورة اتباعا لمرسوم الخط الشريف، والكسائي وحده من السبعة بالهاء، الأول: مذهب الخليل وسيبويه والزجاج والفراء وابن كيسان. والثاني: مذهب المبرد، وأغرب أبو","part":6,"page":368},{"id":2327,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 369\rمَناصٍ (3) أي ليس الحين حين قرار، والتاء زائدة، والجملة حال من فاعل نادوا، أي استغاثوا، والحال أن لا مهرب ولا منجى وما اعتبر بهم كفار مكة\rوَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوّفهم النار بعد البعث، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَقالَ الْكافِرُونَ فيه وضع الظاهر عبيد فقال: الوقف على لا والتاء متصلة بحين، فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعلت كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا ولا تحين متصلة والمصاحف إنما هي لات حين، وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنظائر له مرت اهـ.\rقوله: مَناصٍ أي: فوت ونجاة من ناصة، أي: فاته لا من ناص بمعنى تأخر اهـ أبو السعود.\rوفي المختار: النوص التأخر يقال: ناص عن قرنه أي: فر وراغ، وبابه قال ومناصا أيضا. ومنه قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أي: ليس وقت تأخر وفرار، والمناص أيضا المنجى والمفر اهـ.\rوقال النحاس: ويقال ناص ينوص إذا تقدم، فعلى هذا يكون من الأضداد اهـ قرطبي.\rقوله: (أي ليس الحين حين فرار الخ) أشار إلى مذهب سيبويه والخليل في لات، وهي أنها تعمل عمل ليس، وأن اسمها محذوف وتقديره: ما ذكره وأن أصلها لا النافية والتاء زائدة كزيادتها في رب، وثم كقولهم رب وثمت، ومذهب الأخفش فيها أنها تعمل عمل إن وأصلها لا النافية زيدت عليها التاء، وحين اسمها وخبرها محذوف أي لا حين مناص لهم ونحوه، وهذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل نادوا كما أشار إليه الشيخ الصنف في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (و التاء زائدة) أي لتأكيد النفي.\rقوله: (و لا منجى) بالقصر كمرمى من النجاة اهـ شيخنا.\rقوله: (و ما اعتبر) معطوف على كم أهلكنا الخ.\rقوله: عَجِبُوا الخ حكاية لأباطيلهم المتفرعة على ما حكي من استكبارهم وشقاقهم أي:\rعجبوا من أن جاءهم رسول من جنسهم بل أدون منهم في الرئاسة الدنيوية على معنى أنهم عدوا ذلك أمرا خارجا عن احتمال الوقوع، وأنكروا أشد الانكار لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه اهـ أبو السعود.\rوفي زاده: ولما حكى اللّه عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه برمي كلماتهم الفاسدة، فإنهم قالوا إن محمدا مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة، فكيف يعقل أنه يختص من بيننا بهذا المنصب العالي، فنسبوه إلى السحر والكذب اهـ.\rقوله: (من أنفسهم) أي: من جنسهم في البشرية اهـ بيضاوي.\rقوله: (فيه وضع الظاهر) أي: غضبا عليهم وإيذانا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولون إلا المتوغلون في الكفر والفسوق اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: (فيه وضع الظاهر موضع المضمر)، أي قالوا: وإنما وضع موضع المضمر","part":6,"page":369},{"id":2328,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 370\rموضع المضمر هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)\rأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً حيث قال لهم: قولوا: لا إله إلا اللّه، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) أي عجيب\rوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب، وسماعهم فيه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قولوا: لا إله إلا اللّه أَنِ شهادة عليهم بهذا الوصف القبيح، وإشعارا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول لما تقرر من أن نسبة أمر إلى المشتق يفيد عليه المأخذ اهـ.\rقوله: (ساحر) أي: فيما يظهره من الخوارق كذاب، أي: فيما يسنده إلى اللّه من الارسال والإنزال اهـ أبو السعود.\rقوله: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ الخ بأن نفى الألوهية عنها وقصرها على واحد منها اهـ أبو السعود.\rوالاستفهام تعجبي أي تعجبوا من هذا القصر والحصر، كما أشار له بقوله: (أي كيف يسع الخلق الخ) أي: بعلمه وقدرته. أي: كيف يعلم الجميع ويقدر على التصرف فيهم إله واحد، وسبب تعجبهم هذا قياسهم الغائب على الشاهد اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: (أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد) منشؤه أن القوم ما كانوا أصحاب نظر واستدلال، بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات، فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ الخلائق قاسوا الغائب على الشاهد وأن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا مطبقين على الشرك توهموا أن كونهم على هذه الحال أن يكونوا مبطلين فيه، ويكون الإنسان الواحد محقا فلعمري لو كان التقليد حقا كانت هذه الشبهة لازمة، انتهت.\rقوله: (عجيب) أي بليغ في العجب، فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: قوله: (عجيب) أشار إلى أن عجاب مبالغة في عجيب، كقولهم: رجل طوال وأمر سراع عنما أبلغ من طويل وسريع اهـ.\rقوله: (عند أبي طالب) روي أنه لما أسلم عمر شق ذلك على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون من صناديدهم فأتوا أبا طالب فقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأحضره وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء والانصاف فلا تمل كل الميل على قومك، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم «ماذا تسألونني؟» فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر الهتنا وندعك وإلهك، فقال: «أرأيتم أن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها رقاب العرب وتدين لكم العجم» قالوا: نعم، وعشر أمثالهم. فقال: «قولوا لا إله إلا اللّه» فقاموا وانطلق الملأ منهم الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (قولوا لا إله إلا اللّه) أي: سماعهم هذا اللفظ. قوله: (أي يقول بعضهم الخ) أشار بهذا إلى أن تفسيرية أي مفسرة، وذلك لأن الانطلاق عن مجلس التقاول لا يخلو عن القول، والمعنى وانطلقوا حال كونهم قائلين بعضهم لبعض على وجه النصيحة امشوا واصبروا الخ اهـ أبو السعود.","part":6,"page":370},{"id":2329,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 371\rامْشُوا أي يقول بعضهم لبعض: امشوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ اثبتوا على عبادتها إِنَّ هذا المذكور من التوحيد لَشَيْءٌ يُرادُ (6) منا\rما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي ملة عيسى إِنْ ما هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7) كذب\rأَأُنْزِلَ بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه عَلَيْهِ على محمد الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا؟\rأي لم ينزل عليه، قال تعالى بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي وحيي، أي القرآن حيث كذبوا الجائي به بَلْ لَمَّا لم يَذُوقُوا عَذابِ (8) ولو ذاقوه لصدقوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ وفي الكرخي: قوله: (أي يقول بعضهم الخ) أشار إلى أن القراءة أن امشوا أي: بأن امشوا على أن أن مصدرية وعند اضمار القول تسقط أن، والتقدير: انطلقوا قائلين امشوا، وليس المراد بالمشي المتعارف بل الاستمرار على الشيء اهـ.\rوعبارة السمين: قوله: أَنِ امْشُوا يجوز أن تكون مصدرية أي: انطلقوا بقولهم أن امشوا، وأن تكون مفسرة إما لانطلق لأن ضمن معنى القول. قال الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بدلهم أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم اهـ.\rوقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانطلقوا يتحاورون أن امشوا، ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر، وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والكلام نحو انطلق لسانه فأن مفسرة له من غير تضمين ولا حذف اهـ.\rفائدة: جميع القراء يكسرون النون في الوصل من أن امشوا والهمزة في الابتداء من امشوا اهـ خطيب.\rقوله: إِنْ هذا تعليل للأمر بالصبر، وقوله: يُرادُ (منا) أي يراد منا امضاؤه وتنفيذه لا محالة أي: يريده محمد من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لا قول يقال من طرف اللسان، وقيل: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد منا أي: بنا فلا انفكاك لنا عنه اهـ أبو السعود.\rقوله: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي: وإنما سمعنا فيها من أهلها وهم النصارى التثليث اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) أي: فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍ الخ اضراب عن مقدر، فكأنه قال انكارهم للذكر ليس عن علم، بل هم في شك منه اهـ كازروني.\rقوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ اضراب انتقالي بيّن به سبب شكهم في القرآن: أي سببه أنهم لم يذوقوا العذاب وأنهم لو ذاقوه لأيقنوا بالقرآن وآمنوا به اهـ شيخنا.\rقوله: لَمَّا لم يَذُوقُوا أشار إلى أن لما بمعنى لم، وقد مرّ إيضاحه، فالمعنى لم يذوقوه وذوقهم له متوقع، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وصدقوا وتصديقهم لا ينفعهم حينئذ لأنهم صدقوا مضطرين، وفيه","part":6,"page":371},{"id":2330,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 372\rأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الغالب الْوَهَّابِ (9) من النبوّة وغيرها، فيعطونها من شاؤوا\rأَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إن زعموا ذلك فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاؤوا، وأم في الموضعين بمعنى همزة الإنكار\rجُنْدٌ ما أي هم جند حقير هُنالِكَ أي في تكذيبهم لك مَهْزُومٌ صفة جند مِنَ الْأَحْزابِ (11) صفة جند إشارة إلى قوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا إضراب عن الاضراب الأول خلاف ما يفهم من الكشاف من تعلقه بالكلامين قبله اهـ كرخي.\rقوله: (حينئذ) أي: حين ذاقوه.\rقوله: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ أي: بل أعندهم خزائن رحمة ربك، وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من يشاؤون ويصرفوها عمن يشاؤون فيتخيروا للنبوة معض صناديدهم، والمعنى أن النبوة عطية من اللّه يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي: الغالب الذي لا يغلب، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء، ثم رشح ذلك فقال: أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما، كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأنه ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها اهـ بيضاوي.\rقوله: (من النبوة) بيان للخزائن أي المخزونات اهـ.\rقوله: (إن زعموا ذلك) أي: أن عندهم الخزائن وأن لهم الملك. قوله: فَلْيَرْتَقُوا الفاء: في جواب شرط مقدر قدره بقوله: (إن زعموا ذلك) أي: المذكور من العندية والملكية اهـ.\rوفي أبي السعود: فليرتقوا في الأسباب أي: فليصعدوا في المعارج والمناهج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وينزلوا الوحي إلى من يختارون، والسبب في الأصل الوصلة. وقيل المراد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية، وقيل: أبوابها اهـ.\rقوله: (بمعنى همزة الإنكار) وقدرها البيضاوي ببل والهمزة اهـ.\rقوله: جُنْدٌ خبر مبتدأ محذوف كما قدره، وما صفه لجند كما أشار له بقوله: (حقير)، وهنالك ظرف لجند أو صفة لو أو ظرف لمهزوم، والذي بعده، وقوله: (صفة جند) أي صفة ثانية لما علمت أن ما صفة أولى اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: (جند) يجوز فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه خبر مبتدأ مضمر أي:\rجند، وما فيها وجهان، أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير، فإن ما إذا كانت صفة تستعمل لهذين المعنيين، وقد تقدم هذا في أوائل البقرة. وهنالك يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون خبرا لجند، وما مزيدة، ومهزوم نعت لجند ذكره مكي. الثاني: أن تكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوبا بمهزوم. ومهزوم يجوز فيه أيضا وجهان، أحدهما: أنه خبر ثان لذلك المبتدأ المقدر، والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل هنالك صفة، بل متعلقا لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الوصف الصريح، وهنالك مشار به","part":6,"page":372},{"id":2331,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 373\rأيضا، أي كالأجناد، من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قهروا وأهلكوا، فكذا نهلك هؤلاء\rكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تأنيث قوم باعتبار المعنى وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) كان يتد لكل من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه\rوَثَمُودُ وَقَوْمُ إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي: سيهزمون بمكة وهو إخبار بالغيب، وقيل: مشار به إلى نصرة الإسلام، وقيل: إلى حفر الخندق يعني إلى مكان ذلك.\rالثاني من الوجهين الأولين: أن يكون جند مبتدأ، وما مزيدة، وهنالك نعت، ومهزوم خبره قاله أبو البقاء. قال الشيخ: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله. قلت: وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء سبقه إليه مكي اهـ سمين.\rوفي الخطيب: جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب خبر مبتدأ مضمر أي: هم أي: قريش جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل مهزوم مكسور عما قريب، فمن أين لهم تدبير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية فلا تكثرت بما تقول قريش. قال قتادة: أخبر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فقال تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. قال الرازي: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة، لأن المعنى أنهم جند سيصيرون مهزومين من الوضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات، وذلك الموضع هو مكة وما ذاك إلا في يوم الفتح اهـ.\rقوله: (أي في تكذيبهم لك) أي: في حال أو في موضع تكذيبهم لك اهـ.\rقوله: (أولئك) أي: الاحزاب.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله ببيان أحوال العتاة الطغاة الذين هؤلاء جند من جنسهم بما فعلوا من التكذيب وفعل بهم من العقاب اهـ أبو السعود.\rقوله: قَوْمُ نُوحٍ أي: كذبوا رسولهم نوحا وكذا يقدر فيما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: (باعتبار المعنى) وهو أنهم أمة وطائفة وجماعة اهـ شيخنا.\rقوله: ذُو الْأَوْتادِ أي: ذو الملك الثابت بالأوتاد مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده، أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضا كالوتد يشد البناء اهـ بيضاوي والسمين.\rوالأوتاد هنا استعارة بليغة حيث شبه الملك ببيت الشعر، وبيت الشعر لا يثبت إلا بالأوتاد والأطناب اهـ.\rقوله: (كان يتد) من باب وعد أي: يدق ويغرز ويهيىء، والأوتاد جمع وتد وفيه لغات فتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، وبفتحتين وود بإدغام التاء في الدال بوزن وج اهـ سمين.\rوفي المصباح: الوتد بكسر التاء في لغة الحجاز وهي الفصحى وجمعه أوتاد، وفتح التاء لغة، وأهل نجد يسكنون التاء فيدغمون بعد القلب فيبقى ود، ووتدت الوتد أتده وتدا من باب وعد أثبته بحائط أو بالأرض، وأوتدته بالألف لغة اهـ.","part":6,"page":373},{"id":2332,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 374\rلُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي الغيضة، وهم قوم شعيب عليه السّلام أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13)\rإِنْ ما كُلٌ من الأحزاب إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد فَحَقَ وجب عِقابِ (14)\rوَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ أي كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) بفتح الفاء وضمها: رجوع\rوَقالُوا لما نزل فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ* الخ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أي كتاب قوله: (يشد إليها يديه الخ) أي: ويضجعه مستلقيا على ظهره اهـ خازن.\rوقوله: (و يعذبه) قيل يتركه حتى يموت، وقيل: يرسل عليه العقارب والحيات اهـ خازن.\rقوله: (أي الغيضة) أي: الأشجار الملتفة المجتمعة اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ الْأَحْزابُ إما بدل من الطوائف المذكورة وقوله: إِنْ كُلٌ الخ استئناف جيء به تقريرا لتكذيبهم وبيانا لكيفيته وتمهيدا لما يعقبه. أي: ما كل واحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل، وإما جملة مستأنفة. وقوله: إِنْ كُلٌ الخ كذلك وإما مبتدأ، وقوله: إِنْ كُلٌ الخ خبره اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة لانتقاض النفي بإلّا فإن انتقاضه مع الأصل وهو ما مبطل فكيف بفرعها اهـ سمين.\rقوله: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ الخ شرع في بيان عقاب كفار مكة أثر بيان عقاب إخوانهم من الأحزاب الذين أخبر عنهم فيما سبق أنهم جند حقير مهزوم عن قريب اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هي نفخة القيامة) أي: الثانية.\rقوله: ما لَها مِنْ فَواقٍ يجوز أن يكون لها رافعا لمن فواق بالفاعلية لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبره، وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة لصيحة، ومن مزيدة. وقرأ الأخوان فواق بضم الفاء والباقون بفتحها، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وهما الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث:\r«العيادة قدر فواق ناقة»، وهذا في المعنى كقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً [الأعراف: 34] وقال ابن عباس: ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته، وأفاقت الناقة ساعة ليرجع اللبن إلى ضرعها. يقال: أفاقت الناقة تفيق إفاقة رجعت واجتمعت الفيقة في ضرعها، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين ويجمع على أفواق، وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال ناقة مفيق ومفيقة، وقيل: فواق بالفتح الإفاقة والاستراحة كالجواب من أجاب قاله المؤرخين السدوسي والفراء، ومن المفسرين ابن زيد، والسدي، وأما المضموم فاسم لا مصدر، والمشهور أنها بمعنى واحد كقصاص الشعر وقصاصه اهـ سمين.\rوفي المختار: الفواق الزمن الذي بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك ساعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب. يقال: ما أقام عنده إلا فواقا، وفي الحديث: «العيادة قدر فواق ناقة» وقوله تعالى: مِنْ فَواقٍ يقرأ بالفتح والضم أي: ما لها من نظرة وراحة وإفاقة اهـ.\rقوله: (لما نزل فأما من أوتي كتابه) أي: الذي في الحاقة.","part":6,"page":374},{"id":2333,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 375\rأعمالنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) قالوا ذلك استهزاء، قال تعالى\rاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي القوة في العبادة، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ويقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم قوله: قِطَّنا أي: نصيبنا وحظنا، وأصله من قط الشيء أي قطعه، ومنه قط القلم. والمعنى قطعة مما وعدتنا به، ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قط لأنهما قطعتان يقطعان، وقيل: للجائزة أيضا قط لأنها قطعة من العطية، ويجمع على قطوط مثل حمل وحمول، وعلى قططة مثل قرد وقردة وقرود، وفي القلة على أقططة وأقطاط مثل قدح وأقدحه وأقداح اهـ سمين.\rقوله: (أي كتاب أعمالنا) سمي قطا أي مقطوعا من القط وهو القطع، لأن صحيفة الأعمال قطعة ورق مقطوعة من غيرها اهـ شيخنا.\rقوله: قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي: في الدنيا.\rقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ أي: تذكر قصته وصن نفسك عن أن تترك ما كلفت به من مصابرتهم وتحمل أذاهم لئلا يلقاك من المعاتبة مثل ما وقع له اهـ أبو السعود.\rوهذا شروع في ذكر قصص لجملة من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب وغيرهم، والقصد بها تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم أي: اذكر ما حصل لهم من المشاق والمحن فصبروا حتى فرج اللّه عنهم فصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويؤول أمرك إلى أحسن مآل اهـ نهر.\rوفي زاده ما نصه: المقصود من جميع هذه القصص الاعتبار كأن اللّه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان في الدنيا أحد أكثر نعمة ولا مالا ولا جاها من داود وسليمان، وما كان أحد أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعلم أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، فإن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره، واذكر أيضا إبراهيم حيث ألقي في النار، وصبر إسحاق حيث عرض على الذبح، وصبر يعقوب حيث فقد ولده وذهب بصره اهـ.\rقوله: ذَا الْأَيْدِ الأيد مفرد بوزن البيع وهو مصدر وليس جمع يد. وفي المصباح: آد الرجل يئيد من باب باع أيدا وإيادا بكسر الهمزة إذا قوي واشتد فهو أيد مثل سيد وهين، ومنه قولهم: أيدك اللّه تأييدا اهـ.\rقوله: (و يقوم نصف الليل الخ) هكذا وقع في كثير من النسخ وهو يوافق تعبير القرطبي والبيضاوي وأبي السعود. ووقع في بعض النسخ: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وهذا هو الموافق لما في الصحيحين: وعبارة الخازن: روى الشيخان عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال:\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن أحب الصيام إلى اللّه صيام داود وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» اهـ.\rوفي الكرخي: الذي قاله الجلال السيوطي في الجامع الصغير: «أحب الصيام إلى اللّه صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر اهـ.\rفلعل سيدنا داود عليه السّلام كان أحيانا هكذا وأحيانا هكذا اهـ.","part":6,"page":375},{"id":2334,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 376\rسدسه إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) رجاع إلى مرضاة اللّه\rإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه بِالْعَشِيِ وقت صلاة العشاء وَالْإِشْراقِ (18) وقت صلاة الضحى، وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها\rوَقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على أن المراد به القوة في الدين اهـ أبو السعود.\rقوله: (إلى مرضاة اللّه) المرضاة بمعنى الرضاء، ففي المختار: والرضوان بكسر الراء وضمها الرضا والمرضاة مثله اهـ.\rقوله: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ استئناف مسوق لتعليل قوته في الدين وكونه رجاعا إلى مرضاته تعالى، وإيثار مع على اللام لما أشير إليه في سورة الأنبياء من أن تسخير الجبال له لم يكن بطريق تفويض التصرف الكلي فيها إليه، كتسخير الريح وغيرها لسليمان، بل بطريق التبعية له والاقتداء به، أي: بداود في عبادة اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: يُسَبِّحْنَ أي: يقدسن اللّه بصوت يتمثل لداود ويخلق اللّه فيها الكلام، أو بلسان الحال.\rوقيل: يسرن معه في السياحة اهـ أبو السعود.\rوهذه الجملة حالية من الجبال وأتى بها فعلا مضارعا دون اسم فاعل، فلم يقل مسبحات دلالة على التجدد والحدوث شيئا بعد شيء، وقوله: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً العامة على نصبهما عطف مفعول على مفعول وحال على حال، كقولك ضربت زيدا مكتوفا وعمرا مطلقا وأتى بالحال اسما لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا، لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة والحاشر اللّه تعالى، وقرأ بعضهم برفعهما جعلهما جملة مستقلة من مبتدأ وخبر اهـ سمين.\rقوله: (وقت صلاة العشاء الخ) عبارة الخازن: غدوة وعشية اهـ.\rويفهم من كلام القرطبي أن المراد بالعشاء العشاء الأولى وهي المغرب حيث قال: فكان داود يسبح أثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها اهـ.\rقوله: (و هو أن تشرق الشمس الخ) وأما شروقها فهو طلوعها. يقال: شرقت الشمس ولم تشرق اهـ أبو السعود أي: طلعت ولم ترتفع.\rوفي المختار: وشرقت الشمس طلعت وبابه دخل وأشرقت أضاءت اهـ.\rوفي القرطبي: روي عن ابن عباس أنه قال: كنت أمر بهذه الآية بالعشي والإشراق، ولا أدري ما هي حتى حدثتني أم هانىء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى، وقال: «يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق». قال عكرمة: قال ابن عباس: كان في نفسي من صلاة الضحى حتى وجدتها في القرآن يسبحن بالعشي والإشراق قال عكرمة: وكان ابن عباس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّاها بعد اهـ.\rقوله: (و يتناهى ضوءها) وهو ربع النهار.","part":6,"page":376},{"id":2335,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 377\rسخرنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً مجموعة إليه تسبح معه كُلٌ من الجبال والطير لَهُ أَوَّابٌ (19) رجاع إلى طاعته بالتسبيح\rوَشَدَدْنا مُلْكَهُ قوّيناه بالحرس والجنود، وكان يحرس محرابه في كل ليلة ثلاثون ألف رجل وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ النبوة والإصابة في الأمور وَفَصْلَ الْخِطابِ (20) البيان الشافي في كل قصد\r* وَهَلْ معنى الاستفهام هنا التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده قوله: كُلٌّ لَهُ أي: كل من الجبال والطير لداود أي: لأجل تسبيحه. أواب، أي: مسبح، فوضع أواب موضع مسبح، وقيل: الضمير للباري تعالى، والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع للّه تعالى اهـ سمين.\rوهذه الجملة استئناف مقرر لمضمون ما قبلها مصرح بما فهم منه إجمالا أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح اهـ أبو السعود.\rوهذا يفيد أن اللام للتعليل، وصنيع الشارح يقتضي أنها صلة أواب حيث قال: رجاع إلى طاعته كما تقول رجعت إلى فلان اهـ.\rقوله: (بالحرس) بضم الحاء وفتح الراء المشددة جمع حارس وبفتحتين اسم جمع كخدم وزنا ومعنى اهـ شيخنا.\rقال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل اهـ خازن.\rقوله: (النبوة والإصابة في الأمور) عبارة القرطبي: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ أي: النبوة قاله السدي.\rوقال مجاهد: العدل. وقال أبو العالية: العلم بكتاب اللّه تعالى. وقال قتادة: السنّة. وقال شريح:\rالعلم والفقه وفصل الخطاب. قال أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة: يعني الفصل في القضاء وهو قول ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس: بيان الكلام. وقال على بن أبي طالب: هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وقاله شريح والشعبي وقتادة أيضا. وقال أبو موسى الأشعري، والشعبي أيضا: هو قوله أما بعد وهو أول من تكلم بها، وقيل: فصل الخطاب البيان الفاصل بين الحق والباطل، وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل، والمعنى هي هذه الأقوال متقارب، وقول علي رضي اللّه عنه يجمعه لأن موارد الحكم عليه في القضاة ما عدا قول أبي موسى الأشعري اهـ.\rقوله: (البيان الشافي) أي: المنبه للمخاطب على المرام من غير التباس لما قد روعي فيه من مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإضمار والإظهار والحذف والتكرار ونحوها اهـ كرخي.\rقوله: (في كل قصد) أي مقصود أي: في كل أمر مقصود. قوله: (التعجب) أي: حمل المخاطب على التعجب أو إيقاعه في التعجب. قوله: (إلى استماع ما بعده) أي: لكونه أمرا غريبا كما تقول لمخاطبك: هل تعلم ما وقع اليوم ثم تذكر له ما وقع اهـ شيخنا.","part":6,"page":377},{"id":2336,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 378\rأَتاكَ يا محمد نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) محراب داود أي مسجده حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة، أي خبرهم وقصتهم\rإِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ نحن خَصْمانِ قيل فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجمع، وقيل اثنان والضمير بمعناها، والخصم على الواحد وأكثر، وهما ملكان جاءا في صورة خصمين وقع لهما ما ذكر على سبيل الفرض، لتنبيه داود عليه السّلام على ما وقع منه، وكان له تسع وتسعون امرأة، قوله: إِذْ تَسَوَّرُوا الخ ظرف لمضاف محذوف أي: نبأ تخاصم وتحاكم الخصم إذ تسوروا، وقوله: إِذْ دَخَلُوا بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بالنبأ، أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك، لأن إتيان النبأ رسول اللّه لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود، ولا بالنبأ لأن النبأ واقع في عهد داود، فلا يصح إتيانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن ناصبا، فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف وتقديره: وهل أتاك نبأ تخاصم الخصم إذ فاختار أن يكون معمولا لمحذوف اهـ.\rوفي أبي السعود: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ أي: قصدوا سوره ونزلوا من أعلاه والسور الحائط المرتفع اهـ.\rقوله: (أي مسجده) أي: البيت الذي كان يدخله ويشتغل فيه بالطاعة والعبادة اهـ خازن.\rقوله: (حيث منعوا الدخول عليه الخ) أي: لأنهم أتوه في اليوم الذي كان يتفرغ فيه للعبادة فمنعهم الحرس الدخول من الباب اهـ شيخنا.\rقوله: (أي خبرهم الخ) تفسير للنبأ.\rقوله: فَفَزِعَ مِنْهُمْ أي: لأنهم نزلوا من فوق على خلاف العادة والحرس حوله، وقوله:\rقالُوا لا تَخَفْ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية فزعه، كأنه قيل: فماذا قالوا لما شاهدوا فزعه؟ فقال: قالُوا لا تَخَفْ الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: خَصْمانِ أي: جئناك لتقضي بيننا اهـ خازن.\rقوله: (قيل فريقان) أي: على القول بأن الداخل عليه كان أزيد من اثنين فكان المتخاصمين والشاهدين والمزكيين، وقوله: (و قيل اثنان) أي: شخصان فقط على القول بأن الداخل المتداعيان فقط، وقوله: (و الضمير) أي: ضمير الجمع بمعناها أي: أن المراد به ما فوق الواحد اهـ شيخنا.\rقوله: (و الخصم يطلق الخ) أي: فالتثنية في خصمان باعتبار إطلاقه على الواحد، والافراد في نبأ الخصم باعتبار إطلاقه على الأكثر وإطلاقه بالاعتبارين بالنظر لأصل معناه إذ هو في الأصل مصدر لخصمه خصما كضربه ضربا اهـ شيخنا.\rقوله: (و هما ملكان) قيل: هما جبريل وميكائيل اهـ شيخنا.\rقوله: (على سبيل الفرض) جواب عما يقال الملائكة معصومون فيف يتصور منهم البغي؟","part":6,"page":378},{"id":2337,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 379\rوطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوجها ودخل بها بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا ومحصل الجواب أن هذا الكلام من قبيل المعاريض وليس على سبيل تحقيق البغي من أحدهما على الآخر اهـ خازن.\rقوله: (لتنبيه داود على ما وقع له) أي: إيقاظه وإطلاعه على ما وقع له أي: منه وفي المختار:\rونبهه غيره تنبيها أيقظه، ونبهه أيضا على الشيء أطلعه عليه فتنبه هو عليه اهـ.\rأي اطلع عليه وفطن له اهـ.\rوالذي وقع له هو طمعه في زوجة وزيره وطلبها منه. قوله: (و كان له تسع الخ) هذا بيان لما وقع منه.\rقوله: (و طلب امرأة شخص) أي: لما وقع في قلبه محبتها وتعلقه بها لسر يعلمه اللّه تعالى، وهو أنه لما تزوجها أتت له بسليمان عليه الصلاة والسّلام، فهي أمه. واسم ذلك الشخص أوريا بن حنان اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وطلب امرأة شخص فاستحيا الشخص وهو أوريا أن يرده وطلقها، وكان ذلك جائزا في شريعة داود معتادا فيما بين أمته غير مخل بالمروءة، فكان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل عن زوجته فيتزوجها إذا أعجبته، وقد كان الأنصار في صدر الإسلام يواسون المهاجرين بمثل ذلك من غير نكير. خلا أن داود عليه السّلام لعظيم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شأنه نبه بالتمثيل على أنه لم يكن ينبغي له أن يتعاطى ما يتعاطاه آحاد أمته، ويسأل رجلا ليس له إلّا امرأة واحدة أن ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه، بل كان المناسب له أن يغلب هواه ويصبر على ما امتحن به، وقيل: لم يكن أوريا تزوجها بل كان خطبها ثم خطبها داود عليه السّلام، فآثره عليه السّلام أهلها، فكان ذنبه عليه السّلام أن خطب على خطبة أخيه المسلم هذا. وأما ما يذكر من أنه عليه السّلام دخل ذات يوم محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينما هو كذلك إذ جاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن له صغير فطارت فامتد إليها فطارت، فوقفت في كوة فتبعها فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطى بدنها وهي امرأة أوريا وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا وهو صاحب بعث البلقاء أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت، وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح اللّه تعالى على يده أو يستشهد، ففتح اللّه تعالى على يده وسلم، فأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قتل، وأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء وتزوج امرأته. فهو إفك مبتدع مكروه ومكر مخترع تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع، ويل لمن ابتدعه وأشاعه وتبا لمن اخترعه وأذاعه، ولذلك قال علي رضي اللّه عنه: من حدث بحديث داود عليه السّلام ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وذلك حد الفرية أي: الكذب على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام هذا، وقد قيل: إن قوما قصدوا أن يقتلوه عليه السّلام فتسوروا المحراب ودخلوا عليه، فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا بهذا التحاكم، فعلم عليه السّلام غرضهم فهمّ بأن ينتقم منهم، فظن أن ذلك ابتلاء له من اللّه عز وجل فاستغفر ربه مما هم به، انتهت.\rوفي الخازن: قال الإمام فخر الدين: حاصل هذه القصة يرجع إلى السعي في قتل رجل مسلم","part":6,"page":379},{"id":2338,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 380\rتُشْطِطْ تجر وَاهْدِنا أرشدنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) وسط الطريق الصواب\rإِنَّ هذا أَخِي أي على بغير حق وإلى الطمع في زوجته وكلاهما منكر عظيم، فلا يليق بعاقل أن يظن بداود عليه الصلاة والسّلام هذا، فإن قلت: في الآية يدل على صدور الذنب منه، وهو قوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ وقوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وقول: وَأَنابَ وقوله: فَغَفَرْنا لَهُ ذلك. قلت: ليس في هذه الألفاظ شيء مما يدل على ذلك وذلك لأن مقام النبوة أشرف المقامات وأعلاها فيطالبون بأكمل الأخلاق والأوصاف وأسناها، فإذا نزلوا من ذلك إلى طبع البشرية عاتبهم اللّه تعالى على ذلك وغفره لهم كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين فإن قلت: فعلى هذا القول فما معنى الامتحان في الآية؟\rقلت: ذهب المحققون من علماء التفسير وغيرهم في هذه القصة إلى أن داود عليه الصلاة والسّلام ما زاد على أن قال للرجل: أنزل عن امرأتك واكفلنيها، فعاتبه اللّه على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا، وقيل: إن داود تمنى أن تكون امرأة أوريا له، فاتفق غزو أوريا وهلاكه في الحرب، فلما بلغ داود قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته فعاتبه اللّه تعالى على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند اللّه تعالى وقيل: إن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت نفسها منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعاتبه اللّه تعالى على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة. ويدل على صحة هذا الوجه قوله: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ، فدل هذا على أن الكلام كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها فعوتب داود بشيئين، أحدهما: خطبته على خطبة أخيه. والثاني: إظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه. وقيل: إن ذنب داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا والمرأة، وإنما هو بسبب الخصمين، وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر، وقيل هو قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فحكم على خصمه بكونه ظالما بمجرد الدعوى، فلما كان هذا الحكم مخالفا للصواب اشتغل داود بالاستغفار والتوبة، فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود عليه الصلاة والسّلام مما نسب إليه واللّه أعلم اهـ.\rقوله: (و تزوجها) معطوف على مقدر صرح به غيره. أي: فأجابه الرجل ونزل له عنها وطلقها وتزوجها داود بعد انقضاء عدتها اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تُشْطِطْ العامة على ضم التاء وسكون الشين وكسر الطاء الأولى من أشطط يشطط إشطاطا إذا تجاوز الحد. قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت فيه إذا جرت، فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل، وإنما فكه على أحد الجائزين كقوله: ومن يرتدد، وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وابن أبي عبلة: تشطط بفتح التاء وضم الطاء الأولى من شط بمعنى أشط كما تقدم، وقرأ قتادة تشط من أشط رباعيا إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ [المائدة: 54] وعنه أيضا تشطط بفتح الشين وكسر الطاء الأولى مشددة من شطط يشطط والتثقيل فيه للتكثير، وقرأ زر بن حبيش تشاطط من المفاعله اهـ سمين.\rقوله: (وسط الطريق الصواب) أي: العدل.","part":6,"page":380},{"id":2339,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 381\rديني لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً يعبر بها عن المرأة وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها أي اجعلني كافلها وَعَزَّنِي غلبني فِي الْخِطابِ (23) أي الجدال وأقره الآخر على ذلك\rقالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ ليضمها إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ الشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ قوله: إِنَّ هذا أَخِي الخ مبني على مقدر أي فقال لهما داود: تكلما، فقال أحدهما: إن هذا أخي الخ اهـ خازن.\rقوله: (أي على ديني) أي: فليس المراد أخوه للنسب اهـ شيخنا.\rقوله: (يعبر بها) أي: يكني بها عن المرأة. قال النحاس: والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة لما هي عليه من السكون والعجز وضعف الجانب، وقد يكني عنها بالبقرة والحجر والناقة لأن الكل مركوب اهـ.\rقوله: (أي اجعلني كافلها) هذاهو المعنى الأصلي والمراد هنا ملكنيها وانزل عنها اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، وقيل: اجعلها كفلي ونصيبي اهـ.\rوفي المختار: كفل عنه بالمال لغريمه وأكفله بالمال ضمنه إياه وكفله إياه بالتخفيف فكفل هو من باب نصر ودخل وكفله إياه تكفيلا مثله اهـ.\rقوله: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي، أتى بحجاج لا أقدر على رده اهـ أبو السعود.\rأي: لأنه أفصح مني في الكلام وإن حارب كان أبطش مني لقوة ملكه، فالغلبة كانت له علي لضعفي في يده، وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود اهـ خازن.\rوفي المختار: وعز عليه غلبه وبابه رد، وفي المثل من عز بز أي: من غلب والاسم العزة وهي القوة والغلبة وعز في الخطاب وعازه أي: غلبه اهـ.\rقوله: (و أقره الآخر) أي: المدعى عليه. أي: أقر المدعي على ما ادعى به، وهذا جواب عما يقال كيف حكم داود، وقال: لَقَدْ ظَلَمَكَ الخ مع أن المدعى عليه لم يذكر جوابا للمدعي، فأجاب بأنه أقر واعترف بها وإن كان جوابه لم يذكر في الآية اهـ شيخنا.\rقوله: لَقَدْ ظَلَمَكَ لام قسم، وقوله: إِلى نِعاجِهِ متعلق بمحذوف قدره الشارح اهـ.\rقوله: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ مصدر مضاف لمفعول والفاعل محذوف. أي: بأن سألك نعجتك وضمن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي: بإضافة نعجتك على سبيل السؤال اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الْخُلَطاءِ (الشركاء) أي: الذين خلطوا أموالهم اهـ بيضاوي.\rوهذا يدل على أن داود حمل النعجة على حقيقتها فكيف يفسر الخطاب بالمبالغة في الخطبة، مع أن الخطبة لا تكون إلا فيما يصلح للتزويج إلا أن يقال إن قوله: وَإِنَّ كَثِيراً من الخلطاء مبني على أنه عليه السّلام شبه حالهم بحال الخلطاء من حيث اطلاع بعضهم على أسباب بعض وأملاكه اهـ زاده وشهاب.","part":6,"page":381},{"id":2340,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 382\rما هُمْ ما لتأكيد القلة فقال المكان صاعدين في صورتيهما إلى السماء قضى الرجل على نفسه، فتنبه داود، قال تعالى وَظَنَ أي أيقن داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ أوقعناه في فتنة أي بلية بمحبته تلك المرأة فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً أي ساجدا وَأَنابَ (24)\rفَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي قوله: لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ اللام لام التوكيد وقعت في خبر إن، وقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا استثناء متصل. قوله: وَقَلِيلٌ خير مقدم، وهم مبتدأ مؤخر، وقوله: (ما لتأكيد القلة) أي: زائدة لتأكيد القلة. قوله: (صاعدين) حال. وقوله: (في صورتيهما) أي: الأصلية.\rقوله:) فتنبه داود) أي: علم أنهما يريدانه بهذا التلويح وهذه الكناية وهذا التمثيل اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَّما فَتَنَّاهُ ما: هي الكافة التي تهيىء هذا الحرف وأخواته للدخول على الأفعال فهي زائدة، فامعنى وظن داود أنا فتناه لذلك ولاحظه اهـ شيخنا.\rقوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ أي: سأل ربه الغفران وخر راكعا وأناب أي: ساجدا عبر بالركوع عن السجود لأن كل واحد منهما فيه انحناء، وقيل: معناه وخر ساجدا بعد ما كان راكعا. قال المفسرون:\rسجد داود أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا إلى تمام أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي، حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة. وكان من دعائه في سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور. سبحان الحائل بين القلوب. سبحان خالق النور. إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي سبحان خالق النور إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر. سبحان خالق النور إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطىء سبحان خالق النور إلهي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي. سبحان خالق النور إلهي بأي قدم أقدم أمامك يوم القيامة يوم تزل أقدام الخطائين. سبحان خالق النور إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده. سبحان خالق النور إلهي أنا لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك. سبحان خالق النور إلهي أن لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم. سبحان خالق النور إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب سبحان خالق النور. إلهي كيف يستتر الخاطئون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا سبحان خالق النور. إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي سبحان خالق النور. إلهي أغفر ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني سبحان خالق النور. إلهي أعوذ بوجهك الكريم من ذنوبي التي أو بقتني سبحان خالق النور. إلهي فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم الدين سبحان خالق النور.\rقيل: مكث داود أربعين يوما لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه، فنودي يا داود أجائع أنت فتطعم. أظمآن أنت فتسقى أمظلوم أنت فتنصر؟ فأجيب في غير ما طلب ولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء فحزن حتى هاج ما حوله من العشب، فاحترق من حرارة جوفه، ثم أنزل اللّه تعالى له التوبة والمغفرة. قال وهب: إن داود أتاه نداء إني قد غفرت لك. قال يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه. قال: فانطلق داود وقد لبس","part":6,"page":382},{"id":2341,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 383\rالمسوح حتى جلس عند قبره ثم نادى: يا أوريا. فقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي وأيقظني؟ قال:\rأنا داود. قال: ما جاء بك يا نبي اللّه؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك. قال وما كان منك إليّ؟ قال: عرضتك للقتل. قال: بل عرضتني للجنة فأنت في حل. فأوحى اللّه تعالى إليه: يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالتعنت فهلا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته. قال: فرجع فناداه فأجابه فقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي؟ قال: أنا داود. قال: يا نبي اللّه أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها. قال: فسكت ولم يجبه ودعاه مرة فلم يجبه وعادوه فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم نادى: الويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط سبحان خالق النور. الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار سبحان خالق النور. فأتاه النداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك. قال: يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني. قال: يا داود أعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم ترعيناه ولم تسمع أذناه، فأقول له رضيت يا عبدي. فيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟\rفأقول: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي: الذنب وإن له عندنا أي: يوم القيامة بعد المغفرة لزلفى أي: لقربى ومكانه وحسن مآب أي: حسن مرجع ومنقلب.\rقال وهب بن منبه: إن داود عليه الصلاة والسّلام لما تاب اللّه عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا برقأ دمعه ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام يوم للقضاء بين بني إسرائيل ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الجبال والفيافي، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي ويرفع صوته بالمزامير، فيبكي ويبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال ويرفع صوته يبكي وتبكي معه الجبال والحجارة والطير والدواب حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطين الماء، فإذا أمسى رجع فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه إن اليوم يوم نوح داود عل نفسه فليحضره من يساعده ويدخل الدار التي فيها المحاريب، فيبسط فيها ثلاث فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها، ويجيء بأربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود عليه الصلاة والسّلام صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله، ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول: يا رب اغفر ما ترى فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.\rوعن الأوزاعي مرفوعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن مثل عيني داود عليه الصلاة والسّلام كالقربتين ينطفان ماء ولقد خدش الدمع في وجهه كخدش الماء في الأرض». وقال وهب: لما تاب اللّه تعالى على داود وقال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم","part":6,"page":383},{"id":2342,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 384\rزيادة خير في الدنيا وَحُسْنَ مَآبٍ (25) مرجع في الآخرة\rيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ تدبر أمر الناس فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي هوى النفس فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الدلائل الدالة على توحيده إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الإيمان باللّه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا بنسيانهم يَوْمَ الْحِسابِ (26) المرتب عليه تركهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا القيامة. قال: فوسم اللّه تعالى خطيئته في يده اليمنى فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبا في الناس إلا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته، وكان يبدأ إذا دعا أو استغفر بالخاطئين قبل نفسه. وعن الحسن قال: كان داود عليه الصلاة والسّلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين يقول: تعالوا إلى داود الخاطىء، ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه، وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين. قال: وكان داود عليه الصلاة والسّلام قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان صام الدهر كله، وقام الليل كله. وقال ثابت: كان داود إذا ذكر عقاب اللّه انخلعت أوصاله فلا يشدها إلا الإسار، وإذا ذكر رحمة اللّه تراجعت. وقيل: إن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي إلى قراءته، وقيل: إنها قالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك اهـ خازن.\rوفي المصباح: والإسار بوزن كتاب القد.\rقوله: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي: ذلك الذنب وهو مفعول غفرنا اهـ.\rقوله: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ إما حكاية لما خوطب به عليه الصلاة والسّلام مبينة لزلفاه عنده عز وجل، وإما مقول لقول مقدر هو معطوف على غفرنا، أو حال من فاعله، أي:\rوقلنا له أو قائلين له داود الخ. أي: استخلفناك على الملك فيها والحكم فيما بين أهلها أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه دليل بين على أنه حاله عليه السّلام بعد التوبة كما كانت قبله لم تتغير قط اهـ أبو السعود.\rقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ أي: بالعدل، لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهرج فيه والمرج في الخلق، وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم اهـ كرخي.\rقوله: فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب على أنه جواب النهي، وقيل: هو مجزوم بالعطف على النهي مفتوح لالتقاء الساكنين أي: فيكون الهوى أو اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق تشريعا وتكوينا، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ الخ تعليل لما قبله ببيان غائلته اهـ أبو السعود.\rقوله: بِما نَسُوا أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب. يوم: إما مفعول لنسوا أو ظرف لقوله:\rلَهُمْ أي لهم عذاب شديد في يوم القيامة بسبب نسيانهم الذي هو عبارة عن ضلالهم اهـ أبو السعود.\rوالمتبادر من صنيع الشارح هو الأول، والمراد بنسيانه ترك الإيمان به اهـ.\rقوله: (المرتب عليه الخ) نعت لنسيانهم أشار به إلى السبب الحقيقي في استحقاقهم العذاب،","part":6,"page":384},{"id":2343,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 385\rفي الدنيا\rوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا أي عبثا ذلِكَ أي خلق ما ذكر لا لشيء ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فَوَيْلٌ واد لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)\rأَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) نزل لما قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نعطى في وهو ترك الإيمان لا نسيان يوم الحساب، لكن لما كان ترك الإيمان مرتبا ومسببا عن النسيان المذكور اكتفى في الآية بذكر السبب، وقوله: (و لو أيقنوا) الخ دليل للترتيب المذكور، وفيه أنه إن أريد بقوله لآمنوا في الدنيا إيمانهم بيوم الحساب لزم عليه اتحاد الشرط، والجواب وإن أريد به الإيمان النافع وهو الإيمان بكل ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ورد عليه عدم صحة الملازمة لإمكان أن يؤمنوا بخصوص يوم الحساب ويكذبوا في شيء آخر اهـ شيخنا.\rقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ الخ كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله من أمر البعث والحساب والجزاء اهـ أبو السعود.\rقوله: باطِلًا يجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أو حالا من ضميره، أي: خلقا باطلا، ويجوز أن يكون حالا من فاعل خلقنا أي: مبطلين أو ذوي باطل ويجوز أن يكون مفعولا من أجله أي:\rللباطل وهو العبث اهـ سمين.\rقوله: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: مظنونهم فإن جحودهم لأمر البعث والجزاء الذي عليه يدور فلك تكوين العالم قول منهم ببطلان خلق ما ذكر الخلوه عن الحكمة اهـ أبو السعود.\rقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ وخبر، والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، كما أو وضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بعلية الصلة لاستحقاقهم الويل اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: وقوله) لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي لهم، فوضع الموصول موضع الضمير للإشعار بما في حيز الصلة بعلية كفرهم له بسبب هذا الظن اهـ.\rوقوله: مِنَ النَّارِ أي: فيها اهـ.\rقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ أم منقطعة وما فيها من بل للاضراب الانتقالي عن تقرير أمر البعث والحساب والجزاء بما مرّ من نفي خلق العالم خاليا عن الحكم والمصالح إلى تقريره وتحقيقه بما في الهمزة من إنكار التسوية بين الفريقين ونفيها على أبلغ وجه، وآكده أي بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتع بالحياء الدنيا، بل الكفرة أوفر حظا فيها من المؤمنين، لكن ذلك الجعل محال فتعين البعث والجزاء حتما لرفع الأولين إلى أعلى عليين ورد الآخرين إلى أسفل سافلين اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ إضراب وانتقال عن إثبات ما ذكر بلزوم الحال الذي هو التسوية بين الفريقين المذكورين على الإطلاق إلى إثباته بلزوم ما هو أظهر منه استحالة، وهو التسوية","part":6,"page":385},{"id":2344,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 386\rالآخرة مثل ما تعطون، وأم بمعنى همزة الإنكار\rكِتابٌ خبر مبتدإ محذوف، أي هذا أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا أصله يتدبروا أدغمت التاء في الدال آياتِهِ ينظروا في معانيها فيؤمنوا وَلِيَتَذَكَّرَ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) أصحاب العقول\rوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ابنه نِعْمَ الْعَبْدُ أي سليمان إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) رجاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات\rإِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِ هو ما بعد الزوال الصَّافِناتُ الخيل جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث وإقامة الأخرى على طرف الحافر وهو من صفن يصفن صفونا الْجِيادُ (31) جمع جواد وهو السابق، المعنى: أنها بين أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين، ويكون التكوين باعتبار وصفين آخرين هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين، وقيل: قال كفار قريش إنا نعطي في الآخرة من الخير ما تعطون فنزلت اهـ أبو السعود.\rقوله: (بمعنى همزة الانكار) أي: مع بل التي للإضراب الانتقالي كما علمت اهـ.\rقوله: كِتابٌ يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هذا كتاب، وأنزلناه، صفة. ومبارك: خبر مبتدأ مضمر أو خبر ثان، ولا يجوز أن يكون نعتا ثانيا، لأنه لا يتقدم عند الجمهور غير الصريح على الصريح، ومن يرى ذلك استدل بظاهرها، وقوله: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ متعلق بأنزلناه، وقرئ مباركا بالنصب على الحال اللازمة لأن البركة لا تفارقه اهـ سمين.\rقوله: (أدغمت التاء) أي: بعد قلبها دالا. قوله: آياتِهِ أي: التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع اهـ أبو السعود.\rقوله: وَوَهَبْنا لِداوُدَ أي: من المرأة التي أخذها من أوريا اهـ شيخنا.\rوتقدم أن قصتها كانت بعد أن بلغ داود سبعين سنة. فيكون قد رزق سليمان بعد السبعين ولينظر في أي سنة بعد السبعين. قوله: (أي سليمان) تفسير للمخصوص بالمدح، وقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ تعليل لمدحه اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ منصوب بمقدر أي اذكر يا محمد وقت أن عرض على سليمان الخ.\rأي: اذكر القصة الواقعة في هذا الوقت اهـ شيخنا.\rقوله: (ما بعد الزوال) أي: إلى الغروب. قوله: (و هي القائمة) أي؛ الواقفة على ثلاث أي: من قوائمها. وقوله: (و إقامة الأخرى) منصوب على أنه مفعول معه، وقوله: (على طرف الحافر) أي من رجل أو يد. وفي نسخ بالتاء المجرورة فيكون فعلا ماضيا وتكون الجملة حالا بتقدير قد اهـ شيخنا.\rوفي المختار: الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، وقد صفن الفرس من باب جلس، والصافن من الناس الذي يصف قدميه وجمعه صفون اهـ.\rقوله: (جمع جواد) يطلق الجواد على كل من الذكر والأنثى اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: الْجِيادُ جمع جواد أو جود، وهو الذي يسرع في جريه. وقيل: الذي يجود في الركض، وقيل: جمع جيد اهـ.","part":6,"page":386},{"id":2345,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 387\rإذا استوقفت سكنت وإن ركضت سبقت وكانت ألف فرس عرضت عليه بعد أن صلى الظهر، لإرادته الجهاد عليها لعدو، فعند بلوغ العرض منها تسعمائة غربت الشمس ولم يكن صلى العصر فاغتمّ\rفَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ أي أردت حُبَّ الْخَيْرِ أي الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أي صلاة العصر وفي المسين: والجياد إما من الجودة، يقال: جاد الفرس يجود بالفتح والضم فهو جواد للذكر والأنثى، والجمع جياد وأجواد وأجاويد جمع لجود بالفتح كثوب وثياب، وقيل جمع جيد. وإما من الجيد وهو العنق، والمعنى طويلة الأعناق وهو دال على فراهتها اهـ.\rقوله: (المعنى) أي معنى الوصفين. قوله: (و إن ركضت سبقت) في المختار: الركض الضرب بالرجل، ومنه قوله تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص: 42] وبابه نصر وركض الفرس برجله استحثه ليعدو، ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض اهـ.\rقوله: (و كانت ألف فرس) روي أنه غزا أهل دمشق ونصيبين، وأصاب منهم ألف فرس، وقيل:\rأصابها أبوه من العمالقة فورثها منه، وقيل: خرجت له من البحر ولها أجنحة أبو السعود.\rقوله: (لإرادته الجهاد) أي: ليختبر صلاحيتها له.\rقوله: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ الخ أي: قال ما ذكر اعترافا بما صدر منه وندما عليه وتمهيدا لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها والتعقيب باعتبار آخر العرض الممتد دون ابتدائه، والتأكيد بإن للدلالة على أن اعترافه وندمه ناشيء عن صميم القلب اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي أردت) ضمن معنى آثرت كما عبر به غيره، ولهذا عدي بعن اهـ.\rقوله: حُبَّ الْخَيْرِ فيه أوجه، أحدها: أنه مفعول أحببت لأنه بمعنى آثرت، وعن علي هذا بمعنى على. والثاني: أن حب مصدر على حذف الزوائد والناصب له أحببت. والثالث: أنه مصدر تشبيهي أي: حبا مثل حب الخير. والرابع: أنه قيل ضمن معنى أنبت فلذلك تعدى بعن. والخامس:\rأن أحببت بمعنى لزمت. والسادس: أن أحببت من أحب البعير إذا سقط وبرك من الإعياء، والمعنى قعدت عن ذكر ربي فيكون حب الخبر على هذا مفعولا من أجله اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: قوله: (أي: أردت) أشار به إلى أن أحببت مضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أردت حب الخير مجزيا أو مغنيا عن ذكر ربي اهـ.\rوالخير: المال الكثير، والمراد به الخيل التي شغلته عليه السّلام، ويحتمل أنه سماها خيرا لتعلق الخير بها. قال عليه الصلاة والسّلام: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: يعني بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، ويعاقب بين الراء واللام فتقول:\rانهملت العين وانهمرت وختلت وخترت. قال الفراء: الخير في كلام العرب، والخيل واحد اهـ.\rقوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي يجوز أن يكون مضافا للمفعول أي: عن أن أذكر ربي، وأن يكون مضافا للفاعل أي: عن أن يذكرني ربي اهـ سمين.","part":6,"page":387},{"id":2346,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 388\rحَتَّى تَوارَتْ أي الشمس بِالْحِجابِ (32) أي استترت بما يحجبها عن الأبصار\rرُدُّوها عَلَيَ أي الخيل المعروضة فردّوها فَطَفِقَ مَسْحاً بالسيف بِالسُّوقِ جمع ساق وَالْأَعْناقِ (33) أي ذبحها وقطع أرجلها تقربا إلى اللّه تعالى، حيث اشتغل بها عن الصلاة وتصدق بلحمها فعوّضه قوله: بِالْحِجابِ يقال: إن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه اهـ خازن.\rقوله: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي: جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين، وكان ذلك مباحا له، لأن نبي اللّه لم يكن ليقدم على محرم ولم يكن يتوب عن ذنب وهو ترك الصلاة بذنب آخر وهو عقر الخيل. وقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه اللّه تعالى على عقره الخيل إذا كان ذلك أسفا على ما فاته من فريضة ربه عز وجل، وقيل: إنه ذبحها وتصدق بلحومها، وقيل: معناه أنه حبسها في سبيل اللّه تعالى وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة. وحكي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: معنى قوله: رُدُّوها عَلَيَ يقول بأمر اللّه تعالى للملائكة الموكلين بالشمس ردوها علي فردوها عليه فصلى العصر في وقتها. قال الإمام فخر الدين الرازي: التفسير الحق المطابق لألفاظ القرآن أن تقول إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما أنه كذلك في ديننا، ثم إن سليمان عليه الصلاة والسّلام احتاج إلى غزو، فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها، وذكر أنني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر اللّه تعالى وتقوية دينه، وهو المراد بقوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، ثم إنه عليه الصلاة والسّلام أمر بإعدائها واجرئها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر برد الخيل إليه وهو قوله: رُدُّوها عَلَيَّ، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها.\rوالغرض من ذلك المسح أمور، الأول: تشريفها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والمملكة يبلغ إلى أنه يباشر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها من غيره، فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرنا ينطبق عليه حفظ القرآن ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات والمحظورات. والعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة، فإن قيل: فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه فما قولك فيه؟ فنقول: لنا ههنا مقامان. المقام الأول: أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي ذكروها، وقد ظهر والحمد للّه أن الأمر كما ذكرنا ظهورا لا يرتاب عاقل فيه. المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية يدل على أنه كلام ذكره الناس، وإن الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة الأنبياء، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات اهـ خازن.\rقوله: مَسْحاً المسح القطع، ففي المختار: ومسحه بالسيف قطعه اهـ.\rفلذا قال الشارح: بالسيف اهـ.\rقوله: (أي ذبحها) أي: ذبح التي شغلته وهي التي عرضت عليه وهي التسعمائة، وأما المائة الأخرى فلم يذبحها وما في أيدي الناس من الخيل الجياد، فمن نسل تلك المائة أفاده أبو السعود والخازن.","part":6,"page":388},{"id":2347,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 389\rاللّه تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء\rوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه بسلب قوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي: اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه. وكان سبب ذلك ما روي عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون وبها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان اللّه تعالى قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، وإنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب فيها، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه وأحبها حبا لم يحب مثله أحدا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، فقال سليمان: فقد أبدلك اللّه به ملكا هو أعظم من ذلك. قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه، فألبسته ثيابا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها أي: جواريها فتسجد له ويسجدون له كما كانت تصنع في ملكه، أي: أبيها وتروح في كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا، وبلغ ذلك إلى آصف بن برخيا وكان صديقا له، وكان لا يرد عن أبواب سليمان أية ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل سواء كان سليمان حاضرا أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي اللّه إن غير اللّه يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال سليمان: في داري؟ قال: في دارك. قال: فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاتب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الظهيرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسخها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم فلبسها، ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى اللّه تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك به في ثيابه تذللا إلى اللّه تعالى وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى. ثم رجع إلى داره وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل الخلاء أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها شيطان اسمه صخر المارد بن عمير في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: هات خاتمي يا أمينة فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والوحش والجن والأنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد تغيرت حالته وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي. قال: من أنت؟ قال: سليمان بن داود، فقالت: كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج وجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل، ويقول: أنا سليمان بن داود فيحثون عليه","part":6,"page":389},{"id":2348,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 390\rالتراب ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها، فمكث على ذلك أربعين صباحا مدة ما كان يعبد الوثن في داره، ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم عدو اللّه الشيطان في تلك المدة، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم؟ فقالوا: نعم. فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فأخذته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه، فلما أمسى أعطاه سمكتيه فباع سليمان أحداهما بأرغفة وبقر بطن الأخرى ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في يده وخرّ للّه ساجدا، وعكف عليه الطير والجن، وأقبل الناس عليه، وعرف أن الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر المارد فطلبوه حتى أخذوه فأتى به فأدخله جوف صخرة وسد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. قال القاضي عياض وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وأن الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم اللّه تعالى الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون أن سبب فتنته ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال سليمان: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه تعالى، فقال له صاحبه: قل إن شاء اللّه، فلم يقل إن شاء اللّه فطاف عليهم جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم اللّه الذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون».\rوفي رواية: لأطوفن بمائة امرأة، فقال الملك: قل إن شاء اللّه، فلم يقل فنسي. قال العلماء:\rوالشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه حين عرض عليه وهي عقوبته ومحنته، لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني، وقيل: نسي أن يستثني، كما صح في الحديث لينفذ أمر اللّه ومراده فيه. وقيل: إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين، وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم تنفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يريبه في السماء خوفا من الشياطين، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه، فعاتبه اللّه على خوفه من الشياطين حيث لم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه فاستغفر ربه، فذلك قوله عز وجل: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً الخ اهـ خازن.\rوتقدم في الشارح أن سليمان عاش ثلاثا وخمسين سنة، وأعطي الملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وذكر العمادي أنه فتن بهذه الفتنة بعد أن مضى له في الملك عشرون سنة، وعاش بعد عوده عشرين سنة، فجملة ملكه أربعون سنة اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: فلما توفي سليمان بعث بختنصر، فأخذ الكرسي فحمله إلى انطاكية فأراد أن","part":6,"page":390},{"id":2349,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 391\rملكه، وذلك لتزوجه بامرأة هواها، وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه، وكان ملكه في خاتمه، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء، ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً هو ذلك الجني، وهو صخر أو غيره، جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته، فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان فأنكروه ثُمَّ أَنابَ (34) رجع سليمان إلى ملكه بعد يصعد عليه ولم يكن له علم كيف يصعد عليه، فإذا وضع رجله ضرب الأسد رجله فكسرها، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعا، ومات بختنصر وحمل الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه، ولكن لم يدر أحد عاقبة أمره ولعله رفع اهـ.\rقوله: (لتزوجه بامرأة) واسمها جرادة، وقوله: (هواها) القياس هويها، لأنه إذا كان بمعنى أحب كما هنا يكون من باب صدى، وإن كان بمعنى سقط يكون من باب رمى قاله القاري اهـ.\rقوله: (و في نسخة يهواها) وهي ظاهرة. قوله: (و كان ملكه في خاتمه) أي: كان مرتبا على لبسه، فإذا لبسه سخرت له الجن والإنس والرياح وغيرها، وإذا نزعه زال عنه الملك اهـ شيخنا.\rوكان خاتمه من الجنة نزل به آدم كما نزل بعصى موسى والحجر الأسود المسمى باليمين، وبعود البخور، وبأوراق التين ساترا عورته بها، وقد نظم الخمسة بعضهم في قوله:\rوآدم معه أنزل العود والعصا ... لموسى من الآس النبات المكرم\r\rوأوراق تبن واليمين بمكة ... وختم سليمان النبي المعظم\r\rاه شيخنا.\rوفي القرطبي: وقال جابر بن عبد اللّه قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «كان نقش خاتم سليمان بن داود، لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» اهـ.\rقوله: (و وضعه عند امرأته) عبارة غيره: عند أم ولده المسماة بالأمينة، وقوله: (على عادته) أي:\rفي أنه لا يلبسه إلا متطهرا، فكان إذا أراد الخلاء أو الجماع نزعه حتى يتطهر اهـ شيخنا.\rقوله: (هو ذلك الجني) سمي جسدا، لأن الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه وهو لما تصور بصورة سليمان كانت تلك الصورة كأنها لا روح فيها، لأنها خالية عن روح سليمان، وإن كان فيها روح الجني أشار إليه بيضاوي.\rقوله: (فخرج سليمان في غير هيئته) أي: المعتادة لزوال أبهته ورونقه بنزع الخاتم اهـ شيخنا.\rقوله: (رجع سليمان) إلى ملكه عبارة القرطبي: ثم أناب أي: رجع إلى اللّه وتاب، انتهت.\rقوله: (بعد أيام) أي: أربعين كما تقدم، وقوله: (بأن وصل إلى الخاتم) أي: لأن الجني لما تمت الأربعين يوما طار عن الكرسي وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة، ثم صيدت فوقعت في يد","part":6,"page":391},{"id":2350,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 392\rأيام، بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه\rقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لا يكون لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي سواي، نحو فمن يهديه من بعد اللّه أي سوى اللّه إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)\rفَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً لينة حَيْثُ أَصابَ (36) أراد\rوَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ يبني الأبنية العجيبة سيدنا سليمان فشق بطنها، فإذاهو بالخاتم، فلبسه فعاد إليه الملك بلبسه، فأمر سليمان الجن بإحضار ذلك الجني فأحضروه فوضعه في صخرة وسبك عليه الحديد والرصاص وألقاها في البحر اهـ خازن.\rقال البغوي: وذلك الجني حي باق في تلك الصخرة حتى تقوم الساعة اهـ.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس وغيره: ثم إن سليمان لما رد اللّه عليه ملكه أخذ صخرا الذي أخذ خاتمه ونقر له صخرة وأدخله فيها وسد عليه بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه، وألقاها في البحر وقال له: هذا مجلسك إلى يوم القيامة اهـ.\rقوله: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي أي: ذنبي وطلب المغفرة دأب الأنبياء والصالحين هضما للنفس وإظهار للذل والخشوع وطلبا للترقي في المقامات اهـ كرخي.\rقوله: (لا ينبغي لأحد من بعدي) أي ليكون معجزة لي، أو المراد لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي كما فعل الشيطان الذي لبس خاتمي وجلس على كرسي، أو أن اللّه علم أنه لا يقوم غيره مقامه بمصالح ذلك الملك واقتصت حكمته تعالى تخصيصه به، فألهمه سؤاله فلا يرد كيف قال سليمان ذلك، مع أنه يشبه الحسد والبخل بنعم اللّه تعالى على عبيده بما لا يضر سليمان، وقدم الاستغفار اهتماما بالدين وتقديما للوسيلة اهـ كرخي.\rوفي الشهاب: فليس طلبه للمفاخرة بأمور الدنيا الفانية، وإنما كان هو من بيت نبوة وملك، وكان في زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك ومعجزة كل نبي ما اشتهر في عصره كما غلب في عهد الكليم السحر، فجاءهم بما يتلقف ما أتوا به، وفي عهد نبينا الفصاحة فأتاهم بكلام لم يقدروا على أقصر سورة منه، وليس المقصود بقوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي استقلاله به بحيث لا يعطى أحد مثله ليكون منافسة في الملك وحرصا عليه اهـ.\rوفي الخازن: وقيل: كان سليمان ملكا، ولكنه أحب أن يخص بخصوصية كما خص داود بإلانة الحديد وعيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فسأل شيئا يختص به اهـ.\rقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تعليل للدعاء بالمغفرة والهبة لا بالأخيرة فقط، فإن المغفرة أيضا من أحكام وصف الوهابية قطعا اهـ أبو السعود.\rقوله: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ أي: أعدنا له هذا الملك بعد أن كان سلب عنه اهـ شيخنا.\rقوله: (تجري بأمره) بيان لتسخيرها له اهـ أبو السعود.\rوقوله: رُخاءً حال من الريح، وقوله: (لينة) أي غير عاصفة، وهذا في أثناء سيرها، وأما في أوله فهي عاصفة كما تقدم في قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الأنبياء: 81] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: بِأَمْرِهِ مضاف لفاعله أي: بأمره إياها، وقوله: حَيْثُ أي: إلى حيث، وقوله:","part":6,"page":392},{"id":2351,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 393\rوَغَوَّاصٍ (37) في البحر يستخرج اللؤلؤ\rوَآخَرِينَ منهم مُقَرَّنِينَ مشدودين فِي الْأَصْفادِ (38) القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم وقلنا له\rهذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أعط منه من شئت أَوْ أَمْسِكْ عن الإعطاء بِغَيْرِ حِسابٍ (39) أي لا حساب عليك في ذلك\rوَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) تقدم مثله\rوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي أي بأني مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ضر وَعَذابٍ (41) ألم، ونسب (أراد) هذه لغة حمير، وقيل: لغة هجر اهـ سمين.\rقوله: كُلَّ بَنَّاءٍ من الشياطين، وقوله: آخَرِينَ عطف على كل من بناء داخل معه في حكم البدل، وكأنه عليه السّلام قسم الشياطين إلى عملة استخدمهم في الأعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك، وإلى مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل لكفهم عن الشر اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: والآخرين وهم مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد اهـ.\rقوله: (القيود) من المعلوم أن القيد يكون في الرجل فلا يلتئم هذا التفسير مع قوله: (بجمع أيديهم الخ). فلو فسر الأصفاد بالأغلال لكان أوضح والأصفاد تطلق عليها كما تطلق على القيود. وفي المختار: صفده شده وأوثقه من باب ضرب وكذا صفده تصفيدا، والصفد بفتحتين والصفاد بالكسر ما يوثق به الأسير من قد وقيد وغل، والأصفاد القيود واحدها صفد اهـ.\rقوله: (بجمع أيديهم) الباء بمعنى مع. قوله: (و قلنا له) هذا أي: هذا الملك عطاؤنا اهـ.\rقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بعطاؤنا أي: أعطيناك بغير حساب ولا تقدير، وهذا دلالة على كثرة الإعطاء. الثاني: أنه حال من عطاؤنا أي: في حال كونه غير محاسب عليه لأنه كثير يعسر على الحساب ضبطه. الثالث: أنه متعلق بامنن أو أمسك، ويجوز أن يكون حالا من فاعلهما أي: حال كونك غير محاسب عليه اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ فاعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب حال من المستكن في الأمر أي: غير محاسب على منك وامساكك لتفويض التصرف فيه إليك على الإطلاق أو من العطاء. أي: هذا إعطاؤنا ملتبسا بغير حساب لغاية كثرته أو صلة له وما بينهما اعتراض على التقديرين، وقيل: الإشارة إلى تسخير الشياطين، والمراد بالمن والإمساك الإطلاق والتقييد اهـ.\rقال الحسن: ما أنعم اللّه نعمة على أحد إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان فإنه إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة اهـ خازن.\rقوله: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا الخ حال من الضمير في سخرنا أي: أعدنا له الملك والحال أن منزلته عندنا لم تزل بزوال الملك ولم تتغير بتغيره بل ما وقع له امتحان ظاهري فقط ورتبته على ما هي عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (تقدم مثله) أي: تقدم قريبا في قصة داود.\rقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ عطف على اذكر عبدنا داود وعدم تصدير قصة سليمان بهذا العنوان","part":6,"page":393},{"id":2352,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 394\rذلك إلى الشيطان، وإن كانت الأشياء كلها من اللّه تأدبا معه تعالى، وقيل له\rارْكُضْ اضرب بِرِجْلِكَ الأرض فضرب فنبعت عين ماء فقيل هذا مُغْتَسَلٌ ماء تغتسل به بارِدٌ وَشَرابٌ (42) تشرب منه، فاغتسل وشرب فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره\rوَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أي لكمال الاتصال بينه وبين داود عليهما السّلام حتى كأن قصتيهما قصة واحدة وأيوب هو ابن عيصو بن إسحاق اهـ بيضاوي.\rفليس من بني إسرائيل لأنهم من نسل يعقوب وهو ابن العيص أخي يعقوب اهـ شيخنا.\rوالذي في القاموس: أن عيصو بن إسحاق بواو بعد الصاد بوزن بيعوا أمرا بالبيع للجماعة اهـ.\rوفي التحبير: أيوب هو ابن موص بن رعبل بن عيص بن إسحاق وعاش ثلاثا وستين سنة وكانت مدة بلائه سبع سنين اهـ.\rوقيل: ثمانية عشرة، وقيل: أربعين اهـ.\rقوله: إِذْ نادى رَبَّهُ بدل اشتمال من عبدنا أو عطف بيان له، وقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الخ حكاية لكلامه الذي نادى ربه به بعبارته وإلّا لقيل أنه مسه الخ اهـ أبو السعود.\rوفي الشارح في سورة الأنبياء: إِذْ نادى رَبَّهُ أي: لما ابتلي بفقد جميع ولده وتمزيق جسده وهجر جميع الناس له إلا زوجته سنين ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة وضيق عيشه اهـ.\rقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ أي: لأنه نفخ في أنفه فمرض جسده ظاهرا وباطنا إلا قلبه ولسانه واشتد عليه المرض حتى أنتن وأخرجوه من البلد ووضعوه على المزبلة وفرّ عنه جميع الخلق إلا زوجته اهـ شيخنا.\rقوله: بِنُصْبٍ بضم فسكون. قيل: هو جمع نصب كأسد وأسد، وقيل: هو لغة في النصب كالحزن والحزن والرشد والرشد، وعلى كل فمعناه التعب والمشقة اهـ شيخنا.\rوفي المختار: والنصب بسكون الصاد الشر والبلاء اهـ.\rفعلى هذا عطف العذاب عليه من عطف المسبب. قوله: (تأدبا معه تعالى) أي: لأن الشيطان هو السبب في ذلك بنفخه فى أنفه اهـ شيخنا.\rقوله: (فاغتسل وشرب) ظاهره أن الاغتسال والشرب كانا من عين واحدة وهو ظاهر النظم الكريم، وعبارة القرطبي: فركض فنبعت عين ماء فاغتسل به فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه. وقال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية فاغتسل من إحداهما فأذهب اللّه تعالى ظاهر دائه، وشرب من الأخرى فأذهب اللّه باطن دائه ونحوه عن الحسن ومقاتل. قال مقاتل: نبعت عين حارة فاغتسل فيها فخرج صحيحا، ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عذبا باردا، وقيل: أمر بالركض ليتناثر عنه كل داء في جسده اهـ.\rوفي البيضاوي: وقيل: نبعت له عينان حارة وباردة، فاغتسل من الحارة وشرب من الأخرى اهـ.","part":6,"page":394},{"id":2353,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 395\rأحيى اللّه له من مات من أولاده ورزقه مثلهم رَحْمَةً نعمة مِنَّا وَذِكْرى عظة لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) لأصحاب العقول\rوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً هو حزمة من حشيش أو قضبان فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك، وكان قد حلف ليضربنها مائة ضربة لإبطائها عليه يوما وَلا تَحْنَثْ بترك ضربها، فأخذ مائة عود من وحكاه بصيغة التمريض، لأن ظاهر النظم عدم التعدد، وبارد حينئذ صفة لشراب مع أنه مقدم عليه صفة لمغتسل، وكون هذا إشارة إلى جنس التابع أو يقدر فيه، وهذا بارد الخ تكلف لا يخرجه عن الضعف اهـ شهاب.\rقوله: وَوَهَبْنا لَهُ الخ معطوف على مقدر يترتب على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك ما به من ضر كما في سورة الأنبياء اهـ أبو السعود.\rوإلى هذا أشار الشارح بقوله: (فاغتسل الخ).\rقوله: (من مات من أولاده) أي: الذكور والإناث وكل من الصنفين ثلاث أو سبع، وقوله:\r(و رزقه مثلهم) أي: من زوجته وزيد في شبابها اهـ شارح من سورة الأنبياء.\rوزوجته اسمها رحمة بنت افراثيم بن يوسف اهـ أبو السعود.\rوقيل: اسمها ليا بنت يعقوب اهـ بيضاوي فهي أخت يوسف.\rقوله: رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى مفعول من أجله أي: وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه وليتذكر بحاله أولو الألباب اهـ سمين.\rأي ليصبروا على الشدائد كما صبر ويلجؤوا إلى اللّه عز وجل كما لجأ ليفعل بهم ما فعل به من حسن العاقبة اهـ كرخي.\rقوله: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً معطوف على مقدر تقديره: وكان قد حلف ليضربن امرأته مائة ضربة لسبب حصل منها وكانت محسنة له فجعل اللّه له خلاصا من يمينه بقوله: وَخُذْ بِيَدِكَ الخ فحلل اللّه تعالى يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاها عنه اهـ نهر.\rوإلى هذا المقدر أشار بقوله: (و كان قد حلف الخ) اهـ.\rوفي أبي السعود: وَخُذْ بِيَدِكَ معطوف على اركض أو على وهبنا بتقدير قلناه أي: وقلنا له خذ بيدك الخ والأول أقرب لفظا وهذا أنسب معنى فإن الحاجة إلى هذا الأمر لا تمس إلا بعد الصحة اهـ.\rقوله: (هو حزمة) أي: ملء الكف اهـ خازن.\rوفي السمين: الضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش والقضبان، وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان اهـ.\rقوله: (لابطائها عليه يوما) وسبب بطئها أن الشيطان تمثل في طريقها في صورة حكيم يداوي المرضى، فمرت عليه فوجدت الناس منكبين عليه، فقالت له: عندي مريض فقال لها: قولي له يذبح سخلة عن اسمي، وقيل: قال لها قولي له يشرب الخمر، فذهبت لأيوب وأخبرته الخبر، فعلم أنه من الشيطان فاغتم وحلف ليضربنها مائة ضربة اهـ شيخنا.","part":6,"page":395},{"id":2354,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 396\rالإذخر أو غيره فضربها به ضربة واحدة إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) رجاع إلى اللّه تعالى\rوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي أصحاب القوى في العبادة وَالْأَبْصارِ (45) وفي القرطبي: وفي سبب حلفه أربعة أقوال:\rأحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته إلى مداواة أيوب فقال: أداويه على أنه إذا برىء قال: أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها وقال: ويحك ذلك الشيطان.\rالثاني: ما حكاه سعيد بن المسيب أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها.\rالثالث: ما حكاه يحيى بن سلام وغيره أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه، وأنه يبرأ فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة، وقيل: باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها، فلما شفاه اللّه أمره أن يأخذ ضغثا فيضربها به فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة اهـ.\rقوله: وَلا تَحْنَثْ الحنث الإثم ويطلق على ما فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله لأنهما سببان فيه اهـ سمين.\rقوله: إِنَّا وَجَدْناهُ أي: علمناه صابرا أي: فيما أصابه في النفس والمال والأهل وليس في شكواه إلى اللّه إخلال بذلك فإنه ليس جزعا كتمني العافية وطلب الشفاء اهـ أبو السعود.\rولا تخل به شكواه إلى اللّه من الشيطان في قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ اهـ بيضاوي.\rوالشكاية المذمومة إنما هي إذا كانت للمخلوقين اهـ كرخي.\rقوله: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ الخ أي: اذكر صبرهم على ما أصابهم تتأس بهم اهـ شيخنا.\rقوله: أُولِي الْأَيْدِي العامة على ثبوت الياء وهو جمع يد أما الجارحة فكنى بذلك عن الأعمال لأن أكثر الأعمال إنما يزاول باليد، وقيل: المراد بالأيدي جمع يد المراد بها النعمة، وقرأ عبد اللّه، والحسن، وعيسى، والأعمش الأيد بغير ياء فقيل هي الأولى، وإنما حذفت الياء اجتزاء عنها بالكسرة، ولأن أل تعاقب التنوين والياء تحذف مع التنوين فأجريت مع أل اجراءها معه وهذا ضعيف جدا وقيل:\rالأيدي القوة إلا أن الزمخشري قال: وتفسيره بالأيدي من التأييد قلق غير متمكن اهـ.\rوكأنه إنما قلق عنده لعطف الأبصار عليه فهو غير مناسب للأيد من التأييد، وقد يقال: إنه لا يراد حقيقة الجوارح إذ كل أحد كذلك، إنما المراد الكناية عن العمل الصالح والتفكر ببصيرته فلم يقلق حينئذ إذ لم يرد حقيقة الأبصار، وكأنه قيل أولي القوة والتفكر بالبصيرة، وقد نحا الزمخشري إلى شيء من هذا قبل ذلك اهـ سمين.","part":6,"page":396},{"id":2355,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 397\rالبصائر في الدين، وفي قراءة عبدنا، وإبراهيم بيان له، وما بعده عطف على عبدنا\rإِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ هي ذِكْرَى الدَّارِ (46) الآخرة أي ذكرها والعمل لها، وفي قراءة بالإضافة وهي للبيان\rوَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ المختارين الْأَخْيارِ (47) جمع خيّر بالتشديد\rوَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ هو نبي واللام زائدة وَذَا الْكِفْلِ اختلف في نبوته، قيل: كفل مائة نبي فروا إليه من القتل قوله: (أصحاب القوى) جمع قوة وهي القدرة ففي المصباح: وتطلق اليد على القوة اهـ.\rوظاهره أن هذا إطلاق حقيقي ويشير له صنيع البيضاوي ونصه: أولي الأيدي والأبصار أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين أو أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها والأبصار عن المعارف لأنها أقوى مبادئها اهـ.\rقوله: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ الخ تعليل بما وصفوا به من شرف العبودية وعلو الرتبة بالعلم والعمل اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ أي: جعلناهم خالصين لنا بخصلة لا شوب فيها هي ذكر الدار أي تذكرهم للآخرة دائما، فإن خلوصهم في الطاعة بسببها، وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون هو جوار اللّه والفوز بلقائه، وذلك في الآخرة اهـ.\rوعبارة ابن جزي: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ معناه جعلناهم خالصين لنا أو خصصناهم دون غيرهم، وخالصة صفة موصوف محذوف تقديره بخصلة خالصة، وأما الباء في قوله: بِخالِصَةٍ فإن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خالصين فهي للتعليل، وإن كان أخلصناهم بمعنى خصصناهم فهي لتعدية الفعل، انتهت.\rقوله: بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ قرأ نافع وهشام خالصة ذكرى الدار بالإضافة وفيها أوجه، أحدها: أن يكون أضاف خالصة إلى ذكرى للبيان لأن الخالصة قد تكون ذكرى وغير ذكرى كما في قوله: شهاب قبس لأن الشهاب يكون قبسا وغيره. الثاني: أن خالصة مصدر بمعنى إخلاص فيكون مضافا لمفعوله والفاعل محذوف أي: بأن أخلصوا ذكر الدار وتناسوا عند ذكرها ذكر الدنيا، وقد جاء المصدر على فاعلة كالعاقبة، أو يكون المعنى بأن أخلصنا نحن لهم ذكرى الدار. وقرأ الباقون بالتنوين وعدم الإضافة وفيها أوجه، أحدها أنها مصدر بمعنى الإخلاص فيكون ذكرى منصوبا به، وأن يكون بمعنى الخالوص فيكون ذكرى مرفوعا به كما تقدم ذلك، والمصدر يعمل منونا كما يعمل مضافا أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه وذكرى بدل أو بيان لها أو منصوب بإضمار. أعني: أو هو مرفوع على إضمار مبتدأ، والدار يجوز أن يكون مفعولا به بذكرى وأن يكون ظرفا إما على الاتساع وإما على إسقاط الخافض، وخالصة إن كانت صفة فهي صفة لمحذوف أي: بسبب خصلة خالصة اهـ سمين.\rقوله: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه للإشعار بعراقته في الصبر الذي هو المقصود بالتذكير، واليسع هو ابن أخطوب بن العجوز استخلفه الياس على بني إسرائيل ثم استنبىء اهـ أبو السعود.\rقوله: (اختلف في نبوته) روى الحاكم عن وهب أن اللّه بعث بعد أيوب ابنه بشرا وسماه ذا الكفل","part":6,"page":397},{"id":2356,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 398\rوَكُلٌ أي كلهم مِنَ الْأَخْيارِ (48) جمع خير بالتثقيل\rهذا ذِكْرٌ لهم بالثناء الجميل هنا وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الشاملين لهم لَحُسْنَ مَآبٍ (49) مرجع في الآخرة\rجَنَّاتِ عَدْنٍ بدل أو عطف بيان لحسن مآب مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) منها\rمُتَّكِئِينَ فِيها على الأرائك يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51)\r* وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ حابسات الأعين على أزواجهن أَتْرابٌ (52) أسنانهنّ واحدة وكان مقيما بالشام حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة اهـ تحبير السيوطي.\rوعبارة أبي السعود: هو ابن عم اليسع أو هو بشر بن أيوب واختلف في نبوته ولقبه اهـ.\rقوله: (قيل كفل مائة نبي) أي: قيل في بيان سبب هذا اللقب وتقدم له في سورة الأنبياء أن سببه أنه تكفل بصيام النهار وقيام الليل، وأن يقضي بين الناس ولا يغضب فوقى بما التزام اهـ.\rقوله: وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ أي: كل المتقدمين من داود إلى هنا اهـ شيخنا.\rقوله: هذا ذِكْرٌ جملة من مبتدأ وخبر قصد بها الفصل بين ما قبلها وما بعدها فيؤتى بها للانتقال من عرض إلى آخر اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: هذا ذكر جملة جيء بها إيذانا بأن القصة قد تمت وأخذ في أخرى، وهذا كما يفعل الجاحظ في كتبه يقول هذا باب ثم يشرع في آخر، ويدل على ذلك أنه لما أراد أن يعقب بذكر أهل النار ذكر أهل الجنة قال هذا وإن للطاغين الخ اهـ.\rوالإشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالثناء الجميل هنا) أي: في الدنيا.\rقوله: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الخ شروع في بيان أجرهم الجزيل الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل وهو باب آخر من أبواب التنزيل اهـ أبو السعود.\rقوله: مُفَتَّحَةً حال من جنات عدن، والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل، والأبواب مرتفعة باسم المفعول، والرابط بين الحال وصاحبها إما ضمير مقدر كما هو رأي البصريين أي:\rالأبواب منها، أو الألف واللام القائمة مقامه كما هو رأي الكوفيين اهـ أبو السعود وقد مشى الشارح على الأول.\rقوله: مُتَّكِئِينَ حال من الهاء في لهم العامل فيها مفتحة وقوله: يَدْعُونَ الخ استئناف لبيان حالهم فيها. وقيل: هو أيضا حال مما ذكر والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي اهـ أبو السعود.\rوفي الشهاب: والحال حينئذ مقدرة لأن الاتكاء وما بعده ليس في حال تفتح الأبواب بل بعده، ولذا قال: والأظهر الخ فيكون يدعون مستأنفا في جواب ما حالهم بعد دخولها، ومتكئين قدم لرعاية الفاصلة اهـ.\rقوله: (حابسات العين) أي: لا ينظرن إلى غيرهم اهـ.","part":6,"page":398},{"id":2357,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 399\rوهن بنات ثلاث وثلاثين سنة جمع ترب\rهذا المذكور ما تُوعَدُونَ بالغيبة وبالخطاب التفاتا لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) أي لأجله\rإِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54) أي انقطاع، والجملة حال من رزقنا، أو خبر ثان لإن، أي دائما أو دائم\rهذا المذكور للمؤمنين وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ مستأنف لَشَرَّ مَآبٍ (55)\rجَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يدخلونها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) الفراش\rهذا أي العذاب المفهوم مما قوله: أَتْرابٌ أي: مستويات الأسنان والشباب والحسن بنات ثلاث وثلاثين سنة. وقيل:\rمتواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن ولا يتحاسدن اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: أتراب لدات لهم أي: مساويات لأزواجهم في السن، فإن التحاب بين الأقران أثبت أو بعضهن كبعض أو نصف لا عجوز فيهن ولا صبية اهـ.\rوقوله: (لدات لهم) أي: متقاربات في الولادة كما يشير له قوله لأن التحاب الخ اهـ زكريا.\rوعبارة الشهاب: لدات جمع لدة كعدة أصله ولدة وهو كالترب من يولد معك في وقت واحد كأنهما وقعا على التراب في زمن واحد اهـ.\rقوله: (لأجله) أي: لأجل وقوعه فيه فوقوعه وانجازه فيه علة للوعد به في الدنيا اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: (لأجله) فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء الذي توعدونه، وفيه إشارة إلى أن العلة الحقيقية هي الحساب ونسبتها إلى يومه مجازية اهـ.\rوفي الشهاب: قوله: (لأجله) أي: فاللام تعليلية. قوله: (فإن الحساب الخ) بيان للتعليل فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة وهي تظهر بالحساب وتقع بعده، فجعل كأنه علة لتوقف انجاز الوعد عليه فالنسبة لليوم والحساب مجازية، ولو جعلت اللام بمعنى بعد سلم مما ذكر اهـ.\rقوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا من كلام اللّه تعالى كما يشير له صنيع أبي السعود، والمعنى إن هذا أي:\rما ذكر من الجنات وأوصافها لرزقنا أي: لهو الرزق الذي نتفضل به على عبادنا. ونص أبي السعود: إن هذا أي: ما ذكر من أنواع النعم والكرامات لرزقنا أعطيناكموه ما له من نفاد أي: انقطاع أبدا اهـ.\rأي: ولا نقص فكلما أخذ منه شيء عاد مثله في مكانه اهـ خازن.\rقوله: (أي دائما الخ) لف ونشر مرتب.\rقوله: هذا (المذكور للمؤمنين) فيه إشارة إلى أن هذا مبتدأ محذوف الخبر، ويصح عكسه أي: الأمر هذا، وكلاهما من فصل الخطاب. وقال الطيبي: الأول منه دون الثاني، وقال ابن الأثير:\rهذا في هذا المقام من الفصل الذي هو خير من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام إلى كلام آخر أي: أخذ هذا كيت وكيت وفيه بحث إذ يلزم حينئذ عطف الأخبار على الإنشاء، ولذلك لم يذكر الزمخشري هذا التقدير اهـ كرخي.\rقوله: جَهَنَّمَ بدل أو عطف بيان.\rقوله: هذا مبتدأ وقوله: حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وآخره الثلاثة خبر عن المبتدأ، وجملة فليذوقوه","part":6,"page":399},{"id":2358,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 400\rبعده فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ أي ماء حار محرق وَغَسَّاقٌ (57) بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار\rوَآخَرُ بالجمع والإفراد مِنْ شَكْلِهِ أي مثل المذكور من الحميم والغساق أَزْواجٌ (58) أصناف، أي عذابهم من أنواع مختلفة، ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم\rهذا فَوْجٌ جمع مُقْتَحِمٌ داخل مَعَكُمْ النار بشدة، فيقول المتبوعون لا مَرْحَباً بِهِمْ أي لا اعتراض. وقوله: مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ صفتان لآخر على كل من القراءتين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَآخَرُ قرأ أبو عمرو بضم الهمزة على أنه جمع وارتفاعه من أوجه، أحدها: أنه مبتدأ ومن شكله خبره، وأزواج فاعل به. الثاني: أن يكون مبتدأ أيضا ومن شكله خبر مقدم، وأزواج مبتدأ، والجملة خبره. وعلى هذين فيقال: كيف يصح من غير ضمير يعود على آخر، فإن الضمير في شكله يعود على ما تقدم أي: من شكل المذوق؟ والجواب: أن الضمير عائد على مبتدأ وإنما أفرد وذكر لأن المعنى من شكل ما ذكرنا، وذكر هذا التأويل أبو البقاء، وقد منع مكي ذلك لأجل الخلو من الضمير وجوابه ما ذكرت لك. الثالث: أن يكون من شكله نعتا لآخر، وأزواج خبر المبتدأ أي: وآخر من شكل المذوق وأزواج. الرابع: أن يكون من شكله نعتا أيضا، وأزواج: فاعل به، والضمير عائد على آخر بالتأويل المتقدم، وعلى هذا فيرتفع آخر على الابتداء والخبر مقدر أي: ولهم أنواع أخر استقر من شكلها أزواج. الخامس: أن يكون الخبر مقدرا كما تقدم أي: ولهم آخر ومن شكله وأزواج صفتان لآخر، وقرأ العامة من شكله بفتح الشين وقرأ مجاهد بكسرها وهما لغتان بمعنى المثل والضرب تقول هذا في شكله أي: مثله وضربه اهـ.\rوفي القرطبي: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ. هذا في موضع رفع بالابتداء وخبره حميم على التقديم والتأخير أي: هذا حميم وغساق فليذوقوه ولا يوقف على فليذوقوه، ويجوز أن يكون هذا في موضع رفع بالابتداء، وفليذوقوه في موضع الخبر ودخلت الفاء للتنبيه الذي في هذا فيوقف على فليذوقوه ويرتفع حميم على تقدير هذا حميم. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا وحميم وغساق حينئذ لم تجعلهما خبرا ورفعتهما على معنى هو حميم وغساق، والفراء يرفعهما بمعنى منه حميم وغساق، ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل يفسره فليذوقوه كما تقول: زيدا أضربه والنصب في هذا أولى فيوقف على فليذوقوه ويبتدأ حميم وغساق اهـ.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان. قوله: (ما يسيل) ما بالقصر أي: شيء يسيل وقوله: (من صديد أهل النار) بيان لما، فكأنه قال: وهو صديد أهل النار الذي يسيل من جلودهم وفروجهم، وفي القاموس: وغسق الجرح سال منه ماء أسفر اهـ.\rوفي الخازن: وهو ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة اهـ.\rقوله: (بالجمع والإفراد) سبعيتان أي: ومذوق آخر مثل الحميم والغساق في الشدة والغضاضة اهـ أبو السعود.\rقوله: (و يقال لهم) أي: من الخزنة، وقوله: (بأتباعهم) أي: مع أتباعهم.\rقوله: (بشدة) أخذه من مقتحم، فإن الاقتحام الإلقاء في الشيء بشدة، فإنهم يضربون بمقامع من","part":6,"page":400},{"id":2359,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 401\rسعة عليهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59)\rقالُوا أي الأتباع بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ أي الكفر لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) لنا ولكم النار\rقالُوا أيضا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً أي مثل عذابه على كفره فِي النَّارِ (61)\rوَقالُوا أي كفار مكة وهم في النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ في حديد حتى يقتحموها بأنفسهم خوفا من تلك المقامع اهـ خازن.\rوفي البيضاوي: والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها اهـ.\rوفي المختار قحم في الأمر رمى بنفسه فيه من غير روية وبابه خضع، وأقحم فرسه النهر فانقحم أي: أدخله فدخل، واقتحم الفرس النهر دخله اهـ.\rقوله: لا مَرْحَباً بِهِمْ في مرحبا وجهان، أظهرهما: أنه مفعول بفعل مقدر أي: لا أتيتم مرحبا أو لا سمعتم مرحبا. والثاني: أنه منصوب على المصدر. قال أبو البقاء: أي لا رحبتكم داركم مرحبا بل ضيقا. ثم في الجملة المنفية وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان، وقوله: بِهِمْ بيان للمدعو عليهم. والثاني: أنها حالية وقد يعترض عليه بأنه دعاء والدعاء لا يقع حالا. والجواب: أنه على إضمار القول أي: مقولا لهم لا مرحبا بهم اهـ سمين.\rوفي القرطبي: فقالت السادة لا مرحبا بهم أي: لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره وهو بمعنى الدعاء، فلذلك نصب. وقال أبو عبيدة: العرب تقول لا مرحبا بك أي: لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت اهـ.\rقوله: (لا سعة عليهم) أي: لا سعة لهم فعلى بمعنى اللام، وسعة بالتنوين لمشاكلة مرحبا.\rقوله: إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ قيل: هو من قول القادة أي: أنهم صالوا النار كما صليناها، وقيل:\rهو من قول الملائكة متصل بقولهم هذا فوج مقتحم معكم اهـ قرطبي.\rوفي المصباح: صلي بالنار وصليها. صلى من باب تعب وجد حرها، والصلاء وزان كتاب حر النار، وصليت اللحم أصليه من باب رمى شويته اهـ.\rوفي المختار: ويقال أيضا صليت الرجل نارا من باب رمى أي: أدخلته النار وجعلته يصلاها أي: يدخلها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد إحراقه. قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية اهـ.\rقوله: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أي: بل أنتم أحق بما قلتم لنا اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ هذا تعليل لأحقيتهم بذلك أي: أنتم قدمتم العذاب أو الصلي لنا وأوقعتمونا فيه بتقديم ما يؤدي إليه من العقائد الزائغة والأعمال السيئة وتزيينها في أعيننا وإغرائنا عليها، لا أنا باشرناها من تلقاء أنفسنا اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي النَّارِ يجوز أن يكون ظرفا لزده أو نعتا لعذابا أو حالا منه لتخصيصه أو حال من مفعول زده اهـ سمين.\rقوله: (أي كفار مكة) كأبي جهل، وأمية بن خلف، وأصحاب القليب اهـ سمين.","part":6,"page":401},{"id":2361,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 402\rالدنيا مِنَ الْأَشْرارِ (62)\rأَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا بضم السين وكسرها، أي كنا نسخر بهم في الدنيا، والياء للنسب، أي أمفقودون هم؟ أَمْ زاغَتْ مالت عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) فلم نرهم، وهم فقراء وفي القرطبي: وَقالُوا أي: أكابر المشركين ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقول أبو جهل: أين بلال أين صهيب، أين عمار أولئك في الفردوس واعجبا لأبي جهل مسكين أسلم ابنه عكرمة وأمية ابن جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه وكفر هو أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار. قال مجاهد: أتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا أم زاغت عنهم الأبصار في الدنيا فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا حقدا لهم، وقيل: معنى أم زاغت عنهم الأبصار أي: أهم معنا في النار فلا نراهم. وكان ابن كثير، والأعمش، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي يقرأون من الأشرار اتخذناهم بحذف الألف في الوصل، وكان أبو جعفر، وشيبة، ونافع، وعاصم، وابن عامر يقرأون أتخذناهم بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل لأنه قد استغنى عنها، فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على الأشرار لأن اتخذناهم حال. وقال النحاس، والسجستاني: هو نعت لرجالا، قال ابن الأنباري: وهذا خطأ لأن النعت لا يكون ماضيا ولا مستقبلا، ومن قرأ أتخذناهم بقطع الألف وقف على الأشرار وقال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب أم زاغت عنهم الأبصار إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل اهـ.\rقوله: مِنَ الْأَشْرارِ إنما سموهم أشرارا لأنهم كانوا على خلاف دينهم اهـ خازن.\rقوله: سِخْرِيًّا مفعول ثان لاتخذناهم، وقوله: (بضم السين)، وكسرها سبعيتان. قوله: (أي كنا نسخر بهم) راجع لقوله: أَتَّخَذْناهُمْ على قراءة كسر الهمزة الموصولة وعلى هذه القراءة تمال الراء في نرى والألف في الأشرار، وأما على قطع الهمزة للاستفهام فلا إمالة، وقوله: (أي: أمفقودون هم) تفسير لقوله: ما لَنا لا نَرى على قراءة الهمزة ليصح التقابل في قوله: أَمْ زاغَتْ اهـ شيخنا.\rقوله: (و الياء للنسب) أي: على كلا القراءتين مع التوزيع وإنما زيدت للدلالة على قوة الفعل فالسخري أقوى من السخر كما قيل في الخصوص خصوصية للدلالة على قوة ذلك اهـ سمين من سورة المؤمنون.\rقوله: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ متصل بقوله: ما لَنا، لأنه استفهام مخالف لما اشتهر عن النحاة من أنه لا بد من تقدم الهمزة عليها لفظا أو تقديرا، وما الاستفهامية لا تكون معادلتها لكنه نظر للمعنى لكونه في معنى ما فيه الهمزة كما أشار إليه بقوله: (أي أمفقودون هم)، وعلى هذا يقرأ اتخذناهم همزة الوصل صفة ثانية لرجالا بإضمار القول أي: رجالا مقولا فيهم أتخذناهم بهمزة الاستفهام وسقطت لأجلها بهمزة الوصل قراءتان سبعيتان وصل الهمزة مع الامالة وقطعها مع الامالة والنقل ومع تركها اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: بهمزة الاستفهام سقطت لأجلها همزة الوصل والجملة استئنافية لا محل لها من الإعراب اهـ.","part":6,"page":402},{"id":2362,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 403\rالمسلمين: كعمار وبلال وصهيب وسلمان\rإِنَّ ذلِكَ لَحَقٌ واجب وقوعه وهو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) كما تقدم\rقُلْ يا محمد لكفار مكة إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ مخوّف بالنار وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65) لخلقه\rرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْغَفَّارُ (66) لأوليائه\rقُلْ لهم هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)\rأَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) أي القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا قوله: (و هم فقراء المسلمين) الضمير راجع لرجالا، والمراد بفقراء المسلمين المستضعفون بمكة الذين كانت قريش تسخر منهم ففي ذكر سلمان نظر لأنه إنما أسلم بالمدينة.\rقوله: إِنَّ ذلِكَ أي: الذي حكى عنهم من أحوالهم في قوله: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ الخ.\rوقوله: لَحَقٌ أي صدق اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو) تَخاصُمُ الخ أشار به إلى أن تخاصم خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان لاسم الإشارة، وفي الابهام أولا والتبيين ثانيا مزيد تقرير له، وقرئ بالنصب على أنه بدل من ذلك اهـ من أبي السعود.\rوإنما سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع لا مرحبا بهم، وقول الأتباع للقادة بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة اهـ خازن.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 403\r\rإنما سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع لا مرحبا بهم، وقول الأتباع للقادة بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة اهـ خازن.\rقوله: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ أي: لا ساحر ولا شاعر كما ادعيتم، وقوله: وَما مِنْ إِلهٍ الخ أي لا تعدد فيه كما ادعيتم، وهذا من جملة المأمور بقوله، ثم وصف اللّه بخمس صفات اهـ شيخنا.\rقوله: مُنْذِرٌ أي: ومبشر، وإنما اقتصر على الإنذار لأن كلامه معهم، وهم إنما يناسبهم الإنذار اهـ شيخنا.\rقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ أي: مالك لهذه المذكورات اهـ.\rقوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ الخ تكرير الأمر للإيذان بأن القول أمر جليل له شأن خطير لا بد من الاعتناء به أمرا وائتمارا اهـ أبو السعود.\rعَظِيمٌ: صفة أولى لنبأ، وأنتم عنه معرضون صفة ثانية له أو جملة مستأنفة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي القرآن) تفسير لهو، وقوله: (بما لا يعلم) أي: من القصص والأخبار وغيرهما من بقية أقسام القرآن، وقوله: (و هو أي ما لا يعلم إلا بوحي) مبتدأ خبره قوله الخ. وفي الكلام نوع تسمح إذ الذي لا يعلم إلا بوحي إنما هو قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ الخ. أي: الإخبار عن أمر اللّه للملائكة بالسجود وتوقفهم فيه، فقوله: (و هو قوله) ما كانَ لِي الخ يحتاج لتأويل، والتقدير وهو الموطأ له والممهد له بقوله: ما كانَ لِي الخ. والموطأ له هو قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ الخ فتلخص أن الذي لا يعلم إلا بوحي هو قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الخ. أي: إن هذا بعض منه جزئي من جزئياته، وأما قوله:\rما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ الخ فليس من جملة ما لا يعلم إلا بالوحي لأن كلا من آحاد الأمة ليس له علم بتخاصم الملائكة وإنما هو توطئة وتمهيد كما تقدم تأمل اهـ.","part":6,"page":403},{"id":2363,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 404\rيعلم إلا بوحي وهو قوله\rما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى أي الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) في شأن آدم حين قال اللّه تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الخ\rإِنْ ما يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا أي أني نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) بيّن الإنذار اذكر\rإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) هو آدم\rفَإِذا سَوَّيْتُهُ قوله: (و هو قوله) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ الخ أشار به إلى أن ما كان لي من علم استئناف مسوق لتحقيق أنه نبأ عظيم وارد من جهته تعالى بذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة معرفة به ولا مباشرة سبب من أسبابها المعتادة، فإن ذلك حجة بينة دالة على أن ذلك بطريق الوحي من عند اللّه تعالى، وأن سائر أنبائه أيضا كذلك، والملأ الأعلى هم الملائكة وآدم عليهم السّلام وإبليس عليه اللعنة اهـ أبو السعود.\rوقوله: (بذكر نبأ من أنبائه الخ). وذلك النبأ هو قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ الخ وما قبله توطئة له كما تقدم.\rقوله: بِالْمَلَإِ الْأَعْلى على تقدير مضاف أي: باختصام الملأ وقوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ راجع لقوله: مِنْ عِلْمٍ، والمضارع بمعنى الماضي اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: بِالْمَلَإِ الْأَعْلى متعلق بقوله: مِنْ عِلْمٍ وضمن معنى الإحالة، فلذلك تعدى بالباء. وقوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب بالمصدر أيضا.\rوالثاني: بمضاف مقدر أي: بكلام الملأ الأعلى إذ يختصمون، والضمير في يختصمون للملأ الأعلى هذاهو الظاهر، وقيل: لقريش أي: يختصمون في الملأ الأعلى بعضهم يقول: بنات اللّه، وبعضهم يقول: غير ذلك. فالتقدير إذ يختصمون فيهم، انتهت.\rقوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ (في شأن آدم الخ) عبارة القرطبي: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسدي اختصموا في أمر آدم حين أراد اللّه خلقه، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها، وقال إبليس: أنا خير منه، وفي هذا بيان أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي، فقد قامت الحجة على صدقه فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه، ولهذا وصل قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الخ بقوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ اهـ.\rقوله: (أي إني) نَذِيرٌ أشار به إلى أن إنما أنا نذير مبين نائب فاعل يوحى، فهو في محل رفع قائم مقام الفاعل أي: ما يوحى إلي إلا الإنذار أو إلا كوني نذيرا مبينا، فالمعنى لا يوحى إليّ إلا الإنذار والقصر فيه، وفي قوله: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ [ص: 65] إضافي أي: لا ساحر ولا كذاب كما زعمتهم، وخصه بالذكر لأن الكلام مع المشركين وحاله معهم مقصور على الانذار اهـ بيضاوي وشهاب.\rقوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الخ شروع في تفصيل ما أجمل من الاختصام الذي هو ما جرى بينهم من التقاول، وإذ بدل من إذ الأولى وليس من ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام، بل يكفي اشتمال ما في حيزها عليه، فإن القصة ناطقة بذلك تفصيلا اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ يجوز أن يكون بدلا من إذ الأولى، وأن يكون","part":6,"page":404},{"id":2364,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 405\rأتممته وَنَفَخْتُ أجريت فِيهِ مِنْ رُوحِي فصار حيا، وإضافة الروح إليه تشريف لآدم، والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) سجود تحية بالانحناء\rفَسَجَدَ منصوبا باذكر مقدرا. قال الأول الزمخشري وأطلق، وقال أبو البقاء الثاني وأطلق، وأما الشيخ ففصل وقال: بدل من إذ يختصمون هذا إن كانت الخصومة في شأن من يستخلف الأرض وعلى غيره من الأقوال يكون منصوبا باذكر مقدرا اهـ.\rقلت: وتلك الأقوال أن التخاصم إما بين الملأ الأعلى أو بين قريش، وفيما إذا كانت المخاصمة خلاف يطول الكتاب بذكره اهـ.\rقوله: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً أي: إنسانا بادي البشرة أي ظاهر الجلد ليس على جلده صوف ولا شعر ولا وبر ولا ريش ولا قشر، فإن قيل: كيف صح أن يقول لهم إني خالق بشرا وما عرفوا البشر ولا عهدوا به قبل؟ أجيب: بأنه يمكن أنه يكون قال لهم إني خالق حقا من صفته كيت وكيت، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم اهـ خطيب.\rقوله: (أجريت فيه) مِنْ رُوحِي أشار بذلك إلى أنه ليس هناك نفخ ولا منفوخ، وعبارة أبي السعود: والنفخ إجراء الروح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، انتهت.\rقوله: (و الروح جسم لطيف الخ) عبارة الخازن: والروح جوهر شريف قدسي يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء، أو كسريان النار في الفحم. وفي الكرخي: قوله: (و الروح جسم لطيف الخ). هذا ما نقله في شرحه لجمع الجنامع عن جمهور المتكلمين، وقال النووي في شرح مسلم: إنه الأصح عند أصحابنا وهو مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وقال كثير منهم: إنها عرض وهي الحياة التي صار البدن بوجودها حيا. وقال الفلاسفة، وكثير من الصوفية: إنها ليست بجسم ولا عرض، بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز متعلق بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه، ووافقهم على ذلك الغزالي والراغب، واحتج للأول بوصفها في الاخبار بالهبوط والعروج والتردد في البرزخ اهـ.\rقوله: (بنفوذه) أي: سريانه فيه. قوله: فَقَعُوا الفاء في جواب إذا وهو أمر من وقع يقع وقوعا، والأمر قع وفيه دليل على أن المأمور به ليس مجرد الانحناء، كما قيل: أي اسقطوا له ساجدين اهـ أبو السعود مع زيادة.\rقوله: (سجود تحية بالانحناء) جواب ما يقال كيف ساغ السجود لغير اللّه تعالى، وإيضاحه:\rالذي لا يسوغ هو السجود لغير اللّه تعالى على وجه العبادة، فأما إذا كان على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل إلا أن يعلم اللّه فيه مفسدة فينهى عنه اهـ كرخي.\rقوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ أي: فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد له الملائكة كلهم أي: بحيث لم يبق منهم أحد، وقوله: أَجْمَعُونَ أي: بطريق المعية بحيث لم يتأخر عن ذلك اليوم أحد عن","part":6,"page":405},{"id":2365,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 406\rالْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) فيه تأكيدان\rإِلَّا إِبْلِيسَ هو أبو الجن كان بين الملائكة اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74) في علم اللّه تعالى\rقالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ أي توليت خلقه، وهذا أحد، ولا اختصاص لافادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد أيضا. وقيل: أكده بتأكيدين مبالغة في التعميم اهـ أبو السعود.\rوكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة أو بعده قولان تقدم التنبيه عليهما. وفي المواهب، وعن جعفر الصادق أنه قال: كان أول من سجد لأدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر اهـ.\rوقيل: بقيت الملائكة المقربون في سجودهم مائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة اهـ شبر املسي عليه.\rقوله: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (فيه تأكيدان) قال الزمخشري: كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات اهـ سمين.\rوفي الكرخي: قوله: (فيه تأكيدان) أي: تأكيد على تأكيد كما قال تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17] قال في الكشاف: كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفادا معا أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات اهـ.\rوتوقف في الثاني بأنه باطل بدليل قوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 43] وبقوله حكاية عن إبليس: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* لأن دخولهم جهنم واغواءهم ليس في وقت واحد، فدل ذلك على أن أجمعين لا تعرض فيه لاتحاد الوقت، فمن ثم اقتصر الشيخ المصنف على ما ذكره، ويمكن أن يقال إذا كان أجمعون بدون كل أفاد التأكيد المجرد، وهو أن لا يخرج أحد من الفعل فلم يكن الاجتماع في وقت واحد، بل الاجتماع في الفعل، وإذا كان مع كل فكل للإحاطة، وأجمعون للاجتماع في وقت واحد ذكره بعض الحواشي عن الشيخ عبد القاهر اهـ.\rقوله: إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء متصل لأن من الملائكة جنسا يتوالدون وهو منهم أو منقطع، وقوله:\rاسْتَكْبَرَ على الأول استئناف مبين لكيفية ترك السجود المفهوم من الاستثناء، فإن تركه يحتمل أن يكون للتأمل والتروي، وبه يتحقق أنه للاباء والاستكبار. وعلى الثاني: يجوز اتصاله بما قبله أي لكن إبليس استكبر اهـ أبو السعود.\rوالثاني هو الصحيح ولذلك سلكه الشارح حيث قال: كان بين الملائكة اهـ.\rقوله: (في علم اللّه) أي: علم في الأزل أنه سيكفر فيما لا يزال، وكان مسلما عابدا من أهل الجنة، وطاف بالبيت أربعة عشر ألف عام، وعبد اللّه ثمانين ألف عام اهـ شيخنا.\rقوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ أي: خلقته بذاتي من غير توسط أب وأم والتثنية لإبراز كمال الاعتناء","part":6,"page":406},{"id":2366,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 407\rتشريف لآدم، فإن كل مخلوق تولى اللّه خلقه أَسْتَكْبَرْتَ الآن عن السجود، استفهام توبيخ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75) المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم\rقالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ بخلقه عليه السّلام المستدعي لإجلاله وتعظيمه قصدا إلى تأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ اهـ أبو السعود.\rقوله: أَسْتَكْبَرْتَ (الآن) المعنى أتركت السجود لاستكبارك الحادث أم لاستكبارك القديم المستمر، لكن جواب إبليس بقوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ الخ لا يطابقه، لأنه أجاب بأنه إنما ترك السجود لكونه خيرا منه وعاليا بالنسبة إليه، وبين ذلك بأن أصله من النار وأصل آدم من الطين، والنار أشرف من الطين لأن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعدها منه، وأيضا النار لطيفة نورانية، والأرض كثيفة ظلمانية، واللطافة والنورانية خير من الكثافة والظلمانية اهـ زاده.\rقوله أيضا: أَسْتَكْبَرْتَ قرأ العامة بهمزة الاستفهام وهو استفهام توبيخ وإنكار وأم متصلة هنا، هذا قول جمهور النحويين. ونقل ابن عطية عن بعض النحويين أنها لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين، وإنما تكون معادلة إذا دخلت على فعل واحد كقولك: أقام زيد أم عمرو، وأزيد قام أم عمرو، وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست معادلة، وهذا الذي حكاه عن بعض النحويين مذهب فاسد، بل جمهور النحاة على خلافه، قال سيبويه: وتقول أضربت زيدا أم قتلته فالابتداء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت أي ذلك كان اهـ.\rفعادل بها الألف مع اختلاف الفعلين. وقرأ جماعة منهم ابن كثير وليست مشهورة عنه استكبرت بألف الوصل، فاحتملت وجهين، أحدهما أن يكون الاستفهام مرادا يدل عليه أم، واحتمل أن يكون خبرا محضا، وعلى هذا فأم منقطعة لعدم شرطها اهـ سمين.\rقوله: (استفهام توبيخ) جواب ما يقال لأي شيء جاء الاستفهام هنا مع علم اللّه تعالى بالمانع من السجود، وإيضاحه: أن الاستفهام هنا ليس لتحصيل العلم بل للتوبيخ وإظهار معاندته وكفره وكيده اهـ كرخي.\rقوله: (المتكبرين) أي: قديما. وقوله: (لكونك منهم) أي: المتكبرين قديما.\rقوله: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أي: ولو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له، فكيف وأنا خير منه، ثم بين كونه خيرا منه بقوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي: والنار أشرف من الطين وأفضل منه، وأخطأ إبليس في القياس لأن مآل النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به، والطين أصل كل ما هو نام نابت كالإنسان والشجرة، ومعلوم أن الإنسان والشجرة المثمرة خير من الرماد وأفضل، وإذا قيل إن النار خير من الطين بخاصية فالطين خير منها وأفضل بخواص، وذلك مثل رجل شريف نسيب لكنه عار عن كل فضيلة، فإن نسبه يوجب رجحانه بوجه واحد، ورجل ليس بنسيب ولكنه فاضل عالم فيكون أفضل من ذلك النسيب بدرجات كثيرة اهـ خازن.","part":6,"page":407},{"id":2367,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 408\rمِنْ طِينٍ (76)\rقالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة وقيل من السماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) مطرود\rوَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) الجزاء\rقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) أي الناس\rقالَ فَإِنَّكَ مِنَ وعبارة أبو السعود: ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما هو من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما هو من جهة الفاعل كما أنبأ عنه قوله تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ وما هو من جهة الصورة كما أنبأ عنه قوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: 29] وما هو من جهة الغاية وهو ملاك الأمر، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له عليه السّلام حين ظهر لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض وإنها ليست لغيره، انتهت.\rقوله: (أي من الجنة الخ) هذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو أن الأمر بالسجود لآدم كان بعد دخوله الجنة أو قبله، فقوله: (هنا) أي: من الجنة مبني على القول الأول، وقوله: (و قيل من السموات) مبني على الثاني. وفي الكرخي: وقيل اخرج من الخلقة التي كنت عليها أولا وانسلخ منها، لأنه كان يفتخر بخلقته فغير اللّه خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيا. وهذا يدل على أنه لم يكن كافرا حين كان بين الملائكة، ولأن اللّه سبحانه وتعالى لم يحك عنه إلا الاستكبار عن السجود، فهذا دليل على أنه صار كافرا حين لم يسجد؛ ذكره الطيبي اهـ.\rوفي تحفة العارفين ما نصه: وكان إبليس رئيسا على اثني عشر ألف ملك، وكان له جناحان من زمرد أخضر، فلما طرد غيرت صورته وجعله اللّه منكوسا على مثال الخنازير ووجهه كالقردة، وهو شيخ أعور كوسج، وفي لحيته سبع شعرات مثل شعر الفرس، وعيناه مشقوقتان في طول وجهه، وأنيابه خارجة كأنياب الخنازير، ورأسه كرأس البعير، وصدره كسنام الجمل الكبير، وشفتاه كشفتي الثور، ومنخراه مفتوحتان مثل كور الحجام اهـ.\rقوله: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ الخ فإن قلت: إذا كان الرجم بمعنى الطرد وكذلك اللعنة لزم التكرار، فما الفرق؟ قلت: الفرق يحصل بحمل الرجم على الطرد من الجنة أو السماء وبحمل اللعنة على معنى الطرد من الرحمة فيكون أبلغ، ويحصل الفرق ويزول التكرار اهـ خازن.\rقوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي قال ذلك في سورة الحجر بتعريف الجنس ليناسب ما قبله من التعبير بالجنس في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ* وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ [الحجر: 27] وقال هنا:\rوَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي بالإضافة ليناسب ما قبله من قوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ اهـ زكريا في متشابه القرآن.\rوعبارة أبي السعود: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي أي: إبعادي عن الرحمة وتقييدها بالإضافة مع إطلاقها في قوله: (و إن عليك اللعنة) لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين أيضا من جهته تعالى، وإنهم يدعون عليه بلعنة اللّه وإبعاده عن الرحمة اهـ.\rوعبارة السمين: وقال هنا لعنتي وفي غيرها اللعنة، وهما وإن كانا في اللفظ عاما وخاصا إلا أنهما من حيث المعنى عاما بطريق اللازم، لأن من كانت عليه لعنة اللّه كانت عليه لعنة كل أحد لا محالة. وقال تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 16] اهـ.\rقوله: إِلى يَوْمِ الدِّينِ فإن قلت: كلمة إلى لانتهاء الغاية فتقتضي انقضاء اللعنة عنه عند مجيء","part":6,"page":408},{"id":2368,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 409\rالْمُنْظَرِينَ (80)\rإِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) وقت النفخة الأولى\rقالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)\rإِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) أي المؤمنين\rقالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) بنصبهما ورفع الأول ونصب الثاني فنصبه بالفعل بعده ونصب الأول، قيل: بالفعل المذكور، وقيل: على المصدر، أي أحق الحق، وقيل: على نزع حرف القسم ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي فالحق يوم الدين مع أنها لا تنقطع. قلت: معناه أن اللعنة باقية عليه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة زيد له على اللعنة من العذاب بحيث تنسى اللعنة بذلك، فكأنها انقطعت عنده اهـ خازن.\rقوله: قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي أي: أمهلني وأخرني والفاء متعلقة بمحذوف ينسحب عليه الكلام أي: إذ جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم، وأراد بذلك أن يجد فسحة لاغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد يوم البعث، وقوله: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أي: الذي أراده اللّه وقدره وعينه لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول اهـ أبو السعود.\rقوله: قالَ فَبِعِزَّتِكَ الباء للقسم والفاء لترتيب مضمون الجملة على الإنظار ولا ينافيه قوله تعالى: فَبِما أَغْوَيْتَنِي [الأعراف: 16] فإن اغواءه تعالى إياه أثر من آثار قدرته تعالى وعزته، وحكم من أحكام قهره وسلطنته، فإن الإقسام بهما واحد، ولعل اللعين أقسم بهما جميعا، فحكى تارة قسمه بإحدهما وأخرى بالأخرى اهـ أبو السعود.\rقوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أي: بتزيين المعاصي لهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (بنصبهما الخ) قراءتان سبعيتان، وقوله: (فنصبه بالفعل الخ) أي: على كل من القراءتين.\rقوله: (قيل بالفعل المذكور) هو أقول، ويكون التكرار للتوكيد، وقوله: (على نزع حرف القسم) أي:\rأقسم بالحق فحذف الفعل وحرف القسم ونصب الحق، فالحاصل أن نصب الثاني ليس له إلا وجه واحد، وأما نصب الأول ففيه احتمالات ثلاثة، ورفعه فيه احتمالان، وقد ذكر ذلك الشارح كله، وقوله: و(جواب القسم الخ) أي على بعض الأعاريب، وذلك البعض وجهان: نصبه بنزع حرف القسم، ورفعه بتقدير الخبر قسمي، وأما على وجهي النصب الآخرين ووجه الرفع الآخر، فيكون لأملأن جواب قسم مقدر تقديره: أقسم بعزتي لأملأن الخ أو نحو ذلك اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فَالْحَقُّ وَالْحَقَ قرأهما العامة منصوبين، وفي نصب الأول أوجه، أحدها: أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب، وقوله: لَأَمْلَأَنَ جواب القسم. قال أبو البقاء: إن سيبويه يدفعه لأنه لا يجوز حذف حرف القسم إلا مع اسم اللّه، ويكون قوله: وَالْحَقَّ أَقُولُ معترضا بين القسم وجوابه. قال الزمخشري: كأن قيل ولا أقول إلا الحق يعني أن تقديم المفعول أفاد الحصر، والمراد بالحق نقيض الباطل. الثاني: أنه منصوب على الإغراء أي: الزموا الحق. الثالث:\rأنه مصدر مؤكد لمضمون قوله: لَأَمْلَأَنَّ. قال الفراء: هو على معنى قولك حقا لا شكا ووجود الألف واللام وطرحهما سواء أي لأملأن جهنم حقا اهـ.","part":6,"page":409},{"id":2369,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 410\rمني، وقيل: فالحق قسمي، وجواب القسم\rلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ بذريتك وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي الناس أَجْمَعِينَ (85)\rقُلْ ما على تبليغ الرسالة أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ جعل مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) المتقوّلين القرآن من تلقاء نفسي\rإِنْ هُوَ أي ما القرآن إِلَّا ذِكْرٌ عظة لِلْعالَمِينَ (87) للإنس والجن والعقلاء دون الملائكة\rوَلَتَعْلَمُنَ يا كفار مكة نَبَأَهُ خبر صدقه بَعْدَ حِينٍ (88) أي وجوز الزمخشري أن يكون منصوبا على التكرير بمعنى أن الأول والثاني كليهما منصوبان بأقول، وسيأتي إيضاح ذلك في عبارته. وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول، ونصب الثاني: فرفع الأول من أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره مضمر تقديره، فالحق مني أو فالحق أنا. الثاني: أنه مبتدأ خبره لأملأن قاله ابن عطية قال: لأن المعنى أني أملأ. الثالث: أنه مبتدأ خبره مضمر تقديره فالحق قسمي ولأملأن جواب القسم كقوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: 72] ولكن حذف الخبر هنا ليس بواجب لأنه نص في اليمين بخلاف لعمرك، وأما نصب الثاني فبالفعل بعده اهـ.\rوفي أبي السعود: قال: أي اللّه تعالى فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ برفع الأول على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، ونصب الثاني على أنه مفعول لما بعده قدم عليه للقصر أي لا أقول إلا الحق والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي: فالحق قسمي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ الخ على أن الحق إما اسمه تعالى، أن نقيض الباطل عظمه اللّه تعالى بإقسامه به، أو فأنا الحق أو فقولي الحق. وقوله تعالى:\rلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ حينئذ جواب لقسم محذوف أي: واللّه لأملأن الخ. وقوله تعالى: وَالْحَقَّ أَقُولُ على كل تقدير اعتراض مقرر على الوجهين الأولين لمضمون الجملة القسمية، وعلى الوجه الثالث لمضمون الجملة المتقدمة أعني: فقولي الحق، وقرئا منصوبين على أن الأول مقسم به كقولك اللّه لأفعلن وجوابه: لأملأن وما بينهما اعتراض، وقرئا مجرورين على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه، كقولك اللّه لأفعلن والحق أقول على حكاية لفظ المقسم به على تقدير كونه نقيض الباطل ومعناه التأكيد والتشديد، وقرئ بجر الأول على إضمار حرف القسم ونصب الثاني على المفعولية انتهى.\rقوله: (بذريتك) أي: مع ذريتك، وعبارة غيره: من جنسك من الشياطين اهـ.\rقوله: أَجْمَعِينَ فيه وجهان، أظهرهما أنه توكيد للضمير في منك وما عطف عليه في قوله:\rوَمِمَّنْ تَبِعَكَ وجيء بأجمعين دون كل، وقد تقدم أن الأكثر خلافه، وجوز الزمخشري أن يكون تأكيدا للضمير في منهم خاصة، فقدر لأملأن جهنم من الشياطين ومن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس اهـ سمين.\rقوله: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: المتصفين بما ليسوا من أهله حتى أنتحل النبوة وأتقول القرآن اهـ أبو السعود.\rقوله: (دون الملائكة) إنما أخرجهم من العالمين، وإن كان لفظ العالمين يشملهم في الأصل، وذلك لأجل قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لأن المراد بالذكر الموعظة والتخويف وتذكير العواقب، وهذا إنما يناسب المكلفين وهم الثقلان فقط، تأمل.","part":6,"page":410},{"id":2370,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 411\rيوم القيامة، وعلم بمعنى عرف، واللام قبلها لام قسم مقدر أي واللّه.\rقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ من جملة المأمور بقوله اهـ شيخنا.\rقوله: (خبر صدقه) لعل في العبارة قلبا أي صدق خبره، وبعضهم فسر النبأ بالصدق فقط اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يوم القيامة) تفسير لبعد حين فهو منصوب اهـ شيخنا.\rوالحين: هو مدة الدنيا. وفي الخازن: قال ابن عباس بعد الموت، وقيل: يوم القيامة، وقيل:\rمن بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد الموت، وكان الحسن يقول: يا بن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين اهـ.\rوفي أبي السعود: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ أي ما أنبأ به من الوعد والوعيد وغيرهما أو صحة خبره وأنه الحق والصدق بعد حين أي بعد الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وفشوه، وقيل: من بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد الموت وفيه من التهديد ما لا يخفى اهـ.\rقوله: (و علم بمعنى عرف) أي: فهو متعد لمفعول واحد وهو نبأه، وقيل: إن علم على بابه فيكون متعديا لاثنين، والثاني هو قوله: بَعْدَ حِينٍ اهـ كرخي.","part":6,"page":411},{"id":2371,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 412\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزمر مكية إلا قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية مدنية وهي خمس وسبعون آية\rتَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ (1) في صنعه\rإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ بِالْحَقِ متعلق بأنزل فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) من بسم اللّه الرحمن الرّحيم\rسيأتي أن الزمر جمع زمرة وهي الطائفة اهـ.\rويقال لها سورة الغرف، قال وهب بن منبه: من أراد أن يعرف قضاء اللّه عز وجل في خلقه فليقرأ سورة الغرف، وهي مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر بن زيد. قال ابن عباس: إلا آيتين نزلتا بالمدينة، إحداهما: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر: 23] والأخرى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: 53] الآية. وقال آخرون: إلا سبع آيات من قوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: 53] إلى آخر سبع آيات. نزلت في وحشي وأصحابه على ما يأتي، وروى الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل اهـ قرطبي.\rقوله: (و هي خمس وسبعون آية) وقيل: اثنتان وسبعون.\rقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا الخ شروع في بيان المنزل عليه وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل وكونه من عند اللّه، والمراد بالكتاب الثاني هو المراد بالكتاب الأول وإظهاره لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه اهـ أبو السعود.\rقوله: (متعلق بأنزل) والباء سببية أي بسبب الحق وإثباته وإظهاره أو بداعية الحق واقتضائه للإنزال اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: (الحق) يجوز أن يتعلق بالإنزال أي: بسبب الحق وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي: ملتبسين بالحق أو ملتبسا بالحق، وفي قوله:\rإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ تكرير تعظيم بسبب إبرازه في جملة أخرى مضافا إنزاله إلى المعظم نفسه اهـ.\rقوله: مُخْلِصاً حال من فاعل اعبدوا، والدين منصوب باسم الفاعل والفاء في فاعبد للربط،","part":6,"page":412},{"id":2372,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 413\rالشرك أي موحدا له\rأَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ لا يستحقه غيره وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ الأصنام أَوْلِياءَ وهم كفار مكة قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى قربى مصدر بمعنى تقريبا إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وبين المسلمين فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ في نسبة الولد إليه كَفَّارٌ (3) كقولك: أحسن إليك فلان فاشكره والعامة على نصب الدين كما تقدم ورفعه ابن أبي عبلة على أنه مبتدأ والخبر الجار والمجرور قبله اهـ سمين.\rقوله: (أي موحدا له) أي: مفردا له بالعبادة وهي الدين والإخلاص قصد العبد بعمله ونيته رضا اللّه لا يشوبه بشيء من غرض الدنيا وإخلاص المسلمين، كما أشار إليه في التقرير أنهم قد تبرؤوا مما يدعيه اليهود من التشبيه والنصارى من التثليث اهـ كرخي.\rقوله: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ أي: العبادة وهذا استئناف مقرر لما قبله من الأمر بإخلاص الدين اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا الخ تحقيق لحقية ما ذكر من إخلاص الدين الذي هو عبارة عن التوحيد ببيان بطلان الشرك الذي هو عبارة عن ترك إخلاصه ومحل الموصول رفع بالابتداء وخبره جملة قوله:\rإِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ الخ. وقوله: ما نَعْبُدُهُمْ الخ حال من واو اتخذوا بتقدير القول مبينة لكيفية إشراكهم اهـ أبو السعود.\rوقال غيره: إن الخبر محذوف تقديره يقولون ما نعبدهم الخ وهذاهو المتبادر من صنيع الجلال، واتخذوا ينصب مفعولين الأول منهما محذوف كما قدره الشارح.\rقوله: (و هم كفار مكة) تفسير للموصول. قوله: (قالوا) ما نَعْبُدُهُمْ الخ أي: فإنهم كانوا إذا قيل لهم من خلقكم ومن خلق السموات والأرض ومن ربكم؟ فيقولون: اللّه. فيقال لهم: وما معنى عبادتكم الأصنام؟ فيقولون: لتقربنا إلى اللّه وتشفع لنا عنده اهـ خازن.\rقوله: (قربى مصدر الخ) عبارة السمين زلفى مصدر مؤكد على غير المصدر ولكنه ملاق لعامله في المعنى، والتقدير: ليزلفونا زلفى أو ليقربونا قربى، وجوز أبو البقاء أن يكون حالا مؤكدة، انتهت.\rقوله: (و بين المسلمين) أي: فالمقابل محذوف لدلالة الحال والسياق عليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (من أمر الدين) أي: الذي اختلفوا فيه بالتوحيد والإشراك وادعى كل فريق صحة ما ذهب إليه اهـ أبو السعود.\rقوله: (فيدخل المؤمنين الجنة الخ) أي: فالحكم ليس بمعنى فصل الخصومة، بل هو مجاز أو كناية عن تمييزهم تمييزا يعلم منه حقية ما تنازعوا فيه اهـ شهاب.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي أي: لا يوفق للاهتداء للحق من هو كاذب كفار، لأنه فاقد للبصيرة غير قابل للاهتداء لتغييره الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلال والتمادي في الغي، والجملة تعليل لما ذكر من حكمه اهـ أبو السعود.","part":6,"page":413},{"id":2373,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 414\rبعبادته غير اللّه\rلَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما قالوا: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ واتخذه ولدا، غير من قالوا: الملائكة بنات اللّه، وعزير ابن اللّه، والمسيح ابن اللّه سُبْحانَهُ تنزيها له عن اتخاذ الولد هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4) لخلقه\rخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ متعلق بخلق يُكَوِّرُ يدخل اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ فيزيد وَيُكَوِّرُ النَّهارَ يدخله قوله: لَوْ أَرادَ اللَّهُ الخ استئناف مسوق لتحقيق الحق وإبطال القول بأن الملائكة بنات اللّه وعيسى ابنه ببيان استحالة اتخاذ الولد في حقه على الإطلاق ليندرج فيه استحالة ما قيل اندراجا أوليا اهـ أبو السعود.\rوالآية إشارة إلى قياس استثنائي حذفت صغراه ونتيجته تقريرهما، لكنه لم يصطف أي: لم يتخذ ولدا غير من قالوا في شأنه إنه ابن اللّه، وهذا النفي باعترافهم كسائر الخلائق فلم يرد اتخاذ الولد تأمل.\rقوله: (غير من قالوا) أي: غير مخلوق وبينه ثلاثة بالملائكة وعزير والمسيح، وقوله: (قالوا) أي: قالوا في شأنه فمن في قوله: (من الملائكة) بيانية لمن، وقوله: (بنات اللّه) خبر مبتدأ محذوف، والجملة مقول، وقوله: (و عزير) بالجر عطفا على الملائكة، وقوله: (ابن اللّه) مقول القول، وكذا يقال فيما بعده اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: لاصطفى مما يخلق ما يشاء إذ كل موجود سواه مخلوقه، لكن اللازم باطل لاستحالة كون المخلوق من جنس الخالق، فكذلك الملزوم. وإيضاح ذلك أن اللازم وهو الجزاء وهو لاصطفى مما يخلق ما يشاء هنا باطل، لأنه يلزم منه أن يكون المخلوق وهو الولد جنسا من الخالق وكونه جنسا منه يلزم حدوث الخالق وهو ممتنع عقلا ونقلا، وأن الملزوم وهو الشرط وهو لو أراد اللّه أن يتخذ ولدا باطل أيضا، لأن بطلان اصطفاء الولد مما يخلق ما يشاء يستلزم بطلان إرادته تعالى اتخاذ الولد ولا يرد على هذا خلق عيسى عليه السّلام الطير، لأنه ليس بعام أو لأنه بمعنى التقدير من الطين ثم اللّه تعالى يخلقه حيوانا بنفخ عيسى فيه إظهارا لمعجزته اهـ.\rقوله: سُبْحانَهُ الخ تقرير لما ذكر من اتخاذ الولد في حقه وتأكيد له ببيان تنزهه تعالى عنه أي:\rتنزهه بالذات عن اتخاذ الولد اهـ أبو السعود.\rقوله: هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الخ استئناف مبين لتنزهه بحسب الصفات اثر ببيان تنزهه بحسب الذات اهـ أبو السعود.\rقوله: الْواحِدُ الْقَهَّارُ (لخلقه) أي: والوحدانية تنافي المماثلة فضلا عن التوالد، والقهارية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد، وإلا لجاز أن يكون مقهورا تعالى اللّه عن ذلك اهـ كرخي.\rقوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ تفصيل لبعض أفعاله الدالة على تفرده سبحانه بما ذكر من الصفات الجليلة اهـ أبو السعود.\rقوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ الخ بيان لكيفية تصرفه فيهما بعد بيان خلقه لهما، وقوله: (يدخل الخ) أي: فكأنه يلفه عليه لف اللباس على اللابس، ويغيب فيه كما يعيب الملفوف في اللفافة، أو يجعله","part":6,"page":414},{"id":2374,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 415\rعَلَى اللَّيْلِ فيزيد وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي في فلكه لِأَجَلٍ مُسَمًّى ليوم القيامة أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره، المنتقم من أعدائه الْغَفَّارُ (5) لأوليائه\rخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي آدم ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها حواء وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم والضأن عليه أكوارا متتابعة تتابع أكوار العمامة اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ الخ جملة مستأنفة، والتكوير اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، ومعنى تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل على هذا المعنى أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما لف عليه ولبسه كما يلف اللباس على اللابس، أو أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غشيه عن مطامح الأبصار، أو أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على بعض قاله الزمخشري، وهو أوفق للاشتقاق من أشياء قد ذكرت. وقال الراغب:\rكور الشيء إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة، وقوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ إشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانقاص الليل والنهار وازديادهما اهـ.\rقوله: (فيزيد) ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة ومنتهى النقصان تسع ساعات اهـ خازن.\rوقوله: ومنتهى الزيادة الخ غير مستقيم وحقه أن يقول ومنتهى الزيادة أربع عشرة ساعة، ومنتهى النقصان عشر ساعات كما لا يخفى تأمل. قوله: كُلٌّ يَجْرِي الخ بيان ليكفيه تسخيرهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (ليوم القيامة) أي: ثم ينقطع جريانه بفنائه اهـ شيخنا.\rقوله: أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ تصدير الجملة بحرف التنبيه لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: ألا تنبيه أي: تنبهوا فإني أنا العزيز الغالب أي: الساتر لذنوب خلقي برحمتي اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها إن قلت: كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب: بأن ثم هنا للترتيب في الإخبار لا في الإيجاد أو المعطوف متعلق بمعنى واحد، فثم عاطفة عليه لا على خلقكم، فمعناه خلقكم من نفس واحدة أفردت بالإيجاد ثم شفعت بزوج، أو هو معطوف على خلقكم، لكن المراد بخلقهم خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة لا على هذا الخلق الذي هم فيه الآن بالتوالد والتناسل، وذلك لأن اللّه خلق آدم عليه السّلام ثم أخرج أولاده من ظهره كالذر، وأخذ عليهم الميثاق ثم ردهم إلى ظهره ثم خلق منه حواء اهـ كرخي.\rقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ بيان لبعض آخر من أفعاله الدالة على ما ذكر اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أخبر عن الأزواج بالنزول لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل، وهذا يسمى التدريج ومنه قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً","part":6,"page":415},{"id":2375,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 416\rوالمعز ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ من كلّ زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ أي نطفا ثم علقا ثم مضغا فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) عن عبادته إلى [الأعراف: 26] الآية قيل: أنزل أي: أنشأ وقال سعيد بن جبير: خلق، وقيل: إن اللّه تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض، كما قيل في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: 25] فإن آدم لما أهبط إلى الأرض أنزل معه الحديد، وقيل: أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ أي:\rأعطاكم، وقيل: جعل الخلق إنزالا لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء، فالمعنى خلق لكم كذا بأمره النازل. قال قتادة: من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن المعز اثنين كل واحد زوج اهـ.\rقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ الزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه، ويحصل منهما النسل، وكذا يطلق على الاثنين فهو مشترك، والمراد هنا الإطلاق الأول اهـ خازن وأبو السعود من سورة الأنعام.\rقوله: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ الخ بيان لكيفية خلق ما ذكر من الإناسي والأنعام إظهارا لما فيها من عجائب القدرة غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون اهـ بيضاوي.\rوقوله: (غير أنه غلب الخ) أي: في ضمير العقلاء والخطاب اهـ.\rقوله: أيضا: يَخْلُقُكُمْ الخ استئناف مسوق لبيان كيفية خلقهم وأطواره المختلفة الدالة على القدرة الباهرة، وقوله: خَلْقاً الخ مصدر وقوله: فِي ظُلُماتٍ متعلق بيخلقكم اهـ أبو السعود.\rوفي الشهاب قوله: فِي ظُلُماتٍ بدل من قوله: فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ أو متعلق بيخلق أو بخلقا، إذ لا يلزم كونه مصدرا مؤكدا، والرحم موضع النطفة والمشيمة كبهيمة مقر الولد اهـ.\rقوله: خَلْقاً مصدر ليخلقكم، وقوله: مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ صفة له فهو لبيان النوع من حيث إنه لما وصف زاد معناه على معنى عامله، ويجوز أن يتعلق من بعد خلق بالفعل قبله فيكون خلقا لمجرد التوكيد اهـ سمين.\rقوله: (أي نطفا الخ) فيه قصور وعدم موافقة ترتيب الآية. وفي البيضاوي: أي: حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف اهـ.\rقوله: فِي ظُلُماتٍ متعلق بخلق المجرور الذي قبله، ولا يجوز تعلقه بخلقا المنصوب لأنه مصدر مؤكد فلا يعمل، ولا يجوز تعلقه بالفعل قبله لأنه قد تعلق به حرف مثله ولا يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى إلا بالبدلية أو العطف، فإن جعلت في ظلمات بدلا من بطون أمهاتكم بدل اشتمال، لأن البطون مشتملة عليها، ويكون بدلا بإعادة العامل جاز ذلك. أعني تعلق الجارين بيخلقكم ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بالمصدر لأنه من تتمة العامل فليس بأجنبي اهـ سمين.\rقوله: (و ظلمة الرحم) الرحم داخل البطن، والمشيمة داخل الرحم. وفي المصباح: المشيمة وزان كريمة وأصلها مفعلة بسكون الفاء وكسر العين، لكن ثقلت الكسرة على العين فنقلت إلى الشين","part":6,"page":416},{"id":2376,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 417\rعباده غيره\rإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وإن أراده من بعضهم وَإِنْ تَشْكُرُوا اللّه فتؤمنوا يَرْضَهُ لَكُمْ بسكون الهاء وضمها مع إشباع ودونه أي الشكر وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ وِزْرَ نفس أُخْرى أي لا تحمله ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) بما في القلوب\r* وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ أي الكافر ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ تضرع مُنِيباً راجعا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً أعطاه إنعاما مِنْهُ نَسِيَ ترك ما كانَ يَدْعُوا يتضرع إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وهي غشاء ولد الإنسان. وقال ابن الأعرابي: يقال لما يكون فيه الولد المشيمة والكيس والغلاف، والجمع مشيم بحذف الهاء، ومشايم مثل معيشة ومعايش، ويقال لها من غيره السلا اهـ.\rقوله: ذلِكُمُ مبتدأ واللّه خبره، وربكم خبر آخر وجملة له الملك خبر ثالث اهـ أبو السعود.\rوقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون خبرا بعد خبر اهـ سمين.\rقوله: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ معنى عدم الرضا به لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه ويثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه، وإن كان بإرادته إذ لا يخرج شيء عنها وهذا قول قتادة والسلف أجروه على عمومه، وقال ابن عباس: ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال اللّه تعالى فيهم: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى كقوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الإنسان: 6] يريد بعض العباد اهـ خطيب.\rوفي أبي السعود: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ عدم رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم رحمة عليهم لا لتضرره تعالى به، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي: يرضى الشكر لأجلكم ومنفعتكم، لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين لا لانتفاعه تعالى به، وإنما قيل لعباده لا لكم لتعميم الحكم وتعميمه بكونهم عباده تعالى اهـ.\rقوله: (بسكون الهاء وضمها الخ) فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية.\rقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ الخ بيان لعدم سراية كفر الكافر لغيره أصلا اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بمضمرات القلوب فكيف بالأعمال الظاهرة وهذا تعليل للتنبئة بالأعمال اهـ أبو السعود.\rقوله: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ (أي الكافر) ضُرٌّ الخ أفاد أن المراد بالإنسان الكافر، والمراد بالضر جميع المكاره سواء كان في جسمه أو ماله أو أهله أو ولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى لتقييده اهـ كرخي.\rقوله: (راجعا إليه) أي: عن دعاء الأصنام الذي كان يفعله في حال الرخاء لعلمه بأنه بمعزل عن القدرة على كشف ضره اهـ أبو السعود.\rقوله: (أعطاه إنعاما) أي: أعطاه النعم على سبيل الإنعام والتفضل فإنعاما في كلامه ليس مفعولا","part":6,"page":417},{"id":2377,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 418\rوهو اللّه، فما في موضع من وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً شركاء لِيُضِلَ بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِهِ دين الإسلام قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا بقية أجلك إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8)\rأَمَّنْ بتخفيف الميم به، بل مفعول من أجله، فإن التحويل يختص بالمعطي تفضلا وإحسانا ولا يطلق على ما أعطي جزاء اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: يقال خوله نعمة أي: أعطاها إياه ابتداء من غير مقتضى، ولا يستعمل في الجزاء بل في ابتداء العطية، وقوله: مِنْهُ يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة لنعمة اهـ.\rقوله: (و هو اللّه) تفسير لما، وعبارة السمين: قوله: ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ يجوز في ما هذه أوجه، أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي مرادا بها الضر أي: نسي الضر الذي كان يدعو إلى كشفه.\rالثاني: أنها بمعنى الذي مرادا بها الباري تعالى أي: أنسي اللّه الذي يتضرع إليه وهذا عند من يجيز إطلاق ما على أولي العلم. الثالث: أن تكون ما مصدرية أي: أنسي كونه داعيا. وقوله: مِنْ قَبْلُ أي: من قبل تخويل النعمة اهـ.\rقوله: لِيُضِلَ اللام للعاقبة، وقوله: (بفتح الياء وضمها) سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أي: قل لهذا الضال والمضل بيانا لحاله، وقوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أي: ملازمها ومعدود من أهلها على الدوام وهو تعليل لقلة التمتع اهـ أبو السعود.\rوعبارة البيضاوي: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشبه لا سند له، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة، ولذلك علله بقوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ على سبيل الاستئناف للمبالغة اهـ.\rوقوله: (نوع تشبه) أي: فإنه لما عبر عن الاشتغال بالكفر بالتمتع وهو الانتفاع بما تشتهيه النفس أشعر بذلك اهـ زاده.\rقوله: قَلِيلًا أي: زمانا قليلا كما أشار له بقوله: (بقية أجلك) اهـ شيخنا.\rقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ من تمام الكلام المأمور بقوله أي: وقل للكافرين أمن هو قانت الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتخفيف الميم) أي: فالهمزة للاستفهام الإنكاري كما سيشير له بقوله: (أي: لا يستويان)، ومن اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ في محل رفع خبره محذوف قدره بقوله: (كمن هو عاص)، وقوله: قانِتٌ جملة اسمية صلة الموصول، وقوله: ساجِداً وَقائِماً حالان من قانت وقوله: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ حال أخرى متداخلة أو مترادفة أو جملة استئنافية معترضة، وقوله: (بمعنى بل) أي: التي للإضراب الانتقالي والهمزة أي: التي للاستفهام الإنكاري، وعلى هذه القراءة ترسم الميم في النون كرسمها على قراءة التخفيف وهذا اتباعا لخط مصحف الإمام كما يؤخذ من الجزرية، وشرحها لشيخ الإسلام وهذا بالنظر لرسم المصحف، وأما في غيره فترسم ميم أم مفصولة من ميم من كما في عبارة الشارح، ومن على هذه القراءة مبتدأ أيضا والخبر مقدر كما تقدم في الإعراب بعينه على","part":6,"page":418},{"id":2378,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 419\rهُوَ قانِتٌ قائم بوظائف الطاعات آناءَ اللَّيْلِ ساعاته ساجِداً وَقائِماً في الصلاة يَحْذَرُ الْآخِرَةَ أي يخاف عذابها وَيَرْجُوا رَحْمَةَ جنة رَبِّهِ كمن هو عاص بالكفر أو غيره، وفي قراءة أم من، فأم بمعنى بل والهمزة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي لا يستويان، كما لا يستوي العالم والجاهل إِنَّما يَتَذَكَّرُ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) أصحاب العقول\rقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ القراءتين لم يختلف، وقوله: (أي لا يستويان) أي: القانت والعاصي، فهذا تفسير للنفي المستفاد من همزة الإنكار في قوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ سواء المصرح بها على القراءة الأولى والتي في ضمن أم على الثانية، وقوله: (كما لا يستوي العالم والجاهل) تفسير لقوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الخ فالاستفهام فيه أيضا إنكاري اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ قرأ الحرميان نافع وابن كثير بتخفيف الميم والباقون بتشديدها. فأما الأولى ففيها وجهان، أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على من بمعنى الذي والاستفهام للتقرير ومقابله محذوف تقديره: أمن هو قانت كمن جعل للّه أندادا أو أمن هو قانت كغيره أو التقدير أهذا القانت خير أم الكافر المخاطب بقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويدل عليه قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فحذف خبر المبتدأ وما يعادل المستفهم عنه، والتقدير أن الأولان أولى لقلة الحذف، والثاني أي تكون الهمزة للنداء ومن منادى، ويكون المنادى هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو المأمور بقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ كأنه قيل يا من هو قانت قل كيت وكيت. وأما القراءة الثانية فهي أم داخلة على من الموصولة أيضا، فأدغمت الميم في الميم وفي أم حينئذ قولان، أحدهما: أنها متصلة ومعادلها محذوف تقديره الكافر خير أم الذي هو قانت. والثاني: أنها منقطعة فتقدر ببل والهمزة أي: بل أمن هو قانت كغيره أو كالكافر المقول له تمتع بكفرك اهـ.\rقوله: آناءَ اللَّيْلِ جمع إني بكسر الهمزة والقصر كمعي بكسر الميم والقصر وأمعاء اهـ شيخنا.\rوفي المصباح الآناء على أفعال هي الأوقات، وفي واحدها لغتان إني بكسر الهمزة والقصر وإني وزان حم اهـ.\rوفي المختار: آناءَ اللَّيْلِ (ساعاته). قال الأخفش: واحدها إني مثل معي، وقيل واحدها إني وانو يقال: مضى من الليل أنيان والوان اهـ.\rقوله أيضا: آناءَ اللَّيْلِ أي: ساعات الليل أوله وأوسطه وآخره ساجِداً وَقائِماً أي: في الصلاة وفيه دليل على ترجيح قيام الليل على النهار وأنه أفضل منه، وذلك لأن الليل أستر فيكون أبعد عن الرياء، ولأن ظلمة الليل تجمع الهمة والعزم وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي، وهو الخشوع في الصلاة ومعرفة من يصلي له، وقيل: لأن الليل وقت النوم ومظنة الراحة فيكون قيامه أشق على النفس فيكون الثواب فيه أكثر اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس: من أحب أن يهون اللّه عليه الوقوف يوم القيامة فليره اللّه في ظلمة الليل اهـ.\rقوله: إِنَّما يَتَذَكَّرُ الخ كلام مستقل غير داخل في الكلام المأمور به وارد من جهته تعالى بعد","part":6,"page":419},{"id":2379,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 420\rآمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي عذابه بأن تطيعوه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا بالطاعة حَسَنَةٌ هي الجنة وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فهاجروا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرات إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ عن الطاعة وما يبتلون به أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) بغير مكيال ولا ميزان\rقُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الأمر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أي: (يتعظ) أُولُوا الْأَلْبابِ أي: أصحاب العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون في آخر سورة آل عمران بقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً [آل عمران: 191] الآية اهـ.\rقوله: قُلْ يا عِبادِيَ الخ أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتذكير المؤمنين وحملهم على التقوى. أي: قل لهم ربكم يقول يا عبادي الخ. وقوله: للذين أحسنوا الخ تعليل للأمر أي: لوجوب الامتثال به وإيراد الإحسان في حيز الصلة دون التقوى للإيذان بأنها من باب الإحسان وأنهما متلازمان اهـ أبو السعود.\rوللذين خبر مقدم وفي متعلق بأحسنوا، وحسنة مبتدأ مؤخر.\rقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ أي: فمن تعسرت عليه التقوى والإحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن فيه من ذلك كما هو سنة الأنبياء والصالحين، فإنه لا عذر له في التفريط أصلا اهـ أبو السعود.\rوقيل: المراد أرض الجنة رغبهم في سعتها وسعة نعيمها، كما قال: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران: 133] والجنة قد تسمى أرضا قال اللّه تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزمر: 74] اهـ قرطبي.\rقوله: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ ترغيب في التقوى المأمور بها وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر كحيازتهم لفضيلة الإحسان، لما أشير إليه من استلزم التقوى مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق المهاجرة اهـ أبو السعود.\rقوله: (و ما يبتلون به) ومن جملته مفارقة الوطن المأمور بها في وأرض اللّه واسعة اهـ شيخنا.\rقوله: أَجْرَهُمْ أي: في مقابلة ما كابدوه من العسر اهـ أبو السعود.\rقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ أي: عند الخلق وإن كان معلوما محصيا عند اللّه اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب. وفي الحديث: «أنه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم، ولا تنصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» اهـ.\rقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ الخ أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أولا: بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة","part":6,"page":420},{"id":2380,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 421\rالدِّينَ (11) من الشرك\rوَأُمِرْتُ لِأَنْ أي بأن أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) من هذه الأمة\rقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)\rقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) من الشرك\rفَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ غيره؛ فيه تهديد لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون اللّه تعالى قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بتخليد الأنفس في النار، وبعدم وصولهم إلى الحور المعدّة لهم في الجنة لو آمنوا أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15) البيّن\rلَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ طباق مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ من النار ذلِكَ يُخَوِّفُ والإخلاص فيها، وثانيا: بأن يخبرهم بأنه مأمور بأن يكون أول من أطاع وانقاد وأسلم، وثالثا: بأن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ورابعا بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد اللّه تعالى وأخلص له الدين على أبلغ وجه وآكده إظهارا لتصلبه في الدين وحسما لأطماعهم الفارغة وتمهيدا لتهديدهم بقوله: فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (من هذه الأمة) يشير إلى معنى الأولية السبق بحسب الزمان، فالمراد بالسبق السبق بحسب الدعوة، فإن الأفضل أن من يدعو الغير إلى خلق كريم أن يدعو نفسه إليه أولا ويتخلق به حتى يؤثر في الغير كسنة الأنبياء والصالحين لا الملوك والمتجبرين اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي الخ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما حملك على هذا الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وقومك فتأخذ بها، فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات، ومعنى الآية زجر الغير عن المعاصي لأنه مع جلالة قدره وشرف طهارته ونزاهته ومنصب نبوته إذا كان خائفا حذرا من المعاصي، فغيره أولى بذلك اهـ خازن.\rقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا خبر إن. قوله: وَأَهْلِيهِمْ جمع أهل وأصله أهلون أو أهلين لهم، فحذفت النون للإضافة واللام للتخفيف، والمراد بأهليهم أهل الآخرة، فقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لخسروا أو لأهليهم. وفي الخازن: وأهليهم يعني أزواجهم وخدمهم يوم القيامة. قال ابن عباس:\rوذلك أن اللّه تعالى جعل لكل إنسان منزلا وأهلا في الجنة، فمن عمل بطاعة اللّه كان ذلك المنزل والأهل له، ومن عمل بمعصية اللّه دخل النار وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة اللّه تعالى فخسر نفسه وأهله ومنزله اهـ.\rوقيل: المراد أهلهم في الدنيا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده اهـ بيضاوي.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: حين يدخلون النار اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتخليد الأنفس الخ) لف ونشر مرتب. قوله: أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ استئناف وتصديره بحرف التنبيه للدلالة على كمال هوله وفظاعته وأنه لا خسران وراءه اهـ أبو السعود.\rقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ الخ بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام اهـ أبو السعود.\rولهم خبر مقدم ومن فوقهم حال، وظلل مبتدأ وقوله: (طباق) أي: قطع كبار وإطلاق الظلل","part":6,"page":421},{"id":2381,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 422\rاللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي المؤمنين ليتقوه، يدل عليه يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16)\rوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ الأوثان أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا أقبلوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى بالجنة فَبَشِّرْ عِبادِ (17)\rالَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ عليها تهكم، وإلّا فهي محرقة والظلة تقي من الحر اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ أي: فراش ومهاد، وقيل: أحاطت النار بهم من جميع الجهات والجوانب، فإن قلت: الظلة ما فوق الإنسان فكيف سمي ما تحته بالظلة؟ قلت: فيه وجوه، الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. الثاني: أن الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار لأنها دركات. الثالث: أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء والحرارة سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة اهـ.\rقوله: (يدل عليه) أي: على هذا المقدر وإنما كان هذا تخويفا للمؤمنين لأنه إذا سمعوا حال الكفار في الآخرة خافوا فأخلصوا التوحيد والطاعة للّه عز وجل اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ. وقوله: أَنْ يَعْبُدُوها بدل اشتمال من الطاغوت، وقوله: وَأَنابُوا معطوف على اجتنبوا وجملة لهم البشرى خبر المبتدأ اهـ شيخنا.\rوَالطَّاغُوتِ: يطلق على الواحد والجمع كما في المختار ويذكر ويؤنث كما في المصباح اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها. قال الأخفش: الطاغوت جمع، ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة أي: تباعدوا من الطاغوت، وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها. قال مجاهد، وابن زيد: هو الشيطان، وقال الضحاك والسدي: هي الأوثان، وقيل: إنه الكاهن، وقيل: انه اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت. وقيل: انه اسم عربي مشتق من الطغيان، وأن يعبدوها في موضع نصب بدلا من الطاغوت تقديره: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، وأنابوا إلى اللّه أي رجعوا إلى عبادته وطاعته لهم البشرى في الحياة الدنيا بالجنة في العقبى. روي أنها نزلت في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير رضي اللّه عنهم سألوا أبا بكر رضي اللّه عنه فأخبرهم بإيمانهم فآمنوا، وقيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر وغيرهما ممن وحد اللّه تعالى قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ قال ابن عباس:\rهو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن ويكف عن القبيح فلا يتحدث به، وقيل: يسمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، وقيل: يسمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي: محكمه فيعملون به، وقيل: يسمعون عزما وترخيصا فيأخذون بالعزم دون الرخص، وقيل: يسمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو، وقيل: إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحد اللّه قبل الإسلام لا إله إلا اللّه، وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها في جاهليتهم واتبعوا أحسن ما صار إليهم من القول اهـ بحروفه.\rقوله: لَهُمُ الْبُشْرى (بالجنة) أي: على ألسنة الرسل أو على ألسنة الملائكة عند حضور الموت اهـ بيضاوي.","part":6,"page":422},{"id":2382,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 423\rأَحْسَنَهُ وهو ما فيه صلاحهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18) أصحاب العقول\rأَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الآية أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ تخرج مَنْ فِي وفي الخطيب: لَهُمُ الْبُشْرى أي: في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فالثناء عليهم بصالح أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة فعند الخروج من القبور وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة والروح والريحان.\rتنبيه:\rيحتمل أن يكون المبشر لهم هم الملائكة لأنهم يبشرونهم عند الموت لقوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: 32] ويحتمل أن يكون هو اللّه تعالى لقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: 44] ولا مانع أن يكون من اللّه تعالى ومن الملائكة عليهم السّلام، فإن فضل اللّه سبحانه واسع اهـ.\rقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ وهم الموصوفون باجتناب الأوثان والانابة إلى اللّه فالمقام للضمير، وإنما أتى به ظاهرا توصلا لوصفهم بما ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ الخ إشارة إلى الموصوفين بما ذكر اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ بيان لأحوال أضداد المذكورين على طريقة الاجمال، وتسجيل عليهم بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ومتبعو خطواتها، كما يلوح به التعبير عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب، فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 85] وقوله تعالى: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف: 18] اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على إيمان قومه، وقد سبقت لهم من اللّه الشقاوة فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإيمان اهـ.\rوفي من هذه وجهان، أظهرهما: أنها موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره محذوف فقدره أبو البقاء كمن نجا، وقدره الزمخشري فأنت مخلصه حذف لدلالة أفأنت تنقذ عليه، وقدره وغيره تتأسف عليه، وقدره الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء تقديره أأنت مالك أمر الناس فمن حق عليه كلمة العذاب، وأما غيره فيدعي أن الأصل تقديم الفاء، وإنما أخرت لما تستحقه الهمزة من الصدارة.\rوقد تقدم تحقيق هذين القولين غير مرة. الثاني: أن تكون من شرطية وجوابها أفأنت، فالفاء فاء الجواب دخلت على جملة الجزاء وأعيدت الهمزة لتأكيد معنى الانكار وأوقع الظاهر وهو من في النار موقع المضمر كان الأرض أفأنت تنقذه، ولذلك وقع موقعه شهادة عليه بذلك وإلى هذا نحا الحوفي والزمخشري. قال الحوفي: وجيء بألف الاستفهام لما طال الكلام توكيدا ولو لا طوله لم يجز الاتيان بها لأنه لا يصلح في العربية أن يأتي بألف الاستفهام في الاسم وألف أخرى في الجزاء، ومعنى الكلام","part":6,"page":423},{"id":2383,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 424\rالنَّارِ (19) جواب الشرط، وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر، والهمزة للإنكار، والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار\rلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ بأن أطاعوه لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت الغرف الفوقانية والتحتانية وَعْدَ اللَّهِ منصوب بفعله المقدر لا أفأنت تنقذه، وعلى القول بكونها شرطية يترتب على قول الزمخشري وقول الجمهور مسألة، وهي بأنه على رأي الجمهور يكون قد اجتمع شرط واستفهام، وفيه حينئذ خلاف بين سيبويه ويونس، هل الجملة الأخيرة جواب الاستفهام وهو قول يونس، أو جواب الشرط وهو قول سيبويه، وأما على قول الزمخشري فلم يجتمع شرط واستفهام إذ أداة الاستفهام عنده داخلة على جملة محذوفة عطفت عليها جملة الشرط ولم تدخل على جملة الشرط اهـ سمين.\rقوله: (جواب الشرط) أي: فمن شرطية، ويجوز أن يكون الجزاء محذوفا. وقوله: أفأنت تنقذ من في النار جملة مستقلة مسوقة لتقرير مضمون الجملة السابقة وتعيين ما حذف منها، وتشديد الانكار بتنزيل من استحق العذاب منزلة من دخل النار، وتصوير الاجتهاد في دعائه إلى الإيمان بصورة الانقاذ من النار، كأنه قيل أولا أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلصه منه ثم شدد النكير. فقال: أفأنت تنقذ من في النار، وفيه تلويح بأنه تعالى هو الذي يقدر على الانقاذ لا غيره اهـ أبو السعود.\rقوله: (و الهمزة) أي: الأولى والثانية، لكن الأولى لأصل إفادته والثانية لتأكيده. وقوله:\r(للإنكار) أي: للاستفهام الإنكاري اهـ شيخنا.\rقوله: (و المعنى لا تقدر على هدايته الخ) أشار به إلى أن قوله: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ مجاز بإطلاق المسبب وإرادة السبب، والمعنى أفأنت تهديه بدعائك له إلى الإيمان فتنقذه من النار. ففي الكلام تنبيه على أن المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار، وإن اجتهاده عليه السّلام في دعائهم إلى الإيمان سعي في انقاذهم من النار اهـ أبو السعود.\rوفي زاده: قوله: (سعي في انقاذهم من النار) أي: فينزل اجتهاده في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار، فإن أصل الكلام أفأنت تهدي من هو منغمس في الضلالة فوضع النار موضع الضلال وضعا للمسبب موضع السبب لقوة أمره ثم عقب المجاز بما يناسبه من قوله: تُنْقِذُ بدل تهدي فهو ترشيح اهـ.\rقوله: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ الخ وهم الذين خوطبوا بقوله: يا عِبادِ فَاتَّقُونِ، ووصفوا بما عدد من الصفات الفاضلة وهم المخاطبون أيضا فيما سبق بقوله: يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر: 10] الآية. فبين أن لهم جنات ودرجات عالية في جنات النعيم في مقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: لكن الذين اتقوا ربهم لما بين أن للكفار ظللا من فوقهم ومن تحتهم بيّن أن للمتقين غرفا فوق غرف، لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضا، ولكن ليست للاستدراك لأنه لم يأت قبله نفي كقولك: ما رأيت زيدا لكن عمرا، بل هو إضراب عن قصة إلى مخالفة للأولى، كقولك:\rجاءني زيد لكن عمرو لم يأت اهـ.\rقوله: (بفعله المقدر) أي: وعدهم بذلك وعدا لا يخلفه اهـ شيخنا.","part":6,"page":424},{"id":2384,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 425\rيُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (20) وعده\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ أدخله أمكنة نبع فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ييبس فَتَراهُ بعد الخضرة مثلا مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً فتاتا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى تذكيرا لِأُولِي الْأَلْبابِ (21) يتذكرون به، لدلالته على قوله: أَلَمْ تَرَ الخ استئناف وارد إما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال بما ذكر من أحوال الزرع تحذيرا عن زخارفها والاغترار بها، وإما للاستشهاد على تحقيق الموعود به من الأنهار الجارية من تحت الغرف بما يشاهد من إنزال الماء وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى، والمراد بالماء المطر. وقيل: كل ما في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه اللّه بين البقاع اهـ أبو السعود.\rقوله: فَسَلَكَهُ أي: أدخله ينابيع في الأرض هي عيون ومجار كائنة فيها، أو مياه نابعات فيها إذ الينبوع جاء للمنبع وللنابع فنصبها على الظرف أو الحال اهـ بيضاوي.\rقوله: (أدخله أمكنة نبع) أي: أمكنة ينبع منها حيث إنها قريبة من وجه الأرض، فلم يجعله من أسفلها جدا بحيث لا يستخرج منها، ففي كلامه تفسير الينابيع بالأمكنة، ويصح تفسيرها بالماء الكائن فيها. وفي زاده: الينابيع جمع ينبوع وهو إما الموضع الذي يجري فيه الماء من خلال الأرض أو نفس الماء الجاري، والينبوع يفعول من نبع الماء إذا خرج وسال، ومضارعه ينبع بالحركات الثلاث في عين الفعل، فإن كان الينبوع بمعنى المنبع كان نصب ينابيع على المصدر، أي: سلكه سلوكا في ينابيع، وأدخله إدخالا فيها على أن يكون ينابيع ظرفا للمصدر المحذوف، فلما أقيم مقام المصدر جعل انتصابه على المصدر، وإن كان بمعنى النابع كان انتصابه على الحال أي نابعات اهـ.\rوقال الشهاب: الحالية لا تخلو من الكدر لأن حقه حينئذ أن يقال من الأرض، وفي الأرض على الوجهين صفة ينابيع اهـ.\rوفي المختار: نبع الماء خرج وبابه قطع ودخل ونبع ينبع بالكسر نبعانا بفتح الباء لغة أيضا، والينبوع عين الماء ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90] والجمع الينابيع اهـ.\rقوله: ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً صيغة المضارع لاستحضار الصورة اهـ أبو السعود.\rقوله: مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي: من أحمر وأصفر وأخضر وأبيض، وشمل لفظ الزرع جميع ما يستنبت حتى المقات فتراه مصفرا أي: زالت خضرته ونضارته اهـ من النهر.\rقوله: (ييبس) في المختار: وهاج النبت يهيج هياجا بالكسر يبس اهـ.\rوفي المصباح: وهاج البقل يهيج أصفر اهـ.\rوفي البيضاوي: ثم يهيج بتم جفافه لأنه إذا تم جفافه حان له أن ينتشر عن منبته اهـ.\rقوله: ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً في المصباح: حطم الشيء حطما من باب تعب فهو حطم إذا تكسر، ويقال للدابة إذا أسنت: حطمة ويتعدى بالحركة، فيقال: حطمته حطما من باب ضرب فانحطم وحطمته بالتشديد مبالغة اهـ.","part":6,"page":425},{"id":2385,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 426\rوحدانية اللّه تعالى وقدرته\rأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فاهتدى فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ كمن طبع على قلبه دلّ على هذا فَوَيْلٌ كلمة عذاب لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي عن قبول القرآن أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) بيّن\rاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً بدل من أحسن أي قرآنا مُتَشابِهاً أي يشبه بعضه بعضا في النظم وغيره مَثانِيَ ثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما تَقْشَعِرُّ مِنْهُ قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي المذكور من الأفعال الخمسة أولها انزل اهـ شيخنا.\rقوله: (يتذكرون به دلالته الخ) عبارة البيضاوي: للتذكير بأنه لا بدّ من صانع حكيم دبره وسواه أو بابه مثل الحياة الدنيا فلا يغتر بها اهـ.\rقوله: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكر بأولي الألباب، وشرح الصدر للإسلام عبارة عن تكميل الاستعداد له، فإنه محل القلب الذي هو منبع للروح التي تتعلق بها النفس القابلة للإسلام، فانشراحه مستدع لانشراح القلب اهـ أبو السعود.\rوالهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة على جملة مقدرة أي: أكل الناس سواء ومن اسم موصول مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله: (كمن طبع على قلبه) هذا ما جرى عليه الشارح وبعضهم جعلها شرطية فخبرها جملة الشرط أو الجواب أو هما اهـ.\rقوله: فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق. وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح»، فقيل ما علامة ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله» اهـ بيضاوي.\rقوله: (دل على هذا) أي: المقدر. قوله: (كلمة عذاب) أي: كلمة معناها العذاب والخسران اهـ شيخنا.\rقوله: (أي عن قبول القرآن) أشار بهذا الحل إلى أن من بمعنى عن، وأن الذكر هو القرآن، وأن في الكلام مضافا مقدرا، وبعضهم جعل من تعليلية أي: قست قلوبهم بسبب، ومن أجل ذكر اللّه فإذا سمعوه نفروا وازدادوا قسوة لفساد قلوبهم وتمرضها، ومن المعلوم أن الدواء النافع قد يكون داء بالنسبة لبعض المرضى اهـ شيخنا.\rقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الخ روي أن الصحابة ملوا ملة فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: حدثنا حديثا حسنا فنزلت، والمعنى أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث اهـ أبو السعود.\rقوله: (في النظم وغيره) كصحة المعنى والبلاغة والدلالة على المنافع العامة اهـ كرخي.\rقوله: مَثانِيَ جمع مثنى أو مثنى اهـ بيضاوي.\rوقوله: (جمع مثنى) بضم الميم وفتح الثاء والنون المشددة على خلاف القياس إذ قياسه مثنيات، وقوله: (أو مثنى) بالفتح مخففا، وقد مر أنه من التثنية بمعنى التكرير اهـ شهاب.\rقوله: (و غيرهما) كالقصص والأحكام، فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع، أي: كيف وصف الكتاب وهو مفرد بمثاني وهو جمع؟ قلت: الجواب إنما صح ذلك، لأن الكتاب جملة ذات","part":6,"page":426},{"id":2386,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 427\rترتعد عند ذكر وعيده جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ يخافون رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ تطمئن جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي عند ذكر وعده ذلِكَ أي الكتاب هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23)\rأَفَمَنْ يَتَّقِي يلقى بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي أشده بأن يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه، كمن أمن منه بدخول الجنة وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ أي كفار مكة ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير. ألا تراك تقول القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات، فكذلك تقوله أقاصيص وأحكام ومواعظ ونظيره قولك الإنسان عروق وعظام وأعصاب إلا أنك تركب الموصوف إلى الصفة وأصله كتابا متشابها فصولا مثاني قاله في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الخ اقشعر جلده إذا تقبض وتجمع من الخوف ووقف شعره والمصدر الاقشعرار والقشعريرة أيضا ووزن اقشعر افعلل ووزن القشعريرة فعلليلة اهـ سمين.\rفإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ثانيا؟ قلت: ذكر الخشية التي محلها القلوب مستلزم لذكر القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم في أول الأمر فإذا ذكروا اللّه وذكروا رحمته وسعتها استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة لينا في جلودهم اهـ كرخي.\rقوله: (عند ذكر وعيده) أشار بهذا إلى أن من بمعنى عند اهـ كرخي.\rقوله: (أي عند ذكر وعده) أشار بهذا إلى أن إلى بمعنى عند فهو تضمين في الحرف، وجعل الزمخشري التضمين في الفعل وضمن تلين معنى تسكن أو تطمئن اهـ كرخي.\rوالشارح جمع بين الأمرين اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله، والهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة على جملة مقدرة أي: أكل الناس سواء فمن يتقي الخ. ومن اسم موصول مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله: (كمن أمن منه) اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: يجعله درقة يقي به نفسه انتهت.\rوقوله: (يجعله درقة) الدرقة بفتحتين ترس من جلود يتقى به وهو هنا تشبيه بليغ أي: يجعل وجهه قائما مقام الدرقة في أنه أول ما يمسه المؤلم له لأن ما يتقى به هو اليدان وهما مغلولتان، ولو لم يغلا كان يدفع بهما عن الوجه لأنه أعز أعضائه. وقيل: الوجه لا يتقى به فالاتقاء به كناية عن عدم ما يتقى به إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له على حد قوله: (و لا عيب فيهم البيت) اهـ شهاب.\rقوله: (مغلولة يداه) أي: وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبال العظيمة فتشتعل النار فيها وهي في عنقه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يده وعنقه اهـ خازن.\rقوله: وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ الخ عطف على يتقي أي: ويقال لهم من جهة خزنة النار ذوقوا الخ وصيغة الماضي للدلالة على التحقق والتقرر، وقيل: هو حال من ضمير يتقي بإضمار قد وضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعلة الأمر في قوله: ذُوقُوا الخ اهـ أبو السعود.","part":6,"page":427},{"id":2387,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 428\rتَكْسِبُونَ (24) أي جزاءه\rكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم في إتيان العذاب فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25) من جهة لا تخطر ببالهم\rفَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ الذل والهوان من المسخ والقتل وغيره فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا أي المكذبون يَعْلَمُونَ (26) عذابها ما كذبوا\rوَلَقَدْ ضَرَبْنا جعلنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) يتعظون\rقُرْآناً عَرَبِيًّا حال مؤكدة غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي لبس واختلاف لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) الكفر\rضَرَبَ اللَّهُ للمشرك قوله: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب الدنيوي إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي اهـ أبو السعود.\rقوله: (في إتيان العذاب) أي: الذي أصيبوا به في الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: (لا تخطر ببالهم) أي: لا يخطر ببالهم إتيانه من أجلها، فالمراد بالجهة السبب كاللواط في قوم لوط اهـ شيخنا.\rقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي: لو كانوا يصدقون ويوقنون بعذاب الآخرة ما كذبوا رسلهم في الدنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَقَدْ ضَرَبْنا اللام موطئة للقسم. قوله: (جعلنا) أي أوجدنا وبينا اهـ.\rقوله: مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: يحتاج إليه الناظر في أمر دينه اهـ.\rقوله: (حال مؤكدة) أي: للفظ القرآن المعرف المتقدم، وكما تسمى مؤكدة بالنسبة لما قبلها تسمى موطئة بالنسبة لما بعدها، لأن الحال في الحقيقة عربيا وقرآنا توطئة له. وفي السمين: قوله:\rقُرْآناً عَرَبِيًّا فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون منصوبا على المدح لأنه لما كان نكرة امتنع اتباعه للقرآن. الثاني: أن ينتصب بيتذكرون أي: يتذكرون قرآنا. الثالث: أن ينتصب على الحال من القرآن على أنها حال مؤكدة وتسمى حالا موطئة، لأن الحال في الحقيقة عربيا وقرآنا توطئة له نحو: جاء زيد رجلا صالحا، وقوله: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ نعت لقرآنا أو حال أخرى. قال الزمخشري: فإن قلت: فهلا قيل مستقيما أو غير معوج؟ قلت فيه فائدتان، أحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قط، كما قال ولم يجعل له عوجا. الثانية: أن العوج يختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل: المراد بالعوج الشك واللبس اهـ.\rقوله: (أي لبس) أي: في معناه. أي: معناه صحيح يفهم ولا يلتبس بخلافه من الباطل، وقوله:\r(و اختلاف) أي تناف وتناقض اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ علة لقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، فالأول سبب في الثاني اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ علة أخرى مرتبة على الأولى اهـ.\rأي: لأن لعل يفهم منها التعليل فعلل ضرب الأمثال أولا بالتذكر والاتعاظ، ثم علل التذكر بالاتقاء لأنه المقصود منه فليس من تعليل معلول واحد بعلتين اهـ شهاب.\rقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا الخ المعنى اضرب يا محمد لقومك مثلا وقل لهم: ما تقولون في رجل","part":6,"page":428},{"id":2388,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 429\rوالموحد مَثَلًا رَجُلًا بدل من مثلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ متنازعون سيئة أخلاقهم وَرَجُلًا سَلَماً خالصا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا تمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة، والعبد لواحد، فإن مملوك قد اشترك فيه شركاء أخلاقهم سيئة، فكل واحد منهم يدعيه وهم يتجاذبونه في مهماتهم المختلفة، فإذا عرضت له هو حاجة لا يعاونونه عليها فهو متحير في أمره لا يدري على أيهم يعتمد في حاجته، وأيهم يرضى بخدمته، وفي رجل آخر قد سلم لمالك واحد يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك السيد يعاونه في حاجته، فأي هذين العبدين أحسن؟ وهذا مثل ضربه اللّه للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي يعبد اللّه وحده اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وهذا مثال لمن عبد آلهة كثيرة، وقوله: وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ أي: خالصا لسيد واحد، وهو مثل من يعبد اللّه وحده هل يستويان مثلا هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة ونياتهم متباينة لا يلقاه رجل إلا جره واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك لا يرضي واحدا منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحدا لا ينازعه أحد، فإن أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه فأيهما أقل تعبا أو على هدى مستقيم اهـ.\rقوله: مُتَشاكِسُونَ في المختار: رجل شكس بوزن فلس أي: صعب الخلق، وقوم شكس بوزن قفل وبابه سلم. وحكى الفراء شكس بكسر الكاف وهو القياس. قلت: وقوله تعالى: فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ أي: مختلفون عسرو الأخلاق اهـ.\rوفي السمين: والتشاكس التخالف وأصله سوء الخلق وعسره وهو سبب التخالف والتشاجر، ويقال: التشاكس والتشاخس بالخاء المعجمة موضع الكاف اهـ.\rوفي القرطبي: متشاكسون من شكس يشكس بوزن قفل فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر. يقال: رجل شكس وشرس وضرس والتشاكس والتشاخس الاختلاف. يقال: تشاكست أحواله وتشاخست أسبابه، ويقال: شاكسني فلان أي: ماكسني وشاخسني في حقي. وقال الجوهري: رجل شكس بالتسكين أي صعب الخلق، وقوم شكس مثل رجل صدق وقوم صدق، وقد شكس بالكسر من باب سلم شكاسة. وحكى الفراء: رجل شكس بكسر الكاف وهو القياس اهـ.\rقوله: وَرَجُلًا سَلَماً قرأ ابن كثير، وأبو عمرو سالما بالألف وكسر اللام، والباقون سلما بفتح السين واللام، وابن جبير بكسر السين وسكون اللام، فالقراءة الأولى اسم فاعل من سلم له كذا فهو سالم، والقراءتان الأخيرتان سلما وسلما فهما مصدران وصف بهما على سبيل المبالغة، أو على حذف مضاف، أو على وقوعهما موقع اسم الفاعل فيعود كالقراءة الأولى اهـ سمين.\rقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أي: حالا وصفة، وقوله: (تمييز) أي محول عن الفاعل أي: لا يستوي مثلهما وصفتهما، وأفرد التمييز لأنه مقتصر عليه أولا في قوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، وقرئ مثلين فطابق حالي الرجلين اهـ سمين.\rقوله: (أي لا يستوي العبد لجماعة) هذاهو المثل المحسوس الذي شبه به المشرك الذي يعبد","part":6,"page":429},{"id":2389,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 430\rالأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد، تحير فيمن يخدمه منهم، وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للواحد الْحَمْدُ لِلَّهِ وحده بَلْ أَكْثَرُهُمْ أي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (29) ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون\rإِنَّكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ستموت ويموتون فلا شماتة بالموت، نزلت لما استبطؤوا موته صلّى اللّه عليه وسلّم\rثُمَّ إِنَّكُمْ أيها الناس فيما بينكم من آلهة شتى، فقوله: (لجماعة) أي المملوك لجماعة أخلاقهم سيئة، وقوله: (و العبد لواحد) أي:\rالمملوك لمالك واحد راض عنه، وهذا مثل شبه به المؤمن القاصر عبادته على ربه، وقوله: (فإن الأول الخ) تقرير للمثل الأول ولم يتعرض لتقرير الثاني وتوضيحه لوضوحه اهـ شيخنا.\rقوله: (إذا طلب منه كل من مالكيه الخ) وما ذاك إلا لسوء أخلاقهم وعدم لطفهم به اهـ أبو السعود.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على عدم استواء هذين الرجلين والجملة اعتراضية، فإن قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ اضراب انتقالي مرتبط بقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية إنما هو بتوفيق اللّه، وعلى أنها نعمة جليلة موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته، وقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره فيقعون في ورطة الشرك والضلال اهـ.\rقال البغوي: والمراد بالأكثر الكل اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ تمهيد لما يعقبه من الخصام يوم القيامة اهـ أبو السعود.\rفائدة:\rقال الفراء: الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف من فارقته الروح، ولذلك لم يخفف هنا اهـ خطيب.\rوفي السمين: ولا خلاف بين القراء في تثقيل مثل هذا اهـ.\rقوله: (فلا شماتة بالموت) في المختار: الشماتة الفرح ببلية العدو وبابه سلم اهـ.\rقوله: (نزلت لما استبطؤوا موته الخ) وذلك أنهم كانوا يتربصون موته، فأخبر اللّه تعالى أن الموت معهم جميعا، فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني اهـ خازن.\rقوله: (أيها الناس) أي: جميعا مؤمنكم وكافركم اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ. قال ابن عباس: يعني المحق","part":6,"page":430},{"id":2390,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 431\rالمظالم يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)\r* فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ بنسبة الشريك والولد إليه وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ بالقرآن إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْكافِرِينَ (32) بلى\rوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَصَدَّقَ بِهِ هم المؤمنون، فالذي بمعنى الذين أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) الشرك\rلَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) والمبطل والظالم والمظلوم. عن عبد اللّه بن الزبير قال: لما نزلت: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال الزبير: يا رسول اللّه أتكون علينا الخصومة بعد الذي بيننا في الدنيا؟ قال: «نعم»، فقال: إن الأمر إذا لشديد أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ابن عمر رضي اللّه عنهما: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت في أهل الكتابين: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قلنا: كيف نختصم وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هذاهو. وعن إبراهيم قال: لما نزلت هذه الآية: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قالوا: كيف نختصم نحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه». وروى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم ولا متاع له. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلوات وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» اهـ.\rقوله: إِذْ جاءَهُ ظرف لكذب بالصدق أي: كذب بالقرآن في وقت مجيئه، أي: فاجأه بالتكذيب لما سمعه من غير وقفة ولا إعمال روية بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون اهـ خطيب.\rقوله: (بلى) أشار به إلى الاستفهام تقريري اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أي مقاما للجاحدين وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به يثوى ثويا مثل مضى مضاء ومضيا، ولو كان من أثوى لكان مثوى بضم الميم، وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصحى، وحكى أبو عبيدة أثوى اهـ.\rقوله: (بمعنى الذين) أي فهي جنس، والمراد به بالنسبة للصلة الأولى محمد، وبالنسبة للصلة الثانية المؤمنون، ولذلك روعي معناه فجمع في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ روعي معنى الذي في هذه الضمائر الثلاثة، كما روعي لفظها في اللذين قبلها اهـ شيخنا.\rقوله: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ أي: لهم كل ما يشاوونه من جلب المنافع ودفع المضار في الآخرة، لا في الجنة فقط لما أن بعض ما يشاؤونه من تكفير السيئات والأمن من الفزع الأكبر وسائر أهوال القيامة إنما يقع قبل دخول الجنة اهـ كرخي.","part":6,"page":431},{"id":2391,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 432\rلأنفسهم بإيمانهم\rلِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (35) أسوأ وأحسن، بمعنى السيّىء والحسن\rأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ أي النبي بلى وَيُخَوِّفُونَكَ الخطاب له بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي الأصنام أن تقتله أو تخبله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36)\rوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ غالب على أمره ذِي انْتِقامٍ (37) من أعدائه؟ بلى\rوَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما قوله: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ متعلق بمحذوف أي: يسر لهم ذلك ليكفر أو بالمحسنين، كأنه قيل الذين أحسنوا لأجل التكفير اهـ سمين. واللام للعاقبة.\rقوله: (بمعنى السيىء والحسن) أي: فأفعل التفضيل ليس على بابه، فبهذا الاعتبار عم الأسوأ جميع معاصيهم والأحسن جميع حسناتهم، ولو لا هذا التأويل لاقتضى النظم أنه يكفر عنهم أقبح السيئات فقط، ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط هذا مراده اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات، والعبد هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويحتمل الجنس، ويؤيده قراءة حمزة والكسائي عباده وفسر بالأنبياء عليهم السّلام اهـ بيضاوي.\rقوله: (بلى) أي: فالاستفهام للتقرير وأشار به إلى أن دخول همزة الإنكار على كلمة النفي تفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها أي: هو كاف عبده اهـ كرخي.\rوكونه للتقرير معناه طلب الإقرار بما بعد النفي، وكونه للنفي معناه: نفي النفي الذي دخل عليه، ونفي النفي إثبات فمآل المعنيين واحد.\rقوله: وَيُخَوِّفُونَكَ يجوز أن يكون حالا إذ المعنى أليس اللّه كافيك حال تخويفهم إياك بكذا، كأن المعنى أنه كافيه في كل حال حتى في هذه الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة اهـ سمين.\rقوله: (أو تخبله) في المصباح: الخبل بسكون الباء الجنون ونحوه كالهوج والبله، وقد خبله الحزن إذا أذهب فؤاده من باب ضرب فهو مخبول ومخبل، والخبل بفتحها أيضا الجنون، وخبلته خبلا من باب ضرب أيضا فهو مخبول إذا أفسدت عضوا من أعضائه أو أذهبت عقله، والخبال بفتح الخاء يطلق على الفساد والجنون اهـ.\rقوله: (و من يضلل اللّه) أي: حتى غفل كفاية اللّه لعبده محمد وخوفه بما لا ينفع ولا يضر اهـ بيضاوي.\rقوله: ذِي انْتِقامٍ (من أعدائه) أي: لأوليائه وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة اهـ كرخي.\rقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي: لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية اهـ بيضاوي.\rيعني: أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم، وذلك متفق عليه عند جمهور الخلائق، فإن فطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم، فإن من تأمل عجائب السموات والأرض وما فيهما من أنواع الموجودات علم بذلك أنها من ابتداع قادر حكيم، ثم أمره اللّه تعالى أن يحتج عليهم","part":6,"page":432},{"id":2392,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 433\rتَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ لا أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ؟ لا، وفي قراءة بالإضافة فيهما قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) يثق الواثقون\rقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ حالتكم إِنِّي عامِلٌ على حالتي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39)\rمَنْ موصولة مفعولة العلم يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُ ينزل عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40) دائم هو عذاب النار، وقد أخزاهم اللّه ببدر\rإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِ بأن ما يعبدون من دون اللّه لا قدرة لها على جلب خير ولا دفع ضر وهو قوله: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ الخ اهـ خازن.\rقوله: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ أي: اخبروني وهي متعدية لاثنين، أولهما: ما تدعون. والثاني: الجملة الاستفهامية، والعائد منها على المفعول الأول قوله: هُنَّ، وإنما أنث تحقيرا لها ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث اللات والعزى ومناة اهـ سمين.\rوعلى هذا فجملة الشرط اعتراضية وجوابها محذوف اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ الظاهر أن الفاء جواب شرط مقدر أي: إذا لم يكن خالق سواه فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر أو منع ما أراد من النفع أو هي عاطفة على مقدر أي: أتفكرتم بعد ما أقررتم به فرأيتم الخ. وقدم الضر لأن دفعه أهم وخص نفسه بقوله: أَرادَنِيَ لأنه جواب لتخويفه فهو المناسب اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ أي: قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا أفرأيتم ما تدعون من دون اللّه إن أرادني اللّه بضر أي: بشدة وبلاء هل هن كاشفات ضره يعني: هذه الأصنام أو أرادني برحمة أي:\rنعمة ورخاء هل هن ممسكات رحمته. قال مقاتل: فسألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسكتوا. وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئا قدره ولكنها تشفع، فنزلت: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ الآية. وترك الجواب من الآية لدلالة الكلام عليه. يعني فسيقولون لا أي: لا تكشف ولا تمسك، فقل أنت حسبي اللّه الخ اهـ.\rقوله: (و في قراءة بالإضافة فيهما) أي: سبعية. قوله: (حالتكم) وهي الكفر والعناد والأمر للتهديد، وقوله: (على حالتي) وهي الإيمان والانقياد. وفي البيضاوي: على مكانتكم على حالكم اسم للمكان استعير للحال كما استعير هنا وحيث من المكان للزمان، وقرئ مكاناتكم اهـ.\rأي: فشبهت الحال بالمكان القار فيه ووجه الشبه ثباتهم في تلك الحال بثبات المتمكن في مكانه، وأما تشبيهه المكان بالزمان ففي الشمول والإحاطة، وقراءة الجمع مروية عن عاصم وأبي بكر فهي سبعية وليست بشاذة كما يتوهم من ظاهر كلامه اهـ شهاب.\rقوله: (مفعولة العلم) أي: لأنها بمعنى العرفان فتنصب مفعولا واحدا اهـ شيخنا.\rقوله: (يخزيه) أي: يهينه ويذله أي في الدنيا وذلك بالجوع والسيف اهـ قرطبي.\rقوله: (دائم) أي: فهو مجاز في الظرف أو في الإسناد وأصله مقيم فيه صاحبه اهـ شهاب.\rقوله: لِلنَّاسِ أي: لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم فهو للناس كافة، لأن رسالتك كذلك اهـ خطيب.","part":6,"page":433},{"id":2393,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 434\rمتعلق بأنزل فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ اهتداؤه وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) فتجبرهم على الهدى\rاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها يتوفى وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي قوله: (متعلق بأنزل) أي: أو بمحذوف فيكون حالا من فاعل أنزلنا أو مفعوله أي: ملتبسا كما جرى عليه القاضي اهـ كرخي.\rقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي: لست مأمورا بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم وذلك تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لأن الهداية والضلال من العبد لا يحصلان إلا من اللّه تعالى، لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة، والضلال يشبه الموت والنوم، فكما أن الحياة واليقظة لا يحصلان إلا بخلق اللّه تعالى، كذلك الضلال لا يحصل إلا من اللّه تعالى ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر اللّه تعالى في القدر، ومن عرف سر اللّه تعالى في القدر هانت عليه المصائب اهـ خطيب.\rقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ أي: الأرواح التي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهرا وباطنا وذلك عند الموت، أو ظاهرا لا باطنا وذلك في النوم، فيمسك التي قضى عليها الموت ولا يردها إلى البدن، ويرسل الأخرى أي: النائمة إلى بدنها عند اليقظة إلى أجل مسمى هو الوقت المضروب لموته وهو غاية جنس الإرسال. وما روي عن ابن عباس أن في ابن آدم نفسا وروحا بينهما تعلق مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والحياة فيتوقفان عند الموت، وتتوفى النفس وحدها عند النوم قريب مما ذكرناه اهـ بيضاوي.\rأي: فهو رضي اللّه عنه أثبت في ابن آدم شيئين، وسمى إحداهما نفسا والأخرى روحا. وجعل نسبة الروح إلى النفس كنسبة الشعاع إلى الشمس في كونه متعلقا بها أثرا لها، وعلى ما ذكره المصنف ليس في ابن آدم إلا شيء واحد هو الجوهر المشرق النوراني يكون لابن آدم بحسبه ثلاثة أحوال: حال يقظة، وحال نوم، وحال موت. فإنه باعتبار تعلقة بظاهر الإنسان وباطنه تعلقا كاملا تثبت له حال اليقظة وباعتبار تعلقه بظاهر الإنسان فقد تثبت له حالة النوم وباعتبار انقطاع تعلقه عن الظاهر والباطن تثبت له حالة الموت، وقوله: (قريب) مما ذكرناه وجه قربه أن النفس والروح وإن كانا أمرين متغايرين بالذات على ما روي، إلا أن المقبوض عند الموت ما يكون متعلقا بباطن الإنسان ومبدأ للنفس والحياة والأمر، كذلك على ما ذكره المصنف، وكذا المقبوض عند النوم وهو ما يكون متعلقا بظاهر الإنسان ومبدأ للعقل والتمييز كما هو كذلك على ما ذكره المصنف اهـ زاده.\rوعبارة القرطبي: قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء اللّه فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك اللّه أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير: إن اللّه يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء اللّه أن تتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى أي: يعيدها. قال علي رضي اللّه عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقيل استقرارها في جسدها فهي الرؤيا الكاذبة لأنها من القاء","part":6,"page":434},{"id":2394,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 435\rمَنامِها أي يتوفاها وقت النوم فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وقت موتها، والمرسلة نفس التمييز تبقى بدونها نفس الحياة بخلاف العكس إِنَّ فِي ذلِكَ الشيطان. وروي مرفوعا من حديث جابر بن عبد اللّه قيل: يا رسول اللّه أينام أهل الجنة؟ قال: «لا النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها» خرجه الدارقطني: وقال ابن عباس: في قفص ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام العبد فقبضت نفسه ولم تقبض روحه، وهذا قول ابن الأنباري والزجاج. قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد، ولهذا قال: فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، فإذا يقبض اللّه الروح في حالين في حالة النوم وفي حالة الموت فما قبضه في حالة النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة، وقوله: وَيُرْسِلُ الْأُخْرى أي: يزيل الحابس عنها فتعود كما كانت فتوفى الأنفس في حال النوم بإزالة الإدراك وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك، وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية، فيمسك التي قضى عليها الموت بأن لا يخلق فيها الإدراك، ويرسل الأخرى بأن يعيد إليها الإحساس. وقد اختلف الناس في النفس والروح هل هما شيء واحد أو شيئان؟ على ما ذكرناه الأظهر أنهما شيء واحد وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح، والصحيح أن النفس جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة يجذب ويخرج، وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج لا يموت ولا يفني، وهو مما له أول وليس له آخر وهو بعينين ويدين وأنه ذو ريح طيب وخبيث كما في حديث أبي هريرة: وهذه صفات الأجسام لا صفات الأعراض اهـ باختصار.\rوروى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». فإن قلت: كيف الجمع بين قول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وبين قوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: 11] وبين قوله: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام: 61]؟ قلت:\rالمتوفي في الحقيقة هو اللّه تعالى، وملك الموت هو القابض الروح بإذن اللّه تعالى والملك الموت اهـ خازن.\rوفي القاموس: وداخلة الازار طرفه الذي يلي الجسد ويلي الجانب الأيمن اهـ.\rقوله: (و يتوفى) الَّتِي لَمْ تَمُتْ أشار به إلى أن هذا معطوف على الأنفس أي: يتوفى الأنفس حين تموت، ويتوفى أيضا الأنفس التي لم تمت في منامها ففي منامها ظرف ليتوفى اهـ سمين.\rقوله: فَيُمْسِكُ الَّتِي الخ أي: لا يردها إلى جسدها، وَيُرْسِلُ الْأُخْرى أي: يردها إلى جسدها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي وقت موتها) هذا يقتضي أن الظرف متعلق بقوله: وَيُرْسِلُ، والأحسن تعلقه به","part":6,"page":435},{"id":2395,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 436\rالمذكور لَآياتٍ دلالات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك\rأَمِ بل اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام آلهة شُفَعاءَ عند اللّه بزعمهم قُلْ لهم أَيشفعون وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً من الشفاعة وغيرها وَلا يَعْقِلُونَ (43) أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك؟ لا\rقُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً أي هو مختص بها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)\rوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أي دون آلهتهم اشْمَأَزَّتْ نفرت وانقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي الأصنام إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)\rقُلِ اللَّهُمَ بمعنى يا اللّه فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وبيمسك أيضا، والأجل المسمى في الممسوكة: هو النفخة الثانية اهـ شيخنا.\rقوله: (بخلاف العكس) أي: لا تبقى نفس التمييز بدون نفس الحياة اهـ شيخنا.\rقوله: (المذكور) أي: من التوفي والإمساك والإرسال لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: في كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية حين الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها وما يعتريها من السعادة والشقاوة، وفي الحكمة في توفيها عن ظواهرها وإرسالها حينا بعد حين إلى توفي آجالها اهـ بيضاوي.\rقوله: (و قريش لم يتفكروا الخ) قدره ليكون قوله: أَمِ اتَّخَذُوا إضرابا انتقاليا عنه فهو إضراب عن مقدر اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الأصنام) بيان للمفعول الأول.\rقوله: أَ (يشفعون) يشير به إلى أن مدخول الهمزة محذوف، وقوله: وَلَوْ كانُوا حال من فاعله أي: أيشفعون في حالة تقدير عدم ملكهم وعدم عقلهم اهـ زاده.\rقوله: (أي هو مختص بها الخ) جواب كيف قال قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً مع ما جاء في الأخبار أن للأنبياء والعلماء والشهداء والأطفال شفاعات؟ وإيضاحه: أنه مختص بها لا يملكها أحد إلا بتمليكه، كما قال من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء:\r28] لكن الذي هو مشروط في الآية شيئان الملك المطلق والعقل والشرط مفقودان اهـ كرخي.\rقوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: فهو مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم دون إذنه ورضاه اهـ خطيب.\rقوله: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ الخ اختار الشيخ أن يكون العامل في إذا الشرطية الفعل بعدها لا جوابها، وأنها ليست مضافة لما بعدها، وإن كان قول الأكثرين، وجعل إذا الفجائية معمولة لما بعدها سواء كانت زمانا أو مكانا، أما إذا قيل إنها حرف فلا تحتاج إلى عامل وهي رابطة لجملة الجزاء بالشرط كالفاء والاشمئزاز النفور والانقباض اهـ سمين.\rقوله: إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وذلك لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق اللّه، ولقد بلغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه، والاشمئزاز أن","part":6,"page":436},{"id":2396,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 437\rمبدعهما عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) من أمر الدين اهدني لما اختلفوا فيه من الحق\rوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا ظهر لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) يظنون\rوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (48) أي العذاب\rفَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الجنس ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أعطيناه نِعْمَةً إنعاما مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ يمتلىء غضبا وغما حتى ينقبض أديم وجهه اهـ بيضاوي.\rقوله: قُلِ اللَّهُمَ الخ المعنى التجىء إلى اللّه بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم، فإنه القادر على الأشياء والعامل بالأحوال كلها اهـ بيضاوي.\rقوله: (بمعنى يا اللّه) يعني: أن أصل اللهم يا اللّه حذفت يا وعوض عنها الميم لقربها من حروف العلة وشددت لتكون على حرفين كالمعوض عنه، ولذا لم يجمع بينهما، فلا يقال: يا أللهم في فصيح الكلام وما سمع من قوله:\rإني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما\r\rفضرورة اهـ كرخي.\rقوله: (اهدني) هذاهو المقصود والمطلوب بالدعاء اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا الخ كلام مستأنف مسوق لبيان آثار الحكم الذي استدعاه النبي وغاية شدته وفظاعته، أي: لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر ومثله معه الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: لَافْتَدَوْا بِهِ أي: بالمذكور من الأمرين أي: لجعلوه فدية لأنفسهم من العذاب الشديد، وهذا وعيد لهم شديد وإقناط لهم من الخلاص اهـ أبو السعود.\rوقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لافتدوا. قوله: وَبَدا لَهُمْ الخ مستأنف أو معطوف على جملة وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا الخ اهـ.\rقوله: ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي: ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في حسابهم، وهذا غاية في الوعيد لا غاية وراءها ونظيره في الوعد قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17] اهـ أبو السعود.\rقوله: سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي: الأعمال السيئة التي هي من جملة أعمالهم التي كسبوها على الإطلاق وهذا البدو والظهور حين تعرض عليهم صحائفهم اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا يجوز أن تكون ما مصدرية أي: سيئات كسبهم، أو بمعنى الذي أي: سيئات أعمالهم التي اكتسبوها.\rقوله: (الجنس) أي: فهذا إخبار عن الجنس بما يفعله غالب أفراده والفاء لترتيب ما بعدها من","part":6,"page":437},{"id":2397,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 438\rمن اللّه بأني له أهل بَلْ هِيَ أي القولة فِتْنَةٌ بلية يبتلى بها العبد وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) أن التخويل استدراج وامتحان\rقَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم، كقارون وقومه الراضين بها فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (50)\rفَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي جزاؤها وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ المناقضة والتعكيس على ما مر من حالتيهم القبيحتين، وما بينهما مؤكد للإنكار عليهم أي: أنهم يشمئزون بذكر اللّه ويستبشرون بذكر آلهتهم، ثم يناقضون أنفسهم إذا مسهم ضر فيدعون من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره اهـ أبو السعود.\rقوله: (إنعاما) أي: تفضلا وإحسانا، فإن التخويل مختص به لا يطلق على ما أعطي جزاء اهـ أبو السعود.\rوتقدم أن المفعول في هذا التركيب محذوف على تفسير الشارح النعمة بالأنعام، وعند قوله:\rثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا.\rقوله: قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ ما موصولة أو كافة، فعلى الأول الهاء عائدة عليها، وعلى الثاني عائدة على النعمة، والتذكير باعتبار كونها بمعنى الإنعام كما قال الشارح اهـ شيخنا.\rوعلى الثاني هي زائدة كما في السمين لأنها هي التي تزاد بعد الحروف النواسخ لتهيئها للدخول على الأفعال.\rقوله: (من اللّه بأني له أهل) أو مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه بمالي من الاستحقاق اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: عَلى عِلْمٍ أي: على علم من اللّه تعالى بأني له أهل، وقيل: إن كان ذلك سعادة في المال أو عافية في النفس يقول: إنما حصل ذلك بجدي واجتهادي، وإن كان صحة قال: إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني، وإن حصل مالا يقول حصل بكسبي، وهذا تناقض أيضا لأنه لما كان عاجزا محتاجا أضاف الكل إلى اللّه تعالى، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن اللّه تعالى وأسنده إلى كسب نفسه وهذا تناقض قبيح اهـ.\rقوله: بَلْ هِيَ (أي القولة) أي: المقالة المذكورة، والأولى كما صنع غيره تفسير الضمير بالنعمة أي: بل النعمة فتنة أي: محنة وابتلاء له يشكر أم يكفر وهذا رد لمقالته اهـ شيخنا.\rقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس اهـ أبو السعود.\rقوله: قَدْ قالَهَا أي: المقالة المذكورة اهـ أبو السعود.\rقوله: (الراضين بها) أشار بهذا إلى أن قومه لم يقولوها بالفعل، وإنما نسب إليهم قولها باعتبار رضاهم بها اهـ شيخنا.\rقوله: فَما أَغْنى أي: دفع عنهم.\rقوله: سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي: جزاء سيئات أعمالهم أو جزاء أعمالهم، وسماه سيئة لأنه في","part":6,"page":438},{"id":2398,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 439\rهؤُلاءِ أي قريش سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) بفائتين عذابنا، فقحطوا سبع سنين ثم وسع عليهم\rأَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) به\r* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا مقابلة أعمالهم السيئة رمزا إلى أن جميع أعمالهم كذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ هؤُلاءِ بيانية أو تبعيضية، وقوله: سَيُصِيبُهُمْ السين للتأكيد اهـ أبو السعود.\rقوله: (فقحطوا سبع سنين) أي: وقتل صناديدهم يوم بدر اهـ خطيب.\rقوله: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا الضمير للقائلين إنما أوتيته على علم، فالمعنى أقالوها ولم يعلموا الخ، أو أغفلوا ولم يعلموا الخ اهـ أبو السعود بتصرف.\rقوله: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسعه لمن يشاء وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحانا.\rويقدر أي: يضيق لمن يشاء وإن كان قويا شديد الحيلة ابتلاء فلا قابض ولا باسط إلا اللّه تعالى، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلا بد لذلك من حكمة وسبب، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله، فإنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السعة اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من التوسع والتضييق اهـ.\rقوله: يُؤْمِنُونَ (به) أي: باللّه اهـ.\rقوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الخ المعنى قل يا محمد ربكم المحسن إليكم يقول يا عبادي الخ اهـ خطيب.\rومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما شدد على الكفار وذكر ما أعد لهم من العذاب، وأوهم لو كان لأحدهم ما في الأرض ومثله معه لافتدى به من عذاب اللّه ذكر ما في إحسانه من غفران الذنوب إذا آمن العبد ورجع إلى اللّه تعالى، وكثيرا ما تأتي آيات الرحمة مع آيات النقمة ليرجو العبد ويخاف، وهذه الآية عامة في كل كافر يتوب ومؤمن عاص يتوب فتمحو توبته ذنبه، وقال عبد اللّه وغيره: هذه أرجى آية في كتاب اللّه تعالى اهـ نهر.\rفقوله: أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: بالكفر أو بالمعاصي، وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس أنه قال: بعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب، وأنا فعلت ذلك كله، فأنزل اللّه: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [مريم: 60]. فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك، فأنزل اللّه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] قال وحشي: أراني بعد في شبهة أن يغفر لي أم لا. فأنزل اللّه: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فقال وحشي: نعم الآن لا أرى شرطا فأسلم اهـ خازن.","part":6,"page":439},{"id":2399,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 440\rتَقْنَطُوا بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمن تاب من الشرك إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)\rوَأَنِيبُوا ارجعوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا أخلصوا العمل لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) بمنعه إن لم تتوبوا\rوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ ثم قال: فإن قلت: حمل هذه الآية على ظاهرها إغراء بالمعاصي وإطلاق في الاقدام عليها وذلك لا يليق. قلت: المراد منها التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة اللّه تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وأنه متى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً أي: بالتوبة إذا تاب وصحت توبته فمحت ذنوبه ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة اللّه تعالى فيه فإن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد وخوف العقاب قائم، فلعل اللّه يغفر مطلقا ولعله يعذب ثم يغفر بعد ذلك اهـ.\rوعبارة النهر: ولما كانت هذه الآية فيها فسحة عظيمة للمسرف أتبعها بأن الإنابة وهي الرجوع مطلوبة مأمور بها، ثم توعد من لم يتب بالعذاب حتى لا يبقى المرء كالمهمل من الطاعة والمتكل على الغفران دون إنابة، انتهت.\rوفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة، منها: إقباله عليهم ونداؤهم، ومنها:\rإضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها: إعادة الظاهر بلفظه في قوله: إِنَّ اللَّهَ، ومنها:\rإبراز الجملة من قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ مؤكدة بإن والفصل باعادة الصفتين اللتين تضمنتها الآية السابقة اهـ سمين.\rقوله: يا عِبادِيَ بحذف الياء وثبوتها مفتوحة سبعيتان. قوله: الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي اهـ بيضاوي.\rيعني: أن الإسراف مجاز لاستعمال المقيد وهو الإفراط في صرف المال في المطلق، ثم تضمينه معنى الجناية ليصح تعديته بعلى والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقيا اهـ شهاب.\rقوله: (بكسر النون) أي: من باب جلس. وقوله: (و فتحها) أي: من باب طرب وسلم، وقوله: (و قرئ بضمها) أي: شاذا من باب دخل، ففي المختار: القنوط اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قنط وقنوط وقانط اهـ.\rقوله: (إن لم تتوبوا) راجع لقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ.\rقوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الخ قال الحسن: أي: ألزموا طاعة اللّه واجتنبوا معصيته فإنه أنزل في القرآن ذكر القبيح لتجتنبوه، وذكر الأحسن لتؤثروه وتأخذوا به خازن.\rوفي البيضاوي: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي: القرآن أو المأمور به دون المنهي","part":6,"page":440},{"id":2400,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 441\rإِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ هو القرآن مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) قبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل\rأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى أصله يا حسرتي أي ندامتي عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي طاعته وَإِنْ مخففة من الثقيلة أي وإني كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) بدينه وكتابه\rأَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي بالطاعة فاهتديت لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) عذابه\rأَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى عنه أو العزائم دون الرخص، أو الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة اهـ.\rقوله: (هو القرآن) تفسير للأحسن، فإن ما أنزل إلينا من ربنا كتب كثيرة أحسنها القرآن اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ الخ جعله معمولا لمقدر كما ترى وجعل غيره المقدر كراهة أن تقول اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (فبادروا قبل) أَنْ تَقُولَ الخ أشار به إلى أنّ أن مفعول من أجله كما قدره، وقدره الزمخشري كراهة أن تقول، وابن عطية أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحوفي أنذرناكم مخافة أن تقول قال الحلبي عقب نقله هذه التقادير: ولا حالجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود أنيبوا ونكر نفس، لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر المتميزة باللجاج الشديد في الكفر أو بالعذاب العظيم، ويجوز أن يراد التكثير أي: نفوس كثيرة وهم الكفار والعصاة المؤمنون اهـ شيخنا.\rقوله: (أصله يا حسرتي) أي: فالألف منقلبة عن ياء المتكلم اهـ نهر.\rوالحسرة الاغتمام والحزن على ما فات اهـ خازن.\rقوله: عَلى ما فَرَّطْتُ أي: على تفريطي وتقصيري فما مصدرية اهـ شيخنا.\rقوله: (أي طاعته) الجنب والجانب كلاهما بمعنى جهة الشيء المحسوسة، وإطلاق الجنب على الطاعة مجاز بالاستعارة حيث شبهت بالجهة بجامع تعلق كل بصاحبه، فالطاعة لها تعلق باللّه كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: عَلى ما فَرَّطْتُ ما: مصدرية أي: على تفريطي، وثم مضاف أي: في جنب طاعة اللّه، وقيل: في جنب اللّه المراد به الأمر والجهة. يقال: هو في جنب فلان وفي جانبه.\rأي: في جهته وناحيته، ثم اتسع فيه فقيل فرط في جنبه أي في حقه اهـ.\rقوله: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي: من المستهزئين بدين اللّه تعالى وأهله ومحل الجملة النصب على الحال. أي: فرطت وأنا ساخر اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالطاعة) في نسخة بألطافه.\rقوله: أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ الخ التعبير بأو للدلالة على أن النفس لا تخلو عن هذه","part":6,"page":441},{"id":2401,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 442\rالْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) المؤمنين، فيقال له من قبل اللّه\rبَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي القرآن وهو سبب الهداية فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ تكبرت عن الإيمان بها وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59)\rوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بنسبة الشريك والولد إليه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) عن الإيمان؟ بلى\rوَيُنَجِّي اللَّهُ من جهنم الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك بِمَفازَتِهِمْ أي بمكان فوزهم من الجنة بأن الأقوال تحسرا وتحيرا وتعللا بما لا طائل تحته اهـ أبو السعود.\rأي: فاو للتنويع لما تقوله النفس في ذلك اليوم، ويصح أن تكون مانعة فتجوز الجمع اهـ.\rقوله: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إما معطوف على كرة، وإما منصوب في جواب التمني، والفرق بين القولين أنه على الأول يكون من جملة المتمنى ويكون إضمار أن جائز إلا واجبا، وعلى الثاني يكون مترتبا على التمني ويكون إضمار أن واجبا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ في نصبه وجهان، أحدهما: عطفه على كرة فإنها مصدر فعطف مصدر مؤول على مصدر مصرح به. والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً. والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون متمنى، ويجوز أن تضمر أن وأن تظهر، والثاني يكون فيه الكون مترتبا على حصول المتمنى، ويجب أن تضمر أن اهـ.\rقوله: (فيقال له من قبل اللّه) أشار به إلى جواب سؤال تقديره أن كلمة بلى مختصة بإيجاب النفي في واحد من تلك المقالات، فكيف صح أن تقع بلى جوابا بالغير منفي؟ فأجاب بأنه لما كان قوله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي وجوابه متضمنا نفي الهداية، لأنها للامتناع كأنه قال ما هداني اللّه. فيقال: بلى قد جاءتك آياتي مرشدة لك الخ اهـ كرخي.\rوالضمير في قول المفسر له راجع للنفس والتذكير باعتبار كونها شخصا كافرا اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو سبب الهداية) يشير إلى أن قوله: (بلى الخ) رد للمقالة الثانية، وهي لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. قال أبو السعود: وقوله تعالى: بَلى قَدْ جاءَتْكَ الخ رد منه تعالى للنفي الذي تضمنه قول القائل: لو أن اللّه هداني، وإنما لم قدم بجنبه لئلا يفصل بين مقالات الكافر الثلاثة، وإنما لم تؤخر المقالة الثانية عن الثالثة حتى يتصل ردها بها لئلا يكون ترتيب النظم مخالفا للترتيب الوجودي، فإن الكافر يتحسر أولا ثم يتعلل ثانيا بعد إرشاد اللّه في الدنيا ثم يتمنى ثالثا الرجوع إليها اهـ.\rقوله: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الموصول إن جعلت الرؤية بصرية، وفي محل المفعول الثاني إن جعلت علمية، والأولى أولى لأن كون الوجوه وألوانها من متعلقات البصر أظهر من كونهما من متعلقات القلب، وقوله: أَلَيْسَ الخ تعليل لاسوداد وجوههم كأنه قال: لأن لهم في جهنم مقرا ومقاما اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: هذا تقرير لاسوداد وجوههم.\rقوله: بِمَفازَتِهِمْ الباء سببية متعلقة بينجي، وفسر المفازة بمكان الفوز، وفسرها غيره بالفوز","part":6,"page":442},{"id":2402,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 443\rيجعلوا فيه لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)\rاللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) متصرف فيه كيف يشاء\rلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (63) متصل بقوله\rوَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا الخ، وما بينهما اعتراض قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ غير منصوب نفسه، وقوله: (من الجنة) حال من المكان أي: حال كونه بعضها، وقوله: (بأن يجعلوا فيه) أي: في ذلك المكان الذي هو من الجنة أي: بأن يدخلوها، وقوله: لا يَمَسُّهُمُ الخ حال من الموصول فيفيد أنهم قبل دخول الجنة في غاية الأمن والسرور اهـ شيخنا.\rوقرأ الأخوان، وأبو بكر: بمفازاتهم جمعا لما اختلفت أنواع المصدر جمع، والباقون بالإفراد على الأصل، وقيل: ثم مضاف محذوف أي: بدواعي مفازاتهم أو بأسبابها، والمفازة المنجاة. وقيل:\rلا حاجة لذلك إذ المراد بالمفازة الفلاح اهـ سمين.\rقوله: لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟\rفقيل: لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الذين اتقوا اهـ سمين.\rقوله: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جملة مستأنفة. والمقاليد: جمع مقلاد مثل مفتاح ومفاتيح أو مقليد مثل منديل ومناديل، والكلام من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومديرها هو الذي يملك مفاتيحها، فهو كناية عن شدة التمكن والتصرف في كل شيء مخزون في السموات والأرض اهـ خطيب.\rوفي السمين: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ جملة مستأنفة. والمقاليد: جمع مقلاد أو مقليد أو لا واحد له من لفظه كأساطير وأخواته، ويقال أيضا: إقليد وأقاليد وهي المفاتيح والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء اهـ.\rوعن عثمان رضي اللّه عنه أنه سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن المقاليد فقال: «تفسيرها لا إله إلا اللّه واللّه أكبر وسبحان اللّه وبحمده وأستغفر اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير». والمعنى على هذا أن للّه هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها أصابه اهـ بيضاوي.\rقوله: (من المطر والنبات) من بيانية وهي بيان للخزائن. قوله: (متصل بقوله وينجي الخ) أي:\rمعطوف عليه أحد المتقابلين على الآخر، وإن كان المعطوف جملة اسمية والمعطوف عليه جملة فعلية، فهذا لا يمنع صحة العطف غايته أنه حال عن حسنه اهـ شيخنا.\rقوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ الخ أي: أبعد مشاهدة الآية الدالة على انفراد أعبد غيره، وأمر بأن يقول لهم ذلك حين دعوه لعبادة آلهتهم وتعظيمها وتقبيلها اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 444\r\rله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ الخ أي: أبعد مشاهدة الآية الدالة على انفراد أعبد غيره، وأمر بأن يقول لهم ذلك حين دعوه لعبادة آلهتهم وتعظيمها وتقبيلها اهـ شيخنا.","part":6,"page":443},{"id":2403,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 444\rبأعبد المعمول لتأمروني بتقدير أن بنون واحدة وبنونين بإدغام وفك\rوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ واللّه لَئِنْ أَشْرَكْتَ يا محمد فرضا لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65)\rبَلِ اللَّهَ قوله: (المعمول لتأمروني) أي: على إضمار أن المصدرية، فلما حذفت بطل عملها على أحد الوجهين فيها، والأصل أتأمرونني بأن أعبد غير اللّه ثم قدم مفعول أعبد على تأمروني العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك لأن غير منصوب بأعبد وأعبد صلة لأن وهو لا يجوز، ورد بأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل يراعى معناه ليصح الكلام اهـ كرخي.\rقوله: (بنون واحدة) أي: مخففة مع فتح الياء لا غير وهذه النون نون الرفع كسرت للمناسبة وحذفت نون الوقاية لاجتماع المثلين وهذه قراءة نافع، وقوله: (بإدغام) وعليه يجوز في الياء السكون والفتح، وقوله: (و فك) عليه فالياء ساكنة لا غير، فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (بإدغام وفك) لف ونشر مرتب للقراءات الثلاث، وإيضاحه، أن من قرأ بالنون الشديدة أدغم نون علامة الرفع في نون الوقاية، ومن قرأ بالتخفيف حذف نون الوقاية على الصحيح وكسر النون التي هي علامة رفع الفعل فتوصل بكسرتها إلى الياء، ومن قرأ بنونين بالفك فعلى الأصل. قال الأزهري: وهو جيد لو لا أن الثابت في المصحف نون واحدة اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ هذه اللام دالة على قسم مقدر أي: واللّه لقد أوحي الخ وإليك قيل هو نائب الفاعل، وقيل: نائبه جملة القسم وجوابه أي: أوحى إليك هذا الكلام وهو لَئِنْ أَشْرَكْتَ الخ، وقيل: نائب الفاعل محذوف يدل عليه السياق أي: أوحى إليك التوحيد، وقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ الخ هذه اللام أيضا دالة على قسم مقدر كما قدره الشارح فكل منهما موطئة للقسم، وقوله: لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ كل من هذين اللامين واقعة في جواب القسم الثاني، والثاني وجوابه جواب الأول، وأما جواب الشرط في قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ فمحذوف لدخول جواب القسم عليه فهو من قبيل قول ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم\rالخ اهـ شيخنا.\rقوله: (فرضا) أي: على سبيل فرض المحال، إذ وقوع الشرك منه محال لعصمته كسائر الأنبياء اهـ شيخنا.\rفإن قلت: الموحي إليه جماعة هو ومن قبله من الرسل فكيف ساغ التوحيد، بل كان الظاهر أن يقال: لئن أشركتم الخ؟. وأجيب: بأن تقدير الآية أُوحِيَ إِلَيْكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ الخ وأوحى إلى الذين من قبلك مثله أي: أوحى إلى كل واحد منهم لئن أشركت الخ كما يقال: كسانا حلة أي: كسى كل واحد منا حلة اهـ خطيب.\rقوله: لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ في المصباح: حبط العمل يحبط من باب تعب حبطا بالسكون وحبوطا فسد وهدر وحبط يحبط من باب ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ، وحبط دم فلان حبطا من باب تعب","part":6,"page":444},{"id":2404,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 445\rوحده فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) إنعامه\rوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته، حين أشركوا به غيره وَالْأَرْضُ جَمِيعاً حال أي السبع قَبْضَتُهُ أي مقبوضة له، أي في ملكه وتصرفه يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ مجموعات بِيَمِينِهِ هدر، وأحبطت العمل والدم بالألف أهدرته اهـ.\rقوله: وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ عطف مسبب على سبب.\rقوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ معطوف على مقدر دل عليه سياق الكلام، أي: فلا تشرك بل اللّه الخ اهـ خطيب.\rقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ الخ من باب ضرب ونصر وفرح اهـ قاموس.\rوفي الجامع الصغير: عن أبي يعلى، وابن السني عن الحسين السبط رضي اللّه عنه، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا البحر أن يقولوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] الآية، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية»، انتهى.\rوآخر الآية الأولى وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ [هود: 42] وآخر الثانية. يُشْرِكُونَ وعن ابن عباس قال: من قرأ هاتين الآيتين فعطب أو غرق فعلى ذلك اهـ من المناوي.\rقوله: وَالْأَرْضُ مبتدأ وقبضته خبره، والجملة في محل نصب على الحال من اسم الجلالة، أي: ما عظموه حق عظمته، والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، وقدم الأرض لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها، ولما كان في دار الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة دون دار الآخرة فالأمر فيها للّه وحده ظاهرا وباطنا. قال: ويوم القيامة اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا أيضا، لأن الدعاوى تنقطع ذلك اليوم كما قال والأمر يومئذ للّه، وقال مالك: يوم الدنيا حسبما تقدم في الفاتحة، ولذلك قال في الحديث: ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وقد زدنا هذا الباب في التذكرة بيانا اهـ.\rوروى الشيخان، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «يطوي اللّه السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون وأين المتكبرون وأين ملوك الأرض» اهـ خازن.\rقوله: (حال) أي: لفظ جميعا حال من الأرض الواقع مبتدأ، أو هذه الحال دالة على أن المراد بالأرض الأرضون، لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع اهـ خطيب.\rفلهذا قال الشارح: أي السبع اهـ.\rقوله: (أي مقبوضة الخ) عبارة القرطبي: والأرض جميعا قبضته أي: أن قبض اللّه الأرض عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: ما فلان إلا في قبضتني يعني ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته، وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء","part":6,"page":445},{"id":2405,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 446\rبقدرته سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) معه\rوَنُفِخَ فِي الصُّورِ النفخة الأولى فَصَعِقَ مات وإذهابه، فقوله عز وجل: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك شاهدان قوله: جَمِيعاً وقوله:\rوَالسَّماواتُ، ولأن الموضع موضع تفخيم فهو مقتض للمبالغة اهـ.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ إن كان هذا الخطاب مع المؤمنين فهم معترفون بقدرة اللّه تعالى ووحدانيته في الدنيا والآخرة فلا فائدة للاحتجاج عليهم، وإن كان المشركين فهم ينكرون الآخرة من أصلها فلا يسوغ الاحتجاج عليهم بهذه الحجة. ويجاب بأن المقصود الإشارة إلى أن المتولي لإبقاء السموات والأرض في هذه الدار هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة، وذلك يدل على قدرته التامة على الإيجاد والاعدام وأن غني على الإطلاق، فإنه إذا حاول تخريب الأرض يقبضها ويزيلها اهـ من الرازي والخطيب.\rقوله: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال: قد انطوى عنا ما كان فيه وجاءنا غيره، وانطوى عنا وهو بمعنى المضي والذهاب، واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك، ومنه قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: 3] يريد به الملك، وقال تعالى: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: 45] أي: بالقوة والقدرة اهـ قرطبي.\rوفي الخازن: وليس عندنا معنى اليمين الجارحة إنما هي صفة بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه اهـ.\rقوله: (مجموعات) أي: كالسجل المطوي. قال صاحب الكشاف: والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعة تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز اهـ.\rوإليه أشار المصنف في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الذي ينفخ في الصور هو إسرافيل عليه السّلام، وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر حتى يؤمران» خرّجه ابن ماجة في السنن. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صاحب الصور وقال: «عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل» اهـ قرطبي.\rقوله: فِي الصُّورِ العامة على سكون الواو، ويزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع صورة، وهذه ترد قول ابن عطية إن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة، وقرئ فصعق مبنيا للمفعول وهو مأخوذ من قولهم صعقتهم الصاعقة. يقال: صعقه اللّه فصعق إلا من شاء اللّه متصل،","part":6,"page":446},{"id":2406,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 447\rوالمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل، وإما رضوان والحور والزبانية، وإما الباري تعالى قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين بأن يكون منقطعا اهـ سمين.\rقوله: (مات) أي: من كان حيا في ذلك الوقت من الملائكة وأهل الأرض يعني وغشي على من كان ميتا من قبل، لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء فيغشى عليهم بالنفخة الأولى حتى على نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: (من الحور والولدان) هذا استثناء من الصعق بمعنى الموت، ويستثنى منه بمعنى الغشي والإغماء موسى عليه الصلاة والسّلام، فإنه لا يصعق من تلك النفخة أي: لا يغشى عليه بل يبقى متيقظا ثابتا لأنه صعق في الدنيا مرة في قصة الجبل فلا يصعق أخرى. وعبارة البيضاوي: فصعق أي خر ميتا أو مغشيا عليه، انتهت.\rوكتب عليه الشهاب ما نصه: قوله: (أو مغشيا عليه) ههنا إشكال أورده بعض السلف، وهو أن نص القرآن يدل على أن هذا الاستثناء بعد نفخة الصعق وهي النفخة الأولى التي مات فيها من بقي على وجه الأرض، والحديث الصحيح المروي في الصحيحين والسنن وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تلا هذه الآية وقال:\r«فأكون أول من يرفع رأسه فإذا موسى عليه الصلاة والسّلام آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى اللّه» فإنه يدل على أنها نفخة البعث. وما قيل إنه يحتمل أن موسى عليه الصلاة والسّلام ممن لم يمت من الأنبياء باطل لصحة موته. وقال القاضي: يحتمل أن تكون هذه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق الأرض والسموات فتتوافق الآيات والأحاديث. قال القرطبي: ويرده ما مرّ في الحديث من أخذ موسى عليه الصلاة والسّلام بقائمة العرش، فإنه إنما هو عند نفخة البعث، وأيضا تكون النفخات أربعا ولم ينقله الثقات، فمن حمل قول المصنف أو مغشيا عليه على غشى يكون من نفخة بعد نفخة البعث للإرهاب والإرعاب فكلامه مردود بما عرفت، ومن الغريب أن بعضهم جعلها بحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه خمسا، وقد سمعنا بمن زاد في الطنبور نغمة، ولم نسمع بمن زاد في الصور نفخة. قال القرطبي: والذي يزيح الإشكال ما قاله بعض مشايخنا أن الموت ليس بعدم محض بالنسبة للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام والشهداء، فإنهم موجودون أحياء وإن لم نرهم، فإذا نفخت نفخة الصعق صعق كل من في السموات والأرض وصعق غير الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام موت وصعقهم غشي، فإذا كانت نفخة البعث حيي من مات وأفاق من غشي عليه، ولذا وقع في الصحيحين فأكون أول من يفيق إذا عرفت هذا، فأوفى كلام المصنف للتقسيم، والمراد أن أهل السماء والأرض عند نفخة الصعق منهم من يخر ميتا كمن على ظهر الأرض من الناس، ومنهم من يغشى عليه كالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وبعض الملائكة فتأمل اهـ.\rفائدة: قال ابن الوردي في خريدة العجائب: ذكر نفخات الصور وهي ثلاث مرات اثنتان منها في آخر الدنيا وواحدة في أول الآخرة.\rذكر النفخة الأولى صاحب الصور هو السيد إسرافيل عليه السّلام وهو أقرب الخلق إلى اللّه عز وجل وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والعرش على كاهله، وأن قدميه قد مرقتا من الأرض","part":6,"page":447},{"id":2407,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 448\rالسفلى حتى بعدتا عنها مسيرة مائة عام على ما رواه وهب. وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «كيف أنتم وأن صاحب الصور قد التقمه ينتظر متى يؤمر فينفخ».\rذكر ما جاء في صورة الصور وهيئته. روي أنه كهيئة قرن فيه ثقب بعدد جميع الأرواح، وله ثلاث شعب شعبة تحت الثرى تخرج منها الأرواح وتتصل بأجسادها، وشعبة تحت العرش منها يرسل اللّه الأرواح إلى الموتى، وشعبة في فم الملك فيها ينفخ نفخة الفزع ويديمها ويطولها فلا يبرح هكذا عاما، وهي المذكور في قوله تعالى: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ [ص: 15] وفي قوله تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: 49] وفي قوله تعالى:\rوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [النمل: 87] قالوا وإذا بدت الصيحة فزعت الخلائق وتحيرت وتاهت، والصيحة تزداد كل يوم مضاعفة وشدة وشناعة، فتنحاز أهل البوادي والقبائل إلى القرى والمدن، ثم تزاد الصيحة وتشتد حتى ينحازوا إلى أمهات الأمصار، وتعطل الرعاة السوائم وتفارقها، وتأتي الوحوش والسباع وهي مذعورة من هول الصيحة فتختلط بالناس وتستأنس بهم، وذلك قوله تعالى: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: 4] ثم تزداد الصيحة هولا وشدة حتى تسير الجبال على وجه الأرض وتصير سرابا جاريا وذلك قوله تعالى:\rوَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ [التكوير: 4] وقوله: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: 5] وزلزلت الأرض وارتجت وانتقضت، وذلك قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [الزلزلة: 1] وقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [المزمل: 14] ثم تكور الشمس وتنكدر النجوم وتسجر البحار والناس أحياء كالواهين ينظرون إليها، وعند ذلك تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وتشيب الولدان، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى من الفزع ولكن عذاب اللّه شديد.\rروى أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس وبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، وبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، وبينما هم كذلك إذ تحركت الأرض فاضطربت، لأن اللّه تعالى جعل الجبال أوتادا، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واضطربت الدواب والطيور والوحوش فماج بعضهم في بعض فقالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر اليقين، فانطلقوا فإذاهي نار تتأجج، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم رحى فأهلكتهم، وهذه من نص القرآن ظاهرة لا يسع المؤمن ردها ولا التكذيب بها. وفي هذه الصيحة تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما، وفيها تتشق السماء فتصير أبوابا، وفيها يحيط سرادق من نار بحافات الأرض فتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي أقطار السماء والأرض، فتتلقاهم الملائكة يضربون وجوههم حتى يرجعوا، وذلك قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا [الرحمن: 33] الآية.\rوالموتى في القبور لا يشعرون بهذه.\rذكر النفخة الثانية في الصور. وذلك قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ","part":6,"page":448},{"id":2408,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 449\rمَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ من الحور والولدان وغيرهما ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فيموتون في هذه النفخة إلا من تناوله الاستثناء في قوله: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.\rذكر ما بين النفختين من المدة. يقال: إن ما بين النفختين أربعون سنة تبقى الأرض على حالها مستريحة بعد ما مرّ بها من الأهوال العظام والزلازل وتمطر سماؤها وتجري مياهها وتطعم أشجارها ولا حي على ظهرها من سائر المخلوقات.\rذكر المطر الذي تنبت منه الأجساد. قالوا: فإذا مضى من النفختين أربعون عاما أمطر اللّه سبحانه وتعالى من تحت العرش ماء خاثرا كالطلاء وكالمني من الرجال. يقال له ماء الحيوان فتنبت أجسامهم كما ينبت البقل. قال كعب: ويأمر اللّه الأرض والبحار والطير والسباع برد ما أكلت من أجساد بني آدم حتى الشعرة الواحدة فتتكلم أجسامهم. قالوا: وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب فإنه يبقى مثل عين الجرادة لا يدركه الطرف فينشئ اللّه الخلق من ذلك العجب، وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في شعاع الشمس، فإذا تم وتكامل نفخ فيه الروح ثم انشق عنه القبر ثم قام خلقا سويا.\rذكر النفخة الثالثة وهي نفخة القيام. وذلك قوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وقوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس: 53] ويجمع اللّه أرواح الخلائق في الصور، ثم يأمر اللّه الملك أن ينفخ فيه قائلا: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة والأعضاء المتمزقة والشعور المنتثرة إن اللّه المصور الخالق يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فيجتمعن، ثم ينادي قوموا للعرض على الجبار فيقومون، وذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [المعارج: 43] وقال تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر: 7] وقال عزّ من قائل: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ق: 44] فإذا خرجوا من قبورهم تتلقى المؤمنون بمراكب من رحمة اللّه كما وعد سبحانه وتعالى بقوله: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً [مريم: 85]، والفاسقون يمشون على أقدامهم ويساقون سوقا وهو قوله تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [مريم: 86] اهـ.\rقوله: (و غيرهما) كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فإنهم لا يموتون بالنفخة الأولى وإنما يموتون بين النفختين اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: واختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش روي مرفوعا من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبد اللّه بن عمر فيما ذكر الثعلبي، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السّلام. وروي من حديث أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تلا: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الآية فقالوا: يا نبي اللّه من هم الذين استثنى اللّه تعالى؟ قال: «هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فيقول اللّه لملك الموت: يا ملك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول: يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت، فيقول اللّه تعالى:\rخذ نفس إسرافيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين، فيقول: مت يا ملك الموت فيموت،","part":6,"page":449},{"id":2409,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 450\rأي جميع الخلائق الموتى قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68) ينتظرون ما يفعل بهم\rوَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ أضاءت فيقول اللّه لجبريل يا جبريل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني، فيقول اللّه تعالى يا جبريل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام». وذكر الرقاشي عن أنس بن مالك، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله عز وجل: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال: «جبريل وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل». وفي هذا الحديث أن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السّلام، وحديث أبي هريرة من أن آخرهم موتا ملك الموت أصح. وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك والزبانية، وقيل: عقارب أهل النار وحياتها. قال القشيري: وحمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند اللّه، فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زاول الحياة، ويجوز أن تكون بالموت اهـ.\rقوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أي: بعد أربعين سنة. وأخرى: مرفوع على النيابة أو منصوب على المصدرية، والنائب الجار والمجرور اهـ شيخنا.\rوفي السمين: يجوز أن يكون أخرى هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي: نفخ فيه نفخة أخرى، ويؤيده التصريح بذلك في قوله: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوز أن يكون القائم مقامه الجار والمجرور، وأخرى منصوب على ما تقدم اهـ.\rقوله: فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ الاستثناء ملاحظ في هذا أيضا كما أشار له بقوله: (الموتى)، وأما من لم يمت كالحور فلا يقال فيه: فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ اهـ شيخنا.\rوالعامة على رفع قيام خبرا، وزيد بن علي على نصبه حالا وفيه حينئذ وجهان، أحدهما: أن الخبر ينظرون وهو العامل في هذه الحال أي: فإذا هم ينظرون قياما. والثاني: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي: فإذا هم مبعوثون أو مجموعون قياما، وإذا جعلنا إذا الفجائية حرفا كما قال بعضهم، فالعامل في الحال إما ينظرون وإما الخبر المقدر اهـ.\rقوله: (أضاءت) إضاءة عظيمة حتى تميل إلى الحمرة، والمراد بالأرض الجديدة التي يوجدها اللّه في ذلك الوقت لتحشر الناس عليها، وليس المراد بها أرض الدنيا لقوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [إبراهيم: 48] وقوله: (حين يتجلى) الخ أي: فيراه الخلق رؤية حقيقية كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«سترون ربكم لا تضارون فيه كما لا تضارون في الشمس في اليوم الصحو» اهـ خطيب.\rوفي البيضاوي: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها بما أقام فيها من العدل سماه نورا لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما سمى الظلم ظلمة. وفي الحديث: «للظلم ظلمات يوم القيامة» ولذلك أضاف اسمه إلى الأرض اهـ.","part":6,"page":450},{"id":2410,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 451\rبِنُورِ رَبِّها حين يتجلى لفصل القضاء وَوُضِعَ الْكِتابُ كتاب الأعمال للحساب وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ أي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ أي العدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) شيئا\rوَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي جزاءه وَهُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِما يَفْعَلُونَ (70) فلا يحتاج إلى شاهد\rوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعنف إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً جماعات وفي القرطبي: وقيل إن اللّه يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به، وقال ابن عباس: النور المذكور ههنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه اللّه تعالى فتضيء به الأرض اهـ.\rقوله: وَوُضِعَ الْكِتابُ أي: جنسه، أي: أعطى كل واحد من الخلائق كتابه بيمينه أو شماله اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وَوُضِعَ الْكِتابُ قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ، وقال قتادة: يريد الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم فآخذ بيمينه وآخذ بشماله اهـ.\rقوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ أي: ليدعوا على أممهم أنهم بلغوهم الرسالة، وذلك أن اللّه يجمع الخلائق الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير، فينكرون ويقولون ما جاءنا من نذير. فيسأل اللّه الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة للحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا فيؤتى بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية: من أين علموا، وإنما كانوا بعدنا، فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلت إلينا رسولا وأنزلت علينا كتابا أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأله اللّه عن أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وَالشُّهَداءِ الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل اللّه فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين اللّه قاله السدي، وقال ابن زيدهم: الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم قال اللّه تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: 21] فالسائق يسوقها إلى الحساب، والشهيد يشهد عليها وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في ق اهـ.\rقوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ الخ لما بيّن تعالى أنه يوصل لكل ذي حق حقه عبّر عن هذا المعنى بأربع عبارات، أولاها قوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ الثانية: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الثالثة: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ الرابعة: وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: (فلا يحتاج إلى شاهد) ولا إلى كاتب، لأنه عالم بمقادير أفعالهم وبكيفياتها فامتنع دخول الخطأ عليه اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: ولا حاجة به تعالى إلى كتاب ولا إلى شاهد ومع ذلك فتشهد الكتب والشهود إلزاما للحجة اهـ.\rقوله: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ تفصيل لتوفيه الحقوق، وبدأ بأهل النصب والتعب بقوله:","part":6,"page":451},{"id":2411,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 452\rمتفرقة حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها جواب إذا وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ القرآن وغيره وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ الآية عَلَى الْكافِرِينَ (71)\rقِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها مقدرين الخلود فَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) جهنم\rوَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بلطف إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ اهـ خطيب.\rقوله: زُمَراً جمع زمرة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت، لأن الجماعة لا تخلو عنه غالبا اهـ أبو السعود.\rقوله: (جماعات متفرقة) عبارة الخطيب: جماعات في تفرقة بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها حتى هذه هي الابتدائية التي تبتدأ الجمل بعدها اهـ أبو السعود.\rقوله: رُسُلٌ مِنْكُمْ أي: جنسكم. قوله: (القرآن) أي: بالنسبة لأمة محمد، وقوله: (و غيره) أي: بالنسبة لبقية الأمم اهـ شيخنا.\rقوله: لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا فإن قيل: لم أضيف اليوم إليهم؟ أجيب: بأن المراد به وقت الشدة لا يوم القيامة جميعه. قال الزمخشري: وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة اهـ خطيب.\rقوله: قالُوا بَلى أي: قد أتونا وأنذرونا اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلَى الْكافِرِينَ المقام للإضمار أي: علينا وجيء بالظاهر لبيان سبب استحقاقهم العذاب وهو كفرهم وقوله: الْمُتَكَبِّرِينَ المقام للإضمار أيضا أي: مثواكم وجيء بالظاهر لبيان سبب كفرهم الذي استحقوا به العذاب اهـ شيخنا.\rقوله: قِيلَ ادْخُلُوا أي: قيل لهم من قبل الملائكة الموكلين بعذابهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ الخ أي: سوق إعزاز وتشريف للإسراع بهم إلى دار الكرامة، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي: سيقت مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين اهـ أبو السعود.\rقوله: (بلطف) وقوله فيما سبق بعنف السوق الحث على السير على وجه الإكرام أو الإهانة.\rوعبارة الخطيب: فإن قيل: السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يساقوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأي حاجة إلى سوقهم؟ أجيب: بأن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين وحثها إسراعا إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين هذا سوق تشريف وإكرام وذاك سوق إهانة وانتقام،","part":6,"page":452},{"id":2412,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 453\rحَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها الواو فيه للحال بتقدير قد وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ حال فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73) مقدرين الخلود فيها، وجواب إذا مقدر أي دخلوها وسوقهم وفتح وهذا من بدائع أنواع البديع، وهو أن يأتي سبحانه وتعالى بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم وعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني متمكن المعاني عذب الموارد والمثاني.\rقوله: زُمَراً أي: جماعات أهل الصلاة على حدة، وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك اهـ خطيب.\rقوله: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها معطوف على الشرط اهـ.\rقوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي: لا يعتريكم بعده مكروه وقوله: طِبْتُمْ أي: طهرتم من دنس المعاصي اهـ بيضاوي.\rوقوله: (حالا) منصوب على التمييز المحول عن الفاعل، وأشار به إلى أن طبتم تمييزه محذوف أي: طابت حالكم وحسنت اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ أي: في الدنيا. قال مجاهد: بطاعة اللّه، وقيل: بالعمل الصالح حكاه النقاش، والمعنى واحد. وقال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقضى لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذاهذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه: سلام عليكم بمعنى التحية طبتم فادخلوها خالدين. قلت: خرّج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يخلص المؤمنون من النار ويحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقضى لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى أي: أعرف بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» وحكى النقاش: أن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون من إحداهما فتطهر أجوافهم، فذلك قوله تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الانسان:\r21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أجسادهم فعندها يقول لهم خزنتها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، وهذا يروى معناه عن علي رضي اللّه عنه اهـ.\rقوله: (و جواب إذا مقدر) عبارة السمين: في جواب إذا ثلاثة أوجه، أحدها: قوله: وَفُتِحَتْ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش، وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون مغلقة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه، فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها. والثاني: أن الجواب قوله: وقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها على زيادة الواو أيضا أي: حتى إذا جاؤوها قال لهم خزنتها. الثالث: أن الجواب محذوف، قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعد خالدين اهـ.\rيعني لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط ما عطف عليه، والتقدير اطمأنوا، وقدره المبرد سعدوا","part":6,"page":453},{"id":2413,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 454\rالأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم، وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرها إليهم إهانة لهم\rوَقالُوا عطف على دخلوها المقدر الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بالجنة وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي أرض الجنة نَتَبَوَّأُ ننزل مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ لأنها كلها لا يختار فيها مكان على مكان فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74) الجنة\rوَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ حال مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وعلى هذين الوجهين، فتكون الجملة من قوله: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها في محل نصب على الحال، وسمى بعضهم هذه الواو واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية، وكذا قالوا في قوله تعالى:\rوَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: 22] وقيل: تقديره حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط ولكنه يزيد بتقييده بالحال فلذلك صح اهـ.\rقوله: (و سوقهم) مبتدأ، وقوله: (تكرمة) خبره وكذا يقال فيما بعده.\rقوله: الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ (بالجنة) أي: في قوله: (تلك الجنة) التي نورث من عبادنا من كان تقيا اهـ خطيب.\rقوله: وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي: مكننا من التصرف فيها تصرف الوارث فيما يرثه، ففي الكلام تجوز، والمراد أورثنا الأرض من آدم لأنها كانت في أول الأمر له لقوله تعالى: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما [البقرة: 35] فلما عادت إلى أولاده كان ذلك إرثا لها منه اهـ شيخنا.\rوقيل: المراد أورثنا أرض الجنة التي كانت للكفار لو آمنوا قرطبي.\rقوله: حَيْثُ نَشاءُ ظرفية على بابها وهي مفعول به، والمراد حيث يشاء كل واحد من الذي أعد له فهو يتخير في منازل قسمه فلا يختار أحد مكان غيره، وقيل: إن أمة محمد يدخلون الجنة قبل الأمم فينزلون فيها حيث شاؤوا أي: يتخير كل واحد منهم أين ينزل تكرمة له وإن كان لا يختار إلا ما قسم له، وأما بقية الأمم فيدخلون بعد أمة محمد فينزلون فيما فضل عنهم اهـ خازن وخطيب.\rوفي الكرخي: الجنة نوعان الجنات الجسمانية والجنات الروحانية، فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة وأما الجنات الروحانية فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها لآخرين اهـ.\rوفي الخازن: فإن قلت: فما معنى قوله: حَيْثُ نَشاءُ وهل يتبوأ أحد مكان غيره؟ قلت:\rيكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وحسنا وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث يشاء ولا يحتاج إلى غيرها اهـ.\rقوله: فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ من كلام اللّه تعالى.\rقوله: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ الخ لما ذكر سبحانه وتعالى ما أعطيه المؤمنون من الدرجات أتبعه بذكر أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات وبيان مستقرهم في الجنة وهم الملائكة فقال صارفا الخطاب لأشرف الخلق لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: وترى يا محمد في ذلك اليوم الملائكة أي:\rالقائمين بجميع ما عليهم من الحقوق، وقوله: مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي: جوانبه التي يمكن الحفوف","part":6,"page":454},{"id":2414,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 455\rمن كل جانب منه يُسَبِّحُونَ حال من ضمير حافّين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان اللّه وبحمده وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين جميع الخلائق بِالْحَقِ أي العدل، فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75) ختم استقرار الفريقين بالحمد من الملائكة. واللّه سبحانه وتعالى أعلم.\rبها فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتمجيد والتقديس وإدخال من يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا اللّه لا يملؤون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي أن من زائدة اهـ خطيب.\rأي: فهي ابتدائية كما حكاه البيضاوي أيضا.\rقوله: حَافِّينَ أي: محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه اهـ خازن.\rوعبارة السمين: قوله: حَافِّينَ جمع حاف وهو المحدق بالشيء من خففت بالشيء إذا أحطت به وهو مأخوذ من الحفاف وهو الجانب. وقال الفراء، وتبعه الزمخشري: لا واحد لحافين من لفظه وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون حافا أن الحفوف هو الإحداق بالشيء والإحاقة به، وهذا لا يتحقق إلا في جمع اهـ.\rقوله: (أي يقولون سبحان اللّه وبحمده) أي: تلذذا لا تعبدا وتكليفا لأن التكليف يزول في ذلك اليوم، وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى اهـ كرخي.\rقوله: (ختم استقرار الفريقين الخ) أي: كما ابتدأ ذكر الخلق بالحمد للّه في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 1] فنبه بذلك على تحميد في بداية كل أمر وخاتمته اهـ خطيب.\rقوله: (بالحمد من الملائكة) أي: أو من المؤمنين على عدله فالحمد الأول على صدق الوعد وإيراث الجنة وهذا على القضاء بالحق. قال الطيبي: الحمد الأول للتفرقة بين الفريقين بحسب الوعد والوعيد من السخط والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان فريق في الجنة وفريق في السعير، فتكون الآية الثانية كالتتميم بالنسبة إلى الأولى في إتمام القضاء وعلى الثاني كالتكميل لأن ذلك القضاء في حق بني آدم وهذا في حق الملائكة، ويؤيد التأويل الثاني تكرير الحمد في الآيتين اهـ.\rوالأول هو الظاهر واللّه أعلم بمراده فلا يرد ما وجه تكرار حمد المؤمنين اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: يقول المؤمنون الحمد للّه على إثابتنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا. وقال قتادة: في هذه الآية افتتح اللّه أول الخلق بالحمد للّه فقال:\rالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال:\rوَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فلزم الاقتداء به والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وفي خاتمته بحمده، وقيل: إن قول الحمد للّه رب العالمين من قول الملائكة، فعلى هذا يكون حمدهم","part":6,"page":455},{"id":2415,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 456\rللّه تعالى على عدله وقضائه. وروي من حديث ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ على المنبر آخر الزمر، فتحرك المنبر مرتين اهـ.\rواللّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. وكان الفراغ من تحرير هذا الجزء يوم السبت المبارك لست وعشرين خلت من شهر الحجة الحرام ختام سنة سبع وتسعين بعد المائة والألف. يتلوه الجزء الرابع بحول اللّه تعالى وتيسيره من سورة غافر. نسأل اللّه الإعانة على التمام والإكمال كما أعان على الابتداء والافتتاح، والحمد للّه أولا وآخرا، وصلى على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين آمين.","part":6,"page":456},{"id":2416,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 457\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة غافر مكية إلا الَّذِينَ يُجادِلُونَ الآيتين. وهي خمس وثمانون آية\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rوتسمى سورة المؤمن وسورة الطول، وفي مسند الدارمي عن سعد بن إبراهيم قال: كانت الحواميم تسمى العرائس، وروي من حديث أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الحواميم ديباج القرآن».\rوعن ابن مسعود: آل حم ديباج القرآن، وقال الجوهري، وأبو عبيدة: آل حم سور في القرآن، فأما قول العامة الحواميم فليس من كلام العرب. وقال أبو عبيدة: الحواميم سورة في القرآن على غير قياس، وقال: والأولى أن تجمع بذوات حم. وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لكل شيء ثمرة وإن ثمرة القرآن ذوات حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات من أحب أن يرتفع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم» وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب» ذكرهما الثعلبي اهـ قرطبي.\rوعن ابن عباس: قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم». اهـ خازن.\rوقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «الحواميم سبع وأبواب النار سبعة جهنم والحطمة ولظى والسعير وسقر والهاوية والجحيم تجيء كل حم منهم يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرؤني» اهـ خطيب.\rفتلخص من مجموع هذه الأخبار أن هذه السورة السبع تسمى الحواميم، وتسمى آل حم، وتسمى ذوات حم فلها جموع ثلاثة خلافا لمن أنكر الأول منها تأمل. قوله: (مكية) وكذا بقية الحواميم مكيات. قوله: (الآيتين) أولاهما: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ [غافر: 56] الخ. والثانية: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [غافر: 57] الخ. هذا هو المراد بالآيتين كما نص على السيوطي في الإتقان. وفي لب الأصول في أسباب النزول، ومنه تعلم أن عبارة الشارح سقط منها لفظة إن، ولعل السقط من قلم الناسخ، فصواب العبارة: إن الذين يجادلون الخ كما عبّر به غيره اهـ شيخنا.\rقوله: (خمس وثمانون آية) وقيل: اثنتان وثمانون آية اهـ قرطبي.","part":6,"page":457},{"id":2417,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 458\rحم (1) اللّه أعلم بمراده به\rتَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (2) بخلقه\rغافِرِ الذَّنْبِ للمؤمنين وَقابِلِ التَّوْبِ لهم مصدر شَدِيدِ الْعِقابِ للكافرين أي مشدّده ذِي الطَّوْلِ أي الإنعام الواسع، وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات، قوله: حم العامة على سكون الميم كسائر الحروف المقطعة، وقرأ الزهري برفع الميم على أنها خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر ما بعدها وابن أبي إسحاق وعيسى بفتحها وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أنها منصوبة بفعل مقدر أي: اقرأ حم، وإنما منعت من الصرف للعلمية والتأنيث أو للعلمية وشبه العجمة، وذلك أنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل. والثاني: أنها حركة بناء تخفيفا كأين وكيف، وقرأ أبو السماك بكسرها اهـ سمين.\rقوله: (اللّه أعلم بمراده به) وقيل: هو اسم من أسماء اللّه كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: مفاتيح خزائنه، وقال ابن عباس: حم اسم اللّه الأعظم، وعنه أيضا: حم اسم من أسماء اللّه تعالى، وقال قتادة:\rحم اسم من أسماء القرآن، وقال مجاهد: مفاتح السور، وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميد وحليم وحكيم وحنان، والميم افتتاح اسمه مالك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ومؤمن ومهيمن يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما حم فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «بدء أسماء وفواتح سور» اهـ قرطبي.\rقوله: وَقابِلِ التَّوْبِ إدخال الواو في هذا الوصف لإفادة الجمع للمذنب التائب بين قبول توبته ومحو ذنبه اهـ عمادي.\rوعبارة البيضاوي: وتوسيط الواو بين الأولين لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة أو لتغاير الوصفين، إذ ربما ينوهم الاتحاد، انتهت.\rقوله: (مصدر) في المختار: التوب الرجوع عن الذنب وبابه قال وتوبة أيضا، وقال الأخفش:\rوالتوب جمع توبة كدوم ودومة اهـ.\rقوله: (أي الإنعام الواسع) عبارة القرطبي: وأصل الطول الإنعام والفضل يقال منه: اللهم طل علينا أي: أنعم وتفضل. قال ابن عباس: ذي الطول ذي النعم، وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة، ومنه قوله تعالى: مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء: 25] أي: سعة وغنى، وقال عكرمة: ذي الطول ذي المن. قال الجوهري: والطول بالفتح المن يقال منه طال يطول من باب قال إذا امتن عليه، وقال محمد بن كعب: ذي الطول ذي التفضل. قال الماوردي: والفرق بين المن والفضل أن المن عفو عن ذنب والتفضل إحسان غير مستحق، والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره، وقيل: لأنه طالت مده إنعامه اهـ.\rقوله: (بكل من هذه الصفات) أي: الأربع غافر وما بعدها، وقوله: (فإضافة المشتق منها) تفريع على قوله: (على الدوام) والمشتق منها هو الثلاثة الأول، وقوله: (كالأخيرة) وهي ذي الطول. وغرضه بقوله: (و هو موصوف الخ) الإشارة إلى جواب إيراد صرح به غيره، وحاصله إن هذه الصفات الثلاث مشتقات وإضافة المشتق لا تفيده تعريفا فكيف وقعت صفات للمعرفة؟ وحاصل الجواب: أنها إذا قصد","part":6,"page":458},{"id":2418,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 459\rفإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) المرجع\rما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ القرآن إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4) للمعاش سالمين فإن بها الدوام تعرفت بالإضافة. وعبارة السمين: قوله: غافِرِ الذَّنْبِ وقابل التوب شديد العقاب في هذه الأوصاف ثلاثة أوجه، أحدها: أنها كلها صفات للجلالة كالعزيز العليم، وإنما جاز وصف المعرفة بهذه وإن كانت إضافتها لفظية لأنه يجوز أن تجعل إضافتها معنوية فتتعرف بالإضافة، فقد نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة ولم يستثن غيره وهم الكوفيون شيئا، فيقولون في نحو حسن الوجه: إنه يجوز أن تصير إضافته محضة، وعلى هذا فقوله شديد العقاب من باب الصفة المشبهة، فكيف جاز جعله صفة للمعرفة مع أنه لا يتعرف بالإضافة؟ والجواب: بالتزام مذهب الكوفيين، وهو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمحض إضافتها فتكون معرفة. الثاني: أن الكل أبدال لأن إضافتها غير محضة. الثالث: أن غافر وقابل نعتان، وشديد العقاب بدل، انتهت.\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا وهي حال لازمة، وقال أبو البقاء:\rيجوز أن يكون صفة. قال ابن عادل: وهذا على ظاهره فاسد لأن الجملة لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب لأنه لم يتعرف عنده بالإضافة والقول في إليه المصير كالقول في الجملة قبله، ويجوز أن يكون حالا من الجملة قبله اهـ كرخي.\rقوله: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ أي: بالطعن فيها واستعمال المقدمات الباطلة لإدحاض الحق كقوله تعالى: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ هذا هو المراد، وأما الجدال فيها بحل مشكلاتها وكشف معضلاتها فمن أعظم الطاعات اهـ أبو السعود وبيضاوي.\rوفي الخطيب تنبيه: الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل. أما الأول:\rفهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام قال تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] وحكي عن قوم نوح قولهم: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا [هود: 32]. وأما الثاني: فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية. فجدالهم في آيات اللّه هو قولهم مرة هذا سحر، ومرة هو شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ومرة إنما يعلمه بشر وأشباه هذا اهـ.\rقوله: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ الخ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم ووعيد لهم، والفاء لترتيب النهي أو وجوب الانتهاء على ما قبلها من التسجيل عليهم بالكفر الذي لا شيء أمقت منه عند اللّه ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة اهـ أبو السعود.\rوهذا جواب لشرط مقدر أي: إذا تقرر عندك أن المجادلين في آيات اللّه كفار فلا يغررك الخ اهـ زاده.\rأي: فلا يغررك إمهالهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة، فإنهم مأخوذون عن قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ الخ اهـ بيضاوي.","part":6,"page":459},{"id":2419,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 460\rعاقبتهم النار\rكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ كعاد وثمود وغيرهما مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ يقتلوه وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا يزيلوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ بالعقاب فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (5) لهم؟ أي هو واقع موقعه\rوَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الآية عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (6) بدل من كلمة\rالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ مبتدأ وَمَنْ حَوْلَهُ عطف قوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل أهل مكة، وقوله: مِنْ بَعْدِهِمْ أي: بعد قوم نوح اهـ شيخنا.\rقوله: لِيَأْخُذُوهُ أي: ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيبه وقتله من الأخذ بمعنى الأسر اهـ بيضاوي.\rيعني: أنه ليس المراد بالأخذ ظاهره، بل هو كناية عن التمكن من إيقاع ما يريدونه به لأن من أخذ شيئا تمكن من الفعل فيه، والتمكن من القتل لا يستلزمه إذ المتمكن من الشيء قد لا يفعله اهـ شهاب.\rقوله: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي: وعيده. أي: كما وجب وثبت حكمه وقضاؤه بالتعذيب على أولئك الأمم المكذبة المتحزبة على رسلهم بالباطل لإدحاض الحق وجب أيضا على الذين كفروا بك وتحزبوا عليك وهموا بما لم ينالوا، كما ينبىء عنه بإضافة اسم الرب إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن ذلك للإشعار بأن وجوب كلمة العذاب عليهم من أحكام تربيته التي من جملتها نصرته على أعدائه وتعذيبهم اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: الكاف يحتمل أن تكون مرفوعة المحل على خبر مبتدأ مضمر أي: والأمر كذلك، ثم أخبر بأنه حقت كلمة اللّه عليهم بالعذاب، ويحتمل أن تكون نعتا لمصدر محذوف أي: مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب على الكفرة الخ اهـ.\rقوله: (بدل من كلمة) أي: بدل الكل أو الاشتمال على إرادة اللفظ أو المعنى اهـ بيضاوي.\rوقوله: (على إرادة اللفظ أو المعنى) لف ونشر مرتب، فإن قوله: أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ في محل رفع على أنه بدل من كلمة ربك بدل كل من كل نظرا إلى لفظ كلمة ربك، واتحاد مدلوله مع مدلول البدل صدقا، أو بدل اشتمال نظرا إلى أن معناه وعيده إياهم بقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* أو حكمه الأزلي بشقاوتهم اهـ زاده.\rقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وهم أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا اهـ أبو السعود.\rوهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية وهم على صورة الأوعال، وجاء في الحديث: «أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل اللّه الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فينصعق وجناحان يصفق بهما في الهواء. يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم أي: محل عقد الإزار، وقيل: إن أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهلها أشد خوفا من أهل السادسة","part":6,"page":460},{"id":2420,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 461\rعليه يُسَبِّحُونَ خبره بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان اللّه وبحمده وَيُؤْمِنُونَ بِهِ تعالى ببصائرهم، أي يصدقون بوحدانيته وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يقولون رَبَّنا وهكذا. وفي الخبر: «إن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء وسماء، وفوق ظهورهم العرش» ذكره القشيري وخرجه الترمذي من حديث ابن عباس بن عبد المطلب، واستفيد منه أن حمل الملائكة للعرش على ظهورها، فهذا لا ينافي ما في بعض الأحاديث من أن رؤوسهم تخرق العرش فتكون فوقه لإمكان طول أعناقهم بحيث تجاوز ظهورهم مسافة طويلة، فإن قيل: إذا لم يكن فيهم صورة وعل فكيف سموا أوعالا؟ وأجيب: بأن وجه الثور إذا كانت له قرون أشبه الوعل، والوعل كما في القاموس بفتح أوله وثانيه وبكسر ثانيه وبسكونه التيس من الوعول أي:\rالذكر منها، والوعول هي الشياه الجبلية ونصه الوعل تيس الجبل، وقال أيضا: والتيس الذكر من الظباء أو المعز أو الوعول اهـ.\rوأما صفة العرش فقيل: إنه جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات خلقا ويكسى كل يوم ألف لون من النور، وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة وهكذا، وقيل: إن العرش قبلة لأهل السماء كما أن الكعبة قبلة لأهل الأرض، وقوله: وَمَنْ حَوْلَهُ وهم الكروبيون بالتخفيف وهم سادات الملائكة. قال وهب بن منبه:\rإن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضهم هلل هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن وراء هؤلاء سبعين ألف صف قيام أيديهم إلى أعناقهم واضعين لها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك اللهم وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت اللّه لا إله غيرك والخلق كلها إليك راجعون، ومن وراء هؤلاء مائة صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا يسبح بتسبيح لا يسبحه الآخر ما بين جناحي أحدهم ثلاثمائة عام، وما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه أربعمائة، واحتجب اللّه من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابا من نور وسبعين حجابا من ظلمة، وسبعين حجابا من نور أبيض وسبعين حجابا من ياقوت أحمر، وسبعين حجابا من زبرجد أخضر وسبعين حجابا من ثلج، وسبعين حجابا من ماء، وسبعين حجابا من برد وما لا يعلمه إلا اللّه عز وجل اهـ خازن، مع بعض زيادة من القرطبي والخطيب في سورة الحاقة.\rقوله: (أي يقولون سبحان اللّه وبحمده) قال شهر بن حوشب: حملة العرش يوم القيامة ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على علمك وحلمك، وأربعة منهم يقولون:\rسبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك اهـ خازن.\rقوله: (ببصائرهم) إشارة إلى جواب سؤال صرح به الخازن بقوله: فإن قلت: الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فما فائدة قوله: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ؟ اهـ.\rوأجاب عنه بجواب غير ما قصده الشارح، وحاصل مراده أن التسبيح من وظائف اللسان والإيمان من وظائف القلب، والأول لا يغني عن الثاني اهـ.","part":6,"page":461},{"id":2421,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 462\rوَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً أي وسع رحمتك كل شيء، وعلمك كل شيء فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الشرك وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ دين الإسلام وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (7) النار\rرَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ عطف على هم في وأدخلهم، أو في وعدتهم مَنْ وفي البيضاوي: أخبر عنهم بالإيمان إظهارا لفضله وتعظيما لأهله ومساق الآية لذلك اهـ.\rيعني: أن الملائكة خصوصا الخواص منهم لا يتصور منهم عدم الإيمان حتى يخبر به عنهم هنا، فليس فيه فائدة الخبر ولا لازمها لأنه يفهم من تسبيحهم حامدين فدفعه بأن المقصود من ذكره مدح الإيمان وتعظيم أهله اهـ شهاب.\rقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال شهر بن حوشب: وكأنهم يرون ذنوب بني آدم ويستغفرون لهم، وقيل: هذا الاستغفار في مقابلة قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ البقرة:\r30] فلما صدر هذا منهم أولا تداركوه بالاستغفار لهم وهو كالتنبيه لغيرهم، فيجب على من تكلم في أحد بشيء يكرهه أن يستغفر له اهـ خازن.\rقوله: (يقولون) رَبَّنا أي: يقولون في كيفية الاستغفار، وهذا القول المقدر في محل نصب على الحال من فاعل يستغفرون اهـ شيخنا.\rقوله: رَحْمَةً وَعِلْماً منصوبان على التمييز المحول عن الفاعل، كما أشار له الشارح ببيان أصل التركيب فأزيل التركيب عن أصله للمبالغة في وصفه تعالى بالرحمة والعلم وتقديم الرحمة على العلم لأنها المقصود بالذات في ذلك الوقت اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: قوله: (أي وسع رحمتك الخ) أشار به إلى أن رحمة وعلما انتصبا على التمييز المنقول من الفاعل كما تقدم في تقديره في نظائره وتقديم الرحمة، لأنها المقصودة بالذات ههنا قاله البيضاوي. يعني: لأن المقام مقام الاستغفار وإلّا فالعلم متقدم ذاتا اهـ.\rقوله: (من الشرك) أي: وإن كان عليهم ذنوب. قوله: وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي: اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم، فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ولا يبدل القول لديك، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء وإن الخلق عبيدك اهـ خطيب.\rقوله: وَمَنْ صَلَحَ في محل نصب إما عطفا على مفعول أدخلهم، وإما على مفعول وعدتهم، وقال الفراء والزجاج: نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في أدخلهم، وإن شئت على الضمير في وعدتهم، والعامة على فتح لام صلح يقال: صلح من باب دخل فهو صالح، وابن أبي عبلة يضمها يقال: صلح فهو صليح، والعامة على وذرياتهم جمعا وعيسى وذريتهم إفرادا اهـ سمين.\rوفي الكرخي: قوله: (عطف على هم في وأدخلهم أو في وعدتهم) أي: والأول هو الظاهر أي:\rوأدخل من صلح الخ. أي: ساو بينهم ليتم سرورهم، وعلى الثاني يكون لبيان عموم الوعد، فإن قيل:\rفعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وبين قوله: وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وهو لا يجوز. فالجواب: أن التفاوت حاصل من وجهين، الأول: أن يكون","part":6,"page":462},{"id":2422,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 463\rآبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) في صنعه\rوَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أي عذابها وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ من قبل الملائكة وهم يمقتون أنفسهم عند دخولهم النار لَمَقْتُ اللَّهِ إياكم قوله: وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ دعاء مذكورا للأصول، قوله: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ دعاء مذكورا للفروع وهو الآباء والأزواج والذريات. الثاني: أن يكون قوله: وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ مقصورا على إزالة عذاب الجحيم، وقوله: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة والحساب والسؤال اهـ.\rفيكون تعميما بعد تخصيص وفي الخازن: قيل: إذا دخل المؤمن الجنة قال أين أبي أين أمي أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم فإذا اجتمع بأهله في الجنة كان أكمل لسروره ولذاته اهـ.\rقوله: (في وأدخلهم) أي: ربنا وأدخلهم جنات عدن وأدخل معهم هؤلاء الفرق الثلاثة ليتم سرورهم بهم، وقوله: (أو في وعدتهم)، والأول أولى لأن الدعاء لهم بالإدخال عليه صريح، وعلى الثاني ضمني أفاده أبو السعود.\rقوله: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ الضمير راجع للمعطوف وهو الآباء والأزواج والذرية أفاده أبو السعود.\rقوله: يَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جملة غير موجودة في الكلام، بل متصيدة من السياق وتقديرها: يوم إذ تدخل من تشاء الجنة ومن تشاء النار المسببة عن السيئات وهو يوم القيامة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: التنوين عوض من جملة محذوفة، ولكن ليس في الكلام جملة مصرح بها عوض منها هذا التنوين بخلاف في قوله تعالى: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [الواقعة: 84] أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم لتقدمها في اللفظ، فلا بد من تقدير جملة يكون هذا عوضا عنها تقديره: يوم إذ تؤاخذ بها اهـ.\rقوله: (و ذلك) الإشارة إلى ما ذكر من الرحمة ووقاية السيئات أفاده أبو السعود، وفي الكرخي:\rوَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع، وبأفعال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في بيان أحوال الكفرة بعد دخولهم النار بعد ما بين فيما سبق أنهم أصحاب النار يُنادَوْنَ أي: من مكان بعيد وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها أو مقت بعضهم بعضا كقوله تعالى: يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت: 25] أي: ابغضوها أشد البغض وانكروها أشد الإنكار واظهروا ذلك على رؤوس الاشهاد، فيقال لهم عند ذلك لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي: لمقت اللّه أنفسكم الأمارة بالسوء أو مقته إياكم في الدنيا إذ توعدون من جهة الأنبياء إلى الإيمان فتأبون قبوله فتكفرون اتباعا لأنفسكم الأمارة ومسارعة إلى هوها، واقتداء بأخلائكم المضلين أو استحبابا لآرائهم أكبر من","part":6,"page":463},{"id":2423,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 464\rأَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ في الدنيا إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10)\rقالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ إماتتين وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ إحياءتين لأنهم نطفا أموات، فأحيوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا بكفرنا بالبعث فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا مِنْ سَبِيلٍ (11) طريق؟ وجوابهم: لا\rذلِكُمْ أي العذاب الذي أنتم فيه بِأَنَّهُ أي بسبب أنه في مقتكم أنفسكم أو مقت بعضكم بعضا اليوم، فإذا ظرف للمقت الأول وإن توسط بينهما الخبر لما في الظروف من الاتساع، وقيل: لمصدر آخر مقدر أي: مقته إياكم إذ تدعون، وقيل مفعول لا ذكروا أو الأول هو الوجه، وقيل كلا المقتين في الآخرة، وإذ يدعون تعليل لما بين الظرف والسبب من علاقة اللزوم، والمعنى لمقت اللّه إياكم الآن أكبر من مقتكم أنفسكم لما كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ قال الأخفش: هذه لام الابتداء وقعت بعد ينادون لأن معناه يقال لهم والنداء قول، وقال غيره: المعنى يقال لهم لمقت اللّه إياكم في الدنيا أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أي: أكبر من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك وخضعوا وطلبوا الخروج من النار، وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفسي، فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت اللّه إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم اليوم أنفسكم، وقال الحسن: يعطون كتبهم فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون: لمقت اللّه إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذ عاينتم النار اهـ.\rقوله: (من قبل الملائكة) أي: خزنة جهنم. قوله: (عند دخولهم النار) ظرف لينادون. قوله:\rلَمَقْتُ اللَّهِ (إياكم) المقت أشد البغض والمراد به هنا لازمه وهو الغضب عليهم وتعذيبهم اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: المقت أشد البغض وذلك في حق اللّه تعالى محال، فالمراد منه أشد الإنكار والزجر اهـ.\rقوله: (إحياءتين) فس نسخة إحياءين، وعبارة غيره: أمتنا موتتين وأحييتنا حياتين وهي أوضح.\rقوله: (لأنهم نطفا الخ) كذا في بعض النسخ بنصب نطفا على الحال، والصواب لأنهم كانوا أو خلقوا نطفا، فإن الأمانة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير، والمعنى خلقتنا أمواتا ثم صيرتنا أمواتا عند انقصاء آجالنا اهـ قاري.\rوفي بعض النسخ لأنهم كانوا نطفا أمواتا اهـ.\rقوله: ذلِكُمْ مبتدأ، وقوله: (بأنه خبره)، وقوله: (أي بسبب) أنه أي: الشأن. قوله: إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ الخ في إيراد إذا وصيغتي الماضي في الشرطية الأولى، وإن وصيغتي المضارع في الثانية ما لا يخفى من الدلالة على كمال سوء حالهم اهـ أبو السعود.","part":6,"page":464},{"id":2424,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 465\rالدنيا إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ بتوحيده وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ يجعل له شريك تُؤْمِنُوا تصدّقوا بالإشراك فَالْحُكْمُ في تعذيبكم لِلَّهِ الْعَلِيِ على خلقه الْكَبِيرِ (12) العظيم\rهُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ دلائل توحيده وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً بالمطر وَما يَتَذَكَّرُ يتعظ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) يرجع عن الشرك\rفَادْعُوا اللَّهَ اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) إخلاصكم منه\rرَفِيعُ الدَّرَجاتِ أي اللّه عظيم الصفات أو رافع درجات المؤمنين في الجنة ذُو الْعَرْشِ خالقه يُلْقِي الرُّوحَ الوحي مِنْ أَمْرِهِ أي قوله عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يخوّف الملقى عليه الناس يَوْمَ التَّلاقِ (15) بحذف الياء وإثباتها يوم القيامة، لتلاقي أهل قوله: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ أي: لا يحكم إلا بالعدل ولا يعوقه عما يريده عائق فتعذيبه لكم عدل نافذ، وهذا الكلام من جملة ما يقال لهم في الآخرة بدليل قوله: (في تعذيبكم)، وأما قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الخ فظاهر سياقه أنه من قبيل ما قبله، فيكون من جملة ما يقال لهم في الآخرة أيضا وهو بعيد، فالظاهر أنه منقطع عما قبله وأنه خطاب للكفار في الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ الخ صيغة المضارع في الفعلين للدلالة على تجدد الإراءة والتنزيل واستمرارهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالمطر) أي: بسبب.\rقوله: فَادْعُوا اللَّهَ الخ أي: إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكر بمن ينيب، فاعبدوه أيها المؤمنون مخصلين له دينكم بموجب إنابتكم إليه وإيمانكم به اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي اللّه العظيم الصفات) أشار به إلى أن رفيع خبر مبتدأ محذوف ومثله ذو العرش ويلقي الروح، فالثلاثة أخبار لهذا المبتدأ المقدر، وأشار بقوله: (عظيم الصفات) إلى أن رفيع صفة مشبعة، وبقوله: (أو رافع الخ) إلى أنه اسم فاعل أي: صيغة مبالغة محولة عن اسم الفاعل فيصح فيه الوجهان اهـ سمين.\rقوله: يُلْقِي الرُّوحَ أي: ينزله، وقوله: (الوحي) سمي الوحي روحا لأنه يجري من القلوب مجرى الأرواح من الأجساد، وقوله: مِنْ أَمْرِهِ بيان للروح المراد به الوحي، أو حال منه أي: حال كونه ناشئا، أو مبتدأ من أمره أو صفة له، أو متعلق بيلقي، ومن للسببية أي: يلي الروح بسبب أمره اهـ أبو السعود.\rوالأمر قيل: المراد به القول كما فسر به الشارح، وقيل: المراد به القضاء كما عليه ابن عباس اهـ خازن.\rقوله: (الملقى عليه) فاعل ينذر وهو عبارة عن من في قوله: عَلى مَنْ يَشاءُ وهذا الفعل ينصب مفعولين، أولهما: محذوف قدره بقوله: (الناس). والثاني: مذكور وهو يوم التلاق اهـ شيخنا.\rوفي السمين: لِيُنْذِرَ أي: اللّه أو الروح أو من يشاء أو الرسول اهـ.\rقوله: (بحذف الياء وإثباتها) أي: قرأ ابن كثير بإثبات الياء وقفا ووصلا، وقالون بإثباتها وصلا","part":6,"page":465},{"id":2425,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 466\rالسماء والأرض، والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه\rيَوْمَ هُمْ بارِزُونَ خارجون من قبورهم لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ يقوله تعالى ويجيب نفسه لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) بخلاف عنه، وورش بإثباتها وصلا، والباقون بحذفها وقفا ووصلا، وتوجيه ذلك ذكره الفاسي في شرح الشاطبية فليراجع اهـ كرخي.\rقوله: (لتلاقي أهل السماء الخ) تعليل لتسميته يوم التلاق.\rقوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ بدل من يوم التلاق بدل كل من كل يوم ظرف مستقبل كإذا مضاف إلى الجملة الاسمية على طريقة الأخفش وحركة يوم حركة إعراب على المشهور، وقيل: حركة بناء كما ذهب إليه الكوفيون ويكتب يوم هنا وفي الذاريات منفصلا وهو الأصل اهـ سمين.\rوفي شرح شيخ الإسلام على الجزرية وثبت قطعهم يوم من قوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ بغافر:\rيَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: 13] بالذاريات لأن هم مرفوع بالابتداء فيهما، فالمناسب القطع وما عداهما نحو يومهم الذي يوعدون وحتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون موصول، لأن هم مجرور فالمناسب الوصل اهـ.\rقوله: (خارجون من قبورهم) أي: ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء لكون الأرض يومئذ قاعا صفصفا، ولا ثياب عليهم وإنما هم عراة مكشفون كما جاء في الحديث: «يحشرون عراة حفاة غرلا» أبو السعود.\rقوله: لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ الخ جملة مستقلة أو حال من ضمير بارزون أو خبر ثان لهم اهـ سمين.\rوقوله: شَيْءٌ أي: من ذواتهم وأعمالهم وأحوالهم، فإن قلت: اللّه لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام فما وجه تخصيص ذلك اليوم؟ قلت: كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب لا يراهم اللّه وتخفى عليه أعمالهم، وهم في ذلك اليوم لا يتوهمون هذا التوهم اهـ خازن.\rقوله: لِمَنِ خبر مقدم، والملك: مبتدأ مؤخر، واليوم ظرف للملك، وقوله: لِلَّهِ خبر مبتدأ محذوف اهـ شيخنا.\rوهذا حكاية لما يقع حينئذ من السؤال والجواب بتقدير قول كما أشار له بقوله: (يقوله تعالى) الخ. وذلك القول معطوف على ما قبله من الجملة المستأنفة أو هو مستأنف في جواب سؤال نشأ من حكاية بروزهم وظهور أحوالهم، كأنه قيل: فماذا يكون حينئذ، فقيل: ويقال لمن الملك الخ اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: وهذا حكاية لما يسأل عنه يوم القيامة ولما يجاب به، أو لما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائل، وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما اهـ.\rقوله: (يقوله تعالى الخ) قيل: بين النفختين، وقيل: في القيامة ويجيب نفسه بعد أربعين سنة اهـ كرخي.","part":6,"page":466},{"id":2426,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 467\rأي لخلقه\rالْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17) يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك\rوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ يوم القيامة من أزف وفي القرطبي: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ وذلك عند فناء الخلق. قال الحسن: هو السائل والمجيب تعالى لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه فيقول: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. قال النحاس:\rوأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر النار على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص اللّه عليها، فيؤمر مناد ينادي لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا، فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قلت: والقول الأول ظاهر جدا لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودل على هذا قوله عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء أنا الملك أين ملوك الأرض كما تقدم في حديث أبي هريرة. وفي حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وعنه قوله: سبحانه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن كعب: قوله سبحانه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يكون بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا فيقول: لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد لأن الخلق أموات، فيجيب نفسه للّه الواحد القهار لأنه بقي وحده قهر خلقه، وقيل: إنه ينادي مناد ويقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فيجيبه أهل الجنة: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ذكره الزمخشري اهـ.\rقوله: الْيَوْمَ تُجْزى الخ إما من تتمة الجواب أو حكاية لما يقوله تعالى عقيب السؤال والجواب اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أي: يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذ للّه وحده اليوم تجزى الخ اهـ.\rواليوم ظرف لتجزى وقوله: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ خبر لا اهـ شيخنا.\rقوله: (في قدر نصف نهار) عبارة الخازن: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي: أنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب يحاسب الخلق كلهم في وقت واحد، انتهت.\rوقوله: (لحديث بذلك) أي: ورد بذلك اهـ.\rقوله: يَوْمَ الْآزِفَةِ يوم مفعول لأنذر، والآزفة نعت لمحذوف أشار له بقوله: (يوم القيامة) اهـ شيخنا.\rقوله: (من أزف الرحيل الخ) في المصباح: أزف الرحيل أزفا من باب تعب، وأزوفا دنا وقرب، وأزفت الآزفة دنت القيامة اهـ.","part":6,"page":467},{"id":2427,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 468\rالرحيل قرب إِذِ الْقُلُوبُ ترتفع خوفا لَدَى عند الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ممتلئين غما حال من القلوب عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ محب وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (18) لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا، فما لنا من شافعين أو له مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا\rيَعْلَمُ أي اللّه خائِنَةَ الْأَعْيُنِ بمسارقتها قوله: إِذِ الْقُلُوبُ بدل من يوم الآزفة، والقلوب مبتدأ خبره لدى الحناجر متعلق بمحذوف قدره خاصا بقوله: (ترتفع) والحناجر جمع حنجور كحلقوم وزنا ومعنى أو جمع حنجرة وهي الحلقوم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: إذ القلوب لدى الحناجر فإنها ترتفع عن أماكنها فتلصق بحلوقهم، فلا تعود فيستريحوا بالنفس ولا تخرج فيستريحوا بالموت اهـ.\rوفي المختار: والحنجرة بالفتح والحنجور بالضم الحلقوم اهـ.\rقوله: مِنْ حَمِيمٍ من زادة في المبتدأ وفي المختار: حميمك قريبك الذي تهتم لأمره اهـ.\rقوله: وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ حقيقة الإطاعة لا تتأتي هنا لأن المطاع يكون فوق المطيع رتبة، فمقتضاه أن الشافع يكون فوق المشفوع عنده، وهذا محال هنا لأن اللّه تعالى لا شيء فوقه فحينئذ هو مجاز ومعناه ولا شفيع يشفع أي: يؤذن له في الشفاعة أو تقبل شفاعته اهـ كرخي.\rقوله: (إذ لا شفيع لهم أصلا) أي: لا مطاع ولا غيره، وقوله: (أي: لو شفعوا) تفسير للمفهوم على الوجه الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ خبر رابع عن المبتدأ الذي أخبر برفيع وما بعده عنه اهـ أبو السعود.\rوقد أشار الشارح لهذا بقوله (أي: اللّه). وفي السمين: يعلم خائنة الأعين فيه أربعة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنه خبر آخر عن هو في قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ [غافر: 13]. قال الزمخشري: فإن قلت: بمن اتصل قوله: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ؟ قلت: هو خبر من أخبار هو في قوله:\rهو الذي يريكم مثل يلقي الروح، ولكن يلقي الروح قد علل بقوله: لِيُنْذِرَ ثم استطرد لذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله: وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ فلذلك بعد عن أخواته. الثاني: أنه متصل بقوله:\rوَأَنْذِرْهُمْ لما أمر بإنذارهم يوم الآزفة وما يعرض فيه من شدة الغم والكرب، وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا شفيع له ذكر اطلاعه على جميع ما يصدر من الخلق سرا وجهرا، وعلى هذا فهذه الجملة لا محل لها لأنها من قوة التعليل للأمر بالإنذار. الثالث: أنها متصلة بقوله: سَرِيعُ الْحِسابِ. الرابع:\rأنها متصلة بقوله: لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وعلى هذين الوجهين فيحتمل أن تكون جارية مجرى العلة وأن تكون في محل نصب على الحال اهـ.\rقوله: خائِنَةَ الْأَعْيُنِ الإضافة على معنى من أي: الخائنة من الأعين أشار لهذا بقوله:\r(بمسارقتها النظر الخ). فعلى هذا خائنة نعت لمحذوف أي: العين خائنة، ويصح أن تكون الخائنة مصدرا كالعافية والكاذبة أي: يعلم خيانة الأعين اهـ من حواشي البيضاوي.","part":6,"page":468},{"id":2428,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 469\rالنظر إلى محرّم وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (19) القلوب\rوَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ يعبدون أي كفار مكة بالياء والتاء مِنْ دُونِهِ وهم الأصنام لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ فكيف يكونون شركاء للّه إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ (20) بأفعالهم\r* أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ وفي قراءة منكم قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ من مصانع وفي القرطبي: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي: يعلم الأعين الخائنة، وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها، وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره وقد علم اللّه عز وجل أنه يود لو نظر إلى عورتها، وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى اللّه عنه، وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى ورأيت وما رأى، وقال السدي: أنه الرمز بالعين، وقال سفيان: هو النظرة بعد النظرة وقال الفراء: خائنة الأعين النظرة الثانية وما تخفي الصدور النظرة الأولى، وقال ابن عباس: وما تخفي الصدور أي: هل يزني بها لو خلا بها أو لا؟ وقيل: ما تخفي الصدور تكنه وتضمره اهـ.\rقوله: (يعبدون) أي: يعبدونهم فالعائد محذوف، وقوله: (أي كفار مكة) تفسير للواو، وقوله:\r(و هم الأصنام) تفسير لاسم الموصول، وقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ هذا على سبيل التهكم بها إذا الجماد لا يقال في حقه يقضي أو لا يقضي اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق، ووعيد لهم على ما يقولون وما يفعلون، وتعريض بحال ما يعبدون من دونه اهـ أبو السعود.\rقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ لما بالغ في تخويف الكفار بأحوال الآخرة أردفه بتخويفهم بأحوال الدنيا، فقال: أَوَلَمْ يَسِيرُوا الخ، لأن العاقل من اعتبر بحال غيره اهـ زاده.\rأي: أغفلوا ولم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم، وكيف: خبر كان مقدم وعاقبة اسمها، والجملة في محل نصب على المفعولية، وقوله: كانُوا الخ جواب كيف، الواو اسمها، والضمير للفصل، وأشد خبرها، وضمير الفصل لا يقع إلا بين معرفتين وهنا وقع بين معرفة ونكرة، والذي سوغ ذلك كون النكرة هنا مشابهة للمعرفة من حيث امتناع دخول أل عليها، لأن أفعل التفضيل المقرون بمن لا تدخل عليه أل اهـ شيخنا.\rقوله: فَيَنْظُرُوا يجوز أن يكون منصوبا في جواب الاستفهام، وأن يكون مجزوما نسقا على ما قبله اهـ سمين.\rقوله: عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ أي: حال من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم كعاد وثمود وأضرابهم اهـ سمين.\rأي: أو مآل من قبلهم، فإن العاقبة بمعنى الصفة أو بمعنى المآل اهـ بيضاوي.","part":6,"page":469},{"id":2429,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 470\rوقصور\rفَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أهلكهم بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (21) عذابه\rذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرات فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (22)\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (23) برهان بيّن ظاهر\rإِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا هو ساحِرٌ كَذَّابٌ (24)\rفَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِ بالصدق مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ قوله: (و في قراءة منكم) أي: التفاتا من الغيبة إلى الخطاب. قوله: وَآثاراً فِي الْأَرْضِ عطف على قوة وهو في قوة قوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ* وجعله الزمخشري منصوبا بمقدر قال أراد وأكثر آثارا اهـ سمين.\rقوله: (من مصانع) أي: أماكن في الأرض تخزن فيها المياه، وفي المصباح: والمصنع ما يصنع لجمع الماء نحو البركة والصهريج والمصنعة بالهاء لغة والجمع مصانع اهـ.\rوفي أبي السعود: وآثارا في الأرض مثل القلاع الحصينة والمدائن المتينة اهـ.\rوفي المختار: والمصنعة بفتح الميم وضم النون وفتحها كالحوض يجمع فيه ماء والمصانع الحصون اهـ.\rقوله: وَما كانَ لَهُمْ الخ لهم خبر مقدم، وواق: اسمها مؤخر على زيادة من، ومن اللّه متعلق بواق ومن فيه ابتدائية ومفعول واق محذوف قدره بقوله: (عذابه) والواقي المانع وكان للاستمرار أي:\rليس لهم واق أبدا، وقد سبق في الرعد: ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ [الرعد: 34] اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف، والباقون بغير ياء واتفقوا على التنوين في الوصل اهـ.\rقوله: ذلِكَ أي: أخذهم بأنهم أي: بسبب أنهم كانت الخ. قوله: (بالمعجزات) أي:\rالأحكام الظاهرات.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى الخ لام قسم، وهذا شروع في قصة موسى مع فرعون تسلية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتخويفا لقومه اهـ شيخنا.\rقوله: بِآياتِنا أي: ملتبسا بآياتنا، وسلطان مبين والمراد به إما الآيات نفسها والعطف لتغاير العنوانين، وإما بعضها أي: المشهور منها كاليد والعصا، وأفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات اعتناء بها اهـ أبو السعود.\rقوله: إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ الخ خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم، وفرعون الملك، وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال والكنوز، فجمعه اللّه معهما لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما اهـ قرطبي.\rقوله: فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ القائل ما ذكر فرعون وقومه، وأما قارون فلم يقل ذلك، ففي الكلام تغليب وكذا يقال في قوله: (اقتلوا الخ) اهـ شيخنا.","part":6,"page":470},{"id":2430,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 471\rآمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا استبقوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (25) هلاك\rوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى لأنهم كانوا يكفون عن قتله وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ليمنعه مني إِنِّي أَخافُ أَنْ وفي الخطيب: فقالوا أي: هؤلاء ومن معهم هو ساحر لعجزهم عن مقاهرته، أما من عدا قارون فأولا وآخرا بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخرا بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولا وأن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلا به لأنه لم يتب منه ثم وصفوه بقولهم كذاب لخوفهم من تصديق الناس له اهـ.\rقوله: (هو) ساحِرٌ أي: فيما أظهره من المعجزات كذاب أي: فيما ادعاه من رسالة رب السموات اهـ أبو السعود.\rقوله: قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ الخ أي: أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه أولا، وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان، فلما بعث عليه السّلام وأحس بأنه قد وقع ما وقع أعاده عليهم غيظا وحنقا وزعما منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرته ظنا منهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون كان أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث اللّه موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الناس من الإيمان ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم اللّه عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر فأغرقهم اللّه تعالى، وهذا معنى قوله تعالى: وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في خسران وهلاك، فإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلا اهـ.\rقوله: (استبقوا) نِساءَهُمْ أي: بناتهم للخدمة. قوله: إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: ضياع وبطلان لا يغني عنهم شيئا وينفذ عليهم لا محالة القدر المقدور والقضاء المحتم، واللام إما للعهد والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر والإشعار بعلة الحكم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا، والجملة اعتراض جيء بها في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه واضمحلاله بالمرة اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ معطوف على جواب لما وهو قوله: قالُوا اقْتُلُوا وجملة وما كيد الكافرين الخ اعتراضية جيء بها مسارعة لبيان خسرانهم وفساد تدبيرهم اهـ شيخنا.\rقوله: (يكفونه عن قتله) أي: ويقولون له ليس هذا الذي تخافه، وإنه أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا بعض السحرة إذا قتلته أدخلت على الناس شبهة واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة هذا، والظاهر من حال اللعين أنه قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به حق، ولكن كان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك، وإنما قال ذروني الخ تمويها وإيهاما أنهم هم المانعون له من قتله، ولولاهم لقتله مع أنه ما منعه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل قوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ تجلد منه وإظهار لعدم المبالاة ولكنه أخوف الناس منه اهـ أبو السعود.","part":6,"page":471},{"id":2431,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 472\rيُبَدِّلَ دِينَكُمْ من عبادتكم إياي فتتبعونه أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (26) من قتل وغيره، وفي قراءة أو، وفي أخرى بفتح الياء والهاء وضم الدال\rوَقالَ مُوسى لقومه وقد سمع ذلك وفي الخطيب: ذَرُونِي أي: اتركوني على أي حالة كانت أقتل موسى، وزاد في الاتهام للأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بقوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ أي: الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهره على يده من هذه الخوارق، وقيل: كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى. وفي منعه من قتله وجوه، أولها: لعله كان فيهم من يعتقد كون موسى صادقا فيتحيل في منع فرعون من قتله.\rوثانيها: قال الحسن إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سحرنا، فإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس ويقولون إنه كان محقا وعجزوا عن جوابه فقتلوه. وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام، لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من تقلب ذلك الملك عليهم اهـ.\rقوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ اللام للأمر وهو أمر تعجيز بزعمه أن موسى لا يمنعه ربه منه.\rقوله: إِنِّي أَخافُ الخ أي: إن لم أقتله اهـ أبو السعود.\rقوله: (عبادتكم إياي) أي: وعبادة الأصنام اهـ بيضاوي.\rوذلك لأنهم كانوا يعبدون فرعون إذا حضروا عنده، فإذا غابوا عنه عبدوا الأصنام يقولون إنها تقربهم إليه كما قالت المشركون كما صرح به المفسرون فلا يقال إنهم كيف عبدوا الأصنام وأقرهم على ذلك مع ادعائه الربوبية اهـ شهاب.\rقوله: (فتتبعونه) الأولى فتتبعوه. قوله: (و في قراءة أو) أي: مع نصب الفساد، وقوله: (في أخرى) الخ أي: مع كل من الواو وأو، فالقراءات أربعة: اثنتان مع أو رفع الفساد ونصبه، واثنتان مع الواو كذلك وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أو أن يظهر الخ أي: لا بد من وقوع أحد الأمرين، إما فساد الدين وإما فساد الدنيا. أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعيا في فساده اعتقدوا أنه ساع في فساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أن يجتمع عليه أقوام ويصير ذلك سببا لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، وبدأ فرعون بذكر الدين أولا لأن حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم اهـ.\rقوله: وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ الخ يعني: أن موسى لم يأت في دفع شدة اللعين إلا بأن استعاذ باللّه واعتمد عليه فلا جرم صانه اللّه عن كل بلية اهـ خازن.\rقوله: (و قد سمع ذلك) أي: حديث قتله. قول: عُذْتُ أي: تحصنت وقرأ أبو عمرو والأخوان بإدغام الذال في التاء وبإظهارها والباقون بالإظهار فقط، ولا يؤمن صفة لمتكبر اهـ سمين.\rولم يسم فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة لتعميم الاستعاذة والإشعار بعلة","part":6,"page":472},{"id":2432,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 473\rإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (27)\rوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قيل هو ابن عمه يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ أي لأن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ القساوة والجرأة على اللّه تعالى اهـ أبو السعود.\rقوله: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ الخ لما التجأ موسى إلى اللّه سبحانه وتعالى وفوض إليه أمره في دفع شر هذا اللعين بقوله: إِنِّي عُذْتُ الخ قيض اللّه له من تصدى لمنع هذا اللعين ومخاصمته فقال:\rوَقالَ رَجُلٌ الخ اهـ رازي.\rقال مقاتل: هذا الرجل هو الذي أخبر اللّه في سورة القصص بقوله: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [القصص: 20] وعند ابن عباس هو غيره، وعبارة القرطبي: وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال يا موسى الخ هذا، قول مقاتل، وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى، فقال: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك الخ. وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «الصديقون حبيب النجار، ومؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون الذي قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم» اهـ.\rوكان اسم ذلك الرجل حزقيل عند ابن عباس وأكثر العلماء، وقال ابن إسحاق: كان اسمه جبريل، وقيل: حبيب اهـ خازن.\rوقال في مبهمات القرآن: الأصح أن اسمه شمعان بفتح الشين المعجمة بوزن سلمان، وقوله (قيل: ابن عمه) وكان صاحب سره ومشورته اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل هو ابن عمه) وقيل: كان من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون وعلى هذا ففي الآية تقديم وتأخير تقديره: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون فمن جعل الرجل قبطيا فمن عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل: التقدير وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون أي: من أهله وأقاربه، ومن جعله إسرائيليا فمن متعلقة بيكتم في موضع المفعول الثاني ليكتم. قال القشيري: ومن جعله إسرائيليا ففيه بعد لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال اللّه تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: 42] وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول اهـ قرطبي.\rقوله: (أي لأن) يَقُولَ أي: لأجل هذا القول من غير روية وتأمل في أمره واطلاع على سبب يوجب قتله، وقوله: رَبِّيَ اللَّهُ لا يوجب قتله اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: (أي لأن) يَقُولَ أي: فهو مفعول له، وقدر الزمخشري ظرفا مضافا أي:\rوقت أن يقول ورد بأن ذلك إنما يكون مع المصدر المصرح به نحو جئتك مقدم الحاج لا مع المقدر فلا تقول أجيئك أن يصيح الديك تريد وقت صياحه نص على ذلك النحاة، وقال الإمام تاج الدين بن مكتوم: أجاز ابن جني ذلك اهـ.\rقوله: وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ جملة حالية يجوز أن تكون من المفعول وهو رجلا، فإن قيل: هو","part":6,"page":473},{"id":2433,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 474\rالمعجزات الظاهرات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ أي ضرر كذبه وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ به من العذاب عاجلا إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك كَذَّابٌ (28) مفتر\rيا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين حال فِي الْأَرْضِ أرض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عذابه إن قتلتم أولياءه إِنْ جاءَنا أي لا ناصر لنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما نكرة فالجواب: أنه في حيز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال منها، ويجوز أن يكون حالا من فاعل يقول اهـ سمين.\rقوله: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي: إن لم يصبكم كله فلا أقل من أن يصيبكم بعضه لا سيما إن تعرضتم له بسوء، وهذا كلام صادر عن غاية الإنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم من شقى الترديد بكونه كاذبا وقوله: (عاجلا) وهو عذاب الدنيا الذي هو بعض مطلق العذاب الشامل لعذابها وعذاب الأخرى، وإنما خوفهم به اقتصارا على ما هو أظهر احتمالا عندهم اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: قوله: (من العذاب عاجلا) أي: لا أقل من ذلك تكلم على سبيل التنزل نصحا وفيه إشارة كما يظهر إلى جواب كيف قال المؤمن ذلك في حق موسى عليه الصلاة والسّلام مع أنه صادق عنده، وفي الواقع ويلزم أن يصيبهم جميع ما وعدهم لا بعضه فقط، وإيضاحه: وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة فهلاكهم في الدنيا بعض ما وعدهم به أو ذكر البعض تنزلا وتلطفا بهم مبالغة في نصحهم لئلا يتهموه بميل ومحاباة أو لفظة بعض صلة أو هي بمعنى كل كما قيل به وعلى ما جرى عليه الشيخ المصنف هي باقية على معناها اهـ.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ كلام ذو وجهين نظرا إلى موسى وفرعون.\rالوجه الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عليه الصلاة والسّلام، والمعنى أن اللّه تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفا كذابا فدل على أن موسى ليس من الكذابين.\rالوجه الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في ادعائه الألوهية واللّه لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يبطله ويهدم أمره اهـ كرخي.\rقوله: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ أي: وقال هذا الرجل أيضا يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ الخ أي: فلا تفسدوا أمركم، ولا تتعرضوا لبأس اللّه بقتله، فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض لهم خاصة ونظم نفسه في سلكهم فيما يهمهم من مجيء بأس اللّه تطييبا لقلوبهم وإيذانا بأنه مناصح ساع في تحصيل ما يجديهم ودفع ما يرديهم ليتأثروا بنصحه اهـ أبو السعود.\rقوله: (حال) أي: من الضمير في لكم والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به لكم اهـ سمين.\rقوله: قالَ فِرْعَوْنُ أي: بعد ما سمع نصحه، وقوله: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى هي من رؤية الاعتقاد فتتعدى لمفعولين ثانيهما إلا ما أرى اهـ سمين.","part":6,"page":474},{"id":2434,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 475\rأَرى أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي، وهو قتل موسى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (29) طريق الصواب\rوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30) أي يوم حزب بعد حزب\rمِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (31)\rوَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32) بحذف الياء وإثباتها، أي يوم القيامة، يكثر فيه نداء أصحاب الجنة أصحاب النار وبالعكس، والنداء بالسعادة لأهلها، وبالشقاوة لأهلها، وغير ذلك\rيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ عن قوله: (أي ما أشير عليكم) تفسير لمآل المعنى والتفسير المطابق لجوهر اللفظ أن يقال ما أريكم أي: ما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب، وقد فسر بعضهم بهذا التفسير فقول الجلال ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي أي: فلا أظهر لكم أمرا وأكتم عنكم غيره اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ أي: ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى ثم حكى اللّه تعالى أن مؤمن آل فرعون رد على فرعون هذا الكلام، وخوفه أن يحل به كما حل بالأمم قبله، بقوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ الخ اهـ خازن.\rوعبارة الكرخي: وقال الذي آمن الخ وهو الرجل القائل أتقتلون رجلا الخ اهـ.\rقوله: (أي يوم حزب بعد حزب) أشار بهذا إلى أن يوم الأحزاب بمعنى الجمع أي: أيامها، وذلك لأن الأحزاب لم ينزل بها العذاب في يوم واحد، بل نزل بها في أيام مختلفة مترتبة، ويدل لهذا التفسير قوله: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ الخ، وهؤلاء لم يهلكوا في يوم واحد اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ أي: مثل أيام الأمم الماضية يعني: وقائعهم وجمع الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم اهـ.\rقوله: (أي مثل جزاء الخ) أشار بهذا إلى أن في الآية حذف مضاف، وقوله: (عادة) تفسير للدأب، وقوله: (من تعذيبهم في الدنيا) بيان لجزاء عادتهم اهـ شيخنا.\rومعنى جزاء العادة جزاء الأمر الذي اعتادوه واستمروا عليه وهو كفرهم، فعادتهم استمرارهم على الكفر وهي المعبر عنها بدأبهم وجزاؤها اهلاكهم ومثل هذا الجزاء إهلاك ينزل بالقبط اهـ.\rقوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ أي: يعاقبهم بغير ذنب ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام اهـ أبو السعود.\rقوله: وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ الخ أي: وقال الرجل المؤمن أيضا يا قوم الخ. فخوفهم بالعذاب الآخروي بعد تخويفهم بالعذاب الدنيوي اهـ أبو السعود.\rقوله: (بحذف الياء وإثباتها) أي: في كل من الوصل والوقف، فالقراءات أربعة وكلها سبعية وهذا كله في اللفظ، وأما في الخط فهي محذوفة لا غير اهـ شيخنا.\rقوله: (و غير ذلك) منه: أن تدعى كل أناس بإمامهم، وأن ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان","part":6,"page":475},{"id":2435,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 476\rموقف الحساب إلى النار ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه مِنْ عاصِمٍ مانع وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33)\rوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى، وهو يوسف بن يعقوب في قول عمر إلى زمن موسى، أو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب في قول بِالْبَيِّناتِ ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفلان ابن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وأن ينادى حين يذبح الموت في صورة كبش يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وأن ينادي المؤمن هاؤم اقرأوا كتابيه، وينادي الكافر يا ليتني لم أوت كتابيه. ومنها: أن ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور فيقولون: يا ويلنا فهذه الأمور كلها تقع في هذا اليوم اهـ من الخازن والخطيب.\rقوله: مُدْبِرِينَ (عن موقف الحساب إلى النار) عبارة الخطيب: يوم تولون عن الموقف مدبرين قال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار أدبروا هاربين فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا فيرجعون إلى مكانهم، فذلك قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الحاقة: 17] وقال مجاهد: فارين عن النار غير معجزين، وقيل: منصرفين عن الموقف إلى النار اهـ.\rقوله: ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ الخ في محل نصب على الحال، وقوله: مِنْ عاصِمٍ يجوز أن يكون فاعلا بالجار لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ، ومن زائدة على كل من التقديرين، ومن اللّه متعلق بعاصم اهـ سمين.\rقوله: فَما لَهُ مِنْ هادٍ في هاد ما تقدم في قوله: مِنْ واقٍ اهـ خطيب.\rأي: من إثبات الياء وحذفها في الوقف ومن حذفها في الوصل مع حذفها خطا.\rقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ الخ قيل: إن هذا من قول موسى، وقيل هو من تمام وعظ مؤمن آل فرعون ذكرهم قديم عتوهم على الأنبياء اهـ قرطبي.\rقوله: (عمر إلى زمن موسى) أي: عاش واستمر يوسف بن يعقوب إلى زمن موسى الكليم، وهذا القول لم يقله غيره من المفسرين، وإنما غاية ما وجد بعد التفتيش ما نقله الشهاب بقوله: وفي بعض التواريخ أن وفاة يوسف قبل مولد موسى بأربع وستين سنة اهـ.\rولذلك قال القاري: قوله: (عمر إلى زمن موسى) ظاهر كلامه أن عمر الذي هو يوسف، والصحيح أن المعمر هو فرعون موسى أدرك يوسف بن يعقوب وعاش إلى أن أرسل إليه موسى وعمره أربعمائة سنة وأربعين سنة اهـ.\rقال السيوطي في التحبير: وعاش يوسف بن يعقوب مائة وعشرين سنة وبينه وبين موسى أربعمائة سنة اهـ.\rوقد بعثه اللّه من قبل موسى رسولا يدعو القبط إلى طاعة اللّه وحده فما أطاعوه تلك الطاعة نعم أطاعوه لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي اهـ قاري.\rوقوله: (يوسف بن إبراهيم الخ) فيوسف هذا سبط يوسف بن يعقوب أرسله اللّه إلى القبط فأقام فيهم عشرين سنة نبيا اهـ زاده.","part":6,"page":476},{"id":2436,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 477\rبالمعجزات الظاهرات فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ من غير برهان لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا أي فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره كَذلِكَ أي مثل إضلالكم يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك مُرْتابٌ (34) شاكّ فيما شهدت به البينات\rالَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ معجزاته مبتدأ بِغَيْرِ سُلْطانٍ برهان أَتاهُمْ كَبُرَ جدالهم خبر المبتدأ مَقْتاً عِنْدَ وفي المختار: عمر من باب فهم أي: عاش ومصدره عمر بفتح العين وضمها هو لازم اهـ.\rويتعدى بالتضعيف كما في المصباح، وفي القاموس: أنه من باب فرح ونصر وضرب اهـ.\rقوله: فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍ أي فما زال أسلافكم في شك حتى إذا هلك قلتم أي: قال أسلافكم اهـ قرطبي.\rوحتى غاية لقوله فما زلتم، وقرئ ألن يبعث اللّه بإدخال همزة التقرير يقرر بعضهم بعضا اهـ سمين.\rقوله: (من غير برهان) أي: بل على سبيل التشهي والتمني ليكون لهم أساس في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعده، وليس قولهم ذلك تصديقا لرسالة يوسف، وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضمومة إلى التكذيب برسالته اهـ خازن.\rوعبارة الخطيب: قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا أقمتم على كفركم وظننتم أن اللّه لا يجدد عليكم الحجة؛ وهذا ليس إقرارا منهم برسالته بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته التكذيب برسالة من بعده اهـ.\rقوله: الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ من كلام الرجل المؤمن أيضا، وقيل: إنه ابتداء كلام من اللّه تعالى اهـ قرطبي.\rقوله: (المبتدأ) هذا أولى وأحسن الأعاريب العشرة التي ذكرها. قال أبو حيان في النهر:\rوالأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون الذين مبتدأ، وخبره كبر، والفاعل ضمير المصدر المفهوم من يجادلون، وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه، ويكون الواعظ لهم قد عدل على مخاطبتهم إلى الاسم الغائب لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم وأبرز ذلك في صورة تذكرهم فلم يخصهم بالخطاب. وفي قوله: كَبُرَ ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم اهـ بحروفه.\rومقتا: تمييز محول عن الفاعل أي: كبر مقت جدالهم أي المقت المرتب على جدالهم، وفي السمين: كبر مقتا يحتمل أن يراد به التعجب والاستعظام، وأن يراد به الذم كبئس، وذلك أنه يجوز أن يبنى فعل بضم العين مما يجوز التعجب منه، ويجري مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه، إلى أن قال الثاني أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من يجادلون كما تقدم، إلى أن قال الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده وهو التمييز نحو نعم رجلا زيد، وبئس غلاما عمرو وعند ظرف لكبر اهـ.\rومقت اللّه إياهم ذمه لهم ولعنه إياهم وإحلال العذاب بهم اهـ قرطبي.","part":6,"page":477},{"id":2437,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 478\rاللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ أي مثل إضلالهم يَطْبَعُ يختم اللَّهِ بالضلال عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) بتنوين قلب ودونه، ومتى تكبر القلب تكبر صاحبه وبالعكس، وكل على القراءتين لعموم الضلال جميع القلب لا لعموم القلوب\rوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً بناء عاليا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36)\rأَسْبابَ السَّماواتِ طرقها الموصلة إليها فَأَطَّلِعَ بالرفع عطفا على ومقت المؤمنين لهم بعضهم أشد البغض وكراهتهم أشد الكراهة اهـ من المصباح.\rقوله: (أي مثل إضلالهم) الأولى أي مثل ذلك الطبع كما عبّر به غيره، وقوله: يَطْبَعُ اللَّهُ الخ مستأنف اهـ شيخنا.\rقوله: (بتنوين قلب ودونه) سبعيتان. قوله: (و متى تكبر القلب الخ) غرضه بهذا التوفيق بين القراءتين، وفي السمين: قوله: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ قرأ أبو عمرو، وابن زكوان بتنوين قلب وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنهما ناشئان منه وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: 283] والباقون بإضافة قلب إلى ما بعده أي على كل قلب شخص متكبر، وقدر الزمخشري مضافا في القراءة الأولى، أي: على كل ذي قلب متكبر بجعل الصفة لصاحب القلب. قال الشيخ: ولا ضرورة تدعو إلى اعتبار الحذف، قلت: بل ثم ضرورة إلى ذلك وهي توافق القراءتين فإنه يصير الموصوف في كلا القراءتين واحدا وهو صاحب القلب، بخلاف عدم التقدير فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه اهـ.\rقوله: (لعموم الضلال جميع القلب) أي: جميع أجزائه فلم يبق فيه محل يقبل الاهتداء، وقوله:\r(لا لعموم القلوب) أي: لا لعموم أفراد القلوب، وهذا الصنيع إخراج لها عن موضوعها من أنها إذا دخلت على نكرة مطلقا أو على معرفة مجموعة تكون لعموم الأفراد، وإذا دخلت على معرفة مفردة تكون لعموم الأجزاء وهنا قد دخلت على النكرة، فكان حقها أن تكون لعموم الأفراد لا لعموم الأجزاء كما سلكه الشارح فليتأمل اهـ شيخنا.\rوعبارة جمع الجوامع: كل الاستغراق أفراد المنكر مطلقا والمعرف المجموع وأجزاء المفرد المعرف اهـ.\rقوله: ابْنِ لِي صَرْحاً في المصباح: الصرح بيت واحد يبنى مفردا طولا ضخما اهـ.\rوفي السمين: في سورة النمل: والصرح القصر، أو صحن الدار، أو بلاط يتخذ من زجاج وأصله من التصريح وهو الكشف اهـ.\rقوله: (طرقها) أي: أبوابها الموصلة إليها، وفائدة التكرار أن الثاني بدل من الأول والشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيما لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها اهـ كرخي.\rقوله: (عطفا على أبلغ) أي: فيكون في حيز الترجي، وقوله: (و بالنصب جوابا) لابن أي جوابا لهذا الأمر، وهذا رأي البصريين، ورأي الكوفيين أن النصب في جواب لعل أي في جواب الترجي اهـ شيخنا.","part":6,"page":478},{"id":2438,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 479\rأبلغ، وبالنصب جوابا لابن إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي موسى كاذِباً في أن له إلها غيري، قال فرعون ذلك تمويها وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ طريق الهدى بفتح الصاد وضمها وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ (37) خسار\rوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ وفي السمين: قوله: فَأَطَّلِعَ العامة على رفعه عطفا على أبلغ فهو داخل في حيز الترجي، وقرأ حفص في آخرين بنصبه وفيه حفص في آخرين بنصبه وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه جواب الأمر في قوله: ابْنِ لِي فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله:\rيا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا\r\rوهذا أوفق لمذهب البصريين. الثاني: أنه منصوب. قال الشيخ: عطفا على التوهم لأن خبر لعل كثيرا جاء مقرونا بإن كثيرا في النصب وقليلا في النثر، فمن نصب توهم أن الفعل المرفوع الواقع خبرا منصوب بإن، والعطف على التوهم كثير وإن كان لا ينقاس اهـ.\rالثالث: أن ينتصب على جواب الترجي في لعل وهو مذهب كوفي استشهد أصحابه بهذه القراءة وبقراءة نافع: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: 3] أو يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ [عبس: 4] بنصب فتنفعه جوابا لقوله لعله، وإلى هذا نحا الزمخشري قال: تشبيها للترجي بالتمني والبصريون يأبون ذلك ويخرجون القراءتين على ما تقدم، وفي سورة عبس يجوز أن يكون جوابا للاستفهام في قوله: وَما يُدْرِيكَ [عبس: 3] فإنه مترتب عليه معنى. وقال ابن عطية، وابن جبارة الهذلي: على جواب التمني وفيه نظر، إذ ليس في اللفظ تمن إنما فيه ترج، وقد فرق الناس بين التمني والترجي بأن الترجي لا يكون إلا في الممكن عكس التمني فإنه يكون فيه وفي المستحيل، وتقدم الخلاف في: وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ في الرعد فمن بناه للفاعل فعلى حذف المفعول أي صد قومه عن السبيل.\rقوله: إِلى إِلهِ مُوسى أي: انظر إليه واطلع على حاله اهـ من الشارح من سورة القصص.\rقوله: (قال فرعون ذلك) أي: قوله: ابْنِ لِي صَرْحاً الخ. وقوله: (تمويها) أي تلبيسا وتخليطا على قومه، وإلا فهو يعرف ويعتقد حقية الإله وأنه ليس في جهة، ولكنه أراد التلبيس على قومه توصلا لبقائهم على الكفر، فكأنه يقول: لو كان إله موسى موجودا لكان له محل ومحله إما الأرض وإما السماء، ولم نره في الأرض فيبقى أن يكون في السماء والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: وقوله: (مموه) أي مزخرف أي ممزوج من الحق والباطل اهـ.\rوفي المختار: التمويه التلبيس اهـ.\rقوله: وَكَذلِكَ أي: مثل ذلك التزيين أي كتزيين القول المذكور له زين لفرعون، وعبارة القرطبي: أي كما قال هذه المقالة وارتاب زين له الشيطان أو زين اللّه له سوء عمله أي الشرك والتكذيب اهـ.\rقوله: (بفتح الصاد وضمها) سبعيتان. قوله: وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ أي في إبطال آيات موسى إلا في تباب أي: خسار وهلاك اهـ خازن.","part":6,"page":479},{"id":2439,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 480\rاتَّبِعُونِ بإثبات الياء وحذفها أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) تقدم\rيا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ تمتع يزول وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (39)\rمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بضم الياء وفتح الخاء وبالعكس يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40) رزقا واسعا بلا تبعة\r* وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى قوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو الرجل المؤمن، وقيل: موسى اهـ بيضاوي.\rقوله: اتَّبِعُونِ أي اعملوا بنصيحتي اهـ.\rوفي أبي السعود: اتَّبِعُونِ الخ أجمل لهم أولا، ثم فسر بقوله: يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الخ فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها، لأن الإخلاد إليها رأس كل شر، ومنه يتشعب فنون ما يؤدي إلى سخطه تعالى، ثم ثنى بتعظيم الآخرة فقال: وَإِنَّ الْآخِرَةَ الخ اهـ.\rقوله: (بإثبات الياء وحذفها) كل من الوجهين يجري في الوصل والوقف، والقراءتان سبعيتان، وهذا بالنظر للفظ وأما في الرسم فهي محذوفة لا غير لأنها من ياءات الزوائد، وقوله: (تقدم) أي تقدم قريبا تفسير سبيل الرشاد بأنه طريق الصواب اهـ.\rقوله: (تمتع يزول) أي قليل يسير لأن التنوين للتقليل اهـ.\rقوله: هِيَ دارُ الْقَرارِ أي: الثبات فلا انتقال ولا تحول عنها اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً الخ من كلام الرجل المؤمن. قوله: (بضم الباء وفتح الحاء الخ) سبعيتان.\rقوله: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ الخ من كلام الرجل المؤمن. قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاء بالواو في النداء الأول والثالث دون الثاني؟ قلت: لأن الثاني داخل في كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: ترك العطف في النداء الثاني لأنه تفصيل لإجمال الأول، وهنا عطف لأنه ليس بتلك المثابة لأنه كلام مباين للأول والثاني فحسن إيراد الواو العاطفة فيه اهـ.\rقوله: وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ هذه الجملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك بعد استفهامه عن دعائه لهم، ويجوز أن يكون التقدير وما لكم تدعونني إلى النار وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالا، أي ما لي أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار اهـ سمين.\rوعبارة أبي السعود: مالي أدعوكم ما: مبتدأ والظرف بعدها خبر عنها، وجملة أدعوكم الخ حال، والاستفهام المفاد بما تعجبي ومدار التعجب دعوتهم إياه إلى النار لا دعوته إياهم إلى النجاة، كأنه قال: أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر، وقوله: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ الخ بدل أو بيان فيه معنى التعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام، وقوله: ما لَيْسَ لِي","part":6,"page":480},{"id":2440,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 481\rالنَّارِ (41)\rتَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الغالب على أمره الْغَفَّارِ (42) لمن تاب\rلا جَرَمَ حقا أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لأعبده لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ أي استجابة دعوة فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا مرجعنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ الكافرين هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (43)\rفَسَتَذْكُرُونَ إذا عاينتم العذاب ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِهِ عِلْمٌ أي بشركته في المعبودية، وقيل: بربوبيته، والمراد نفي المعلوم رأسا وهو المعبود فضلا عن عبادته اهـ.\rقوله: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ الخ هذه الجملة بدل من تدعونني الأولى على جهة البيان لها وأتى في قوله: تَدْعُونَنِي بجملة فعلية ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله وَأَنَا أَدْعُوكُمْ بجملة اسمية ليدل على ثبوت دعوته وتقويتها اهـ سمين.\rقوله: لا جَرَمَ جرم فعل ماض بمعنى حق ووجب، وقوله: أنما تدعونني إليه فاعله أي: حق ووجب عدم استجابة دعوة آلهتكم. وقيل: جرم فعل من الجرم وهو القطع كما أن بد من لا بد فعل من التبديل أي: التفريق اهـ أبو السعود.\rوهذا لا يناسب عبارة الشارح حيث فسرها بحقا والمناسب لها عبارة المختار ونصها: وقولهم لا جرم. قال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقا، فلذلك يجاب عنه باللام كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جزم لآتينك اهـ.\rقوله: والأولى أن يجعل حقا في كلامه مفعولا مطلقا معمولا لفعل محذوف دل عليه لا جرم، وقوله: أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فاعل بذلك الفعل المحذوف، والمعنى حق أن ما تدعونني إلي حقا، وتقدم لهذا مزيد بسط في سورة هود.\rقوله: أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ما اسم موصول بمعنى الذي فكان حقها أن تكتب مفصولة من النون كما هو القاعدة أن الموصولة مفصولة، لكنها رسمت في المصحف الإمام موصولة بالنون أي ترسم هي في النون، كما أشار له ابن الجزري ونصه مع شرح شيخ الإسلام، وقطعوا أن ما المفتوح همزه من قوله (و أن ما يدعون من دونه معا) أي: في الحج ولقمان وخلف ما في الأنفال ونحل أي: وفي النحل من قوله تعالى في الأولى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ [الأنفال: 41] وقوله في الثانية إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النحل: 95] وقعا بألف الاطلاق وما عداها نحو فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين موصول اهـ.\rقوله: (أي استجابة دعوة) عبارة الخازن: ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة يعني: ليست له استجابة دعوة لأحد في الدنيا ولا في الآخرة، وقيل: ليس له دعوة إلى عبادته في الآخرة لأن الأصنام لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها انتهت.\rقوله: فَسَتَذْكُرُونَ أي: يذكر بعضكم بعضا، وقوله: ما أَقُولُ لَكُمْ أي النصيحة. قوله:\rوَأُفَوِّضُ أَمْرِي الخ مستأنف. قوله: (قال ذلك) أي: قال فَسَتَذْكُرُونَ الخ لما توعدوه أي:","part":6,"page":481},{"id":2441,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 482\rبِالْعِبادِ (44) قال ذلك لما توعدوه بمخالفته دينهم\rفَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا به من القتل وَحاقَ نزل بِآلِ فِرْعَوْنَ قومه معه سُوءُ الْعَذابِ (45) الغرق ثم\rالنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها بالقتل، ففر هاربا من بينهم، فأرسل فرعون خلفه ألفا ليقتلوه، فأكلت السباع بعضهم ورجع بعضهم هاربا، فقتل فرعون من رجع عقوبة على عدم قتله بذلك لذلك الرجل المؤمن، قوله: (بمخالفته دينهم) الباء فيه سببية أي توعدوه بالقتل بسبب أن خالف دينهم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: أن ذلك الرجل فرّ منهم إلى جبل، فأتبعه فرعون طائفة فوجدوه يصلي والوحوش صفوف حوله فرجعوا رعبا فقتلهم فرعون اهـ.\rوفي زاده: قوله: فَسَتَذْكُرُونَ الخ لما بلغ مؤمن آل فرعون في باب النصيحة إلى هذا الكلام ختم كلامه بخاتمة لطيفة، فقال فستذكرون ما أقول لكم وهو كلام مجمل في باب التخويف بعد تفصيل وجوهه، ولما خوفهم بقوله فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ توعدوه وخوفوه بالقتل، فعوّل في دفع مكرهم وكيدهم على اللّه حيث قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ كما رجع موسى إليه تعالى حين خوفه فرعون بالقتل، فقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ الخ. قال مقاتل: لما قال المؤمن هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبال فطلبوه فلم يقدروا عليه، فذلك قوله تعالى: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا اهـ.\rقوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا أي: شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم، ونجا ذلك الرجل مع موسى عليه السّلام من الغرق اهـ أبو السعود.\rقوله: (قومه معه) وعدم التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره ضرورة أنه أولى منهم بذلك اهـ أبو السعود.\rقوله: النَّارِ مبتدأ، وجملة يعرضون عليه خبره، والجملة مستأنفة هذا هو المناسب لصنيعه حيث فسرّ سوء العذاب بالغرق، وقدر ثم في الدخول على ما بعدها ليشير إلى أنه مستأنف، وقوله:\rيُعْرَضُونَ عَلَيْها أي: تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة. هذا ما رواه ابن مسعود ليغاير قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ الخ اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والجمهور على أن هذه العرض في البرزخ، واحتج بعض أهل العلم على إثبات عذاب القبر بقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ما دامت الدنيا، كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ. وفي الحديث، وعن ابن مسعود: «أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم». وعنه أيضا «أن أرواحكم في جوف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين» فذلك عرضها اهـ قرطبي.\rوفي السمين: قوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها الجمهور على رفعها وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها بدل من سوء العذاب. الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سوء العذاب النار لأنه جواب لسؤال","part":6,"page":482},{"id":2442,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 483\rيحرقون بها غُدُوًّا وَعَشِيًّا صباحا ومساء وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يقال أَدْخِلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء أمر للملائكة أَشَدَّ الْعَذابِ (46) عذاب جهنم\rوَاذكر إِذْ يَتَحاجُّونَ يتخاصم الكفار فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً جمع تابع فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ دافعون عَنَّا نَصِيباً جزءا مِنَ النَّارِ (47)\rقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) فأدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار مقدر، ويعرضون على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالا من النار، ويجوز أن يكون حالا من آل فرعون. الثالث: أنه مبتدأ وخبره يعرضون، وقرئ النار منصوبا وفيها وجهان، أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أى يصلون النار يعرضون عليها كقوله: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: 31]. والثاني: أن ينتصب على الاختصاص قاله الزمخشري، فعلى الأولى لا محل ليعرضون لكونه مفسرا، وعلى الثاني هو حال كما تقدم اهـ.\rقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ فيه ثلاثة أوجه، أظهرهما: أنه معمول لقول مضمر وذلك القول المضمر تحكى به الجمل الأمرية من قوله أَدْخِلُوا، والتقدير ويقال لهم يوم القيامة الساعة ادخلوا.\rالثاني: أنه منصوب بادخلوا أي ادخلوا يوم تقوم، وعلى هذين الوجهين فالوقف تام قوله وَعَشِيًّا.\rوالثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله فيكون معمولا ليعرضون، والوقف على هذا على قوله السَّاعَةُ وادخلوا معمول لقول مقدر أي يقال لهم كذا وكذا. وقرأ الكسائي، وحمزة، ونافع، وحفص: أدخلوا بقطع الهمزة أمر من أدخل، فآل فرعون مفعول أول، وأشد العذاب مفعول ثان، والباقون ادخلوا بهمزة وصل من دخل يدخل، فآل فرعون منادى حذف حرف النداء منه وأشد منصوب به إما ظرفا وإما مفعولا به، أي: ادخلوا يا آل فرعون في أشد العذاب اهـ سمين.\rقوله: (عذاب جهنم) تفسير للأشد فإنه أشد مما كانوا فيه أو تفسير للعذاب، فإن عذابها ألوان بعضها أشد من بعض اهـ أبو السعود.\rقوله: (و اذكر) أي يا محمد لقومك. قوله: (فيقول الضعفاء الخ) تفصيل للتخاصم. قوله: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أي فتكبرتم على الناس بنا اهـ خطيب.\rوقوله: (جمع تابع) كخدم جمع خادم اهـ شيخنا.\rقوله: (دافعون) جعله تفسيرا لمغنون فيكون نصيبا منصوبا بمغنون من غير تقدير، وعبارة غيره:\rونصيبا منصوب بمضمر يدل عليه مغنون أي: دافعون أو بمغنون على تضمينه معنى الحمل أي:\rحاملون عنا نصيبا الخ. ومن النار صفة لنصيبا اهـ شيخنا.\rقوله: (إنا كل فيها) أي فكيف نغني عنكم، ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا فكل مبتدأ وفيها خبره، والجملة خبر إن اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ أي: فلا يغني أحد عن أحد شيئا، فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون كلهم إلى خزنة جهنم يسألونهم كما قال: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ الخ اهـ خطيب.","part":6,"page":483},{"id":2443,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 484\rوَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً أي قدر يوم مِنَ الْعَذابِ (49)\rقالُوا أي الخزنة تهكما أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرات قالُوا بَلى أي فكفروا بهم قالُوا فَادْعُوا أنتم فإنا لا نشفع لكافر، قال تعالى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (50) انعدام\rإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51) جمع وفي أبي السعود: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ أي: من الضعفاء والمستكبرين جميعا لما ضافت حيلهم وعييت بهم عللهم، وقوله: لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أي: الملائكة الموكلين بعذاب أهلها اهـ.\rقوله: لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أي: لخزنتها، ووضع جهنم موضع الضمير للتهويل أو لبيان محلهم فيها، ويحتمل أن تكون جهنم أبعد دركاتها من قولهم بئر جهنام أي: بعيدة القعر اهـ بيضاوي.\rوقوله: أو لبيان محلهم فيها هذا بناء على أنها علم لأسفل محالها، والأول بناء على أنها علم لها مطلقا اهـ شهاب.\rقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ أي: المحسن إليكم بأنكم لا تجدون للنار ألما اهـ خطيب.\rقوله: يَوْماً مِنَ الْعَذابِ من العذاب ظرف ليخفف ومفعوله محذوف أي يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم، ولا يجوز أن يكون من العذاب هو المفعول ومن تبعيضية ويوما ظرف اهـ خطيب.\rواقتصارهم في الاستدعاء على ما ذكر من تخفيف قدر يسير من العذاب في مقدرا قصير من الزمان دون رفعه رأسا، ودون تخفيف قدر كثير منه في زمان مديد، لأن ذلك عندهم مما ليس في حيز الامكان ولا يكاد يدخل تحت أمانيهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي قدر اليوم) أي: من أيام الدنيا وفسره به لأنه ليس في الآخرة ليل ولا نهار اهـ شهاب.\rقوله: (قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ أي: ألم تنتهوا عن هذا ولم تك تأتيكم اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ الخ أرادوا به إلزامهم الحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإجابة اهـ.\rقوله: قالُوا بَلى أي: أتونا فكذبناهم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ الخ يحتمل أن يكون من كلام الخزنة، وأن يكون من كلام اللّه إخبارا لنبيه وهو أنسب بما بعده اهـ شهاب.\rوهذا ما جرى عليه الشارح. قوله: (انعدام) أي: من الإجابة، وعبارة البيضاوي: إلا في ضلال أي: ضياع لا يجاب فيه إقناط لهم عن لهم عن الإجابة اهـ.\rقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا أي: بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة الغلبة امتحانا، فإن العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر اهـ أبو السعود.","part":6,"page":484},{"id":2444,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 485\rشاهد وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب\rيَوْمَ لا يَنْفَعُ بالياء والتاء الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ عذرهم لو اعتذروا وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي البعد من الرحمة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) الآخرة أي شدة عذابها\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى التوراة والمعجزات وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ من بعد موسى الْكِتابَ (53) التوراة\rهُدىً هاديا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54) وقد نصرهم بالقهر على من عاداهم وأهلك أعداءهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل فإنه قتل به سبعون ألفا اهـ خازن.\rقوله: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ معطوف على في الحياة الدنيا: أي: لننصرهم في الحياة الدنيا وفي يوم القيامة اهـ.\rقوله: (جمع شاهد) كقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً [الأحزاب: 45] ويصح أن يكون جمع شهيد كقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: 41] اهـ سمين.\rقوله: (و هم الملائكة) في البيضاوي: والمراد بالإشهاد من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين اهـ.\rأما الملائكة، فهم الكرام الكاتبون يشهدون بما شاهدوا. وأما الأنبياء فإنهم يحضرون يوم القيامة يشهدون على الأمم بالتصديق والتكذيب. قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41]. وأما المؤمنون فيشهدون على الناس أيضا يوم القيامة قال تعالى:\rوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ اهـ زاده.\rقوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الخ بدل من يوم قبله. قوله: (بالياء والتاء) سبعيتان. قوله: (لو اعتذروا) جواب عما يقال قوله: لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ يدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أنها لا تنفعهم، فما وجه الجمع بين هذا وبين قوله: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ؟ [المرسلات: 36] وتقدير الجواب أن قوله: لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ لا يدل إلا على أنهم ليس عندهم عذر مقبول نافع، وهذا يصدق بأن لا يعتذروا أصلا فلا منافاة بينهما إن كان سلب النفع لانتفاع أصل المعذرة، وأما إن كان سلب النفع مبنيا على أنهم يذكرون الأعذار ولكنها لا تنفعهم، فيحتاج في دفع التناقض إلى اعتبار تعدد الأوقات، فإن يوم القيامة يوم طويل، فجاز أن يعتذروا في وقت ولا يعتذروا في وقت آخر بأن يمنعوا من الكلام بأن يقال لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] اهـ زاده.\rوعبارة الكرخي: قوله: مَعْذِرَتُهُمْ (عذرهم) أشار إلى أن المعذرة والعذر معناهما واحد وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة، أو لأنه لا يؤذن لهم فيعتذرون، فالآية من نفي المقيد والقيد اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى الخ لما ذكر تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعا من تلك النصرة في الدنيا فقال: وَلَقَدْ آتَيْنا الخ اهـ خطيب.\rقوله: وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي: بعد ما كانوا فيه من الذل اهـ خطيب.\rقوله: هُدىً وَذِكْرى فيهما وجهان، أحدهما: أنهما مفعول من أجله أي لأجل الهدى","part":6,"page":485},{"id":2445,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 486\rتذكرة لأصحاب العقول\rفَاصْبِرْ يا محمد إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصر أوليائه حَقٌ وأنت ومن اتبعك منهم وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ليستن بك وَسَبِّحْ صلّ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِ وهو من بعد الزوال وَالْإِبْكارِ (55) الصلوات الخمس\rإِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ القرآن بِغَيْرِ سُلْطانٍ برهان أَتاهُمْ إِنْ ما فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ تكبر وطمع أن يعلوا عليك ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ من شرّهم بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ (56) والذكرى، والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال اهـ سمين.\rقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ لما بيّن تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثل في ذلك بحال موسى خاطب بعد ذلك محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: فَاصْبِرْ أي: على أذى قومك كما صبر موسى على أذى فرعون. قال الكلبي: فنسخت آية القتال آية الصبر اهـ خطيب.\rقوله: (ليستن بك) هذا على رأي من لا يجوز الصغائر على الأنبياء أصلا، فيقول: هذا تعبد من اللّه لنبيه ليزيده به درجة وليصير سنّة لغيره من بعده اهـ حازن.\rوفي البيضاوي: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك الحاصلة بترك الأولى والاهتمام بأمر الأعداء بالاستغفار فإنه كافيك في النصر بإظهار الأمر اهـ.\rوفي القرطبي: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قيل لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: لذنب نفسك على قول من يجوز الصغائر على الأنبياء، ومن قال لا تجوز قال هذا تعبد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالدعاء كما قال: وَآتِنا ما وَعَدْتَنا [آل عمران: 191] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده، وقيل: واستغفر اللّه من ذنب صدر منك قبل النبوة اهـ.\rقوله: (و هو من بعد الزوال) وفيه أربع صلوات والإبكار من الفجر إلى الزوال وفيه صلاة واحدة، فلهذا قال: الصلوات الخمس تفسير للتسبيح الواقع بالعشي والإبكار اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ عام في كل مجادل وإن نزل في مشركي مكة اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخطيب: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ لما ابتدأ بالرد على المجادلين في آيات اللّه، واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على العلة التي تحمل الكفار على تلك المجادلة وهي قوله: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ، انتهت.\rقوله: بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ تقييد المجاملة بذلك مع استحالة إتيانه للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين لا بد من استناده إلى سلطان مبين اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ خبر إن اهـ أبو السعود.\rقوله: ما هُمْ بِبالِغِيهِ أي: ببالغي كبرهم أي: ببالغي مقتضاه وهو التعاظم والرئاسة والتقدم عليك فاستعذ باللّه أي فالتجىء إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك اهـ أبو السعود.","part":6,"page":486},{"id":2446,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 487\rبأحوالهم، ونزل في منكري البعث\rلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ابتداء أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ مرة ثانية وهي الإعادة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (57) ذلك، فهم كالأعمى ومن يعلمه كالبصير\rوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ لا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهو المحسن وَلَا الْمُسِيءُ فيه زيادة لا قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (58) يتعظون بالياء والتاء، أي تذكرهم قليل جدا\rإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ شك فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59) بها\rوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي اعبدوني أثبكم بقرينه ما بعده إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قوله: (ابتداء) أي: من غير سبق مادة، وقوله أَكْبَرُ أي: أعظم وأشق بحسب عادة الناس في مزاولة الأفعال من أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الصغير، وإن كان بالنسبة إلى اللّه تعالى لا تفاوت بين الصغير والكبير. قوله: (و من يعلمه كالبصير) أتى به توطئة لقوله وَما يَسْتَوِي الخ.\rقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي الغافل والمستبصر اهـ بيضاوي.\rوقوله: (الغافل الخ). يعني أن الوصفين المذكورين مستعاران لمن غفل عن معرفة الحق في مبدئه ومعاده، ومن كان بصيرا في معرفتها ولذا قدم الأعمى لمناسبته لما قبله من نفي النظر والتأمل، وقدم الذين آمنوا بعده مجاورة البصير ولشرفهم اهـ زاده.\rوفي السمين: وَلَا الْمُسِيءُ لا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسيم المؤمنين فأعاد معه لا وكيدا، وإنما قدم المؤمنين لمجاورتهما لقوله: وَالْبَصِيرُ واعلم أن التقابل يجيء على ثلاث طرق، أحدهما: أن يجاوز المناسب ما يناسبه كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود: 24]. والثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: 19] وكل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ اهـ.\rقوله: (فيه) أي: في المسيء الذي في مقابلة المحسن زيادة لا أي للتأكيد. قوله: قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ ما زائدة وقليلا مفعول مطلق على أنه صفة لموصوف محذوف أي: يتذكرون تذكرا قليلا.\rوقول الشارح: أي تذكرهم قليلا هكذا في النسخ بنصب قليلا وهو خبر عن تذكرهم، فكان الأولى رفعه ويمكن تصحيح نصبه بجعل الخبر محذوفا وجعل هذا حالا، والتقدير يحصل حاله كونه قليلا تأمل.\rقوله: (بالياء والتاء) أي: قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بالغيبة مناسبة لسابقه أي:\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 6 488\r\rله: (بالياء والتاء) أي: قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بالغيبة مناسبة لسابقه أي:\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ والباقون بالخطاب التفاتا، وفائدة الالتفات في مقام التوبيخ هي إظهار العنف الشديد والإنكار البليغ اهـ كرخي.\rقوله: لا رَيْبَ فِيها أي: في مجيئها لوضوح شواهدها وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي اعبدوني أثبكم) إطلاق الدعاء على العبادة مجاز لتضمن العبادة له، لأنه عبادة خاصة","part":6,"page":487},{"id":2447,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 488\rعِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60) صاغرين\rاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إسناد الإبصار إليه مجازي لأنه يبصر فيه إِنَّ اللَّهَ أريد بها المطلق وجعل الإثابة لترتبها عليها استجابة مجاز أو مشاكلة اهـ شهاب.\rوعبارة الكرخي: قوله: (بقرينة ما بعده) أي: بدلالة قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي وهذا وإن تضمن المصير إلى المجاز أرجح لما أن الأمر بالعبادة أنسب بالمقام وأولى بالاهتمام، ويؤيد بالرواية في حديث النعمان بن بشير، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الدعاء هو العبادة» وقرأ هذه الآية الحديث أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه عنه اهـ.\rحمل بعضهم الدعاء في الآية على ما هو الظاهر منه وهو السؤال والتضرع. وفي القرطبي:\rوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة، وكذا قال أكثر المفسرين، وأن المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم، وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى في شسع نعله إذا انقطع».\rويقال: الدعاء هو ترك الذنوب. وحكى قتادة، عن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي كان إذا أرسل نبي قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة:\rلِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] وكان يقال للنبي: «ليس عليك في الدين من حرج» وقال تعالى لهذه الأمة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] وكان يقال للنبي: ادعني أستجب لك، وقال لهذا الأمة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قلت: مثل هذا لا يقال من قبل الرأي قد جاء مرفوعا اهـ.\rوفي الخازن: فإن قلت. كيف قال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعو الإنسان كثيرا فلا يستجاب له؟ قلت الدعاء له شروط منها: الإخلاص في الدعاء، وأن لا يدعوا وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء، وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم، فإذا كان الدعاء بهذه الشروط كان حقيقا بالإجابة، فإما يعجلها له وإما أن يؤخرها له. يدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من رجل يدعو اللّه تعالى بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل» قالوا: يا رسول اللّه وكيف يستعجل؟ قال: «يقول دعوت فما استجاب لي» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب، وقيل: الدعاء هو الذكر والسؤال اهـ.\rقوله: (بفتح الياء وضم الخاء الخ) سبعيتان، وقوله: (صاغرين) أي: أذلاء. وفي المصباح:\rدخر الشخص يدخر بفتحتين دخورا ذل وهان وأدخرته بالألف للتعدية اهـ.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ الخ لما أمر بالاشتغال بالدعاء بين الدليل على وجود الإله المدعو فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي: ليستريحوا فيه: استراحة ظاهرية بالنوم","part":6,"page":488},{"id":2448,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 489\rلَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61) اللّه فلا يؤمنون\rذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان\rكَذلِكَ يُؤْفَكُ أي مثل إفك هؤلاء أفك الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ معجزاته يَجْحَدُونَ (63)\rاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً سقفا وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64)\rهُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ الذي هو الموت الأصغر، واستراحة حقيقية بالعبادة التي هي الدائمة اهـ خطيب.\rقوله: ذلِكُمُ أي: الفاعل المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية، وذلكم: مبتدأ، واللّه وربكم وخالق كل شيء ولا إله إلا هو: أخبار أربعة عنه اهـ أبو السعود.\rقوله: كَذلِكَ يُؤْفَكُ المضارع بمعنى الماضي، وقد أشار له بقوله أفك الَّذِينَ الخ، فأفك في كلامه فعل ماض مبني للمجهول فسّر به المضارع الذي في النظم، وجيء به استحضارا للصورة الغريبة اهـ شيخنا.\rوقوله: (أي مثل إفك هؤلاء) بفتح الهمزة وسكون الفاء إذا كان بمعنى الصرف والقلب كما هنا بخلاف ما إذا كان بمعنى الكذب فإنه بكسر الهمزة، وفي المختار: الإفك الكذب وقد أفك يأفك بالكسر، ورجل أفاك أي: كذاب، والأفك بالفتح مصدر أفكه أي: قلبه وصرفه عن الشيء وبابه ضرب ومنه قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا [الأحقاف: 22] اهـ.\rوفي القاموس: ما يقتضي أنه بمعنى الكذب فيه الكسر والفتح ونصه: أفك كضرب وعلم إفكا بالكسر والفتح والتحريك وأفوكا كذب وأفكه عنه يأفكه صرفه وقلبه اهـ.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً الخ بيان لتفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان تفضله المتعلق بالزمان، وقوله: وَصَوَّرَكُمْ الخ بيان لتفضله المتعلق بأنفسهم، والفاء في فأحسن صوركم تفسيرية، فإن الإحسان عين التصوير أي: صوركم أحسن تصوير حيث خلقكم منتصبي القامة بادي البشرة متناسبي الأعضاء اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً لما كانت دلائل وجوده تعالى إما أن تكون من الآفاق وهي أقسام، وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم بيّن منها أيضا هنا الأرض والسماء فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً مع كونها في غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرة اللّه، والسماء على علوها وسعتها مع كونها أفلاكا دائرة بنجوم وطول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار والإظلام والإضاءة بناء أي مظلة كالقبة من غير عمد وحامل، ثم ذكر دلائل النفوس وهي دلائل أحوال بدن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، فقال: وَصَوَّرَكُمْ الخ اهـ.\rقوله: هُوَ الْحَيُ أي: الحياة الحقيقية التي لا انقضاء لها اهـ أبو السعود.","part":6,"page":489},{"id":2449,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 490\rاعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65)\r* قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ دلائل التوحيد مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (66)\rهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مني ثُمَّ مِنْ قوله: (اعبدوه) فسّر به هنا من غير تعرض للاحتمال الآخر وهو السؤال لأن قوله: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقتضيه ولأنه هو المترتب على ما ذكر من أوصاف الربوبية والألوهية، وإنما ذكر عنوان الدعاء لأن اللائق هو العبادة على وجه التضرع والانكسار والخضوع اهـ شهاب.\rقوله: مُخْلِصِينَ حال، قوله: الدِّينَ مفعول به. قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ معمول لقول محذوف هو حال أي: قائلين ذلك. وعن ابن عباس: من قال لا إله إلا اللّه فليقل على أثرها الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ اهـ أبو السعود.\rفعلى هذا هو من كلام المأمورين بالعبادة، ويجوز أن يكون من كلامه على أنه استئناف لحمد ذاته بذاته اهـ شهاب.\rقوله: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ الخ قل لهم ردا عليهم فيما طلبوه منك وهو عبادة آلهتهم اهـ عمادي.\rوفي الخطيب: لما أورد على المشركين تلك الأدلة على إثبات إله العالم أمره بقوله: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ الخ أي: قل لهؤلاء الذي يجادلونك في البعث مقابلا لإنكارهم بالتوكيد إني نهيت أي: نهيا عاما ببراهين العقول، ونهيا خاصا بأدلة النقل أن أعبد الذين الخ اهـ.\rقوله: لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ أي: حين جاءني البينات أي: دلائل التوحيد العقلية والنقلية اهـ.\rقوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ لما بين أنه نهي عن عبادة غير اللّه تعالى بيّن أنه أمر بعبادة اللّه تعالى فقال: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي: أنقاد أو أخلص، فالأول: على أن يكون قول أسلم لرب العالمين من قولهم أسلم أمره إلى اللّه أي سلم، وذلك إنما يكون بالرضا والانقياد لحكمه. والثاني: على أن يكون من قولهم أسلمت له الشيء إذا جعلته سالما خالصا على التقديرين يكون مفعول أسلم محذوفا أي: أسلم أمري له أو أسلم وأخلص توحيدي له اهـ زاده.\rقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ الخ لما استدل على ثبوت الإله بأربع من دلائل الآفاق وهي الليل والنهار والأرض والسماء، وبثلاث من دلائل الأنفس وهي التصوير وحسن الصورة ورزق الطيبات ذكر من دلائل الأنفس كيفية تكوّن البدن من ابتداء كونه نطفة إلى آخر الشيخوخة والموت فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ الخ اهـ زاده.\rقوله: (بخلق أبيكم آدم منه) أي: فالكلام على حذف مضاف. قوله: طِفْلًا حال من الكاف في يخرجكم، ولما كانت الحال مفردة وصاحبها جمعا وهذا لا يسوغ أولها بالجمع لأجل التطابق اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: قال ابن الأنباري: ويكون الطفل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والجمع كقوله:\r(أو الطفل) الذين لم يظهروا ويجوز فيه المطابقة أيضا اهـ.","part":6,"page":490},{"id":2450,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 491\rعَلَقَةٍ دم غليظ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا بمعنى أطفالا ثُمَ يبقيكم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ تكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً بضم الشين وكسرها وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي قبل الأشد والشيخوخة، فعل ذلك بكم لتعيشوا وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وقتا محدودا وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) دلائل التوحيد فتؤمنون\rهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً أراد إيجاد شيء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) بضم النون وفتحها بتقدير أن، أي يوجد عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور\rأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ القرآن أَنَّى كيف قوله: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً معطوف على لتبلغوا أو معمول لمحذوف نظير ما تقدم أي: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا اهـ.\rقوله: (بضم الشين وكسرها) سبعيتان. قوله: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى اللام للتعليل معطوفة على علة أخرى مقدرة قدرها بقوله (لتعيشوا) والمعلل هو ما تقدم من الأفعال الصادرة منه تعالى، كما أشار إليه بقوله (فعل) ذلك بكم، وقوله: أَجَلًا مُسَمًّى وهو وقت الموت، وقوله: وَلَعَلَّكُمْ الخ الواو حرف عطف، ولعل حرف تعليل وهذه العلة معطوفة على العلة التي قبلها اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: قوله: وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ عطف على قوله لِتَبْلُغُوا الخ، وهذا مما يؤيد القول بأنها تكون للتعليل، وقوله: (ما في ذلك) أي: التنقل في الأطوار إلى الأجل المذكور اهـ.\rقوله: فَإِذا قَضى أَمْراً الخ مرتبط بجميع ما تقدم من قوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ إلى هنا. وفي البيضاوي: والفاء للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق من حيث إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد اهـ.\rوقوله: (نتيجة ما سبق) أي: من أفعاله المذكورة بقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ إلى هنا فكأنه قيل: فمن هذه أفعاله علم أنه لا يعسر عليه شيء ولا يتوقف وجود آثاره إلا على تعلق الإرادة بوجودها اهـ زاده.\rقوله: (بضم النون) أي: على أن هذه الجملة خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون وقوله: (و فتحها بتقدير أن) أي: المضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: (عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور) مقتضى هذا أن تنحل الآية إلى هكذا، فإذا أراد إيجاد شيء فإنما يريد إيجاده فيوجد وهذا لا معنى له فالأولى كما صنع غيره جعل القول المذكور كناية عن سرعة الإيجاد، والمعنى فإذا أراد إيجاد شيء وجد سريعا عقب تعلق الإرادة بوجوده من غير توقف على استعمال آلة ولا تهيئة عدة اهـ شيخنا.\rوعبارة أبي السعود: وهذا تمثيل لتأثير قدرته تعالى في المقدورات عند تعلق إرادته بها وتصوير للسرعة فرتب المكونات على تكوينه من غير أن يكون هناك أمر ولا مأمور، والفاء الأولى للدلالة على أن ما بعدها من نتائج ما قبلها من اختصاص الإحياء والإماتة به سبحانه وتعالى اهـ.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ تعجيب من أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة وتمهيد لما","part":6,"page":491},{"id":2451,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 492\rيُصْرَفُونَ (69) عن الإيمان\rالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ القرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من التوحيد والبعث وهم كفار مكة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) عقوبة تكذيبهم\rإِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ إذ بمعنى إذا وَالسَّلاسِلُ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبره محذوف أي في يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن وبسائر الكتب والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك كما أن ما سبق من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ الخ بيان لابتناء جدالهم على معنى فاسد لا يكاد يدخل تحت الوجود فلا تكرار فيه. أي: انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آيات اللّه الواضحة الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها بالكلية اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ في محل جر على أنه بدل من الموصول الأول، أو في حيز النصب أو الرفع على الذم، وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق كما أن صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة وتكرارها اهـ أبو السعود.\rوعبارة السمين: قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلا من الموصول قبله، أو بيانا له أو نعتا، أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوبا على الذم، وعلى هذه الأوجه فقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ جملة مستأنفة سيقت للتمهيد، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ودخول الفاء فيه واضح اهـ.\rقوله: (من التوحيد والبعث) أي وسائر الكتب والشرائع اهـ.\rقوله: (إذ بمعنى إذا) جواب عن إيراد حاصله أن سوف للاستقبال، وإذ للماضي فهو مثل قولك:\rسوف أصوم أمس، ومحصل الجواب أن إذ هنا مستعملة في الاستقبال مكان إذا وسوّغ استعمالها أن هذا لما كان من أخبار اللّه تعالى وهي مقطوع بوقوعها، فكأن وقعت فعبّر فيها بما هو للماضي مع كون المعنى على الاستقبال، واستعمال إذ بمعنى إذا هنا نظير عكسه في قوله: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً [الجمعة: 11] الآية اهـ من الخطيب.\rقال السمين: بعد هذا التقرير قلت: ولا حاجة إلى إخراج إذ عن موضعها بل هي باقية على دلالتها على المضي وهي منصوبة بقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ نصب المفعول به أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الاغلال في أعناقهم أي: وقت سبب الاغلال وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تجعل الاغلال في أعناقهم، وهو وجه صحيح غاية ما فيه التصرف في إذ بجعلها مفعولا به ولا يضرنا ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون منصوب باذكر مقدرا، ولا تكون حينئذ إلا مفعولا به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي، وجوزوا أن تكون منصوبة باذكر مقيدا أي: اذكر لهم وقت الاغلال ليخافوا وينزجروا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها اهـ.\rقوله: (عطف على الاغلال) أي: فالظرف خبر عنهما فهو في نية التأخير وقد أشار لهذا بقوله:\r(فتكون في الاعناق) وقوله: (أو مبتدأ الخ)، وعلى الأولين وهما عطفه على ما قبله وكونه مبتدأ","part":6,"page":492},{"id":2452,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 493\rأرجلهم أو خبر يُسْحَبُونَ (71) أي يجرّون بها\rفِي الْحَمِيمِ أي جهنم ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) يوقدون\rثُمَّ قِيلَ لَهُمْ تبكيتا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)\rمِنْ دُونِ اللَّهِ معه وهي الأصنام قالُوا ضَلُّوا غابوا عَنَّا فلا نراهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أنكروا عبادتهم محذوف الخبر تكون جملة يسحبون حالهم من المستكن في الظرف، وقيل: استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حالهم. كأنه قيل: فماذا تكون حالهم بعد ذلك؟ فقيل: يسحبون في الحميم الخ اهـ أبو السعود.\rوالسلاسل: جمع سلسلة والسلسلة معروفة. قال الراغب: وتسلسل الشيء اضطرب كأنه تصور منه تسلسل متردد فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه، وماء سلسل متردد في مقره، والسحب الجر بعنف، والسحاب من ذلك لأن الريح تجره أو لأنه يجر الماء اهـ سمين.\rقوله: (أو خبره) يُسْحَبُونَ وعلى هذا فالرابط مقدر بقوله (بها) اهـ شيخنا.\rقوله: (أي جهنم) وقال الخطيب: أي المار الحار الذي يكسب الوجوه سوادا، والأعراض عارا، والأرواح عذابا والأجسام نارا اهـ.\rقوله: يُسْجَرُونَ من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، والمراد أنهم يعذبون بألوان العذاب وينقلون من باب إلى باب اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ الخ أي: يقال ويقولون وصيغة الماضي للدلالة على التحقق، وقوله:\rضَلُّوا عَنَّا وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم اهـ أبو السعود.\rوقد أشار الشارح لهذا بقوله (ثم أحضرت). وفي الكرخي: قوله: (ثم أحضرت الخ) جواب ما عسى يورد هنا من أن هذا الوجه مخالف لقوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: 98] أي: فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم. يعني يجوز أن يكون هذا الوجه قبل أن تقرن بهم آلهتهم فإن النار فيها أمكنة متعددة وصفات مختلفة اهـ.\rقوله: أَيْنَ ما كُنْتُمْ الخ ترسم أين مفصولة من ما كما أشار إليه ابن الجزري ونصه مع شرحه لشيخ الإسلام: فأينما كالنحل صل أي: وصل أين بما في قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: 119] بالبقرة كالنحل أي: كما تصله بها في قوله: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [النحل: 76] بالنحل ومختلف أي: والاختلاف في: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء: 92] في الشعراء: أَيْنَما ثُقِفُوا [الأحزاب: 61] في الأحزاب أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: 78] في النساء وصف أي: ذكر أي: ذكره أهل الرسم وما عدا الثلاثة نحو: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: 37] في الأعراف: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ [غافر: 73] في غافر: أَيْنَ ما كانُوا في المجادلة [المجادلة: 7] مقطوع اهـ.\rقوله: (و هي الأصنام) تفسير لما. قوله: (أنكروا عبادتهم إياها) وهذا المعنى بعيد في مقام الحساب والعرض على رب العالمين، لذا قال أبو السعود: بل لم نكن ندعو من قبل شيئا أي: بل تبين","part":6,"page":493},{"id":2453,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 494\rإياها ثم أحضرت، قال تعالى إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أي وقودها كَذلِكَ أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74) ويقال لهم أيضا\rذلِكُمْ العذاب بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ من الإشراك وإنكار البعث وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) تتوسعون في الفرح\rادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)\rفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بعذابهم حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ فيه إن الشرطية مدغمة، وما زائدة تؤكد معنى لنا أنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم لما ظهر لنا اليوم أنهم لم يكونوا شيئا يعتد به كقولك: حسبته شيئا فلم يكن كذلك أي: مثل ذلك الضلال الفظيع يضل اللّه الكافرين حيث لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في الآخرة، أو كما ضل عنهم آلهتهم يضلهم عن آلهتهم حتى إن يطالبوا لم يتصادفوا اهـ.\rوفي القرطبي: بل لم نكن ندعو من قبل شيئا أي: شيئا يضر ولا ينفع ولا يبصر ولا يسمع، وليس هذا إنكارا لعبادة الصنم، بل هو اعتراف بأن عبادتهم في الأصنام كانت باطلة اهـ.\rقوله: (ثم أحضرت) أي: عندهم فرأوها وقوله: (قال تعالى الخ) استدلال على قوله: (ثم أحضرت) اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكُمْ أي: ذلكم العذاب لما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تمرحون بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا أي: أنزلنا لكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة، وقيل: إن فرحهم بما عندهم أنهم قالوا للرسل نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذب، وكذا قال مجاهد في قوله عز وجل فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر: 83]. وبما كنتم تمرحون قال مجاهد وغيره: أي تبطرون وتأشرون، وقال الضحاك:\rالفرح السرور والمرح العدوان اهـ قرطبي.\rقوله: (تتوسعون في الفرح) أي: فالمرح سعة الفرح أي: شدته، وفي المصباح: مرح مرحا فهو مرح مثل فرح فرحا وزنا ومعنى، وقيل: المرح أشد من الفرح اهـ.\rقوله: (من الإشراك الخ) بيان لما. قوله: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ الخ أي: ويقال لهم ادخلوا الخ اهـ قرطبي.\rفهو معطوف على قوله: ذلِكُمْ الخ في حيز القول المقدر. قوله: فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ كان الظاهر أن يقال: فبئس مدخل المتكبرين، وعبر عن المدخل بالمثوى لكون دخولهم بطريق الخلود اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم الثواء فلذلك خصه بالذم وإن كان الدخول أيضا مذموما اهـ.\rقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ هذه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي: إنا ننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة اهـ قرطبي.\rقوله: (فيه) أي: في هذا التركيب وهذا خبر مقدم، وإن الشرطية مبتدأ مؤخر. أي: فإما","part":6,"page":494},{"id":2454,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 495\rالشرط أول الفعل، والنون تؤكد آخره بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف أي فذاك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل تعذيبهم فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) فنعذبهم أشد العذاب، فالجواب المذكور للمعطوف فقط\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة المذكورة فيه ليست هي إما التفصيلية، وقوله: (مدغمة) حال من إن أي: حال كونها مدغمة ولم يذكر المدغم فيه وهو ما المزيدة، فلو قال مدغمة في ما الزائدة لكان أوضح، وقوله: (تؤكد) معنى الشرط المراد به التعليق، فالإضافة بيانية أو المراد به أن الإضافة من إضافة المدلول للدال، وقوله: (أول الفعل) حال من ما الزائدة أي: حال كونها واقعة في أول الفعل أي: فعل الشرط، وقوله: (و النون) تؤكد أي: تؤكد الفعل فلم يذكر المؤكد بفتح الكاف، وقوله: (آخره حال) من النون أي: حال كونها واقعة آخر الفعل أي: في آخره، والحاصل أن هنا مؤكدين بكسر الكاف وهما ما والنون ومؤكدين بفتحها وهما التعليق وفعل الشرط اهـ شيخنا.\rقوله: (و جواب الشرط) أي: الأول. قوله: (فالجواب المذكور للمعطوف فقط) جواب عما يقال نتوفينك معطوف على نرينك ففي الكلام شرطان اشتركا في جزاء واحد وهو فإلينا يرجعون، فيلزم أن يكون كل واحد من الشرطين سببا للجزاء المذكور وهو انتقامه تعالى منهم في الآخرة، وكون الشرط الأول سببا له غير معقول لأن تعذيبهم في الدنيا بمرأى من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف يكون سببا لانتقامه تعالى منهم في الآخرة، وإن جعل فإلينا يرجعون جوابا للشرط الثاني وحده بقي الشرط الأول بغير جزاء وتقرير جوابه ظاهر اهـ زاده.\rقوله: (للمعطوف فقط) قال البيضاوي بعد ما قرر مثل هذا: ويجوز أن يكون جوابا لهما بمعنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ الخ معنى الآية أن اللّه تعالى قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنت كالرسل من قبلك، وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين، وليس منهم أحد أعطاه اللّه آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه وكذبوه فيها فصبروا وكانوا أبدا يقترحون على أنبيائهم إظهار المعجزات الزائدة على ما أتوا به عنادا وعبثا، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن اللّه، واللّه سبحانه علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره ولم يقدح ذلك في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة على ما أتيت به لما لم يكن إظهارها حاصلا لا جرم لم نظهرها اهـ خطيب.\rقوله: رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ المراد بهم ما يشمل الأنبياء بدليل العدد الذي ذكره. قوله: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ أي: ذكرنا لك قصصهم وأخبارهم في القرآن وهم خمسة وعشرون، والباقي لم نقصه عليك فيه اهـ شيخنا.\rويجوز في منهم أن يكون صفة لرسلا فيكون من قصصنا فاعلا به لاعتماده، ويجوز أن يكون خبرا مقدم، ومن مبتدأ مؤخرا، وفي الجملة وجهان، أحدهما: الوصف لرسلا وهو الظاهر. والثاني:\rالاستئناف اهـ كرخي.\rقوله: (روي أنه تعالى الخ) عبّر عنه الكشاف بقيل. قال الطيبي: والصحيح ما روينا عن الإمام","part":6,"page":495},{"id":2455,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 496\rآلاف من سائر الناس وَما كانَ لِرَسُولٍ منهم أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنهم عبيد مربوبون فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بنزول العذاب على الكفار قُضِيَ بين الرسل ومكذبيهم بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) أي ظهر القضاء والخسران للناس، وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك\rاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ قيل الإبل خاصة هنا، والظاهر والبقر والغنم لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79)\rوَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ من الدر والنسل والوبر والصوف وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ هي حمل الأثقال إلى البلاد وَعَلَيْها في البر وَعَلَى الْفُلْكِ السفن في البحر أحمد عن أبي ذر قال، قلت يا رسول اللّه: كم عدة الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» اهـ كرخي.\rقوله: وَما كانَ لِرَسُولٍ أي: ما صح وما استقام لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن اللّه، فإن المعجزات عطايا قسمها اللّه تعالى بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم ليس لهم اختيار في إيثار بعضها ولا استبداد بإتيان مقترحها اهـ بيضاوي.\rقوله: (لأنهم عبيد مربوبون) أي: وأنت مثلهم فلا تقدر أن تأتي بشيء من الآيات إلا بإذن اللّه فهذا رد على قريش فيما اقترحوا عليه من الآيات كقولهم: اجعل لنا الصفا ذهبا اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: ورب كل شيء مالكه ومستحقه أو صاحبه والمربوب المملوك اهـ.\rقوله: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي: قضاؤه وحكمه بنزول العذاب الخ. قوله: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ ختمه بقوله: الْمُبْطِلُونَ وختم السورة بقوله: الْكافِرُونَ، لأن الأول متصل بقوله:\rقُضِيَ بِالْحَقِ ونقيض الحق هو الباطل، والثاني متصل بإيمان غير نافع ونقيض الإيمان الكفر اهـ كرخي.\rقوله: (و هم خاسرون في كل وقت الخ) تعليل للتأويل الذي ذكره بقوله: (أي ظهر القضاء الخ) أي: إنما أول بما ذكر لأن القضاء والخسران محكوم بهما قبل ذلك، بل في الأزل فلا يصح تعليقها على مجيء أمر اللّه الذي هو عبارة عن القضاء اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل الإبل خاصة) أي: قيل الأنعام هي الإبل، وهذا القول هو الظاهر لأنها هي التي توجد فيها المنافع الآتية كلها، وقوله: لِتَرْكَبُوا مِنْها تفصيل لهذا الإجمال ومن ابتدائية وقيل: تبعيضية، وقوله: تُحْمَلُونَ لعل المراد به حمل النساء والولدان عليها في الهوادج وهو السر في فصله عن الركوب، وفي الجمع بينها وبين الفلك في الحمل لما بينهما من المناسبة التامة حتى سميت سفائن البر اهـ أبو السعود.\rقوله: وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة النحل: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ [النحل: 5] الآية. لكن هذه أجمع منها، فإن قيل: لم لم يقل وفي الفلك كما قال: قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين؟ فالجواب: أن كلمة على للاستعلاء والشيء الذي يوضع على الفلك كما يصحح أن يقال وضع فيه صح أن يقال وضع عليه، ولما","part":6,"page":496},{"id":2456,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 497\rتُحْمَلُونَ (80)\rوَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ الدالة على وحدانيته تُنْكِرُونَ (81) استفهام توبيخ وتذكير أي أشهر من تأنيثه\rأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ من مصانع وقصور فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) صح الوجهان كانت لفظة على أولى حتى تتم المزاوجة في قوله: وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وقال بعضهم: إن لفظة في هناك أليق لأن سفينة نوح على ما قيل كانت مطبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح لأن الناس على ظهرها اهـ كرخي.\rقوله: فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ منصوب بتنكرون، وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام اهـ سمين.\rوالمعنى: أي آية من تلك الآيات تنكرون فإنها لظهورها لا تقبل الإنكار اهـ بيضاوي.\rقوله: (و تذكير أي أشهر من تأنيثه) أي فلذلك لم يقل فأية آيات اللّه، لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء الجامدة نحو: حمار وحمارة غريب وهي في أي: أغرب لإبهامها اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا الخ شروع في توبيخهم والفاء عاطفة على مقدر أي أعجزوا فلم يسيروا في الأرض. أي: في أطرافها ونواحيها فينظروا بأبصارهم وبصائرهم. كيف: خبر كان مقدم، وعاقبة اسمها مؤخر، ومن قبلهم صلة الموصول، وقوله: كانوا أكثر منهم استئناف مبين لمبدأ أحوالهم وعواقبها والكثرة تعلم بالاخبار والنقل، وشدة القوة تعلم برؤية آثارهم الباقية في الأرض اهـ شيخنا.\rقوله: وَآثاراً عطف على قوة. قوله: (من مصانع) أي: أماكن في الأرض تخزن فيها المياه وهي الصهاريج اهـ شيخنا.\rوفي المختار: والمصنعة بفتح الميم وضم النون وفتحها كالحوض يجمع فيه ماء المطر، والمصانع الحصون اهـ.\rقوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ وقوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ الخ وقوله: فَلَمَّا رَأَوْا الخ وقوله: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ الخ هذه أربع فاءات، الأولى لبيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم أي أن عاقبتها خلاف وضد ما كانوا يؤملونه منها وهو نفعها، فلم يترتب عليها بل ترتب عدمه كقولك: وعظته فلم يتعظ، والثانية تشير لتفصيل ما أبهم وأجمل من عدم الإغناء، والثالثة لمجرد التعقيب وجعل ما بعدها تابعا لما قبلها واقعا عقيبة لأن مضمون قوله فَلَمَّا جاءَتْهُمْ الخ أنهم كفروا فكأنه قيل: فكفروا ثم لما رأوا بأسنا آمنوا، والرابعة للعطف على آمنوا كأنه قيل: فآمنوا فلم ينفعهم لأن النافع هو الايمان الاختياري اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: والفاء في قوله: فَما أَغْنى كالنتيجة لقوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وإنما كان كالنتيجة لأن ذلك بالحقيقة عكس غرضهم ونقيض مطلوبهم لكنه أشبه النتيجة في الترتيب، والثانية في قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ لأن قوله فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ كالتفسير لقوله فَما أَغْنى عَنْهُمْ، فالفاء تعقيبية تفسيرية إذ التفسير يعقب المفسر اهـ.","part":6,"page":497},{"id":2457,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 498\rفَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرات فَرِحُوا أي الكفار بِما عِنْدَهُمْ أي الرسل مِنَ الْعِلْمِ فرح استهزاء وضحك منكرين له وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) أي العذاب\rفَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي شدة عذابنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)\rفَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ نصبه على المصدر بفعل مقدر من قوله أيضا: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به أي: لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم مكسبهم أو كسبهم اهـ أبو السعود.\rقوله: فَرِحُوا أي: الكفار بما عندهم أي: الرسل من العلم فرح استهزاء وضحك إذ لم يأخذوه بالقبول ويمتثلوا أوامر اللّه ونواهيه. قال الزمخشري: كأنه قال استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين، ويدل عليه قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهذا أحد الأوجه في الآية، والثاني فرح الرسل عند استهزاء الكفار بهم مع كفرهم وسوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم، ففرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا اللّه حيث لم يكونوا مثلهم، وهذا أظهر من الأول، وقيل: فرح الكفار بما عندهم أي عند أنفسهم من العلم، وعليه، فالمراد بالعلم علم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة قاله القاضي إشارة إلى أن المراد بالعلم هنا ما يعلم العلم الواقع في قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل: 66] وغيره لا ذلك بعينه كما هو ظاهر كلام الزمخشري إذ لا مخصص اهـ كرخي.\rقوله: (أي العذاب) تفسير لما كانوا به يستهزئون، فإن الرسل كانوا يعدونهم بنزول العذاب عليهم في الدنيا لو لم يؤمنوا فيستهزئون بالعذاب الموعود به، كما في قوله تعالى: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَ [الأنفال: 32] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: في الدنيا. قوله: بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ وهو الأصنام.\rقوله: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ يجوز رفع إيمانهم اسما لكان، وجملة ينفعهم خبر مقدم، ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ينفعهم وفي كان ضمير الشأن، وقد تقدم لك هذا محققا في قوله: ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ [الأعراف: 137] وأنه لا يكون من باب التنازع فعليك بالالتفات إليه، ودخل حرف النفي على الكون لا على النفع لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: 35] اهـ سمين.\rقوله: (نصبه على المصدر الخ) ويجوز أن يكون منصوبا على التحذير أي: احذروا سنة اللّه في المكذبين التي قد خلت في عباده اهـ سمين.\rوقوله: (بفعل مقدر) أي سن تعالى بهم سنة من قبلهم، أي: أجراهم على عادته وسننه في الأمم الماضية، وقوله: (أن لا ينفعهم الإيمان) تفسير لسنته وعادته اهـ شيخنا.","part":6,"page":498},{"id":2458,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 499\rلفظه الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85) تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك.\rفائدة:\rرسمت سنة مجرورة، ووقف عليها ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وأمال الكسائي الهاء في الوقف اهـ خطيب.\rقوله: الَّتِي قَدْ خَلَتْ أي: مضت في عباده. قوله: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي: وقت رؤيتهم البأس على أنه اسم مكان قد استعير للزمان كما سلف آنفا اهـ أبو السعود.\rوقال السمين: لا يحتاج لهذا بل يصح إبقاؤه على أصله اهـ.\rتم بعونه تعالى الجزء السادس ويليه الجزء السابع وأوله سورة فصلت.","part":6,"page":499},{"id":2459,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 3\rالمجلد السابع\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة فصلت مكية وهي ثلاث وخمسون آية\rحم (1) اللّه أعلم بمراده به\rتَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) مبتدأ\rكِتابٌ خبره فُصِّلَتْ بسم الله الرحمن الرحيم وتسمى سورة حم السجدة، وتسمى سورة المصابيح اهـ خازن.\rوتسمى سورة السجدة اهـ اتقان.\rقوله: (مكية) أي: في قول الجميع اهـ قرطبي.\rقوله: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إنما خص هذان الوصفان بالذكر لأن الخلق في هذا العلم كالمرضى المحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية؛ فكان أعظم النفع من اللّه على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته ولطفه بخلقه اهـ خطيب.\rقوله: (مبتدأ) أي: وسوغ الابتداء به وهو نكرة وصفه بقوله: من الرحمن الرحيم وهو مصدر بمعنى المفعول، فكأنه قيل: المنزل من الرحمن الرحيم كتاب، وقوله: فصلت آياته نعت للخبر كما أشار إليه اهـ شيخنا.\rقوله: فُصِّلَتْ آياتُهُ أي: ميزت باعتبار اللفظ والمعنى اهـ بيضاوي.\rوقوله: باعتبار اللفظ أي: بفواصل الآيات ومقاطعها ومبادئ السور، وقوله: والمعنى أي بكونها وعدا ووعيدا وقصصا وأحكاما وخبرا وانشاء اهـ شهاب.\rوفي الخطيب: فصلت آياته أي ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة، فبعضها وصف ذات اللّه تعالى وصفت التنزيه والتقديس وشرح كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وعجائب أحوال خلقه من السموات والكواكب، وتعاقب الليل والنهار، وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وتواريخ الماضين. وبالجملة، فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن اهـ.","part":7,"page":3},{"id":2460,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 4\rآياتُهُ بينت بالأحكام والقصص والمواعظ قُرْآناً عَرَبِيًّا حال من كتاب بصفته لِقَوْمٍ متعلق بفصلت يَعْلَمُونَ (3) يفهمون ذلك وهم العرب\rبَشِيراً صفة قرآنا وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4) سماع قبول\rوَقالُوا للنبي قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أغطية مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا قوله: (حال من كتاب) أي: أن قرآنا حال إما مقصودة وعربيا صفة لها، أو حال منها أو حال أخرى من كتاب، أو هو حال موطئة، وعربيا هي الحال المقصودة، ويشير لهذا تأخير قوله حال عن قوله عربيا وقوله: بصفته أي: بسبب صفته أي الكتاب أي المسوغ لمجيء الحال منه وهو نكرة وصفه بما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: (متعلق بفصلت) أي: فصلت لهؤلاء وبينت لهم لأنهم المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس اهـ سمين.\rقوله: (يفهمون ذلك) أي: تفاصيل آياته المفهومة من فصلت أي يعلمون التغاير والتمايز بينها بكون بعضها أحكاما وبعضها قصصا وبعضها مواعظ وغير ذلك اهـ شيخا.\rقوله: (و هم العرب) وإنما خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها لأنهم يفهمونها بلا واسطة لكون القرآن بلغتهم وغيرهم لا يفهمها إلا بواسطتهم اهـ خطيب.\rقوله: بَشِيراً وَنَذِيراً يجوز أن يكونا نعتين لقرآنا، وأن يكونا حالين إما من كتاب وإما من آياته وإما من الضمير المنوي في قرآنا، وقرأ زيد بن علي برفعهما على النعت لكتاب، أو على خبر ابتداء مضمر أي: هو بشير ونذير اهـ سمين.\rقوله: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ معطوف على فصلت، وقوله: وَقالُوا معطوف على فأعرض.\rقوله: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أي: قالوا ذلك عند دعوته إياهم إلى القرآن والعمل بما فيه اهـ أبو السعود.\rوقوله: في أكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء، والكنان هو الذي تجعل فيه السهام ويسمى جعبة بفتح الجيم، وتجمع على جعاب مثل كلبة وكلاب، فإن قيل: هلا قيل على قلوبنا أكنة؟ أجيب:\rبأن مآل التعبيرين واحد كما لا يخفى اهـ خطيب مع زيادة من المصباح.\rوفي البيضاوي: وقالوا قلوبنا في أكنة إلى قوله: ومن بيننا وبينك حجاب هذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما ندعوهم إليه واعتقاده ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول اهـ.\rوفي زاده: شبهوا قلوبهم بالشيء المحوي المحاط بالغطاء المحيط له، وشبهوا أسماعهم بآذان بها صمم من حيث إنها تمج الحق ولا تميل إلى استماعه، وشبهوا حال أنفسهم مع الرسول بحال شيئين بينهما حجاب عظيم يمنع من وصول أحدهما إلى الآخر اهـ.\rقوله: مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من ابتدائية، وما عبارة عن التوحيد، والفعل مرفوع بضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره أنت ونا مفعول به اهـ شيخنا.","part":7,"page":4},{"id":2461,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 5\rوَقْرٌ ثقل وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ خلاف في الدين فَاعْمَلْ على دينك إِنَّنا عامِلُونَ (5) على ديننا\rقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ بالإيمان والطاعة وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ كلمة عذاب لِلْمُشْرِكِينَ (6)\rالَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ تأكيد وفي السمين: قوله: مما تدعونا إليه من هنا، وفي قوله: ومن بيننا وبينك حجاب لابتداء الغاية، فالمعنى أن الحجاب ابتدئ منا وابتدئ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة لا فراغ فيها، فلو لم تأت لفظة من لكان المعنى أن الحجاب حاصل وسط الجهتين، والمقصود المبالغة بالتباين المفرط، فلذلك جيء بمن. قال أبو البقاء: هو محمول على المعنى إذ معنى في أكنة أنها محجوبة عن سماع ما تدعونا إليه، ولا يجوز أن يكون نعتا لأكنة لأن الأكنة الأغشية وليست الأغشية مما يدعو إليه اهـ.\rوفي زاده: في الكلام حذف تقديره قلوبنا في أكنة تمنعنا من فهم ما تدعونا إليه فحذف المضاف اهـ.\rقوله: (خلاف) أي: مخالفة ومباينة في الدين. قوله: فَاعْمَلْ أي: استمر على دينك وهو التوحيد إننا عاملون أي مستمرون على ديننا وهو الإشراك اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي لست غير بشر مما لا يرى كالملك والجن بل أنا واحد منكم، والبشر يرى بعضهم بعضا ويسمعه ويبصره وجه لما تقولونه أصلا اهـ خطيب.\rوفي أبي السعود: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تلقين للجواب عنه أي: لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بيني وبينكم الحجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان كما ينبىء عنه قولكم: فاعمل إننا عاملون بل أنا بشر مثلكم مأمور بما أمرتم به حيث كلفنا جميعا بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم، فإن الخطاب في إلهكم محكي منتظم للكل لا أنه خطاب منه عليه السّلام للكفرة. وقيل: المعنى لست ملكا ولا جنيا لا يمكنكم التلقي عنه، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والأسماع، وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل، وقد يدل عليهما دلائل العقل وشواهد النقل. وقيل: المعنى إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد أوحي إليّ دونكم فصحت نبوتي بالوحي إليّ وأنا بشر، وإذا صحت نبوتي وجب عليكم اتباعي فتأمل اهـ.\rقوله: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ضمن معنى تواجهوا فعدي بإلى اهـ.\rقوله: (بالإيمان والطاعة) اي: استقيموا إليه في أفعالكم متوجهين إليه فقوله: فاستقيموا حينئذ من جملة الموحى إليه، وعلى الأول من جملة المقول، وبه فسّر الزمخشري، ويؤيد الأول قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«قل لا إله إلا اللّه ثم استقم» اهـ كرخي.\rقوله: وَاسْتَغْفِرُوهُ أي: مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل اهـ أبو السعود.\rقوله: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ جملة دعائية، وويل: مبتدأ وسوّغ الابتداء به قصد الدعاء اهـ.\rوهذا ترهيب وتنفير لهم عن الشرك اثر ترغيبهم في التوحيد ووصفهم بقوله: الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ","part":7,"page":5},{"id":2462,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 6\rكافِرُونَ (7)\rإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) مقطوع\rقُلْ أَإِنَّكُمْ الزَّكاةَ الخ لزيادة التحذير والتخويف من منع الزكاة حيث جعل من أوصاف المشركين وقرن بكفران الآخرة حيث قيل: وهم بالآخرة الخ، وهو أي قوله: وهم بالآخرة الخ عطف على لا يؤتون داخل في حيز الصلة واختلافهما بالفعلية والاسمية لما أن عدم إيتائها متجدد والكفر أمر مستمر اهـ أبو السعود.\rفإن قيل: لم خص تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟ أجيب بأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل اللّه فذاك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوح طويته. ألا ترى إلى قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بانفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بشيء من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصب لهم الحروب وجوهدوا، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد في منعها حيث جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن الكفر بالآخرة، وقال ابن عباس: هم الذين لا يقولون لا إله إلا اللّه وهي زكاة الأنفس، والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، وقال الحسن، وقتادة: لا يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها واجبا وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقال الضحاك، ومقاتل: لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ لما ذكر تعالى ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا ذكر ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا: فقال تعالى مجيبا لمن تشوق لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره: إن الذين آمنوا اهـ خطيب.\rقوله: غَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن عباس: غير مقطوع، وقيل: غير منقوص، وقيل: غير ممنون عليهم به، وقيل: غير محسوب. قيل: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن العمل والطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه اهـ خازن.\rوفي المصباح: ومننت عليه منا عددت له ما فعلت من الصنائع مثل أن تقول: أعطيتك وفعلت لك وهو تكرير وتعيير تنكسر منه القلوب، فلهذا نهى الشارع عنه بقوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة: 264] ومن هنا يقال: المن أخو المن أي: الامتنان بتعديد الصنائع أخو القطع والهدم، فإنه يقال مننت الشيء منا أيضا إذا قطعته فهو ممنون اهـ.\rقوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ الخ إنكار وتشنيع لكفرهم، وإن واللام إما لتأكيد الإنكار وقدمت الهمزة لاقتضائها الصدارة. وإما للأشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر العقلاء وقوعه فيحتاج إلى التأكيد اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: لما ذكر سبحانه سفههم في كفرهم بالآخرة شرع في ذكر الأدلة على قدرته عليها وعلى كل ما يريد كخلق الأكوان وما فيها، الشامل لهم ولمعبوداتهم من الجمادات وغيرها، الدال على أنه واحد لا شريك له فقال منكرا عليهم ومقررا بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق: قل أئنكم لتكفرون الخ اهـ.","part":7,"page":6},{"id":2463,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 7\rبتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها، وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأولى لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الأحد والاثنين وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً شركاء ذلِكَ رَبُ مالك الْعالَمِينَ (9) جمع عالم وهو ما سوى اللّه، وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون تغليبا للعقلاء\rوَجَعَلَ مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها قوله: (و إدخال ألف الخ) كان عليه أن يقول وتركه أي: الادخال كعادته، فإن القراءات السبعية هنا أربعة والذي في عبارته اثنتان فقط اهـ شيخنا.\rقوله: لَتَكْفُرُونَ الخ لام الابتداء. قوله: فِي يَوْمَيْنِ قال ابن عباس: إن اللّه خلق يوما فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس، فخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحوش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت. ولكن في حديث مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللّه بيدي فقال: «خلق اللّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وخلق الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق فيما بين العصر إلى الليل». فإن قيل: الأيام إنما توجد بدوران الأفلاك وإنما وجدت الأفلاك بعد تمام الخلق، فوقت خلق السموات والأرضين لم تكن الأيام موجودة.\rأجيب: بأن المراد من قوله في يومين مقدار يومين، أو أن المراد باليومين النوبتين أي خلقهم في نوبتين كل نوبة أسرع مما يكون في يوم اهـ خطيب.\rقوله: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وإفراد الكاف لما مرّ مرارا من أن المراد ليس تعين المخاطبين وهو مبتدأ خبره ما بعده اهـ أبو السعود.\rقوله: (و جمع الخ) جواب عما يقال إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى اللّه، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة فأكثر، فأجاب بأن المسوغ تعدد أنواعه، وقوله: بالياء والنون وإشارة لسؤال آخر محصله أن هذا الجمع خاص بالعقلاء والعالم غالبه غير عاقل، فأجاب بقوله تغليبا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (مستأنف) إلى قوله للفاصل الأجنبي هذا ثابت في بعض النسخ، وهو معترض بأن ما بين المتعاطفين من قبيل الاعتراض والاعتراض كثيرا ما يقع بين المتعاطفين وغيرهما من المتعلقات، وأكثر النسخ على إسقاط هذه العبارة وإسقاطها واضح، والحق أن قوله جعل الخ معطوف على خلق الأرض فهو من جملة الصلة تأمل، وقوله: (للفاصل الأجنبي) وهو تجعلون لأنه معطوف على تكفرون من أجزاء الصلة اهـ شيخنا.\rقوله: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها فإن قيل: ما الفائدة في قوله من فوقها؟ أجيب: بأنه تعالى لو جعل لها رواسي من تحتها لتوهم أنها التي أمسكتها عن النزول، ولكنه تعالى جعل هذه الجبال","part":7,"page":7},{"id":2464,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 8\rبكثرة المياه والزروع والضروع وَقَدَّرَ قسم فِيها أَقْواتَها للناس والبهائم فِي تمام أَرْبَعَةِ الثقال فوقها ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال الثقال مفتقرة إلى ممسك وحافظ وما هو إلا اللّه القادر المختار اهـ خطيب.\rقوله: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال محمد بن كعب: قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق والأبدان، أي: أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من الأقطار، فأضاف القوت إلى الأرض لكونه متولدا من تلك الأرض حادثا فيها، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلد معدة لنوع من الأشياء المطلوبة حتى إن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة، وبالعكس فصار هذا المعنى سببا لرغبة الناس في التجارات واكتساب الأموال لتنتظيم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جمع ما تقدم من إبداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة واحدة على مقدر لا يتعداه ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه وقدره، فأمضاه لا ينقص على حاجة المحتاجين أصلا وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه، فلا يجد له حينئذ ما يكفيه وفي الأرض أضعاف كفايته اهـ خطيب.\rقوله: (للناس والبهائم) متعلق بقدر. قوله: فِي (تمام) أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي: باليومين اللذين خلق فيهما الأرض قال مكي أي: فهو على حذف مضاف، ولو لا هذا التقدير لكانت الأيام ثمانية، يومان في الأول وهو قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ويومان في الأخير وهو قوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأربعة في الوسط. قال في الكشاف: في أربعة أيام فذلكة خلق الأرض وما فيها كأنه قال ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان اهـ.\rوالظاهر أن إطلاق الفذلكة على المجاز فإن حقيقتها أن يجمع إجمال ما فصل سابقا وذلك هنا مفقود إذ لا يعلم هنا قبل الفذلكة أن خلق ما في الأرض في يومين، ويجوز أن تكون الفذلكة بمعنى الإنهاء. ففي القاموس: فذلك حسابه أنهاه وفرغ منه، ومقدار خلق الأرض وما يتعلق بها كان في أربعة أيام لا غير وبه ينتهي حساب مقدار خلق الأرض مع متعلقاتها اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: في أربعة أيام هذا يقتضي أن مدة خلق الأرض بما فيها وخلق السموات ثمانية أيام يومان في الأول، وهو قوله تعالى: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ويومان في الآخرة وهو قوله تعالى:\rفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأربعة في الوسط وهو قوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فيخالف الآيات الدالة على أن المدة ستة أيام، فحينئذ يحتاج هذا الكلام لتأويل لأجل التوفيق بين الآيات، فقال بعضهم: في أربعة أيام أي: باليومين الماضيين، كما تقول: بنيت بيتي في يوم وأكملته في يومين. أي:\rبالأول، وقال أبو البقاء: في تمام أربعة أيام فجعل الكلام على حذف المضاف وهو الذي سلكه الشارح، فإن قيل: هلا قال بالنسبة لهذه الأفعال في يومين كما قال في خلق الأرض في يومين، ليكون أبعد عن الغلط وأصرح في المراد؟ أجيب: بأن قوله في أربعة أيام سواء فيه زيادة فائدة على ما إذا قال خلق هذه الثلاثة في يومين وهي أنه لو قال في يومين لم يفد الكلام كون اليومين مستغرقين بفتح الراء بتلك الأعمال بخلافه لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال في أربعة أيام سواء دل على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة ومغمورة بتلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان، فإن قيل: لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ضعف مدة خلق السموات مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات","part":7,"page":8},{"id":2465,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 9\rأَيَّامٍ أي الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء سَواءً منصوب على المصدر أي استوت الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص لِلسَّائِلِينَ (10) عن خلق الأرض بما فيها\rثُمَّ اسْتَوى قصد إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ بخار مرتفع فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا إلى مرادي منكما طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وعجائب؟ قلت: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها والاعتناء بشأنهم وشأنها، وأيضا زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمجادلات والمعالجات، وقال أبو البقاء: لعل زيادة مدة الأرض على مدة السماء جريا على ما يتعارف من أن بناء السقف أخف من بناء البيت، فإن قيل: اللّه تعالى قادر على خلق الكل في قدر لمحة البصر فما الحكمة في تقدير هذه المدة؟ أجيب: بأن هذا تعليم لعباده كيفية التأني في الأمور وتدريبا لهم على السكينة والبعد عن العجلة في الأمور اهـ.\rقوله: (في يوم الثلاثاء) بفتح الثاء المثلثة وضمها كما في القاموس. قوله: (عن خلق الأرض بما فيها) أي: عن مدة خلقهما، فإذا سأل السائل وقال: في كم يوم خلقت الأرض وما فيها؟ فيقال: في أربعة أيام اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: للسائلين فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق بسواء بمعنى مستويات للسائلين. الثاني: أنه متعلق بمقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين.\rالثالث: أن يتعلق بمحذوف كأنه قيل هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها اهـ.\rقوله: (قصد) إِلَى السَّماءِ المراد بالقصد في حقه تعالى إرادته أي ثم تعلقت إرادته بخلق السموات الخ اهـ.\rقوله: وَهِيَ دُخانٌ قال المفسرون هذا الدخان بخار الماء، وذلك أن عرش الرحمن كان على الماء قبل خلق السموات والأرض كما قال: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هود: 7] ثم إن اللّه تعالى أحدث في ذلك الماء اضطرابا فأزبد وارتفع، فخرج منه دخان، فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدث منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات، فإن قيل: هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل خلق السموات، وقوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: 30] يشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء وذلك يوجب التناقص. أجيب: بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق بعدها السماء، ثم خلق السماء دحا الأرض ومدها، وحينئذ فلا تناقض. قال الرازي: وهذا الجواب مشكل لأن اللّه خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فهذا يقتضي أن اللّه خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة وحينئذ يعود السؤال، ثم قال: والمختار عندي أن يقال خلق السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن يقال الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59] فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجده","part":7,"page":9},{"id":2466,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 10\rمن تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين بل عبارة عن التقدير. وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى خلق الأرض في يومين معناه أنه قضى بحدوثها في يومين، وقضاء اللّه تعالى بأنه سيحدث كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء اللّه تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث الأرض وحينئذ يزول السؤال اهـ خطيب.\rفعلى هذا تكون ثم للترتيب الإخباري لا الزماني، والذي تلخص من الكلام القرطبي في سورة البقرة أن الذي خلق أولا هو الدخان الذي هو أصل السماء، ثم بعده الأرض غير مدحوة، ثم خلقت السماء مبسوطة متفاصلة طباقا بعضها فوق بعض، ثم دحيت الأرض وخلق ما فيها من الأرزاق وغيرها اهـ.\rوقد تقدم هناك نقل عبارته مبسوطة فارجع إليها إن شئت. وعبارة السمين: قوله: وَهِيَ دُخانٌ الدخان: ما ارتفع من لهب النار ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها وقياس جمعه في القلة أدخنة وفي الكثرة دخيان مثل غراب وأغربة وغربان، وقوله: وهي دخان من باب التشبيه الصوري لأن صورتها صورة الدخان في رأي العين اهـ.\rقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات للطوع والكره لهما، وقوله: قالتا أتينا طائعين تمثيل لكمال تأثرهما بالذات عن القدرة الربانية وحصولها كما أمرنا به اهـ أبو السعود.\rوفي الكرخي: وقد يتضمن كلامه أن معنى طوعا أو كرها إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما، ومعنى أتينا طائعين الأظهر أنه تصوير لتأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع، كقوله: كن فيكون ففيه استعارة تمثيلية شبه حال الصانع سبحانه في تأثير قدرته على وفق إرادته فيهما، أو حالهما في قبولهما الوجود والحدوث والحصول بتعلق قدرته تعالى على وفق الإرادة بحال الآمر المطاع أو المأمور المطيع، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن تكون الاستعارة في كونها مكنية كما تقول: نطقت الحال بدل دلت فيجعل الحال كالأنسان الذي يتكلم في الدلالة والبرهان، ثم يتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به وينسب إليه اهـ.\rوفي القرطبي: فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها أي: جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس: قال اللّه تعالى للسماء: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شقي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين:\rقالتا أتينا طائعين، وفي الكلام حذف أي: أتينا أمرك طائعين، وقيل: معنى هذا الأمر التسخير أي:\rكونا فكانتا كما قال تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما، وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان، أحدهما: أنه قول تكلم به. الثاني: أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ","part":7,"page":10},{"id":2467,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 11\rفي موضع الحال أي طائعتين أو مكرهتين قالَتا أَتَيْنا بمن فينا طائِعِينَ (11) فيه تغليب المذكر العاقل، أو نزلتا لخطابهما منزلته\rفَقَضاهُنَ الضمير يرجع إلى السماء، لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه، أي صيرها سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ الخميس والجمعة، فرغ منها في آخر ساعة منه، المراد ذكره الماوردي قالتا أتينا طائعين فيه أيضا وجهان، أحدهما: أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، وقال أكثر أهل العلم: بل خلق اللّه تعالى فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى، وقال أبو نصر السكسي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء بحيالها فوضع اللّه فيه حرمه اهـ.\rقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الخ جمع الأمر لهما في الإخبار عنه لا يدل على جمعه في الزمان، بل قد يكون القول لهما متعاقبا، فإن قيل: إن اللّه تعالى أمر السماء والأرض فاطاعتا، كما أن اللّه انطق الجبال مع داود عليه السّلام فقال: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وأنطق الأيدي والأرجل فقال تعالى:\rيَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور: 24] قال تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: 21] وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن اللّه تعالى يخلق في ذات السماوات والأرض حياة وعقلا ثم يوجه الأمر والتكليف إليهما.\rووجه، هذا بوجوه، الأول: أن الأصل أجراء اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه مانع. وههنا لا مانع.\rالثاني: أنه تعالى جمعهما جمع العقلاء فقال قالتا أتينا طائعين. الثالث: قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وهذا يدل على كونها عارفة باللّه تعالى عالمة بتوجه تكليف اللّه تعالى. وأجاب الرازي عن هذا بأن المراد من قوله: (ائتيا طوعا أو كرها) الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول، وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض لم تكن عارفة ولا فاهمة للخطاب فلم يجر نوجه الأمر إليهما اهـ.\rخطيب.\rوقرأ العامة: ائتيا أمرا من الإتيان قالتا أتينا منه أيضا. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد:\rآتيا قالتا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان، أحدهما: أنه من المؤاتاة وهي الموافقة أي: لتوافق كل منكما الأخرى لما يليق بها، وإليه ذهب الرازي والزمخشري فوزن آتيا فاعلا كقاتلا ووزن آتينا فاعلنا كقاتلنا.\rوالثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء فوزن آتيا افعلا كأكرما، ووزن آتينا أفعلنا كأكرمنا، فعلى الأول يكون قد حذف مفعولا، وعلى الثاني يكون قد حذف مفعولين إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما قالتا آتيناه الطاعة اهـ سمين.\rقوله: فَقَضاهُنَ الخ تفسير وتفصيل لتكوين السماء المجمل المعبر عنه بالأمر وجوابه لا أنه فعل مرتب على تكوينها أي: خلقهن إبداعيا وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي صيرها) سَبْعَ سَماواتٍ الخ أشار إلى أن سبع مفعول ثان لقضاهن لأنه ضمن معنى صيرهن بقضائه سبع سموات، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال من مفعول قضاهن أي: قضاهن معدودة وقضى بمعنى صنع وأن يكون تمييزا. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضمير مبهما مفسرا","part":7,"page":11},{"id":2468,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 12\rوفيها خلق آدم ولذلك لم يقل هنا سواء ووافق ما هنا آيات خلق السموات والأرض في ستة أيام وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ بنجوم وَحِفْظاً منصوب بفعله المقدر، أي حفظناها من استراق الشياطين السمع بالشهب ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (12) بخلقه\rفَإِنْ أَعْرَضُوا أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا لسبع سموات على التمييز، يعني بقوله مبهما أنه لا يعود على السماء لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى بخلاف كونه حالا أو مفعول ثانيا، فإن قيل: اليوم عبارة عن النهار والليل، وذلك إنما يحصل بطلوع الشمس وغروبها وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم؟ فالجواب:\rأن معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدارا بيوم وقد تقدم نظيره اهـ كرخي.\rقوله: (و فيها خلق آدم) ظاهره أنه خلق في نفس اليوم الذي خلقت فيه السموات، فيكون خلقه ليس بينه وبين خلقها فاصل وهو خلاف المنصوص المشهور من أن بين خلقها وبين خلقه ألوفا من السنين، ويمكن الجواب بأن المراد أنه خلق في ذلك اليوم وإن كان من سنة أخرى كما تقول: ولد محمد يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين، وقوله: ووافق ما هنا أي: العدد المذكور لخلق الأرض وما فيها ولخلق السماء آيات خلق السموات والأرض أي: الآيات الدالة والمصرحة بأن خلقهما في ستة أيام، والتوفيق المذكور إنما نشأ في الحقيقة من التأويل السابق المذكور بقوله: في تمام أربعة أيام اهـ شيخنا.\rوالمشهور أن الأيام الستة بقدر أيام الدنيا، وحكى القرطبي قولا: أن كل يوم منها بقدر ألف سنة من أيام الدنيا، فتكون الستة أيام بقدر ستة آلاف سنة اهـ.\rقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ الخ معطوف على فقضاهن، والوحي عبارة عن التكوين وهو مقيد بما قيد به المعطوف عليه من الوقت اهـ أبو السعود.\rقوله: (الذي أمر به من فيها الخ) عبارة القرطبي: وأوحى في كل سماء أمرها. قال قتادة، والسدي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد والثلوج وهو قول ابن عباس قال: وللّه على كل سماء بيت يحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور، وقيل: أوحى في كل سماء أمرها أي: أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها والإيحاء قد يكون أمرا كقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] وقوله: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ [المائدة: 111] أي: أمرتهم وهو أمر تكوين اهـ.\rقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا فيه التفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بالتزيين المذكور اهـ أبو السعود.\rقوله: (بفعله المقدر) أي: المعطوف على زينا. قوله: ذلِكَ أي الذي ذكر كله بتفاصيله تقدير الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا التفات من خطابهم بقوله: أئنكم إلى الغيبة لفعلهم الإعراض أعرض عن","part":7,"page":12},{"id":2469,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 13\rالبيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ خوفتكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) أي عذابا يهلككم مثل الذي أهلكهم\rإِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي مقبلين عليهم ومدبرين عنهم فكفروا كما خطابهم وهو تناسب حسن، وقرأ الجمهور: صاعقة مثل صاعقة عاد الخ بالألف فيهما، وابن الزبير، والنخعي، والسلمي، وابن محيصن صعقة مثل صعقة بحذفها وسكون العين، وقد تقدم الكلام في ذلك في أوائل البقرة يقال: صعقت الناقة تصعق وهذا مما جاء فيه فعل بالفتح يفعل بالكسر ومثله جدعته فجدع، والصعقة: المرة اهـ سمين.\rقوله: (بعد هذا البيان) أي: المذكور بقوله: قل أئنكم الخ فهذا الكلام مرتبط به اهـ شيخنا.\rقوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ أي: أنذرتكم وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر اهـ أبو السعود.\rقوله: صاعِقَةً الصاعقة في الأصل هي الصحية التي يحصل بها الهلاك، أو قطعة نار تنزل من السماء معها رعد شديد، والمراد بها هنا مطلق العذاب كما أشار إليه الشارح لكن بالنظر للصاعقة الأولى وأما الثانية فالمراد به حقيقتها اهـ شيخنا.\rقوله: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ الخ ظرف لصاعقة الثانية فهو منصوب بها لأنها بمعنى العذاب اهـ سمين.\rوهذا الذي يناسب صنيع الجلال، فالمعنى صعقتهم وقت مجيء رسلهم اليهم، والضمير في جاءتهم واقع على عاد وثمود، والجمع باعتبار الجمعية التي في القبيلتين من حيث الأفراد، وقوله:\rوالرسل المراد بهم هود وصالح ومن قبلهما من الرسل لكن مجيء هود وصالح لهاتين القبيلتين حقيقي ومجيء من قبلهما لهاتين القبيلتين على ضرب من التسمح على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم، فإن هودا وصالحا كانا داعيين لهاتين القبيلتين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء قبلهما أشار لهذا أبو السعود. وقوله: من بين أيديهم حال من الرسل أي حال كون الرسل من بين أيدي عاد وثمود، ومن خلفهم، والجمع باعتبار ما سبق، فقول الشارح أي: مقبلين عليهم الخ لف ونشر مرتب، والمرتب بالمقبلين عليهم هود وصالح والمدبرين عنهم الرسل الذين تقدموا هودا وصالحا اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: من بين أيديهم ومن خلفهم متعلق بجاءتهم أي: من جميع جوانبهم من جهة الزمان الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل بالتحذير عما سيحيق بهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقيل: المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم، فإن هودا وصالحا كانا داعيين لهم إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم أي: من قبلهم وممن يجيء من خلفهم أي: من بعدهم، فكأن الرسل قد جاؤوهم وخاطبوهم بقولهم أن لا تعبدوا إلا اللّه اهـ.\rوتقدم أن هودا وصالحا كانا بين نوح وإبراهيم وليس بينهما غيرهما من الرسل، وأن الذين تقدموا","part":7,"page":13},{"id":2470,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 14\rسيأتي، والإهلاك في زمنه فقط (أن) أي بأن أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ علينا مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم كافِرُونَ (14)\rفَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا لما خوفوا بالعذاب مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أي لا أحد، كان واحدهم يقلع العظيمة من الجبل يجعلها عليهما من الرسل أربعة نوح وإدريس وشيث وآدم اهـ.\rقوله: (كما سيأتي) أي: في قوله: فأما عاد الخ اهـ.\rقوله: (و الإهلاك) أي: الذي خوف به محمد قريشا في زمنه أي: زمن محمد فقط أي: لا بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يجوز في أن هذه ثلاثة أوجه، احدها: أن تكون هي المخففة من الثقيلة. الثاني: أنها هي المصدرية التي تنصب المضارع والجملة بعدها صلتها وصلت بالنهي كما توصل بالأمر. الثالث: أن تكون مفسرة لأن مجيء الرسل يتضمن قولا ولا في الأوجه الثلاثة ناهية، ويجوز أن تكون نافية على الوجه الثاني ويكون الفعل منصوبا بأن بعد لا النافية فإن لا النافية لا تمنع عمل العامل فيما بعدها اهـ سمين.\rوكلام الشارح يناسب الوجهين الأولين حيث قدر حرف الجر داخلا عليها، ولا يناسب الوجه الثاني كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا أي عاد وثمود مخاطبين لهود وصالح، وقوله: بما أرسلتم به فيه تغليب المخاطب على الغائب فغلبوا هودا وصالحا على ما قبلهما من الرسل، فكأنهم قالوا فإنا كافرون بكما وبمن دعوتمونا إلى الإيمان به ممن قبلكما من الرسل اهـ شيخنا.\rقوله: لَوْ شاءَ رَبُّنا قدر الزمخشري مفعول المشيئة إرسال والأولى تقديره من جنس جوابها أي: لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسالة إلى الإنس لأنزل إليهم بها ملائكه، وهذا ابلغ في الامتناع من إرساله البشر إذ علقوا ذلك بإنزال الملائكة وهو لم يشأ ذلك فكيف يشاء ذلك في البشر اهـ سمين.\rلكن تقدير الزمخشري أنسب بالمعنى، فإن هودا وصالحا ادعيا أنهما رسولان وقومهما لم ينكروا أن يكون البشر رسولا، والمعنى لو شاء ربنا إرسال رسول لجعله ملكا كما تدل عليه الآيات الأخر اهـ شيخنا.\rقوله: (على زعمكم) أي: وإلّا فهم لا ينكرون رسالة هود وصالح.\rقوله: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ شروع في حكاية ما يختص بكل واحدة من الطائفتين من الجناية والعذاب إثر بيان ما يعم الكل من الكفر المطلق أي: فتعظموا فيها على أهلها أو استعلوا فيها واستولوا على أهلها اهـ أبو السعود\rقوله: (لما خوفوا بالعذاب) أي: خوفهم هود وصالح. قوله: أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً اغتروا بأجسامهم حين تهددهم بالعذاب. وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا، وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وقد مضى في الأعراف عن ابن عباس: أن أطولهم كان مائة ذراع","part":7,"page":14},{"id":2471,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 15\rحيث يشاء أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا المعجزات يَجْحَدُونَ (15)\rفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً باردة شديدة الصوت بلا مطر فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ الذل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ وأقصرهم كان ستين ذراعا فقال اللّه تعالى ردا عليهم: أو لم يروا الخ اهـ قرطبي.\rقوله: (يجعلها) أي: يضعها حيث شاء. قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الخ هذا من اللّه تعالى تعجيب منه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وغيره ممن يعتبرون بعدم تأمل هؤلاء الحمقى، فكان على الشارح أن يقول كعادته قال تعالى: أو لم يروا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِي خَلَقَهُمْ لم يقل خلق السموات والأرض، لأن هذا أبلغ في تكذيبهم في ادعاء انفرادهم بالقوة، فإنهم حيث كانوا مخلوقين فبالضرورة أن خالقهم أشد منهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ عطف على فاستكبروا كما أن وقالوا من أشد قوة منا قوة كذلك وما بينهما اعتراض للرد على كلمتهم الشنعاء، وقوله: بمحذوف أي: ينكرونها وهم يعلمون أنها حق اهـ أبو السعود.\rوتعديته بالياء لتضمينه معنى يكفرون اهـ.\rقوله: صَرْصَراً من الصر هو البرد أو من الصرير، والشارح جمع بين المعنيين حيث قال:\rباردة شديدة الصوت اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: الصرة بالكسر شدة البرد أو البرد كالصر فيهما وأشد الصياح، وبالفتح الشدة من الكرب والحرب والحر، وصريصر من باب ضرب صرا وصريرا وصوت وصاح شديدا كصرصر اهـ.\rوفي السمين: قوله: صرصر الصرصر الريح الشديدة، وقيل: هي الباردة من الصر وهو البرد، وقيل: هي الشديدة السموم، وقيل: هي المصوتة من صر الباب أي: سمع صريره والصرة الصيحة ومنه: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذاريات: 29] قال ابن قتيبة: صرصر يجوز أن يكون من الصر وهو البرد، وأن يكون من صر الباب، وأن يكون من الصرة وهي الصيحة ومنه فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذريات: 29] وقال الراغب: صرصر لفظه من الصر يرجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد اهـ.\rقوله: (بكسر الحاء وسكونها) سبعيتان. وفي السمين: قوله: نحسات. قرأ الكوفيون، وابن عامر بكسر الحاء، والباقون بسكونها فأما الكسر فهو صفة على فعل وفعله فعل بكسر العين أيضا.\rيقال: نحسن فهو كفرح فهو فرح وأشر فهو أشر، وأما الليث عن الكسائي ألفه لأجل الكسرة ولكنه غير مشهور عنه حتى نسبه الداني للوهم. وأما قراءة السكون فتحتمل وجهين أحدهما أن يكون مخففا من فعل في القراءة المتقدمة فتتوافق القراءتان. والثاني: أنه مصدر وصف به كرجل عدل إلا هذا يضعفه الجمع فإن الفصيح في المصدر الموصوف أن يوحد وكأن المسوغ للجمع اختلاف أنواعه في الأصل اهـ.\rقوله: (مشؤومات) من الشؤم وهو ضد اليمن، وكانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وما","part":7,"page":15},{"id":2472,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 16\rالْآخِرَةِ أَخْزى أشد وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (16) بمنعه عنهم\rوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ بينا لهم طريق الهدى فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى اختاروا الكفر عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ المهين بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17)\rوَنَجَّيْنَا منها الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (18) اللّه\rوَاذكر وَيَوْمَ يُحْشَرُ بالياء عذب قوم إلا يوم الأربعاء اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: في أيام نحسات أي: مشؤومات قاله مجاهد وقتاده كانت آخر شوال يوم الأربعاء إلى يوم الاربعاء، وذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما. قال ابن عباس: وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء وقيل: نحسات باردات حكاه الثعلبي وقيل: متتابعات اهـ.\rوفي المصباح: الشؤم الشر ورجل مشؤوم غير مبارك وتشاءم القوم به تطيروا به اهـ.\rقوله: عَذابَ الْخِزْيِ إضافة العذاب إلى الخزي وهو الذل على قصد وصفه به لقوله:\rوَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة اهـ بيضاوي.\rوفي الكرخي: قوله: الذل أي: لأن الخزي هو الذل والاستكانة وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة فهو من إضافة الموصوف إلى صفته أي:\rالعذاب الخزي، ولهذا جاء: ولعذاب الآخرة أخزى، فلو لم يكن من إضافة الموصوف إلى صفته لم يأت بلفظ أخزى الذي يقتضي المشاركة وأخزى: خبر عن المبتدأ وهو العذاب اهـ.\rقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ الجمهور على رفعة ممنوعا من الصرف، والأعمش وابن وثاب مصروفا وكذلك كل ما في القرآن إلا قوله: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ [الإسراء: 59] قالوا: لأن الرسم ثمود بغير ألف اهـ سمين.\rقوله: (بينا لهم طريق الهدى) أي: بنصب الآيات التكوينية وإرسال الرسل وإنزال الآيات التشريعية اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلَى الْهُدى أي: الإيمان. قوله بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: من شركهم وتكذيبهم صالحا، فإن قيل: كيف يجوز للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمته صلّى اللّه عليه وسلّم وقد صرح اللّه تعالى بذلك في قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] وقد جاء في الحديث الصحيح: أن اللّه تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع؟ فالجواب: أنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة وإن السبب الموجب للعذاب واحد، فربما يكون العذاب النازل بهم من جنس ذلك العذاب وإن ذلك العذاب وإن كان أقل درجة وهذا القدر يكفي في التخويف اهـ كرخي.\rقوله: وَنَجَّيْنَا (منها) أي: من تلك الصاعقة التي نزلت بثمود، وقوله: الذين آمنوا أي: مع صالح وكانوا أربعة آلاف كما تقدم للشارح في سورة هود اهـ شيخنا.\rقوله: (واددر) يَوْمَ يُحْشَرُ الخ أي اذكر لقريش المعاندين لك حال الكفار في القيامة لعلهم يرتدعوا وينزجروا اهـ شيخنا.","part":7,"page":16},{"id":2473,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 17\rوالنون المفتوحة، وضم الشين وفتح الهمزة أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) يساقون\rحَتَّى إِذا ما زائدة جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20)\rوَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ قوله: (بالياء) أي فتح الشين ورفع أعداء، ولم يتعرض لهذا الضبط لشهرته في قراءة الياء اهـ الياء شيخنا.\rقوله: (و فتح الهمزة) أي من أعداء كما في بعض النسخ أي: نصبه على المفعولية اهـ شيخنا.\rقوله: أَعْداءُ اللَّهِ أي: الكفار مطلقا الأولين والآخرين اهـ عمادي.\rقوله: إِلَى النَّارِ المراد بها موقف الحساب والتعبير عنه بالنار، إما للإيذان بإنها عاقبة حشرهم وأنهم على شرف دخولها، وإما لأن حسابهم يكون على شفيرها، وإنما كان هذا هو المراد، لأن الشهادة الآتية إنما تكون عند الحساب لا بعد تمام السؤال، والجواب وسوقهم إلى النار نفسها اهـ السعود.\rقوله: يُساقُونَ عبارة البيضاوي: فهم يوزعون يحبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا اهـ.\rومعنى حبس أولهم إمساكهم حتى يجتمعوا فيساقوا إلى النار اهـ شهاب.\rقوله: (زائدة) أي: لتأكيد اتصال الشهادة يكون الحضور ظرفا لها، فإن ما المزيدة تؤكد معنى ما اتصلت به في النسبة التي تعلقت به، وهنا قد اتصلت يوقت المجيء المجعول ظرفا للشهادة فتؤكد ظرفية لها، وإنما أكد لأنهم لا ينكرون مضمون الكلام اهـ كرخي.\rقوله: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ الخ في كيفية هذه الشهادة ثلاثة اقوال، أولها: أن اللّه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه ثانيها: أن اللّه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني. ثالثها: أن يظهر في تلك الأعضاء أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان وتلك الإمارات تسمى شهادات كما يقال: العالم يشهد بتغيرات احواله على حدوثه اهـ خطيب.\rوفي الكرخي: بأن ينطقها اللّه تعالى كانطاق اللسان فتشهد وليس نطقها بأغرب من نطق اللسان عقلا وإيضاحه: أن البنية ليست شرطا للحياة والعلم والقدرة، فاللّه تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء اهـ.\rفإن قيل: ما السبب فى تخصيص الأعضاء الثلاثة بالذكر، مع أن الحواس خمسة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس؟ أجيب: بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى جين يصير طرف اللسان مماسا لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير الأنف مماسا لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس، وقال ابن عباس: المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج وهو من باب الكنايات كما قال تعالى: لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة: 235] أراد النكاح. وقال تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [النساء: 43 والمائدة: 6] والمراد قضاء الحاجة، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه» على هذا التقدير تكون الآية وعيدا شديدا في إتيان","part":7,"page":17},{"id":2474,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 18\rعَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي أراد نطقه وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) قيل:\rهو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام اللّه تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله، بأن القادر على إنشائكم ابتداء، وإعادتكم بعد الموت أحياء، قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم\rوَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ عن ارتكابكم الفواحش من أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ الزنا لأن مقدمة الزنا تحصل بالفخذ، وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الأنفس من عملهم.\rوعن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضحك فقال: «هل تدرون مم أضحك؟» قلنا: اللّه ورسوله أعلم. قال: «من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. قال:\rفيقول فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهدا مني. قال: فيقول كفى بنفسك عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين البررة عليك شهودا، قال فيختم على فيه، ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبينها، فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» اهـ خطيب.\rقوله: وَجُلُودُهُمْ المراد بها الجوارح مطلقا فالعطف من عطف العام على الخاص، قوله:\rوَقالُوا لِجُلُودِهِمْ المراد بالجلود فيه أيضا المعنى الأعم، فليس في سؤالهم ترك سؤال السمع والبصر، بل هما داخلان في الجلود بالمعنى الذي علمته اهـ شيخنا.\rقوله: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا سؤال توبيخ وتعجب من هذا الأمر الغريب لكونها ليست مما ينطق ولكونها كانت في الدنيا مساعدة لهم على المعاصي، فكيف تشهد الآن عليهم، فلذلك استغربوا شهادتهم وخاطبوا بصيغة خطاب العقلاء لصدور ما يصدر من العقلاء عنها وهو الشهادة المذكورة اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: قالوا أي الكفار الذين يحشرون إلى النار لجلودهم مخاطبين لها مخاطبة العقلاء لما فعلت فعل العقلاء لم شهدتم علينا مع انا كنا نحاجج عنكم؟ قالوا مجيبين لهم معتذرين أنطقنا اللّه الخ اهـ.\rقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لعل صيغة المضارع مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجوع لما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث، بل ما يعمه ويعم ما يترتب عليه من العذاب الخالد المترقب عند المخاطبة فغلب المتوقع على الواقع اهـ أبو السعود.\rقوله: (قيل هو) أي: وهو خلقكم الخ، وقوله: كالذي بعده وهو قوله وما كنتم الخ. وقوله:\rوموقعه أي موقع قوله: وهو خلقكم مما قبله، وهو شهد عليهم أي: مناسبته له في المعنى على كل من القولين أنه يقربه للعقول من حيث إنها تستبعد نطق هذه الأعضاء فيقرب لها يكون القادر على الإبداء والإعادة قادرا على إنطاقها وقوله: واعضائكم تفسير لما قبله اهـ شيخنا.\rقوله: (كالذي بعده) أي: أن من كلام اللّه تعالى، وهذا أحد أقوال ثلاثة، والثاني: أنه كلام الجلود، والثالث: أنه من كلام الملائكة اهـ قرطبي.\rقوله: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أي: تستخفون والاستخفاء من هؤلاء الشهود لا يحصل إلا بترك الفعل بالكلية لأنها ملازمة للإنسان في كل زمان وكل مكان، وهذا حكاية لما سيقال لهم من جهته","part":7,"page":18},{"id":2475,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 19\rلأنكم لم توقنوا بالبعث وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ عند استتاركم أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)\rوَذلِكُمْ مبتدأ ظَنُّكُمُ بدل منه الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ نعت والخبر أَرْداكُمْ أي أهلككم فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23)\rفَإِنْ يَصْبِرُوا على العذاب فَالنَّارُ مَثْوىً مأوى لَهُمْ وَإِنْ تعالى يوم القيامة بطريق التوبيخ والتقريع اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وما كنتم تستترون معنى تستترون تستخفون في قول أكثر العلماء أي: ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح عليكم لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي عمله من نفسه، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية، وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء أي: ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة قال معناه مجاهد، وقال مقاتل: وما كنتم تستترون أي: تظنون أن يشهد عليكم سمعكم بأن يقول سمعت الحق، وما وعيت وسمعت ما لا يجوز من المعاصي ولا أبصاركم فتقول: رأيت آيات اللّه وما اعتبرت ونظرت إلى ما لا يجوز ولا جلودكم اهـ.\rقوله: (من) أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ الخ هو أحد الأوجه في الآية. أي: أنه في موضع نصب على حدف الخافض، لأنه لا يتعدى بنفسه، والثاني: أنه مفعول لأجله أن يشهد أو مخافة أن يشهد، والثالث: أنه ضمن معنى الظن وفيه بعد وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي له أن يتحقق ألّا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب اهـ كرخي.\rقوله: (عند استتاركم) أي من الناس مع عدم استتاركم من أعضائكم اهـ.\rقوله: أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً المراد به ما أخفوه من الأعمال اعتقدوا أن كل ما ستروه عن الناس لا يعلمه اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (بدل منه الخ) هذا أحد الأوجه في الآية، والثاني: ظنكم الخبر والموصول بدل أو بيان، وأرادكم: حال وقد مقدرة أو غير مقدرة أي: ذلك ظنكم مرديا إياكم، والثالث: أن يكون ظنكم الموصول، والجملة من أرادكم إخبارا. قال المحققون: الظن قسمان، أحدهما: حسن، والآخر قبيح، فالحسن أن يظن باللّه عز وجل الرحمة والفضل والإحسان. قال صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن اللّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه» والظن القبيح أنه يظن أنه تعالى يعزب عن علمه بعض هذه الأفعال وقال قتادة: الظن نوعان مرد ومنج فالمنجي قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة: 20] وقوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة: 46 و249] والمردي هو قوله: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم اهـ كرخي.\rقوله: فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ أي: لأنه صار ما منحوا به من الأعضاء سببا لشقاوتهم في الدارين من حيث أنها كانت مفضية من حقهم إلى الجهل المركب باللّه سبحانه وتعالى واتباع الشهوات وارتكاب المعاصي اهـ كرخي.\rقوله: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ من المعلوم أنه لا خلاص لهم منها صبروا أو لم يصبروا،","part":7,"page":19},{"id":2476,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 20\rيَسْتَعْتِبُوا يطلبوا العتبى أي الرضا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) المرضيين\r* وَقَيَّضْنا سببنا لَهُمْ قُرَناءَ من الشياطين فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدنيا واتباع الشهوات وَما خَلْفَهُمْ من أمر الآخرة بقولهم: لا بعث ولا حساب وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* فما وجه التقييد؟ وأجيب: بأن فيه: إضمارا تقديره فإن يصبروا أو لا يصبروا فالنار مثوى لهم على كل حال اهـ كرخي.\rقوله: (يطلبوا العتبى أي الرضا) عبارة البيضاوي: وإن يستعتبوا يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون فما هم من المعتبين المجابين إليها اهـ.\rقوله: (المرضيين) أي: المرضي عنهم.\rقوله: وَقَيَّضْنا لَهُمْ أي: لكفار قريش، فصح قوله في أمم هذا ما سلكه العمادي وهو أحسن مما سلكه غيره فهو رجوع لأصل السياق، وهو قوله: فأعرض أكثرهم الخ فبعد ما بين كفرهم فيما سبق بين سببه هنا بقوله وقيضنا لهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (سببنا) أي: هيأنا وبعثنا لهم قرناء جمع قرين أي: نظير اهـ خازن.\rأي: يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض، والقيض قشر البيض، وقيل: أصل القيض البدل ومنه المقايضة للمعاوضة اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: أصل التقييض التيسير والتهيئة. قيضته له أي هيأته ويسرته، وهذان ثوبان قيضان أي كل منهما مكافىء للآخر في الثمن والمقايضة المعاوضة، وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً [الزخرف:\r36] أي: نسهل ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض، والقيض في الأصل قشر البيض الأعلى اهـ.\rقوله: فَزَيَّنُوا لَهُمْ أي: من القبائح ما بين أيديهم أي: من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة وما خلفهم أي من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث، وقال الزجاج: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا بأن الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والافلاك. قال القشيري: إذا أراد اللّه بعبد سوءا قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه على المخالفة ويدعونه إليها ومن ذلك الشيطان وأشر منه النفس، وبئس القرين يدعوه اليوم إلى ما فيه الهلاك ويشهد عليه غدا، وإذا أراد اللّه خيرا قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويحملونه عليها ويدعونه إليها. وروي عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا أراد اللّه بعبده شرا قيض له قبل موته شيطانا فلا يرى حسنا إلا قبحه عنده ولا قبيحا إلا حسنه عنده» وعن عائشة: «إذا أراد اللّه بالولي خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكره لم يعنه» وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما بعث اللّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه اللّه تعالى» اهـ.\rقوله: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي وجب تحقق مقتضاه. قوله: (في جملة) أُمَمٍ أشار إلى أن الجار والمجرور في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم، والمعنى كائنين في جملة أمم،","part":7,"page":20},{"id":2477,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 21\rالآية فِي جملة أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ هلكت مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25)\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عند قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ائتوا باللغط ونحوه، وصيحوا في زمن قراءته لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فيسكت عن القراءة، قال اللّه تعالى فيهم\rفَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27) أي أقبح جزاء عملهم\rذلِكَ العذاب الشديد وأسوأ وقيل: في بمعنى مع ولا حاجة إلى بدل حرف من حرف مع إمكان بقائه على بابه اهـ كرخي.\rقوله: قَدْ خَلَتْ صفة لأمم، وقوله هلكت الأولى مضت، وقوله: أنهم كانوا خاسرين تعليل لاستحقاقهم العذاب اهـ كرخي.\rقوله: (عند قراءة النبي) ظرف لقال، والغوا فيه من لغي بكسر الغين يلغى بفتحها كلقي يلقى، وقرئ شاذا والغوا فيه بضم الغين من لغا يلغو كعدا يعدو وغزا يغزو، ومنه الحديث: أنصت فقد لغوت، واللغو الكلام الذي لا فائدة فيه. وفي السمين: والغوا فيه العامة على فتح الغين وهي تحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون من لغي بالكسر يلغي بالفتح وفيها معنيان، أحدهما: أنه من لغي إذا تكلم باللغو وهو ما لا فائدة فيه. والثاني: أنه من لغى بكذا إذا رمى به، فتكون في بمعنى الباء أي ارموا به وانبذوه. والثاني: من الوجهين الأولين. أن يكون من لغى بالفتح أيضا حكاه الأخفش، وكان قياسه الضم كغزا يغزو، ولكنه فتح لأجل حرف الحلق. وقرأ قتاده، وأبو حيوة، وأبو السماك، والزعفراني، وابن أبي إسحاق وعيسى بضم الغين من لغا بالفتح يلغو كدعا يدعو، وفي الحديث: فقد لغوت، وهذا موافق لقراءة غير الجمهور اهـ.\rقوله: (ائتوا باللغط) بسكون الغين وفتحها وهو كاللغو معنى، وقوله: ونحوه كالشعر والمكاء أي: الصفير والتصدية أي التصفيق، وقوله في زمن قراءته أشار به إلى أن الكلام على حذف مضاف وإنما قالوا ذلك لأنه لما كان يقرأ يستميل القلوب بقراءته فيصغي إليها المؤمن والكافر، فخافوا أن يتبعه الناس اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: لغط لغطا من باب نفع، واللغط بفتحتين اسم منه وهو كلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين، وألغط بالألف لغة اهـ.\rقوله: (قال اللّه تعالى فيهم) أي في هؤلاء القائلين ما ذكر أي: في شأنهم وبيان مآل حالهم اهـ شيخنا.\rقوله: أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ من المعلوم أن الذي كانوا يعملونه في الدنيا من المعاصي كالكفر والقتل لا يجازون في الآخرة به نفسه، فذلك قدر الشارح المضاف بقوله: أقبح جزاء والذي كانوا يعملونه أن فسرّ بالشرك فقط كان المعنى أن الشرك جزاؤه، وعذابه أنواع، بعضها أقبح من بعض فقريش المستهزئون بمحمد يجازون على شركهم بأقبح أنواع الجزاء وأن فسر بمطلق أعمال السيئات.\rكان المعنى أن سيئاتهم لها أنواع من العذاب متفاوتة في القبح بحسب تفاوت السيئات في الإثم، فقريش يجازون على كل سيئة من سيئاتهم بأقبح أنواع الجزاء الذي يترتب على أكبر السيئات في حق غيرهم اهـ شيخنا.","part":7,"page":21},{"id":2478,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 22\rالجزاء جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ بتحقيق الهمزة الثانية وإبدالها واوا النَّارُ عطف بيان للجزاء المخبر به عن ذلك لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ أي إقامة الانتقال منها جَزاءُ منصوب على المصدر بفعله المقدر بِما كانُوا بِآياتِنا القرآن يَجْحَدُونَ (28)\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا في النار رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا وفي الكرخي: قوله: أي أقبح جزاء عملهم وهو الشرك، وذكروا أن أضافة أسوأ ليست من إضافة أفعل إلى ما اضيف إليه لقصد الزيادة عليه، ولكن من إضافة الشيء ما هو بعضه من غير تفضيل، فالمراد سيئة إذ لا يختص جزاءهم بأسوأ عملهم.\rوحاصلة أن الإضافة للتخصيص والمضاف للزيادة المطلقة، وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند كلام اللّه المجيد خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد، وأشهد لمن عظمه وأجل قدره وألقى إليه السمع وهو شهيد بالفوز العظيم اهـ.\rقوله: ذلِكَ أي: المذكور من الأمرين في قوله: فلنذيقن الخ، وقوله: ولنجزينهم الخ، ولذلك فسر الشارح الإشارة بالأمرين اهـ شيخنا.\rقوله: (بتخفيف الهمزة الثانية الخ) سبعيتان. قوله: النَّارُ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها بدل من جزاء وفيه نظر إذ البدل يحل محل المبدل منه فيصير التقدير ذلك النار. الثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر. الثالث: أنها مبتدأ ولهم فيها دار الخلد الخبر، ودار يجوز ارتفاعها بالفاعلية أو الابتدء اهـ سمين.\rقوله: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جملة مستقلة مقررة لما قبلها، والمعنى أن النار نفسها دار الخلد، فيكون في الكلام تجريد وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد، وقيل: ليس في الكلام تجريد، بل المراد أن الدار تشتمل على دركات فمنها واحدة بخصوصها تسمى دار الخلد وهي في وسط النار وهم خالدون فيها اهـ أبو السعود.\rقوله: (منصوب على المصدر الخ) عبارة السمين: جزاء في نصبه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر وهو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء. الثاني: أن يكون منصوبا بالمصدر الذي قبله وهو جزاء أعداء اللّه والمصدر ينصب بمثله كقوله: فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [الإسراء: 63].\rالثالث: أن ينتصب على أنه مصدر واقع موقع الحال وبما متعلق بجزاء الثاني إن لم يكن مؤكدا، وبالأول إن كان مؤكدا وبآياتنا متعلق بيجحدون اهـ.\rقوله: بِآياتِنا الباء زائدة أو ضمن يجحدون معنى يكفرون اهـ شيخنا.\rقوله: (في النار) حال من فاعل قال أي: حال كونهم في النار.\rقوله: رَبَّنا أَرِنَا من رأى البصرية والهمزة للتعدية إلى مفعول ثان، فالضمير مفعول أول، والموصول مفعول ثان، وأصله أرئينا أي صيرنا رائين بأبصارنا، فحذفت الياء التي هي لام الكلمة لبناء الفعل على حذف حرف العلة، والهمزة الثانية التي هي عين الكلمة لنقل حركتها إلى الراء قبلها التي هي","part":7,"page":22},{"id":2479,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 23\rمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي إبليس وقابيل سنّا الكفر والقتل نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا في النار لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) أي أشد عذابا منا\rإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا على التوحيد وغيره مما وجب عليهم تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت إِنَ بأن أَلَّا تَخافُوا من الموت وما فاء الكلمة فصار وزنه أفنا، فإن الهمزة الموجودة ليست من الكلمة بل هي لتعدية الفعل اهـ شيخنا.\rقوله: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي. قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ [الأنعام: 112] وقال تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: 5] وقيل: هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه، لأن الكفر سنّة إبليس، والقتل بغير حق سنّة قابيل فهما سنّا المعصية اهـ خطيب.\rقوله: (سنا الكفر والقتل) لف ونشر مرتب. قوله: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا أي: ليكونا مباشرين للناس وليكونا وقاية بيننا وبينها فتخفف عنا حرارتها نوع خفة، ولذلك قال أي: أشد عذابا منا اهـ شيخنا.\rقوله: لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ قال مقاتل: أي أسفل منا في النار وقال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل أي: من أهل الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ الخ شروع في بيان حسن أحوال المؤمنين في الدارين بعد بيان سوء حال الكفرة فيها أي: قالوه اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته، أي: لا ريب ولا معبود لنا إلا اللّه كما تفيده الجملة اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا أي: ثبتوا وداموا على الاستقامة وثم للتراخي في الزمان من حيث إن الاستقامة أمر يمتد زمانه اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخطيب: ثم استقاموا ثم لتراخي الرتبة في الفضيلة، فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أبر في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام.\rسئل أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه عن الاستقامة، فقال: أن لا نشرك باللّه شيئا، وقال عمر:\rالاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب، وقال عثمان: أخلصوا العمل للّه، وقال علي: أدوا الفرائض، وقال ابن عباس: استقاموا على أمر اللّه تعالى بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد، وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا اللّه حتى لحقوا باللّه، وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم ربنا ارزقنا الاستقامة. وقال سفيان بن عبد اللّه الثقفي: قلت: يا رسول اللّه أخبرني بأمر أعتصم به. قال: «قل ربي اللّه ثم استقم» فقلت: ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلسان نفسه فقال: «هذا». قال أبو حيان: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق اهـ.\rقوله: (عند الموت) أي: أو عند الخروج من القبر أو في حياتهم فيما يعرض لهم من الأحوال","part":7,"page":23},{"id":2480,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 24\rبعده وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم من أهل وولد، فنحن نخلفكم فيه وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)\rنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي نحفظكم فيها وَفِي الْآخِرَةِ أي نكون معكم فيها حتى تدخلوا الجنة وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (31) تطلبون\rنُزُلًا تأتيهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن اهـ بيضاوي.\rقوله: أَلَّا تَخافُوا أن مخففة أو مصدرية، ولا ناهية على الأول وعلى الثاني يصح أن تكون ناهية، وأن تكون نافية، وصنيع الشارح يحتمل كلا من هذين الوجهين، ويصح أن تكون مفسرة ولا ناهية وكلام الشارح لا يحتمله، والخوف غم يلحق النفس لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن غم يلحقها لفوات نافع في الماضي اهـ شيخنا.\rقوله: الَّتِي كُنْتُمْ أي: في الدنيا توعدون أي على ألسنة الرسل اهـ شيخنا.\rقوله: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ الخ هذه الجملة من كلام الملائكة مقررة لما قبلها من نفي الخوف والحزن بمنزلة التعليل اهـ شيخنا.\rقوله: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا المعنى نحن كنا أولياءكم في الحياة الدنيا، وقوله: وفي الآخرة أي:\rونحن نكون أولياءكم في الآخرة اهـ خازن.\rويشير لهذا قول الشارح أي: حفظناكم فيها وقوله: أي نكون معكم فيها اهـ.\rوفي القرطبي: نحن أولياؤكم في الحياة وفي الآخرة قال مجاهد: أي نحن قرباؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى تدخلو الجنة، وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة، ويجوز أن يكون هذا من قول اللّه تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 68] اهـ.\rقوله: (أي نحفظكم فيها) أي حفظناكم كما في بعض النسخ وهو المناسب لقوله: أي نكون معكم الخ.\rوعبارة البيضاوي: في الحياة الدنيا نلهمكم الحق ونحملكم على الخير بدل ما كانت الشياطين نفعل بالكفرة، وفي الآخرة بالشفاعة والكرامة حيث يتعادى الكفرة وقرباؤهم اهـ.\rقوله: (تطلبون) أي: فتدعون افتعال من الدعاء بمعنى الطلب، وفي المصباح: وادعيت الشيء تمنيته وادعيته طلبته اهـ.\rوفي الكرخي: ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم أي من اللذائذ، وقوله: تطلبون هذا أعم من الأول إذ لا يلزم أن يكون كل مطلوب مشتهى كالفضائل العلمية، وإن كان الأول أعم أيضا من وجه بحسب حال الدنيا، فالمريض لا يريد ما يشتهيه ويضر مرضه إلا أن يقال التمني أعم من الإرادة اهـ.\rقوله: نُزُلًا حال مما تدعون مفيدة لكون ما يتمنونه بالنسبة لما يعطون من عظائم الأجور كالنزل للضيف، فإن النزل له هو القرى يهيأ لإكرامه اهـ شيخنا.","part":7,"page":24},{"id":2481,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 25\rرزقا مهيأ منصوب بجعل مقدرا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) أي اللّه\rوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا أي لا أحد أحسن قولا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ بالتوحيد وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)\rوَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ في جزئياتهما لأن بعضهما فوق بعض ادْفَعْ السيئة بِالَّتِي أي بالخصلة التي وهذا وجه آخر غير ما سلكه الشارح في الاعراب كما نرى. وفي الكرخي: قوله منصوب بجعل مقدرا أي أو هو مصدر في موضع الحال أي نازلين، وصاحبها ضمير ندعون للاشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف اهـ.\rقوله: مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ يجوز تعلقه بمحذوف على أنه صفة لنزلا، وأن يتعلق بتدعون أي تطلبونه من جهة غفور رحيم، وأن يتعلق بما تعلق به الظرف في لكم من الاستقرار أي استقر لكم من جهة غفور رحيم. قال أبو البقاء: فيكون حالا من ما قلت، وهذا البناء منه ليس بواضح بل هو متعلق بالاستقرار لأنه فضلة كسائر الفضلات وليس حالا من ما اهـ سمين.\rقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا قولا منصوب على التمييز، وجملة وعمل صالحا حالية أفاده أبو حيان. قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: قال ذلك ابتهاجا بالإسلام وفرحا به واتخاذا له دينا اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: وقال إنني من المسلمين أي: قاله تفاخرا به واتخاذا للإسلام دينا ومذهبا من قولهم هذا قول فلان لمذهبه، والآية عامة لمن استجمع تلك الصفات، وقيل: نزلت في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: في المؤذنين اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: وللدعوة إلى اللّه مراتب:\rالأولى: دعوة الانبياء عليهم الصلاة والسّلام إلى اللّه تعالى بالمعجزات وبالحجج والبراهين وبالسيف، وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء.\rالمرتبة الثانية: دعوة العلماء إلى اللّه تعالى بالحجج والبراهين فقط، والعلماء أقسام علماء باللّه تعالى، وعلماء بصفات اللّه تعالى، وعلماء بأحكام اللّه جل جلاله.\rالمرتبة الثالثة: دعوة المجاهدين إلى اللّه تعالى بالسيف فهم يجاهدون الكفار حتى يدخلوهم في دين اللّه تعالى وطاعته.\rالمرتبة الرابعة: دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم أيضا دعاة إلى اللّه تعالى أي إلى طاعته اهـ.\rقوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ العامة على أنني بنونين وابن أبي عبلة بنون واحدة اهـ سمين.\rقوله: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ الخ جملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ترغيبا لرسول اللّه في الصبر على إذاية المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان، ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي. وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي الخ استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة، وقوله: فإذا الذي الخ بيان لنتيجة الدفع المأمور به اهـ أبو السعود.\rقوله: (في جزئياتهما) أي: فالمراد بالحسنة والسيئة الجنس أي لا تستوي الحسنات في أنفسها","part":7,"page":25},{"id":2482,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 26\rهِيَ أَحْسَنُ كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) أي فصير عدوك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك، فالذي مبتدأ، وكأنه الخبر، وإذا ظرف لمعنى التشبيه\rوَما يُلَقَّاها أي يؤتى الخصلة التي هي أحسن إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ ثواب عَظِيمٍ (35)\rوَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما لأن بعضها فوق بعض ولا السيئات، كذلك لأن بعضها أشد وزرا من بعض فقوله: لأن بعضها أي بعض جزئيات كل منهما، ولا على هذا مؤسسة لا مؤكدة. هذا أحد قولين للمفسرين وهو بعيد من قوله: ادفع بالتي هي أحسن كما لا يخفى، وقيل: أن لا زائدة للتوكيد لأن الاستواء لا يكتفي بواحد، فالمعنى لا تستوي الحسنة مع السيئة بل الحسنة خير والسيئة شر اهـ كرخي.\rقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: ادفع السيئة حيثما اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة، على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا، أو ادفع بالتي هي أحسن مما يمكن دفعها به من الحسنات اهـ بيضاوي.\rقوله: كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ في المختار: الحميم الماء الحار، وقد استحم أي اغتسل بالحميم هذا هو الأصل، ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان، وأحمه غسله بالحميم وحميمك قريبك الذي تهتم لأمره اهـ.\rقوله: (كالصديق) أي الذي لم تسبق منه عداوة، وإلّا فالعدو يصير صديقا بالفعل، وقوله: في محبته متعلق بمعنى التشبيه أي فيشابه الصديق في المحبة، وقوله: إذا فعلت ذلك أخذه من فاء السببية الدالة على ابتناء ما بعدها على ما قبلها، وقوله: وإذا ظرف أي: إذا التي هي للمفاجأة ظرف أي: ظرف مكان لمعنى التشبيه، وهذا مبني على القول باسميتها، وجاز تقدم هذا الظرف على عامله المعنوي مع أنه لا يجوز تقديم معموله عليه لأنه يغتفر في الظروف ما لا يغتفر في غيرها، والمعنى فإذا فعلت مع عدوك ما ذكر فاجأك في الحضرة انقلابه وصيرورته مشابها في المحبة للصديق الذي لم تسبق منه عداوة اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: وإذا ظرف لمعنى التشبيه أي وهو يقدم على العامل المعنوي، وإيضاح:\rالموصول مبتدأ، والجملة بعده خبره، وإذا معموله لمعنى التشبيه، والظرف يتقدم على عامله المعنوي، ويجوز أن تكون الجملة التشبيهية في محل نصب على الحال والموصول مبتدأ أيضا، وإذا التي للمفاجأة خبره، والعامل في هذا الظرف من الاستقرار هو العامل في هذا الحال، ومحط الفائدة في هذا الكلام هو الحال والتقدير ففي الحضرة صار المعادي مشبها للولي الحميم، وقدمه أبو البقاء على ما قبله اهـ.\rقوله: (التي هي أحسن) عبارة غيره التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان وانتهت وهي أوضح اهـ شيخنا وعبارة البيضاوي: وما يلقاها أي هذه السجية وهي مقابلة الإساءة بالإحسان إلا الذين صبروا فإنها تحبس النفس عن الانتقام، انتهت.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا أي: شأنهم الصبر. قوله: (ثواب) أي: فالمراد بالحظ الثواب","part":7,"page":26},{"id":2483,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 27\rالزائدة يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (36) بالفعل\rوَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ أي الآيات الأربع إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)\rفَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن السجود للّه وحده فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي فالملائكة يُسَبِّحُونَ يصلون لَهُ والجنة، وعبارة غيره: إلا ذو حظ من الخلق الحسن وكمال النفس وهذا أنسب اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ المراد بالنزغ وسوسة الشيطان، فالمعنى وإن يوسوس لك الشيطان بترك مقابلة الإساءة بالإحسان فاستعذ باللّه من شره ولا تطعه، وعبر عن وسوسته بالنزغ على سبيل المجاز العقلي على حد جد جده، ففي الكلام مجازان والأصل وإن يوسوس لك الشيطان بترك ما أمرت به فاستعذ باللّه اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ (للقول) ومنه استعاذتك العليم بالفعل، ومنه أفعاله وأحوالك قاله هنا بزيادة هو وأل، وفي الأعراف بدونهما لأن ما هنا متصل بمؤكد بالتكرار وبالحصر، فناسب التأكيد بما ذكر، وما في الأعراف خلي عن ذلك فجرى على القياس من كون المسند إليه معرفة والمسند نكرة اهـ كرخي.\rقوله: (أي الآيات الأربع) هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم يعبدوا الليل والنهار للايذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة السجودية لهما بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا قيام لها بذاتها، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته اهـ شيخنا.\rوإنما عبّر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة، والعادة تغليب المذكر على المؤنث لأنه لما قال: ومن آياته فنظم الأربعة في سلك الآيات صار كل واحد منها آية فعبّر عنها بضمير الإناث في قوله خَلَقَهُنَ اهـ سمين.\rقوله: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ الخ تعليل لجواب الشرط المقدر أي فدعهم وشأنهم، فإن للّه عبادا يعبدونه اهـ شهاب. أي: فاللّه لا يعدم عابدا أبدا بل من خلقه من يعبده على الدوام اهـ شيخنا.\rوالعندية عندية مكانة وتشريف. وفي الخطيب: قال الرازي: ليس المراد بهذه العندية قرب المكان، بل يقال عند الملك من الجند كذا وكذا، ويدل عليه قوله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) اهـ.\rقوله: (يصلون) أشار به إلى أن الكلام في طائفة مخصوصة من الملائكة رتبتها ملازمة الصلاة، فلا يرد أن يقال إن من الملائكة من يفارق العبادة باشتغاله ببعض الخدمة كالنزول بالوحي أو غيره اهـ شيخنا.","part":7,"page":27},{"id":2484,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 28\rبِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) لا يملون\rوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً يابسة لا نبات فيها فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وَرَبَتْ انتفخت وعلت إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)\rإِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ من ألحد ولحد فِي آياتِنا القرآن بالتكذيب لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا قوله: (يابسة لا نبات فيها) عبارة البيضاوي: يابسة متطامنة مستعار من الخشوع وهو التذلل، انتهت.\rوهي أنسب بلفظ خاشعة. وفي القرطبي: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة الخطاب لكل عاقل أي: ومن آياته الدالة على أنه يحيي الموتى أنك ترى الأرض خاشعة أي يابسة جامدة. هذا هو المراد من وصف الأرض بالخشوع، والأرض الخاشعة الغبراء التي لا تنبت، وبلدة خاشعة مغبرة أي: لا ينزل بها ومكان خاشع، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت أي بالنبات قاله مجاهد، يقال: اهتز الإنسان أي تحرك وربت أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت قاله مجاهد، أي: تصدعت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: ربت واهتزت والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض، وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض فربوها ارتفاعها، ويقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية، فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا اهـ.\rوفي الخطيب: ومن آياته الدالة على قدرته ووحدانيته أنك ترى الأرض أي بعضها بحاسة البصر، وبعضها بعين البصيرة قياسا على ما أبصرت خاشعة أي: يابسة لا نبات فيها والخشوع التذلل والتقاصير، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها كما وصفها بالهمود في قوله تعالى:\rوَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً [الحج: 5] وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو، كما قال: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ من الغمام أو غيره اهتزت بأن تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه، وربت: أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا لوجهها وتشعبت عروقه وغلظت سوقه فصار يمنع سلوكها على ما كانت فيه من السهولة، وتزخرفت بذلك النبات كأنها بمنزلة المختال في زيه لما كانت قبل ذلك كالذليل اهـ.\rقوله: (انتفخت) أي: لأن النبات إذا دنا أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عنه اهـ أبو السعود.\rقوله: يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أي: يميلون عن الاستقامة في آياتنا بالطعن والتحريف والتأويل الباطل واللغو فيها اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: إن الذين يلحدون في آياتنا أي: يميلون عن الحق في أدلتنا، والإلحاد الميل والعدول، ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال ألحد في دين اللّه أي: مال عنه وعدل ولحد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وهم الذين ألحدوا في آيات اللّه ومالوا عن الحق، فقالوا ليس القرآن من عند اللّه أو هو سحر أو شعر، فالآيات آيات القرآن. قال مجاهد: يلحدون في آياتنا أي: عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء، وقال ابن عباس:\rهو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه، وقال قتادة: يلحدون في آياتنا يكذبون في آياتنا، وقال","part":7,"page":28},{"id":2485,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 29\rفنجازيهم أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) تهديد لهم\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ القرآن لَمَّا جاءَهُمْ نجازيهم وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) منيع\rلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) أي اللّه السدي: يعاندون ويشاقون، وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون والمعنى متقارب اهـ.\rقوله: (من ألحد ولحد) يشير إلى القراءتين السبعيتين وهما ضم الياء وكسر الحاء على كونه من ألحد وفتح الياء والحاء على كونه من لحد اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: من ألحد ولحد لغتان بمعنى جار عن الحق وألحد جادل ومارى ولحد جار ومال اهـ.\rوفي المختار: ألحد في دين اللّه أي: حاد عنه وعدل ولحد من باب قطع لغة فيه وألحد الرجل ظلم في الحرم اهـ.\rقوله: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً كان الظاهر أن يقال أم من يدخل الجنة، وعدل عنه للتصريح بأمنهم وانتفاء الخوف عنهم اهـ كرخي.\rوالاستفهام بمعنى التقرير، والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بالأيات يأتون آمنين يوم القيامة حين يجمع اللّه تعالى عباده للعرض عليه للحكم بينهم بالعدل اهـ خطيب.\rوترسم أم مفصولة من من اتباعا لمصحف الإمام، كما تقدم نقله عن شيخ الإسلام في شرح الجزرية اهـ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ الخ خبرها محذوف وقدره بقوله نجازيهم، وهذا أحد أعاريب ذكرها السمين، وعبارته: قوله: إن الذين كفروا بالذكر الخ في خبرها أوجه، أحدها: أنه مذكور وهو قوله: أولئك ينادون. والثاني: أنه محذوف لفهم المعنى وقدر معذبون أو مهلكون أو معاندون، وقال الكسائي: سد مسده ما تقدم من الكلام. الثالث: أن إن الثانية بدل من إن الذين الأولى، والمحكوم به على البدل محكوم به على المبدل منه، فيلزم أن يكون الخبر لا يخفون علينا. الرابع: أن الخبر قوله:\rلا يأتيه الباطل، والعائد محذوف تقديره لا يأتيه الباطل منهم نحو: السمن منوان بدرهم أي: منوان منه أو تكون أل عوضا من الضمير في رأي الكوفيين، تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لا يأتيه باطلهم.\rالخامس: أن الخبر قوله: ما قد يقال لك، والعائد محذوف أيضا تقديره: إن الذين كفروا بالذكر ما يقال لك في شأنهم إلا ما قد قيل للرسل من قبلك اهـ.\rقوله: (منيع) فعيل بمعنى فاعل أي: ممتنع عن قبول الإبطال والتحريف اهـ كرخي.\rقوله: (أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده) أي: لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، والمعنى كل ما فيه حق وصدق ليس فيه ما لا يطابق الواقع اهـ كرخي.","part":7,"page":29},{"id":2486,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 30\rالمحمود في أمره\rما يُقالُ لَكَ من التكذيب إِلَّا مثل ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للمؤمنين وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (43) للكافرين\rوَلَوْ جَعَلْناهُ أي الذكر قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا هلا فُصِّلَتْ بينت آياتُهُ حتى نفهمها أقرآن أَعْجَمِيٌ نبي وَعَرَبِيٌ استفهام إنكار والظاهر أن قوله: أي: ليس قبله كتاب راجع للخلف، وقوله: ولا بعده راجع لما بين يديه فهو لف ونشر مشوش.\rقوله: ما يُقالُ لَكَ الخ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يصيبه من أذية المشركين اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: ما يقال لك أي: ما يقول لك كفار قومك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك أي: إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم، ويجوز أن يكون المعنى ما يقول لك اللّه إلا مثل ما قاله لهم: إن ربك لذو مغفرة لأنبيائه وذو عقاب أليم لأعدائه، وهو على الثاني يحتمل أن يكون المقول بمعنى إن حاصل ما يوحى إليك وإليهم وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة اهـ.\rقوله: (للكافرين) أي: وقد نصر من قبلك من الرسل وانتقم من أعدائهم وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا جواب لقولهم: هلا أنزل القرآن بلغة العجم اهـ كرخي.\rوقوله: لقالوا لو لا فصلت آياته أي: بلسان نفهمه وهو لسان العرب اهـ.\rقوله: ءَأَعْجَمِيٌ خبر مبتدأ محذوف كما قدره، وكذا يقال فيما بعده فالكلام جملتان اهـ سمين.\rوهذا من جملة مقولهم وتعنتهم كما أشار له بقوله منهم، فطلبوا أولا نزوله بلغة العجم، ثم ادعوا التنافي بين كونه بلغة العجم وكون الجائي به عربيا، وغرضهم بهذا كله التعنت وإنكار القرآن من أصله، فقوله: أعجمي وعربي توكيد وتقرير للتحضيض في قولهم: لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ اهـ.\rقوله: ءَأَعْجَمِيٌ الأعجمي يقال للكلام الذي لا يفهم وللمتكلم به والياء للمبالغة في الوصف كأحمري اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: والأعجمي من لا يفصح وإن كان من العرب وهو منسوب إلى صفته كأحمري ودراري، فالياء فيه للمبالغة في الوصف وليس النسب فيه حقيقيا، وقال الرازي في لوامحه: فهي كياء كرسي وبختي، وفرق بينهما الشيخ فقال: ليست كياء كرسي وبختي فإن ياء كرسي وبختي بنيت الكلمة عليها بخلاف أعجمي، فإنهم يقولون: رجل أعجم وعجمي، وقرأ عمرو بن ميمون: أعجمي بفتح العين وهو منسوب إلى العجم، والياء فيه للنسب حقيقة، يقال: رجل عجمي وإن كان فصيحا. وفي رفع أأعجمي ثلاثة أوجه. أحدها: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: أأعجمي وعربي ويستويان.\rوالثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أهو أي: القرآن أعجمي والمرسل به عربي. والثالث: أنه فاعل بفعل مضمر أي: أيستوي أعجمي وعربي، وهذا ضعيف إذ لا يحذف الفعل إلا في مواضع بينتها غير مرة اهـ.","part":7,"page":30},{"id":2487,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 31\rمنهم بتحقيق الهمزة الثانية وقلبها ألفا بإشباع ودونه قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً من الضلالة وَشِفاءٌ من الجهل وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ثقل فلا يسمعونه وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى فلا يفهمونه أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44) أي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ بالتصديق والتكذيب كالقرآن قوله: (بتحقق الهمزة الثانية) أي: من غير إدخال ألف بينها وبين الأولى، وقوله: وقلبها ألفا أي: ممدودة مدا لازما، فهاتان قراءتان. وقوله: (بإشباع ودونه) هذا سبق قلم لأنه لا يتأتى على قلب الثانية ألفا، وإنما يتأتى على قراءتين أخريين وهما تسهيل الثانية مع إدخال ألف بينها وبين الأولى، وهو المراد بالإشباع في كلامه ومع ترك الإدخال وهو المراد بقوله ودونه وهاتان القراءتان سبعيتان كالأوليين، وبقي خامسة وهي إسقاط الهمزة الأولى تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا الخ رد عليهم بأنه هاد لهم وشاف ما في صدورهم وكاف في دفع الشبه، فلذا ورد بلسانهم معجزا بينا في نفسه مبينا لغيره اهـ شهاب.\rقوله: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مبتدأ وفي آذانهم خبره، ووقر فاعله أو في آذانهم خبر مقدم، ووقر مبتدأ مؤخر والجملة خبر الأول اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: والذين لا يؤمنون مبتدأ خبره في آذانهم وقر على تقدير هو في آذانهم وقر لقوله وهو عليهم عمى، وذلك لتصاممهم عن سماعه وتعاميهم عما يريهم من الآيات اهـ.\rقوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى مصدر عمي يعمى كصدي يصدى صدى وهوي يهوى هوى اهـ سمين.\rقوله: (أي هم كالمنادي) الخ. أي: ففيه استعارة تمثيلية شبه حالهم في عدم قبول مواعظ القرآن ودلائله مجال من ينادي من مكان بعيد، فكما أنه لا يفهم ولا يقبل قول المنادي، فكذلك هؤلاء لا يقبلون دعوة من دعاهم إلى الرشد والصلاح لاستيلاء الضلالة عليهم اهـ زاده.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ كلام مستأنف مسوق لبيان أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة في الأمم غير مختص بقومك اهـ أبو السعود.\rقوله: (كالقرآن) أي: كما اختلف في القرآن، فهذا إشارة إلى وجه تعلقه بما قبله، فإنه تعالى لما بالغ في وصف الكفرة بالعناد بنحو قولهم: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فصلت: 5] سلاه بأن قال له: لست منفردا من بين الأنبياء بالأذية من قومك فأنا قد آتينا موسى الكتاب فقبله بعض قومه ورده آخرون اهـ زاده.\rوالضمير في قوله: لقضى بينهم وفي وإنهم لكفار قومه صلّى اللّه عليه وسلّم، والضمير في منه وفي قول الشارح المكذبين به عائد على القرآن بدل لهذا عبارة القرطبي ونصه: ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فاختلف فيه أي: آمن به قوم وكذب به قوم، والكناية ترجع إلى الكتاب وهو تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي:\rلا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلفوا من قبلهم في كتابهم، وقيل: الكناية: ترجع إلى","part":7,"page":31},{"id":2488,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 32\rوَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ في الدنيا فيما اختلفوا فيه وَإِنَّهُمْ أي المكذبين به لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) موقع في الريبة\rمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ عمل وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي فضرر إساءته على نفسه وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) أي بذي ظلم، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ\r* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ متى تكون لا يعلمه غيره وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ وفي قراءة ثمرات مِنْ أَكْمامِها أوعيتها جمع كم بكسر موسى وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أي: في إمهالهم لقضى بينهم أي: بتعجيل العذاب وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي: من القرآن مُرِيبٍ أي: شديد الريبة. وقال الطيبي في هذه الآية: لو لا أن اللّه أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لعجل لهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم، وقيل: تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين اهـ.\rقوله: وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي العدة بالقيامة وفصل الخصومات فيها أو تقدير الأجل اهـ بيضاوي.\rقوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من ابتدائية أي: لفي شك مبتدأ منه.\rقوله: فَلِنَفْسِهِ متعلق بفعل محذوف قدره بقوله: عمل. وفي السمين: قوله: فلنفسه يجوز أن يتعلق بفعل مقدم أي: فلنفسه عمل، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: فالعمل الصالح لنفسه، وقوله:\rفعليها مثله اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: فلنفسه عمل أشار به إلى أن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف، ويصح كونه خبر مبتدأ مضمر أي: فالعمل الصالح لنفسه أو نفعه أي: فلا بد من ذلك ليلتئم به الكلام وليفيد الاختصاص المناسب للمقام اهـ.\rقوله: (أي بذي ظلم) أي: فظلام صيغة نسب كتمار، ويقال وخباز لا صيغة مبالغة، وهذا التقرير أحسن من غيره اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: أي: بذي ظلم أشار به إلى أن ظلام ليس على بابه، واستدل بالآية المذكورة، ولو استدل بآية وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [غافر: 31] لكان أحسن لنفيها إرادة الظلم، فإن نفي إرادة ذلك وإن قلّ فهو للظلم أصلا ورأسا أنفى اهـ.\rقوله: عِلْمُ السَّاعَةِ على حذف مضاف أشار له بقوله: متى تكون أي: علم سؤال الساعة أي:\rالسؤال عنها أي: علم جواب هذا السؤال وأخذ الحصر في قوله: لا يعلمه غيره ومن تقديم المعمول اهـ شيخنا.\rقوله: وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ من زائدة في الفاعل، وقوله: وفي قراءة أي: سبعية ثمرات، فالجمع للاختلاف في أنواع الثمار والإفراد على إرادة الجنس اهـ كرخي.\rقوله: (جمع كم) ويقال كمة أيضا وفي القرطبي: من أكمامها أي: أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمر واحدها كمة، وهي كل ظرف لمال أو غيره، ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن الثمرة","part":7,"page":32},{"id":2489,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 33\rالكاف إلّا بعلمه وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ أعلمناك الآن ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) أي شاهد بأنّ لك شريكا\rوَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ يعبدون مِنْ قَبْلُ في الدنيا من الأصنام وَظَنُّوا أيقنوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) مهرب من كمة. قال ابن عباس: الكمة الكفرى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست بكمة، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة الرحمن اهـ.\rقوله: (بكسر الكاف) هكذا ضبطه الزمخشري وهو ما يغطي الثمرة من النور والزهور، وقال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام، فهذا يدل على أنه مضموم الكاف إذ جعله مشتركا بين كم القميص وكم الثمرة ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم، فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان دون كم القميص جمعا بين قوليهما، وأما أكمة فواحدها كمام كأزمة وزمام اهـ سمين.\rلكن الذي في كتب اللغة التفرقة بين كم الثوب وكم الثمر فنصوا على ضم الأول وكسر الثاني.\rوفي القاموس الكم بالضم مدخل اليد ومخرجها من الثوب، والجمع أكمام وكمية، وبالكسر وعاء الطلع وغطاء النور كالكمامة والكمة بالكسر فيهما والجمع أكمة وأكمام وكمام اهـ.\rقوله: (إلا بعلمه) استثناء مفرغ من أعم الأحوال. أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة أو حمل حامل أو وضع واضع ملابسا لشيء من الأشياء إلا في حال ملابسته بعلمه المحيط اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: إلا بعلمه إلا مقرونا بعلمه واقعا حسب تعلقه به اهـ.\rوفي الخازن: وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه أي: يعلم قدر أيام بالحمل وساعاته ومتى يكون الوضع اذكر الحمل هو أم أنثى. ومعنى الآية: كما يرد إليه علم الساعة، فكذلك يرد إليه علم ما يحدث من شيء كالثمار والنتاج وغيره، فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشف قولا:\rفيصيب فيه وكذلك الكهان والمنجمون. قلت: أما أصحاب الكشف إذا قالوا قولا فهو من إلهام اللّه تعالى وإطلاعه إياهم عليه، فكان من علمه الذي يرد عليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب وعلم اللّه تعالى هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشركه فيه أحد.\rقوله: أَيْنَ شُرَكائِي أي: بزعمكم كما نص عليه في قوله: أين شركائي الذين كنتم تزعمون، وفيه تهكم بهم وتقريع لهم، ويوم منصوب باذكر أو ظرف لمضمر قد ترك إيذانا بقصور البيان عنه اهـ أبو السعود.\rأو ظرف للفعل الذي بعده.\rقوله: قالُوا أي: يقولون فالماضي بمعنى المضارع. قوله: (الآن) أشار به أن قولهم آذناك إنشاء لا إخبار عن إيذان قد سبق، وبعضهم حمله على الإخبار أي: أنك قد علمت من قلوبنا وعقائدنا أنا لا نشهد تلك الشهادة فنزلوا علمه محالهم منزلة إعلامهم به فأخبروا وقالوا آذناك اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ مَحِيصٍ أي: فرار من النار. يقال: حاص يحيص حيصا إذا هرب اهـ قرطبي.","part":7,"page":33},{"id":2490,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 34\rالعذاب، والنفي في الموضعين معلق عن العمل، وجملة النفي سدّت مسد المفعولين\rلا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أي لا يزال يسأل ربّه المال والصحة وغيرهما وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ الفقر والشدة فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (49) من رحمة اللّه، وهذا وما بعده في الكافرين\rوَلَئِنْ لام قسم قوله: (و النفي) أي: وهو ما وقوله: (في الموضعين) وهما ما منا من شهيد وما لهم من محيص، وقوله: معلق أي: للعامل وهو آذناك وظنوا أي مبطل لعمله لفظا مع بقائه محلا، فقوله عن العمل أي:\rفي اللفظ، وقوله: وجملة النفي أي: في الموضعين سدت مسد المفعولين أي: الأول والثاني لظن، والثاني والثالث لآذن فإنه يتعدى لثلاثة كأعلم الأول الكاف، والثاني والثالث قام مقامهما جملة النفي تأمل.\rقوله: مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ مصدر مضاف لمفعوله وفاعله محذوف اهـ سمين.\rوقد أشار الشارح لهذا بقوله: أي لا يزال يسأل الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و غيرهما) كالولد. قوله: فَيَؤُسٌ أي: فهو يؤوس واليأس من صفة القلب وهو قطع الرجاء من رحمة اللّه تعالى، والقنوط إظهار آثاره على ظاهر البدن اهـ كرخي.\rوصنيع الشارح يقتضي ترادفهما وبه قال بعضهم، فالجمع بينهما للتأكيد. وفي البيضاوي: وقد بولغ في يأسه من جهة البنية والتكرير وما في القنوط من ظهور أثر اليأس اهـ.\rوقوله: ومن جهة البنية أي: الصيغة لأن فعولا من صيغ المبالغة والتكرير، لأن اليأس والقنوط كالمترادفين وإن كان اليأس مغايرا له أو أعم، لأن القنوط أثر اليأس أو يأس ظهر أثره على من اتصف به كانكساره وحزنه، فيكرر بذكره اليأس في ضمنه على كل حال، كما أشار إليه المصنف بقوله: وما في القنوط الخ اهـ شهاب.\rوفي المختار: اليأس القنوط وقد يئس من الشيء من باب فهم، وفيه لغة أخرى يئس ييئس بالكسر فيهما وهي شاذة، ورجل يؤوس ويئيس أيضا وبمعنى علم في لغة البخع، قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: 31] وآيسة من كذا فاستيأس منه بمعنى أيس اهـ.\rوفيه أيضا: أيس منه لغة في يئس وبابهما فهم وآيسة منه غيره بالمد مثل أيأسه وكذا أيسه بتشديد الياء تأييسا اهـ.\rوفيه أيضا: القنوط اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قنط وقنوط وقانط فأما قنط يقنط بالفتح فيهما وقنط يقنط بالكسر فإنما هو على الجمع بين اللغتين اهـ.\rقوله: (و ما بعده) وهو قوله: ولئن أذقناه إلى قوله للحسنى وأما قوله: فلتنبئن الخ فصريح في الكافرين لا يحتاج للتنبيه عليه، وأما قوله: وإذا أنعمنا على الإنسان فقد حمله على الجنس لا بقيد الكفر ولا بقيد الإيمان اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: هذا وما بعدها في الكافرين بدليل قوله تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: 87]. وفي قوله الآتي: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ ما يدل له أيضا اهـ.","part":7,"page":34},{"id":2491,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 35\rأَذَقْناهُ آتيناه رَحْمَةً غنى وصحة مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ شدة وبلاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي بعملي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ لام قسم رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أي الجنة فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50) شديد، واللام في الفعلين لام قسم\rوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ الجنس أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ ثنى عطفه متبخترا، وفي قراءة وعبارة الخطيب: والمعنى أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيسا قانطا، وهذه صفة الكافر لقوله: لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون اهـ.\rقوله: لَيَقُولَنَ الخ هذا جواب القسم وجواب الشرط محذوف لمسد جواب القسم مسده على القاعدة المذكورة في قوله:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت\r\rاه شيخنا.\rقوله: (بعملي) أي: أستحقه بعملي فاللام للاستحقاق اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: ليقولن هذا لي أي: حقي أستحقه بمالي من الفضل والعمل أو لي دائما لا يزول اهـ.\rقوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي: تقوم. قوله: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي أي: كما تقول الرسل بفرض صدقهم، وقوله: إن لي عنده للحسنى جواب القسم لسبقه الشرط. وقد تضمن الكلام مبالغات حيث أكد بالقسم وإن وتقديم الظرفين والعدول إلى صيغة التفضيل إذ الحسنى تأنيث الأحسن، وإنما يقول ذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا يستحقه فيستحق مثله في الآخرة اهـ كرخي.\rقوله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ هذا جواب لقول الكافر، ولئن رجعت الخ أي: ليس الأمر كما يزعم وإنما له العذاب الغليظ اهـ شيخنا.\rقوله: (الجنس) أي: من حيث هو.\rقوله: وَنَأى بِجانِبِهِ بوزن قال فالهمزة مؤخرة عن الألف، وقوله: وفي قراءة أي: سبعية، وقوله: بتقديم الهمزة أي: على الألف وتأخيرها عن النون بوزن رمى، وقوله: ثنى عطفه أي: جانبه كناية عن الإعراض اهـ شيخنا.\rوهذا التفسير يرجع لكل من القراءتين فكان الأنسب له تأخيره عنهما. وفي البيضاوي: ونأى بجانبه انحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه أي: من الشكر بكليته تكبرا والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله: في جنب اللّه اهـ.\rونأى بمعنى بعد، والباء في بجانبه للتعدية، ونأي الجانب عن الشكر يستلزم الانحراف عنه، فلذلك فسره به ثم جوز أن يكون الجانب عبارة عن النفس، ويكون المعنى تباعد عن الشكر بكليته وذاته لا بجانبه فقط اهـ زاده.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 36\r\rنأى بمعنى بعد، والباء في بجانبه للتعدية، ونأي الجانب عن الشكر يستلزم الانحراف عنه، فلذلك فسره به ثم جوز أن يكون الجانب عبارة عن النفس، ويكون المعنى تباعد عن الشكر بكليته وذاته لا بجانبه فقط اهـ زاده.","part":7,"page":35},{"id":2492,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 36\rبتقديم الهمزة وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) كثير\rقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كما قال النبي ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أي لا أحد أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ خلاف بَعِيدٍ (52) عن الحق، أوقع هذا موقع منكم بيانا لحالهم\rسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ أقطار السماوات والأرض من النيرات والنبات والأشجار وَفِي أَنْفُسِهِمْ من لطيف الصنعة وبديع قوله: فَذُو دُعاءٍ أي فهو ذو دعاء، وقوله: كثير إشارة إلى أن العرب تطلق الطول والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر فهو مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة، والاستعارة تخييلية شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد ثم أثبت له العرض اهـ كرخي.\rوالطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله اهـ أبو السعود.\rفإنت قلت: كونه يدعو دعاء طويلا عريضا ينافي وصفه قبل هذا بأنه يؤوس قنوط لأن الدعاء فرع الطمع والرجاء، وقد اعتبر في القنوط أثر اليأس فظهور ما يدل على الرجاء يأباه قلت: يمكن دفع المنافاة بحمله على عدم اتحاد الأوقات والأحوال اهـ شهاب.\rوفي أبي السعود: ولعل هذا شأن بعض غير البعض الذي حكي عنه اليأس والقنوط أو شأن الكل في بعض الأوقات اهـ.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي: أخبروني عن حالتكم العجيبة واستعمال أرأيتم بمعنى الأخبار مجاز ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سببا للاخبار عنه أو إبصاره به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الأخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الأبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان استعمال رأى التي بمعنى علم أو أبصر الأخبار واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الأخبار اهـ شهاب.\rومفعول رأى الأول محذوف تقديره أرأيتم أنفسكم، والثاني هو الجملة الاستفهامية اهـ كرخي.\rوالجملة الشرطية اعتراض بين المفعولين وجواب الشرط محذوف تقديره: فأنتم أضل من غيركم أو فلا أحد أضل منكم اهـ.\rقوله: (كما قال النبي) صوابه كما قلتم، وبعد ذلك تقدير هذا ليس ضروريا اهـ شيخنا.\rقوله: (أوقع هذا) أي: قوله: ممن هو في شقاق بعيد اهـ.\rقوله: فِي الْآفاقِ حال من الآيات، وقوله: من النيرات أي: الشمس القمر والنجوم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: الآفاق جمع أفق وهو الناحية وهو كأعناق في عنق أبدلت همزته ألفا، ونقل الراغب أنه يقال أفق بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبل وأجبال، وأفق فلان أي: ذهب في الآفاق والآفاق الذي بلغ نهاية الكرم تشبيها في ذلك بالذاهب في الآفاق، والنسبة إلى الأفق أفقي بفتحهما. قلت:\rويحتمل أنه نسبة إلى المفتوح واستغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم وله نظائر اهـ.\rقوله: (من النيرات الخ) يرد على هذا التفسير ما يقال أن قوله: سنريهم الخ يقتضي أنه إلى الآن","part":7,"page":36},{"id":2493,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 37\rالحكمة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ أي القرآن الْحَقُ المنزل من اللّه بالبعث والحساب والعقاب، فيعاقبون على كفرهم به، وبالجاني به أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ فاعل يكف أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ما أطلعهم على تلك الآيات وسيطلعهم عليها بعد ذلك، مع أن الآيات المذكورة قد أطلعوا عليها وهي منهم نصب العين، والجواب: أن المراد على هذا سنريهم أسرار آياتنا الخ. فالآيات وإن اطلعوا عليها بالفعل لكن سرها وحكمتها لم يطلعوا عليه اهـ من الكرخي.\rوفي البيضاوي: سنريهم آياتنا في الآفاق يعني ما أخبرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يسر اللّه له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة اهـ.\rوفي القرطبي: سنريهم آياتنا في الآفاق أي: علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق. يعني خراب منازل الأمم الماضية، وفي أنفسهم بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد: في الآفاق آيات السماء، وفي أنفسهم حوادث الأرض، وقال مجاهد: في الآفاق فتح القرى فيسر اللّه عز وجل لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوحات التي لم يتيسر مثلها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، أو من الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم وتسليط ضعفائهم على أقويائهم وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات، وفي أنفسهم فتح مكة وهو اختيار الطبري. وقال المنهال بن عمرو، والسدي، وقال قتادة والضحاك: وفي الآفاق وقائع اللّه في الأمم وفي أنفسهم في يوم بدر. وقال عطاء، وابن زيد أيضا: وفي الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي واحدها أفق وأفق مثل عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء إذا كان من آفاق الأرض حكاه أبو نصر، وبعضهم يقول أفقي بضمهما وهو القياس وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى في سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد ويتميز ذلك خارجا من مكانين، وحتى في عينيه اللتين ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة وغير ذلك من بديع حكمة اللّه فيه. وقيل: في أنفسهم في كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في المؤمنون بيانه، وقيل: المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الفتن وأخبار الغيوب اهـ بحروفه.\rقوله: (من لطيف الصنعة) كالأطوار المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ الخ استئناف وارد لتوبيخهم على ترددهم في شأن القرآن وعنادهم المحوج إلى إيراد الآيات وعدم اكتفائهم بأخباره تعالى، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي: ألم يغنهم ولم يكفهم ربك، والياء مزيدة للتوكيد، ولا تكاد تزاد إلا مع كفى اهـ أبو السعود.","part":7,"page":37},{"id":2494,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 38\rشَهِيدٌ (53) بدل منه، أي أو لم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما\rأَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ لانكارهم البعث أَلا إِنَّهُ تعالى بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) علما وقدرة، فيجازيهم بكفرهم.\rوفي السمين: قوله: أو لم يكف بربك فيه وجهان، أحدهما: أن الباء مزيدة في الفاعل وهذا هو الراجح والمفعول محذوف أي: أو لم يكف ربك، وفي قوله: أنه على كل شيء شهيد وجهان، أحدهما: أنه يدل من بربك فيكون مرفوع المحل مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل بأنه تم حذف الجار، فجرى الخلاف. الثاني: من الوجهين الأولين أن يكون بربك هو المفعول، وأنه وما بعده هو الفاعل أي لم يكف بربك شهادته، وقرئ إنه بالكسر وهو على إضمار القول أو على الاستئناف، وقرأ عبد الرحمن والحسن في مرية بضم الميم وقد تقدم أنها لغة في مكسورة الميم اهـ.\rقوله: (فاعل) أي: بزيادة الباء، والمفعول محذوف كما قدره بقوله: أي: أو لم يكفهم اهـ شيخنا.\rقوله: (بدل منه) أي: بدل كل من كل، وفي الشهاب: أنه بدل اشتمال اهـ شيخنا.\rقوله: (علما وقدرة) عبارة البيضاوي: إلا أنه بكل شيء محيط عالم يجعل الأشياء وتفاصيلها مقتدرا عليها لا يفوته شيء منها اهـ.","part":7,"page":38},{"id":2495,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 39\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الشورى مكية إلا قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ الآيات الأربع. وهي ثلاث وخمسون آية\rحم (1)\rعسق (2) اللّه أعلم بمراده به\rكَذلِكَ أي مثل ذلك الإيحاء يُوحِي إِلَيْكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وتسمى سورة حم عسق، وتسمى سورة عسق وسورة حم سق اهـ بيضاوي.\rوتسمى سورة شورى من غير ألف ولام اهـ شيخنا.\rقوله: (إلا قل لا أسألكم الخ) عبارة الخازن وهي مكية في قول ابن عباس والجمهور، وحكي عن ابن عباس: إلا أربع آيات نزلت بالمدينة أولها قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [الأنعام: 90] وقيل:\rفيها من المدني ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إلى قوله تعالى: بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 119] وقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ إلى قوله: مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91].\rقوله: حم وقوله: عسق لعل هذين اسمان للسورة، ولذلك فصل بينهما في الخط وعدا آيتين، وقيل: هما اسم واحد فالفصل بينهما ليطابق سائر الحواميم اهـ بيضاوي.\rوقوله: ولذلك فصل بينهما الخ جواب عما يقال أنهم أجمعوا على أنه لا يفصل بين كهيعص، وعلى أنه يفصل ههنا بين حم وبين عسق فما السبب فيه؟ وعما يقال أنهما عدا آيتين وأخواتهما مثل كهيعص والمص والمر عدت آية واحدة فما السبب فيه أيضا؟ اهـ زاده.\rوقال ابن عباس: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق، فلذلك قال اللّه كذلك يوحي إليك الخ اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل لم قطع حم من عسق ولم يقطع كهيعص والمر والمص؟ فقال: لأن حم عسق بين سور أولها حم فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكان حم مبتدأ، وعسق خبره ولأنهما عدتا آيتين وعدت أخواتهن اللواتي كتبت جملة آية واحدة، وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في المعنى واحد من حيث أنها أس البيان وقاعدة الكلام. ذكره الجرجاني وكتب حم عسق منفصلا وكهيعص متصلا كأنه قيل: حم أي حم ما هو كائن ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر انتهى.","part":7,"page":39},{"id":2496,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 40\rوَأوحى إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ فاعل الإيحاء الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (3) في صنعه\rلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَهُوَ الْعَلِيُ على خلقه الْعَظِيمُ (4) الكبير\rتَكادُ بالتاء والياء السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ بالنون، وفي قراءة بالتاء والتشديد مِنْ فَوْقِهِنَ أي قوله: كَذلِكَ الخ كلام مستأنف وارد لتحقيق أن مضمون السورة موافق لما في تضاعيف سائر الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق. أي: مثل ما في هذه السورة من المعاني أوحي إليك أوحي إلى سائر الرسل اهـ أبو السعود.\rوالكاف في محل نصب على المفعولية المطلقة، فقوله: أي مثل بالنصب، وقوله: يوحي استعمل المضارع في حقيقته ومجازه فهو مستعمل في المستقبل بالنظر لما لم ينزل عليه من القرآن إذ ذاك، وفي الماضي بالنظر لما أنزل بالفعل وبالنظر لما أنزل على الرسل السابقين، وقد أشار الشارح لهذا بقوله: وأوحي إلى الذين من قبلك هذا والمشبه به في كذلك هو هذه السورة أي؛ كما أوحي إليك هذه السورة يوحي إليك غيرها من القرآن، ويوحي إلى الذين من قبلك الكتب القديمة، ووجه الشبه أن الموحى به في الكل يرجع لأمور ثلاثة: التوحيد والنبوة والبعث، فهذا القدر موجود في القرآن وفي غيره من الكتب اهـ شيخنا.\rوفي زاده: ووجه المشابهة الاشتراك في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في أمور الآخرة اهـ.\rوفي السمين: كذلك يوحي الخ جمهور القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتا لمصدر أو حالا من ضميره أي يوحي إيحاء مثل ذلك الإيحاء، وقرأ ابن كثير ويروى عن أبي عمر ويوحى بفتح الحاء مبنيا للمفعول. وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه، أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك لأنه مبتدأ والتقدير مثل ذلك الإيحاء يوحي هو إليك، فمثل ذلك: مبتدأ، ويوحي هو إليك: خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل إليك والكاف منصوب المحل على الوجهين المتقدمين. الثالث: أن القائم مقام الفاعل الجملة من قول اللّه العزيز أي يوحي إليك هذا اللفظ، وأصول البصريين لا تساعد عليه لأن الجملة لا تكون فاعلا ولا قائمة مقامه. وقرأ أبو حيوة، والأعمش، وأبان: نوحي بالنون وهي موافقة للعامة، ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: اللّه العزيز منصوبة المحل مفعولة بنوحي أي نوحي إليك هذا اللفظ، إلا أن فيه حكاية الجمل بغير القول الصريح، ويوحى على اختلاف قراءاته يجوز أن يكون على بابه من الحال أو الاستقبال فيتعلق قوله: وإلى الذين من قبلك بمحذوف لتعذر ذلك تقديره وأوحي إلى الذين، وأن يكون بمعنى الماضي وجيء به على صورة المضارع لغرض وهو تصوير الحال اهـ.\rقوله: (فاعل الإيحاء) هذا على قراءة كسر الحاء مبنيا للفاعل، وأما على قراءة فتحها مبنيا للمفعول فنائب الفاعل الظرف وهو إليك، وقوله: اللّه فاعل بفعل محذوف كأنه قيل: من يوحيه؟\rفقيل: اللّه يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ [النور: 36] اهـ سمين.\rقوله: (بالنون) أي بعد الياء، وقوله: بالتاء أي: بعد الياء، وقوله: والتشديد أي: تشديد الطاء","part":7,"page":40},{"id":2497,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 41\rتنشق كل واحدة فوق التي تليها، من عظمة اللّه تعالى وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ملابسين المفتوحة، وظاهر صنيعه أن القراءات أربعة من ضرب اثنتين في اثنتين وليس كذلك بل هي ثلاثة فقط، لأن من يقرأ تكاد بالتاء الفوقية يجوز الوجهين في ينفطرن، ومن يقرأ يكاد بالياء التحتية لا يقرأ يتفطرن إلا بالتاء الفوقية، فقوله بالنون أي: على قراءة التاء الفوقية، وقوله: وفي قراءة الخ. أي: على كل من القراءتين في تكاد والثلاثة سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ فَوْقِهِنَ أي يبتدأ الانفطار من جهتهن الفوقية وتخصيصها بالذكر لما أن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال هو الانفطار من تلك الجهة، ويعلم انفطار السفلى بالطريق الأولى، لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة في الأرض لما أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت بالطريق الأولى اهـ أبو السعود.\rوالكلمة الشنعاء هي قولهم: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [مريم: 88] كما تقدم في سورة مريم.\rقوله: (فوق التي تليها) متعلق بمحذوف أي: وتسقط فوق الخ. وهذا يقتضي أن الضمير عائد على السموات وهو أحد الاحتمالات ذكرها السمين فقال: قوله: من فوقهن في هذا الضمير ثلاثة أوجه، أحدها: أنه عائد على السموات أي يبتدأ انفطارهن من هذه الجهة فمن لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها.\rالثاني: أنه عائد على الأرضين لتقدم ذكر الأرض قبل ذلك. الثالث: أنه عائد على فرق الكفار والجماعات الملحدين قاله الأخفش الصغير اهـ.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ الخ كلام مستأنف. قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ أي يشفعون لمن في الأرض من المؤمنين، فالمراد بالاستغفار الشفاعة كما في قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 7] أو يطلبون هدايتهم اهـ كرخي.\rوبعضهم أبقى من في الأرض على عمومه بحيث يشمل الكفار كالبيضاوي ونصه: ويستغفرون لمن في الأرض أي: بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة، وذلك في الجملة يعم المؤمن والكافر، بل فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع لعم الحيوان بل الجماد اهـ.\rوقوله: فيما يستدعي مغفرتهم الخ جواب عما يقال أن من في الأرض يعم الكفار فكيف نستغفر لهم الملائكة وقد ثبت أنهم يلعنونهم كما قال: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [آل عمران: 87] ولا وجه لكونهم لاعنين لهم ومستغفرين. وتقرير الجواب أنه لا منافاة لأن استغفارهم بمعنى السعي فيما يستدعي مغفرتهم وهو الإيمان، فإن استغفارهم في حق الكفار بطلب الإيمان لهم، وفي حق المؤمنين بالتجاوز عن سيئاتهم فيكون استغفارهم في حق عامة من في الأرض محمولا على عموم المجاز اهـ زاده.\rوفي القرطبي: ويستغفرون لمن في الأرض قال الضحاك: لمن في الأرض من المؤمنين، وقال السدي: بيانه في سورة المؤمن وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 7]، وعلى هذا يكون المراد بالملائكة هنا حملة العرش، وقيل: جميع ملائكة السماء وهو الظاهر من قول الكلبي. وقال وهب بن","part":7,"page":41},{"id":2498,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 42\rللحمد وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من المؤمنين أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ لأوليائه الرَّحِيمُ (5) بهم\rوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أي الأصنام أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ محص عَلَيْهِمْ ليجازيهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) تحصل المطلوب منهم، ما عليك إلا البلاغ\rوَكَذلِكَ مثل ذلك الإيحاء أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ تخوّف أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها أي أهل مكة وسائر الناس وَتُنْذِرَ الناس يَوْمَ الْجَمْعِ أي يوم القيامة، تجمع فيه الخلائق لا رَيْبَ شك فِيهِ فَرِيقٌ منهم فِي الْجَنَّةِ منبه: هو منسوخ ويستغفرون للذين آمنوا، وقال المهدوي: والصحيح أنه ليس بمنسوخ لأنه خبر وهو خاص بالمؤمنين، قال أبو الحسن بن الحصار: وقد ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت هاروت وماروت، وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفاره للمؤمنين خاصة وللّه وملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض. قال الماوردي: وفي استغفارهم لهم قولان، أحدهما: من الذنوب والخطايا وهو ظاهر قاله مقاتل. الثاني: أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم قال الكلبي. قلت: وهو الأظهر لأن من في الأرض يعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه الكافر، وقال مطرف. وجدنا أنصح عباد اللّه لعباد اللّه الملائكة، ووجدنا أغش عباد اللّه لعباد اللّه الشياطين اهـ.\rقوله: (أي الأصنام) تفسير للمفعول الأول فهو محذوف، والثاني مذكور وهو أولياء وكذا يقال فيما سيأتي اهـ شيخنا.\rقوله: (محص) أي: محص أعمالهم أي حافظها وضابطها لا يغيب عنه منها شيء اهـ شيخنا.\rقوله: (تحصل المطلوب منهم) في البيضاوي: وما أنت عليهم بوكيل بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم اهـ.\rقوله: (ما عليك إلا البلاغ) هذا منسوخ بآية السيف. قوله: (مثل ذلك الإيحاء) أي: المذكور في قوله: يوحى إليك الخ. ورجوع الإشارة إلى المصدر المذكور أحد احتمالين والآخر أنها ترجع إلى الآية المتقدمة قريبا في قوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [الشورى: 6] الخ. وعبارة أبي السعود: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا ذلك إشارة إلى مصدر أوحينا ومحل الكاف النصب على المصدرية، وقرآنا عربيا مفعول لأوحينا أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع البين المفهم أوحينا إليك قرآنا عربيا لا لبس فيه عليك ولا على قومك، وقيل: إشارة إلى معنى الآية المتقدمة من أنه تعالى هو الحفيظ عليهم وإنما أنت نذير فحسب، فالكاف مفعول به لأوحينا، وقرآنا عربيا حال من المفعول به أي: أوحيناه إليك وهو قرآن عربي اهـ.\rقوله: قُرْآناً عَرَبِيًّا فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول أوحينا، والكاف في محل نصب على المفعولية المطلقة. الثاني: أنه حال من الكاف والكاف هي المفعول لأوحينا أي: أوحينا مثل ذلك الإيحاء وهو قرآن عربي اهـ سمين.\rقوله: يَوْمَ الْجَمْعِ هو المفعول الثاني والأول محذوف أي: وتنذر الناس عذاب يوم الجمع فحذف المفعول الأول من الإنذار الثاني، كما حذف المفعول الثاني من الإنذار الأول تقديره العذاب سمين.","part":7,"page":42},{"id":2499,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 43\rوَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) النار\rوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي على دين واحد وهو الإسلام وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ الكافرون ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) يدفع عنهم العذاب\rأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أي الأصنام أَوْلِياءَ أم منقطعة بمعنى بل التي للانتقال، والهمزة للإنكار، أي ليس المحذوف أولياء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ أي الناصر للمؤمنين، والفاء لمجرد العطف وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)\rوَمَا اخْتَلَفْتُمْ مع الكفار فِيهِ مِنْ شَيْءٍ من الدين وغيره فَحُكْمُهُ مردود إِلَى اللَّهِ يوم القيامة يفصل بينكم، قل لهم ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ قوله: لا رَيْبَ فِيهِ مستأنف أو حال من يوم الجمع اهـ سمين.\rوقوله: فريق مبتدأ خبره الظرف بعد وسوغ الابتداء بالنكرة مقام التفصيل، ويجوز أن يكون الخبر مقدرا تقديره منهم فريق، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ مقدر أي المجموعون دل على ذلك قوله: يوم الجمع اهـ سمين.\rقوله: فَرِيقٌ (منهم) أي: المجموعين المدلول عليه بيوم الجمع اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو الإسلام) أي: أو الكفر.\rقوله: وَالظَّالِمُونَ الخ مقابل لقوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ فكان يقتضي الظاهر أن يقال: ويدخل من يشاء في غضبه وعدل عنه إلى ما ذكر للمبالغة في الوعيد، فإن نفي من يتولاهم وينصرهم أدل على أن كونهم في العذاب أمر معلوم مفروغ منه اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى بل الخ) أو تقدير ببل وحدها أو بالهمزة وحدها اهـ سمين.\rقوله: (التي للانتقال) أي: من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها، فهذا كلام مستأنف مقرر لما قبله من انتفاء أن يكون للظالمين ولي أو نصير اهـ أبو السعود.\rقوله: (و الفاء لمجرد العطف) أي: الخالي عن السببية، وفي الكرخي: قوله: لمجرد العطف أي عطف ما بعدها على ما قبلها وغرضه بهذا الرد الزمخشري في قوله: إنها جواب شرط مقدر أي: إن أرادوا أولياء بحق فاللّه هو الولي الحق. قال أبو حيان: لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه اهـ.\rقوله: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ما مبتدأ شرطية أو موصوله، وقوله: من شيء بيان لها، وقوله: من الدين وغيره بيان لشيء والغير كالخصومات في أمور الدنيا، وفي البيضاوي: من شيء من أمر من أمور الدين أو الدنيا اهـ.\rولم يذكر الدنيا في الكشاف وهو الموافق لقوله هنا أنتم والكفار، إذ الظاهر أن المراد بأمور الدنيا المخاصمات ولا يلزم أن تكون بينهم وبين الكفرة، ولا يقال في مثله التحاكم إلى اللّه اهـ شهاب.\rقوله: (يفصل بينكم) أي: بإثابة المحقين وعقاب المبطلين اهـ أبو السعود.\rقوله: ذلِكُمُ مبتدأ أي ذلكم الحاكم العظيم الشأن. اللّه: خبر أول، وقوله: ربي خبر ثان،","part":7,"page":43},{"id":2500,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 44\rأُنِيبُ (10) أرجع\rفاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً حيث خلق حوّاء من ضلع آدم وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً ذكورا وإناثا يَذْرَؤُكُمْ بالمعجمة يخلقكم فِيهِ في الجعل وعليه توكلت ثالث، وإليه أنيب رابع فاطر السموات والأرض خامس، جعل لكم الخ سادس، ليس كمثله شيء سابع، وهو السميع البصير ثامن، له مقاليد الخ تاسع، يبسط الرزق الخ عاشر، شرع لكم الخ حادي عشر اهـ شيخنا.\rقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي: من جنسكم أزواجا أي نساء، ومن الأنعام أزواجا أي وخلق الأنعام من جنسها أزواجا، وخلق لكم من الأنعام أصنافا أو أناثا وذكورا اهـ بيضاوي.\rقوله: (حيث خلق حواء من ضلع آدم) عبارة القرطبي: جعل لكم من أنفسكم أزواجا معناه إناثا، وإنما قال من أنفسكم لأن خلق حواء من ضلع آدم، وقال مجاهد: نسلا بعد نسل اهـ.\rروي عن جعفر الصادق أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، وعن ابن عباس قال: كان السجود يوم الجمعة من الزوال إلى العصر، ثم خلق له حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن ومال إليها ومدّ يده لها، فقالت الملائكة: مه يا آدم. قال: ولم وقد خلقها اللّه لي؟\rفقالوا: حتى تؤدي مهرها. قال: وما مهرها؟ قالوا: حتى تصلي على محمد ثلاث مرات. وذكر ابن الجوزي أنه لما رام آدم القرب منها طلبت منه المهر، فقال: يا رب وماذا أعطيها؟ فقال: يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد اللّه عشرين مرة ففعل اهـ مواهب.\rفلما فعل آدم ما أمر به خطب اللّه له خطبة النكاح ثم قال: اشهدوا يا ملائكتي وحملة عرشي أني زوجت أمتي حواء من عبدي آدم اهـ شارحها.\rقوله: (من ضلع) بوزن عنب، ويجوز أيضا سكون اللام بوزن حمل اهـ شيخنا.\rكما في القاموس والمختار والمصباح ونصه: الضلع من الحيوان بكسر الضاد، وأما اللام فتفتح في لغة الحجاز وتسكن في لغة تميم وهي أنثى وجمعها أضلع وأضلاع وضلوع وهي عظام الجنبين، وضلع الشيء ضلعا من باب تعب أعوج، وضلع ضلعا من باب نفع مال عن الحق، وضلعك معه أي ميلك وتضلع من الطعام امتلأ منه اهـ.\rقوله: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يجوز أن تكون في على بابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد، والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام وغلب العقلاء المخاطبون على غيرهم الغيب. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلتين. قال الشيخ: وهو اصطلاح غريب، ويعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا، ثم قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى يذرؤكم في هذا التدبير، وهلا قيل يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير كما قال تعالى:\rوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: 179] والثاني: أنها للسببية كالباء في يكثركم بسببه، والضمير يعود للجعل أو للمخلوق اهـ سمين.","part":7,"page":44},{"id":2501,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 45\rالمذكور، أي يكثركم بسببه بالتوالد، والضمير للأناسي، والأنعام بالتغليب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الكاف زائدة لأنه تعالى لا مثل له وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقال الْبَصِيرُ (11) لما يفعل\rلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما يَبْسُطُ الرِّزْقَ قوله: (و الضمير) وهو الكاف في يذرؤكم للأناسي، وفي المختار: الانس البشر واحده إنسي بالكسر وسكون النون، وأنس بفتحتين والجمع الأناسي اهـ.\rوقوله: بالتغليب أي بسبب التغليب فغلب المخاطبون وهو الأنس على الأنعام الغير المخاطبين، وجمع الكل في ضمير واحد وهو كاف الخطاب، فلولا التغليب لقيل يذرؤكم ويذرؤهم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: أنه جمع إنسان، ثم قال: والأناس قيل فعال بضم الفاء مشتق من الأنس، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفا على غير قياس فبقي ناس اهـ.\rقوله: (الكاف زائدة) هذا أحد الوجوه المذكورة في تقرير الآية وهو أسهلها اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في هذه الآية أوجه، أحدها: وهو المشهور عند المعربين أن الكاف زائدة في خبر ليس، وشيء اسمها. والتقدير: ليس شيء مثله. قالوا: ولو لا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل وهو محال، إذ يصير التقدير على أصالة الكاف ليس مثل مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلا ولا مثل لذلك المثل وهذا محال تعالى اللّه عن ذلك، وقال أبو البقاء: ولو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال إذ كان يكون المعنى أن له مثلا وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض لأنه إذا كان له مثل فلمثله خمثل وهو هو مع أن إثبات المثل للّه تعالى محال. قلت:\rوهي طريقة غريبة في تقرير الزيادة وهي طريقة حسنة حسنة الصناعة. والثاني: أن مثل هي الزيادة كزياتها في قوله تعالى: بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ [البقرة: 137] قال الطبري: كما زيدت الكاف في بعض المواضع، وهذا ليس بجيد لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضا يصير التقدير ليس كهو شيء، ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في الشعر. الثالث: أن العرب تقول مثلك لا يفعل كذا يعنون المخاطب نفسه لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله فيثبت انتفاؤها عنه بدليلها. قال ابن قتيبة: العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا أي أنا لا يقال لي هذا. الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل والمثل الصفة كقوله:\rمَثَلُ الْجَنَّةِ [الرعد: 35] فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره وهو محمل سهل اهـ بحروفه.\rقال الراغب: المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط، والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط والمثل في جميع ذلك، ولهذا لما أراد اللّه نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر قال تعالى: كَمِثْلِهِ شَيْءٌ اهـ كرخي.\rقوله: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جمع مقلاد أو مقليد أو أقليد كما تقدم الكلام عليه في سورة الزمر اهـ.","part":7,"page":45},{"id":2502,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 46\rيوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)\r* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً هو أول أنبياء الشريعة وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى قوله: (من المطر الخ) بيان للخزائن والغير كالجواهر المستخرجة من الأرض اهـ شيخنا.\rقوله: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ كالروم والفرس، وقوله: وَيَقْدِرُ لمن يشاء كالعرب اهـ شيخنا.\rقوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ شروع في تفصيل ما أجمله أولا بقوله: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اهـ خطيب.\rوالخطاب في لكم لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وتخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر لعلو شأنهم لأنهم أولو العزم لميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في موسى، والنصارى في عيسى، وقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [فاطر: 31] فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخازن: شرع لكم في الدين أي: بيّن وسنّ لكم طريقا واضحا من الدين أي: دينا تطابقت على صحته الأنبياء وهو قوله تعالى: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وإنما خص نوحا لأنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع، والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد دينا واحدا. وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي من القرآن وشرائع الإسلام وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة وأولو العزم، ثم فسر المشروع الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام من رسله بقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ والمراد من إقامة الدين هو توحيد اللّه والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر وطاعة اللّه في أوامره ونواهيه وسائر ما يكون الرجل به مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها فإنها مختلفة متفاوتة. قال تعالى:\rلِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48] اهـ.\rوقوله: وأصحاب الشرائع المعظمة أي: المستقلة المتجددة، فكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله، فشيث وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم، وما بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم، وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل. قوله: (هو أول أنبياء الشريعة) قال القاضي أبو بكر بن العربي: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في حديث الشفاعة المشهور الكبير: «و لكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا فيقولو له: أنت أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض» وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول رسول نبىء بغير إشكال، إلا أن آدم لم يكن معه إلا بنوه ولم تفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم، وإنما كان شرعه تنبيها على بعض الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش وأخذا بوظائف الحياة والبقاء، واستمر إلى نوح فبعثه اللّه تعالى بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء صلوات اللّه","part":7,"page":46},{"id":2503,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 47\rوَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ هذا هو المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو وسلامه عليهم واحدا بعد واحد وشريعة أثر شريعة حتى ختمها اللّه بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. وكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب إلى اللّه بصالح العمل والصدق والوفاء بالعهد وأداء الامانة وصلة الرحمن وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق كيفما تصورت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى:\rأَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي: اجعلوه دائما قائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك، ومنهم من نكث فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد اللّه مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم واللّه أعلم اهـ قرطبي.\rقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ المراد بإيحائه إليه عليه الصلاة والسّلام إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة. وفي قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ* الآية أو ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي من جملتها قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النحل: 123] وقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: 110] وغير ذلك والتعبير عن ذلك عند نسبته إليه عليه الصلاة والسّلام بالذي أصل الموصولات لزيادة تفخيمه من تلك الحيثية وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته عليه الصلاة والسّلام القامع لانكار الكفرة والالتفات إلى نون العظمة لاظهار كمال الاعتناء بإيحائه وهو السر في تقديمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا، وتقديم توصية نوح عليه الصلاة والسّلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما، وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسّلام بطرق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسّلام اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ المراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه والتشمير له اهـ أبو السعود.\rقوله: (هذا هو المشروع الخ) أي: أن تفسيرية بمعنى أي اهـ كرخي.\rويجوز أن تكون مصدرية في محل رفع خبر مبتدأ مضمر، تقديره: هو أن أقيموا الخ، أو في محل نصب بدلا من الموصول، أو في محل جر بدلا من الدين اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: ومحل أن أقيموا إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه، أو الرفع على أنه جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع كأنه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو إقامة الدين، وقيل: هو بدل من ضمير به وليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه من حيز الإيحاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مستلزم لكون الخطاب في قوله تعالى: وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ للأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسّلام،","part":7,"page":47},{"id":2504,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 48\rالتوحيد كَبُرَ عظم عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ إلى التوحيد مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) يقبل إلى طاعته\rوَما تَفَرَّقُوا أي أهل الأديان في الدين، بأن وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر، مع أن الظاهر أنه متوجه إلى أمته صلّى اللّه عليه وسلّم وأنهم المتفرقون كما ستحيط به خبرا، أي لا تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة عما ذكر من الأصول دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار كما ينطق به قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48] اهـ.\rقوله: (و هو التوحيد) هذا هو المراد بالدين الذي اشترك فيه هؤلاء الرسل وهو المراد من ما في قوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وفي قوله: وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ الخ وأما الذي في قوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ فهو أعم من ذلك، لأن المراد به جميع الشريعة المحمدية أصولا وفروعا، فعلى هذا كان ظاهر النظم أن يقال ما وصي به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى، والذي أوحينا إليك من جميع شريعتك فليتأمل. قوله: (عظم) عَلَى الْمُشْرِكِينَ أي: شق عليهم، وهذا شروع في بيان أحوال بعض من شرع لهم ما شرع من الدين القديم اهـ أبو السعود.\rقوله: (من التوحيد) قصر على هذا بقرينة قوله على المشركين، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص المشركين بالذكر كما لا يخفى اهـ كرخي.\rقوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ الخ استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة اهـ أبو السعود.\rوالاجتباء افتعال من الجباية وهي الجمع قال الراغب: يقال جبيت الماء في الحوض أي:\rجمعته، ومنه قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص 57] والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال تعالى: قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها [الأعراف: 20] واجتباء اللّه العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه اهـ شهاب.\rقوله: مَنْ يُنِيبُ ضمنه معنى يميل فعداه بإلى، ولذا قال الشارح يقبل إلى طاعته اهـ.\rقوله: ما تَفَرَّقُوا الخ شروع في بيان حال أهل الكتاب عقيب الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: وما تفرقوا قال ابن عباس يعني قريشا إلا من بعد ما جاءهم العلم يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي دليله قوله تعالى في سورة فاطر: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ [فاطر: 42] يريدون نبيا، وقال في سورة البقرة: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: 89] على ما تقدم بيانه هناك، وقيل: أمم الأنبياء المتقدمين وأنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى فآمن قوم وكفر قوم، وقال ابن عباس أيضا: يعني أهل الكتاب دليله في سورة المنفكين:\rوَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: 4] فالمشركون قالوا لم خص بالنبوة واليهود حسدوه لما بعث وكذا النصارى بغيا بينهم أي: بغيا من بعضهم على بعض طلبا","part":7,"page":48},{"id":2505,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 49\rوحد بعض وكفر بعض إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بالتوحيد بَغْياً من الكافرين بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الجزاء إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بتعذيب الكافرين في الدنيا وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ وهم اليهود والنصارى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مُرِيبٍ (14) موقع في الريبة\rفَلِذلِكَ التوحيد فَادْعُ يا محمد الناس وَاسْتَقِمْ عليه كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ في تركه وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ أي بأن للرئاسة، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا اهـ.\rقوله: (بالتوحيد) عبارة البيضاوي: إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن التفرق ضلال متوعد عليه أو العلم بمبعث الرسول أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها اهـ.\rقوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ الخ بيان لكيفية كفر المشركين بالقرآن أثر بيان كيفية كفر أهل الكتاب اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخطيب: وإن الذين أورثوا الكتاب أي: التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى أي:\rالذين في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rقوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ (من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم) أي: أو من القرآن وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم أي مطلق التردد اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وإن الذين أورثوا الكتاب يريد اليهود والنصارى من بعدهم، أي: من بعد المختلفين في الحق لفي شك من الذي أوصى به الأنبياء، والكتاب هنا التوراة والإنجيل. وقيل: إن الذين أورثوا الكتاب قريش من بعدهم أي: من بعد اليهود والنصارى لفي شك من القرآن ومن محمد، وقال مجاهد: معنى من بعدهم من قبلهم يعني: من قبل مشركي مكة وهم اليهود والنصارى اهـ.\rقوله: (موقع الريبة) هي قلق النفس واضطرابها اهـ كرخي.\rقوله: فَلِذلِكَ فَادْعُ الخ أي: فلأجل ذلك التفرق أو التفرق أو الكتاب أو العلم الذي أوتيته فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية أو الاتباع لما أوتيته، وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع إلى لإفادة الصلة والتعليل اهـ بيضاوي.\rقوله: وَاسْتَقِمْ فسر الراغب الاستقامة بلزوم المنهج المستقيم، فلا حاجة إلى تأويلها بالدوام على الاستقامة اهـ شهاب.\rقوله: مِنْ كِتابٍ بيان لما. أي: آمنت بأي كتاب كان من الكتب المنزلة لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض، وفيه تحقيق للحق وبيان لاتفاق الكتب في أصول الدين وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض بهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي بأن أعدل) أشار به إلى أن اللام بمعنى الباء، وأن أن المصدرية مقدرة اهـ شيخنا.","part":7,"page":49},{"id":2506,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 50\rأعدل بَيْنَكُمُ في الحكم اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ فكل يجازى بعمله لا حُجَّةَ خصومة بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ هذا قبل أن يؤمر بالجهاد اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا في المعاد لفصل القضاء وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) المرجع\rوَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي دين اللَّهِ نبيه مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ بالإيمان لظهور معجزته وهم اليهود حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ باطلة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)\rاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِ متعلق بأنزل وَالْمِيزانَ العدل وَما قوله: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي: لأن الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال، وليس في الآية إلا ما يدل على المتاركة في المقاولة والمحاجة لا مطلقا حتى تكون منسوخة، وإنما عبّر عن أباطيلهم بالحجة مجاراة لهم على زعمهم الباطل اهـ كرخي.\rوغرضه الاعتراض على الشارح في دعوى النسخ التي أشار إليها بقوله هذا قبل أن يؤمر بالجهاد اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس، ومجاهد: الخطاب لليهود أي: لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نسخت بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: 29] الآية قال مجاهد: ومعنى لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم، وقيل: ليست منسوخة لأن البراهين قد ظهرت والحجج قد قامت فلم يبق إلا العناد وبعد العناد لا حجة ولا جدال اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ مبتدأ، وحجتهم مبتدأ ثان، وداحضة خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول اهـ سمين.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ الضمير في له راجع على محمد المعلوم من السياق الدال عليه الفعل وهو يحاجون كما قدره بقوله: (نبيه)، وفاعل استجيب الناس الداخلون في الإيمان، والسين والتاء زائدتان أي: من بعد ما أجاب الناس له أي: لمحمد بالإيمان، وقوله: وهم اليهود تفسير للذين اهـ شيخنا.\rقوله: داحِضَةٌ في المختار: دحضت حجته بطلت وبابه خضع، وأدحضها اللّه ودحضت رجله زلقت وبابه قطع والإدحاض الإزلاق اهـ.\rقوله: (متعلق بأنزل) أي: والباء للملابسة. قوله: (العدل) أي: فالميزان متجوز به عن العدل استعمالا للسبب في المسبب وانزال العدل هو الأمر والتكليف به اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: اللّه الذي أنزل الكتاب يعني القرآن وسائر الكتب المنزلة قبلك بالحق أي بالصدق والميزان أي: العدل قاله ابن عباس، وأكثر المفسرين. والعدل يسمى ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل، وقيل: الميزان ما بين في الكتب مما يجب على كل إنسان أن يعمل به، وقال قتادة: الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه، وهذه الأقوال متقاربة المعنى وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعذاب، وقيل: إنه الميزان نفسه الذي يوزن به أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس. قال اللّه تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ","part":7,"page":50},{"id":2507,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 51\rيُدْرِيكَ يعلمك لَعَلَّ السَّاعَةَ أي إتيانها قَرِيبٌ (17) ولعل معلق للفعل عن العمل أو ما بعده، سد مسد المفعولين\rيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها يقولون متى تأتي؟ ظنا منهم أنها غير آتية وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ خائفون مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ يجادلون فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)\rاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ برهم وفاجرهم حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25] قال مجاهد: هو الذي يوزن به، ومعنى إنزال الميزان هو إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا به، وقيل: الميزان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقضي بينكم بكتاب اللّه تعالى اهـ.\rقوله: وَما يُدْرِيكَ الخ أي: أي شيء يجعلك عالما بقرب الساعة غير الوحي السماوي، والاستفهام إنكاري أي: لا سبب يوصلك للعلم بقربها إلا الوحي الذي ينزل عليك، وقوله الشارح أو ما بعده الخ صوابه التعبير بالواو، لأن حاصل معنى التعليق إبطال العمل لفظا وبقاؤه محلا لمجيء ماله صدر الكلام، فلو عبر بالواو لكان أولى ويمكن جعل أو بمعناها فتأمل. قوله: (أي إتيانها) جواب عما يقال كيف ذكر قريب مع أنه صفة لمؤنث، وحاصل الجواب أن الكلام على حذف المضاف اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: قوله: أي إتيانها إشارة إلى وجه تذكير قريب مع إسناده إلى ضمير الساعة ظاهرا يعني أن فيه مضافا مضمرا أو هو الإتيان، انتهت.\rولا يقال: إن قريب يستوي فيه المذكر والمؤنث لأن فعيلا هنا بمعنى فاعل ولا يستوي فيه ما ذكر اهـ.\rقوله: (أو ما بعده) أي: بعد الفعل وهو يدريك، والذي بعده جملة لعل الساعة قريب يعني:\rوالمفعول الأول هو الكاف، فهذا الفعل متعد لثلاثة لأنه مضارع أدرى المتعدي لها بالهمزة اهـ شيخنا.\rولينظر هذا مع ما صنفه الشارح في سورة القارعة حيث أعرب جملة ما القارعة في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني، فجعل الفعل متعديا لاثنين، وغاية ما قال السمين هنا وفي سورة الأنبياء:\rإن هذه الجملة لعل الساعة قريب في محل نصب لتعليقه عنها ولم يذكر أنها سدت مفعول أو مفعولين اهـ.\rقوله: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها أي: فلا يشفقون منها، وقوله: خائفون منها أي: فلا يستعجلونها، ففي الآية احتباك حيث ذكر الاستعجال أولا وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق وحذف الاستعجال اهـ كرخي.\rقوله: وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ أي: أنها الكائنة لا محالة اهـ.\rقوله: لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: عن الحق، فإن البعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه اهـ بيضاوي.\rقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ الخ قال ابن عباس: حفي بهم، وقال عكرمة: بار بهم، وقال السدي: رفيق بهم، وقال مقاتل: لطيف بالبار والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم، وقال القرطبي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة. وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: يلطف بهم","part":7,"page":51},{"id":2508,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 52\rيَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من كل منهم ما يشاء وَهُوَ الْقَوِيُ على مراده الْعَزِيزُ (19) الغالب على أمره\rمَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله حَرْثَ الْآخِرَةِ أي كسبها وهو الثواب نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بالتضعيف فيه في الرزق من وجهين، أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. والثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره. وقال الحسين بن الفضيل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره، وقال الجنيد: لطيف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بأعدائه لما جحدوه، وقال محمد بن علي الكناني: اللطيف من لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه، فحينئذ يقلبه ويقبل عليه. وجاء في حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه تعالى يطلع على القبور الدوارس، فيقول اللّه عز وجل انمحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم». وقال أبو علي رضي اللّه عنه:\rاللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب، وعلى هذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا من أظهر الجميل وستر القبيح». وقيل: هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل، وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير، وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله، وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه، وقيل هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيس آمله، وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو، وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل: هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا وجعل لهم الصراط المستقيم منهاجا وأجرى لهم من سحائب بره ماء ثجاجا، وقد مضى في الأنعام قول أبي العالية والجنيد. وقد ذكرنا جميع هذا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى عند اسمه اللطيف والحمد للّه اهـ.\rقوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ أي: ويحرم من يشاء وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض كما قال: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف: 32] وكان هذا لطفا بالعباد ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني كما قال: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [الفرقان: 20] أتصبرون على ما تقدم بيانه اهـ قرطبي.\rقوله: (من كل منهم) تفسير لمن فحملها على العموم أي: فالذي يشاء اللّه رزقه هو كل منهم، فلا تنافي بين قوله: من يشاء وبين التعميم الذي ذكره في عباده، وقوله: ما يشاء أي: اللّه من أنواع الرزق، فهو وإن كان يرزق كل ذي روح لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق قلة وكثرة وجنسا ونوعا وحكمة يعلمها هو اهـ شيخنا.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الخ قال القشيري: الظاهر أن الآية في الكافر توسع عليه الدنيا أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا، لا تبقى، وقال قتادة: إن اللّه يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. وقال أيضا: يقول اللّه تعالى: من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبناه له، ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له اهـ.\rقوله: (و هو الثواب) الحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويطلق على الزرع الحاصل منه، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من","part":7,"page":52},{"id":2509,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 53\rالحسنة إلى العشرة وأكثر وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها بلا تضعيف ما قسم له وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)\rأَمْ بل لَهُمْ لكفار مكة شُرَكاءُ هم شياطينهم شَرَعُوا أي الشركاء لَهُمْ للكفار مِنَ الدِّينِ الفاسد ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كالشرك وإنكار البعث وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ أي القضاء السابق بأن الجزاء في يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وبين المؤمنين بالتعذيب لهم في الدنيا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21) مؤلم\rتَرَى الظَّالِمِينَ يوم القيامة مُشْفِقِينَ خائفين مِمَّا كَسَبُوا في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها وَهُوَ أي الجزاء عليها واقِعٌ بِهِمْ يوم القيامة لا محالة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي البذور المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور اهـ شيخنا.\rقوله: (الحسنة) منصوب بالمصدر وهو التضعيف كما يدل عليه عبارة غيره اهـ.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا أي: من كان يريد بعلمه حرث الدنيا ومتاعها وطيباتها نؤته منها أي: شيئا منها حسبما قسمناه له لا ما يريده ويبتغيه اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: ومن كان يريد بعلمه حرث الدنيا أي: أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي وتنال به مكتفيا به مؤثرا له على الآخرة نؤته منها أي: ما قسمناه له ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه اهـ.\rقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ قدرها الشارح ببل التي للانتقال عن قوله شرع لكم من الدين الخ، وقدرها غيره ببل المذكورة والهمزة التي للتقريع والتوبيخ اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: أم لهم شركاء أي: ألهم شركاء والميم صلة والهمزة للتقريع، وهذا متصل بقوله:\rشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: 13] وقوله: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [الشورى: 17] كانوا لا يؤمنون به فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به اللّه، وإذا استحال هذا فاللّه لم يشرع فمن أين يتدينون به اهـ.\rقوله: (و هم شياطينهم) أي: فشركاؤهم هم الذين يشاركونهم في الكفر والعصيان والإضافة على حقيقتها وإسناد الشرع إليها، لأنها سبب ضلالهم وافتتانهم بما تدينوا به أي: إسناد مجازي إلى السبب اهـ كرخي.\rقوله: تَرَى الظَّالِمِينَ الخ خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، وقوله: مُشْفِقِينَ حال.\rوقوله: وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ حال أخرى. وقوله: (أن يجازوا عليها) أشار به إلى أن الكلام على حذف المضاف أي: من جزاء ما كسبوا اهـ شيخنا.\rقوله: (لا محالة) أي: أشفقوا أو لم يشفقوا أي: لا بد لهم منه، وفيه إشارة إلى جواب ما يقال إذا كان الخوف عما يلحق الإنسان لتوقع مكروه، فكيف الجمع بينه وبين قوله: هُوَ واقِعٌ بِهِمْ وإيضاح الجواب: أنهم خائفون مشفقون يحاولون الحذر حين لا ينفعهم الحذر، لأن الخائف إذا استشعر بما يتوقع منه المكروه وأخذ في الدفع ربما يتخلص منه، ومن ترك الحدر حتى إذا ألم به","part":7,"page":53},{"id":2510,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 54\rرَوْضاتِ الْجَنَّاتِ أنزهها بالنسبة إلى من دونهم لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)\rذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ من البشارة مخففا ومثقلا به اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ الرسالة أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى استثناء منقطع، أي لكن أسألكم المحذور وزال الدفع كان مظنة للتعجب منه والتعجيب اهـ كرخي.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ، قوله: فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ خبر. قوله: (أنزهها بالنسبة إلى من دونهم) وهم الذين آمنوا أو لم يعملوا الصالحات اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: وروضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المسلمين من أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات وهي البقاع الشريفة من الجنة، والبقاع التي دون تلك الأوصاف لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات اهـ.\rقوله: (عند ربهم) يجوز أن يكون ظرفا ليشاؤون، ويجوز أن يكون ظرفا للاستقرار العامل في لهم والعندية مجازا اهـ سمين.\rقوله: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي؛ الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته، لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر اهـ قرطبي.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وقوله: الذي يبشر خبره، وقوله: مخففا ومثقلا سبعيتان. وفي السمين ذلك مبتدأ والموصول بعده خبره وعائد محذوف على التدريج المذكور في قوله: كالذي حاضوا أي:\rيبشر به ثم يبشره على الاتساع، وأما على رأي يونس فلا يحتاج إلى عائد لأنها عنده مصدرية، وهو قول الفراء أيضا أي: ذلك تبشير اللّه عباده، وذلك إشارة إلى ما أعده اللّه لهم من الكرامة، وقال الزمخشري:\rأي: ذلك التبشير الذي يبشره اللّه عباده اهـ.\rقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ أي: قل لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين لا أسألكم أي:\rالآن، ولا في مستقبل الزمان عليه أي: على البلاغ ببشارة أو نذارة أجرأ أي: وإن قلّ إلا أي لكن أسألكم المودة أي: المحبة العظيمة الواسعة في القربى، أي: مظروفة فيها بحيث تكون القربى موضعا للمودة وطرفا لها لا يخرج شيء من محبتكم عنها.\rتنبيه:\rفي الآية ثلاثة أقوال، أولها: قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب ابن عباس: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده وكان له فيهم قرابة، فقال اللّه عز وجل: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً على ما أدعوكم إليه إلا أن تودوا القربى أي ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي ولا تؤذوني، وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وغيرهما.\rثانيهما: روى الكلبي، عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق ليس في يده سعة، فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة","part":7,"page":54},{"id":2511,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 55\rمن أموالكم ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم ونزل قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا أي: على الإيمان أجرا إلا المودة في القربى أي: إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. ثالثهما: قال الحسن معناه إلا أن تودوا اللّه تعالى وتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي بمعنى الرحم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث بمعنى القرب والتقرب والزلفى. فإن قيل: طلب الأجرة على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه، أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي الطلب للأجرة فقال تعالى في قصة نوح عليه السّلام: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الشعراء: 109] الآية. وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السّلام ورسولنا أفضل الأنبياء، فهو بأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى.\rثانيها: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صرح بنفي طلب الأجر فقال: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ: 47] قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان: 57]. ثالثها: أن التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] الآية. وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم العلماء. رابعها: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] وصف الدنيا بأنها متاع قليل فقال: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء:\r77] فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء. خامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطلب أجرا البتة على التبليغ والرسالة، وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجرى وهو المودة في القربى. أجيب:\rبأنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ. وأما قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فالجواب عنه من وجهين، الأول: أن هذا على حد قوله: ولا عيب فيهم البيت يعني أني لا أطلب منكم إلا هذا، وهذا في الحقيقة ليس أجرا، لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب. قال تعالى:\rوَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا» والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجبا فحصولها في حق أشرف المرسلين أولى فقوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى تقديره: والمودة في القربى ليست أجرا فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. الثاني: أن هذا استثناء منقطع كما مرّ تقديره في الآية، وتم الكلام عند قوله: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ثم قال: إلا المودة في القربى أي: أذكركم قرابتي فيكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. واختلفوا في قرابته صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل: هم فاطمة وعلي وأتباعهما وفيهم نزل: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33] وروى زيد بن أرقم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آل علي وآل جعفر وآل عباس. وروى ابن عمر بن أبي بكر قال: ارقبوا محمدا في أهل بيته، وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا جاهلية ولا إسلاما. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن الفضيل. قال البغوي: وهذا قول غير مرضي لأن مودة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم،","part":7,"page":55},{"id":2512,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 56\rأن تودوا قرابتي التي هي قرابتكم أيضا، فإن له في كل بطن من قريش قرابة وَمَنْ يَقْتَرِفْ يكتسب حَسَنَةً طاعة نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً بتضعيفها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب شَكُورٌ (23) للقليل وكف الأذى عنه، ومودة أقاربه، والتقرب إلى اللّه تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين اهـ خطيب.\rقوله: الْمَوَدَّةَ فيها قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع إذ ليست من جنس الأجر. والثاني:\rأنه متصل أي: لا أسألكم عليه أجرا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي وليس هذا في الحقيقة أجرا لأن قرابته قرابتهم فكانت صلتهم لازمة لهم قاله الزمخشري، وقال أيضا: فإن قلت: هلا قيل إلا مودة القربى أو إلا المودة للقربى؟ قلت: جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقولك: لي في آل فلان مودة وليست في صلة كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى، وإنما هي متعلقة بمحذوف أي: إلا المودة ثابتة ومتمكنة في القربى اهـ سمين.\rالقربى في الأصل من جملة مصادر قرب ضد بعد، وقد تستعمل بمعنى القرابة والرحمن بين الناس كما في كتب اللغة، وفي البيضاوي: إلا المودة في القربى أي: إلا إن تودوني لقرابة منكم أو تودوا قرابتي اهـ.\rأي: فالمراد مصدر مقدر بأن والفعل والقرب مصدر كالقرابة، وفي للسببية وهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة، والخطاب إما لقريش أو لهم وللأنصار لأنهم أخواله أو لجميع العرب لأنهم أقاربه في الجملة، والمعنى إن لم تعرفوا حقي لنبوتي وكوني رحمة عامة فلا أقل من مودتي لأجل القرابة، وقوله: أوتودوا قرابتي أي: فالمراد لا أطلب منكم إلا محبة أهل بيتي ففي للظرفية المجازيه أي: مودة واقعة في قرابتي اهـ شهاب.\rقوله: (أن تودوا قرابتي) لا حاجة إلى تقدير مضاف أي: أهل قرابتي كما توهم، لأن القرابة كما تكون مصدرا تكون اسم جمع لقريب كالصحابة كما ذكره ابن مالك في التسهيل اهـ شهاب.\rقوله: (فإن له في كل بطن) أي: قبيلة من قريش قرابة، وقريش هم أولاد النضر بن كنانة أحد أجداده اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً أي: يكتسب، وأصل القرف الكسب يقال: فلان يقرف لعياله من باب ضرب أي: يكتسب، والاقتراف الاكتساب وهو مأخوذ من قولهم: رجل قرفة إذا كان محتالا، وقال ابن عبس: ومن يقترف حسنة قال المودة لآل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ قرطبي.\rقوله: شَكُورٌ (للقليل) في البيضاوي: شكور لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضيل عليه بالزيادة اهـ.\rوقوله: بتوفية الثواب يعني أن الشكر من اللّه يراد به هذا المعنى مجازا، لأن معناه الحقيقي وهو فعل ينبىء الخ لا يتصور منه تعالى شبهت إثابة اللّه تعالى وتفضله عليهم بالزيادة بالشكر الحقيقي من حيث إن كل واحد منهما يتضمن الاعتداد بفعل الغير وإكرامه لأجله اهـ زاده.","part":7,"page":56},{"id":2513,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 57\rفيضاعفه\rأَمْ بل يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة القرآن إلى اللّه تعالى فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ يربط عَلى قَلْبِكَ بالصبر على أذاهم بهذا القول وغيره وقد فعل وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ الذي قالوه وَيُحِقُّ الْحَقَ يثبته بِكَلِماتِهِ المنزلة على نبيّه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) بما في القلوب\rوَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ منهم وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ المتاب عنها وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (25) بالياء والتاء قوله: (يربط) عَلى قَلْبِكَ من بابي ضرب وقتل اهـ مصباح.\rقوله: (و قد فعل) أي: ختم على قلبه بأن صبره على ما ذكر اهـ شيخنا.\rودل كلامه على أن مشيئة الختم هنا مقطوع بوقوعها، فكان المقام مقام كلمة لو دون أن لأنها تستعمل فيما لا قطع بعدمه، لكن قد ترد كلمة أن في مثله على سبيل المساهلة وإرخاء العنان كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [الزخرف: 81] اهـ كرخي.\rوقيل: معنى يختم على قلبك يطبع عليه. وفي الخطيب: قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على اللّه كذبا لفعل به ما أخبره في هذه الآية أي: أنه لا يجترئ على افتراء الكذب إلا من كان في هذه الحالة، والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة، فيقول الأمين عند ذلك لعل اللّه خذلني وأعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه اهـ.\rقوله: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ مستأنف غير داخل في جزاء الشرط، لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا، وسقطت الواو منه لفظا لالتقاء الساكنين وخطا حملا له على اللفظ كما كتبوا سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق:\r18] اهـ سمين.\rقوله: بِكَلِماتِهِ أي: القرآن.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين اللّه تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاث شروط، أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث:\rأن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا. فإذا حصلت هذه الشروط صحت التوبة، وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة، والشرط الرابع: أن يبرأ من حق صاحبها فهذه شروط التوبة. وقيل: التوبة الانتقال عن المعاصي نية وفعلا والإقبال على الطاعات نية وفعلا، وقال سهل بن عبد اللّه التستري: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. روى البخاري، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «و اللّه إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وروى مسلم عن الأغر بن يسار المزني قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أيها الناس توبوا إلى اللّه فإني أتوب إلى اللّه في اليوم مائة مرة» اهـ خازن.\rقوله: (منهم) تفسير لقوله عن عباده أشار به إلى أن عن بمعنى من اهـ شيخنا.\rوالقبول يعدى إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإبانة اهـ بيضاوي.","part":7,"page":57},{"id":2514,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 58\rوَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يجيبهم إلى ما يسألون وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26)\r* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ جميعهم لَبَغَوْا جميعهم، أي طغوا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ فلتضمنه معنى الأخذ يعدى بمن، يقال: قبلته منه أي: أخذته، ولتضمنه معنى الإبانة والتفريق يعدى بعن. يقال: قبلته عنه أي: أزلته وأبنته عنه اهـ زاده.\rوعن علي رضي اللّه عنه: التوبة اسم يقع على ستة معان الندم على الماضي من الذنوب واستدراك ما ضيع وأهمل من الفروض بقضائه، وعلى رد المظالم، وعلى إذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وعلى إذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، وعلى البكاء، بدل كل ضحك ضحكته اهـ بيضاوي.\rقوله: وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ فيجازي ويتجاوز عن اتقان وحكمة أي: يجازي التائب ويتجاوز عن غير التائب، وصدورهما عنه عز وجل إتقان منه وحكمة وإن لم ندرك ذلك بعقولنا فلا اعتراض لأحد عليه قاله الطيبي اهـ كرخي.\rقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان.\rقوله: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا يجوز أن يكون الموصول فاعلا أي: يجيبون ربهم إذا دعاهم والسين والتاء زائدتان، ويجوز أن يكون مفعولا والفاعل مضمر يعود على اللّه، بمعنى ويجيب اللّه الذين آمنوا والسين والتاء زائدتان أيضا اهـ سمين.\rوالشارح حمله على الثاني اهـ.\rقوله: (يجيبهم إلى ما يسألون) أشار به إلى أن، ويستجيب بمعنى يجيب، والموصول مفعول به، والفاعل مضمر يعود على اللّه، والمعنى: ويجيب اللّه الذين آمنوا أي: دعاءهم، وقيل: اللام مقدرة أي: ويستجيب اللّه للذين آمنوا فحذفت للعلم بها، ويجوز أن يكون الموصول فاعلا أي: يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ [الأنفال: 24] واستظهره السفاقسي اهـ كرخي.\rقوله: لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ من المعلوم أن البغي حاصل بالفعل، فكيف يصح انتفاؤه بمقتضى لو الامتناعية، فلذلك فسّر الشارح الواو بالجمع فجعل اللازم المنتفي بغي جميعهم، كما جعل الملزوم المنتفي أيضا البسط للجميع اهـ شيخنا.\rوذكروا في بسط الرزق موجبا للطغيان وجوها، الأول: أن اللّه لو سوى في الرزق بين الكل امتنع كون البعض محتاجا إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. ثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالعرب، فإنهم كلما اتسع رزقهم ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم قدموا على النهب والغارة. ثالثها: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغني والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة، وقال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ومركبا بعد مركب، وملبسا بعد ملبس اهـ خطيب.\rوفي البيضاوي: وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية اهـ.","part":7,"page":58},{"id":2515,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 59\rيُنَزِّلُ بالتخفيف والتشديد من الأرزاق بِقَدَرٍ ما يَشاءُ فيبسطها لبعض عباده دون بعض وينشأ عن البسط البغي إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)\rوَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ المطر مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا يئسوا من نزوله وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ يبسط مطره وَهُوَ الْوَلِيُ المحسن للمؤمنين الْحَمِيدُ (28) المحمود وفي القرطبي: قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، وقيل: أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا أكثر منه لقوله عليه الصلاة والسّلام: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا»، وهذا هو البغي وهو قول ابن عباس، وقيل: لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع، وقيل: أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق أي: لو دام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا، وقيل:\rكانوا إذا أخصبوا غار بعضهم على بعض فلا يبعد حمل البغي على هذا، وقال الزمخشري: لبغوا من البغي وهو الظلم أي: لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا، لأن الغنى مبطرة مأشرة وكفى بحال قارون عبرة. قال علماؤنا: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على اللّه الاستصلاح فقد يعلم من حال عبده أنه لو بسط عليه الرزق قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة الرزق فضيلة، وقد أعطى قوما مع علمه بأنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل فكانوا أقرب من الصلاح، والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال اللّه تعالى. وروى أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: إن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أني لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى، إني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير، ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى فلا تفقر برحمتك اهـ.\rقوله: (بالتخفيف وضده) سبعيتان وقوله: بقدر أي: تقدير. قوله: (و ينشأ عن البسط) أي:\rللبعض البغي أي: من ذلك البعض، وهذا حاصل بالفعل وهو لا يرد على الآية لما علمت من حملها على العموم في البسط والبغي اهـ شيخنا.\rقوله: يُنَزِّلُ الْغَيْثَ بالتضعيف والتشديد أيضا سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ما مصدرية أي؛ من بعد قنوطهم، والعامة على فتح النون. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش بكسرها وهي لغة، وعليها قرئ لا تقنطوا بفتح النون في المتواتر ولم يقرأ بالكسر في الماضي إلا شاذا اهـ سمين.\rقوله: رَحْمَتَهُ فسرها الشارح بالمطر، فيكون قد ذكر المطر باسمين الغيث لأنه يغيث من الشدائد والرحمة لأنه رحمة وإحسان اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: وينشر رحمته أي بركات الغيث. ومنافعه في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر انتظاما أوليا اهـ.","part":7,"page":59},{"id":2516,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 60\rعندهم\rوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَخلق ما بَثَ فرق ونشر فِيهِما مِنْ دابَّةٍ هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ للحشر إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) في الضمير تغليب العاقل على غيره\rوَما أَصابَكُمْ خطاب للمؤمنين مِنْ مُصِيبَةٍ بلية وشدة فَبِما قوله: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: فإنهما بذاتهما وصفاتهما يدلان على وجود صانع حكيم قادر ففيه إشارة إلى ما قرر في الكلام من المسالك الأربعة في الاستدلال على وجود الصانع تعالى وهي حدوث الجواهر وإمكانها، وحدوث الأعراض القائمة بها وإمكانها أيضا، وفيه إشارة إلى أن خلق السموات والأرض من إضافة الصفة للموصوف أي: السموات المخلوقة والأرض المخلوقة اهـ كرخي.\rقوله: وَ(خلق) ما بَثَ أي؛ فيكون وما بث في موضع رفع عطفا على خلق على حذف مضاف، ويجوز أن يكون في موضع جر عطفا على السموات والأرض، وقدمه القاضي على الأول اهـ كرخي.\rقوله: (هي ما يدب على الأرض) فيه إشارة إلى أن الضمير رجع إلى الأرض فقط، وأجيب بأن فيهما بمعنى فيها فهو من إطلاق المثنى على المفرد كما قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من أحدهما وهو الملح، وما جوزه الزمخشري من أن يكون للملائكة عليهم السّلام مشي مع الطيران فيوصفون بالدبيب كما يوصف به الأناسي، أو يخلق اللّه تعالى في السموات حيوانات يمشون فيهما مشي الأناسي على الأرض بعيد من الأفهام لكونه على خلاف العرف العام، ولأن الشيء إنما يكون آية إذا كان معطوفا ظاهرا مكشوفا، ومن ثم أهمل القاضي ذكره اهـ كرخي.\rقوله: إِذا يَشاءُ أي: أي وقت يشاء وهو متعلق بما قبله لا بقوله قدير، فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته، لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المعنى وهو على جمعهم قدير إذا يشاء، فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال، وإذا عند كونها بمعنى الوقت تدخل في المضارع كما تدخل على الماضي وعلى جمعهم متعلق بقدير اهـ كرخي.\rوأصله في السمين ناقلا عن أبي البقاء، ثم قالت: قلت ولا أدري ما وجه كونه محالا على مذهب أهل السنة، فإن كان يقول بقول المعتزلة وهو أن القدرة تتعلق بما لم يشأ اللّه تمشي كلامه، ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده اهـ.\rقوله: (في الضمير) وهو قوله على جمعهم الراجح للدابة، ولو لا التغليب لكان يقال على جمعها اهـ شيخنا.\rقوله: وَما أَصابَكُمْ ما شرطية ولذلك جاءت الفاء في جوابها، وقوله: من مصيبة بيان لها وقوله: فبما كسبت الباء سببية، وما عبارة عن الذنوب، فقول الشارح من الذنوب بيان لها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فبما كسبت أيديكم قرأ نافع، وابن عامر بما دون فاء، والباقون فبما إثباتها. فما في القراة الأولى الظاهر أنها موصولة بمعنى الذي والخبر الجار من قوله: بما كسبت،","part":7,"page":60},{"id":2517,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 61\rكَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أي كسبتم من الذنوب، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَيَعْفُوا عَنْ وقال قوم منهم أبو البقاء إنها شرطية حذفت منها الفاء قال أبو البقاء: كقوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121] وقول الآخر من يفعل الحسنات اللّه يشكرها.\rوليس هذا مذهب الجمهور إنما قال به الأخفش وبعض البغداديين، وأما الآية فقوله: إنكم لمشركون ليس جوابا للشرط إنما هو جواب لقسم مقدر حذفت لامه الموطئة قبل أداة الشرط، وأما القراءة الثانية فالظاهر أنها فيها شرطية ولا يلتفت لقول أبي البقاء أنه ضعيف، ويجوز أن تكون الموصولة والفاء داخلة في الخبر تشبيها للموصول بالشرط بشروط ذكرتها مستوفاة في هذا الموضوع بحمد اللّه تعالى، وقد وافق نافع وابن عامر مصاحفهما، فإن الفاء ساقطة من مصاحف المدينة والشام، وكذلك الباقون فإنها ثابتة في مصاحف مكة والعراق اهـ.\rقوله: (تزاول) أي: تعالج وتحصل بها اهـ شيخنا.\rوفي المختار: والمزاولة المحاورة والمعالجة وتزاولوا تعالجوا اهـ.\rقوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من تتمة قوله فبما كسبت أيديكم أي: أن الذنوب قسمان، قسم يعجل العقوبة عليه في الدنيا بالمصائب، وقسم يعفو عنه فلا يعاقب عليه بها وما يعفو عنه أكثر اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: والمصيبة هنا الحدود على المعاصي قاله الحسن، وقال الضحاك: ما تعلم الرجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب قال اللّه تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ثم قال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن؟ ذكره ابن المبارك. عن ابن عبد العزيز بن أبي رواد عنه قال أبو عبيد:\rإنما هذا على الترك فأما الذي هو دائم في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء، وقال علي رضي اللّه عنه: وهذا الآية أرجى آية في كتاب اللّه عز وجل، وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فأي شيء يبقى بعد كفارته وعفوه؟ وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي اللّه عنه، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قال علي بن أبي طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللّه، حدثنا بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الآية. يعني ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، واللّه أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فاللّه أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه، وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكتة حجر إلا بذنب وما يعفو اللّه عنه أكثر». وقال الحسن: دخلنا على عمران بن الحصين، فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع فقال عمران: يا أخي لا تفعل فو اللّه إني لا أحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى اللّه قال اللّه تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، فهذا مما كسبت يدي وعفو ربي عما بقي أكثر. وقال أحمد بن أبي الحواري: قيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العلماء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن اللّه تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم. قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن اللّه ليغفره إلا بها، أو لنيل درجة لم يكن ليوصله إليها إلا بها. وروي أن رجلا قال لموسى: يا موسى سل اللّه لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها ففعل موسى، فلما نزل إذا هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله، فقال موسى: يا رب ما بال هذا؟ فقال اللّه تعالى: يا","part":7,"page":61},{"id":2518,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 62\rكَثِيرٍ (30) منها فلا يجازي عليها وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة\rوَما أَنْتُمْ يا مشركين بِمُعْجِزِينَ اللّه هربا فِي الْأَرْضِ فتفوتونه وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31) يدفع عذابه عنكم\rوَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ السفن فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) كالجبال في العظم\rإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ موسى أنه سألني درجة علمت أنه لا يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لأجعله وسيلة في نيل تلك الدرجة.\rقال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين، وأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة، وقيل: هذا خطاب للكفار، وكان إذا أصابهم شر قالوا: هذا بشؤم محمد فرد اللّه عليهم وقال: بل ذلك بشؤم كفركم، والأول أظهر وأشهر. قال ثابت البناني: إنه كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا ثم فيها قولان، أحدهما: أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم. الثاني:\rأنها عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة. ويعفو عن كثير أي: عن كثير من المعاصي بأن لا يكون عليها حدود وهو مقتضى قول الحسن، وقيل: أي: يعفو عن كثير من العصاة لا يعجل عليهم بالعقوبة اهـ.\rقوله: (فلا يجازى عليه) أي في الدنيا. قوله: (و هو تعالى أكرم الخ) هذا متعلق بقوله: فبما كسبت أيديكم، فكان عليه تقديمه على قوله: عن كثير كما صنع غيره، وقوله: من أن يثنى الجزاء في الآخرة أي: من أن يعيد الجزاء بالعقوبة في الآخرة أي: فالذنب الذي عاقب عليه في الدنيا بالمصيبة لا يعاقب عليه في الآخرة لأن الكريم لا يعاقب مرتين اهـ شيخنا.\rقوله: (و أما غير المذنبين) كالأنبياء والأطفال والمجانين وهذا مقابل لقوله: فبما كسبت أيديكم، وقوله: (فما يصيبهم في الدنيا) مبتدأ، وقوله: لرفع درجاتهم خبر اهـ.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ أي: آياته الدالة على وحدانيته وقوله: الجوار بحذف الياء في الحظ لأنها من ياءات الزوائد، وبإثباتها وحذفها في اللفظ في كل من الوصل والوقف قراءات سبعية اهـ شيخنا.\rوالجوار: نعت لمحذوف قدره بقوله: السفن، وعبارة النهر: جمع جارية وهي صفة جرت مجرى الأسماء فوليت العوامل، انتهت.\rوعبارة السمين: فإن قتل: الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها امتنع حذف الموصوف. لا تقول مررت بماش لأن المشي عام، وتقول: مررت بمهندس وكاتب، والجري ليس من الصفات الخاصة بالموصوف وهو السفن فلا يجوز حذفه. والجواب: أن محل الامتناع إذا لم تجر الصفة مجرى الجوامد بأن تغلب عليها الاسمية كالأبطح والأبرق، وإلّا جاز حذف الموصوف، وعلى هذا فقوله: فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ حالان، انتهت.\rوإلى هذا يشير صنيع الجلال حيث فسّر الجوار بالسفن فقط ولم يفسرها بالسفن الجارية، ففيه إشارة إلى أن المراد بالجواري ذات السفن لا مع وصف الجري تأمل.","part":7,"page":62},{"id":2519,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 63\rفَيَظْلَلْنَ يصرن رَواكِدَ ثوابت لا تجري عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) هو المؤمن يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء\rأَوْ يُوبِقْهُنَ عطف على يسكن، أي يغرقهن بعصف الريح بأهلهن بِما كَسَبُوا أي أهلهن من الذنوب وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) منها فلا يغرق أهله\rوَيَعْلَمَ قوله: فَيَظْلَلْنَ العامة على فتح اللام التي هى عين الفعل وهو القياس، لأن الماضي بكسرها تقول ظللت قائما، وقرأ قتادة بكسرها وهو شاذ نحو: حسب يحسب وأخوته قد تقدمت آخر البقرة، وقال الزمخشري: من ظل يظل ويظل نحو ضل يضل ويضل. قال الشيخ: وليس كما ذكر لأن يضل بفتح العين من ضللت بكسرها في الماضي ويضل بالكسر من ضللت بالفتح وكلاهما مقيس يعني: أن كلّا منهما له أصل يرجع إليه بخلاف ظل فإن ماضية مكسور العين فقط والنون اسمها ورواكد خبرها، ويجوز أن يكون ضلل هنا بمعنى صار لأن المعنى ليس على وقت الظلول وهو النهار فقط اهـ سمين.\rقوله: رَواكِدَ (ثوابت) يقال: ركد الماء ركودا من باب قعد سكن وكذلك الريح والسفينة والشمس إذا قام قائم الظهيرة، وكل ثابت في مكان فهو راكد، وركد الميزان استوى، وركد القوم هدؤوا والمراكد المواضع التي يركد فيها الإنسان وغيره اهـ قرطبي.\rقوله: (هو المؤمن) أي: الكامل فإن الإيمان نصفان نصف صبر أي: عن المعاصي، ونصف شكر وهو الإتيات بالواجبات اهـ كرخي.\rقوله: (عطف على يسكن) قال الزمخشري: لأن المعنى إن يشأ يسكن فيركدون أو يعصفها فيغرقن بعصفها. قال الشيخ: ولا يتعين أن يكون التقدير أو بعصفها فيغرقن، لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح، بل قد يهلكها بقلع لوح أو خسف اهـ سمين.\rقوله: (بعصف الريح بأهلهن) المراد بعصف الريح اشتدادها وتحريكها للأشياء بحيث إنها قد تتلفها بتحريكها. وفي المصباح: عصفت الريح عصفا من باب ضرب وعصوفا فاشتدت فهي عاصف وعاصفة، وجمع الأولى عواصف، والثانية عاصفات، ويقال أيضا: أعصفت فهي معصفة ويسند الفعل إلى اليوم لوقوعه فيه فيقال: يوم عاصف كما يقال بارد لوقوع البرد فيه اهـ.\rقوله: (أي أهلهن) تفسير للواو فهي عائدة على أهل السفن المعلوم من السياق اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ العامة على الجزم عطفا على جواب الشرط، واستشكله القشيري وقال: لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فيبقي تلك السفن رواكد، أو يهلكها بذنوب أهلها فلا يحسن عطف، ويعف على هذا لأن المعنى يصير إن يشأ يعف، وليس المعنى على ذلك بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة فهو عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، وقد قرأ قوم:\rويعفو بالرفع وهي جيدة في المعنى. قال الشيخ: وما قاله ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب، والمعنى إلا أنه تعالى إن يشأ أهلك ناسا وأنجى ناسا على طريق العفو عنهم، وقرأ الأخفش: ويعفو بالواو، وهو يحتمل أن يكون كالمجزوم وثبتت الواو في الجزم كثبوت الياء في من يتقي ويصبر، ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعا أخبر تعالى أنه يعفو عن كثير من السيئات: وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب","part":7,"page":63},{"id":2520,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 64\rبالرفع مستأنف وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي يغرقهم لينتقم منهم ويعلم الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) مهرب من العذاب، وجملة النفي سدّت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل\rفَما أُوتِيتُمْ خطاب للمؤمنين وغيرهم مِنْ شَيْءٍ من أثاث الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يزول وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) ويعطف عليه\rوَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ موجبات الحدود، من عطف بإضمار أن بعد الواو وهذا كما قرئ بالأوجه الثلاثة بعد الفاء في قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: 284] وقد تقدم تقريره آخر البقرة، ويكون قد عطف هذا المصدر المؤول من أن المضمرة والفعل على مصدر متوهم من الفعل قبله تقديره: أو يقع إيباق وعفو عن كثير، فقراءة النصب كقراءة الجزم في المعنى إلا أن في هذه عطف مصدر مؤول على مصدر متوهم، وفي تيك عطف فعل على مثله اهـ سمين.\rقوله: (منها) أي: السفن أو الذنوب. قوله: (مستأنف) أي: أنه جملة اسمية أو فعلية فعلى كونها فعلية يكون الموصول فاعلا، وعلى كونها اسمية يكون مفعولا، والفاعل ضمير مستتر يعدو على مبتدأ مقدر أي: وهو يعلم الذين اهـ سمين.\rقوله: (و بالنصب الخ) وعليه أيضا فالموصول إما فاعل أو مفعول اهـ شيخنا.\rقوله: (لينتقم منهم) قال الشيخ: ويبعد تقديره لينتقم منهم لأن الذي ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن تقدير العلة أحد الأمرين اهـ.\rقلت: بل يحسن تقديره لينتقم منهم كما قال شيخنا، لأن المقصود تعليل الإهلاك فقط الذي قدره الشارح بقوله أي؛ يغرقهم إذ هو المناسب للعلة المعطوفة وهي ويعلم الخ اهـ كرخي.\rقوله: ما لَهُمْ خبر مقدم، وقوله: من محيص مبتدأ مؤخر بزيادة من. قوله: فَما أُوتِيتُمْ ما شرطية وهي في محل نصب مفعول ثان لأوتيتم، والأول ضمير المخاطبين قام مقام الفاعل، وإنما قدمنا الثاني لأن له صدر الكلام، وقوله: من شيء بيان لما فيها من الإبهام، وقوله: فمتاع الحياة الدنيا الفاء في جواب الشرط، ومتاع خبر مبتدأ مضمر أي: فهو متاع، وقوله: وما عند اللّه مبتدأ، وخير خبره، وللذين متعلق بأبقى اهـ سمين.\rقوله: (من أثاث الدنيا) أي: منافعها كالمأكل والمشرب والملبس والمنكح والمسكن والمركب، وقوله: ثم يزول أخذه من متاع لأن المتاع هو ما يتمتع به تمتعا ينقضي اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الأثاث متاع البيت الواحدة أثاثة، وقيل: لا واحد له من لفظه اهـ.\rقوله: (و يعطف عليهم) أي: على الذين آمنوا وقوله: والذين يجتنبون الخ نائب فاعل يعطف أي: هو وما بعده معطوف على الذين آمنوا، ونبه على هذا مع وضوحه للرد على أبي البقاء في توهمه أن التلاوة بغير واو اهـ كرخي.\rقوله: كَبائِرَ الْإِثْمِ قرأ الأخوان هنا وفي النجم كبير الإثم بالإفراد، والباقون كبائر بالجمع في","part":7,"page":64},{"id":2521,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 65\rالبعض على الكل وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) يتجاوزون\rوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَأَمْرُهُمْ الذي يبدو لهم شُورى بَيْنَهُمْ سورتين، والمفرد هنا في معنى الجمع، والرسم يحتمل القراءتين اهـ سمين.\rقوله: (موجبات الحدود) فعطفها من عطف الخاص على العام إذ الكبائر قد لا توجب الحد كالغيبة والنميمة وهذا ما أراده بقوله من عطف البعض على الكل اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذا ما غَضِبُوا إذا هذه منصوبة بيغفرون، ويغفرون خبر لهم، والجملة بأسرها عطف على الصلة وهي يجتنبون، والتقدير: والذين يجتنبون وهم يغفرون عطف اسمية على فعلية، ويجوز أن يكون هم توكيدا للفاعل في قوله: غضبوا، وعلى هذا فيغفرون جواب الشرط، وقال أبو البقاء: هم مبتدأ ويغفرون الخبر، والجملة جواب إذا وهذا غير صحيح لأنه لو كان جوابا لإذا لأقترن بالفاء تقول:\rإذا جاء زيد فعمرو ينطلق ولا يجوز عمرو ينطلق، وقيل: هم مرفوع بفعل مقدر يفسره يغفرون بعده، ولما حذف الفعل انفصل الضمير ولم يستبعده الشيخ اهـ سمين.\rقوله: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ الخ نزلت في الأنصار دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان فاستجابوا له اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: وهم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبا منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة أي: أدوها بشروطها وهيئاتها اهـ.\rقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ إدخال هذه الجملة لعله لمزيد الاهتمام بشأن التشاور، وللمبادرة إلى التنبيه على أن استجابتهم إلى الإيمان كانت عن بصيرة ورأي سديد اهـ كرخي.\rوفي قرطبي: وأمرهم شورى بينهم أي: يتشاورون في الأمور، والشورى مصدر شاورته مثل البشرى، فكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم اللّه تعالى به قاله النقاش. قال الحسن: أي أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا باتفاق كلمتهم قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم، وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له، وقيل: تشاورهم فيما يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم برأي دون بعض، وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة وسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا، فمدح اللّه تعالى المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب وذلك في الآراء كثير، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند اللّه على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام: فأما الصحابة بعده صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه، وقال عمر: نرضى لدنيانا ما رضيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لديننا، وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال، واختلفوا في الجد وميراثه وفي حد الخمر وعدده، وتشاوروا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحروب حتى شاور عمر","part":7,"page":65},{"id":2522,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 66\rيتشاورون فيه ولا يعجلون وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم يُنْفِقُونَ (38) في طاعة اللّه ومن ذكر صنف\rوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) صنف أي ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه كما قال الهرمزان حين وفد عليه مسلما من المغازين، فقال الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس مثل طائر له رأس وله جناحان ورجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان، والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر، والآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى وذكر الحديث. وقال بعض العلماء:\rما أخطأت قط إذا أحزبني أمر فشاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبحت فهم المصيبون وإن أخطأت فهم المخطئون. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإن كان أمراؤهم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهورها» قال: حديث غريب اهـ.\rقوله: (و لا يعجلون) من باب طرب. قوله: (من ذكر صنف) الذي ذكره هو المؤمنون المتصفون بالصفات المتقدمة، لكن المراد خصوص اتصافهم بقوله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون بدليل عبارة الخازن ونصها: قال ابن زيد: جعل اللّه المؤمنين صنفين صنف يعفون عمن ظلمهم فبدأ بذكرهم بقوله:\rوَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وصنف ينتقمون من ظالمهم وهم الذي ذكرهم في قوله: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ اهـ.\rقوله: هُمْ يَنْتَصِرُونَ هذا في الأعراف كقوله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون سواء فيجيء فيه ما تقدم إلا أنه هنا أن يجوز أن يكون هم توكيدا للضمير المنصوب في أصابهم أكد بالضمير المرفوع وليس فيه إلا الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل، والظاهر أنه ممنوع اهـ سمين.\rقوله: (كما قال تعالى الخ) يعني أن الأنتصار مشروط برعاية المماثلة كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ الخ، ثم لما بين تعالى الأنتصار مشروع، وبيّن شرط مشروعيته أشار إلى أنه غير مرغوب فيه وغير ممدوح، بل الممدوح شرعا هو العفو كما قال تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ الخ اهـ من الخطيب.\rوفي القرطبي: والذين إذا أصابهم البغي أي: أصابهم بغي المشركين. قال ابن عباس: وذلك أن المشركين بغوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى أصحابه وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن اللّه لهم بالخروج ومكّن لهم في الأرض ونصرهم على من بغى عليهم، وذلك في قوله في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [الحج: 39] الآيات كلها.\rوقيل: هو عام في بغي كل باغ من كافر وغيره أي: إذا انالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه وهذا إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال ابن العربي: ذكر اللّه الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور مؤذيا للصغير والكبير فيكون الانتقام منه أفضل قال: وفي مثله. قال إبراهيم النخعي: كانوا","part":7,"page":66},{"id":2523,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 67\rتعالى\rوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك اللّه، فيجيبه: أخزاك اللّه فَمَنْ عَفا عن ظالمه وَأَصْلَحَ الودّ بينه وبين المعفوّ عنه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي إن اللّه يأجره لا محالة إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) أي البادئين بالظلم فيترتب عليهم عقابه\rوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فتجتريء عليهم الفساق اهـ.\rالثانية: أن يقع ذلك ممن لم يعرف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو ههنا أفضل وفي مثله نزلت:\rوَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة: 237] وقوله: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة: 45] وقوله:\rوَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. [النور: 22] قلت: هذا حسن وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه قال: قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ بدل ظاهره على أن الأنتصار في هذا الموضع أفضل. ألا ترى أنه قرنه بذكر الاستجابة للّه سبحانه وتعالى وأقام الصلاة، وهو محمول على ما ذكر إبراهيم النخعي كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فتجرأ عليهم الفساق، فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك، والمواضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا، وقد قال عقيب هذه الآية: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، ويقتضي ذلك إباحا الانتصار اهـ.\rقوله: (و هذا) أي: قوله مثلها، وقوله: (من الجراحات) أي: وغيرها من سائر الجناحات التي فيه القصاص، وقوله: (قال بعضهم) هو مجاهد والسدي، وعبارة الخطيب: وقال مجاهد والسدي الآية مفروضة في جواب الكلام القبيح أي: إذا قال شخص أخزاك اللّه، فقل له أخزاك اللّه إذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تتعدى، انتهت.\rوعبارة شرح المنهج في كتاب حد القذف نصها خاتمة: إذا سب شخص آخر فللآخر أن يسبه بقدر ما سبه، ولا يجوز سب أبيه ولا أمه، وإنما يسبه بما ليس كذبا ولا قذفا نحو: يا أحمق يا ظالم إذ لا يكاد أحد ينفك عن ذلك، وإذا انتصر بسبه فقد استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء والإثم لحق اللّه تعالى اهـ.\rقوله: فَمَنْ عَفا الفاء للتفريع أي: إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة وهي عسرة جدا، فالأولى العفو والإصلاح إذا كان قابلا للإصلاح، فلا يرد أنه يخالف قولهم الحلم على العاجز محمود وعلى المتغلب مذموم اهـ كرخي.\rقوله: وَأَصْلَحَ (الود بينه وبين المعفو عنه) هذا إشارة إلى أن المراد بالإصلاح هنا إصلاح ما بينه وبين عدوه بالإغضاء عما صدر منه، فيكون من تتمة العفو ويكون كقوله: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ والمقصود من الآية التحريض على العفو وقد عرفت التوفيق بينه وبين الانتصار اهـ شهاب.\rقوله: (أي البادئين بالظلم) هذا إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنه كان الظاهر أن يقال: إن اللّه يحب المحسنين أو المقسطين بأن هذا أنسب إذ المقصود منه الحث على العفو لأن المجازي إذا زاد وتجاوز","part":7,"page":67},{"id":2524,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 68\rأي ظلم الظالم إياه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) مؤاخذة\rإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ يعلمون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ بالمعاصي أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) مؤلم\rوَلَمَنْ صَبَرَ فلم حقه كان ظالما، والمساواة من كل الوجوه متعذرة أو متعسرة اهـ شهاب.\rقوله: لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ اللام للابتداء وجعلها الحوفي، وابن عطية للقسم وليس بجيد إذا جعلنا من شرطية كما سيأتي، لأنه كان ينبغي أن يجاب السابق وهنا لم يجب إلا الشرط ومن يجوز أن تكون شرطية وهو ظاهر، والفاء في فأولئك جواب الشرط وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء لما عرفت من شبه الموصول بالشرط اهـ سمين.\rقوله: (أي ظلم الظالم إياه) فيه إشارة إلى أن المصدر مضاف للمفعول وأيده في الكشاف بقراءة من قرأ بعد ما ظلم مبينا للمفعول، وقد يقال: ما فائدة قوله بعد ظلمه إذ الانتصار لا يكون إلا بعد الظلم؟ وأجيب: بأنه لو لم يذكر لأوهم الانتصار مطلقا لنفسه وغيره، والمنتصر لغيره لا يقال فيه ليس عليه سبيل، بل يقال له الثواب والأجر اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وفي هذه الآية دليل على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه وهذا ينقسم ثلاث أقسام.\rأحدها: أن يكون قصاصا في بدن يستحقه آدمي فلا حرج عليه إن استوفاه بغير عدوان وثبت حقه عند الحكام، لكن يزجره الإمام في تفرده بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدماء، وإن كان حقه غير ثابت عند الحكام فليس عليه فيما بينه وبين اللّه حرج وهو في الظاهر مطالب بفعله فيقتص منه نظرا للظاهر.\rالقسم الثاني: أن يكون حدا للّه تعالى لا حق لآدمي فيه كحد الزنا وقطع السرقة، فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه وإن ثبت عند حاكم نظر فإن كان قطعا في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعا ولم يجب عليه في ذلك حق لأن التعزير أدب، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد لتعديه مع بقاء محله فكان مأخوذا بحكمه.\rالقسم الثالث: أن يكون حقا في مال فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه كان ممن هو عالم به إن كان غير عالم نظر، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستبداد بأخذه، وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه مع عدم بينة تشهد له. ففي جواز استبداده بأخذه، مذهبان، أحدهما: جوازه وهو قوله مالك والشافعي. الثاني: المنع وهو قول أبي حنيفة. قال بعض العلماء: إن من ظلم وأخذ له مال فإن له ثواب ما احتبس عنه إلى موته ثم يرجع الثواب إلى ورثته ثم كذلك إلى آخرهم لأن المال يصير بعد الموت للوارث قاله أبو جعفر الداودي المالكي وهذا صحيح في النظر، وعلى هذا القول إذا مات الظالم قبل المظلوم ولم يترك شيئا أو ترك ما لم يعلمه وارثه لم ينتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم، لأنه لم يبق للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم اهـ.\rقوله: فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ أي: لأنهم فعلوا ما هو جائز لهم اهـ خطيب.\rقوله: بِغَيْرِ الْحَقِ قيد به لأن البغي قد يكون مصحوبا بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه اهـ خطيب.","part":7,"page":68},{"id":2525,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 69\rينتصر وَغَفَرَ تجاوز إِنَّ ذلِكَ الصبر والتجاوز لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) أي معزوماتها بمعنى المطلوبات شرعا\rوَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ أي أحد يلي هدايته بعد إضلال اللّه إياه وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ إلى الدنيا مِنْ سَبِيلٍ (44) طريق\rوَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ قوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ الكلام في اللام بين كما تقدم فإن جعلنا من شرطية فإن جواب القسم المقدر وحذف جواب الشرط للدلالة عليه، وإن كانت موصولة كان ان ذلك هو الخبر، وجوز الحوفي وغيره أن تكون من شرطية وإن ذلك جوابها على حذف الفاء على حد حذفها في البيت المشهور:\rمن يفعل الحسنات اللّه يشكرها\r\rوفي الرابط قولان، أحدهما: هو اسم الإشارة إذا أريد به المبتدأ ويكون حينئذ على حذف مضاف تقديره أن صبر ذلك لمن عزم الأمور. الثاني: أنه ضمير محذوف تقديره لمن عزم الأمور منه أو له، وقوله: ولمن صبر عطف على قوله: ولمن انتصر بعد ظلمه والجملة من قوله: إنما السبيل الخ اعتراض اهـ سمين.\rوفي القرطبي: ولمن صبر وغفر أي: صبر على الأذى، وغفر ترك الانتصار لوجه اللّه، وهذا فيمن ظلمه مسلم ويحكى أن رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن رحمه اللّه تعالى فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها واللّه وفهمها إذ ضيعها الجاهلون.\rوبالجملة العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يدل عليه وهو أن زينب أسمعت عائشة رضي اللّه عنهما بحضرته فكان بنهاها، فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونك فانتصري».\rخرجه مسلم في صحيحه بمعناه، وقيل صبر عن المعاصي وستر على المساوئ إن ذلك لمن عزم الأمور. أي: من عزائم اللّه التي أمر بها، وقيل: من عزائم الصواب التي وفق لها اهـ.\rقوله أيضا: لَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ كرره اهتماما بالصبر وترغيبا فيه، والصبر هنا هو الإصلاح المتقدم فأعيد هنا، وعبّر عنه بالصبر لأنه من شأن أولي العزم، وأشار إلى أن العفو المحمود ما نشأ عن التحمل لا عن العجز اهـ شهاب.\rقوله: إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ قاله هنا بلام التوكيد، وقاله في لقمان بدونها، لأن الصبر على مكروه حدث بظلم كقتل أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم كموت ولد، وكما أن العزم على الأول آكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول فكان أنسب بالتوكيد، وما في لقمان من القبيل الثاني فكان أنسب بعدمه اهـ كرخي.\rقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي: يخذله فماله من ولي من بعده هذا فيمن أعرض عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما دعاه إليه من الإيمان باللّه والمودة في القربى، ولم يصدق في البعث، وأن متاع الدنيا قليل أي: من أضله اللّه عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد اهـ قرطبي.\rقوله: وَتَرَى الظَّالِمِينَ الخ وقوله: وتراهم الخ الخطاب في الموضعين لكل من تتأتى منه الرؤية اهـ أبو السعود.","part":7,"page":69},{"id":2526,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 70\rعَلَيْها أي النار خاشِعِينَ خائفين متواضعين مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ إليها مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ ضعيف النظر مسارقة، ومن ابتدائية أو بمعنى الباء وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا، والموصول خبر إن أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45) دائم هو من مقول اللّه تعالى\rوَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره يدفع عذابه عنهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) طريق إلى الحق في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة\rاسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ أجيبوه بالتوحيد والعبادة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ هو يوم القيامة لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي أنه إذا أتي به لا والرؤية فيها بصرية، فالجملة الواقعة بعد كل منهما حالية اهـ شيخنا.\rقوله: لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي: حين يرونه وذكر بلفظ الماضي تحقيقا لوقوعه اهـ كرخي.\rقوله: هَلْ إِلى مَرَدٍّ أي: رجوع.\rقوله: يُعْرَضُونَ عَلَيْها حال لأن الرؤية بصرية، وقوله: خاشعين حال أيضا، والضمير في عليها يعود على النار لدلالة العذاب عليها اهـ سمين.\rقوله: مِنَ الذُّلِ متعلق بخاشعين. أي: من أجله، وقيل: متعلق بينظرون، وقوله: من طرف قيل: المراد به العضو وهو العين، وقيل: المراد به المصدر. يقال: طرفت عينه تطرف طرفا أي:\rينظرون نظرا خفيا اهـ سمين.\rوالمناسب لعبارة الشارح هو الأول اهـ شيخنا.\rوالمصباح: طرف البصر طرفا من باب ضرب تحرك وطرف العين نظرها، ويطلق على الواحدة وغيره لأنه مصدر اهـ.\rوفي المختار: وطرف بصره من باب ضرب إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر، والمرة منه طرفة يقال أسرع من طرفة العين اهـ.\rقوله: (مسارقة) أي: يسارقون النظر إليها خوفا منا وذلّا في أنفسهم كما ينظر المقتول إلى السيف، فلا يقدر أن يملأ عينه ولا يفتحها فيه وإنما ينظر ببعضها اهـ خطيب.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ إما ظرف لخسروا فالقول في الدنيا، أو لقال فالقول في القيامة، ويكو عبّر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتخليدهم في النار) الخ لف ونشر مرتب. قوله: (هو من مقول اللّه) ويحتمل أن يكون من جملة كلامهم أيضا اهـ كرخي.\rقوله: وَما كانَ لَهُمْ لهم: خبر مقدم، ومن أولياء اسمها مؤخر، وقوله: ينصرونهم صفة لأولياء. قوله: مِنْ سَبِيلٍ إما مبتدأ بزيادة من أو فاعل بالظرف كذلك اهـ شيخنا.","part":7,"page":70},{"id":2527,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 71\rيرد ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ تلجؤون إليه يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) إنكار لذنوبكم\rفَإِنْ أَعْرَضُوا عن الإجابة فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم إِنْ ما عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وهذا قبل الأمر بالجهاد وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً نعمة كالغنى والصحة فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ الضمير للإنسان باعتبار الجنس سَيِّئَةٌ بلاء بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي قدموه، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48) للنعمة\rلِلَّهِ مُلْكُ قوله: (لا يرده) فيه إشارة إلى أن قوله: من اللّه متعلق بمرد لأنه مصدر ميمي بمعنى الرد ويجوز تعلقه بيأتي اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ مَلْجَإٍ أي: مفر ومهرب. وفي المصباح: لجأ إلى الحصن وغيره لجأ مهموز من بابي نفع وتعب، والتجأ إليه اعتصم به فالحصن ملجأ بفتح الميم والجيم، والجأته إليه ولجأته بالهمزة والتضعيف اضطررته إليه وأكرهته اهـ.\rفقول الشارح تلجؤون بفتح الجيم. قوله: (إنكار لذنوبكم) أي: لأنها مدونة في صحائفكم وتشهد بها عليكم جوارحكم، وفي كلامه إشارة إلى أن النكير مصدر أنكر على غير قياس، ولعل المراد الإنكار المنجي، وإلّا فهم يقولون واللّه ربنا ما كنا مشركين اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وما لكم من نكير أي ناصر ينصركم قاله مجاهد، وقيل: النكير بمعنى المنكر كالأليم بمعنى المؤلم أي: لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب حكاه ابن أبي حاتم. وقال الكلبي، وقال الزجاج: معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها، وقيل: من نكير أي: إنكار على ما ينزل بكم من العذاب، والنكير والإنكار تغيير المنكر اهـ.\rقوله: (بأن توافق) أي: الأعمال الصادرة منهم، وقوله: المطلوب منهم أي: الأعمال المطلوبة منهم بأن تكون أعمالهم على الوجه الذي طلبناه منهم من إيمان وطاعة، والمعنى لم نرسلك لتقهرهم على امتثال ما أرسلناك به تأمل. قوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) فهو منسوخ.\rقوله: وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ اعلم أن نعم الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلهذا سمي الإنعام إذاقه اهـ زاده.\rوفي البيضاوي: وتصدير الشرطية الأولى بإذا والثانية بان لأن إذاقة النعمة محققة من حيث انها عادة مقضية بالذات بخلاف إصابه البلية وإقامة علة الجزاء مقامه، ووضع الظاهر موضع الضمير في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم اهـ.\rقوله: (الضمير) أي: في تصبهم، وقوله: باعتبار الجنس أي: فجمعه باعتبار المعنى، والظاهر أنه أراد الاستغراق فإن دلالة ضمير الجمع عليه أظهر اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ من وقوع الظاهر موضع المضمر أي: فإنه كفور، وقدر أبو البقاء ضميرا محذوفا فقال: فإن الإنسان منهم اهـ سمين.\rوفي الكرخي: الجملة جواب الشرط، وفي الحقيقة هي علة الجواب المقدر، والأصل وإن","part":7,"page":71},{"id":2528,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 72\rالسَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ من الأولاد إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49)\rأَوْ يُزَوِّجُهُمْ يجعلهم ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فلا يلد، ولا يولد له إِنَّهُ عَلِيمٌ تصبهم سيئة نسي النعمة رأسا وذكر البلية، وهذا وإن اختص بالمجرمين فإسناده إلى الجنس لغلبة المجرمين أي: أنه حكم على الجنس بحال غالب أفراده للملابسة على المجاز العقلي وفيه إشارة إلى أن اللام في كل من الموضعين للجنس لا أنها للعهد في الثاني للتنافي بين العهد والجنس، ويجوز أن يجعل قوله بما قدمت أيديهم قرينة مخصصة للإنسان بالمجرمين، فيكون من المجاز في المفرد على ما أشار إليه في الكشاف اهـ.\rقوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الملك بالضم الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه، وفي المصباح: وملك السموات أمرهم ملكا من باب ضرب إذا تولى السلطنة فهو ملك والاسم الملك بضم الميم اهـ.\rوفي الخازن: أي له التصرف فيهما بما يريد اهـ.\rقوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الخ بدل مفصل من مجمل اهـ.\rقال ابن عباس: يهب لمن يشاء إناثا يريد لوطا وشعيبا عليهما السّلام لأنهما لم يكن لهما إلا البنات ويهب لمن يشاء الذكور يريد إبراهيم عليه السّلام لأنه لم يكن له إلا الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا يريد محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنه كان له من النبين ثلاثة على الصحيح القاسم، وعبد اللّه، وإبراهيم، ومن البنات أربع زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ويجعل من يشاء عقيما يريد يحيى وعيسى عليهما السّلام. وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل وإنما الحكم في كل الناس، لأن المقصود بيان نفاذ قدرة اللّه تعالى في تكوين الأشياء كيف يشاء فلا معنى للتخصيص اهـ خطيب.\rقوله: (من الأولاد) متعلق بيهب لا بيان لمن لأنها عبارة عن الآباء اهـ شيخنا.\rويحتمل أنه حال مقدمة من إناثا. وفي المختار: وهب له شيئا يهبه وهبا بوزن وضع يضع وضعا، ووهبا أيضا بفتح الهاء وهبة بكسر الهاء والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء فيهما، والاتهاب قبول الهبة، والاستيهاب سؤال الهبة اهـ.\rقوله: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً ذكرانا وإناثا مفعول ثان ليزوج على تفسيره بيجعل كما صنع الشارح اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: أو يزوجهم أي: الأولاد فيجعلهم أزواجا أي صنفين حال كونهم ذكرانا وإناثا الخ اهـ.\rوفي أبي السعود: أو يزوجهم أي: يقرن بين الصنفين فيهما جميعا ذكرانا وإناثا اهـ.\rوفي المختار: قرن بين الشيئين من باب ضرب ونصر وصله به، وفي الشهاب: أو يزوجهم الضمير للأولاد وما بعده حال منه، أو مفعول ثان إن ضمن معنى التصيير يعني يجعل أولاد من يشاء ذكورا وإناثا مزدوجين اهـ.","part":7,"page":72},{"id":2529,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 73\rبما يخلق قَدِيرٌ (50) على ما يشاء\r* وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا أن يوحى إليه وَحْياً في قوله: ذُكْراناً وَإِناثاً قدم الإناث أولا مع أن حقهن التأخير وعرف الذكور دونهن لأن الآية سيقت لبيان عظمة ملكه ونفاذ مشيئته، وإنه فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه عبيده كما قال: ما كان لهم الخبرة، ولما كان الإناث مما لا يشاؤه العباد قدمهن في الذكر لبيان تفرد إرادته ومشيئته وانفراده، بالأمر ونكرهن وعرف الذكور لانحطاط رتبتهن لئلا يظن أن التقديم كان لأحقيتهن به، ثم أعطى كل جنس حقه من التقديم والتأخير ليعلم أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن بل لمقتض آخر، فقال: ذكرانا وإناثا كما قال: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الحجرات: 13] اهـ كرخي.\rقوله: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً من عبارة عن الرجل والمرأة فقوله: فلا يلد أي إذا كان امرأة والتذكير باعتبار لفظ من وفي نسخة فلا تلد بالتاء الفوقية وهي ظاهرة، وقوله: ولا يولد له أي: إذا كان رجلا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: العقيم الذي لا يولد له يطلق على الذكر والأنثى، وفي القاموس: العقم بالضم هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد عقمت كفرح ونصر وكرم وعنى عقما وعقما ويضم وعقمها اللّه تعقيما، وأعقمها ورحم عقيم وعقيمة معقومة وامرأة عقيم، والجمع عقائم، وعقم ورجل عقيم كأمير لا يولد له، والجمع عقماء اهـ.\rقوله: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ أن ومنصوبها اسم كان، وقال أبو البقاء: أن والفعل في موضع رفع على الابتداء وما قبله الخبر أو فاعل بالجار لاعتماده على حرف النفي، وكأنه وهم في التلاوة فزعم أن القرآن، وما كان لبشر أن يكلمه مع أنه يمكن الجواب عنه بتكلف اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا وَحْياً مفعول مطلق معمول لمقدر كما قدره الشارح، وقوله: أو من وراء حجاب متعلق بمقدر معطوف على المقدر العامل في وحيا أي: أو إلا أن يكلمه من وراء حجاب، وأشار بقوله: ولا يراه إلى أن المراد بالحجاب لازمه وهو عدم رؤية من وراءه فلا يرد أن الآية تقتضي أن اللّه في جهة وفي مكان، وقوله: أو يرسل منصوب بأن مقدرة وهو معطوف على العامل في وحيا المقدر، والاستثناء متصل بالنظر إلى القسم الوسط وهو قوله: أو من وراء حجاب، وذلك لأن التكليم من وراء الحجاب نوع من مطلق التكليم الذي هو إسماع الكلام وتوجيه الخطاب، وأما بالنظر للقسم الأول والثالث فمنقطع إذ ليسا من جنس التكليم كما هو ظاهر إلا أن يؤول التكليم بالإيحاء فيكون الاستثناء فيها متصلا بهذا الاعتبار اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: إلا أن يوحى إليه وحيا فيه إشارة إلى أن وحيا منصوب على الاستثناء المفرغ خلافا لمن قال أنه منقطع لظاهر اللفظ، فإن الوحي ليس بتكليم، وقوله: أو إلا من وراء حجاب أشار به إلى أن من وراء حجاب معطوف على وحيا باعتبار متعلقه تقديره إلا أن يوحي إليه أو يكلمه، ولا يجوز أن تتعلق من بيكلمه الموجودة في اللفظ، لأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى أو مستثنى منه أو تابعا، وهذا على الأصح، وما قرره في تفسير الآية أظهر من قول من قال إن تقديرها: وما صح لبشر أن يكلمه اللّه إلّا وحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا فتكون الكل مصادر","part":7,"page":73},{"id":2530,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 74\rالمنام أو بالإلهام أَوْ إلا مِنْ وَراءِ حِجابٍ بأن يسمعه كلامه ولا يراه، كما وقع لموسى عليه السّلام أَوْ إلا أن يُرْسِلَ رَسُولًا ملكا كجبريل فَيُوحِيَ الرسول إلى المرسل إليه، أي يكلمه بِإِذْنِهِ أي اللّه ما يَشاءُ اللّه إِنَّهُ عَلِيٌ عن صفات المحدثين حَكِيمٌ (51) في وقعت أحوالا، فإنه وإن صح في الوحي والإرسال لا يصح من وراء حجاب، فإنه متعلق بمصدر محذوف أي: إسماعا من وراء حجاب، ولا يكون عطفا على أن يكلمه اللّه لأنه فاسد. قال مكي: لأنه يلزمه نفي الرسل أو نفي المرسل إليهم اهـ.\rقال الراغب: ومعنى الوحي الإشارة السريعة يقال: أمر وحي أي: سريع ثم اختص في عرف اللغة بالأمر الإلهي الملقى إلى الأنبياء، وقول البيضاوي: كلاما خفيا تفسير لقوله وحيا وإشارة إلى أن المراد به هنا الكلام الخفي المدرك بسرعة فالاستثناء متصل، وقيل: إنه منقطع، وقوله: لأنه تمثيل أن:\rلأن الوحي تمثيل المراد به تصوير المعنى ونقشه في ذهن السامع، وليس مثلا كلامنا حتى يحتاج إلى صوت وترتيب حروف فيكون خفيا سريعا ولا بعد فيه كما يشاهد في كلامنا النفسي فهو تعليل للخفاء مع السرعة لا للأول فقط اهـ شهاب.\rوفي المصباح: الوحي الإشارة والرسالة والكتابة وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي كيف كان قاله ابن فارس، وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعى وأوحى إليه بالألف مثله وجمعه وحي والأصل فعول مثل فلوس وبعض العرب تقول وحيت إليه ووحيت له وأوحيت إليه وله، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند اللّه تعالى ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف اهـ.\rقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا قرأ نافع يرسل برفع اللام وكذلك فيوحي فسكنت ياؤه، والباقون بنصبهما. فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه رفع على إضمار مبتدأ أي: أو هو يرسل.\rالثاني: أنه عطف على وحيا على أنه حال لأن وحيا في تقدير الحال أيضا، فكأنه قال: إلا موحيا أو مرسلا. الثالث: أن يعطف على ما يتعلق به من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحيا في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه أو يرسل، والتقدير إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه. أحدها: أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل المقدر معطوف على وحيا، والمعنى إلا بوحي أو إسماع من وراء حجاب أو إرسال رسول، ولا يجوز أن يعطف على يكلمه لفساد المعنى.\rقلت: إذ يصير التقدير وما كان لبشر أن يرسله اللّه رسولا فيفسد لفظا ومعنى، وقال مكي: لأنه يلزم منه نفي الرسل ونفي المرسل إليهم. الثاني: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على وحيا، ووحيا حال فتكون هنا أيضا حالا، والتقدير إلا موحيا أمر مرسلا. والثالث: أنه عطف على معنى وحيا فإنه مصدر مقدر بأن، والفعل والتقدير إلا بأن يوحى إليه أو بأن يرسل ذكره مكي وأبو البقاء، وقوله: أو من وراء حجاب العامة على الإفراد، وابن أبي عبلة حجب جمعا، وهذا الجار يتعلق بمحذوف تقديره أو يكلمه من وراء حجاب، وقد تقدم أن هذا الفعل معطوف على معنى وحيا أي: أن يوحي أو يكلمه. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تتعلق من بيكلم الموجودة في اللفظ لأن ما قبل الاستثناء","part":7,"page":74},{"id":2531,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 75\rصنعه\rوَكَذلِكَ أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد رُوحاً هو القرآن به تحيا القلوب مِنْ أَمْرِنا الذي نوحيه إليك ما كُنْتَ تَدْرِي تعرف من قبل الوحي إليك مَا الْكِتابُ القرآن وَلَا الْإِيمانُ أي شرائعه ومعالمه، والنفي معلق للفعل عن العمل، وما بعده لا يعمل فيما بعد إلا ثم قال: وقيل من متعلقة بيكلمه لأنه ظرف والظرف يتسع فيه اهـ سمين.\rقوله: (أي مثل إيحائنا) المماثلة بالنظر للجملة، وإلا فهو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقع له القسم الثاني لأن تكليمه وقع مشافهة لا من وراء حجاب اهـ شيخنا.\rقوله: (هو القرآن) وقال ابن عباس: نبوة، وقال الحسن رحمة، وقال السدي: وحيا، وقال الكلبي: كتابا، وقال الربيع: جبريل. وقال مالك بن دينار: القرآن، وسمي: الوحي روحا لأنه مدبر الروح كما أن الروح مدبر البدن اهـ خطيب.\rقوله: (به تحيا القلوب) يعني أنه تجوز بالروح عن القرآن حيث شبهه بالروح من حيث أنه إذا حل في القلب حيي القلب بحياة الإيمان كما أن الروح الحقيقي إذا حل في الجسد حيي بحياته أو يحصل لها به ما هو مثل الحياة وهو العلم النافع، ففي يحيا استعارة تبعية اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ أَمْرِنا حال، ومن تبعيضية أي: حال كون هذا الروح وهو القرآن بعض ما نوحيه إليك لأن الموحى إليه لا ينحصر في القرآن اهـ شيخنا.\rقوله: مَا الْكِتابُ ما: استفهامية مبتدأ، والكتاب: خبره، وفي الكلام تقدير مضاف أي: ما كنت تدري جواب ما الكتاب أي: جواب هذا الاستفهام اهـ شيخنا.\rقوله: (أي شرائعه ومعالمه) أي: كالصلاة والصوم والزكاة والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر، وهذا هو الحق، وبه اندفع ما يقال: كيف قال ولا الإيمان والأنبياء كلهم كانوا مؤمنين قبل الوحي إليهم بأدلة عقولهم، وكان نبينا يتعبد على دين إبراهيم ويحج ويعتمر ويتبع شريعة إبراهيم على ما مرت الإشارة إليه. قال الكواشي: ويجوز أن يراد بالإيمان نفس الكتاب وهو القرآن وعطف عليه لاختلاف لفظيهما أي: ما كنت تعرف ما القرآن وما فيه من الأحكام، ويدل على هذا التأويل توحيد الضمير في جعلناه، وقيل: المراد بالإيمانّ الكلمة التي بها دعوة الإيمان والتوحيد وهي لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، والإيمان بهذا التفسير إنما علمه بالوحي لا بالعقل اهـ كرخي.\rقوله: (و النفي) صوابه والاستفهام أي: في قوله: ما الكتاب فإنه الذي يعد الفعل والنفي سابق عليه، وقد تقدم هذا الإعراب مرارا اهـ كرخي.\rوفي السمين: والجملة الاستفهامية معلقة للدراية فهي في محل نصب لسدها مسد مفعولين، والجملة المنفية بأسرها في محل نصب على الحال من الكاف في إليك اهـ.\rقوله: (أو ما بعده) أو بمعنى الواو،. قوله: نَهْدِي بِهِ صفة نورا، والمراد الهداية الموصلة بدليل قوله: من نشاء وقوله: وإنك لتهدي مفعوله محذوف أي: كل مكلف فالهدية فيه أعم من التي قبلها اهـ كرخي.","part":7,"page":75},{"id":2532,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 76\rسد مسد المفعولين وَلكِنْ جَعَلْناهُ أي الروح أو الكتاب نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي تدعو بالوحي إليك إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (52) دين الإسلام\rصِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) ترجع.\rقوله: صِراطِ اللَّهِ بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة اهـ كرخي.\rقوله: تَصِيرُ الْأُمُورُ المراد بهذا المضارع الديمومة كقولك زيد يعطي ويمنع أي: من شأنه ذلك، وليس المراد به حقيقة المستقبل لأن الأمور منوطة به تعالى كل وقت، وهذا وعد للمطيعين ووعيد للمجرمين فيجازي كلّا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب اهـ خطيب.\rوعبارة البيضاوي: تصير الأمور ترجع بارتفاع الوسائط والمتعلقات وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين، انتهت.\rوفي الخازن: تصير الأمور أي: أمور الخلائق في الآخرة فيثاب المحسن ويعاقب المسيء اهـ.\rوعلى هذا يكون المضارع على ظاهره.\rفائدة:\rقال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف ولم يبق منه إلا قوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وغرق مصحف فانمحى كله إلا قوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ واللّه أعلم، انتهى قرطبي.","part":7,"page":76},{"id":2533,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 77\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الزخرف مكية وقيل إلا وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا الآية. وهي تسع وثمانون آية\rحم (1) اللّه أعلم بمراده به\rوَالْكِتابِ القرآن الْمُبِينِ (2) المظهر طريق الهدى وما يحتاج إليه من الشريعة\rإِنَّا جَعَلْناهُ أوجدنا الكتاب قُرْآناً عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ يا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية) أي كلها حتى هذه الآية، وهذا مبني على أن الآية على ظاهرها من أنه أمر بسؤال المرسلين أنفسهم، وكان ذلك ليلة الإسراء ببيت المقدس فتكون مكية على هذا لأنها قبل الهجرة، وقوله: وقيل الخ وهذا مبني على أن الآية على غير ظاهرها وأنها على حذف المضاف كما سيأتي تقريره في الشارح، وأنه قد أمر بسؤال أمم المرسلين، والمراد بهم اليهود والنصارى وهم إنما كانوا بالمدينة، فعلى هذا تكون مدنية كما سيأتي إيضاحه في محلها تأمل.\rقوله: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنا عربيا وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه، ولعل إقسام اللّه بالأشياء استشهاده بما فيها من الدلالة على المقسم عليه اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: قوله: إنا جعلناه جواب القسم وهذا عندهم من البلاغة، وهو كون القسم والمقسم عليه من واد واحد إن أريد بالكتاب القرآن وإن أريد به جنس الكتب المنزلة لم يكن من ذلك، والضمير في جعلناه على الأول يعود على الكتاب، وعلى الثاني يعود على القرآن وإن لم يصرح بذكره والجعل هنا تصيير، ولا يلتفت لخطأ الزمخشري في تجويزه أن يكون بمعنى خلقناه اهـ.\rقوله: (أوجدنا الكتاب) جواب ما يقال: كيف قال جعلناه قرآنا عربيا وهو ليس بمجعول لأن الجعل هو الخلق، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1] وإيضاحه أن الجعل لا يختص بالخلق، بل ورد في القرآن على أقسام بمعنى أحدث وأنشأ كما في وجعل فيها رواسي، وبمعنى بعث كقوله: وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً [الفرقان: 35] وبمعنى قال كقوله: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [الزخرف: 15] كما سيأتي قريبا وبمعنى صير كقوله: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الأنعام: 25] اهـ كرخي.","part":7,"page":77},{"id":2534,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 78\rأهل مكة تَعْقِلُونَ (3) تفهمون معانيه\rوَإِنَّهُ مثبت فِي أُمِّ الْكِتابِ أصل الكتب، أي اللوح المحفوظ لَدَيْنا بدل عندنا لَعَلِيٌ على الكتب قبله حَكِيمٌ (4) ذو حكمة بالغة\rأَفَنَضْرِبُ نمسك عَنْكُمُ الذِّكْرَ القرآن صَفْحاً إمساكا، فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل وفي الخطيب تنبيه: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه، الأول: أنها تدل على أن القرآن مجعول والمجعول هو المصنوع والمخلوق. والثاني: أنه وصفه بكونه قرآنا وهو إنما سمي قرآنا لأنه جعل بعضه مقرونا بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعا. الثالث: وصفه بكونه عربيا وإنما يكون عربيا لأن العرب اختصت بوضع ألفاظ في اصطلاحهم وذلك يدل على أنه مجعول، وأجاب الرازي عن ذلك بأن هذا الذي ذكرتموه حق لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة محدثة وذلك معلوم بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه اهـ.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لعل للتعليل أي: لكي تفهموا معانيه اهـ.\rقوله: وَإِنَّهُ معطوف على جواب القسم فهو جواب ثان، وأشار بتقدير قوله: مثبت إلى أن الجار والمجرور خبر إن، وعلى هذا فيكون قوله: لعليّ خبرا ثانيا هذا ما سلكه الشارح وهو معترض من حيث ما يلزم عليه من تقديم الخبر الغير المقرون باللام على المقرون بها وهو ممتنع عند بعضهم اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: مثبت في أم الكتاب أشار به إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وقال أبو البقاء: متعلق بعليّ واللام لا تمنع من ذلك. قال ابن هشام في مغني اللبيب: وليس لها يعني لام الابتداء الصدرية في باب إن لأنها فيه مؤخرة من تقديم ولهذا تسمى المزحلقة، وذلك لأن أصل إن زيدا لقائم إن لزيدا قائم فكرهوا افتتاح الكلام بتوكيدين فأخروا اللام دون إن لئلا يتقدم معمول الحرف عليه اهـ.\rقوله: (بدل) أي: من الجار والمجرور، وقوله: عندنا أي: محفوظ عندنا من التغيير اهـ.\rقوله: لَعَلِيٌ أي: رفيع الشأن على الكتب لكونه معجزا من بينها اهـ بيضاوي.\rقوله: (ذو حكمة بالغة) فهو فعيل من الثلاثي وهو حكم إذا صار ذا حكمة، وإذا كان بمعنى المحكم فهو من المزيد أو الإسناد مجازي أي: حكيم صاحبه أو حاكم على الكتب كما تقدم اهـ شهاب.\rقوله: أَفَنَضْرِبُ استفهام إنكاري، ولذلك قال الشارح في جوابه: لا والفاء عاطفة على مقدر بينها وبين الهمزة تقديره أنهملكم فنضرب اهـ شيخنا.\rوقوله: نمسك أي: نمسك عن إنزاله لكم، وعبارة السمين: أفنزيل القرآن عنكم إزالة اهـ.\rوالمعنى أنمسك عن إنزال ما لم ينزل منه ونرفع ونزيل ما نزل منه تأمل.\rقوله: صَفْحاً مفعول مطلق ملاق لعامله وهو نضرب في معناه كما قرره الشارح. وفي","part":7,"page":78},{"id":2535,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 79\rأَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5) مشركين؟ لا\rوَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6)\rوَما كان يَأْتِيهِمْ أتاهم مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7) كاستهزاء قومك بك، وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم\rفَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ من قومك بَطْشاً قوة وَمَضى سبق في الآيات مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) صفتهم في الإهلاك، فعاقبة قومك كذلك\rوَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ السمين: قوله: صفحا فهي أوجه. أحدها: أنه مصدر في معنى نضرب، لأنه يقال: ضرب عن كذا وأضرب عنه بمعنى أعرض عنه وصرف وجهه عنه. الثاني: أنه منصوب على الحال من الفاعل أي:\rصافحين. الثالث: أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة فيكون عامله محذوفا نحو صنع اللّه قاله ابن عطية. الرابع: أن يكون مفعولا من أجله اهـ.\rقوله: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ قرأ نافع والأخوان بالكسر على أنها شرطية وإسرافهم كان متحققا، وأن إنما تدخل على غير المتحقق أو المتحقق المبهم الزمان، وأجاب الزمخشري بما حاصله: أنها قد تستعمل في مقام القطع للقصد إلى تجهيل المخاطب بجعله كأنه متردد في ثبوت الشرط شاك فيه قصدا إلى نسبته إلى الجهل بارتكابه الإسراف لتصويره بصورة ما يفرض لوجوب انتفائه وعدم صدوره ممن يعقل، وقرأ الباقون بالفتح على العلة لأن كنتم اهـ.\rقوله: وَكَمْ أَرْسَلْنا كم خبرية مفعول مقدم لأرسلنا، ومن نبي تمييز لها، وفي الأولين متعلق بأرسلنا اهـ سمين.\rأي: في الأمم الأولين اهـ شيخنا.\rقوله: (أتاهم) أي: فالمضارع بمعنى الماضي. قوله: (و هذا) أي: قوله: وكم أرسلنا تسلية الخ.\rقوله: أَشَدَّ مِنْهُمْ نعت لمحذوف هو المفعول في الحقيقة أي: أهلكنا قوما هم المستهزئون برسلهم أشد منهم. أي: من قومك، فالضمير في منهم عائد على قوما في قوله: أن كنتم قوما مسرفين اهـ شيخنا.\rقوله: بَطْشاً البطش شدة الأخذ ونصبه على التمييز وهو أحسن من كونه حالا من فاعل أهلكنا بتأويله بباطشين اهـ شهاب.\rقوله: (سبق في آيات) أي: سبق في القرآن غير مرة ذكر قصصهم التي حقها أن تصير أمثالا لشهرتها اهـ أبو السعود.\rقوله: (فعاقبة قومك كذلك) أي: الإهلاك. قوله: (لام قسم) أي: والجواب المذكور له بدليل قول الشارح لتوالي النونات إذ لو كان الجواب للشرط لحذف للجازم، وهذا على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم من حذف جواب المتأخر منهما اهـ شيخنا.\rقوله: (حذف منه نون الرفع الخ) أي: أصله ليقولونن فحذفت النون لاستثقال توالي الأمثال، ثم","part":7,"page":79},{"id":2536,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 80\rالْعَلِيمُ (9) آخر جوابهم أي اللّه ذو العزة والعلم، زاد تعالى\rالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً فراشا كالمهد للصبي وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) إلى مقاصدكم في أسفاركم\rوَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ أي بقدر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانا فَأَنْشَرْنا أحيينا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ أي مثل هذا الإحياء تُخْرَجُونَ (11) من قبوركم أحياء\rوَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ الأصناف كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ السفن وَالْأَنْعامِ كالإبل ما تَرْكَبُونَ (12) حذف حذف الضمير الذي هو الفاعل وهو واو الجمع لالتقاء الساكنين الواو والنون المدغمة اهـ كرخي.\rقوله: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ كرر الفعل للتوكيد، إذ لو جاء العزيز بغير خلقهن لكان كافيا كقولك: من قام؟ فيقال: زيد، وفيها ذليل على أن الجلالة الكريمة من قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ مرفوعة بالفاعلية لا بالابتداء للتصريح بالفعل في نظيرتها، وهذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى، إذ لو جاء على اللفظ لجي فيه بجملة ابتدائية كالسؤال اهـ سمين.\rقوله: (آخر جوابهم) أي: هذا آخر جوابهم، وقوله: زاد تعالى أي: زاد كلاما آخر: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: 140] متضمنا لصفات خمسة موجبة لتوبيخهم وتقريعهم على عدم التوحيد اهـ شيخنا.\rقوله: (كالمهد للصبي) أي: ولو شاء لجعلها مزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، ولو شاء لجعلها متحركة فلا يمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها مسطحة قارة ساكنة اهـ خطيب.\rقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي: ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك اهـ خطيب.\rقوله: (أي بقدر حاجتكم إليه) أي: ليس بقليل فلا ينفع ولا بكثير فيضر اهـ كرخي.\rقوله: فَأَنْشَرْنا فيه التفات، وقوله: أحيينا يقتضي أن النشور معناه الإحياء وهو كذلك، ففي المصباح: نشر الموتى نشورا من باب قعد حيوا، ونشرهم اللّه يتعدى ولا يتعدى ويتعدى بالهمزة أيضا فيقال: أنشرهم اللّه ونشرت الأرض نشورا أيضا حييت وأنبتت ويتعدى الهمزة فيقال: أنشرتها إذا أحييتها بالماء اهـ.\rقوله: كَذلِكَ تُخْرَجُونَ المعنى أن هذا الكلام كما دل على قدرة اللّه وحكمته ووجدانيته، فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة، ووجه التشبيه أن جعلهم أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التي انتشرت بعد ما كانت ميتة اهـ خطيب.\rقوله: (الأصناف) قال ابن عباس: الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى، وقال بعض المحققي: كل ما سوى اللّه تعالى فهو زوج كالفوق والتحت، واليمين واليسار، والقدام والخلف، والماضي والمستقبل، والذوات والصفات، والصيف والشتاء، والربيع والخريف. وكونها أزواجا يدل على أنها ممكنة الوجود محدثة مسبوقة بالعدم، فأما الحق تعالى","part":7,"page":80},{"id":2537,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 81\rالعائد اختصارا، وهو مجرور في الأوّل، أي فيه منصوب في الثاني\rلِتَسْتَوُوا لتستقرّوا عَلى ظُهُورِهِ ذكر الضمير وجمع الظهر نظرا للفظ ما ومعناها ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) مطيقين\rوَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) لمنصرفون فهو الفرد المنزه عن الضد والند والمقابل والمعاضد اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: وقيل: أراد أزواج النبات كما قال: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ومِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ* [ق: 7] وقيل: ما تقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع وضر، وفقر وغنى، وصحة وسقم. قلت: وهذا القول يعم الأقوال ويجمعها بعمومه اهـ.\rقوله: (كالإبل) لم يبق من الأنعام ما يركب غيرها، إذ الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، فحينئذ في الأنعام هنا تغليب فأريد بها ما يركب من الحيوان وهو الإبل والخيل والبغال والحمير وقرينة هذا قوله في سورة النحل: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [النحل: 8] تأمل.\rقوله: ما تَرْكَبُونَ مفعول لجعل، ومن الفلك والأنعام بيان له مقدم عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (حذف العائد اختصارا الخ) عبارة السمين: ما موصولة وعائدها محذوف أي: ما تركبونه، وركب بالنسبة إلى الفلك يتعدى بحرف الجر. قال تعالى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ [العنكبوت: 65] بالنسبة إلى غيرها يتعدى بنفسه. قال تعالى: لِتَرْكَبُوها [النحل: 8] فغلب هنا المتعدي بنفسه على المتعدي بواسطة فلذلك حذف العائد، انتهت.\rوالمعنى جعل لكم من الفلك ما تركبون فيه ومن الأنعام ما تركبونه فهو مجرور في الأول منصوب في الثاني، وفي كلامه هنا غموض حمله عليه شغفه بالاختصار اهـ كرخي.\rقوله: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ يجوز أن تكون اللام لام العلة وهو الظاهر، وأن تكون للصيرورة وعلى كل فتتعلق بجعل، وجوز ابن عطية أن تكون لام الأمر وفيه بعد لقلة دخولها على أمر المخاطب اهـ سمين.\rقوله: (ذكر الضمير) أي: المضاف إليه، والأولى أن يقول أفرد، وقوله: وجمع الظهر أي: الذي هو المضاف، وقوله: نظرا للفظ ما راجع للتذكير، وقوله: ومعناها راجع للجميع، ولو روعي لفظها فيهما لقيل على ظهره أو معناها فيهما لقيل على ظهورها اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ تَذْكُرُوا أي: بقلوبكم اهـ خطيب.\rقوله: إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ أي: على ما تركبون ففيه مراعاة لفظ ما أيضا، وكذا الإشارة، في قوله: سَخَّرَ لَنا هذا اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي الخ أي: تقولوا بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان، وقوله:\rسخر لنا هذا أي: الذي ركبناه سفينة كان أو دابة اهـ خطيب.\rوهذا يقتضي أنه يقول هذا القول عند ركوب السفينة أيضا وصرح غيره بأنه خاص بالدابة أما السفينة فيقول فيها: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] ويؤيده وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ فإن","part":7,"page":81},{"id":2538,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 82\rالامتناع والتعاصي والتوحش لو لا تسخير اللّه وإذلاله إنما يتأتى في الدواب وأما السفن فهي عن عمل ابن آدم فليس لها امتناع بقوتها كامتناع الدابة اهـ شيخنا.\rوروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: «بسم اللّه» فإذا استوى على الدابة قال: «الحمد للّه على كل حال سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا إلى قوله: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: علمنا سبحانه وتعالى ما نقول إذا ركبنا الدواب وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السّلام ما نقول إذا ركبنا السفن وهو قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود: 41] فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقيحت أو طاح عن ظهرها فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق، فلما كان الركوب مباشرة أمرا مخوفا واتصالا بأسباب من أسباب التلف أمر أن لا ينسى عند اتصاله به موته وأنه هالك لا محالة فمنقلته إلى اللّه غير منفلت من قضائه ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدا لقضاء اللّه بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم اللّه وهو غافل عنه، وقال ابن العربي: ما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا وليس بواجب ذكره باللسان، وإنما الواجب اعتقاده بالقلب أما إنه يستحب له ذكره باللسان فيقول: متى ما ركب وخصوصا في السفر إذا تذكر: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل والمال، يعني بالحور بعد الكور تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه اهـ.\rقوله: وَما كُنَّا أي: والحال ما كنا له مقرنين: قال الواحدي: كأن اشتقاقه من قولك صرت قرنا لفلان أي: مثله في الشدة، والمعنى ليس عندنا من القوة والطاقة ما نقارن ونساوي به هذه الدواب، فسبحان من سخرها لنا بقدرته وحكمته اهـ خطيب.\rوفي السمين: والمقرن المطيق للشيء الضابط له من أقرنه أي: أطاقه اهـ.\rوفي المختار: وقرن الشيء بالشي وصله به وبابه ضرب ونصر اهـ.\rوفي القرطبي: ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم أي: ركبتم عليه، وذكر النعمة هو الحمد على تسخير ذلك لنا في البر والبحر وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا أي: ذلل لنا هذا المركوب، وفي قراءة علي بن أبي طالب: سبحان من سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي: مطيقين في قول ابن عباس والكلبي. وقال الأخفش وأبي عبيدة: مقرنين ضابطين، وقيل: مماثلين في الأيدي والقوة من قولهم:\rهو قرن فلان إذا كان مثله في القوة، ويقال: فلان مقرن لفلان أي: ضابط له، وأقرنت كذا أي:\rأطلقته، وأقرن له أطاقه وقوي عليه كأنه صار له قرنا قال اللّه تعالى: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي: مطيقين، والمقرن أيضا الذي غلبته ضيعته تكون له إبل أو غنم ولا معين له عليها. وفي أصله قولان، أحدهما:\rأنه مأخوذ من الإقران يقال: أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق أو أقرنت كذا إذا أطقته وأحكمته كأنه جعله في","part":7,"page":82},{"id":2539,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 83\rوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه تعالى لأن الولد جزء الوالد، والملائكة من عباد اللّه إِنَّ الْإِنْسانَ القائل ما تقدم لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) بين ظاهر الكفر\rأَمِ بمعنى همزة الإنكار، والقول مقدر أي أتقولون اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ لنفسه وَأَصْفاكُمْ أخلصكم بِالْبَنِينَ (16) اللازم من قولكم السابق، فهو من جملة المنكر\rوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما قرن وهو الحبل فأوثقه به وشده. والثاني: أنه مأخوذ من المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعص في حبل تقول: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به وجعلته قرينة اهـ.\rقوله: (لمنصرفون) أي: من الدنيا ومراكبها إلى دار الاستقرار والبقاء، ويتذكر بالحمل على السفينة والدابة الحمل على الجنازة، وعبارة الخطيب: أي لصائرون بالموت وما بعده إلى الدائر الآخرة انقلابا لا رجوع بعده إلى هذه الدار، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي ففيه إشارة إلى الرد عليهم في إنكار البعث، انتهت.\rقوله: وَجَعَلُوا لَهُ الخ متصل بقوله: ولئن سألتهم الخ أي: وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف كما قاله القاضي، وفي الكشاف: منع ذلك الاعتراف أي: اعترافهم بأن الخالق هو اللّه، وذلك لأن جملة وجعلوا له حالية والحال مقارنة لصاحبها سيما وهي هنا جملة ماضوية وسمي الولد الذي أثبتوه للّه جزءا دلالة على استحالته على الواحد في ذاته، والمركب لا يكون واحد الذات أيضا ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، وما كان كذلك فهو محدث فلا يكون إلها قديما اهـ كرخي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 83\r\rله: وَجَعَلُوا لَهُ الخ متصل بقوله: ولئن سألتهم الخ أي: وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف كما قاله القاضي، وفي الكشاف: منع ذلك الاعتراف أي: اعترافهم بأن الخالق هو اللّه، وذلك لأن جملة وجعلوا له حالية والحال مقارنة لصاحبها سيما وهي هنا جملة ماضوية وسمي الولد الذي أثبتوه للّه جزءا دلالة على استحالته على الواحد في ذاته، والمركب لا يكون واحد الذات أيضا ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، وما كان كذلك فهو محدث فلا يكون إلها قديما اهـ كرخي.\rقوله: جُزْءاً مفعول أول للجعل والجعل تصيير قولي أي: حكموا وأثبتوا، ويجوز أن يكون بمعنى سموا واعتقدوا اهـ سمين.\rقوله: (بين) أشار بهذا إلى أن مبين من أبان اللازم ولا مانع أن يكون من المتعدي أي: مظهر لكفره اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي: والتقريع والتوبيخ وقدرها بعضهم ببل التي للانتقال وبعضهم بهما، وكل صحيح لأن فيها مذاهب ثلاثة كما نقله أبو حيان اهـ شيخنا.\rقوله: (لنفسه) متعلق باتخذ. قوله: (أخلصكم) أي: خصكم. قوله: (اللازم) بالنصب نعت لقوله وأصفاكم إذ هو معطوف على اتخذ الذي هو مقول القول لكن المعطوف عليه قالوه صريحا والمعطوف لم يقولوه، لكنه من قولهم: الملائكة بنات اللّه فكأنهم قالوا البنات له والبنون لنا، فلذلك قال اللازم من قولهم السابق أي: الملائكة بنات اللّه، وقوله: فهو من جملة المنكر أي: لأنه معطوف على اتخذ الداخل عليه أم التي بمعنى همزة الإنكار اهـ شيخنا.\rويصح كونه حالا مع تقدير قد اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ الخ استئناف مقرر لما قبله، وقيل: حال على معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر، ومن حالهم أن إذا بشر به اغتم، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن قبائحهم اقتضت أن يعرض","part":7,"page":83},{"id":2540,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 84\rضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا جعل له شبها بنسبة البنات إليه لأن الولد يشبه الوالد، المعنى: إذا أخبر أحدهم بالبنت تولد له ظَلَ صار وَجْهُهُ مُسْوَدًّا متغيرا تغير مغتم وَهُوَ كَظِيمٌ (17) ممتلىء غما، فكيف ينسب البنات إليه؟ تعالى عن ذلك\rأَوَهمزة الإنكار، وواو العطف بجملة أي يجعلون للّه مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ الزينة وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) مظهر الحجة لضعفه عنها بالأنوثة\rوَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا حضروا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ عنهم وتحكى لغيرهم ليتعجب منها اهـ أبو السعود.\rقوله: بِما ضَرَبَ ما موصولة معناها البنات، وضرب بمعنى جعل، والمفعول الأول الذي هو عائد الموصول محذوف أي: ضربه ومثلا هو المفعول الثاني، وقوله شبها أي: فالمثل بمعنى الشبه أي: المشابه لا بمعنى الصفة الغريبة العجيبة اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُوَ كَظِيمٌ الواو للحال.\rقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا يجوز في من وجهان، أحدهما: أن تكون في محل نصب مفعولا بفعل مقدر أي: أو يجعلون من ينشأ في الحلية. والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ جزءا وولد، وقرأ العامة ينشأ بفتح الياء وسكون النون من نشأ في كذا ينشأ فيه، والأخوان وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين مبنيا للمفعول أي: يربي، وقرأ الجحدري كذلك إلا أنه خفف الشين أخذه من أنشأه، والحسن يناشأ كيقاتل مبنيا للمفعول والمفاعلة تأتي بمعنى الإفعال كالمعالاة بمعنى الإعلاء اهـ سمين.\rقوله: (همزة الإنكار الخ) أي اللفظ كلمتان همزة الإنكار وواو العطف لا كلمة واحدة التي هي أو العاطفة وقوله: بجملة متعلق بالعطف والباء بمعنى اللام أي: لجملة أي: جملة مقدرة ذكرها بقوله:\rأي يجعلون، وحاصل هذه الإعراب أنه جعل من معمولة لمقدر معطوف بواو العطف لكنه لم ينبه على المعطوف عليه، وتقديره: أيجترئون ويبلغون الغاية في إساءة الأدب ويجعلون للّه من ينشأ في الحلية، ومن عبارة عن الأنثى أي: يجعلون للّه الأنثى التي تتربى في الزينة لنقصها، إذ لو كملت في نفسها لما تكملت بالزينة، وأيضا هي ناقصة العقل لا تقدر على إقامة حجة عند الخصام اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ الجملة حال، وفي الخصام يجوز أن يتعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده تقديره وهو لا يبين في الخصام، ويجوز أن يتعلق بمبين، وجاز للمضاف إليه أن يعمل فيما قبل المضاف لأن غير بمعنى لا، وقدم تقدم تحقيق هذا في أول هذا الموضوع آخر الفاتحة اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: غير مبين أي: غير قادر على تقرير دعواه وإقامة حجته لنقصان عقله وضعف رأيه، وإضافة غير لا تمنع عمل ما بعدها في الجار المتقدم عليها لأنها بمعنى النفي اهـ.\rوقال قتادة: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها اهـ خازن.\rقوله: (مظهر الحجة) أشار بهذا إلى أن مبين هنا من أبان المتعدي اهـ كرخي.\rقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الخ الجعل هنا بمعنى القول والحكم تقول: جعلت زيدا أعلم الناس أي: حكمت له بذلك اهـ قرطبي.","part":7,"page":84},{"id":2541,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 85\rبأنهم إناث وَيُسْئَلُونَ (19) عنها في الآخرة فيترتب عليها العقاب\rوَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي الملائكة، فعبادتنا إياهم بمشيئته فهو راض بها، قال تعالى ما لَهُمْ بِذلِكَ المقول من الرضا بعبادتها مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) يكذبون فيه، فيترتب عليهم العقاب به\rأَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أي القرآن بعبادة غير اللّه فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) أي لم يقع ذلك\rبَلْ وهذا بيان لنوع آخر من كفرياتهم، فالقول بأن الملائكة أناث كفر لأن فيه جعل أكمل العباد وأكرمهم على اللّه أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا اهـ كرخي.\rقال الكلبي ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «ما يدريكم أنهم إناث»؟ قالوا:\rسمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال اللّه تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ أي: عنها في الآخرة: هذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم.\rتنبيه:\rقال البقاعي: يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا ولا علم لهم به فإنه قد روى أبو أمامة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كاتب الحسنة على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب اليسار دعه سبع ساعات لعله يسبح اللّه أو يستغفر» اهـ خطيب.\rقوله: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي: لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم، فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها، وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره اهـ بيضاوي.\rوهذا بيان لنوع آخر من كفرياتهم، والحاصل أنهم كفروا بمقالات ثلاثة هذه والتي قبلها وهي فولهم الملائكة إناث والتي قبلها وهي قولهم: الملائكة بنات اللّه اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: قال المحققون هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه، أولها: إثبات الولد. ثانيها: أن ذلك الولد بنت. ثالثها: الحكم على الملائكة بالأنوثة اهـ في صنيعه تسمح.\rقوله: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ قاله هنا بلفظ يخرصون، وفي الجاثية بلفظ قوله: يَظُنُّونَ لأن ما هنا متصل بقوله: وجعلوا الملائكة الآية أي: قالوا: الملائكة بنات اللّه وأن اللّه قد شاء منا عبادتنا إياهم وهذا كذب، فناسبه يخرصون وما هناك متصل بخلطهم الصدق بالكذب، فإن قولهم: قوله:\rنَمُوتُ وَنَحْيا [المؤمنون: 37 والجاثية: 24] صدق وكذبوا في إنكارهم البعث، وقوله: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24] فناسبه يظنون أي: يشكون فيما يقولون اهـ كرخي.\rقوله: (يكذبون فيه) أي: في القول. وفي المصباح: وخرص الكافر خرصا من باب قتل كذب فهو خارص اهـ.\rقوله: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ هذا معادل لقوله: قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: 69] والمعنى أحضروا خلقهم أي: آتيناهم كتابا من قبله أي: من قبل القرآن أي: بما ادعوه فهم به","part":7,"page":85},{"id":2542,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 86\rقالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ملة وَإِنَّا ماشون عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) بهم وكانوا يعبدون غير اللّه\rوَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها متنعموها مثل قول قومك إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا مستمسكون يعملون بما فيه اهـ قرطبي.\rفقد جعل أم متصلة للهمزة في قوله: أشهدوا خلقهم وهو بعيد من المعنى والسياق، فالأولى الوجه الآخر الذي جرى عليه أكثر المفسرين من أنها منقطعة بمعنى همزة الاستفهام الإنكاري، وعبارة البيضاوي: ثم أضرب عنه أي: عن نفي أن يكون لهم متمسك عقلي إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل، فقال: أم آتيناهم الخ اهـ.\rوفي إشارة إلى أن أم منقطعة لا متصلة معادلة لقوله: أشهدوا خلقهم كما قيل لبعده اهـ شهاب.\rقوله: (أي لم يقع ذلك) أي: إيتاؤهم كتابا بما ذكر، وأشار بهذا إلى أن أم بمعنى همزة الإنكار اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا الخ أي: لم يأتوا بحجة عقلية ولا نقلية، بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم اهـ أبو السعود.\rقوله: عَلى أُمَّةٍ أي: طريقة تؤم وتقصد اهـ أبو السعود.\rوفي البيضاوي: وهي الحالة التي يكون عليها آلآم أي: القاصد ومنها الدين اهـ.\rوفي السمين: قوله: على أمة العامة على ضم الهمزة بمعنى الطريقة والدين، وقرأ مجاهد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز بالكسر. قال الجوهري: هي الطريقة الحسنة لغة في أمة بالضم، وابن عباس بالفتح وهي المرة من الأم، والمراد بها القصد والحال اهـ.\rقوله: (ماشون) أشار بتقدير هذا إلى أن الجار والمجرور خبر إن وعليه فيكون مهتدون خبرا ثانيا اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: على آثارهم مهتدون خبر إن أو الظرف صلة لمهتدون اهـ.\rقوله: مُهْتَدُونَ قاله هنا بلفظ مهتدون، وقال: فيما بعده مقتدون، لأن الأل وقع في محاجتهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وادعائهم أن آبائهم كانوا مهتدين وأنهم مهتدون كآبائهم فناسبه مهتدون، والثاني وقع حكاية عن قوم دعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء فناسبه مقتدون اهـ كرخي.\rقوله: وَكَذلِكَ أي: والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد، وقوله: ما أرسلنا الخ استئناف مبني لذلك دال على التقليد فيما بينهم ضلال قديم ليس لأسلافهم أيضا مستند غيره اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: قوله: وكذلك ما أرسلنا الخ تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ودلالة على أن التقاليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن من تقدمهم أيضا لم يكن لهم مستند منظور إليه وتخصيص المترفين للإشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطر وصرفهم عن النظر إلى التقليد اهـ.","part":7,"page":86},{"id":2543,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 87\rعَلى أُمَّةٍ ملة وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) متبعون\r* قالَ لهم أَتتبعون ذلك وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أنت ومن قبلك كافِرُونَ (24) قال تعالى قوله: إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها جمع مترف اسم مفعول وتفسير الشارح له باسم الفاعل تفسير باللزم، وفي القاموس: وترف كفرح تنعم، وأترفته النعمة أطغته كترفته تتريفا، وفلان أصر على البغي، والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء فلا يمنع، والمتنعم لا يمنع من تنعمه اهـ.\rقوله: (مثل قول قومك) مفعول مطلق أي: نعت لمصدر محذوف هو المفعول المطلق أي: قولا مثل قول قومك، وقوله: إنا وجدنا الخ مقول القول فهو مفعول له اهـ شيخنا.\rوهذا الصنيع من الشارح ليس بلازم، فالأولى كما جرى عليه غيره جعل قوله: إنا وجدنا آباءنا الخ مقول القول ولا تقدير في الكلام تأمل.\rقوله: قالَ (لهم) خطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، أي: قل لقومك أتتبعون ذلك أي: المذكور وهو آباؤكم كما قلتم: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون اهـ شيخنا.\rوهذا هو الذي يتبادر من صنيع الجلال وهو أحد احتمالين ذكرهما البيضاوي بقوله: وهو حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير، أو خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ويؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر وحفص قال اهـ.\rوقوله: أوحي إلى النذير يعني أن المأمور بقوله: قل يجوز أن يكون النذير فيكون قل أمرا ماضيا متعلقا بالنذير السابق حكاه اللّه لنبيه على تقديره: فقلنا له قل: ويجوز أن يكون أمرا حاليا متعلقا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شهاب.\rقوله: ويؤيد الأول الخ، ويؤيده أيضا ما قالوا في جوابه إنا بما أرسلتم به بلفظ الجمع، ولو كان الخطاب بقل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكان الظاهر أن يجيبوه بأن يقولوا إنا بما أرسلت به كافرون اهـ زاده.\rوقد أجاب عن هذا الجلال بقوله: أنت ومن قبلك لكن يبعد ما جرى عليه الجلال قوله: فانتقمنا منهم، لأن الضمير فيه راجع للمترفين ولا بد، فعلى صنيع الجلال يكون الكلام مفككا غير منتظم، وعبارة أبي السعود: قال: أولو جئتكم أي: قال كل نذير من أولئك المنذرين لأممهم أو لو جئتكم أي:\rأتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بأهدى أي: بدين أهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء، وإنما عبّر عنها بذلك مجاراة معهم على مسلك الأنصاف، وقرئ قل على أنه حكاية أمر ماض أوحي حينئذ إلى كل نذير لا على أنه خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كما قيل لقوله تعالى: قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون، فإنه حكاية عن الأمم قطعا أي: قال كل أمة لنذيرها إنما أرسلت به الخ. وقد أجمل عند الحكاية للإيجاز كما مر في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] وجعله حكاية عن قومه عليه الصلاة والسّلام بحمل صيغة الجمع على تغليبه على سائر المنذرين عليهم السّلام وتوجيه كفرهم إلى ما أرسل به الكل من التوحيد لإجماعهم عليه كما في نظائر قوله تعالى:\rكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 123] تمحل بعيد يرده بالكلية قوله تعالى: فانتقمنا منهم أي:\rبالاستئصال، فانظر كيف كان عاقبة المكذبين من الأمم المذكورين فلا تكترث بتكذيب قومك اهـ.\rقوله: بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ الخ أي: بدين أهدى وأوضح وأصوب مما وجدتم الخ أي: من","part":7,"page":87},{"id":2544,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 88\rتخويفا لهم\rفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي من المكذبين للرسل قبلك فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)\rوَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ أي بريء مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)\rإِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي خلقني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) يرشدني\rوَجَعَلَها أي كلمة التوحيد المفهومة من قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ذريته فلا يزال فيهم من يوحد اللّه لَعَلَّهُمْ أي أهل مكة الضلالة التي ليست من الهداية في شيء، والتعبير بالتفضيل المقتضي أن ما عليه آباؤهم فيه هداية لأجل التنزل معهم وإرخاء العنان اهـ أبو السعود.\rقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي: فلا تكترث بتكذيب قومك اهـ أبو السعود.\rقوله: وَ(اذكر) أي: لقومك، إذ قال إبراهيم أي: الذي هو أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن غيرهم لأبيه، أي: من غير أن يقلده كما قلدتم أنتم آباءكم وقومه أي: الذين كانوا هم القوم بالحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض إنني براء مما تعبدون فتبرأ مما هم عليه وتمسك بالبرهان ليسلكوا مسلكه في الاستدلال اهـ خطيب وأبو السعود.\rقوله: بَراءٌ العامة على فتح الباء وألف وهمزة بعد الراء، وهو مصدر في الأصل وقع موقع الصفة وهي بريء، وبها قرأ الأعمش ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث كالمصادر في الغالب والزعفراني وابن المنادى عن نافع بضم الباء بزنة طوال وكرام يقال: طويل وطوال وبريء وبراء، وقرأ الأعمش:\rإني بنون واحدة اهـ سمين.\rوفي المختار: وتبرأ من كذا فهو براء منه بالفتح والمد لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالسماع اهـ.\rقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي في هذا الاستثناء أوجه، أحدها: أنه منقطع بناء على أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. ثانيها: أنه متصل بناء على أنهم كانوا يشركون مع اللّه الأصنام. ثالثها: أن إلا صفة بمعنى غير وما نكرة موصوفة قاله الزمخشري اهـ خطيب.\rقوله: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ أي: سيثبتني على الهداية أو سيهدين إلى ما وراء الذي هداني إليه الآن، والأوجه أن السين للتأكيد دون التسويف وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار اهـ أبو السعود.\rقوله: وَجَعَلَها الضمير المستتر يعود على إبراهيم، وقوله: لعلهم يرجعون من كلام اللّه تعليل للأمر الذي قدره الشارح بقوله: واذكر أي: اذكر لقومك ما ذكر لعلهم يرجعون. هذا هو المناسب لصنيع الشارح وغيره من الشراح جرى على أسلوب آخر فافهم الفرق بينهما اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب، وأبي السعود: وجعلها كلمة باقية في عقبه أي: حيث وصاهم بها كما نطق به قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة: 132] الآية، وقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ علة للجعل أي: جعلها باقية فيهم رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم، وقوله: بل متعت الخ إضراب عن محذوف ينساق إليه الكلام، كأنه قيل: وجعلها كلمة باقية في عقبه بأن وصاهم بها رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم، فلم يحصل ما ترجاه بل متعت هؤلاء أي: عقب إبراهيم وآباءهم أي: مددت لهم في الآجال","part":7,"page":88},{"id":2545,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 89\rيَرْجِعُونَ (28) عما هم عليه إلى دين إبراهيم أبيهم\rبَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ المشركين وَآباءَهُمْ ولم أعاجلهم بالعقوبة حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ القرآن وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم\rوَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30)\rوَقالُوا لَوْ لا هلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ من أية منهما عَظِيمٍ (31) أي الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف\rأَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ النبوة؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مع إسباغ النعم وسلامة الأبدان من البلايا والنقم فبطروا وتمادوا على الباطل حتى جاءهم الحق الخ اهـ.\rقوله: هؤُلاءِ (المشركين) عبارة البيضاوي: هؤلاء المعاصرين للرسول عليه السّلام من قريش وآباءهم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بذلك وانهمكوا في الشهوات، انتهت.\rوقوله: فاغتروا الخ يعني أن التمتيع كناية عما ذكر فإنه أظهر في الإضراب عن قوله: وجعلها كلمة باقية الخ أي: لم يرجعوا فلم أعاجلهم بالعقوبة بل أعطيتهم نعما أخر غير الكلمة الباقية لأجل أن يشكروا منعمها ويوحدوه، فلم يفعلوا بل زاد طغيانهم لاغترارهم أو تقدير ما اكتفيت في هدايتهم بجعل الكلمة باقية، بل متعتهم وأرسلت إليهم رسولا اهـ شهاب.\rقوله: حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ في هذه الغاية خفاء بينه في الكشاف وشروحه، وهو أن ما ذكر ليس غاية للتمتيع. إذ لا مناسبة بينهما مع أن مخالفة ما بعدها لما قبلها غير مرعي فيها، والجواب أن المراد بالتمتيع ما هو سببه من اشتغالهم به عن شكر المنعم فكأنه قال: اشتغلوا به حتى جاءهم الحق وهو غاية له في نفس الأمر لأنه ينبههم ويزجرهم لكنهم لطغيانهم عكسوا فهو كقوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: 4] اهـ شهاب.\rقوله: وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ الخ أي: لأنهم قالوا منصب الرسالة شريف لا يليق إلا لرجل شريف، وصدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة وهي أن الرجل الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه ومحمد ليس كذلك، فلا تليق به رسالة اللّه، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال يعنون الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود بالطائف قاله قتادة اهـ خطيب.\rقوله: (من أية منهما) أي: من أية واحدة منهما، وعبارة البيضاوي: من إحدى القريتين.\rقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ الخ إنكار فيه تجهيل لهم وتعجب من تحكمهم، وقوله: نحن قسمنا الخ أي: ولم يفوض أمرها إليهم علما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية اهـ أبو السعود.\rقوله: رَحْمَتَ رَبِّكَ وقوله: ورحمة ربك ترسم هذه التاء مجرورة اتباعا لرسم المصحف الإمام، كما نص عليه ابن الجزري ونصه مع شرحه لشيخ الإسلام: ورحمت ربك في موضعي الزخرف بالتاء لا بالهاء زبره أي: كتبه عثمان رضي اللّه عنه، وزبر أيضا بالتاء رحمت اللّه في الأعراف في قوله:\rإِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] وفي سورة الروم في قوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [الروم: 50] وفي سورة هود في قوله: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:\r73] وَرَحْمَتُ رَبِّكَ في كهيعص رَحْمَتُ اللَّهِ [هود: 73] في البقرة في قوله: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: 218] وما عدا هذه السبعة يرسم بالهاء، وأبو عمرو، وابن كثير والكسائي يقفون","part":7,"page":89},{"id":2546,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 90\rفجعلنا بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ بالغنى فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ الغني بَعْضاً الفقير سُخْرِيًّا مسخرا في العلم له بالأجرة، والياء للنسب، وقرئ بكسر السين بالهاء كسائر الهاءات الداخلة على الأسماء كفاطمة وقائمة وهي لغة قريش، والباقون يقفون بالتاء تغليبا لجانب الرسم وهي لغة طيئ اهـ.\rقوله: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: نحن أوقعنا هذا التفاوت بين العباد، فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا مالكا وهذا مملوكا وهذا قويا وهذا ضعيفا، ثم إن أحدا من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها وذلتها، فكيف يقدرون على الاعتراض على حكمنا في تخصيص بعض عبادنا بنصب النبوة والرسالة؟ والمعنى كما فضلنا بعضهم على بعض كما شئنا كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا اهـ خازن.\rقوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أي: ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تأليف وتضام ينتظم بذلك العالم لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه، ثم أنهم لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف، فكيف يكون فيما هو أعلى منه اهـ بيضاوي.\rوهذه اللام للتعليل أي: القصد من جعل الناس متفاوتين في الرزق أن ينتفع بعضهم ببعض ليتم النظام، وفي الخازن: يعني أنا لو سوينا بينهم في كل الأحوال لم يخدم أحد أحدا ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد حال الدنيا، ولكن فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا، فسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض هذا بماله وهذا بعمله فيلتئم قوام العالم اهـ.\rوعبارة الخطيب: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا أي: ليستخدم بعضهم بعضا فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم، لأن المقادير لو تساوت لتعطلت المعايش فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء، فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا؟ قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدرة اللّه تعالى لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة، انتهت.\rقوله: (و الياء للنسب) أي: نسبتة للسخرة التي هي العمل بلا أجرة لا للسخرية التي هي الاستهزاء والتهكم، والسخرة بوزن عرفة الاستخدام والقهر على العمل بلا أجرة كما في كتب اللغة، وبهذا الاعتبار لا يصح التعليل في قوله: ليتخذ فإنه ليس القصد من تفاوت الناس في الرزق أن يقهر الغني الفقير على العمل له، وأيضا هذا لا يلائم تقييد الشارح بقوله: بالأجرة، فالحاصل أنه إذا نظر لصحة التعليل واستقامته استقام التقييد المذكور وإن نظر للأمر اللغوي في السخرة لم تستقم النسبة إليها ولا يصح الكلام معها ولا التقييد بقوله: بالأجرة، فحينئذ يتنافى طرفا الكلام فليتأمل وليحرر. وقوله:\rوقرئ بكسر السين أي: شاذا، ولذلك قال: وقرئ ولم يقل وفي قراءة على عادته لأنه يشير بالأول للشاذ، وبالثاني للمتواتر، وأما ما في سورة المؤمنون وسورة ص فكسر السين فيه قراءة سبعية، ففرق","part":7,"page":90},{"id":2547,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 91\rوَرَحْمَتُ رَبِّكَ أي الجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) في الدنيا\rوَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً على الكفر لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ بدل من لمن سُقُفاً بفتح السين وسكون القاف وبضمهما جمعا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ كالدرج من فضة عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) يعلون إلى السطح بين ما هنا وما في السورتين الأخريين اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وقيل: هو السخرية التي هي بمعنى الاستهزاء أي: ليستهزئ الغني بالفقير. قال الأخفش: سخرت به وسخرت منه، وضحكت به وضحكت منه، وهزئت به وهزئت منه اهـ.\rوعلى هذا القول تكون اللام للصيرورة والعاقبة لا للعلة والسببية.\rقوله: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي: والعظيم من أعطيها وحازها وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا من حاز الكثير مما يجمعون كعروة بن مسعود اهـ كرخي.\rقوله: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ الخ في الكلام حذف المضاف أي: ولو لا خوف أن يكون الناس الخ كما أشار له الشارح بقوله: المعنى الخ اهـ شيخنا.\rلكن في تقدير هذا المضاف شيء لأن اللّه لا يخاف من شيء، فالأولى في تقدير الآية ما سلكه البيضاوي ونصه: أي لو لا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه اهـ.\rوقدر الزمخشري فيه مضافا فقال: لو لا كراهة أن يجتمعوا على الكفر الخ. والغرض من تقديره أن كراهة الاجتماع هي المانعة من تمتيع الكفار، ولما كان معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد أريد به الكفر بقرينة الجواب، فليس هذا من مفهوم الكلام ولازمه كما توهم اهـ شهاب.\rفإن قيل: لما بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سببا لاجتماع الناس على الإسلام؟ فالجواب:\rلأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين حتى أن كل من دخل في الإسلام إنما يدخل لمتابعة الدليل ولطلب رضوان اللّه تعالى فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب. قال الزمخشري: فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها. فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضا لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء وغلب الفقر على الغنى اهـ.\rقوله: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ الخ استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا ودناءة قدرها عند اللّه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بدل من لمن) أي: بدل اشتمال واللام للاختصاص اهـ سمين.\rقوله: (و بضمهما جمعا) قال أبو علي: سقف جمع سقف كرهن جمع رهن اهـ كرخي.","part":7,"page":91},{"id":2548,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 92\rوَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً من فضة وَجعلنا لهم سُرُراً من فضة جمع سرير عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34)\rوَزُخْرُفاً ذهبا، المعنى: لو لا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذكر، لأعطيناه قوله: وَمَعارِجَ جمع معرج بفتح الميم وكسرها، وسميت المصاعد من الدرج معارج لأن المشي عليها مثل مشيء الأعرج اهـ خطيب.\rوهو معطوف على سقفا المقيد بكونه من فضة، والقيد في المعطوف عليه قيد في المعطوف، فلذلك قدره الشارح بقوله: من فضة. وكذا يقال في بقية المعاطيف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: وقرأ العامة معارج جمع معرج وهو السلم، وطلحة معاريج جمع معراج وهي لغة بعض تميم وهذا كمفاتح جمع مفتح ومفاتيح جمع مفتاح اهـ.\rقوله: وَلِبُيُوتِهِمْ تكرير لفظ البيوت لزيادة التقدير اهـ أبو السعود.\rقوله: وَسُرُراً معمول لمقدر معطوف على قوله: جعلنا لمن يكفر بالرحمن عطف جمل كما قدره الشارح وليس معطوفا على أبوابا لاقتضاء العطف أن السرر للبيوت مع أنها لا تضاف لها ولا تختص بها، وقوله: وزخرفا معطوف على سررا المعمول للمقدر أي: وجعلنا لهم زخرفا ليجعلوه في السقف المعارج والأبواب والسرر ليكون بعض كل منها من فضة وبعضه من ذهب، لأنه أبلغ في الزينة. هذا ما سلكه الشارح في التقرير اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وزخرفا يجوز أن يكون منصوبا بجعل أي: وجعلنا لهم زخرفا، وجوز الزمخشري أن ينتصب عطفا على محل من فضة كأنه قال سقفا وذهب أي: بعضها كذا وبعضها كذا اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: وجعلنا لهم سررا من فضة أشار إلى أن وسررا معطوف على ما تقدم مع قيده وتبع في ذلك قول الكشاف لجعلنا للكفار سقوفا ومصاعد وأبوابا وسررا كلها من فضة فهو كما ترى ظاهر في أنه يرى اشتراك المعطوفات في وصف ما عطفت عليه، وقوله: زخرفا قضية تقريره أن نصبه بجعل أي وجعلناهم زخرفا، وقد جرى ذلك في الكشاف لأنه قال: وجعلنا لهم زخرفا أي زينة من كل شيء، والزخرف: الذهب والزينة، ثم قال: ويجوز أن يكون الأصل سقفا من فضة وزخرفا يعني بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب عطفا على محل من فضة اهـ.\rوفي القرطبي: وزخرفا الزخرف هنا الذهب، وعن ابن عباس وغيره نظيره أو يكون لك بيت من زخرف وقد تقدم، وقال ابن زيد: هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة والأثاث، وقال الحسن:\rالنقوش وأصله الزينة يقال: زخرفت الدار أي: زينتها، وتزخرف فلان أي: تزين وانتصب زخرفا على معنى وجعلنا لهم مع ذلك زخرفا، وقيل: بنزع الخافض والمعنى لجعلنا لهم سقفا وأبوابا وسررا من فضة ومن ذهب، فلما حذف من قال وزخرفا فنصب اهـ.\rقوله: (و المعنى لو لا خوف الكفر الخ) أي: معنى قوله ولو لا أن يكون الناس الخ.","part":7,"page":92},{"id":2549,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 93\rذلك، لقلة حظ الدنيا عندنا، وعدم حظه في الآخرة في النعيم وَإِنْ مخففة من الثقيلة كُلُّ ذلِكَ لَمَّا بالتخفيف فما زائدة، وبالتشديد بمعنى إلا فإن نافية مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يزول وَالْآخِرَةُ الجنة عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)\rوَمَنْ يَعْشُ يعرض عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قوله: (مخففة من الثقيلة) أي: وهي هنا مهملة لوجود اللام في خبرها اهـ شيخنا.\rقوله: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ أي: وبهذا يتبين أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: والآخرة عند ربك للمتقين يريد الجنة لمن اتقى وخاف، وقال كعب: إني لأجد في بعض كتب اللّه المنزلة: لو لا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس عبدي الكافر بالإكليل ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق بوجع. وفي صحيح الترمذي، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وعن سهل بن سعد قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» اهـ.\rوفي القاموس: نبض العرق من باب ضرب نبضا ونبضانا تحرك. وفي الخطيب: قال البقاعي:\rولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول اللّه أو في زمن الدجال، لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد له في جانب الكفرة، لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك سبحانه اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ هذه الآية متصلة بقوله أول السورة: فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً [الزخرف: 5] أي: لا نضربه عنكم بل نواصله لكم، فمن يعش عن ذلك الذكر بالاعراض عنه إلى تأويل المضلين وأباطليهم نقيض له شيطانا أي: نسبب له شيطانا جزاء له على كفره فهو له قرين في الدنيا يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية وهو معنى قول ابن عباس، وقيل: في الآخرة إذا قام من قبره قاله سعيد الجريري. وفي الخبر: إذا قام من قبره شفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار، وإن المؤمن ليشفع بملك حتى يقضي اللّه بين خلقه ذكره المهدوي، وقال القشيري: والصحيح فهو له قرين في الدنيا والآخرة اهـ قرطبي.\rقوله: (يعرض) أي: يتعامى ويتجاهل ويتغافل. يقال: عشا يعشو كدعا يدعو ما ذكر، ويقال:\rعشي يعشى كرضي يرضى إذا أصاب عينه الداء الذي يمنع إبصارها ليلا اهـ شيخنا.\rوفي القاموس: العشي مقصور سوء البصر في الليل والنهار والعمى عشي كرضي ودعا اهـ.\rوفي المختار: وعشا عنه أعرض وبابه عدا، ومنه قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قلت: وفسره بعضهم في الآية بضعف البصر اهـ.\rوفي القرطبي: وقال أبو الهيثم والأزهري: عشوت إلى كذا أي: قصدته. وعشوت عن كذا أي:\rأعرضت عنه فيفرق بين إلى وعن مثل ملت إليه وملت عنه اهـ.","part":7,"page":93},{"id":2550,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 94\rأي القرآن نُقَيِّضْ نسبب لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) لا يفارقه\rوَإِنَّهُمْ أي الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْ أي العاشين عَنِ السَّبِيلِ أي طريق الهدى وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) في الجمع رعاية معنى من\rحَتَّى إِذا جاءَنا العاشي بقرينه يوم القيامة قالَ له يا لَيْتَ للتنبيه بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أي مثل بعد ما بين المشرق والمغرب فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) أنت لي، قال تعالى قوله: فَهُوَ أي: الشيطان وفي هذا الضمير مراعاة لفظ الشيطان. وقوله: وإنهم ليصدونهم في الضميرين مراعاة معناه أي: جنسه اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَحْسَبُونَ أي العاشون والجملة حالية. أي: يعتقدون أنهم على هدى اهـ شيخنا.\rقوله: (في الجمع) أي: في مواضع ثلاثة، الأول: الهاء في قوله: ليصدونهم. والثاني: الواو في قوله: ويحسبون. والثالث: الهاء في قوله: أنهم وقوله رعاية معنى من أي: بعد أن روعي لفظها في ثلاثة مواضع أيضا، الأول: المستتر في يعش. والثاني والثالث: المجرور ان باللام في نقيض له فهو له وسيأتي مراعاة لفظها في موضعين المستتر في جاء والمستتر في قال ثم مراعاة معناها في ثلاثة مواضع في: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم. والحاصل أنه روعي لفظها أولا في ثلاثة مواضع، ثم معناها في ثلاثة، ثم لفظها في موضعين، ثم معناها في ثلاثة اهـ شيخنا.\rوصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله: حتى إذا جاءنا فإن حتى وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما مرّ مرارا اهـ أبو السعود.\rقوله: (العاشي) أشار إلى أن فاعل جاءنا العاشي المأخوذ من يعش المتقدم ومفعوله محذوف كما قدره، وهذا على قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص بإسناد الفعل إلى الضمير مفرد يعود على لفظ من هو العاشي، والباقون جاءنا مسند إلى ضمير التثنية وهما العاشي وقرينه جعلا في سلسلة واحدة اهـ كرخي.\rقوله: (بقرينة) أي: مع قرينة.\rقوله: قالَ أي: العاشي. يا ليت بيني وبينك أي: يا ليت كان في الدنيا بيني وبينك الخ.\rقوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اسم ليت مؤخر وفيه تغليب كالقمرين والعمرين اهـ شيخنا.\rقوله: (أي مثل بعد ما بين المشرق والمغرب) أي: في أنهما لا يجتمعان أبدا لما بينهما من التباعد، ومن رتب عليه فبئس القرين، وقريب منه ما قاله صاحب التفسير كأنه قال: ليتني لم أكن صحبتك ولا عرفتك ولا كانت بيني وبينك وصلة ولا تقارب حتى كنا في التباعد كأن أحدنا في المشرق والآخر بالمغرب لا يلتقيان ولا يتقاربان اهـ كرخي.\rقوله: (قال تعالى) أي: يقول لأن هذا القول سيقال لهم في الآخرة، وقوله: أي: العاشين تفسير للكاف، وقوله: تمنيكم وندمكم تفسير للفاعل المستتر فهو عائد على معلوم من السياق دل عليه قوله:\rيا ليت بيني وبينك الخ اهـ شيخنا.","part":7,"page":94},{"id":2551,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 95\rوَلَنْ يَنْفَعَكُمُ أي العاشين تمنيكم وندمكم الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أي تبين لكم ظلمكم بالإشراك في الدنيا أَنَّكُمْ مع قرنائكم فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39) علّة بتقدير اللام لعدم النفع، وإذ بدل من اليوم\rأَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) بيّن؟ أي فهم لا يؤمنون وعبارة السمين: قوله: ولن ينفعكم اليوم الخ في فاعلة قولان، أحدهما: أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها، والتقدير ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفع الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله. والثاني: أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله: يا ليت بين وبينك أي: لن ينفعكم تمنيكم البعد، وبعضهم لن ينفعكم اجتماعكم، وبعضم ظلمكم وجحدكم. وعبارة من عبّر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف إذ الفاعل لا بحذف إلا في مواضع ليس هذا منها، وعلى هذا الوجه يكون قوله: إنكم تعليلا أي: لأنكم فحذف الخافض فجرى في عملها الخلاف أهو نصب أم جر، ويؤيد إضمار الفاعل قراءة إنكم بالكسر فإنه استئناف مفيد للتعليل اهـ.\rقوله: (أي تبين لكم) أي: الآن أي: في الآخرة، وأشار بهذا إلى أن في الكلام تقديرا يندفع به ما قيل. كيف قال اليوم ثم قال إذ ظلمتم، والظلم قد وقع في الدنيا، واليوم عبارة عن يوم القيامة، وإذ بدل من اليوم كما سيذكره، والماضي لا يبدل من الحاضر؟ وحاصل الجواب: أن المراد إذ تبين لكم ظلمكم والتبين والظهور والوضوح واقع يوم القيامة لا في الدنيا اهـ شيخنا.\rقوله: (إذ بدل من اليوم) أي: بدل كل إن قلت إذ للمضي واليوم للحال فكيف يبدل منه، فلا يجوز البدل ما دامت إذ على موضوعها من المضي، فإن جعلت لمطلق الزمان جاز لكنه لم يعهد فيها أن تكون لمطلق الزمان، بل هي موضوعة لزمان خاص بالماضي، ويجاب بأن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم اللّه وعلمه، فتكون إذ بدلا من اليوم حتى كأنها مستقبله وكأن اليوم ماض، وتقدم جواب هذا في تقرير الشارح. وفي الآية اشكال من وجه آخر وهو أن اليوم ظرف حال وإذ ظرف ماض وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه عامل في الظرفين، وكيف يعمل الحادث المستقبل الذي لم يقع بعد في ظرف حاضر وماض، وأجيب عن إعماله في الظرف الحالي بأنه لما قرب معه من حيث إن الحال قريب من الاستقبال جاز عمله فيه، وإلّا فالمستقبل يستحيل وقوعه في الحال عقلا اهـ سمين وكرخي.\rقوله: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ الخ لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشو وصفهم هنا بالصمم والعمى بقوله: أفأنت أي: وحدك من غير إرادتنا تسمع الصم، وقد أصممناهم بأن صببنا في مسامع افهامهم رصاص الشقاء، أو تهدي العمي الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم. روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يجتهد في دعائهم وهم لا يزدادون إلا تصميما على الكفر، فنزلت هذه الآية اهـ خطيب.\rقوله: مَنْ كانَ الخ معطوف على العمي، والعطف للتغاير العنواني، وإلّا فالما صدق واحد، وقوله: أي: فهم لا يؤمنون أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري أي: أنت لا تسمعهم أي: لا ينتفعون بسماعك اهـ شيخنا.","part":7,"page":95},{"id":2552,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 96\rفَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة نَذْهَبَنَّ بِكَ بأن نميتك قبل تعذيبهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) في الآخرة\rأَوْ نُرِيَنَّكَ في حياتك الَّذِي وَعَدْناهُمْ به من العذاب فَإِنَّا عَلَيْهِمْ على عذابهم مُقْتَدِرُونَ (42) قادرون\rفَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي القرآن إِنَّكَ عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (43)\rوَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لشرف لَكَ وَلِقَوْمِكَ لنزوله بلغتهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44) عن القيام بحقه\rوَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أي غيره آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)؟ قيل هو وفي البيضاوي: هذا إنكار تعجب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال بحيث صار عشاهم عمى ومقرونا بالصمم اهـ.\rقوله: (بأن نميتك قبل تعذيبهم) عبارة أبي السعود: فإما نذهبن بك أي: فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي بذلك صدرك وصدور المؤمنين فإنا منهم منتقمون لا محالة في الدنيا والآخرة اهـ.\rقوله: فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ أي: فلا يعوقنا عائق لأنا عليهم مقتدرون اهـ شيخنا.\rقوله: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي: سواء عجلنا لك الموعود به أو أخرناه إلى يوم القيامة اهـ أبو السعود.\rأي: دم على التمسك أو أنه أمر لأمته اهـ شهاب.\rقوله: إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تعليل للاستمساك أو للأمر به اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلِقَوْمِكَ أي: قريش خصوصا لنزوله بلغتهم والعرب عموما وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم اهـ خطيب ..\rقوله: مَنْ أَرْسَلْنا من موصولة أي: من أرسلنا، وقوله: من رسلنا بيان لها. قوله: أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أي: هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (قيل هو) أي: التركيب على ظاهره من غير تقرير فهو مأمور بسؤال الرسل أنفسهم، وقوله: وقيل المراد الخ أي: أنه ليس على ظاهره، بل فيه مجاز بالحذف أي: حذف المضاف أي:\rواسأل أمم من أرسلنا أي: أمم المرسلين الذين خلوا قبلك. يدل على هذا الحذف قوله تعالى:\rفَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] فقوله: أمم من لفظ أمم هو المضاف المقدر ومن هي التي في الآية، وقوله: أي: أهل الكتابين تفسير لأمم، فلفظ أمم في كلامه يقرأ بالنصب لأنه مفعول لاسأل، وفائدة هذا المجاز أي: إيقاع السؤال على الرسل، مع أن المراد أممهم التنبيه على أن المسؤول عنه عين ما نطقت به ألسنة الرسل لا ما تقوله علماؤهم من تلقاء أنفسهم اهـ شيخنا.\rفعلى التقدير الأول هي مكية، وعلى الثاني تكون مدنية. وفي القرطبي: قال ابن عباس، وابن زيد: لما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس بعث اللّه له آدم ومن دونه من المرسلين وجبريل مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأذن جبريل عليه الصلاة والسّلام وأقام الصلاة ثم قال: يا محمد تقدم فصلّ بهم، فلما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له جبريل عليه الصلاة والسّلام: سل يا محمد","part":7,"page":96},{"id":2553,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 97\rعلى ظاهره بأن جمع له الرسل ليلة الإسراء، وقيل: المراد أمم من أي أهل الكتابين، ولم يسأل على واحد من القولين، لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من اللّه ولا كتاب بعبادة غير اللّه\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي القبط فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46)\rفَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا الدالة على رسالته إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47)\rوَما نُرِيهِمْ من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن الهة يعبدون فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا أسأل قد اكتفيت.\rقال ابن عباس: وكانوا سبعين نبيا منهم إبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسّلام، فلم يسألهم لأنه كان أعلم باللّه منهم، وفي غير رواية ابن عباس: فصلّوا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعة صفوف المرسلون ثلاثة صفوف والنبيون أربعة صفوف، وكان يلي ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إبراهيم خليل اللّه، وعلى يمينه إسماعيل، وعلى يساره إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين، فصلّى بهم ركعتين، فلما انفتل قام فقال: «إن ربي أوحى إليّ أن أسألكم هل أرسل أحد منكم بدعوة إلى عبادة غير اللّه تعالى؟ «فقالوا: يا محمد إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة أن لا إله إلا اللّه وأن ما يعبدون من دونه باطل وأنك خاتم النبيين وسيد المرسلين، قد استبان ذلك بإمامتك إيانا وأنه لا نبي بعدك إلى يوم القيامة إلا عيسى ابن مريم، فإنه مأمور أن يتبع أثرك اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: قيل هو على ظاهره الخ أي: قال الزهري، وسعيد بن جبير، وابن عباس في رواية عطاء: إن اللّه تعالى لما جمع الرسل ليلة المعراج في بيت المقدس وفرغ من الصلاة نزلت هذه الآية، والأنبياء حاضرون لديه فقال بعد سلامه: لا أسأل فقد كفيت ولست شاكا فيه، لأن المراد بالأمر بالسؤال التقرير والتفهيم لمشركي قريش إنه لم يأت رسول اللّه ولا كتاب بعبادة غير اللّه وعلى هذا تكون الآية مكية أي: نزلت قبل الهجرة. وقال ابن عباس في سائر الروايات عنه، ومجاهد، وقتادة: المراد أمم من أي أهل الكتابين يشهد له قوله: فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، والمراد الاستشهاد بإجماعهم على التوحيد، وحينئذ فلا يرد كيف قال: وأسأل من أرسلنا الآية، مع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يلق أحد من الرسل حتى يسأله وهو مجاز عن النظر في أديانهم والبحث عن مللهم هل فيها ذلك اهـ.\rوعلى هذا الثاني تكون الآية مدنية لأن أهل الكتابين إنما كانوا في المدينة اهـ.\rولم يسأل على واحد من القولين هذا أحد قولين والآخر أنه سأل الأنبياء في بيت المقدس كما تقدم تقريره. قوله: (لأن المراد من الأمر الخ) وقيل: لأنه علم أن الأمر ليس لإيجاب السؤال عليه اهـ.\rقوله: (التقرير) أي: حملهم على الإقرار.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى الخ لما طعن كفار قريش في نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بكونه فقيرا عديم الجاه والمال بيّن اللّه تعالى أن موسى عليه السّلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد عليه فرعون هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش، فقال تعالى: ولقد أرسلنا موسى الخ اهـ خطيب.\rقوله: بِآياتِنا الباء للملابسة، وقوله: فقال أي: قال موسى إني رسول موسى الخ.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا الخ مرتب على مقدر أي: فطلبوا منه الآيات الدالة على صدقه كما","part":7,"page":97},{"id":2554,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 98\rمِنْ آيَةٍ من آيات العذاب كالطوفان وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام والجراد إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها قرينتها التي قبلها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) عن يدل عليه ما في سورة الأعراف في قوله تعالى: قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها [الأعراف: 106] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ أي: فاجؤوا المجيء، بها بالضحك سخرية من غير توقف ولا تأمل. قيل: لما ألقى عصاه وصارت ثعبانا وأخذها فصارت عصا كما كانت ضحكوا، ولما عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا اهـ خطيب.\rوفي السمين: إذا هم منها يضحكون أي: فاجؤوا وقت ضحكهم منها أي: استهزؤوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها، وفيما ذكر إشارة إلى أن إذا اسم بمعنى الوقت فتنصب على المفعولية لفاجؤوا كما قال القاضي تبعا لصاحب الكشاف، فلا يرد كيف جاز أن تجاب لما بإذا الفجائية. قال في الكشاف: فإن قلت: كيف جاز أن تجاب لما بإذا الفجائية؟ قلت: لأن فعل المفاجأة معها مقدر وهو عامل النصب في محلها، كأن قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت ضحكم اهـ.\rقال الشيخ: ولا نعلم نحويا ذهب إلى ما ذهب إليه من أن إذ الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره فاجأ، بل المذاهب فيها ثلاثة، إما حرف فلا تحتاج إلى عامل، أو ظرف مكان أو ظرف زمان، فإن ذكر بعد الاسم الواقع بعدها خبر كانت منصوبة على الظرف والعامل فيها ذلك الخبر نحو خرجت، فإذا زيد قائم تقديره خرجت ففي المكان الذي خرجت فيه زيد قائم أو ففي الوقت الذي خرجت فيه زيد قائم، وإن لم يذكر بعد الاسم خبر أو ذكر اسم منصوب على الحال، فإن كان الاسم جثة وقلنا إنها ظرف مكان كان الأمر واضحا نحو: خرجت فإذا الأسد أي: ففي الحضرة الأسد أو فإذا الأسد أيضا وإن قلنا أنها زمان كان على حذف مضاف لئلا يخبر بالزمان عن الجثة نحو: خرجت فإذا الأسد أي ففي الزمان حضور الأسد، وإن كان الاسم حدثا جاز أن تكون مكانا أو زمانا ولا حاجة إلى تقدير مضاف نحو:\rخرجت فإذا القتال إن شئت قدرت فبالحضرة القتال أو ففي الزمان القتال، وفيه تلخيص وزيادة كثيرة في الأمثلة رأيت تركها مخلا اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها الجملة صفة لآية فهي في محل جر بالنظر للفظ آية، وفي محل نصب بالنظر لمحل آية اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها أي: إلا وهي بالغة أقصى درجات الإعجاز بحيث بحسب الناظر فيها أنها أكبر من كل ما يقاس إليها من الآيات، فهي أكبر من أختها في زعم الناظر ورأيه، والمراد وصف الكل بالكبر كقولك: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض، أو إلا وهي مختصة بنوع من إعجاز بنوع من إعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار وأخذناهم بالعذاب كالسنين والطوفان والجراد اهـ بيضاوي.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: لكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر اهـ أبو السعود.","part":7,"page":98},{"id":2555,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 99\rالكفر\rوَقالُوا لموسى لما رأوا العذاب يا أَيُّهَا السَّاحِرُ أي العالم الكامل، لأن السحر عندهم علم عظيم ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ من كشف العذاب عنا إن آمنا إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) أي مؤمنون\rفَلَمَّا كَشَفْنا بدعاء موسى عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم\rوَنادى فِرْعَوْنُ افتخارا فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ أي من النيل تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أتحت قصوري أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) عظمتي\rأَمْ تبصرون؟ وحينئذ أَنَا قوله: (أي العالم الكامل الخ) أي: أو نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم والأظهر أن النداء كان باسمه العلم كما في الأعراف في قوله: قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ [الأعراف: 134] لكن حكى اللّه سبحانه هنا كلامهم لا بعبارتهم، بل على وفق ما أضمرته قلوبهم من اعتقاد أنه ساحر لاقتضاء مقام التسلية ذلك، فإن قريشا أيضا سموه ساحرا وسموا ما أتى به سحرا كما مرّ اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وقالوا يا أيها الساحر لما عاينوا العذاب قالوا يا أيها الساحر نادوه بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم وقيل: كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه وبذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس: يا أيها الساحر، يا أيها العالم. وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه ولم يكن السحر صفة ذم، وقيل: يا أيها الذي غلبنا بسحره يقال ساحرته فسحرته: أي: غلبته. كقول العرب خاصمته فخصمته أي: غلبته بالخصومه وفاضلته ففضلته ونحوها، ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على الحقيقة على معنى الاستفهام فلم يلمهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا اهـ.\rقوله: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ جعلها الشارح موصولة حيث بينها بقوله من كشف العذاب الخ.\rوجعلها البيضاوي مصدرية حيث قال: بما عهد عندك أي: بعهده عندك بالنبوة أو من أن يستجيبوا دعوتك، أو أن يكشف العذاب عمن أهتدى، أو بما عهد عندك فوفيت به من الإيمان والطاعة أننا لمهتدون أي: بشرط أن تدعوا لنا فيكشف عنا العذاب اهـ.\rقوله: إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ مرتب على مقدر أي: إن كشفت عنا العذاب فإنا مؤمنون يدل عليه ما في سورة الأعراف من قوله: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ [الأعراف: 134] اهـ شيخنا.\rقوله: إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي: فاجؤوا كشف العذاب بتجديد النكث أي: نقض العهد اهـ خطيب. وكانوا ينقضونه في كل مرة من مرات العذاب المذكورة في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ [الأعراف: 133] الخ. فكانوا في كل واحدة يتوبون، فإذا انكشف عنهم نقضوا العهد تأمل.\rقوله: وَنادى فِرْعَوْنُ أي: بنفسه أو بمناديه اهـ كرخي.\rقوله: وَهذِهِ الْأَنْهارُ هذه مبتدأ والأنهار بدل منه، وجملة تجري خبره، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال من الياء في لي، ويحتمل أن الواو حرف عطف وهذه معطوف على ملك مصر، وجملة تجري حال من اسم الإشارة اهـ سمين.\rقوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ مفعوله محذوف قدره بقوله عظمتي، وقدره الخطيب بقوله الذي ذكرته","part":7,"page":99},{"id":2556,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 100\rخَيْرٌ مِنْ هذَا أي موسى الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ضعيف حقير وَلا يَكادُ يُبِينُ (52) يظهر كلامه للثغته بالجمرة التي تناولها في صغره\rفَلَوْ لا هلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ إن كان صادقا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ جمع أسورة كأغربة جمع سوار كعادتهم فيمن يسودونه أن يلبسوه أسورة ذهب ويطوقوه طوق ذهب أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) متتابعين يشهدون بصدقه\rفَاسْتَخَفَ استفز فرعون فتعلمون ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني اهـ شيخنا.\rوقوله: أم تبصرون فيه إشارة إلى أن أم متصلة وهي التي يطلب بها وبالهمزة التعيين، وأن المعادل محذوف كما قدره، وهذا الوجه معترض إذ المعادل لا يحذف بعد أن إلا إن كان بعدها لفظ لا نحو: أتقول أم لا أي: أم لا تقول، أما حذفه بدون لا كما هنا فلا يجوز. والشارح تبع الزمخشري حيث قال: أم هذه متصلة لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله: أنا خير موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا أنت خير كانوا عنده بصراء، فهذا من إقامة السبب مقام السبب اهـ.\rواعتراضه أبو حيان بما تقدم، ويجاب: بأن ما قاله أبو حيان أكثري لا كلي، فالحق أنه يجوز حذف المعادل وأن لم تكن لا موجودة بعد أم هذا، وجوز بعضهم أن تكون أم هنا منقطعة فتقدر بل التي للانتقال وبهمزة الإنكار أو ببل فقط، وجوز آخر أن تكون منقطعة لفظا متصلة معنى، قال أبو البقاء، أم هنا منقطعة في اللفظ لوقوع الجملة بعدها وهي في المعنى متصلة معادلة إذ المعنى أنا خير منه أم لا، وهذا الوجه غريب وذلك لأنهما معنيان مختلفان، لأن الانقطاع يقتضي إضرابا إبطاليا وانتقاليا والاتصال يقتضي خلافه اهـ من السمين.\rقوله: (و حينئذ) أي: حين أبصرتم عظمتي، وأشار بهذا إلى أن جملة أنا خير مسببة عن المحذوف وهو تبصرون فأقيمت مقامه اهـ شيخنا.\rقوله: (حقير) أي: لأنه يتعاطى أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا اهـ خطيب.\rقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ هذه الجملة إما معطوفة على الصلة أو مستأنفة أو حال اهـ سمين.\rقوله: (للثغته) أي: حبسته التي كانت في لسانه. وفي المختار: اللثغة بالضم أن تصير الراء غينا أو لاما أو السين ثاء، وقد لثغ من باب طرب فهو ألثغ اهـ.\rقوله: فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أي: من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة اهـ خطيب.\rقوله: (يسودونه) أي: يجعلونه سيدا معظما مقدما اهـ شيخنا.\rقوله: (يشهدون بصدقه) أي: كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولا في أمر يحتاج إلى دفاع وخصام اهـ خطيب.\rقوله: (استفز فرعون) قَوْمَهُ في المختار: استفزه الخوف استخفه اهـ.\rوفي البيضاوي: فاستخف قومه فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم اهـ.","part":7,"page":100},{"id":2557,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 101\rقَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ فيما يريد من تكذيب موسى إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54)\rفَلَمَّا آسَفُونا أغضبونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55)\rفَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً جمع سالف كخادم وخدم أي سابقين عبرة وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56) بعدهم يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل أفعالهم\r* وَلَمَّا ضُرِبَ جعل ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا حين نزل قوله تعالى إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقوله: فطلب منهم الخفة أي: السرعة لاجابته ومتابعته، كما يقال: هم خفوف إذا دعوا وهو مجاز مشهور أو المعنى وجدهم خفيفة أحلامهم أي: قليلة عقولهم، فصيغة الاستفعال للوجدان وفي نسبته إلى القوم تجوز اهـ شهاب.\rوفي المصباح: واستخف قومه حملهم على الخفة والجهل اهـ.\rقوله: فَلَمَّا آسَفُونا الهمزة للتعدية إلى المفعول لأنه في الأصل لازم تقول: أسف زيد أي:\rحزن. فلما دخلت همزة النقل اجتمع همزتان فقلبت الثانية ألفا اهـ شيخنا.\rقوله: (أغضبونا) أي: بالإفراط في الفساد والعصيان، واعمل أن ذكر لفظ الأسف في حق اللّه تعالى ذكر الانتقام كل واحد منهما من المتشابهات التي يجب تأويلها، فمعنى الغضب في حق اللّه تعالى إرادة العقاب، ومعنى الانتقام إرادة العقاب بجرم سابق اهـ كرخي.\rوهذا مسلم في الغضب فإن حقيقته ثوران دم القلب لأجل الانتقام وهذا محال في حق اللّه تعالى، فيجب تأويله بما ذكر، وأما الانتقام فلا إشكال فيه لأن معناه في حق اللّه تعالى ظاهر. وفي المختار:\rانتقم اللّه من الكافر عاقبه اهـ.\rفالانتقام في حق اللّه هو العقوبة. قوله: فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ تفسير للانتقام، وإنما أهكلوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به وهو الماء في قوله: وهذه الأنهار تجري من تحتي، ففيه إشارة إلى أن من تعزز بشيء دون اللّه أهلكه اللّه به، وقد استضعف اللعين موسى وعابه بالفقر والضعف، فسلطه اللّه تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استضعف أحد شيئا إلا غلبه أفاده القشيري اهـ خطيب.\rقوله: سَلَفاً مفعول ثان أي جعلناهم سابقين، وقوله: عبرة مفعول من أجله أي: جعلناهم سلفا لأجل الاعتبار بهم، وقوله: ومثلا معطوف على سلفا أي: وجعلناهم مثلا للآخرين أي:\rالمتأخرين في الزمان، وفي البيضاوي: ومثلا للآخرين وعظة لهم أو قصة عجيبة تسير سير الأمثال لهم، فيقال: مثلهم مثل قوم فرعون اهـ.\rقوله: (أي سابقين) أي: في الزمان ليعتبر بهم من بعدهم، فقوله: عبرة مفعول لأجله اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أي: ضربه، وجعله ابن الزبعري حين جادل رسول اللّه لما نزلت الآية ذكرها الشارح، فقال: أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال رسول اللّه: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم»، فقال اللعين: خصمتك ورب الكعبة أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرا، وبنوا مليح يعبدون الملائكة، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن","part":7,"page":101},{"id":2558,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 102\rحَصَبُ جَهَنَّمَ فقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى، لأنه عبد من دون اللّه إِذا قَوْمُكَ أي المشركون مِنْهُ من المثل يَصِدُّونَ (57) يضحكون فرحا بما سمعوا\rوَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ أي عيسى فنرضى أن تكون آلهتنا معه ما ضَرَبُوهُ أي المثل لَكَ إِلَّا جَدَلًا وآلهتنا معهم، ففرحوا به وضحكوا وارتفعت أصواتهم، وذلك قوله تعالى: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ اهـ أبو السعود.\rوبه تعلم ما في الشارح من اختصار القصة. وابن الزبعري هو عبد اللّه الصحابي المشهور، والزبعري بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون العين والراء المهملة والألف المقصورة معناه سيئ الخلق، وهذه القصة على تقدير صحتها كانت قبل إسلامه اهـ شهاب.\rقوله أيضا: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أي: ضربه ابن الزبعري، أي: جعله مشابها للأصنام من حيث إن النصارى اتخذوه إلها وعبدوه من دون اللّه، وأنت تزعم أن آلهتنا ليست خيرا من عيسى، فإذا كان هو من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون اهـ زاده.\rقوله: إِذا قَوْمُكَ أي: فاجأ ضرب المثل صدودهم وفرحهم وسخريتهم اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْهُ أي: من المثل: أي: من أجله إذ ظنوا أنه ألزم وأفحم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم به، وهو إنما سكت انتظارا للوحي اهـ شهاب.\rقوله: يَصِدُّونَ بضم الصاد وكسرها سبعيتان وهما بمعنى واحد، فالمكسور من باب ضرب كما في المصباح، والمضموم من باب رد كما في المختار، وفي السمين: قوله: يصدون قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي يصدون بضم الصاد، والباقون بكسرها فقيل هما بمعنى واحد وهو الصحيح.\rيقال صد يصد ويصد كعكف يعكف ويعكف، وقيل: المضموم من الصدود وهو الإعراض، وقد أنكر ابن العباس الضم وهذا واللّه أعلم قبل أن يبلغه تواتره اهـ.\rقوله: (يضحكون فرحا) أي: ارتفعت لهم جلبة وضجيج فرحا بما سمعوا من ابن الزبعري لاعتقادهم وظنهم أن محمدا صار مغلوبا بهذا الجدال اهـ شيخنا.\rقوله: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ الخ حكاية لطرف آخر من المثل المضروب قالوه تمهيدا لما بنوه عليه من الباطل المموه اهـ أبو السعود.\rقوله: آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ أي: آلهتنا خير عندك أم عيسى، فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه اهـ بيضاوي.\rوإنما قالوا عندك لأن كونها خيرا عندهم غني عن السؤال، وإنما المقصود التنزل للإلزام على زعمهم بلزوم دخول عيسى النار اهـ شهاب.\rقوله: آلِهَتُنا بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها من غير إدخال ألف بينها وبين الأولى، فهما قراءتان سبعيتان فقط اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أآلهتنا خير قرأ أهل الكوفة بتحقيق الهمزة الثانية، والباقون بتسهيلها بين","part":7,"page":102},{"id":2559,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 103\rخصومة بالباطل لعلمهم أن ما لغير العاقل فلا يتناول عيسى عليه السّلام بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) شديد والخصومة\rإِنْ ما هُوَ عيسى إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة وَجَعَلْناهُ بوجوده من غير أب مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) أي كالمثل لغرابته، يستدل به على قدرة اللّه تعالى على ما يشاء\rوَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ بدلكم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) بأن نهلككم\rوَإِنَّهُ أي عيسى لَعِلْمٌ بين، ولم يدخل أحد من القراء ألفا بين الهمزتين كراهة لتوالي أربع متشابهات وأبدل الجميع الهمزة الثالثة ألفا، ولا بد من زيادة بيان، وذلك أن آلهة جمع إله كعماد وأعمدة، فالأصل أألهة بهمزتين الأولى زائدة والثانية فاء الكلمة وقعت الثانية ساكنة بعد مفتوحة فوجب قلبها ألفا كأمن وبابه، ثم دخلت همزة الاستفهام على الكلمة فالتقى همزتان في اللفظ الأولى للاستفهام والثانية همزة أفعلة، فالكوفيون لم بعتدوا باجتماعهما فأبقوهما على حالهما وغيرهم استثقل فخفف الثانية بالتسهيل بين بين، وأما الثالثة فألف محضة لم تغير البتة، وأكثر أهل العصر يقرأون هذا الحرف بهمزة واحدة بعدها ألف على لفظ الخبر، ولم يقرأ به أحد من السبعة فيما قرأت به، إلا أنه قد روي أن ورشا قرأ كذلك في رواية أبي الأزهري وهي تحتمل الاستفهام كالعامة، وإنما حذف أداة الاستفهام لدلالة أم عليها وهو كثير، ويحتمل أنه قرأه خبرا محضا، وحينئذ تكون أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة، وأما الجماعة فهي عندهم متصلة فقوله: أم هو على قراءة العامة عطف على آلهتنا وهو من عطف المفردات. التقدير: أآلهتنا أم هو خير أي أيهما خير، وعلى قراءة ورش يكون هو مبتدأ وخبره محذوف تقديره: بل أهو خير ليست أم حينئذ عاطفة اهـ.\rقوله: (فنرضى أن تكون الخ) تفريع على الشق الثاني.\rقوله: إِلَّا جَدَلًا أي: لا لطلب الحق حتى يرجعوا له عند ظهوره وبيانه اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: إلا جدلا مفعول من أجله أي: لأجل الجدل والمراء لا لإظهار الحق، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي: إلا مجادلين اهـ.\rقوله: (لعلمهم أن ما) أي: الواقعة في قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:\r98] الخ اهـ.\rقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ الخ ردّ عليهم أي: وما عيسى إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرتفع المنزلة والذكر مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر، فمن أين يدخل في قولنا إنكم وما تعبدون الآية اهـ كرخي.\rقوله: وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي: حيث خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم من غير أبوين، فهو مثل لهم يشبهون به ما يريدون من عجائب صنع اللّه فلا ينكرونه، ثم خاطب كفار مكة فقال: ولو نشاء لجعلنا الخ فهو مرتبط بقوله: وجعلناه مثلا أي ولو نشاء لجعلنا منكم عبرة أعجب من خلق عيسى من غير أب اهـ زاده.\rقوله: (بوجوده) أي: بسبب وجوده من غير أب.\rقوله: لَجَعَلْنا مِنْكُمْ خطاب لقريش أي: فنحن أغنياء عنكم وعن عبادتكم، بل لو نشاء","part":7,"page":103},{"id":2560,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 104\rلِلسَّاعَةِ تعلم بنزوله فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أي تشكن فيها حذف منه نون الرفع للجزم، وواو الضمير لالتقاء الساكنين وَقل لهم وَاتَّبِعُونِ على التوحيد هذا الذي آمركم به صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (61)\rوَلا يَصُدَّنَّكُمُ يصرفنكم عن دين اللّه الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) بين العداوة\rوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والشرائع قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ بالنبوة وشرائع الإنجيل وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ من أحكام التوراة من أمر الدين وغيره، فبين لهم أمر الدين لأهلكناكم وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة مكرمين يعمرونها ويعبدوننا، فهذا تهديد وتخويف لقريش اهـ شيخنا.\rقوله: (بدلكم) حمل من هنا على البدلية والمشهور أنها تبعيضية، والمعنى عليه لو نشاء لجعلنا منكم يا رجال ملائكة بطريق التولد منكم من غير واسطة نساء، فهذا أمر سهل علينا مع أنه أعجب من حال عيسى الذي تستغربونه لأنه بواسطة أم وشأن الأم الولادة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: لجعلنا منكم ملائكة في من هذه أقوال، أحدهما: أنها بمعنى بدل أي:\rلجعلنا بدلكم، ومنه قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة: 37] أي بدلها.\rوالثاني: وهو المشهور أنها تبعيضية وتأويل الآية عليه لولدنا منكم يا رجال ملائكة في الأرض بخلفونكم كما تخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى دون ذكر ذكره الزمخشري. والثالث: أنها تبعيضية قال أبو البقاء: وقيل: المعنى لحو لنا بعضكم ملائكة، وقال ابن عطية: لجعلنا بدلا منكم اهـ.\rقوله: يَخْلُفُونَ أي: يخلفونكم في الأرض.\rقوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ أي: وإن نزوله فالكلام على حذف المضاف كما أشار له الشارح، والعلم بمعنى العلامة، واللام بمعنى على في قوله للساعة على حذف مضاف أيضا أي: على قربها، والمعنى وإن نزوله علامة على قرب الساعة اهـ شيخنا.\rقوله: وَاتَّبِعُونِ بحذف الياء خطا لأنها من ياءات الزوائد، وأما في اللفظ فيجوز إثباتها وحذفها وصلا ووقفا اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(قل لهم) اتَّبِعُونِ أي: قل يا محمد لقومك اتبعون الخ. وحذرهم أيضا وقل لهم في التحذير لا يصدنكم الشيطان الخ. فهو معطوف على اتبعون الذي هو مقول القول فهو مقول أيضا اهـ شيخنا.\rوقيل: الكل من كلام اللّه تعالى أي: اتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلَمَّا جاءَ عِيسى أي: لبني إسرائيل كما سيأتي في سورة الصف في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف: 6] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ معطوف على الحكمة أي: وجئتكم لأبين لكم والإتيان بالعاطف للاهتمام بشأن العلة بتخصيصها بفعل على حدة اهـ كرخي.\rوفي الشهاب: قوله: ولأبين لكم متعلق بمقدر أي: وجئتكم لأبين ولم يترك العاطف ليتعلق بما","part":7,"page":104},{"id":2561,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 105\rفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63)\rإِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (64)\rفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ في عيسى، أهو اللّه، أو ابن اللّه، أو ثالث ثلاثة؟ فَوَيْلٌ كلمة عذاب لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا بما قالوه في عيسى مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) مؤلم\rهَلْ يَنْظُرُونَ أي كفار مكة أي ما ينتظرون إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل من الساعة بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (66) بوقت مجيئها قبله\rالْأَخِلَّاءُ على المعصية في الدنيا يَوْمَئِذٍ يوم القيامة قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حتى جعلت كأنها كلام برأسه اهـ.\rقوله: بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ البعض هو أمر الدين، والذي تختلفون فيه مجموع أمر الدنيا، فقول الشارح من أمر الدين وغيره بيان لما اختلفوا فيه لكنه بين بعضه وهو أمر الدين، فلذلك قال: فبين لهم أمر الدين اهـ.\rقوله: (من أحكام التوراة) بيان للذي تختلفون فيه قوله من أمر الذين، وغيره بيان لتلك الأحكام فهو بيان للبيان، وقوله: فبين لهم أمر الدين بيان للبعض، وإنما لم يبين لهم أمر الدنيا لأن الأنبياء لم يبعثوا لبيانها، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» اهـ شيخنا.\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي: فيما أبلغه عنه. إن اللّه هو ربي وربكم فاعبدوه بيان لما أمرهم بالطاعة وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع هذا صراط مستقيم الإشارة إلى مجموع الأمرين أي:\rاعتقاد التوحيد والعبد بالشرائع، وهو تتمة كلام عيسى أو استئناف من اللّه يدل على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ بَيْنِهِمْ أي: من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى، وقوله: أهو اللّه قاله فرقة من النصارى تسمى اليعقوبية، وقوله: أو ابن اللّه قاله فرقة منهم أيضا تسمى المرقوسية، وقوله: أو ثالث ثلاثة قاله فرقة منهم أيضا تسمى الملكانية. يعني: أو ليس ببني ولا رسول كما قالت اليهود فيه حيث قالوا: إنه ابن زنا زنت فيه أمه اهـ شيخنا.\rوهذا مبني على أنه بعث لجميع بني إسرائيل فتحزبوا في أمره، وقيل: الضمير في الآية لخصوص النصارى بناء على أنه بعث لهم فقط اهـ من البيضاوي.\rوحواشيه فمن بينهم حال من الأحزاب، والمعنى: حال كون الأحزاب بعضهم أي بعض النصارى، إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد اللّه ورسوله. قوله: (كلمة عذاب) أي: كلمة معناه العذاب وهي مبتدأ أي: فعذاب كائن وحاصل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم خبر ثان أو حال أي: حال كونه كائنا من عذاب يوم القيامة من عذاب الدنيا تأمل. قوله: (أي كفار مكة) لما بين اللّه فيما سبق أنهم جعلوا المسيح مثلا، وأنهم فرحوا بذلك الجعل توعدهم بالعذاب، وأنه لا حق بهم لا محالة، وأنه يأتيهم في القيامة، وأنها آتية قطعا فكأنهم ينتظرونها فقال: هل ينظرون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ الجملة حال. قوله: (قبله) ظرف للنفي في قوله: وهم لا يشعرون أي: انتفى الشعور والعلم بوقت مجيئها قبل إتيانه، وإنما انتفى لغفلتهم وتشاغلهم بأمر دنياهم وإنكارهم لها اهـ شيخنا.","part":7,"page":105},{"id":2562,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 106\rمتعلق بقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) المتحابين في اللّه على طاعته فإنهم أصدقاء ويقال لهم\rيا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)\rالَّذِينَ آمَنُوا نعت لعبادي بِآياتِنا القرآن وَكانُوا مُسْلِمِينَ (69)\rادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ مبتدأ وَأَزْواجُكُمْ زوجاتكم تُحْبَرُونَ (70) قوله: (على المعصية) وهذا يكون الاستثناء منقطعا، وبعضهم فسر الاخلاء بالأحباء مطلقا أي:\rمن غير تقييد بكون الخلة بينهم على المعصية فعليه يكون الاستثناء متصلا قرره أبو السعود، والأخلاء:\rمبتدأ، وبعضهم مبتدأ ثان، وعدو: خبره، والثاني وخبره خبر الأول، وقوله: يومئذ التنوين فيه عوض عن جملة تقديرها يوم إذ تأتيهم الساعة، وقول الشارح يوم القيامة تفسير ليوم المذكور لا للمضاف إليه المقدر الذي ناب عنه التنوين كما علمت وإن كان ما صدقها واحدا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: الخليل الصديق والجمع أخلاء كأصدقاء اهـ.\rويجمع الخليل أيضا على خلان كما في القاموس اهـ.\rقوله: (متعلق بقوله) بَعْضُهُمْ الخ أي: والفصل بالمبتدأ لا يمنع هذا العمل، والمعنى الأخلاء يتعادون يومئذ لانقطاع العلق بينهم وظهور ما كانوا عليه في الدنيا حالة كونه سببا لعذابهم اهـ كرخي.\rقوله: (و يقال لهم) أي: تشريفا لهم وتطييبا لقلوبهم، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم، فإذا سمعوا النداء رفع الخلق رؤوسهم فيقال الذين آمنوا بآياتنا الخ اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: قال مقاتل: ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه ينادي مناد في العرصات: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم فيرفع أهل العرصة رؤوسهم فيقول المنادي الذي آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس أهل الأديان رؤوسهم غير المسلمين، وذكره المحاسبي في الرعاية، وقد روي في هذا الحديث: أن المنادي ينادي يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، فيرفع الخلائق رؤوسهم فيقولون: نحن عباد اللّه، ثم ينادي الثانية الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس الكفار رؤوسهم ويبقى الموحدون رافعين رؤوسهم ثم ينادي الثالثة الذين آمنوا وكانوا يتقون فينكس أهل الكبائر رؤوسهم ويبقى أهل التقوى رافعين رؤوسهم قد زال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم لأنه أكرم الأكرمين لا يخذل وليه ولا يسلمه عند الهلكة اهـ.\rقوله: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الخ الخطاب من اللّه لهم للتشريف، وناداهم بأربعة أمور، الأول: نفي الخوف. والثاني: نفي الحزن. والثالث: الأمر بدخول الجنة. والرابع: البشارة بالسرور في قوله: تُحْبَرُونَ اهـ شيخنا.\rوقرأ أبو بكر، عن عاصم: يا عبادي لا خوف بفتح الياء، والأخوان، وابن كثير، وحفص بحذفها وصلا ووقفا، والباقون بإثباتها ساكنة، وقرأ العامة لا خوف بالرفع والتنوين إما مبتدأ وإما اسما لها وهو قليل، وابن محيصن دون تنوين على حذف مضاف وانتظاره تقديره لا خوف شيء، والحسن وابن أبي إسحاق بالفتح لا على التبرئة وهي عندهم أبلغ اهـ سمين.\rقوله: وَكانُوا مُسْلِمِينَ أي: مخلصين في أمر الدين، والجملة حال من الواو، وأنت خبير بأنه","part":7,"page":106},{"id":2563,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 107\rتسرون وتكرمون خبر المبتدإ\rيُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ بقصاع مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ جمع كوب وهو إناء لا عروة له، ليشرب الشارب من حيث شاء وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ تلذذا وَتَلَذُّ لا منع عن العطف على الصلة أي: الذين آمنوا مخلصين، غير أن هذه العبارة آكد وأبلغ فإن كلمة كان تدل على الاستمرار اهـ كرخي.\rقوله: (زوجاتكم) أي: المؤمنات. قوله: (تسرون) أي: سرورا يظهر حباره بفتح الحاء وكسرها أي: أثره على وجوهكم اهـ كرخي.\rوفي القاموس: والحبر بفتحتين الأثر كالحبار بكسر أوله وفتح اهـ.\rقوله: يُطافُ عَلَيْهِمْ الخ قبله محذوف تقديره: فإذا دخلوها يطاف عليهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (بقصاع) قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة وهي تشبع العشر، ثم الصحفة وهي تشبع الخمسة، ثم الميكلة وهي تشبع الرجلين أو الثلاثة اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ أي: لهم في الجنة أطعمة وأشربة يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب وأكواب، ولم تذكر الأطعمة والأشربة لأنه يعلم أنه لا معنى للإطافة بالصحاف والأكواب عليهم من غير أن يكون فيها شيء، وذكر الذهب في الصحاف واستغنى به عن الإعادة في الأكواب كقوله: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ [الأحزاب: 35]. وفي الصحيح عن حذيفة أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنه لهم في الدنيا ولكم في الآخرة.» وقد مضى في سورة الحج أن من أكل فيهما في الدنيا أو ليس الحرير في الدنيا ولم يتب حرم ذلك في الآخرة تحريما مؤبدا واللّه أعلم.\rوقال المفسرون: يطوف على أدناهم في الجنة منزلة سبعون ألف غلام بسبعين ألف صحفة من ذهب يغدى عليه بها في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها لا يشبه بعضه بعضا، ويراح عليه بمثلها، ويطوف على أرفعهم درجة كل يوم سبعمائة ألف غلام مع كل غلام صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها لا يشبه بعضه بعضا، وأكواب أي: ويطاف عليهم بأكواب كما قال: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ [الإنسان: 15]. وذكر ابن المبارك قال: أنبأنا معمر عن رجل عن أبي قلابة قال: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فتضمر لذلك بطونهم وتفيض عرقا من جلودهم أطيب من ريح المسك، ثم قرأ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: 21] وفي صحيح مسلم، عن جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير» زاد في رواية كما يلهمون النفس اهـ بحروفه.\rقوله: (جمع كوب) كعود وأعواد وأتى بالأكواب جمع قلة وبالصحاف جمع كثرة، لأن المعهود قلة أواني الشرب بالنسبة إلى أواني الأكل اهـ كرخي.\rقوله: (لا عروة) أي: إيذانا بأنه لا حاجة إلى تعليقه بشيء لتبريد أو صيانة عن أذى أو نحو ذلك.\rأي: وإيذانا أيضا بأن الشارب يسهل عليه الشرب منه من حيث شاء، فإن العروة تمنع من بعض الجهات اهـ من الخطيب.","part":7,"page":107},{"id":2564,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 108\rالْأَعْيُنُ نظرا وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)\rوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)\rلَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها أي بعضها تَأْكُلُونَ (73) وكل ما يؤكل يخلف بدله\rإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ وفي السمين: والأكواب جمع كوب، فقيل: كالإبريق إلا أنه لا عروة له، وقيل: إلا أنه لا خرطوم له، وقيل: إلا أنه لا عروة له ولا خرطوم معا اهـ.\rوالعروة: ما يمسك منه ويسمى أذنا اهـ شهاب.\rقوله: وَفِيها أي: الجنة. ما تشتهي الأنفس من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة جزاء لهم بما منعوا أنفسهم عنه من الشهوات في الدنيا، وتلذ الأعين أي: من الأشياء المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق.\rوروي أن رجلا قال: يا رسول اللّه أفي الجنة خيل فإني أحب الخيل، فقال: «إن يدخلك اللّه الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت» فقال أعرابي: يا رسول اللّه أفى الجنة إبل فإني أحب الإبل. فقال: «يا أعرابي إن أدخلك اللّه الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك» اهـ خطيب.\rوقرأ نافع، وابن عامر وحفص: تشتهيه بإثبات العائد على الموصول كقوله: الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ [البقرة: 275] والباقون بحذفه كقوله: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: 41] وهذه القراءة شبيهة بقوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: 35] وقد تقدم ذلك في يس، وهذه الهاء في هذه السورة رسمت في مصاحف المدينة والشام وحذفت من غيرها اهـ سمين.\rقوله: (تلذذا) أي: فهي شهوة لذة لا شهوة جوع أو عطش، وقوله: نظرا أي: ومنه النظر إلى وجهه الكريم اهـ خطيب.\rقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ مبتدأ وخبر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشريف والمخاطب كل واحد من أهل الجنة، فلذلك أفرد الكاف ولم يقل وتلكم الذي هو مقتضى أورثتموها إيذانا بأن كل واحد مقصود بذاته اهـ شيخنا.\rقوله: أُورِثْتُمُوها أي: أعطيتموها جزاء على عملكم وشبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل أي: يذهب العمل ويبقى جزاؤه مع العامل اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وتلك الجنة أي: يقال لهم هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا، وقال ابن خالويه: أشار تعالى إلى الجنة بتلك وإلى جهنم بهذه ليخوف بجهنم، ويؤكد التحذير منها وجعلها بالإشارة القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها، وقوله التي أورثتموها بما كنتم تعملون. قال ابن عباس: خلق اللّه لكل نفس جنة ونارا، فالكافر يرث نار المسلم والمسلم جنة الكافر، وقد تقدم هذا مرفوعا في قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ من حديث أبي هريرة، وفي الأعراف أيضا، انتهى.\rقوله: لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ الفاكهة معروفة وجمعها فواكه، والفاكهاني الذي يبيعها، وقال ابن عباس: هي الثمار كلها رطبها ويابسها أي: لكم في الجنة سوى الطعام والشراب فاكهة كثيرة منها تأكلون اهـ قرطبي.","part":7,"page":108},{"id":2565,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 109\rجَهَنَّمَ خالِدُونَ (74)\rلا يُفَتَّرُ يخفف عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) ساكتون سكوت يأس\rوَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)\rوَنادَوْا يا مالِكُ هو خازن النار لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ليمتنا قالَ بعد ألف قوله: (يخلف بدله) وذلك لأنها على صفة الماء النابع لا يؤخذ منها شيء إلا خلف مكانه مثله في الحال اهـ خطيب.\rفهي مزينة بالثمار أبدا موقرة بها من وقرت النخلة أي: كثر حملها لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ أي: الراسخين في الإجرام وهم الكفار حسبما ينبىء عنه إبراهيم في مقابلة المؤمنين اهـ أبو السعود.\rوهذا شروع في الوعيد بعد ذكر الوعد على عادة القرآن اهـ خطيب.\rقوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ جملة حالية، وكذلك وهم فيه مبلسون، وقرأ عبد اللّه وهم فيها أي: النار لدلالة العذاب عليها اهـ سمين.\rمن فترت عنه الحمى إذا سكنت، وفي القاموس: فتر يفتر فتورا وفتارا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة وفترة تفتيرا، وفتر الماء سكن حره فهو فاتر اهـ.\rقوله: وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ في المصباح: وأبلس الرجل إبلاسا سكت وأبلس سكن اهـ.\rقوله: (سكوت يأس) أي: من رحمة اللّه ولا يشكل على هذا قوله: بعد ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك الدال على طلبهم الفرج بالموت، فالجواب أن تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون تارة لغلبة اليأس عليهم وعلمهم أنه لا فرج، ويشد عليهم العذاب تارة فيستغيثون اهـ كرخي.\rقوله: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ العامة على الياء خبرا لكان وهم إما فصل وإما توكيد، وقرأ عبد اللّه وأبو زيد النحويان: الظالمون على أن هم مبتدأ، والظالمون خبر، والجملة خبر كان وهي لغة تميم اهـ سمين.\rقوله: وَنادَوْا أي: ينادون والإتيان بالماضي على حد أتى أمر اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (هو خازن النار) أي: رئيس خزنتها الماضي عليهم كلامه ومجلسه في وسط النار، وفيها جسور تمر عليها ملائكة العذاب فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها اهـ قرطبي.\rقوله: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: سل ربك أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته، وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة اهـ بيضاوي.\rقوله: (ليمتنا) أي: لنستريح مما نحن فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بعد ألف سنة) وقيل: بعد مائة سنة، وقيل: بعد أربعين سنة اهـ خازن.\rوالسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون اهـ قرطبي.","part":7,"page":109},{"id":2566,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 110\rسنة إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77) مقيمون في العذاب دائما، قال تعالى\rلَقَدْ جِئْناكُمْ أي أهل مكة بِالْحَقِ على لسان الرسول وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78)\rأَمْ أَبْرَمُوا أي كفار مكة أحكموا أَمْراً في كيد محمد النبي فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) محكمون كيدنا في إهلاكهم\rأَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ما يسرون إلى غيرهم وما يجهرون به بينهم بَلى نسمع ذلك وَرُسُلُنا الحفظة لَدَيْهِمْ عندهم يَكْتُبُونَ (80) ذلك\rقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فرضا فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) للولد قوله: (مقيمون في العذاب دائما) أي: لا خلاص لكم منه بموت ولا غيره اهـ خطيب.\rقوله: (أي أهل مكة) أي: الأعم من مؤمنهم وكافرهم، فصح قوله: ولكن أكثرهم الخ. وهذا الخطاب للتوبيخ والتقريع من جهته تعالى مقررا لجواب مالك ومبينا لسبب مكثهم اهـ أبو السعود.\rويحتمل أن يكون هذا من قول مالك لأهل النار. أي: إنكم ماكثون في النار لأنا جئناكم في الدنيا بالحق الخ. وقوله: كارهون أي: لما فيه من منع الشهوات فلذلك تقولون: إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط لا لأجل أن في حقيقته نوعا من الخفاء اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس: ولكن أكثركم أي: ولكن كلكم، وقيل: أراد بالأكثر الرؤساء والقادة منهم، وأما الاتباع فما كان لهم أثر اهـ.\rقوله: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً كلام مستأنف ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول اللّه، وأم منقطعة بمعنى بل والهمزة، فالأولى: للانتقال من توبيخ أهل النار وحكاية حالهم إلى حكاية جناية هؤلاء المشركين. والثانية: للإنكار اهـ أبو السعود. أي: والتوبيخ اهـ خطيب.\rقوله: (أحكموا) أَمْراً أي: فالإبرام الإتقان، وأصله الفتل المحكم. يقال: أبرم الحبل إذا أتقن فتله اهـ خطيب.\rوالمراد الفتل الثاني، وأما الأول فيقال له سحل اهـ سمين.\rوفي القاموس: السجل ثوب لا يبرم غزله كالسحيل اهـ.\rوفي المصباح: وأبرمت العقد إبراما أحكمته فانبرم هو وأبرمت الشيء دبرته اهـ.\rقوله: (في كيد محمد) أي: كما ذكر في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال: 30] الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (محكمون كيدنا) أي: تدبيرنا.\rقوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أي: بل أيحسبون اهـ أبو السعود.\rقوله: بَلى (نسمع ذلك) أي: سرهم ونجواهم، وقوله: ورسلنا الخ الجملة حالية مرتبطة بما تفيده بلى، وهو الذي ذكره الشارح بقوله: نسمع ذلك، قوله: يكتبون ذلك أي: سرهم ونجواهم اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ لما قدم أول السورة تبكيتهم والتعجب منهم في ادعائهم للّه","part":7,"page":110},{"id":2567,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 111\rلكن ثبت أن لا ولد له تعالى، فانتفت عبادته\rسُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ الكرسي عَمَّا يَصِفُونَ (82) يقولون من الكذب بنسبة الولد إليه\rفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا في باطلهم وَيَلْعَبُوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) فيه العذاب وهو يوم القيامة\rوَهُوَ الَّذِي هو فِي السَّماءِ إِلهٌ بتحقيق الهمزتين وإسقاط الأولى وتسهيلها كالياء أي معبود وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وكل من الظرفين ولدا من الملائكة، وهددهم بقوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ [الزخرف: 19] أمر للّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم: قل إن كان للرحمن ولد الخ اهـ خطيب.\rقوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ أي: إن صح وثبت ذلك ببرهان صحيح، فإنا أول من يعظم ذلك الولد ويسبقكم إلى طاعته كما يعظم الرجل ولد الملك، ومن المعلوم أن اللازم منتف فينتفي الملزوم اهـ زاده.\rقوله: (لكن ثبت أن لا ولد له الخ) إيضاحه: أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محالة في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها، فصورة الكلام وظاهره إثبات الكينونة والعبادة والمقصود منه نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها ذكره الزمخشري اهـ سمين.\rوأشار الشارح بقوله: لكن ثبت الخ إلى أن هذا قياس استثنائي، وقد استثنى فيه نقيض المقدم بقوله لكن ثبت الخ فأنتج نقيض التالي وهو قوله: فانتفت عبادته، لكن هذا الإنتاج إنما هو لخصوص المادة، وإلّا بالمقرر أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا، لأن رفع الملزوم لا يوجب رفع اللازم لجواز كونه أعم من الملزوم اهـ.\rقوله: (الكرسي) تقدم له هذا الصنيع غير مرة وهو معترض بما هو معلوم مشهور أن العرش غير الكرسي اهـ شيخنا.\rقوله: يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا مجزومان في جواب الأمر اهـ شيخنا.\rقوله: (العذاب) مفعول ثان ليوعدون وفيه متعلق بالعذاب، وقوله: وهو يوم القيامة الأظهر وهو يوم الموت فإن خوضهم ولعبهم إنما ينتهي بيوم الموت اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ في السماء متعلق بإله لأنه بمعنى معبود أي معبود في السماء ومعبود في الأرض، وحينئذ فيقال الصلة لا تكون إلا جملة أو ما فيه تقديرها وهو الظرف وعديله ولا شيء منهما هنا. والجواب: أن المبتدأ حذف لدلالة المعنى عليه، وذلك المحذوف هو العائد تقديره:\rوهو الذي هو في السماء إله وهو في الأرض إله، وإنما حذف لطول الصلة بالمعمول، فإن الجار متعلق بإله، ونظيره: ما أنا بالذي قائل لك سوءا، ولا يجوز أن يكون الجار والمجرور خبرا مقدما وإله مبتدأ مؤخرا، ولئلا تعرى الجملة من رابط، إذ تصير نظير: جاء الذي في الدار زيدا اهـ سمين.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين) هذه قراءة واحدة، وقوله: وإسقاط الأولى أي: مع القصر بقدر ألف والمد بقدر ألفين أو ألف ونصف، وقوله: وتسهيلها أي: مع المد والقصر أيضا، ففي عبارته التنبيه على ثلاث قراءات ولكنها ترجع لخمس كما علمت وبقي قراءتان لم ينبه عليهما وهما تسهيل الثانية","part":7,"page":111},{"id":2568,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 112\rمتعلق بما بعده وَهُوَ الْحَكِيمُ في تدبير خلقه الْعَلِيمُ (84) بمصالحهم\rوَتَبارَكَ تعظم الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ متى تقوم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) بالياء والتاء\rوَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يعبدون أي الكفار مِنْ دُونِهِ أي اللّه الشَّفاعَةَ لأحد إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ أي قال لا إله إلا اللّه وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهو: عيسى وعزير والملائكة، فإنهم يشفعون للمؤمنين\rوَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ حذف منه وإبدالها ياء مع القصر لا غير، فالقراءات سبعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (متعلق بما بعده) وهو إله لأنه بمعنى معبود، وتقديره: هو معبود في السماء معبود في الأرض، وبما تقرر من أن المراد بإله معبود اندفع ما قيل هذا يقتضي تعدد الآلهة، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعود كقولك: أنت طالق وطالق، وإيضاح الاندفاع أن الإله بمعنى المعبود وهو تعالى معبود فيهما والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء ومعبوديته في الأرض، لأن المعبودية من الأمور الإضافية فيكفي التغاير فيها من أحد الطرفين، فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض مع أن المعبود واحد وفيه دلالة على اختصاصه باستحقاق الألوهية فإن التقديم يدل على الاختصاص اهـ كرخي.\rقوله: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي: علم وقت قيامها كما أشار له بقوله متى تقوم اهـ شيخنا.\rقوله: (و التاء) أي: على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لتهديدهم وتقريعهم وتوبيخهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ الذين: فاعل بيملك وهي عبارة عن مطلق المعبودات من دون اللّه أو عن خصوص الأصنام، فعلى الأول يكون الاستثناء متصلا، وعلى الثاني يكون منقطعا لأن المستثنى وهو قوله: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ عبادة عن ثلاثة فقط كما بينها الشارح بقوله: وهم عيسى الخ.\rوالظاهر من صنيع الشارح أنه متصل حيث لم يقصر الذين على الأصنام بل أبقاها على عمومها، وقوله:\rيدعون صلة الموصول العائد محذوف وإن لم يقدره الشارح، وقوله: أي الكفار تفسير للواو في يدعون، وقوله: لأحد أشار به إلى أن مفعول الشفاعة محذوف، وقوله: إلا من شهد بالحق مستثنى من الذين أي: إلا معبود شهد بالحق، وقوله: هم يعلمون الضمير عائد على من والجمع باعتبار معناها، وكذا الجمع في قول الشارح وهم عيسى الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ (بقلوبهم الخ) وقيل: وهم يعلمون أن اللّه عز وجل خلق عيسى والعزيز والملائكة يعلمون أنهم عباده اهـ خازن.\rقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: العابدين مع ادعائهم الشريك من خلقهم أي: العابدين والمعبودين معا اهـ خطيب.\rقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة، وإنما يجيبون بذلك لتعذر الإنكار لغاية بطلانه، والاسم الكريم فاعل بدليل لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 9]","part":7,"page":112},{"id":2569,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 113\rنون الرفع وواو الضمير فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) يصرفون عن عبادة اللّه\rوَقِيلِهِ أي قول محمد النبي، ونصبه على المصدر بفعله المقدر أي وقال يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) قال تعالى\rفَاصْفَحْ فأعرض عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ منكم، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) بالياء والتاء، تهديد لهم.\rفما قيل من أنه مبتدأ خلاف الصواب اهـ كرخي.\rقوله: (أي قوله محمد النبي) تفسير لكل من المضاف والمضاف إليه، فالقليل بمعنى القول والضمير عائد على محمد، وقوله: ونصبه على المصدر فالقول والقيل والقال والمقالة كلها مصادر بمعنى واحد جاءت على هذه الأوزان، وقوله: أي وقال يا رب الأوضح أن يقول وقال قيله يا رب والنداء وما بعده معمول للقيل أي: قال محمد قوله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، وقيل: إن النصب بالعطف على سرهم ونجواهم، وقيل: إنه بالعطف على محل الساعة كأنه قيل إنه يعلم الساعة ويعلم قيله يا رب. وقرأ حمزة، وعاصم بالجر وهو على وجهين، أحدهما: العطف على الساعة. والثانى:\rأن الواو للقسم، والجواب إما محذوف أي: لافعلن بهم ما أريد أو مذكور وهو قوله: إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ذكره الزمخشري. وقرأ الأعرج، وأبو قلابة، ومجاهد، والحسن بالرفع وفيه أوجه، أحدها:\rالرفع عطفا على علم الساعة بتقدير مضاف أي: وعنده علم قيله ثم حذف وأقيم هذا مقامه. الثانى: أنه مرفوع بالابتداء، والجملة من قوله يا رب إن هؤلاء الخ هو الخبر. الثالث: أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: وقيله كيت وكيت مسموع أو متقبل اهـ من السمين.\rقوله: وَقُلْ سَلامٌ سلام خبر مبتدأ محذوف أي: أمري سلام أي: ذو سلامة منكم. وفي الخطيب: وقل سلام أي: شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم اهـ.\rفهذا تباعد وتبرّ منهم فليس في الآية مشروعية السّلام على الكفار كما قيل، فقول الشارح منكم رد لهذا القيل، وقوله: وهذا أي: أي المذكور وهو قوله: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ وقوله: قبل أن يؤمر بقتالهم أي: فهو منسوخ بآية السيف، وقوله: تهديد لهم أي: قوله فسوف يعلمون تهديد لهم أي:\rوتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. وفي الشهاب: هذا سلام متاركة لا سلام تحية، فإن أريد الكف عن القتال فهي منسوخة، وأن أريد الكف عن مقابلتهم بالكلام فلا نسخ اهـ.\rقوله: (و التاء) أي: لزيادة التهديد والتقريع واللّه أعلم اهـ شيخنا.","part":7,"page":113},{"id":2570,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 114\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الدخان مكية وقيل إلا إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ الآية وهي ست أو سبع أو تسع وخمسون آية\rحم (1) اللّه أعلم بمراده به\rوَالْكِتابِ القرآن الْمُبِينِ (2) المظهر الحلال من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وفي مسند الدارمي، عن أبي رافع قال: «من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له، وزوج من الحور العين» رفعه الثعلبي. من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك». وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى اللّه بيتا له الجنة» اهـ قرطبي.\rوعبارة الشهاب: في سورة الواقعة، ولم يذكر البيضاوي في فضائل السور حديثا غير موضوع من أول القرآن إلى هنا غير ما هنا وما مرّ في سورة يس والدخان اهـ.\rوالذي ذكره البيضاوي في سورة يس هو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس من قرأها يريد بها وجه اللّه غفر اللّه له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه، وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة هو ريان» اهـ.\rوالذي ذكر في الواقعة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» اهـ.\rقوله: (الآية) أي: إلى قوله: عائِدُونَ.\rقوله: وَالْكِتابِ (القرآن) عبارة الخطيب: تنبيه ويجوز أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ [الحديد: 25] ويجوز أن يكون المراد به اللوح المحفوظ قال اللّه تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: 39] وقال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: 4]","part":7,"page":114},{"id":2571,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 115\rالحرام\rإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ هي ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان، نزل فيها من أم يجوز أن يكون المراد به القرآن، واقتصر على ذلك البيضاوي، وتبعه الجلال المحلي، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة: أتشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك وجاء في الحديث: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك» اهـ.\rقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ يجوز أن يكون جواب القسم وأن يكون اعتراضا، والجواب قوله: إنا كنا منذرين، واختاره ابن عطية وقيل: إنا كنا مستأنف أو جواب ثان من غير عاطف اهـ سمين.\rوفي الكرخي: قوله: إنا أنزلناه قال الزمخشري وغيره: هذا جواب القسم، وقال ابن عطية: هو اعتراض متضمن تفخيم الكتاب، والجواب إنا كنا منذرين، ورجح الأول بالسبق بكونه من البدائع وبسلامته من الفك اللازم لما اختاره ابن عطية، فإن قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ من بقية الاعتراض وقد تخلل بينهما المقسم عليه اهـ.\rقوله: (هي ليلة القدر الخ) عبارة الخطيب: اختلف في قوله تعالى: في ليلة مباركة فقال قتادة، وابن زيد، وأكثر المفسرين هي ليلة القدر، وقال عكرمة، وطائفة أنها ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان. واحتج الأولون بوجوه، الأول: قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] فقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة مباركة يجب أن تكون هي تلك الليلة المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض.\rثانيها: قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 185] فقوله تعالى هنا إنا أنزلناه في ليلة مباركة يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان، فثبت أنها ليلة القدر. ثالثها: قوله تعالى:\rفي صفة ليلة القدر: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر: 4] وقال تعالى هنا:\rفِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، وقال ههنا: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، وقال تعالى في ليلة القدر: سَلامٌ هِيَ [القدر: 5] وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى. رابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة بست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان، والليلة المباركة هي ليلة القدر. خامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند اللّه عظيم ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان، لأن الزمان شيء واحد من الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته، فثبت أن تشريفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا وأعظم الأشياء وأشرفها شعبا في الدين هو القرآن. لأنه ثبت به نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل، كما قال تعالى في صفته: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: 48] وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم منه قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذا أدلة ظاهرة واضحة. واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه، أولها: أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة. ثانيها: أنها مختصة بخمس خصال، الأولى: قوله","part":7,"page":115},{"id":2573,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 116\rالكتاب من السماء السابعة إلى السماء الدنيا إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) مخوّفين به\rفِيها أي في ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان يُفْرَقُ يفصل كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) محكم من الأرزاق والآجال تعالى فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. والثانية: فضيلة العبادة فيها روى الزمخشري أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل اللّه تعالى إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه أفات الدنيا وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان». ثالثها: نزول الرحمة قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب». رابعها: حصول المغفرة فيها قال صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«إن اللّه يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا الكاهن والساحر ومدمن الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا». خامسها: أنه تعالى أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الليلة تمام الشفاعة في أمته. قال الزمخشري: وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر عن شعبان في أمته فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد عن اللّه شرود البعير اهـ.\rوفي القرطبي: وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا يومها فإن اللّه ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلي فأعافيه، ألا مسترزق فأرزقه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر» ذكره الثعلبي اهـ.\rقوله: (أو ليلة النصف من شعبان) قال النووي في باب صوم التطوع من شرح مسلم: أنه خطأ والصواب: وبه قال العلماء إنها ليلة القدر قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] فالآية الثانية بيان للأولى وسميت ليلة القدر لأن اللّه يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق، حتى يكتب حجاج البيت بأسمائهم وأسماء آبائهم، ويسلم ذلك إلى مدبرات الأمور وهم إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبريل عليهم السّلام قاله سعيد بن جبير. وعن ابن عباس: أن اللّه يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، وقال ابن عادل: إلى إسرافيل ونسخة المصائب إلى ملك الموت اهـ.\rقوله: (نزل فيها) أي: جملة من أم الكتاب أي: اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا أن جبريل أملاه منه على ملائكة السماء الدنيا فكتبوه في صحف، وكانت عندهم في محل من تلك السماء يمسى بيت العزة، ثم نجمته الملائكة المذكورون على جبريل في عشرين سنة ينزل بها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحسب الوقائع والحوادث، وتقدم لهذا مزيد بسط في سورة البقرة، فراجعه إن شئت وسيأتي في سورة القدر أيضا.\rقوله: فِيها يُفْرَقُ الخ يجوز أن تكون الجملة مستأنفة، وأن تكون صفة لليلة وما بينهما اعتراض. قال الزمخشري: فإن قلت: إنا كنا منذرين فيها يفرق ما موقع هاتين الجملتين. قلت:","part":7,"page":116},{"id":2574,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 117\rوغيرهما التي تكون في السنة إلى مثل تلك الليلة\rأَمْراً فرقا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) الرسل محمدا ومن قبله\rرَحْمَةً رأفة بالمرسل إليهم مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ (6) لأفعالهم\rرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما برفع رب خبر ثالث، وبجره بدل من ربك إِنْ كُنْتُمْ يا أهل مكة مُوقِنِينَ (7) بأنه تعالى رب السماوات والأرض، فأيقنوا بأن محمدا رسوله\rلا جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسّر بهما جواب القسم الذي هو إنا أنزلناه، كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم. قلت: وهذا من محاسن هذا الرجل اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: قوله: فيها يفرق كل أمر حكيم جملة مستأنفة تبين المقتضي للإنزال فيها، وكذا إنا كنا منذرين كما قرره القاضي، وقد تقدم عن ابن عطية أنها جواب القسم، وجعل الزمخشري الأول لبيان مقتضي الإنزال، والثاني لتخصيص إنزاله بتلك الليلة، وما ذكره القاضي ألصق بالذهن وأعلق بالقلب، وحمل كلام القاضي على ما قاله الزمخشري محوج إلى نوع تكلف، وأجاز أبو البقاء أن يكون فيها يفرق صفة لليلة، وإنا كنا اعتراض بين الموصوف وصفته، وهو يدل على أن الليلة ليلة القدر.\rقوله: (بفصل) أي: يبين ويظهر للملائكة الموكلين بالتصرف في العالم. قوله: (محكم) أي: مبرم لا يحصل فيه تغيير ولا نقص، بل لا بد من وقوعه فيها من الأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط، وغيرهما من أقسام الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيمانا اهـ خطيب.\rقوله: (إلى مثل تلك الليلة) فيه حذف المبتدأ كما صرح به غيره أي: من هذه الليلة إلى مثلها من قابل اهـ شيخنا.\rقوله: (فرقا) أشار به إلى أنه منصوب على أنه مفعول مطلق باعتبار أنه يلاقي عامله في المعنى اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: أمرا من عندنا فيه أوجه، أحدهما: أن ينتصب حالا من فاعل أنزلناه. الثاني:\rأنه حال من مفعوله أي: أنزلناه آمرين أو مأمورا به. الثالث: أي يكون مفعولا له وناصبه إما أنزلناه وإما منذرين وإما يفرق. الرابع: أنه مصدر من معنى يفرق أي: فرقا اهـ.\rوقوله: من عندنا صفة لأمرا اهـ.\rقوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فيها خمسة أوجه، الأول: المفعول له والعامل فيه إما أنزلناه وإما أمرا وإما يفرق وإما منذرين. الثانى: أن مصدر منصوب بفعل أي: رحمنا رحمة. الثالث: أنه مفعول بمرسلين. الرابع: أنه حال من ضمير مرسلين أي: ذوي رحمة. الخامس: أنه بدل من أمرا فيجيء فيه ما تقدم، وتكثر الأوجه فيها حينئذ، ومن ربك متعلق برحمة أو بمحذوف على أنها صفة، وفي من ربك التفات من التكلم إلى الغيبة، ولو جرى على منوال ما تقدم لقال رحمة منا اهـ سمين.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ شرط جوابه محذوف كما قدره وقوله: لا إله إلا هو خبر رابع، فتكون","part":7,"page":117},{"id":2575,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 118\rإِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)\rبَلْ هُمْ فِي شَكٍ من البعث يَلْعَبُونَ (9) استهزاء بك يا محمد، فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، قال تعالى\rفَارْتَقِبْ لهم يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) فأجدبت الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الجملة الشرطية معترضة، وإما خبر مقدم لقوله: ربكم ورب آبائكم الأولين، وعبارة السمين: قوله:\rربكم ورب آبائكم العامة على الرفع بدلا أو بيانا أو نعتا لرب السموات والأرض على قراءة رفعه، أو على أنه مبتدأ والخبر لا إله إلا هو، أو خبر بعد خبر لقوله: إنه هو السميع العليم، أو خبر مبتدأ مضمر عند الجميع، انتهت.\rقوله: (فأيقنوا بأن محمدا رسوله) يعني هذا المذكور من إنزال الكتب وإرسال الرسل رحمة، وانعام ممن تقرون به وتقولون إنه خالق السموات والأرض وما بينهما فما هذا التهاون، فايقنوا الخ لقيام الشكر على إنعامه والشرط يقتضي ذلك ثم ألزمهم بعد هذا التقرير والتبليغ كلمة التقوى وهي لا إله إلا اللّه إذ لا خالق سواه كرخي.\rقوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ العامة على الرفع بدلا أو بيانا أو نعتا لرب السموات فيمن رفعه، وقرأ ابن محيصن، وابن أبي إسحاق وأبو حيوة، والحسن، بالجر على البدل أو البيان أو النعت لرب السموات، وقرأ الإنطاكي بالنصب على المدح اهـ سمين.\rقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍ إضراب عن محذوف كأنه قال: فليسوا موقنين بل هم في شك يعني بحسب ضمائرهم، وقوله: يلعبون حال أي: حال كونهم يلعبون بظواهرهم من الأقوال والأفعال. وفي القرطبي: بل هم في شك يلعبون أي: ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم:\r(إن اللّه خالقهم) وإنما يقولونه تقليدا لآبائهم من غير علم فهم في شك، وإن أوهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم مما يعن لهم من غير حجة، وقيل: يلعبون يضيفون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الافتراء استهزاء، ويقال لمن أعرض عن الذكر لاعب فهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته اهـ.\rقوله: (فقال اللهم أعني عليهم بسبع) أي: من السنين المجدبة، وهذا مفرع على محذوف يقتضيه المقام أشار له الشارح بقوله استهزاء بك أي: فلما استهزؤوا به وكثر عنادهم له دعا عليهم فقال: اللهم أعني عليهم، وقوله: قال اللّه تعالى الخ أي: تبشيرا بإجابة دعوته، وقوله: (فأجدبت الأرض) أشار به إلى وقوع مطلوبه فيهم بالفعل، قوله: (كهيئة الدخان) مفعول لرأوا أي: شيئا يشبه الدخان فالدخان في الآية ليس على معناه الحقيقي وإنما رأوا ذلك إما لضعف أبصارهم أو لأن في عام القحط يشتد يبس الأرض فيكثر غبارها فيحمله الهواء فيرى كالدخان اهـ شيخنا.\rوفي زاده: والسماء لا تأتي بالقحط والمجاعة فإسناد إتيانهما إليها من قبيل إسناد الحكم إلى سببه لأنهما يحصلان بعدم إمطار السماء اهـ.\rوفي أبي السعود: والفاء في قوله: فارتقب لترتب الارتقاب أو الأمر به على ما قبلها، فإن كونهم في شك مما يوجب ذلك حتما أي: فانتظر لهم يوم تأتي السماء بدخان مبين أي: يوم شدة ومجاعة اهـ.\rقوله: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ مفعول به، وقوله: بدخان مبين في المختار: دخان النار معروف","part":7,"page":118},{"id":2576,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 119\rالدخان بين السماء والأرض\rيَغْشَى النَّاسَ فقالوا هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11)\rرَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا وجمعه دواخن كعثان وعواثن على غير قياس، ودخنت النار ارتفع دخانها وبابه دخل وخضع وأدخنت مثله، ودخنت النار إذا فسدت بالقاء الحطب عليها حتى هاج دخانها، ودخن الطبيخ إذا تدخنت القدر وبابها طرب اهـ.\rوفي القاموس: والدخان كغراب وجبال ورمان الغبار والجمع أدخنة ودواخن ودواخين اهـ.\rقوله: (كهيئة الدخان بين السماء والأرض) هذا هو المراد بالدخان هنا وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها المفسرون.\rأحدها: أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا، فلما اشتد عليهم الجهد جاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع اللّه أن يكشف عنهم، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، ومجاهد، واختيار الفراء، والزجاج، وهو قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم.\rالقول الثاني: ونقل عن علي وابن عباس أيضا وابن عمر، وأبي هريرة، وزيد بن علي، والحسن: أنه دخان يظهر في العالم في آخر الزمان يكون علامة على قرب الساعة يملأ ما بين المشرق والمغرب، وما بين السماء والأرض يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه كالزكام، وأما الكافر فيصير كالسكران فيملأ جوفه ويخرج من منخريه وأذنيه ودبره، وتكون الأرض كلها كبيت أوقدت فيه النار.\rالقول الثالث: أنه الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله عبد الرحمن الأعرج، واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم قولهم: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ [الدخان: 12] ثم عللوا ذلك فقالوا: إنا مؤمنون أي: عريقون في وصف الإيمان، فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده اللّه والرحم، وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها اللّه عنهم رجعوا إلى شركهم. أما إذا حمل على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ولم يصح أيضا أن يقال: إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون اهـ ملخصا من الخطيب والقرطبي.\rوقوله: مشى إليه أبو سفيان الخ أي: في مكة قبل الهجرة، وقوله: فلما أزالها اللّه عنهم أي:\rبإجابة دعائه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم، فدعا له بالمطر فنزل واستمر عليهم سبعة أيام تضرروا من كثرته، فجاءه أبو سفيان وطلب منه أن يدعو برفعه فدعا فارتفع. وهذه القصة نظيرة القصة التي وقعت له بالمدينة حيث استسقى لهم فدام عليهم سبعة أيام ثم طلبوا رفعه فدعا به فارتفع هكذا حققه ابن حجر في شرح البخاري، ومثله الكرماني فتأمل.\rقوله: يَغْشَى النَّاسَ صفة ثانية للدخان، والمراد بهم قريش وأمثالهم ممن أصابه الجدب","part":7,"page":119},{"id":2577,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 120\rالْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) مصدقون نبيك، قال تعالى\rأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) بين الرسالة\rثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ أي يعلمه القرآن بشر مَجْنُونٌ (14)\rإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ أي الجوع عنكم زمنا قَلِيلًا فكشف عنهم إِنَّكُمْ عائِدُونَ (15) بدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا على القول الأول الذي جرى عليه الشارح في تفسير الدخان، وعلى القول الثاني الذي حكاه غيره يكون المراد بالناس جميع الموجودين في ذلك الوقت من المؤمنين والكافرين على ما تقدم، وعلى القول الثالث يكون المراد بهم كل من كان بمكة يوم الفتح من المؤمنين والكافرين، فإن الغبار ارتفع على رؤوس الجميع اهـ من القرطبي.\rقوله: (فقالوا) هذا عَذابٌ أَلِيمٌ معطوف على قوله: فأجدبت الأرض ويشير بهذا التقرير إلى أن قوله: هذا عَذابٌ أَلِيمٌ إلى قوله: مُؤْمِنُونَ في موضع نصب بقول محذوف اهـ كرخي.\rقوله: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى خبر مقدم، ولهم تبين له، والذكرى مبتدأ مؤخر، وقوله: وقد جاءهم الخ حال من لهم اهـ سمين.\rأي: كيف يتذكرون أو من أين يتذكرون بذلك ويوفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم اهـ أبو السعود.\rوهذا استبعاد لإيمانهم، وأما قول الشارح: أي لا ينفعهم الإيمان الخ ففيه شيء لأن انتفاء نفع الإيمان عند نزول العذاب إنما هو العذاب الذي يهلك كما وقع لبعض الأمم السابقين كقوم لوط، والعذاب هنا هو الجوع والقحط، وهم لم يموتوا منه فلو آمنوا في هذه الحالة لصح إيمانهم قطعا تأمل اهـ.\rقوله: (بين الرسالة) أشار به إلى أنه من أبان اللازم.\rقوله: وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ أي: قالوا في حقه تارة يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وتارة أخرى إنه مجنون، أو قال بعضهم: إنه معلم، وبعضهم إنه مجنون اهـ أبو السعود.\rوعبارة الشارح في سورة النحل: إنما يعلمه بشر وهو قين نصراني كان النبي يدخل عليه.\rواسمه جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وهو غلام عامر بن الحضرمي، وقيل: جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول عليه السّلام يدخل عليهما ويسمع ما يقرآنه، وقيل: كان غلاما لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كيد، وقيل: سلمان الفارسي اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ جواب من جهته تعالى عن قولهم: ربنا أكشف عنا العذاب إنا مؤمنون بطريق الالتفات لمزيد التهديد والتوبيخ وما بينهما اعتراض اهـ أبو السعود.\rقوله: قَلِيلًا قيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى ما بقي من أعمارهم اهـ خطيب.\rفالمراد بالزمان القليل ما بين كشف هذا العذاب عنهم وحلول عذاب آخر بهم، إما في الدنيا على","part":7,"page":120},{"id":2578,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 121\rإلى كفركم فعادوا إليه، اذكر\rيَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى هو يوم بدر إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) منهم والبطش الأخذ بقوة\r* وَلَقَدْ فَتَنَّا بلونا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ معه وَجاءَهُمْ رَسُولٌ هو موسى عليه السّلام كَرِيمٌ (17) على اللّه تعالى\rأَنْ أي بأن أَدُّوا إِلَيَ ما أدعوكم إليه من الإيمان، أي أظهروا إيمانكم بالطاعة لي يا عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) على ما أرسلت به\rوَأَنْ لا تَعْلُوا تتجروا القول الأول، أو في الآخرة على القول الثاني اهـ.\rقوله: (فعادوا إليه) أي: بعد كشف العذاب عنهم اهـ خطيب.\rوالمراد بعودهم إليه عودهم إلى العزم على الاستمرار عليه، لأنه لم يوجد منهم إيمان بالفعل، وإنما وجد منهم الوعد به إذا انكشف العذاب عنهم اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ قيل: هو بدل من يوم تأتي، وقيل: منصوب بإضمار اذكر، وقيل:\rبمنتقمون، وقيل: بما دل عليه منتقمون وهو ينتقم، ورد هذا بأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها وبأنه لا يفسر إلا ما يصح أن يعمل اهـ سمين.\rقوله: (و البطش الأخذ بقوة) في المصباح: بطش بطشا من باب ضرب، وبها قرأ السبعة. وفي لغة من باب قتل، وبها قرأ الحسن البصري وأبو جعفر المدني، والبطش: هو الأخذ بعنف، وبطشت اليد إذا عملت فهي باطشة في اهـ.\rقوله: (بلونا) أي: امتحنا أي: فعلنا بهم فعل الممتحن، وهو المختبر الذي يريد أن يعلم بحقيقة الشيء، وذلك الامتحان كان بزيادة الرزق والتمكين في الأرض وإرسال الرسل، فقوله: وجاءهم الخ من جملة ما امتحنوا به اهـ خطيب وكرخي.\rوقوله: قبلهم أي: قبل هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم اهـ خطيب.\rقوله: (على اللّه) أي: أو على المؤمنين، والظاهر أن كريم على الوجه الأول بمعنى عزيز، وعلى الثاني بمعنى متعطف، ويجوز أن يكون على الوجهين بمعنى مكرم، أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه على أن المكرم بمعنى الخصلة المحمودة اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: ومعنى كريم أي: كريم في قومه، وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح، وقال الفراء: كريم على ربه إذا اختصه بالنبوة وإسماع الكلام اهـ.\rقوله: (أي بأن) أَدُّوا أشار بتقدير الجار إلى أن أن مصدرية وهي الناصبة للمضارع. وقد وصلت بالأمر، ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول، وأن تكون مخففة اهـ سمين.\rقوله: عِبادَ اللَّهِ جرى الشارح على أنه منادي وأن مفعول أدوا محذوف، وعلى هذا يكون المراد بعباد اللّه القبط، وقيل: إن عباد اللّه مفعول لأدوا، وأن المراد بهم بنو إسرائيل، ففي الشهاب:\rوالمراد بعباد اللّه بنو إسرائيل الذين كان فرعون استعبدهم فأداؤهم استعارة بمعنى إطلاقهم وإرسالهم معه كما أشار إليه بقوله: وارسلوهم اهـ.","part":7,"page":121},{"id":2579,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 122\rعَلَى اللَّهِ بترك طاعته إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ برهان مُبِينٍ (19) بين على رسالتي، فتوعدوه بالرجم فقال\rوَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) بالحجارة\rوَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي تصدقوني فَاعْتَزِلُونِ (21) فاتركوا أذاي، فلم يتركوه\rفَدَعا رَبَّهُ أَنَ أي بأن هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) مشركون، فقال تعالى:\rفَأَسْرِ بقطع الهمزة ووصلها بِعِبادِي بني إسرائيل لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) يتبعكم فرعون وقومه وإليه الإشارة بقوله تعالى في سورة الشعراء: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: 16].\rقوله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ تعليل للأمر اهـ أبو السعود.\rقوله: وَأَنْ لا تَعْلُوا معطوف على أن أدوا والعامة على كسر الهمزة من قوله: إني آتيكم على الاستئناف، وقرئ بالفتح على تقدير اللام أي وأن لا تعلوا لأني آتيكم اهـ سمين.\rقوله: (تتجبروا) عَلَى اللَّهِ الخ عبارة البيضاوي: ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله، انتهت وهي أوضح.\rوفي القرطبي: وأن لا تعلوا على اللّه. قال قتادة: لا تبغوا على اللّه، وقال ابن عباس: لا تفتروا على اللّه والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول، وقال ابن جريج: لا تتعظموا على اللّه، وقال يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة اللّه، والفرق بين التعاظم والاستكبار أن التعاظم تطاول المقتدر والاستكبار ترفع المحتقر ذكره الماوردي اهـ.\rقوله: إِنِّي آتِيكُمْ تعليل للنهي اهـ أبو السعود.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 122\r\rله: إِنِّي آتِيكُمْ تعليل للنهي اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنْ تَرْجُمُونِ أي: من أن ترجمون، وقوله: فاعتزلون الياء لا ترسم في كل من هذين الموضعين لأنها من ياءات الزوائد، وأما في اللفظ فيجوز إثباتها وحذفها في الوصل، وأما في الوقف فيتعين حذفها اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا باللّه لأجل برهاني، فاللام في لي لام الأجل، وقيل: أي: وإن لم تؤمنوا بي كقوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: 26] أي: به فاعتزلون اهـ قرطبي.\rقوله: فَاعْتَزِلُونِ أي: فكونوا بمعزل مني لا عليّ ولا لي، ولا تتعرضوا إليّ بسوء فإنه ليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم اهـ بيضاوي.\rقوله: فَدَعا رَبَّهُ معطوف على مقدر قدره بقوله: فلم يتركوه، فقوله: أن هؤلاء هو الدعاء أي: تعريض بالدعاء، فكأنه قال: هؤلاء قوم مجرمون فافعل بهم يا رب ما يليق بهم اهـ شيخنا.\rقوله: أَنَّ هؤُلاءِ العامة على الفتح بإضمار حرف الجر أي: دعاه بأن هؤلاء. وابن أبي إسحاق، وعيسى، والحسن بالكسر على إضمار القول عند البصريين، وعلى إجراء دعا مجرى القول عند الكوفيين اهـ سمين.\rقوله: (بقطع الهمزة ووصلها) سبعيتان. قرأ بالوصل نافع وابن كثير، والباقون بقطعها وهما","part":7,"page":122},{"id":2580,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 123\rوَاتْرُكِ الْبَحْرَ إذا قطعته أنت وأصحابك رَهْواً ساكنا منفرجا حتى يدخله القبط إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) فاطمأن بذلك، فأغرقوا\rكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (25) تجري\rوَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) مجلس حسن\rوَنَعْمَةٍ متعة كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27) ناعمين\rكَذلِكَ خبر مبتدإ، أي لغتان جيدتان، الأولى: من أسريت. والثانية: من سريت. قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: 1] وقال اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر: 89] اهـ كرخي.\rوالإسراء: السير ليلا فذكر الليل تأكيد بغير اللفظ اهـ خطيب.\rقوله: (إذا قطعته أنت وأصحابه) فهذا تعليم له بما يفعله في سيره قبل أن يسير وقبل أن يلج البحر، وعبارة الخطيب: واترك البحر أي: إذا سرت بهم وتبعك العدو، ووصلت إلى البحر وأمرناك بضربه، ودخلتم فيه ونجوتم منه فاتركه بحاله ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل ابقه على حاله ليدخله فرعون وقومه فينطبق عليهم، انتهت.\rوهي مناسبة لصنيع الشارح، فما قيل من أنه لما قطع موسى البحر رجع ليضربه بعصاه ليلتئم خوفا من أن يتبعه فرعون بجنوده أمره اللّه لقوله: واترك البحر الخ يقتضي أن هذا إنما قيل له بعد أن جاوز البحر وهو لا يناسب صنيع الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: رَهْواً أي: حال كونه رهوا فهو منصوب على الحال من البحر، والرهو في الأصل مصدر رها يرهوا رهوا كعدا يعدو إما بمعنى سكن، وإما بمعنى انفرج وانفتح، والشارح جمع بين المعنيين، وأشار إلى أنه بمعنى اسم الفاعل ليصح وصف البحر به كما هو مقتضى الحالية بقوله ساكنا منفرجا، وفي المختار: رها بين رجليه. أي: فتح، وبابه عدا ورها البحر سكن وبابه عدا أيضا اهـ شيخنا.\rقوله: مُغْرَقُونَ أي: متمكنون في هذا الوصف، وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي شأنه النجدة الموجبة للعلو في الأمور اهـ خطيب.\rقوله: (فاطمأن) أي: موسى، وقوله: (بذلك) أي: بقول اللّه له إنهم جند مغرقون اهـ شيخنا.\rقوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ الخ مرتبط بمقدر قدره الشارح بقوله: فاغرقوا، وكم مفعول به أي: تركوا أمورا كثيرة، وقد بينها بقوله: من جنات الخ، وقوله: ونعمة من عطف العام على الخاص لأنها تشمل الأربعة قبلها اهـ شيخنا.\rقوله: (مجلس حسن) عبارة البيضاوي: محافل مزيفة ومنازل حسنة. قوله: (متعة) أي: أمور يتمتعون وينتفعون بها كالملابس والمراكب اهـ شيخنا.\rوفي المختار: والنعمة بالفتح التنعم اهـ.\rوفي السمين: والنعمة بالفتح نضارة العيش ولذاذته اهـ.\rقوله: كانُوا فِيها فاكِهِينَ العامة على الألف أي: طيبين الأنفس أو أصحاب فاكهة كلابن","part":7,"page":123},{"id":2581,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 124\rالأمر وَأَوْرَثْناها أي أموالهم قَوْماً آخَرِينَ (28) أي بني إسرائيل\rفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وتامر، وقيل: فاكهين لاهين، وقرأ الحسن وأبو رجاء فكهين أي: مستخفين مستهزئين بنعمة اللّه. قال الجوهري: يقال فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان مزاحا والفكه أيضا الأشر اهـ سمين.\rقوله: (ناعمين) أي: متنعمين. قوله: (خبر مبتدأ) أي: فالوقف على كذلك، والجملة اعتراضية لتقرير وتوكيد ما قبلها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: كذلك يجوز أن تكون الكاف مرفوعة المحل خبرا لمبتدا مضمر أي: الأمر كذلك، وإليه نحا الزجاج، ويجوز أن تكون منصوبة المحل فقدرها الحوفي أهلكنا إهلاكا وانتقمنا انتقاما كذلك، وقال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني، وقيل: تقديره نفعل فعلا كذلك، وقال أبو البقاء: تركا كذلك فجعله نعتا للترف المحذوف، وعلى هذه الأوجه كلها يوقف على كذلك ويبتدأ وأورثناها، وقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وأورثناها قوما آخرين ليسوا منهم، فعلى هذا يكون وأورثناها معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف، فلا يجوز الوقف على كذلك حينئذ اهـ.\rقوله: (أي الأمر) وهو إهلاك فرعون وقومه وتخليفهم وراءهم ما ذكر، وهذه الجملة معترضة.\rوقوله: وأورثناها بني إسرائيل معطوف على كم تركوا أي: تركوا أمورا كثيرة وأورثناها تلك الأمور بني إسرائيل، وقوله: فما بكت الخ معطوف في المعنى على ما قدره الشارح بقوله: فاغرقوا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بني إسرائيل) فقد رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وهذا قول الحسن، وقيل: إنهم لم يرجعوا إلى مصر والقوم الآخرون غير بني إسرائيل وهو قول ضعيف جدا اهـ كرخي.\rقوله: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم، كقولهم: بكت عليهم السماء وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك، ومنه ما روي في الأخبار: أن المؤمن ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصعد عمله ومهبط رزقه. تقديره: فما بكت عليهم أهل السماء والأرض اهـ بيضاوي.\rيعني أن البكاء مجاز مرسل عن الاكتراث بهلاك الهالك بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب، فإن الاكتراث المذكور سبب يؤدي إلى البقاء عادة وحمله على المجاز لأن مجرد عدم البكاء مع قطع النظر عن كونه مترتبا على عدم الاكتراث لا يدل على حساسة الهالكين، والآية مسوقة للدلالة عليها ولا بد من حمل نفي البكاء على عدم الاكتراث من جعل الآية استعارة بالكناية بأن شبهت السماء والأرض بمن يصح منه الاكتراث ونسبة الاكتراث إليهما تخييل، والتحقيق أن عدم بكاء السماء والأرض عليهم كناية عن أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا ينقطع ذلك بهلاكهم فتبكي الأرض بانقطاعه، لأنه لا يصعد إلى السماء منهم عمل صالح فينقطع ذلك بهلاكهم فتبكي السماء بانقطاعه اهـ زاده.\rوفي القرطبي: وروى يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه فيبكيان عليه» وتلا: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم","part":7,"page":124},{"id":2582,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 125\rبخلاف المؤمنين يبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض ومصعد عملهم من السماء وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29) مؤخرين للتوبة\rوَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) قتل الأبناء واستخدام النساء\rمِنْ فِرْعَوْنَ قيل: بدل من العذاب بتقدير مضاف أي عذاب، وقيل: حال من العذاب إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31)\rوَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ أي بني إسرائيل عَلى عِلْمٍ منا بحالهم عَلى لأجله ولا صعد إلى السماء عمل صالح تبكي عليهم لأجله، وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال: أتعجب وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل. وقال علي، وابن عباس رضي اللّه عنهما: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، وتقرير الآية على هذا فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض وهو معنى قول سعيد بن جبير. وفي معنى بكاء السماء والأرض وجهان، أحدهما أنه بكاء كالمعروف من بكاء الحيوان ويشبه أن يكون قول مجاهد، وقال شريح الحضرمي قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ بطوبى للغرباء يوم القيامة قيل: من هم يا رسول اللّه؟ قال: هم الذين إذا فسد الناس صلحوا، ثم قال: ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه أهل السماء والأرض ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ثم قال:\r«إلا إنهما لا يبكيان على الكافر».\rقلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال: حدثنا يحيى بن عبد اللّه قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني عطاء الخراساني قال: ما من عبد يسجد للّه سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له الأرض يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت، وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما قاله علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وعطاء، والسدي، والترمذي، ومحمد بن علي وحكاه عن الحسن، وقال السدي: لما قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها.\rوحكى جرير بن يزيد بن أبي زيادة قال لما قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر قال يزيد: واحمرارها بكاؤها، وقال محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما وقال سليمان القاضي: مطرنا دما يوم الحسين اهـ.\rقوله: وَما كانُوا مُنْظَرِينَ أي: لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك تقصير اهـ خطيب.\rقوله: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الخ لما كان انقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا بعيدا من الوقوع فضلا عن أن يكون بإهلاك أعدائهم. ذكره تعالى تنبيها على أنه تعالى قادر على أن يفعل بهذا النبي وأتباعه، كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا فقال: ولقد نجينا الخ اهـ خطيب.\rقوله: (و قيل حال من العذاب) أي: متعلق بمحذوف أي: واقعا من جهة فرعون اهـ كرخي.\rقوله: مِنَ الْمُسْرِفِينَ خبر ثان.","part":7,"page":125},{"id":2583,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 126\rالْعالَمِينَ (32) أي عالمي زمانهم أي العقلاء\rوَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (33) نعمة ظاهرة، من فلق البحر، والمن والسلوى وغيرها\rإِنَّ هؤُلاءِ أي كفار مكة لَيَقُولُونَ (34)\rإِنْ قوله: عَلى عِلْمٍ على بمعنى مع وهو في موضع الحال من الفاعل كما أشار بقوله: منا وقوله:\rبحالهم وهي كونهم أحقاء بأن يختاروا أو كونهم يزيغون، وتحصل منهم الفرطات في بعض الأحوال، وقوله: على العالمين على على بابها، فلما اختلف معنى الحرفين جاز تعلقهما بعامل واحد كما ذكره الزمخشري اهـ من السمين.\rقوله: (أي عالمي زمانهم) جواب عما يقال الآية تدل على كون بني إسرائيل أفضل من كل العالمين مع أن أمة محمد أفضل منهم اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: ولقد اخترناهم أي: بني إسرائيل على علم أي: على علم منها بهم لكثرة الأنبياء منهم على العالمين أي: عالمي زمانهم بدليل قوله لهذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110] وهذا قول قتادة وغيره. وقيل: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء، وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما، ويكون قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس أي بعد بني إسرائيل واللّه أعلم، وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون اهـ.\rقوله: (أي العقلاء) في هذا التفسير نظر لشمول العقلاء للملائكة وبنو إسرائيل ليسوا أفضل منهم، فالأولى التفسير بالثقلين، انتهى قاري.\rقوله: مِنَ الْآياتِ بيان مقدم، وقوله: نعمة تفسير للبلاء، فالمراد به ما يبتلى به ويختبر ويمتحن وهو يشمل النعم اهـ شيخنا.\rقوله: ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ البلاء حقيقة في الاختيار، وقد يطلق على النعمة وعلى المحنة أيضا مجازا من حيث أن كل واحد منهما يكون سببا وطريقا للاختيار يعامل اللّه بإصابة كل منهما للمكلف معاملة من يختبره ليعلم المطيع الشاكر من خلافه علم تحقق وعيان، فإن قيل: إن كان المراد بالآيات فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ونحوها، فلا شك أنها في نفسها نعم جليلة فما معنى قوله: ما فيه بلاء مبين أي: نعمة جليلة؟ قلت: لعل الكلام من قبيل قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [فصلت: 28] من حيث إن كلمة في للتجريد اهـ زاده.\rقوله: (أي كفار مكة) إشارة القريب إليهم للتحقير والازدراء، فالكلام والسياق فيهم، وقصة فرعون وقومه إنما ذكرت للدلالة على تماديهم في الإصرار على الضلال والتحذير من أن يحل بهم مثل ما حل بفرعون وقومه اهـ أبو السعود.\rفهذا الكلام مرتبط بقوله: ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون اهـ شيخنا.\rقوله: لَيَقُولُونَ أي: جوابا لما قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة كما تقدمتكم موتة كذلك اهـ بيضاوي.","part":7,"page":126},{"id":2584,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 127\rهِيَ ما الموتة التي بعدها الحياة إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى أي وهم نطف وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) بمبعوثين أحياء بعد الثانية\rفَأْتُوا بِآبائِنا أحياء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36) أنا نبعث بعد موتتنا، أي نحيا، قال تعالى\rأَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ هو نبي أو رجل صالح وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم وأشار له الشارح بقوله التي بعدها الحياة فكأنهم قالوا: مسلم أن لنا موتة تعقبها حياة، لكن المراد بها الأولى وهي حال النطفة لا الثانية التي ينقضي بها العمر، فإنها لا تعقبها حياة، فلذلك قالوا:\rوما نحن بمنشرين، وقوله: فأتوا الخ من جملة مقولهم وخاطبوا به من وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين أي: إن صدقتم فيما قلتم من أننا نحيا بعد الموتة الثانية فأتوا بآبائنا أحياء بعد ما ماتوا ليكون ذلك شاهدا على صدقكم اهـ.\rقوله: (ما الموتة التي بعدها الحياة) أي: التي من شأنها أن يعقبها حياة كما تقدمتكم موتة كذلك، فقالوا: إن هي إلا موتتنا الأولى فلا يرد أن القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية، وكان من حقهم أن يقولوا إن هي إلا حياتنا الدنيا اهـ كرخي.\rقوله: (أي وهم نطف) فالآية مثل قوله: إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين اهـ كرخي.\rقوله: أَهُمْ خَيْرٌ أي: في القوة والمنعة اهـ بيضاوي.\rوالمنعة بفتح النون مصدر بمعنى العز الدنيوي أو جمع مانع ككتبة فهو بمعنى الأتباع والخدم، وإنما حمل الخيرية على أمور الدنيا لا الدين والآخرة لأنهم لا خيرية فيهم بهذا المعنى، إلّا أن يكون على ضرب من التأويل البعيد، وأيضا هو لا يناسب ما بعده إلا بهذا المعنى إذ المراد أنهم مع قوتهم ومنعتهم أهلكناهم بجرمهم، فما بال قريش لا تخاف أن يصيبها ما أصابهم اهـ شهاب.\rقوله: أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ هو تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبني سمرقند وقيل:\rهدمها وكان مؤمنا وكان قومه كافرين، ولذلك ذمهم اللّه دونه، وقال عليه الصلاة والسّلام: «ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي» اهـ بيضاوي.\rوأسلم وآمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ولادته بتسعمائة سنة لما أخبرته اليهود بخبره على حسب ما هو في كتابهم اهـ شيخنا.\rوقوله: الحميري منسوب إلى حمير، وهم أهل اليمن، وهذا تبع الأكبر أبو كرب واسمه أسعد، وإليه تنسب الأنصار ولحفظهم وصيته عن آبائهم بادروا إلى الإسلام وهو أول من كسا البيت، وقوله:\rحيرّ الحيرة بكسر الحاء المهملة وياء مثناة من تحت ساكنة وراء مهملة مدينة بقرب الكوفة، ومعنى حيرها بناها ونظم أمرها وصيرها مدينة اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: وتبّع هو أبو كرب الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف عنهم لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد، وقال شعرا أودعه عند أهلها وكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدعوه إليه، ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد وفيه:","part":7,"page":127},{"id":2585,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 128\rأَهْلَكْناهُمْ بكفرهم، والمعنى: ليسوا أقوى منهم وأهلكوا إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (37)\rوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) بخلق ذلك، حال\rما خَلَقْناهُما وما بينهما إِلَّا بِالْحَقِ أي\rشهدت على أحمد أنه ... رسول من اللّه باري النسم\r\rفلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم\rوروى ابن إسحاق وغيره: أنه كان في الكتاب الذي كتبه أما بعد، فإني آمنت بك وبكتابك الذي ينزل عليك، وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك ورب كل شيء. وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإني من أمتك الأولين وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السّلام. ثم ختم الكتاب ونقش عليه: للّه الأمر من قبل ومن بعد، وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد اللّه نبي اللّه ورسوله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلّى اللّه عليه وسلّم من تبع الأول، وكان من اليوم الذي مات فيه تبّع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألف سنة لا يزد ولا ينقص. واختل هل كان ثبيا أو ملكا، فقال ابن عباس: كان تبع نبيا:\rقال كعب: كان تبع ملكا من الملوك وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم، وقالت عائشة: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا، وقال الكلبي: تبّع هذا أبو كرب أسعد بن ملكيكوب وإنما سمي تبّعا لأنه تبع من قبله، وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت الحبرات، وقال كعب: ذم اللّه قومه ولم يذمه وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم، فلما أهلكهم اللّه تعالى ومن قبلهم لأنهم كانوا مجرمين كان من أجرم من ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك، وافتخر أهل اليمن بهذه الآية إذ جعل اللّه قوم تبّع خيرا من قريش، وقيل: سمي أولهم تبعا لأنه أتبع قرن الشمس وسافر في المشرق مع العساكر اهـ.\rقوله: (هو نبي أو رجل صالح) الأول عن ابن عباس والثاني عن عائشة اهـ كرخي.\rقوله: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ معطوف على قوم تبع، وجملة أهلكناهم حال من المعطوف والمعطوف عليه كما يشير له قوله والمعنى الخ، ويجوز أن تكون مستأنفة، وقوله إنهم الخ تعليل لإهلاكهم كما أشار له بقوله: لكفرهم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والذين من قبلهم يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون معطوفا على قوم تبّع.\rالثاني: أن يكون مبتدأ خبره وما بعده من أهلكناهم، وأما على الأول فأهلكناهم إما مستأنف وإما حال من الضمير الذي استكن في الصلة. الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مقدر يفسره أهلكناهم ولا محل لأهلكناهم حينئذ اهـ.\rقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الخ دليل على صحة الحشر ووقوعه، ووجه الدلالة أنه لو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق عبثا لأنه تعالى خلق نوع الإنسان وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم من السقف المرفوع والمهاد المفروش، وما فيهما وما بينهما من عجائب المصنوعات وبدائع الأحوال ثم كلفهم بالإيمان والطاعة، فاقتضى ذلك أن يتميز المطيع من العاصي بأن يكون المطيع","part":7,"page":128},{"id":2586,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 129\rمحقين في ذلك، ليستدل به على قدرتنا ووحدانيتنا، وغير ذلك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (39)\rإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ يوم القيامة يفصل اللّه فيه بين العباد مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) للعذاب الدائم\rيَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى بقرابة أو صداقة، أي لا يدفع شَيْئاً من العذاب وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) يمنعون منه، ويوم بدل من يوم الفصل\rإِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ وهم المؤمنون فإنه متعلق فضله وإحسانه، والعاصي متعلق عدله وعقابه، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها وعدم الاعتداد بمنافعها لكونها مشوبة بأنواع الآفات والمحن، فلا بد من البعث لتجزي كل نفس بما كسبت فظهر بهذا وجه اتصال الآية بما قبلها، وهو أنه لما حكى مقالة منكري البعث والجزاء وهددهم ببيان مآل المجرمين الذين مضوا ذكر الدليل القاطع الدال على صحة البعث والجزاء، فقال: وما خلقنا السموات الخ اهـ زاده.\rقوله: وَما بَيْنَهُما أي: ما بين الجنسين، وقرئ: وما بينهن أي: قرأ به عمرو بن عبيد، لأن السموات والأرض جمع اهـ كرخي.\rوالعامة بينهما باعتبار النوعين اهـ سمين.\rقوله: (أي محقين في ذلك) أي: لنا فيه حكمة، وقد بينها بقوله ليستدل به الخ اهـ شيخنا.\rوأشار بقوله: أي محقين إلى أن قوله إلا بالحق في محل نصب على الحال من الفاعل اهـ كرخي.\rقوله: لا يَعْلَمُونَ أي: ليس عندهم علم بالكلية فنزل منزلة اللام اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: لا يعلمون أي: لقلة نظرهم ففيه تجهيل عظيم لمنكري الحشر وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها وتحسبونه هينا وهو عند اللّه عظيم اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الإضافة على معنى في كما أشار له الشارح اهـ شيخنا.\rوالظاهر أنها بمعنى اللام لأن ضابط الأولى أن يكون الثاني ظرفا للأول نحو: مكر الليل فتأمل.\rقوله: مِيقاتُهُمْ أي: كفار مكة وسائر الناس اهـ.\rأي: وقت موعدهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت به الكتب على ألسنة الرسل اهـ خطيب.\rقوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى في المختار: المولى المعتق والمعتق وابن العم والناصر والجار والحليف اهـ.\rوفي القرطبي: أي: لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه شيئا اهـ. وشيئا مفعول به، ومولى الأول مرفوع بالفاعلية، والثاني مجرور بعن وإعرابهما إعراب المقصور كفتى وعصا ورحى.\rقوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ الضمير لمولى وإن كان مفردا في اللفظ لأنه في المعنى جمع اهـ كرخي.","part":7,"page":129},{"id":2587,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 130\rيشفع بعضهم لبعض بإذن اللّه إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الغالب في انتقامه من الكفار الرَّحِيمُ (42) بالمؤمنين\rإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) هي من أخبث الشجر المرّ بتهامة ينبتها اللّه تعالى في الجحيم\rطَعامُ الْأَثِيمِ (44) أبي جهل وأصحابه ذوي الإثم الكبير\rكَالْمُهْلِ أي كدردي الزيت والمراد المولى الثاني لأن المراد به الكافر، وأما الأول فالمراد به المؤمن، والمعنى يوم لا يغني مولى مؤمن عن مولى كافر شيئا، فهذه الآية نظير قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [البقرة: 48] الآية وقوله: ولا هم ينصرون توكيد لقوله: لا يغني مولى عن مولى شيئا، فالمعنى: لا ينصر المؤمن الكافر ولو كان بينهما في الدنيا علقة من قرابة أو صداقة أو غيرهما كما أشار له القرطبي.\rقوله: (فإنه يشفع الخ) أشار إلى أن الاستثناء متصل، وعبارة السمين: يجوز فيه أربعة أوجه، أحدها: وهو قول الكسائي أنه منقطع أي: ولكن من رحم اللّه لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من ينفعهم من المخلوقين. الثاني: أنه متصل تقديره: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم. الثالث: أن يكون مرفوعا على البدلية من مولى الأول ويكون يغني بمعنى ينفع قاله الحوفي. الرابع: أنه مرفوع المحل أيضا على البدل من واو ينصرون أي لا يمنع من العذاب إلا من رحمه اللّه اهـ.\rقوله: (بعضهم لبعض) أشار به إلى الاستثناء من مولى الأول والثاني خلافا إن قصره على أحدهما. قيل: الأول وقيل: الثاني اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ أي التي ثمرها الزقوم اهـ شيخنا.\rوشجرت ترسم بالتاء المجرورة، ووقف عليها بالهاء أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي، ووقف الباقون بالتاء على الرسم اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: كل ما في كتاب اللّه من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء إلّا حرفا واحدا في سورة الدخان إن شجرة الزقوم طعام الأثيم اهـ.\rأي: فيجوز الوقف عليها بالتاء والهاء كما في عبارة الخطيب، وفي القاموس: الزقم اللقم والتزقم التلقم أزقمة فازدقمه أبلعه فابتلعه، والزقوم كتنور الزبد بالتمر وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهير ياسميني الشكل وطعام أهل النار، وشجرة بأريحاء من الغور لها تمر كالتمر حلو عفص ولنواه دهن عظيم المنافع عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة وأمراض البلغم وأوجاع المفاصل والنقرس وعرق النساء والريح اللاحجة في حق الورك يشرب منه زنة سبعة دراهم ثلاثة أيام، وربما أقام الزمني والمقعدين، ويقال: أصله الإهليلج الكابلي نقلته بنو أمية وزرعته بأريحاء ولما تمادى غيرته أرض أريحاء على طبع الإهليلج والزقمة الطاعون اهـ.\rقوله: (أي كدردي الزيت الأسود) للمهل معان غير هذا تليق بالمقام أكثر من هذا منها الصديد والقيح، ومنها النحاس المذاب، وعبارة الخطيب: هو ما يمهل في النار حتى يذوب من ذهب أو فضة،","part":7,"page":130},{"id":2588,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 131\rالأسود خبر ثان يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) بالفوقانية خبر ثالث، وبالتحتانية حال من المهل\rكَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) الماء الشديد الحرارة\rخُذُوهُ يقال للزبانية خذوا الأثيم فَاعْتِلُوهُ بكسر التاء وضمها جرّوه بغلظة وشدة إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) وسط النار\rثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48) أي من الحميم الذي لا يفارقه العذاب، فهو أبلغ مما في آية\rيُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ويقال له ذُقْ أي العذاب إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) بزعمك وكل منطبع سواء من صفر أو حديد أو رصاص وقيل هو عكر القطران، وقيل: عكر الزيت، انتهت.\rوفي السمين: والمهل بالفتح التؤدة والرفق ومنه: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ [الطارق: 17] وقرأ الحسن: كالمهل بفتح الميم فقط وهي لغة في المهل بالضم اهـ.\rقوله: (حال من المهل) الأظهر أنه حال من الطعام أو الزقوم، وعلى الأول فالعامل معنى النسبة كأنه قيل: أنسبه إليه غالبا كما في قولك: زيد أخوك شجاعا، وشرط مجيئه من المضاف إليه على الثاني موجود لأن المضاف إليه كالجزء من المضاف إذ يجوز إسقاطه والاستغناء بالمضاف إليه في استقامة الكلام، ولا يصح أن يكون حالا من المهل، لأن المراد وصف الطعام المشبه بالمهل بالغليان لا وصف المهل المشبه به لأنه لا يتصف بهذا الوصف اهـ زاده وشهاب.\rقوله: كَغَلْيِ الْحَمِيمِ نعت لمصدر محذوف أي: تغلي غليا مثل غلي الحميم اهـ كرخي.\rقوله: (بكسر التاء وضمها) سبعيتان من باب ضرب ونصر كما في المختار اهـ شيخنا.\rولفظه عتل الرجل جذبه جذبا عنيفا وبابه ضرب ونصر، والعتل الغليظ الجافي قال تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 13] اهـ.\rوعبارة السمين: قوله: فاعتلوه قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر بضم التاء، والباقون بكسرها وهما لغتان في مضارع عتله أي: ساقه بخفاء، والعتل الجافي الغليظ اهـ.\rوفي القاموس: العتلة محركة المدرة الكبيرة تنقلع من الأرض، وحديدة كأنها فأس، والعصا الضخمة من حديد لها رأس مفلطح يهدم بها الحائط اهـ.\rقوله: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ أي: ليكون المصبوب محيطا بجميع جسده اهـ خطيب.\rوقوله: من عذاب الحميم من إضافة الصفة للموصوف أو المسبب للسبب اهـ شيخنا.\rقوله: (أي من الحميم الذي الخ) فإذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته، وقوله:\rفهو أبلغ الخ أي: فإن صب العذاب طريقه الاستعارة كقوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً [البقرة: 250] فقد شبه العذاب بالمائع ثم خيل له بالصب اهـ كرخي.\rقوله: (و يقال له) ذُقْ الأمر للإهانة به والوصف بالوصفين للتهكم والازدراء اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ قرأ الكسائي أنك بالفتح على معنى العلة أي: لأنك، وقيل: تقديره ذق عذاب إنك أنت العزيز، والباقون بالكسر على الاستئناف المفيد للعلة","part":7,"page":131},{"id":2589,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 132\rوقولك: ما بين جبليها أعز وأكرم مني، ويقال لهم\rإِنَّ هذا الذي ترون من العذاب ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) فيه تشكون\rإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ مجلس أَمِينٍ (51) يؤمن فيه الخوف\rفِي جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (52)\rيَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ أي ما رقّ من الديباج وما غلظ منه مُتَقابِلِينَ (53) حال أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم\rكَذلِكَ فتتحد القراءتان معنى، وهذا الكلام على سبيل التهكم وهو أغيظ للمستهزأ به اهـ.\rقوله: (و قولك) تفسير لقوله بزعمك، وقوله: ما بين جبليها أي: مكة اهـ.\rقوله: ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ الجمع باعتبار المعنى، لأن المراد جنس الأثيم اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي: للشرك، وقوله: فذي مقام بفتح الميم وضمها سبعيتان. قوله:\r(مجلس) يقال: كنا في مقام فلان أي: مجلسه. قال الزمخشري: المقام بفتح الميم هو موضع القيام، والمراد المكان وهو من الخاص الذي جعل مستعملا في المعنى العام، وبالضم موضع الإقامة اهـ كرخي.\rقوله: (يؤمن فيه الخوف) أي: فالإسناد مجاز عقلي، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويستعمل الأمان تارة اسما للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤتمن عليه الإنسان كقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: 27] أي: ما ائتمنتم عليه اهـ كرخي.\rوعبارة البيضاوي: يؤمن فيه الخوف من الآفات والانتقال عنه اهـ.\rقوله: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ بدل من مقام جيء به للدلالة على نزاهته واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب اهـ كرخي.\rقوله: يَلْبَسُونَ إما حال من الضمير المستكن في الجار، وإما خبر آخر لإن وإما مستأنف اهـ سمين.\rقوله: (أي مارق من الديباج الخ) لف ونشر مرتب، فإن قلت: كيف وعد اللّه أهل الجنة بلبس الاستبرق وهو غليظ الديباج كما قرره مع أنه عند أغنياء أهل الدنيا عيب ونقص، والجواب أن غليظ ديباج الجنة لا يساويه غليظ ديباج الدنيا حتى يعاب، كما أن سندس الجنة وهو رقيق الديباج لا يساويه سندس الدنيا اهـ كرخي.\rوفي المصباح: والديباج ثوب سداه ولحمته أبريسم ويقال هو معرب اهـ.\rقوله: مُتَقابِلِينَ (حال) أي: من الضمير في يلبسون، فإن قلت المقصود من جلوسهم متقابلين استئناس بعضهم ببعض والجلوس على هذه الصفة موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعا على ما فيه الآخر، فقيل الثواب إذا اطلع على حال كثيرة يتنغص، والجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا اهـ كرخي.","part":7,"page":132},{"id":2590,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 133\rيقدر قبله الأمر وَزَوَّجْناهُمْ من التزويج أو قرناهم بِحُورٍ عِينٍ (54) بنساء بيض واسعات الأعين حسانها\rيَدْعُونَ يطلبون الخدم فِيها أي الجنة أن يأتوا بِكُلِّ فاكِهَةٍ منها قوله: (لدوران الأسرة) جمع سرير كأرغفة جمع رغيف اهـ شيخنا.\rقوله: (يقدر قبله الأمر) أي: على أنه مبتدأ والجملة اعتراضية جيء بها للتقرير، وقوله:\rوزوجناهم معطوف على يلبسون اهـ شيخنا.\rقوله: (من التزويج) أي: بالعقد وقوله: أو قرناهم أي: قرنا بينهم وبين الحور كالقران بين الزوجين في الدنيا، واستظهر بعضهم الثاني وضعف الأول بأن العقد فائدته الحال والجنة لا تكليف فيها اهـ شيخنا.\rوالذي رأيناه في التفاسير الاقتصار على قوله أي: قرناهم بهن ولم نر من حكي الخلاف إلا الخازن ونصه: أي: قرناهم بهن ليس هو من عقد التزويج، وقيل: جعلناهم أزواجا لهن أي: جعلناهم اثنين اثنين اهـ.\rفانظر قوله: أي: جعلناهم اثنين اثنين الصريح في أن المراد بالأزواج جمع زوج بمعنى الشفع ضد الوتر، ويمكن حمل كلام الشارح عليه بل هو متعين، فما قرره شيخنا كأنه فهمه بالعقل إذ لم نر له مستندا في النقل، وفي القرطبي: وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز»، وعن أبي قرصافة سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين» وعن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كنس المساجد مهور الحور العين» ذكره الثعلبي رحمه اللّه تعالى، واختلف أيهما أفضل في الجنة أنساء الآدميات أم الحور. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين، عن ابن أنغم، عن حبان بن أبي جبلة قال: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا، وروي مرفوعا: «أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف» وقيل:\rإن الحور العين أفضل لقوله عليه الصلاة والسّلام: «فابدله زوجا خيرا من زوجه» واللّه أعلم اهـ.\rوقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الأحاديث مهور الحور العين الخ لا يدل على أن في الجنة عقد نكاح لجواز أن يراد بالمهور الأمور، والأسباب التي توصل إلى نيل الحور العين.\rقوله: عِينٍ جمع عيناء كحمراء على حد قوله: فعل لنحو أحمر وحمرا فعين أصله ضم العين بوزن فعل لكنها كسرت لتصح الياء، وكذا يقال في بيض اهـ شيخنا.\rقوله: (بنساء بيض) تفسير للحور، وقوله: واسعات الأعين الخ تفسير لعين، وهذا على ما قاله القاضي من أن الحور البياض مطلقا، وجعل الزمخشري الحور بمعنى شدة بياض العين وشدة سوادها، وفي القاموس: الحور بالتحريك أن يشتد بياض العين ويسود سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها اهـ كرخي.\rقوله: يَدْعُونَ حال من الهاء في زوجناهم ومفعوله محذوف كما قدره اهـ شيخنا.\rوقوله: لا يذوقون حال من الضمير في آمنين اهـ سمين.","part":7,"page":133},{"id":2591,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 134\rآمِنِينَ (55) من انقطاعها ومضرتها ومن كل مخوف. حال\rلا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى أي التي في الدنيا بعد حياتهم فيها قال بعضهم: إلا بمعنى بعد وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (56)\rفَضْلًا مصدر بمعنى تفضلا منصوب بتفضل مقدرا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)\rفَإِنَّما يَسَّرْناهُ سهلنا القرآن بِلِسانِكَ بلغتك لتفهمه العرب منك لَعَلَّهُمْ قوله: (قال بعضهم) هو الطبري إلا بمعنى بعد، وبهذا يحصل الجواب عن السؤال المشهور كيف يصح الحمل على الاتصال، والاستثناء المتصل هو المنع من دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بإلّا وأخواتها والموتة الأولى غير داخلة في حكم الصدر ممنوعة الدخول فيه أي: كيف قال في صفة أهل الجنة ذلك مع أنهم يذوقوه فيها قطعا، وبعضهم جعله منقطعا أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها وهذا أحسن من الأول اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: إلا الموتة الأولى فيه أوجه، أحدها: استثناء منقطع أي: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. الثاني: أنه متصل وتأولوه بأمن المؤمن عند موته في الدنيا بمنزلته في الجنة لمعاينة ما يعطاه منها أو لما يتيقنه من نعيمها. الثالث: أن إلا بمعنى سوى نقله الطبري وضعفه. قال ابن عطية: وليس تضعيفه بصحيح، بل كونها بمعنى سوى مستقيم متسق. الرابع: أن إلا بمعنى بعد، واختاره الطبري وأباه الجمهور، لأن مجيء إلا بمعنى بعد لم يثبت. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها في الجنة. قلت: وهذا عند علماء البيان يسمى نفي الشيء بدليله، وقال ابن عطية: بعد ما قدمت حكايته عن الطبري: فتبين أنه نفى عنهم ذوق الموت، فإنه لا ينالهم من ذلك غير ما تقدم في الدنيا يعني أنه كلام محمول على معناه اهـ.\rقوله: (منصوب بتفضل) أي: على أنه مفعول مطلق اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: فضلا مفعول من أجله وهو مراد مكي حيث قال: مصدر عمل فيه يدعون، وقيل: العامل فيه ووقاهم، وقيل: آمنين، فهذا إنما يظهر على كونه مفعولا من أجله، على أنه يجوز أن يكون مصدرا لأن يدعون وما بعده من باب التفضيل فهو مصدر ملاق لعامله في المعنى، وجعله أبو البقاء منصوبا بمقدر أي: تفضلنا بذلك فضلا أي تفضلا اهـ.\rقوله: الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي: لأنه خلاص عن المكاره وظفر بالمطالب اهـ.\rقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ الباء للمصاحبة، وهذا فذلكة للسورة أي: إجمال لما فيها من التفصيل، وقد مرّ أنه من قول الحساب فذلك كذا فيكون تذكيرا أو شرحا لما مضى اهـ شهاب.\rلأنه تعالى بعد ما أقسم بالكتاب المبين على أنه أنزله في ليلة مباركة وبيّن ما يقتضي إنزاله بأن شأنه إرسال الرسل مؤيدين بالكتب السماوية رحمة لعباده ببيان ما يسعدهم عما يشقيهم، ثم فصل ذلك وشرحه إلى آخر السورة، ثم أجمل ذلك بما معناه ذكر الكتاب المبين قومك، فإنا سهلنا عليك تلاوته","part":7,"page":134},{"id":2592,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 135\rيَتَذَكَّرُونَ (58) يتعظون فيؤمنون، لكنهم لا يؤمنون\rفَارْتَقِبْ انتظر هلاكهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59) هلاكك، وهذا قبل نزول الأمر بجهادهم.\rوتبليغه إليهم منزلا بلغتك ولغتهم اهـ زاده.\rقوله: (لكنهم لا يؤمنون) دخول على قوله: فارتقب، وعبارة الخطيب: فإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا به فارتقب الخ، انتهت.\rقوله: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ أشار الشارح إلى أن مفعول كل منهما محذوف اهـ كرخي.\rقوله: (و هذا قبل نزول الأمر بجهادهم) أي: فهو منسوخ تأمل. هكذا قال بعضهم وليس بصحيح، لأن رفع الإباحة الأصلية ليس نسخا إنما النسخ رفع حكم ثبت في الشرع بحكم آخر، كذلك فقول الشارح وهذا قبل الأمر أو قبل النهي لا يريد به النسخ لأن الشيء قبل الأمر به أو النهي عنه ليس فيه حكم شرعي حتى يرفع بالنسخ فتأمل.","part":7,"page":135},{"id":2593,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 136\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الجاثية مكية إلا قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا الآية. وهي ست سبع وثلاثون آية\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وتسمى: الشريعة اهـ خازن.\rقوله: (مكية) عبارة القرطبي: مكية في قول الحسن، وجابر، وعكرمة، وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية لِلَّذِينَ آمَنُوا إلى أَيَّامَ اللَّهِ نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. ذكره الماوردي، وقال المهدوي، والنحاس، عن ابن عباس: إنها نزلت في عمر رضي اللّه عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فأنزل اللّه: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا الآية ثم نسخت بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] فالسورة كلها مكية على هذا من غير استثناء اهـ.\rقوله: (الآية) أي: إلى قوله: أَيَّامَ اللَّهِ كما تقدم في عبارة القرطبي قوله: (أي في خلقهما) القرينة على تقدير هذا المضاف التصريح به في سورة البقرة في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 164] وأيضا التصريح به في المعطوف وهو قوله: وَفِي خَلْقِكُمْ وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة على ثلاث فواصل، الأولى: للمؤمنين. والثانية: يوقنون. والثالثة: يعقلون.\rووجه التغاير بينها أن المنصف من نفسه إذا نظر في السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد إيمانا فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث عقل واستحكم علمه اهـ من الخطيب.\rوفي البيضاوي: ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور اهـ.\rفأظهرها السموات والأرض، والنظر الصحيح فيها يفيد العلم بأنها مصنوعة لا بد لها من صانع فيؤدي إلى الإيمان باللّه وأدق منها خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، وخلق ما على الأرض من صنوف الحيوانات من حيث إن التفكر فيها وأحوالها يستلزم ملاحظة السموات والأرض لكونها من أسباب تكون الحيوانات وانتظام أحوالهم، ولما كانت هذه الآية أدق بالنسبة إلى الأولى كان التفكر فيها مؤديا إلى مرتبة اليقين وأدق منها سائر الحوادث المتجددة في كل وقت من نزول المطر وحياة الأرض بعد موتها، وغير ذلك من حيث إن استقصاء النظر في أحوال هذه الحوادث يتوقف على ملاحظة","part":7,"page":136},{"id":2594,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 137\rحم (1) اللّه أعلم بمراده به\rتَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ (2) في صنعه\rإِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في خلقهما لَآياتٍ دالة على قدرة اللّه تعالى ووحدانيته لِلْمُؤْمِنِينَ (3)\rوَفِي خَلْقِكُمْ أي في خلق كل منكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن صار إنسانا وَخلق ما يَبُثُ يفرق في الأرض مِنْ دابَّةٍ هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) بالبعث\rوَفي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ذهابهما ومجيئهما وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ مطر لأنه سبب الرزق فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ السموات والأرض لكونها من أسباب هذه الحوادث ومحالها، وعلى ملاحظة الحيوانات المبثوثة على الأرض من حيث إن تجدد هذه الحوادث إنما هو لانتظام أحوالها وتحقق أسباب معاشها، ولما كانت هذه أدق بالنسبة إلى الأوليين وكانت متجددة حينا فحينا بحيث تبعث على النظر والاعتبار كلما تجددت كان النظر فيها مؤديا إلى استحكام العلم وقوة اليقين، وذلك لا يكون إلا بالعقل الكامل، فظهر بهذا التقدير أن المراد بالمؤمنين والموقنين والعاملين من يؤول حالهم إلى هذه الأوصاف اهـ زاده.\rقوله: لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بالنصب بالكسرة باتفاق القراء، لأنه اسم إن، وأما قوله: آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وقوله: آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ففي كل منهما قراءتان سبعيتان الرفع والنصب بالكسرة. فأما الرفع فله وجهان، أحدهما: أن يكون في خلقكم خبرا مقدما، وآيات مبتدأ مؤخرا، والجملة معطوفة على جملة إن في السموات الخ، فالمعطوف غير مؤكد والمعطوف عليه مؤكد بإن. الثاني: أن يكون آيات معطوفا على آيات الأولى باعتبار المحل قبل دخول الناسخ عند من يجوز ذلك. وأما النصب فمن وجهين أيضا، أحدهما: أن يكون آيات معطوفا على آيات الأول الذي هو اسم إن وقوله: وفي خلقكم الخ معطوفا على خبر إن كأنه قيل: وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات. والثاني: أن يكون آيات كررت تأكيدا لآيات الأولى، ويكون وفي خلقكم معطوفا على في السموات كرر معه حرف الجر توكيدا اهـ من السمين.\rقوله: وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ فيه وجهان، أظهرهما: أنه معطوف على خلقكم المجرور بفي على تقدير مضاف كما قدره الشارح. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق على مذهب من يجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار اهـ من السمين.\rوصنيع الشارح محتمل لكل من الوجهين اهـ شيخنا.\rقوله: (هي ما يدب) أي: يتحرك على الأرض.\rقوله: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أشار الشارح إلى أن قوله: واختلاف الليل ليس مجرورا بواو العطف على إن في السموات، بل مجرور بفي المقدرة كما في قراءة عبد اللّه مصرحا بها وحسن حذفها تقدمها في قوله: وفي خلقكم وهذا ما جرى عليه أبو حيان اهـ كرخي.\rقوله: بَعْدَ مَوْتِها أي: بعد يبسها. قوله: (و باردة وحارة) لف ونشر مشوش، وترك اثنين وهما الصبا والدبور، لأن الرياح أربعة بحسب جهات الأفق اهـ شيخنا.","part":7,"page":137},{"id":2595,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 138\rتقليبها مرة جنوبا ومرة شمالا وباردة وحارة آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) الدليل فيؤمنون\rتِلْكَ الآيات المذكورة آياتُ اللَّهِ حججه الدالة على وحدانيته نَتْلُوها نقصها عَلَيْكَ بِالْحَقِ متعلق بنتلو فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ أي حديثه وهو القرآن وَآياتِهِ حججه يُؤْمِنُونَ (6) أي كفار مكة أي لا يؤمنون، وفي قراءة بالتاء\rوَيْلٌ كلمة عذاب لِكُلِّ أَفَّاكٍ كذاب أَثِيمٍ (7) كثير الإثم\rيَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ القرآن تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ على كفره مُسْتَكْبِراً متكبرا عن الإيمان كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8) مؤلم\rوَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا أي القرآن شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أي مهزوءا بها أُولئِكَ أي قوله: (الآيات المذكورة) وهي السموات والأرض وما بعدها، فلذلك قال حججه أي: دلائله، ويصح أن يراد بها الآيات القرآنية المذكورة من أول السورة كما أشار إليه في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: نَتْلُوها عَلَيْكَ الخ يجوز أن يكون خبرا لتلك، وآيات اللّه بدل أو عطف بيان، ويجوز أن يكون تلك آيات مبتدأ وخبرا ونتلوها حال. قال الزمخشري: والعامل فيها ما دل عليه تلك من معنى الإشارة اهـ سمين.\rقوله: (متعلق بنتلو) أي: على أنه عامل فيه مع كونه حالا من الفاعل أو المفعول، والباء للملابسة اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو القرآن) وسمي حديثا لقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر: 23].\rقوله: (أي لا يؤمنون) أي: فالاستفهام إنكاري، وقوله: وفي قراءة أي: سبعية بالتاء أي: مناسبة لقوله: وفي خلقكم اهـ كرخي.\rقوله: يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ يجوز فيه أن يكون مستأنفا أي: هو يسمع أو من غير إضمار هو وأن يكون حالا من الضمير في أثيم، وأن يكون صفة وقوله: تتلى عليه حال من آيات اللّه، وقوله: ثم يصر الخ ثم للتراخي الرتبي عند العقل أي إصراره على الكفر بعد ما قررت له الأدلة المذكورة وسمعها مستبعد في العقول، وقوله: كأن لم يسمعها مستأنف أو حال اهـ سمين.\rقوله: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها أي: كأنه فخفف وحذف ضمير الشأن، والجملة في موضع الحال أي: يصر حال كونه مثل غير السامع اهـ بيضاوي.\rقوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي: على إصراره والبشارة على الأصل، فإنها بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في بشرة الوجه سرورا أو عبوسا أو على التهكم إن أريد المعنى المتعارف وهو الخبر السار اهـ كرخي.\rقوله: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً أي: إذا بلغه شيء وعلم أنه من آياتنا اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر، وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي اهـ.\rقوله: اتَّخَذَها هُزُواً في الضمير المؤنث وجهان، أحدهما: أنه عائد على آياتنا يعني القرآن.","part":7,"page":138},{"id":2596,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 139\rالأفاكون لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) ذو إهانة\rمِنْ وَرائِهِمْ أي أمامهم لأنهم في الدنيا جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا من المال والفعال شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10)\rهذا أي القرآن هُدىً من الضلالة وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ حظ مِنْ رِجْزٍ أي عذاب أَلِيمٌ (11) موجع\r* اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ السفن فِيهِ بِأَمْرِهِ بإذنه وَلِتَبْتَغُوا تطلبوا بالتجارة مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)\rوَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من شمس وقمر والثاني: أنه عائد على شيئا وإن كان مذكرا لأنه بمعنى الآية، والمعنى اتخذ ذلك الشيء هزوا إلا أنه تعالى قال: اتخذها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام، وعلم أنه آية من جملة الآيات المنزلة على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد اهـ خطيب.\rوفي الكرخي: اتخذها هزوا الضمير لآياتنا وفائدة جعله له، مع أن الظاهر أن يجعل لشيئا الإشعار بأنه إذا سمع كلاما وعلم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على ما سمعه، ويجوز أن تكون فائدته الإشارة إلى أن اتخاذ واحدة منها هزوا اتخاذ للكل لما بينهما من التماثل اهـ.\rقوله: (أي الأفاكون) فيه مراعاة معنى أفاك بعد مراعاة لفظه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي أمامهم) فالوراء مستعمل بمعنى الأمام، كما يستعمل بمعنى الخلف كما قدمه في سورة إبراهيم وغيرها، وهو مشترك بين المعنيين فيستعمل في الشيء وضده كالجون يستعمل في الأبيض والأسود على سبيل الاشتراك اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا يُغْنِي أي: يدفع. قوله: وَلا مَا اتَّخَذُوا عطف على ما كسبوا وما فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي: لا يغني عنهم كسبهم ولا اتخاذهم أو الذي كسبوه، ولا الذي اتخذوه اهـ كرخي.\rوالشارح جرى على الثاني حيث بين الأولى بقوله: من المال والفعال، والثانية بقوله الأصنام اهـ شيخنا.\rقوله: (أي عذاب) تقدم أن الرجز أشد العذاب اهـ شيخنا.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلله كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه اهـ بيضاوي.\rوقوله: أملس السطح لأنه لو لم يكن أملس السطح أي: أجزاء متساوية لم يمكن جري الفلك عليه ويطغو بمعنى يرتفع ويعلو اهـ شهاب.\rقال تعالى: إنا لما طغى الماء ارتفع اهـ.","part":7,"page":139},{"id":2597,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 140\rونجوم وماء وغيره وَما فِي الْأَرْضِ من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيره أي خلق ذلك لمنافعكم جَمِيعاً تأكيد مِنْهُ حال أي سخرها كائنة منه تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) فيها فيؤمنون\rقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ يخافون أَيَّامَ اللَّهِ وقائعه أي اغفروا للكفار ما قوله: (و غيره) أي: غير المذكور. قوله: (أي خلق ذلك الخ) تفسير لقوله: وسخر لكم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (تأكيدا) أي: لما على رأي ابن مالك حيث عدها من المؤكدات، وقوله: حال أي: من ما كما يشير له قوله: أي سخرها الخ اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: جميعا إما حال من ما في السموات والأرض أو توكيد له وقوله: منه متعلق بمحذوف هو صفة لجميعا أو حال من ما أي جميعا كائنا منه تعالى، أو سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه مخلوقة اهـ.\rقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا الخ اختلف في نزول هذه الآية فقال ابن عباس: نزلت في عمر بن الخطاب، وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال له المريسيع، فأرسل عبد اللّه بن أبي غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقرب أبي بكر، فقال عبد اللّه: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه له، فأنزل اللّه هذه الآية، فعلى هذا تكون مدنية، وقال مقاتل: إن رجلا من بني غفار شتم عمر بمكة، فهمّ عمر أن يبطش به، فنزلت بالغفر والتجاوز. وروى ميمون بن خيران أن فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: 245] قال: احتاج رب محمد فسمع ذلك عمر فاشتمل بسيفه وخرج في طلبه، فبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليه فرده. وقال القرطبي، والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل مكة كانوا في أذى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالجهاد، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت ثم نسختها آية القتال اهـ خطيب.\rفعلى هذا تكون مكية، وصنيع الشارح يناسب القول الأخير اهـ.\rقوله: لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي لا يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعهم، أو لا يأملون الأوقات التي وقتها اللّه لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها اهـ بيضاوي.\rوقوله: لا يتوقعون إشارة إلى أن الرجاء مجاز عن التوقع لاختصاص الرجاء بالمحبوب وهو غير مناسب هنا واستعمال الأيام بمعنى الوقائع مجاز مشهور اهـ شهاب.\rوقوله: أولا يأملون من أمل يأمل كنصر، وقوله: الأوقات إشارة إلى أن الأيام بمعنى مطلق الأوقات اهـ شهاب.\rقوله: (أي اغفروا للكفار الخ) أي: فحذف المقول وهو اغفروا، لأن الجواب دال عليه أي:\rيغفروا دال على أن القول اغفروا، كقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: 39] أي في","part":7,"page":140},{"id":2598,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 141\rوقع منهم من الأذى لكم، وهذا قبل الأمر بجهادهم لِيَجْزِيَ أي اللّه وفي قراءة بالنون قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) من الغفر للكفار أذاهم\rمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ عمل وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أساء ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) تصيرون فيجازي المصلح والمسيء\rوَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ القتال فحذف لأن يقاتلون دال عليه اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: للذين آمنوا يغفروا جزم على جواب قل تشبيها بالشرط والجزاء كقولك: قم تصب خيرا، وقيل: هو على حذف اللام، وقيل: على معنى قل لهم اغفروا فهو جواب أمر محذوف دل عليه الكلام قاله علي بن عيسى، واختاره ابن العربي اهـ.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بجهادهم) أي: فهو منسوخ بآية القتال قال الرازي: وإنما قالوا بالنسخ لأنه يدخل تحت الغفران لا يقاتلوا ولا يقتلوا، فلما أمر اللّه بالقتل كان نسخا وإلا قرب أن يقال إنه محمول على ترك المنازعة وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية اهـ خطيب.\rقوله: لِيَجْزِيَ قَوْماً علة للأمر بالقول أو للقول المقدر الدال عليه الأمر، والقوم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما، فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع اهـ خطيب.\rوالشارح جرى على الأولى حيث قال: (من الغفر للكفار أذاهم) والغافر للكافر هم المؤمنون اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: بما كانوا يكسبون من الغفر للكفار أذاهم فيه إشارة إلى أن ليجزي تعليل للأمر بالمغفرة أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده اللّه من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة والقوم هم المؤمنون فالتنكير للتعظيم: أي: هو مدح لهم وثناء عليهم وهو من باب التجريد كأنه قيل: ليجزي قوما وأي قوم قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن فلا يرد السؤال ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف، والباء يجوز أن تكون للسببية أو للمقابلة، وأن تجعل صلة يجزي على حذف مضاف أي: بمثل كسبهم اهـ.\rقوله: (و في قراءة بالنون) أي: سبعية قوله: (أذاهم) معمول المصدر.\rقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ جملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء اهـ شهاب.\rوعبارة زاده: لما ذكر إجمالا أن المرء يجزى بكسبه بيّن أن من كسب صالحا كالعفو عن المسيء فإنه يثاب وأنه هو المنتفع بكسبه ومن كسب الإساءة يعاقب ويتضرر به، ثم بيّن أن ذلك النفع والضرر إنما يكون يوم الرجوع إلى اللّه، انتهت.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الخ بيّن به أن طريقة قومه عليه الصلاة والسّلام كطريقة من تقدم من الأمم، فإنه تعالى أنعم على بني إسرائيل نعما كثيرة من نعم الدنيا، ومع ذلك لم يشكروا تلك النعم، بل اختلفوا في أمر الدين بعد ما جاءهم العلم بحقيقة الحال على سبيل البغي والحسد، فطلب كل فريق أن يكون هو الرئيس المتبوع، فكذا كفار قومه جاءتهم أدلة واضحة دالة على حقيقة دينه، ثم أصرّوا على الكفر وأعرضوا عن الإيمان عداوة وحسدا اهـ زاده.","part":7,"page":141},{"id":2599,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 142\rالتوراة وَالْحُكْمَ به بين الناس وَالنُّبُوَّةَ لموسى وهرون منهم وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الحلالات كالمن والسلوى وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16) عالمي زمانهم العقلاء\rوَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أمر الدين من الحلال والحرام، وبعثة محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام فَمَا اخْتَلَفُوا في بعثته قوله: (التوراة) تبع في الكشاف كالقاضي، وقال بعضهم: لعل الأولى أن يحمل الكتاب على الجنس حتى يشمل الإنجيل والزبور اهـ كرخي.\rلكن جمهور المفسرين على تفسيره هنا بالتوراة لأنه ذكر بعدها الحكم ونحوه، وما ذكر لا حكم فيه إذ الزبور أدعية ومناجاة، والإنجيل أحكامه قليلة جدا، وعيسى مأمور بالعمل بالتوراة اهـ شهاب.\rقوله: وَالْحُكْمَ (به) أي: الفصل بين الخصوم. قوله: وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ هذه نعم دنيوية وما قبله من الكتاب والنبوة نعم دينية اهـ شيخنا.\rقوله: (عالمي زمانهم العقلاء) عبارة البيضاوي: وفضلناهم على العالمين حيث آتيناهم ما لم نؤته أحدا غيرهم، انتهت.\rوقوله: حيث آتيناهم الخ إشارة إلى أنه لا حاجة إلى تخصيص العالمين بعالمي زمانهم بناء على الظاهر من أن المراد تفضيلهم بما يختص بهم من الفضائل من كثرة الأنبياء فيهم، وفلق البحر، وغرق عدوهم، وإنزال المن والسلوى، وانفجار اثنتي عشرة عينا من جحر صغير في مدة التيه، وليس المراد تفضيلهم على العالمين بحسب الدين والثواب اهـ زاده.\rوقوله: العقلاء فيه شيء، وتقدم بيانه في سورة الدخان فراجعه إن شئت.\rقوله: وَآتَيْناهُمْ في ذلك الكتاب الذي هو التوراة، أي: بينا لهم فيه أمر الشريعة وأمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأوصيناهم فيه بالإيمان به، فكانوا على ذلك العهد إلى أن بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فحسدوه وكفروا به فقوله: إلا من بعد ما جاءهم العلم ومجيء العلم لهم كان ببعثه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فهذه الآية على حد قوله في سورة البقرة فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: 89] تأمل. قوله أيضا: وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أي: أدلة واضحة في أمر الدين فمن بمعنى في ويندرج فيها المعجزات، وقيل: آيات من أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبينة لصدقه اهـ بيضاوي.\rأي: علامات له مذكورة في كتبهم اهـ شهاب.\rوفي أبي السعود: وآتيناهم ببينات من الأمر أي دلائل ظاهرة في أمر الدين ومعجزات قاهرة، وقال ابن عباس: هو العلم بمبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وما بين لهم من أمره، وأنه يهاجر من تهامه إلى يثرب ويكون أنصاره أهل يثرب اهـ.\rقوله: فَمَا اخْتَلَفُوا (في بعثته الخ) فقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة، فلما جاءهم العلم والشرع في كتابهم كان مقتضاه أن يدوموا على الاتفاق، بل كان ينبغي أن يزدادوا اتفاقا لكنهم لم يكونوا كذلك، بل صار ما هو مقتض للاتفاق مقتضيا للاختلاف لسوء حالهم اهـ من الخطيب.","part":7,"page":142},{"id":2600,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 143\rإِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أي لبغي حدث بينهم حسدا له إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)\rثُمَّ جَعَلْناكَ يا محمد عَلى شَرِيعَةٍ طريقة مِنَ الْأَمْرِ أمر الدين فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) في عبادة غير اللّه\rإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا يدفعوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) المؤمنين\rهذا القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ معالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ قوله: يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي: بالمؤاخذة والمجازاة اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ ثم للاستئناف والكاف مفعول أول لجعل، وقوله: على شريعة هو المفعول الثاني، والشريعة في الأصل ما يرده الناس من المياه والأنهار يقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع فاستعير ذلك للدين لأن العباد يردون ما تحيا به نفوسهم اهـ سمين.\rوفي القرطبي: ثم جعلناك على شريعة من الأمر الشريعة في اللغة المذهب والملة، ويقال لمشرعة الماء وهي مورد الشاربة شريعة ومنه الشارع لأنه طريق إلى القصد، فالشريعة ما شرعه اللّه لعباده من الدين والجمع الشرائع، والشرائع في الدين المذاهب التي شرعها اللّه لخلقه، والمعنى ثم جعلناك على شريعة أي: على هدى من الأمر أي: على منهاج واضح من أمر الدين شرع بك إلى الحق، وقال ابن عباس: على شريعة أي: على هدى من الأمر، وقال قتادة: الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض البينة لأنها طريق إلى الحق، وقال الكلبي: السنة لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء، وقال ابن زيد: الدين لأنه طريق إلى النجاة. وقال ابن العربي: والأمر يرد في اللغة بمعنيين، أحدهما:\rبمعنى الشأن كقوله: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود: 97] والثاني: أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي، وكلاهما يصح أن يكون مرادا هنا، وتقديره: ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123] ولا خلاف أن اللّه تعالى يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع حسب ما علمه سبحانه وتعالى اهـ.\rقوله: أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وهم رؤساء قريش، قالوا ارجع إلى دين آبائك فإنهم كانوا أفضل منك وأسن قاله الكلبي، فنزلت هذه الآية وهي قوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ الخ اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ الخ تعليل للنهي عن اتباع أهوائهم أي: إن اتبعت أهواءهم وملت إلى أديانهم الباطلة صرت مستحقا للعذاب بسببهم وهم لا يقدرون على دفع شيء مما أراد اللّه بك من العذاب إن اتبعت أهواءهم، ثم بين أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولا ولي لهم في الآخرة يزيل العقاب عنهم، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فتكون من تتمة العلة للنهي المذكور، لأن بيان أن ولي الظالمين هو ظالم مثلهم بيان أن مثلك لا يوالي ظالما فكيف تتبعه اهـ زاده.\rقوله: أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي: لأن الجنسية علة الانضمام اهـ كرخي.\rقوله: هذا مبتدأ، وبصائر خبره، وجمع الخبر باعتبار ما في المبتدأ من تعدد الآيات والبراهين اهـ سمين.","part":7,"page":143},{"id":2601,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 144\rيُوقِنُونَ (20) بالبعث\rأَمْ بمعنى همزة الإنكار حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا اكتسبوا السَّيِّئاتِ الكفر والمعاصي أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً خبر مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ مبتدأ وجعل الدلائل الواضحة بمنزلة البصائر في القلوب إذ يتوصل بكل واحد منهما إلى تحصيل العرفان واليقين اهـ زاده.\rلكن في المختار والقاموس: أن من جملة معاني البصيرة الحجة، وعليه فلا تجوز عنا ونص الأول والبصيرة الحجة والاستبصار في الشيء اهـ.\rونص الثاني والبصيرة عقيدة القلب والفطنة والحجة اهـ.\rقوله: (معالم) جمع معلم. وفي المختار: المعلم الأثر يستدل به على الطريق اهـ.\rوفي أبي السعود: بصائر للناس فإن ما فيه من معالم الدين شعائر والشعائر بمنزلة البصائر في القلوب اهـ.\rوفي البيضاوي: بصائر للناس أي: بينات تبصرتهم وجه الفلاح اهـ.\rقوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: يطلبون اليقين اهـ بيضاوي.\rوفسّره به لأن من هو على اليقين لا يحتاج لما يبصره به بخلاف الطالب، ولو لا تأويله بما ذكر لكان تحصيلا للحاصل اهـ شهاب.\rقوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي: فهي منقطعة وأم المنقطعة تقدر تارة ببل التي للإضراب الانتقالي وهمزة الإنكار وتارة ببل فقط، وتارة بهمزة الإنكار فقط اهـ سمين.\rوالمراد إنكار الحسبان بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون، فهذا هو محط الإنكار وإلّا فالحسبان قد وقع بالفعل اهـ من الكرخي.\rوفي أبي السعود: أم حسب الذين اجترحوا السيئات استئناف مسوق لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين أثر بيان تباين حالي الضالمين والمتقين، وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان، لكن لا بطريق إنكار الوقوع ونفيه كما في قوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 28] بل بطريق إنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه والاجتراح الاكتساب اهـ.\rقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ حسب: فعل ماض، والذين فاعله، وجملة أن نجعلهم الخ سادة مسد المفعولين اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أي: اكتسبوها، والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الجاثية: 21] قال الكلبي: الذين اجترحوا السيئات عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات علي وحمزة وعبيد بن الحرث رضي اللّه عنهم حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم، وقيل: نزلت في قوم من المشركين قالوا إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن كما أخبر الرب عنهم في قوله:\rوَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [فصلت: 50] اهـ.\rقوله: سَواءً (خبر) هذا على قراءة الرفع، وقرئ في السبع بنصبه على الحال من الضمير","part":7,"page":144},{"id":2602,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 145\rومعطوف، والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، المعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين:\rلئن بعثنا لنعطى من الخير مثل ما تعطون، قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21) أي ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب، على خلاف عيشهم في الدنيا، والمؤمنون في الآخرة في الثواب بعملهم الصالحات في الدنيا، من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية أي بئس حكما حكمهم هذا\rوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَخلق الْأَرْضَ المستتر في الجار والمجرور، وهما كالذين آمنوا، ويكون المفعول الثاني للجعل هو كالذين آمنوا أي:\rأحسبوا أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك، ومحياهم فاعل بسواء لاعتماده اهـ.\rقوله: (و الجملة) أي: جملة المبتدأ والخبر وقوله: بدل من الكاف أي: الداخلة على الذين لأنها في محل نصب على أنها مفعول ثان للجعل، فهي اسم أي: أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا الخ. ثم أدلت منها الجملة لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا، فكانت في حكم المفرد، وهذا البدل بدل اشتمال أو بدل كل اهـ كرخي.\rقوله: (أن نجعلهم في الآخرة في خير) هذا محط الإنكار والنفي. قوله: (أي ليس الأمر كذلك) أي: أنا نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين كما يظنون ويزعمون، وكان الأولى للشارح تقديم هذا على قوله ساء ما يحكمون، لأنه من تمام ما قبله كما صنع البيضاوي ونصه: والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة. ثم قال: ساء ما يحكمون اهـ.\rوقوله: بعد الممات يقتضي أن المراد بالموت ما بعده من مدة القبر ومدة القيامة، وأن المراد بالمحيا حياة الدنيا، وفي أبي السعود: والمعنى أم حسبوا أن نجعلهم كائنين مثلهم حال كون الكل مستويا محياهم ومماتهم كلا لا يستوون في شيء منهما، فإن هؤلاء في عز الإيمان والطاعة وشرفهما في المحيا، وفي رحمة اللّه تعالى ورضوانه في الممات، وأولئك في ذلك الكفر والمعاصي وهو إنهما في المحيا وفي لعنة اللّه والعذاب الخالد في الممات وشتان بينهما، وقد قيل: المراد إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة وإنما يفرقون في الممات اهـ.\rقوله: (و ما مصدرية) هذا قول ابن عطية، وعليه فالمصدر المنسبك منها ومما بعدها هو الفاعل، وإذا كان الفاعل مذكورا لم يكن هناك تمييز، فقول الشارح بئس حكما الخ ليس على ما ينبغي إذا مقتضاه أنها تمييز، وإذا كانت تمييزا كان الفاعل مستترا وهذا ينافي كونها مصدرية، وعبارة السمين:\rوقال ابن عطية ما هنا مصدرية أي: الحكم حكمهم، انتهت.\rفالحكم في كلامه فاعل وحكمهم المخصوص بالذم اهـ.\rقوله: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ الخ كالدليل لما قبله من نفي الاستواء، ولذلك قال الشارح: فلا يساوي الكافر المؤمن اهـ كرخي.","part":7,"page":145},{"id":2603,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 146\rبِالْحَقِ متعلق بخلق ليدل على قدرته ووحدانيته وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من المعاصي والطاعات، فلا يساوي الكافر المؤمن وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22)\rأَفَرَأَيْتَ أخبرني مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ منه تعالى، أي عالما بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ فلم يسمع الهدي ولم يعقله وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ظلمة فلم يبصر الهدي ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أيهتدي فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ بعد قوله: (متعلق بخلق) أي: على أنه حال من الفاعل أو المفعول. قوله: (ليدل على قدرته ووحدانيته) أشار إلى أن ولتجزى عطف على معلل محذوف كما قال الزمخشري. قال الطيبي: ولو قال على علة محذوفة كان أولى لأن المقدر هو قوله: ليدل الخ وقد تقدم نظائره، أو معطوف على بالحق لأن معنى الباء واللام هنا للتعليل، وجوز ابن عطية أن تكون لام الصيرورة أي: وصار الأمر من حيث اهتدى بها قوم وضل بها آخرون اهـ كرخي.\rقوله: وَهُمْ أي: النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب وتسمية ذلك ظلما مع أنه ليس كذلك على ما عرف ما قاعدة أهل السنة لبيان غاية تنزه ساحة لطفه تعالى عما ذكر بتنزيله منزلة الظلم الذي يستحيل صدوره عنه تعالى، أو سماه ظلما نظرا إلى صدوره منا كما الابتلاء والاختبار اهـ أبو السعود.\rقوله: (أخبرني) أي: ففيه تجوزان إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار على طريق إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب لأن الرؤية سبب للإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر مطلق الطلب، وقوله: من اتخذ مفعول أول لرأيت اهـ زاده.\rقوله: مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي: ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه يعبده اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي عالما بأنه من أهل الضلالة) جعل الشيخ المصنف قوله على علم حالا من الفاعل، ويمكن أن يجعل حالا من المفعول فيكون مثل قوله: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ [الجاثية: 17] والمعنى أضله وهو عالم بالحق وهذا أشد تشنيعا عليه اهـ كرخي.\rقوله: غِشاوَةً قرأ الأخوان: غشوة بفتح الغين وسكون الشين، والأعمش، وابن مصرف كذلك إلّا أنهما كسرا الغين، وباقي السبعة غشاوة بكسر الغين، وابن مسعود، والأعمش أيضا بفتحها وهي لغة ربيعة، والحسن، وعكرمة، وقرأ عبد اللّه بضمها وهي لغة عكل، وتقدم الكلام في ذلك أول البقرة، وأنه قرئ هناك بالعين المهملة اهـ سمين.\rقوله: (و يقدر هنا المفعول الثاني) أي: بعد تمام الصلات الأربع، فلا يصح تقديره في أثنائها، والأربع هي قوله: اتخذ الخ، وقوله: وأضله الخ، وقوله: وختم الخ، وقوله: وجعل الخ اهـ كرخي.\rوحذف لدلالة فمن يهديه عليه زاده.\rودعوى الحذف غير لازمة إذ لا مانع من جعل جملة فمن يهديه من بعد اللّه هي المفعول الثاني اهـ.","part":7,"page":146},{"id":2604,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 147\rإضلاله إياه لا يهتدي أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) تتعظون فيه إدغام إحدى التاءين في الذال\rوَقالُوا أي منكرو البعث ما هِيَ أي الحياة إِلَّا حَياتُنَا التي في الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعض ويحيا بعض بأن يولدوا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي مرور الزمان، قال تعالى وَما لَهُمْ بِذلِكَ المقول مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)\rوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن الدالة على قدرتنا على البعث بَيِّناتٍ واضحات حال ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا أحياء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) أنا نبعث قوله: (إحدى التاءين) وهي الثانية، وقرئ أيضا بترك الإدغام بتاء واحدة بعدها ذال مخففة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يموت بعض الخ) جواب عما يقال أن قولهم نموت ونحيا فيه اعتراف بالحياة بعد الموت مع أنهم ينكرونها، فلذلك أوله بقوله: أي يموت بعض الخ، (بأن يولدوا) أي البعض فالضمير باعتبار معناه اهـ شيخنا.\rقوله: (إلا الدهر) هو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره إذا غلبه اهـ بيضاوي.\rوفي القاموس: ودهرهم أمر كمنع نزل بهم مكروه فهم مدهور بهم ومدهورون اهـ.\rقوله: (أي مرور الزمان) كان من شأن العرب إذا أصابهم سوء نسبوه للدهر اعتقادا منهم أنه الفعال لما يريد، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر» أي: لأنه تعالى هو الفعال لما يريد الدهر، والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، وأصل الدهر مدة بقاء العالم فهو أعم من الزمان اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وما يهلكنا إلا الدهر قال مجاهد: السنين والأيام، وقال قتادة: إلا العمر والمعنى واحد، وقرئ إلا دهر يمر، وقال ابن عيينة: كان أهل الجاهلية يقولون الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا، فنزلت هذه الآية، وقال قطرب: وما يهلكنا إلا الموت، وقال عكرمة: أي: وما يهلكنا إلا اللّه. وروى أبو هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «كان أهل الجاهلية يقولون وما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يحيينا ويميتنا فيسبون الدهر، فقال اللّه تعالى: يؤذيني ابن آدم بسبب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن اللّه هو الدهر» وقد استدل بهاذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء اللّه تعالى اهـ.\rومرادهم بهذا الحصر إنكارا أن يكون الموت بواسطة ملك الموت، وعبارة أبي السعود: وكانوا يزعمون أن المؤثر في هلاك الأنفس هو مرور الأيام والليالي وينكرون ملك الموت وقبضه للأرواح بأمر اللّه تعالى، ويضيفون الحوادث إلى الدهر والزمان. اهـ.\rقوله: وَما لَهُمْ بِذلِكَ (المقول) وهو قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا الخ. وفي الكرخي: ما لهم بذلك من علم أي: بنسبه الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال اهـ.\rقوله: (واضحات) أي: واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم اهـ كرخي.\rقوله: ما كانَ حُجَّتَهُمْ بالنصب خبر كان، وقوله: إلا أن قالوا اسمها، وإنما سماه حجة مع","part":7,"page":147},{"id":2605,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 148\rقُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ حين كنتم نطفا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ أحياء إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ شك فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم القائلون ما ذكر لا يَعْلَمُونَ (26)\rوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يبدل منه يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) الكافرون أي يظهر خسرانهم بأن يصيروا إلى النار\rوَتَرى كُلَ أنه ليس بحجة لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته وساقوه مساقها، فسمي حجة على سبيل التهكم أو لأنه في حسابهم وتقديرهم حجة اهـ كرخي.\rوالمعنى ما كان لهم متشبث يتعلقون ويعارضون به إلا أن قالوا الخ.\rقُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ الخ هذا رد لقولهم وما يهلكنا إلا الدهر يعني أنه مما لا يمكن إنكاره وهم معترفون بأنه المحيي المميت، فكيون دليلا إلزاميا على البعث، وقوله: إلى يوم القيامة إلى بمعنى في أو الفعل مضمن معنى منتهين ونحوه اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: قل اللّه يحييكم ثم يميتكم هذا رد لقولهم وما يهلكنا إلا الدهر، وفيه رد للزمخشري في جعله إلزاميا يعني وجه مطابقة الجواب، وهو قل اللّه يحييكم الخ للسؤال وهو ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين أنهم ألزموا ما هم مقرون به من أن اللّه تعالى هو الذي أحياهم أولا ثم يميتهم، ومن قدر على ذلك قدر على جمعهم يوم القيامة فيكون قادرا على إحياء آبائهم، والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا محالة، والوعد المصدق بالآيات دال على وقوعها حتمر والإتيان بآبائهم في الدنيا حيث كان مزاحما للحكمة التشريعية امتنع إيقاعه اهـ كرخي.\rقوله: (و هم) أي: الأكثر فالجمع باعتبار المعنى اهـ.\rقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا تعميم للقدرة بعد تخصيصها، ووجهه أن المراد بملكه لها تصرفه فيها كما أراد وهو شامل للإحياء والإماتة المذكورين قبله وللجمع والبعث وللمخاطبين وغيرهم اهـ شهاب.\rقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ في عامله وجهان، أحدهما: أنه يخسر ويومئذ بدل من يوم تقوم والتنوين على هذا تنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا تقوم الساعة، فيصير التقدير ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة فيكون توكيدا بدلا توكيديا.\rوالثاني: أن العامل فيه مقدر وقالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليس بالسماء ولا بالأرض لأنهما يتبدلان، فكأنه قيل: وللّه ملك السموات والأرض وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله: يومئذ معمولا ليخسر، والجملة مستأنفة من حيث اللفظ، وإن لها تعلق بما قبلها من حيث المعنى اهـ سمين.\rوقال العلامة التفتازاني: وهذا بالتأكيد أشبه وأنى يتأتى أن هذا مقصود بالنسبة دون الأول، وقال شيخنا: اليوم في البدل بمعنى الوقت، والمعنى وقت أن تقوم الساعة وتحشر الموتى فيه وهو جزء من يوم تقوم الساعة فإنه يوم متسع مبدؤه من النفخة الأولى، فهو بلد البعض والعائد مقدر، ولما كان خسرانهم وقت حشرهم كان هو المقصود بالنسبة اهـ كرخي.\rقوله: (أي يظهر خسرانهم الخ) أي: وإلا فخسرانهم محكوم به أزلا اهـ شيخنا.","part":7,"page":148},{"id":2606,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 149\rأُمَّةٍ أي أهل دين جاثِيَةً على الركب أو مجتمعة كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا كتاب أعمالها ويقال لهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) أي جزاؤه\rهذا كِتابُنا ديوان الحفظة يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ قوله: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً إن كانت الرؤية بصرية فجاثية حال أو صفة، وإن كانت علمية فهي مفعول ثان وفيه بعد اهـ كرخي.\rقوله: جاثِيَةً (على الركب) أي: باركة مستوفزة على الركب، وفي القاموس: استوفز في قعدته انتصب فيها غير مطمئن أو وضع ركبتيه ورفع أليتيه واستقل على رجليه متهيئا للوثوب، وقوله:\rأو مجتمعة من الجثوة مثلثة الجيم وهي الجماعة، ومنه حديث ابن عمر: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى كل أمة تتبع نبيها أي: جماعة، وفي الفائق: والجثوة ما جمع من تراب وغيره فاستعيرت، فإن قيل: الجثو على الركب إنما يليق بالخائف والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة؟ فالجواب: أن المحق قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقا اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وفي الجاثية تأويلات خمسة، الأول: قال مجاهد: مستوفزة، وقال سفيان:\rالمستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله. قال الضحاك: وذلك عند الحساب.\rالثاني: مجتمعة قاله ابن عباس، وقال الفراء: المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين. الثالث: متميزة قاله عكرمة. الرابع: خاضعة بلغة. قريش. الخامس: باركة على الركب قاله الحسن، والجثو على الركب. يقال: جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا على فعول فيهما، وقد مضى في مريم وأصل الجثوة الجماعة من كل شيء، ثم قيل: هو خاص بالكفار قاله يحيى بن سلام، وقيل: إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب، وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبد اللّه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كأني أراكم بالركب جاثين دون جهنم» ذكره الماوردي، وقال سليمان: إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ينادي لا أسألك اليوم إلا نفسي اهـ.\rقوله: كُلَّ أُمَّةٍ العامة على الرفع بالابتداء وتدعى خبرها، ويعقوب بالنصب على البدل من كل أمة الأولى بدل نكرة موصوفة من مثلها اهـ سمين.\rقوله: تُدْعى إِلى كِتابِهَا فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم في قوله إلى كتابها إلى اللّه في قوله هذا كتابنا، فالجواب لا منافاة بين الأمرين لأن كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب اللّه بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه وإليه أشار في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ هذه الجملة معمولة لقول مضمر، والتقدير: يقال لهم اليوم تجزون، واليوم معمول لما بعده وما كنتم تعملون هو المفعول الثاني اهـ سمين.\rقوله: يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ يجوز أن يكون حالا، وأن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون كتابنا بدلا وينطق خبر وحده وبالحق حال اهـ سمين.\rوفي الكرخي: ينطق عليكم أي: يشهد عليكم بما عملتم بالحق بلا زيادة ولا نقصان اهـ.\rوفي القرطبي: قوله هذا كتابنا قيل هذا من قول اللّه لهم، وقيل: من قول الملائكة لهم ينطق","part":7,"page":149},{"id":2607,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 150\rإِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ نثبت ونحفظ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)\rفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ جنته ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) البين الظاهر\rوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي أي القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) كافرين\rوَإِذا قِيلَ لكم أيها الكفار إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ وَالسَّاعَةُ بالرفع والنصب لا رَيْبَ شك فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي عليكم بالحق أي: يشهد وهو استعارة يقال: نطق الكتاب بكذا أي، بيّن، وقيل: إنهم يقرؤنه فيذكرهم الكتاب ما عملوا فكأنه ينطق عليهم دليله قوله تعالى: وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف: 49] وفي سورة المؤمنون: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون: 62] وقد تقدم وينطق في موضع الحال من الكتاب أو من هذا أو خبر ثان لهذا، أو يكون كتابنا بدلا من هذا وينطق الخبر اهـ.\rقوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: نأمر بنسخ ما كنتم تعملون قال علي رضي اللّه عنه: إن اللّه ملائكة ينزلون كل يوم بشيء فيكتبون فيه أعمال بني آدم، وقال ابن عباس: إن اللّه وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل يوم ما يكون من أعمال بني آدم العباد فيعارضون الحفظة على العباد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقة لما في أيديهم الذي استنسخوه من ذلك الكتاب لا زيادة فيه ولا نقصان. قال ابن عباس: وهل يكون النسخ إلا من كتاب، وقال الحسن: تستنسخ ما كتبت الحفظة على بني آدم لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف، وقيل:\rتحمل الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد، ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية، وقيل: إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى اللّه عز وجل أمر بأن يثبت عنده منها ما فيه ثواب أو عقاب ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب اهـ قرطبي.\rقوله: (نثبت ونحفظ) أي: نأمر الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون وإثباته، فليس المراد بالنسخ إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، إذ ورد أن الملك إذا صعد بالعمل يؤمر بالمقابلة على ما في اللوح اهـ كرخي.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ تفصيل للحمل المفهوم من قوله: ينطق عليكم بالحق أو لتجزون اهـ شهاب.\rقوله: (جنته) قال البيضاوي: رحمته التي من جملتها الجنة كأنه قصد الرد على الزمخشري في تفسيره الرحمة بالجنة وأنت خبير بأن الدخول حقيقة في الجنة دون غيرها من أقسام الرحمة، فتفسير الشيخ المصنف كالزمخشري أظهر اهـ كرخي.\rقوله: (البين الظاهر) أي: لخلوصه عن الشوائب التي تخالطه، والمراد بالشوائب الأكدار اهـ شهاب.\rقوله: (فيقال لهم) أشار به إلى أن جواب أما محذوف تقديره ما قدره اهـ كرخي.\rوقدر الزمخشري جملة بين الفاء والهمزة أي: ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتنا تتلى عليكم، فحذف ألم تأتكم رسلي المعطوف عليه لدلالة الكلام عليه اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ الخ هذا من جملة ما يقال لهم، فالمعنى وكنتم إذا قيل لكم إن وعد اللّه حق الخ تأمل.","part":7,"page":150},{"id":2608,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 151\rمَا السَّاعَةُ إِنْ ما نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا قال المبرد: أصله إن نحن إلا نظن ظنا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) أنها آتية\r* وَبَدا ظهر لَهُمْ في الآخرة سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا في الدنيا أي جزاؤها وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33) أي العذاب\rوَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ نترككم في قوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ العامة على كسر الهمزة لأنها محكية بالقول، والأعرج، وعمرو بن فائد بفتحها، وذلك محرج على لغة سليم يجرون القول مجرى الظن مطلقا اهـ سمين.\rقوله: (بالرفع والنصب) سبعيتان. أي: قرأ حمزة بالنصب عطفا على وعد اللّه وقرأ الباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: الابتداء وما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل اسم إن لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء. الثالث: أنه عطف على محل وإن واسمها معا لأن بعضهم كالفارسي والزمخشري يرون أن لإن واسمها موضعا وهو الرفع بالابتداء اهـ سمين.\rقوله: ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي: أي شيء الساعة؟ قالوا هذا استغرابا واستبعادا وإنكارا لها اهـ بيضاوي.\rقوله: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا لعل ذلك قول بعضهم تحيروا بين ما سمعوه من آبائهم وما تلي عليهم من الآيات في أمر الساعة اهـ بيضاوي.\rوقوله: لعل ذلك الخ جواب عما يقال ما وجه التوفيق بين قولهم إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وبين قولهم إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين، فإن الأول يدل على أنهم قاطعون بنفي البعث، والثاني يدل على أنهم شاكون في إمكانه ووقوعه؟ وتقرير الجواب: أن القوم كانوا فرقتين في أمر البعث فرقه جازمة بنفيه وهم المذكورون في قوله: إن هي إلا حياتنا الدنيا الخ، وفرقة كانت تشك وتتحير فيه وهم المذكورون في هذه الآية اهـ زاده.\rقوله: (قال المبرد الخ) أشار به إلى أن هذه الآية لا بد فيها من تأويل، لأن المصدر الذي وقع مؤكدا لا يجوز أن يقع استثناء مفرغا فلا يقال ما ضربت إلا ضربا لعدم الفائدة فيه لكونه بمنزلة أن يقال ما ضربت إلا ضربت، وقد تقرر في النحو أنه يجوز تفريع العامل لما بعده من جميع المعمولات إلا المفعول المطلق، فلا يقال ما ظننت إلا ظنا لاتحاد مور النفي والإثبات وهو الظن والحصر إنما يتصور حين تغاير مورديهما، فالمصنف ذكره في تأويل الآية مورد النفي محذوف وهو كون المتكلم على فعل من الأفعال، فهذا هو مورد النفي ومورد الإثبات كونه يظن ظنا، فكلمة إلّا وإن كانت متأخرة لفظا فهي متقدمة في التقدير، فمدلول الحصر إثبات الظن لأنفسهم ونفي ما عداه ومن جملة ما عداه اليقين، والمقصود نفيه لكنه نفي ما عدا الظن مطلقا للمبالغة في نفي اليقين، ولذلك أكد بقوله: وما نحن بمستيقنين اهـ زاده.\rقوله: (أي جزاؤها) يشير بهذا إلى حذف المضاف اهـ شيخنا.\rقوله: (نترككم في النار) إشارة إلى أن النسيان أريد به الترك مجازا إما لعلاقة السببية أو لتشبيهه به في عدم المبالاة، ويجوز أن يعتبر في ضمير الخطاب الاستعارة بالكلية بتشبيههم بالأمر المنسي في تركهم في العذاب وعدم المبالاة بهم، وتجعل نسبة النسيان قرينة الاستعارة، أو لأن من نسي شيئا تركه","part":7,"page":151},{"id":2609,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 152\rالنار كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي تركتم العمل للقائه وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34) مانعين منها\rذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ القرآن هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى قلتم: لا بعث ولا حساب فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ بالبناء للفاعل وللمفعول مِنْها من النار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) أي لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم بالتوبة والطاعة، لأنها لا تنفع يومئذ\rفَلِلَّهِ الْحَمْدُ الوصف بالجميل على وفاء وعده في المكذبين رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36) خالق ما ذكر، والعالم ما سوى اللّه، وجمع لاختلاف أنواعه، ورب بدل\rوَلَهُ الْكِبْرِياءُ العظمة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حال أي كائنة فيهما وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37) تقدم.\rفيكون من وضع اسم السبب على المسبب اهـ كرخي.\rقوله: لِقاءَ يَوْمِكُمْ فيه توسع في الظرف حيث أضيف ما هو واقع فيه كقوله: مكر الليل اهـ سمين.\rوقد أشار إلى هذا الشارح بقوله: أي: تركتم العمل وهو الطاعة للقائه، فأشار إلى أن التعبير بالنسيان فيه تجوز كما سبق أو مشاكلة، وإلى أن الإضافة على سبيل التوسع من إضافة المصدر إلى ظرفه أي نسيتم لقاء اللّه وجزاءه في يومكم هذا، فأجري اليوم مجرى المفعول به، وإنما لم يجعل من إضافة المصدر إلى المفعول به حقيقة، لأن التوبيخ ليس على نسيان لقاء اليوم نفسه، بل على نسيان ما فيه من الجزاء فإنه المقصود اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكُمْ أي: العذاب العظيم بأنكم أي: سبب أنكم اتخذتم آيات اللّه هزوا أي: بسبب استهزائكم بآيات اللّه الخ اهـ.\rقوله: فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها الالتفات للغيبة للإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب استهانة بهم اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالبناء للفاعل) وللمفعول سبعيتان. قوله: (و رب بدل) أي: في المواضع الثلاثة. قال السمين: قرأ العامة رب في الثلاثة بالجر تبعا للجلالة بيانا أو بدلا نعتا اهـ.\rقوله: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ يجوز أن يكون في السموات متعلقا بمحذوف حالا من الكبرياء وأن يتعلق بما تعلق به الظرف الأول لوقوعه خبرا، يجوز أن يتعلق بنفس الكبرياء لأنه مصدر قال أبو البقاء: وأن يكون يعني في السموات ظرفا والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء بمعنى العظمة ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية اهـ سمين.\rقوله: فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: لظهور آثارها وأحكامها فيهما، فالمظروف فيهما هو آثار الكبرياء وهو القهر والتصرف لا نفسها لأنها صفة ذاتية للرب تعالى وإظهارهما في موضع الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء اهـ أبو السعود.\rقوله: (حال) أي: من الكبرياء كما أشار له في التقدير اهـ كرخي.\rقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي: الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما أحكم أمره ونهيه وجميع شرعه، وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات وفواصل وغايات بعد أن حرر مانيه وتنزيله فصار معجزا في نظمه ومعناه اهـ خطيب.","part":7,"page":152},{"id":2610,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 153\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الأحقاف مكية إلا قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الآية وإلا فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الآية وإلا وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ الثلاث آيات. وهي أربع أو خمس وثلاثون آية\rحم (1) اللّه أعلم بمراده به\rتَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ (2) في صنعه\rما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا خلقا بِالْحَقِ ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا وَأَجَلٍ مُسَمًّى إلى فنائهما يوم القيامة وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا خوّفوا به من العذاب مُعْرِضُونَ (3)\rقُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني ما تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سيأتي في الشارح أن الأحقاف واد باليمن كانت فيه منازل عاد، وسيأتي عن غيره أن الأحقاف جمع حقف وهو التل من الرمل اهـ.\rقوله: (الثلاث آيات) آخرها قوله: إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: 25] اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي أربع أو خمس الخ) الاختلاف في عدد الآيات مبني على أن حم آية أو لا اهـ شهاب.\rقوله: إِلَّا بِالْحَقِ صفة لمصدر محذوف أشار له بقوله: خلقا، والباء للملابسة اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى معطوف على الحق أي: وإلّا بأجل مسمى، والباء للملابسة والمصاحبة، والكلام على حذف المضاف أي وإلّا بتقدير أجل مسمى، وإنما احتيج لتقديره لأن الملابسة والمقارنة المستفادين من الباء إنما هما بتقدير الأجل، إذ هو المقارن للخلق، وأما الأجل نفسه فمتأخر الوجود على الخلق أفاده الكرخي. قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، ومعرضون خبره، وقوله: عما أنذروا عائد ما محذوف قدره الشارح مجرورا بالباء وفيه تمسح لاختلاف الجار للموصول وللعائد حينئذ، والأولى تقديره منصوبا كما صنع غيره، وفي السمين: يجوز أن تكون ما مصدرية أي عن إنذارهم أو بمعنى الذي، والعائد محذوف أي: عن الذي أنذروه، وعن متعلقة بالإعراض ومعرضون خبر الموصول اهـ.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ تقدم حكمها ووقع بعدها أروني فاحتملت وجهين، أحدهما: أن تكون توكيدا لها لأنهما بمعنى أخبروني، وعلى هذا يكون المفعول الثاني لأرأيتم جملة قوله: ماذا خلقوا لأنه","part":7,"page":153},{"id":2611,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 154\rمفعول أول أَرُونِي أخبروني تأكيد ما ذا خَلَقُوا مفعول ثان مِنَ الْأَرْضِ بيان ما أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ مشاركة فِي خلق السَّماواتِ مع اللّه، وأم بمعنى همزة الإنكار ائْتُونِي بِكِتابٍ منزل مِنْ قَبْلِ هذا القرآن أَوْ أَثارَةٍ بقية مِنْ عِلْمٍ يؤثر عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام أنها استفهام، والمفعول الأول هو قوله ما تدعون. والوجه الثاني: أن لا تكون مؤكدة لها، وعلى هذا تكون المسألة من باب التنازع لأن رأيتم يطلب ثانيا وأروني كذلك، وقوله: ماذا خلقوا هو المتنازع فيه، وتكون المسألة من إعمال الثاني والحذف من الأول، وجوز ابن عطية في أرأيتم أن لا يتعدى حيث قال: وأرأيتم لفظ موضوع للسؤال، والاستفهام لا يقتضي مفعولا وجعل ما تدعون استفهاما معناه التوبيخ قال: وتدعون معناه تعبدون. قلت: وهذا رأي الأخفش، وفي قال بذلك في قوله قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة وقد مضى ذلك اهـ سمين.\rقوله: (مفعول ثان) يعني أن جملة ماذا خلقوا ساده مسد المفعول الثاني وقوله: بيان ما يقتضي أن ما وحدها اسم استفهام، وذا اسم موصول خبرها، وخلقوا صلة الموصول، وعبارة غيره بيان لماذا، وهذا يقتضي أن ماذا برمتها اسم استفهام مفعول لخلقوا وكل من الاحتمالين صحيح تأمل. قوله:\r(مشارك) لو فسّر الشرك بالشركة لكان أوضح، وفي السمين: والشرك المشاركة. قوله: (في خلق) السَّماواتِ (مع اللّه) تخصيص الشرك بالسموات دون أن يعمم بالأرض أيضا احترازا عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي: وبمعنى بل الاضرابية فهي مقدرة بهما فهي منقطعة، وفي زاده: أم منقطعة اضراب عن الاستفهام الأول إلى الاستفهام عن أن لهم مشاركة مع اللّه في خلق السموات والأرض، فإن الشرك بمعنى المشاركة اهـ.\rقوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ هذا من جملة القول والأمر للتبكيت، والإشارة إلى نفي الدليل المنقول بعد الإشارة إلى نفي الدليل المعقول اهـ شهاب.\rتنبيه: أبدل ورش والوسي الهمزة الثانية من ائتوني في الوصل ياء، وحققها الباقون، ومن المعلوم أن الأولى همزة وصل تسقط في الوصل، وأما الابتداء بها فجميع القراء أبدلوها ياء بعد الابتداء بهمزة الوصل مكسورة اهـ خطيب.\rقوله: مِنْ قَبْلِ هذا صفة لكتاب، وقدر الشارح متعلقة خاصا بقوله منزلة تبعا لأبي البقاء، والأحسن تقديره كونا مطلقا أي كائن من قبل هذا اهـ من السمين.\rقوله: (بقية) فالاثارة معناها البقية وهي مصدر بوزن فعالة بفتح الفاء، والمعنى مما يؤثر، ويروى من خبر الأولين أي ائتوني بخبر واحد يشهد بصحة قولكم، وهذا على سبيل التنزل للعلم بكذب المدعي، وقوله: من علم صفة لأثارة اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وأثر الحديث ذكره عن غيره فهو آثر بالمد وبابه نصر، ومنه حديث مأثور ينقله خلف من سلف اهـ.","part":7,"page":154},{"id":2612,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 155\rتقربكم إلى اللّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4) في دعواكم\rوَمَنْ استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهم الأصنام لا وفي السمين: قوله: أو أثارة العامة على أثارة وهي مصدر على فعالة كالغواية والضلالة ومعناها البقية، وتستعمل في غير ذلك، وقيل: اشتقاقها من أثر كذا أي أسنده، وقيل: فيها غير ذلك، وقرأ علي، وابن عباس، وزيد بن علي، وعكرمة: في آخرين أثرة دون ألف وهي الواحدة، وتجمع على أثر كشجرة وشجر، وقرأ الكسائي: أثرة وإثرة بضم الهمزة وكسرها مع سكون الثاء، وقتادة والسلمي بالفتح والسكون، والمعنى بما يؤثر ويروى أي ائتوني بخبر واحد يشهد بصحة قولكم، وهذا على سبيل التنزل للعلم بكذب المدعى اهـ.\rوعبارة الخطيب: أو اثارة أي بقية من علم يؤثر على الأولين بصحة دعواكم في عبارة الأصنام أنها تقربكم إلى اللّه تعالى، وقال المبرد: أثارة ما يؤثر من علم كقولك: هذا الحديث يؤثر عن فلان، ومن هذا المعنى سميت الأخبار آثارا، يقال: جاء في الأثر كذا. وقال الواحدي: وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال، الأول: الاثارة واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره أثارة كأنها بقية تستخرج فتثار. والثاني: من الأثر الذي هو الرواية. والثالث: من الأثر. بمعنى العلامة. وقال الكلبي في تفسير الإثارة أي: بقية من عمل يؤثر عن الأولين أي: يسند إليهم، وقال مجاهد، وعكرمة، ومقاتل: رواية عن الأنبياء، قال الرازي: وههنا قول آخر أو اثارة من علم هو علم الخط الذي يخط في الرمل، والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور. روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه»، فعلى هذا الوجه معنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم، انتهت.\rوفي القرطبي: وحكى مكي في تفسير قوله: كان نبي من الأنبياء يخط أنه كان يخط بإصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر اهـ.\rقوله: (بصحة دعواكم) متعلق بكل من كتاب وأثارة، وقوله: إنها تقربكم معمول لدعواكم اهـ شيخنا.\rقوله: وَمَنْ أَضَلُ الخ مبتدأ وخبر وقوله: من لا يستجيب له من نكرة موصوفة أو موصولة وهي مفعول بيدعو اهـ سمين.\rقوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ظاهر الغاية الدالة على انتهاء ما قبلها بها أن بعدها تقع الاستجابة مع أنه ليس كذلك ويمكن أن يجاب بأن المراد بها التأييد كقوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ [ص: 78] اهـ شهاب.\rوقال في الانتصاف: في هذه الغاية نكتة وهي أنه تعالى جعل عدم الاستجابة مغيّي بيوم القيامة، فأشعرت الغاية بانتفاء الاستجابة في يوم القيامة على وجه أبلغ وأتم وأوضح وضوحا ألحقه بالبين الذي لا يتعرض لذكره، إذ هناك تتجدد العداوة والمباينة بينها وبين عابديها اهـ من الكرخي.","part":7,"page":155},{"id":2613,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 156\rيجيبون عابديهم إلى شيء يسألونه أبدا وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ عبادتهم غافِلُونَ (5) لأنهم جماد لا يعقلون\rوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا أي الأصنام لَهُمْ لعابديهم أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ بعبادة عابديهم كافِرِينَ (6) جاحدين\rوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي أهل مكة آياتُنا القرآن بَيِّناتٍ ظاهرات حال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم لِلْحَقِ أي للقرآن لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) بين ظاهر\rأَمْ بمعنى بل وهمزة الإنكار يَقُولُونَ افْتَراهُ أي القرآن قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فرضا فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ أي من عذابه شَيْئاً أي لا تقدرون على دفعه عني إذا عذبني اللّه هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ تقولون في قوله: (و هم الأصنام) وإنما عبر عنهم بمن في قوله: من لا يستجيب، وبضمير العقلاء في قوله: وهم الخ، وذلك لأن عابديها كانوا يصفونها بالتمييز جهلا وغباوة، فالكلام على سبيل المجاراة معهم، وأيضا فقد أسند إليها ما يسند لأولي العلم من الاستجابة والغفلة اهـ كرخي.\rقوله: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ الضميران عائدان على من من قوله: من لا يستجيب له وهم الأصنام، وعبر عنهم بمن لمعاملتهم معاملة العقلاء، وراعى معنى من فجمع في قوله وهم بعدما راعى لفظها في قوله: يستجيب أي: ليس لهم عقل يفهمون به دعاء الكفار اهـ سمين.\rقوله: (لأنهم جماد الخ) أشار بهذا إلى أن الغفلة مجاز عن عدم الفهم فيهم اهـ شهاب.\rقوله: وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ المصدر مضاف لمفعوله أي بكونهم معبودين كما أشار له بقوله أي:\rبعبادة عابديهم اهـ.\rقوله: (جاحدين) أي: مكذبين بلسان الحال أو المقال. أي: يقولون إنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم، لأنها الآمرة لهم بالإشراك، والآية نظير ما تقدم في يونس وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: 28] اهـ كرخي.\rقوله: لِلْحَقِ أي: لأجله في شأنه، والمراد به الآيات كما قاله القاضي كالكشاف، وإليه أشار في التقرير ووضعه موضع ضميرها، ووضع الذين كفروا موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة، كما يؤخذ ذلك من تقديره وإيضاحه؛ أنه هنا أقام ظاهرين مقام مضمرين إذ الأصل قالوا لها أي للآيات، ولكنه أبرزهما ظاهرين لأجل الوصفين المذكورين اهـ كرخي.\rقوله: لَمَّا جاءَهُمْ أي حين جاءهم من غير نظر وتأمل اهـ كرخي.\rقوله: (ظاهر) أي: ظاهر بطلانه اهـ كرخي.\rقوله: (بمعنى بل وهمزة الإنكار) وبل للإضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحرا إلى ذكر ما هو أشنع، لأن في تسميتهم سحرا اعترافا بعجزهم عنه، والظاهر أن كون الافتراء على اللّه أشنع من السحر لا يحتاج إلى البيان، وإن كان كلاهما كفرا والهمزة للإنكار والتعجيب، فإن القرآن كلام معجز خارج عن قدرة البشر اهـ كرخي.\rقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي تندفعون فيه من القدح في آياته، كفى به شهيدا بيني","part":7,"page":156},{"id":2614,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 157\rالقرآن كَفى بِهِ تعالى شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ لم تاب الرَّحِيمُ (8) به فلم يعاجلكم بالعقوبة\rقُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً بديعا مِنَ الرُّسُلِ أي أول مرسل، قد سبق قبلي كثير منهم فكيف تكذبوني وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدنيا أأخرج من بلدي أم أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي أم ترموني بالحجارة أم يخسف بكم كالمكذبين قبلكم إِنْ ما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ أي القرآن ولا وبينكم يشهد لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والإنكار وهو وعيد بجزاء إفاضتهم، وهو الغفور الرحيم وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم اللّه عنهم مع عظم جرمهم اهـ بيضاوي.\rوقوله: تندفعون فهي. الاندفاع الخوض والشروع والسرعة وكذا الإفاضة اهـ زاده.\rوعبارة الشهاب: قوله: تندفعون تفسير لتفيضون مستعار من فاض الماء وأفاضه إذا سال للآخذ في الشيء قولا كان أو فعلا كقوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ [البقرة: 198] وهو المراد من الاندفاع وقوله: من القدح أي: الطعن فيها بيان لما اهـ.\rقوله: الرَّحِيمُ (به) أي: بمن تاب، والصواب الرحيم بعباده ليصح الترتيب عليه بقوله: فلم يعاجلكم بالعقوبة اهـ قاري.\rقوله: بِدْعاً فيه وجهان، أحدهما: أنه على حذف مضاف تقديره ذا بدع قاله أبو البقاء، وهذا على أن يكون البدع مصدرا. والثاني: أن البدع بنفسه صفة على ما فعل بمعنى بديع كالخف والخفيف، والبدع والبديع ما لم ير له مثل وهو من الابتداع وهو الاختراع، وقرأ عكرمة، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: بدعا بفتح الدال جمع بدعة أي ما كنت ذا بدع، وقرأ أبو حيوة أيضا ومجاهد بدعا بفتح الباء وكسر الدال وهو وصف كحذر اهـ سمين.\rقوله: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ العامة على بنائه للمفعول، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي مبنيا للفاعل أي اللّه تعالى، والظاهر أن ما في قوله ما يفعل به استفهامية مرفوعة بالابتداء وما بعدها الخبر وهي معلقة لأدري عن العمل فتكون سادة مسد مفعوليها، وجوز الزمخشري أن تكون موصولة منصوبة يعني أنها متعدية لواحد أي لا أعرف الذي يفعله اللّه اهـ سمين.\rوقد جرى الشارح على كونها استفهامية كما أشار بقوله أأخرج الخ.\rقوله: (في الدنيا) أما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة وأن مكذبه في النار اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يريد يوم القيامة، ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولو لا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعله به، فنزلت: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فنسخت هذه الآية، وأرغم اللّه أنف الكفار، وقالت الصحابة: هينئا لك يا رسول اللّه لقد بيّن اللّه لك ما يفعل بك، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الفتح: 2] الآية. ونزلت وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: 47] قاله أنس، وابن عباس، وقتادة، والحسن، وعكرمة والضحاك اهـ.","part":7,"page":157},{"id":2615,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 158\rأبتدع من عندي شيئا وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) بين الإنذار\rقُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني ماذا حالكم إِنْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ جملة حالية وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ هو عبد اللّه ابن سلام عَلى مِثْلِهِ أي عليه أنه من عند اللّه فَآمَنَ الشاهد وَاسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن الإيمان، قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ الخ لما حكى عنهم أنهم قالوا في حق القرآن هذا سحر هذا مفترى قال له عليه السّلام: قل أرأيتم اهـ زاده.\rقوله: (أخبروني ماذا حالكم) أشار بهذا إلى أن مفعولي أرأيتم محذوفان للدلالة عليهما اهـ كرخي.\rوفي السمين: قل أرأيتم مفعولاها محذوفان تقديره: أرأيتم حالكم إن كان كذا ألستم ظالمين، وجواب الشرط أيضا محذوف تقديره: فقد ظلمتم، ولهذا أتى بفعل الشرط ماضيا، وقدره الزمخشري:\rألستم ظالمين، وردّ عليه الشيخ: بأنه لو كان كذلك لوجبت الفاء لأن الجملة الاستفهامية متى وقعت جوابا للشرط لزمت الفاء، ثم أن كانت أداة الاستفهام همزة تقدمت على الفاء نحو: إن تزرنا أفما نكرمك، وإن كانت غيرها تقدمت الفاء عليها: نحو إن تزرنا فهل ترى إلا خيرا. قلت: والزمخشري ذكر أمرا تقديره تقديريا فسّر به المعنى لا الإعراب، وقال ابن عطية: وأرأيتم لفظ موضوع للسؤال والاستفهام لا يقتضي مفعولا، وإلى هذا القول ذهب القرطبي: ويحتمل أن تكون الجملة من إن كان وما عملت فيه سادة مسد مفعوليها. قال الشيخ: وهذا خلاف ما قرره النحاة. قلت: قد تقدم ما قرره، وقيل: جواب الشرط قوله: فآمن واستكبرتم، وقيل: هو محذوف تقديره فمن المحق منا والمبطل، وقيل: فمن أضل اهـ سمين.\rقوله: (جملة حالية) أي: بتقدير قد وبعضهم لا يقدرها اهـ سمين.\rوإذا جعلت الجملة حالية جعلت الجمل الثلاث بعدها كذلك، وبعضهم جعل الأربعة معطوفات على فعل الشرط، فقول الشارح بما عطف عليه يعني من الجمل الأربعة فيه تلفيق حيث ذكر العطف بعد ما ذكر الحالية، ويمكن أن يجاب عنه بأن مراده العطف اللغوي، ومراده بما عطف عليه ما ذكر بعده وإن كان على سبيل الحال فتأمل.\rقوله: (هو عبد اللّه بن سلام) وقيل: الشاهد هو موسى وشهادته ما في التوراة من نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ بيضاوي.\rقوله أيضا: (و عبد اللّه بن سلام) فعلى هذا تكون هذه الآية مدنية مستثناة من السورة كما ذكره الكواشي، وكونه إخبارا وقيل: الوقوع خلاف الظاهر، ولذا قيل: لم يذهب أحد إلى أن الآية مكية إذ فسر الشاهد بابن سلام وفيه بحث، لأن قوله: وشهد شاهد معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلا فلا ضرر في شهادة الشاهد بعد نزولها وادعاء أنه لم يقل به أحد مع ذكره في شروح لا وجه له، إلا أن يراد من السلف المفسرين اهـ شهاب.\rقوله: (أي عليه) أشار به إلى أن مثل صلة، والمعنى وشهد شاهد عليه أي: على أنه من عند اللّه، وقيل: ليس مثل صلة، وكيفية شهادته على نزول مثله أن يقول: أن مثله قد نزل على موسى فلا تنكروا","part":7,"page":158},{"id":2616,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 159\rوجواب الشرط بما عطف عليه ألستم ظالمين؟ دلّ عليه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)\rوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي في حقهم لَوْ كانَ الإيمان خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا أي القائلون بِهِ أي بالقرآن فَسَيَقُولُونَ هذا أي القرآن إِفْكٌ كذب قَدِيمٌ (11)\rوَمِنْ نزوله على رجل مثله في كونه مصدقا بالمعجزات، فإن التوراة مثل القرآن من حيث الدلالة على أصول الشرع كالتوحيد والبعث والحساب والثواب والعقاب، وإن اختلفا في بعض الفروع اهـ زاده.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا حكاية لبعض آخر من أقاويلهم الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به أي: قال كفار مكة للذين آمنوا أي: لأجلهم وفي حقهم: لو كان أي: ما جاء به عليه الصلاة والسّلام من القرآن والدين خيرا ما سبقونا إليه فإن معالي الأمور لا تنالها أيدي الأراذل وهم سقاط عامتهم فقراء وموال ورعاة قالوه زعما منهم أن الرئاسة الدينية مما تنال بأسباب دنيوية كما قالوا:\rلَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] وزل عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية وملكات روحانية مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية والإقبال على الآخرة بالكلية، وأن من فاز بها فقد حازها بحذافيرها، ومن حرمها فما له من خلاق، وقيل: قاله بنو عامر وغطفان وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار، وقيل: قالته اليهود حين أسلم عبد اللّه بن سلام وأصحابه ويأباه أن السورة مكية فلا بد حينئذ من الالتجاء إلى ادعاء أن الآية نزلت بالمدينة اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي في حقهم) أشار به إلى أن اللام بمعنى في كما في قوله لا يجليها اهـ كرخي.\rوعبارة السمين: قوله: للذين آمنوا يجوز أن تكون لام العلة أي: لأجلهم، وأن تكون للتبليغ ولو جروا على مقتضى الخطاب لقالوا ما سبقتمونا ولكنهم التفتوا فقالوا: ما سبقونا إليه، والضميران في كان وإليه عائداه على القرآن أو على ما جاء به الرسول، أو على الرسول، وقوله: وإذ لم يهتدوا به العامل في إذ مقدر أي: ظهر عنادهم وتسبب عنه قوله فسيقولون ولا يعمل في إذ فسيقولون لتضاد الزمانين ولأجل الفاء أيضا، انتهت.\rوفي الكرخي: قوله: وإذ لم يهتدوا به ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم لا لقوله فسيقولون فإنه للاستقبال وإذ للمضي، ويجوز أن يقال: إن إذ للتعليل لا للظرف، أو يقال: فسيقولون للاستمرار في الأزمنة الثلاثة، والسين لمجرد التأكيد، وأما الفاء فلا تمنع من العمل فيما قبلها نص عليه الرضي وغيره، والتسبب يجوز أن يكون عن كفرهم اهـ.\rوفي أبي السعود: وإذ لم يهتدوا به ظرف لمحلوف يدل عليه ما قبله ويترتب عليه ما بعده أي:\rوإذا لم يهتدوا بالقرآن قالوا ما قالوا فسيقولون غير مكتفين بنفي خيريته هذا إفك قديم، كما قالوا أساطير الأولين، وقيل: المحذوف ظهر عنادهم وليس بذلك اهـ.\rقوله: قَدِيمٌ أي: من قول الأقدمين، فهذا على حد قولهم: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ* وفي الخطيب: قديم أي: أفكه غيره وعثر عليه وأتى به ونسبه إلى اللّه تعالى كما قالوا أساطير الأولين اهـ.\rقوله: مِنْ قَبْلِهِ الجار والمجرور خبر مقدم، وكتاب مبتدأ مؤخر، والجملة حالية أو مستأنفة، وقوله: حالان أي من كتاب موسى والعامل فيه هو العامل في ومن قبله وهو الاستقرار أي: وكتاب","part":7,"page":159},{"id":2617,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 160\rقَبْلِهِ أي القرآن كِتابُ مُوسى أي التوراة إِماماً وَرَحْمَةً للمؤمنين به حالان وَهذا أي القرآن كِتابٌ مُصَدِّقٌ للكتب قبله لِساناً عَرَبِيًّا حال من الضمير في مصدق لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مشركي مكة وَهو بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12) المؤمنين\rإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا على الطاعة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)\rأُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها حال جَزاءً منصوب على المصدر بفعله المقدر أي يجزون بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14)\rوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً موسى كائن من قبل القرآن في حال كونه إماما اهـ سمين.\rوأيا ما كان فهذا رد لقولهم هذا إفك قديم وإبطال له أي كيف يصح كونه إفكا قديما وقد سلموا كتاب موسى ورجعوا إلى حكمه، مع أن القرآن مصدق له ولغيره من الكتب السابقة بمطابقته لها مع اعجازه وهو جار على إرادة أن القائل اليهود أو مطلق الكفرة من الذين كفروا اهـ شهاب.\rقوله: مُصَدِّقٌ (للكتب قبله) لم يقل مصدق له أي لكتاب موسى تعميما وإيذانا بأنه مصدق للكتب السماوية كلها لا سيما نفسه لكونه معجزا اهـ كرخي.\rقوله: (حال من الضمير في مصدق) عبارة السمين: لسانا حال من الضمير في مصدق، ويجوز أن يكون حالا من كتاب، والعامل التنبيه أو معنى الإشارة، وعربيا صفة للسانا وهو المسوغ لوقوع هذا الجامد حالا وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا به ناصبه مصدق، وعلى هذا تكون الإشارة إلى غير القرآن، لأن المراد باللسان العربي القرآن وهو خلاف الظاهر، وقيل: هو على حذف مضاف أي:\rمصدق ذا لسان عربي وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: هو على اسقاط حرف الجر أي: بلسان وهو ضعيف اهـ.\rقوله: لِيُنْذِرَ متعلق بمصدق اهـ سمين.\rقوله: وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ أشار الشارح إلى أن وبشرى في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كما قدره، وهذا أحد الأوجه في الآية، والثاني: أنه معطوف على مصدق فهو في موضع رفع، والثالث: أنه في محل نصب معطوفا على محل لينذر لأنه مفعول له قاله الزمخشري وتبعه أبو البقاء وتقديره: للإنذار والبشرى، ولما اختلفت العلة والمعلول توصل العامل إليه باللام اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا أي: حيث جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل اهـ بيضاوي.\rوثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد اهـ كرخي.\rقوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: من لحوق مكروه في الآخرة، ولا هم يحزنون على فوات محبوب في الدنيا اهـ بيضاوي.\rوالفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط ولم تمنع إن من ذلك لبقاء معنى الابتداء بخلاف ليت ولعل وكأن اهـ سمين.\rقوله: (حال) أي من الضمير المستكن في أصحاب اهـ كرخي.\rقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ لما كان رضا اللّه في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما، كما","part":7,"page":160},{"id":2618,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 161\rوفي قراءة إحسانا أي أمرناه أن يحسن إليهما، فنصب إحسانا على المصدر بفعله المقدر، ومثله حسنا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً أي على مشقة وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ من الرضاع ثَلاثُونَ ورد، في الحديث حث اللّه عليه بقوله: ووصينا الخ اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا بين اختلاف حال الإنسان مع أبويه فقد يطيعهما وقد يخالفهما. أي: فلا يبعد مثل هذا في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض، فهذا وجه اتصال الكلام بعضه ببعض قاله القشيري وقتادة اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية إحسانا، وقوله: أي أمرناه الخ تفسير لكل من القراءتين، وقوله:\rفنصب الخ بيان لإعراب القراءتين على اللف والنشر المشوش اهـ شيخنا.\rوفي السمين قوله: حسنا قرأ الكوفيون إحسانا، وباقي السبعة حسنا بضم الحاء وسكون السين، فالقراءة الأولى يكون إحسانا فيها منصوبا بفعل مقدر أي: وصيناه أن يحسن إليهما إحسانا. وقيل: بل هو مفعول به على تضمين وصينا معنى ألزمنا فيكون مفعولا ثانيا، وقيل بل هو منصوب على المفعول له أي وصيناه بهما إحسانا منا إليهما، وقيل: هو منصوب على المصدر لأن معنى وصينا أحسنا فهو مصدر صريح، والمفعول الثاني هو المجرور بالباء، وأما حسنا فقيل فيه ما تقدم في إحسانا، وقرأ عيسى، والسلمي: حسنا بفتحهما، وقد تقدم معنى القراءتين في البقرة اهـ.\rوفي القرطبي: قوله: حسنا قراءة العامة حسنا وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام، وقرأ ابن عباس. والكوفيون: إحسانا وحجتهم في الأنعام وبني إسرائيل: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [البقرة: 83] وكذا هو في مصاحف أهل الكوفة، وحجة القراءة الأولى قوله في العنكبوت:\rوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ولم يختلفوا فيها والحسن خلاف القبيح، والإحسان خلاف الإساءة والتوصية الأمر اهـ.\rقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ الخ تعليل للوصية المذكورة، واقتصر في التعليل على الأم لأن حقها أعظم، ولذلك كان لها ثلثا البر اهـ خطيب.\rوفي البيضاوي: وهذا أي قوله حملته أمه الخ بيان لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها اهـ.\rقوله: كُرْهاً بفح الكاف وضمها سبعيتان، وقوله: أي على مشقة أي في أثناء الحمل إذ لا مشقة في أوله اهـ خطيب.\rوانتصاب كرها على الحال من الفاعل أي: ذات كره، أو على النعت لمصدر مقدر أي حملا كرها اهـ سمين.\rقوله: وَحَمْلُهُ أي: مدة حمله، وقرأ العامة: وفصاله مصدر فاصل كأن الأم فاصلته وهو فاصلها، والجحدري والحسن، وقتادة: وفصله قيل: والفصل والفصال بمعنى كالفطم والفطام والقطف والقطاف، ولو نصب ثلاثين على الظرف الواقع موقع الخبر جاز وهو الأصل، هذا إذا لم تقدر مضافا فإن قدرته أي: مدة حمله لم يجز ذلك وتعين الرفع لتصادق الخبر والمخبر عنه اهـ سمين.","part":7,"page":161},{"id":2619,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 162\rشَهْراً ستة أشهر أقل مدة الحمل، والباقي أكثر مدة الرضاع، وقيل: إن حملت به ستة أو تسعة أرضعته الباقي حَتَّى غاية لجملة مقدرة أي وعاش حتى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ هو كمال قوّته وعقله ورأيه أقله ثلاث وثلاثون سنة أو ثلاثون وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أي تمامها وهو أكثر الأشد قالَ رَبِ الخ، نزل في أبي بكر الصديق لما بلغ أربعين سنة بعد سنتين من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آمن به ثم آمن وفي القرطبي: وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق فكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا حملته أمه تسعة أشهر، وأرضعته إحدى وعشرين شهرا. وفي الكلام حذف أي: ومدة حمله ومدة فصالة ثلاثون شهرا، ولو لا هذا الاضمار لنصب ثلاثين على الظرفية وتغير المعنى اهـ.\rقوله: وَفِصالُهُ (من الرضاع) في المختار: الفصال هو الفطام، فحينئذ يكون في الآية تجوز من حيث إن المراد بالفصال فيها الرضاع أي: مدته التي يعقبها الفطام فهو مجاز علاقته المجاورة، وقول الشارح: من الرضاع نظر فيه إلى معنى الفصال الأصلي الذي هو الفطام، وقد علمت أنه غير مراد في الآية اهـ شيخنا.\rقوله: (إن حملت به ستة) أي: من الشهور، وكذا يقال فيما بعده، وقوله: أرضعته الباقي أي:\rمن الثلاثين شهرا وهو أربعة وعشرون أو وأحد وعشرون اهـ شيخنا.\rلكن المقرر في الفروع أن مدة الرضاع حولان مطلقا تأمل.\rقوله: (غاية لجملة مقدرة) أي: معطوفة على قوله أو مستأنفة اهـ شيخنا.\rقوله: أَشُدَّهُ كل من أشده، وأربعين مفعولا للبلوغ أي: بلغ وقت أشده وتمام أربعين سنة فحذف المضاف. قال أكثر المفسرين في تفسير الأشد: إنه ثلاث وثلاثون سنة، لأن هذا الوقت هو الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان اهـ زاده.\rقوله: قالَ رَبِ (إلى آخره) آخره هو قوله: إني من المسلمين اهـ شيخنا.\rقوله: (نزل) أي المذكور من قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ. وعبارة الخازن: نزلت هذه الآية اهـ.\rوقوله: لما أي حين ظرف لنزل أي نزلت هذه الآية في شأن أبي بكر حين بلغ أربعين سنة من عمره، وقوله: بعد سنتين أي كان استكماله للأربعين بعد سنتين مضتا من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ومعلوم أن مبعثه وإرساله كان على تمام الأربعين، فأبو بكر أصغر منه بسنتين، فوقت أن بعث محمد كان عمر أبي بكر ثمانية وثلاثين سنة، وأسلم في ذلك الوقت فقوله: آمن به ليس متعلقا بقوله بلغ أربعين سنة، بل هو مستأنف. وعبارة الخازن: والأصح أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه صحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثمان عشرة سنة، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابن عشرين سنة في تجارة إلى الشام، فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له الراهب: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: هو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، فقال الراهب: هذا واللّه نبي وما استظل تحتها بعد عيسى أحد إلا هذا وهو نبي آخر الزمان، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر ولا حضر. فلما بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أربعين سنة أكرمه اللّه تعالى بنبوته","part":7,"page":162},{"id":2620,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 163\rأبواه ثم ابنه عبد الرحمن وابن عبد الرحمن أبو عتيق أَوْزِعْنِي ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ وهو التوحيد وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في اللّه وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فكلهم مؤمنون إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)\rأُولئِكَ أي قائلو هذا القول أبو بكر وغيره الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ بمعنى حسن ما عَمِلُوا واختصه برسالته فآمن به أبو بكر الصديق وصدقه وهو ابن ثمان وثلاثين سنة. فلما بلغ أربعين سنة دعا ربه عز وجل فقال: رب أوزعني الآية، انتهت.\rقوله: (آمن به) أي: وعمره إذا ذاك ثمان وثلاثون سنة، وعمر النبي أربعون سنة. وقوله: ثم آمن أبواه أي: أبوه أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، وقوله: (و ابن عبد الرحمن أبو عتيق) واسمه محمد كلهم أدركوا النبي، ولم يجتمع هذا لأحد من الصحابة غير أبي بكر اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا باللّه وحده، ولم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسلم هو وأبوه وأولاده وبناته كلهم إلّا أبو بكر، ووالده هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وأمه أم الخير واسمها سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد، وأم أبيه أبي قحافة قيلة بالياء المثناة من تحت، وامرأة أبي بكر الصديق اسمها قتيلة بالتاء المثناة من فوق بنت عبد العزى اهـ.\rقوله: (ألهمني) من أوزعته بكذا أي: جعلته مولعا به راغبا في تحصيله، فالمعنى رغبني ووفقني اهـ شهاب.\rقوله: (فأعتق تسعة الخ) أي: فأجاب اللّه دعاءه فأعتق الخ أي: افتداهم واستخلصهم من أيدي الكفار المعاقبين لهم فهو عتق صوري بصورة شراء ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه اللّه عليه اهـ خازن.\rقوله: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أي: اجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم اهـ بيضاوي.\rيعني كان الظاهر أصلح لي ذريتي، لأن الإصلاح متعد كما في قوله تعالى: وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء: 90] فقيل: إنه عدي بفي لتضمنه معنى اللطف أو الطف بي في ذريتي أو هو نزل منزلة اللازم، ثم عدي بفي ليفيد سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم، وهذا ما أراده المصنف وهو الأحسن اهـ شهاب.\rقوله: نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ قرأ الأخوان وحفص نتقبل بفتح النون مبنيا للفاعل ونصب أحسن على المفعول به، وكذلك ونتجاوز الباقون ببنائهما للمفعول ورفع أحسن لقيامه مقام الفاعل، ومكان النون ياء مضمومة في الفعلين، والحسن والأعمش وعيسى بالياء من تحت والفاعل اللّه تعالى اهـ سمين.\rقوله: (بمعنى حسن) أي: فالقبول ليس قاصرا على أفضل وأحسن عباداتهم، بل يعم كل طاعاتهم أفضلها ومفضولها اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 164\r\rله: (بمعنى حسن) أي: فالقبول ليس قاصرا على أفضل وأحسن عباداتهم، بل يعم كل طاعاتهم أفضلها ومفضولها اهـ شيخنا.","part":7,"page":163},{"id":2621,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 164\rوَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ حال أي كائنين في جملتهم وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16) في قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ\rوَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ وفي قراءة بالإدغام أريد به الجنس أُفٍ بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتنا وقبحا لَكُما أتضجر منكما والقبول هو الرضا بالعمل والإثابة عليه. قوله: (حال) أي: من الضمير المجرور بعن في قوله:\rيتقبل عنهم اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ فيه أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنه في محل الحال أي: كائنين في جملة أصحاب الجنة كقولك: أكرمني الأمير في أصحابه أي: في جملتهم. والثاني:\rأن في بمعنى مع. والثالث: أنها خبر مبتدأ مضمر أي: هم في أصحاب الجنة اهـ.\rقوله: وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر منصوب بفعله المقدر. أي: وعدهم اللّه وعد الصدق أي: وعدا صادقا، وهو مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله: أولئك الذين يتقبل عنهم في معنى الوعد اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: قوله: وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، لأن قوله: أولئك الذين يتقبل عنهم في معنى الوعد، فيكون قوله: يتقبل ويتجاوز وعدا من اللّه لهم بالتقبل والتجاوز، والمعنى يعامل من صفته ما قدمنا بهذا الجزاء، وذلك وعد من اللّه فبين أنه صدق لا شك فيه اهـ.\rقوله: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أي: في الدنيا على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أي: عند دعائهما له إلى الإيمان، أف لكما هو صوت يصدر عن المرء عند تضجره واللام لبيان المؤفف له، كما في هَيْتَ لَكَ [يوسف: 23] والموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول، ولذا أخبره عنه بالمجموع قيل: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث، وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه، وما روي من أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما قبل إسلامه يرده ما سيأتي من قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ فإنه كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم، وقد كذبت الصديقة من قال ذلك اهـ أبو السعود.\rوالذي قال مبتدأ خبره أولئك الذي حق عليهم القول اهـ بيضاوي.\rولما كان المبتدأ مفردا لفظا، والخبر جمعا أشار إلى تصحيح المطابقة بقوله: أريد به الجنس أي: فهو متعدد معنى وهو كاف في صحة الأخبار، وقوله: وفي قراءة أي: سبعية بالإدغام أي: إدغام لام قال في لام الجر الكائنة في لوالديه اهـ شيخنا.\rقوله: (بكسر الفاء) أي: مع التنوين وتركه، وقوله: وفتحها أي: من غير تنوين، فالقراءات ثلاث سبعية والهمزة في الكل مضمومة اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى مصدر) عبارة السيوطي في سورة الإسراء مصدر، وكتب عليه الكرخي هناك وهو مصدر أف يؤف أفا بمعنى تبا وقبحا أو هو صوت يدل على تضجر، أو اسم الفعل الذي هو أتضجر اهـ.\rفجعل فيه احتمالات ثلاثا، مصدر، واسم صوت، واسم فعل، والشارح أشار لاثنين منها بقوله:\rبمعنى مصدر، وبقوله: أتضجر منكما، فنبه أولا على أنه مصدر، وثانيا أنه اسم فعل، فكأنه قال:","part":7,"page":164},{"id":2622,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 165\rأَتَعِدانِنِي وفي قراءة بالإدغام أَنْ أُخْرَجَ من القبر وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ الأمم مِنْ قَبْلِي ولم تخرج من القبور وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يسألانه الغوث برجوعه ويقولان إن لم ترجع وَيْلَكَ أي هلاكك بمعنى هلكت آمِنْ بالبعث إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا أي القول بالبعث إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أكاذيبهم\rأُولئِكَ الَّذِينَ حَقَ وجب عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (18)\rوَلِكُلٍ من جنس المؤمن والكافر دَرَجاتٌ فدرجات يصح أن يفسر بهذا وبذاك فليتأمل. قوله: (أي نتنا) النتن: القذارة والرائحة الكريهة، وفي المختار: ما يقتضي أن أف معناه يرجع إلى النتن والقذارة، ولذلك فسر به الشارح، لكن المراد أي كلام يؤذيهما فيه كسر لخاطرهما، وقوله: أتضجر منكما يشير به إلى أن اللام بمعنى من اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية بإدغام أي: إدغام نون الرفع في نون الوقاية اهـ شيخنا.\rقوله: (أن أخرج) هذا هو الموعود به ليصح تقدير الباء قبل أن وعدم تقديرها اهـ سمين.\rقوله: وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ جملة حالية، وكذا وهما يستغيثان اللّه أي يسألان اللّه، واستغاث يتعدى بنفسه تارة وبالياء تارة أخرى، وإن كان ابن مالك زعم أنه يتعدى بنفسه فقط وعاب قول النحاة مستغاث به. قلت: لكنه لم يرد في القرآن إلا متعديا بنفسه إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [الأنفال: 90] فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ [القصص: 15] وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا [الكهف: 29] اهـ سمين.\rقوله: هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ حال من قوه لوالديه، وقوله: يسألانه الغوث أي: غوث ذلك الولد برجوعه إلى الإسلام، وعبارة أبي السعود: يسألانه أن يغيثه ويوفقه للإيمان اهـ.\rقوله: وَيْلَكَ معمول لمقدر قدره بقوله: ويقولان. وذلك المقدر حال من الفاعل في يستغيثان أي: يستغيثان حال كونهما قائلين الخ ويلك الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة السمين: قوله: ويلك منصوب على المصدر بفعل ملاق له في المعنى دون اشتقاق، ومثله ويحه وويسه وويبه، وإما على المفعول به بتقدير الزمك اللّه ويلك، وعلى كلا التقديرين فالجملة معمولة لقول مقدر أي: يقولان: ويلك آمن، والقول في محل نصب على الحال أي: يستغيثان اللّه قائلين ذلك اهـ.\rقوله: آمِنْ أي: اعترف وصدق فهو فعل أمر من الإيمان وهو من جملة مقولهما، وكذا إن وعد اللّه حق اهـ شيخنا.\rوإن مكسورة استئنافا وتعليلا قاله السمين.\rقوله: (أكاذيبهم) أي: التي سطورها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي أُمَمٍ حال من المجرورة بعلى، وقوله: إنهم كانوا خاسرين تعليل اهـ أبو السعود.\rقوله: (من جنسي المؤمن والكافر) أي المشار إلى أولهما بقوله: ووصينا الإنسان الخ، وإلى ثانيهما بقوله: والذي قال لوالديه الخ اهـ شيخنا.\rقوله: دَرَجاتٌ متقضاه أن مراتب أهل النار يقال لها درجات بالجيم، والذي في الحديث أنها","part":7,"page":165},{"id":2623,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 166\rالمؤمنين في الجنة عالية، ودرجات الكافرين في النار سافلة مِمَّا عَمِلُوا أي المؤمنون من الطاعات والكافرون من المعاصي وَلِيُوَفِّيَهُمْ أي اللّه، وفي قراءة بالنون أَعْمالَهُمْ أي جزاءها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (19) شيئا، ينقص للمؤمنين ويزاد للكفار\rوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ بأن تكشف لهم يقال لهم أَذْهَبْتُمْ بهمزة، وبهمزتين، وبهمزة ومدة، وبهما، وتسهيل الثانية دركات بالكاف: وأجيب بوجوه، أحدها: أن ذلك على جهة التغليب. ثانيها: أن المراد بالدرجات المراتب مطلقا أي: سواء كانت إلى علو وهي مراتب أهل الجنة أو إلى سفل وهي مراتب أهل النار اهـ خطيب.\rوكأن الجواب الثاني يرجع للأول اهـ.\rقوله: مِمَّا عَمِلُوا أي: من أجل ما عملوا. قوله: وَلِيُوَفِّيَهُمْ معلله محذوف تقديره وجازاهم بذلك ليوفيهم فيهم الخ اهـ سمين.\rقوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ إما استئناف وإما حال مؤكدة اهـ سمين.\rقوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ يوم منصوب بقول مقدر أي: يقال لهم أذهبتم في يوم عرضهم، وجعل الزمخشري هذا مثل عرضت الناقة على الحوض فيكون قلبا، وردّه الشيخ بأن القلب ضرورة، وأيضا العرض أمر نسبي يصح نسبته إلى الناقة وإلى الحوض، وقد تقدم الكلام في القلب وأن فيه ثلاثة مذاهب اهـ سمين.\rقوله: (بأن تكشف لهم) أشار به إلى أن الكلام من قبيل القلب، وأن الأصل تعرض النار عليهم، فعلى هذا القول المذكور يقال لهم قبل دخولها عند ما يعاينوها، وسيذكر تفسيرا ثانيا بقوله: ويعذبون فهو معطوف على يعرض الخ عطف تفسير وهو مبني على عدم القلب، وأن المراد أنهم يدخلونها، ويقال لهم: القول المذكور وهم فيها. وعبارة الخطيب: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي يصلون لهبها ويقلبون فيها كما يعرض اللحم الذي يشوى، وقيل: تعرض عليهم النار ليروا أهوالها، انتهت.\rوعبارة زاده: العرض يتعدى باللام وبعلى. يقال: عرضت له أمر كذا وعرضت عليه الشيء أي:\rأظهرته له قال تعالى: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً [الكهف: 100] قال الفراء: أي:\rأبرزناها حتى نظر الكفار إليها، فالمعروض عليه يجب أن يكون من أهل الشعور والنار ليست منه، فلا بد أن يحمل العرض على التعذيب مجازا بطريق التعبير عن الشيء باسم ما يؤدي إليه كما يقال: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به أو يكون باقيا على أصل معناه ويكون الكلام محمولا على القلب، والأصل: ويوم تعرض النار على الذين كفروا أي: تظهر وتبرز عليهم، والنكتة في اعتبار القلب المبالغة بالدعاء أن النار ذات تمييز وقهر وغلبة اهـ.\rوأيضا عرض الشخص على النار أشد في أهانته من عرض النار عليه، إذ عرضه عليها يفيد أنه كالحطب المخلوق للاحتراق اهـ كازروني.\rقوله: (يقال لهم) هذا المقدر ناصب ليوم على الظرفية وناصب الجملة أذهبتم الخ على المفعولية لأنها مقول القول، وهذا القول يقال: لهم تقريعا وتوبيخا وتشنيعا اهـ شيخنا.","part":7,"page":166},{"id":2624,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 167\rطَيِّباتِكُمْ باشتغالكم بلذتكم فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ تمتعتم بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي الهوان بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ تتكبرون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) به وتعذبون بها قوله: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ أي: أصبتموها واستوفيتموها فقوله: واستمتعتم بها عطف تفسير، وقول الشارح: باشتغالكم الخ الباء فيه للتصوير، فالاذهاب هو الاشتغال، والطيبات هي المستلذات.\rوعبارة الخطيب: والمعنى أن ما قدم لكم من الطيبات والدرجات فقد استوفيتموه في الدنيا، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظوظكم في الدنيا شيء في الآخرة، انتهت.\rوفي القرطبي: ومعنى أذهبتم طيباتكم أي: تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات يعني المعاصي، وقيل: أذهبتم طيباتكم أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي. قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة مأخوذة من قولهم ذهب أطيباه أي شبابه وقوته قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضا: قلت: القول الأول أظهر اهـ.\rقوله: (بهمزة الخ) في كلامه أربع قراءات، فقوله: بهمزة أي: لما عدا ابن عامر، وابن كثير من السبعة، وقوله: وبهمزتين أي: محققين من غير إدخال ألف بينهما لابن ذكوان. روى ابن عامر: وقوله وبهمزة ومدة في هذه العبارة نقص وحقها بهمزتين محققتين ومدّ بينهما أي: ألف لهشام راوي ابن عامر، وقوله: وبهما أي: بالهمزة والمدة، وتسهيل الثانية في قوة قوله: وبهمزتين ثانيتهما مسهلة وإدخال ألف بينهما وهذه أيضا لهشام، فقرأ هشام بالوجهين أي: تحقيق الثانية وتسهيلها مدخلا بينهما ألفا على الوجهين، وبقيت قراءة خامسة سبعية أيضا لم يذكرها الشارح وهي لابن كثير تسهيل الثانية من غير إدخال ألف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: أذهبتم قرأ ابن كثير أذهبتم بهمزتين الأولى محققة والثانية مسهلة بين بين، ولم يدخل بينهما ألفا وهذا على قاعدته في أأنذرتهم ونحوه، وابن عامر قرأ أيضا بهمزتين، لكن اختلف راوياه عنه، فهشام سهل الثانية وحققها وأدخل ألفا في الوجهين وليس على أصله فإنه من أهل التحقيق، وابن ذكوان بالتحقيق فقط دون إدخال ألف، والباقون بهمزة واحدة فيكون إما خبرا وإما استفهاما سقطت أداته للدلالة عليها والاستفهام معناه التقريع والتوبيخ اهـ.\rوحاصل الخمسة تحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية مع إدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه فهذه أربعة، والخامسة الاقتصار على همزة واحدة تأمل.\rقوله: (أي الهوان) أي: فهو من إضافة الموصوف لصفته اهـ شيخنا.\rقوله: (به) متعلق بتستكبرون وتفسقون، وأشار بتقديره إلى أن ما موصولة وإن عائدها محذوف وغيره جعلها مصدرية وهو أحسن اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: تفسقون به أي: بسبب الاستكبار الباطل فما مصدرية، والحاصل أنه تعالى علل ذلك العذاب بأمرين، أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب. والثاني: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثاني لأن أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق ويستكبرون عن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد بالفسق المعاصي اهـ.","part":7,"page":167},{"id":2625,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 168\r* وَاذْكُرْ أَخا عادٍ هو هود عليه السّلام إِذْ الخ بدل اشتمال أَنْذَرَ قَوْمَهُ خوّفهم بِالْأَحْقافِ قوله: (و يعذبون بها) معطوف على يعرض الذين كفروا على النار عطف تفسير كما ذكره القاري فهو تفسير آخر غير الذي قدمه، ولو ذكره هناك لكان أحسن، وسيقتصر على هذا التفسير في قوله الآتي: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ هو هود بن عبد اللّه بن رباح عليه السّلام كان أخاهم في النسب لا في الدين إذ أنذر قومه بالأحقاف أي: اذكر لهؤلاء المشركين قصة عاد ليعتبروا بها، وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ليقتدي به ويهون عليه تكذيب قومه له، والأحقاف: ديار عاد وهي الرمال العظام في قول الخليل وغيره، وكانوا قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم، والأحقاف: جمع حقف وهو ما استطال من الرمل العظيم وأعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا، والجمع حقاف وأحقاف وأحقوقف الرمل والهلال أي: أعوج، وقيل: الحقف جمع حقاف والأحقاف جمع الجمع، ويقال: حقف وأحقف، وفي المراد بالأحقاف هنا خلاف، فقال ابن زيد: هي رمال مشرفة على البحر مستطيلة كهيئة الجبال ولم تبلغ أن تكون جبالا وشاهد ما ذكرناه، وقال قتادة: هي جبال مشرفة بالشحر والشحر قريب من عدن، وعنه أيضا ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر، وقال مجاهد: هي أرض حسمى تسمى بالأحقاف، وقال ابن عباس، والضحاك: الأحقاف جبل بالشام، وعن ابن عباس أيضا: هو واد بين عمان ومهرة، وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع ياقل له مهرة، وإليه تنسب الإبل المهرية، فيقال: إبل مهرية ومهاري اهـ قرطبي.\rوفي القاموس: الشجر كمنع فتح الفم وساحل البحر بين عمان وعدن وبكسر اهـ.\rقوله: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ الخ آخره هو قوله: حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [هود: 8] وقوله: بدل اشتمال أي: لأن أخا عاد وهو هود يلابس وقت إنذاره وما وقع له معهم، فإذا ظرف للماضي بمعنى الوقت مضافة لما بعدها اهـ شيخنا.\rقوله: بِالْأَحْقافِ ليس صلة لانذر كما قد يتوهم، بل هو حال من عاد أي: حال كونهم كائنين بالأحقاف أي: نازلين به أو صفة أي: أخا عاد الكائنين بالأحقاف: أي: الوادي المعلوم اهـ شيخنا.\rوأما صلة أنذر فهي قوله الآتي: أن لا تعبدوا إلا اللّه كما سيأتي. قوله: (مضت الرسل) المضي بالنسبة لزمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فهذا كلام مستقبل على سبيل الاعتراض كما قال الشارح، وحينئذ خوطب به محمد وأخبر به لبيان أن إنذار هود لعاد وقع مثله للرسل السابقين عليه والمتأخرين عنه، فأنذروا أممهم كما أنذر هود أمته فصح قوله: من بين يديه ومن خلفه، وقوله: أي: من قبل هود الخ لف ونشر مرتب، فالذي قبله أربعة آدم وشيث وإدريس ونوح، والذي بعده كصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وكذا سائر أنبياء بني إسرائيل، فلا يحتاج إلى تكلف في قوله الشارح ومن بعده بأن يراد به من هم في زمانه كما قال بعضهم، لأنه لا يحتاج إليه إلا على إعراب جملة وقد خلت حالا، والشارح جعلها اعتراضية فاستغنى عن التكلف اهـ شيخنا.","part":7,"page":168},{"id":2626,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 169\rواد باليمن به منازلهم وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مضت الرسل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي من قبل هود ومن بعده إلى أقوامهم (أن) أي بأن قال أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وجملة وقد خلت معترضة إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن عبدتم غير اللّه عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)\rقالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا لتصرفنا عن عبادتها فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب على عبادتها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) في أنه يأتينا\rقالَ هود إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ هو الذي يعلم متى يأتيكم العذاب وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وَلكِنِّي وعبارة الكرخي: قوله: أي من قبل هود ومن بعده أفاد به أن المراد من بين يديه من تقدمه ومن خلفه من في زمانه، ومعنى من خلفه أي: من بعد إنذاره وهو على تنزيل الآتي منزلة الماضي كما في قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ [الأعراف: 48] لكن فيه شائبة الجمع بين الحقيقة والمجاز في خلت، ويجوز أن يقال ذلك باعتبار الثبوت في علم اللّه تعالى أي: وقد خلت النذر في علم اللّه تعالى أي: وتحقق في علمه خلو الماضين منهم والآتين اهـ.\rقوله: (إلى أقوامهم) متعلق بمضت على سبيل التضمين أي: حال كونهم مرسلين إلى أقوامهم، وقوله: أي بأن قال أشار به إلى أن مصدرية أو مخففة من الثقيلة، وأن الباء مقدرة معها، وأن الباء للتصوير والتفسير أي: صورة إنذار أن قال لا تعبدوا الخ ولا ناهية، وقوله: معترضة أي: بين المفسر بفتح السين وهو إنذار والمفسر بكسرها وهو قوله: أن لا تعبدوا، والقصد بالاعتراض بها الإشارة إلى أن الإنذار لم يكن خاصا بهود عليه السّلام اهـ شيخنا.\rوإنما كان هذا إنذارا لأن النهي عن الشيء إنذار وتخويف من مضرته اهـ بيضاوي.\rفصح أن قوله أن لا تعبدوا مفسر للإنذار ومتعلق به اهـ شهاب.\rقوله: إِنِّي أَخافُ تعليل لقوله أن لا تعبدوا. قوله: عَظِيمٍ أي: هائل بسبب شرككم قاله القاضي، وفيه إشارة إلى أن عظيم مجاز عن هائل لأنه يلزم العظم، ويجوز أن يكون من قبيل الإسناد إلى الزمان مجازا وأن يكون الجر على الجوار اهـ كرخي.\rقوله: قالُوا أَجِئْتَنا الخ أي: قالوه جوابا لإنذاره اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّمَا الْعِلْمُ أي: علم وقت إتيان العذاب كما أشار له لقوله متى يأتيكم اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: قال إنما العلم عند اللّه أي: لا علم لي بوقت عذابكم ولا مدخل لي فيه فاستعجل به، وفيما ذكر إشارة إلى أن نفي العلم عن نفسه وإثباته للّه تعالى على ما يدل عليه القصر كناية عن نفي مدخليته فيه واستقلال اللّه تعالى به بهذا يظهر مطابقة قوله: إنما العلم عند اللّه جوابا لقوله: فأتنا بما تعدنا فلا حاجة إلى ما ذكره الزمخشري، فإنه يجر إلى سد باب الدعاء اهـ.\rقوله: وَأُبَلِّغُكُمْ أي: وأما أنا فإنما وظيفتي التبليغ لا الإتيان بالعذاب إذ ليس من مقدرتي بل هو من مقدرات اللّه تعالى اهـ شيخنا.","part":7,"page":169},{"id":2627,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 170\rأَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) باستعجالكم العذاب\rفَلَمَّا رَأَوْهُ أي ما هو العذاب عارِضاً سحابا عرض في أفق السماء مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا أي ممطر إيانا، قال تعالى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب رِيحٌ بدل من ما فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) مؤلم\rتُدَمِّرُ تهلك كُلَ\rفائدة:\rقرأ أبو عمرو: وأبلغكم بسكون الباء الموحدة وتخفيف اللام، والباقون بفتح الباء وتشديد اللام، وقرأ نافع، والبزي، وأبو عمرو بفتح الباء من لكني، والباقون بسكونها، وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين وأمالها أبو عمرو، وحمزة، والكسائي محضة، والباقون بالفتح اهـ خطيب.\rقوله: (أي ما هو العذاب) أشار به إلى ضمير رأوه عائد على ما في قوله: ما تعدنا، وأجاز الزمخشري أن يكون مبهما وقد رفع أمره بقوله عارضا تمييزا كان أو حالا قال: وهذا الوجه أعرب وأفصح أي: لما فيه البيان بعد الإبهام، والإيضاح بعد التعمية، وعدل الشيخ المصنف عنه بأن رد الضمير الذي يفسره ما بعده محصور في أبواب ليس هذا منها وهي رب ونعم وبئس، ولا أحد يقول أن الحال أو التمييز يفسران الضمير، وفي كلام الشيخ المصنف دفع لما قيل كيف يجوز عوده إلى ما في ما تعد، ولا يصح أن يقال فلما رأوا تعدنا عارضا، وإيضاح ما ذكره أن المراد معنى ما تعدنا وهو العذاب اهـ كرخي.\rقوله: (سحابا عرض الخ) قال في المختار: العارض السحاب يعرض في الأفق ومنه قوله تعالى:\rهذا عارِضٌ مُمْطِرُنا اهـ.\rقوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أي: متوجها وسائرا إليها اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي ممطر إيانا) أي: يأتينا بالمطر وأشار بهذا إلى أن إضافة كل من مستقبل وممطر لفظية فلم تفده التعريف، ولذلك وقع المضاف نعتا للنكرة وهي عارضا وعارض اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: مستقبل أوديتهم صفة لعارضا وإضافته غير محضة، فمن ثم ساغ أن يكون نعتا للنكرة، وكذلك ممطرنا وقع نعتا لعارض اهـ.\rقوله: (قال تعالى) بَلْ هُوَ الخ جعل القائل هو اللّه تعالى، ويحتمل أنه هود عليه السّلام بدليل القراءة الأخرى قال هود بل هو الخ كما في الكشاف وغيره، ويدل لهذا الوجه أن الخطاب فيما سبق بين هود وبينهم ولو قدر قال تعالى: بل هو ما استعجلتم به كما قدره الشيخ المصنف تبعا لما قاله محيي السنة لانفك النظم، لكن يؤيد هذا القول فاء التعقيب في قوله: فاصبحوا لا ترى إلا مساكنهم لأنه ليس ثمة قول، بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول دمارهم من غير ريب، وعلى تقدير الزمخشري وغيره الفاء فصيحة أي: قال هود ذلك ثم أدركتهم الريح فأبادتهم، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ولا ارتياب في أن ذلك القول أبلغ وأجرى على قوانين البلاغة وأنسب للفصاحة التنزيلية قاله القرطبي اهـ كرخي.\rقوله: (بدل ما) أي: أو خبر مبتدأ محذوف أي: هي ريح، وقوله: فيها عذاب أليم الجملة صفة ريح وكذا قوله تدمر، أن يكون استئنافا بل هو أحسن اهـ كرخي.","part":7,"page":170},{"id":2628,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 171\rشَيْءٍ مرت عليه بِأَمْرِ رَبِّها بإرادته أي كل شيء أراد إهلاكه بها، فأهلكت رجالهم ونساءهم وصغارهم وأموالهم، بأن طارت بذلك بين السماء والأرض ومزقته، وبقي هود ومن آمن معه فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) غيرهم\rوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما في الذي إِنْ نافية أو زائدة مَكَّنَّاكُمْ يا أهل مكة فِيهِ من القوة والمال وَجَعَلْنا قوله: (فأهلكت رجالهم الخ) قدر ليعطف عليه، وقوله فأصبحوا الخ فهو معطوف على هذا المقدر اهـ شيخنا.\rروي أن هودا لما أحس بالريح أعتزل بالمؤمنين في الحظيرة، وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم الرمل واحتملتهم فقذفتهم في البحر اهـ بيضاوي.\rوقوله: وجاءت الريح فرأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطيرهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح فقلعت الأبواب وصرعتهم، وأمالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم أمر اللّه الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم ورمتهم في البحر اهـ زاده.\rقوله: (و بقي هود ومن آمن معه) وكانوا أربعة آلاف. وفي الخازن: وقيل أن هودا عليه السّلام لما أحس بالريح خط عن نفسه وعلى من معه من المؤمنين خطا، فكانت الريح تمر بهم لينة باردة طيبة، والريح التي تصيب قومه شديدة عاصفة مهلكة، وهذه معجزة عظيمة لهود عليه الصلاة والسّلام اهـ.\rقوله: فَأَصْبَحُوا أي: صاروا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم اهـ بيضاوي.\rيعني أن الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم على الفرض والتقدير، ويجوز أن يكون عاما لكل من يصلح للخطاب اهـ شهاب.\rوفي الخازن: والمعنى لا ترى إلا آثار مساكنهم، لأن الريح لم تبق منها إلا الآثار والمساكن معطلة اهـ.\rقوله: لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ قرأ حمزة، وعاصم لا يرى بضم الياء من تحت مبنيا للمفعول مساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل، والباقون من السبعة بفتح تاء الخطاب مساكنهم بالنصب مفعولا به، والجحدري والأعمش، وابن أبي إسحاق، والسلمي، وأبو رجاء بضم التاء من فوق مبنيا للمفعول مساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل اهـ سمين.\rقوله: (كما جزيناهم) أي: عادا.\rقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ أي: مكنا عادا وقوله: في الذي أشار به إلى أن ما موصولة فالمد فيها منفصل لأن إن كلمة أخرى اهـ شيخنا.\rقوله: (نافية) أي: بمعنى ما النافية ولم يؤت بلفظ ما لئلا يجمع بين كلمتين بلفظ واحد، وقوله:","part":7,"page":171},{"id":2629,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 172\rلَهُمْ سَمْعاً بمعنى أسماعا وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً قلوبا فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أي شيئا من الإغناء، ومن زائدة إِذْ معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ حججه البينة وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) أي العذاب\rوَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى أي من أهلها، كثمود وعاد وقوم لوط وَصَرَّفْنَا الْآياتِ كررنا الحجج البينات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)\rفَلَوْ لا هلا نَصَرَهُمُ بدفع العذاب عنهم الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ وزائدة فيه شيء لأنها إذا كانت زائدة يكون المعنى مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، فيلزم تفضيل تمكين قريش على تمكين عاد، لأن المشبه به أقوى في وجه الشبه غالبا، فالأحسن الوجه الأول، والمعنى عليه ولقد مكناهم في أمور عظيمة لم نمكنكم فيها، وهذا أبلغ في الإنذار والموعظة اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: فيما ان مكناكم فيه ما موصولة أو موصوفة، وفي أن ثلاثة أوجه، شرطية وجوابها محذوف والجملة الشرطية صلة ما، والتقدير في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، والثاني: أنها مزيدة تشبيها للموصولة بما النافية والتوقيتية، والثالث: وهو الصحيح أنها نافية بمعنى مكناكم في الذي ما مكناكم فيه من القوة والبسطة، وسعة الأرزاق، ويدل له قوله في مواضع كانوا أشد منهم قوة وأمثاله، وإنما عدل عن لفظ ما النافية إلى كراهية لاجتماع متماثلي لفظ اهـ.\rقوله: وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً الخ وحد السمع لأنه لا يدرك به إلا الصوت وما يتبعه بخلاف البصر حيث يدرك به أشياء كثيرة بعضها بالواسطة، والفؤاد يعم إدراكه كل شيء اهـ كرخي.\rقوله: وَأَفْئِدَةً أي: ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على مانحها ويواظبوا على شكرها اهـ كرخي.\rقوله: مِنْ شَيْءٍ مفعول مطلق بزيادة من، فهو منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد، وأشار لهذا بقوله أي شيئا من الاغناء اهـ شيخنا.\rقوله: (معمولة لأغنى) الاولى لنفي أغنى، فإن المعلل هو النفي أي: انتفى نفع هذه الحواس عنهم لأنهم يجحدون الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و أشربت معنى التعليل) أشار في الكشاف إلى تحقيقه بأنه طرف أريد به التعليل كناية أو مجازا لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قوله: ضربته لاساءته وضربته إذ أساء لأنك إنما ضربته في هذا الوقت لوجود الاساءة فيه، إلا أن إذ وحيث غلبتا ان دون سائر الظروف في ذلك حتى كاد يلحق بمعانيها الوضعية اهـ.\rقوله: (ما حولكم) الخطاب لأهل مكة اهـ بيضاوي.\rقوله: (الذين اتخذوا) الذين واقعة على الأصنام، فقوله: وهم الأصنام، تفسير لها، والواو في اتخذوا عائدة على عبدة الاصنام اهـ شيخنا.","part":7,"page":172},{"id":2630,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 173\rدُونِ اللَّهِ أي غيره قُرْباناً متقربا بهم إلى اللّه آلِهَةً معه وهم الأصنام، ومفعول اتخذ الأول ضمير محذوف يعود على الموصول أي هم وقربانا الثاني وآلهة بدل منه بَلْ ضَلُّوا غابوا عَنْهُمْ عند نزول العذاب وَذلِكَ أي اتخاذهم الأصنام آلهة قربانا إِفْكُهُمْ كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28) يكذبون، وما مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف أي فيه\rوَاذكر إِذْ صَرَفْنا أملنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ جن نصيبين باليمن أو جن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان قوله: (و مفعول اتخذوا الخ) عبارة السمين: قوله: قربانا آلهة فيه أوجه، أوجهها: أن المفعول الأول لاتخذوا محذوف هو عائد الموصول، وقربانا نصب على الحال، وآلهة هو المفعول الثاني للاتخاذ، والتقدير: فهلا نصرهم الذين اتخذوهم متقربا بهم آلهة. الثاني: أن المفعول الأول محذوف أيضا كما تقدم تقديره، وقربانا مفعول ثان، وآلهة بدل منه وإليه نحا ابن عطية والحوفي وأبو البقاء.\rالثالث: أن قربانا مفعول من أجله وعزاه الشيخ للحوفي. قلت: وإليه ذهب أبو البقاء أيضا، وعلى هذا فآلهة مفعول ثان، والأول محذوف كما تقدم اهـ.\rقوله: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ اضراب انتقالي عن نفي النصرة لما هو أخص منه إذ نفيها يصدق بحضورها عندهم بدون النصرة، فأفاد بالاضراب أنهم لم يحضروا بالكلية فضلا عن أن ينصروهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِفْكُهُمْ العامة على كسر الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكا أي: كذبهم، وابن عباس بالفتح وهو مصدر له أيضا، وعكرمة والصباح بن العلاء أفكهم بثلاث فتحات فعلا ماضيا أي:\rصرفهم وأبو عياض وعكرمة أيضا كذلك إلا أنه بتشديد الفاء للتكثير، وابن عباس أيضا آفكهم بالمد فعلا ماضيا أيضا، وهو محتمل لأن يكون بزنة فاعل فالهمزة أصلية، وأن يكون بزنة أفعل فالهمزة زائدة، والثانية بدل من همزة، وابن عباس أيضا آفكهم بالمد وكسر الفاء ورفع الكاف جعله اسم فاعل بمعنى صارفهم، وقرئ أفكهم بفتحتين ورفع الكاف على أنه مصدر لافك أيضا فيكون له ثلاثة مصادر: الإفك والأفك بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء، والأفك بفتح الهمزة والفاء وزاد أبو البقاء أنه قرئ آفكهم بالمد وفتح الفاء ورفع الكاف قال: بمعنى أكذبهم فجعله أفعل تفضيل اهـ سمين.\rقوله: (مصدرية) أي: وافتراؤهم، وهذا الاحتمال هو الأحسن ليعطف مصدر على مثله، وقوله:\rأي فيه فحذف الجار أولا ثم اتصل الضمير ثم حذف فهو من حذف المنصوب، ولو قال أي يفترونه لكان أوضح اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ الخ عبارة المواهب: ثم خرج عليه الصلاة والسّلام إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة اشهر في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب، وكان معه زيد بن حارثة فأقام به شهرا يدعو أشراف ثقيف إلى اللّه تعالى فلم يجيبوه، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه، ولما انصرف عليه الصلاة والسّلام عن أهل الطائف راجعا إلى مكة نزل نخلة، وهو موضع على ليلة من مكة صرف اللّه إليه سبعة من جن نصيبين، وكان عليه الصلاة والسّلام قد قام في جواف الليل ليصلي الخ اهـ.","part":7,"page":173},{"id":2631,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 174\rصلّى اللّه عليه وسلّم ببطن نخل يصلي بأصحابه الفجر رواه الشيخان يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أي قال قوله: (أملنا) إِلَيْكَ الخ عبارة أبي السعود أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك، انتهت.\rقوله: نَفَراً في المختار: النفر بفتحتين عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وكذا النفير والنفر والنفرة بسكون الفاء فيهما اهـ.\rقوله: (جن نصيبين) هي قرية من اليمن، وجنها أشرف الجن وساداتهم، وقوله: أوجن نينوى بنون مكسورة بعدها ياء ساكنة، وبعد الياء نون مضمومة، وبعدها واو بعدها ألف مقصورة وهي قرية يونس عليه السّلام قرب الموصل اهـ شيخنا.\rوفي بعض حواشي المواهب: أنه بفتح النون الثانية وضمها اهـ.\rقوله: (من اليمن) هذا أحد قولين، والذي في شرح المواهب أنها بالجزيرة وهي بين الشام والعراق اهـ.\rقوله: (و كانوا سبعة الخ) وكان منهم زوبعة اهـ خطيب.\rقوله: (و كان صلّى اللّه عليه وسلّم ببطن نخل) فيه تسمح: لأن هذا المكان الذي هو على ليلة من مكة في طريق الطائف يقال له نخلة، ويقال له بطن نخلة وأما بطن نخل فهو المكان الذي صلى فيه صلّى اللّه عليه وسلّم الصلاة المشهورة في صلاة الخوف، وهو على مرحلتين من المدينة، وقوله: بأصحابه فيه شيء أيضا إذ لم يثبت أنه كان معه في تلك القصة إلا زيد بن حارثة، وقوله: الفجر فيه تسمح أيضا لأن هذه الواقعة كانت قبل الصلوات، ولذلك حمل بعضهم الصلاة على الركعتين اللتين كان يصليهما قبل فرض الخمس، وفي رواية: أنه كان يصلي في جوف الليل، وقوله: يستمعون القرآن قيل: كان يقرأ سورة الجن، وقيل: سورة الرحمن، وقيل: سورة اقرأ، واعترض البرهان القول بأنه كان يقرأ سورة الجن بما في الصحيح من أنها إنما نزلت بعد استماعهم، وجوابه أن الذي في الصحيح كان من المرة الأولى عند البعث كما هو صريحه. وهذه بعده بمدة فلا يعترض به، ويجمع بين هذه الأقوال بأنه قرأ اقرأ في الأولى. والرحمن في الثانية، والجن في الثالثة اهـ من المواهب وشروحه.\rتنبيه: ذكروا في سبب هذه الواقعة قولين، أحدهما: أن الجن كانت تسترق السمع، فلما رجموا من السماء حين بعث النبي قالوا: ما هذا إلا لشيء أحدث في الأرض، فذهبوا فيها يطلبون، وكان قد اتفق أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في السنة الحادية عشرة من النبوة لما أيس من أهل مكة خرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فانصرف راجعا إلى مكة فقام ببطن نخلة يقرأ فمرّ به نفر من جن نصيبين كان إبليس قد بعثهم يطلبون السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم بالشهب، فسمعوا القرآن فعرفوا ذلك هو السبب، والقول الثاني أن اللّه أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى اللّه ويقرأ عليهم القرآن، فصرف اللّه إليه نفرا منهم يستمعون القرآن وينذرون قومهم، وذلك لأن الجن مكلفون لهم الثواب وعليهم العقاب، ويدخلون الجنة ويأكلون فيها ويشربون كالإنس، فانتهض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة وقال:\r«إني أمرت أن أقرأ على الجنة الليلة القرآن، فأيكم يتبعني» فأطرقوا فتبعه عبد اللّه بن مسعود. قال عبد اللّه بن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي شعبا يقال","part":7,"page":174},{"id":2632,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 175\rبعضهم لبعض أَنْصِتُوا اصغوا لاستماعه فَلَمَّا قُضِيَ فرغ من قراءته وَلَّوْا رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ له شعب الحجون وخط لي خطا، وأمرني أن أجلس فيه، وقال لي: «لا تخرج حتى أعود إليك»، فانطلق حتى وصل إليهم فافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي اللّه وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه لم أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففزع النبي منهم مع الفجر فانطلق إلي فقال لي: «قد نمت؟» فقلت: لا واللّه ولكني هممت أن آتي إليك لخوفي عليك، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لي: «لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم فأولئك جن نصيبين» فقلت: يا رسول اللّه سمعت لغطا شديدا فقال: «إن الجن اختصموا في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحق، وكانت عدة هؤلاء الجن اثني عشر ألفا» وروي عن أنس قال: كنت عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بظاهر المدينة إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنها لمشية جني» ثم أتى فسلم على النبي، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنها لنغمة جني»، فقال الشيخ: أجل يا رسول اللّه، فقال له النبي: من أي الجن أنت؟ قال: يا رسول اللّه إني هام بن هيم بن لاتيس بن إبليس، فقال له النبي: «لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين» قال: أجل يا رسول اللّه فقال له النبي: «كم أتى عليك من العمر؟» قال أكلت عمر الدنيا إلا القليل كنت حين قتل هابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أشرف على الآكام واصطاد الهام وأورش بين الأنام، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: بئس العمل، فقال رسول اللّه: دعني من العتب فاني ممن آمن مع نوح عليه السّلام وعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال: واللّه إني لمن النادمين وأعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين، ولقيت هودا فعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال: واللّه إني لمن النادمين وأعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين، ولقيت إبراهيم وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي في المنجنيق وكنت معه في النار إذ ألقي فيها، وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب فسبقته إلى قعره، ولقيت موسى بن عمران بالمكان الأثير، وكنت مع عيسى ابن مريم عليهما السّلام فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأ عليه السّلام. قال أنس: فقال النبي عليه السّلام: «و عليك السّلام يا هام ما حاجتك؟» قال: إن موسى علمني التوراة، وإن عيسى علمني الإنجيل فعلمني القرآن. قال: أنس:\rفعلمه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سورة الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، وقل يا أيها الكافرون، وسورة الاخلاص والمعوذتين اهـ من الخطيب والخازن.\rقوله: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ صفة أيضا لنفرا أو حال لتخصصه بالقصة إن قلنا: إن من الجن صفة له وراعى معنى النفر فأعاد عليه الضمير جمعا ولو راعى لفظه فقال يستمع لجاز اهـ سمين.\rقوله: فَلَمَّا حَضَرُوهُ يجوز أن تكون الهاء للقرآن وهو الظاهر، وأن تكون للرسول عليه السّلام، وحينئذ يكون في الكلام التفات من قوله إليك إلى الغيبة في قوله حضروه اهـ سمين.\rقوله: (اصغوا) بهمزة مكسورة وفتح الغين أو بهمزة مفتوحة وضم الغين اهـ شيخنا.\rوفي المختار: صغى مال وبابه عدا وسما ورمى وصدى وصغيا أيضا. قلت: ومنه قوله تعالى:\rفَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: 4] قوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الأنعام: 113] وأصغى أليه مال بسمعه نحوه، وأصغى الإناء أماله اهـ.\rقوله: فَلَمَّا قُضِيَ العامة على بنائه للمفعول أي: فرغ من قراءة القرآن، وهو يؤيد عود الهاء","part":7,"page":175},{"id":2633,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 176\rمُنْذِرِينَ (29) مخوّفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا، وكانوا يهودا وقد أسلموا\rقالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً هو القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي تقدمه كالتوراة يَهْدِي إِلَى الْحَقِ الإسلام وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) أي طريقه\rيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ اللّه لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي بعضها، لأن منها المظالم، ولا تغفر إلا برضا أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) مؤلم 32\rوَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي لا يعجز اللّه بالهرب منه فيفوته وَلَيْسَ لَهُ لمن لا يجب مِنْ دُونِهِ أي اللّه أَوْلِياءُ أنصار يدفعون عنه العذاب أُولئِكَ الذين لم يجيبوا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32) بيّن ظاهر\rأَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا، أي منكرو في حضروه على القرآن، وأبو مجلز، وأبو حبيب بن عبد اللّه قضى مبنيا للفاعل أي: أتم الرسول قراءته وهي تؤيد عودها على الرسول عليه السّلام اهـ سمين.\rقوله: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي: بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجعلهم رسلا إلى قومهم اهـ خطيب.\rقوله: مُنْذِرِينَ حال. قوله: (و كانوا يهودا وقد أسلموا) أي: الرسل في هذه الواقعة وأسلم من قومهم حين رجعوا إليهم وأنذروهم سبعون اهـ خطيب.\rفالجن لهم ملل مثل الانس، ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع. وروي أنهم ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون بها، وصنف على صورة الحياة والكلاب، وصنف يحلون ويظعنون.\rواختلف العلماء في مؤمني الجن فقال قوم ليس لهم ثواب إلا النجاة من النار وعليه أبو حنيفة، وحكي عن الليث: نجاتهم من النار يقال لهم كانوا ترابا مثل البهائم، وقال آخرون: لهم الثواب على الاحسان كما عليهم العقاب على الإساءة، وهذا هو الصحيح وعليه ابن عباس والائمة الثلاثة فيدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، وقال عمر بن عبد العزيز: إنهم حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها اهـ خازن.\rقوله: (كالتوراة) والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (أي طريقه) لعل المراد بالإسلام اللغوي أي الاستسلام والانقياد، والمرد بطريقة الأعمال كالصلاة والصوم. وفي البيضاوي: إلى العقائد وإلى طريق مستقيم أي: الشرائع الفرعية اهـ.\rقوله: يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر. قوله: (لأن منها المظالم) أي: مظالم العباد غير الحربيين، فهي كحقوق اللّه تغفر بمجرد الإسلام من المظالم ولا تتوقف على الاستحلال من المظلوم الحربي اهـ شيخنا.\rقوله: (إلا برضا أصحابها) في نسخة أربابها.\rقوله: وَمَنْ لا يُجِبْ من شرطية. قوله: أَوْلِياءُ أُولئِكَ قد اجتمع ههنا همزتان مضمومتان من كلمتين وليس لها نظير في القرآن أي: وجود لهما في محل منه غير هذا اهـ خطيب.\rقوله: أُولئِكَ الخ هذا آخر كلام الجن الذين سعوا القرآن، وأما قوله: أو لم يروا الخ فهو من كلام اللّه توبيخ لمنكري البعث اهـ شيخنا.","part":7,"page":176},{"id":2634,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 177\rالبعث أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَ لم يعجز عنه بِقادِرٍ خبر أن، وزيدت الباء فيه لأن الكلام في قوة أليس اللّه بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى هو قادر على إحياء الموتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)\rوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ بأن يعذبوا بها يقال لهم أَلَيْسَ هذا التعذيب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)\rفَاصْبِرْ على أذى قومك كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ ذوو الثبات والصبر على الشدائد مِنَ الرُّسُلِ قبلك فتكون ذا عزم، ومن للبيان، فكلهم ذوو عزم، وقيل للتبعيض فليس منهم آدم لقوله تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ولا قوله: وَلَمْ يَعْيَ مجزوم بحذف الألف، وقوله: لم يعجز الأظهر لم يتعب ولم ينصب كما ذكره غيره اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد اهـ.\rفعدم العي والتعب مجاز عن عدم الانقطاع والنقص اهـ شهاب.\rقوله: (و زيدت الباء فيه الخ) جواب عما يقال إنها لا تزاد إلا في النفي وأن للاثبات وخبرها مثبت ومحصل الجواب أنها في خبر ليس تأويلا اهـ شيخنا.\rقوله: بَلى جواب للنفي بابطاله فهي تبطل النفي، وتقرر نقيضة بخلاف نعم فإنها تقرر النفي نفسه اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لما أفادته بلى من تعليل الخاص بالعام اهـ شيخنا.\rقوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ لما أثبت البعث ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال، فقال: ويوم يعرض الخ اهـ خطيب.\rقوله: (يقال لهم الخ) هذا المقدر هو الناصب اليوم على الظرفية وهو مستأنف اهـ شيخنا.\rقوله: وَرَبِّنا الواو للقسم، واكدوا جوابهم به كأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقية ما هم فيه اهـ أبو السعود.\rقوله: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الباء سببية وما مصدرية أي بسبب كفركم اهـ.\rقوله: فَاصْبِرْ الخ لما قرر تعالى المطالب الثلاثة وهي التوحيد والنبوة والمعاد، وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصحية لنبيه، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه فقال فاصبر الخ. قال القشيري: الصبر الوثوق بحكم اللّه والثبات من غير بث ولا استكراه اهـ خطيب.\rوقوله: فاصبر جواب شرط مقدر أي إذا كان عاقبة أمر الكفار ما ذكر فاصبر على أذاهم وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: (فكلهم ذوو عزم) أي: صبر على الشدائد، وعبارة الخازن: قال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم لم يبعث اللّه عز وجل نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال وعقل اهـ.\rوقوله: وقيل للتبعيض أي: إن أولي العزم بعض مطلق الرسل، بالبعض ما عدا آدم ويونس بدليل قوله فليس منهم آدم الخ اهـ شيخنا.","part":7,"page":177},{"id":2635,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 178\rوالذي في كلامه أشار إلى قولين في تفسير أولي العزم وبقي أقوال أخر تعلم من القرطبي ونصه:\rفاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. قال ابن عباس: ذوو العزم والصبر، قال مجاهد: وهم خمسة:\rنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسّلام وهم أصحاب الشرائع، وقد ذكرهم اللّه على التخصيص والتعيين في قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: 7] وفي قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الشورى: 13] الآية. وقال أبو العالية: إن أولي العزم نوحا وهود وإبراهيم فأمر اللّه عز وجل نبيه عليه الصلاة والسّلام أن يكون رابعهم، وقال السدي: هم ستة إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلوات اللّه عليهم أجمعين، وقيل: نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء، وقال مقاتل: هم ستة نوح صبر على أذى قومه مدة، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر، وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم، وقال الشعبي، والكلبي، ومجاهد ايضا الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاثرة وجاهدوا الكفرة، وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام ثمانية عشر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط واختاره الحسين بن الفضل لقوله في الآية عقبه أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] ثم قال ابن عباس ايضا: كل الرسل أولو العزم، واختاره علي بن مهدي الطبري قال: وإنما دخلت من للتجنيس لا للتبعيض كما تقول:\rاشتريت أردية من البز وأكسية من الخز أي: اصبر كما صبر الرسل، وقيل: كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متى، ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن أن يكون مثله لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه فابتلاه اللّه بثلاث، سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه قاله أبو القاسم الحكيم. وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى اللّه تعالى إلى الأنبياء إني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل فشق ذلك على المرسلين، فأوحى اللّه إليهم اختاروا لأنفسكم إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم نجيتم وأنزلت العذاب ببني إسرائيل، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي اللّه بني إسرائيل، فأنجى اللّه بني إسرائيل وأنزل العذاب بأولئك الرسل، وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشر، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات ومنهم من أحرق بالنار واللّه أعلم. وقال الحسن:\rأولو العزم أربعة إبراهيم وموسى وداود وعيسى فأما إبراهيم فقيل له: أسلم قال: أسلمت لرب العالمين ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ وأما داود فأخطأ خطيئة فنبه عليها فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة فقعد تحت ظلها، وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنه على لبنة","part":7,"page":178},{"id":2636,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 179\rيونس لقوله تعالى: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ لقومك نزول العذاب بهم، قيل: كأنه ضجر منهم فأحب نزول العذاب بهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال للعذاب فإنه نازل بهم لا محالة كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ من العذاب في الآخرة لطوله لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا في ظنهم إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ هذا القرآن بَلاغٌ تبليغ من اللّه إليكم فَهَلْ أي لا يُهْلَكُ عند رؤية العذاب إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35) أي الكافرون.\rوقال إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، فكأن اللّه تعالى يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اصبر إن كنت صادقا فيما ابتليت به مثل صبر إبراهيم، واثقا بنفس مولاك مثل موسى، مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى. ثم قيل: في منسوخة بآية السيف محكمة والأظهر أنها منسوخة لأن السورة مكية، وذكر مقاتل ان هذه الآية نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد فأمره اللّه أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل تسهيلا عليه وتثبيتا واللّه أعلم اهـ بحروفه.\rقوله: (و لم نجد له عزما) أي صبرا. قوله: (كصاحب الحوت) أي: في القلق والاستعجال.\rقوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي: لأجلهم فاللام للتعليل والمفعول محذوف كما قدره اهـ شيخنا.\rقوله: (قيل كأنه ضجر الخ) كذا في كثير من النسخ بلفظ كأنه وصوابه حذفها كما عبر غيره، فقال: قيل أنه ضجر الخ.\rقوله: (فإنه نازل بهم) أي: ولو في الآخرة اهـ.\rقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ ظرف معمول للنفي المفاد بلم. قوله: (لطوله) تعليل لقوله: لم يلبثوا مقدم عليه، وقوله: ولم يلبثوا خبر كأن. قوله: بَلاغٌ العامة على رفعه وفيه جهان، أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف فقدره بعضهم تلك الساعة بلاغ لدلالة قوله: إلا ساعة من نهار، وقيل: تقديره هذا أي القرآن والشرع بلاغ. والثاني: أنه مبتدأ والخبر قوله لهم الواقع بعد قوله: ولا تستعجل أي: لهم بلاغ فيوقف على ولا تستعجل وهو ضعيف جدا للفصل بالجملة التشبيهية، ولأن الظاهر تعليق لهم بالاستعجال. وقرأ زيد بن علي، والحسن وعيسى بلاغا نصبا على المصدر أي بلغ بلاغا، ويؤيده قراءة أبي مجلز بلغ أمرا، وقرئ أيضا بلغ فعلا ماضيا، ويؤخذ من كلام مكي أنه يجوز نصبه نعتا لساعة، فإنه قال: ولو قرئ بلاغا بالنصب على المصدر أو على النعت لساعة جاز، قلت: قد قرئ به وكأنه لم يطلع على ذلك، وقرأ الحسن أيضا بلاغ بالجر، وخرج على أنه وصف لنهار على حذف مضاف أي من نهار وذوي بلاغ أو وصف الزمان بالبلاغ مبالغة اهـ سمين.\rقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ هذا تطميع في صفة فضل اللّه. قال الزجاج: لا يهلك مع فضل اللّه ورحمته إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة اللّه أقوى من هذه الآية اهـ خطيب.\rوالعامة على بناء يهلك للمفعول، وابن محيصن يهلك بفتح الياء وكسر اللام مبنيا للفاعل، وعنه","part":7,"page":179},{"id":2637,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 180\rأيضا فتح اللام وهي لغة والماضي هلك بالكسر. قال ابن جني: وهي مرغوب عنها، وزيد بن ثابت بضم الياء وكسر اللام والفاعل اللّه تعالى: القوم الفاسقين نصبا على المفعول به ونهلك بالنون ونصب القوم اهـ سمين.\rخاتمة:\rقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحفة ثم تغسل وتسقى منها وهي: بسم اللّه الرحمن الرحيم لا إله إلا اللّه العظيم الحليم الكريم سبحان اللّه رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ الآية صدق اللّه العظيم واللّه أعلم اهـ قرطبي.","part":7,"page":180},{"id":2638,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 181\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة محمد مدنية إلا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ الآية. أو مكية. وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية\rالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة وَصَدُّوا غيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الإيمان أَضَلَ أحبط بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وتسمى: سورة محمد، وسورة الذين كفروا اهـ خطيب.\rقوله: (مدنية) قال ابن عباس: هذه السورة مدنية إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنا على فراقه وهي: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [محمد: 13 والطلاق: 8] الآية اهـ أبو حيان.\rوهو مبني على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها ولو في مكة، فعليه تكون هذه الآية مدنية اهـ شيخنا.\rوهذا كله مبني على هذا النقل الذي نقله أبو حيان هنا، ونقله القرطبي أيضا هنا، وهو أنها نزلت لما خرج من مكة بعد حجة الوداع، والذي نقله الخازن والخطيب وغيرهما بل والقرطبي أيضا فيما سيأتي عند تفسير هذه الآية أنها نزلت بما خرج من مكة إلى الغار مهاجرا، والنقل الثاني هو الصحيح لأنه هو الذي يناسبه التوعد بقوله: وكأين قرية الخ، وأما على النقل الأول فلا يظهر هذا الوعيد لأنه في حجة الوداع فارقها مختارا بعد ما صارت دار إسلام، وأسلم جميع أهلها وبدئ فتحها في السنة الثامنة فليتأمل.\rقوله: (أو مكية) كان هذا القول ينظر لأغلبها وأعظمها، وإلّا فقوله تعالى يما يأتي: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمد: 20] إلى آخر السورة إنما يظهر كونه مدنيا، لأن القتال لم يشرع إلا بها، وكذلك النفاق لم يظهر إلا فيها فتأمل. قوله: (و هي ثمان أو تسع الخ) وقيل: هي أربعون آية، والخلاف في قوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: 4] وقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:\r46 ومحمد: 15] اهـ شهاب.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، وقوله: أضل أعمالهم خبره: قال بعضهم. أول هذه السورة متعلق بآخر سورة الأحقاف المتقدمة كأن قائلا قال: كيف يهلك القوم الفاسقون ولهم أعمال بر صالحة كإطعام الطعام ونحوه من الأعمال، واللّه لا يضيع لعامل عمله ولو كان مثقال حبة من خير، فاخبر بأن","part":7,"page":181},{"id":2639,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 182\rأَعْمالَهُمْ (1) كإطعام الطعام وصلة الأرحام، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، ويجزون بها في الدنيا من فضله تعالى:\rوَالَّذِينَ آمَنُوا أي الأنصار وغيرهم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ أي القرآن وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ غفر لهم سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (2) أي حالهم فلا يعصونه:\rذلِكَ أي إضلال الأعمال وتكفير السيئات بِأَنَ بسبب أن الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ الشيطان وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَ القرآن مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ أي مثل ذلك البيان يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3) الفاسقين الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه. أضل أعمالهم يعني أبطلها لأنها لم تكن للّه ولا بأمره، إنما فعلوه من عند أنفسهم ليقال عنهم ذلك، ولهذا السبب أبطلها اللّه تعالى اهـ خازن.\rقوله: (و يجزون بها) أي: عليها في الدنيا كأن يعوضوا عنها زيادة مال أو ولد أو غير ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ العامة على بناء نزل للمفعول مشددا وزيد بن علي، وابن مقسم نزل مبنيا للفاعل وهو اللّه والأعمش أنزل بهمزة التعدية مبنيا للمفعول، وقرئ نزل ثلاثيا مبنيا للفاعل اهـ سمين.\rقوله: (أي القرآن) أشار به إلى أن العطف من عطف الخاص على العام، وفي البيضاوي: وآمنوا بما نزل على محمد تخصيص للمنزل عليه مما يجب الإيمان به تعظيما له وإشعارا بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه، ولذلك أكده بقوله: وهو الحق من ربهم الخ اهـ.\rوقوله تخصيص للمنزل عليه يعني: أنه من عطف الخاص على العام المقدر بناء على أن قوله:\rوَالَّذِينَ آمَنُوا معناه آمنوا بجميع ما يجب الإيمان به بناء على حذف المفعول للتعميم مع الاختصار، ولا شك أن الإيمان بالقرآن المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من جملة أفراد ما يجب الإيمان به اهـ زاده.\rقوله: وَهُوَ الْحَقُ جملة اعتراضية وحقيقته بكونه ناسخا لا ينسخ اهـ بيضاوي.\rقوله: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال مجاهد وغيره: أي شأنهم وقال قتادة حالهم، وقال ابن عباس.\rأمورهم والثلاثة متقاربة، وحكى النقاش: أن المعنى أصلح نياتهم والبال كالمصدر ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر، وقد يكون البال بمعنى القلب يقال: ما يخطر فلان على بالي أي: على قلبي، وقال الجوهري: والبال أيضا رخاء العيش يقال: فلان رخي البال أي: رخي العيش، والبال: الحوت العظيم من حيتان البحر وليس بعربي اهـ قرطبي.\rوالتبالة بالتاء القارورة والجراب ووعاء الطيب وموضع بالحجاز اهـ قاموس.\rوفي البيضاوي: وأصلح بالهم أي: حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد اهـ.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ وقوله: بأن الذين الخ خبر. قوله: (الشيطان) وقيل: الباطل الكفر والحق الإيمان التوحيد اهـ قرطبي.\rقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ الضمير راجع للفريقين كما أشار له بقوله كالكافر الخ اهـ شيخنا.","part":7,"page":182},{"id":2640,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 183\rيبين أحوالهم، أي فالكافر يحبط عمله، والمؤمن يغفر زلله:\rفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بدل من اللفظ بفعله، أي فاضربوا رقابهم أي اقتلوهم، وعبر بضرب الرقاب لأن الغالب في القتل أن يكون بضرب الرقبة حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم فيهم القتل فَشُدُّوا أي فأمسكوا عنهم وأسروهم وشدّوا الْوَثاقَ ما يوثق به الأسرى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ مصدر بدل من اللفظ بفعله، وفي السمين: قوله: كذلك يضرب اللّه الخ خرجه الزمخشري على مثل ذلك الضرب يضرب اللّه للناس أمثالهم، والضمير راجع إلى الفريقين أو إلى الناس على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا اهـ.\rقوله: (أي مثل ذلك البيان) أشار به إلى جواب كيف قال تعالى: كذلك يضرب اللّه للناس أمثالهم ولم يسبق ضرب مثل، ومعنى ضرب المثل استعمال القول السائر المشبه مضربه بمورده وأين ذلك ههنا، وإيضاحه: أن معناه كذلك يبين اللّه للناس أحوال الكافرين بإحباط أعمالهم لكفرهم وغفر ذنوب المؤمنين لإيمانهم الناشئ عنه التوبة وقبول الأعمال اهـ كرخي.\rوعبارة زاده: قوله: يبين أحوالهم إشارة إلى أن المراد بالمثل ههنا الحالة العجيبة تشبيها لها بالقول السائر الذي شبه مضربه بمورده في الغرابة المؤدية إلى التعجب، والمشار إليه بقوله: كذلك هو معنى ما ذكر من أول السورة إلى قوله: وأصلح بالهم اهـ.\rقوله: فَإِذا لَقِيتُمُ الخ العامل في هذا الظرف فعل مقدر هو العامل في ضرب الرقاب تقديره:\rفاضربوا الرقاب وقت ملاقاتكم العدو، ومنع أبو البقاء أن يكون المصدر نفسه عاملا قال: لأنه مؤكد، وهذا أحد القولين في المصدر النائب عن الفعل نحو: ضربا زيدا هل العلم منسوب إليه أو إلى عامله اهـ سمين.\rوالفاء لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها، فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق من الأحكام أي: فإذا كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتم في المحاربة الخ اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخطيب: ولما بين أن الذين كفروا أضل أعمالهم وإن اعتبار الإنسان بالعمل ومن لا عمل له فهو همج إعدامه خير من وجوه تسبب عنه قوله: فإذا لقيتم الخ، انتهت.\rقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ الخ أشار به إلى أن ضرب مصدر نائب عن فعل الأمر، إذ أصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه مضافا إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، وضرب الرقاب عبارة عن القتل مطلقا لا أن الواجب ضرب الرقبة خاصة، لأن هذا لا يكاد يتأتى حالة الحرب، وإنما يتأتى القتل في أي موضع كان من الأعضاء وهو الأكثر والغالب اهـ كرخي.\rقوله: (بدل من اللفظ) أي: التلفظ بفعله. قوله: (أي اقتلوهم) أي: بأي طريق أمكنكم اهـ.\rقوله: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ حتى حرف ابتداء أي: حرف تبتدأ بعده الجمل فهي بمعنى فاء","part":7,"page":183},{"id":2641,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 184\rالسببية أي: فإذا ترتب على قتالهم كثرة القتل فيهم فأسروهم اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: أثخن في الأرض إثخانا سار إلى العدو وأوسعهم قتلا، وأثخنته أوهنته بالجراحة وأضعفته اهـ.\rوفيه أيضا: والوثاق القيد والحبل ونحوه بفتح الواو وكسرها، والجمع وثق مثل رباط وربط وعناق وعنق اهـ.\rوفي القاموس: والأسير الأخيذ والمقيد والمسجون والجمع أسرى وأسارى بالضم وأسارى بالفتح اهـ.\rوفي المختار: وأسرت قتب البعير شددته بالإسار بوزن الإزار، ومنه سمي الأسير وكانوا يشدونه بالقد فسمي كل أخيذ أسيرا، وإن لم يشد به، وأسره من باب ضرب أسرا وإسارا أيضا بالكسر فهو أسير ومأسور اهـ.\rوفيه أيضا: والقد بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ اهـ.\rقوله: (أي فأمسكوا الخ) أشار إلى أن في الكلام تقدير جملتين وقوله: عنهم في نسخة عنه أي:\rعن القتل وقوله: ما يوثق به أي: من حبل وغيره اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً فيها وجهان، أشهرهما: أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره، لأن المصدر متى سيق تفصيلا لعاقبة جملة وجب نصبه بإضمار فعل، والتقدير فإما أن نمنوا منآ، وإما أن تفادوا فداء. والثاني: قاله أبو البقاء أنهما مفعولان بهما لعامل مقدر تقديره: أولوهم منا واقبلوا منهم فداء. قال الشيخ: وليس بإعراب نحوي اهـ سمين.\rقوله: بَعْدُ أي: بعد أسرهم وشد وثاقهم اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: فأما منا بعد وإما فداء أي: فإما تمنون بعد ذلك منا أو تفدون فداء، والمعنى التخيير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، وهذا ثابت عند الشافعي، وعندنا منسوخ قالوا: نزل ذلك يوم بدر ثم نسخ والحكم إما القتل أو الاسترقاق والمن والفداء، وهذا ثابت عند الشافعي، وعندنا منسوخ قالوا: نزل ذلك يوم بدر ثم نسخ والحكم إما القتل أو الاسترقاق، وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق، وقرئ فدى كعصا حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع أسند وضعها إليها وهو لأهلها إسنادا مجازيا، وحتى غاية عند الشافعي رحمه اللّه لأحد الأمور الأربعة أو للمجموع، والمعنى أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون مع المشركين حرب بأن لا يبقى لهم شوكة، وقيل: بأن ينزل عيسى، وأما عند أبي حنيفة رحمه اللّه، فإن حمل الحرب على حرب بدر فهي غاية للمن والفداء والمعنى يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، وإن حملت على الجنس فهي غاية للضرب والشد، والمعنى أنهم يقتلون ويؤشرون حتى تضع جنس الحرب أوزارها بأن لا يبقى للمشركين شوكة، وقيل:\rأوزارها آثامها أي: حتى يترك المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا اهـ.","part":7,"page":184},{"id":2642,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 185\rأي تمنون عليهم بإطلاقهم من غير شيء وَإِمَّا فِداءً أي تفادونهم بمال أو أسرى مسلمين حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أي أهلها أَوْزارَها أثقالها من السلاح وغيره، بأن يسلم الكفار أو يدخلوا في العهد وهذه غاية للقتل والأسر ذلِكَ خبر مبتدأ مقدر، أي الأمر فيهم ما ذكر وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال وَلكِنْ أمركم به لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ منهم في القتال، فيصير من قتل منكم إلى الجنة ومنهم إلى النار وَالَّذِينَ قُتِلُوا وفي قراءة قاتلوا، الآية نزلت يوم أحد، وقد فشا في المسلمين القتل والجراحات فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَ يحبط أَعْمالَهُمْ (4):\rسَيَهْدِيهِمْ في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (5) حالهم فيهما وما في الدنيا لمن لم يقتل، وأدرجوا في قوله: (بإطلاقهم) وفي نسخة بالإطلاق.\rقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ في الكلام مجاز في الإسناد ومجاز في الظرف. أشار إلى الأول بقوله: أي أهلها، وإلى الثاني بقوله: بأن يسلم الكفار الخ، فالمراد بوضع آلة القتال ترك القتال ولو كان الشخص متقلدا بآلته اهـ شيخنا.\rقوله: (و هذه غاية للقتل) أي: المذكور في قوله فضرب الرقاب، وقوله: والأسر أي: المذكور في قوله: فشدوا الوثاق أي: كل منهما يستمر إلى الإسلام أو عقد الأمان اهـ شيخنا.\rقوله: (ما ذكر) أي: من القتل والأسر وما بعده من المن والفداء اهـ شيخنا.\rقوله: (بغير قتال) كالخسف. قوله: وَلكِنْ (أمركم به) أي: بالقتال والحرب ليبلو ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين، كما سيأتي في قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: 31] اهـ قرطبي.\rقوله: (إلى ما ينفعهم) فالذي ينفعهم في الدنيا العمل الصالح والإخلاص فيه، والذي ينفعهم في الآخرة محاجة منكر ونكير وسلوك طرق الجنة. وفي القرطبي، قال ابن زياد: يهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر، وقال أبو العالية: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنات والطريق المفضية إليها اهـ.\rقوله: (و ما في الدنيا) أي من الهداية وإصلاح الحال لمن لم يقتل أي: إنما يتأتى ويحصل لمن لم يقتل وهذا جواب عما يقال: كيف قال سيهديهم ويصلح بالهم يعني في الدنيا كما قال الشارح، والغرض أنهم قتلوا في سبيل اللّه، وحينئذ فكيف يقال سيهديهم ويصلح بالهم في الدنيا؟ وحاصل الجواب: أن المراد بالذين قتلوا الذين قاتلوا بدليل القراءة الأخرى أعم من أن يقتلوا بالفعل أو لا، فمن قتل بالفعل يهديه اللّه ويصلح حاله في الآخرة، ومن لم يقتل يهديه ويصلح حاله في الدنيا فالكلام على التوزيع اهـ شيخنا.\rقوله: (و أدرجوا) أي: من لم يقتل، والجمع باعتبار معنى من قوله من لم يقتل أي: أدرجوا في قوله: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فالمراد به كل من قاتل سواء قتل أو لا، والحامل على هذا كله جعل","part":7,"page":185},{"id":2643,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 186\rقتلوا تغليبا:\rوَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها بينها لَهُمْ (6) فيهتدون إلى مساكنهم منها وأزواجهم وخدمهم من غير استدلال:\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي دينه ورسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7) يثبتكم في المعترك:\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة مبتدأ خبره تعسوا يدل عليه فَتَعْساً قوله سيهديهم الخ متناولا للدنيا والآخرة كما صنع، ولو حمل على الآخرة فقط كما صنع غيره لم يحتج لهذا التكلف اهـ شيخنا.\rقوله: عَرَّفَها لَهُمْ الجملة مستأنفة أو حالية بتقدير قد أو بدون تقديرها اهـ سمين.\rقوله: (بيّنها) لَهُمْ عبارة البيضاوي: عرفها لهم أي: في الدنيا حتى اشتاقوا إليها فعملوا ما استحقوها به أو بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق، أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة، أو حددها لهم بحيث يكون لكل واحد جنة مفرزة اهـ.\rوفي القرطبي: ويدخلهم الجنة عرفها لهم أي: إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين، وفي البخاري ما يدل على صحة القول عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا». وقيل: عرفها لهم أي:\rبيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال. قال الحسن: وصف اللّه تعالى لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها، وقيل: فيه حذف أي: عرف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم، فحذف المضاف، وقيل هذا التعريف بدليل وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله ويعرفه الملك جميع ما جعل له في الجنة، وحديث أبي سعيد الخدري يرده، وقال ابن عباس:\rعرفها لهم بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف وهو الرائحة الطيبة، وطعام معرف أي مطيب، تقول العرب:\rعرفت القدر إذا طيبتها بالملح والأبازير، وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض وهو من العرف المتتابع كعرف الفرس، أي: وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة، وقيل: عرف أهل السماء أنها لهم، وقيل: عرفها لهم إظهارا لكرامتهم فيها، وقيل: عرف المطيعين أعمالهم اهـ.\rقوله: (يثبتكم في المعترك) أشار به إلى التجوز في قوله أقدامكم فالمراد بها الذوات بتمامها وعبّر بالقدم لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها اهـ شيخنا.\rقوله: (مبتدأ خبره تعسوا) وهو الناصب لمصدره المذكور اهـ شيخنا.\rوالمناسب تقدير هذا الخبر بعد الفاء كأن يقول: فتعسوا تعسا. وفي السمين: وتعسا منصوبا بالخبر المقدر ودخلت تشبيها للمبتدأ بالشرط اهـ.\rوفي المختار: التعس الهلاك وأصله الكب وهو ضد الانتعاش وقد تعس من باب قطع وأتعسه اللّه، ويقال تعسا لفلان أي: ألزمه اللّه هلاكا اهـ.\rوفي المصباح: وتعس تعسا من باب تعب لغة فهو تعس مثل تعب ويتعدى بالحركة وبالهمزة،","part":7,"page":186},{"id":2644,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 187\rلَهُمْ أي هلاكا وخيبة من اللّه وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8) عطف على تعسوا:\rذلِكَ أي التعس والإضلال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن المشتمل على التكاليف فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9):\r* أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أهلك أنفسهم وأولادهم وأموالهم وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (10) أي أمثال عاقبة من قبلهم:\rذلِكَ أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين فيقال: تعسه اللّه بالفتح وأتعسه، وفي الدعاء تعسا له وتعس وانتكس، فالتعس أن يخر لوجهه، والنكس أن لا يستقل بعد سقطته حتى يسقط ثانية وهي أشد من الأولى اهـ.\rوفي الشهاب: والتعس في الأصل السقوط على الوجه كالكب، والنكس السقوط على الرأس وضده الانتعاش فهو قيام من سقط، فيقال في الدعاء على الشخص العاثر: تعسا له فإذا دعوا له قالوا لعا له الجار والمجرور بعده متعلق بمحذوف للتبيين كما في سقيا له، ولعا بلام وعين مهملة بعدها ألف مقصورة وهو منصوب بفتحة مقدرة ومعناه انتعاشا وإقامة اهـ.\rوفي القرطبي: وفي التعس عشرة أقوال، الأول: بعدا قاله ابن عباس وابن جريج. الثاني: خزيا لهم قاله السدي. الثالث: شقاء لهم قاله ابن زيد. الرابع: شتما لهم من اللّه قاله الحسن. الخامس:\rهلاكا لهم قاله ثعلب. السادس: خيبة لهم قاله الضحاك وابن زياد. السابع: قبحا لهم حكاه النقاش.\rالثامن: رغما قاله الضحاك أيضا. التاسع: شرا لهم قاله ثعلب أيضا. العاشر: شقوة لهم قاله أبو العالية، وقيل إن التعس الانحطاط والعثار قاله ابن السكيت اهـ.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا يجوز أن يكون ذلك مبتدأ والخبر الجار بعده أو خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك بسبب أنهم كرهوا أو منصوب بإضمار فعل أي: فعل بهم ذلك بسبب أنهم كرهوا، فالجار والمجرور في الوجهين الآخرين منصوب المحل اهـ سمين.\rقوله: (المشتمل على التكاليف) هذا وجه كراهتهم، وذلك لأنهم كانوا قد ألفوا الإهمال وإطلاق العيان في الشهوات، فلما جاء القرآن بالتكاليف وترك الملاذ والشهوة كرهوه اهـ خازن.\rقوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مفعوله محذوف كما أشار له الشارح، وهذه الجملة في الحقيقة جواب كيف، فكأنه قيل: عاقبتهم الدمار وقوله: عليهم أي: الذين من قبلهم اهـ شيخنا.\rويحتمل أنه ضمن دمر معنى سخط اللّه عليهم بالتدمير اهـ من السمين.\rوفي البيضاوي: دمر اللّه عليهم استأصل عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم اهـ.\rوفي الشهاب: ومعنى دمره اللّه أهلكه ودمر عليه أهلك ما يختص به من المال والنفس، والثاني أبلغ لما فيه من العموم بجعل مفعوله نسبا فيتناول نفسه وكل ما يختص به من المال ونحوه، والإتيان بعلى لتضمينه معنى أطبق عليهم أي: أوقعه عليهم محيطا بهم كما أشار إليه المصنف، إلا أنه كان عليه أن يوجه ذكر الاستعلاء لأن استأصل لا يتعدى بعلى، وكلامه موهم له لكن لما كان العذاب المطبق مستأصلا كان فيه إيماء له في الجملة اهـ.\rقوله: وَلِلْكافِرِينَ أي: ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرة من قبلهم من الكفار، وقوله:","part":7,"page":187},{"id":2645,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 188\rبِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى وليّ ناصر الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (11):\rإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ في الدنيا وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ولا يلتفتون إلى الآخرة وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (12) أي منزل ومقام ومصير:\rوَكَأَيِّنْ وكم مِنْ قَرْيَةٍ أريد بها أهلها هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ مكة أي أهلها الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أمثالها ليس المراد أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل لهم مثله فقط، وإنما جمع باعتبار أن لكل واحد من هؤلاء الكفرة عاقبة كما أن من قبلهم كذلك، وقيل: يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين لأنهم قتلوا على يد من كانوا يستحقرون بهم، والقتلى بيد المثلى أشد منه بسبب عام اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمْثالُها أي: أمثال العاقبة المتقدمة وقيل: أمثال العقوبة، وقيل: التدميرة، وقيل:\rالهلكة، والأولى أولى لتقدم ما يعود على الضمير صريحا مع صحة معناه، وقوله: ذلك بأن اللّه، كقوله: ذلك بأنهم فيما تقدم اهـ سمين.\rقوله: وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ أي: لا ناصر لهم كما يؤخذ مقابله، وهذا لا يخالف قوله:\rثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ [الأنعام: 62] فإن المولى فيه بمعنى المالك أي: لا بمعنى الناصر، وقد تقدم في سورة الأنعام الجمع بينهم اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ بيان لحكم ولايته تعالى وثمرتها الأخروية اهـ أبو السعود.\rقوله: كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف على مذهب أكثر المعربين تقديره أكلا كما تأكل الأنعام، أو في موضع نصب على الحال من ضمير المصدر على مذهب سيبويه أي تأكلونه أي: الأكل مشبها كل الأنعام اهـ كرخي.\rقوله: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر.\rقوله: كَأَيِّنْ الخ لما ضرب لهم مثلا بقوله: أفلم يسيروا الخ. ولم ينفعهم ما تقدم من الدلائل ضرب لنبيه مثلا تسلية له فقال: وكأين الخ قال ابن عباس: لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: «أنت أحب بلاد اللّه إلى اللّه وأحب بلاد اللّه إليّ ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك» فأنزل اللّه تعالى هذه الآية اهـ خطيب.\rوكأين: كلمة مركبة من الكاف وأي بمعنى كم الخبرية ومحلها الرفع بالابتداء وقوله: من قرية تمييز لها، وقوله: هي أشد الخ صفة لقرية، وقوله: التي أخرجتك صفة لقريتك وقوله: أهلكناهم خبر المبتدأ اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ قَرْيَةٍ أي: كذبت رسلها وقوله: أريد بها أهلها أي: فالمجاز في الظرف لا بالحذف. هذا ما جرى عليه الشارح اهـ شيخنا.","part":7,"page":188},{"id":2646,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 189\rروعي لفظ قرية أَهْلَكْناهُمْ روعي معنى قرية الأولى فَلا ناصِرَ لَهُمْ (13) من إهلاكنا:\rأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ حجة وبرهان مِنْ رَبِّهِ وهم المؤمنون كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فرآه حسنا وهم كفار مكة وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (14) في عبادة الأوثان، أي لا مماثلة بينهما:\rمَثَلُ أي صفة الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ المشتركة بين داخليها مبتدأ خبره فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ بالمد واالقصر كضارب وحذر، أي قوله: (روعي لفظ قرية) أي: الثانية. قوله: أَهْلَكْناهُمْ أي: فكذلك نفعل بأهل قريتك فاصبر كما صبر رسل أهل هؤلاء القرى اهـ خطيب.\rقوله: فَلا ناصِرَ لَهُمْ بيان لعدم خلاصهم من العذاب بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على عدم ما بالذات وهو حكاية حال ماضية اهـ أبو السعود.\rإذ كان الظاهر أن يقال فلم ينصرهم ناصر لأن هذا إخبار عما مضى اهـ.\rقوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ الخ استفهام إنكار كما أشار له بقوله أي: لا مماثلة بينهما، وهذا شروع في تقرير وبيان حال فريقي المؤمنين والكافرين، وكون الأولين في أعلى عليين والآخرين في أسفل سافلين، وبيان لعلة ما لكل منهما من الحال والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والتقدير: أليس الأمر كما ذكر فإن كان مستقرا على حجة ظاهرة وبرهان بيّن كمن زين له الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ روعي في هذين الضميرين معنى من، كما روعي فيما قبلهما لفظها اهـ أبو السعود.\rقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الخ استئناف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعود بها المؤمنين، وبيان كيفية أنهارها التي أشير إلى جريانها من تحتهم اهـ أبو السعود.\rوالمراد بالمتقين من اتقى الشرك من أي مؤمن كان اهـ عمادي.\rقوله: (أي صفة) الْجَنَّةِ قال سيبويه: وحيث كان المثل هو الوصف فمعناه وصف الجنة وذلك لا يقتضي مشبها به وقيل: الممثل به، وقيل: الممثل به محذوف غير مذكور، والمعنى مثل الجنة التي وعد المتقون مثل عجيب وشيء عظيم، وقيل: الممثل به مذكور وهو قوله: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ اهـ خازن.\rقوله: (مبتدأ خبره الخ) اعتراض هذا الإعراب بأن الخير جملة ولا رابط فيها يعود على المبتدأ، ويمكن أن يجاب بأن الخبر عين المبتدأ لأن اشتمالها على أنهار من كذا وكذا صفة لها اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: مثل الجنة فيه أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره مقدر فقدره النضر بن شميل مثل الجنة ما تسمعون فما تسمعون خبره وفيها أنهار مفسر له، وقدره سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة والجملة بعدها أيضا مفسر للمثل. الثاني: أن مثل زائدة تقديره الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار.","part":7,"page":189},{"id":2647,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 190\rغير متغير، بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ بخلاف لبن الدنيا لخروجه من الضروع وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لذيذ لِلشَّارِبِينَ بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الثالث: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله: فيها أنهار، وهذا ينبغي أن يمتنع إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ ولا ينفع كون الضمير عائدا على ما أضيف إليه المبتدأ. الرابع: أن مثل الجنة مبتدأ خبره كمن هو خالد في النار، فقدره ابن عطية مثل أهل الجنة كمن هو خالد فقدر حرف الإنكار ومضافا ليصح وقدره الزمخشري كمثل جزاء من هو خالد، والجملة من قوله: فيها أنهار على هذا فيها ثلاثة أوجه، أحدها: هي حال من الجنة أي: مستقرة فيها أنهار. الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر أي: هي فيها أنهار كأن قائلا قال علام مثلها فقيل فيها أنهار. الثالث: أن يكون تكرير الصلة لأنها في حكمها. ألا ترى أنه يصح قولك التي فيها أنها وإنما عرى من حرف الإنكار اهـ.\rقوله: غَيْرِ آسِنٍ بالمد والقصر سبعيتان، وقوله: كضارب أي: ففعله أسن يأسن كضرب يضرب، وقوله: وحذر أي: ففعله أسن يأسن كحذر يحذر اهـ شيخنا.\rوقوله: أي غير متغير أي: حتى في البطون اهـ كازروني.\rوفي السمين: أنه من باب قعد أيضا اهـ.\rوفي المختار: الآسن من الماء مثل الآجن وزنا ومعنى، وقد أسن من باب ضرب ودخل وأسن فهو أسن من باب طرب لغة فيه اهـ.\rوفيه أيضا الآجن الماء المتغير الطعم واللون، وقد أجن الماء من باب ضرب ودخل، وحكى اليزيدي أجن من باب ظرف فهو أجن على فعل اهـ.\rقوله: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي: فلا يعود حامضا ولا قارصا ولا ما يكره من الطعوم اهـ خازن.\rقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي: ليس فيها حموضة ولا غضاضة ولا مرارة، ولم تدنسها الأرجل بالدوس ولا الأيدي بالعصر، وليس في شربها ذهاب عقل ولا صداع ولا خمار، بل هي لمجرد الالتذاذ فقط اهـ خازن.\rواللذة مصدر بمعنى الالتذاذ، ووقعت صفة للخمر وهي عين، فلذلك أولها الشارح بالمشتق فقال: لذيذة على حد زيد عدل بمعنى عادل اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: لذة يجوز أن يكون تأنيث لذ ولذ بمعنى لذيذ ولا تأويل على هذا، ويجوز أن يكون مصدرا به ففيه التأويلات المشهورة. قال الزمخشري: والمعنى ما هو إلا التلذذ الخالص ليس مع ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر اهـ.\rفكل هذا المعنى يعطيه الوصف بقوله: لذة للشاربين تعويضا بخمور الدنيا كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ [الصافات: 47] ويدل على التعويض تفسيره المصفى بقوله: لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره كما أشار إليه الشيخ المصنف في التقرير اهـ.\rفإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر لذة للشاربين، ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه","part":7,"page":190},{"id":2648,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 191\rالشرب وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى بخلاف عسل الدنيا، فإنه بخروجه من بطون النحل يخالطه الشمع وغيره وَلَهُمْ فِيها أصناف مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ للطاعمين، ولا قال في العسل مصفى للناظرين؟ أجاب الرازي: بأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يتلذذ به شخص ويعافه الآخر. فلذلك قال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال لذة أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة طعم، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد لكن قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم أن له طعما واحدا، وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة اهـ خطيب.\rقوله: مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى نقلوا في العسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير في قوله:\rمن عسل مصفى اهـ.\rوفي المصباح: العسل يذكر ويؤنث وهو الأكثر ويصغر على عسيلة على لغة التأنيث ذهابا إلى أنها قطعة من الجنس وطائفة منه اهـ.\rوفي المختار: العسل يذكر ويؤنث يقال منه عسل الطعام أي: عمله بالعسل وبابه ضرب ونصر، وزنجيل معتسل أي: معمول به، والعاسل الذي يأخذ العسل من بيت النحل، والنحلة عسالة اهـ.\rقوله: (و غيره) كفضلات النحل وغيره اهـ كرخي.\rقوله: وَلَهُمْ خبر مقدم وقوله: فيها متعلق بما يتعلق به الخبر من الاستقرار المحذوف، والمبتدأ محذوف قدره بقوله أصناف، وقوله: من كل الثمرات نعت للمبتدأ المحذوف اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: من كل الثمرات فيه وجهان، أحدهما: أن هذا الجار صفة لمقدر، وذلك المقدر مبتدأ وخبره الجار قبله وهو لهم وفيها متعلق بما تعلق به والتقدير: ولهم فيها زوجان من كل الثمرات كأنه انتزعه من قوله تعالى: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [الرحمن: 52] قدره بعضهم صنف والأول أليق. والثاني: أن من مزيدة في المبتدأ اهـ.\rوقوله: ومغفرة معطوف على المبتدأ المحذوف، وخبره قوله لهم ولما ورد عليه أن المغفرة قبل دخول الجنة وهذه الآية تقتضي أنها فيها أشار الشارح إلى أن المراد بالمغفرة الرضا وهو يكون في الجنة حيث قال: فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر أي بالمشروبات والفواكه، وعبارة الخازن: فإن قلت المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون له فيها المغفرة؟ قلت: ليس بلازم أن يكون المعنى ولهم فيها مغفرة لأن الواو لا تقتضي الترتيب، فيكون المعنى ولهم فيها من كل الثمرات ولهم فيها مغفرة قبل دخولهم إليها وجواب آخر وهو أن المعنى ولهم مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما يأكلون ويشربون بخلاف الدنيا، فإن مأكولها ومشروبها يترتب عليه حساب وعقاب ونعيم الجنة لا حساب عليه ولا عقاب فيه، انتهت.\rوالثاني في كلامه هو مراد الشارح تأمل اهـ شيخنا.","part":7,"page":191},{"id":2649,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 192\rخبر مبتدأ مقدر، أي أمن هو في هذا النعيم وَسُقُوا ماءً حَمِيماً أي شديد الحرارة فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (15) أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم، وهو جمع معى بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان:\rوَمِنْهُمْ أي الكفار مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ في خطبة وهم المنافقون حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ لعلماء الصحابة منهم ابن مسعود وابن عباس استهزاء وسخرية ما ذا قالَ آنِفاً بالمد والقصر، أي الساعة، أي لا نرجع إليه أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر وَاتَّبَعُوا قوله: (خبر مبتدأ مقدر) أي: أن قوله كمن هو خالد في النار مبتدأ محذوف وقدره بما ذكره، وإيضاحه أن كمن هو خالد في النار وإن كان ظاهره أنه إثبات فمعناه النفي، لأن الاستفهام حذفت همزته لزيادة الإنكار يدل لذلك مجيئه عقب قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [محمد: 14] والتقدير أمن هو في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، وقدره الكواشي أمثل هذا الجزاء الموصوف كمثل جزاء من هو خالد في النار وهو مأخوذ من اللفظ فهو أحسن، وقيل: مثل الجنة مبتدأ خبره كمن هو خالد في النار وما بينهما اعتراض اهـ.\rوفي أبي السعود: وقوله تعالى: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به الوعد كمن هو خالد في النار كما نطق به قوله تعالى وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد: 12] وقيل: هو خبر لمثل الجنة على أن في الكلام حذفا تقديره أمثل الجنة مثل جزاء من هو خالد في النار، أو أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار فعرى عن حرف الإنكار وحذف ما حذف تصويرا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة وبين التابع للهوى بمكابرة من سوى بين الجنة الموصوفة بما فصل من الصفات الجليلة وبين النار اهـ.\rقوله: (أمن هو في هذا النعيم) هذا هو المبتدأ المقدر، والخبر هو المذكور في الآية، والاستفهام إنكاري، وقوله: وسقوا معطوف على هو خالد عطف صلة فعلية على صلة اسمية، وفي المعطوف مراعاة معنى من، وفي المعطوف عليه مراعاة لفظها اهـ شيخنا.\rقوله: (في خطبة الجمعة) فحينئذ تكون هذه الآية مدنية، بل وكذا ما بعدها من الآيات الآتية فتكون مستثناة من القول بأن السورة مكية، وقوله: وهم المنافقون الضمير لمن، وقوله: حتى إذا خرجوا حتى بمعنى فإذا. قوله: (استهزاء) علة لقالوا، فالاستفهام إنكاري أي: أي شيء قال آنفا، أي لم يقل شيئا يعتد به. أي لا نرجع إلى قوله ولا نقول به لأنه قول ساقط، فقول الشارح أي: لا مرجع إليه أي إلى قوله الذي قاله آنفا أي: لا نعمل به تأمل.\rقوله: آنِفاً فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الحال فقدره أبو البقاء ماذا قال مؤتنفا، وقدره غيره مبتدئا أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه. والثاني: أنه منصوب على الظرف.\rأي ماذا قال الساعة قاله الزمخشري، وأنكره الشيخ قال: لأنا لم نعلم أحدا عده من الظروف، واختلف عبارتهم في معناه، فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف حالي كالآن ولذلك فسره بالساعة، وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون آنفا معناه الساعة الماضية القريبة منا وهذا تفسير بالمعنى، وقرأ البزي بخلاف عنه أنفا بالقصر، والباقون بالمد وهما لغتان بمعنى واحد وهما اسما فاعل كحاذر وحذر وآسن","part":7,"page":192},{"id":2650,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 193\rأَهْواءَهُمْ (16) في النفاق:\rوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا وهم المؤمنون زادَهُمْ اللّه هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (17) ألهمهم ما يتقون به النار:\rفَهَلْ يَنْظُرُونَ ما ينتظرون أي كفار مكة إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل اشتمال من الساعة، أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم بَغْتَةً فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها علاماتها، منها بعثة وأسن، إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف والائتناف والاستئناف الابتداء. قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته أي ماذا قال في أول وقت تقرب منا اهـ سمين.\rقوله: (أي الساعة) أشار إلى أن آنفا ظرف حالي بمعنى الآن وهو أحد استعمالين فيه، والثاني أنه اسم فاعل اهـ سمين.\rوفي الخطيب: ماذا قال آنفا أي قبل افتراقنا وخروجنا عنه. روى مقاتل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد اللّه بن مسعود استهزاء ماذا قال محمد آنفا أي الساعة أي لا نرجع إليه اهـ.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ، وقوله: الذين طبع اللّه الخ خبره قوله: اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ المعنى أنهم لما تركوا اتباع الحق أمات اللّه قلوبهم فلم تفهم ولم تعقل، فعند ذلك اتبعوا أهواءهم في الباطل اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا يعني المؤمنين لما بين اللّه عز وجل أن المنافق يسمع ولا ينتفع، بل هو مصر على متابعة الهوى بين حال المؤمن الذي ينتفع بما يسمع، فقال: والذين اهتدوا الخ اهـ خازن.\rوالموصول مبتدأ، وقوله: زادهم خبر.\rقوله: (ألهمهم ما يتقون به النار) أي: أعانهم على تقواهم بمعنى خلق التقوى فيهم أي أعطاهم جزاءها: والأول أوفق لتأليف النظم لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيه التقابل، فقوبل أولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم بقوله: والذين اهتدوا زادهم هدى، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوبل قوله: اتبعوا أهواءهم بقوله: وآتاهم فيحمل على كمال التقوى وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل إليه بشراشره وهو التقي الحقيقي المعنى بقوله:\rاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: 102] فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه اهـ كرخي.\rقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها تعليل لمفاجأتها اهـ أبو السعود.\rأو لإتيانها من حيث هو اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: فقد جاء أشراطها كالعلة للفعل باعتبار تعلقه بالبدل، لأن ظهور أشراط الشيء موجب لانتظاره اهـ.\rوعن حذيفة، والبراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «ما تتذاكرون؟» قلنا: نتذاكر الساعة. قال: «إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج","part":7,"page":193},{"id":2651,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 194\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وانشقاق القمر، والدخان فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ الساعة ذِكْراهُمْ (18) تذكرهم؟ أي لا ينفعهم:\rفَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ أي دم يا محمد على علمك بذلك النافع في القيامة وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ لأجله، قيل له ذلك مع عصمته لتستنّ به أمته، وقد فعله، قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إني لأستغفر اللّه ومأجوج ونزول عيسى ونارا تخرج من عدن» اهـ بيضاوي من آخر سورة الأنعام.\rقوله: أَشْراطُها الأشراط جمع شرط وهو العلامة. وفي المصباح: وجمع الشرط شروط مثل فلس وفلوس، والشرط بفتحتين العلامة والجمع أشراط مثل سبب وأسباب، ومنه أشراط مثل سبب وأسباب، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها اهـ.\rقوله: فَأَنَّى لَهُمْ أنى خبر مقدم، وذكراهم: مبتدأ مؤخر أي أنّى لهم التذكر، وإذا وما بعدها معترض وجوابها محذوف أي كيف لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة، فكيف يتذكرون؟ ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفا أي أنّى لهم الخلاص ويكون ذكراهم فاعلا بجاءتهم اهـ سمين.\rوفي الخازن: يعني من أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة اهـ.\rقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ الخ أي: إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية فإنه النافع يوم القيامة اهـ خطيب.\rقوله: (أي دم يا محمد الخ) يدل على هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة» رواه مسلم اهـ كرخي.\rقوله: (لتستن) أي: تقتديه به أمته هذا أحد وجوه في تأويل الآية. وفي القرطبي: واستغفر لذنبك يحتمل وجهين، أحدهما: يعني استغفر اللّه أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر اللّه ليعصمك من الذنوب. وقيل: لما ذكر اللّه حال الكافرين والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان، أي: اثبت على الإيمان أي: اثبت على ما أنت عليه من الإخلاص والتوحيد والحذر عما يحتاج معه إلى استغفار، وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة، وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المؤمنين، وقيل: كان عليه الصلاة والسّلام يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين فنزلت: أي فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا اللّه فلا تعلق قلبك بأحد سواه، وقيل: أمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة للمؤمنين والمؤمنات أي ولذنوبهم وهي أمر بالشفاعة اهـ.\rوفي الخازن: واستغفر لذنبك أمر اللّه عز وجل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن به أمته وليقتدوا به في ذلك. رواه مسلم عن الأغر المزني قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إنه ليغان على قلبي حتى استغفر اللّه في اليوم مائة مرة» وفي رواية قال: «توبوا إلى ربكم فو اللّه إني لأتوب إلى ربي عز وجل في اليوم مائة مرة». وروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة» وفي رواية: أكثر من سبعين مرة وقوله: إنه ليغان على قلبي الغين التغطية والستر أي يلبس على قلبي ويغطى، وسبب ذلك ما أطلعه اللّه عليه من أحوال أمته بعده فأحزنه ذلك حتى كان يستغفر لهم، وقيل: إنه لما كان يشغله النظر في أمور المسلمين","part":7,"page":194},{"id":2652,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 195\rفي كل يوم مائة مرة» وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فيه إكرام لهم بأمر نبيهم بالاستغفار لهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ متصرفكم لاشغالكم بالنهار وَمَثْواكُمْ (19) مأواكم إلى مضاجعكم بالليل، أي هو عالم بجميع أحوالكم لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم:\rوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا طلبا للجهاد لَوْ لا هلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فيها ذكر الجهاد فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ أي لم ينسخ منها شيء وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ أي طلبه رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وهم ومصالحهم حتى يرى أنه قد شغل بذلك، وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبارة وأرفع مقام مما هو فيه وهو التفرد بربه عز وجل وصفاء وقته معه وخلوص همه من كل شيء سواه، فلهذا السبب كان صلّى اللّه عليه وسلّم يستغفر اللّه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: هو مأخوذ من الغين وهو الغيم الرقيق الذي يغشي السماء، فكان هذا الشغل ولهم يغشى قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم ويغطيه عن غيره فكان يستغفر اللّه عز وجل منه، وقيل: هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسبب استغفاره لها إظهار العبودية والافتقار إلى اللّه عز وجل.\rوحكى الشيخ محيي الدين النواوي رضي اللّه عنه، عن القاضي عياض أن المراد به الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم الدوام عليه، فإذا فتر وغفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه، وحكى الوجوه المتقدمة عنه وعن غيره. وقال الحرث المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال وإن كانوا آمنين من عذاب اللّه تعالى، وقيل: يحتمل أن هذا الغين حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا كما قال: أفلا أكون عبدا شكورا: وقيل في معنى الآية: استغفر لذنبك أي لذنوب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات، يعني من غير أهل بيته، وهذا إكرام من اللّه عز وجل لهذه الأمة حيث أمر اللّه أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم اهـ بحروفه.\rقوله: (بالاستغفار لهم) أي واستغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم مقبول. قوله: (متصرفكم) أي تصرفكم كما في بعض النسخ، وقوله: لاشغالكم وفي الخازن: واللّه يعلم متقلبكم ومثواكم قال ابن عباس، والضحاك:\rمتقلبكم يعني متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا، ومثواكم يعني مصيركم إلى الجنة أو إلى النار، وقيل: متقلبكم في أشغالكم بالنهار، ومثواكم بالليل إلى مضاجعكم، وقيل: متقلبكم من أصلاب الاباء إلى أرحام الأمهات وبطونهن ومثواكم في الدنيا وفي القبور، والمعنى أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها وإن دق وخفي اهـ.\rوفي المصباح: ثوى بالمكان وفيه ربما يتعدى بنفسه فثوى ثواء بالمد أقام فهو ثاو، وفي التنزيل:\rوما كنت ثاويا في أهل مدين، وأثوى بالألف لغة وأثويته فيكون الرباعي لازما ومتعديا والمثوى بفتح الميم والواو المنزل، والجمع المثاوي بكسر الواو، وفي الأثر وأصلحوا مثاويكم اهـ.\rقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ من هنا إلى آخر السورة لا يظهر إلا كونه مدنيا إذ القتال لم يشرع إلا بالمدينة وكذلك النفاق لم يظهر إلا بها، فيحمل القول فيما تقدم بأنها مكية على أغلبها وأكثرها، وكذا يحمل القول بأنها مدنية على البعض منها. قوله: (طلبا للجهاد) تعليل ليقولوا. قوله: (أي طلبه) أي: ذكر فيها الأمر بالجهاد والتحريض عليه. قوله: (أي شك) وقيل: ضعف في الدليل، وأصل","part":7,"page":195},{"id":2653,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 196\rالمنافقون يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ خوفا منه وكراهية له، أي فهم يخافون من القتال ويكرهونه فَأَوْلى لَهُمْ (20) مبتدأ خبره:\rطاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي حسن لك فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي فرض القتال فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في الإيمان والطاعة لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (21) وجملة لو جواب إذا:\rفَهَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين وفتحها، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب أي لعلكم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ المرض الفتور فمرض القلوب فتورها عن قبول الحق، والأول هو الأظهر الموافق لسياق النظم الكريم اهـ كرخي.\rقوله: نَظَرَ الْمَغْشِيِ أي: نظرا مثل نظر المغشي عليه اهـ سمين.\rأي تشخص أبصارهم جبنا وقلقا كدأب من أصابته غشية الموت اهـ أبو السعود.\rقوله: (خوفا منه) أي: الموت. قوله: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ الخ قال الجوهري، تقول العرب:\rأولى لك تهديد ووعيد، ثم اختلف اللغويون والمعربون في هذه اللفظة، فقال الأصمعي: إنها فعل ماض بمعنى قاربه ما يهلكه، والأكثرون إنها اسم، ثم اختلف هؤلاء فقيل: مشتق من الولي وهو القرب، وقيل: من الويل هذا ما يتعلق باشتقاقه ومعناه. وأما الإعراب فإن قلنا باسميته ففيه أوجه، أحدها: أنه مبتدأ ولهم خبره تقديره فالهلاك لهم. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره العقاب أو الهلاك أولى لهم أي أقرب وأدنى، ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء أولى وأحق بهم. الثالث: أنه مبتدأ ولهم متعلق به واللام بمعنى الباء وطاعة خبره، والتقدير: فأولى بهم طاعة دون غيرها، وإن قلنا بقول الأصمعي فهو فعل ماض وفاعله مضمر يدل عليه السياق كأنه قيل فأولى هو أي الهلاك، وهذا ظاهر عبارة الزمخشري حيث قال: ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه اهـ سمين.\rوفي القرطبي: قال الجوهري: وقولهم أولى لك تهديد ووعيد، وقال الأصمعي قاربه ما يهلكه أي نزل به، وقال المبرد: يقال لمن هم بالغضب ثم أفلت أولى لك أي قاربك الغضب اهـ.\rقوله: طاعَةٌ فيه أوجه، أحدها: أنها خبر أولى على ما تقدم. الثاني: أنها صفة السورة أي:\rفإذا أنزلت سورة محكمة طاعة أي ذات طاعة أو مطاعة ذكره مكي وأبو البقاء وفيه بعد لكثرة الفواصل.\rالثالث: أنها مبتدأ وقول عطف عليها والخبر محذوف تقديره أمثل بكم من غيرهما، وقدره مكي مناطا عنه فقدره مقدما. الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا طاعة. الخامس: أن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر والوقف والابتداء يعرفان مما قدمته فتأمل اهـ سمين.\rقوله: (أي حسن) تفسير لمعروف، وقوله: لك متعلق بكل من طاعة، وقول: أي طاعة لك، وقول معروف لك أي الأولى بهم أن يطيعوك ويخاطبوك بالقول الحسن الخالي عن الأذية اهـ شيخنا.\rقوله: (و جملة لو جواب إذا) نحو: إذا جاءني طعام فلو جئتني أطعمتك اهـ سمين.\rقوله: (بكسر السين وفتحها) سبعيتان. قوله: (و فيه التفات) أي: لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع اهـ أبو السعود. قوله: (أي لعلكم الخ) هذا تفسير لعسى ولم يفسر الاستفهام، وأشار البيضاوي لتفسير","part":7,"page":196},{"id":2654,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 197\rأعرضتم عن الإيمان أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (22) أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال:\rأُولئِكَ أي المفسدون الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ عن استماع الحق وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) عن طريق الهدى:\rأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ فيعرفون الحق أَمْ بل عَلى قُلُوبٍ لهم كل من الاستفهام والترجي ونصه: فهل عسيتم أي فهل يتوقع منكم إن توليتم الخ. وفي الكرخي:\rومرجع معنى التوقيع إلى الخلق كقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] فلا يرد كيف يصح في كلام اللّه عز وجل وهو عالم بما كان وما يكون، وإيضاح الجواب قول القاضي، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم هل عسيتم، وبيانه أن مقصوده دفع ما عسى أن يقال إن الظاهر في مثله التوقع من المتكلم وكيف يصح ذلك من اللّه تعالى اهـ.\rقوله: (إن توليتم) اختلف في معنى قوله إن توليتم أي: وإن توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا، وقال الكلبي: أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأم أن يقتل بعضكم بعض، وقيل: معناه الإعراض عن الشيء. قال قتادة: أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب اللّه عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام وتقطعوا أرحامكم، وقال ابن جريج: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام، وقال بعضهم: فهل عسيتم أي فلعلكم إن أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم اهـ قرطبي.\rقوله: (أعرضتم عن الإيمان) أي: الذي تلبستم به ظاهرا شيخنا.\rقوله: أَنْ تُفْسِدُوا خبر عسى، والشرط معترض بينهما، وجوابه محذوف لدلالة فهل عسيتم عليه أو هو نفس، فهل عسيتم عند من يرى تقديمه اهـ سمين.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ والموصول خبره، والتقدير: أولئك المفسدون يدل عليه ما تقدم، وقوله:\rفأصمهم لم يقل فاصم آذانهم كما قال وأعمى أبصارهم، ولم يقل وأعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار اهـ سمين.\rوفي الإشارة التفات للإيذان بأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم على رتبة الخطاب وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم اهـ أبو السعود.\rقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني يتفكرون فيه وفي مواعظه وزواجره، وأصل التدبر التفكير في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره، وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الفهم وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف وخلوص النية اهـ خازن.\rفإن قيل: قد أخبر تعالى بأنه أصمهم وأعمى أبصارهم، فكيف يوبخهم على ترك التدبر، فهذا كقولك للأعمى ابصر وللأصم اسمع؟ أجيب: بوجوه، الأول: إن التكليف بما لا يطاق جائز وقد أمر اللّه من علم أنه لا يؤمن بالإيمان، فلذلك وبخهم على ترك التدبر مع كونه أصمهم وأعمى أبصارهم.","part":7,"page":197},{"id":2655,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 198\rأَقْفالُها (24) فلا يفهمونه:\rإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا بالنفاق عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ أي زين لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (25) بضم أوّله وبفتحه واللام، والمملي الشيطان بإرادته الثاني: أن قوله أفلا يتدبرون راجع للناس لا يقيد كونه أعماهم وأصمهم. الثالث: أن يقال: إن هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة كأنه تعالى قال: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [النساء: 52] أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو الخبر أو غير ذلك من الأمور الحسنة، فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يبصرون طريق الإسلام، فإذا هم بين أمرين، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون عنه لأن اللّه تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق والقرآن منهما بل أشرف وأعلى منهما، وإما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة اهـ خطيب.\rقوله: أَمْ (بل) أشار به إلى أن أم منقطعة بمعنى بل التي للانتقال من التوبيخ بعدم التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل التدبر والتفكر وتنكير القلوب إما لتهويل حالها وتفظيع شأنها، كأنه قيل: على قلوب منكرة لا يعرف حالها، وإما لأن المراد بها قلوب بعض منهم وهم المنافقون وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لها اهـ أبو السعود.\rقوله: (لهم) صفة لقلوب وأشار به إلى أن نعته محذوف اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وهم المنافقون كما أشار له بقوله بالنفاق، وفي أبي السعود: إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وهم المنافقون الذين وصفوا بما سلف من مرض القلوب وغيره من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم قد كفروا به عليه السّلام من بعد ما تبين لهم الهدى بالدلائل الظاهرة والمعجزات القاهرة، وقيل: هم اليهود، وقيل: أهل الكتابين جميعا كفروا به عليه السّلام بعد ما وجدوا نعته في كتابهم وعرفوا أنه المنعوت بذلك اهـ.\rوفي البيضاوي: ارتدوا على أدبارهم أي إلى ما كانوا عليه من الكفر لأنه بمعنى الرجوع إلى الخلف من بعد ما تبين لهم الهدى من الدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ سهّل لهم اقتراف الكبائر وأملى لهم أي مدّ لهم في الآمال والأماني، أو أمهلهم اللّه تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة اهـ.\rقوله: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ جملة من مبتدأ وخبر خبر إن الذين ارتدوا اهـ شيخنا.\rقوله: (بضم أوله) أي: وكسر ثالثه وفتح الياء، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور أو ضمير الشأن. ذكر الثاني أبو البقاء ولا معنى له اهـ سمين.\rوالجملة مستأنفة اهـ شيخنا.\rقوله: (و بفتحه واللام) أي: وفتح اللام مبنيا للفاعل والفاعل ضمير يعود على الشيطان كما ذكره بقوله: والمملي الشيطان الخ والجملة معطوفة على ما قبلها أو مستأنفة. وقوله: بإرادته تعالى الخ جواب عن سؤال، وعبارة الخازن: فإن قلت: الإملاء والإمهال لا يكون إلا من اللّه لأنه الفاعل المطلق وليس للشيطان فعل قط على مذهب أهل السنة. قلت: إن المسول والمملي هو اللّه في الحقيقة، وإنما","part":7,"page":198},{"id":2656,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 199\rتعالى فهو المضل لهم:\rذلِكَ أي إضلالهم بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ أي للمشركين سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ أي المعاونة على عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتثبيط الناس عن الجهاد معه، قالوا ذلك سرا فأظهره اللّه تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (26) بفتح الهمزة جمع سرّ، وبكسرها مصدر:\rفَكَيْفَ حالهم إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ حال من الملائكة وُجُوهَهُمْ أسند الفعل للشيطان من حيث إن اللّه قدر ذلك على يديه ولسانه، فالشيطان يمنيهم ويزين لهم القبيح ويقول لهم: إن في أجلكم فسحة فتمتعوا بدنياكم ورئاستكم إلى آخر أعماركم، انتهت.\rقوله: (أي للمشركين) أي: والقائل هم اليهود أو المنافقون اهـ بيضاوي.\rوعبارة أبي السعود: للذين كرهو ما نزل اللّه أي: لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع علمهم بأنه من عند اللّه تعالى حسدا وطمعا في نزوله عليهم لا للمشركين كما قيل، فإن قوله سنطيعكم في بعض الأمر عبارة قطعا عما حكى عنهم بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: 11] وهم بنو قريظة والنضير الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم، وأرادوا بالبعض الذي أشاروا إلى عدم إطاعتهم فيه إظهار كفرهم وإعلان أمرهم بالفعل قبل قتالهم وإخراجهم من ديارهم، فإنهم كانوا يأبون ذلك قبل مساس الحاجة الضرورية وإعلان أمرهم بالفعل قبل قتالهم وإخراجهم من ديارهم، فإنهم كانوا يأبون ذلك قبل مساس الحاجة الضرورية الداعية إليه لما كان لهم في إظهار الإيمان من المنافع الدنيوية، وإنما كانوا يقولون لهم يقولون سرا كما يعرب عنه قوله تعالى:\rواللّه يعلم أسرارهم اهـ.\rقوله: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ أي في بعض أموركم، أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا والتظافر على الرسول عليه السّلام اهـ بيضاوي.\rقوله: (و تثبيط الناس) أي: تعويقهم. قوله: (و بكسرها) سبعيتان.\rقوله: فَكَيْفَ خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله حالهم وإذا ظرف للمبتدأ المحذوف، وفي السمين: قوله: فكيف إما خبر مقدم أي: فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم، وإما منصوب بفعل محذوف أي فكيف يصنعون، وإما خبر لكان مقدرة أي فكيف يكونون والظرف معمول لذلك المقدر، وقرأ الأعمش: توفاهم دون تاء فاحتملت وجهين، أن يكون ماضيا كالعامة، وأن يكون مضارعا حذفت إحدى تاءيه اهـ.\rقوله: يَضْرِبُونَ حال من الفاعل أو من المفعول فإنهم إنما كرهوا القتال وأطاعوا من أمرهم بتركه، والقعود عنه خوفا من أن يضربوا من جهة وجوههم إن ثبتوا ومن جهة أدبارهم إن فروا فقال تعالى: إن كرهتم ما أمرتم به من قتال الكفار خوفا من أن تضربوا من قبل وجوهكم وأدباركم، فكيف تحتالون في الخلاص مما تخافون منه إذا توفتكم الملائكة ضاربين وجوهكم وأدباركم، فإن كل من يتوفى على معصية اللّه فملائكة العذاب لا يقبضون روحه إلا بعد أن يضربوا وجهه ودبره كما روى ذلك ابن عباس اهـ زاده.","part":7,"page":199},{"id":2657,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 200\rوَأَدْبارَهُمْ (27) ظهورهم بمقامع من حديد:\rذلِكَ أي التوفي على الحالة المذكورة بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ أي العمل بما يرضيه فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (28):\rأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (29) يظهر أحقادهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين:\rوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ عرّفناكهم وكررت اللام في فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ علامتهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ الواو لقسم محذوف وما بعدها جوابه فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أي معناه: إذا تكلموا عندك بأن يعرضوا بما فيه قوله: (على الحالة المذكورة) وهي التوفي مع ضرب الوجوه والأدبار، وقوله: بأنهم اتبعوا الخ راجع لضرب الوجوه، وقوله: وكرهوا رضوا به راجع لضرب الأدبار اهـ شيخنا.\rقوله: ما أَسْخَطَ اللَّهَ أي من الكفر وكتمان نعت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إن كان القائل هم اليهود وعصيان الأمر على أن يكون القائلون المنافقين اهـ كرخي.\rقوله: (بما يرضيه) أي من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات اهـ كرخي.\rقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الخ وهم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشنيعة وصفوا بوصفهم السابق بكونهم المدار في النعي عليهم قوله: أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ وأم منقطعة وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، ولن وما في حيزها خبرها، وأن وصلتها سادة مسد مفعولي حسب أي: بل الذين في قلوبهم مرض الخ. والمعنى أن ذلك مما لا يكاد أن يدخل تحت الاحتمال اهـ أبو السعود.\rقوله: أَضْغانَهُمْ في المصباح: ضغن صدره ضغنا من باب تعب حقد، والاسم ضغن والجمع أضغان مثل حمل وأحمال اهـ.\rوقوله: يظهر أحقادهم جمع حقد كحمل وأحمال. وفي المصباح: الحقد الانطواء على العداوة والبغضاء وحقد عليه من باب ضرب تعب والجمع أحقاد اهـ.\rقوله: (عرفناكهم) أي: فالإرادة هنا من التعريف والعلم لا بصرية اهـ خازن.\rقوله: (و كررت اللام الخ) أي في قوله: فَلَعَرَفْتَهُمْ للمبالغة، فقوله: فلعرفتهم جواب لو، وقوله: ولتعرفنهم لام قسم محذوف كما قال الشارح، والمعنى: لو أردنا لدللناك على المنافقين فتعرفهم بسيماهم، وحذف الشيخ المصنف ذلك لوضوحه وفيه إشارة إلى أن المراد بسيماهم الجنس المتناول للكثير أي بأعيانهم. روينا في مسند أحمد بن حنبل، عن ابن مسعود خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم ثم قال قم يا فلان قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين» اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: واللام في فلعرفتهم بسيماهم لام الجواب كررت في المعطوف للتأكيد، وأما اللام في قوله ولتعرفنهم فلجواب قسم محذوف والالتفات في نشاء إلى نون العظمة لابراز العناية بالإراءة اهـ.\rقوله: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ في سببية أي بلحن القول، واللحن يقال على معنيين، أحدهما: الكناية","part":7,"page":200},{"id":2658,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 201\rتهجين أمر المسلمين وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (30):\rوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ نختبركم بالجهاد وغيره حَتَّى نَعْلَمَ علم ظهور الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ في الجهاد وغيره وَنَبْلُوَا نظهر أَخْبارَكُمْ (31) من طاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره بالياء والنون في الأفعال الثلاثة:\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ بالكلام حتى لا يفهم غير مخاطبك. والثاني: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ، ويقال من الأول لحنت بفتح الحاء ألحن فأنا لاحن، وألحنته الكلام أفهمته إياه فلحنه بالكسر أي فهمه فهو لاحن، ويقال من الثاني لحن بالكسر إذا لم يعرب فهو لحن اهـ سمين.\rوفي الخازن: ولتعرفنهم في لحن القول يعني في معنى القول وفحواه ومقصده، وألحن معنيان صواب وخطأ، فالصواب صرف الكلام وإزالته عن التصريح إلى المعنى والتعريض وهذا ممدوح من حيث البلاغة، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «فلعل بعضكم ألحن بحجته من بعض» وإليه قصد بقوله: ولتعرفنهم في لحن القول، أما اللحن المذموم فظاهر وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب أو التصحيف. ومعنى الآية أنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرضون به من القول من تهجين أمرك وأمر المسلمين وتقبيحه والاستهزاء به، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا عرفه بقوله، ويستدل بفحوى كلامه على فساد باطنه ونفاقه اهـ.\rوفي المصباح: اللحن بفتحتين الفطنة وهو مصدر من باب تعب والفاعل لحن ويتعدى بالهمزة فيقال: الحنته فلحن أي: أفطنته ففطن وهو سرعة الفهم، وهو ألحن من زيد أي: أسبق فهما، ولحن في كلامه لحنا من باب نفع أخطأ في العربية، قال أبو زيد: لحن في كلامه لحنا بسكون الحاء ولحونا إذا أخطأ الإعراب، وخالف وجه الصواب، ولحنت بلحن فلان لحنا أيضا تكلمت بلغته، ولحنت له لحنا: قلت له قولا فهمه عني وخفي على غيره من القوم، وفهمته من لحن كلامه وفحواه ومعاريضه بمعنى. قال الأزهري: لحن القول كالعنوان وهو كالعلامة تشير بها فيفطن المخاطب لغرضك اهـ.\rقوله: (بأن يعرضوا الخ) فكانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول ظاهرها حسن ويعنون بها القبيح كقولهم راعنا اهـ كرخي.\rوقوله: بما فيه تهجين المسلمين. وفي القاموس: التهجين التقبيح والهجنة بالضم من الكلام وما تعيبه، وفي العلم إضاعته، والهجين اللئيم اهـ.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ أي: فيجازيكم بحسب قصدكم، وهذا وعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين اهـ أبو السعود.\rقوله: (علم ظهور) أي: علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا نعلمه علما غيبا فنستخرج من سائركم ما جبلناكم عليه ما لا يعلمه أحد منكم، بل ولا يعلمونه حق علمه اهـ خطيب.\rقوله: (في الأفعال الثلاثة) وفي نسخة في ثلاثتها وهي لنبلونكم ونعلم، ونبلوا أي: قرأ بتحتية في الثلاثة شعبة غيبا مسندا لضمير واللّه يعلم وباق بنون العظمة على إخبار اللّه عن نفسه كقوله: ولو نشاء لأريناكهم، وعن الفضيل رحمه اللّه أنه كان إذا قرأها بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا اهـ كرخي.","part":7,"page":201},{"id":2659,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 202\rسَبِيلِ اللَّهِ طريق الحق وَشَاقُّوا الرَّسُولَ خالفوه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى هو معنى سبيل اللّه لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (32) يبطلها من صدقة ونحوها، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، نزلت في المطعمين من أصحاب بدر أو في قريظة والنضير:\r* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33) بالمعاصي مثلا:\rإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طريقه وهو الهدى قوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي: بكفرهم وصدهم أو لن يضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته اهـ بيضاوي.\rوقوله: لتعظيمه أي: يجعل مضرته وما يلحقه كالمنسوب للّه فيدل على التعظيم باتحاد الجهة، وكذا التفظيع أي: عده فظيعا مهولا حيث نسب للّه ظاهرا اهـ شهاب.\rقوله: (في المطعمين من أصحاب بدر) أي: في المطعمين الطعام للمحاربين للنبي يوم بدر، فكان أغنياء الكفار يجهزون الطعام يعاونون به المجاهدين منهم اهـ شيخنا.\rوذلك أن قريشا خرجت لغزوة بدر بأجمعها وكان العام عام قحط وجدب، وكأن أغنياؤهم يطعمون الجيش، فأول من نحر لهم حين خروجهم من مكة أبو جهل نحر لهم عشر جزائر، ثم صفوان تسعا بعسفان، ثم سهل عشرا بقديد ومالوا منه إلى نحو البحر فضلوا فأقاموا يوما، فنحر لهم شيبة تعسا ثم أصبحوا بالأبواء، فنحر مقيس الجمحي تسعا، ونحر العباس عشرا، ونحر الحرث تسعا، ونحر أبو البختري على ماء بدر عشرا، ونحر مقيس عليه تسعا ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم اهـ من المواهب وشارحه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لما ذكر اللّه عز وجل الكفار بسبب مشاقتهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر اللّه المؤمنين بطاعته وطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rقوله: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (بالمعاصي مثلا) أشار به إلى شمول الآية لتحريم إبطال صوم التطوع وصلاته وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي بخلافه، كما قرره الشيخ المصنف في شرح جمع الجوامع، والأولى كما أفاده شيخنا حمل كلام المفسر على إبطالها بالكفر والنفاق كما قاله عطاء، أو يكون المراد ببطلانها بطلان ثوابها بالعجب والرياء كما قاله الكلبي، أو بالمن والأذى وليس فيه دليل كما ظنه الزمخشري على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج، فجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات، حتى أن من عبد اللّه طول عمره ثم شرب جرعة خمر فهو كمن لم يعبده قط اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: ولا تبطلوا أعمالكم قال عطاء: بالشرك والنفاق، وقال الكلبي: بالرياء والسمعة، وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر، وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية فخافوا من الكبائر أن تحبط الأعمال، وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد قال تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة: 264] وعن حذيفة: كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا","part":7,"page":202},{"id":2660,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 203\rثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) نزلت في أصحاب القليب:\rفَلا تَهِنُوا تضعفوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ بفتح السين وكسرها، أي الصلح مع الكفار إذا لقيتموهم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ حذف منه واو لام الفعل الأغلبون القاهرون وَاللَّهُ مَعَكُمْ بالعون والنصر وَلَنْ يَتِرَكُمْ ينقصكم أَعْمالَكُمْ (35) مقبولا حتى نزل: ولا تبطلوا أعمالكم، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقال: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 48 و116] فكففنا عن القول في ذلك فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها، وعن قتادة: رحم اللّه عبدا لم يحبط علمه الصالح بعمله السيئ، وعن ابن عباس: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والسمعة، وعنه أيضا بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب فإن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب اهـ.\rقوله: فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ خبر إن. قوله: (في أصحاب القليب) بئر في بدر ألقي فيه القتلى من الكفار، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره اهـ خازن.\rقوله: فَلا تَهِنُوا من باب وعد، والخطاب لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والحكم عام لجميع المسلمين اهـ خازن.\rوالفاء فصيحة أي: إذا تبين لكم ما تلي عليكم فلا تهنوا، فإن من كان اللّه عليه لا يفلح اهـ كرخي.\rوفي زاده: الفاء في جواب شرط محذوف أي: إذا علمتم وجوب الجهاد وتأكد أمره فلا تضعفوا اهـ.\rوفي القرطبي: واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: 61] لأن اللّه تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح، وقيل: منسوخة بقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ [الأنفال: 61] الآية. وقيل: هي محكمة والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الأحوال، وقيل: إن قوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها مخصوص بقوم بأعيانهم والأخرى عامة، فلا تجوز معاهدة الكفار إلا عند الضرورة وذلك إذا عجزنا من مقاومتهم لضعف المسلمين وقد مضى هذا المعنى مستوفى اهـ.\rقوله: وَتَدْعُوا معطوف على المجزوم. قوله: (بفتح السين وكسرها) سبعيتان. قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ جملة حالية وكذا واللّه معكم اهـ سمين.\rقوله: (لام الفعل) أي: هي لام الفعل وأصله الأعلوون بواوين: الأولى لام الكلمة، والثانية:\rواو جمع المذكر السالم فيقال: تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقى ساكنان فحذفت الألف، وقوله: القاهرون في نسخة الظاهرون. قوله: (ينقصكم) أي: أو يفردكم عنها أي: الأعمال، فهو من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو نهبت له ماله أو من الوتر وهو الانفراد، وقيل: كل من المعنيين يرجع للإفراد لأن من قتل له قتيل أو نهب له مال فقد أفرد عنه اهـ سمين.\rوفي المختار: ووتره حقه يتره بالكسر وترا بالكسر أيضا نقصه، وقوله تعالى: وَلَنْ يَتِرَكُمْ","part":7,"page":203},{"id":2661,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 204\rأي ثوابها:\rإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي الاشتغال فيها لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا اللّه وذلك من أمور الآخرة يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) جميعا بل الزكاة المفروضة فيها:\rإِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ يبالغ في طلبها تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ البخل أَضْغانَكُمْ (37) لدين الإسلام:\rها أَنْتُمْ يا أَعْمالَكُمْ أي: في أعمالكم: دخلت البيت أي: في البيت وأوتره أفرده ومنه أوتر صلاته وأوترها توتيرا بمعنى اهـ.\rوفي المصباح: يقال: وترت العدد وترا من باب وعد أفردته وأوترته بالألف مثله وترت الصلاة وأوترتها جعلتها ووترت زيدا حقه أتره من باب وعد أيضا نقصته، ومنه: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله بنصبهما على المفعولية اهـ.\rقوله: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي: باطل وغرور يعني كيف تمنعكم الدنيا عن طلب الآخرة وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو إلا ما كان منها في عبادة اللّه عز وجل وطاعته، واللعب ما يشغل الإنسان وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل، ثم إذا استعمله الإنسان ولم ينتبه لأشغاله المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو اهـ خازن.\rقوله: وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أي: لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بل يأمركم بإخراج البعض قاله ابن عيينة وغيره، وقيل: لا يسألكم أموالكم لنفسه أو لحاجة منه إليها وإنما يأمركم بالإنفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم، وقيل: لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله لأنه مالكها وهو المنعم بإعطائها، وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23] اهـ قرطبي.\rقوله: فَيُحْفِكُمْ عطف على الشرط، وتبخلوا جواب الشرط اهـ سمين.\rقوله: (يبالغ في طلبها) أي: حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك، فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه استأصله اهـ خطيب.\rقوله: وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (لدين الإسلام) أي: أحقادكم وبغضكم لدين الإسلام أي: من حيث محبة الأموال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته التي كان يسرها اهـ شيخنا.\rقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي: يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، وقوله: تدعون استئناف مقرر لذلك أو صفة لهؤلاء على أنه بمعنى الذي وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما اهـ بيضاوي.\rوقوله: أي أنتم الخ أشار إلى أن هاء التنبيه مكررة للتأكيد داخلة على المبتدأ المخبر عنه باسم الإشارة وقوله: الموصوفون أي: بما تضمنه أن يسألكموها الخ، فإن الإشارة تفيده كما مر تحقيقه في أولئك هم المفلحون يعني: أن هؤلاء المخاطبين هم الذين إذا سئلوا لم يعطوا وأنهم المفتضحون، وجملة تدعون الخ مستأنفة مقررة ومؤكدة لاتحاد محصل. معناهما: فإن دعوتهم للإنفاق هي سؤال الأموال منهم اهـ شهاب.\rومحصل هذا الإعراب أن ها أنتم مبتدأ، وهؤلاء خبره، وجملة تدعون مستأنفة وهذا غير إعراب","part":7,"page":204},{"id":2662,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 205\rهؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ما فرض عليكم فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ يقال بخل عليه عنه وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إليه وَإِنْ تَتَوَلَّوْا عن طاعته يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يجعلهم بدلكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38) في التولي عن طاعته، بل مطيعين له عزّ وجلّ.\rالجلال، ومحصل إعرابه إن أنتم مبتدأ وتدعون خبره، وهؤلاء منادى معترض بين المبتدأ والخبر.\rقوله: فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ أي: ومنكم من يجود، وحذف هذا المقابل لأن المراد الاستدلال على البخل اهـ خطيب.\rومن موصولة. وقوله: ومن يبخل شرطية، وقوله: فإنما يبخل عن نفسه جوابه أي: فإنما يمنعها الأجر والثواب اهـ قرطبي.\rقوله: (يقال بخل عليه وعنه) أي: فيعدى بعلى وعن لتضمينه معنى الإمساك والتعدي اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: بخل وضمن يتعديان بعلى تارة وبعن أخرى، والأجود أن يكونا حال تعديهما بعن مضمنين معنى الإمساك اهـ.\rقوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا الخ هذه الشرطية معطوفة على الشرطية قبلها أي: قوله وإن تؤمنوا الخ، وقوله: ثم لا يكونوا أمثالكم كلمة ثم للدلالة على أن مدخولها مما يستبعده المخاطبون لتقارب الناس في الأحوال واشتراكهم في الميل إلى المال اهـ كرخي.\rقوله: (أي يجعلهم بدلكم) يشير به إلى أن المراد استبدال الذات لا استبدال الوصف كما في قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [إبراهيم: 48] فهو كما في الكشاف كقوله: وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [ابراهيم: 19] اهـ كرخي.\rقوله: (بل مطيعين له) أي: بل يكونون مطيعين الخ، وفي القرطبي: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم أي: أطوع منكم. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: تلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية: إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قالوا: ومن يستبدل بنا، وكان سلمان جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قال:\rفضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخذ سلمان فقال: «هذا وأصحابه والذي نفس محمد بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس» وقال الحسن: هم العجم، وقال عكرمة: هم فارس والروم، وقال المحاسبي: فلا أحد بعد من جميع أجناس الأعاجم أحسن دينا ولا كانت منهم العلماء إلا الفرس، وقيل: إنهم أهل اليمن وهم الأنصار قاله شريح بن عبيد، وكذا قال ابن عباس: هم الأنصار، وعنه أنهم الملائكة، وعنه: هم التابعون. وقال مجاهد: إنهم من شاء من سائر الناس، وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «هي أحب إليّ من الدنيا» واللّه أعلم اهـ.","part":7,"page":205},{"id":2663,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 206\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الفتح مدنية وهي تسع وعشرون آية\rإِنَّا فَتَحْنا لَكَ قضينا بفتح مكة وغيرها في المستقبل عنوة بجهادك فَتْحاً مُبِيناً (1) بينا ظاهرا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سبب نزولها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم في السنة السادسة خرج بألف وأربعمائة من أصحابه قاصدين مكة للاعتمار، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة، وساق صلّى اللّه عليه وسلّم سبعين بدنة هديا للحرم، وساق القوم سبعمائة، فلما وصلوا الحديبية وهي قرية بينها وبين مكة مرحلة منعه المشركون من دخول مكة وصالحوه على أنه يأتي في العام القابل ويدخلها ويقيم فيها ثلاثة أيام، فتحلل هو وأصحابه هناك بالحلق وذبح ما ساقوه من الهدي، ثم رجعوا يعلوهم ويخالطهم الحزن، والكآبة، فأراد اللّه تسليتهم وإذهاب الحزن عنهم، فأنزل اللّه عليه وهو سائر ليلا في رجوعه وهو بكراع الغميم، وهو واد أمام عسفان بين مكة والمدينة إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى آخر السورة، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد أنزل عليّ الليلة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس»، ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا. وفي رواية: «لقد أنزل عليّ هي أحب إلي من الدنيا جميعا»، ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا، فقال المسلمون: هنيئا مريئا لك يا رسول اللّه لقد بيّن لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا فنزلت عليه لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الفتح: 5] حتى بلغ فَوْزاً عَظِيماً [النساء: 73] اهـ خازن.\rقوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فتح البلد عبارة عن الظفر به عنوة أو صلحا بخراج أو بدونه، فإنه ما دام يظفر به فهو مغلق مأخوذ من فتح باب الدار وإسناده إلى نون العظمة لاستناد أفعال العباد إليه تعالى خلقا وإيجادا اهـ أبو السعود.\rقوله: (قضينا) أي: حكمنا في الأزل بفتح مكة وغيرها كخيبر وغيرها وحنين والطائف، وقوله:\rالمستقل نعت للفتح، وهذا جواب عما يقال إن الآية نزلت في الطريق حين رجوعه من الحديبية عام ست، ومكة لم تكن فتحت إذ ذاك، فكيف قال فتحنا بلفظ الماضي؟ وحاصل الجواب: أن المراد بفتحنا قضينا في الأزل أن مكة ستفتح بعد الحديبية، فالماضي على حقيقته إخبارا عن القضاء الأزلي، وبعضهم أجاب بأنه بمعنى المضارع اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: هذا وعد بفتح مكة والتعبير عنه بالماضي لتحققه، أو وعيد بما اتفق له في تلك السنة كفتح خيبر وفدك، أو هذا إخبار عن صلح الحديبية، وإنما سماه فتحا لأنه كان بعد ظهوره","part":7,"page":206},{"id":2664,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 207\rلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ بجهادك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ منه لترغيب أمتك في الجهاد، وهو مؤول على المشركين حتى سألوه الصلح فكان سببا لفتح مكة، وتفرغ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع وأدخل في الإسلام خلقا عظيما وعلى هذا فمعنى فتحنا أوجدنا لك سبب الفتح، وذلك السبب هو صلح الحديبية، فإنه هو السبب في فتح مكة، وقيل: الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل، انتهت مع بعض تصرف.\rوفي القرطبي: اختلف العلماء في هذا الفتح فالذي في البخاري أنه صلح الحديبية. قال موسى ابن عقبة: قال رجل: عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا». وقال الشعبي في قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا هو فتح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة غيرها غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرحت المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهري: لقد كان فتح الحديبية أعظم الفتوح، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم على بعض وعلموا وسمعوا عن اللّه فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف. وقال مجاهد، والعوفي: هو فتح خيبر، والأول قول الأكثر، وخيبر إنما كانت وعدا وعدوه على ما يأتي بيانه في قوله: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ [الفتح: 15] وقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها [الفتح: 20] فعجل لكم هذه، انتهى.\rقوله: (عنوة) هذا مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي أنها فتحت صلحا، وعبارة المنهاج:\rوفتحت مكة صلحا. قال الرملي في شرحه كما دل عليه قوله تعالى: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح: 22] أي: أهل مكة، وقوله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: 24] وإنما دخلها صلّى اللّه عليه وسلّم متأهبا للقتال خوفا من غدرهم ونقضهم للصلح الذي وقع بينه وبين أبي سفيان قبل دخولها. وفي البويطي: أن أسفلها فتحة خالد عنوة، وأعلاها فتحه الزبير رضي اللّه عنهما صلحا، ودخل صلّى اللّه عليه وسلّم من جهته فصار الحكم له وبهذا تجتمع الأخبار التي ظاهرها التعارض اهـ.\rقوله: (بجهادك) متعلق بقول الشارح بفتح مكة، وهذا جواب عن إيراد حاصله أن الفتح مسند للّه فهو من أفعاله، فكيف يترتب عليه قوله: ليغفر لك اللّه، والمغفرة للشخص إنما تكون لأجل شيء من أفعال غيره، وحاصل الجواب: أن الفتح وإن كان فعلا للّه لكنه لما ترتب على فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الجهاد صح أن يترتب عليه أي: على الفتح المغفرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ من حواشي البيضاوي.\rقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ الالتفات إلى الذات المستتبع لجميع الصفات كالغفر والإنعام والنصر لأجل الإشعار بأن كل واحد من الأمور الأربعة الداخلية تحت لام الغاية صادر عنه تعالى من حيثية الأخرى مترتب على صفة من صفاته تعالى اهـ أبو السعود.\rفمغفرة الذنوب من حيث إنه تعالى غفار، وهداية الصراط من حيث انه هاد، وهكذا ويجمع الكل لفظ اللّه فإنه اسم للذات المستجمع للصفات اهـ شيخنا.","part":7,"page":207},{"id":2665,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 208\rلعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب، واللام للعلة الغائية، فمدخولها مسبب لا سبب وَيُتِمَ بالفتح المذكور نِعْمَتَهُ إنعامه عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ به صِراطاً قوله: (لترغب أمتك) علة لترتب الغفران على الفتح أي إنما رتبنا عليه غفران الذنوب لترغب أمتك فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (هو مؤول) أي: بأنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين قاله شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شرحه على الطوالع، وقيل: معنى الغفران الإحالة بينه وبين الذنوب فلا يصدر منه ذنب، لأن الغفر هو الستر والستر إما بين العبد والذنب وعقوبته، فاللائق به وبسائر الأنبياء الأول واللائق بالأمم الثاني قاله البرماوي، أو هو مبالغة كزيد يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه لا يمكن ضربه اهـ كلاخي.\rقوله: (من الذنوب) أي: صغيرها وكبيرها عمدها وسهوها قبل النبوة وبعدها اهـ شيخنا.\rقوله: (للعلة الغائية) أي: لا للباعثة لأنه تعالى لا يبعثه شيء على اهـ شيخنا.\rقوله: (لا سبب) السبب ما يضاف الحكم إليه كالزوال لوجوب الظهر، والمغفرة ليست كذلك كما هو مقرر في محله اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: واختلفت أقوال المفسرين في معنى اللام في قوله تعالى، ليغفر لك اللّه، فقال البيضاوي: علة للفتح من حيث أنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة، وقال البغوي: قيل اللام لام كي، ومعناه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، وقال الجلال المحلي: اللام للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب، وقال بعضهم: إنها لام القسم والأصل ليغفرن فكسرت اللام تشبها بلام كي وحذفت النون ورد هذا بأن اللام لا تكسر وبأنها تنصب المضارع قال ابن عادل: وقد يقال أن هذا ليس بنصب وإنما هو بقاء للفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها ولكن هذا قول مردود، وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ولكنه علة لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأن قال: يسرنا لك مكة ونصرناك ونصرناك على عدوك لنجمع لك عز الدارين وأغراض العاجل والآجل، ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للمغفرة والثواب اهـ.\rقال ابن عادل: وهذا الذي قاله مخالف لظهر الآية، فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل لها، فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل فتح مكة معللا بالمغفرة، ثم يقول لم يجعل معللا اهـ.\rوقيل غير ذلك والأسلم ما اقتصر عليه الجلال المحلي اهـ بحروفه.\rقوله: (بالفتح المذكور) هو فتح مكة وغيرها بجهادك اهـ.\rقوله: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي: في تبليغ الرسالة وإقامة مواسم الرئاسة اهـ بيضاوي.","part":7,"page":208},{"id":2666,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 209\rطريقا مُسْتَقِيماً (2) يثبتك عليه وهو دين الإسلام\rوَيَنْصُرَكَ اللَّهُ به نَصْراً عَزِيزاً (3) ذا عزّ لا ذلّ معه\rهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الطمأنينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ بشرائع الدين كلما نزل واحدة منها آمنوا بها، منها الجهاد وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فلو أراد نصر دينه بغيركم أي: فالهداية على حقيقتها فلا حاجة إلى ما قيل من أن المراد زيادة الاهتداء أو الثبات عليه اهـ شهاب.\rقوله: (ذا عز) جواب عما يقال: كيف أسند العزيز إلى ضمير النصر مع أن العزيز من له النصر؟\rوتقرير الجواب: أن صيغة فعيل هنا للنسبة، فالعزيز بمعنى ذو العز فالمعنى نصرا ذا عز ومنعة لا ذل فيه، وكونه ذا منعة يمنعه عن أن يصيبه سوء أو مكروه فإسناده العزيز بهذا المعنى إلى ضمير النصر حقيقة اهـ زاده.\rقوله: فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصود، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا حتى عمر مع أنه فاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد، فما الظن بغيره وكان عند الصديق من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به أنه لم يسابق ثم ثبتهم اللّه أجمعين اهـ خطيب.\rوفي المواهب: قال في فتح الباري، قال في رواية البخاري: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت ألست نبي اللّه؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.\rقلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول اللّه ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت نحدثنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي اللّه حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه بفتح الغين وسكون الراء أي: تمسك بأمره ولا تخالفه، فو اللّه أنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى.\rأفأخبرك أنا تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه فتطوف به. قال العلماء: لم يكن سؤال عمر رضي اللّه وكلامه المذكور شكا بل طلبا لكشف ما خفي عليه وحثا على إذالال الكفار وظهور الإسلام كما عرف في خلقه وقوته في نصرة الدين وإذلال المبطلين، وأما جواب أبي بكر لعمر رضي اللّه عنهما بمثل جواب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله وبارع علمه وزيادة عرفانه ورسوخه وزيادته في ذلك على غيره اهـ.\rقوله: (بشرائع الدين) متعلق بإيمانا ومتعلق قوله مع إيمانهم محذوف أي: باللّه ورسوله اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في جنود السموات والأرض وجوّه، الأول: أنهم ملائكة السموات والأرض. الثاني: أن جنود السموات الملائكة وجنود الأرض الحيوانات. الثالث: أن جنود السموات مثل الصاعقة والصيحة والحجارة، وجنود الأرض مثل الزلازل والخسف والغرق ونحو ذلك اهـ خازن.","part":7,"page":209},{"id":2667,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 210\rلفعل وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (4) في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك\rلِيُدْخِلَ متعلق بمحذوف أي أمر بالجهاد الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5)\rوَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَ قوله: (الفعل) أي: لكنه لم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب اهـ خطيب.\rقوله: (متعلق بمحذوف أي أمر بالجهاد) فيه رد على من قال إنه متعلق بفتحنا. أي: لا يصح على أن ليغفر متعلق بفتحنا، لأن الفعل لا يعمل في حرفي جر معناهما واحد من غير عطف أو بدل أو توكيد، وفيه أيضا بعد من جهة المعنى، وعلى من يقول إنه متعلق بقوله: ليزدادوا وجه الرد أن يعذب معطوف على ليغفر، ولا يناسب أن يكون ازدياد الإيمان علة ليعذب المنافقين وقال أبو حيان:\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 210\r\rله: (متعلق بمحذوف أي أمر بالجهاد) فيه رد على من قال إنه متعلق بفتحنا. أي: لا يصح على أن ليغفر متعلق بفتحنا، لأن الفعل لا يعمل في حرفي جر معناهما واحد من غير عطف أو بدل أو توكيد، وفيه أيضا بعد من جهة المعنى، وعلى من يقول إنه متعلق بقوله: ليزدادوا وجه الرد أن يعذب معطوف على ليغفر، ولا يناسب أن يكون ازدياد الإيمان علة ليعذب المنافقين وقال أبو حيان:\rوالازدياد لا يكون سببا لتعذيب الكفار. وأجيب: بأنه ذكر لكونه مقصودا للمؤمن، كأنه قيل: بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم الجنة ويعذب الكافرين بأيديكم في الدنيا اهـ كرخي.\rقوله: (و يكفر عنهم سيئاتهم) أي: يغطيها ولا يظهرها وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى اهـ كرخي.\rقوله: وَكانَ ذلِكَ أي: المذكور من الإدخال والتفكير اهـ بيضاوي.\rوعند اللّه حال من فوزا لأنه صفة له في الأصل، فلما قدم عليه صار حالا أي كائنا عند اللّه أي في علمه وقضائه، وجملة وكان الخ اعتراض مقرر لما قبله بين المعطوف وهو يعذب الخ، والمعطوف عليه وهو يدخل المؤمنين اهـ شيخنا.\rقوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ قدمهم على المشركين لأنهم كانوا أشد على المؤمنين ضررا من الكفار المجاهرين، لأن المؤمن كان يتوقى المجاهر ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي إليه سره اهـ خطيب.\rوفي قرطبي: ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم قتلا وأسرا واسترقاقا للظالمين باللّه ظن السوء.\rيعني ظنهم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يرجع إلى المدينة ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم كما قال: بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وقال الخليل، وسيبويه: السوء هنا الفساد عليهم دائرة السوء في الدنيا بالقتل والسبي والأسر وفي الآخرة بجهنم اهـ.\rقوله: ظَنَّ السَّوْءِ الاضافة فيه ليست من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، فإنها غير جائزة عند البصريين، لأن الصفة والموصوف عبارتان عن شيء واحد، فإضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه، بل السوء صفة لموصوف محذوف أي: ظن الأمر السوء فحذف المضاف إليه وأقيمت صفته مقامه اهـ من بعض حواشي البيضاوي.","part":7,"page":210},{"id":2668,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 211\rالسَّوْءِ بفتح السين وضمها في المواضع الثلاثة، ظنوا أنه لا ينصر محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ بالذل والعذاب وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ أبعدهم وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (6) أي مرجعا\rوَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً (7) في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك\rإِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً على أمتك في القيامة وَمُبَشِّراً في الدنيا بالجنة قوله: (بفتح السين وضمها) فالضم معناه العذاب والهزيمة والشر، والفتح معناه الذم كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: والفتح والضم لغتان غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر، وكلاهما في الأصل مصدر اهـ.\rقوله: (في المواضع الثلاثة) أي هذين، والثالث قوله: وظننتم ظن السوء وهذا سبق قلم من الشارح، وصوابه أن يقول في الموضع الثاني إذ الموضع الأول والثالث ليس فيهما إلا الفتح باتفاق السبعة اهـ شيخنا.\rقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ إما إخبار عن وقوع السوء بهم أو دعاء عليهم، والدائرة مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل من دار يدور سمي به عاقبة الزمان أي حادثته اهـ شهاب.\rوعبارة زاده: الدائرة الأصل عبارة عن الخط المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة المحيطة بمن وقعت عليه إلا أن اكثر استعمالها في المكروه والإضافة في دائرة السوء من إضافة العام للخاص، فهي للبيان كما في خاتم فضة. والمعنى أكذب اللّه ظنهم وقلب ما يظنونه بالمؤمنين عليهم بحيث لا يتخطاهم ولا يظفروا بالنصر أبدا، انتهت.\rقوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ معطوف على عليهم دائرة السوء عطف فعلية على اسمية اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ ذكره سابقا على أن المراد به أنه المدبر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته، فلذلك ذيله بقوله: عليما حكيما. وهنا أريد به التهديد بأنهم في قبضة قدرة المنتقم، فلذا ذيله بقوله: عزيزا حكيما فلا تكرار، وقيل: إن الجنود جنود رحمة وجنود عذاب، والمراد هنا الثاني ولذا تعرض لوصف العزة الدال على الغلبة فتأمل اهـ شهاب.\rوعبارة الخازن: فإن قلت: قال في الآية الأولى: وكان اللّه عليما حكيما وقال في هذه: وكان اللّه عزيزا حكيما فما معناه؟ قلت: لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة ومن هو للعذاب، وعلم اللّه ضعف المؤمنين ناسب أن يكون خاتمة الآية الأولى: وكان اللّه عليما حكيما، ولما بالغ في تعذيب الكافر والمنافق وشدته ناسب أن يكون خاتمة الآية الثانية: وكان اللّه عزيزا حكيما، فهو كقوله:\rأَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ [الزمر: 37] وقوله: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 42] انتهت.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْناكَ هذا امتنان منه تعالى عليه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث شرفه بالرسالة وبعثه إلى الكافة شاهدا على أعمال أمته اهـ خازن.\rقوله: (على أمتك) أي: بالطاعة والعصيان.","part":7,"page":211},{"id":2669,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 212\rوَنَذِيراً (8) منذرا مخوفا فيها من عمل سوءا بالنار\rلِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ بالياء والتاء فيه وفي الثلاثة بعده وَتُعَزِّرُوهُ ينصروه وقرئ بزاءين مع الفوقانية وَتُوَقِّرُوهُ يعظموه وضميرهما للّه أو لرسوله وَتُسَبِّحُوهُ أي اللّه بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) بالغداة والعشي\rإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ قوله: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ متعلق بأرسلناك، وعبارة الخطيب: ثم بيّن تعالى فائدة الإرسال بقوله:\rليؤمنوا باللّه الخ اهـ.\rقوله: (بالياء والتاء) سبعيتان. قوله: (و قرئ) أي: شاذا. قوله: (و ضميرهما للّه) الأظهر من الاحتمالين، أولهما: لتكون الضمائر على وتيرة واحدة اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ الخ لما بيّن تعالى أنه مرسل بين أن منزلته وقدره عند اللّه بحيث يكون من بايعه صورة فقد بايع اللّه حقيقة، لأن من بايعه عليه السّلام على أن لا يفر من موضع القتال إلى أن يقتل أو يفتح اللّه لهم، وإن كان يقصد ببيعته رضا الرسول ظاهرا لكن إنما يقصد بها حقيقة رضا الرحمن وثوابه وجنته سميت المعاهدة المذكورة بالمبايعة التي هي مبادلة المال بالمال تشبيها لها بالمبايعة في اشتمال كل واحدة منهما على معنى المبادلة، لأن المعاهدة أيضا مشتملة على المبادلة بين التزام الثبات في محاربة الكافرين، وبين ضمانه عليه السّلام لمرضاة اللّه تعالى عنهم وإثابته إياهم بجنات النعيم في مقابلة ذلك الثبات، فأطلق اسم المبايعة على هذه المعاهدة على سبيل الاستعارة، ثم انه لما كان ثواب ثباتهم في الحرب إنما يصل إليهم من قلبه تعالى كان المقصود من المبايعة معه عليه السّلام المبايعة مع اللّه، فإنه عليه السّلام سفير، ولما جعلت المبايعة مع الرسول مبايعة مع اللّه وشبه تعالى بالمبايع أثبت له ما هو من لوازم المبايع حقيقة وهو اليد على طريق الاستعارة التخييلية اهـ زاده.\rيعني في اسم اللّه استعارة بالكناية واليد تخييل مع أن فيها أيضا مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس اهـ شهاب.\rفتلخص أن في هذا التركيب استعارة تصريحية تبعية في الفعل ومكنية في الاسم الكريم وتخييلية في إثبات اليد له، وفيه مشاكلة في مقابلة يده بأيديهم. وفي الخازن: وأصله البيعة العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام والوفاء بالعهد الذي التزمه له، المراد بهذه البيعة بيعة الرضوان بالحديبية وهي قرية ليست كبيرة بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلة سميت ببئر هناك، وقد جاء في الحديث: أن الحديبية بئر. قال مالك: هي من الحرم، وقال ابن القصار: بعضها من الحل، ويجوز في الحديبية التخفيف والتشديد والتخفيف أفصح وعامة المحدثين يشددونها. روى الشيخان، عن يزيد بن عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع على أي شيء بايعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال:\rعلى الموت، وروى مسلم عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة. قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. قال العلماء لا منافاة بين الحديثين ومعناهما صحيح، بايعه جماعة منهم سلمة بن الأكوع على الموت، فلا يزالون يقاتلون بين يديه حتى يقتلوا أو ينتصروا، وبايعه جماعة منهم معقل بن يسار على أن لا يفروا اهـ.","part":7,"page":212},{"id":2670,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 213\rبيعة الرضوان بالحديبية إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ هو نحو: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ التي بايعوا بها النبي، أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها فَمَنْ نَكَثَ نقض البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ يرجع وبال نقضه عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ بالياء والنون أَجْراً عَظِيماً (10)\rسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ حول المدينة، أي الذين قوله: (بيعة الرضوان) سميت بذلك لقوله اللّه فيها لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ [الفتح: 18] الآية اهـ شهاب.\rقوله: هو نحو (من يطع الرسول الخ) أي: نحوه من حيث إن معنى هذا يرجع لذلك، وأشار به إلى أنه تعالى منزه عن الجوارح، وإنما المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقدة مع اللّه من غير تفاوت بينهما كقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ اهـ كرخي.\rقوله: (أي هو تعالى مطلع الخ) أشار به إلى أي: إطلاق اليد على اللّه من قبيل المشاكلة، وأن المعنى المراد هو ما ذكره. قال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويبايعونه ويد اللّه فوق أيديهم في المبايعة، وذلك لأن المتبايعين إذا مدّ أحدهما يده إلى الآخر في البيع وبينهما ثالث يضع على يده على يديهما ويحفظهما إلى أن يتم العقد، ولا يترك أحدهما يد الآخر كي يلزم العقد ولا يتفاسخان، فصار وضع اليد فوق الأيدي سببا لحفظ البيعة، فقال: يد اللّه فوق أيديهم أي يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين اهـ خطيب.\rوفي الكرخي: قوله: أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم يعني لما روعيت المشاكلة بين قوله:\rإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ وبين قوله: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ بنى عليها قوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ على سبيل الاستعارة التخييلية تتميما لمعنى المشاكلة وهو كالترشيح للاستعارة أي: إذا كان اللّه مبايعا ولا يد لنبايع كما تعورف واشتهر من الصفقة باليد فتتخيل له اليد لتأكيد معنى المشاكلة، وإلّا فجل جنابه الأقدس عن الجارحة. وهذا هو المراد من قول صاحب المفتاح، وأما حسن الاستعارة التخييلية فبأن تكون تابعة للكناية، ثم إذا انضم إليها المشاكلة كانت أحسن وأحسن، وظاهر أن المراد بلفظ التخييل الواقع في كلامهم التمثيل رعاية للادب، وقوله: إنما يبايعون اللّه خبر إن، ويد اللّه مبتدأ وما بعده الخبر، والجملة خبر آخر لإن أو حال من ضمير الفاعل في يبايعونك أو مستأنفة اهـ.\rوفي القرطبي: يد اللّه فوق أيديهم قيل: المعنى يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، وقال الكلبي: معناه نعمة اللّه عليهم فوق ما صنعوا من البيعة، وقال ابن كيسان: قوة اللّه ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم اهـ.\rقوله: (يرجع وبال نقضه الخ) أشار به إلى تقدير مضافين في الضمير المستتر في ينكث اهـ شيخنا.\rقوله: (بالياء والنون) سبعيتان. قوله: أَجْراً عَظِيماً هو الجنة.\rقوله: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ الخ لما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة","part":7,"page":213},{"id":2671,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 214\rخلفهم اللّه عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرض قرش لك عام الحديبية إذا رجعت منها شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا عن الخروج معك فَاسْتَغْفِرْ لَنا اللّه من ترك الخروج معك، قال تعالى مكذبا لهم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ أي من طلب الاستغفار وما قبله ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فهم كاذبون في اعتذارهم قُلْ فَمَنْ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا بفتح الضاد وضمها أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) أي لم الرحمن ذكر من غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة بقوله: سيقول أي: بوعد لا خلف فيه لك أي: لأنهم يعلمون شدة رحمتك ورفقك وشفقتك على عباد اللّه فهم يطعمون في قبولك عذرهم الفاسد ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين اهـ خطيب.\rقوله: (حول المدينة) حال من الاعراب أو صفة لهم أي: كائنين أو الكائنين والنازلين المقيمين حول المدينة اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الذين خلفهم اللّه الخ) وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب ويصدوه عن البيت، فاحرم بالعمرة وساق الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقل عنه كثير من الأعراب وتخلفوا عنه، وخافوا أن يكون قتال، وقالوا:\rيذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه يعنون بأحد اهـ خازن.\rقوله: (إذا رجعت منها) ظرف لسيقول.\rقوله: وَأَهْلُونا أي: النساء والذراري، فانا لو تركناهم لضاعوا لأنه لم يكن لنا من يقوم بهم، وأنت قد نهيت عن ضياع المال والتفريط في العيال اهـ خطيب.\rقوله: (أي من طلب الاستغفار الخ) بيان لقوله ما ليس في قلوبهم مقدم عليه اهـ.\rقوله: (فهم كاذبون في اعتذارهم) أي: وفي طلب الاستغفار، وكأنه إنما اقتصر على الأول، لأن الثاني انشاء والتكذيب في الإنشاء لا يصح إلا بتأويل اهـ شيخنا.\rقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ أي: فمن يقدر لأجلكم من اللّه، أي: من مشيئته أي ما يشاؤه ويقضي به من نفع أو ضر اهـ أبو السعود.\rأي: فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه فما في النظم عن هذا اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: ما يضركم كقتل وهزيمة وخلل في المال والأهل وعقوبة على التخلف اهـ بيضاوي.\rقوله: (بفتح الضاد وضمها) سبعيتان. قوله: (للانتقال من غرض إلى آخر) فأضرب تعالى عن تكذيبهم في اعتذارهم إلى إبعادهم بأنه يجازيهم بما عملوا من التخلف والاعتذار الباطل باظهار أمر وإخفاء غيره، فقال: بل كان اللّه بما تعملون خبيرا، ثم أضرب عن بيان بطلان اعتذارهم إلى بيان ما حملهم على التخلف، فقال: بل ظننتم الخ اهـ زاده.","part":7,"page":214},{"id":2672,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 215\rبزل متصفا بذلك\rبَلْ في الموضعين للانتقال من غرض إلى آخر ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ أي إنهم يستأصلون بالقتل فلا يرجعون وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ هذا وغيره وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) جمع بائر، أي هالكين عند اللّه بهذا الظن\rوَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (13) نارا شديدة\rوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ وعبارة الكرخي: قوله: من غرض إلى آخر إيضاح ذلك أنه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يجيبهم بأجوبة ثلاثة على الترقي. يقول أولا على سبيل الكلام المصنف تعريضا بغيرهم من المحقين والمبطلين، فمن يملك لكم الخ، ثم أضرب عن الجواب إلى قوله: بل كان اللّه الخ، وفيه نوع تهديد، ولكن على الإبهام ثم ترقى، وصرح بمكنون ضمائرهم والكشف عن فضائحهم في قوله: ظننتم بل الخ اهـ.\rقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ الخ أي: ظننتم أن العدو يستأصلهم ولا يرجعون لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين، فحملكم ذلك على أن قلتم ما هم في قريش إلا أكلة رأس اهـ خطيب.\rقوله: إِلى أَهْلِيهِمْ جمع أهل اهـ.\rقوله: (هذا) أي: ظن أنهم يستأصلون وغيره من كل ظن فاسد كظن أن محمدا غير رسول اهـ شيخنا.\rقوله: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً البور: الهلاك، وهو يحتمل أن يكون مصدرا أخبر به عن الجمع، ويجوز أن يكون جمع بائر كحائل وحول في المعتل وبازل وبزل في الصحيح اهـ سمين.\rوعائد وعوذ وهي من الإبل والخيل والحديث النتاج اهـ زاده.\rوقوله عند اللّه أي في عمله.\rقوله: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ كلام مبتدأ من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن مقرر لبوارهم ومبين لكيفيته، وقوله: للكافرين المقام للاضمار، وإنما أتى بالظاهر إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان باللّه ورسوله فهو كافر مستوجب للسعير وتنكير سعيرا للتهويل اهـ أبو السعود.\rومن شرطية أو موصولة، والظاهر قائم مقام العائد على كل من التقديرين أي: فإنا أعتدنا لهم اهـ سمين.\rوعبارة الخازن: ومن لم يؤمن باللّه ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا. لما بين اللّه تعالى حال المتخلفين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبيّن حال ظنهم الفاسد، وأن ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر حرضهم على الإيمان والتوبة من ذلك الظن الفاسد، فقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وظن أن اللّه يخلف وعده فانه كافر، فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا اهـ.\rقوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ الخ هذا حسن لأطماعهم الفارغة في استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم لهم، وقوله: وكان اللّه غفورا رحيما أي لمن يشاء ولا يشاء إلا لمن تقضي الحكمة مغفرته من المؤمنين دون من عداهم من الكافرين فهم بمعزل عن ذلك قطعا اهـ أبو السعود.","part":7,"page":215},{"id":2673,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 216\rمَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14) أي لم يزل متصفا بما ذكر\rسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ المذكورون إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ هي مغانم خيبر لِتَأْخُذُوها ذَرُونا اتركونا نَتَّبِعْكُمْ لنأخذ منها يُرِيدُونَ بذلك أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وفي قراءة كلم اللّه بكسر اللام أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل عودنا فَسَيَقُولُونَ بَلْ قوله: إِذَا انْطَلَقْتُمْ ظرف لما قبله لا شرط لما بعده. أي سيقولون عند انطلاقهم إلى مغانم اهـ أبو السعود.\rوقوله: ذرونا مقول القول، وقوله: يريدون أن يبدلوا الخ يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا من الفاعل وهو المخلفون، وأن يكون حالا من مفعول ذرونا اهـ سمين.\rقوله: (هي مغانم خبير) وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال ولم يصيبوا من المغانم شيئا وعدهم اللّه عز وجل فتح خبير، وجعل مغانمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا عنهم ولم يصيبوا منهم شيئا اهـ خازن.\rكما سيأتي في قوله: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: 18] الخ. وفي القرطبي: سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها يعني مغانم خبير، لأن اللّه وعد أهل الحديبية فتح خيبر وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر، ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبد اللّه. فقسم له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كسهم من حضر. قال ابن إسحاق: وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار كانا حاسبين قاسمين اهـ سمين.\rقوله: ذَرُونا أي: دعونا، يقال: ذره أي دعه وهو يذره أي يدعه، وأصله وذره يذره كوسعه، وقد أماتوا ماضيه ومصدره واسم فاعله فلم ينطقوا بها، فلا يقال وذره ماضيا ولا يقال وذرا مصدرا ولا كوعد، ولا واذر بكسر الذال اسم فاعل، بل يقال تركه تركا فهو تارك اهـ من القرطبي والقاموس.\rقوله: (خاصة) فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست أقام بالمدينة بقيته وأوائل المحرم من سنة سبع، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها، وغنم أموالا كثيرة فخصها بهم حسبما أمره للّه تعالى اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: يريدون أن يبدلوا كلام اللّه. قال ابن زيد: هو قوله تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: 83].\rوأنكر هذا القول الطبري وغيره بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، وقيل: المعنى يريدون أن يغيروا وعد اللّه الذي وعده لأهل الحديبية، وذلك أن اللّه تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا من فتح مكة حيث رجعوا من الحديبية على صلح قاله مجاهد وقتادة، واختاره الطبري، وعليه عامة أهل التأويل اهـ.\rقوله: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا هذا النفي في معنى النهي للمبالغة اهـ أبو السعود.\rقوله: كَذلِكُمْ أي: مثل هذا القول الصادر مني وهو لن تتبعونا قال اللّه: أي حكم بأن لا","part":7,"page":216},{"id":2674,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 217\rتَحْسُدُونَنا أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ من الدين إِلَّا قَلِيلًا (15) منهم\rقُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ المذكورين اختبارا سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي أصحاب بَأْسٍ شَدِيدٍ قيل: هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، وقيل: فارس والروم تُقاتِلُونَهُمْ حال مقدرة هي المدعو تتبعونا وبأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم منها نصيب، ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية تسبب عن قوله ذلك قوله تعالى تنبيها على جلافتهم وفساد ظنونهم، فسيقولون ليس الأمر كما ذكر مما ادعيت أنه قول اللّه تعالى، بل إنما قلتم ذلك لأنكم تحسدوننا اهـ خطيب.\rفقوله: بل تحسدوننا اضراب عن محذوف هو مقول القول كما علمت. قوله: فَسَيَقُولُونَ أي:\rعند سماعهم هذا النهي، وقوله: بل تحسدوننا أي: ليس ذلك النهي حكما من اللّه بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم اهـ أبو السعود.\rوقوله: فقلتم ذلك أي أن اللّه حكم بمنعنا من غنيمة خيبر وتخصيص أهل الحديبية بها. قوله:\rبَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ أي: لا يفهمون فهم الحاذق الماهر إلا قليلا، أي: في أمر دنياهم ومن ذلك إقرارهم باللسان لأجلها، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئا اهـ خطيب.\rقوله: (من الدين) فيه إشعار إلى أن الإضراب الأول معناه رد منهم أن يكون حكم اللّه أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعم منه، والجهل وهو قلة الفقه وفيه أن الجهل غاية في الذم وحب الدنيا ليس من شيمة العالم اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعارا بشناعة التخلف أي فذمهم مرة بعد أخرى كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: (قيل هم بنو حنيفة الخ) عبارة القرطبي: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد. قال ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وعطاء الخراساني: هم فارس، وقال كعب، والحسن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى: هم الروم. وعن الحسن أيضا: هم فارس والروم، وقال ابن جبير: هم هوازن وثقيف، وقال عكرمة: هم هوازن، وقال قتادة: هم هوازن وغطفان يوم حنين، وقال الزهري، ومقاتل: هم بنو حنيفة أهل اليمامة وأصحاب مسيلمة، وقال رافع بن خديج: واللّه لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد، فلم نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم، وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد، وظاهر الآية يرده، وفي هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وأما قول عكرمة وقتادة: إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين، فلا لأنه لا يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول عليه الصلاة والسّلام، لأنه قال: لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا، فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد لنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما. قال الزمخشري: فإن صح ذلك عن قتادة فقوله: لن تخرجوا معي أبدا يعني ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطرابات في الدين اهـ.","part":7,"page":217},{"id":2675,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 218\rإليها في المعنى أَوْ هم يُسْلِمُونَ فلا تقاتلون فَإِنْ تُطِيعُوا إلى قتالهم يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16) مؤلما\rلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في ترك الجهاد وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ بالياء والنون جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ بالياء والنون عَذاباً أَلِيماً (17)\r* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ قوله: (أصحاب اليمامة) اليمامة: اسم لبلاد في اليمن، وإسم لامرأة كانت بها. وفي المختار:\rواليمامة اسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام. يقال: أبصر من زرقاء اليمامة.\rواليمامة أيضا بلاد وكان اسمها الجو فسميت باسم هذه الجارية لكثرة ما أضيف إليها، وقيل: جو اليمامة اهـ.\rقوله: أَوْ (هم) يُسْلِمُونَ أشار بهذا التقدير إلى أن الجملة مستأنفة، وعبارة السمين:\rالعامة على رفعه بإثبات النون عطفا على تقاتلونهم، أو على الاستئناف أي أو هم يسلمون، انتهت.\rومعنى يسلمون ينقادون ولو بعقد الجزية فإن الروم نصارى، وفارس مجوس وكل منهما يقر بالجزية اهـ أبو السعود.\rوأما بنو حنيفة؛ فكانوا مرتدين فلا يقبل منهم إلّا الإسلام اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا الخ لما نزل هذا قال أهل الزمانة والعاهة والآفة: كيف بنا يا رسول اللّه، فأنزل اللّه عز وجل: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الخ اهـ خطيب.\rوقوله: كما توليتم من قبل أي: في الحديبية. قوله: (في ترك الجهاد) يعني في التخلف عن الجهاد، وهذه أعذار ظاهرة في ترك الجهاد لأن أصحابها لا يقدرون على الكر والفر، لأن الأعمى لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الهرب، وكذلك الأعرج والمريض، وفي معنى المريض صاحب السعال الشديد والطحال الكبير، والذي لا يقدرون على الكر والفر فهذه أعذار. وهناك أعذار أخر دون ما ذكر وهي الفقر الذي لا يمكن صاحبه أن يستصحب معه ما يحتاج إليه من مصالح الجهاد والأشغال التي تعوق عن الجهاد، كتمريض المريض الذي ليس معه من يقوم مقامه عليه ونحو ذلك، وإنما قدم الأعمى على الأعرج لأن عذر الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حراسة ولا غيرها بخلاف الأعرج، فإنه يمكن الانتفاع به في الحراسة ونحوها، وقدم الأعرج على المريض لأن عذره أشد من عذر المريض لامكان زوال المرض عن قرب اهـ خازن.\rقوله: (بالياء والنون) سبعيتان.\rقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لكون الغفران والرحمة من دأبه بخلاف التعذيب، وكرر الوعيد لأن المقام أدعى للترهيب اهـ كرخي.\rقوله: (بالياء والنون) سبعيتان.\rقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أي: الراسخين في الإيمان. أي: فعل بهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر لهم من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا","part":7,"page":218},{"id":2676,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 219\rبالحديبية تَحْتَ الشَّجَرَةِ هي سمرة، وهم ألف وثلاثمائة أو أكثر، ثم بايعهم على أن يناجزوا مع أعدلهم في الآخرة، فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور شاهدة، ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان اهـ خطيب.\rوكان سبب هذه البيعة على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا خراش ابن أمية الخزاعي حين نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة وحمل على جملة صلّى اللّه عليه وسلّم ليبلغ أشرافهم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء معتمرا ولم يجىء محاربا، فعقروا جمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأرادوا قتله، فمنعهم الأحابيش فخلوا سبيله، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول اللّه إني أخاف على نفسي قريشا وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتني عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعزبها مني لوجود عشيرته فيها وهو عثمان بن عفان. فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته وكتب له كتابا بعثه معه، وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريبا، وأن اللّه سيظهر دينه. فخرج عثمان وتوجه إلى مكة فوجد قريشا قد اتفقوا على منعه صلّى اللّه عليه وسلّم من دخول مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة فوجد قريشا قد اتفقوا على منعه صلّى اللّه عليه وسلّم من بين يديه ثم أردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقرأ عليهم الكتاب واحدا واحدا، فصمموا على أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به. قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كان المسلمون قالوا هنيئا لعثمان خلص إلى البيت وطاف به دوننا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن ظني به أن لا يطوف حتى نطوف معا». وبشّر عثمان المستضعفين واحتبسته قريش عندها. فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نبرح حتى نناجز القوم» ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، ووضع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شماله في يمينه، وقال: هذه عن عثمان. وفي البخاري فقال صلّى اللّه عليه وسلّم بيده اليمنى: «هذه بيعة عثمان» فضرب بها على اليسرى الحديث. وهذا قد يشعر بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم علم بنور النبوة أن عثمان لم يقتل حتى بايع عنه، فيكون هذا من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم، ويؤيده ما جاء أنه لما بايع الناس قال: اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك وضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم، ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا وبعثوا بعثمان وجماعة من المسلمين وكانوا عشرة دخلوا مكة بإذنه صلّى اللّه عليه وسلّم قيل: في جوار عثمان، وقيل: سرا اهـ من الخازن والمواهب وشرحه.\rقوله: إِذْ يُبايِعُونَكَ منصوب برضى والمقام للماضي، وأتى بصيغة المضارع لاستحضاره صورة المبايعة وتحت ظرف ليبايعونك اهـ أبو السعود.\rقوله: تَحْتَ الشَّجَرَةِ معمول ليبايعونك أو حال من مفعوله، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان تحتها جالسا اهـ كرخي.\rقوله: (من سمرة) قال في المختار في باب الراء: والسمرة بضم الميم من شجر الطلع، والجمع سمر بوزن رجل وسمرات وأسمر في القلة اهـ.","part":7,"page":219},{"id":2677,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 220\rقريشا وأن لا يفرّوا من الموت فَعَلِمَ اللّه ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية\rوَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها من خيبر وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) أي لم يزل متصفا بذلك\rوَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها من الفتوحات فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ غنيمة خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ في عيالكم لما خرجتم وقال في باب الحاء الطلح بوزن الطلع شجر عظيم العضاه الواحدة طلحة، والطلح أيضا لغة في الطلع. قلت: جمهور المفسرين على أن المراد من الطلح في القرآن الموزن اهـ.\rوفي شرح المواهب، وفي الصحيح عن ابن عمر: أن الشجرة أخفيت والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع أو ضركما نشاهده الآن فيما دونها، ولذلك أشار ابن عمر بقوله: كان خفاؤها رحمة من اللّه. وروى ابن سعد بإسناد صحيح، عن نافع: أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة ويصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت اهـ من الفتح اهـ.\rقوله: (أو أكثر) قيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، والأصح وأربعمائة اهـ شيخنا.\rقوله: (على أن يناجزوا قريشا) في القاموس: المناجزة المقاتلة كالتناجز اهـ.\rقوله: فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ معطوف على يبايعونك لما علمت أنه بمعنى الماضي، وقوله:\rفأنزل معطوف على رضي اهـ أبو السعود.\rقوله: (بعد انصرافهم من الحديبية) أي: في ذي الحجة، فأقام صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة بقيته وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع اهـ خازن.\rقوله: وَمَغانِمَ كَثِيرَةً معطوف على فتحا قريبا.\rقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ الالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان اهـ أبو السعود.\rوالخطاب لأهل الحديبية. قوله: (من الفتوحات) أشار بهذا إلى أن العطف للمغايرة، فقوله:\rومغانم كثيرة المراد بها مغانم خيبر، وعدكم اللّه مغانم كثيرة المراد بها مغانم غير خيبر اهـ.\rقوله: (غنيمة خيبر) إن كان نزول هذه الآية بعد فتح خيبر كما هو الظاهر لا تكون السورة بتمامها نازلة في رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحديبية، وإن كانت قبله على أنها من الإخبار عن الغيب، فالإشارة بهذه لتنزيل المغانم الغائبة منزلة الحاضرة المشاهدة والتعبير بالمضي للتحقق اهـ كرخي.\rوقد تقدم التصريح بأن السورة كلها نزلت في رجوعه من الحديبية بقرب عسفان تأمل. قوله: (في عيالكم) أي: عن عيالكم وهذا الجار والمجرور بدل من قوله عنكم يشير به لتقدير مضاف في الآية، وقوله: لما خرجتم أي: إلى الحديبية، والمراد بالناس كما في البيضاوي أهل خيبر وحلفاؤهم من بني أسد وغطفان، وهذا هو المناسب لقول الشارح، وهمت بهم اليهود أي: يهود خيبر، وهذا هو المناسب لما تقدم من أن السورة نزلت بتمامها في رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحديبية بكراع الغميم بقرب عسفان، وفي الخازن: وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من بني أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف اللّه عز وجل أيديهم بالقاء الرعب في قلوبهم اهـ.","part":7,"page":220},{"id":2678,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 221\rوهمت بهم اليهود، فقذف اللّه في قلوبهم الرعب وَلِتَكُونَ أي المعجلة عطف على مقدر أي تشكروه آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في نصرهم وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (20) أي طرق التوكل عليه، وتفويض الأمر إليه تعالى\rوَأُخْرى صفة مغانم مقدرا مبتدأ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها هي من فالناس على هذا أسد وغطفان فتلخص أنه إن أريد يهود خيبر كان المراد بقول الشارح لما خرجتم خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم للحديبية، وإن أريد بالناس بنو أسد وغطفان كان المراد بقول الشارح لما خرجتم أي إلى خيبر، وفي القرطبي: وكف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة كمهم عنكم، وقال قتادة: كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الحديبية وهو اختيار الطبري، لأن كف أيدي الناس بالحديبية مذكور في قوله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [الفتح: 24] الخ اهـ.\rقوله: (عطف على مقدر) هذا أحد قولين والآخر أنها زائدة وعبارة القرطبي: ولتكون آية للمؤمنين يعني ولتكون عزيمتهم وسلامتكم آية للمؤمنين، فيعلموا أن اللّه يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم، وقيل: ولتكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين وقيل: أي ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها، والواو في ولتكون مقحمة عند الكوفيين، وقال البصريون: عاطفة على مضمر أي وكف أيدي الناس عنكم لتشكروها ولتكون آية للمؤمنين اهـ.\rقوله: آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي: إمارة يعرفون بها صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في وعده إياهم عند الرجوع من الحديبية ما ذكر من الغنائم وفتح مكة ودخول المسجد الحرام اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي طريق التوكل عليه الخ) فسّر الصراط المستقيم بما ذكر، لأن الحاصل من الكف ليس إلا ذلك، ولأن أصل الهدي حاصل قبله اهـ شهاب.\rقوله: وَأُخْرى يجوز فيها أوجه، أحدها: أن تكون مرفوعة بالابتداء ولم تقدروا عليها صفتها وقد أحاط اللّه بها خبرها. الثاني: أن الخبر محذوف مقدر قبلها أي: وثم أخرى لم تقدروا عليها.\rالثالث: أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير فيقدر الفعل من معنى المتأخر وهو قد أحاط اللّه بها أي: وقضى اللّه أخرى. الرابع: أن تكون منصوبة بفعل مضمر لا على شريطة التفسير بل لدلالة السياق. أي: ووعدكم أخرى أو وآتاكم أخرى. الخامس: أن تكون مجرورة برب مقدرة، وتكون الواو واو رب ذكره الزمخشري. وفي المجرور بعد الواو المذكورة خلاف مشهور أهو برب مضمرة أو بنفس الواو إلا أن الشيخ قال: ولم كانت رب جارة في القرآن على كثرة دورها يعني جارة لفظا، وإلّا فقد قيل إنها جارة تقديرا هنا، وفي قوله ربما يود على قولنا أن ما نكرة موصوفة اهـ سمين.\rوفي القرطبي: وأخرى معطوفة على هذه أي: فعجل لكم هذه المغانم وعجل أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط اللّه بها، وكونها معجلة وإن كانت لم تحصل إلا في عهد عمر بالنسبة لما بعدها من الغنائم الإسلامية. قال ابن عباس: هي الفتوحات التي فتحت على المسلمين كأرض فارس والروم وجميع ما فتحه المسلمين. قاله قتادة والحسن، ومقاتل، وابن أبي ليلى. وعن ابن عباس أيضا.\rوالضحاك، وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر وعدها اللّه نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم اللّه عنها، وعن الحسن أيضا، وقتادة: هو فتح مكة، وقال عكرمة: حنين لأنه قال لم تقدروا","part":7,"page":221},{"id":2679,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 222\rفارس والروم قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها علم أنها ستكون لكم وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21) أي لم يزل متصفا بذلك\rوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحديبية لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحرسهم وَلا نَصِيراً (22)\rسُنَّةَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، أي سن اللّه ذلك سنة الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) منه\rوَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ بالحديبية مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فإن ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم فأخذوا وأتي بهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعفا عنهم وخلى عليها، وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة. قال القشيري، وقال مجاهد: هي ما يكون إلى يوم القيامة، ومعنى قد أحاط اللّه بها أي: أعدها لكم فهي كالشيء الذي أحيط به من جميع جوانبه فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم، وقيل: أحاط اللّه بها علم أنها ستكون لكم كما قال: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق: 12] وقيل: حفظها اللّه عليكم ليكون فتحها لكم اهـ بحروفه.\rقوله: (مبتدأ) والمسوغ الوصل، وسكت عن الخبر وهو قوله: قد أحاط اللّه بها وما بينهما صفة اهـ كرخي.\rقوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ومنه تمكينكم من الأخرى.\rقوله: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم أهل مكة ومن وافقهم، وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الجيوش وقدموا خالد بن الوليد إلى كراع الغميم ولم يكن أسلم بعد اهـ خطيب.\rوفي المواهب، وفي رواية للبخاري: حتى إذا كانوا ببعض الطريق قرب عسفان قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:\rإن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش، وكانوا مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل جاؤوا طليعة لقريش فخذوا ذات اليمين، فو اللّه ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، والقترة هي الغبار الثائر من الجيش اهـ مع زيادة من الشارح.\rقوله: لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ تولية الأدبار كناية عن الهزيمة اهـ زاده.\rقوله: (من هزيمة الكافرين الخ) بيانية.\rقوله: الَّتِي قَدْ خَلَتْ أي: مضت من قبل فيمن مضى من الأمم كما قال: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21] اهـ كرخي.\rقوله: لَنْ تَجِدَ أي: أيها السامع اهـ خطيب.\rقوله: تَبْدِيلًا (منه) أي: من اللّه تعالى، أي: أن اللّه لا يبدل سنته وطريقته. قوله: (بالحديبية) بيان لبطن مكة، فالمراد ببطنها الحديبية، والمراد بمكة الحرم والحديبية منه أو ملاصقة له، فعلى الأول التعبير عنه بالبطن ظاهر، وعلى الثاني يكون المراد بالبطن الملاصق والمجاور.\rقوله: مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ أي أظهركم اهـ خطيب.\rفصح تعديته بعلى اهـ شهاب.\rوقد بيّن الشارح إظهاره عليهم بقوله: فإن ثمانين منهم الخ تأمل.","part":7,"page":222},{"id":2680,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 223\rسبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (24) بالياء والتاء، أي لم يزل متصفا بذلك\rهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي عن الوصول إليه وَالْهَدْيَ معطوف على كم مَعْكُوفاً محبوسا حال أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ موجودون بمكة مع الكفار لَمْ تَعْلَمُوهُمْ قوله: (بالياء والتاء) سبعيتان اهـ.\rقوله: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ لما كان ما مضى من وصف الكفار يشمل كفار مكة وغيرهم عينهم بسبب كفهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عن البيت الحرام بقوله: هم الذين كفروا الخ اهـ خطيب.\rقوله: (معطوف على كم) عبارة السمين قوله: والهدي العامة على نصبه، والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في صدوكم، وقيل: نصب على المعية وفيه ضعف لا مكان العطف، وقرأ أبو عمرو في رواية بجره عطفا على المسجد الحرام، ولا بد من حذف مضاف أي: وعن نحر الهدي، وقرئ برفعه على أنه مرفوع بفعل مقدر لم يسم فاعله. أي: وصد الهدي، والعامة على فتح الهاء وسكون الدال. وروي عن أبي عمرو، وعاصم وغيرهما كسر الدال وتشديد الياء، وحكى ابن خالويه ثلاث لغات الهدي وهي الشهيرة لغة قريش والهدي والهدي اهـ.\rقوله: (محبوسا) يقال: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته عنها، وأنكر الفارسي تعدية عكف بنفسه وأثبتها ابن سيده والأزهري وغيرهما وهو ظاهر القرآن لبناء اسم المفعول منه اهـ سمين.\rوفي المختار: عكفه حبسه ووقفه وبابه ضرب ونصر، ومنه قوله تعالى: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس، وعكف على الشيء أقبل عليه مواظبا وبابه دخل وجلس. قال اللّه تعالى: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: 138] اهـ.\rقوله: (و هو الحرم) فيه أن مطلق الحرم ليس مكان الذبح عادة، بل العادة في الحج منى، وفي العمرة المروة. وفي البيضاوي: والمراد مكانه المعهود وهو منى لا مكانه الذي يجوز أن ينحر في غيره، وإلا لما نحره الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أحصر فلا ينهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم اهـ.\rقوله: (بدل اشتمال) أي: من الهدي، والتقدير: وصدوا بلوغ الهدي محله اهـ كرخي.\rوفي السمين: قوله: أن يبلغ محله فيه أوجه، أحدها: أنه على إسقاط الخافض أي: عن أن يبلغ أو من أن يبلغ، وحينئذ يجوز في هذا الجار المقدر أن يتعلق بصدوكم، وأن يتعلق بمعكوفا أي:\rمحبوسا عن بلوغ محله، أو من بلوغ محله. الثاني: أنه مفعول من أجله، وحينئذ يجوز أن يكون علة للصد، والتقدير: صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، وأن يكون علة لمعكوفا أي: لأجل أن يبلغ محله ويكون الحبس من المسلمين. الثالث: أنه بدل من الهدي بدل اشتمال أي: صدوا بلوغ الهدي محله اهـ.\rقوله: (موجودون) خبر المبتدأ. قوله: (بدل اشتمال من هم) عبارة السمين: قوله: أن تطؤوهم يجوز أن يكون بدلا من رجال ونساء وغلب الذكور كما تقدم وإن يكون بدلا من مفعول تعلموهم،","part":7,"page":223},{"id":2681,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 224\rبصفة الإيمان أَنْ تَطَؤُهُمْ أي تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح بدل اشتمال من هم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ أي إثم بِغَيْرِ عِلْمٍ منكم به، وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور، وجواب لو لا محذوف أي لأذن لكم في الفتح، لكن لم يؤذن فيه حينئذ لِيُدْخِلَ فالتقدير على الأول ولو لا وطء رجال ونساء غير معلومين، وتقدير الثاني لم تعلموا وطأهم والخبر محذوف تقديره: ولو لا رجال ونساء موجودون أو بالحضرة اهـ.\rقوله: فَتُصِيبَكُمْ أي: فيتسبب عن هذا الوطء أن تصيبكم منهم أي من جهتهم وبسببهم اهـ خطيب.\rوقوله: (إثم) كوجوب الدية والكفارة بقتلهم اهـ كرخي.\rأو المراد بالإثم حقيقته وهو الحرمة من حيث التقصير في عدم التأمل وتمييز المسلم من الكافر اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: فتصيبكم منهم أي: من جهتهم معرة مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار لكم بذلك والاثم بالتقصير في البحث عنهم، والمعرة مفعلة من عره إذا عراه ما يكرهه اهـ.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ (منكم به) أي: بالقتل وأشار بقوله: منكم إلى أن الجار والمجرور حال من الكاف في تصيبكم، وعبارة السمين: قوله: بغير علم يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لمعرة، وأن يكون حالا من مفعول تصيبكم اهـ.\rقوله: (و جواب لو لا محذوف) والمعنى لو لا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين حال كونكم جاهلين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم اهـ بيضاوي.\rوعبارة السمين: وفي جواب لو لا ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوف لدلالة جواب لو عليه.\rوالثاني: أنه مذكور وهو لعذبنا، وجواب لو لا هو المحذوف فحذف من الأول لدلالة الثاني ومن الثاني لدلالة الأول. والثالث: أن قوله لعذبنا جوابهما معا وهو بعيد إن أراد حقيقة ذلك، وقال الزمخشري قريبا من هذا، فإنه قال: ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير للو لا رجال مؤمنون لمرجعهما لمعنى واحد، ويكون لعذبنا هو الجواب، ومنع الشيخ رجوعهما لمعنى واحد قال: لأن ما تعلق به الأول غير ما تعلق به الثاني اهـ.\rقوله: (حينئذ) أي: عام الحديبية. قوله: لِيُدْخِلَ اللَّهُ الخ علة للاستثنائية التي قدرها بقوله:\rلكن لم يؤذن الخ كما أشار له السمين ونصه: قوله ليدخل اللّه الخ متعلق بمقدر أي: كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل اللّه الخ اهـ.\rوفي البيضاوي: ليدخل اللّه علة لما دل عليه كف الأيدي المفهوم من السياق عن أهل مكة صونا فيها من المؤمنين، أي: كان ذلك ليدخل اللّه في رحمته أي: في توفيقه لزيادة الخير في الإسلام من يشاء من مؤمنيهم أو مشركيهم اهـ.","part":7,"page":224},{"id":2682,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 225\rاللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كالمؤمنين المذكورين لَوْ تَزَيَّلُوا تميزوا عن الكفار لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها عَذاباً أَلِيماً (25) مؤلما\rإِذْ جَعَلَ متعلق بعذبنا الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الأنفة من الشيء حَمِيَّةَ وقوله: أي في توفيقه أشار به إلى أنه إن كان المراد بمن يشاء المؤمنين فالرحمة التي يريد أن يدخلهم فيها التوفيق لزيادة الخير والطاعة لا لأصله لئلا يكون تحصيلا للحاصل، وإن كان المراد به المشركين فالمراد بالرحمة الدخول في الإسلام اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: كالمؤمنين المذكورين أي: وكالمشركين لأنهم إذا شاهدوا مراعاة المسلمين ورحمة اللّه في شأن طائفة من المؤمنين بأن منع من تعذيب أعداء الدين بعد الظفر بهم لأجل اختلاطهم بهم رغبوا في مثل هذا الدين والانخراط في زمرة المؤمنين اهـ.\rقوله: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: تميزوا قاله العتبي، وقيل: لو تفرقوا قاله الكلبي، وقيل: لو زال المؤمنين من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف قاله الضحاك، ولكن اللّه يدفع بالمؤمنين عن الكفار. وقال علي رضي اللّه عنه: سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا، فقال:\r«هم المشركون أجداد نبي اللّه ومن كان بعدهم وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم مؤمنون، فلو تزيل المؤمنين عن أصلاب الكافرين لعذب اللّه تعالى الكافرين عذابا أليما» اهـ قرطبي.\rوفي المصباح: زاله يزاله وزان ناله يناله زيالا نحاه وأزاله مثله، ومنه لو تزيلوا أي: لو تميزوا بافتراق، ولو كان من الزوال وهو الذهاب لظهرت الواو فيه وزيلت بينهم فرقت وزايلته فارقته اهـ.\rقوله: لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ قال القاضي: بالقتل والسبي وهو الظاهر، لأن المراد من تعذيبهم التعذيب الدنيوي الذي هو تسليط المؤمنين عليهم وقتالهم، فإن عدم التمييز لا يوجب عدم عذاب الآخرة اهـ قاري.\rقوله: (من أهل مكة حينئذ) أي: حين إذ تميزوا اهـ شيخنا.\rقوله: (متعلق بعذبنا) عبارة السمين: العامل في الظرف إما لعذبنا أو صدوكم أو اذكر مقدرا فيكون مفعولا اهـ.\rقوله: فِي قُلُوبِهِمُ يجوز أن يتعلق على أنه بمعنى ألقى فيتعدى لواحد أي: إذ ألقى الكافرون في قلوبهم الحمية أي: أضمروها وأصروا عليها، وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان قدم على أنه بمعنى صير اهـ سمين.\rقوله: (الأنفة) بفتحتين أي: التكبر والتعاظم اهـ شهاب.\rقوله: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الحمية قبلها وهي فعلية وهي مصدر، يقال: حميت من كذا حمية وحمية الجاهلية هي التي مدارها مطلق المنع سواء كان بحق أم باطل، فتمنع من الإذعان للحق ومبناها على التشفي على مقتضى الغضب لغير اللّه، فتوجب تخطي حدود الشرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء. قال مقاتل: قال أهل مكة:","part":7,"page":225},{"id":2683,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 226\rالْجاهِلِيَّةِ بدل من الحمية وهي صدهم النبي وأصحابه عن المسجد الحرام فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فصالحوهم على أن يعودوا من قابل، ولم يلحقهم من الحمية ما لحق الكفار حتى يقاتلوهم وَأَلْزَمَهُمْ أي المؤمنين كَلِمَةَ التَّقْوى لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، وأضيفت إلى التقوى لأنها سببها وَكانُوا أَحَقَّ بِها بالكلمة من الكفار إنهم قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، فيتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنوفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم اهـ خطيب.\rقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ معطوف على شيء مقدر أي: فهم المسلمون أن يخالفوا كلام رسول اللّه في الصلح، ودخلوا من ذلك في أمر عظيم كادوا أن يهلكوا أو يدخل الشك في قلوبهم حتى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ثلاث مرات: «قوموا وانحروا ثم احلقوا» فما قام منهم رجل ظنا منهم أن الأمر للإباحة أو الاستحباب أو من باب الشورى في أمر الحرب، وأرادوا أن ينشطوا على الكفار، فأنزل اللّه سكينته الخ اهـ قاري.\rوفي أبي السعود: روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل الحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأحنف على أن يعرضوا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرجع من عامه ذلك على أن يخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتابا عليه الصلاة والسّلام لعلي رضي اللّه عنه: اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقالوا: ما نعرف هذا. اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل مكة، فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت وما قاتلناك. اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه أهل مكة، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «اكتب ما يريدوه» فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم، فأنزل اللّه السكينة عليهم فتوقروا وحملوا اهـ.\rقوله: (على أن يعودوا من قابل) أي: وعلى وضع الحرب عشر سنين. قال البراء: صالحوهم على ثلاثة أشياء على أن من أتاهم من المشركين مسلما ردوه إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم فيها ثلاثة أيام ولا يدخلها بسلاح وكتب بذلك كتابا، قيل: أمر عليا بكتابته، وقيل: كتبه بيده الشريفة ولم يكن يحسن الكتابة خرقا للعادة، فلما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا فو اللّه ما قام منهم أحد، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد لما حصل لهم من الغم قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا نبي اللّه اخرج ولا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج ففعل، فلما رأوا ذلك منه قاموا فنحروا وجعل يحلق بعضهم بعضا اهـ خازن.\rقوله: وَأَلْزَمَهُمْ أي: اختار لهم فهو الزام إكرام وتشريف، وقوله: كلمة التقوى أي من الشرك اهـ خطيب.\rقوله: وَكانُوا أَحَقَّ بِها أي: في علم اللّه لأن اللّه تعالى اختارهم لدينه اهـ كرخي.","part":7,"page":226},{"id":2684,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 227\rوَأَهْلَها عطف تفسيري وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26) أي لم يزل متصفا بذلك، ومن معلومه تعالى أنهم أهلها\rلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة وهو وأصحابه آمنين، ويحلقون ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما خرجوا معه وصدهم الكفار بالحديبية ورجعوا، وشق عليهم ذلك، وراب بعض المنافقين نزلت، وقوله بالحق متعلق بصدق أو حال من الرؤيا، وما بعدها تفسيرها لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ للتبرك آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ أي قوله: (تفسيري) أي: لا حق بها، أو الضمير في بها لكلمة التوحيد وفي أهلها للتقوى فلا تكرار، فلا يرد ما فائدة قوله وأهلها بعد قوله: أحق بها اهـ كرخي.\rقوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا أي: جعل رؤياه صادقة محققة ولم يجعلها أضغاث أحلام، وإن كان تفسيرها لم يقع إلا بعد ذلك في عمرة القضاء، وفي الخازن: أخبر تعالى أن الرؤيا التي أراها اللّه تعالى إياه في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام حق وصدق اهـ.\rوفي أبي السعود: ومعناه أراه الرؤيا الصادقة اهـ.\rوعبارة البيضاوي: لقد صدق رسول اللّه الرؤيا بالحق أي: صدقه في رؤياه اهـ.\rأي: حقق صدقها عنده، وفيه إشارة إلى أنه على الحذف والإيصال، والأصل في الرؤيا. وفي شارح الكرماني أن كذب يتعدى إلى مفعولين يقال: كذبني الحديث وكذا صدق كما في الآية، فعلى هذا لا حذف فيها لكنه غريب لأنه لم يعهد تعدي المخفف إلى مفعولين والمشدد إلى واحد اهـ شهاب.\rقوله: (وراب) أي: ارتاب بعض المنافقين، فقال عبد اللّه بن أبي، وعبد اللّه بن نفيل، ورفاعة بن الحرث: واللّه ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام اهـ أبو السعود.\rقوله: (متعلق بصدق الخ) عبارة السمين: قوله: بالحق فيه أوجه، أحدها: أن يتعلق بصدق.\rالثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: صدقا ملتبسا بالحق. الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا أي: ملتبسة بالحق. الرابع: أنه قسم، وجوابه: لتدخلن فعلى هذا يوقف على الرؤيا ويبتدأ بما بعدها اهـ.\rقوله: (للتبرك) أي: وتعليما للعباد وإشعارا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو غير ذلك اهـ قاري.\rفإن الذين حضروا عمرة القضاء كانوا سبعمائة، ومنهم من لم يحضر الحديبية، وعبارة البيضاوي: تعليق الوعد بالمشيئة تعليما للعباد وإشعارا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه اهـ.\rوهذا جواب عما يقال من أنه تعالى خالق للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها، فكيف وقع التعليق منه تعالى بالمشيئة، مع أن التعليق إنما يكون إذا كان المخبر مترددا وشاكا في وقوع المعلق،","part":7,"page":227},{"id":2685,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 228\rجميع شعورها وَمُقَصِّرِينَ بعض شعورها وهما حالان مقدرتان لا تَخافُونَ أبدا فَعَلِمَ في الصلح ما لَمْ تَعْلَمُوا من الصلاح فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي الدخول فَتْحاً واللّه منزه عن ذلك؟ فأجاب أولا: بأنه تعليم للعباد لكي يقولوا مثل ذلك وفيه أيضا تعريض بأن دخولهم مبني على مشيئة اللّه تعالى ذلك لا على جلادتهم وقوتهم، وهذا معنى ما قيل استثنى اللّه فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. ثانيا: بأن الموعود دخولهم جميعا وعلقه بمشيئته إشعارا بأن بعضهم لا يدخل، فكلمة إن ليست للشك بل للتشكيك. وثالثا: يمنع أن يكون التعليق من كلام اللّه، بل يجوز أن يكون من قبل الملك الذي ألقى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلام اللّه، وهو قوله: لندخل المسجد الحرام آمنين الخ، فعلى هذا لا يكون قوله لتدخلن استئنافا بل يكون تفسيرا للرؤيا، فإن ذلك الملك لما ألقى عليه السّلام في رؤياه هذا الكلام أدخل فيه هذه الكلمة تبركا، ولما رضي به تعالى ألقاه كذلك على لسان جبريل.\rورابعا: بأنه من كلام الرسول اهـ زاده.\rورد صاحب التقريب الجوابين الأخيرين بأنه كيف يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية، ويدفع بأن المراد أن جواب القسم بيان للرؤيا، وقائلها في المنام الملك، وفي اليقظة الرسول عليهما السّلام فهي في حكم المحكي في دقيق النظر كأنه قيل: وهي قول الملك أو الرسول لتدخلن، ولا يخفى أنه وإن صح النظم لا يدفع البعد اهـ شهاب.\rقوله: آمِنِينَ حال من الواو المحذوفة من لتدخلن لالتقاء الساكنين، أي: حال مقارنة للدخول والشرط معترض، والمعنى آمنين في حال الدخول لا تخافون عدوكم أن يخرجكم في المستقبل اهـ كرخي.\rوقول الشارح: حالان أي: من الواو المحذوفة أيضا أو من الضمير في آمنين، فهي مترادفة على الأول ومتداخلة على الثاني، وقوله: لا تخافون يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون حالا إما من فاعل لتدخلن، أو من الضمير في آمنين، أو في محلقين، أو في مقصرين، فإن كانت حالا من آمنين أو من فاعل لتدخلن فهي للتوكيد اهـ سمين.\rقوله: (مقدرتان) أي: فلا يرد أن حال الدخول هو حال الإحرام وهو لا يجامع الحلق والتقصير اهـ كرخي.\rقوله: لا تَخافُونَ (أبدا) أي: حتى بعد فراغ الإحرام، وأشار بهذا إلى أن قوله لا تخافون غير مكرر مع آمنين، وعبارة الخطيب: فإن قيل: قوله لا تخافون معناه غير خائفين، وذلك يحصل بقوله آمنين. وأجيب: بأنه فيه كمال الأمن، لأن التحلل من الاحرام لا يحرم القتال، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم فقال: لتدخلن آمنين وتحلقون ويبقى أمنكم بعد خروجكم من الاحرام اهـ.\rقوله: (من الصلاح) ككونكم لو لم تصالحوهم على تأخير الدخول إلى السنة القابلة، ودخلتم عليهم في هذه السنة عنوة بالمقابلة لوطئتم المؤمنين والمؤمنات بغير علم ولأصابتكم منهم معرة، والفاء في قوله: فعلم عاطفة على جملة لقد صدق اللّه الخ على أن المذكور بعدها كلام مرتب على ما","part":7,"page":228},{"id":2686,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 229\rقَرِيباً (27) هو فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل\rهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ أي دين الحق عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ على جميع باقي الأديان وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) أنك مرسل بما ذكر كما قال اللّه تعالى\rمُحَمَّدٌ مبتدأ رَسُولُ اللَّهِ خبره وَالَّذِينَ مَعَهُ أي أصحابه من المؤمنين مبتدأ خبره أَشِدَّاءُ غلاظ عَلَى الْكُفَّارِ لا يرحمونهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ خبر ثان، أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد تَراهُمْ تبصرهم رُكَّعاً سُجَّداً حالان يَبْتَغُونَ مستأنف يطلبون فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ قبلها في الذكر من غير أن يكون مضمون ما بعدها واقعا عقيب مضمون ما قبلها في الزمان اهـ زاده.\rقوله: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: من قبل ذلك فتحا قريبا أي ليقويكم به فإنه كان موجبا لإسلام كثير تقوى بهم المسلمون، فكان ذلك سببا لهيبة الكفار لهم مانعة من قتالهم حين رجع المسلمون العام القابل اهـ خطيب.\rقوله: (هو فتح خيبر) وقيل: هو صلح الحديبية، وقيل: هو فتح مكة اهـ قرطبي.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ الخ تأكيد لبيان تصديق اللّه رؤياه، لأنه لما كان مرسلا ليهدي إلى الحق لا يصح أن يريه في المنام خلاف الواقع فيحدث به الناس فيظهر خلافه فيكون سببا للضلال، وقوله: بالهدى المراد به القرآن أو المعجزات اهـ خطيب.\rوالباء للملابسة أو سببية اهـ بيضاوي.\rيعني أن الجار والمجرور حال من المفعول والتباسه بالهدى بمعنى أنه هاد اهـ شهاب.\rوقوله: ودين الحق أي دين الإسلام. قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي: ليعليه على الدين كله بنسخ ما كان حقا، وإظهار فساد ما كان باطلا، أو بتسليط المسلمين على أهله إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، وفي هذا تأكيد لما وعده من الفتح اهـ بيضاوي.\rقوله: (بما ذكر) أي: بالهدى ودين الحق، وقوله: كما قال اللّه تعالى أشار به إلى أن جملة محمد رسول اللّه مؤكدة لقوله: هو الذي أرسل رسوله الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (لا يرحمونهم) أي: لا تأخذهم بهم رأفة، بل هم معهم كالأسد على فريسته، لأن اللّه تعالى أمرهم بالغلظة عليهم فلا يرحمونهم، وعن الحسن، بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمس ثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه، ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التذلل وهذا التعطف، فيشددوا على من ليس من دينهم، ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام متعطفين بالبر والصلة والمعونة وكف الأذى والاحتمال منهم اهـ خطيب.\rقوله: تَراهُمْ رُكَّعاً الخ خبر آخر أو مستأنف اهـ أبو السعود.\rوقوله: حالان أي من مفعول تراهم اهـ كرخي.\rقوله: (مستأنف) أي: مبني على سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود، كأنه قيل:","part":7,"page":229},{"id":2687,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 230\rعلامتهم مبتدأ فِي وُجُوهِهِمْ خبره، وهو نور وبياض يعرفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ متعلق بما تعلق به الخبر أي كائنة، وأعرب حالا من ضميره المنتقل إلى الخبر ذلِكَ أي الوصف المذكور مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ مبتدأ وخبره وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ مبتدأ خبره كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ بسكون الطاء وفتحها فراخه فَآزَرَهُ بالمد ماذا يريدون بذلك؟ فقيل: يبتغون الخ اهـ أبو السعود.\rوقوله: فضلا أي ثوابا. قوله: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قيل: إن مواضع سجودهم يوم القيامة ترى كالقمر ليلة البدر، وقيل: هو صفرة الوجه من سهر الليل، وقيل: الخشوع حتى كأنهم. مرضى وما هم مرضى اهـ شهاب.\rوفي الخطيب: قال البقاعي: ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة سجود من جبهته، فإن ذلك من سيما الخوارج. عن ابن عباس، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود» اهـ خطيب.\rقوله: (من ضميره) أي: من ضمير ما تعلق به الخبر وهو كائنة، وقوله: إلى الخبر وهو الجار والمجرور اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الوصف المذكور) وهو كونهم أشداء رحماء سيماهم في وجوههم الخ اهـ كرخي.\rمثلهم: أي وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال اهـ أبو السعود.\rقوله: (مبتدأ) أي: مثلهم مبتدأ، وخبره في التوراة يعني والجملة خبر عن ذلك فهو مبتدأ أول، وأعرب السمين ذلك مبتدأ ومثلهم خبره في التوراة حالا من مثلهم والعامل معنى الإشارة اهـ.\rقوله: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ وخبره كزرع فيوقف على قوله في التوراة فهما مثلان، وإليه ذهب ابن عباس. والثاني: أنه معطوف على مثلهم الأول، فكون مثلا واحدا في الكتابين، ويوقف حينئذ على في الإنجيل، وإليه نحا مجاهد والفراء. ويكون قوله: كزرع على هذا فيه أوجه، أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي مثلهم كزرع فسّر به المثل المذكور في الإنجيل. الثاني: أنه حال من الضمير في مثلهم أي: مماثلين زرعا هذه صفته. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف أي تمثيلا كزرع ذكره أبو البقاء. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أو ضحت بقوله: كزرع، وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء اهـ سمين.\rقال قتادة: مثل أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر اهـ خطيب.\rقوله: (بسكون الطاء وفتحها) سبعيتان. وفي المختار: شطء الزرع والنبات فراخه، وقال الأخفش: طرفه. وأشطأ الزرع خرج شطؤه اهـ.\rوفي القاموس: الشطء فراخ النخل والزرع أو ورقه، وشطأ كمنع شطأ وشطوءا أخرجها ومن الشجر ما خرج حول أصله، والجمع أشطاء، وأشطؤ أخرجها والرجل بلغ ولده فصار مثله اهـ.","part":7,"page":230},{"id":2688,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 231\rوالقصر، قوّاه وأعانه فَاسْتَغْلَظَ غلظ فَاسْتَوى قوي واستقام عَلى سُوقِهِ أصوله جمع ساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أي زراعه لحسنه مثل الصحابة رضي اللّه عنهم بذلك، لأنهم بدؤوا في قلة وضعف، فكثروا وقووا على أحسن الوجوه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ متعلق بمحذوف دلّ قوله: (فراخه) بكسر الفاء جمع فرخ كفرع لفظا ومعنى. يقال: فرخ الزرع إذا تهيأ للانشقاق اهـ شهاب.\rوقال زاده: يقال أفرخ الزرع وفرخ إذا تشقق وخرج منه فرعه، فأول ما ينبت يكون بمنزلة الأم، وما تفرع منه بمنزلة أولاده وأفراخه، والفرخ في الأصل ولد الطائر اهـ.\rقوله: (فآزره) أصله أأزره بوزن أكرمه فمضارعه يؤزر بوزن يكرم، لكن قلبت الهمزة الثانية في الماضي ألفا للقاعدة المشهورة، وأما أزره بالقصر فهو ثلاثي كضربه يضربه ومعناه أعانه وقواه اهـ شيخنا.\rوالضمير المستتر في آزر للزرع والبارز للشطء اهـ زاده.\rوما صنعه النسفي أنسب، فإن العادة أن الأصل يتقوى بفرعه فهي تعينه وتقويه اهـ شيخنا.\rقوله: (بالمد والقصر) سبعيتان كآجره في أجره. قوله: (غلظ) أي: فهو من باب استحجر الطين، ويحتمل أن يراد المبالغة في الغلظة كما في استعصم ونحوه، وإيثار الأول لأن بناء الساق على التدريج اهـ كرخي.\rقوله: عَلى سُوقِهِ متعلق باستوى، ويجوز أن يكون حالا أي كائنا على سوقه أي قائما عليها اهـ سمين.\rقوله: (أصوله) أي قضبانه. قوله: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ حال أي: حال كونه معجبا وهنا تم المثل اهـ سمين.\rقوله: (مثل الصحابة) أي في الإنجيل. قوله: (فكثروا) مأخوذ من قوله: أخرج شطأه، وقوله:\rوقووا مأخوذ من قوله فآزره فاستغلظ وقوله: على أحسن الوجوه مأخوذ من قوله: فاستوى على سوقه يعجب الزراع اهـ شيخنا.\rوفي الكشاف: هذا مثل ضربه اللّه لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قام وحده ثم قواه اللّه بمن معه كما يقوي الطبقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، وهذا ما قاله البغوي من أن الزرع محمد، والشطء أصحابه والمؤمنون، فجعل التمثيل له ولأمته، والمصنف جعله للصحابة فقط، ولكل وجهة، وعن بعض الصحابة أنه لما قرأ هذه الآية قال: تم الزرع وقد دنا حصاده اهـ شهاب.\rقوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وقوتهم كأنه قيل: إنما قواهم وكثرهم ليغيظ بهم الكفار، وإليه أشار الشيخ المصنف في التقرير حيث قال: أي شبهوا بذلك، وتبع فيه الكشاف أو متعلق بوعد، لأن الكفار إذا سمعوا بعز المؤمنين في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة","part":7,"page":231},{"id":2689,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 232\rعليه ما قبله، أي شبهوا بذلك وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ أي الصحابة ومن لبيان الجنس لا للتبعيض، لأنهم كلهم بالصفة المذكورة مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) الجنة، وهما لمن بعدهم أيضا في آيات.\rغاظهم ذلك، أو بما يدل عليه قوله أشداء على الكفار الخ. أي: جعلهم بهذه الصفات ليغيظ الخ اهـ كرخي.\rقوله: (لا للتبعيض) أي: كما قاله بعضهم محتجا بالآية على الطعن في بعض الصحابة اهـ شهاب.\rقوله: (لمن بعدهم) أي بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، وقوله: في آيات متعلق بالاستقرار في قوله: لمن بعدهم أي ثبتا في آيات لمن بعد الصحابة كقوله تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: 21] إلى قوله: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد: 21] اهـ شيخنا.\rخاتمة:\rقد جمعت هذه الآية، وهي محمد رسول اللّه إلى آخر السورة جميع حروف المعجم، وفي ذلك بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم رضي اللّه عنهم، واحشرنا معهم نحن ووالدينا ومحبينا وجميع المسلمين بمنه وكرمه. وهذا آخر القسم الأول من القرآن وهو المطول، وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وحاصلهما الفتح بالسيف والنصر على من قاتله ظاهرا، كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له صلّى اللّه عليه وسلّم بالحال على من قصده بالضر باطنا اهـ خطيب.","part":7,"page":232},{"id":2690,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 233\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الحجرات مدنية وهي ثمان عشر آية\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا من قدم بمعنى تقدم أي لا تتقدموا بقول ولا فعل بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مدنية) بالإجماع اهـ قرطبي.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذكر هذا اللفظ في هذه السورة خمس مرات والمخاطب فيها المؤمنون، والمخاطب به أمر أو نهي وذكر فيها يا أيها الناس مرة، والخطاب فيها يعم المؤمنين والكافرين كما أن المخاطب به وهو قوله: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الحجرات: 13] يعمهما فناسب فيها ذكر الناس اهـ كرخي.\rقوله: (من قدم بمعنى تقدم) عبارة السمين: العامة على ضم وفتح القاف وتشديد الدال مكسورة وفيها وجهان، أحدهما: أنه متعد وحذف مفعوله إما اقتصارا كقولهم: هو يعطي ويمنع وكلوا واشربوا، وإما اختصارا للدلالة عليه أي: لا تقدموا ما لا يصح. والثاني: أنه لازم نحو وجه وتوجه، ويعضده قراءة ابن عباس والضحاك لا تقدموا بالفتح في الأحرف الثلاثة، والأصل لا تتقدموا فحذفت إحدى التاءين، وقرئ لا تقدموا بضم التاء وكسر الدال من أقدم أي لا تقدموا على شيء اهـ.\rقوله: (بقول ولا فعل) مثال القول ما ذكره في سبب النزول، ومثال الفعل ما قيل في سبب النزول أيضا من أنهم ذبحوا يوم النحر قبل رسول اللّه. وفي الخطيب: واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال الشعبي، عن جابر: إنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، أي: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك أن ناسا ذبحوا قبله صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، وقال: من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء. وعن مسروق، عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك أي:\rلا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم، وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين أي: لا تقطعوا أمرا دون اللّه ورسوله. قال الرازي: والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة اهـ.\rقوله: بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ جرت هذه العبارة هنا على سنن من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا أي: استعارة تمثيلية. شبه تعجل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من","part":7,"page":233},{"id":2691,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 234\rوَرَسُولِهِ المبلغ عنه أي بغير إذنهما وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولكم عَلِيمٌ (1) بفعلكم، نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن أمور الدين بغير إذن اللّه ورسوله بحالة من تقدم بين يدي متبوعه إذا سار في طريق، فإنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملا في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض تصوير كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن اللّه ورسوله، ومثله قوله تعالى في حق الملائكة:\rلا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: 27] أصله لا يسبق قولهم قوله، فنسب السبق إليهم وجعل القول محله تنبيها على استهجان السبق المعرض به للقائلين على اللّه ما لم يقله، أو المراد بين يدي رسول اللّه، وذكر لفظ اللّه تعظيما للرسول وإشعارا بأنه من اللّه بمكان يوجب إجلاله، وعلى هذا فلا استعارة، وإليه يميل كلام الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rوفي الشهاب: في هذا الكلام تجوزان، أحدهما في بين اليدين فإن حقيقته ما بين العضوين فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين اليمين والشمال القريبتين منه بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما، فهو من المجاز المرسل، ثم استعير الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته تصويرا لهجنته وشناعته بصورة المحسوس كتقدم الخادم بين يدي سيده في مسيره، فنقلت العبارة الأولى بما فيها من المجاز إلى ما ذكر على ما عرف في أمثاله، هذا محصل ما في الكشاف وشروحه اهـ.\rوفي الخطيب: بين يدي اللّه ورسوله معناه بحضرتهما، لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه ناظر إليه، وحقيقته: جلست بين يدي فلان أي نجلس بين الجبهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع اهـ.\rوفي الخازن: والمعنى لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول اللّه أو قبل أن يفعل اهـ.\rوفي البيضاوي: والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكم اللّه ورسوله به اهـ.\rوقطع الأمر الجزم به والجرأة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن اهـ شهاب.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في التقدم الذي نهى عنه أو في مخالفة الحكم المنهي عنه اهـ كرخي.\rقوله: (على النبي) الأولى أن يقول عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ففي الحديث أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطلبوا أن يؤمر عليهم واحدا منهم، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر:\rبل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا أي تخاصما حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت اهـ قاري.\rوقول عمر: ما أردت خلافك أي: ما أردت مخالفتك تعنتا، وإنما أردت أن تولية الأقرع في هذا المكان أصلح ولم يظهر لك ذلك، فأمرت بتولية غيره اهـ شبر املسي على المواهب.\rوقول القاري: فنزلت أي هذه الآيات الخمس آخرها قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ","part":7,"page":234},{"id":2692,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 235\rمعبد. ونزل فيمن رفع صوته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إذا نطقتم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ إذا نطق وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ إذا ناجيتموه كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ بل دون ذلك الآية كما أشار له البخاري، وصرح به القرطبي حيث قال بعد ما ذكر السبب المذكور: فنزل في ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا إلى قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ الآية. فكلها نزلت بسبب وفد تميم، فقول الشارح: ونزل فيمن رفع صوته كأبي بكر وعمر في القصة المذكورة، وقوله:\rونزل فيمن كان يخفض صوته عند النبي الخ، أي: بسبب ما وقع من أبي بكر وعمر من رفع صوتهما في القصة المذكورة حيث ترتب عليه نزول النهي عن رفع الصوت، فصارا يخفضان صوتهما عند النبي، وقوله: ونزل في قوم الخ وهم وفد تميم الذين تكلم في شأنهم أبو بكر وعمر فليتأمل. فتلخص أنه لما اختلف أبو بكر وعمر في تأمير الأمير على الوفد المذكور، ولم يصبروا حتى يكون رسول اللّه هو الذي يشير بذلك نزل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية. ولما رفعا أصواتهما في تلك القضية نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية. ولما خفضا أصواتهما بعد ذلك نزل: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ الآية. ولما نادى الوفد المذكور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات نزل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الحجرات: 4] الآيتين تأمل. قوله: (و نزل فيمن رفع صوته الخ) كأبي بكر وعمر في القصة المذكورة كالوفد المذكور فإنهم رفعوا أصواتهم أيضا اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الخ في إعادة النداء فوائد، منها: أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان: 13] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ [لقمان: 16] الخ يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان: 17] لأن النداء تنبيه للمنادى ليقبل على استماع الكلام، ويفهم ما له منه فإعادته تفيد تجدد ذلك، ومنها: أن لا يتوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا، فإن من الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو، فإذا أعاد مرة أخرى وقال: يا زيد قل كذا وقل كذا يعلم أن المخاطب أولا هو المخاطب ثانيا، ومنها: أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني تأكيدا للأول، كقولك: يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق، فإنه لا يحسن أن تقول يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين اهـ خطيب.\rقوله: (إذا نطقتم) أي: تكلمتم، وقوله: إذا أنطق أي تكلم.\rقوله: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ الخ لما كانت هذه الجملة كالمكررة مع ما قبلها مع أن العطف يأباه أشار المصنف كالكشاف إلى أن المراد بالأول إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم حدا يبلغه صوته، بل يكون كلامكم دون كلامه ليتميز منطقه، والمراد بهذا أنكم إذا كلمتموه وهو صامت فلا ترفعوا أصواتكم كما ترفعونها فيما بينكم فحصل التغاير. والبيضاوي: لما رأى أن تخصيص الأول بمكالمته معهم، والثاني بسكوته خلاف الظاهر، لأن الأول نهى عن أن يكون جهرهم أقوى من جهره كما هو صريح قوله فوق صوت النبي، وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره عدل عنه، فحمل الأول على النهي عن زيادة صوتهم على صورته والثاني: على مساواة صوتهم لصوته فحصل التغاير أيضا بهذا الاعتبار اهـ من الشهاب.","part":7,"page":235},{"id":2693,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 236\rإجلالا له أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) أي خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين، ونزل قوله: (إذا ناجيتموه) أي: كلمتموه. قوله: (بل دون ذلك) راجع لكل من النهيين أي: بل اجعلوا أصواتكم دون ذلك، أي: دون صوته ودون جهر بعضكم لبعض، وقوله: (إجلالا له) تعليل ما تضمنه قوله بل دون ذلك اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ في المختار: حبط عمله بطل ثوابه وبابه فهم وحبوطا أيضا اهـ.\rقوله: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي: بحبوطها اهـ بيضاوي.\rقوله: (أي خشية ذلك الخ) أشار به إلى أن تحبط على حذف مضاف أي: خشية الحبوط، والخشية منهم وقد تنازعه لا ترفعوا وتجهروا، فيكون مفعولا لأجله للثاني عند البصريين، وللأول عند الكوفيين، والأول أصح لأن إعمال الأول يستلزم الإضمار في الثاني اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: وقوله أن تحبط أعمالكم إما علة للنهي أي لا تجهروا خشية أن تحبط، أو كراهة أن تحبط كما في قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176] أو للمنهي أن لا تجهروا لأجل الحبوط، فإن الجهر حيث كان بصدد الأداء إلى الحبوط، فكأنه فعل لأجله على طريقة التمثيل كقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] اهـ.\rقوله: (بالرفع والجهر) الباء سببية متعلقة باسم الإشارة لأنه واقع على الحبوط، فكأنه قال: أي خشية الحبوط بسبب الجهر والرفع، لأن في الرفع والجهر استخفافا به قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة اهـ قاري.\rروى أنه لما نزل هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا رفيع الصوت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار. فمضى عاصم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد اللّه بن أبي ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي عليّ الضبة بمسمار فضربته بمسمار فأتى عاصم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره خبره قال: اذهب فادعه لي فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعوك، فقال: اكسر الضبة فأتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال: أنا صيّت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة». فقال: رضيت ببشرى اللّه ورسوله لا أرفع صوتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبدا، فأنزل اللّه:\rإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ الآية. قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار وانهزمت طائفة منهم.\rقال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء اللّه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلانا رجل من المسلمين نزع درعي فذهب به وهي في ناحية من العسكر عند فرس يستن في طوله، وقد وضع على درعي برمة، فأت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر","part":7,"page":236},{"id":2694,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 237\rفيمن كان يخفض صوته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كأبي بكر وعمر وغيرهما رضي اللّه عنهم\rإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اختبر اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي لتظهر منهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) الجنة، ونزل في قوم جاؤوا وقت الظهر والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في منزله فنادوه\rإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ حجرات نسائه صلّى اللّه عليه وسلّم جمع حجرة وهي ما يحجر عليه من الأرض خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقل له: إن عليّ دينا حتى يقضي عني وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدا فوجد الدرع والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيته. قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه اهـ خازن.\rقوله: (فيمن كان يخفض صوته) أي: مخافة من مخالفة النهي السابق.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ الخ قال أبو هريرة، وابن عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا كأخي السرار وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك فيسمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أي: يخفضون أصواتهم عند رسول اللّه أي: إجلالا له صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيما اهـ خازن.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ الخ يجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين خبره، والجملة خبره إن، ويكون لهم مغفرة جملة أخرى إما مستأنفة وهو الظاهر وإما حال، ويجوز أن يكون الذين امتحن صفة لأولئك أو بدلا منه أو بيانا ولهم مغفرة جملة خبرية، ويجوز أن يكون لهم هو الخبر وحده ومغفرة فاعل به اهـ سمين.\rقوله: امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ الامتحان افتعال من محنت الأديم محنا حتى أوسعته، فمعنى امتحن اللّه قلوبهم للتقوى وسعها وشرحها للتقوى اهـ قرطبي.\rوفي القاموس: محنه كمنعه اختبره كامتحنه والاسم المحنة كالكسر اهـ.\rقوله: (أي لتظهر منهم) أي: فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار على أنواع المحن والتكاليف الشاقة، فالاختبار بالمحن سبب لظهور التقوى لا سبب للتقوى نفسها كما لا يخفى، فهو من إطلاق السبب على المسبب، ويجوز أن يكون تمثيلا شبه خلوص قلوبهم عن شوائب الكدورات النفسانية ونصوع دواعيهم على اللذات الشهوانية بعد طول المجاهدات ومقاساة المكابدات بخلوص الذهب الإبريز الذي عرض على النار ونقي من الخبث والزبد الذي يذهب جفاء. قال الواحدي: تقرير الكلام امتحن اللّه قلوبهم فأخلصها للتقوى فحذف الاخلاص لدلالة الامتحان عليه، ولهذا قال قتادة: أخلص اللّه قلوبهم اهـ.\rوهذا الوجه أنسب، لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة الكرام أو في التعريض بمن ليسوا على وصفهم، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة وأنتم لا تشعرون، وفي فاصلة اللاحقة أكثرهم لا يعقلون اهـ كرخي.\rقوله: (و نزل في قوم) أي: من بني تميم على ما سيأتي.\rقوله: مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أي: من خارجها خلفها أو قدامها، لأن وراء من الأضداد يكون","part":7,"page":237},{"id":2695,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 238\rبحائط ونحوه، كأن كل واحد منهم نادى خلف حجرة، لأنهم لم يعلموه في أي حجرة، ومناداة الأعراب بغلظة وجفاء أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) فيما فعلوه محلك الرفيع وما يناسبه من بمعنى خلف وبمعنى قدام ومن ابتدائية اهـ بيضاوي.\rوقوله: خلفها أو قدامها الذي صرح به القرطبي أنهم نادوا من المسجد فيكونون قدامها لأن أبوابها كانت تفتح في المسجد ونصه: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم قدم وفد منهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وذمنا شين، وكانوا سبعين رجلا قدموا لفداء ذراري لهم، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نام للقائلة، وقال مقاتل: كانوا تسعة نفر، قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع ابن وكيع، وعيينة بن حصن وهو الأحمق المطاع. وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال هم جفاة بني تميم: لو لا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت اللّه عليهم أن يهلكهم، وقيل: كانوا جاؤوا شفعاء في أسارى بني عنبر، فأعتق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصفهم وفادى النصف ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء اهـ.\rوعبارة الخازن: قال ابن عباس: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سرية إلى بني العنبر، وأمّر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم فسباهم عيينة وقدم بهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجاءه بعد ذلك رجالهم يفتدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلا في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهضوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكل امرأة من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حجرة فعجلوا أن يخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، فنزل عليه جبريل فقال:\rإن اللّه يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو وهو على دينكم؟» قالوا: نعم، قال شبرمة: أنا لا أحكم وعمرو شاهد وهو الأعور بن بشامة فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فأنزل اللّه عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ الآية، اهـ.\rقوله: (ما يحجر عليه) أي: يحوط عليه لمنعه من الدخور، فالحجرة القطعة من الأرض المحجورة بحائط أو نحوه فهي فعلة بمعنى مفعوله كالغرفة والقبضة اهـ بيضاوي.\rقوله: (كأن كل واحد منهم الخ) هذه الصيغة لا جزم فيها، لأن المقام مقام تردد، وعبارة البيضاوي: ومناداتهم من وراء الحجرات إما بأنهم أتوها حجرة حجرة، فنادوه من ورائها أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، فنادى كل واحد على حجرة، انتهت.\rقوله: (مناداة الاعراب) معمول لينادونك. قوله: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ المراد بالأكثر الكل، لأن العرب قد تفعل هكذا أي تذكر الأكثر وتريد الكل اهـ شيخنا.\rقوله: (محلك الرفيع) معمول ليعقلون، وفي نسخة بمحلك الرفيع معمول لفعلوه، فالمحل على الأول المكانة، وعلى الثاني المحسوس وهو داره ومكانه اهـ شيخنا.","part":7,"page":238},{"id":2696,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 239\rالتعظيم\rوَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا أنهم في محل رفع بالابتداء، وقيل: فاعل بفعل مقدر أي ثبت حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) لمن تاب منهم ونزل في الوليد بن عقبة، وقد بعثه قوله: أَنَّهُمْ (في محل رفع بالابتداء) هو قول سيبويه ولا يحتاج إلى خبر لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه اهـ قازي.\rوعبارة الكرخي: والخبر محذوف فإنه يحذف وجوبا بعد لو، كما نقله ابن هشام عن أكثر البصريين، وتقدم في سورة البقرة لو أنه مبتدأ لا خبر له اكتفاء بجريان المسند والمسند إليه كما نقله ابن عصفور عن البصريين، وزعم أنه لا يحفظ عنهم غيره وهو قضية سكوت الشيخ المصنف عنه، انتهت.\rقوله: (أي ثبت) أي صبرهم وانتظارهم، وهذا قول المبرد والزجاج والكوفيين، ورجح بأن فيه إبقاء لو على الاختصاص بالفعل ولذا اقتصر القاضي عليه اهـ قاري.\rقوله: لَكانَ أي الصبر خيرا لهم أي: من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب اهـ كرخي.\rقال أبو عثمان: الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى اهـ خطيب.\rقوله: (و نزل في الوليد بن عقبة الخ) عبارة الخطيب: واختلف في سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الخ. فقال أكثر المفسرين: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعثه إلى بني المصطلق بعد الوقعة معهم واليا مصدقا، أي: يأخذ منهم الصدقة، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه، فأتوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا رسول اللّه! سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق اللّه فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما ردّه من الطريق كتاب جاء منك فغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ باللّه من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكره، وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر منهم ذلك فافعل فيهم ما تفعل في الكفار، ففعل ذلك خالد ووافاهم عند الغروب فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، ووجدهم مجتهدين أي باذلين وسعهم ومجهودهم في امتثال أمر اللّه، فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، وانصرف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره الخبر فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ الآية. وقال الراوي: هذا ضعيف لأن اللّه تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينقل عنه أنه قال: وردت الآية لبيان ذلك فقط. غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول الآية، ومما يصدق ذلك ويؤيده أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطىء لا يسمى فاسقا، فكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ","part":7,"page":239},{"id":2697,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 240\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني المصطلق مصدقا فخافهم لترة كانت بينه وبينهم في الجاهلية، فرجع وقال:\rإنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله، فهمّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغزوهم، فجاؤوا منكرين ما قاله عنهم\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ خبر فَتَبَيَّنُوا صدقه من كذبه، وفي قراءة فتثبتوا من الثبات أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً مفعول له أي خشية ذلك بِجَهالَةٍ حال من الفاعل أي جاهل فَتُصْبِحُوا تصيروا عَلى ما فَعَلْتُمْ من الخطإ بالقوم نادِمِينَ (6) وأرسل صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالدا، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير، فأخبر النبي بذلك\rوَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فلا تقولوا الباطل، الْفاسِقِينَ [المنافقون: 6] وقوله تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50] وقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ [السجدة: 20] الآية إلى غير ذلك اهـ.\rوقال ابن الخازن في تفسيره: وقيل: هو عام نزلت لبيان التثبت وترك الاعتماد على قول الفاسق، وهذا أولى من حمل الأولى على رجل بعينه، انتهت.\rقوله: (مصدقا) بتخفيف الصاد أي ليأخذ الصدقات، وفي المختار: الصدق ضد الكذب، وقد صدق في الحديث يصدق بالضم صدقا، ويقال أيضا: صدق الحديث وتصادقا في الحديث وفي المودة، والمصدق الذي يصدقك في حديثك والذي يأخذ صدقات الغنم، والمتصدق الذي يعطي الصدقة، وقوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ [الحديد: 18] بتشديد الصاد أصله المتصدقين قلبت التاء صادا وأدغمت في مثلها اهـ.\rقوله: (لترة) بكسر التاء وفتح الراء أي: عداوة اهـ كرخي.\rوتقدم لهذا المعنى مزيد بيان في قوله تعالى: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ [محمد: 35] اهـ.\rقوله: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ سماه فاسقا تنفيرا وزجرا عن المبادرة والاستعجال إلى الأمر من غير تثبت كما فعل هذا الصحابي الجليل، لكنه مؤول ومجتهد فيما فعله فليس فاسقا حقيقة اهـ شيخنا.\rقوله: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً أي: بالقتل والسبي اهـ خازن.\rقوله: (أي خشية ذلك) قدر المضاف اختيارا لمذهب البصريين، والكوفيون يقدرون لئلا تصيبوا اهـ كرخي.\rقوله: نادِمِينَ أي: مغتمين غما لازما، فالندم غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام على ما وقع مع تمني أنه لم يقع اهـ كرخي.\rقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ أي: لا تكذبوا عليه، فإن اللّه يعلمه أنباءكم فتفتضحون، وقوله: لو يطيعكم الخ معنى طاعة الرسول لهم الائتمار بما يأمرونه فيما يبلغونه عن الناس والسماع منهم اهـ قرطبي.\rوأن بما في حيزها سادة مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله: لو يطيعكم الخ، فإنه حال من الضمير المجرور في فيكم أو المرفوع المستتر فيه، والمعنى أنه فيكم كائنا على حالة","part":7,"page":240},{"id":2698,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 241\rفإن اللّه يخبره بالحال لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ الذي تخبرون به على خلاف الواقع فيرتب على ذلك مقتضاه لَعَنِتُّمْ لأثمتم دونه إثم التسبب إلى المرتب وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ حسنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ استدراك من حيث المعنى دون اللفظ، لأن من حبب إليه الإيمان الخ، غايرت صفته صفة من تقدم ذكره أُولئِكَ هُمُ فيه التفات عن الخطاب الرَّاشِدُونَ (7) الثابتون على دينهم\rفَضْلًا مِنَ اللَّهِ مصدر منصوب بفعله المقدر أي أفضل يجب تغييرها أو كائنين على حالة كذلك، وهي أنكم تودون أن يتبعكم في كثير من الحوادث ولو فعل ذلك لوقعتم في الجهل والهلاك، وفيه إيذان بأن بعضهم زيّن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقع في بني المصطلق وأنه لم يطع رأيهم. هذا ويجوز أن يكون لو يطيعكم مستأنفا، إلا أن الزمخشري منع هذا الاحتمال لأدائه إلى تناقض النظم ولا يظهر ما قاله بل الاستئناف واضح أيضا، وأتى بالمضارع بعد لو دلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يريدون اهـ سمين وأبو السعود.\rقوله: (فيرتب على ذلك مقتضاه) لما كان في الملازمة خفاء أشار إلى إيضاحها بتقدير هذه الجملة، وقوله: دونه أي فلا يأثم بعذره، وقوله: إثم التسبب أي: لا إثم الفعل لأنكم لم تفعلوا، وقوله: إلى المرتب أي الذي يرتبه النبي على إخباركم ويفعله كقتال بني المصطلق اهـ شيخنا.\rقوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أي: الكامل وهو عبارة عن التصديق بالجنان والاقرار باللسان والعمل بالاركان، وإذا حبب إليهم هذا الإيمان المستجمع للخصال الثلاث لزم كراهتهم لأضدادها، فلذلك قال: وكره إليكم الكفر الذي هو التكذيب، وهذا في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق الذي هو الكذب كما قاله ابن عباس، وهذا في مقابلة الاقرار باللسان الصادق والعصيان الذي هو المعاصي، وهذا في مقابلة العمل الصالح بالأركان اهـ من الخطيب بإيضاح.\rقوله: (استدراك من حيث المعنى الخ) فيه إشارة إلى وجه الارتباط بينه وبين ما قبله ويوضحه قول الكشاف، فإن قلت: كيف موقع لكن وشرطيتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟\rقلت: هي مفقودة من حيث اللفظ حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم، فوقعت لكن في موضعها من الاستدراك اهـ كرخي.\rوهذا مبني على تقدير أن يكون المخاطبون بقوله: لو يطيعكم من اعتمد على نبأ الفاسق إلى العمل بمقتضاه، ويكون المخاطبون بقوله: حبب إليكم الإيمان المؤمنين الكاملين الذين لم يعتمدوا على كل ما سمعوه اهـ زاده.\rويؤيده ما في القرطبي ونصه: ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يخبرونه بالباطل أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم وزينه بتوفيقه في قلوبكم أي: حسنه إليكم حتى اخترتموه اهـ.\rقوله: (مصدر منصوب بفعله المقدر) عبارة السمين: يجوز أن ينتصب على المفعول من أجله وفيما ينصبه وجهان، أحدهما: قوله ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان، وعلى هذا فما بينهما اعتراض من","part":7,"page":241},{"id":2699,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 242\rوَنِعْمَةً منه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بهم حَكِيمٌ (8) في إنعامه عليهم\rوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الآية، نزلت في قضية هي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ركب حمارا ومرّ على ابن أبيّ فبال الحمار، فسدّ ابن أبيّ أنفه، فقال ابن رواحة: واللّه لبول حماره أطيب من مسكك، فكان بين قوميهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف اقْتَتَلُوا جمع نظرا إلى المعنى، لأن كل طائفة جماعة، وقرئ اقتتلتا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ثني نظرا إلى اللفظ فَإِنْ بَغَتْ تعدت إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى قوله: أولئك هم الراشدون. والثاني: أنه الراشدون ويجوز أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنها فضلة أيضا، إلا أن ابن عطية جعله من المصدر المؤكد لنفسه، انتهت.\rقوله: (أي أفضل) في المختار: وأفضل عليه وتفضل بمعنى اهـ.\rوعلى هذا فقول الشارح مصدر الخ فيه نوع مسامحة إذ مصدر أفضل إفضال ففضل اسم مصدر له اهـ شيخنا.\rقوله: (هي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ركب حمارا الخ) عبارة الخازن: روى الشيخان عن أسامة بن زيد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمار عليه أكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: فسار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى مرّ على مجلس فيه عبد اللّه ابن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد اللّه بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد اللّه بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغير علينا فسلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى اللّه تعالى وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد اللّه بن أبي ابن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد اللّه بن رواحة: بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فما لبث المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتحاربون، فلم يزل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دابته وذكر الحديث، انتهت.\rقوله: (و مرّ على ابن أبي) وكان من الخزرج، وقوله: فقال ابن رواحة وكان من الأوس اهـ.\rقوله: (فسد ابن أبي أنفه) أي: وقال إليك عني واللّه لقد آذاني نتن حمارك اهـ خازن.\rقوله: (فكان بين قوميهما) وهما الأوس والخزرج اهـ.\rقوله: (و السعف) هو جريد النخل إذا كان عليه الخوص، فإن كان مجردا منه قيل له عسيب اهـ شيخنا.\rقوله: (و قرئ اقتتلتا) أي: شاذا.\rقوله: فَإِنْ بَغَتْ أي: تعدت إحداهما على الأخرى أي: لم تتأثر بالنصيحة وأبت الإجابة إلى حكم كتاب اللّه، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء أي: ترجع إلى أمر اللّه أي: إلى كتابه الذي جعله حكما بين خلقه، وقيل: ترجع إلى طاعته في الصلح الذي أمر به، فإن فاءت أي: رجعت إلى الحق فأصلحوا","part":7,"page":242},{"id":2700,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 243\rتَفِيءَ نرجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ الحق فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بالإنصاف وَأَقْسِطُوا اعدلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)\rإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا تنازعا وقرئ إخوتكم بالفوقانية وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ الآية، نزلت في بينهما بالعدل، أي الذي يحملهما على الانصاف والرضا بحكم اللّه، وأقسطوا أي اعدلوا إن اللّه يحب المقسطين أي العادلين اهـ خازن.\rقوله: حَتَّى تَفِيءَ يجوز أن تكون حتى هنا للغاية فالنصب بأن مضمرة بعدها، أي: إلى أن ويجوز أن تكون بمعنى كي فتكون للتعليل، والأول كما قال بعضهم هو الظاهر المناسب لسياق الآية اهـ كرخي.\rقوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ أي: بالنصح والدعاء إلى حكم اللّه، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر اهـ كرخي.\rقوله: (بالانصاف) لما كان العدل مقولا بالاشتراك نبه على المراد به هنا وتقييد الصلح هنا بالعدل، لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة وهي تورث الحقد في الغالب اهـ كرخي.\rقوله: (اعدلوا) أشار به إلى أن أقسط الرباعي معناه العدل وهمزته للسلب أي: أزيلوا الجور بخلاف قسط الثلاثي فمعناه الجور يقال: قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل. قال تعالى: وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15] وهذا هو المشهور خلافا للزجاج في جعلهما سواء اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ استئناف مقرر لما قبله من الأمر بالإصلاح، والفاء في قوله فأصلحوا بين أخويكم للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح اهـ أبو السعود.\rقوله: (في الدين) أي: من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية اهـ كرخي.\rقوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وضع الظاهر موضع المضمر مضافا إلى المأمورين بالإصلاح للمبالغة في التقرير والتحضيض، وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين اهـ كرخي.\rقوله: (و قرئ (؟ إخوتكم)) أي: شاذا. وهذه القراءة تدل على أن قراءة التثنية معناها الجماعة اهـ كرخي.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي: على تقواكم، ولعل من اللّه في هذا المقام إطماع من الكريم الرحيم إذ الإطماع فعل ما يطمع فيه لا محالة اهـ كرخي.\rقوله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ الخ في المصباح: سخرت منه سخرا من باب تعب هزأت به،","part":7,"page":243},{"id":2701,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 244\rوفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين، كعمار وصهيب، والسخرية الازدراء والاحتقار قَوْمٌ أي رجال منكم مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ عند اللّه وَلا نِساءٌ منكم مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ والسخري بالكسر اسم منه والسخري بالضم لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرته من خادم أو دابة بلا أجر ولا ثمن، والسخري بالضم بمعناه، وسخرته في العمل بالتنقيل استعملته مجانا وسخر اللّه الإبل ذللها وسهلها اهـ.\rوفيه أيضا: لمزه لمزا من باب ضرب عابه، وقرأ به السبعة ومن باب قتل لغة وأصله الإشارة بالعين ونحوها اهـ.\rوفيه أيضا: نبزه نبزا من باب ضرب لقبه، والنبز اللقب تسمية بالمصدر وتنابزوا نبز بعضهم بعضا اهـ.\rقوله: (نزلت في وفد تميم الخ) عبارة القرطبي: اختلف في سبب نزولها، فقال ابن عباس:\rنزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، فإذا سبقوه إلى مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما انصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ أصحابه مجالسهم منه، فصف كل رجل بمجلسه وغضوا عنه فلا يكاد يوسع أحد لأحد حتى يظل الرجل لا يجد مجلسا فيظل قائما، فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطّى رقاب الناس وهو يقول تفسحوا تفسحوا، ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبينه وبينه رجل، فقال له:\rتفسح، فقال الرجل: قد وجدت مجلسا فاجلس فيه، فجلس ثابت بن قيس من خلفه مغضبا ثم قال:\rمن هذا؟ قالوا: فلان، فقال ثابت: ابن فلانة يعيره بها يعني أما له في الجاهلية فاستحيا الرجل، فنزلت. وقال الضحاك: نزلت في وفد تميم الذين تقدم ذكرهم في أول السورة استهزؤوا بفقراء الصحابة مثل عمار، وخباب، وابن فهيرة، وبلال، وصهيب، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم، وقال مجاهد؛ سخرية الغني من الفقير، وقال ابن زيد لا يسخر من ستر اللّه عليه ذنوبه بمن كشفه اللّه، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة، وقيل:\rنزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت. وبالجملة فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بأحد يعيبه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في حديثه، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره اللّه والاستهزاء بمن عظمه اللّه، ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيرهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه خشيت أن أصنع مثل الذي صنع، وعن عبد اللّه بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلبا اهـ.\rقوله: (و الاحتقار) عطف تفسير. قوله: (أي رجال منكم) أشار به إلى أن القوم اسم جمع بمعنى الرجال خاصة واحدة في المعنى رجل، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه، وهذا ما اقتصر عليه اللغويون والنحاة، ويدل لذلك المقابلة بقوله: ولا نساء من نساء، وأما ما جاء من قوم نوح ونحوه، فالمراد","part":7,"page":244},{"id":2702,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 245\rيَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ لا تعيبوا فتعابوا، أي لا يعب بعضكم بعضا وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ لا الأعم الشامل للنساء أي على سبيل التبع، لأن قوم كل نبي رجال ونساء وسموا بذلك لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها، ولهذا عبّر عن الإناث بما هو مشتق من النسوة بفتح النون وهي ترك العمل، وفي كلام الشيخ المصنف إشارة إلى تنكير القوم للتبعيض، وأن المعنى على الإفراد وإن جاء النظم على الجمع، لأن السخرية تقع في الجامع، أي: أنه من نسبة فعل البعض إلى الجميع لرضاهم به في الأغلب ولوجوده فيما بينهم اهـ كرخي.\rوقوله: منكم قيّد به قوم المرفوع وتركه في المجرور وغيره ذكر هذا القيد في كل منهما وكذا يقال في قوله: ولا نساء.\rقوله: عَسى أَنْ يَكُونُوا الخ عسى باسمها استئناف لبيان العلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإغناء الاسم عنه اهـ بيضاوي.\rوقوله: باسمها الأولى بفاعلها لأنها تامة تأمل. قوله: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ روي عن أنس أن هذه الآية نزلت في نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عيرن أم سلمة بالقصر، وعن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي قال لها بعض نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: يهودية بنت يهودي، وعن أنس بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي تبكي فقال: «ما يبكيك؟» قالت: قالت لي حفصة إني بنت يهودي، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنك لابنة نبي وعمك نبي وإنك لتحت نبي ففيم تفتخر عليك؟» ثم قال:\r«اتقي اللّه يا حفصة» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب اهـ خازن.\rقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ عن أبي جبيرة بن الضحاك وهو أخو ثابت بن الضحاك الأنصاري قال: فينا نزلت هذه الآية بني سلمة قدم علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس منا رجل إلا له اسمان أو ثلاثة، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «يا فلان»، فيقولون: مه يا رسول اللّه إنه يغضب من هذا الاسم، فأنزل اللّه هذه الآية: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أخرجه أبو داود والترمذي قال: كان الرجل منا يكون الاسمان والثلاثة فيدعى ببعضها فعسى أن يكرهه قال: فنزلت هذه الآية: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ قال الترمذي حديث حسن، وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها فنهى أن يعير بما سلف من عمله، وقيل: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر، وقيل: كان الرجل اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك، وقيل: هو أن تقول لأخيك يا كلب يا حمار يا خنزير. قال العلماء: المراد بهذه الألقاب ما يكره المنادي، فأما الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها كالأعمش والأعرج وما أشبه ذلك فلا بأس بها إذا لم يكرهها المدعو بها، وأما الألقاب التي تكسب حمدا ومدحا وتكون حقا وصدقا فلا تكره كما قيل لأبي بكر عتيق، ولعمر الفاروق، ولعثمان ذو النورين، ولعلي أبو تراب، ولخالد سيف اللّه ونحو ذلك اهـ خازن.\rقوله: (لا تعيبوا فتعابوا) أشار إلى توجيه قول أنفسكم أي: فإن الإنسان إذا عاب غيره عابه ذلك الغير، فقد عاب الشخص نفسه بواسطة، وقوله: أي لا يعب بعضكم بعضا أشار به إلى تفسير آخر فكان","part":7,"page":245},{"id":2703,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 246\rيدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه يا فاسق يا كافر بِئْسَ الِاسْمُ أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ بدل من الاسم، لإفادة أنه فسق لتكرره عادة وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من ذلك فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أي مؤثم الأول كما صنع غيره أن يقول أو لا يعب بعضكم بعضا يعني: والمؤمنون كشخص واحد، فمن عاب غيره كأنه عاب نفسه فصح قوله: ولا تلمزوا أنفسكم على كل من التفسيرين اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ النبز بفتح الباء اللقب مطلقا أي: حسنا أو قبيحا، وخص في العرف بالقبيح وبسكون الباء مصدر نبزه بمعنى لقبه اهـ زاده.\rوعبارة الشهاب: والنبز والنزب في الأصل اللقب، ثم خصه العرف بالتغليب بما يكرهه الشخص وهو المنهي عنه، فليس ذكر الألقاب معه مستدركا كما يتوهم، انتهت.\rوفي السمين: التنابز تفاعل من النبز وهو التداعي باللقب، والنزب مقلوب منه لقلة هذا وكثرة ذاك، ويقال: تنابزوا وتنابزوا إذا دعا بعضهم بعضا بلقب سوء اهـ.\rقوله: بِئْسَ الِاسْمُ ليس المراد بالاسم هنا ما يقابل اللقب والكنية ولا ما يقابل الفعل والحرف، بل المراد به الذكر المرتفع لأنه من السمو اهـ كرخي.\rأي: لأن هذه الأمور الثلاثة ذكر معايب، وعبارة البيضاوي: أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان واستهتارهم به، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسوق إلى المؤمنين، أو الدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، انتهت.\rقوله: (بدل من الاسم) وعلى هذا فالمخصوص بالذم محذوف تقديره: هو ولو أعربه مخصوصا بالذم لكان أحسن اهـ شيخنا.\rقوله: (لافادة أنه) أي: ما ذكر من السخرية الخ فسق، وقوله: أنكروه عادة يعني أنه وإن كان المذكور صغيرة لا يفسق بها لكنه في العادة يتكرر فيصير كبيرة مفسقة اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدمهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام أو الشراب، فضم سلمان إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه، فنام ولم يهيئ لهما شيئا فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟\rقال: لا غلبتني عيناي. قالا له: انطلق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسأله طعاما، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له إن كان عنده فضل طعام وإدام فليعطك»، وكان أسامة خازن طعام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى رحله فأتاه، فقال: ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع قالوا لو بعثناك إلى بئر سمحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما جاءا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهما «مالي أرى خضرة اللحم في","part":7,"page":246},{"id":2704,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 247\rوهو كثير، كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين وهم كثير بخلافه بالفساق منهم فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم وَلا تَجَسَّسُوا حذف منه إحدى التاءين، لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم أفواهكما». قالا: واللّه يا رسول اللّه ما تناولنا يومنا هذا لحما. قال: ظلمتما بأكل لحم سلمان وأسامة، فأنزل اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ يعني أن يظن بأهل الخير سوءا، فنهى اللّه المؤمن أن يظن بأخيه المؤمن شرا، وقيل: هو أن يسمع من أخيه المسلم كلاما لا يريد به سوءا، أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا فيراه أخوه فيظن به سوءا، لأن بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحا وفي نفس الأمر لا يكون كذلك لجواز أن يكون فاعله ساهيا ويكون الرائي مخطئا، فأما أهل السوء والفسق المتجاهرون بذلك فلنا أن نظن فيهم مثل الذي يظهر منهم اهـ خازن.\rوفي القرطبي: قال علماؤنا: الظن في الآية هو التهمة ومحل التحذير، والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا: ولا تجسسوا وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء، فيريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه ويتبصر ويسمع ليتحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، وإن شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من أشهره الناس بتعاطي الريبة والتجاهر الخبائث، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حرم من المسلم دمه وعرضه، وأن يظن به ظن السوء. وعن الحسن كنا في زمن الظن فيه بالناس حرام، وأنت اليوم أعمل واسكت وظن بالناس ما شئت اهـ.\rقوله أيضا: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ اتهام الكثير لإيجاب الاحتياط والتأمل في كل ظن حتى يعلم أنه من أي قبيل، فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن باللّه تعالى، ومنه ما يحرم كالظن في الآلهيات والنبوات وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، ومنه ما يباح كالظن في الأمور المعاشية اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: قال سفيان الثوري: الظن ظنان، أحدهما إثم وهو أن يظن ويتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم، وقيل: الظن أنواع، فمنه: واجب ومأمور به وهو الظن الحسن باللّه عز وجل، ومنه مندوب إليه وهو الظن الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة، ومنه حرام محظور وهو سوء الظن باللّه عز وجل وسوء الظن بالأخ المسلم اهـ.\rقوله: (و هو) أي: بعض الظن كثير، وقوله: وهم أي: أهل الخير كثير، وقوله: بخلاف الفساق منهم أي المؤمنين، وقوله: في نحو ما يظهر منهم أي: في نحو المعاصي التي تظهر منهم بأن يتجاهروا بها ونحو المعاصي كخارم المروءات اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا تَجَسَّسُوا قرأ أبو رجاء، والحسن باختلاف، وغيرهما ولا تجسسوا بالحاء، واختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين، فقال الأخفش: ليس تبعد إحداهما من الأخرى، لأن التجسس البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الاخبار والبحث عنها، وقيل: إن التجسس","part":7,"page":247},{"id":2705,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 248\rبالبحث عنها وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه، وقول ثالث في الفرق أنه بالحاء تطلبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره قاله ثعلب، والأول أعرف يقال: تجسست الأخبار وتجسستها أي: تفحصت عنها، ومنه الجاسوس، ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره اللّه، وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنفعه اللّه بها. وعن المقداد بن معد يكرب، وعن أبي أمامة، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» اهـ قرطبي.\rقوله: (لا تتبعوا عورات المسلمين) في الحديث: «لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من يتبع عوراتهم تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته» اهـ بيضاوي.\rقوله: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً نهى عز وجل عن الغيبة وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. ثبت معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:\r«أتدرون ما الغيبة»؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» يقال: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه والاسم الغيبة وهي ذكر العيب بظهر الغيب. قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب اللّه تعالى:\rالغيبة والافك والبهتان. فأما الغيبة؛ فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان. فهو أن تقول ما ليس فيه، ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وإن من أغتاب أحدا فليتب إلى اللّه عز وجل. وهل يستحل المغتاب؟ فيه خلاف، فقالت فرقة: ليس عليه استحلاله وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه واحتجت بأنه لم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك مظلمة يستحلها منه، وإنما المظلمة ما يكون في المال والبدن. وقالت فرقة: هي مظلمة وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه، واحتجت بحديث يروى عن الحسن قال: «كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته» وقالت فرقة: هي مظلمة وعليه الاستحلال منها، واحتجت بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم ليس فيه هناك دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته» خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وغير ذلك من الأحاديث، وليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المتجاهر، فإن في الخبر: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس» فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه. وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليس لهم حرمة صاحب الهوى والفاسق المعلن والإمام الجائر اهـ قرطبي.\rقوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم، وتعليق المحبة بما هو في","part":7,"page":248},{"id":2706,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 249\rيَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً بالتخفيف والتشديد، أي لا يحسن به لا فَكَرِهْتُمُوهُ أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول وَاتَّقُوا اللَّهَ أي عقابه غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخا وميتا وتعقيب ذلك بقوله:\rفكرهتموه تقريرا وتحقيقا لذلك، والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته اهـ بيضاوي.\rوعبارة القرطبي: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا مثّل اللّه الغيبة بأكل الميتة، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه، وقال ابن عباس: إنما ضرب اللّه هذا المثل للغيبة لأن أكل لحم الميت حرام في الدين وقبيح في النفوس، وقال قتادة: كما يمتنع أحدكم من أن يأكل لحم أخيه كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا، واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة، لأن عادة العرب بذلك جارية، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم، فمن نقص مسلما أو ثلم عرضه فهو كآكل لحمه حيا، ومن اغتابه فهو كآكل لحمه ميتا اهـ.\rقوله: (بالتخفف والتشديد) سبعيتان. قوله: (لا يحس به) تفسير لميتا، فالمراد بالميت من لا يحس لأنه في غيبته كالميت من حيث عدم إحساسه بما يقال فيه، وقوله: به أي يأكل لحمه، وقوله: لا أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري أي: لا يحب أكل لحم أخيه ولا يرضى به اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَرِهْتُمُوهُ الضمير عائد على الأكل المفهوم من يأكل بدليل قوله: بعد، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه، وعبارة السمين: فكرهتموه قال الفراء: تقديره فكرهتموه فلا تفعلوه، وقال أبو البقاء: المعطوف عليه محذوف تقديره وعرض عليكم ذلك فكرهتموه، والمعنى يعرض عليكم فتكرهونه، وقيل: إن صح ذلك عندكم فأنتم تكرهونه، فقيل: هو خبر بمعنى الأمر كقوله: اتقى اللّه امرؤ خيرا يثاب عليه اهـ.\rقوله: (أي فاغتيابه في حياته الخ) أشار بهذا التقدير إلى الكلام من قبيل التمثيل أي التشبيه أي أنه من باب الاستعارة التمثيلية اهـ شيخنا.\rوعبارة الخطيب: وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم، وهذا من باب القياس الظاهر، لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل آكل لحوم الإنسان لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك أشد ألما، وقوله: لحم أخيه آكد في المنع، لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم عدوه، وفي قوله ميتا إشارة إلى دفع واهم وهو أن يقال الشتم في الوجه يؤلم فيحرم، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم، فيقال: أكل لحم الأخر وهو ميت أيضا لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع لتألم، فإن الميت لو حس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف، وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتا ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة أو لحم الآدمي لم يأكل لحم الآدمي، فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته معدلا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب، انتهت.","part":7,"page":249},{"id":2707,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 250\rفي الاغتياب بأن تتوبوا به إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ قابل توبة التائبين رَحِيمٌ (12) بهم\rيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً جمع شعب بفتح الشين، هو أعلى طبقات النسب وَقَبائِلَ هي دون الشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها مثاله قوله: (قبل توبة التائبين) يشير به إلى أن المبالغة في تواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه إلا كان معفوا عنه بالتوبة، أو لأنه لما بولغ في قبول التوبة نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه، واعلم أنه تعالى ختم الآيتين بذكر التوبة، وقال: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، وقال ههنا: إن اللّه تواب رحيم، لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ حكى النفي الذي هو قريب من النهي، وفي الثانية لما كان الابتداء بالأمر في قوله: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ ذكر الاثبات الذي هو قريب من الأمر تأمل اهـ كرخي.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى نزلت هذه الآية في أبي هند ذكره أبو داود في المراسيل عن الزهري رضي اللّه عنه قال: أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: نزوج بناتنا موالينا، فأنزل اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة، وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقوله: في الرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من الذاكر فلانة؟» قال ثابت: أنا يا رسول اللّه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «انظر في وجوه القوم» فنظر، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما رأيت؟» قال ثابت: رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال النبي «لا تفضلهم إلا بالتقوى» فنزلت في ثابت هذه الآية، ونزل في الرجل الذي يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ [المجادلة:\r11] الآية. قال ابن عباس: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد للّه الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم، وقال الحرث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهل بن عمر: وإن يرد اللّه شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: أنا لا أقول شيئا أخاف أن يحبره به رب الأرض والسموات، فأتى جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فانزل اللّه هذه الآية زجرا لهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء، وأن المدار على التقوى لأن الجميع من آدم وحواء، وإنما الفضل بالتقوى اهـ قرطبي.\rقوله: (هو أعلى طبقات النسب) عبارة القرطبي: الشعوب رؤوس القبائل، انتهت.\rقوله: (و بعدها العمائر الخ) أي: فهذه ست مراتب، وزاد بعضهم سابعة. وعبارة الخطيب:\rوطبقات النسب سبع الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة بوزن قبيلة والعشيرة، وكل واحدة تدخل فيما قبلها، فالقبائل تحت الشعوب، والعمارة تحت القبائل، والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاد، والعشائر تحت الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وعبد مناف فخذ، وبنو هاشم فصيلة، والعباس عشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف وسمي الشعب شعبا لتشعب القبائل منه، انتهت.","part":7,"page":250},{"id":2708,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 251\rخزيمة شعب كنانة قبيلة قريش عمارة بكسر العين قصي بطن هاشم فخذ العباس فصيلة لِتَعارَفُوا حذف منه إحدى التاءين ليعرف بعضكم بعضا لا لتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم خَبِيرٌ (13) ببواطنكم\r* قالَتِ الْأَعْرابُ نفر من بني أسد آمَنَّا صدقنا بقلوبنا قُلْ لهم لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا انقدنا ظاهرا وَلَمَّا قوله: (بكسر العين) هذا على القليل، والأفصح فتحها كما في القاموس ففيها لغتان اهـ.\rقوله: (هاشم فخذ) في المصباح: الفخذ بالكسر وبالسكون للتخفيف والعرق دون البطن وفوق الفصيلة وهو مذكر لأنه بمعنى النفر، والفخذ بالكسر أيضا وبالسكون للتخفيف من الأعضاء مؤنثة، والجمع فيها أفخاذ اهـ.\rقوله: (ليعرف بعضكم بعضا) أي فتصلوا أرحامكم وتنسبوا لآبائكم اهـ كرخي.\rقوله: (نفر من بني أسد) قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سنة مجدبة فأظهروا له الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلو أسعارها، وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، ونحن قد جئناك بالأطفال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو وفلان يمنون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويريدون الصدقة، ويقولون: اعطنا فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: (صدقنا بقلوبنا) أشار به إلى جواب ما يقال أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، واللّه سبحانه وتعالى يقول: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وإيضاحه: أن المنفي هنا الإيمان بالقلب والمثبت الانقياد ظاهرا، فهما في اللغة متغايران بهذا الاعتبار، كما أنهما في الشرع مختلفان مفهوما متحدان ما صدقا، إذ الإيمان هو التصديق بالقلب بشرط التلفظ بالشهادتين والإسلام بالعكس، والظاهر أن النظم من الاحتباك حذف من الأول ما يقابل الثاني، ومن الثاني ما يقابل الأول، والأصل قل لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا وهذا من اختصارات القرآن اهـ كرخي.\rوفي الخازن: واعلم أن الإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان لقوله عز وجل لابراهيم عليه الصلاة والسّلام قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [البقرة: 131] ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وقيل: الإيمان هو التصديق بالقلب مع الثقة وطمأنينة النفس عليه، والإسلام هو الدخول في السلم، والخروج من أن يكون حربا للمسلمين مع إظهار الشهادتين، فإن قلت: المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة، فكيف يفهم ذلك مع هذا القول؟ قلت:\rبين الخاص والعام فرق، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب، والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان، فالإسلام أعم والإيمان أخص، لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص لا يكون أمرا غيره، فالعام والخاص مختلفان في العموم والخصوص متحدان في الوجود، فكذلك المؤمن والمسلم اهـ.","part":7,"page":251},{"id":2709,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 252\rأي لم يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ إلى الآن لكنه يتوقع منكم وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بالإيمان وغيره لا يَلِتْكُمْ بالهمز وتركه وبإبداله ألفا لا ينقصكم مِنْ أَعْمالِكُمْ أي من ثوابها شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (14) بهم\rإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الصادقون في إيمانهم كما صرح به بعد الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكوا في الإيمان وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قوله: (إلى الآن) أخذه من لما لأن نفيها يختص بالحال، وقوله: لكنه يتوقع منكم أخذه منها أيضا، لأن منفيها متوقع الحصول وقد آمنوا كلهم أو بعضهم اهـ شيخنا.\rويؤخذ منه جواب ما قيل في قله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ بعد قوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا شبه التكرار من غير استقلال بفائدة متجددة، وإيضاح الجواب ليس كذلك، فإن فائدة قوله: لم تؤمنوا نكذيب لدعواهم، وقوله: لما يدخل الإيمان في قلوبكم توقيت لما أمروا به أن يقولوه كأنه قيل لهم:\rولكن قولوا أسلمنا حتى تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في قولوا، وما في لما من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد، وحاصل الجواب: أنه تكرار لكنه مستقل بفائدة زائدة، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، وفي الثاني نفيه مع توقع حصوله اهـ كرخي.\rقوله: (بالهمز) هي قراءة أبي عمرو من ألته يألته بالفتح في الماضي، وبالكسر والضم في المضارع، وقوله: وتركه من لاته يليته كباعه يبيعه وهي قراءة ما عدا أبا عمرو والسوسي، فحذفت منه عين الكلمة وهي الياء فصار بوزن يفلكم، وقيل: هو من ولته يلته كوعده يعده فحذفت منه الفاء التي هي الواو فصار وزنه يعلكم، وقوله: وبابداله أي الهمز ألفا وهي قراءة السوسي اهـ من السمين بتصرف.\rوفي الخطيب: قرأ الدوري عن أبي عمرو بعد الياء التحتية بهمزة ساكنة وأبدلها السوسي ألفا، وقرأ الباقون بغير همز ولا ألف اهـ.\rقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ مبتدأ، وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا الخ خبره.\rقوله: (كما صرح به) أي: بهذا الوصف في قوله بعد: أولئك هم الصادقون اهـ شيخنا.\rقوله: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أتي بثم التي للتراخي للإشارة إلى أن نفي الريب عنهم ليس وقت حصول الإيمان فيهم وانشائه فقط، بل هو مستمر به بعد ذلك فيما يتطاول من الأزمنة اهـ شيخنا.\rفكأنه قال: ثم داموا على ذلك. قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: في طاعته والمجاهدة بالأموال والأنفس، فشمل العبادات المالية والبدنية بأسرها اهـ بيضاوي.\rيعني أنه ليس المراد بسبيل اللّه الغزو بخصوصه بل ما يعم الطاعات كلها لأنها في سبيله وجهته، ولذا قال أي في طاعته والمجاهدة الخ. فالمجاهدة بالأموال عبارة عن العبادات المالية كالزكاة، وقدم الأموال لحرص الإنسان عليها، فإن ماله شقيق روحه، وجاهدوا: بمعنى بذلوا الجهد أو مفعوله مقدر أي: العدو أو النفس والهوى اهـ شهاب.","part":7,"page":252},{"id":2710,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 253\rفجهادهم يظهر صدق إيمانهم أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) في إيمانهم لا من قالوا آمنا ولم يوجد منهم غير الإسلام\rقُلْ لهم أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ مضعف علم بمعنى شعر أي أتشعرونه بما أنتم عليه في قولكم آمنا وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)\rيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتاله منهم قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ منصوب بنزع الخافض الباء ويقدر قبل أن في الموضعين بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ قوله: (فجهادهم يظهر صدق إيمانهم) يؤخذ منه جواب سؤال، وهو أن العمل ليس من الإيمان، فكيف ذكر أنه منه في هذه الآية؟ وإيضاحه؛ أن المراد منها الإيمان الكامل أي: إنما المؤمنون إيمانا كاملا كما في قوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: 28] وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه» اهـ كرخي.\rقوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فيه إشارة إلى أنه تعريض بكذب الأعراب في ادعائهم الإيمان، وأنه يفيد الحصر أي: هم الصادقون لا هؤلاء، وإيمانهم إيمان صدق انتهى شهاب.\rوفي الخازن: فلما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون وعرف اللّه منهم غير ذلك، فأنزل اللّه: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الآية اهـ.\rقوله: (و لم يوجد منهم غير الإسلام) أي: الاستسلام. قوله: (بمعنى شعر) وهو بهذا المعنى يتعدى لواحد فقط وبواسطة التضعيف كما هنا يتعدى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف الجر اهـ شيخنا.\rوهذا يرجع في المعنى إلى قولهم علم بمعنى عرف ينصب مفعولا واحدا، فمعنى شعر عرف وتشعرون تعرفون. قوله: (أي أتشعرونه) أي: أتعلمونه أي: أتخبرونه بقولكم أمنا اهـ بيضاوي.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ الخ الواو للحال.\rقوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ الخ المن تعداد النعم على المنعم عليه وهو مذموم من الخلق ممدوح من اللّه تعالى كما قال: بل اللّه يمن عليكم الخ اهـ شيخنا.\rوعبارة البيضاوي: يمنون عليك أن أسلموا يعدون إسلامهم عليك منّة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها فمن بذلها إليه من المن بمعنى القطع، لأن المقصود بها قطع حاجة، انتهى.\rقوله: (من غير قتال) أي: من غير قتالهم للنبي والمسلمين حيث قالوا: قد جئناك يا رسول اللّه بالأطفال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا اهـ.\rقوله: (و يقدر) أي: الخافض الذي هو الباء فهو مقدر هنا في ثلاثة مواضع، وقوله: في الموضعين هما أن أسلموا وأن هداكم، فإن حذفه يكثر ويطرد مع أن وأن، وقال أبو حيان: أن أسلموا في موضع المفعول ولهذا عدى إليه في قوله: قل لا تمنوا علي إسلامكم اهـ كرخي.\rقوله: أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ أي: على حسب زعمكم، فكأنه يقول: إذا سلم لكم أنكم آمنتم","part":7,"page":253},{"id":2711,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 254\rلِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17) في قولكم آمنا\rإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما غاب فيهما وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18) بالياء والتاء لا يخفى عليه شيء منه.\rفإيمانكم ووصولكم له منّة من اللّه عليكم اهـ شيخنا.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي: فهو المان عليكم اهـ كرخي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض، فكيف يخفى عليه حالكم، بل يعلم سركم وعلانيتكم اهـ خازن.\rقوله: (بالياء) أي لابن كثير نظرا لقوله: يمنون وما بعده، وقوله: والتاء بالخطاب للباقين نظرا إلى قوله: لا تمنوا علي الخ اهـ سمين.","part":7,"page":254},{"id":2712,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 255\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة ق مكية إلا وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية فمدنية وهي خمس وأربعون آية\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية) أي: كلها على أحد الأقوال. قوله: (إلا ولقد خلقنا السموات والأرض) أي: على القول الآخر، فلو قال: أو إلا ولقد خلقنا السموات والأرض لكان موفيا بذكر الخلاف، وعبارة القرطبي: مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية وهي قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38] وفي صحيح مسلم، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس، وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سأل أبا وافد الليثي ما كان يقرأ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الأضحى والفطر؟ قال: كان يقرأ فيهما بقاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر، وعن جابر بن سمرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في النحر بقاف والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفا، وقرأ العامة ق بالجزم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم قاف بكسر الفاء، لأن الكسر أخو الجزم، فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض، وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء لأنها أخف الحركات، وقرأ هارون ومحمد بن السميقع قاف بضم الفاء، لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقط وقبل وبعد. واختلف في معنى ق ما هو؟ فقال يزيد، وعكرمة، والضحاك؟ هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء اخضرت السماء منه وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل، ورواه أبو الجوزاء، عن عبد اللّه بن عباس وقال وهب:\rأشرف ذو القرنين على جبل ق فرأى تحته جبالا صغارا فقال له: ما أنت؟ قال: أنا ق. قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد اللّه أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزل تلك الأرض، فقال له: يا قاف أخبرني بشيء من عظمة اللّه. قال: إن شأن ربنا لعظيم وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج بعضها يحطم بعضا لو لا هي لاحترقت من حرجهم، فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض، واللّه أعلم بموضعها وأين هي من الأرض، ثم قال: إن جبريل عليه السّلام واقف بين يدي اللّه ترعد فرائصه يخلق اللّه من كل رعدة مائة ألف ملك، فهؤلاء الملائكة واقفون بين يدي اللّه منكسون رؤوسهم، فإذا أذن اللّه لهم في","part":7,"page":255},{"id":2713,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 256\rق اللّه أعلم بمراده به وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) الكريم ما آمن كفار مكة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم\rبَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد البعث فَقالَ الْكافِرُونَ هذا الإنذار شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)\rأَإِذا بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين الكلام قالوا لا إله إلا اللّه وهو قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [النبأ: 38] يعني قول لا إله إلا اللّه، وقال الزجاج: معنى قوله ق أي قضي الأمر كما قيل في حم أي حم الأمر، وقال ابن عباس: اسم من أسماء اللّه تعالى أقسم به، وعنه أيضا: أنه اسم من أسماء القرآن وهو قول قتادة، وقال القرطبي: افتتاح أسماء اللّه عز وجل قادر وقاهر وقريب وقاض وقابض، وقال الشعبي: فاتحة السورة، وقال أبو بكر الوراق: معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما، وقال الانطاكي: هو قرب اللّه من عباده بيانه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وقال ابن عطاء: أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله اهـ.\rقوله: (الكريم) أي على اللّه الكثير الخير، فكل من طلب منه مقصودا وجده فيه، ويغني كل من لاذبه وإغناء المحتاج غاية الكرم أو وصف القرآن بالمجيد، لأنه ذو المجد على أن يكون للنسب كلابن وتامر، ثم إن وصف القرآن بالمجيد وهو حال المتكلم به مجاز في الإسناد أو لأنه من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد، فعلى هذا يكون مثل بنى الأمير المدينة في الإسناد إلى السبب اهـ كرخي.\rقوله: (ما آمن من كفار مكة الخ) أشار بذلك إلى أن جواب القسم محذوف وقدره بما ذكر أخذا مما بعده أو لقد أرسلنا محمدا بدليل قوله: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وقيل: هو قد علمنا وحذفت اللام لطول الكلام، أو هو قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ [ق: 18] لأن ما قبلها عوض منها كما قال: وَالشَّمْسِ وَضُحاها [الشمس: 1] إلى قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس: 9] وقد فيه للتحقيق بمعنى أن الفعل بعدها محقق الوقوع اهـ كرخي.\rقوله: بَلْ عَجِبُوا اضراب عن جواب القسم المحذوف لبيان حالهم الزائدة في الشناعة على عدم الإيمان اهـ أبو السعود.\rوقوله: أَنْ جاءَهُمْ أي: من أن جاءهم، وقوله: مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أي: لا من الملائكة اهـ.\rقوله: فَقالَ الْكافِرُونَ الخ حكاية لتعجبهم والفاء للتفصيل كما في قوله: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ [هود: 45] وإضمار ذكرهم ثم اظهاره للإشعار بتعنتهم في هذا المقال ثم التسجيل على كفرهم بهذا المقال اهـ كرخي.\rقوله: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه وكذلك الأعجوبة، وقال قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إله واحد، وقيل: من انذارهم بالبعث والنشور والذي نص عليه القرآن أولى اهـ قرطبي.\rقوله: أَإِذا مِتْنا الخ تقرير للتعجب وتأكيد للإنكار، والعامل في أئذا مضمر غني عن البيان مع دلالة ما بعده عليه أي: أحين نموت ونصير ترابا نرجع اهـ أبو السعود.","part":7,"page":256},{"id":2714,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 257\rمِتْنا وَكُنَّا تُراباً نرجع ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) في غاية البعد\rقَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ تأكل مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4) هو اللوح المحفوظ، فيه جميع الأشياء المقدرة\rبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ بالقرآن لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) مضطرب قالوا مرّة ساحر وسحر، ومرّة شاعر وشعر، ومرّة كاهن وكهانة\rأَفَلَمْ يَنْظُرُوا بعيونهم، معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث إِلَى السَّماءِ كائنة فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها بلا عمد وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ وهذا كما قدره الشارح بقوله: نرجع اهـ شيخنا.\rقوله: (و إدخال ألف بينهما) أي: وترك الإدخال أيضا على الوجهين، فالقراءات أربعة لا اثنتان كما توهمه عبارته وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: بَعِيدٌ أي: عن الوهم أو العادة أو الإمكان اهـ كرخي.\rقوله: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ رد لاستبعادهم وإزاحة له، فإن من عمّ علمه ولطفه حتى انتهى إلى حيث علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم كيف يستبعد أن يرجعهم أحياء كما كانوا اهـ أبو السعود.\rقوله: وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ الجملة حال، والمراد إما تمثيل لعلمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه، أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللوح المحفوظ اهـ بيضاوي.\rقوله: (هو اللوح المحفوظ) وهو من درة بيضاء مستقرة على الهواء فوق السماء السابعة طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب اهـ من الشارح في سورة البروج.\rوقوله: (فيه جميع الأشياء) يحتمل أن فيه صلة المحفوظ، وجميع نائب فاعل به، ويحتمل أن فيه خبر مقدم، وجميع مبتدأ مؤخر اهـ شيخنا.\rقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ الخ إضراب وانتقال من بيان شناعتهم السابقة إلى بيان ما هو أشنع وأقبح، وهو تكذيبهم للنبوة الثابتة بالمعجزات الظاهرة اهـ أبو السعود.\rوقوله: لَمَّا جاءَهُمْ أي: حين جاءهم. قوله: مَرِيجٍ أي: مختلط وأصله من الحركة والاضطراب ومنه مرج الخاتم في إصبعه اهـ سمين.\rوفي المختار: مرج الأمر والدين اختلط وبابه طرب وأمر مريج مختلط اهـ.\rقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا الخ شروع في بيان الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد، أي: أغفلوا أو أعموا، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم بحيث يشاهدونها كل وقت كيف بنيناها أي: أوجدناها كالخيمة إلّا أنها من غير عمد اهـ من الخطيب وأبي السعود.\rقوله: (كائنة) فَوْقَهُمْ أشار به إلى أن فوقهم منصوب على الحال من السماء وهي مؤكدة، وكيف منصوبة بما بعدها وهي معلقة بالنظر قبلها اهـ كرخي.\rقوله: كَيْفَ بَنَيْناها كيف مفعول مقدم، وجملة بنيناها بدل من السماء، وقوله: (بلا عمد) جمع عماد كأهب وإهاب اهـ شيخنا.","part":7,"page":257},{"id":2715,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 258\rفُرُوجٍ (6) شقوق تعيبها\rوَالْأَرْضَ معطوف على موضع إلى السماء كيف مَدَدْناها دحوناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالا تثبتها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ (7) يبهج به لحسنه\rتَبْصِرَةً مفعول له، أي فعلنا ذلك تبصيرا منا وَذِكْرى تذكيرا لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) رجاع إلى طاعتنا\rوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً كثير البركة فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ بساتين وَحَبَ قوله: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ الواو للحال. قوله: (معطوف على موضع إلى السماء) أي:\rالمنصوب بينظروا فهو منصوب بذلك أي: أفلم ينظروا إلى الأرض ويجوز أن ينتصب على تقدير ومددنا الأرض اهـ كرخي.\rقوله: (على موضع إلى السماء) وموضعه نصب على المفعولية، إذ التقدير أفلم ينظروا السماء، وقوله: كيف لا موقع له، فالصواب حذفه لأنه من الجملة التي قبلها في النظم اهـ شيخنا.\rقوله: (يبهج به) أي: يسر، وأشار بهذا إلى أنه بمعنى فاعل، أي: يحصل به السرور اهـ شيخنا.\rوفي المختار: البهجة الحسن، وبابه ظرف فهو بهيج به فرح وسر، وبابه طرب فهو بهج بكسر الهاء وبهجه الأمر من باب قطع وأبهجه أي: سره والابتهاج السرور اهـ.\rقوله: تَبْصِرَةً وَذِكْرى العامة على نصبهما على المفعول من أجله أي: لتبصير أمثالهم وتذكير أمثالهم، وقيل: منصوبان بفعل من لفظهما مقدر أي: بصرناهم تبصرة وذكراهم تذكرة، وقيل: حالان أي: مبصرين ومذكرين، وقيل: حال من المفعول أي: ذات تبصرة وتذكير لمن يراها، وقرأ زيد بن علي: تبصرة وذكر بالرفع أي: هي تبصرة وذكر اهـ سمين.\rقوله: (مفعول له) أي: والعامل فيه كيف بنيناها، وقوله: (أي: فعلنا ذلك الخ) تفسير للعامل أي: فعلنا البناء والتزيين وما بعدهما، وقوله: (تبصيرا منا) أي: تعليما وتفهيما واستدلالا اهـ شيخنا.\rوقوله: لِكُلِّ عَبْدٍ متعلق بكل من المصدرين. وفي الخطيب تنبيه: قال الرازي: يحتمل أن يكون المصدران عائدين إلى السماء والأرض، خلقنا السماء تبصرة وخلقنا الأرض ذكرى، ويدل على ذلك أن السماء وزينتها غير متحدة في كل عام فهي كالشيء المرئي على مر الزمان، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفها فتذكر، فالسماء تبصرة والأرض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من المصدرين موجودا في كل واحد من الأمرين، فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك، والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أن فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجددة مذكرة عند التناسي اهـ.\rقوله: (رجاع) صفة نسب كتمار ولبان لا صيغة مبالغة، إذ المدار على أصل الرجوع وإن لم يكن فيه كثرة اهـ شيخنا.\rقوله: وَحَبَ (الزرع) أي: أو النبات الحصيد. أشار بهذا إلى أنه من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهي ممتنعة، لأن الإضافة تقتضي المغايرة بين","part":7,"page":258},{"id":2716,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 259\rالزرع الْحَصِيدِ (9) المحصود\rوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ طوالا حالا مقدرة لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) متراكب بعضه فوق بعض\rرِزْقاً لِلْعِبادِ مفعول له وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يستوي فيه المذكر والمؤنث المضاف والمضاف إليه مع أنها جائزة إذا اختلف اللفظان، كحق اليقين وحبل الوريد ودار الآخرة اهـ كرخي.\rوتخصيص الحب بالذكر لأنه المقصود بالذات اهـ أبو السعود.\rقوله: الْحَصِيدِ أي: الذي من شأنه أي: يحصد كالبر والشعير، وفيه أنه مجاز باعتبار الأول اهـ.\rقوله: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ البسوق الطول، يقول: بسق فلان على أصحابه من باب دخل أي:\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 259\r\rله: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ البسوق الطول، يقول: بسق فلان على أصحابه من باب دخل أي:\rطال عليهم في الفضل، وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبن قبل النتاج، ونوق بساق من ذلك اهـ سمين.\rوفي المصباح: بسقت النخلة بسوقا من باب قعد طالت فهي باسقة، والجمع باسقات وبواسق وبسق الرجل مهر في علمه اهـ.\rقوله: (حال مقدرة) أي: لأنها وقت الإنبات لم تكن طوالا، وأفردها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها، ولذلك شبه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلم بها اهـ كرخي.\rقوله: لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ الجملة حال من النخل الباسقات بطريق الترادف، أو من الضمير في باسقات على التداخل أو الحال هي الجار والمجرور، وطلع مرتفع به على الفاعلية اهـ أبو السعود.\rقوله: رِزْقاً لِلْعِبادِ يجوز أن يكون حالا أي: مرزوقا للعباد أو ذا رزق، وأن يكون مصدرا من معنى أنبتنا لأن إنبات هذه رزق، ويجوز أن يكون مفعولا وللعباد إما صفة، وإما متعلق بالمصدر، وإما مفعول للمصدر، واللام زائدة أي رزقا للعباد اهـ سمين.\rتنبيه:\rلم يقيد هنا العباد بالإنابة وقيد به في قوله: تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق يعم كل أحد غير أن المنيب يأكل ذاكرا وشاكرا للإنعام وغيره يأكل كما تأكل كل الأنعام، فلم يخصص الرزق بقيد اهـ خطيب.\rقوله: وَأَحْيَيْنا بِهِ أي: بذلك الماء بلدة ميتا أي: أرضا جدبة لا نماء فيها أصلا بأن جعلناها ربت وأنبتت أنواع النبات والأزهار، فصارت تهتز بها بعد ما كانت جامدة، وتذكير ميتا لأن البلدة بمعنى البلد والمكان اهـ أبو السعود.\rقوله: (يستوي فيه المذكر والمؤنث) فيه نظر لأن ميتا فعل وفعل لا يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما يستويان في فعيل، فالصواب أن التذكير باعتبار كون البلدة بلدا أو مكانا كما في عبارة أبي السعود اهـ شيخنا.","part":7,"page":259},{"id":2717,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 260\rكَذلِكَ أي مثل هذا الإحياء الْخُرُوجُ (11) من القبور فكيف تنكرونه والاستفهام للتقرير، والمعنى أنهم نظروا وعلموا ما ذكر\rكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تأنيث الفعل لمعنى قوم وَأَصْحابُ الرَّسِ هي بئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، ونبيهم قيل حنظلة بن صفوان، وقيل غيره وَثَمُودُ (12) قوم صالح\rوَعادٌ قوم هود وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13)\rوَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي قوله: كَذلِكَ الْخُرُوجُ جملة قدم فيها الخبر للقصد إلى الحصر اهـ أبو السعود.\rوصنيع الشارح يقتضي أن الكاف مبتدأ نظرا إلى المعنى والخروج خبر، ويكون من قبيل أبي يوسف أبو حنيفة اهـ كرخي.\rوفي الخطيب: كذلك أي: مثل هذا الإخراج العظيم الخروج من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا إذ لا فرق بين خروج النبات بعدما انهضم وتفتت في الأرض وصار ترابا كما كان من بين أصفره وأبيضه وأحمره وأزرقه إلى غير ذلك، وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما كانوا في الدنيا اهـ.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) الأول أن يقول للإنكار والتوبيخ، وقوله: (و المعنى الخ) غير صحيح إذ لو نظروا وعلموا لآمنوا وصدقوا اهـ قاري.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ استئناف وارد لتقرير حقيقة البعث ببيان اتفاق كافة الرسل عليها وتعذيب منكريها اهـ أبو السعود.\rقوله: (لمعنى قوم) أي: لأنه بمعنى أمة أو جماعة كما مرّ اهـ كرخي.\rقوله: (هي بئر الخ) أي: فخسفت تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم وبكل ما لهم، كما ذكرت قصتهم في سورة الفرقان اهـ خطيب.\rقوله: (و قيل غيره) وهو شعيب اهـ خطيب.\rأو نبي أرسل بعد صالح لبقية من ثمود، وتقدم هذا مزيد كلام في سورة الفرقان. قوله:\rوَثَمُودُ ذكروا بعد أصحاب الرس، لأن الرجفة التي أخذتهم مبدؤها الخسف بأصحاب الرس، ثم أتبع ثمود بعاد لأن الريح التي أهلكتهم صيحة ثمود اهـ خطيب.\rقوله: وَإِخْوانُ لُوطٍ تقدم أنه ابن أخي إبراهيم الخليل، وأنه هاجر معه من العراق إلى الشام، فنزل إبراهيم بفلسطين ونزل لوط بسذوم، وأرسله اللّه إلى أهله فهو أجنبي منهم، لكنه عبّر عنهم بإخوانه من حيث إنه صاهرهم وتزوج منهم. وفي الخطيب: وإخوان لوط أي: أصهاره الذين صار بينه وبينهم مع المصاهرة المناصرة بملوكهم وعمه خليل اللّه إبراهيم عليهما السّلام.\rقوله: وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ قد تقدم الكلام عليها في الشعراء، وقرأ هنا ليكة بوزن ليلة أبو جعفر وشيبة، وقال الشيخ: وقرأ أبو جعفر وشيبة وطلحة ونافع الأيكة بكلام التعريف، والجمهور ليكة وهذا الذي نقله غفلة منه، بل الخلاف المشهور إنما هو في الذي في سورة الشعراء وص كما حققه ثمة، وأما هنا فالجمهور على أنه بلام التعريف اهـ سمين.","part":7,"page":260},{"id":2718,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 261\rالغيضة قوم شعيب وَقَوْمُ تُبَّعٍ هو ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه كُلٌ من المذكورين كَذَّبَ الرُّسُلَ كقريش فَحَقَّ وَعِيدِ (14) وجب نزول العذاب على الجميع، فلا يضق صدرك من كفر قريش بك\rأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي لم نعي به فلا نعيا بالإعادة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ قوله: (أي الغيضة) تقدم أنها الشجر الملتف بعضه على بعض اهـ شيخنا.\rقوله: (هو ملك الخ) وقيل: نبي وهو تبع الحميري واسمه أسعد، وكنيته أبو كرب اهـ خطيب.\rوتقدم الكلام عليه مبسوطا في سورة الدخان اهـ.\rقوله: كُلٌ التنوين عوض عن المضاف إليه، وكان بعض النحاة يجيز حذف تنوينها وبناءها على الضم كالعامة كقبل وبعد اهـ سمين.\rقوله: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ أي: كل واحد أو قوم منهم أي: جميعهم، وأفرد الضمير لإفراد لفظ كل اهـ بيضاوي.\rوقوله: أي كل واحد فإن قيل: لم يكذب كل واحد من قوم نوح وعاد وثمود كما صرح به في غير آية كقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا [النمل: 83] فإنها صريحة في أن كل أمة نبي فيها مصدق ومكذب. قلت: الكلية هنا المراد بها التكثير كما في قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: 23] فهو باعتبار الأغلب، وقوله: أي جميعهم أي: فالتقدير كل هؤلاء، فكان حقه أن يقول كذبوا لكن أفرد الضمير مراعاة للفظ كل اهـ شهاب.\rقوله: كَذَّبَ الرُّسُلَ أي: ولو بالواسطة، وذلك لأن قوم تبع كذبوا الرسول الذي دعاهم تبع إلى شريعته بواسطة تكذيبهم لتبع اهـ شيخنا.\rقوله: فَحَقَّ وَعِيدِ مضاف لياء المتكلم، وأصله وعيدي فحذفت الياء وبقيت الكسرة دليلا عليها اهـ.\rقوله: (فلا يضيق صدرك الخ) أي: فهو تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتهديد لهم اهـ كرخي.\rقوله: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ من عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه علمه، والهمزة للإنكار كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rوالفاء للعطف على مقدر بنبىء عنه العي من القصد، والمباشرة، أي: اقصدنا الخلق الأول فعجزنا عنه حتى يتوهم عجز عن الإعادة، وهذا استئناف مقرر لصحة البعث الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة اهـ أبو السعود.\rوفي المصباح: عيي بالأمر وعن حجته يعيا من باب تعب عيا عجز عنه، وقد يدغم الماضي فيقال: عي فالرجل عي وعيي على فعل وفعيل، وعيي بالأمر لم يهتد لوجه وعياني بالألف أتعبني فأعييت يستعمل لازما ومتعديا، وأعيا في مشيه فهو معيي منقوض اهـ.\rوفي المختار: التي ضد البيان وقد عيي في منطقة فهو عي على فعل وعيي يعيا بوزن رضي يرضى","part":7,"page":261},{"id":2719,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 262\rشك مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وهو البعث\rوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ حال بتقدير نحن ما مصدرية تُوَسْوِسُ تحدث بِهِ الباء زائدة أو للتعدية، والضمير للإنسان نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ بالعلم فهو عيي على فعيل، ويقال أيضا عي عي وعيي إذا لم يهتد لوجهه والإدغام أكثر وأعياه أمره، انتهى.\rقوله: بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ الباء سببية أو بمعنى عن، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قال الكازروني: معناه لم نعجز عن الإبداء فلا نعجز عن الإعادة، لأن الظاهر أن معنى قوله: أفعيينا بالخلق الأول لم نعجز بسبب الخلق الأول اهـ.\rقوله: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ الخ عطف على مقدر يقتضيه السياق يدل عليه ما قبله كأنه قيل: هم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول، بل هم في خلط وشبهة من خلق جديد مستأنف لما فيه من مخالفة العادة وتنكير خلق لتفخيم شأنه والإشعار بخروجه عن حدود العادات والإيذان بأنه حقيق بأنه يبحث عنه ويتهم بمعرفته اهـ أبو السعود.\rقوله: (بتقدير نحن) أشار بهذا إلى أن نعلم خبر مبتدأ مقدر تقديره ونحن نعلم، والجملة الاسمية في محل نصب على الحال المقدرة، ولا يصح أن يكون ونعلم حالا بنفسه لأنه مضارع مثبت باشرته الواو اهـ كرخي.\rقوله: (ما مصدرية) فالتقدير: ونعلم وسوسة نفسه إياه على زيادة الباء، أو وسوسة نفسه له على كونها للتعدية اهـ شيخنا.\rويصح أن تكون موصولة كما في البيضاوي، والضمير عائد عليها أي: ونعلم الأمر الذي تحدثه نفسه به اهـ.\rقوله: (الباء زائدة) أي: مثل قولك صوت بكذا وهمس به، وقوله: (أو للتعدية) أي: فالنفس تجعل الإنسان قائما به الوسوسة اهـ كرخي.\rقوله: (و الضمير للإنسان) أي: لأنهم يقولون حدث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه، فجعل الإنسان مع نفسه أي: ذاته شخصين تجري بينهما مكالمة ومحادثة تارة يحدثها وتارة أخرى هي تحدثه اهـ كرخي.\rوالوسوسة: الصوت الخفي ومنه وسواس الحلي اهـ أبو السعود.\rوهذا بيان لمعناه اللغوي لا بيان لمعناه ههنا، إذ المراد بها هنا حديث النفس وهو ليس فيه صوت بالكلية، لكن مناسبته للمعنى الأصلي الخفاء في كل اهـ شيخنا.\rقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي: لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب على اللّه شيء. قال القشيري: في هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم وروح وأنس وسكون قلب لقوم اهـ خطيب.\rقوله: أَقْرَبُ إِلَيْهِ (بالعلم) أشار به إلى أن المراد بالقرب العلم به وبأحواله لا يخفى عليه شيء من خفياته، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: اللّه في كل مكان أي بعلمه فإنه سبحانه وتعالى منزه عن الأمكنة، وحاصله أنه تجوز بقرب الذات عن قرب العلم اهـ كرخي.","part":7,"page":262},{"id":2720,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 263\rمِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) الإضافة للبيان، والوريدان عرقان بصفحتي العنق\rإِذْ ناصبه اذكر مقدرا يَتَلَقَّى يأخذ ويثبت الْمُتَلَقِّيانِ الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ منه قَعِيدٌ (17) أي قاعدان، وهو مبتدأ خبره ما قبله\rما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ (18) قوله: مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ هذا مثل في فرط القرب، والحبل العرق وإضافته بيانية أبو السعود.\rوعبارة السمين: هذا كقولهم مسجد الجامع أي: حبل العرق الوريد، أو لأن الحبل أعم، فأضيف للبيان نحو: بعير ساقيه أو يراد حبل العاتق، فأضيف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق لأنهما عضو واحد، والوريد إما بمعنى الوارد وإما بمعنى المورود، والوريد عرق كبير في العنق يقال: أنهما وريدان. قال الزمخشري: عرقان يكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه. سمي وريدا لأن الروح ترد إليه وقال: وهو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ الأكحل والنساء في الخنصر الأسيلم اهـ.\rوفي الخازن: والوريد العرق الذي يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن وهو بين الحلق والعلباوين، ومعنى الآية أن جزاء الإنسان وأبعاضه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب عن علم اللّه شيء، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ونحن أقرب إليه بنفوذ قدرتنا فيه، ويجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه اهـ.\rقوله: (بصفحتي العنق) أي: مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه وهو عرق متصل بالقلب إذا قطع مات صاحبه اهـ أبو السعود وخطيب.\rقوله: (ناصبه اذكر مقدرا) أي: أو ناصبه أقرب كما في البيضاوي.\rقوله: (يأخذ ويثبت) الْمُتَلَقِّيانِ أي: يكتبان في صحيفتي الحسنات والسيئات، وقوله: ما يعمله مفعول يتلقى.\rقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ روي أن الملكين قاعدان على ثنيته لسانه قلمهما وريقه مدادهما اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي قاعدان) أشار به إلى أن قعيد مفرد أقيم مقام المثنى لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والقعيد كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى، والإفراد في رقيب عتيد مع اطلاعهما معا على ما صدر منه لما أن كلّا منهما رقيب لما فوض إليه لا لما فوض لصاحبه، كما ينبىء عنه قوله: عَتِيدٌ أي: معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير والشر، وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص اهـ أبو السعود.\rفعلم أن كلّا منهما يقال له رقيب عتيد. وفي المصباح: عند الشيء بالضم عتادا بالفتح حضر فهو عتد بفتحتين وعتيد أيضا ويتعدى بالهمزة والتضعيف. فيقال: اعتده صاحبه وعتده إذا أعده وهيأه، وفي التنزيل: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: 31] اهـ.\rقوله: (مبتدأ خبره ما قبله) أي: والجملة في محل نصب على الحالة من المتلقيان.","part":7,"page":263},{"id":2721,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 264\rحاضر، وكل منهما بمعنى المثنى\rوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ غمرته وشدته بِالْحَقِ من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانا، وهو نفس الشدة ذلِكَ أي الموت ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) تهرب وتفزع\rوَنُفِخَ فِي الصُّورِ للبعث ذلِكَ أي يوم النفخ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) للكفار بالعذاب\rوَجاءَتْ قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الخ ما نافية ومن زائدة في المفعول أي: ما يقول قولا، وقوله: لديه خبر مقدم ورقيب مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال، فإن قيل: قد علم من قوله إذ يتلقى المتلقيان الخ أنهما يحفظان أعماله، فما فائدة قوله ما يلفظ من قول الخ؟ قلنا: يعلم من الآية الثانية أن الملكين معدان لذلك بخلاف الأولى، فإنه لا يعلم منها ذلك، وأيضا يعلم من الآية الثانية صريحا أن الملك يضبط كل لفظ ولا يعلم ذلك من الأولى اهـ كازروني.\rقوله: (و كل منهما) أي: الرقيب والعتيد بمعنى المثنى، فالمعنى إلا لديه ملكان موصوفان بأنهما رقيبان وعتيدان، فكل منهما موصوف بأنه رقيب أي: حافظ للأعمال وعتيد أي: حاضر عند العبد لا يفارقه في نوم ولا يقظة، فالكاتبان اثنان فقط وإن كانا يتبدلان ليلا ونهارا، ولا حاجة إلى هذا كله بل الأولى جعل الوصفين لشيء واحد أي: إلا لديه ملك موصوف بأنه رقيب وعتيد. أي: حافظ حاضر، والمراد بذلك الملك اثنان كاتب الحسنات وكاتب السيئات فكل منهما يقال له رقيب عتيد.\rقوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ لما ذكر تعالى استبعادهم البعث والجزاء المذكور بقوله:\rأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً [المؤمنون: 82] الخ وبين أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال، وقد عبّر عن وقوع كل منهما بصيغة الماضي إيذانا بتحققها وغاية اقترابها اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالحق) الباء للتعدية أي: أتت بالأمر الحق أي: أظهرته، والمراد به ما بعد الموت من أهوال الآخرة، ومعنى كونه حقا أنه يقع ولا محالة، وقد أشار له بقوله من أمر الآخرة، والباء للملابسة أي حال كونها ملتبسة بالأمر الحق من حيث ظهوره ورؤيته عندها. وفي أبي السعود: والباء إما للتعدية كما في قوله: جاء الرسول بالخبر، والمعنى أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب اللّه ورسوله أو حقيقة الأمر وجلية الحال في سعادة الميت وشقاوته، وقيل: الحق الذي لا بد أن يكون لا محالة من الموت أو الجزاء، فإن الإنسان خلق له، وإما للملابسة كالتي في قوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: 20] أي: ملتبسة بالحق أي: بحقيقة الأمر أو بالحكمة والغاية الجميلة اهـ.\rقوله: (و هو نفس الشدة) قال القاري: لم يظهر لي معنى هذه العبارة اهـ.\rويمكن أن يقال الضمير في قوله وهو راجع لأمر الآخرة، والمراد بالشدة الأمر الشديد وهو أهوال الآخرة، فعلى هذا تكون هذه الجملة تفسيرا لقوله: (من أمر الآخرة) وقوله: ذلك ما كنت الخ على تقدير القول كما ذكره الخازن أي: ويقال له في وقت الموت ذلك الأمر الذي رأيته هولا الذي كنت منه تحيد في حياتك فلم ينفعك الهرب والفرار اهـ شيخنا.\rقوله: (حتى يراه المنكر لها) أي: للآخرة. قوله: (تهرب) بضم الراء من باب طلب اهـ شيخنا.\rقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ عطف على وجاءت سكرة الموت والصور: هو القرن الذي ينفخ فيه","part":7,"page":264},{"id":2722,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 265\rفيه كُلُّ نَفْسٍ إلى المحشر مَعَها سائِقٌ ملك يسوقها إليه وَشَهِيدٌ (21) يشهد عليها بعملها، وهو الأيدي والأرجل وغيرها، ويقال للكافر\rلَقَدْ كُنْتَ في الدنيا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا النازل بك اليوم فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) حادّ تدرك به ما أنكرته في الدنيا\rوَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكل به هذا ما أي الذي لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) حاضر فيقال إسرافيل عليه السّلام وهو من العظمة بحيث لا يعلم قدره إلا اللّه، وقد التقمه إسرافيل من حين بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منتظرا للإذن بالنفخ اهـ خطيب.\rقوله: (أي يوم النفخ) أي: فالإشارة إلى الزمان المفهوم من قوله نفخ لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان اهـ خطيب.\rوقوله: يَوْمُ الْوَعِيدِ أي: يوم تحقق الوعيد وإنجازه اهـ بيضاوي.\rقوله: (فيه) أي: في يوم الوعيد.\rقوله: مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ أي: ملكان، أحدهما يسوقها، والآخر يشهد بعملها، أو ملك جامع بين الوصفين، وقيل: السائق كاتب السيئات، والشاهد كاتب الحسنات، وقيل: السائق نفسه أو قرينه والشهيد جوارحه أو أعماله، ومحل معها النصب على الحال من كل لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة اهـ بيضاوي.\rوسائق فاعل به. وفي السمين: أن معها سائق جملة من مبتدأ وخبر في محل جر صفة لنفس، أو في محل رفع صفة لكل، أو في محل نصب على الحال من كل اهـ.\rوفي القرطبي: واختلف في السائق والشهيد، فقال ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد نفسه، وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وقال ابن مسلم:\rالسائق قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يجبها، وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان. وعن عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما أنه قال وهو على المنبر: وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد سائق ملك يسوقها إلى أمر اللّه وشهيد ملك يشهد عليها بعملها. قلت: هذا أصح وفي الحديث.\r«إذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشط كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه، واحدهما سائق والآخر شهيد.» ثم في الآية قولان، أحدهما: أنها عامة في المسلم والكافر وهو قول الجمهور. والثاني: أنها خاصة بالكافر قاله الضحاك اهـ بحروفه.\rقوله: (و يقال للكافر) أي: أو لكل نفس أي: ما من أحد إلا وله اشتغال ما عن الآخرة اهـ بيضاوي.\rقوله: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ الغطاء الحاجب لأمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والألف بها وقصور النظر عليها اهـ بيضاوي.\rقوله: (حاد) أي: نافذ لزوال المانع للإبصار اهـ.\rقوله: (الملك وكل به) عبارة البيضاوي: وقال قرينه أي: قال الموكل عليه هذا أي: عمله ما","part":7,"page":265},{"id":2723,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 266\rلمالك\rأَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ أي ألق ألق، أو ألقين، وبه قرأ الحسن، فأبدلت النون ألفا كُلَّ كَفَّارٍ لدي عتيد. أي: هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي، أو الشيطان الذي قيض له في الدنيا هذا أي:\rهذا الشخص ما عندي، وفي ملكي عتيد لجهنم هيأته لها باغوائي وإضلالي إياه، انتهت.\rوفي أبي السعود: قال قرينه أي: الشيطان المقيض له مشيرا إليه: هذا ما لدي عتيد أي: هذا ما عندي في ملكي عتيد لجهنم قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي، وقيل: قال الملك الموكل به مشيرا إلى ما هو من كتاب عمله: هذا مكتوب عندي عتيد مهيأ للعرض اهـ.\rقوله: (الملك الموكل به) أي: في الدنيا لكتابة أعماله وهو الرقيب السابق ذكره، وتقدم أنه كاتب الحسنات وكاتب السيئات، وأن للإنسان رقيبين وهما العتيدان فإفراده لتأويله كما مرّ في الرقيب اهـ شهاب.\rوفي زاده: الظاهر أن الخطابات السابقة لكل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة، وقد تقرر أن النفوس المؤمنة لها قرينان، أحدهما يكتب حسناته، والآخر يكتب سيئاته، فلم أفرد القرين في قوله:\rقالَ قَرِينُهُ؟ وتقرير الجواب: أن إفراد القرين لأن المراد به الجنس ولو جعلت الخطابات السابقة للكافر لكان وجه إفراد القرين ظاهرا اهـ.\rقوله: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ يجوز أن تكون ما نكرة موصوفة، وعتيد صفتها، ولدي متعلق بعتيد أي: هذا شيء عتيد لدي أي: حاضر عندي، ويجوز على هذا أن يكون لدي وصفا لهما، وعتيد صفة ثانية أو خبر مبتدأ محذوف أي: هو عتيد، ويجوز أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، ولدي صلتها، وعتيد خبر الموصول، والموصول وصلته خبر اسم الإشارة ويجوز أن تكون ما بدلا من هذا موصولة كانت أو موصوفة بلدي، وعتيد خبر هذا، وجوز الزمخشري في عتيد أن يكون بدلا، أو خبرا بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف اهـ.\rقوله: (أي ألق) لما جرى الشارح على الخطاب لواحد احتاج إلى هذا الاعتذار عن التثنية في اللفظ. وحاصله من وجهين، الأول: أن الألف ضمير التثنية في الصورة والأصل أن الفعل مكرر للتوكيد، وحذف الثاني وجمع فاعله مع فاعل الأول وعبّر عنهما بضمير التثنية، فعلى هذا يعرب بأنه مبني على حذف النون والألف فاعل ومدار الإعراب على اللفظ. والثاني: أن الألف ليست للتثنية لا حقيقة ولا صورة، بل هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة على حد قوله:\rوأبدلنها بعد فتح ألفا ... وقفا كما تقول في قفن قفا\r\rوأجري الوصف مجرى الوقف اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ الخ إيضاحه أن الخطاب للمسلمين السائق والشهيد على ما عليه الأكثر وهو الظاهر، وقيل: لواحد وتثنية الفاعل منزلة منزلة تثنية الفعل وتكريره، فكأنه قيل ألق ألق للتأكيد اهـ.\rوقيل في توجيه ذلك: أنه حذف الثاني ثم أتى بفاعله وفاعل الأول على صورة ضمير الاثنين","part":7,"page":266},{"id":2724,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 267\rعَنِيدٍ (24) معاند للحق\rمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ كالزكاة مُعْتَدٍ ظالم مُرِيبٍ (25) شاكّ في دينه\rالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ مبتدأ ضمن معنى الشرط خبره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26) تفسيره مثل ما تقدم\r* قالَ قَرِينُهُ الشيطان رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أضللته وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) فدعوته فاستجاب لي متصلا بالفعل الأول، وهذا ظاهر صنيع الشيخ المصنف أو الألف بدل من النون الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف كلنسفعا، ويؤيده قراءة الحسن في الشواذ ألقين بنون التوكيد الخفيفة اهـ.\rفقوله: وبه قرأ الحسن أي البصري، ولم يقرأ بهذه القراءة أحد من السبعة اهـ شيخنا.\rقوله: كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ أي: معاند. قال مجاهد، وعكرمة، وقال بعضهم: العنيد المعرض عن الحق، يقال: عند يعند بالكسر عنودا أي خالف وردّ الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند، وجمع العنيد عند مثل رغيف ورغف اهـ قرطبي.\rوفي المختار: عند من باب جلس أي خالف وردّ الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند وعانده معاندة وعنادا بالكسر عارضه، وعند معناها حضور الشيء ودنوه وفيها ثلاث لغات كسر العين وفتحها وضمها اهـ.\rقوله: (مبتدأ ضمن معنى الشرط) فيه تساهل، وصوابه: أن يقول مبتدأ يشبه الشرط في العموم، ولذا دخلت الفاء في خبره، وفي المسين: قوله الذي جعل يجوز أن يكون منصوبا على الذم أو علم البدل من كل، وأن يكون مجرورا بدلا من كفار أو مرفوعا بالابتداء والخبر فألقياه. قيل: ودخلت الفاء لشبهه بالشرط.\rقوله: (تفسيره) أي: تخريجه مثل ما تقدم. أي: من حيث الاعتذار عن التثنية في اللفظ مع أن الخطاب لواحد وهو مالك وقد علمت إيضاحه اهـ شيخنا.\rقوله: قالَ قَرِينُهُ الخ أي جوابا عما ادعاه الكافر عليه بقوله هو أطغاني، فالكفر أولا قال الشيطان أطغاني، فأجابه الشيطان وقال: ربنا ما أطغيته الخ. فكان الأولى للشارح أن يقدم قوله: وقال هو أطغاني على قوله ربنا ما أطغيته فيقول: وقال قرينه جوابا لقوله هو أطغاني ربنا ما أطغيته الخ اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: قال قرينه يعني الشيطان الذي قيد لهذا الكافر ربنا ما أطغيته. قيل: هذا الجواب لكلام مقدر، وهو أن الكافر حين يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني، فيقول الشيطان: ربنا ما أطغيته أي ما أضللته وما أغويته، ولكن كان في ضلال بعيد أي: عن الحق فيتبرأ منه شيطانه، وقال ابن عباس: قرينه يعني الملك يقول الكافر: رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه وإن كتبت إلا ما قال وعمل، ولكن كان في ضلال بعيد أي: طويل لا يرجع عنه إلى الحق، فيقول اللّه تعالى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ أي لا تعتذروا عندي بغير عذر، وقيل: هو خصماؤهم مع قرنائهم وقد قدمت إليكم بالوعيد أي بالقرآن، وأنذرتكم على ألسنة الرسل، وحذرتكم عذابي في الآخرة لمن كفر اهـ.\rوجاءت هذه الجملة بلا واو لأنها قصد بها الاستئناف، كأن الكافر قال: رب هو أطغاني، فقال","part":7,"page":267},{"id":2725,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 268\rوقال هو أطغاني بدعائه لي\rقالَ تعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ أي ما ينفع الخصام هنا وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ في الدنيا بِالْوَعِيدِ (28) بالعذاب في الآخرة لو لم تؤمنوا ولا بد منه\rما يُبَدَّلُ يغير الْقَوْلُ لَدَيَ في ذلك وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) فأعذبهم بغير جرم، وظلام بمعنى ذي ظلم لقوله لا ظُلْمَ الْيَوْمَ\rيَوْمَ ناصبه ظلام نَقُولُ بالنون والياء لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ استفهام تحقيق لوعده بملئها قرينه: ما أطغيته بخلاف التي قبلها فإنها عطفت على ما قبلها بالواو الدالة على الجمع بين معناها وبين ما قبلها في الحصول. أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال اهـ سمين.\rقوله: لا تَخْتَصِمُوا خطاب للكافري وقرنائهم اهـ قرطبي.\rقوله: (أي ما ينفع الخصام هنا) أي: في دار الجزاء وموقف الحساب اهـ كرخي.\rقوله: وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ يرد عليه أن قوله: وَقَدْ قَدَّمْتُ واقع موقع الحال من لا تختصموا، والتقديم بالوعيد في الدنيا والخصومة في الآخرة واجتماعهما في زمان واحد واجب، وإيضاح الجواب: أن معناه لا تختصموا، وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الدار الآخرة، ويجوز أن يكون بالوعيد حالا من الفاعل أو المفعول، والمعنى قدمت إليكم.\rموعدا لكم به، وقدمت إليكم هذا ملتبسا بالوعيد مقترنا به، كما أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rوفي السمين: أن الباء زائدة في المفعول اهـ.\rقوله: (و لا بد منه) أي: لا تطمعوا أني أبدل وعيدي والعفو عن بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل، فإن دلائل العفو في حق عصاة المذنبين تدل على تخصيص الوعيد ولا تخصيص في حق الكفار، فالوعيد على عمومه من حقهم اهـ كرخي.\rقوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ المراد بالقول هو الوعيد بتخليد الكافر في النار ومجازاه العصاة على حسب استحقاقهم اهـ زاده.\rقوله: (في ذلك) أي هنا أي في موقف الحساب والجزاء، فالإشارة راجعة إلى هنا اهـ شيخنا.\rقوله: (لا ظلم اليوم) أي: وإذا لم يظلم في هذا اليوم فنفي الظلم عنه في غيره أحرى فلا مفهوم له اهـ كرخي.\rقوله: (استفهام تحقيق لوعده بمثلها) فيه رد على كل من قال كالزمخشري سؤال جهنم وجوابها من باب التخيل الذي يقصد به تصوير في القلب وتبيينه، وجعله هذا من باب المجاز مردود لما ورد:\rتحاجت الجنة والنار واشتكت النار إلى ربها ولا مانع من ذلك، فقد سبح الحصى وسلم الحجر على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولو فتح باب المجاز فيه لا تسع الخرق بخلاف الآيات الواردة في الصفات، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه اهـ كرخي.\rقوله أيضا: (استفهام تحقيق الخ) هذا بمعنى قولهم استفهام تقرير، فاللّه تعالى يقررها بأنها قد امتلأت، ولما خاطبها بصورة الاستفهام أجابته بصورة الاستفهام أيضا، ومرادها الإخبار عن امتلائها والاقرار به، ولذلك قال الشارح بصورة الاستفهام أي: أجابته جوابا صورته استفهام ومعناه الخبر كما","part":7,"page":268},{"id":2726,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 269\rوَتَقُولُ بصورة الاستفهام كالسؤال هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) أي فيّ لا أسع غر ما امتلأت به أي قد امتلأت\rوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ قربت لِلْمُتَّقِينَ مكانا غَيْرَ بَعِيدٍ (31) منهم فيرونها ويقال لهم\rهذا أشار له بقوله: أي امتلأت، وإنما أجابه بصورة استفهام لكون جوابها طبق السؤال وهو قوله: هل امتلأت فلذلك قال كالسؤال اهـ شيخنا.\rومحل هذا التقرير أن الاستفهام منها للإنكار، ويحتمل أن الاستفهام لطلب الزيادة فهو بمعنى الأمر فهو بمعنى زدني، ويدل عليه ما جاء في الحديث من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك» الخ أشار له البيضاوي. وفي صحيح مسلم، والبخاري، والترمذي عن أنس بن مالك، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك فينزوي بعضها على بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء اللّه لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة» هذا لفظ مسلم. وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة: «فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع اللّه عليها رجله يقول لها قط قط فهناك تمتلىء وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم اللّه من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن اللّه تعالى ينشىء لها خلقا». قال علماؤنا رحمهم اللّه: أما معنى القدم هنا فهم قوم يقدمهم اللّه إلى النار قد سبق في علمه أنهم من أهل النار، وكذلك الرجل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم. يقال: رأيت رجلا من الناس ورجلا من جراد، ويبين هذا المعنى ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى ما أمر به وما ينتظره ولم يبق أحد منهم قالت الخزنة: قط قط حسبنا حسبنا اكتفينا اكتفينا، وحينئذ فتنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذا لم يبق أحد ينتظر، فعبّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم، ويشهد لهذا التأويل قوله في نفس الحديث:\r«و لا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء اللّه لهم خلقا فيسكنهم فضل الجنة».\rفائدة:\rفي تذكرة القرطبي ما نصه: باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها. روي عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «لا يركب البحر رجل إلا غاز أو حاج أو معتمر فإن تحت البحر نارا» ذكره أبو عمر وضعفه، وقال عبد اللّه بن عمر: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم وضعفه أبو عمر أيضا اهـ.\rقوله: (بملئها) بفتح الميم مصدر من باب قطع، ففي المختار: وملأ الإناء من باب قطع فهو مملوء، والملء بالكسر ما يأخذه الإناء إذا امتلأ اهـ.\rوقوله: (أي لا أسع الخ) أي: فالاستفهام للنفي كما في السين اهـ.\rقوله: (مكانا) غَيْرَ بَعِيدٍ فهو منصوب على الظرفية لقيامة مقام الظرف لأنه صفته، وفيه إشارة إلى جواب كيف قال غير بعيد، ولم يقل غير بعيدة لكونه وصفا للجنة؟ وإيضاحه أنه صفة لمذكر محذوف، أو لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال الزمخشري: أو لأن الجنة بمعنى البستان،","part":7,"page":269},{"id":2727,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 270\rالمرئي ما تُوعَدُونَ بالتاء والياء في الدنيا، ويبدل من المتقين قوله لِكُلِّ أَوَّابٍ رجاع إلى طاعة اللّه حَفِيظٍ (32) حافظ لحدوده\rمَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ خافه ولم يره وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) مقبل على طاعته، ويقال للمتقين أيضا\rادْخُلُوها بِسَلامٍ أي سالمين من كل مخوف أو مع سلام أي سلموا وادخلوا ذلِكَ اليوم الذي حصل فيه الدخول يَوْمُ الْخُلُودِ (34) الدوام في الجنة\rلَهُمْ ما وفائدة قوله غير بعيد بعد قوله وَأُزْلِفَتِ بمعنى قربت كما قرره التأكيد، كقولهم: هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، فإن قيل ما وجه التقريب مع أن الجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب؟\rفالجواب من وجوه، الأول: أن الجنة لا تنقب ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانتقال إليها مع بعدها، لكن اللّه تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب، فإن قيل: فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة، فما فائدة قوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ؟ فالجواب:\rأن ذلك اكرام للمؤمن وبيان لشرفه، وأنه ممن يمشي إليه. الثاني: أن المراد قرب الدخول فيها لا بمعنى القرب المكاني. الثالث: أن اللّه تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن، ويحتمل أن أزلفت بمعنى جمعت محاسنها لأنها مخلوقة، أو أن المعنى قرب حصولها لأنها تنال بكلمة طيبة وخص المتقين بذلك لأنهم أحق بها اهـ كرخي.\rقوله: (و يبدل من المتقين الخ) أي: بتكرير الجار كقوله: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75] فتكون جملة هذا ما توعدون اعتراضية فصل بها بين البدل والمبدل منه اهـ كرخي.\rقوله: (حافظ لحدوده) أشار به إلى أن حفيظ بمعنى حافظ لا بمعنى محفوظ اهـ كرخي.\rقوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بدل من كل بعد كون كل بدلا من المتقين، لا أنه بدل من المتقين أيضا، لأن تكرر البدل مع كون المبدل منه واحدا لا يجوز، ويصح كونه في موضع رفع أي هم من خشي الخ اهـ كرخي.\rقوله: (خافه ولم يره) أشار به إلى أن بالغيب حال من المفعول أي خشية وهو غائب لا يعرفه اهـ كرخي.\rقوله: (أي سالمين من كل مخوف) أشار به إلى أن بسلام حال من فاعل ادخلوها وهي حال مقارنة، وقوله: (أو مع سلام،) وعليه فتكون حالا مقدرة كقوله: فادخلوها خالدين، كذا قيل: قال أبو عادل: وفيه نظر إذ لا مانع من مقارنة تسليمهم لحال الدخول بخلاف فادخلوها خالدين فإنه لا يعقل الخلود إلا بعد الدخول اهـ كرخي ببعض تصرف.\rقوله: (أي سلموا) أي ليسلم بعضكم على بعض، فالمراد السّلام فيما بينهم وهو تحيتهم بعضهم لبعض، وقيل: المراد سلام اللّه وملائكته عليهم، فعلى هذا قوله بسلام معناه مسلما عليكم، وتقدم هذا في قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَ [يونس: 10] الخ تأمل. قوله: (اليوم الذي حصل فيه الدخول) نبه به على أن ذلك إشارة إلى زمان الدخول المتحقق فيه تقديره الخلود إذا لا انتهاء له، فإن قيل: المؤمن قد علم في الدنيا أنه إذا دخل الجنة خلد فيها، فما فائدة هذا القول؟ فالجواب: من وجهين، الأول: إن اللّه تعالى قال ذلك يوم الخلود في الدنيا إعلاما وإخبارا وليس ذلك قولا يقوله عند","part":7,"page":270},{"id":2728,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 271\rيَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (35) زيادة على ما عملوا وطلبوا\rوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أهلكنا قبل كفار قريش قرونا كثيرة من الكفار هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً قوّة فَنَقَّبُوا فتشوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) لهم أو لغيرهم من الموت فلم يجدوا\rإِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَذِكْرى لعظة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ عقل أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ استمع الوعظ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) حاضر بالقلب\rوَلَقَدْ قوله ادْخُلُوها. الثاني: أن اطمئنان القلب بالقول أكثر اهـ كرخي.\rقوله: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها يجوز أن يتعلق فيها بيشاؤون، ويجوز أن يكون حالا من الموصول أو من عائده، والأول أولى اهـ كرخي.\rقوله: (زيادة على ما عملوا وطلبوا) قال أنس، وجابر: هي النظر إلى وجه اللّه الكريم. قيل:\rيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل ليلة جمعة في دار كرامته فهذا هو المزيد اهـ خطيب.\rوقيل: إن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور فيقلن نحن المزيد الذي قال اللّه تعالى:\rولدينا مزيد اهـ أبو السعود.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ الخ لما ذكر تعالى في أول السورة تكذيب الأمم السابقة ذكر هنا اهلاك قرون ماضية بقوله: وكم أهلكنا الخ. وكم: منصوبة بما بعدها وقدمت وإن كانت خبرية كما أشار له الشارح بقوله قرونا كثيرة، لأن الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في التصدير: مِنْ قَرْنٍ تمييز لها، وجملة هم أشد صفة ما لكم وإما لتمييزها، والفاء في قوله فنقّبوا عاطفة على المعنى، كأنه قيل: اشتد بطشهم فنقبوا، والضمير في فنقبوا راجع لقرن، ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم وتفتيشهم توجه سؤال فيه تنبيه الغافل الذاهل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله: هل من محيص. أي: معدل ومهرب ومحيد من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في ردّ أمرنا اهـ خطيب.\rوهل حرف استفهام، ومن زائدة، ومحيص مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله لهم أو لغيرهم، والجملة إما على إضمار قول هو حال من واو نقبوا أي فنقبوا في البلاد قائلين هل من محيص، أو على اجراء التنقيب لما فيه من معنى الجمع والتفتيش مجرى القول، أو هو كلام مستأنف وارد لنفي أن يكون لهم محيص اهـ أبو السعود.\rقوله: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ في المختار: فنقبوا في البلاد ساروا فيها طلبا للهرب اهـ.\rوفي القاموس: ونقب في الأرض ذهب كأنقب ونقب، وعن الأخبار بحث عنها وأخبر بها وفي البلاد سار فيها اهـ.\rقوله: (لم أو لغيرهم) هذا يقتضي أن الجملة الاستفهامية مستأنفة وهي من كلام اللّه تعالى، إذ لو كانت من كلامهم لكان التقدير على من محيص لها فليتأمل.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المذكور) أي: في هذه السورة من أولها إلى هنا.\rقوله: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أو: مانعة خلو لا مانعة جمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب كما يلوح به قوله: وهو شهيد اهـ أبو السعود.\rقوله: (استمع الوعظ) أي بغاية إصغائه حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل اهـ خطيب.","part":7,"page":271},{"id":2729,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 272\rخَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد، وآخرها الجمعة وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38) تعب، نزل ردا على اليهود في قولهم: إن اللّه استراح يوم السبت، وانتفاء التعب عنه لتنزهه تعالى عن صفات المخلوقين، ولعدم المماسة بينه وبين غيره إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ\rفَاصْبِرْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عَلى ما يَقُولُونَ أي اليهود وغيرهم من التشبيه قوله: (حاضر بالقلب) حمل شهيد على تقرير كونه من الشهود على الحضور بالذهن لتظهر فائدة التقييد بالجملة الحالية، لأن من ألقى السمع إلى ما تلى عليه يكون حاضرا بشخصه لا محالة وإطلاقه في الآية للاشعار بأن من لا يحضر بذهب فكأنه غائب اهـ زاده.\rقوله: (في ستة أيام) الأرض في يومين ومنافعها في يومين والسموات في يومين، ولو شاء لخلق الكل في أقل من لمح البصر، ولكنه تعالى من فضله علمنا بذلك التأني في الأمور اهـ خطيب.\rقوله: مِنْ لُغُوبٍ من زائدة في، الفاعل، واللغوب مصدر لغب من دخل باب ومن باب تعب أيضا كما في المختار ونصه: اللغوب بضمتين النصب والأعياء وبابه دخل ولغب بالكسر من باب تعب لغويا أيضا لغة ضعيفة اهـ.\rوفي المصباح: أنه من باب قتل أيضا اهـ.\rوفي السمين: وما مسنا من لغوب يجوز أن تكون الجملة حالا وأن تكون مستأنفة، والعامة على ضم لام اللغوب، وعلي طلحة والسلمي ويعقوب بفتحها وهما مصدران بمعنى، وينبغي أن يضم هذا إلى ما حكاه سيبويه من المصادر الجائية على هذا الوزن وهي خمسة، وإلى ما زاده الكسائي وهو الوروع فتصير سبعة، وقد أتقنت هذا في البقرة في قوله: (و قردها) اهـ.\rقوله: (نزل ردا على اليهود الخ) عبارة الخازن: قال المفسرون نزلت في اليهود حيث قالوا: خلق السموات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فلذلك تركوا العمل فيه، فأنزل اللّه هذه الآية ردا عليهم وتكذيبا لهم فيه قولهم استراح يوم السبت بقوله: وما مسنا من لغوب. قال الرازي: في الآية وقفة من حيث إن الأحد وغيره من الأيام أزمنة بعضها يعقب بعضا، فلو كان خلق السموات والأرض قد ابتدئ يوم الأحد لكان الزمان قبل الأجسام والزمان لا ينفك عن الأجسام، فيلزم أن يكون قبل خلق الأجسام أجسام، لأن اليوم عبارة عن زمان سير الشمس من الطلوع إلى الغروب، وقبل خلق السموات لم يكن شمس ولا قمر، ولكن اليوم قد يطلق ويراد به الوقت والحين، وقد يعبر به عن مدة الزمان أي مدة كانت اهـ.\rقوله: (و لعدم المماسة بينه وبين غيره) أي من الموجودات التي يوجدها، واللغوب والإعياء إنما يحصل من العلاج ومماسة الفاعل لمفعوله كالنجار والحداد والخباز وغير ذلك، وهذا إنما يكون من أفعال المخلوقين.\rقوله: (إنما أمره) أي: شأنه إيجاد الأشياء، وقوله: (أن يقول له كن) أي من غير فعل ولا معالجة عمل وهذا تقريب للعقول، وإلا ففي الحقيقة لا قول ولا كاف ولا نون اهـ شيخنا.\rقوله: (من التشبيه) أي: تشبيه اللّه بغيره إذ نسبوا له الإعياء والاستراحة وغير ذلك من كفرياتهم اهـ شهاب.","part":7,"page":272},{"id":2730,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 273\rوالتكذيب وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ صل حامدا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أي صلاة الصبح وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) أي صلاة الظهر والعصر\rوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أي صلّ العشاءين وَأَدْبارَ السُّجُودِ (40) بفتح الهمزة جمع دبر وبكسرها مصدر أدبر أي صلّ النوافل المسنونة عقب الفرائض، وقيل المراد حقيقة التسبيح في هذه الأوقات ملابسا للحمد\rوَاسْتَمِعْ يا مخاطب مقولي يَوْمَ يُنادِ وهذا قول اليهود وغيرهم كالمشركين قالوا بإنكار والإعادة اهـ بيضاوي.\rقوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ الخ فقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مشتغلا بأمرين أحدهما: عبادة اللّه، والثاني:\rهداية الخلق فلما لم يهتدوا قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة اهـ خطيب.\rقوله: (صل حامدا) أشار بهذا إلى أن سبح معناه صل قال بعضهم: على سبيل المجاز من اطلاق اسم الجزء على الكل، لكن في القاموس أن من جملة معاني التسبيح الصلاة، فعليه لا تجوز وإلى أن بحمد ربك في موضع الحال من فاعل سبح، وقوله: أي صلاة الصبح تفسير للمفعول المحذوف وكذا يقال فيما بعده اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة إدبار بكسر الهمزة على أنه مصدر قام مقام ظرف الزمان، كقولهم: آتيك خفوق النجم وخلافة الحجاج، والمعنى وقت إدبار الصلاة أي: انقضائها وتمامها، والباقون بالفتح جمع دبر وهو آخر الصلاة وعقبها اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: فتح الهمزة أي: أعقاب الصلاة جمع دبر من أدبرت الصلاة إذا انقضت، وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء اهـ.\rقوله: (جمع دبر) بضمتين كطنب وأطناب وبضم فسكون كقفل وأقفال اهـ قرطبي.\rوفي المصباح الطنب بضمتين وسكون الثاني لغة الحبل تشد به الخيمة ونحوها، والجمع أطناب مثل عنق وأعناق اهـ.\rقوله: (و قيل المراد حقيقة التسبيح) قاله مجاهد لخبر أبي هريرة في الصحيح مرفوعا: «من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد اللّه وكبّر ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون وتمام المائة لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» اهـ كرخي.\rقوله: (مقولي) أشار به إلى أن مفعول أي استمع ما أقول لك في شأن أحوال القيامة فالوقف على استمع ويوم أول كلام مستأنف سيأتي التنبيه على عامله اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وَاسْتَمِعْ هو استماع على بابه، وقيل: هي بمعنى الانتظار وهو بعيد، فعلى الأول يجوز أن يكون المفعول محذوفا أي استمع نداء المنادي أو نداء الكافر بالويل والثبور، فعلى هذا يكون يوم ينادي ظرفا لاستمع أي استمع ذلك في يوم، وقيل: استمع ما أقول لك، فعلى هذا يكون يوم ينادي منصوبا بيخرجون مقدرا مدلولا عليه بقوله ذلك يوم الخروج وعلى الثاني يكون يوم ينادي مفعولا به ؤي انتظر ذلك اليوم، ووقف ابن كثير على ينادي بالياء والباقون بدونها، ووجه إثباتها","part":7,"page":273},{"id":2731,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 274\rالْمُنادِ هو إسرافيل مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41) من السماء وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء\rيَوْمَ بدل من يوم قبله يَسْمَعُونَ أي الخلق كلهم الصَّيْحَةَ بِالْحَقِ بالبعث وهي النفخة الثانية من إسرافيل، ويحتمل أن تكون قبل ندائه أو بعده ذلِكَ أي يوم النداء والسماع يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) من القبور، وناصب يوم ينادي أنه لا مقتضى لحذفها ووجه حذفها وقفا اتباعا للرسم والوقف محل تخفيف، وأما المنادي فأثبت ابن كثير أيضا ياءه وصلا ووقفا، ونافع وأبو عمرو بإثباتها وصلا وحذفها وقفا، وباقي السبعة بحذفها وصلا ووقفا، فمن أثبت فلأنه الأصل، ومن حذف فلاتباع الرسم، ومن خص الوقف بالحذف فلأنه محل راحة ومحل تغيير اهـ.\rقوله: يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ أي: بالحشر اهـ خطيب.\rقوله: (إسرافيل) يقف على صخرة بيت المقدس فينادي بالحشر، وقيل: المنادي جبريل والنافخ إسرافيل. قال الشهاب: وهو الأصح كما دلت عليه الآثار اهـ.\rقوله: (أقرب موضع من الأرض إلى السماء) أي باثني عشر ميلا وهي وسط الأرض اهـ خطيب.\rوعبارة الخازن: أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وقيل: هي وسط الأرض اهـ.\rقوله: (و الأوصال) أي العروق.\rقوله: بِالْحَقِ حال من الواو أي يسمعون ملتبسين بالحق، أو من الصيحة أي ملتبسة بالحق اهـ خطيب.\rوصنيع الشارح يقتضي أن الباء للتعدية حيث فسر الحق بالبعث أي يسمعون الصيحة والصرخة بالبعث كما تقول صاح بكذا اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي النفخة الثانية من إسرائيل ويحتمل أن تكون قبل ندائه وبعده) تأمل هذا الصنيع حيث فسر الصيحة بالنفخة الثانية التي هي نفخة البعث، ثم قال: ويحتمل الخ فهذا يقتضي أنها غير النداء المذكور، مع أن النداء المذكور هو ما يسمع من النفخة الثانية، فهذا الصنيع من الشارح غير مستقيم، وعبارة القرطبي: في سورة يس: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 29 و35] يعني أن بعثهم إحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة والأوصال المتقطعة واللحوم المتفرقة والشعور المتمزقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، وهذا معنى قوله: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ على ما يأتي اهـ. فتأمل.\rقوله: (و هذا معنى قوله الخ) حيث جعل النداء المذكور تفسيرا في قوله: يوم يسمعون الصيحة بالحق تأمل. قوله: (أي يعلمون عاقبة تكذيبهم) بيان للناصب المقدر، ولو قدره الشارح بجنب منصوبه لكان أسهل في الفهم لأن قوله: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من جملة الاعتراض الآتي التنبيه عليه، فالعامل في يوم ينادي يقدر قبله اهـ شيخنا.","part":7,"page":274},{"id":2732,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 275\rمقدرا أي يعلمون عاقبة تكذيبهم\rإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43)\rيَوْمَ بدل من يوم قبله وما بينهما اعتراض تَشَقَّقُ بتخفيف الشين وتشديدها، بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً جمع سريع، حال من مقدر، أي فيخرجون مسرعين ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44) فيه فصل بين الموصوف والصفة بمتعلقها للاختصاص، وهو لا يضر، وذلك إشارة إلى معنى الحشر المخبر به عنه، وهو الإحياء بعد الفناء، والجمع للعرض والحساب\rنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي كفار قريش وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ تجبرهم على الإيمان، وهذا قبل الأمر بالجهاد فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45) وهم المؤمنون.\rقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الخ أي في الدنيا، وقوله: وإلينا المصير أي في الآخرة. قوله: (بدل من يوم قبله) عبارة السمين: قوله: يوم تشقق الأرض. يوم يجوز أن يكون بدلا من يوم قبله، وقال أبو البقاء: إنه بدل من يوم الأول وفيه نظر من حيث تعدد البدل والمبدل منه واحد، وقد تقدم أن الزمخشري منعه، ويجوز أن يكون اليوم ظرفا للمصير، وقيل: ظرفا للخروج، وقيل: منصوب بيخرجون مقدرا اهـ.\rقوله: (و ما بينهما) وهو قوله: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (حال من مقدر) مبني على أن يوم معمول لمحذوف تقديره يخرجون يوم تشقق الأرض عنهم حال كونهم سراعا، وقيل: إنه حال من الضمير في عنهم ولا تقدير اهـ.\rقوله: (للاختصاص) أي لا يتيسر ذلك إلا على اللّه وحده اهـ خطيب.\rوالمراد بالاختصاص الحصر لأن تقديم المعمول اهـ شيخنا.\rقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ فيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خطيب.\rقوله: بِجَبَّارٍ صيغة مبالغة من جبر الثلاثي، فإن فعالا إنما يبنى من الثلاثي. وفي المصباح:\rوأجبرته على كذا بالألف حملته عليه قهرا وغلبته فهو مجبر. هذه لغة عامة العرب، وفي لغة لبني تميم وكثير من أهل الحجاز جبرته جبرا من باب قتل حكاه الأزهري، ثم قال: جبرته وأجبرته لغتان جيدتان، وقال الخطابي: الجبار الذي جبر خلقه على ما أراده من أمره ونهيه، يقال: جبره السلطان وأجبره بمعنى، ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أن الثلاثي لغة حكاها الفراء وغيره، واستشهد لصحتها بما معناه أنه لا يبنى فعال إلّا من فعل ثلاثي نحو الفتاح والعلام، ولم يجىء من أفعل بالألف إلا دراك، فإن حمل جبار على هذا المعنى فهو وجيه. قال الفراء: وقد سمعت العرب تقول جبرته على الأمر وأجبرته، وإذا ثبت ذلك فلا يعول على قول من ضعفها اهـ.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) أي: فهو منسوخ اهـ كازروني. قوله: مَنْ يَخافُ وَعِيدِ يرسم بدون ياء، وأما في اللفظ فقرأ ورش بإثباتها بعد الدال وصلا لا وقفا، وحذفها الباقون وصلا ووقفا اهـ خطيب.\rقوله: (و هم المؤمنون) أي: فإنهم المنتفعون به، وأما من عداهم فنحن نفعل بهم ما توجبه أقوالهم وتستدعيه أعمالهم من أنواع العقاب وفنون العذاب اهـ كرخي، واللّه أعلم.","part":7,"page":275},{"id":2733,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 276\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الذاريات مكية وهي ستون آية\rوَالذَّارِياتِ الرياح تذرو التراب وغيره ذَرْواً (1) مصدر، ويقال تذريه ذريا: تهب به بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في بعض النسخ سورة والذاريات بالواو.\rقوله: (مكية) أي بإجماع اهـ قرطبي.\rقوله: وَالذَّارِياتِ مفعوله محذوف أشار له بقوله التراب وغيره، وقوله: مصدر أي مؤكد وناصبه فرعه وهو اسم الفاعل، أي: الذاريات، وقوله: (تهب به) راجع لكل من الواوي واليائي اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً يعني الرياح تذرو التراب وغيره، أو النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد فَالْحامِلاتِ، وقرأ فالسحب الحاملات للأمطار، أو الرياح الحاملات للسحاب، أو النساء الحوامل. فَالْجارِياتِ يُسْراً: فالسفن الجارية في البحر سهلا أو الرياح الجارية في مهابها، أو الكواكب التي تجري في منازلها، ويسرا: صفة مصدر محذوف أي: جريا ذا يسر فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً: الملائكة تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة، أو الرياح يقسمن الأمطار بتصرف السحاب اهـ.\rوالترتيب في هذه الأقسام ترتيب ذكري ورتبي باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على قدرته تعالى، وتوضيح المقام أن الأيمان الواقعة في القرآن وإن وردت في صورة تأكيد المحلوف عليه، إلا أن المقصود الأصلي منها تعظيم المقسم به لما فيه من الدلالة على كمال القدرة، فيكون المقصود بالحلف الاستدلال به على المحلوف عليه وهو هنا صدق الوعد بالبعث والجزاء، فكأنه قيل: من قدر على هذه الأمور العجيبة يقدر على إعادة ما أنشأه أولا، فإذا كان كذلك فالمناسب في ترتيب الأقسام بالأمور المتباينة أن يقدم ما هو أدل على كمال القدرة، فالرياح أدل عليها بالنسبة إلى السحب لكون الرياح أسبابا لها، والسحب لغرابة ماهيتها وكثرة منافعها ورقة حاملها الذي هو الرياح أدل عليه بالنسبة إلى السفن، وهذه الثلاثة أدل عليه بالنسبة إلى الملائكة الغائبين عن الحس، إذ الخصم ربما ينكر وجود من هو غائب عن الحس فلا يتم الاستدلال، وهذا على كون الترتيب على طريق التدلي والتنزل، ويصح أن","part":7,"page":276},{"id":2734,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 277\rفَالْحامِلاتِ السحب تحمل الماء وِقْراً (2) ثقلا مفعول الحاملات\rفَالْجارِياتِ السفن تجري على وجه الماء يُسْراً (3) بسهولة، مصدر في موضع الحال، أي ميسرة\rفَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (4) الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد والبلاد\rإِنَّما تُوعَدُونَ ما مصدرية، أي إن وعدهم بالبعث وغيره لَصادِقٌ (5) لوعد صادق\rوَإِنَّ الدِّينَ الجزاء بعد الحساب لَواقِعٌ (6) لا يكون على طريق الترقي لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه وأدنى من وجه آخر، فالملائكة المدبرات أعظم، وأنفع من السفن وهي باعتبار أنها بيد الإنسان يتصرف فيها كما يريد ويسلم بها من المهالك أنفع من السحب، والسحب لما فيها من الأمطار أنفع من الرياح ملخصا من زاده والشهاب.\rوفي الخازن: فالمقسمات أمرا يعني الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا، وقيل:\rهم أربعة، فجبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء الأمين عليه وصاحب الغلظة، وميكائيل صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل صاحب الصور واللوح، وعزرائيل صاحب قبض الأرواح. وقيل: هذه الأوصاف الأربعة في الرياح لأنها تنشىء السحاب وتثيره ثم تحمله وتنقله ثم تجري به جريا سهلا ثم تقسم الأمطار بتصريف السحاب أقسم اللّه تعالى بهذه الأشياء لشرف ذواتها ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته وقدرته، والمعنى أقسم بالذاريات وبهذه الأشياء، وقيل: فيه مضمر تقديره ورب الذاريات ثم ذكر جواب القسم، فقال: إِنَّما تُوعَدُونَ الخ اهـ.\rقوله: (فذرو التراب) من باب عدا، وقوله: ويقال تذريه من باب رمى كما في المختار. قوله:\r(تهب به) بضم الهاء، ففي المصباح: هبت الريح هبوبا من باب قعد هاجت اهـ.\rقوله: وِقْراً الوقر والثقل والحمل كلها ألفاظ وزنها واحد ومعناها واحد وهو واحد الأحمال اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول) أي: مفعول به للحاملات.\rقوله: أَمْراً يجوز أن يكون مفعولا به وهو الظاهر، وأن يكون حالا أي: مأمورة، وعلى هذا فيحتاج إلى حذف مفعول المقسمات، وقد يقال لا غرض في تقديره كما في الذاريات، وما في قوله إنما توعدون يجوز أن تكون اسمية وعائدها محذوف أي: توعدونه ومصدرية فلا عائد لها، وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مبنيا من الوعد، وأن يكون مبنيا من الوعيد، لأنه صالح أن يقال أوعدته فهو يوعد ووعدته فهو يوعد لا يختلف، فالتقدير إن وعدكم أو إن وعيدكم اهـ سمين.\rقوله: (أي إن وعدهم الخ) صوابه أي: إن وعدكم كما في عبارة غيره اهـ.\rقوله: لَواقِعٌ أي: حاصل. قوله: (في الخلقة) أشار به إلى أن المراد بها الطرق المحسوسة كما ذكره بقوله كالطرق في الرمل لا المعنوية كما قاله بعضهم، وفي البيضاوي: والسماء ذات الحبك ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي تسلكها النظار وتتوصل بها إلى المعارف أو النجوم، فإن لها طرائق، أو أنها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي","part":7,"page":277},{"id":2735,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 278\rمحالة\rوَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7) جمع حبيكة كطريقة وطرق، أي صاحبة الطرق في الخلقة كالطرق في الرمل\rإِنَّكُمْ يا أهل مكة في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) قيل: شاعر ساحر كاهن، شعر سحر كهانة\rيُؤْفَكُ يصرف عَنْهُ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن، أي عن الإيمان به مَنْ أُفِكَ (9) صرف عن الهداية في علم اللّه تعالى\rقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) لعن الكذابون أصحاب القول المختلف\rالَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ جهل يغمرهم ساهُونَ (11) غافلون عن أمر الآخرة\rيَسْئَلُونَ النبي استفهام استهزاء أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) أي متى مجيئه، وجوابهم يجيء\rيَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ جمع حبيكة كطريقة وطرق أو حباك كمثال ومثل، وقرئ الحبك بالسكون، والحبك كالإبل، والحبك كالسلك، والحبك كالحبل، والحبك كالنعم، والحبك كالبرق اهـ.\rوقوله: (كالبرق) بضم ففتح جمع برقة وهي أرض ذات حجارة اهـ.\rقوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ جواب القسم. قوله: (قيل شاعر الخ) الأولى أن يقول قلتم أو فتقولون كما عبّر اهـ شيخنا.\rقوله: (عن النبي والقرآن) وقيل: الضمير للقول المذكور أي يرتد أن يصرف عن هذا القول من صرف عنه في علم اللّه وهم المؤمنون. وفي الخطيب: وقيل إن هذا القول مدح للمؤمنين ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك القول ورشد إلى المستوي اهـ.\rقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الخ أصل هذا التركيب الوعد بالقتل أجري مجرى اللعن اهـ بيضاوي.\rأي: استعمل بمعنى لعن الكذابون تشبيها للملعون الذي يفوته كل خير وسعادة بالمقتول الذي تفوته الحياة وكل نعمة اهـ زاده.\rوفي القاموس: ما يقتضي أن قتل يأتي بمعنى لعن، ونصه: وقتل الإنسان ما أكفره أي: لعن، وقاتلهم اللّه أي: لعنهم اهـ.\rوفي الخازن: قتل الخراصون يعني الكذابون وهم المقتسمون الذين اقتسموا أعتاب مكة، واقتسموا القول في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليصرفوا الناس عن الإسلام، وقيل هم الكهنة اهـ.\rقوله: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ سؤالهم هذا نشأ من قوله: وإن الدين لواقع، وقوله: أيان خبر مقدم، ويوم الدين مبتدأ مؤخر، ولما أورد عليه ما حاصله أن الزمان لا يخبر به عن الزمان، وإنما يخبر به عن الحدث أشار إلى أن الكلام على حذف مضاف ليرجع الأمر للاخبار بالزمان عن الحدث، فقال:\rأي متى مجيئه، فقوله: متى تفسير لأيان الذي هو الخبر، وقوله: مجيئه إشارة للمضاف المحذوف في المبتد وهو يوم الدين اهـ شيخنا.\rقوله: (و جوابهم) أي: جواب سؤال محذوف تقديره يجيء وهو الناصب ليوم، فهو ظرف للمحذوف، وهم مبتدأ ويفتنون خبره وعلى بمعنى في، والجملة في محل جر بإضافة يوم إليها. هذا ما جرى عليه الشارح، لكن هذا الجواب لا يفيد إذ ليس فيه تعيين المسؤول عنه، بل هو أشد إبهاما وخفاء منه، وإنما أجيبوا به لأن سؤالهم ليس حقيقيا قصدوا به العلم والفهم بل هو استهزاء فلذلك أجيبوا","part":7,"page":278},{"id":2736,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 279\rيُفْتَنُونَ (13) أي يعذبون فيها، ويقال لهم حين التعذيب\rذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ تعذيبكم هذَا التعذيب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) في الدنيا استهزاء\rإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (15) تجري فيها\rآخِذِينَ حال من الضمير في خبر إن ما آتاهُمْ أعطاهم رَبُّهُمْ من الثواب إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي دخولهم الجنة مُحْسِنِينَ (16) في الدنيا\rكانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) ينامون، وما زائدة، ويهجعون خبر كان، وقليلا ظرف، أي ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره\rوَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) يقولون: اللهم اغفر لنا\rوَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) الذي لا بصورة جواب لا بجواب حقيقي مقيد للتعيين اهـ شيخنا.\rقوله: (أي يعذبون فيها) قيل: إن أصل معنى الفتنة إذابة الجوهر ليظهر غشه ثم استعمل في التعذيب والإحراق اهـ شهاب.\rوعدي يفتنون بعلى لتضمنه معنى يعرضون اهـ زاده.\rقوله: هذَا مبتدأ وقوله: الَّذِي كُنْتُمْ الخ خبر. قوله: (تجري فيها) فيه إشارة إلى جواب ما يقال كيف قال: إن المتقين في عيون مع أنهم لم يكونوا فيها؟ وإيضاح الجواب إنها تجري فيها وتكون في جهاتهم وأمكنتهم منها اهـ شيخنا.\rقوله: (حال من الضمير في خبر إن) أي: كائنون في جنات وعيون حال كونهم آخذين ما آتاهم ربهم أي: راضين به ومسرورين ومتلقين له بالقبول اهـ شيخنا.\rوقول الشارح: من الثواب بيان لما وعليه تكون الحال مقارنة ومعنى آخذين قابضين ما آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له، وقيل: قابلين قبول راض كقوله تعالى:\rوَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [التوبة: 104] أي: يقبلها، قاله الزمخشري اهـ خطيب.\rقوله: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ تفسير للإحسان. وفي المختار: الهجوع النوم ليلا وبابه خضع والهجعة النومة الخفيفة، ويقال: أتيت فلانا بعد هجعة أي: بعد نومة خفيفة من الليل اهـ.\rقوله: وَبِالْأَسْحارِ متعلق بيستغفرون المعطوف على ما يهجعون، والباء بمعنى في قدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل اهـ سمين.\rوفي الخطيب: قوله: وَبِالْأَسْحارِ قال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل. هم: أي:\rدائما بظواهرهم وبواطنهم يستغفرون: أي يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين، ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم باللّه تعالى وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حتى قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا أحصي ثناء عليك اهـ.\rوقيل: يستغفرون من تقصيرهم فهي العبادة، وقيل: يستغفرون من ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل، وقيل: معناه يصلون بالأسحار لطلب المغفرة اهـ خازن.\rقوله: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌ أي: أوجبوه على أنفسهم بمقتضى الكرم يصلون به الأرحام والفقراء والمساكين اهـ شيخنا.","part":7,"page":279},{"id":2737,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 280\rيسأل لتعففه\rوَفِي الْأَرْضِ من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها آياتٌ دلالات على قدرة اللّه سبحانه وتعالى ووحدانيته لِلْمُوقِنِينَ (20)\rوَفِي أَنْفُسِكُمْ آيات أيضا، من مبدإ خلقكم إلى منتهاه، وما في تركيب خلقكم من العجائب أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) ذلك فتستدلون به على صانعه وقدرته\rوَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ أي المطر المسبب عنه النبات الذي هو رزق وَما تُوعَدُونَ (22) من المآب والثواب والعقاب أي مكتوب ذلك في السماء\rفَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ أي والجملة معطوفة على خبر كان فهي خبر ثالث. قوله: (لتعففه) أي: فيظن غنيا فيحرم الصدقة اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: والمحروم قيل هو الذي ليس له في الغنائم سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: المحروم الذي ليس له في الإسلام سهم، وقيل: معناه الذي حرم الخير والعطاء، وقيل: المحروم المتعفف الذي لا يسأل، وقيل: هو صاحب الحاجة الذي أصيب زرعه أو ثمره أو نسل ماشيته، وقيل: هو المحارف المحروم في الرزق والتجارة، وقيل: هو المملوك، وقيل: هو المكاتب، وأظهر هذه الأقوال أنه المتعفف لأنه قرنه بالسائل والمتعفف لا يسأل ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل وإنما يفطن له متيقظ اهـ.\rقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ الخ كلام مبتدأ قصد به الاستدلال على قدرة اللّه تعالى ووحدانيته، وقد اشتمل على دليلين الأرض والأنفس، وأما قوله: وفي السماء رزقكم الخ، فهو كلام آخر ليس المقصود به الاستدلال، بل المقصود به الامتنان والوعد والوعيد اهـ شيخنا.\rوالجار والمجرور خبر مقدم، وآيات مبتدأ مؤخر، وقوله: وفي أنفسكم خبر حذف مبتدؤه لدلالة سابقه عليه، ولذا قدره بقوله: آيات أيضا، وقوله: من الجبال بيان للأرض، فالمراد بها ما في جهة السفل ولو كان فوق ظهرها اهـ شيخنا.\rقوله: (من مبدأ خلقكم الخ) كالأطوار المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] الخ. وقوله: وما في تركيب الخ معطوف على مبدأ أي: ومما في تركيب خلقكم الخ كحسن القامة وحسن الشكل وغير ذلك اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: وفي أنفسكم آيات إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإنسان له نظير يدل دلالته مع ما انفرد به من الهيئات النافعة، والمناظر البهية، والتركيبات العجيبة، والتمكن من الأفعال الغريبة، واستنباط الصنائع المختلفة، واستجماع الكمالات المتنوعة اهـ.\rقوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ (ذلك) أي: الأرض وما فيها، والأنفس وما فيها فتعتبروا بها اهـ شيخنا.\rقوله: (أي مكتوب ذلك) أي ما توعدون، فهذا تفسير لظرفية ما توعدون في السماء، وأما ظرفية الرزق فيها فظاهرة إذ المطر كامن فيها بنفس حقيقه اهـ شيخنا.\rقوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الخ أقسم سبحانه وتعالى بنفسه، فقال: فو رب السماء والأرض إنه لحق أي: ما ذكر من الرزق وغيره مثل ما أنكم تنطقون أي: بلا إله إلا اللّه، وقيل: شبه","part":7,"page":280},{"id":2738,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 281\rما توعدون لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) برفع مثل صفة، وما مزيدة، وبفتح اللام مركبة مع ما، المعنى: مثل نطقكم في حقيته أي معلوميته عندكم، ضرورة صدوره عنكم\rهَلْ أَتاكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) وهم ملائكة، اثنا عشر، أو عشرة، أو ثلاثة، منهم تحقق ما أخبر به عنه بتحقق نطق الآدمي، ومعناه إنه لحق كما أنت تتكلم، وقيل: إن معناه في صدقه ووجوده كالذي تعرفونه ضرورة، وقال بعض الحكماء: معناه كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، كذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره اهـ خازن.\rقوله: (أي ما توعدون) عبارة غيره: أي: رزقكم وما توعدون وهي أحسن اهـ.\rقوله: (برفع مثل صفة) أي: حال كونه صفة أي: لحق، وقوله: مركبة مع ما أي: حال كونها مركبة مع ما تركيب مزج ككلما وطالما وأينما وقلما، فيقال في الإعراب: مثلما مبني على السكون في محل رفع على أنه صفة لحق، ومثلما مضاف، وجملة أنكم تنطقون مضاف إليه في محل جر، فقوله:\rالمعنى أي: معنى القراءتين مثل بالرفع، ولو على قراءة الفتح لأنها في محل رفع هذا ما أشار إليه ابن جزي خلافا لما ذكره الحواشي من أن المراد التركيب الإضافي على أن مثل مضاف وما مضاف إليه على أنها نكرة موصوفة، وجملة أنكم تنطقون خبر مبتدأ محذوف أي هو أنكم الخ، والجملة صفة ما وحركة مثل على هذا بنائية وبنيت لإضافتها إلى المبنى، وهذا وإن كان صحيحا في نفسه كما ذكره البيضاوي وغيره، لكنه غير متبادر من عبارة الشارح، فالأولى في فهمها ما تقدم الذي أشار له ابن جزي اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: ونصبه على الحال من المستكن في لحق أو الوصف لمصدر محذوف، أي: أنه لحق حقا مثل نطقكم، وقيل: إنه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو ما إن كانت بمعنى شيء وإن بما في حيزها إن جعلت زائدة ومحله الرفع على أنه صفة لحق اهـ.\rقوله: (المعنى مثل نطقكم الخ) عبارة أبي السعود: أي: كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في أحقيته اهـ.\rوقال يزيد بن مرثد: إن رجلا جاع بمكان وليس فيه شيء فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به، فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدري قال، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لو أن أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت» أسنده الثعلبي اهـ قرطبي.\rقوله: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ أي: ألم يأتك حديث الخ، وقيل: هل بمعنى قد كما في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ اهـ قرطبي.\rوهذا تفخيم لشأن الحديث أي: القصة، وتنبيه على أنه مما لا يعلمه رسول اللّه إلا بالوحي، والضيف في الأصل مصدر ضاف، ولذلك يطلق على الواحد والجماعة اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هم) أي: الضيف ملائكة، وقوله: منهم جبريل أي: على جميع الأقوال اهـ.","part":7,"page":281},{"id":2739,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 282\rجبريل\rإِذْ ظرف لحديث ضيف دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي هذا اللفظ قالَ سَلامٌ أي هذا اللفظ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) لا نعرفهم، قال ذلك في نفسه، وهو خبر مبتدأ مقدر أي هؤلاء\rفَراغَ مال إِلى أَهْلِهِ سرا فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) وفي سورة هود بعجل حنيذ أي مشوي\rفَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا قوله: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ في العامل في إذ أربعة أوجه، أحدها: أنه حديث أي: هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. الثاني: أنه منصوب بما في ضيف من معنى الفعل لأنه في الأصل مصدر، ولذلك يستوي فيه الواحد المذكر وغيره، كأنه قيل: الذين ضافوه في وقت دخولهم عليه.\rالثالث: أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أن إبراهيم أكرمهم بخدمته لهم. الرابع: أنه منصوب بإضمار اذكر، ولا يجوز نصبه بأتاك لاختلاف الزمانين اهـ سمين.\rقوله: فَقالُوا سَلاماً أي: نسلم عليك سلاما قال: سلام أي: عليكم سلام عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثبات، حتى تكون تحيته أحسن من تحيتهم اهـ بيضاوي.\rوالعامة على نصب سلاما الأول ورفع الثاني، وقرئا مرفوعين، وقرئ سلاما قال سلاما قال سلما بكسر سين الثاني ونصبه، ولا يخفى توجيه ذلك كله مما تقدم في هود اهـ سمين.\rقوله: (أي هذا اللفظ) أي: الذي صدر منهم هو لفظ سلاما، والذي صدر منه لفظ سلام، ولكن الصادر منهم منصوب بفعل مقدر والصادر منه هو مرفوع على الخبرية لمبتدأ مضمر اهـ شيخنا.\rقوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فإن قيل: قال تعالى في سورة هود: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هود: 70] فدل ذلك على أن إنكاره عليه السّلام حصل بعد تقريب العجل إليهم، وقال ههنا: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ثم قال: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ بفاء التعقيب، وذلك يدل على أن تقريب الطعام إليهم بعد حصول إنكاره فما وجه التوفيق؟ فالجواب: أن الإنكار الذي كان قبل تقريب العجل غير الإنكار الحاصل بعده، فإن الإنكار الحاصل قبله بمعنى عدم العلم بأنهم من أي بلدة، والإنكار الحاصل بعده بمعنى عدم العلم بأنهم دخلوا عليه لقصد الخير أو الشر، فإن من امتنع من تناول الطعام يخاف من شره اهـ زاده.\rقوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ أي: الذين كان عندهم بقره وكان عامة ماله البقر اهـ خطيب.\rفالمراد بأهله خدمه كالرعاة. قوله: (سرا) أي: في خفية من ضيفه، فإن من آداب المضيف أن يبادروا بالقرى حذرا من أن يكلفه الضيف أو يصيره منتظرا اهـ بيضاوي.\rقوله: (سرا) أخذه من معنى الروغان في اللغة، وفي المصباح: وراغ الثعلب روغا من باب قال، وروغانا ذهب يمنة ويسرة في سرعة وخديعة فهو لا يستقر في جهة، وراغ فلان إلى كذا مال إليه سرا.\rوفي القرطبي: ويقال إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه لئلا يظهروا على ما ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام اهـ.\rقوله: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ معطوف على محذوف تقديره فشواه كما أشار له بقوله: في سورة هود","part":7,"page":282},{"id":2740,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 283\rتَأْكُلُونَ (27) عرض عليهم الأكل فلم يجيبوا\rفَأَوْجَسَ أضمر في نفسه مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنا رسل ربك وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (28) ذي علم كثير، هو إسحق كما ذكر في هود\rفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة فِي صَرَّةٍ صيحة حال أي جاءت صائحة فَصَكَّتْ وَجْهَها لطمته وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) لم تلد قط، وعمرها تسع وتسعون سنة، وعمر إبراهيم مائة سنة أو عمره مائة وعشرون سنة وعمرها تسعون سنة\rقالُوا كَذلِكَ أي مثل قولنا في البشارة قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في صنعه الخ. قوله: (عرض عليهم الأكل الخ) وفي السمين: والهمزة في ألا تأكلون للإنكار عليهم في عدم أكلهم أو للعرض أو للتحضيض اهـ.\rقوله: فَأَوْجَسَ معطوف على ما قدره بقوله فلم يجيبوا قوله: خيفة أي: خوفا، وقوله: قالوا لا تخف أي: قالوا ذلك لما ظهر لهم ولاح عليهم من أمارات الخوف اهـ شيخنا.\rوقوله: إنا رسل ربك أي: إلى قوم لوط كما في سورة هود. وفي البيضاوي: قيل مسح جبريل العجل بجناحه، فقام يمشي حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم اهـ.\rقوله: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أي: لما سمعت البشارة المذكورة، وكانت في زاوية من زوايا البيت فجاءت عند الضيف وقالت ما ذكر، وقيل: لم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان، وإنما المراد أنها شرعت في الكلام المذكور وصارت تتحدث به لأنها قد امتلأت عجبا، فهو كقول القائل أقبل يفعل كذا إذا أخذ وشرع فيه اهـ شيخنا.\rقوله: (سارة) بالتخفيف والتشديد لغتان اهـ.\rقوله: (في صرة) قال عكرمة، وقتادة: إنها الرنة والتأوه، وقيل: أقبلت في صرة أي: في جماعة من الناس، وقال الجوهري: الصرة الضجة والصيحة، والصرة الجماعة، والصرة الشدة من حرب وغيره اهـ قرطبي.\rقوله: (أي جاءت صائحة) لأنها لما بشرت بالولد وجدت حرارة الدم أي: دم الحيض، كما قال تعالى: فَضَحِكَتْ وكانت في زاوية تنظر إليهم اهـ كرخي.\rوكان بين البشارة والولادة سنة اهـ قرطبي.\rقوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها اختلف في صفة الصك، فقيل هو الضرب باليد مبسوطة، وقيل: هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع مثل التعجب وهي عادة النساء إذا أنكرن شيئا، وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض، وقيل: جمعت أصابعها وضربت جبينها عجبا، وذلك من عادة النساء أيضا إذا أنكرن شيئا اهـ خطيب.\rقوله: وَقالَتْ عَجُوزٌ أي: أنا عجوز عقيم.\rقوله: قالُوا كَذلِكَ منصوب على المصدر يقال الثانية أي: مثل ذلك القول الذي أخبرناك به قال ربك أي: قضى وحكم في الأزل أي: إنه من جهة اللّه تعالى فلا تعجبي منه اهـ سمين.","part":7,"page":283},{"id":2741,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 284\rالْعَلِيمُ (30) بخلقه\r* قالَ فَما خَطْبُكُمْ شأنكم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)\rقالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) كافرين أي قوم لوط\rلِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33) مطبوخ بالنار\rمُسَوَّمَةً معلمة عليها اسم من يرمى بها عِنْدَ رَبِّكَ ظرف لها لِلْمُسْرِفِينَ (34) بإتيانهم الذكور مع كفرهم\rفَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي قرى قوم لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) لإهلاك الكافرين\rفَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وهم لوط وبنتاه، وصفوا بالإيمان والإسلام، أي هم مصدقون بقلوبهم، عاملون قوله: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي: لما رأى من حالهم، وأن اجتماع الملائكة على تلك الحالة لم بكن لهذه البشارة فقط اهـ خطيب.\rقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ أي: لننزل عليهم من السماء حجارة الخ استدل به على وجوب الرجم بالحجارة على اللائط اهـ زاده.\rقال السدي ومقاتل: كانوا ستمائة ألف، فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض فاقتلع قراهم وكانت أربعة، ورفعها حتى سمع أهل السماء أصواتهم، ثم قلبها ثم أرسل عليهم الحجارة، فتتبعت الحجارة شذاذهم ومسافريهم اهـ زاده.\rجمع شاذ أي: الخارجين منهم عن أرضهم اهـ.\rقوله: مُسَوَّمَةً فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب على النعت لحجارة. والثاني: أنه حال من الضمير المستكن في الجار قبله. الثالث: أنه حال من حجارة وحسن ذلك كون النكرة وصفت بالجار بعدها اهـ سمين.\rوقوله: للمسرفين متعلق بمسومة أيضا كما في الخطيب اهـ.\rقوله: (ظرف لها) أي: لمسومة اهـ كرخي.\rقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها الخ حكاية من جهته تعالى لما جرى على قوم لوط بطريق الإجمال، بعد حكاية ما جرى بين الملائكة وبين إبراهيم من الكلام، والفاء مفصحة عن جمل قد حذفت ثقة بذكرها في مواضع أخر، كأنه قيل: فباشروا ما أمروا به فأخرجنا من كان فيها بقولنا: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ* الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي قرى قوم لوط) وهي وإن لم تذكر لكن دل عليها السياق اهـ شيخنا.\rقوله: (غير بيت) أي: غير أهل بيت، وقوله: وهم لوط وابنتاه، وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر اهـ أبو السعود.\rوفي الخطيب: قال الأصفهاني وقيل كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر اهـ.\rقوله: (وصفوا بالإيمان والإسلام الخ) فيه إشارة إلى ما قاله الخطابي وغيره: إن المسلم قد يكون مؤمنا وقد لا يكون المؤمن مسلم دائما فهو أخص قال: وبهذا يستقيم تأويل الآيات والأحاديث اهـ كرخي.","part":7,"page":284},{"id":2742,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 285\rبجوارحهم الطاعات\rوَتَرَكْنا فِيها بعد إهلاك الكافرين آيَةً علامة على إهلاكهم لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (37) فلا يفعلون مثل فعلهم\rوَفِي مُوسى معطوف على فيها، المعنى: وجعلنا في قصة موسى آية إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ ملتبسا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38) بحجة واضحة\rفَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان بِرُكْنِهِ مع جنوده لأنهم له كالركن وَقالَ لموسى هو ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) قوله: وَتَرَكْنا أي: أبقينا فيها أي: القرى، وقوله: آية وهي تلك الأحجار، أو صخر منضود، أو ماء أسود منتن خرج من أرضهم اهـ كرخي.\rوقوله: منضود أي: متراكب بعضه فوق بعض اهـ شهاب.\rوفي القرطبي: ثم قيل: الآية المتروكة نفس القرى الخربة، وقيل: الحجارة المنضودة التي رجموا بها هي الآية اهـ.\rقوله: (المعنى وجعلنا في قصة موسى آية) أشار به إلى تقدير مضاف وحذف مفعول من المعطوف، وكذا يقال فيما سيأتي، وقوله: إذا أرسلناه ظرف للعامل المقدر أو المفعول المقدر وهو آية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وفي موسى وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه عطف على فيها بإعادة الجار، لأن المعطوف عليه ضمير مجرور فيتعلق بتركنا من حيث المعنى، ويكون التقدير وتركنا في قصة موسى آية وهذا معنى واضح. الثاني: متعلق بجعلنا مقدرة لدلالة وتركنا. قال الزمخشري: أو يعطف على قوله: وتركنا فيها آية على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله:\rعلفتها تبنا وماء باردا\r\rقال الشيخ: ولا حاجة إلى إضمار وجعلنا لأنه يمكن أن يكون العمل في المعطوف وتركنا.\rوقوله: إذ أرسلناه يجوز في هذا الظرف ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون منصوبا بآية على الوجه الأول أي تركنا في قصة موسى علامة في وقت إرسالنا إياه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه نعت لآية أي: أية كائنة في وقت إرسالنا. الثالث: أنه منصوب بتركنا اهـ.\rقوله: (واضحة) وهي الآيات التسع. قوله: (كالركن) أي: كركن البيت الذي يعتمد عليه في التقوى بهم اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: فأعرض عن الإيمان به كقوله: ونأى بجانبه أي: فتولى بما تقوى به من جنوده وهو اسم لما يركن إليه الشيء ويتقوى به اهـ.\rوفي القاموس: ركن إليه كنصر وعلم ومنع ركونا مال وسكن، والركن بالضم الجانب الأقوى والجانب العظيم وما يتقوى به من ملك وجند وغيرهما والعز والمنعة، انتهى.\rقوله: وَقالَ (لموسى) أي: في شأن موسى.\rقوله: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أو هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشك نزل نفسه مع أنه يعرفه نبيا حقا منزلة الشاك في أمره تمويها على قومه، وقال أبو عبيدة: أو بمعنى الواو قال لأنه قد","part":7,"page":285},{"id":2743,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 286\rفَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِ البحر فغرقوا وَهُوَ أي فرعون مُلِيمٌ (40) آت بما يلام عليه، من تكذيب الرسل ودعوى الربوبية\rوَفِي إهلاك عادٍ آية إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) هي التي لا خير فيها، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور\rما تَذَرُ مِنْ قالهما قال تعالى: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 109] وقال في موضع آخر: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27] وتجيء بمعنى الواو وردّ الناس عليه وقالوا: لا ضرورة تدعو إلى ذلك، وأما الآيتان فلا يدلان على أنه قالهما معا، وإنما يفيدان أنه قالهما أعم من أن يكونا معا أو هذه في وقت وهذه في وقت آخر اهـ سمين.\rقوله: وَجُنُودَهُ يجوز أن يكون معطوفا على مفعول أخذناه وهو الظاهر، وأن يكون مفعولا معه اهـ سمين.\rقوله: وَهُوَ مُلِيمٌ جملة حالية، فإن كانت حالا من مفعول نبذناهم فالواو رزمة إذ ليس فيها ذكر ضمير يعود على صاحب الحال، وإن كانت حالا من مفعول أخذناه فالواو ليست واجبة إذ في الجملة ذكر ضمير يعود عليه اهـ سمين.\rقوله: (آت بما يلام عليه) عليه: ففي الإسناد تجوز على حدّ عيشة راضية اهـ.\rوقوله: (من تكذيب الرسل الخ) إشارة إلى أن ما يلام عليه يختلف حاله باعتبار من وصف به، فلا يتوهم أنه كيف وصف فرعون بما وصف به ذو النون اهـ شهاب.\rوفي المصباح: وألام الرجل فعل ما يستحق عليه اللوم اهـ.\rوفي المختار: اللوم العذل تقول لامه على كذا من باب قال؛ ولومه أيضا فهو ملوم، واللائمة الملامة، وألام الرجل أتى بما يلام عليه اهـ.\rقوله: وَفِي عادٍ أي: وجعلنا في إهلاك عاد إلى آخر ما تقدم من التقدير اهـ.\rقوله: (هي التي لا خير فيها) فيه إيذان بأن العقم ههنا مستعار للمعنى المذكور على سبيل التبعية شبه ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر أو القاح شجر بما في المرأة من الصفة المذكورة التي تمنع من الحمل، ثم قبل: العقيم وأريد به ذلك المعنى المعنى بقرينة وصف الريح به، أو سماها عقيما لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم اهـ كرخي.\rوفي الشهاب: أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر كما قاله الراغب، وهو فعيل بمعنى أو مفعول كما من، فلما أهلكهم وقطعت نسلهم شبه ذلك الإهلاك بعدم الحمل لما فيه من إذهاب النسل وهذا هو المراد هنا اهـ.\rقوله: (و لا تلقح الشجر) من ألقح كأكرم أو لقح كعلم بالتشديد اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي الدبور) وقيل: هي الجنوب، وقيل: هي النكباء وهي كل ريح هبت بين ريحين لتنكبها وانحرافها عن مهاب الرياح المعروفة وهي رياح متعددة لا ريح واحدة اهـ شهاب.\rوكونها الدبور أصح لحديث: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» اهـ.","part":7,"page":286},{"id":2744,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 287\rشَيْءٍ نفس أو مال أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) كالبالي المتفتت\rوَفِي إهلاك ثَمُودَ آية إِذْ قِيلَ لَهُمْ بعد عقر الناقة تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) أي إلى انقضاء آجالكم كما في آية\rتَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَعَتَوْا تكبروا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي عن امتثاله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بعد مضي الثلاثة أيام أي الصيحة المهلكة وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) أي بالنهار\rفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) على من أهلكهم\rوَقَوْمَ نُوحٍ بالجر قوله: إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ هذه الجملة في موضع المفعول الثاني كأنه قيل ما تترك من شيء إلا مجعولا كالرميم نحو: ما تركت زيدا إلا عالما، وأعربها الشيخ حالا وليس بظاهر اهـ سمين.\rوفي القرطبي: إلا جعلته كالرميم أي كالشيء الهشيم يقال للنبت إذا يبس وتفتت رميم وهشيم.\rقال ابن عباس: كالشيء الهالك البالي، وقال قتادة: أنه الذي ديس من يابس النبات، وقال أبو العالية والسدي: كالتراب المدقوق، وقال قطرب: الرميم الرماد، وقال بعضهم: ما رمته الماشية من الكلأ، وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلى. تقول: رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم، والرمة بالكسر العظام البالية، والجمع رمم ورمام، ونظير هذه الآية تدمر كل شيء حسبما تقدم اهـ.\rقوله: فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ هذا ترتيب إخباري وإلّا ففي الحقيقة عتوهم إنما كان قبل وعدهم بالهلاك الذي هو المراد من قوله: تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ على تفسيره إذ المراد به ما بقي من آجالهم وهو الثلاثة أيام التي ينزل بهم فيها العذاب، والمراد بأمر بهم هو المذكور في سورة هود بقوله: وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [هود: 64] الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الصيحة المهلكة) هذا التفسير إنما يلائم قراءة الكسائي، فأخذتهم الصعقة إذ هي المرة من الصعق الذي هو الصباح، وأما الصاعقة فهي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد، فكان عليه أن يفسر به إذ هو المناسب لقوله وهم ينظرون إذ الذي ينظر ويبصر إنما هو الصاعقة لا الصيحة لأنها صوت اهـ قاري بإيضاح.\rوما ذكره من الاعتراض ناشىء عن القصور عما في اللغة، ففيها أن الصاعقة تطلق على الصيحة الشديدة، وفي المختار: الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد يقال: صعقتهم السماء من باب قطع إذا ألقت عليهم الصاعقة، والصاعقة أيضا صيحة العذاب اهـ.\rقوله: (أي بالنهار) أشار به إلى أن جملة وهم ينظرون من النظر وهو أحد التأويلين فيها، والثاني أنه من الانتظار أي ينتظرون ما وعدوه من العذاب اهـ كرخي.\rقوله: (على أهلكهم) الأولى أن يقول أي: وما كانوا ممتنعين ممن أهلكهم إذ المراد به هو اللّه ولا يتوهم انتصارهم عليه، وإنما يتوهم الفرار والهرب منه اهـ قاري.\rوفي الخازن: وما كانوا منتصرين أي: ممتنعين منا، وقيل: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من أمر اللّه اهـ.\rقوله: (بالجر عطف الخ) عبارة السمين: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ قرأ الأخوان، وأبو عمرو بجر","part":7,"page":287},{"id":2745,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 288\rعطف على ثمود، أي وفي إهلاكهم بما في السماء والأرض آية وبالنصب أي وأهلكنا قوم نوح مِنْ قَبْلُ أي قبل إهلاك هؤلاء المذكورين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (46)\rوَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) قادرون، يقال: آد الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل صار ذا سعة وقوة الميم، والباقون بنصبها، وأبو السمال وابن مقسم وأبو عمر، وفي رواية الأصمعي بالرفع. فأما الجر ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنه معطوف على وفي الأرض. الثاني: أنه معطوف على وفي موسى.\rالثالث: أنه معطوف على وفي عاد. والرابع: أنه معطوف على وفي ثمود. وهذا هو الظاهر لقربه وبعد غيره ولم يذكر الزمخشري غيره، فإنه قال قرئ بالجر على معنى، وفي قوم نوح ويقويه قراءة عبد اللّه، وفي قوم نوح ولم يذكر أبو البقاء غير الوجه الأخير لوضوحه. وأما النصب ففيه ستة أوجه، أحدها: أنه منصوب بفعل مضمر أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه. الثاني: أنه منصوب باذكر مقدرا ولم بذكر الزمخشري غيرهما: الثالث: أنه منصوب عطفا على مفعول فأخذناه. الرابع: أنه معطوف على مفعول فنبذناهم في اليم، وناسب ذلك أن قوم نوح مغرقون من قبل، لكن يشكل بأنهم لم يغرقوا في اليم وأصل العطف يقتضي التشريك في المتعلقات. الخامس: أنه معطوف على مفعول فأخذتهم الصاعقة، وفيه إشكال لأنهم لم تأخذهم الصاعقة، وإنما أهلكوا بالطوفان إلا أن يراد بالصاعقة الداهية والنازلة العظيمة من أي نوع كانت فيقرب ذلك. السادس: أنه معطوف على محل وفي موسى نقله أبو البقاء وهو ضعيف، وأما الرفع فعلى الابتداء، والخبر مقدر أي: أهلكناهم وقال أبو البقاء: والخبر ما بعده يعني قوله: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ اهـ سمين.\rقوله: (أي وفي اهلاكهم) أي وجعلنا في اهلاكهم الخ.\rقوله: وَالسَّماءَ بَنَيْناها العامة على النصب على الاشتغال، وكذلك قوله: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها والتقدير وبنينا السماء بنيناها. وقال أبو البقاء: أي ورفعنا السماء فقدر الناصب من غير لفظ الظاهر، وهذا إنما يصار إليه عند تعذر التقدير الموافق لفظا نحو: زيدا مررت به وزيدا ضربت غلامه، وأما في نحو زيدا ضربته فلا يقدر إلا ضربت زيدا، وقرأ أبو السمال، وابن مقسم: برفعهما على الابتداء والخبر ما بعدهما، والنصب أرجح لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها اهـ سمين.\rقوله: بِأَيْدٍ يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من مفعوله أي: ملتبسه بقوة، ويجوز أن تكون الباء سببية أي بسبب قدرتنا، ويجوز أن تكون معدية مجازا على أن يجعل الأيد كالآلة المبني بها كقولك: بنيت بيتك بالآجر اهـ سمين.\rقوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الجملة حال مؤكدة على تقدير الشارح حيث قرر أن موسعون معناه قادرون فهو من أوسع اللازم كأورق الشجر أي: صار ذا ورق، ويستعمل متعديا محذوف أي لموسعون السماء أي: جاعلوها واسعة، وعليه تكون الحال مؤسسة أخبر أولا أنه بناها بقوته وقدرته، وثانيا بأنه وسعها أي جعلها واسعة، فالأرض بالنسبة إليها كحلقة في فلاة كما نقله الخازن والخطيب. إذا علمت هذا علمت أن النسخ التي فيها لفظة بها بعد موسعون أو في آخر السوادة غير صحيحة لأنها لا تناسب إلا","part":7,"page":288},{"id":2746,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 289\rوَالْأَرْضَ فَرَشْناها مهدناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (48) نحن\rوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ متعلق بقوله خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والحلو والحامض، والنور والظلمة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) بحذف إحدى التاءين من الأصل، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد فتعبدونه\rفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي إلى ثوابه من عقابه، بأن استعمال موسعون متعديا، والشارح اعتبره لازما حيث قال: وأوسع الرجل الخ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله وإنا لموسعون يجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل بنيناها، ويجوز أن تكون حالا من مفعوله ومفعول موسعون محذوف أي موسعون بناءها، ويجوز أن لا يقدر له مفعول لأن معناه لقادرون من قولك: ما في وسعي كذا أي: ما في طاقتي وقوتي. اهـ.\rوفي المصباح: وسع اللّه عليه رزقة يوسع بالتصحيح وسعا من باب نفع بسطه وكثره وأوسعه ووسعه بالألف والتشديد مثله وأوسع الرجل بالألف صار ذا سعة وغنى اهـ.\rقوله: (يقال آد الرجل الخ) والمختار آد الرجل اشتد وقوي وبابه باع، والأيد والآد بالمد القوة اهـ.\rفالأيد مصدر لكن يكتب في المصحف بياءين بعد الهمزة وقبل الدال كما نبه عليه الخطيب ورسم المصحف سنة متبعة وأن لم يعلم له وجه اهـ شيخنا.\rقوله: (مهدناها) أي: فالفرش كناية عن البسط والتسوية اهـ شهاب.\rوفي المختار: المهد مهد الصبي والمهاد الفرش، ومهد الفراش بسطه ووطأه وبابه قطع، وتمهيد الأمور تسويتها واصلاحها وتمهيد العذر بسطه وقبوله اهـ.\rقوله: (نحن) أي: فالمخصوص بالمدح محذوف.\rقوله: (متعلق بقوله) خَلَقْنا الخ عبارة السمين: قوله: ومن كل شيء يجوز أن يتعلق بخلقنا أي: خلقنا من كل شيء زوجين، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من زوجين لأنه في الأصل صفة له إذ التقدير خلقنا زوجين كائنين من كل شيء، والأول أقوى في المعنى اهـ.\rقوله: (صنفين) أي: أمرين متقابلين. قوله: (كالذكر والانثى) إشعارا بتعداد الأمثلة إلى ما نشاهده فلا يرد كون كل من العرش والكرسي واللوح والقلم لم يخلق من كل منها إلا واحد اهـ كرخي.\rقوله: (بحذف احدى التاءين من الأصل) أي: أصل الكلمة قبل الحذف، وهذه إحدى القراءتين السبعيتين، والأخرى ادغام التاء الثانية في الذال اهـ شيخنا.\rقوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي: إذا علمتم أن اللّه تعالى فرد لا نظير له ففروا إليه ووحدوه لا تشركوا به شيئا اهـ زاده.\rوقوله: أي إلى ثوابه إشارة إلى تقدير مضاف في الآية وقوله: من عقابه متعلق بقوله ففروا اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: فرّ من عدوه يفر من باب ضرب فرارا هرب وفر الفارس فرا أوسع الجولان","part":7,"page":289},{"id":2747,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 290\rتطيعوه ولا تعصوه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) بين الإنذار\rوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) يقدر قبل ففروا قل لهم\rكَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا هو ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أي مثل تكذيبهم لك بقولهم: إنك ساحر أو مجنون، تكذيب الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك\rأَتَواصَوْا كلهم بِهِ استفهام بمعنى النفي بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) جمعهم على هذا القول للانعطاف، وفرّ إلى الشيء ذهب إليه اهـ.\rقوله: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ أي: من اللّه أي من جهته اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ تنصيص على أعظم ما يجب أن يفر منه وهو الشكر: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تكرير للتأكيد، أو الأول مرتب على ترك الإيمان والطاعة، والثاني مرتب على الإشراك اهـ بيضاوي.\rوفي الخازن: قيل إنما كرر قوله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز وينجو عند اللّه إلا الجامع بينهما اهـ.\rقوله: (يقدر قبل ففروا قل هم) عبارة أبي السعود: وقوله تعالى: ففروا إلى اللّه مقدر بقول خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق التلوين والفاء إما لترتيب الأمر على ما حكي من آثار غضبه الموجبة للفرار منها، ومن أحكام رحمته المستدعية للفرار إليها كأنه قيل: قل لهم إذا كان الأمر كذلك فاهربوا إلى اللّه الذي هذه شؤونه بالإيمان والطاعة كي تنجو من عقابه وتفوزوا بثوابه، وإما للعطف على جملة مقدرة مترتبة على قوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ كأنه قيل قل لهم فتذكروا ففروا إلى اللّه الخ. وقوله: إني لكم منه نذير مبين تعليل للأمر لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ بالفرار إليه تعالى، أو لوجوب الامتثال به، انتهت.\rقوله: كَذلِكَ خبر مبتدأ محذوف أي: الأمر والشأن والقصة، وقد فسرها بقوله ما أتى الذين من قبلهم الخ. والكاف بمعنى مثل هي في الحقيقة الخبر، ومعلوم أن الخبر عين المبتدأ فالتفسير المذكور تفسير لها أيضا، واسم الإشارة عبارة عن تكذيب قوم محمد له، فالحاصل أنه شبه تكذيب الأمم السابقة لرسلهم بتكذيب قوم محمد له، فقول الشارح أي: مثل بالرفع تفسير للكاف التي هي في الحقيقة الخبر، وقوله: تكذيبهم لك الخ تفسير لاسم الإشارة، وقوله: تكذيب الأمم قبلهم الخ تفسير للمبتدأ المحذوف الذي هو تفسير لقوله: ما أَتَى الَّذِينَ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ الجملة في محل نصب على الحال من الذي من قبلهم، ومن رسول فاعل أتى كأنه قبل: ما أتى الأولين رسول إلا في حال قولهم هو ساحر أو مجنون، والضمير في أتوا صوابه يعود على المقول المدلول عليه بقالوا أي: أتواصي الأولون والأخرون بهذا القول المتضمن لساحر أو مجنون والاستفهام للتعجب اهـ بيضاوي.\rقوله: (بقولهم ذلك) أي: ساحر أو مجنون.\rقوله: أَتَواصَوْا بِهِ أي: بالقول المذكور أي أحملهم عليه وجمعهم عليه وصية بعضهم لبعض به لتباعد وتطاول الأزمان بينهم، ثم أضرب عن هذا النفي والتوبيخ وبين ما هو الحامل لهم عليهم","part":7,"page":290},{"id":2748,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 291\rطغيانهم\rفَتَوَلَ أعرض عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) لأنك بلغتهم الرسالة\rوَذَكِّرْ عظ بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) من علم اللّه تعالى أنه يؤمن\rوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا يلزم وجودها، كما في قولك: بريت هذا القلم بالحقيقة بقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ فهو اضراب انتقالي اهـ شيخنا.\rقوله: (بمعنى النفي) أي: ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد اهـ كرخي.\rقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: عن جدالهم، وعبارة البيضاوي: فتول عنهم فأعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الأصرار والعناد، فما أنت بملوم على الإعراض بعدما بذلت جهدك في البلاغ، وذكر ولا تدع التذكير والموعظة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، أي: من قدر اللّه إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة اهـ.\rقوله: فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي: لا لوم عليك في الاعراض عنهم، لأنك قد أديت الرسالة وبذلت المجهود ما قصرت فيما أمرت به. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتولى عنهم، فأنزل اللّه: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فطابت نفوسهم بذلك اهـ خازن.\rوهذا يقتضي أن قوله: وذكر ناسخ لما قبله، وبه صرح القرطبي حيث قال: ثم نسخ هذا بقوله:\rوذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقيل: نسخ بآياته السيف اهـ.\rقوله: وَذَكِّرْ أي ذكر جميعهم، فإن التذكير ربما انتفع به منهم من علم اللّه أنه يؤمن، فهذا معنى قوله: فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ اهـ شيخنا.\rقوله: (و لا ينافي ذلك) أي الحصر المذكور عدم عبادة الكافرين الخ، وقوله: (لأن الغاية) أي المفادة باللام فهي للغاية والعاقبة لا للعلة الباعثة لما هو معلوم من أن اللّه لا يبعثه شيء على شيء، وقوله: فإنك قد لا تكتب به اعترضه القاري مبا حصاله أن هذا مسلم في أفعال المخلوقين لجهلهم بعواقب الأمور، وأما اللّه سبحانه وتعالى فلا يصح التخلف في فعله لأنه لما قال ليعبدون فمقتضاه أنه عالم بأنهم سيعبدونه، فينافي عدم العبادة من بعضهم. فالجواب الصحيح: أن معنى إلا ليعبدون أي:\rإلا مهيئين ومستعدين ليعبدون بأن خلقت فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم، لأن هذا البعض وإن لم يعبد اللّه لكن فيه التهيؤ والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: إلا ليعبدون متعلق بخلقت، واختلف في الجن والإنس قيل: المراد بهم العموم والمعنى إلا لآمرهم بالعبادة وليقربوا بها، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، أو يكون المعنى ليطيعوني وينقادوا لقضائي، فالمؤمن يفعل ذلك طوعا والكافر يفعله كرها، أو يكون المعنى إلا معدين ومهيئين للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك، ومنهم من لا يتأتى منه كقولك: هذا القلم بريته للكتابة ثم تكتب به وقد لا تكتب، أو المراد بهم الخصوص، والمعنى: وما خلقت الجن والإنس المؤمنين، وقيل: الطائعين، والأول أحسن اهـ.","part":7,"page":291},{"id":2749,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 292\rوعبارة الكرخي: قوله: ولا ينافي في ذلك الخ هو جواب سؤال كيف قال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ولو كان مريدا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا والحال أنها لم توجد من الكل، وإيضاحه: أن خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة أي صالحة مستعدة حيث ركب فيهم عقولا وجعل لهم حواس، ثم منهم من يتأتى منه ذلك، ومن لم يتأت منه ذلك إذ الغاية لا يلزم وجودها كما قرره الشيخ المصنف، أو لأن ذلك عام أريد به الخصوص بدليل قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] ومن خلق لجهنم لا يكون مخلوقا للعبادة قاله شيخ الإسلام زكريا نقلا عن الرازي، ويعضده قراءة من قرأ وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين، ولعل تقديم خلق الجن في الذكر لتقدمه على خلق الإنس في الوجود اهـ.\rوعبارة القرطبي: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم اللّه أنه يعبد فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى وما خلقت الجن والإنس أهل السعادة إلا ليوحدون. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص على القطع لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف:\r179] ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة على المؤمنين منهم وهو كقوله:\rقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا [الحجرات: 14] وإنما قال فريق منهم ذكره الضحاك والكلبي والفراء والعتبي.\rوفي قراءة عبد اللّه: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة، واعتمد الزجاج هذا القول ويدل عليه قوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً [التوبة: 31] فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للاقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قلت: تذللوا لقضائه عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفه من كفر في العمل بما أمر به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه، وقيل: إلا ليعبدون إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها رواه عثمان بن أبي طلحة عن ابن عباس، فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة، وقال مجاهد: إلا ليعرفون، قال الثعلبي: وهذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: 38، لقمان: 25] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 9] وما أشبه هذا من الآيات وعن مجاهد أيضا: إلا لآمرهم وأنهاهم، وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية، وعن الكلبي أيضا: إلّا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، يدل عليه قوله تعالى: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان: 32] الآية. وقال عكرمة: إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد، وقيل: المعنى إلا لأستعبدهم والمعنى متقارب اهـ.\rقوله: (لأن الغاية لا يلزم وجودها) فيه إشارة إلى أن هذه اللام لام العاقبة والصيرورة وليست لام العلة الباعثة، لأن الرب لا يحمله شيء على شيء، قوله: (كما في قولك الخ) غير سديد، لأن اللام في","part":7,"page":292},{"id":2750,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 293\rلأكتب به، فإنك قد لا تكتب به\rما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ لي ولا لأنفسهم وغيرهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) ولا أنفسهم ولا غيرهم\rإِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الشديد\rفَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم ذَنُوباً نصيبا من العذاب مِثْلَ ذَنُوبِ نصيب أَصْحابِهِمْ المثال المذكور لام العلة الباعثة لأنها في فعل المخلوق، وإذا كانت اللام هنا لام الصيرورة كان المعنى وما خلقت الجن والإنس إلّا وقد ترتب على خلقهم أن عبدوني، فيعود الاشكال وهو أن العبادة لم توجد من جميعهم وإنما وجدت من بعضهم، فما قصده الشارح من الجواب غير دافع للاعتراض وهذا ما أشار له القاري تأمل.\rقوله: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أي: ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي فليشتغلوا بما هم مخلوقون له ومأمورون به، والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم اهـ بيضاوي.\rوقوله: في تحصيل معايشهم، منهم من يحتاج إلى كسب عبده في نيل الرزق، ومنهم من يكون له مال وافر يستغني به عن حمل عبده عن الاكتساب لكنه يستعين به في قضاء حوائجه بأن يستخدمه في طبخ الطعام وإحضاره بين يديه ونحو ذلك، وهو تعالى مستغن عن جميع ذلك، فظهر فائدة تكرير قوله:\rوما أريد أن يطعمون، فإن الإرادة الأولى متعلقة باكتساب الرزق، والثانية: متعلقة باصلاحه، وخص الاطعام بالذكر لكونه معظم المنافع المطلوبة من المماليك بعد اشتغالهم بالأرزاق، ونفي الأهم يستلزم نفي ما دونه بطريق الأولى قيل: ما أريد منهم من عين ولا عمل، قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ تعليل لعدم ارادته الرزق منهم، وقوله: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ تعليل لعدم احتياجه إلى استخدامهم في تمامه في إصلاح طعامه وشرابه ونحو ذلك اهـ زاده.\rقوله: الْمَتِينُ العامة على رفعه وفيه أوجه، إما النعت للرزاق، وإما النعت لذو، وإما النعت لاسم إن على الموضع وهو مذهب الجرمي والفراء وغيرهما، وإما خبر بعد خبر، وإما خبر مبتدأ مضمر، وعلى كل تقدير فهو تأكيد لأن ذو القوة يفيد فائدته، وقرأ ابن محيصن: الرزاق كما قرأ وفي السماء رازقكم كما تقدم، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش: المتين بالجر على أنه صفة للقوة وإنما ذكر وصفها لكونها تأنيثها غير حقيقي اهـ سمين.\rقوله: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا الخ أي: إذا عرفت حال الكفرة المتقدمين من عاد وثمود وقوم نوح، فإن لهؤلاء المكذبين نصيبا مثل نصيبهم عبر عن النصيب بالذنوب ليشبه به في أنه يصب عليهم العذاب كما يصب الذنوب، قال تعالى: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: 19] اهـ زاده.\rقوله: ذَنُوباً قال الزمخشري: الذنوب الدلو العظيمة، وهذا تمثيل أصله في السقائين يقتسمون الماء، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، وقال الراغب: الذنوب الدلو الذي له ذنب اهـ.\rفراعى الاشتقاق، والذنوب أيضا الفرس الطويل الذنب وهو صفة على فعول، ويقال: يوم ذنوب أي: طويل الشر استعارة من ذلك اهـ سمين.","part":7,"page":293},{"id":2751,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 294\rالهالكين قبلهم فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) بالعذاب إن أخرتهم إلى يوم القيامة\rفَوَيْلٌ شدّة عذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ في يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) أي يوم القيامة.\rقوله: مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ أي: نظرائهم من الأمم السابقة اهـ.\rقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالكفر واشعارا بعلة الحكم، والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم على أن لهم عذابا عظيما، كما أن الفاء الأولى لترتيب النهي عن الاستعجال على ذلك اهـ أبو السعود.\rوالويل: الشدة من العذاب، وقيل: واد في جهنم اهـ زاده.\rقوله: الَّذِي يُوعَدُونَ أي: يوعدون العذاب فيه اهـ شيخنا واللّه تعالى أعلم.","part":7,"page":294},{"id":2752,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 295\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الطور مكية وهي تسع وأربعون آية\rوَالطُّورِ (1) أي الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى\rوَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2)\rفِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وفي نسخة: والطور.\rقوله: وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ الخ هذه أقسام خمسة جوابها: إن عذاب ربك لواقع، والواو الأولى للقسم، والواوات بعدها للعطف كما قاله الخليل اهـ خطيب.\rأوكل واحدة منها للقسم كما قاله السمين، وفي القرطبي: الطور اسم من أسماء الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى عليه السّلام أقسم اللّه به تشريفا وتكريما وتذكيرا بما فيه من الآيات، وهو أحد جبال الجنة، والمراد به طور سيناء قاله السدي: وقال مقاتل بن حبان: هما طوران يقال لأحدهما طور سيناء، والآخر طور زيتا، لأنهما ينبتان التين والزيت، وقيل: هو جبل بمدين واسمه زبير، قال الجوهري: والزبير الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى عليه السّلام. قلت: ومدين بالأرض المقدسة وهي قرية شعيب عليه السّلام، وقيل: إن الطور كل جبل ينبت الشجر المثمر وما لا ينبت فليس بطور قاله ابن عباس اهـ.\rقوله: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ أي: متفق الكتابة بسطور مصفوفة في حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة اهـ خطيب.\rوفي المختار: السطر الصف من الشيء يقال: بني سطرا، والسطر أيضا الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر وبابه نصر وسطر أيضا بفتحتين، والجمع أسطار كسبب وأسباب، وجمع الجمع أساطير، وجمع السطر أسطور وسطور كأفلس وفلوس اهـ.\rقوله أيضا: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ تنكيرهما للتفخيم والاشعار بأنهما ليس مما يتعارفه الناس اهـ أبو السعود.\rوفي متعلق بمسطور أي: مكتوب في رق، والرق الجلد الرقيق الذي يكتب فيه، وقال الراغب:\rالرق كل ما يكتب فيه جلدا كان أو غيره وهو بفتح الراء على الأشهر، ويجوز كسرها كما قرئ به شاذا،","part":7,"page":295},{"id":2753,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 296\rأي التوراة أو القرآن\rوَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) هو في السماء الثالثة أو السادسة أو السابعة بحيال الكعبة، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك بالطواف والصلاة لا يعودون إليه أبدا\rوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) أي السماء\rوَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) أي المملوء\rإِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7) لنازل بمستحقه وأما الرق الذي هو ملك الارقاء فهو بكسر الراء لا غير، وقوله: منشور أي: مبسوط غير مطوي وغير مختوم عليه، وهو بالنسبة للتوراة الألواح التي أنزلت على موسى، وبالنسبة للقرآن المصحف اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وكتاب مسطور أي مكتوب يعني القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ، كما قال اللّه تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: 77] وقيل: يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، وكان كل كتاب في رق ينشره أهله لقراءته، وقال الكلبي: هو ما كتب اللّه لموسى بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم، وقال الفراء: هو صحائف الأعمال، فمن أخذ كتاب بيمينه ومن أخذ كتابه بشماله نظيره: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: 13] وقوله: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير: 10] وقيل: إنه الكتاب الذي كتبه اللّه تعالى لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون، وقيل: المراد ما كتبه اللّه في قلوب الأولياء من المؤمنين بيانه أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة: 22] اهـ.\rقوله: (هو في السماء الثالثة الخ) وقيل: هو في الأول وقيل: هو في الرابعة وقيل: تحت العرش فوق السابعة فهذه أقوال ستة في محل البيت المعمور وقيل: البيت المعمور هو الكعبة نفسها وعمارتها بالحجاج والزائرين لها، وعن ابن عباس أيضا قال: اللّه في السموات والأرض خمسة عشر بيتا، سبعة في السموات، وسبعة في الأرضين والكعبة، وكلها مقابلة للكعبة، وقال الحسن: البيت المعمور هو الكعبة وهي البيت الحرام الذي هو معمور بالناس يعمره اللّه كل سنة بستمائة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه اللّه بالملائكة، وهو أول بيت وضعه اللّه للعبادة في الأرض اهـ من القرطبي.\rقوله: (بحيال الكعبة) أي: على كل قول، وقوله: يزوره بيان لكونه معمورا اهـ شيخنا.\rقوله: (أي السماء) لأنها للأرض كالسقف للبيت بيانه: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32] وقال ابن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة اهـ قرطبي.\rقوله: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أي: المملوء بالماء وهو البحر المحيط كما ذكره العمادي، وقيل:\rالمسجور الممتلىء بالنار، وقيل: المسجور الفارغ الخالي. وفي الخازن: والبحر المسجور يعني الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس، وذلك ما روي أن اللّه تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم. وجاء في الحديث، عن عبد اللّه بن عمر قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يركبن رجل البحر إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا».\rوقيل المسجور المملوء وقيل: هو اليابس الذي ذهب ماؤه ونضب وهو المختلط العذب بالملح.\rوروي عن علي أنه قال في البحر المسجور: وهو بحر تحت العرش عمقه كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا","part":7,"page":296},{"id":2754,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 297\rما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8) عنه\rيَوْمَ معمول لواقع تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9) تتحرك وتدور\rوَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10) تصير هباء منثورا وذلك في يوم القيامة\rفَوَيْلٌ شدة عذاب يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) فينبتون من قبورهم أقسم اللّه بهذه الأشياء لما فيها من عظيم قدرته اهـ.\rقوله: مِنْ دافِعٍ يجوز أن يكون فاعلا وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على الوجهين اهـ سمين.\rقوله: (معمول لواقع) وعلى هذا فالجملة المنفية معترضة بين العامل ومعموله، وقيل: معمول لدافع اهـ سمين.\rقوله: (تتحرك وتدور) أي: كدوران الرحى، وتجيء وتذهب، ويدخل بعضها في بعض، وتختلف أجزاؤها، وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال البغوي: والمور يجمع هذه المعاني إذ هو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب اهـ خطيب.\rوفي المختار: مار من باب قال تحرك وجاء وذهب، ومنه قوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً قال الضحاك: تموج موجا، وقال أبو عبيدة، والأخفش: تتكفأ اهـ.\rقوله: (تصير هباء منثورا) هذا ليس تفسيرا لتسير، بل معناه أنها تنتقل عن مكانها وتطير في الهواء ثم تقع على الأرض مفتتة كالرمل، ثم تصير كالعهن أي الصوف المندوف، ثم تطيرها الرياح فتصير هباء منثورا كما دل عليه كلامه في سورة النمل اهـ شيخنا.\rونصه هناك: وترى الجبال تبصرها وقت النفخة تحسبها تظنها جامدة واقفة مكانها لعظمها، وهي تمر مر السحاب المطر إذا ضربته الريح أي تسير سيره حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة، ثم تصير كالعهن ثم تصير هباء منثورا اهـ.\rوفي الخازن: والحكمة في مور السماء وسير الجبال الإنذار والإعلام بأنه لا رجوع ولا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال والبحار وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني آدم بذلك، فلما لم يبق لهم عود إليها أزالها اللّه تعالى وذلك لخراب الدنيا وعمارة الآخرة اهـ.\rقوله: يَوْمَئِذٍ منصوب بويل، والخبر للمكذبين، والفاء في فويل قال مكي: جواب الجملة المتقدمة وحسن ذلك لأن في الكلام معنى الشرط، لأن المعنى إذا كان ما ذكر فويل، ويوم يدعون يجوز أن يكون بدلا من قوله: يوم تمور أو يومئذ قبله، والعامة على فتح الدال وتشديد العين من دعه يدعه أي: دفعه في صدره بعنف وشدة، وقال الراغب: وأصله أن يقال للعاثر دع دع كما يقال له لعا وهذا بعيد من معنى هذه اللفظة، وقرأ علي رضي اللّه عنه، والسلمي، وأبو رجاء، وزيد بن علي بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة من الدعاء أي: يدعون إليها فيقال لهم هلموا فادخلوها، وهذه النار جملة منصوبة بقول مضمر أي: تقول لهم الخزنة هذه النار اهـ سمين.\rوفي المختار: دعه دفعه وبابه رد، ومنه قوله تعالى: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: 2] اهـ.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 298\r\rفي المختار: دعه دفعه وبابه رد، ومنه قوله تعالى: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: 2] اهـ.","part":7,"page":297},{"id":2755,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 298\rالرسل\rالَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ باطل يَلْعَبُونَ (12) أي يتشاغلون بكفرهم\rيَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) يدفعون بعنف، بدل من يوم تمور، ويقال لهم تبكيتا\rهذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14)\rأَفَسِحْرٌ هذا العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في الوحي: هذا سحر أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15)\rاصْلَوْها فَاصْبِرُوا عليها أَوْ لا تَصْبِرُوا صبركم وجزعكم سَواءٌ عَلَيْكُمْ لأن صبركم لا ينفعكم إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16) أي جزاءه\rإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) قوله: (باطل) في حواشي الكشاف الخوض من المعاني الغالبة فإنه يصلح للخوض في كل شيء إلا أنه غلب في الخوض في الباطل كالاحضار فإنه عام في كل شيء ثم غلب استعماله في الاحضار للعذاب قال تعالى: لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: 57] ونظيره في الأسماء الغالبة دابة فإنها غلبت في ذوات الأربع والقوم غلبت في الرجال اهـ كرخي.\rقوله: (يدفعون بعنف) وذلك بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار اهـ بيضاوي.\rقوله: (كما كنتم تقولون في الوحي) أي: القرآن الجائي به أي: بالعذاب، فقولهم في القرآن الجائي بالعذاب سحر كأنه قول في العذاب إنه سحر ففي الكلام نوع تجوز اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ هذا بإزاء قولهم في الدنيا إنما سكرت أبصارنا الخ، وظاهر كلام الكشاف أن أم منقطعة حيث قال: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر أي: بل أنتم عمي عن المخبر عنه، وهذا تقريع وتهكم. وفي التفسير الكبير: هل في أمرنا سحر أم هل في بصركم خلل أي: لا واحد منهما ثابت فجعلها معادلة، وقال صاحب الكشف: أفسحر هذا كلام تام من مبتدأ وخبر، قال: أم أنتم لا تبصرون اهـ كرخي.\rوعبارة زاده: أفسحر هذا أي: هل في المرئي تلبيس وتمويه حتى قيل لكم إنه نار مع كونه لي بنار في نفس الأمر أم هل في بصركم خلل، فكلمة أم متصلة والاستفهام للإنكار أي: ليس شيء منهما ثابتا، فثبت أنكم قد بعثتم، وجوزيتم بأعمالكم وأن الذي ترونه حق فهو تقريع شديد وتهكم فظيع، وبعد هذا التقريع يقال لهم اصلوها الخ اهـ.\rقوله: اصْلَوْها في المصباح: صلى بالنار وصليها صلى من باب تعب وجد حرها، والصلاء وزان كتاب حر النار، وصليت اللحم أصليه من باب رمى شويته اهـ.\rقوله: سَواءٌ عَلَيْكُمْ فيه وجهان، أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: صبركم وتركه قاله أبو البقاء. والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي: سواء الصبر والجزع قاله الشيخ، والأول أحسن لأن جعل النكرة خبرا أولى من جعلها مبتدأ، وجعل المعرفة خبرا. ونحا الزمخشري إلى الوجه الثاني فقال: سواء خبره محذوف أي: سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه اهـ سمين.\rقوله: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل للاستواء، فإنه لما كان الجزاء واجب الوقوع بحسب الوعد لامتناع الكذب على اللّه تعالى كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع اهـ كرخي.","part":7,"page":298},{"id":2756,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 299\rفاكِهِينَ متلذذين بِما مصدرية آتاهُمْ أعطاهم رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18) عطفا على آتاهم، أي بإتيانهم ووقايتهم، ويقال لهم\rكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً حال أي مهنئين بِما الباء سببية كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)\rمُتَّكِئِينَ حال من الضمير المستكن في قوله تعالى فِي جَنَّاتٍ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ بعضها إلى جنب بعض وَزَوَّجْناهُمْ عطف على في جنات أي قرناهم قوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ الخ يجوز أن يكون مستأنفا أخبر اللّه تعالى بذلك بشارة، ويجوز أن يكون من جملة المقول للكفار زيادة في غمهم وتحسرهم اهـ سمين.\rقوله: فاكِهِينَ أي: ذوي فاكهة كثيرة. يقال: رجل فاكه أي: ذو فاكهة، كما يقال: لابن وتامر أي: ذو لبن وتمر، وقرأ الحسن وغيره: فكهين بغير ألف ومعناه معجبين ناعمين في قول ابن عباس وغيره. يقال ذلك الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا والفكه أيضا الاشر البطر اهـ قرطبي.\rوفي المختار: فكه الرجل من باب سلم فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا والفكه أيضا البطر الأشر، وقرئ ونعمة كانوا فيها فكهين أي: أشرين، وفاكهين أي: ناعمين والمفاكهة الممازحة وتفكه تعجب، وقيل: تندم، قال اللّه تعالى: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: 65] أي: تندمون وتفكه بالشيء تمتع به اهـ.\rقوله: (مصدرية) فيه بعد من حيث المعنى إذ التفكه ليس بإعطاء الرب بل بالمعطي، والحامل له عليه أنه لو جعلها موصولة لزم خلو الصلة المعطوفة وهي قوله: وَوَقاهُمْ عن العائد لأن الفعل قد استوفى مفعوله، ويمكن أن تكون موصولة وجملة ووقاهم مستأنفة أو حالية بتقدير قد اهـ شيخنا.\rأو معطوفة على في جنات النعيم، وفي السمين: قوله: بما آتاهم يجوز أن تكون الباء على أصلها، وتكون ما حينئذ واقعة على الفواكه التي في الجنة أو متلذذين بفاكهة الجنة، ويجوز أن تكون بمعنى في أي: فيما آتاهم من الثمار وغير ذلك، ويجوز أن تكون ما مصدرية أيضا. وقوله: ووقاهم يجوز فيه أوجه، أظهرها: أنه معطوف على الصلة أي: فكهين بإيتاء ربهم وبوقايته لهم عذاب الجحيم.\rوالثاني: أن الجملد حال فتكون قد مقدرة عند من يشترط اقترانها بالماضي الواقع حالا. والثالث: أن يكون معطوفا على في جنات قاله الزمخشري يعني: فيكون مخبرا به عن المتقين أيضا، والعامة على تخفيف القاف من الوقاية، وأبو حيوة بتشديدها اهـ.\rقوله: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ جمع سرير، وفي الكلام حذف تقديره متكئين على نمارق على سرر مصفوفة قال ابن الأعرابي: أي: موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا، وفي الأخبار: أنها تصف في السماء تطول كذا وكذا، فإن أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له، فإذا جلس عليها عادت إلى حالها. قال ابن عباس: وهي سرر من ذهب مكللة بالدر والزبرجد والياقوت والسرير كما بين مكة وأيلة اهـ قرطبي.\rقوله: (في قوله تعالى في جنات) أي: كائنون في جنات حال كونهم متكئين اهـ شيخنا.\rقوله: (عطف على في جنات) أي: عطف على الخبر فهو خبر آخر، وزوج يتعدى بنفسه إلى","part":7,"page":299},{"id":2757,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 300\rبِحُورٍ عِينٍ (20) عظام الأعين حسانها\rوَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ وَاتَّبَعَتْهُمْ معطوف على آمنوا المفعولين وعدي للثاني هنا بالباء لتضمينه معنى قرناهم كما قال الشارح اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: الباء لما في التزويج من معنى الوصل والإلصاق أو للسببية، إذ المعنى صيرناهم أزواجا بسببهن أو لما في التزويج من الإلصاق والقرآن اهـ.\rقوله: (أي قرناهم) أشار به إلى جواب كيف قال وزوجناهم، مع أن الحور العين في الجنات مملوكات بملك اليمين لا بملك النكاح؟ وإيضاحه؛ أن معناه قرناهم من قولك: زوجت إبلي أي:\rقرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقد النكاح، ويؤيده أن التزويج بمعنى العقد يتعدى بنفسه لا بالباء اهـ كرخي.\rقوله: (عظام الأعين) تفسير لعين جمع عيناء كبيضاء، ولم يفسر الحور وهو من الحور وهو شدة البياض اهـ شيخنا.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأ والخبر الجملة من قوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ والذرية هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء أي: أن المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل ابنا كان أو أبا وهو منقول عن ابن عباس وغيره. الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر قال أبو البقاء: على تقدير: وأكرمنا الذين آمنوا. قلت: فيجوز أن يريد أنه من باب الاشتغال وأن ألحقنا بهم ذرياتهم مفسر لذلك الفعل من حيث المعنى، وأن يريد أنه مضمر لدلالة السياق عليه فلا تكون المسألة من الاشتغال في شيء. والثالث: أنه مجرور عطفا على بحور عين، وقال الزمخشري: والذين آمنوا معطوف على حور عين أي قرناهم بالحور والذين آمنوا أي: بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله: إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [الحجر: 47] فيتمتعون تارد بملاعبة الحور العين، وتارة بمؤانسة الإخوان، ثم قال الزمخشري: بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجتهم ذرياتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم. قال الشيخ: ولا يتخيل أحد من قوله:\rوالذين آمنوا معطوف على بحور عين غير هذا الرجل وهو تخيل أعجمي مخالف لفهم العربي ابن عباس وغيره. قلت: أما ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شك في حسنه ونضارته، وليس في كلام العربي ما يدفعه، بل لو عرض على ابن عباس وغيره لأعجبهم وأي مانع معنوي أو صناعي يمنعه، وقوله:\rوأتبعناهم يجوز أن يكون معطوفا على الصلة، ويكون والذين آمنوا مبتدأ ويتعلق بإيمان أتبعناهم يعني أن اللّه يلحق الأولاد الصغار وإن لم يبلغوا الإيمان بأحكام الآباء المؤمنين، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والضحاك، ويجوز أن يكون معترضا بين المبتدأ والخبر قاله الزمخشري، ويجوز أن يتعلق بإيمان بألحقنا كما تقدم، فإن قيل قوله وأتبعناهم ذرياتهم يفيد فائدة قوله ألحقنا بهم ذرياتهم، فالجواب: أن قوله ألحقنا بهم أي: في الدرجات والإتباع إنما هو في حكم الإيمان وإن لم يبلغوه كما تقدم، وقرأ أبو عمرو: وأتبعناهم بإسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه، والباقون واتبعتهم بإسناد الفعل إلى الذرية وإلحاق تاء التأنيث اهـ سمين.\rقوله: وَاتَّبَعَتْهُمْ أي: في الحكم بالإيمان فغاير قوله ألحقنا بهم ذرياتهم إذ هو في الجنة والدرجة اهـ خطيب.","part":7,"page":300},{"id":2758,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 301\rذُرِّيَّتُهُمْ الصغار والكبار بِإِيمانٍ من الكبار ومن الآباء في الصغار، والخبر أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم وَما أَلَتْناهُمْ بفتح اللام وكسرها نقصناهم مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ زائدة شَيْءٍ يزاد في قوله: بِإِيمانٍ حال من ذرياتهم، أي: حال كون الذرية ملتبسة بإيمان استقلالي أو تبعي، أما الذرية فلا تتبع آباءها اهـ شيخنا.\rوهذا على أن الباء للملابسة كما قال لكن جمهور المفسرين على أنها للسببية أو بمعنى في، وبهذا الاعتبار لا يظهر دخول الأولاد الكبار فإن إيمانهم استقلالي لا تبعي كالصغار، ويمكن أن يجاب بما أشار له أبو السعود من أن المراد ألحقنا الذرية بقسميها بآباء بسبب الإيمان الكامل الذي في الآباء فإذا كان الابن كبيرا مؤمنا وإيمان أبيه أقوى منه ألحقه اللّه بأبيه في إيمانه الكامل. وعبارة أبي السعود:\rوَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ في الجملة قاصر عن رتبة إيمان الآباء واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالة لا إلحاقا اهـ.\rقوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الذريات هنا تصدق على الآباء والأبناء، فإن المؤمن إذا كان عمله كثيرا ألحق به هو دونه في العمل أبا كان أو ابنا وهذا منقول عن ابن عباس وغيره، ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة، فإن كان معها أخذ علم أو عمل كانت أجدر، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة اهـ خطيب.\rوفي القرطبي، وعن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة رفع اللّه الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة رفع اللّه الآباء إلى الأبناء فالآباء داخلون في اسم الذرية، كقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس: 41] وعن ابن عباس أيضا يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: يا رب إني عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» اهـ.\rقوله: (المذكورين) أي: الصغار والكبار اهـ شيخنا.\rقوله: (بفتح اللام وكسرها) سبعيتان، وعبارة السمين: قرأ ابن كثير ألتناهم بكسر اللام والباقون بفتحها، فأما الأولى فمن ألت يألت بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع كعلم يعلم، وأما الثانية فيحتمل أن تكون من ألت يألت كضرب يضرب، وأن تكون من ألات يليت كأمات يميت فألتناهم كأمتناهم، وقرأ ابن هرمز آلتناهم بألف بعد الهمزة على وزن أفعلناهم، يقال: آلت يؤلت كآمن يؤمن، وقرئ لتناهم كبعناهم يقال لاته يليته كباعه يبيعه، وقرئ أيضا لتناهم بفتح اللام اهـ.\rوفي المصباح: ألت الشيء ألتا من باب ضرب نقص ويستعمل متعديا أيضا فيقال ألته اهـ.\rقوله: مِنْ (زائدة) أي: في المفعول الثاني، وقوله: يزاد في عمل الأولاد أي: لم نأخذ من عمل الآباء شيئا نجعله للأولاد فيستحقون به هذا الإكرام، بل عمل الآباء باق لهم بتمامه وإلحاق الذرية بهم بمحض الفضل والكرم اهـ شيخنا.","part":7,"page":301},{"id":2759,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 302\rعمل الأولاد كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ عمل من خير أو شرّ رَهِينٌ (21) مرهون يؤاخذ بالشر، ويجازى بالخير\rوَأَمْدَدْناهُمْ زدناهم في وقت بعد وقت بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) وإن لم يصرحوا بطلبه\rيَتَنازَعُونَ يتعاطون بينهم فِيها أي الجنة كَأْساً خمرا لا لَغْوٌ فِيها أي بسبب وفي البيضاوي: وما ألتناهم أي: وما نقصناهم من عملهم من شيء بهذا الإلحاق، فإنه كما يحتمل أن يكون ينقص مرتبة الآباء بإعطاء الأبناء بعض مثوباتهم يحتمل أن تكون بالتفضل عليهم، وهذا هو الأليق بكمال لفظه اهـ.\rقوله: رَهِينٌ أي: مرهون عند اللّه تعالى، فإن عمل صالحا فك نفسه وإلا أهلكها اهـ بيضاوي.\rوقوله: فك نفسه أي: خلصها كما يخلص المرهون من يد مرتهنه، ولذا قابله بقوله: وإلّا أهلكه اهـ شهاب.\rوفي زاده: هذا تمثيل كأن نفس العبد مرهونة عند اللّه بعمله الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا على ما أمر به فكها أي: خلصها: فالعمل الصالح بمنزلة الدين الثابت على المؤمن حيث إنه مطالب به اهـ.\rفعلى هذا يكون المراد بما كسبه بالنسبة للخير ما أمر وكلف بكسبه وبالنسبة للشر ما كسبه الفعل من المعاصي، وفي الخازن: كل امرئ أي: كافر بما كسبه من عمل الشرك رهين أي مرتهن بعمله في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنا لقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ [المدثر: 38] اهـ.\rقوله: (في وقت بعد وقت) أخذه من الإمداد اهـ شيخنا.\rوفي أبي المسعود: وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون أي: وزدناهم على ما كان لهم من مبادئ التنعم وقتا فوقعا ما يشتهون من فنون النعماء وأنواع الآلاء اهـ.\rقوله: (و إن لم يصرحوا بطلبه) بل بمجرد ما ينظر على قلوبهم يقدم إليهم اهـ كرخي.\rوأخرج ابن أبي الدنيا، عن ميمونة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيخر مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير» اهـ.\rقوله: يَتَنازَعُونَ في موضع نصب على الحال من مفعول أمددناهم، ويجوز أن يكون مستأنفا، وتقدم الخلاف في قوله لا لغو فيها في البقرة، والجملة في حل نصب صفة لكأسا، وقوله:\rفيها أي: في شربها، والجملة من قوله: كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ صفة ثانية لغلمان اهـ سمين.\rقوله: (يتعاطون بينهم) أي: يتجاذب بعضهم الكأس من بعض ويناول بعضهم بعضا تلذذا وتأنسا اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: يتنازعون فيها كأسا أي: يتناولها بعضهم من بعض وهو المؤمن وزوجاته وخدمه في","part":7,"page":302},{"id":2760,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 303\rشربها يقع بينهم وَلا تَأْثِيمٌ (23) به يلحقهم بخلاف خمر الدنيا\r* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة غِلْمانٌ أرقاء لَهُمْ كَأَنَّهُمْ حسنا ولطافة لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) مصون في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيرها\rوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25) يسأل بعضهم بعضا عمّا كانوا عليه وما وصلوا إليه تلذذا واعترافا بالنعمة\rقالُوا إيماء إلى علة الوصول إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا في الدنيا مُشْفِقِينَ (26) خائفين من عذاب اللّه\rفَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالمغفرة وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27) أي الجنة، والكأس أناء الخمر وكل كأس مملوء من شراب أو غيره، فإذا فرغ لم يسم كأسا اهـ.\rقوله: لا لَغْوٌ فِيها اللغو الكلام هو الذي لا نفع فيه ولا مضرة اهـ خطيب.\rقوله: غِلْمانٌ (أرقاء لهم) لم يضفهم لئلا يظن الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحدا في الدنيا أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا اهـ كرخي.\rقوله: (أرقاء) أي: كالأرقاء في الاستيلاء والحيازة، وهؤلاء الغلمان يخلقهم اللّه في الجنة كالحور. قال عبد اللّه بن عمر: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على علم غير ما عليه صاحبه هذه صفة الخادم وأما صفة المخدوم فروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه الخادم كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدوم؟ قال: «فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك» اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: ويطوف عليهم غلمان لهم أي: بالفواكه والتحف والطعام والشراب. دليله:\rيطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب، يطاف عليهم بكأس من معين، ثم قيل: هم الأولاد من أطفالهم الذين سقوهم فأقر اللّه تعالى أعينهم بهم، وقيل: إنهم من أخدمهم اللّه تعالى إياهم من أولاد غيرهم، وقيل: هم غلمان خلقوا في الجنة. قال الكلبي: لا يكبرون أبدا كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون في الصدف، والمكنون المصون، ويطوف عليهم ولدان مخلدون قيل: هم أولاد المشركين وهم خدام أهل الجنة، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية التنعم، انتهى.\rقوله: (مصون في الصدف) جمع صدفة. وفي المصباح: صدف الدر غشاؤه الواحدة صدفة مثل قصبة وقصب اهـ.\rقوله: (مما كانوا عليه) أي: في الدنيا من خير أو شر، وقوله: (و ما وصلوا إليه) أي من نعيم الجنة اهـ شيخنا.\rقوله: قالُوا أي: قال المسؤول منهم للسائل، وقوله: إيماء أي: إشارة إلى علة الوصول لما هم فيه من النعيم ومحط العلة قوله: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (خائفين من عذاب اللّه) والمقصود إثبات خوفهم في سائر الأوقات والأحوال بطريق الأولى، فإن كونهم بين أهليهم مظنة الأمن، فإذا خافوا في تلك الحال فلأن يخافوا دونها أولى، ولعل","part":7,"page":303},{"id":2761,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 304\rالنار لدخولها في المسام وقالوا إيماء أيضا\rإِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا نَدْعُوهُ أي نعبده موحدين إِنَّهُ بالكسر استئنافا وإن كان تعليلا معنى، وبالفتح تعليلا لفظا هُوَ الْبَرُّ المحسن الصادق في وعده الرَّحِيمُ (28) العظيم الرحمة\rفَذَكِّرْ دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه لقولهم لك: كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي بإنعامه عليك بِكاهِنٍ خبر ما وَلا الأولى أن يجعل إشارة إلى معنى الشفقة على خلق اللّه كما أن قوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه وترك العاطف يجعل الثاني بيانا للأول ادعاء للمبالغة في وجوب عدم انفكاك كل منهما عن الآخر اهـ كرخي.\rقوله: (لدخولها في المسام) توجيه لتسمية النار سموما، فالسموم من أسماء جهنم وهي في الأصل الريح الحارة التي تتخلل المسام والجمع سمائم، وقيل: سم يومنا أي: اشتد حره، وقال ثعلب: السموم شدة الحر وشدة البرد في النهار، وقال أبو عبيدة: السموم بالنهار وقد يكون بالليل، والحرور بالليل وقد يكون بالنهار، وقد يستعمل السموم في لفح البرد وهو في لفح الحر والشمس أكثر اهـ سمين.\rقوله: (و قالوا إيماء) أي: إلى علة الوصول ومحط العلة قوله: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ اهـ شيخنا.\rقوله: (نعبده) وقيل: معناه نسأله الوقاية اهـ بيضاوي.\rقوله: (و بالفتح تعليلا لفظا) أي: لأنه على تقدير كون اللام ملفوظا بها أي: لأنه هو البر، فالقراءتان متحدتان معنى اهـ كرخي.\rقوله: (لقولهم لك الخ) تعليل للمنفي.\rقوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الباء سببية متعلقة بالنفي الذي أفادته ما أي: انتفى كونك كاهنا أو مجنونا بسبب إنعام اللّه عليك بالعقل الراجح وعلو الهمة وكرم الفعال وطهارة الأخلاق وهم معترفون بذلك قبل النبوة اهـ خطيب.\rوفي السمين: قوله بنعمة ربك فيه أوجه أحدهما: أنه مقسم به متوسط بين اسم ما وخبرها، ويكون الجواب حينئذ محذوفا لدلالة هذا المذكور عليه، والتقدير ونعمة ربك ما أنت بكاهن ولا مجنون. الثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال والعامل فيها بكاهن أو مجنون، والتقدير ما أنت كاهنا ولا مجنونا. بل كونك متلبسا ربك قاله أبو البقاء، وعلى هذا فهي حال لازمة لأنه عليه السّلام لم يفارق هذه الحال. الثالث: أن الباء سببية وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية وهذا هو مقصود الآية الكريمة، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة اللّه عليك كما تقول ما أنا بمعسر بحمد اللّه وغناه اهـ.\rقوله: بِكاهِنٍ أي مخبر بالأمور المغيبة من غير وحي، وقوله: خبر ما أي: فهي حجازية اهـ شيخنا.","part":7,"page":304},{"id":2762,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 305\rمَجْنُونٍ (29) معطوف عليه\rأَمْ بل يَقُولُونَ هو شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) حوادث الدهر، فيهلك كغيره من الشعراء\rقُلْ تَرَبَّصُوا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) هلاككم، فعذبوا بالسيف يوم بدر، والتربص الانتظار\rأَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ عقولهم بِهذا أي قولهم له: ساحر قوله: أَمْ (بل) يَقُولُونَ الأولى أن يقول بل أيقولون فيقدرها ببل والهمزة لأجل أن يكون بها استفهام مفيد للتوبيخ كما سيذكره بقوله: والاستفهام بأم في مواضعها الخ اهـ شيخنا.\rأي: لا ينبغي منهم هذا القول ولا يليق، وعبارة الكرخي: أم بل يقولون أشار إلى أن أم منقطعة مقدرة ببل والأكثر أن تقدر بها وبالهمزة كما مرّ غير مرة، قال الكواشي: وإنما قدرت ببل لأن ما بعدها متيقن أم بعد أم مشكوك فيه مسؤول عنه اهـ.\rوذكرت أم هنا خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات ليس للمخاطبين بها عنها جواب، لكن قال الثعلبي نقلا عن الخليل: إن كل ما في سورة الطور من أم فهو استفهام ليس بعطف، وإنما استفهم تعالى مع علمه بهم تقبيحا عليهم وتوبيخا لهم، كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت مع علمه بجهله اهـ.\rقوله: نَتَرَبَّصُ بِهِ نعت لشاعر، وقد كانت العرب تتحرز عن أذية الشعراء فقالوا: لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره، وإنما نتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء، وقوله: حوادث الدهر إطلاق الريب على الحوادث استعارة تصريحية شبهت بالريب أي: الشك لأنها لا تدوم ولا تبقى على حال كما أنه كذلك، وقوله: الدهر وسمي الدهر منونا لأنه يقطع الأجل اهـ من الخطيب.\rوفي السمين: والمنون في الأصل الدهر، وقال الراغب: المنون المنية لأنها تنقص العدد وتقطع المدد وجعل من ذلك قوله تعالى: أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: 25 والتين: 6] أي: غير مقطوع، وقال الزمخشري: هو في الأصل فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع، ولذلك سمي شؤما، وريب مفعول أي: ننتظر به حوادث الدهر أو المنية اهـ.\rقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا أمر تهديد كقول السيد لعبده: افعل ما شئت فإني لست بغافل عنك اهـ خطيب.\rوفي زاده: قوله: قل تربصوا ليس أمر إيجاب أو ندب أو إباحة، لأن تربصهم هلاكه حرام لا محالة فهو أمر تهديد اهـ.\rقوله: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ في القاموس: والحلم بالكسر الاناة والعقل والجمع أحلام وحلوم، ومنه أم تأمرهم أحلامهم بهذا اهـ.\rقوله: (أي قولهم له ساحر الخ) عبارة البيضاوي: أم تأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل ولا يتأتى ذلك من المجنون وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه، انتهت.","part":7,"page":305},{"id":2763,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 306\rكاهن شاعر مجنون، أي لا تأمرهم بذلك أَمْ بل هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (32) بعنادهم\rأَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ اختلق القرآن، لم يختلقه بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) استكبارا، فإن قالوا اختلقه\rفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مختلق مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34) في قولهم\rأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي خالق أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35) أنفسهم، ولا يعقل مخلوق بدون خالق، ولا معدوم يخلق، فلا بد لهم من خالق هو اللّه الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه؟\rأَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ولا يقدر على قوله: (أي لا تأمرهم بذلك) فالاستفهام المفاد بأم للإنكار، والمراد هنا إنكار الوقوع من أصله إذ لم يحصل أمر ومع كونه للإنكار هو للتوبيخ أيضا كما سيأتي في كلامه اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ (بل) هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ كان عليه أن يقول بل هم طاغون فيقدرها ببل والهمزة لأجل أن يكون فيها استفهام قوله، فيوافق قوله الآتي والاستفهام بأم في مواضعها الخ أي: لا ينبغي منهم هذا الطغيان ولا يليق اهـ شيخنا.\rقوله: (لم يختلقه) أشار به إلى أن أم للاستفهام الإنكاري بواسطة تقديرها بالهمزة، ومع ذلك للتوبيخ أيضا كما سيذكره اهـ شيخنا.\rقوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ جواب شرط مقدر قدره الشارح بقول: فإن قالوا اختلقه أي: فإن صدقوا في هذا القول بدليل قوله: إِنْ كانُوا صادِقِينَ [القلم: 41] اهـ شيخنا.\rقال الرازي: والظاهر أن الأمر هاهنا على حقيقته لأنه لم يقل فليأتوا مطلقا، بل قال إن كانوا صادقين. أي: في أنه تقوّله من عند نفسه كما يزعمون فهو أمر معلق على شرط إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به والأمر للتعجيز، كقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: 258] اهـ خطيب.\rقوله: (و لا يعقل مخلوق بغير خالق) راجع لقوله: أم خلقوا من غير شيء، وقوله: ولا معدوم يخلق راجع لقوله: أم هم الخالقون، وأشار بهذا إلى أن الاستفهام المفاد بأم إنكاري مع كونه للتوبيخ كما سيأتي، وإيضاح قوله ولا معدوم يخلق أنهم لو كانوا هم الخالقين لأنفسهم وأنفسهم كانت معدومة أولا لزم أن يكونوا في حالة عدمهم أوجدوا أنفسهم وأخرجوها من العدم، فيكون المعدوم خالقا وهذا لا يعقل اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: أم خلقوا من غير شيء، أم صلة زائدة والتقدير أخلقوا من غير شيء. قال ابن عباس: من غير رب خلقهم وقدرهم، وقيل: من غير أم ولا أب فهم كالجماد لا يعقلون ولا يقيم اللّه عليهم حجة ليسوا كذلك، أليس قد خلقوا من نطفة وعلقة ومضغة قاله ابن عطاء. وقال ابن كيسان: أم خلقوا عبثا وتركوا سدى من غير شيء أي لغير شيء، فمن بمعنى اللام أم هم الخالقون أي أيقولون إنهم خلقوا أنفسهم فلا يأتمرون لأمر اللّه وهم لا يقولون ذلك، فإن أقروا أن ثم خالقا غيرهم، فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعباد دون قادر الأصنام، ومن الإقرار بأنه قادر على البعث اهـ.\rقوله: (و لا يقدر على خلقهما إلا اللّه الخ) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري على معنى نفي الحصول من أصله أي لم يخلقوهما اهـ شيخنا.","part":7,"page":306},{"id":2764,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 307\rخلقها إلا اللّه الخالق، فلم لا يعبدونه؟ بَلْ لا يُوقِنُونَ (36) به، وإلا لآمنوا بنبيه\rأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) المتسلطون الجبارون، وفعله سيطر ومثله بيطر وبيقر\rأَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ مرقى إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي عليه كلام الملائكة حتى يمكنهم منازعة النبي بزعمهم إن ادّعوا ذلك فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ قوله: (و إلا لآمنوا بنبيه) يعني أنه لما لم يترتب على إيقانهم باللّه أثر وهو الإقبال على عبادته جعل إيقانهم كالعدم فنفى عنهم، وهذا فيه مزيد تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعني أنه كما طعنوا فيك طعنوا في خالقهم. ألا ترى كيف ختم السورة بقوله وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: 48] اهـ كرخي.\rوفي زاده: ولما كان إنكار كونهم خالقين لأنفسهم وللسموات والأرض متضمنا لإقرارهم بأن خالقهم وخالق السموات والأرض هو اللّه، فكان الظاهر من الإقرار أن يكون عن إيقان أضرب عنه بقوله: بَلْ لا يُوقِنُونَ اهـ.\rقوله: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ الخ لم ينبه الشارح على أن الاستفهام هنا إنكار مع أنه كذلك على معنى نفي الحصول من أصله أي: ليس عندهم خزائن ربك وقوله: أم هي المسيطرون لم ينبه فيه أيضا على أن الاستفهام الإنكاري مع أنه كذلك على معنى نفي الانبغاء واللياقة أي: لا ينبغي منهم هذا التحير ولا يليق لا على معنى نفي الحصول من أصله، لأن التحير حصل منهم اهـ شيخنا.\rقوله: خَزائِنُ رَبِّكَ أي مقدوراته، وضرب المثل بالخزائن لأن الخزانة بيت يهيأ لجميع أنواع مختلفة من الدخائر، ومقدرات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس فلا نهاية لها اهـ قرطبي.\rقوله: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ المسيطر القاهر الغالب من سيطر عليه إذا راقبه وحفظه أو قهره ولم يأت على مفيعل إلا خمسة ألفاظ أربعة صفة اسم فاعل مهيمن ومبيقر ومسيطر ومبيطر وواحد اسم جبل وهو المحيمر، والعامة المصيطرون بصاد خالصة من غير إشمامها زايا لأجل الطاء كما تقدم في صراط، وقرأ بالسين الخالصة التي هي الأصل هشام وقنبل من غير خلاف عنهما وحفص بخلاف عنه، وقرأ خلاد بصاد مشمة زايا من غير خلاف عنه اهـ سمين.\rوفي القرطبي: وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله وأحواله وأصله من السطر، لأن الكاتب يسطر أي أهم الحفظة اهـ.\rقوله: (المتسلطون) أي الغالبون على الأشياء يدبرونها كيف شاؤوا اهـ بيضاوي.\rقوله: (و مثله بيطر) أي عالج الدواب، ومنه البيطار لأنه يعالج الدواب كما في القاموس، وقوله:\r(و بيقر) أي أفسد وأهلك ومشى مشية المتكبر كما في القاموس أيضا اهـ.\rقوله: (أي عليه كلام الملائكة) أشار إلى أن مفعول يستمعون محذوف وأن في معنى على قاله الواحدي كقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ قال الحلبي: ولا حاجة لذلك بل هي على بابها من الظرفية، وقدره الزمخشري متعلقا بحال محذوفة تقديره صاعدين فيه أي يشير إلى أن يستمعون ضمن معنى الصعود. قال الحلبي: والظاهر أنه لا حاجة إلى تقدير المفعول، بل المعنى يوقعون الاستماع فيه اهـ.","part":7,"page":307},{"id":2765,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 308\rأي مدّعي الاستماع عليه بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38) بحجة بينة واضحة، ولشبه هذا الزعم بزعمهم أن الملائكة بنات اللّه، قال تعالى\rأَمْ لَهُ الْبَناتُ أي بزعمكم وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) تعالى اللّه عما زعموه\rأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على ما جئتهم به من الدين فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ غرم ذلك مُثْقَلُونَ (40) فلا يسلمون\rأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أي علمه فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في البعث وأمور وعبارة الكواشي: أم لهم سلم منصوب يرتقون به إلى السماء يستمعون فيه الوحي وكلام الملائكة، وهو موافق له في أن في على بابها، وللشيخ المصنف في أن المفعول محذوف وهو أنسب بمرام المقام اهـ كرخي.\rقوله: (بزعمهم) متعلق بقوله يستمعون فيه أي: هم قد زعموا أنهم يستمعون كلام الملائكة وهو الزعم على سبيل الفرض، والتقدير ولم يقع منهم بالفعل لأنهم لما كانوا على حالة وهي المعارضة والمعاندة كانوا كأنهم يدعون استماع الملائكة ويعارضون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما سمعوه يدل على أن الزعم فرضي، قوله: إن ادعوا ذلك أي: الاستماع من الملائكة أي: إن فرض أنهم ادعوه فليأت مستمعهم الخ، فقوله: فليأت مستمعهم جواب شرط مقدر، وبهذا التقدير ظهر أن الاستفهام في قوله: أم لهم سلم انكاري على معنى نفي الحصول من أصله اهـ.\rقوله: (عليه) أي السلم قوله: (و لشبه هذا الزعم الخ) أشار به إلى وجه المناسبة بين الآيتين ووجه الشبه بين الزعمين أن كلّا منهما فاسد غير مطابق لما في نفس الأمر وإن كان الزعم الأول المشبه فرضيا والثاني تحقيقا لأنه قد وقع اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بزعمكم) أي: بادعائكم واعتقادكم وهذا زعم حقيقي لأنه قد وقع منهم بخلاف الزعم في قوله سابقا بزعمهم فهو أمر فرضي إذ لم يقع منهم بالفعل كما علمت اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَكُمُ الْبَنُونَ أي خاصة لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوتكم اهـ خطيب.\rقوله: (تعالى اللّه عما زعموه) أي: من هذه القسمة وأشار بهذا إلى أن الاستفهام في هذا إنكاري على معنى نفي الحصول من أصله أي هذه القسمة ليست مطابقة لما في نفس الأمر، وعلى معنى نفي اللياقة والانبغاء من حيث زعمهم واعتقادهم أي: لا ينبغي ولا يليق هذا الاعتقاد أي: اعتقاد هذا التوزيع وهذه القسمة اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً استفهام إنكاري على معنى نفي الحصول من أصله اهـ شيخنا.\rقوله: مُثْقَلُونَ أي متعبون ومغتمون من أثقله الحمل أتبعه، ولكن هذا الثقل معنوي لأن العادة أن من غرم إنسانا ما لا يصير الغارم مغتما منه وكارها له فلا يسمع قوله ولا يمتثله اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ استفهام إنكاري بمعنى نفي الحصول من أصله أي هل عندهم علم ما غاب عنهم وقوله: فهم يكتبون ذلك أي الغيب أي ما غاب عنهم وقوله: (بزعمهم) متعلق بقوله (فهم يكتبون) أو بعندهم الغيب، وهذا الزعم فرضي إذ لم يقع منهم بالفعل لكنهم على كل حال من المكابرة","part":7,"page":308},{"id":2766,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 309\rالآخرة بزعمهم\rأَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً بك ليهلكوك في دار الندوة فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) المغلوبون المهلكون، فحفظه اللّه منهم، ثم أهلكهم ببدر\rأَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) به من الآلهة، والاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ\rوَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً بعضا مِنَ السَّماءِ والمعارضة بحيث ينسب لهم هذا الزعم ه شيخنا.\rقوله أيضا: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ قال قتاده: هو جواب لقولهم نتربص به ريب المنون أي:\rأعندهم الغيب الذي كتب في اللوح المحفوظ حتى علموا أن الرسول يموت قبلهم، فهم يكتبون ذلك بعد ما وقفوا عليه، وقيل: هو ردّ لقولهم إنا لا نبعث ولو بعثنا لم نعذب، فعلى الأول يكون وجه اتصال قوله: أم يريدون كيدا بما قبله أنه يكون جوابا آخر له، والمعنى على الثاني بل أنهم لا يكتفون بهذه المقالة الفاسدة ويريدون مع ذلك أن يكيدوا بك فإن زعموا أن لهم آلهة تنصرهم وتحفظهم عن أن يعود عليهم ضرر كيدهم وتعالى اللّه عن أن يكون له شريك يقاومه ويدفع ما أراده اهـ زاده باختصار.\rقوله: (أي علمه) أي اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات فالغيب بمعنى الغائب كما قاله ابن عباس والألف واللام في الغيب لا للعهد ولا لتعريف الجنس، بل المراد نوع الغيب كما تقول: اشتر اللحم تريد بيان الحقيقة لا كل اللحم ولا لحما معينا اهـ كرخي.\rقوله: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً أي: مكرا وتحيلا في هلاكك، وفي المصباح: كاده كيدا من باب باع خدعه ومكر به والاسم المكيدة اهـ.\rوالاستفهام إنكاري على معنى نفي اللياقة والانبغاء أي: لا ينبغي ولا يليق منهم هذه الارادة أي:\rالتشاور والاجتماع على كيدك كما ذكر في قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الانفال:\r30] الآية. وكان هذا المكر في دار الندوة وهي دار من دور أهل مكة اهـ شيخنا.\rقوله: (في دار الندوة) الظاهر أنه من الإخبار بالغيب، فإن السورة مكية وذلك الكيد كان وقوعه ليلة الهجرة اهـ كرخي.\rقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا هذا من وقع الظاهر موقع المضمر تنبيها الى اتصافهم بهذه الصفة القبيحة والأصل أم يريدون كيدا فهم المكيدون أو حكم على جنس هم نوع منه فيندرجون فيه اندراجا لتوغلهم في هذه الصفة اهـ سمين.\rقوله: (ثم أهلكهم ببدر) يعني عند انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من كلمة أم و«هي خمس عشرة، فإن بدرا كانت في الثانية من الهجرة وهي الخامسة عشرة من النبوة فتعبيره بثم أولى من تعبير غيره بالواو اهـ كرخي.\rقوله: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ استفهام انكاري على معنى نفي الحصول من أصله أي ليس لهم في الواقع إله غير اللّه، وعلى معنى نفي الانبغاء واللياقة بالنظر لاعتقادهم أن هناك آلهة غيره كما أشير له بقوله سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ اهـ شيخنا.\rقوله: (و الاستفهام بأم) أي المقدرة ببل والهمزة، أو بالهمزة وحدها حتى يكون هناك استفهام،","part":7,"page":309},{"id":2767,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 310\rساقِطاً عليهم كما قالوا فأسقط علينا كسفا من السماء، أي تعذيبا لهم يَقُولُوا هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ (44) متراكب نروى به ولا يؤمنوا\rفَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يموتون\rيَوْمَ لا وأما تقديرها ببل وحدها فليس فيها استفهام، وقوله: في مواضعها أي التي هي خمسة عشر ومحصل كلامه أنها في المواضع كلها للاستفهام بواسطة تقديرها بالهمزة. إذا عرفت هذا عرفت أن الأولى له فيما سبق في قوله أم يقولون شاعر أن يقدرها ببل الهمزة أو بالهمزة وحدها على أنه قدرها ببل وحدها وهي لا تفيد الاستفهام فينافي ما ذكره هنا بقوله والاستفهام بأم في مواضعها الخ. وكان عليه أن يقول للتوبيخ والتقريع والانكار، لأنه صريح في بعض المواضع بالنفي كقوله في: أم تأمرهم أحلامهم أي لا تأمرهم، وأشار إلى النفي في موضع أخر كقوله في: خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ولا يعقل مخلوق بغير خالق الخ، فأشار إلى أن المعنى على النفي، وكقوله في: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الطور: 36] ولا يقدر على خلقهما إلا اللّه، فأشار به أيضا إلى أن المعنى على النفي، فالحاصل أنها في المواضع كلها مفيدة للاستفهام المقصود منه التوبيخ والانكار إما بمعنى نفي الحصول أو بمعنى نفي الانبغاء والاستحسان أي: لا ينبغي ولا يحسن أن يكون كذا كما في قوله: أم يقولون شاعر أي لا ينبغي منهم هذا القول ولا يليق، وإن كان قد صدر منهم بالفعل فليس الانكار متوجها لحصوله ووقوعه بل لانبغائه ولياقته يأمل اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً من المعلوم أن قريشا لم ينزل عليهم قطع من السماء تعذيبا لهم كما قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] الآية. فالكلام على سبيل الفرض والتقدير، كأنه يقول: لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء عليهم لم ينتهوا ولم يرجعوا، ويقولون في هذا النازل عنادا واستهزاء وإغاظة لمحمد إنه سحاب مركوم اهـ شيخنا وأشار له الخطيب.\rقوله: كِسْفاً أي: قطعة، وقيل: قطعا واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر اهـ خطيب.\rقوله: (كما قالوا فأسقط علينا كسفا الخ) الآية التي ذكرها إنما وردت في قوم شعيب كما ذكر في سورة الشعراء فكان الأولى للشارح أن يستدل بما نزل فيهم أي: في قريش في سورة الإسراء، وهو قوله: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا اهـ شيخنا.\rقوله: فَذَرْهُمْ جواب شرط مقدر أي إذا بلغوا في الكفر والعناد إلى هذا الحد، وتبين أنهم لا يرجعون عن الكفر فدعهم حتى يموتوا عليه اهـ زاده.\rقوله: يُصْعَقُونَ قرأ ابن عامر، وعاصم بضم الياء مبنيا للمفعول، وباقي السبعة بفتحها مبنيا للفاعل وقرأ أبو عبد الرحمن بضم الياء وكسر العين، فأما الأولى فيحتمل أن تكون من صعق فهو مصعوق مبنيا للمفعول وهو ثلاثي حكاه الأخفش فيكون مثل سعدوا وأن يكون من أصعق رباعيا يقال أصعق فهو مصعق، والمعنى أن غيرهم أصعقهم، وقراءة السلمي تؤذن بأن أفعل بمعنى فعل اهـ سمين.\rقوله: (يموتون) أي من شدة الأهوال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ولكن بنو إسرائيل قد أحياهم اللّه من هذه الصعقة، وأما هؤلاء فلا يقومون من صعقتهم إلا عند النفخ في الصور ليحشروا للحساب الذي كانوا يكذبون به. قال البقاعي: والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصر فيه فما أغنى أحد عن أحد شيئا اهـ خطيب.","part":7,"page":310},{"id":2768,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 311\rيُغْنِي بدل من يومهم عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) يمنعون من العذاب في الآخرة\rوَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بكفرهم عَذاباً دُونَ ذلِكَ أي في الدنيا قبل موتهم، فعذبوا بالجوع والقحط سبع سنين، وبالقتل يوم بدر وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (47) أن العذاب ينزل بهم\rوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم، ولا يضق صدرك فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا بمرأى منا، نراك ونحفظك وَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ أي قل: سبحان اللّه وبحمده حِينَ تَقُومُ (48) من منامك أو من مجلسك\rوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ حقيقة أيضا وَإِدْبارَ النُّجُومِ (49) مصدر، أي عقب غروبها سبحه أيضا، أو صلّ في الأوّل العشاءين، وفي الثاني الفجر، وقيل: الصبح.\rقوله: (يمنعون من العذاب في الآخرة) فيه شيء لأنه قد حمل يوم صعقهم على يوم موتهم وهو يو م بدر، فكان عليه أن يقول يمنعون من القتل والأسر النازلين بهم، كما أشار لذلك بعض حواشي البيضاوي اهـ شيخنا.\rقوله: دُونَ ذلِكَ أي غير ذلك، أو غير ذلك فدون بمعنى غير أو بمعنى أمام اهـ شيخنا.\rقوله: (فعذبوا بالجوع والقحط) أي قبل يوم بدر، لأنه كان في ثانية الهجرة والقحط وقع لهم قبلها شيخنا.\rقوله: (بمرأى منا) أي: وإنما جمع لفظ الأعين مع أن مدلوله واحد وهو المصدر لمناسبة نون العظمة اهـ خطيب.\rقوله: (من منامك) عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي شيء كان يفتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا استيقظ من نومه؟ فقالت: ما سألني عنه أحد قبلك كان إذا قام كبّر عشرا وحمد اللّه عشرا، وسبح عشرا وهلل عشرا، واستغفر عشرا وقال: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني» وكان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة أخرجه أبو داود والنسائي، وقوله: أو من مجلسك عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كان كفارة لما بينهما» في رواية كان كفارة له اهـ من الخازن.\rقوله: (أي عقب غروبها) المراد بغروبها ذهاب ضوئها بغلبة ضوء الصبح عليه، وإن كانت باقية في السماء. وذلك بطلوع الفجر اهـ خطيب.\rقوله: (أصل في الأول) أي الليل، فهذا راجع لقوله قوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ وأمه وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ فالمراد به قول سبحان اللّه لا غير، والوجهان إنما هما في قوله:\rوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و في الثاني والفجر) أي: الركعتين اللتين هما سنة الصبح، وقوله (و قيل الصبح) أي فريضة صلاة الصبح اهـ من الخازن.","part":7,"page":311},{"id":2769,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 312\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة النجم مكية وهي اثنتان وستون آية\rوَالنَّجْمِ الثريا إِذا هَوى (1) غاب\rما ضَلَّ صاحِبُكُمْ محمد عليه الصلاة والسّلام عن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية) عبارة القرطبي: مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية منها وهي قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ [الشورى: 37] [و النجم: 32] الآية. وقيل: ان السورة كلها مدنية والصحيح أنها مكية لما روي عن ابن مسعود أنه قال: هي أول سورة أعلنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة اهـ.\rتنبيه:\rأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، فإنه تعالى قال في آخر تلك: وَإِدْبارَ النُّجُومِ [الطور:\r49] وقال في أول هذه وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال الرازي: والفائدة في تقييد المقسم به بوقت هويه أنه إذا كان في وسط السماء يكون بعيدا من الأرض لا يهتدي به الساري، لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال، فإذا نزل عن وسط السماء تبين بنزوله جانب المغرب من المشرق والجنوب من الشمال اهـ خطبي.\rقوله: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال ابن عباس، ومجاهد: معنى النجم إذا هوى الثريا إذا سقطت مع الفجر، والعرب تسمي الثريا نجما وإن كانت في العدد نجوما. يقال: إنها سبعة أنجم، ستة ظاهرة وواحدة خفية يمتحن الناس بها أبصارهم، وفي الشفاء للقاضي عياض: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يرى في الثريا أحد عشر نجما وعن مجاهد أيضا أن المعنى والقرآن إذا نزل لأنه كان ينزل نجوما وقاله الفراء، وعنه أيضا: يعني نجوم السماء كلها حين تغرب، وهي قول الحسن أقسم اللّه بالنجوم إذا غابت وليس يمتنع أن يعبر بلفظ واحد ومعناه جمع اهـ قرطبي.\rوفي العامل في هذا الظرف أوجه، وعلى كل منهما اشكال أحد الأوجه: أنه منصوب بفعل القسم المحذوف تقديره أقسم بالنجم وقت هويه قاله أبي البقاء وغيره وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء والإنشاء حال وإذ لما يستقبل من الزمان فكيف يتلاقيان، الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من النجم أي أقسم به حال كونه مستقرا في زمان هويه وهو مشكل من وجهين، أحدهما: إن النجم جثة","part":7,"page":312},{"id":2770,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 313\rطريق الهدى وَما غَوى (2) ما لابس الغي، وهو جهل من اعتقاد فاسد\rوَما يَنْطِقُ بما يأتيكم به عَنِ الْهَوى (3) هوى نفسه\rإِنْ ما هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) إليه\rعَلَّمَهُ إياه ملك شَدِيدُ الْقُوى (5) والزمان لا يكونن حالا منها كما لا يكون خبرا. والثاني: أن إذا للمستقبل فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنجم القطعة من القرآن، والقرآن قد نزل منجما في عشرين سنة، وهذا تفسير ابن عباس وغيره، وعن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل فيه نفس النجم إذا اريد به القرآن قاله أبو البقاء وفيه نظر لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد به أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص، وقد يقال: إن النجم بمعنى المنجم كأنه قيل: والقرآن المنجم في هذا الوقت وهذا البحث وارد في موضع منها وَالشَّمْسِ وَضُحاها [الشمس: 41] وما بعدها ومنها قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل:\r1] ومنها وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى: 1] وسيأتي في الشمس بحث أخص من هذا تقف عليه إن شاء اللّه تعالى: وقيل: المراد بالنجم الجنس، وقيل: بل المراد نجم معين الثريا وقيل الشعرى لذكرها في قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [النجم: 49] وقيل: الزهرة لأنها كانت تعبد، والصحيح أنه الثريا لأنه صار علما بالغلبة، وهوى يهوى إذا سقط من علو، وهوي يهوي هوى أي صبا، وقال الراغب:\rالهوي سقوط من علو، ثم قال: والهوي ذهاب في انحدار، والهوى ذهاب في ارتفاع، وقيل: هوى في اللغة خرق الهواء ومقصده السفل أو مصيره إليه وإن لم يقصده اهـ سمين.\rقوله: (الثريا) وسمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم يقال: نجم السن والنبت والقرن إذا طلع اهـ خطيب.\rوبابه قعد كما في المصباح.\rقوله: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ هذا جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيه ومقبلة بهم إليه، ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون طهارة شمائله اهـ خطيب.\rقوله: (عن طريق الهداية) أشار به إلى أن الضلال معناه المخالفة، فيرجع الأمر إلى أنه فعل المعاصي، فحينئذ الفرق بينه وبين الغي التباين الكلي، فإن الضلال فعل المعاصي والغي هو الجهل المركب اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: ما لابس الغي الخ. أشار به إلى تغاير الضلال والغي ردا على من زعم اتحادهما، أو المعنى ما ضل في قوله: ولا غوى في فعله، وبتقديره اتحادهما يكون ذلك من باب التأكد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى، وقيل: الغي الانهماك في الباطل، وفي كلامه إشارة أيضا إلى أن الغي هو الجهل المركب فعطفه على ما ضل من عطف الخاص على العام للاهتمام بشأن الاعتقاد، وإيضاحه: أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد لا صالحا ولا فاسدا، وقد يكون من اعتقاد بشيء فاسد، وهدا الثاني يقال له غي اهـ.\rقوله: (و هو جهل من اعتقاد فاسد) أي: ناشىء من اعتقاد الخ أو من بمعنى مع.\rقوله: عَنِ الْهَوى عن على بابها متعلقة بينطق من نوع تضمين. أي: وما يصدر نطقه عن هوى نفسه ومثل النطق الفعل اهـ شيخنا.","part":7,"page":313},{"id":2771,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 314\rذُو مِرَّةٍ قوة وشدة، أو منظر حسن، أي جبريل عليه السّلام فَاسْتَوى (6) استقر\rوَهُوَ بِالْأُفُقِ قوله: إِنْ هُوَ أي الذي يتكلم به من القرآن وكل أقواله وأفعاله وأحواله اهـ خطيب.\rقوله: يُوحى الجملة صفة لوحي، وفائدة المجيء بهذا الوصف نفي المجاز أي هو وحي حقيقة لا بمجرد التسمية، كما تقول: هذا قول يقال، وقيل: تقديره يوحى إليه ففيه مزيد فائدة اهـ سمين.\rوقد أشار الشارح إلى الوجه الثاني اهـ.\rقوله: عَلَّمَهُ الضمير المذكور وهو المفعول هو المفعول الأول عائد للنبي، والثاني محذوف كما قدره وهو عائد على الوحي اهـ شيخنا.\rومن شدة قوته أنه اقتلع قرى لوط ورفعها إلى السماء، ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من رجعة الطرف، قوله: (قوة وشدة) أي قوة في العقل وحدة بحيث لا يدفع عما يزاوله دافع ولا يسأم من شيء يزاوله، فحصل الفرق بين القوة والمرة، ومن جملة شدته وقوته قدرته على التشكل، فلذلك قال فاستوى فهو معطوف على شديد القوى أي فتسبب على شدته أنه استوى اهـ من الخطيب.\rوهذه القوة ثابتة له ولو كان على صورة الآدميين. وفي البيضاوي: ذو مرة أي حصافة في عقله ورأيه اهـ.\rوالحصافة: بفتح الحاء والصاد المهملتين وبالفاء بعد الألف مصدر. يقال: حصف بضم الصاد حصافة بمعنى الاستحكام وهي مخصوصة بالعقل والتدبير، وهذا بيان لما وضع له اللفظ، لأن العرب تقول لكل قوي العقل والرأي ذو مرة من أمررت الحبل إذا أحكمت فتله اهـ شهاب.\rوأصله من شدة فتل الحبل كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يضعف معها الحبل اهـ قرطبي.\rوفي السمين: والمرة بالكسر مزاج من أمزجة البدن وقوة الخلق وشدته والعقل والاصالة والاحكام والقوة وطاقة الحبل اهـ.\rقوله: فَاسْتَوى معطوف على قوله: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى كما يشير له صنيع القرطبي ونصه:\rفاستوى أي ارتفع جبريل وعلا إلى مكانه في السماء بعد أن علّم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم. قال سعيد بن المسيب، وابن جبير وقيل: فاستوى أي قام وظهر في صورته التي خلق عليها لأن كان يأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة الآدميين كما يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يريه نفسه التي جبله اللّه عليها، فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، ولم يره أحد من الأنبياء على صورته التي خلق عليها إلّا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، وقول ثالث: إن معنى فاستوى أي استوى القرآن في صدره وفيه على هذا وجهان، أحدهما: في صدر جبريل حين نزل به عليه السّلام. الثاني: في صدر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزل عليه، وقول رابع: أن معنى فاستوى فاعتدل يعني محمدا في قوته، والثاني: في رسالته ذكره الماوردي: قلت: وعلى الأول يكون تمام الكلام ذو مرة، وعلى الثاني شديد القوى، وقول خامس: أن معناه فارتفع وفيه على هذا وجهان، أحدهما: أنه جبريل ارتفع إلى مكانة على ما ذكرناه آنفا. الثاني: أنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ارتفع بالمعراج، وقول سادس: فاستوى يعني اللّه عز","part":7,"page":314},{"id":2772,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 315\rالْأَعْلى (7) أفق الشمس أي عند مطلعها على صورته التي خلق عليها، فرآه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان بحراء قد سدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ مغشيا عليه، وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فواعده بحراء، فنزل جبريل له في صورة الآدميين\rثُمَّ دَنا قرب منه فَتَدَلَّى (8) زاد في وجل أي استوى على العرش على قول الحسن اهـ.\rقوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى أي الأعلى من الأرض اهـ قرطبي.\rوالواو للحال. وفي القرطبي: وهو بالأفق الأعلى جملة في موضع الحال، والمعنى فاستوى عاليا أي أستوى جبريل عاليا على صورته، ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا، والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق، وقال قتادة: هو الموضع الذي تأتي منه الشمس، وكذا قال سفيان هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، ويقال: أفق مثل عسر وعسر.\rقوله: (و كان) أي النبي بحراء، وقوله: وقد سد الأفق حال.\rقوله: (و كان قد سأله الخ) تعليل لقوله: فاستوى الخ، وقوله: فواعده معطوف على سأله، والضمير المستتر في واعده يرجع لجبريل والبارز للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: بحراء متعلق بحذوف أي فواعده أن يريه صورته الأصلية والنبي بحراء، وعبارة الخطيب: وقد واعده جبريل أن يأتيه وهو بحراء، انتهت.\rقوله: (فنزل) معطوف على فخر مغشيا عليه وتوطئة لما بعده اهـ.\rقوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ ههنا مضافات محذوفة يضطر لتقديرها، أي: فكان مقدار مسافة قربه منه مثل مقدار مسافة قاب قوسين، والقاب القدر تقول هذا قاب هذا أي قدره، ومثله القيب والقاد والقيد والقيس. قال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والإصبع اهـ سمين.\rوفي القرطبي: والقاب ما بين المقبض والسية ولكل قوس قابان، وقال بعضهم في قوله تعالى:\rفكان قاب قوسين أراد قابي فقلبه اهـ.\rوفي المصباح: سية القوس خفيفة الياء ولامها محذوفة وترد في النسبة، فيقال: سوى والهاء عوض عنها طرفها المنحني. قال أبو عبيدة: وكان رؤبة يهمزه والعرب لا تهمزه، ويقال: لسيتها العليا يدها ولسيتها السفلى رجلها اهـ.\rثم قال القرطبي: وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد فأخبر أن جبريل قرب من محمد كقرب قاب قوسين وقال سعيد ابن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وغيرهم: فكان قاب قوسين أي قدر ذراعين، والقوس والذراع يقاس بها كل شيء وهي لغة بعض الحجازيين، والقوس يذكر ويؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة، ومن ذكر قال قويس والجمع قسي وأقواس وقياس، والقوس أيضا بقية التمر في الجلد أي الوعاء والقوس برج في السماء اهـ.\rقوله: (زاد في القرب) في السمين: التدلي الامتداد من علو إلى سفل فيستعمل في القرب من العلو قاله الفراء وابن الأعرابي اهـ.","part":7,"page":315},{"id":2773,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 316\rالقرب\rفَكانَ منه قابَ قدر قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) من ذلك حتى أفاق وسكن روعه\rفَأَوْحى تعالى إِلى عَبْدِهِ جبريل ما أَوْحى (10) جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يذكر الموحى به تفخيما لشأنه\rما كَذَبَ بالتخفيف والتشديد أنكر الْفُؤادُ فؤاد النبي ما رَأى (11) ببصره من صورة قوله: أَوْ أَدْنى هذه الآية كقوله: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] لأن المعنى فكان بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي لتقارب ما بينهما يشك الرائي أي في ذلك، وأدنى أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف أي أو أدنى من قاب قوسين اهـ سمين.\rأو هي بمعنى بل أي بل أدنى. قوله: (حتى أفاق) غاية لمحذوف، وعبارة الخطيب: أو أدنى من ذلك وضمه إلى نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه، انتهت.\rفلما أفاق قال: «يا جبريل ما ظننت أن اللّه خلق أحدا على مثل هذه الصورة». فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن هذا لعظيم»، فقال جبريل: «و ما أنا في جنب خلق اللّه إلا يسير، ولقد خلق اللّه إسرافيل له ستمائة جناح كل جناح منها قدر جميع أجنحتي وأنه ليتضاءل أحيانا من مخافة اللّه تعالى حتى يكون بقدر الوصع أي العصفور الصغير اهـ قرطبي.\rوالوصع: بسكون الصاد المهملة وبفتحها وبالعين المهملة طائر صغير أصغر من العصفور اهـ قاموس.\rقوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ الخ راجع لقوله: علمه شديد القوى أي بتعليم من اللّه لا من عند نفسه، وقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ الخ راجع لقوله: فَاسْتَوى الخ أي فرآه في هذه الواقعة رؤية حقيقية اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: فَأَوْحى (تعالى الخ) هذا ما قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة، والأكثر على أن المعنى فأوحى اللّه تعالى إلى عبده محمد ما أوحى اهـ كرخي.\rقوله: (تفخيما لشأنه) أي: وإشارة إلى عمومه وهو جميع أحكام الشريعة اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: ثم قيل هذا الوحي هل هو مبهم لا نطلع عليه وتعبدنا بالإيمان به على الجملة أو هو معلوم مفسر قولان، وبالثاني قال سعيد بن جبير قال: أوحى اللّه إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ألم أجدك يتيما فآويتك، ألم أجدك ضالا فهديتك، ألم أجدك عائلا فأغنيتك أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: 1 - 4]، وقيل: أوحى اللّه تعالى أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك اهـ.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان، فأما التشديد فعلى معنى أن ما رآه محمد بعينه صدقه بقلبه ولم ينكره أي: ما قال فؤاده لما رآه بصره لم أعرفك، ولو قال ذلك كان كاذبا لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق، وما مفعول به موصولة والعائد محذوف، وفاعل رأي ضمير يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما التخفيف فقيل فيه ما قيل في التشديد وكذب يتعدى بنفسه، وقيل: هو","part":7,"page":316},{"id":2774,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 317\rجبريل\rأَفَتُمارُونَهُ تجادلونه وتغلبونه عَلى ما يَرى (12) خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي على إسقاط الخافض أي فيما رآه اهـ من السمين.\rقوله: ما رَأى الفاعل المستتر يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمفعول محذوف قدره الشارح، وقوله: من صورة جبريل بيان لما رأى اهـ شيخنا.\rوهذا أحد قولين في تفسير ما رأى، والثاني أن الذي رآه هو ذات اللّه تعالى، وعبارة الخازن:\rواختلفوا في الذي رأى، فقيل: رأى جبريل هو قول ابن مسعود وعائشة، وقيل: هو اللّه عز وجل، ثم اختلفوا على هذا في معنى الرؤية، فقيل: جعل بصره في فؤاد وهو قول ابن عباس. روى مسلم عن ابن عباس ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال: رأى ربه بفؤاده مرتين، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة، وهو قول أنس بن مالك والحسن وعكرمة قالوا: رأى محمد ربه عز وجل، روى عكرمة، عن ابن عباس قال: إن اللّه عز وجل اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية، وقال كعب: إن اللّه قسّم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، أخرجه الترمذي بأطول من هذا. وكانت عائشة تقول لم ير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ربه، وتحمل الآية على رؤية جبريل. وعن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد ربه؟\rفقالت: لقد وقف شعري مما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن، فقد كذب من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:\r103] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 15] ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: 34] ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين اهـ.\rوفي الخطيب: وحاصل المسألة أن الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الامة، وهو الذي يرجع إليه في المعضلات وقد راجعه ابن عمر فأخبره بأنه رآه، ولا يقدح في ذلك حديث عائشة لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لم أر وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم وجوابه ظاهر، فإن الادراك هو الإحاطة، واللّه تبارك وتعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة. وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشورى: 51] بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز بوجود الرؤية من غير كلام وبأنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة اهـ.\rقوله: أَفَتُمارُونَهُ قرأ الأخوان أفتمرونه بفتح التاء وسكون الميم، والباقون تمارونه، وعبد اللّه ابن مسعود والشعبي: تمرونه بضم التاء وسكون الميم فأما الأولى ففيها وجهان، أحدهما: أنها من مريته حقه إذا علمته وجحدته إياه وعدي بعلى لتضمنه معنى الغلبة. والثاني: أنها من مراه على كذا أي غلبه عليه فهو من المراء وهو الجدال وأما الثانية فهي من ماراه يماريه مراء أي جادله واشتقاقه من مري الناقة، لأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه وكان من حقه أن يتعدى بفي كقولك: جادلته","part":7,"page":317},{"id":2775,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 318\rصلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل وَلَقَدْ رَآهُ على صورته نَزْلَةً مرّة أُخْرى (13)\rعِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) لما أسري به في السماوات، وهي شجرة نبق عن يمين العرش لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم\rعِنْدَها في كذا، وإنما ضمن معنى الغلبة فعدي تعديتها، وأما قراءة عبد اللّه فمن أمراه رباعيا اهـ سمين.\rوقوله: على ما يرى أي على ما رآه وهو جبريل على تفسير الشارح وذات اللّه سبحانه وتعالى على تفسير غيره اهـ.\rقوله: (تغلبونه) أشار به إلى تضمين تمارونه معنى الغلبة لأجل تعديته بعلى اهـ.\rقوله: عَلى ما يَرى فإن قيل: الظاهر أن يقال أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي، لأنهم إنما جادلوه بعد ما أسري به، فما الحكمة ابرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب: أنه على حكاية الحال الماضية استحضار للحالة البعيدة في ذهن المخاطبين اهـ زاده.\rقوله: وَلَقَدْ رَآهُ لام قسم، وقوله: نزلة أخرى مفعول مطلق،، كما أشار له بقوله: مرة أي مرة من مطلق الرؤية وكانت هذه المرة بعد منصرفه من مكان المكالمة الذي فرض عليه فيه الصلوات الخمس، فلما توجه نازلا ووصل إلى سدرة المنتهى رأى جبريل هناك على صورته الأصلية انتهى.\rوفي السمين: قوله: نَزْلَةً أُخْرى فيها ثلاث أوجه، أحدهما: أنها منصوبة على الظرف، وقال الزمخشري: نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها. قلت:\rوهذا ليس مذهب البصريين، وإنما هو مذهب الفراء نقله عن مكي. الثاني: أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال. قال مكي: أي رآه نازلا نزلة أخرى، وإليه ذهب الحوفي وابن عطية. الثالث: أنه منصوب على مصدر المؤكد، فقدره أبو البقاء مرة أخرى أو رؤية أخرى. قلت: وفي تأويل نزلة برؤية نظر وأخرى تدل على سبق رؤية قبلها.\rقوله: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى وهي في السماء السابعة اهـ بيضاوي.\rوعند ظرف لرآه أو حال من الفاعل أو المفعول أو منهما، وقوله: عندها جنة المأوى حال من سدرة المنتهى اهـ شيخنا.\rقوله: (لما أسري به) من المعلوم أن المعلوم أن الاسراء كما قبل الهجرة بسنة وأربعة أشهر أو بثلاث سنين على الخلاف والرؤية الأولى كانت في بدء البعثة، فبيّن الرؤيتين نحو عشر سنين. قوله:\r(و هي شجرة نبق) قال مقاتل: تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو وضعت ورقة منها في الأرض الأضاءات لأهلها وهي شجرة طوبى التي ذكرها اللّه في سورة الرعد اهـ خازن.\rوالنبق: بكسر الباء ثمر السدر الواحدة نبقة ويقال فيه: نبق بفتح النون وسكون الباء ذكرها يعقوب في الإصلاح وهي لغة البصريين والأولى أفصح، وهي التي ثبتت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ قرطبي.\rقوله: (لا يتجاوزها أحد الخ) أي: بل يقفون عندها وهو قول كعب وغيره، ونحوه قول ابن عباس لأنه ينتهي علم الأنبياء إليها ويعزب علمهم عما وراءها، وقال الضحاك: إن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها وهي في السماء السادسة أو السابعة كما روي مرفوعا، وإضافة السدرة إلى المنتهى إما من","part":7,"page":318},{"id":2776,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 319\rجَنَّةُ الْمَأْوى (15) تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين\rإِذْ حين يَغْشَى السِّدْرَةَ ما إضافة الشيء إلى مكانه كقوله أشجار البستان، أو من إضافة المحل إلى الحال كقولك كتاب الفقه، والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة ملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي سدرة المنتهى إليه وهو اللّه عز وجل. قال تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: واختلف لم سميت سدرة المنتهى على ثمانية أقوال، الأول: ما تقدم عن ابن مسعود أنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. والثاني: أنه ينتهى علم الأنبياء إليها ويعزب علمهم عما وراءها قاله ابن عباس. الثالث: أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها قاله الضحاك. الرابع:\rلانتهاء الملائكة إليها ووقوفهم عندها قاله كعب. الخامس: سميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها أرواح الشهداء قاله الربيع بن أنس. السادس: لأنه تنتهي إليها أرواح المؤمنين قاله قتادة. السابع: لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومنهاجه قاله علي رضي اللّه عنه، والربيع بن أنس أيضا.\rالثامن: هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ينتهي علم الخلائق قاله كعب أيضا.\rقلت: يريد واللّه أعلم أن ارتفاعها وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوس حملة العرش دليله ما تقدم من أن أصلها في السماء السادسة وأعلاها في السماء السابعة، ثم علت فوق ذلك حتى جاوزت رؤوس حملة العرش واللّه أعلم، سميت بذلك لأن من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة. وقال الماوردي في معاني القرآن له: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجرة؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف ظل مديد وطعام لذيذ ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره. وروى أبو داود في سننه قال: حدثنا نصر بن علي قال: أنبأنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد اللّه بن حبشي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النار» وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر. يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوب اللّه رأسه في النار اهـ.\rقوله: (أو المتقين) هكذا في بعض النسخ والمعنى عليه أو التي تأوي إليها أرواح المتقين، وفيه قصور لأن أرواح المؤمنين مطلقا تأوي إلى الجنة أي تنتهي وتسكنها، وفي بعض النسخ المتقون بالواو، والمعنى عليه أو التي يأوي إليها المتقون وفيه قصور أيضا، وعبارة غيره التي وعد بها المتقون، والأمر في ذلك سهل. وعبارة القرطبي: قال الحسن: هي التي يصير إليها المتقون، وقيل: إنها جنة تصير إليها أرواح الشهداء قاله ابن عباس وهي عن يمين العرش، وقيل: هي الجنة التي أوى إليها آدم عليه السّلام إلى أن أخرج منها، وهي في السماء الرابعة، وقيل: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وإنما قيل لها جنة المأوى لأنها يأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش يتنعمون بنعيمها، وقيل: لأن جبريل وميكائيل عليهما السّلام يأويان إليها واللّه أعلم.\rقوله: ما يَغْشى في إبهام الموصول وصلته تعظيم وتكثير للغواشي التي تغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد أي أشياء لا يعلم وصفها إلا اللّه تعالى اهـ كرخي.","part":7,"page":319},{"id":2777,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 320\rيَغْشَى (16) من طير وغيره، وإذ معمولة لرآه\rما زاغَ الْبَصَرُ من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما طَغى (17) أي ما مال بصره عن مرئيه المقصود له ولا جاوزه تلك الليلة\rلَقَدْ رَأى فيها مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) أي العظام أي بعضها، فرأى من عجائب الملكوت رفرفا أخضر سد أفق السماء وجبريل له ستمائة قوله: (من طير وغيره) عبارة الخطيب: واختلفوا فيما يغشاه فقيل: فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك. قال الرازي: وهذا ضعيف لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صح فيه خبر وإلّا فلا وجه له اهـ.\rوقال القرطبي: ورواه ابن مسعود، وابن عباس مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال أيضا: وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح اللّه تعالى وذلك قوله عز من قائل: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى» وقيل: ملائكة تغشاها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة. وروى في حديث المعراج عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ذهب بي جبريل إلى سدرة المنتهى وأوراقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كقلال هجر». قال: «فلما غشيها من أمر اللّه تعالى ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق اللّه تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها فأوحى إليّ ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة». وقيل: يغشاها أنوار اللّه تعالى، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما وصل إليها تجلّى ربه لها كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى عليه السّلام صعقا ولم يتزلزل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل:\rأبهمه تعظيما له، والغشيان يكون بمعنى التغطية اهـ.\rقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ أي لم يلتفت إلى ما غشى السدرة من فراش الذهب، فلم يلتفت إليه، فغشيان الجراد والفراش في ذلك الوقت ابتلاء وامتحان لمحمد هذا بالنظر لكون الذي غشيها هو فراش من الذهب، وبالنظر لكونه أنوار اللّه يكون المعنى لم يلتفت يمنة ولا يسرة بل اشتغل بمطالعتها مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم وفيه من العجائب ما يحير الناظر اهـ شيخنا.\rقوله: (المقصود له) أي المأذون له فيه، وقوله: ولا جاوزه أي إلى ما لم يؤذن له فيه اهـ خطيب.\rقوله: لَقَدْ رَأى اللام في جواب قسم محذوف كما في البيضاوي. قوله: الْكُبْرى فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أن الكبرى مفعول به لرأى، ومن آيات ربه حال مقدمة، والتقدير: لقد رأى الآيات الكبرى حال كونها من جملة آيات ربه. والثاني: أن من آيات ربه مفعول لرأى، والكبرى صفة لآيات ربه، وهذا الجمع يجوز وصفه بوصف المؤنثة الواحدة وحسنه هنا كونها فاصله اهـ سمين.\rوالشارح جرى على الوجه الثاني فالعظام في كلامه مجرور تفسير للكبرى، وقوله: أي بعضهم بالنصب، وأشار به الشارح إلى أن من تبعيضية وأنها هي المفعول، وأشار بتفسير الكبرى بالعظام إلى أنه ليس المعنى على التفضيل حتى يراد أن في الملائكة من هو أعظم من جبريل فليس جبريل أكبر من غيره على الاطلاق اهـ شيخنا.\rقوله: (رفرفا) الرفرف: إما اسم جنس أو اسم جمع واحده رفرفة. قيل: هو ما تدلى على الأسرة من غالي الثياب، وقيل: هو ضرب من البسط، وقيل: الوسائد، وقيل: النمارق، وقيل: كل","part":7,"page":320},{"id":2778,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 321\rجناح\rأَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)\rوَمَناةَ الثَّالِثَةَ اللتين قبلها الْأُخْرى (20) صفة ذم للثالثة، وهي ثوب عريض رفرف، وقيل: لأطراف البسط وفصول الفسطاط رفارف اهـ أبو السعود من سورة الرحمن.\rوفي تذكرة القرطبي ما نصه: وروي لنا في حديث المعراج أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما بلغ سدرة المنتهي جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى العرش، فذكر أنه قال: طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي بين يدي ربي، ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى أداه إلى جبريل صلوات اللّه عليهما، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد، والرفرف: خادم من الخدم بين يدي اللّه تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقرب، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره اللّه لأهل الجنتين الدانيتين هو متكؤهما وفرشهما يرفرف بالولي إلى حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان اهـ.\rقوله: (له ستمائة جناح) حال من جبريل المنصوب بالعطف على رفرفا.\rقوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى الهمزة للإنكار والفاء لترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤونه تعالى المنافية لها غاية المنافاة، والمعنى: عقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمته وأحكام قدرته ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وذلها شركاء للّه على ما تقدم من عظمته اهـ أبو السعود.\rفان قيل: ما فائدة الفاء في قوله أفرأيتم، وقد وردت في مواضع بغير فاء كقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأحقاف: 4] أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ [فاطر: 40]؟ فالجواب: أنه لما تقدم عظمة اللّه في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته، ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال اللّه وعزته قال: أفرأيتم هذه الأصنام مع ذلتها وحقارتها شركاء للّه مع ما تقدم، فقال: بالفاء أي عقيب ما سمعتم عن عظمة آيات اللّه الكبرى ونفاذ أمره في الملإ الأعلى وما تحت الثرى، انظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه اهـ كرخي.\rقوله: اللَّاتَ اسم صنم قيل: كان لثقيف بالطائف قاله قتادة وقيل: بنخلة، وقيل: بعكاظ، ورجع ابن عطية الأول، والألف واللام في اللات زائدة لازمة، وهل هي العزى علمان بالوضع أو صيغتان غالبتان خلاف، ويترتب على ذلك جواز حذف أل وعدمه، فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما أل، وأن قلنا: إنهما صفتان وأن أل للمح الصفة جاز وبالتقديرين فأل زائدة، وقال أبو البقاء: هما صفتان غالبتان مثل الحرث، والعباس فلا تكون أل زائدة اهـ.\rوهو غلط لأن التي للمح الصفة منصوص على زيادتها بمعنى أنها لم تؤثر تعريفا. واختلف في تاء اللات فقيل: أصلية وأصله من لات يليت فألفها عن ياء فإن مادة ل ي ت موجودة، وقيل: زائدة وهو من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون أي يعتكفون عليها وأصله لوية فحذفت لامها على هذا من واو. وقد اختلف القراء في الوقف على تائها، فوقف الكسائي عليها بالهاء، والباقون بالتاء وهو مبني على القولين المتقدمين، فمن جعل تاءها أصلية أقرها في الوقف كتاء بيت، ومن جعلها","part":7,"page":321},{"id":2779,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 322\rأصنام من حجارة كان المشركون يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند اللّه، ومفعول أرأيت الأول اللات وما عطف عليه، والثاني محذوف، والمعنى: أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على زائدة وقف عليها هاء، والعامة على تخفيف تائها. وقرأ ابن عباس، ومجاهد ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء، صالح، وابن كثير في رواية بتشديد التاء، فقيل: هو رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج فهي اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل وكان يجلس عند حجر، فلما مات سمى الحجر باسمه وعبد من دون اللّه، والعزى فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى والأفضل وهو اسم صنم، وقيل: شجرة كانت تعبد اهـ سمين.\rوقيل: إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ اللّه، والعزى من العزيز، ومناة من منى اللّه الشيء إذا قدره اهـ قرطبي.\rقوله: وَمَناةَ قرأ ابن كثير مناءة بهمزة مفتوحة بعد الألف، والباقون بألف وحدها وهي صخرة كانت تعبد من دون اللّه، فأما قراءة ابن كثير فاشتقاقها من النوء وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ووزنها حينئذ مفعلة، فألفها منقلبة عن واو، وهمزتها أصلية، وميمها زائدة، وقد أنكر أبو عبيد قراءة ابن كثير وقال: لم اسمع الهمز. قلت: قد سمعه غيره، وأما قراءة العامة فاشتقاقها من مني أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها، وقال أبو البقاء: وألفه من ياء كقولك: مني يمنى إذا قدر ويجوز أن تكون من الواو ومنه منوان فوزنها على قراءة القصر فعلة اهـ سمين.\rقوله: (اللتين قبلها) في نسخة للاثنين قبلها، ويشير بهذا إلى أن كونها ثالثة بالنظر للفظ، فالثالثة صفة مؤكدة، وبعضهم جعل كونها ثالثة بالنظر للرتبة أي رتبتها عندهم منحطة عن اللتين قبلها، وقوله:\rصفة ذم للثالثة وهي مناة أي لا للثلاثة، وإلّا لقال الأخريات اهـ شيخنا.\rقوله: (صفة ذم للثالثة) أي لأنها بمعنى المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ [الأعراف: 38] وضعاؤهم لِأُولاهُمْ أي لأشرافهم، وهذا للزمخشري. وقال ابن عادل وفيه نظر لأن الأخرى إنما تدل على الغيرية وليس فيها تعرض لمدح ولا ذم، فإن جاء شيء من ذلك فلقرينة خارجية اهـ خطيب.\rقوله: (و هي أصنام من حجارة) أي: الثلاثة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة اهـ خطيب.\rوقيل: اللات كان لثقيف بالطائف، أو لقريش بنخلة، والعزى شجرة لغطفان كانوا يعبدونها، فبعث إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد فقطعها، ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف اهـ بيضاوي.\rقوله: (و الثاني محذوف) وهو جملة استفهامية استفهامها انكاري ذكرها بقوله الهذه الأصنام الخ المعنى أفرأيتموها قادرة على شيء اهـ شيخنا.\rوقيل: إن الثاني هو المذكور بقوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى فإن قيل: لم يعد من هذه الجملة ضمير على المفعول الأول، فالجواب: أن قوله: وله هذه الأنثى في قوة قوله: وله الأصنام، وكان","part":7,"page":322},{"id":2780,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 323\rشيء ما فتعبدونها دون اللّه القادر على تقدم ذكره، ولما زعموا أيضا أن الملائكة بنات اللّه مع كراهتهم البنات نزل\rأَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21)\rتِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (22) جائرة من ضازه يضيزه إذا أصل التركيب ألكم الذكر وله هن أي تلك الأصنام، وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأس فاصلة اهـ.\rقوله: (و لما زعموا أيضا) أي: كما زعموا أن الأصنام الثلاثة تشفع لهم عند اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: تِلْكَ إشارة إلى القسمة المفهومة من الجملة الأستفهامية، وقوله: إذا أي إذ جعلتم البنات له والبنين لكم اهـ أبو السعود.\rقوله: ضِيزى قرأ ابن كثير ضئزى بهمزة ساكنة، والباقون بيان مكانها، وقرأ زيد بن علي:\rضيزى بفتح الضاد والياء الساكنة. فأما قراءة العامة فتحتمل أن تكون من ضازه يضيزه إذا ضامه وجار عليه، فمعنى ضيزى أي جائرة. وعلى هذا فتحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون صفة على فعلى بضم الفاء وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض، فإن قيل: وأي ضرورة إلى أن يقدر أصلها ضم الفاء ولم لا؟\rقيل: فعلى بالكسر، فالجواب أن سيبويه حكي أنه لم يرد في الصفات فعلى بكسر الفاء وإنما ورد بضمها: نحو حبلى وأنثى وربى وما أشبهه، إلا أن غيره حكى في الصفات ذلك حكى ثعلب ميتة حيكى ورجل كيسى، وحكى غيره امرأة عزهى ومرأة سعلى، وهذا لا ينقض على سيبويه لأنه سيبويه يقول في حيكى وكيسى كقوله في ضيزى لتصبح الياء، وأما عزهى وسعلى فالمشهور فيهما عزهاة وسعلاة.\rوالوجه الثاني: أن تكون مصدرا كذكرى، قال الكسائي: يقال ضاز يضيز ضيزى كذكر يذكر ذكرى، ويحتمل أن يكون من ضأزه بالهمزة كقراءة ابن كثير، إلا أنه خفف همزها، وإن لم يكن من أصول القراء كلهم إبدال مثل هذه الهمزة ياء لكنها لغة التزمت فقرؤوا بها، ومعنى ضأزه يضأزه بالهمز نقصه ظلما وجورا وهو قريب من الأول، وضئزى في قراءة ابن كثير مصدر وصف به لا يكون وصفا أصليا لما تقدم عن سيبويه، فإن قيل: لم لا قيل في ضئزى بالكسر والهمز أن أصله ضيزي بالضم فكسرت الفاء لما قيل فيها مع الياء، فالجواب: أنه لا موجب هنا للتغيير إذ الضم مع الهمز لا يستثقل استثقاله مع الياء الساكنة وسمع منهم ضؤزى بضم الضاد مع الواو والهمزة وأما قراءة زيد فيحتمل أن تكون مصدرا وصف به كدعوى وأن تكون صفة كسكرى وعطشى اهـ سمين.\rوفي المختار: ضاز في الحكم جاز وضازه فيه نقصه وبخسه وبابهما باع اهـ.\rقوله: (إذا ظلمه) في نسخه إذا ضامه. قوله: (أي ما المذكورات) أي الأصنام المذكورات أي من حيث وصفها بالألوهية أي ليس لها من الألوهية التي أثبتوها لها إلا لفظها، وأما معناها فهي عرية عنه لأنها من أذل المخلوقات، والهاء في سميتموها هي المفعول الثاني، وأشار بقوله سميتم بها إلى أن الكلام من باب الحذف والإيصال، والمفعول الأول محذوف قدره بقوله أصناما ما تعبدونها، وقوله:\rأنتم تأكيد للواو لأجل التوصل لعطف وآباؤكم عليها على حد قوله:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل\r\rاه شيخنا.","part":7,"page":323},{"id":2781,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 324\rظلمه وجار عليه\rإِنْ هِيَ أي ما المذكورات إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أي سميتم بها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أصناما تعبدونها ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ حجة وبرهان إِنْ ما يَتَّبِعُونَ في عبادتها إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند اللّه تعالى وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (23) على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه\rأَمْ لِلْإِنْسانِ أي لكل إنسان منهم ما تَمَنَّى (24) من أن الأصنام تشفع لهم. ليس الأمر كذلك\rفَلِلَّهِ وقال أبو البقاء: إن هي إلا الأسماء يجب أن يكون المعنى ذوات أسماء لقوله: سَمَّيْتُمُوها لأن الرسم لا يسمى اهـ سمين. قوله: (أي سميتم بها) أي: سميتم الأصنام بها فاندفع بقوله بها أن الأسماء لا تسمى، وإنما يسمى بها، فكيف قيل سميتموها؟ وعبارة أبي السعود: سميتموها صفة لأسماء وضميرها لها لا للأصنام، والمعنى جعلتموها أسماء، وإنما لم يتعرض للمسمى لتحقق أن تلك الأصنام التي يسمونها آلهة أسماء مجردة ليس لها مسميات قطعا كما في قوله: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها [يوسف: 40] لا أن هناك مسميات لكنها لا تستحق التسمية اهـ.\rقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ الخ التفات إلى الغيبة للإيذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الإعراض عنهم وحكاية جناياتهم إلى غيرهم اهـ أبو السعود.\rوقوله: إلا الظن أي: ظن أنها تستحق العبادة، وبهذا مع تفسير الشارح ما تهوى الأنفس تبين لك أن العطف للمغايرة اهـ شيخنا.\rقوله أيضا: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ أي: فلا تلتفت إلى قولهم، فإن من اتبع ظنه وما تشتهيه نفسه بعد ما جاءه الهدى والبيان الشافي لا يعد إنسانا ولا يعتد به اهـ زاده.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى أي: البيان بالكتاب المنزل والنبي المرسل أن الأصنام ليست بآلهة وأن العبادة لا تصلح إلا للّه الواحد القهار اهـ خازن.\rوالجملة اعتراض أو حال من فاعل يتبعون، وأيا ما كان ففيها تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس وزيادة تقبيح حالهم، فإن اتباعهما من أي شخص كان قبيح وممن هداه اللّه بإرسال وإنزال الكتب أقبح اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: ولقد جاءهم من ربهم الهدى يجوز أن يكون حالا من فاعل يتبعون أي:\rيتبعون الظن وهو النفس في حال تنافي ذلك وهي مجيء الهدى من عند ربهم، ويجوز أن يكون اعتراضا فإن قوله أم للإنسان متصل بقوله وما تهوى الأنفس وهي أم المنقطعة، فتقدر ببل والهمزة على الصحيح. وقال الزمخشري: ومعنى الهمزة فيها للإنكار أي: ليس للإنسان ما تمنى اهـ.\rقوله: (بالبرهان) حال من الهدى، والباء للملابسة والمراد بالبرهان المعجزات اهـ شيخنا.\rويصح أن يكون المراد بالهدى القرآن كما في البيضاوي اهـ.\rقوله: (عماهم عليه) أي: من عبادة الأصنام اهـ.\rقوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى أم منقطعة بمعنى بل، والهمزة التي للإنكار، وأشار الشارح إلى","part":7,"page":324},{"id":2782,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 325\rالْآخِرَةُ وَالْأُولى (25) أي الدنيا فلا يقع فيهما إلا ما يريده تعالى\r* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ أي وكثيرا من الملائكة فِي السَّماواتِ وما أكرمهم عند اللّه لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لهم فيها لِمَنْ يَشاءُ من عباده وَيَرْضى (26) عنه لقوله: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ومعلوم أنها لا توجد منهم إلا بعد الإذن فيها\rمَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ معنى الهمزة التي تقدر بها بقوله ليس الأمر كذلك، وقوله: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى تعليل لقوله: ليس الأمر كذلك المفاد بأم اهـ شيخنا.\rوفي زاده: أم منقطعة ومعناها الإضراب عن إتباعهم التوهم الباطل والهوى إلى إنكار ما هو أفحش منه وهو أن يكون لهم ما يتمنونه من شفاعة آلهتهم مثلا، والدليل عليه قوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ الخ اهـ.\rقوله: ما تَمَنَّى أي: الذي تمناه أي: ترجاه في الأصنام.\rقوله: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ أي: فهو لا يعطي ما فيها إلا لمن اتبع هداه وترك هواه، والأولى فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلا كما هو شاهد، ولكنه يعطي منها ما يشاء لمن يريد، وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما اهـ خطيب.\rقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ الخ إقناط مما علقوا به أطماعهم من شفاعة الملائكة لهم موجب لإقناطهم من شفاعة الأصنام بطريق الأولى اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي وكثير من الملائكة الخ) أشار به إلى أن كم هنا خبرية بمعنى كثير، فتدل على الجمع المطابق بقوله: لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ فلفظها مفرد ومعناها جمع، وهي في موضع رفع على الابتداء والخبر لا تغني، وقوله: لمن يشاء أي فيمن يشاء كما اقتضاه تقريره اهـ كرخي.\rأي: إلا من بعد أن يأذن اللّه في الشفاعة فيمن يشاء.\rقوله: (و ما أكرمهم عند اللّه) جملة تعجبية جيء بها للدلالة على زيادة تشريفهم، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئا الخ اهـ.\rقوله: شَيْئاً أي: شيئا من الإغناء. قوله: (و معلوم أنها لا توجد منهم الخ) راجع لقوله: ولا يشفعون الخ. وغرضه بهذا التطبيق بين الآيتين في توقف الشفاعة على إذنه تعالى لأن الآية المنظر بها ليس فيها تصريح بتوقف الشفاعة على الإذن فيها، فأفاد أن توقف الشفاعة على الإذن معلوم من خارج، بل من الآية الأخرى وهو قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ الخ فإن قيل: كيف يصح أن يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه، وكان من عبادتهم أن يربطوا مركوب الميت على قبره زعما منهم أنه يحشر عليه؟ أجيب: بأنهم ما كانوا يجزمون بل يقولون: لا حشر، ثم يقولون: وإن كان فلنا شفعاء بدليل أنه تعالى حكى عنهم وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [الكهف: 36] وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى","part":7,"page":325},{"id":2783,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 326\rالْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (27) حيث قالوا: هم بنات اللّه\rوَما لَهُمْ بِهِ بهذا المقول مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما يَتَّبِعُونَ فيه إِلَّا الظَّنَ الذي تخيلوه وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28) أي عن العلم فيما المطلوب فيه العلم\rفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا أي القرآن وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29) وهذا قبل رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [فصلت: 50] وأيضا كانوا لا يؤمنون بالآخرة على الوجه الذي بينه الرسل فهم لا يؤمنون بالآخرة، بل مما يزعمونه آخرة اهـ زاده.\rقوله: لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أي: يصفونهم بوصف الإناث وهو البنتية، وقوله: تسمية الأنثى أي يسمون الملائكة بتسمية الإناث حيث قالوا: (هم بنات اللّه) اهـ شهاب.\rوذلك أنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصح عندهم أن يقال سجدت الملائكة، فقالوا:\rالملائكة بنات اللّه فسموهم تسمية الإناث اهـ خطيب.\rقوله: (بهذا المقول) أي: هم بنات اللّه، وقوله: من علم من زائدة في المبتدأ المؤخر اهـ.\rقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ أي: لأنهم لم يشاهدوا خلقه الملائكة ولم يسمعوا ما قالوه من رسول ولم يروه في كتاب أي: ما يتبعون إلا الظن في أن الملائكة إناث اهـ قرطبي.\rقوله: لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ من بمعنى عن، والحق بمعنى العلم كما قرره الشارح، وقوله: فيما المطلوب فيه العلم هو الاعتقاديات بخلاف العمليات، فإن الظن يكفي بها اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: أي: عن علم فيما المطلوب فيه العلم يشير إلى أن الحق الذي هو حقيقة الشيء لا يدرك إدراكا معتبرا إلا بالعلم، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكن وصلة إليها كمسائل علم الفقه. قال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يغني في الاعتقاديات شيئا، وأما في الأفعال العرفية أو الشرعية فإن الظن فيها يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين اهـ.\rقوله: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى الخ أي: فاعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه، فإن من تولى عن اللّه وأعرض عن ذكره وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا أو إصرارا على الباطل اهـ بيضاوي.\rوقوله: عمن تولى المقام للضمير والإتيان بالموصول الظاهر للتوصل به إلى وصفهم بما في حيز الصلة من أوصافه القبيحة وتعليل الحكم بها، أي: فاعرض عمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني المنطوي على علوم الأولين والآخرين والمذكر لأمور الآخرة، وقوله ذلك مبلغهم من العلم الجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من قصر الإرادة على الحياة الدنيا اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) قال الرازي: وأكثر المفسرين يقولون: إن كل ما في القرآن من قوله: فأعرض منسوخ بآية القتال، وهو باطل لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال، فكيف ينسخ بها، وذلك لأن النبي في الأول كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم. والجواب عنها فقيل بها: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ثم لما لم ينفع ذلك فيهم قيل له أعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا ينتفعون به","part":7,"page":326},{"id":2784,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 327\rالأمر بالجهاد\rذلِكَ أي طلب الدنيا مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي نهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30) أي عالم بهما فيجازيهما\rوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي هو مالك لذلك، ومنه الضال والمهتدي، يضل من يشاء ويهدي من يشاء لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا من الشرك وغيره وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بالتوحيد وغيره من الطاعات بِالْحُسْنَى (31) أي الجنة، وبيّن المحسنين بقوله\rالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا وقاتلهم، والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة، فكيف يكون منسوخا اهـ خطيب.\rقوله: مِنَ الْعِلْمِ في تسميته علما تهكم بهم اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ الخ تعليل للأمر بالإعراض، وتكرير قوله هو أعلم لزيادة التقرير وللإيذان بكمال تباين المعلومين، والمراد بمن ضل من أصر على العناد ولم يرجع إلى اللّه أصلا، وبمن اهتدى من شأنه الاهتداء في الجملة اهـ أبو السعود.\rقوله: (و منه الضال المهتدي الخ) أشار به إلى جواب كيف يصح تعليل ملك السموات والأرض بالجزاء مع أن هذا ثابت للّه تعالى بالذات وما بالذات لا يعلل؟ وإيضاحه: أن التعليل لإضلال من شاء وهداية من شاء، فاللام متعلقة بما دل عليه معنى الملك أي: يضل ويهدي ليجزي، وفي الكشاف ما يقتضي أن اللام لام العاقبة لا التعليل، وبه صرح الواحدي بمعنى أن عاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم محسن ومسيء، فللمسيء السوأى وللمحسن الحسنى وهو يدفع السؤال من أصله، والأول يلائم ما بعده اهـ كرخي.\rقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا اللام متعلقة بما دل عليه معنى الملك في قوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ الخ كما أشار له بقوله: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ [إبراهيم: 14] الخ اهـ كرخي.\rوعلى هذا فجملة وللّه الخ مستأنفة على سبيل التعليل لما قبلها إذ كونه مالكا لما فيهما يقتضي أنه عالم بأحواله، وقرر أبو السعود أنها اعتراضية، وقوله: ليجزي الخ متعلق بما قبلها، فقال: اللام متعلقة بما دل عليه أعلم الخ، وما بينها اعتراض مقرر لما قبله فإن كون الكل مخلوقا له مما يقرر علمه بأحوالهم كأنه قيل: فيعلم ضلال من ضل واهتداء من اهتدى فيحفظها ليجزي الخ اهـ.\rواللام للصيرورة والعاقبة، أي: عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا قاله الزمخشري اهـ سمين.\rقوله: بِما عَمِلُوا أي بعقاب ما عملوا من الضلال الذي عبّر عنه بالإساءة بيانا لحاله أو بسبب ما عملوا، وتكرير الفعل لإبراز كمال الاعتناء بأمر الجزاء أو للتنبيه على تباين الجزاءين اهـ أبو السعود.\rقوله: (و بين المحسنين الخ) أي: فالذين يجتنبون منصوب بدلا أو بيانا أو نعتا للذين أحسنوا وبإضمار. أعني: أو هو مرفوع على خبر مبتدأ مضمر أي: هم الذين يجتنبون اهـ سمين.\rقوله: كَبائِرَ الْإِثْمِ ما يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب الوعيد عليه بخصوصه، وقيل: ما","part":7,"page":327},{"id":2786,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 328\rاللَّمَمَ هو صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع، والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا صيامنا حجنا هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي خلق أباكم آدم من التراب وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ جمع جنين فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ لا تمدحوها أي على سبيل الإعجاب، أوجب الحد، وقوله: والفواحش أي: ما فحش من الكبائر خصوصا، وقوله: إلا اللمم أي: إلّا ما قلّ وصغر، فإنه مغفور باجتناب الكبائر اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: وأصل اللمم ما قل وصغر منه وهو المس من الجنون، وألّم بالمكان قل لبثه فيه، وألّم بالطعام قلّ أكله منه، وقال أبو العباس: أصل اللمم أن يلم بالشيء ولم يرتكبه. يقال: ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه، وقال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب اهـ.\rوفي المصباح: واللمم بفتحتين مقاربة الذنب، وقيل: هو الصغائر، وقيل: هو فعل الصغيرة ثم لا يعاوده، ولّم بالشيء يلم من باب رد اهـ.\rقوله: وَالْفَواحِشَ من عطف الخاص على العام، فالفواحش من جملة الكبائر، قوله: فهو استثناء منقطع تفريع على تفسير اللمم بالصغائر، وإنما كان منقطعا لأنه ليس قبله ما يندرج فيه. قال السمين: وهذا هو المشهور، ثم قال: ويجوز أن يكون متصلا عند من يفسر اللمم بغير الصغائر اهـ شيخنا.\rقوله: (كالنظرة) أي: وكالكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناسا بهم وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة إلى المسجد إذا كان يغلب تنجيسهم له، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هذه الجملة تعليلية لاستثناء اللمم، منبهة على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة ليس لخلوه عن الذنب في نفسه، بل لسعة المغفرة الربانية اهـ أبو السعود.\rقوله: (بذلك) متعلق بواسع أي: واسع المغفرة بسبب غفران الصغائر باجتناب الكبائر عقب به ما سبق لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولئلا يتوهم وجوب العقاب على اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ الخ أي: علم أحوالكم وتفاصيل أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم وحينما صوركم في الأرحام اهـ بيضاوي.\rقوله: (جمع جنين) وسمي جنينا لاستتاره في بطن أمه اهـ خازن.\rقوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال ابن عباس: لا تمدحوها، وقال الحسن: علم اللّه من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها من الآثام ولا تمدحوها بحسن الأعمال، وقيل في معنى الآية: هو أعلم بكم أيها المؤمنون علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء: ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته أنا خير منك وأنا أزكى منك أو أتقى منك، فإن","part":7,"page":328},{"id":2787,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 329\rأما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِمَنِ اتَّقى (32)\rأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) عن الإيمان، أي ارتد لما عير به وقال: إني خشيت عذاب اللّه، فضمن له المعير له أن يحمل عنه عذاب اللّه إن رجع إلى شركه وأعطاه من ماله كذا فرجع\rوَأَعْطى قَلِيلًا من المال المسمى وَأَكْدى (34) منع الباقي، مأخوذ من الكدية، وهي أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر العلم عند اللّه، وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة، فإن اللّه يعلم عاقبة من هو على التقوى، وهو قوله: هو أعلم بمن اتقى أي: بمن بر وأطاع وأخلص العمل، وقيل: في معنى الآية فلا تزكوا أنفسكم أي لا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات، وقيل: لا تنسبوها إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم اللّه المزكي منكم والمتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم، وقيل: نزلت في ناس كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فأنزل اللّه فيهم هذه الآية اهـ خازن.\rقوله: (أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن) ولذا قيل المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر لقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11].\rقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى أي: فإنه يعلم المتقي منكم وغيره قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم، فمن جاهد نفسه وخلصت منه التقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتا اهـ خطيب.\rفالمراد هو أعلم بمن اتقى أي: بمن أخلص في تقواه وطاعته وهو الذي ينتفع بها ويثاب عليها، وغيره لا ينتفع بها ولا يثاب عليها بل يعاقب لأن الرياء يحبط العمل وهو من الكبائر اهـ.\rقوله: (أي ارتد) ظاهره أنه أسلم حقيقة ثم ارتد، وبعضهم قال: إنه قارب الإسلام ولم يسلم اهـ شيخنا.\rوقوله: لما عيّر به أي: عيّره بعض المشركين.\rقوله: (و أعطاه من ماله) الضمير المستتر في أعطى عائد على الذي تولى، والبارز عائد على الضامن له عذاب اللّه، فجعل ذلك الرجل الضامن على الذي تولى شيئين، وهما الرجوع إلى الشرك وأن يدفع من ماله كذا، وجعل على نفسه هو شيئا واحدا وهو ضمان عذاب اللّه، فالضمير في قوله وأعطى قليلا عائد على الذي تولى فذم أولا بأنه ارتد عن دينه، وثانيا بأنه بخل ببعض ما التزمه فأخلف الوعد اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: قوله: منع الباقي أي: فليس ذمه بسبب البخل فقط كما توهم، لأن توليه عن الحق بالردة واعتقاده تحمل الغير لأوزاره وإعطاه في مقابلة التحمل ما أعطى ثم رجوعه المتضمن لبخله وكذبه كله قبيح مذموم اهـ.\rقوله: وَأَكْدى أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئا فصادف كدية منعته من الحفر، ومثله أجبل أي: صادف جبلا منعه من الحفر، وكديت أصابعه كلت من الحفر ثم استعمل في كل من طلب","part":7,"page":329},{"id":2788,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 330\rالبئر إذا وصل إليها من الحفر\rأَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) يعلم من جملته أن غيره يتحمل عنه عذاب الآخرة، لا، وهو الوليد بن المغيرة أو غيره، وجملة أعنده المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني\rأَمْ بل لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) أسفار التوراة أو صحف قبلها\rوَصحف وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) تمم ما أمر به نحو:\rوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ وبيان ما شيئا فلم يصل إليه أو لم يتمه اهـ سمين.\rقوله: (تمنع حافر البئر) اسم فاعل من الحفر اهـ.\rقوله: فَهُوَ يَرى قال أبو البقاء: فهو يرى جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصل أعنده علم الغيب فيرى، ولو جاء على ذلك لكان نصبا في جواب الاستفهام اهـ.\rولا ضرورة إلى دعوى وضع هذه الجملة الاسمية موضع الفعلية، بل هي معطوفة على قوله:\rأعنده علم الغيب فهي داخلة في حيز الاستفهام، وتكون استفهامية خرجت مخرج الإنكار قاله السفاقسي اهـ كرخي.\rقوله: (أن غيره الخ) الجملة سادة مسد مفعولي يرى على ما جرى عليه من كونها علمية، وقوله:\rمن جملته حال مقدمة من التحمل المفهوم من يتحمل أي: يعلم تحمل غيره عنه حال كون ذلك التحمل من جملته أي: من جملة الغيب اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو الوليد بن المغيرة) أي: كما قاله مقاتل وعليه الأكثر، وقوله: أي غيره أي: كما قاله السدي أنه العاصي بن وائل السهمي، أو أبو جهل كما قاله محمد بن كعب اهـ كرخي.\rوهذا الخلاف في بيان الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى، وأما الذي عيّره وضمن له أن يحمل عنه العذاب فلم يذكروا هنا تعيينه اهـ شيخنا.\rقوله: بِما أي: بالخبر الذي في صحف الخ.\rقوله: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى تخصيص إبراهيم بذلك أي: بالوصف بالوفاء لاحتماله ما لم يحتمله غيره، كالصبر على نار نمروذ حتى أتاه جبريل حيت ألقي في النار فقال له: ألك حاجة؟ فقال:\rأما إليك فلا، وعلى ذبح الولد، وعلى أنه كان يمشي كل يوم فرسخا يرتاد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلّا نوى الصوم، وتقدم موسى لأن صحفه وهي التوراة كانت أشهر وأكثر عندهم اهـ بيضاوي.\rوإنما خص هذين النبيين بالذكر لأنه كان قبل إبراهيم وموسى يؤخذ الرجل بجريرة غيره، فأول من خالفهم إبراهيم اهـ سمين.\rفقد روى عكرمة، عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، فكان الرجل إذا قتل وظفر أهل المقتول بأبي القاتل أو ابنه أو أخيه أو عمه أو خاله قتلوه، حتى جاءهم فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن اللّه أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى اهـ خطيب.\rقوله: (تمم ما أمر به الخ) عبارة الخطيب: الَّذِي وَفَّى أتم ما أمر به من ذلك تبليغ الرسالة","part":7,"page":330},{"id":2789,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 331\rأَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) الخ، وأن مخففة من الثقيلة، أي أنه لا تحمل نفس ذنب غيرها\rوَأَنْ أي أنه لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) من خير، فليس له من سعي غيره الخير شيء\rوَأَنَ واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه وخدمته إياهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يرتاد ضيفا، فإن وافقه أكرمه وإلّا نوى الصوم، وعن الحسن: ما أمره اللّه تعالى بشيء إلّا وفى به وصبر على ما امتحن به وما قلق من شيء وصبر على حر ذبح الولد وعلى حر النار ولم يستعن بمخلوق، بل قال لجبريل عليه السّلام، لما قال له: ألك حاجة؟ أما إليك فلا. وقال الضحاك، وفي المناسك:\rوروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار. وهي صلاة الضحى» وروي: «ألا أخبركم لم سمى اللّه خليله الذي وفى كان يقول إذا أصبح وأمسى فسبحان اللّه حين تمسون إلى تظهرون». وقيل: وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون، عشرة في التوبة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [التوبة:\r112] وعشرة في الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب: 35] وعشرة في المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1]، انتهت.\rقوله: (و بيان ما الخ) يعني أن قوله: أن لا تزر الخ في محل الجر بدلا من ما فيه قوله: بما في صحف موسى، ويجوز رفعه خبرا لمبتدأ مضمر أي ذلك أن لا تزر أو هو أن لا تزر، ويجوز نصبه بفعل مضمر اهـ سمين.\rوقوله: إلى آخره المراد به فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى [النجم: 55] وجملة أن التي ذكرت في هذا البيان إحدى عشرة مرة، وهذا على قراءة الفتح في قوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: 42] إلى آخر ما بعدها وهي مذكورة ثمان مرات، وأما على قراءة الكسر في هذه الثمانية فيكون المراد بقوله إلى آخره: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: 41] فيكون البيان بالثلاثة الأول فقط اهـ شيخنا.\rقوله: وازِرَةٌ أي: بلغت مبلغا تكون فيه حاملة للوزر اهـ خطيب.\rبأن تكون مكلفة، فليس المراد الوازرة بالفعل لأنه ليس قيدا اهـ شيخنا.\rقوله: (و أن مخففة من الثقيلة) واسمها هو ضمير الشأن ولا تزر هو الخبر وجيء بالنفي لكون الخبر جملة فعلية متصرفة غير مقرونة بقد كما تقدم تحريره في المائدة اهـ سمين.\rقوله: (أي أنه) أي: الحال والشأن لا تحمل الخ.\rقوله: (أي أنه) لَيْسَ لِلْإِنْسانِ الخ هذه مخففة أيضا ولم يفصل هنا بينها وبين الفعل لأنه لا يتصرف، ومحلها الجر أو الرفع أو النصب لعطفها على أن قبلها وكذلك محل وأن سعيه اهـ سمين.\rولما نفى أن يضره إثم غيره نفى أن ينفعه سعي غيره بقوله: وأن ليس للإنسان الخ. واستشكل هذا الحصر بالآية السابقة وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ [الطور: 21] الخ، وبالأحاديث الواردة كحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» إلى قوله: «أو ولد صالح يدعو له». وأجيب بأن ابن عباس قال: إن هذه الآية منسوخة بتلك وتعقب بأنها خبر ولا نسخ في الأخبار، وبأنها على ظاهرها، والدعاء من الولد دعاء من الوالد حيث اكتسابه للولد، وبأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى","part":7,"page":331},{"id":2790,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 332\rلأنها حكايتها لما فيه صحفهم، وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي وما سعى لها غيرها، لما صح أن لكل نبي وصالح شفاعة وهو انتفاع بعمل الغير ولغير ذلك، ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف الكتاب والسنّة واجتماع الأمة، وحينئذ فالظاهر أن الآية عامة قد خصصت بأمور كثيرة اهـ كرخي.\rوفي الخازن: وفي حديث ابن عباس دليل لمذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام بل يقع تطوعا، وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه وإنما يكون ذلك تمرينا له على العبادة. وفي الحديثين الآخرين دليل على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها وهو إجماع العلماء، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك، ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام، وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي. واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل للميت ثوابها، وقال جماعة من أصحابه: يصله ثوابها، وبه قال أحمد بن حنبل: وأما الصلوات وسائر التطوعات فلا تصله، وعند الشافعي والجمهور، وقال أحمد: يصله ثواب الجميع واللّه أعلم، وقيل: أراد بالإنسان الكافر، والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافي في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وقيل: إن قوله: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى هو من باب العدل، وأما من باب الفضل فجائز أن يزيد اللّه ما يشاء من فضله وكرمه اهـ.\rوفي الخطيب: وقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي: وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسّلام بقوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، وقال عكرمة: إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسّلام، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم، لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها، وقالت: يا رسول اللّه ألهذا حج؟\rفقال: «نعم ولك أجر» وقال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إن أمي قتلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال:\r«نعم». قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة، أحدها: إن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن اللّه تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً [الكهف:\r82] فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير، تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير. عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره","part":7,"page":332},{"id":2791,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 333\rسَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) أي يبصر في الآخرة\rثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) الأكمل، يقال: جزيته سعيه وبسعيه\rوَأَنَ بالفتح عطفا وقرئ بالكسر استئنافا، وكذا ما بعدها، فلا يكون مضمون الجمل بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشرها: المدين قد امتنع صلّى اللّه عليه وسلّم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الأخر علي بن أبي طالب وانتفع بصلاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو من عمل الغير. ثاني عشرها: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمن صلى وحده: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشرها: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشرها: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشرها: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد كذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشرها: أن اللّه تعالى قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] وقال تعالى: وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ [الفتح: 25] وقال تعالى: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة: 251 والحج: 4] فقد رفع اللّه تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير. عشروها: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها. حادي عشريها: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له. ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن نتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة اهـ.\rقوله: (أي يبصر في الآخرة) أي يبصره هو في ميزانه من غير شك، فإن قيل: العمل كيف يرى؟\rأجيب: بأنه يرى على صورة جميلة إن كان صالحا فيريه اللّه أعماله الصالحة ليفرح بها، ويحزن الكافر بأعماله السيئة فيزداد غما اهـ خطيب.\rقوله: ثُمَّ يُجْزاهُ الضمير المرفوع عائد على الإنسان والمنصوب عائد على سعيه، والجزاء مصدر مبين للنوع، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب للجزاء، ثم فسّر بقوله: الجزاء الأوفى فهو بدل منه أو عطف بيان له اهـ سمين.\rقوله: الْجَزاءَ الْأَوْفى تقدم أن الجزاء مصدر، وقال أبو البقاء: هو مفعول يجزاه وليس بمصدر لأنه وصفه بالأوفى، وذلك من صفة المجزي به لا من صفة الفعل. قال السفاقسي: لا يمنع ذلك من بقائه مصدرا لأن الفعل قد يوصف بذلك مبالغة اهـ كرخي.\rقوله: (يقال جزيته سعيه الخ) أشار به إلى أن الجزاء يتعدى بنفسه وبحرف الجر اهـ كرخي.\rقوله: (و كذا ما بعدها) أي من قوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى إلى قوله: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى، وقوله على الثاني أي الكسر أي لأنه ابتداء كلام، فيكون ما في الصحف قد تم بيانه وانتهى","part":7,"page":333},{"id":2792,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 334\rفي الصحف على الثاني إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) المرجع والمصير بعد الموت فيجازيهم\rوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ من شاء أفرحه وَأَبْكى (43) من شاء أحزنه\rوَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ في الدنيا وَأَحْيا (44) للبعث\rوَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45)\rمِنْ نُطْفَةٍ مني إِذا تُمْنى (46) تصب في الرحم\rوَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ بالمد والقصر الْأُخْرى (47) الخلقة الأخرى للبعث بعد الخلقة الأولى\rوَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى الناس بالكفاية بالأموال وَأَقْنى (48) أعطى المال المتخذ قنية\rوَأَنَّهُ هُوَ رَبُ عند قوله: الْجَزاءَ الْأَوْفى اهـ كرخي.\rقوله: إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي منتهى الخلق ومصيرهم إليه في الآخرة وهو مجازيهم بأعمالهم.\rوفي المخاطب بهذا وجهان، أحدهما: أنه عام تقديره: وأن إلى ربك أيها السامع أو العاقل كائنا من كان المنتهى فهو تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن، ليقلع المسيء عن إساءته ويزداد المحسن في إحسانه. الوجه الثاني: أن المخاطب بهذا هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون فيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى: لا تحزن فإن إلى ربك المنتهى، وقيل: في معنى الآية منه ابتداء المنة وإليه انتهاء المآل اهـ خازن.\rوالمناسب لصنيع الشارح حيث قال فيجازيهم هو الثاني، وبعد ذلك في الكلام وقفة من حيث إن هذا الخطاب في جملة ما في صحف موسى أو إبراهيم فالمناسب أن يكون المخاطب به موسى وإبراهيم على التوزيع تأمل قوله: (المرجع والمصير) أي الرجوع فالمنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء اهـ.\rقوله: (أفرحه) أشار به إلى أن المراد الضحك حقيقة، وأنه الفرح، وأن البكاء كذلك وأنه الحزن، وأن كلا من الفعلين حذف مفعوله. قال الحسن: أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، وقيل: إن الفعلين من الأفعال اللازمة كقوله: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [آل عمران: 156] وهذا يدل على أن ما يعمل الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء اهـ كرخي.\rقوله: (الصنفين) الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أي من كل حيوان، ولم يرد آدم وحواء لأنهما لم يخلقا من نطفة، وهذا أيضا من جملة المتضادات الواردة على النطفة، فبعضها يخلق ذكرا، وبعضها يخلق أنثى، ولا يصل إليهم فهم الطبائعيين الذين يقولون من البرد والرطوبة في الأنثى، فرب امرأة أحر وأيبس مزاجا من الرجل. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ ولم يقل: وأنه هو خلق كما قاله: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى؟ فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان وكذا الإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258] فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل اهـ كرخي.\rقوله: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى أي بحكم الوعد، فإنه قال: إنا نحن نحيي ونميت لا بحكم العقل ولا الشرع اهـ خطيب.\rقوله: (بالمد والقصر) سبعيتان.\rقوله: وَأَقْنى قال الزمخشري: أعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا يخرج من","part":7,"page":334},{"id":2793,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 335\rالشِّعْرى (49) هو كوكب خلف الجوزاء كانت تعبد في الجاهلية\rوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (50) وفي قراءة بإدغام التنوين في اللام وضمها بلا همز هي قوم هود، والأخرى قوم صالح\rوَثَمُودَ يدك. قال الجوهري: قنى الرجل يقني قنى مثل غنى يغني غنى، ثم يتعدى بتغيير الحركة فيقال: قنيت له ما لا كسبته وهو نظير شترت عينه بالكسر وشترها اللّه بالفتح، فإذا دخلت عليه الهمزة والتضعيف اكتسب مفعولا ثانيا، فيقال: أقناه اللّه مالا وقناه إياه أي أكسبه إياه وحذف مفعول أغنى وأقنى، لأن المراد نسبة هذين الفعلين إليه وحده وكذلك في باقيها، وألف أقنى عن ياء لأنه من القنية، وقيل: أفنى أرضى. قال الراغب: والحقيقة أنه جعل له مالا قنية وقنيت كذا وأقنيته اهـ سمين.\rقوله: (قنية) وهو الذي يدوم عند الإنسان اهـ.\rقوله: رَبُّ الشِّعْرى الشعرى في لسان العرب كوكبان، يسمى أحدهما الشعرى العبور وهو المراد في الآية الكريمة، فإن خزاعة كانت تعبدها وسن عبادتها أبو كبشة رجل من ساداتهم وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعرى تقطعها طولا فهي مخالفة لها فعبدها وعبدتها خزاعة وحمير، وأبو كبشة أحد أجداد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابن أبي كبشة حين دعا إلى اللّه تعالى وخالف أديانهم تشبيها بذلك الرجل في أنه أحدث دينا غير دينهم، وهي تطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وتسمى الشعرى اليمانية، والثاني: الشعرى الغميصا بغين معجمة مضمومة وميم مفتوحة وصاد مهملة من الغمض بفتحتين، وهو سيلان دمع العين اهـ من الخطيب والشهاب.\rقوله: (بادغام التنوين) أي بعد قلبه لاما، وقوله في اللام أي لام التعريف، وقوله: وضمها أي بنقل حركة همزة أولى إليها وحذفها، وقوله: بلا همز أي للواو التي بعد اللام المدغم فيها، وبقي قراءة ثالثة وهي هذه القراءة بعينها، ولكن تقلب الواو المذكورة همزة ساكنة، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، والتي في الشرح لنافع وأبي عمرو، والتي ذكرناها لقالون والقراءة المشهورة للباقي اهـ شيخنا.\rوعبارة الخطيب: وقرأ نافع، وأبي عمرو بتشديد اللام بعد الدال المفتوحة نقلا، وهمز قالون الواو ساكنة بعد اللام، والباقون بتنوين الدال وكسر التنوين وسكون اللام بعدها همزة مضمومة، انتهت.\rقوله: (هي قوم هود) وسميت أولى لتقدمها في الزمان على عاد الثانية التي هي قوم صالح وهي ثمود، وفي القرطبي: قال ابن إسحاق هما عادان، فالأولى أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت الأخرى فأهلكت بصيحة، وقيل: عاد الأولى هو عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وعاد الثانية من ولد عاد الأولى والمعنى متقارب، وقيل: إن عاد الآخرة الجبارون وهم قوم هود اهـ.\rوقال في سورة الفجر: وقيل هما عادان، فالأولى هي ارم قال اللّه عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى فقيل لعقب عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عاد، ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى، وإرم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عادا الأخيرة، وقال معمر: إرم إليه مجمع عاد وثمود، وكان يقال: عاد إرم عاد ثمود، وكانت القبائل تنسب إلى إرم ذات العماد اهـ.","part":7,"page":335},{"id":2794,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 336\rبالصرف اسم للأب، وبلا صرف للقبيلة، وهو معطوف على عادا فَما أَبْقى (51) منهم أحدا\rوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي قبل عاد وثمود أهلكناهم إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (52) من عاد وثمود، لطول لبث نوح فيهم، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم مع عدم إيمانهم به يؤذونه ويضربونه\rوَالْمُؤْتَفِكَةَ وهي قرى قوم لوط أَهْوى (53) أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض، بأمره جبريل بذلك\rفَغَشَّاها من الحجارة بعد ذلك ما غَشَّى (54) أبهم تهويلا وهذا التقدير هو الموافق لظاهر الآية ولصنيع الشارح، وفي البيضاوي: وأنه أهلك عادا الأولى القدماء لأنهم أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح عليه السّلام، وقيل: عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى ارم اهـ.\rوقوله: القدماء أشار به إلى أنه ليس هناك عادان إحداهما أقدم من الأخرى حتى يكون وصف أحداهما بالأولى للاحتراز من عاد الأخيرة، بل ليس هناك إلا عاد واحدة وهي أعقاب عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، والمراد بأوليتهم تقدم هلاكهم على هلاك من بعدهم اهـ زاده.\rوهذا الذي ذكره زاده بعيد من ظاهر الآية تأمل قوله: (و هو معطوف على عادا) أشار به إلى رد قول من جعله منصوبا بقوله: فما أبقى لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها لا تقول زيدا فضربت، وأكثر النحويين ينصب ما قبل الفاء بما بعدها، وقال أبو البقاء: وثمودا منصوب بفعل مضمر أي وأهلك ثمودا كما صنع الشيخ المصنف فيما بعده ولا يعمل فيه فما أبقى لأجل حرف النفي لأنه له الصدر فلا يعمل ما بعده فيما قبله، ويجوز أن يعطف على عادا اهـ كرخي.\rقوله: (أهلكناهم) صوابه أهلكهم، ومراده بهذا التنبيه على أن نصب قوم نوح بفعل محذوف كما قيل ولا حاجة إليه فهو معطوف على ما قبله اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى يحتمل أن يكون الضمير لقوم نوح خاصة، وأن يكون لجميع من تقدم من الأمم الثلاثة، وقوله: كانوا هم يجوز في هم أن يكون تأكيدا وأن يكون فصلا، ويبعد أن يكون بدلا، والمفضل عليه محذوف تقديره من عاد وثمود على قولنا إن الضمير لقول نوح خاصة، وعلى القول بأن الضمير للكل يكون التقدير أظلم وأطغى من غيرهم، والمؤتفكة منصوب بأهوى وقدم لأجل الفواصل، وقوله: ما غشى كقوله ما أوحى في الإبهام وهو المفعول الثاني إن قلنا إن التضعيف للتعدية وإن قلنا إنه للمبالغة والتكثير، فتكون ما فاعلا كقوله: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ [طه: 18] اهـ.\rقوله: (يؤذونه ويضربونه) أي حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) اهـ كرخي.\rقوله: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أي المنقلبة فإن الائتفاك الانقلاب اهـ شيخنا.\rقوله: (مقلوبة إلى الأرض) حال من الضمير المنصوب في أسقطها، وقوله: إلى الأرض متعلق بأسقطها اهـ شيخنا.\rقوله: فَغَشَّاها أي ألبسها وكساها، والفاعل ضمير يعود على اللّه، وقوله: ما غشي مفعول به اهـ شيخنا.","part":7,"page":336},{"id":2795,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 337\rوفي هود جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ أنعمه الدالة على وحدانيته وقدرته تَتَمارى (55) تتشكك أيها الإنسان أو تكذب\rهذا محمد نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (56) من جنسهم، أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم\rأَزِفَتِ قوله: (أبهم تهويلا) أي غشاها أمرا عظيما من الحجارة المنضودة وغيرها مما لا تسع العقول وصفه اهـ خطيب.\rقوله: (و في هود فجعلنا الخ) غرضه بهذا تفسير ما هنا بما في هود، ولكن كلامه فيه تساهل فإن التلاوة في هود: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها [هود: 11] الخ اهـ شيخنا.\rوأما الذي في الشارح فهو صورة ما في الحجر على ما في بعض النسخ من التعبير بعليهم بضمير الجمع يدل عليها الثابت في أكثر النسخ تأمل.\rقوله: فَبِأَيِ الباء ظرفية متعلقة بتتمارى اهـ سمين.\rقوله: (تتشكك) إشارة إلى أن الفاعل مجرد عن التعدد في الفاعل والفعل للمبالغة في الفعل، فلا حاجة إلى تكليف ما قيل إن فعل التماري للواحد باعتبار تعدد متعلقه وهو الآلاء المتمارى فيها اهـ شهاب.\rقوله: (أيها الإنسان) أي على الإطلاق، وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة، أو الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد غيره فهو من باب الالهاب والتهييج والتعريض بالغير، والأول أظهر لقوله تعالى في الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: 13] قاله الطيبي، وقال ابن عادل: الصحيح العموم لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: 6] وقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف: 54] والمعدودات وإن كانت نعما ونقما سماها آلاء من قبيل ما في نقمه من العبر والمواعظ للمعتبرين، وإيضاحه: أنه تعالى جعل الكلام على نمطين وكل نمطين مشتمل على نعم ونقم. أما النمط الأول فمن قوله: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم: 1] إلى قوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: 18] من النعماء التي دونها كل نعم، ومن قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى إلى قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى مشتمل على النقم التي دونها كل نقم. وأما النمط الثاني فابتداؤه من قوله: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى [النجم: 26] إلى قوله: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى في بيان النعم الجسيمة، ومن قوله: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى إلى قوله: فَغَشَّاها من النقم اهـ كرخي.\rقوله: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى هذا إشارة إلى القرآن، والنذير مصدر أو إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، والنذير بمعنى المنذر، وأيّا ما كان فالتنوين للتفخيم ومن متعلقة بمحذوف وهو نعت لنذير مقرر له ومتضمن للوعيد أي هذا القرآن الذي تشاهدونه نذير من قبيل الإنذارات المتقدمة التي سمعتم عاقبتها، أو هذا الرسول منذر من جنس المنذرين الأولين، والأولى على تأويل الجماعة لمراعاة الفواصل، وإلّا فكان مقتضى الظاهر أن يقال الأول وقد علمتم أحوال قومهم المنذرين اهـ أبو السعود.\rقوله: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (قربت القيامة) الموصوفة بالقرب في قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر:\r1] اهـ خطيب.","part":7,"page":337},{"id":2796,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 338\rالْآزِفَةُ (57) قربت القيامة\rلَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ نفس كاشِفَةٌ (58) أي لا يكشفها ويظهرها إلا هو كقوله:\rلا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ أي القرآن تَعْجَبُونَ (59) تكذيبا\rوَتَضْحَكُونَ استهزاء وَلا تَبْكُونَ (60) لسماع وعده ووعيده\rوَأَنْتُمْ سامِدُونَ (61) لاهون غافلون عما يطلب منكم\rفَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خلقكم وَاعْبُدُوا (62) ولا تسجدوا للأصنام ولا تعبدوها.\rيعني أن اللام في الآزفة للعهد لا للجنس لئلا يخلو الكلام عن الفائدة: إذ لا معنى لوصف القريب بالقرب كما قيل، ولذا قيل: إن الآزفة علم بالغلبة للساعة وفيه نظر لأن وصف القريب بالقرب يفيد المبالغة في قربه، كما يدل عليه الافتعال في اقتربت فتأمل اهـ شهاب.\rوفي المصباح: أزف الرحيل أزفا من باب تعب وأزوفا أيضا دنا وقرب، وأزفت الآزفة القيامة اهـ.\rقوله: كاشِفَةٌ يجوز أن يكون وصفا وأن يكون مصدرا، فإن كان وصفا احتمل أن يكون التأنيث لأجل أنه صفة لمؤنث محذوف، فقيل تقديره نفس كاشفة أو حال كاشفة، واحتمل أن تكون التاء للمبالغة كعلامة ونسابة أي ليس لها إنسان كاشفة أي كثير الكشف، وإن كان مصدرا فهو كالعافية والعاقبة وخائنة الأعين، ومعنى الكشف هنا إما من كشف الشيء أي عرف حقيقته كقوله: لا يجليها لوقتها إلا هو، وإما من كشف الضر أي أزاله أي ليس لها من يزيلها وينحيها عند مجيئها غير اللّه تعالى، ولكنه لا يفعل ذلك لأنه سبق في علمه أنها تقع ولا بد اهـ سمين.\rقوله: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ الخ متعلق بتعجبون ولا يجيء فيه الإعمال لأن من شرط الإعمال تأخر المعمول عن العوامل وهو هنا متقدم وفيه خلاف بعيد، وعليه تتخرج الآية الكريمة فإنّ كلّا من قوله تعجبون وتضحكون ولا تبكون يطلب هذا الجار من حيث المعنى اهـ سمين.\rقوله: (تكذيبا) قيد به لأن التعجب قد يكون استحسانا وكذا قوله استهزاء اهـ شهاب.\rقوله: وَأَنْتُمْ سامِدُونَ هذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة أخبر اللّه عنهم بذلك، ويحتمل أن تكون حالا أي انتفى عنكم البكاء في حال كونكم سامدين والسمود قبل الإعراض، وقيل: اللهو، وقيل: الخمود، وقيل: الاستكبار، وقال أبو عبيدة: السمود الغناء بلغة حمير يقولون يا جارية:\rاسمدي لنا أي غني لنا، وقال الراغب: السامد اللاهي الرافع رأسه من قوله بعير سامد في مسيره، وقيل: سمد رأسه وجسده أي استأصل شعره اهـ سمين.\rوفي المختار: السامد اللاهي وبابه دخل اهـ.\rقوله: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ يحتمل أن يكون المراد به سجود التلاوة، وأن يكون المراد به سجود الصلاة، ويقوي الاحتمال الأول ما روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي سجد في النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، وعن عبد اللّه بن مسعود قال: أول سورة نزلت فيها السجدة النجم اهـ خطيب.\rقوله: وَاعْبُدُوا أي: اعبدوه من عطف العام على الخاص، وقوله: ولا تسجدوا للأصنام الخ مأخوذ من لام الاختصاص ومن السياق اهـ شهاب.","part":7,"page":338},{"id":2797,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 339\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة القمر مكية إلا سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ الآية. وهي خمس وخمسون آية\rاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قربت القيامة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) انفلق فلقتين على أبي قبيس وقعيقعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (الآية) آخرها وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وجمع آيات السورة فواصلها على الراء الساكنة اهـ شيخنا.\rقوله: (قربت القيامة) أشار به إلى أن افتعل المشتمل على الزوائد بمعنى الفعل المجرد وأتى بالمزيد للمبالغة لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى اهـ شيخنا.\rقوله: (فلقتين) مصدر عددي من باب ضرب اهـ شيخنا.\rلكن هذا لا يناسب قوله: قوله: (على أبي قبيس الخ) وإنما يناسب أنه تثنية فلقة بالكسر كقطعة وزنا ومعنى، فإن الذي انحط عليه كلام الحافظ ابن حجر كما نقله عنه في المواهب أن الانشقاق لم يقع إلا مرة واحدة، وأن رواية مرتين مؤولة مصروفة عن ظاهرها، وذكر أيضا أن الانشقاق كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين، ثم قال تنبيه ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخرج من كمه، فليس له أصل كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد ابن كثير اهـ.\rوفي القرطبي: وقال بعضهم: لم يقع انشقاق القمر بعد وهو منتظر أي اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر، وإن الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره، وكذا قال القشيري.\rوذكر الماوردي أن هذا قول الجمهور قال: لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء، وقال الحسن: اقتربت الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية، وقيل: وانشق القمر أي وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح، وقيل: انشقاق القمر زوال الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه، وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيه لأنه آية ليلية وأنها كانت باستدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اللّه تعالى عند التحدي اهـ.","part":7,"page":339},{"id":2798,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 340\rآية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد سألها فقال: اشهدوا، رواه الشيخان\rوَإِنْ يَرَوْا أي كفار قريش آيَةً معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) قوي من المرة القوة أو دائم\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 340\r\rوَإِنْ يَرَوْا أي كفار قريش آيَةً معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) قوي من المرة القوة أو دائم\rوَكَذَّبُوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في الباطل وَكُلُّ أَمْرٍ من الخير والشر مُسْتَقِرٌّ (3) بأهله في الجنة أو النار\rوَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ أخبار إهلاك الأمم المكذبة رسلهم ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) لهم اسم مصدر أو اسم مكان، والدال بدل من تاء الافتعال، وازدجرته وزجرته نهيته بغلظة، وما موصولة أو موصوفة\rحِكْمَةٌ خبر مبتدإ محذوف أو بدل من ما أو من قوله: (و قد سألها) جملة حالية من آية أي سألته قريش أن يفلق القمر فلقتين كما في رواية، أو أن يأتيهم بآية ولم يقيدوها بكونها فلق القمر اهـ شيخنا.\rقوله: يُعْرِضُوا أي عن تأملها والإيمان بها اهـ كرخي.\rقوله: (قوي أو دائم) هذان قولان من أربعة حكاها السمين، والثالث منها أن معناه مار ذاهب لا يبقى، والرابع أن معناه شديد المرارة. قال الزمخشري: أي مستبشع عندنا مرّ على لهواتنا لا نقدر أن نسيغه كما لا نسيغ المر اهـ.\rقوله: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا ذكر هذين بلفظ الماضي للاشعار بأنهما من عادتهم القديمة اهـ بيضاوي.\rأي مع أن الظاهر المضارع لكونهما معطوفين على يعرضوا اهـ زاده.\rقوله: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ مبتدأ وخبر والجملة استئناف مسوق لإقناطهم مما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار أمره صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قالوا سحر مستمر ببيان ثباته ورسوخه، أي: وكل أمر من الأمور مستقر أي منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة، ومن جملتها أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيصير إلى غاية يتبين عندها حقيته وعلو شأنه وإبهام المستقر عليه للتنبيه على كمال ظهور الحال وعدم الحاجة إلى التصريح به، وقيل: المعنى كل أمر من أمرهم وأمره صلّى اللّه عليه وسلّم مستقر أي سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا أو شقاوة أو سعادة في الأخرى اهـ أبو السعود.\rقوله: مُسْتَقِرٌّ (بأهله) كأن الباء بمعنى اللام أي مستقر لأهله، والمراد مستقر أثره وهو الثواب أو العقاب لأهله وهم العاملون على الدنيا للخير أو الشر، فكل عامل يرى في الآخرة أثر عمله تأمل.\rقوله: مُزْدَجَرٌ يجوز أن يكون فاعلا بفيه، لأن فيه وقع صلة، وأن يكون مبتدأ وفيه الخبر والدال بدل من تاء الافتعال، وقد تقدم أن تاء الافتعال تقلب دالا بعد الزاي والدال والذال لأن الزاي حرف مجهور والتاء حرف مهموس، فأبدلوها إلى حرف مجهور قريب من التاء وهو الدال، ومزدجر هنا اسم مصدر أي ازدجار، أو اسم مكان أي موضع ازدجار، وقرئ مزجر بقلب تاء الافتعال زايا وإدغامها، وقرأ زيد بن علي مزجر اسم فاعل من أزجر أي صار ذا زجر كأعشب أي صار ذا عشب اهـ سمين.\rقوله: (أو اسم مكان) أي على أن في تجريدية، والمعنى أنه في نفسه موضع ازدجار اهـ أبو السعود.\rقوله: (و ما موصولة أو موصوفة) وهي فاعل بجاء ومعناها أنباء وأخبار ومن الأنباء حال منها،","part":7,"page":340},{"id":2799,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 341\rمزدجر بالِغَةٌ تامة فَما تُغْنِ تنفع فيهم النُّذُرُ (5) جمع نذير بمعنى منذر، أي الأمور المنذرة لهم، وما للنفي أو للاستفهام الإنكاري، وهي على الثاني مفعول مقدم\rفَتَوَلَّ عَنْهُمْ هو فائدة ما قبله وتم به الكلام يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ هو إسرافيل، وناصب يوم يخرجون بعد إِلى وقوله: فيه خبر مقدم، ومزدجر مبتدأ مؤخر، والجملة صلتها اهـ شيخنا.\rوالمعنى: ولقد جاءهم أنباء وأخبار فيها ازدجار أي انتهاء عن الكفر أو هي محل الازدجار أي الانتهاء.\rقوله: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فيه وجهان، أحدهما: أنه بدل من ما فيه مزدجر كأنه قيل: ولقد جاءهم حكمة بالغة من الأنباء، وحينئذ يكون بدل كل من كل أو بدل اشتمال. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو حكمة أي ذلك الذي جاءهم، ويجوز أن يكون خبرا لكل أمر مستقر، وقرئ حكمة بالنصب حالا. قال الزمخشري: فإن قلت: إن كانت ما موصولة ساغ لك أن تنصب حكمة بالغة حالا، فكيف تعمل إن كانت موصوفة وهو الظاهر؟ قلت: تخصصها الصفة فيحسن نصب الحال عنها اهـ.\rوهو سؤال واضح جدا اهـ سمين.\rقوله: (خبر مبتدأ محذوف) هو ضمير عائد على ما، والتقدير هي أي الأنباء التي جاءتهم حكمة بالغة اهـ.\rقوله: بالِغَةٌ (تامة) عبارة البيضاوي: بالغة غايتها لا خلل فيها اهـ.\rوقوله: غايتها أي فمفعول بالغة محذوف، وفسر بلوغ الحكمة إلى غايتها بأنه لا خلل فيها إذ المعنى بلوغها غاية الأحكام، فالخلل عدم مطابقتها للواقع، أو عدم جريها على نهج الحكم الآلهية اهـ شهاب.\rقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ لا ترسم الياء هنا بعد النون اتباعا لرسم المصحف ووجهه ابتاع الرسم للفظ وهي في اللفظ قد حذفت لالتقاء المساكنين، وقوله: يوم يدع لا ترسم في العين واو اتباعا لخط المصحف الإمام، وقوله: الداع لا يرسم في العين ياء لأنها من ياءات الزوائد وهي لا تثبت في الخط، وإن كان في اللفظ يصح إثباتها وحذفها كما قرئ بهما في السبع، وكذا قوله فيما يأتي: مهطعين إلى الداع لا ترسم فيه الياء لما ذكر اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الأمور المنذرة لهم) كأحوال الأمم السابقة أي ما وقع لهم من العذاب الذي بلغ قريشا وتسامعوا به اهـ شيخنا.\rقوله: (مفعول مقدم) أي مفعول به إن كان المعنى، فأي شيء من الأشياء النافعة تغني النذر، أي تحصله وتكسبه، ومفعول مطلق إن كان المعنى فأي إغناء تغني النذر اهـ شيخنا.\rقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ قال أكثر المفسرين نسختها آية السيف، وقال الرازي: إن قول المفسرين بالنسخ في هذه الآية ليس بشيء، بل المراد منها لا تناظرهم بالكلام اهـ خطيب.\rقوله: (هو فائدة) أي: نتيجة ما قبله وهو قوله: فما تغن النذر اهـ شيخنا.","part":7,"page":341},{"id":2800,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 342\rشَيْءٍ نُكُرٍ (6) بضم الكاف وسكونها أي منكر تنكره النفوس لشدته وهو الحساب\rخُشَّعاً ذليلا، وفي قراءة خشعا بضم الخاء وفتح الشين مشدّدة أَبْصِرْهُمْ حال من فاعل يَخْرُجُونَ أي الناس مِنَ الْأَجْداثِ القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) لا يدرون أي يذهبون من الخوف والحيرة، والجملة حال من فاعل يخرجون، وكذا قوله\rمُهْطِعِينَ أي مسرعين مادّين أعناقهم إِلَى الدَّاعِ وفي الكرخي: قوله: هو فائدة ما قبله وهو فما تغن النذر، وفيه إشارة إلى ربط الآيات، وأن هذه الفاء نتيجة الكلام السابق وفي مدخولها معنى المتاركة والموادعة لأن الإنذار إنما يفيد إذا انتفع به المنذر اهـ.\rقوله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ منصوب إما باذكر مضمرا وهو أقربها وإليه ذهب الرماني والزمخشري، وإما بيخرجون بعده وإليه ذهب الزمخشري أيضا، وإما بقوله: فما تغن ويكون قوله: فتول عنهم اعتراضا، وإما منصوب بقوله: يقول الكافرون وفيه بعد لبعده منه، وإما منصوب بقوله: فتول عنهم وهو ضعيف جدا لأن المعنى ليس أمره بالتولية عنهم في يوم النفخ في الصور، وحذفت الواو من يدع خطا تبعا للفظ كما تقدم في تغن ويمح اللّه الباطل وشبهه، وحذفت الياء من الداع مبالغة في التخفيف إجراء لأل مجرى ما عاقبها وهو التنوين، فكما تحذف الياء مع التنوين كذلك مع ما عاقبها اهـ سمين.\rقوله: (هو إسرافيل) تقدم له في سورة ق أنه قيل إسرافيل، وقيل: جبريل وأن الذي يقوله في دعائه وندائه: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتفرقة والشعور المتمزقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء اهـ.\rقوله: (و ناصب يوم يخرجون بعد) أي وجملة يخرجون مستأنفة اهـ شيخنا.\rقوله: (بضم الكاف وسكونها) سبعيتان. قوله: (و في قراءة) أي: سبعية خشعا اهـ.\rقوله: (حال) أي خاشعا حال وأبصارهم فاعل به، ونسب الخشوع إليها لأنه يظهر فيها أكثر من ظهوره على بقية البدن اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الناس) أي مطلقا مؤمنهم وكافرهم، وقوله: من الأجداث جمع جدث بفتحتين كفرس وأفراس اهـ شيخنا.\rقوله: كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ أي في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة اهـ بيضاوي.\rقوله: (لا يدرون أين يذهبون) عبارة القرطبي: كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع، وقال في موضع آخر يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: 4] فهما صفتان في وقتين مختلفين، أحدهما عند الخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون فيدخل بعضهم في بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها، فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر، لأن الجراد له وجه يقصده اهـ.\rقوله: (و الحيرة) بفتح الحاء إذ كانت مصدرا كما هنا إذ هي بمعنى التحير، وبكسرها اسم لمدينة بقرب الكوفة كما في المختار اهـ شيخنا.\rقوله: (مادين أعناقهم) من جملة معنى مهطعين، فإن الإهطاع معناه الإسراع في المشي مع مد","part":7,"page":342},{"id":2801,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 343\rيَقُولُ الْكافِرُونَ منهم هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) أي صعب على الكافرين كما في المدثر يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ\r* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قبل قريش قَوْمُ نُوحٍ تأنيث الفعل لمعنى قوم فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) أي انتهروه بالسبّ وغيره\rفَدَعا رَبَّهُ أَنِّي بالفتح أي بأني مَغْلُوبٌ العنق إلى جهة الإمام، وفي القاموس: هطع كمنع هطع وهطوعا أسرع مقبلا خائفا، وأقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه وكأمير الطريق الواسع، وأهطع مد عنقه وصوب رأسه كاستهطع وكمحسن من ينظر في ذل وخضوع لا يقلع بصره أو الساكت المنطلق إلى من هتف به، وبعير مهطع في عنقه تصويب خلقة اهـ.\rقوله: يَقُولُ الْكافِرُونَ استئناف وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال وأهله بسوء الأحوال كأنه قيل: فما يكون حينئذ؟ فقيل: يقول الكافرون هذا يوم عسر أي صعب شديد، وفي إسناد القول المذكور إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة من الشدة اهـ أبو السعود.\rوجوز بعضهم أن تكون الجملة حالا من فاعل يخرجون وتعقب بأنها خالية من الربط، وأجاب الشارح عنه بتقديره بقوله منهم، فهو يشير به إلى أن الجملة حالية وأن الرابط مقدر اهـ شيخنا.\rفعلى هذا فالأحوال من الواو في يخرجون أربعة، واحد مقدم، وثلاثة مؤخرة تأمل. قوله:\r(منهم) أي: الناس أن حال كون الكافرين من جملة الناس اهـ شيخنا.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للازدجار وتفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريرا لفحوى قوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: 5] اهـ أبو السعود.\rقوله: (لمعنى قوم) وهو الأمة.\rقوله: فَكَذَّبُوا عَبْدَنا قال القاضي: هو تفصيل بعد إجمال، والفاء على هذا تفصيلية، فإن التفصيل عقب الإجمال كما في قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ [هود: 45] فقال: فالمكذب والمكذب في المكانين واحد، وقيل: معناه كذبوه تكذيبا عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، والفاء حينئذ للتعقيب، والمكذب الثاني غير الأول وإن اتحد المكذب أو كذبوه بعدما كذبوا جميع الرسل، والفاء على هذا التسبب، وإنما لم يرتض القاضي هذين الوجهين، وإن جرى في الكشاف عليهما لأن الظاهر هو الاتحاد في كليهما اهـ كرخي.\rقوله: وَازْدُجِرَ معطوف على قالوا أي: لم يكتفوا بهذا القول بل ضموا إليه زجره ونهره، وقد أشار لهذا بقوله أي: انتهروه اهـ شيخنا.\rوقيل: هو من مقولهم أي: قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته اهـ بيضاوي.\rقوله: فَدَعا رَبَّهُ وذلك بعد صبره عليهم غاية الصبر حيث مكث ألف سنة إلا خمسين عاما يعالجهم فلم يفد فيهم شيئا، فكان الواحد منهم يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه، ثم يقول بعد إفاقته: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون اهـ أبو السعود.\rقوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ العامة على فتح الهمزة أي: دعاه بأني مغلوب، وجاء هذا على حكاية","part":7,"page":343},{"id":2802,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 344\rفَانْتَصِرْ (10)\rفَفَتَحْنا بالتخفيف والتشديد أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) منصب انصبابا شديدا\rوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً تنبع فَالْتَقَى الْماءُ ماء السماء والأرض عَلى أَمْرٍ حال قَدْ قُدِرَ (12) قضي به في الأزل وهو هلاكهم غرقا\rوَحَمَلْناهُ أي نوحا عَلى سفينة ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (13) وهو ما المعنى، ولو جاء على حكاية اللفظ لقال إنه مغلوب وهما جائزان، وقرأ ابن أبي إسحاق والأعمش بالكسر إما على إضمار القول أي: فقال إني مغلوب، وإما إجراء للدعاء مجرى القول وهو مذهب الكوفيين اهـ سمين.\rقوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ أي: غلبني قومي بالقوة والمنعة لا بالحجة، وقوله: فانتصر أي: انتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم اهـ كرخي.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان.\rقوله: أَبْوابَ السَّماءِ أي: كلها في جميع الأقطار، والمراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها، فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق. قوله: بِماءٍ الباء للتعدية على المبالغة حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها كما تقول: فتحت بالمفتاح، وقوله: وفجرنا الأرض عيونا أي فجرنا عيون الأرض اهـ خطيب.\rومكث الماء يصب من السماء وينبع من الأرض أربعين يوما. قيل: كان ماء السماء أكثر، وقيل:\rبالعكس، وقيل: كانا مستويين اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: قال عبيد بن عمير: أوحى اللّه إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون، وأن عينا تأخرت فغضب اللّه عليها فتجعل ماءها مرا أجاجا إلى يوم القيامة، وقيل: كان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض حارا مثل الحميم اهـ.\rقوله: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ المنهمر الغزير النازل بقوة اهـ سمين.\rوفي المختار: همر الدمع والماء صبه وبابه نصر وانهمر الماء سال اهـ.\rقوله: عُيُوناً تمييز إذ أصله وفجرنا عيون الأرض ثم أوقع الفعل على الأرض، ونصب عيونا على التمييز فجعلت الأرض كأنها عيون تنفجر فهو أبلغ من أصله اهـ كرخي.\rقوله: (تنبع) في المصباح: نبع الماء نبوعا من باب قعد، ونبع نبعا من باب نفع لغة خرج من العين، وقيل للعين: ينبوع والجمع ينابيع، والمنبع بفتح الميم والباء مخرج الماء والجمع منابع ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنبعه اللّه إنباعا اهـ.\rقوله: فَالْتَقَى الْماءُ الخ لما كان المراد بالماء الجنس صح أن يقال فالتقى الماء كأنه قيل فالتقى ماء السماء وماء الأرض وهذه قراءة العامة، وقرئ الماءان بالتثنية وتحقيق الهمزة، والماوان بقلبها واوا، والمايان بقلبها ياء والثلاثة شاذة اهـ من السمين.\rوقوله: على أمر على تعليلية متعلقة بالنفي أي: التقى واجتمع لأجل إغراقهم المقضي أزلا اهـ كرخي.","part":7,"page":344},{"id":2803,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 345\rتشدّ به الألواح من المسامير وغيرها، واحدها دسار ككتاب\rتَجْرِي بِأَعْيُنِنا بمرأى منا محفوظة جَزاءً منصوب بفعل مقدر، أي أغرقوا انتصارا لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) وهو نوح عليه السّلام وقرئ كفر بناء للفاعل، أي أغرقوا عقابا لهم\rوَلَقَدْ تَرَكْناها أبقينا هذه الفعلة آيَةً لمن يعتبر بها، أي شاع خبرها واستمر، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) معتبر ومتعظ بها، وأصله مذتكر، أبدلت التاء دالا مهملة، وكذا المعجمة، وأدغمت فيها\rفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) أي إنذاري استفهام قوله: (و غيرها) كالصفائح والخشب الذي تسمر فيه الألواح وخيوط الليف ونحوها اهـ خطيب.\rقال أبو حيان: والدسر المسامير، وقال ابن عباس والحسن: مقادم السفينة لأنها تدسر الماء أي:\rتدفعه والدسر الدفع، وقال مجاهد وغيره: نطق السفينة، وعنه أيضا أضلاع السفينة اهـ.\rوفي المختار: الدسر الدفع وبابه نصر. قوله: (جمع دسار) وقيل: جمع دسر كسقف وسقف اهـ سمين.\rقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا صفة ثانية للموصوف المحذوف، وقوله: بأعيننا حال من الضمير في تجري كما أشار إليه بقوله: أي: محفوظة اهـ كرخي.\rقوله: (منصوب بفعل مقدر) أي: على أنه مفعول لأجله، وقوله: أي أغرقوا انتصارا تفسير للمعنى وإلّا لقال أغرقوا جزاء، وقوله: وهو نوح أي: لأنه نعمة كفروها إذ كل نبي نعمة على أمته اهـ كرخي.\rقوله: (و قرئ (؟ كفر)) أي: شاذا اهـ كرخي.\rقوله: (هذه الفعلة) وهي إغراقهم على الوجه المذكور اهـ شيخنا.\rوقيل: الضمير للسفينة أي: أبقيناها أي: السفينة بناء على أنها بقيت على الجودي زمانا مديدا حتى رآها أوائل هذه الأمة، أو أبقينا خبرها، أو أبقينا السفن وجنسها، أو تركنا بمعنى جعلنا اهـ شهاب.\rقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (معتبر) أي: يعتبر بما صنع اللّه بقوم نوح فيترك المعصية ويختار الطاعة، ومدكر: مبتدأ بزيادة من خبره محذوف أي فهل مدكر موجود، ثم إنه تعالى لما أجاب دعوة نوح بأن أغرقهم أجمعين قال استعظاما لذلك العقاب وإيعادا لمشركي مكة: فكيف كان عذابي الذي عذبتهم به، وكيف كان عاقبة إنذاري اهـ زاده.\rقوله: (و كذا المعجمة) أي: وكذا الذال المعجمة التي قبل التاء أبدلت أيضا دالا مهملة، وقوله:\rوأدغمت أي الدال المهملة المنقلبة عن المعجمة، وقوله: فيها أي: في الدال المنقلبة عن التاء اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي الظاهر في كان أنها ناقصة فكيف خبر، وقيل: يجوز أن تكون تامة فتكون كيف في محل نصب إما على الحال وإما على الظرف كما تقدم تحقيقه في البقرة اهـ سمين.","part":7,"page":345},{"id":2804,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 346\rتقرير، وكيف خبر كان، وهي للسؤال عن الحال، والمعنى: حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه\rوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ سهلناه للحفظ وهيأناه قوله أيضا: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الخ فائدة التكرير في هاتين الآيتين أن يجددوا عند سماع كل نبأ اتعاظا، وهذا حكم التكرير في فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: 11] عند كل آية أوردها وكذا تكرير القصص لتكون العبرة حاضرة مصورة للأذهان غير منسية في كل أوان اهـ عمادي.\rقوله: وَنُذُرِ قرئ في السبع بإثبات الياء وحذفها، وأما في الرسم فلا تثبت لأنها من ياءات الزوائد، وكذا يقال في المواضع الآتية كلها اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وقعت نذر في هذه السورة في ستة مواضع محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين، وورش في الوصل لا غير وحذفها الباقون ولا خلاف في حذف الياء من قوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: 5] والواو من قوله: يَدْعُ فأما الياء من الداع الأول فأثبتها في الحالين ابن محيصن وحميد ويعقوب والبزي، وأثبها ورش وأبو عمرو في الوصل، وحذفها الباقون.\rقوله: (أي إنذاري) فنذر مفرد وهو مصدر لأنه أجاز بعضهم مجيء المصدر على فعل بضمتين، وبعضهم قال: هو جمع نذير بمعنى إنذار فهو مصدر مجموع لا مفرد، والشارح جرى على الأول اهـ شيخنا.\rقوله: (للسؤال عن الحال) أي: كان على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف اهـ أبو السعود.\rوعبارة الكرخي: قوله: وهي للسؤال عن الحال أي: يستفهم بها عن حال الشيء وصفته لا عن ذاته، والاستفهام هنا المراد به التذكير لا حقيقته كما أشار إليه في التقرير اهـ.\rقوله: (بوقوع عذابه تعالى الخ) أي: هو في محله وفي غاية العدل فلا ظلم فيه ولا جور اهـ شيخنا.\rقوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ الخ جملة قسمية وردت في آخر القصص الأربع تقريرا لمضمون ما سبق من قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: 4]، وتنبيها على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الادكار فيها كافية في الازدجار، ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار، أي: وتاللّه لقد سهلنا القرآن لقومك بأن أنزلناه على لغتهم ووشحناه بأنواع المواعظ والعبر، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: ولقد يسرنا القرآن للذكر أي: سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى ولقد هيأناه للذكر مأخوذ به من يسّر ناقته للسفر إذا رحلها، ويسّر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه، وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب اللّه كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن، وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل ولم يكونوا يقرأون التوراة إلا نظرا غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين. من أجل ذلك افتتنوا بعزير لما","part":7,"page":346},{"id":2805,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 347\rللتذكر فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) متعظ به وحافظ له والاستفهام بمعنى الأمر، أي أحفظوه واتعظوا به، وليس يحفظ من كتب اللّه عن ظهر القلب غيره\rكَذَّبَتْ عادٌ نبيهم هودا فعذبوا فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18) أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي وقع موقعه وقد بيّنه بقوله\rإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أي شديد الصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم مُسْتَمِرٍّ (19) دائم الشؤم أو قويه، وكان يوم كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت على ما تقدم بيانه في سورة براءة، فيسر اللّه تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه، فهل من مدكر قارئ يقرأه، وقال أبو بكر الوراق: فهو من طالب خير وعلم فيعان عليه، وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام، وقيل: إن اللّه تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين وما عاملتهم به الأمم وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أي: لو تذكر، وإنما كرر هذه الآية عند كل قصة بقوله:\rفَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ لأن كل كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم، فاللام من هل للاستعراض، والهاء للاستخراج اهـ.\rقوله: (و هيأناه للتذكر) بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر اهـ بيضاوي.\rقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ إنكار نفي للمتعظ على أبلغ وجه وأوكده، حيث يدل على أنه لا يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم اهـ أبو السعود.\rوتقدم إعراب هذا التركيب.\rقوله: كَذَّبَتْ عادٌ الخ لم يتعرض لكيفية تكذيبهم له مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب اهـ أبو السعود.\rفإن قيل: لم لم يقل فكذبوا هودا كما قال في قصة نوح فكذبوا عبدنا؟ أجيب: بأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم وكثرة عنادهم، وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة اهـ خطيب.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ مرتب على محذوف كما قدره، والغرض بهذا توجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره وتهويله وتعظيمه وتعجيبهم من حاله، كأنه قيل:\rكذبت عاد فهل سمعتم أو فاسمعوا فكيف كان اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ الخ استئناف لبيان ما أجمل أولا اهـ أبو السعود.\rوهو معنى قول الشارح وقد بينه الخ اهـ شيخنا.\rقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ (شؤم) في المصباح: الشؤم الشر، ورجل مشؤوم غير مبارك، وتشاءم القوم به مثل تطيّروا به اهـ.\rقوله: (دائم الشؤم) أي: إلى الأبد، فإن الناس يتشاءمون بآخر أربعاء في كل شهر، ويقولون له:\rأربعاء لا يدور وتشاؤمهم به لا يستلزم شؤمه في نفسه اهـ شهاب.\rقال زاده: وتشاؤم بعض الناس بالاربعاء التي تكون آخر الشهر بناء على أنه تعالى قال في حقها:","part":7,"page":347},{"id":2806,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 348\rالأربعاء آخر الشهر\rتَنْزِعُ النَّاسَ تقلعهم من حفر الأرض المندسين فيها وتصرعهم على رؤوسهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد كَأَنَّهُمْ وحالهم ما ذكر أَعْجازُ أصول نَخْلٍ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ لا وجه له، لأن المراد أنه نجس على المفسدين بمشيئة اللّه تعالى إذ لم يظهر نحسها في حق هود ومن آمن به، ولا في حق سائر المفسدين، أو المراد أنه نحس على عاد اهـ.\rوقال أبو السعود في سورة حم السجدة: وما عذب قوم إلا يوم الاربعاء اهـ.\rفعلى هذا يصح أن يراد بكونه مشؤوما وكونه مستمر النحس أنه مستمر الشر أي: العذاب أي:\rدائما ينزل فيه اهـ.\rوفي السمين: أي استمر ودام عليهم حتى أهلكهم اهـ.\rوعبارة القرطبي: في يوم نحس مستمر أي: دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه واستمر فيه العذاب إلى الهلاك، وقيل: استمر بهم إلى نار جهنم، وقال الضحاك: كان مرا عليهم، وكذا حكى الكسائي أن قوما قالوا هو من المرارة يقال: مر الشيء وأمر أي: كان الشيء المر تكرهه النفوس وقد قال فذوقوا، والذي يذاق قد يكون مرا، وقد قيل هو من المرة بمعنى القوة أي: في يوم نحس مستمر كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه اهـ.\rقوله: (آخر الشهر) أي: في شهر شوال لثمان بقين منه واستمر إلى غروب شمس الأربعاء آخره، وقد قال في سورة الحاقة: سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [الحاقة: 7] وفي حم السجدة فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ [فصلت: 16] فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان اهـ خطيب.\rفعلى هذا فقوله آخر الشهر أي: آخر الأربعاء في الشهر، وليس المراد أن يوم نزول العذاب كان آخر الشهر كما علمت اهـ.\rقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ قال الناس ليعم ذكورهم وإناثهم فأوقع الظاهر موقع المضمر لذلك، وإلا فالأصل تنزعهم اهـ سمين.\rقوله: (تقلعهم) من باب قطع، وقوله: فتدق رقابهم من باب رد اهـ مختار.\rقوله: (المندسين فيها) فقد روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض، فنزعتهم الريح منها وصرعتهم موتى اهـ بيضاوي.\rقوله: (و حالهم ما ذكر) أي: من قوله وتصرعهم الخ، وهذه الجملة حالية من الضمير في كأنهم وأشار بها إلى أن قوله: كأنهم الخ حال من الناس في قوله: تنزع الناس منتظرة لأن وقت نزعهم وإخراجهم من الحفر لم يكونوا كأعجاز النخل، وإنما كانوا بعد ما حصل لهم ما ذكر اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: كأنهم وحالهم ما ذكر الخ أشار به إلى أن الكاف في محل نصب على الحال من الناس وهي حال مقدرة شبههم بأعجاز النخل المنقعر إذ تساقطوا على الأرض أمواتا وهم جثث عظام طوال والأعجاز الأصول بلا فروع قد انقلعت من مغارسها، فشبهوا بالنخل لطولها فقد كانت عاد مسرفين في طول القامة، وهذا ما جرى عليه الزجاج، وغيره اهـ.","part":7,"page":348},{"id":2807,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 349\rمُنْقَعِرٍ (20) منقطع ساقط على الأرض، وشبهوا بالنخل لطولهم، وذكّر هنا، وأنّث في الحاقة\rنَخْلٍ خاوِيَةٍ مراعاة للفواصل في الموضعين فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21)\rوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22)\rكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) جمع نذير بمعنى منذر، أي بالأمور التي أنذرهم بها قوله: (أصول) نَخْلٍ المراد بأصول النخل النخل بتمامها من أولها إلى آخرها ما عدا الفروع أي: كونهم نخل قد قطعت رؤوسه اهـ شيخنا.\rوالأعجاز: جمع عجز وعجز كل شيء مؤخره ومنه العجز لأنه يؤدي إلى تأخر الأمور ومنقعر صفة لنخل باعتبار الجنس ولو أتت لاعتبر معنى الجماعة كقوله: خاوية، وإنما ذكر هنا وأنث في الحاقة مراعاة للفواصل في الموضعين، والمنقعر المنقلع من أصله. يقال: قعرت النخلة قلعتها من أصلها فانقعرت، وقعرت البئر وصلت إلى قعرها وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى وصلت إلى قعره، وأقعرت البئر أي: جعلت لها قعرا اهـ سمين.\rوقعر مثل قلع وزنا ومعنى كما في القاموس.\rقوله: (منقلع) تفسير لمنقعر لأنه بمعنى أخرج من القعر وهو الأصل يقال: قعرت النخلة أي:\rقلعتها من أصلها قانقعرت أي: انقلعت، والمعنى تنزعهم الريح نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعرون، وفيه إشارة إلى قوتهم وثباتهم في الأرض بأجسامهم فكأنهم لعظم أجسامهم وكمال قوتهم يقصدون مقاومة الريح، ثم إن الريح لما صرعتهم وألقتهم على الأرض فكأنها قلعت أعجاز نخل منقعر اهـ زاده.\rقوله: (و ذكر هنا) أي: حيث قال منقعر ولم يقل منقعرة، وقوله: وأنث في الحاقة أي: حيث قال: خاوِيَةٍ ولم يقل خاو اهـ شيخنا.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ كرر للتهويل، وقيل: الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة اهـ خطيب.\rوفي أبي السعود: فكيف كان عذابي ونذر تهويل لهما وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما فليس فيه شائبة تكرار كما قيل، وما قيل من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي اهـ.\rقوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ أي: بالإنذارات أو المواعظ أو الرسل اهـ بيضاوي.\rفالأولى على أن يكون النذر مصدرا كالإنذار، والثاني: على أن يكون جمع نذير بمعنى الإنذار والموعظة، والثالث على أن يكون جمع نذير بمعنى منذر اهـ زاده.\rقوله: (التي أنذرهم) أي: خوفهم بها. قوله: (صفتان لبشرا) عبارة السمين: قوله: أبشرا منصوب على الاشتغال وهو الراجح لتقدم أداة هي بالفعل أولى وما نعت له. وواحدا فيه وجهان، (أظهرهما: أنه نعت لبشرا إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على الصريحة، ويجاب بأن منا حينئذ ليس وصفا بل حال من واحدا قدم عليه. والثاني: أنه نصب على الحال من هاء نتبعه وهو","part":7,"page":349},{"id":2808,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 350\rنبيهم صالح إن لم يؤمنوا به ويتبعوه\rفَقالُوا أَبَشَراً منصوب على الاشتغال مِنَّا واحِداً صفتان لبشرا نَتَّبِعُهُ مفسر للفعل الناصب له، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة وهو واحد منا وليس بملك، أي لا نتبعه إِنَّا إِذاً أي إن اتبعناه لَفِي ضَلالٍ ذهاب عن الصواب وَسُعُرٍ (24) جنون\rأَأُلْقِيَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه الذِّكْرُ الوحي عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أي لم يوح إليه بَلْ هُوَ كَذَّابٌ في قوله: إنه أوحي إليه ما ذكر أَشِرٌ (25) متكبر بطر، قال تعالى\rسَيَعْلَمُونَ غَداً في الآخرة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم نبيهم صالحا\rإِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مخرجوها مخلص من الإعراب المتقدم، إلا أن المرجح لكونه صفة قراءتهما مرفوعين أبشر منا واحد نتبعه، فهذا يرجح كون واحدا نعتا لبشرا لا حالا اهـ.\rقوله: (جنون) أي: فسعر مفرد ونظيره ما تقدم من نكر، ونظيره في كلام العرب ناقة شلل بضمتين أي: شلاء اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: وسعر يجوز أن يكون مفردا أي: جنون يقال: ناقة مسعورة أي: كالمجنونة في مسيرها، ويجوز أن يكون جمع سعير وهو النار، والاحتمالان منقولان اهـ.\rقوله: أُلْقِيَ أي: أنزل. قوله: (و إدخال ألف بينهما) الخ أي: فالقراءات أربع وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ بَيْنِنا حال من الهاء في عليه أي: أخص بالرسالة منفردا من بيننا، وفينا من هو أكثر مالا وأحسن حالا منه، والاستفهام للإنكار، والأشر صفة مشبهة مثل فرح، وفعله أشر يأشر أشرا من باب طرب اهـ زاده.\rوفي المختار: أشر وبطر من باب طرب أو فرح اهـ.\rقوله: (قال تعالى الخ) أي: قال لصالح وعدا له ووعيدا لهم، والسين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده، والمراد بالغد وقت نزول العذاب الذي حل بهم في الدنيا أي: سيعلمون البتة عن قريب، وقيل: المراد بالغد يوم القيامة ويأباه قوله: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ 00 الخ اهـ أبو السعود.\rفحينئذ قول الجلال أي: في الآخرة ليس على ما ينبغي اهـ.\rقوله: مَنِ الْكَذَّابُ من استفهامية معلقة ليعلمون وهي مبتدأ والكذاب خبرها، والجملة سادة مسد المفعولين، والمعنى سيعلمون غدا أي فريق هو الكذاب الأشر أهوهم أم صالح صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ الخ استئناف مسوق لبيان مبادئ الموعود به حتما اهـ أبو السعود.\rوعبارة الخطيب: إنا مرسلو الناقة أي: موجدوها لهم ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلنا لذلك وخصصناه من بين الأحجار دلالة على إرسالنا صالحا عليه السّلام مخصصين له من بين قومه، وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السّلام: نريد أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا وتدعو إلهك، فمن","part":7,"page":350},{"id":2809,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 351\rمن الهضبة الصخرة كما سألوا فِتْنَةً محنة لَهُمْ لنختبرهم فَارْتَقِبْهُمْ يا صالح أي انتظر ما هم صانعون وما يصنع بهم وَاصْطَبِرْ (27) الطاء بدل من تاء الافتعال، أي اصبر على أذاهم\rوَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ مقسوم بَيْنَهُمْ وبين الناقة، فيوم لهم ويوم لها كُلُّ شِرْبٍ نصيب من الماء مُحْتَضَرٌ (28) يحضره القوم يومهم، والناقة يومها، فتمادوا على ذلك ثم ملوه فهموا بقتل الناقة\rفَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدارا ليقتلها فَتَعاطى تناول السيف فَعَقَرَ (29) به الناقة أي قتلها موافقة لهم أجابه إلهه علمنا أنه المحق فدعوا أوثانهم فلم تجبهم فقالوا: ادع أنت. فقال: فما تريدون؟ قالوا:\rتخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان فواعدوه بذلك وأكدوا، فكذبوا بعدما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم وصدق هو عليه السّلام في كل ما قال، فأخبره ربه سبحانه وتعالى أن يجيبهم إلى إخراجها اهـ.\rقوله: (من الهضبة) في القاموس: الهضبة الجبل المنبسط على الأرض ويجمع على هضب وهضاب اهـ.\rوفي المصباح: الهضبة الجبل المنبسط على وجه الأرض، والهضبة الأكمة القليلة النبات والمطر القوي أيضا، وجمعها في الكل هضاب مثل كلبة وكلاب اهـ.\rقوله: فِتْنَةً لَهُمْ مفعول لأجله، فقول الشارح لنختبرهم تفسير لفتنة ولو قال اختبارا لهم لكان أوضح اهـ.\rقوله: (بدل من تاء الافتعال) أي: لتكون موافقة للصاد في الاطباق اهـ كرخي.\rقوله: وَنَبِّئْهُمْ أي: أخبرهم إخبارا عظيما عن أمر عظيم وهو إنا إن بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم اهـ خطيب.\rقوله: أَنَّ الْماءَ وهو ماء بئرهم الذي كانوا يشربون منه، وقوله: قسمة بينهم وحكمة قسمته إما لأن الناقة كانت عظيمة الخلق فتنفر منها حيواناتهم، وإما لأن الماء كان مقسوما بينهم لكل فريق يوم، فيوم ورود الناقة على هؤلاء لا يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون، فيكون النقصان على الكل ولا تختص الناقة بجميع الماء روي أنهم كانوا يكتفون في يوم ورودها بلبنها اهـ خطيب.\rقوله: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ صنيعه يقتضي أن هذا الضمير واقع عليهم فقط، وأن في الكلام محذوفا قدره بقوله: وبين الناقة. وفي عبارة غيره من المفسرين: أن هذا الضمير واقع عليهم وعلى الناقة على سبيل التغليب، وفي الخطيب: قسمة بينهم أي: بين قوم صالح والناقة فغلب العاقل عليها اهـ.\rفلو قال الشارح: أي بينهم وبين الناقة لكان موافقا والأمر في ذلك سهل تأمل.\rقوله: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ معطوف على محذوف قدره بقول فتمادوا على ذلك الخ. وفي زاده:\rالفاء فاء الفصيحة تفصح أن في الكلام محذوفا تقديره: فبقوا على ذلك مدة، ثم ملوا من ضيق الماء والمرعى عليهم وعلى مواشيهم، فأجمعوا على قتلها فقال بعضهم لبعض: نكمن للناقة حيث تمر إذا","part":7,"page":351},{"id":2810,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 352\rفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (30) أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي وقع موقعه، وبينه بقوله\rإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) هو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك، يحفظهن فيها من الذئاب والسباع، وما سقط من ذلك فداسته هو الهشيم\rوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)\rكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) أي بالأمور المندرة لهم على لسانه\rإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً ريحا ترميهم بالحصباء، وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا إِلَّا آلَ لُوطٍ وهم ابنتاه معه نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) من الأسحار أي وقت الصبح من يوم غير صدرت عن الماء فتحاماها القوم وكمن لها قدار بن سالف ليقتلها، وصاح به بقية الرهط أي: نبهوه على صدورها وقربها من مكمنه ودعوه إلى قتلها فتعاطى الخ اهـ.\rقوله: فَتَعاطى الخ قال محمد بن إسحاق: كمن لها قدار في أصل شجرة في طريقها التي تمر بها فرماها فقطعت عضلة ساقها فوقعت وأحدثت ورغت رغاءة واحدة، ثم نحرها اهـ خطيب.\rقوله: (موافقة لهم) غرضه بهذا التوفيق بين هذه الآية وآية الشعراء وهي قوله: فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ [الشعراء: 157] ومحصله أن الفعل كان منه ونسب للكل في آية الشعراء لأمرهم به اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً أي: صاح بهم جبريل في اليوم الرابع من عقر الناقة لأنه كان في يوم الثلاثاء، ونزول العذاب بهم كان في يوم السبت اهـ شيخنا.\rقوله: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ تشبيه لإهلاكهم وافنائهم، والحظيرة زريبة الغنم ونحوها اهـ شهاب والمحتظر بكسر الظاء اسم فاعل وهو الذي يتخذ حظيرة من الحطب وغيره، ومن اتخذ لغنمه حظيرة تقيها من الحر أو البرد يتخذها من دقاق الشجر وضعيف النبات اهـ زاده.\rوفي المختار: الحظيرة تعمل للإبل من شجر لتقيها البرد والريح، والمحتظر بكسر الظاء الذي يعملها وقرئ كهشيم المحتظر بالفتح فمن كسره جعله الفاعل ومن فتحه جعله المفعول به اهـ.\rقوله: (المنذرة) أي: المخوفة لهم.\rقوله: حاصِباً في المختار: الحصباء بالمد الحصى، ومنه المحصب وهو موضع بالحجاز، والحاصب: الريح الشديدة تثير الحصى والحصب بفتحتين ما تحصب به النار أي: ترمى. وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به وبابه ضرب اهـ.\rقوله: (ريحا ترميهم بالحصباء) إشارة إلى أن الحاصب اسم فاعل بمعنى رامي الحصباء وهي الحجارة حذف موصوفة وهو الريح وتذكيره مع كونه مسندا إلى ضمير الريح وهي مؤنث سماعي لكونها في تأويل العذاب، قوله تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً [الحجر: 74] وكذا قوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً [الذاريات: 33] يدلان على أن الذي أرسل عليهم نفس الحجارة لا الريح التي تحصبها، إلا أنه قيل هنا أرسلنا عليهم حاصبا للدلالة على أن إمطار الحجارة وإرسالها عليهم كان بواسطة إرسال الريح لها، اهـ زاده.\rقوله: (من الإسحار) أشار به إلى أن السحر نكرة لم يرد به سحر يوم معين فانصرف كما قرره اهـ كرخي.","part":7,"page":352},{"id":2811,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 353\rمعين، ولو أريد من يوم معين لمنع من الصرف، لأنه معرفة معدول عن السحر، لأن حقه أن يستعمل في المعرفة بأل، وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا، قولان، وعبر عن الاستثناء على الأول بأنه متصل، وعلى الثاني بأنه منقطع وإن كان من الجنس تسمحا\rنِعْمَةً مصدر أي إنعاما مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) أنعمنا وهو مؤمن أو من آمن باللّه ورسوله وأطاعهما\rوَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ خوّفهم لوط بَطْشَتَنا أخذتنا إياهم بالعذاب فَتَمارَوْا تجادلوا وكذبوا بِالنُّذُرِ (36) بإنذاره\rوَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أي أن يخلي بينهم وبين القوم الذين قوله: (أي وقت الصبح الخ) هذا التفسير بالنظر للمراد هنا الدال عليه قوله: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [هود: 81] وإلا فحقيقة السحر آخر الليل والباء بمعنى في، أو هي للملابسة أي حال كونهم ملتبسين بسحر اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي قوله: أي وقت الصبح، عبارة غيره: ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار فيكون في مخايل الليل ومخايل النهار اهـ.\rقوله: (لأن حقه أن يستعمل في المعرفة) أي: في التعريف أي: في حال إرادة التعريف اهـ.\rقوله: (تسمحا) أي: تساهلا في التعبير وعدم تحرير العبارة كما أشار له بقوله: وإن كان من الجنس لأن مدار الاتصال والانقطاع على المجانسة وعدمها، فحيث كان المستثنى من جنس المستثنى منه لا يصح التعبير عن الاستثناء بأنه منقطع اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إلا آل لوط فيه وجهان، أحدهما: أنه متصل ويكون المعنى أنه أرسل الحاصب على الجميع إلا أهله فإنه لم يرسل عليهم. والثاني: أنه منقطع ولا أدري ما وجهه، فإن الانقطاع وعدمه عبارة من عدم دخول المستثنى في المستثنى منه وهذا داخل ليس إلّا، وقال أبو البقاء:\rهو استثناء منقطع، وقيل: متصل لأن الجميع أرسل عليهم الحاصب فهلكوا إلا آل لوط، وعلى الأول يكون الحاصل لم يرسل على آل لوط، وهو كلام مشكل اهـ.\rقوله: (مصدر) أي: مفعول مطلق ملاق لعامله وهو نجيناهم في المعنى، إذ الإنجاء نعمة أو مفعول له تعليل للعامل المذكور اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: إنعاما أشار به إلى أن نعمة مصدر بمعنى الانعام كما مرّ وناصبه إما فعل من لفظه أو من معنى نجيناهم، لأن تنجيتهم إنعام من اللّه عليهم، ويصح نصبه على المفعول لأجله، فالتأويل إما في المصدر وإما في العامل اهـ.\rقوله: (أي مثل ذلك الجزاء) أي الذي هو الانجاء اهـ خطيب.\rقوله: (و هو مؤمن) جملة حالية أي وإن لم تضم للإيمان الطاعة، وقوله: أو من آمن معطوف على من شكر عطف تفسير، وغرضه بهذه الإشارة إلى تفسيرين حاصل الأولى أن المراد بمن شكر من شكر النعمة مع أصل الإيمان، والثاني: أن المراد به من ضم إلى الإيمان عمل الطاعات اهـ شيخنا.\rقوله: (تجادلوا وكذبوا) إشارة إلى أن تماروا ضمن معنى التكذيب فعدي تعديته اهـ كرخي.","part":7,"page":353},{"id":2812,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 354\rأتوه في صورة الأضياف ليخبثوا بهم، وكانوا ملائكة فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ عميناها وجعلناها بلا شق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل بجناحه فَذُوقُوا فقلنا لهم ذوقوا عَذابِي وَنُذُرِ (37) أي إنذاري وتخويفي أن ثمرته وفائدته\rوَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً وقت الصبح من يوم غير معين عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) دائم منصل بعذاب الآخرة\rفَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39)\rوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ وفي القرطبي: فتماروا بالنذر أي شكوا فيما أخبرهم به الرسول ولم يصدقوه فهو مشتق من المرية اهـ.\rقوله: (بإنذاره) حمل النذر هنا على المصدر، ويصح حمله على الجمع أي الأمور التي خوفهم بها لوط اهـ.\rقوله: وَلَقَدْ راوَدُوهُ أي طلبوا منه المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبينهم، وفي القرطبي: ولقد راودوه عن ضيفه أي أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة في صورة الأضياف للفاحشة على ما تقدم، ويقال: راودته على كذا مراودة وروادا أي أردته اهـ.\rوكأنه ضمن معنى البعد حتى عدى بعن، فالمعنى ولقد طلبوا منه أن يبعد عن الأضياف بأن لا يمنعهم عنهم، تأمل.\rقوله: (ليخبثوا بهم) في القاموس: الخبث الزنا وخبث بها ككرم اهـ.\rوفي المصباح الرجل بالمرأة يخبث من باب قتل زنى بها فهو خبيث وهي خبيثة اهـ.\rقوله: (عميناها) صوابه أعميناها إذ عمى الثلاثي لازم والمتعدي إنما هو الرباعي، وعبارة غيره أعميناها اهـ شيخنا.\rقوله: (و جعلناها بلا شق) عبارة القرطبي: فطمسنا أعينهم. يروى أن جبريل عليه السّلام ضربهم بجناحه فعموا، وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب، وقيل: لا بل أعماهم اللّه مع صحة أبصارهم فلم يروهم. قال الضحاك: طمس اللّه على أبصارهم فلم يروا الرسل وقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا ولم يروهم اهـ.\rوفي المختار: الطموس الدروس والانمحاء، وقد طمس الطريق من باب دخل وجلس وطمسه غيره من باب ضرب فهو متعد ولازم، وقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [يونس: 88] أي غيرها، كما قيل: من قبل أن نطمس وجوها اهـ.\rقوله: (فقلنا لهم) أي: على ألسنة الملائكة أو ظاهر الحال اهـ بيضاوي.\rوالمراد بهذا الأمر الخبر أي أذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط اهـ قرطبي.\rقوله: عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ فقلع جبريل بلادهم فرفعها ثم قلبها، وأمطر اللّه عليها حجارة وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان اهـ خطيب.\rقوله: (دائم متصل بعذاب الآخرة) أي: لا يزول عنهم في الدنيا حتى يسلمهم إلى النار، فإن","part":7,"page":354},{"id":2813,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 355\rمُدَّكِرٍ (40)\rوَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ قومه معه النُّذُرُ (41) الإنذار على لسان موسى وهارون فلم يؤمنوا بل\rكَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها أي التسع التي أوتيها موسى فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب أَخْذَ عَزِيزٍ قوي مُقْتَدِرٍ (42) قادر لا يعجزه شيء\rأَكُفَّارُكُمْ يا قريش خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذبوا أَمْ لَكُمْ يا كفار قريش بَراءَةٌ من العذاب فِي الزُّبُرِ (43) الكتب، قيل: إذا كان المراد بقوله: عذابي هو العذاب العاجل، وقوله: ونذر هو العذاب الآجل فهما لم يكونا في زمان واحد، فكيف قال ذوقوا؟ فالجواب: أن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في زمان واحد، وهو كقوله تعالى: أغرقوا فأدخلوا نارا، كما أشار إليه الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كرر ذلك في كل قصة إشعارا بإن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ واستئنافا للتنبيه والإيقاظ لئلا يغلب عليهم السهو والغفلة، وهكذا تكرير الخ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: 13] وفَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: 11] ونحوهما اهـ بيضاوي.\rوقوله: وهكذا تكرير الخ استطراد لبيان ما يأتي في الرحمن يعني أن تكريره لما في كل جملة قبلها نعمة صريحة أو ضمنية فكرر للتنبيه والإيقاظ، قال علم الهدى في الدرر والغرر: التكرير في سورة الرحمن إنما حسن لأجل التقرير بالنعم المختلفة المعدودة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها وبخ على التكذيب بها كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بالأموال، ألم أحسن إليك بكذا وكذا، فيحسن التكرير لاختلاف ما يقرر به اهـ شهاب.\rقوله: (الانذار) أي النذر بمعنى الانذار أو جمع نذير باعتبار الآيات التسع، فإن كل واحدة منها نذير أي إنذار على حدة اهـ كرخي.\rقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا الخ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية مجيء النذر. كأنه قيل:\rفعلوا حينئذ؟ قيل: كذبوا الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: (أي التسع) وهي العصا واليد والسنين والطمس والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم اهـ خطيب.\rقوله: أَخْذَ عَزِيزٍ مصدر مضاف لفاعله اهـ سمين.\rقوله: خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أي قوة وشدة. قوله: (من قوم نوح إلى فرعون) وجملتهم خمس فرق، قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وفرعون وقومه اهـ شيخنا.\rقوله: (فلم يعذبوا) عطف على خير المنفي في المعنى متسبب عنه، والمعنى قد أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم في القوة والشدة، فهل تطمعون أن لا يصيبكم من ذلك وأنتم شر منهم مكانا وأسوأ حالا اهـ أبو السعود.\rقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ إضراب وانتقال إلى وجه آخر من التبكيت، وقوله: أم يقولون","part":7,"page":355},{"id":2814,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 356\rوالاستفهام في الموضعين بمعنى النفي، أي ليس الأمر كذلك\rأَمْ يَقُولُونَ أي كفار قريش نَحْنُ جَمِيعٌ أي جمع مُنْتَصِرٌ (44) على محمد، ولما قال أبو جهل يوم بدر إنا جمع منتصر نزل\rسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) فهزموا ببدر ونصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم\rبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ بالعذاب وَالسَّاعَةُ أي عذابها أَدْهى أعظم بلية وَأَمَرُّ (46) أشد مرارة من عذاب الدنيا\rإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ هلاك بالقتل في الدنيا وَسُعُرٍ (47) نار مسعرة بالتشديد أي مهيجة في الآخرة\rيَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ أي في الآخرة ويقال لهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إصابة جهنم لكم الخ إضراب أيضا وانتقال إلى وجه آخر من التبكيت والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم للإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي: بل يقولون واثقين بشوكتهم اهـ أبو السعود.\rقوله: مُنْتَصِرٌ (على محمد) صلّى اللّه عليه وسلّم المعنى نحن يد واحدة على من خالفنا، منتصر على من عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي، وقيل: معناه نحن كل واحد منا منتصر، كما يقال:\rكلهم عالم أي كل واحد منهم عالم اهـ خازن.\rقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ روي عن عمر رضي اللّه عنه أنها لما نزلت قال: لم أعلم ما هي أي ما الواقعة التي يكون فيها ذلك، فلما كان يوم بدر ورأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يلبس الدرع ويقول: سيهزم الجمع فعلمته أي علمت المراد من هذه الآية اهـ بيضاوي.\rقوله: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ هو هنا اسم جنس لأن كل واحد يولي دبره وحسن إفراده كونه فاصلة، وقد جاء مجموعا في قوله تعالى: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ [الحشر: 12] وهو الأصل، وقد أشار إليه في التقرير اهـ كرخي.\rقوله: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي: ليس ما وقع لهم في بدر تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم وما وقع لهم في بدر من مقدماته اهـ أبو السعود.\rقوله: وَالسَّاعَةُ أَدْهى أفعل تفضيل من الداهية وهي الأمر الفظيع الذي لا يهتدى للخلاص منه، وإظهارهم في مقام إضمارهم لزيادة تهويلها اهـ أبو السعود.\rقوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ أي: المشركين اهـ خطيب.\rقوله: (نار مسعرة) عبارة البيضاوي: نيران في الآخرة اهـ.\rقوله: يَوْمَ يُسْحَبُونَ معمول لقول مقدر قدره بقوله: ويقال لهم وكان الأولى أن لا يذكر الواو وعلى ذكرها، فهي داخلة في المعنى على أول الكلام وهو يوم يسحبون، فالمعنى: ويوم يسحبون يقال لهم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (إصابة جهنم لكم) إشارة إلى أن مس سقر مجاز عن إصابتها بعلاقه السببية، والظاهر من تقرير الكشاف أنه من الاستعارة بالكناية اهـ كرخي.","part":7,"page":356},{"id":2815,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 357\rإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ منصوب بفعل يفسره خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) بتقدير حال من كل أي مقدرا، وقرئ كل وسقر علم لجهنم مشتق من سقرته الشمس أو النار أي لوحته، ويقال: صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث اهـ خطيب.\rوقوله: أي لوحته بالحاء المهملة تفعيل من التلويح وهو تغيير الجلد ولونه من ملاقاة حر النار اهـ شهاب.\rوقال زكريا: لوحته أي أحمته اهـ.\rقوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي العامة على نصب كل على الاشتغال، وقرأ أبو السمال:\rبالرفع، وقد رجح الناس النصب بل أوجبه بعضهم قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك أنه إذا رفع كل شيء كان مبتدأ، وخلقناه: صفة لكل أو لشيء، وبقدر خبره، وحينئذ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمله، فيلزم أن يكون هناك شيء ليس مخلوقا للّه تعالى وليس بقدر كذا قرره بعضهم، وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر، وإنما دل نصب كل على العموم، لأن التقدير إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل شيء، فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون خلقناه صفة لشيء، لأن الصفة والصلة لا يعملان فيما قبل الموصول ولا الموصوف لا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق خلقناه صفة لم يبق إلا أنه تأكيد وتفسير للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم، وأيضا فإن النصب هو الاختيار لأن إنا عندهم يطلب الفعل فهو أولى به فالنصب عندهم في كل هو الاختيار، فإذا انضم إليه معنى العموم والخروج عن الإبهام كان النصب أولى من الرفع، وقال قوم: إذ كان الفعل يتوهم فيه الوصف وإن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر اختير النصب في الاسم الأول حتى يتضح أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع لأن قراءة الرفع تخيل أن الفعل وصف، وأن الخبر بقدر، وبقدر على قراءة النصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محل رفع لأنه خبر لكل وكل وخبرها في محل رفع خبر لإن، وسيأتي قريبا عكس هذا من اختيار الرفع في قوله: وكل شيء فعلوه في الزبر فإنه لم يختلف في رفعه، قالوا: لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى لأن الواقع خلافه، وذلك أنك لو نسبته لكان التقدير فعلوا كل شيء في الزبر، وهو خلاف الواقع، إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا لم يفعلوها.\rوأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في الزبر وهو المقصود، ولذلك اتفق على رفعه وهذان الموضعان من نكت المسائل العربية التي اتفق مجيئها في سورة واحدة في مكانين متقاربين اهـ سمين.\rقوله: خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه اهـ خطيب.\rقال الشيخ محيي الدين النووي رحمه اللّه تعالى: أعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن اللّه تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عند سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها اللّه تعالى، وأنكرت القدرية هذا","part":7,"page":357},{"id":2816,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 358\rبالرفع مبتدأ خبره خلقناه\rوَما أَمْرُنا لشيء نريد وجوده إِلَّا أمرة واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها وكذبوا على اللّه سبحانه وتعالى تعالى اللّه عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا، وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون الخير من اللّه والشر من غيره تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا. وقال الخطابي: وقد يظن كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار اللّه العبد وقهره على ما قدره، وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه الأخبار عن تقدم علم اللّه تعالى بما يكون اكساب العباد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. قال: والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر، ويقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [فصلت: 12] أي خلقهن، وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة وأهل العقد والحل من السلف والخلف على إثبات قدر اللّه سبحانه وتعالى، وقد قرر ذلك أئمة المتكلمين أحسن تقرير بدلائله القطعية السمعية والعقلية واللّه أعلم اهـ خازن.\rقوله: (و قرئ (؟ كل بالرفع)) أي قرئ شاذا.\rقوله: وَما أَمْرُنا المراد به ضد النهي بدليل ذكر متعلقه بقوله: لشيء والشيء هو المأمور بأن يوجد أو يعدم، وقوله: إلا واحدة من الأمر فلا يتكرر الأمر، وقوله: كلمح البصر حال من متعلق الأمر وهو الشيء المأمور بالوجود أي حال كونه يوجد سريعا بالمرة من الأمر ولا يتراخى عنها، وقوله: في السرعة بيان لوجه الشبه، وقوله: وهي قول كن بيان للمرة من الأمر، وقوله: فيوجد معطوف على كن على حد أن نقول له: كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117]، وقوله: إِنَّما أَمْرُهُ الخ استدلال على أن الشيء يوجد بمرة واحدة من الأمر، وعلى أنه يوجد عقبها بسرعة اهـ.\rقوله: إِلَّا (أمره) واحِدَةٌ أي: مرة من الأمر، وبينّها بقوله وهي قول كُنْ أي: وتلك المرة هي هذا الأمر وهي قول كن، وفي الحقيقة ليس هناك إحداث قول، بل المراد التقريب للعقول في سرعة تعلق القدرة بالمقدور على وفق الإرادة الأزلية اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: إلا أمرة أي كلمة واحدة أو إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة اهـ.\rوفي الخازن: وما أمرنا إلا واحدة أي وما أمرنا إلا مرة واحدة، وقيل: معناه وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117] لا مراجعة فيه، فعلى هذا إذا أراد اللّه سبحانه وتعالى شيئا قال له: كن فكان. فهنا بان الفرق بين الإرادة والقول، فالإرادة قدر والقول قضاء، وقوله:\rواحدة فيه بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول بل هو إشارة إلى نفاذ الأمر اهـ.\rقوله: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ اللمح: النظر بالعجلة، وفي المصباح: لمحه إذا أبصره بنظر خفيف، أي: فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال كلها عندنا بل أيسر اهـ خطيب.","part":7,"page":358},{"id":2817,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 359\rفي السرعة وهي قول كن فيوجد\rإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) استفهام بمعنى الأمر، أي اذكروا واتعظوا\rوَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ أي العباد مكتوب فِي الزُّبُرِ (52) كتب الحفظة\rوَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الذنب أو العمل مُسْتَطَرٌ (53) مكتتب في اللوح المحفوظ\rإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ بساتين وَنَهَرٍ (54) أريد به الجنس وقرئ بضم النون والهاء جمعا، كأسد وأسد، المعنى: أنهم يشربون من أنهارها الماء واللبن والعسل والخمر\rفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وأريد به الجنس وقرئ مقاعد، المعنى: أنهم في مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم، بخلاف مجالس الدنيا، فقلّ أن تسلم من ذلك، وأعرب هذا خبرا ثانيا وبدلا وهو صادق ببدل البعض وغيره عِنْدَ مَلِيكٍ مثال مبالغة أي عزيز الملك واسعه مُقْتَدِرٍ (55) قادر لا يعجزه شيء وهو اللّه تعالى، وعند إشارة إلى الرتبة والقربة من فضله تعالى.\rقوله: (أشباهكم في الكفر) أي والقدرة عليكم كالقدرة عليهم فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، ولذلك تسبب عنه قوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: بما وقع لأشباهكم أنه مثل من مضى بل أضعف اهـ خطيب.\rقوله: فِي الزُّبُرِ جمع زبور وهو الكتاب. قوله: (أريد به الجنس) أي لمناسبة جمع الجنات، وإنما أفرد في اللفظ لموافقة رؤوس الآي اهـ.\rقوله: (و قرئ بضم النون والهاء) أي شاذا.\rقوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ من إضافة الموصوف إلى صفته اهـ سمين.\rقوله: (و قرئ (؟ مقاعد)) أي شاذا. قوله: (و هو صادق ببدل البعض) أي لأن المقعد بعض الجنات، وقوله: وغيره أي بدل الاشتمال لأنها مشتملة عليه والأول أظهر اهـ كرخي.\rقوله: عِنْدَ مَلِيكٍ خبر ثالث. قوله: (مثال مبالغة) أي صيغة مبالغة. قوله: (و عند إشارة إلى الرتبة) أي فهي عندية مكانة، وقوله: والقربة أي التقريب المعنوي، فالقربة والرتبة بمعنى واحد، وقوله: من فضله تعالى حال من الرتبة أي حال كونها من فضله تعالى وإحسانه اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: أشار بهذا إلى أن عند ليست على بابها من المصاحبة بل هي كناية عن تقريب المكان والرتبة، أي: مقربين عند من تعالى أمره في الملك والاقتدار بحيث أبهم على ذوي الأفهام واللّه أعلم اهـ.","part":7,"page":359},{"id":2818,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 360\rسورة الرحمن مكية أو إلا يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية فمدنية وهي ست أو ثمان وسبعون آية\rالرَّحْمنُ (1)\rعَلَّمَ من شاء الْقُرْآنَ (2)\rخَلَقَ الْإِنْسانَ (3) أي الجنس\rعَلَّمَهُ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وتسمى عروس القرآن اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: وعن علي كرم اللّه وجهه أنه قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن» اهـ.\rقوله: (الآية) صوابه الآيتين كما صرّح به الكازروني، والآيتان هما: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29] هذه واحدة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هذه أخرى اهـ.\rوقيل: كلها مدنية كما ذكره البيضاوي والخازن، عن ابن عباس في أحد قوليه اهـ شيخنا.\rقوله: الرَّحْمنُ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي اللّه الرحمن. الثاني: أنه مبتدأ وخبره مضمر أي الرحمن ربنا، وهذان الوجهان عند من يرى أن الرحمن آية مع هذا المضمر، فإنهم عدوا الرحمن آية، ولا يتصور ذلك إلا بانضمام خبر أو مخبر عنه إليه إذ الآية لا بد أن تكون مفيدة، وسيأتي ذلك في قوله: مُدْهامَّتانِ. الثالث: أنه ليس بآية وأنه مع ما بعده كلام واحد وهو مبتدأ خبره علم القرآن اهـ سمين. قيل: لما نزلت اسجدوا للرحمن قال كفار مكة: وما الرحمن فأنكروا، وقالوا: لا نعرف الرحمن، فأنزل اللّه الرحمن يعني الذي أنكرتموه هو الذي علم القرآن، وقيل: هذا جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر فقال تعالى: الرحمن علم القرآن يعني علم محمدا القرآن، وقيل: علم القرآن يسره للذكر ليحفظ ويتلى، وذلك أن اللّه عز وجل عدد نعمه على عباده فقدم أعظمها نعمة وأعلاها رتبة وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي اللّه إلى أنبيائه وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه وأكثره ذكرا وأحسنه في أبواب الدين أثرا وهو سنام الكتب السماوية المنزل على أفضل البرية اهـ خازن.\rقوله: عَلَّمَ الْقُرْآنَ فيه وجهان، أظهرهما: أنها علم المتعدية إلى اثنين أي عرف من التعليم،","part":7,"page":360},{"id":2819,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 361\rالْبَيانَ (4) النطق\rالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5) يجريان بحساب\rوَالنَّجْمُ ما لا ساق له من النبات وَالشَّجَرُ ما له ساق يَسْجُدانِ (6) يخضعان بما يراد منهما\rوَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (7) أثبت العدل\rأَلَّا تَطْغَوْا أي لأجل أن لا تجوروا فِي الْمِيزانِ (8) ما يوزن به فعلى هذا المفعول الأول محذوف، فقيل: تقديره علم جبريل القرآن، وقيل: علم محمدا، وقيل: علم الإنسان وهذا أولى لعمومه، ولأن قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ دال عليه. والثاني: أنها من العلامة فالمعنى جعله علامة وآية يعتبر بها، فإن قيل: لم قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود. قيل: لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه اهـ سمين.\rقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ هاتان الجملتان خبران أيضا عن المبتدأ الذي هو الرحمن وأخلاهما من العاطف لمجيئهما على نهج التعداد للنعم اهـ كرخي.\rفلشدة الوصل ترك العاطف اهـ سمين.\rقوله: (أي الجنس) عبارة الخازن: خلق الإنسان يعني آدم عليه السّلام قاله ابن عباس: علّمه البيان يعني اسماء كل شيء، وقيل: علمه اللغات كلها، فكان آدم يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية، وقيل: الإنسان اسم جنس وأراد به جمع الناس، فعلى هذا يكون معنى علمه البيان أي النطق الذي يتميز به عن سائر الحيوان، وقيل: علمه الكتاب والفهم والافهام حتى عرف ما يقول وما يقال له، وقيل:\rعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به، وقيل: أراد بالإنسان محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم علمه البيان يعني بيان ما يكون وما كان لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم ينبىء عن خبر الأولين والآخرين وعن يوم الدين، وقيل: علمه بيان الأحكام من الحلال والحرام والحدود والأحكام اهـ.\rقوله: بِحُسْبانٍ خبر المبتدأ الذي هو الشمس والقمر متعلق بمحذوف هو في الحقيقة الخبر كما قدره اهـ كرخي.\rأي: الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما يتسق بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب اهـ بيضاوي.\rويجوز في حسبان وجهان، أحدهما: أنه مصدر مفرد بمعنى الحساب فيكون كالغفران والكفران.\rوالثاني: أنه جمع حساب كشهاب وشهبان ورغيف ورغفان اهـ سمين.\rقوله: (يخضعان) أي: بطريق الطوع منهما كالسجود من المكلفين طوعا اهـ بيضاوي.\rقوله: (أثبت العدل) أي شرعه وأمر به اهـ كرخي.\rقوله: (أي لأجل أن لا تجوروا) أشار به إلى أن أن هي الناصبة، ولا نافية، وتطغوا منصوب بأن وقبلها لام العلة مقدرة قيل لا للنهي، وأن تفسيرية بمعنى أي وتطغوا مجزوم بلا الناهية ورد بأن شرط المفسرة تقدم جملة عليها فيها معنى القول، ووضع الميزان ليس فيه معنى القول، وقد يجاب عنه بتوهم أن وضع الميزان يستدعي كلاما من الأمر بالعدل فيه فجاءت أن مفسرة بهذا الاعتبار اهـ كرخي.","part":7,"page":361},{"id":2820,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 362\rوَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ بالعدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9) تنقصوا الموزون\rوَالْأَرْضَ وَضَعَها أثبتها لِلْأَنامِ (10) للخلق، الإنس والجن وغيرهم\rفِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ المعهود ذاتُ الْأَكْمامِ (11) أوعية طلعها\rوَالْحَبُ كالحنطة والشعير ذُو الْعَصْفِ التبن وَالرَّيْحانُ (12) الورق قوله: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ الخ فيه إشارة إلى جواب ما قيل قوله: أَلَّا تَطْغَوْا مغن من الجملتين المذكورتين بعد، وإيضاحه أن الطغيان فيه أخذ الزائد والاخسار إعطاء الناقص والقسط التوسط بين الطرفين المذمومين اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: وأقيموا الوزن بالقسط أي افعلوه مستقيما بالعدل، وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل، وقال أبو عبيدة: الإقامة باليد والقسط بالقلب، وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية، وقيل: هو كقوله أقام الصلاة أي أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم أي أتوها لوقتها، أي: لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل، ولا تخسروا الميزان أي لا تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن، وهذا كقوله: ولا تنقصوا المكيال والميزان، وقال قتادة في هذه الآية: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل لك وأوف كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس، وقيل: المعنى ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة عليكم اهـ.\rقوله: (أثبتها) عبارة البيضاوي: خفضها مدحوة اهـ.\rقوله: (للأنام) أي لمنافعهم أي لأجل انتفاعهم بها.\rقوله: فِيها فاكِهَةٌ أي: ما يتفكه به الإنسان من أنواع الثمار، ويجوز أن تكون هذه الجملة حالا من الأرض إلّا أنها حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال، وفاكهة رفع بالفاعلية ونكرت لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها فهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى اهـ كرخي.\rقوله: (أوعية طلعها) عبارة القرطبي: الأكمام جمع كم بالكسر. قال الجوهري: والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور، والجمع كمام وأكمة وأكمام وأكاميم أيضا، والكمام بالكسر والكمامة أيضا ما يكم به فم البعير لئلا يعض، يقال منه، بعير مكموم أي محجوم وكممت الشيء غطيته، والكم ما ستر شيئا وغطّاه ومنه كم القميص بالضم والجمع كمام وكمة والكمة القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس، وقال الحسن: ذات الأكمام أي ذات الليف، فإن النخلة قد تكلم بالليف وكمامها ليفها الذي في أعناقها، وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق، وقال عكرمة: ذات الأحمال اهـ.\rقوله: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ قرأ ابن عامر: بنصب الثلاثة أي الحب، وذا العصف والريحان بخلق مضمرا أي وخلق الحب وذا العصف والريحان، وقرأ حمزة، والكسائي: برفع الحب وذو عطفا على فاكهة وجر الريحان عطفا على العصف، والباقون برفع الثلاثة عطفا على فاكهة أي:\rفيها فاكهة وحب ذو عصف وريحان اهـ خطيب.\rقوله: ذُو الْعَصْفِ يرسم بالواو على قراءة الرفع وبالألف على قراءة النصب وهما سبعيتان اهـ شيخنا.","part":7,"page":362},{"id":2821,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 363\rأو المشموم\rفَبِأَيِّ آلاءِ نعم رَبِّكُما أيها الإنس والجن تُكَذِّبانِ (13) ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير، لما روى الحاكم عن جابر قال: «قرأ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة قوله: (التبن) عبارة الخازن: ذو العصف، قال ابن عباس: يعني التبن، وعنه أنه ورق الزرع الأخضر إذا قطعت رؤوسه ويبس، وقيل: هو ورق الزرع، وقيل: العصف ورق كل شيء يخرج منه الحب اهـ.\rقوله: (الورق) وفي نسخة: الرزق وكل صحيح، وعبارة الخطيب: الريحان في الأصل مصدر، ثم أطلق على الرزق في لغة حمير. تقول: خرجت أبتغي ريحان اللّه أي رزقه اهـ.\rوقال في المختار: الريحان نبت معروف وهو الرزق أيضا، والعصف: ساق الزرع، والريحان:\rورقه عند الفراء اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله: للأنام وسينطق به قوله: أَيُّهَ الثَّقَلانِ والمعنى: فبأي فرد من أفراد النعم تكذبان أبتلك النعم المذكورة هنا أم بغيرها اهـ أبو السعود وخطيب.\rوالمراد بالتكذيب الإنكار والآلاء النعم وهو قول جميع المفسرين، واحدها إلي وألى مثل معي وحصى وإلى وألى أربع لغات حكاها النحاس اهـ قرطبي.\rقوله: (ذكرت) أي هذه الآيات إحدى وثلاثين مرة، ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق اللّه وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم وحسن ذكر الآلاء رفع البلاء وتأخير العذاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأولتين أخذا من قوله ومن دونهما جنتان، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من اللّه ووقاه السبعة السابقة اهـ من شيخ الإسلام في متشابه القرآن.\rوفي الخازن: وكررت هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة وتأكيدا للتذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه وفصل بين كل نعمتين بما نبههم عليه ليفهمهم النعم ويقررهم بها كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع إليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها. ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا، ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا، ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب، وذلك أن اللّه تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليمه البيان، وخلق الشمس والقمر والسماء والأرض إلى غير ذلك مما أنعم به على خلقه، ثم خاطب الجن والإنس فقال: فبأي آلاء ربكما تكذبان من الأشياء المذكورة لأنها كلها منعم بها عليكم اهـ.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) أي: تقرير النعم وتأكيدها في التذكير كما تقول لمن تتابع عليه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيرا فأغنيك افتنكر هذا إلى آخر ما تقدم اهـ.","part":7,"page":363},{"id":2822,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 364\rالرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد»\rخَلَقَ الْإِنْسانَ آدم مِنْ صَلْصالٍ طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا وصنيع أبي السعود يقتضي أن الاستفهام للتوبيخ والإنكار، ونص عبارته: والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصل من فنون النعم وصنوف الآلاء الموجبة للشكر والإيمان حتما، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد التنكير وتشديد التوبيخ، ومعنى تكذيبهم بالآلاء كفرهم بها إما بإنكار كونهم نعمة مع نفسها كتعليم القرآن وما يستند إليه من النعم الدينية، وإما بإنكار كونها من اللّه تعالى مع الاعتراف بكونها نعمة في نفسها كالنعم الدنيوية، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة أي: فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء تكذبان مع أن كلّا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق اهـ بحروفه.\rقوله: (ثم قال مالي أراكم سكوتا الخ) يؤخذ من هذا أنه يسن لسامع القارئ لهذه السورة أن يجيبه بالجواب المذكور كلما قرأ الآية المذكورة كما فعلت الجن، وأقرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ولام على الصحابة في سكوتهم، وصرح بالسنية الكازروني في تفسيره اهـ شيخنا.\rقوله: (كانوا أحسن منكم ردا) أي: جوابا اهـ.\rوقوله: من مرة من زائدة، وقوله: فبأي الخ بدل من هذه الآية.\rقوله: (إلّا قالوا ولا بشيء من نعمك الخ) هذا يقتضي أن جميع الجمل المذكورة في السورة من النعم، وفيها قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: 26] وقوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ [الرحمن: 35] فكيف حسن الإتيان بعدها بلفظ النعم بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ وأجيب: بأن من جملة الآلاء دفع البلاء وتأخير العذاب وإبقاء ما هو مخلوق لوقت فنائه نعمة وتأخير العذاب عن العصاة أيضا نعمة، فلهذا امتن علينا بذلك وبالتسوية في الموت بين الشريف والوضيع اهـ كرخي.\rقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ الخ تمهيدا للتوبيخ على اخلالهم بواجب شكر النعم المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين اهـ أبو السعود.\rقوله: (إذا نقر) أي: ليختبر هل فيه عيب أو لا اهـ شيخنا.\rقوله: كَالْفَخَّارِ أي: في أن كلّا منهما يسمع له صوت إذ نقر هذا هو وجه الشبه اهـ شيخنا.\rفإن قلت: كيف قال هنا من صلصال كالفخار، وقال في الحجر: مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 28 و26 و33] من طين أسود متغير، وقال في والصافات: مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات: 11] أي: لازم يلصق باليد، وقال في آل عمران: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ؟ [آل عمران: 59] قلت: هذه الآيات كلها متفقة في المعنى لأنه تعالى خلقه من تراب ثم جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا اهـ شيخ الإسلام في متشابه القرآن.","part":7,"page":364},{"id":2823,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 365\rنقر كَالْفَخَّارِ (14) وهو ما طبخ من الطين\rوَخَلَقَ الْجَانَ أبا الجن وهو إبليس مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) هو لهبها الخالص من الدخان\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشتاء ومشرق الصيف\rوَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) كذلك\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18)\rمَرَجَ أرسل وفي الخطيب: بعد تقرير الإيراد لأنه تعالى أخذه من تراب الأرض فعجنه بالماء فصار طينا، ثم تركه حتى صار حمأ مسنونا ثم منتنا ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقرته صوت ليعلم هل فيه عيب أولا، فالمذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة أثناؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجان بالهواء الحامل للحر الذي هو من فيح جهنم، فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه وعقله، ومن النار مطلب غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه والغالب في جبلته التراب، فلذا نسب إليه وإن كان خلقه من العناصر الأربع، كما أن الجان خلق من العناصر الأربع، لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها كما قال تعالى: وَخَلَقَ الْجَانَ الخ اهـ.\rقوله: (هو ما طبخ من الطين) أي وكان مجوفا كالأواني لأن غير المجوف كالآجر ليس له صلصلة.\rقوله: (و هو إبليس) وقيل: أبو الجن غير إبليس، وقيل: الجان نفس الجن أي: هذا الجنس اهـ شيخنا.\rقوله: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ من الأولى لابتداء الغاية، وفي الثانية وجهان، أحدهما: أنها للبيان.\rوالثاني: أنها للتعيض والمارج قيل: ما اختلط من أحمر وأخضر وأصفر وهذا ما يشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطا بعضها ببعض فيها، وقيل: الخالص، وقيل: الأحمر، وقيل: الحمرة في طرف النار، وقيل: المختلط بسواد، وقيل: اللهب المضطرب، ومن نار نعت لمارج اهـ سمين.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما الناشئة عن مبدئكما ومربيكما تكذبان أي: إنما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ العامة على رفعه وفيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ خبره مرج البحرين وما بينهما اعتراض. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هو رب المشرقين أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء. والثالث: أنه بدل من الضمير في خلق الإنسان، وابن أبي عبلة رب بالجر بدلا أو بيانا لربكما. قال مكي: يجوز في الكلام الخفض على البدل من ربكما وكأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة اهـ سمين.\rقوله: (كذلك) أي مغرب الشتاء ومغرب الصيف.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما الذي دبر لكما هذا التدبير العظيم. تكذبان أي: أيما في ذلك من الفوائد العظيمة التي لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه أو بغير ذلك اهـ خطيب.\rقوله: مَرَجَ (أرسل البحرين) في القرطبي: أي: خلى وأرسل وأهمل. يقال: مرج السلطان","part":7,"page":365},{"id":2824,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 366\rالْبَحْرَيْنِ العذب والملح يَلْتَقِيانِ (19) في رأي العين\rبَيْنَهُما بَرْزَخٌ حاجز من قدرته تعالى لا يَبْغِيانِ (20) لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21)\rيَخْرُجُ بالبناء للمفعول والفاعل مِنْهُمَا من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) الناس أي: أهملهم وأصل المرج الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى اهـ.\rوفي المصباح: المرج أرض ذات نبات ومرعى، والجمع مروج مثل فلس وفلوس، ومرجت الدابة تمرج مرجا من باب قتل رعت في المرج ومرجتها مرجا أرسلتها ترعى في المرج يتعدى ولا يتعدى اهـ.\rقوله: يَلْتَقِيانِ أي: يتماسان على وجه الأرض بلا فصل بينهما في رؤية العين اهـ خطيب.\rوالجملة حال من البحرين وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز أن تكون مقارنة، وبينهما برزخ يجوز أن يكون جملة مستأنفة وأن يكون حالا، وأن يكون الظرف وحده هو الحال، والبرزخ فاعل به وحسن لقربه من المفرد. وفي صاحب الحال وجهان، أحدهما: هو البحرين. والثاني: هو فاعل يلتقيان. ولا يبغيان حال أخرى كالتي قبلها أي: مرجعهما غير باغيين أو يلتقيان غير باغيين أو بينهما برزخ في حال عدم بغيهما، وهذه الحالة في قوة التعليل إذ المعنى لئلا يبغيا، وقد تمحل بعضهم وقال:\rأصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة وهو مطرد مع أن وأن ثم حذفت أن أيضا وهو حذف مطرد كقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [الروم: 34] فلما حذفت أن ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع إلا أنه يتكرر فيه الحذف، ولك أن تقول قد جاءا حذف أكثر من ذلك فيما هو أوفى من هذا كما تقدم في قاب قوسين، وكما سيأتي قوله: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [الواقعة: 82] اهـ سمين.\rقوله: (من قدرته تعالى) عبارة غيره هو قدرته تعالى اهـ.\rقوله: لا يَبْغِيانِ أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حدّه له خالقه لا في الظاهر ولا في الباطن، حتى أن العذب الداخل في الملح باق على حاله لم يمتزج بالملح، فمتى حفرت في جنب الملح في بعض الأماكن، وجدت الماء العذب. قال البقاعي: بل كل ما قربت الحفرة من الملح كان الماء الخارج منها أحلى فخطهما اللّه تعالى في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة هذا، وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم بعضا على بعض أيها العقلاء اهـ خطيب.\rقوله: (بالبناء للمفعول والفاعل) سبعيتان.\rقوله: (الصادق بأحدهما) هذا غير ظاهر لأن المجموع وإن صدق بكل الأفراد ببعضها لكن صدقه على البعض لا بد فيه من تعدد البعض، كقولك: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة لأن لفظ المجموع معناه الأفراد المجتمعة أعم من أن تكون جميع أفراد الماهية أو بعضها، وغيره قرر هذا بحذف المضاف فقال: أي من أحدهما اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قالوا وثم مضاف محذوف أي: من أحدهما لأن تلك لم يؤخذ من البحر العذب، وحذف المضاف كثير شائع، وقيل: هو كقوله: نَسِيا حُوتَهُما [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه ويعزى هذا لأبي عبيدة، وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان، وقيل: بل يخرجان","part":7,"page":366},{"id":2825,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 367\rخرز أحمر، أو صغار اللؤلؤ\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (23)\rوَلَهُ الْجَوارِ السفن الْمُنْشَآتُ منهما جميعا، ثم ذكروا تأويلات، منها: أنهما يخرجان من الملح في الموضع الذي يقع فيه العذب وهذا مشاهد عند الغواصين وهو قول الجمهور فناسب لذلك إسناده إليهما، ومنها قول ابن عباس:\rتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر والصدف تفتح افواهها للمطر وقد شاهده الناس، ومنها أن العذب في الملح كاللقاح كما يقال الولد يخرج من الذكر والأنثى اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المالك لكما. تكذبان أي: بكثرة النعم من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها، وإخراج الحلى العجيبة أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: وَلَهُ الْجَوارِ أي: من حيث وصفها بالجري إذ لا صنع للعبد فيه أو له جريها وسيرها، فهو بمحض قدرته تعالى لا دخل للعبد فيه، وإما من حيث وصفها بالمنشآت فانشاؤها واحداثها بصنع العبد ظاهرا اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: الجوار جمع جارية وهي اسم أو صفة للسفينة وخصها بالذكر لأن جريها في البحر لا صنع لبشر فيه وهم معترفون بذلك، وسميت السفينة جارية لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية كما قال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [الحاقة: 11] وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك فقال تعالى لنوح عليه السّلام: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: 37] تم بعد ما عملها سفينة فقال تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت:\r15] قال الرازي: فالفلك أولا ثم السفينة ثم الجارية اهـ.\rوالمرأة المملوكة تسمى أيضا جارية لأنه شأنها الجري والسعي في حوائح سيدها بخلاف الزوجة فهي من الصفات العالية اهـ بحروفه.\rوفي المختار: السفينة فعيلة بمعنى فاعلة كأنها تسفن الماء أي: تقشره اهـ.\rوالعامة على كسر الراء من الجوار لأنه منقوص على مفاعل، والياء محذوفة لفظا لالتقاء الساكنين وقرأ عبد اللّه والحسن، وتروى عن أبي عمرو الجوار برفع الراء تناسبا لمحذوف اهـ سمين.\rوقرأ يعقوب الجواري بإثبات الياء في الوقف، وحذفها الباقون اهـ قرطبي.\rولا تثبت في الرسم لأنها من ياءات الزوائد اهـ شيخنا.\rقوله: الْمُنْشَآتُ قرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين بمعنى أنها تنشىء الريح بجريها أو تنشىء السير إقبالا وإدبارا، أو التي رفعت شراعها أي: قلوعها، والشراع بكسر الشين القلع، والجمع شرع بضمتين ككتب، وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت وإلّا فليست منها ونسبة الرفع إليها مجاز كما يقال: أنشأت السحابة المطر، والباقون وبالفتح وهو اسم مفعول أي: أنشأها اللّه والناس أو رفعوا شراعها، وقرأ ابن أبي عبلة بتشديد الشين مبالغة، وفي البحر متعلق بالجوار ورسمه بالياء بعد الشين في مصاحف العراق يقوي قراءة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم وكالأعلام حال إما من الضمير المستكن في المنشآت، وإما من","part":7,"page":367},{"id":2826,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 368\rالمحدثات فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (24) كالجبال عظما وارتفاعا\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (25)\rكُلُّ مَنْ عَلَيْها أي الأرض من الحيوان فانٍ (26) هالك، وعبر بمن تغليبا للعقلاء\rوَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذاته ذُو الْجَلالِ العظمة وَالْإِكْرامِ (27) للمؤمنين بأنعمه عليهم\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28)\rيَسْئَلُهُ مَنْ الجوار وكلاهما بمعنى واحد، والأعلام الجبال جمع علم اهـ سمين.\rقوله: (المحدثات) أي: المصنوعات.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما تكذبان أي: أبتلك النعم من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر وأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره تعالى أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ إلى قوله: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ إن قيل هذه الأمور ليست نعما، فكيف قال عقب كل منها فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أجيب بوجهين، أحدهما أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي وترغيب في الطاعات وهذا من أعظم المنن اهـ خطيب.\rوعبارة الخازن في تقرير الجواب: قلت في هذه الآيات مواعظ وزواجر وتخويف، وكل ذلك نعم من اللّه لأنها تزجر العبد عن المعاصي فصارت نعما فحسن ختم كل منها بقوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان، انتهت.\rقوله: (أي الأرض) على هذا التفسير لا يحتاج لتخصيص الآية بغير الجنة والنار والحور والولدان والحجب والعرش والأرواح اهـ شيخنا.\rوقوله: من الحيوان أي: وغيره. قوله: (هالك) أي: بالفعل.\rقوله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ في وصفه بالبقاء بعد ذكر فناء الخلق إيذان بأنه تعالى يفيض عليهم بعد فنائهم آثار لطفه وكرمه حسبما ينبىء عنه قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فإن إحياءهم بالحياة الأبدية وإثابتهم بالنعيم المقيم من أجل النعم وأعظم الآلاء اهـ أبو السعود.\rفإن قيل: كيف خاطب الاثنين في قوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان، وخاطب هنا الواحد فقال:\rويبقى وجه ربك ولم يقل وجه ربكما؟ وأجيب: بأن الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد، فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان، فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب عن الفناء، فإن قيل: فلو قال ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل. أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال بلفظ الرب وكاف الخطاب اهـ خطيب.\rقوله: ذُو الْجَلالِ العامة ذو بالواو صفة للوجه، وأبي وعبد اللّه ذي بالياء صفة لرب، فقراءة الياء هنا شاذة، وسيأتي خلاف بين السبعة في آخر السورة إن شاء اللّه اهـ سمين.\rفقراءة الياء هناك سبعية. قوله: (بأنعمه) في نسخة بانعامه.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المربي لكما على هذا الوجه. تكذبان أبتلك النعم من بقاء","part":7,"page":368},{"id":2827,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 369\rفِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بنطق أو حال ما يحتاجون إليه من القوة على العبادة والرزق والمغفرة وغير ذلك كُلَّ يَوْمٍ وقت هُوَ فِي شَأْنٍ (29) أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل من إحياء وإماتة وإعزاز وإذلال وإغناء وإعدام وإجابة داع وإعطاء سائل وغير ذلك\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30) الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعميم المقيم أو بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ الخ فيه وجهان، أحدهما: أنه مستأنف. والثاني: أنه حال من وجه والعامل فيه يبقى أي: يبقى مسؤولا من أهل السموات والأرض اهـ سمين.\rقوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: لأنهم مفتقرون في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم، والمراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشيء نطقا أو غيره اهـ بيضاوي.\rقال ابن عباس: وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق وأهل الأرض يسألونهما جميعا، وقال ابن جريح: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعا من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض. قال القرطبي: وفي الحديث أن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه. وجه كوجه الإنسان يسأل اللّه تعالى الرزق لبني آدم، ووجه كوجه الأسد يسأل اللّه تعالى الرزق للسباع، ووجه كوجه الثور يسأل اللّه تعالى الرزق للبهائم، ووجه كوجه النسر يسأل اللّه تعالى الرزق للطير اهـ خازن.\rقوله: (ينطق) أي: بلسان المقال، وقوله: أو حال أي: بلسان الحال اهـ شيخنا.\rوالسؤال بلسان الحال معناه الذل والفاقة والاحتياج، فمن كان بتلك الأحوال فكأنه يصرح بالنطق بالمقال.\rقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ كل منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر اهـ خطيب.\rقال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند اللّه يومان، أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر مدة الآخرة، وشأنه في يوم الدنيا الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع وغير ذلك، وشأنه في يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، وقيل: شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم ثلاثة عساكر، عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعا إليه تعالى اهـ خازن.\rوفي الحديث: «من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين»، وهذا رد لقول اليهود: إن اللّه لا يقضي يوم السبت شيئا اهـ بيضاوي.\rقوله: فِي شَأْنٍ لعل في للملابسة أي، ملتبس بشأن ملابسة الموصوف لصفته إذ الشأن فسره الشارح بالصفات الفعلية اهـ شيخنا.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المدبر لكما هذا التدبير العظيم. تكذبان أبتلك النعم أم بغيرها اهـ خطيب.","part":7,"page":369},{"id":2828,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 370\rسَنَفْرُغُ لَكُمْ سنقصد لحسابكم أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31) الإنس والجن\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32)\rيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا تخرجوا مِنْ أَقْطارِ نواحي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا أمر قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ قال القرطبي: يقال فرغت من الشغل أفرغ وفروغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي: بذلته، واللّه تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم فهو وعيد لهم وتهديد فهو كقول القائل لمن يريد تهديده إذا أتفرغ لك أي:\rأقصدك اهـ خطيب.\rوعبارة الكرخي: قوله: سنقصد لحسابكم جواب عما يقال: كيف؟ قال: سنفرغ لكم واللّه تعالى لا يشغله شيء. وإيضاحه؛ كما قال الزجاج إن الفراغ في اللغة على ضربين، أحدهما الفراغ من الشغل والآخر القصد للشيء والإقبال عليه كما هنا وهو تهديد ووعيد تقول: قد فرغت مما كنت فيه أي: قد زال شغلي به، وتقول سأفرغ لفلان أي: سأجعله قصدي فهو على سبيل التمثيل شبه تدبيره تعالى أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء، وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي والإماتة والإحياء والمنع والإعطاء، وأنه لا يشغله شأن عن شأن بحال من إذا كان في شغل يشغل. عن شغل آخر إذا فرغ من ذلك الشغل شرع في آخر، وقد ألم به صاحب المفتاح حيث قال:\rالفراغ الخلاص عن المهام واللّه عز وجل لا يشغله شأن عن شأن وقع مستعارا للأخذ في الجزاء وحده، وهو المراد من قول صاحب الكشاف، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل، انتهت.\rقوله: أَيُّهَ الثَّقَلانِ تثنية ثقل بفتحتين فعل بمعنى مفعل لأنهما أثقلا الأرض أو بمعنى مفعول لأنهما أثقلا وأتعبا بالتكاليف اهـ شيخنا.\rوترسم أيه بغير ألف، وأما في النطق فقرأ أبو عمرو والكسائي أيها بالألف في الوقف، ووقف الباقون على الرسم أيه بتسكين الهاء، وفي الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء، والباقون بنصبها اهـ خطيب.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المحسن إليكما بهذا الصنع المحكم. تكذبان أبتلك النعم من إثابته أهل طاعته وعقوبته أهل معصيته أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الخ هذا الخطاب يقال لهما قيل في الآخرة، وقيل: في الدنيا ويرجح كونه في الآخرة قوله: يرسل عليكما الخ. فإن هذا الإرسال إنما هو القيامة كما سيأتي، وكذا قوله: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ [الرحمن: 37] الخ. وعبارة الخازن: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا تخرجوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: جوانبها وأطرافها فَانْفُذُوا أي:\rفاخرجوا، والمعنى إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها فحيثما كنتم يدرككم الموت، وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة، والمعنى إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فاخرجوا، وقيل: معناه إن استطعتم أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكي ومن سمائي وأرضي فافعلوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني لا تقدرون على النفوذ إلا بقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك حيثما توجهتم كنتم في ملكي","part":7,"page":370},{"id":2829,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 371\rتعجيز لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (33) بقوّة ولا قوّة لكم على ذلك\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34)\rيُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ هو لهبها الخالص من الدخان أو معه وَنُحاسٌ أي دخان لا لهب فيه فَلا وسلطاني، وقال ابن عباس: معناه إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه ولا تعلموه إلا بسلطان أي: بينة من اللّه تعالى اهـ.\rوفي القرطبي: يا معشر الجن والإنس الآية ذكر ابن المبارك: وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال:\rإذا كان يوم القيامة أمر اللّه السماء الدنيا تنشق بأهلها فتكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر اللّه السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة فتنزل ملائكة الرفيع الأعلى، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فلذلك قوله تعالى:\rيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ والسلطان القدرة، وقال الضحاك أيضا: بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء ونزلت الملائكة وهرب الإنس والجن فتحدق بهم الملائكة، فلذلك قوله تعالى: لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ذكره النحاس. قلت: فعلى هذا يكون في الدنيا، وعلى ما ذكره ابن المبارك يكون في الآخرة. وعن الضحاك أيضا: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا، وقال ابن عباس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي: ببينة من اللّه، وعنه أيضا: أن معنى لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ذلك، وقيل: لا تنفذون إلا إلى سلطاني، فالباء بمعنى إلي كقوله تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي [يوسف: 100] أي: إلي اهـ.\rوالمعشر: الجماعة. وفي القاموس: المعشر كمسكن الجماعة وأهل الرجل والجن والإنس اهـ.\rفإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس ههنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [الإسراء: 88] أجيب: بأن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن، فقدم في كل موضع ما يناسبه، فإن قيل: لم جمع الضمير هنا وثنى في قوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما؟ قلت: جمع هنا نظرا إلى معنى الثقلين لأن كلّا منهما تحته أفراد كثيرة، وثنى في ذاك نظرا إلى اللفظ ولم يتعرض المصنف لهذا طلبا للاختصار اهـ كرخي.\rقوله: (تخرجوا) أي: هربا منه تعالى ومن قضائه. قوله: (أمر تعجيز) والنفوذ الخروج بسرعة، وقد تقدم في أول البقرة أن ما فاءه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفذ ونفروا إِلَّا بِسُلْطانٍ حال أو متعلق بالفعل قبله اهـ سمين.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي: من التنبيه والتحذير والمساهلة في الحساب والعفو مع كمال القدرة على العقوبة اهـ أبو السعود.\rقوله: شُواظٌ قرأ ابن كثير بكسر الشين، والباقون بضمها وهما لغتان بمعنى واحد اهـ سمين.","part":7,"page":371},{"id":2830,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 372\rتَنْتَصِرانِ (35) تمتنعان من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (36)\rفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ انفرجت أبوابا لنزول الملائكة فَكانَتْ وَرْدَةً أي مثلها محمرّة كَالدِّهانِ (37) وقوله: ونحاس يقرأ بالرفع عطفا على شواظ، وبالجر عطفا على نار سبعيتان، لكن قراءة الجر لا بد فيها من كسر شين شواظ وإمالة نار، فمن قرأ بجر نحاس بدون أحد الأمرين فقد وقع في التلفيق، لأن هذا الوجه لم يقرأ به أحد، وقوله: أي دخان الخ هذا التفسير إنما يناسب قراءة الرفع لا الجر، لأنه عليها ينحل المعنى هكذا يرسل عليكما شواظ أي: لهب من نحاس أي: دخان لا لهب فيه وهذا لا يصح. وغاية ما قالوا في تفسير النحاس معنيان، أحدهما ما ذكره الشارح، والآخر النحاس المعروف فيذاب ويصب على رؤوسهم ولا شيء منهما يناسب هنا على تفسير الشارح الشواظ بما ذكره اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والشواظ قيل: اللهب معه دخان، وقيل: بل هو اللهب الخالص، وقيل: اللهب الأحمر، وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب، قوله: وَنُحاسٌ قيل: هو الصفر المعروف يذيبه اللّه تعالى ويعذبهم به، وقيل: الدخان الذي لا لهب معه. قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى اهـ.\rوفي القرطبي: وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، ومجاهد، وأبو عمرو وَنُحاسٌ بالخفض عطفا على النار. قال المهدوي: من قال إن الشواظ النار والدخان جميعا فالجر في نحاس على هذا تبيين، فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف، فكأنه قال: يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس فشيء معطوف على شواظ، ومن نحاس جار ومجرور صفة لشيء وحذفت من لتقدم ذكرها من نار فيكون نحاس على هذا مجرورا بمن المحذوفة اهـ.\rقوله: (من ذلك) أي: المذكور من الشواظ والنحاس، وقوله: بل يسوقكم أي: المذكورة منهما، وقال سعيد بن جبير، وابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم بشواظ إلى المحشر اهـ من الخطيب.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المدبر لكما هذا التدبير المتقن. تكذبان أبتلك النعم، فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار مندرج في عداد الآلاء أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (لنزول الملائكة) أي لتحيط بالعلم من سائر جهات الأرض لئلا يهرب بعضهم من الحشر كما تقدم إيضاحه اهـ.\rقوله: (أي مثلها محمرة) عبارة غيره: محمرة مثلها وهي أظهر كما لا يخفى.\rقوله: كَالدِّهانِ يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون نعتا لوردة، وأن يكون حالا من اسم كانت وفي الدهان قولان، أحدهما: أنه جمع دهن نحو قرط وقراط ورمح ورماح وهو في معنى قوله:","part":7,"page":372},{"id":2831,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 373\rكالأديم الأحمر على خلاف العهد بها، وجواب إذا فما أعظم الهول\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38)\rفَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ (39) عن ذنبه، ويسألون في وقت آخر\rفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ والجان هنا وفيما سيأتي بمعنى الجن، والإنس فيهما بمعنى الإنسي فَبِأَيِّ آلاءِ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ [المعارج: 8] وهو دردي الزيت. والثاني: أنه اسم مفرد فقال الزمخشري: اسم لما يدهن به كالحزام والأدام، وقال غيره: هو الأديم الأحمر اهـ سمين.\rقوله: (على خلاف العهد بها) أي: على خلاف لونها الذي نراه ونعهده وهو الزرقة والحمرة التي ظهرت فيها في ذلك الوقت هي لونها الأصلي، فلونها الخلقي هو الحمرة دائما، وإنما نشاهدها زرقاء بسبب اعتراض الهواء بيننا وبينها كما يرى الدم في العروق أزرق ولا هواء هناك يمنع من اللون الأصلي اهـ كرخي وعمادي وكازروني.\rوفي القرطبي: وقال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر حكاه الثعلبي، وقال الماوردي: وزعم المتقدمون أن أصل السماء الحمرة وأنها لكثرة الحواجز وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق وشبهوا ذلك بعروق البدن وهي حمراء بحمرة الدم وترى بالحائل زرقاء، وإن كان هذا صحيحا فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة وارتفاع الحواجز ترى حمراء لأنه أصل لونها واللّه أعلم اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم. رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أبتلك النعم أم بغيرها مما يكون في ذلك اهـ خطيب.\rقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ التنوين عوض عن الجملة أي: فيوم إذا انشقت السماء، والفاء في يومئذ جواب الشرط، وقيل: هو محذوف أي فإذا انشقت السماء رأيت أمرا مهولا والهاء في ذنبه تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر أي ولا يسأل عن ذنبه جان أيضا وناصب الظرف لا يسأل ولا غير مانعة اهـ سمين.\rوإلى هذا أشار الشارح بقوله وَلا جَانٌ عن ذنبه فحذف الجار والمجرور من الثاني لدلالة الأول عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (و يسألون في وقت آخر) أشار بهذا إلى الجمع بين هذه الآية والآية التي ذكرها، وإيضاحه أنهم لا يسألون حين يخرجون من القبور ويسألون حين يحشرون ويجتمعون في الموقف اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: فيومئذ أي: فيوم تتشقق السماء لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، لأنهم يعرفون بسيماهم، وذلك حين يخرجون من قبورهم ويحشرون إلى الموقف ذودا ذودا على اختلاف مراتبهم، وأما قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ونحوه فحين يحاسبون في المجمع اهـ.\rقوله: (و الجان هنا وفيما سيأتي الخ) الجان والإنس كل منهما اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالياء كزنج وزنجي، وحينئذ فلا حاجة إلى ما ذكره الشارح بل ابقاء الجنسين بحالهما، صحيح، وكأن الحامل له على ما ذكر أن السؤال إنما يقع للإفراد، وكذا يقال فيما يأتي اهـ كرخي.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما مع كثرة منافعها تُكَذِّبانِ فإن الإخبار بما ذكر مما يزجركم","part":7,"page":373},{"id":2832,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 374\rرَبِّكُما تُكَذِّبانِ (40)\rيُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ أي سواد الوجوه وزرقة العيون فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (41)\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42) أي تضم ناصية كل منهم إلى قدميه من خلف أو قدام ويلقى في النار، ويقال لهم\rهذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43)\rيَطُوفُونَ يسعون بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ ماء حار آنٍ (44) شديد الحرارة يسقونه إذا استغاثوا من حر النار، وهو منقوص كقاض عن الشر المؤدي إليه، وأما ما قيل مما أنعم اللّه على عباده المؤمنين في هذا اليوم فلا تعلق له بالمقام اهـ أبو السعود.\rقوله: بِالنَّواصِي نائب الفاعل اهـ أبو السعود.\rويؤخذ متعد مع ذلك تعدى بالياء لأنه ضمن معنى يسحب قاله أبو حيان، ويسحب إنما يتعدى بعلى قال تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقال ضمن معنى يدفع أي يدفعون، وقال مكي: إنما يقال أخذت الناصية وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدابة بالناصية لم يجز، وحكي عن العرب أخذت الخطام وأخذت بالخطام بمعنى اهـ كرخي.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المنعم عليكما الذي دبر مصالحكما بعد أن أوجدكما.\rتُكَذِّبانِ أبتلك النعم أمر بغيرها مما وعد أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل اهـ خطيب.\rقوله: (أي تضم ناصية كل واحد الخ) كان الأولى ذكر هذا قبل قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ كما لا يخفى اهـ قاري.\rقوله: (من خلف) فحينئذ يكسر ظهره كما يكسر الحطب اهـ من الخطيب.\rوفي القرطبي: فيؤخذ بالنواصي والأقدام أي تأخذ الملائكة بنواصيهم أي بشعورهم من مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار، والنواصي جمع ناصية، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وعنه: يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره ثم يلقى في النار، وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشد لعذابه وأكثر لتشويهه، وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه، وتارة تأخذه بقدميه وتسحبه على رأسه اهـ.\rقوله: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ أي: يترددون ويسعون بينها وبين حميم فيحرقون بها فيستغيثون منها فيسعى بهم إلى الحميم فيسقون منه ويصب فوق رؤوسهم، فإذا استغاثوا منه يسعى بهم إلى النار وهكذا. وفي القرطبي: قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم، والجحيم النار والحميم الشراب، وقال كعب: أن واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها وقد أحدث اللّه لهم خلقا جديدا فيلقون في النار فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ اهـ.\rقوله: (و هو منقوص كقاض) يقال: أنى يأني كقضى يقضي فهو آن كقاض اهـ سمين.","part":7,"page":374},{"id":2833,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 375\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45)\rوَلِمَنْ خافَ أي لكل منهم أو لمجموعهم مَقامَ رَبِّهِ قيامه بين يديه للحساب فترك معصيته جَنَّتانِ (46)\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47)\rذَواتا تثنية ذوات على وفي المختار: أنى يأني كرمى يرمي إنى بالكسر حان وأنى أيضا أدرك. قال اللّه عز وجل: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب: 53] وأنى الحر أي انتهى حره. قال تعالى: وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ اهـ.\rقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أي لكل خائفين من الفريقين جنتان: جنة للخائف الانسي وجنة للخائف الجني، أو المعنى لكل خائف جنتان جنة لعقيدته وجنة لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وجنة يتفضل بها عليه، أو المراد بالجنتين جنة واحدة، وإنما ثني مراعاة للفواصل اهـ شيخ الإسلام في متشابه القرآن.\rقوله: (أي لكل منهم) أي لكل فرد من أفراد الخائفين جنتان، وقوله: أو لمجموعهم أي أن الكلام على سبيل التوزيع، فإحدى الجنتين للخائف الأنسي والأخرى للخائف الجني فكل خائف ليس له إلا جنة واحدة، والأول هو المعتمد اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وروي عن ابن عباس، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «الجنتان بستانان في عرض الجنة كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور وليس منهما شيء إلا يهتز نعمة وخضرة قرارها ثابت وشجرها نابت» ذكره المهدوي والثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة. وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له، وجنة ورثها، وقيل: إحدى الجنتين منزلة والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا، وقيل: إن إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه، وقيل: إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها، وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم، وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة فثنى لرؤوس الآي، وقيل كانتا اثنتين ليتضاعف له السرور بالنقل من جهة إلى جهة اهـ.\rقوله: (قيامه بين يديه) أشار بهذا إلى أن المقام مصدر ميمي بمعنى القيام أي الوقوف، والإضافة من حيث إن فعل الوقوف يقع بين يديه، وقوله فترك معصيته أشار به إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر وهو أنه ليس مجرد الخوف، بل الخوف الناشىء عنه ترك المعاصي اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: مقام ربه موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب أو قيامه تعالى على أحوالهم من قام عليه إذا راقبه أو قيام الخائف عند ربه للحساب اهـ.\rومحصله احتمالات ثلاثة في تفسير المقام، أولهما: أنه اسم مكان. والثاني: أنه مصدر تحته احتمالان إما بمعنى قيام اللّه عز وجل على الخلائق، أو بمعنى قيام الخلائق بين يديه تعالى. وفي القرطبي: والمعنى خاف قيامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية فمقام مصدر بمعنى القيام، وقيل:\rخاف قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه بيانه قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: 33] وقال مجاهد، وإبراهيم النخعي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر اللّه فيدعها خوفا منه اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أبتلك النعم أم بغيرها من نعمه التي لا تحصى اهـ خطيب.","part":7,"page":375},{"id":2834,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 376\rالأصل، ولامها ياء أَفْنانٍ (48) أغصان جمع فنن كطلل\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49)\rفِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50)\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51)\rفِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ في الدنيا، أو كل ما يتفكه به قوله: ذَواتا أَفْنانٍ صفة لجنتان أو خبر مبتدأ محذوف أي هما ذواتا، وفي تثنية ذات لغتان الرد إلى الأصل، فإن الأصل ذوية فالعين واو واللام ياء لأنها مؤنثة ذوي، والثانية التثنية على اللفظ، فيقال: ذاتان اهـ سمين.\rفقول الشارح: تثنية ذوات أي الذي هو مفرد لا جمع كما قد يتوهم، وقوله على الأصل أي أصل ذات أي الفصيح في تثنيتها أي: تثنى بحسب أصلها كما في الآية، وقد تثنى على لفظها، فيقال: ذاتان، وقوله: ولامها أي لام ذوات التي هي أصل ذات ياء أي وعينها واو وفاؤها ذال، وذلك لأن أصلها ذي تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار ذوا كفتى، فهذه الألف لام الكلمة، وإنما قلبت الياء ألفا دون الواو، مع أن كلّا منهما متحرك وما قبله منفتح لأنها طرف والطرف محل التغيير، وإنما لم ترد هذه الألف في التثنية إلى الياء، فيقال: ذويتان كما يقال فتيان، لأنه لما زيدت التاء في هذا اللفظ تحصنت الألف في الرد إلى الياء اهـ كرخي.\rقوله: (على الأصل) أي من رد المحذوف وهو هنا عين الكلمة وقوله: ولامها أي التي هي الآن ألف ياء أي في الأصل اهـ شيخنا.\rقوله: (أغصان) وهي الدقيقة التي تتفرع من فروع الشجر وخصت بالذكر لأنها تورق وتثمر وتمد الظل اهـ بيضاوي.\rوقوله: وخصت أي الأفنان مع أنها ذوات أوراق وثمار إلى غير ذلك مما في الأشجار، لأن في ذكرها ذكر الأوراق والثمار والظلال المقصودة بالذات على طريق أحصر وأبلغ لأنه كناية كما في شروح الكشاف اهـ شهاب.\rقوله: (جمع فنن) هذا أحد قولين، والثاني عن ابن عباس أنه جمع فن كدن والفن النوع والمعنى ذواتا أنواع وأشكال من الثمار اهـ سمين.\rوفي المصباح: الدن كسهم اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أبتلك النعم من وصف الجنة الذي جعل له من أمثاله ما تعتبرون به أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: فِيهِما أي في كل واحدة منهما عينان تجريان. قيل: أحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل، وقيل: إحدهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين. قال أبو بكر الوراق:\rفيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة اللّه عز وجل، فتجريان في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها وإن زاد علوها اهـ خازن.\rوفي القرطبي: وعن ابن عباس عينان مثل الدنيا أضعافا مضاعفة حصاهما الياقوت الأحمر","part":7,"page":376},{"id":2835,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 377\rزَوْجانِ (52) نوعان رطب ويابس، والمر منهما في الدنيا كالحنظل حلو\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53)\rمُتَّكِئِينَ حال عامله محذوف، أي يتنعمون عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ما غلظ من الديباج وخشن والظهائر من السندس وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ ثمرهما دانٍ (54) قريب يناله القائم والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور وحمأتها المسك الأذفر وحافتاهما الزعفران اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما تكذبان أبتلك النعم التي ذكرها وجعل لها في الدنيا أمثالا كثيرة أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (في الدنيا) أي ما هو فاكهة في الدنيا فلا تشمل الفاكهة على هذا مثل الحنظل، وقوله: أي كل ما يتفكه به أي في الآخرة وإن كان ليس فاكهة في الدنيا، فالفاكهة على هذا تشمل الحنظلي ونحوه، وقوله: والمر منهما الخ مبني على الثاني، رطب ويابس يتأمل هذا في نحو القثاء والبطيخ ما المراد برطبهما ويابسهما اهـ شيخنا.\rوبعضهم فسرّ الزوجين بالمعروف وغير المعروف اهـ.\rوفي القرطبي: فيهما من كل فاكهة زوجان أي صنفان وكلاهما حلو يستلذ به. قال ابن عباس: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو، وقيل: ضربان رطب ويابس لا يقصر هذا عن ذاك في الفضل والطيب، وقيل: أراد تفضيل هاتين الجنتين اللتين دونهما فإنه ذكر ههنا عينين جاريتين، وذكر ثم عينين ينضخان بالماء والنضخ دون الجري فكأنه قال في تلك الجنتين: من كل فاكهة نوع وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما: الذي ادخرها لكما، تكذبان: أبتلك النعم أم بغيرها مما فرضه إليكم من سائر النعم التي لا تحصى اهـ خطيب.\rقوله: مُتَّكِئِينَ أي مضطجعين أم متربعين اهـ كرخي.\rوفي القاموس: توكأ عليه تحامل واعتمد واتكأ جعل له متكئا، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما أنا فلا آكل متكئا» أي: جالسا جلوس المتمكن المترفع ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه للأكل مستوفزا مقعيا غير متربع ولا متمكن»، وليس المراد الميل على شق كما يظنه عوام الطلبة اهـ.\rقوله: (أي يتنعمون) والضمير في يتنعمون عائد على من في قوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ [الرحمن: 46]. وفي البيضاوي: ومتكئين مدح للخائفين أو حال منهم لأنه من خاف في معنى الجمع اهـ.\rقوله: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة والظاهر أنها صفة لفرش اهـ كرخي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 378\r\rله: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة والظاهر أنها صفة لفرش اهـ كرخي.\rقوله: (من السندس) وهو ما رق من الديباج.\rقوله: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ مبتدأ وخبره دان أصله دانو مثل غاز فأعل أعلاله، وجنى فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض اهـ سمين.","part":7,"page":377},{"id":2836,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 378\rوالقاعد والمضطجع\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55)\rفِيهِنَ في الجنتين وما اشتملتا عليه من العلالي والقصور قاصِراتُ الطَّرْفِ العين على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن لَمْ يَطْمِثْهُنَ يفتضهنّ وهنّ من الحور، أو من نساء الدنيا المنشآت إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ (56)\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنبها ولي اللّه إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا، وقال قتادة: لا يرد يده بعده ولا شوك. وقال الرازي: جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه، أحدها: أن الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة عن الإنسان المتكىء وفي الجنة يتكىء والثمرة تتدلى إليه. وثانيها: أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ويتحرك إليها، وفي الآخرة تدنو منه وتدور عليه، وثالثها: أن الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها، وثمار الجنة كلها تدنو إليه في وقت واحد ومكان واحد اهـ خطيب.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما تكذبان أبقدرته على عطف الأغصان الثمار أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (في الجنتين وما اشتملتا عليه الخ) أشار بهذا إلى أن الضمير راجع إلى الجنتين ومنازلهما أو يعود على الجنات الدال عليهن جنتان لأن كل فرد من الخائفين له جنتان فصح أنها جنات كثيرة، وقيل: يعود على الفراش لقربها وتكون في بمعنى على اهـ كرخي.\rقوله: قاصِراتُ الطَّرْفِ قال ابن زيد: تقول لزوجها وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك، فالحمد للّه الذي جعلك زوجي وجعلني زوجتك اهـ خطيب.\rوفي السمين: وقاصرات الطرف من إضافة اسم الفاعل لمنصوبة تخفيفا إذ يقال قصر طرفه على كذا وحذف متعلق القصر للعلم به أي: على أزواجهن كما تقدم تقديره، وقيل: المعنى قاصرات لطرف غيرهن عليهن أي: أزواجهن لا يتجاوز طرفهم إلى غيرهم اهـ.\rقوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَ الخ هذه الجملة يجوز أن تكون نعتا لقاصرات لأن إضافتها لفظية كقوله:\rهذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [الأحقاف: 24] وأن تكون حالا لتخصيص النكرة بالإضافة اهـ سمين.\rوفي المصباح: طمث الرجل امرأته من بابي شرب وقتل افتضها، ولا يكون الطمث نكاحا إلا بالتدمية، وعليه قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَ اهـ.\rوفي السمين: وأصل الطمث الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث وإن لم يكن معه دم، وقيل: الطمث دم الحيض أو دم الجماع، وقيل: الطمث المس الخالص اهـ.\rوفي البيضاوي: وقرأ الكسائي بضم الميم اهـ.\rوقول السمين: ثم اطلق على كل جماع وهذا هو المراد هنا. وفي القرطبي: لم يطمثهن أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد اهـ.\rقوله: (و هن من الحور) أي: يكن للإنس والجن فيكن قسمين: إنسيات للإنس وجنيات للجن،","part":7,"page":378},{"id":2837,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 379\rتُكَذِّبانِ (57)\rكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ صفاء وَالْمَرْجانُ (58) أي اللؤلؤ بياضا\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59) وعبارة الخطيب: قال ضمرة بن حبيب: للمؤمنين أزواج من الحور فالإنسيات للإنس والجنيات للجن اهـ.\rقوله: (أو من نساء الدنيا المنشآت) أي المخلوقات ابتداء من غير توسط ولادة خلقا يناسب البقاء والدوام وذلك يستلزم كمال الخلق وتوفر القوى الجسمية وانتفاء سمات النقص اهـ مناوي على الشمائل.\rوفي الكرخي: قوله: أو من نساء الدنيا المنشآت بمعنى لم يطمث الإنسيات منهن أحد من الإنس، ولم يطمث الجنيات منهن أحد من الجن، وهذا دليل على أن الجن يطمثون أزواجهم فإن قمام الامتنان يقتضي ذلك إذ لو لم يطمثوا لم يحصل لهم الامتنان، ويشير بذلك إلى الرد على من زعم أن الجن المؤمنين لا ثواب لهم، وإنما جزاؤهم ترك العقوبة وجعلهم ترابا ووجهه أن الخطاب في قوله:\rفبأي آلاء ربكما تكذبان الجن والإنس للامتنان عليهم بحور موصوفات تارة بقاصرات الطرف وأخرى بمقصورات في الخيام وبكونهن لم يطمثهن إنس ولا جان، فالواجب أن يرد كل لما يناسبه اهـ.\rقوله: إِنْسٌ قَبْلَهُمْ أي: قبل الأزواج الإنسيين والجنيين، أي: أن كل واحد من أفراد النوعين يجد زوجاته في الجنة اللاتي كن في الدنيا أبكارا وإن كن في الدنيا ثيبات فلم يسبقه غيره على زوجته حتى يجيء هو فيجدها ثيبا، والزوج الإنسي زوجاته إنسيات والجني زوجاته جنيات، وهذا على مذهب الجمهور من أن الجن يدخلون الجنة ويتنعمون كالإنس، وقال أبو حنيفة: إن جزاءهم على طاعاتهم عدم دخول النار فبعد حضورهم الموقف في القيامة يصيرون ترابا كالبهائم اهـ شيخنا.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما تكذبان أي بأي نوع من أنواع هذا الإحسان اهـ خطيب.\rقوله: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ الخ هذه الجملة يجوز أن تكون نعتا لقاصرات، وأن تكون حالا منها ولم يذكر مكي غيره، والياقوت جوهر نفيس يقال أن النار لم تؤثر فيه اهـ سمين.\rومن المعلوم أن الياقوت أحمر اللون فهذا التشبيه يقتضي أن لون أهل الجنة البياض المشرب بحمرة فينا في المقرر المعلوم من أنه البياض المشرب بصفرة، وأشار الشارح إلى جواب هذا بأن التشبيه بالياقوت من حيث الصفاء لا من حيث الحمرة، وهذا لا ينافي أنه البياض المشرب بصفرة اهـ.\rلكن الذي في الخازن نصه: والمرجان صغار اللؤلؤ وهو أشد بياضا اهـ.\rفعلى هذا يطلق المرجان على الأحمر والأبيض، والمراد به هنا الأبيض اهـ.\rوفي القرطبي: روى الترمذي عن عبد اللّه بن مسعود، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة يرى بياض ساقها من وراء سبعين حتى يرى مخها». وذلك لأن اللّه تعالى يقول: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فأما الياقوت، فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته» ويروى موقوفا.\rوقال عمرو بن ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء ذلك كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء، وقال الحسن: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما تكذبان أبما جعله مثالا لما ذكر من وصفهن أم بغيره اهـ خطيب.","part":7,"page":379},{"id":2838,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 380\rهَلْ ما جَزاءُ الْإِحْسانِ بالطاعة إِلَّا الْإِحْسانُ (60) بالنعيم\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61)\rوَمِنْ دُونِهِما أي الجنتين المذكورتين جَنَّتانِ (62) أيضا لمن خاف مقام ربه\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63)\rمُدْهامَّتانِ (64) سوداوان من شدة خضرتهما\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65)\rفِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66) فوّارتان بالماء لا ينقطعان\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67)\rفِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ قوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ هل ترد في الكلام على أربعة أوجه، تكون بمعنى قد كقوله: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وبمعنى الاستفهام كقوله: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: 44] وبمعنى الأمر كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] وبمعنى الجحد كقوله: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ [النحل: 35] هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ اهـ قرطبي.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أبشيء من هذه النعم الجزيلة أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ مبتدأ وخبر. قوله: المذكورتين أي بالصفات السابقة، وأشار به إلى أن التفاوت بينهما وبين الآيتين من حيث الصفات، وقوله: لمن خاف مقام ربه هكذا مشى الشارح على أن ما صدق أصحاب الجنات الأربع واحد، وهو من خاف مقام ربه، وبعضهم جعل صاحب السابقتين من خاف مقام ربه وصاحب الآيتين أصحاب اليمين اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ومن دونهما أي من دون تينك الجنتين المتقدمتين جنتان في المنزلة وحسن المنظر، وهذا على الظاهر من أن الأولتين أفضل من الآخرتين، وقيل: بالعكس ورجحه الزمخشري اهـ.\rوفي الخطيب: وقال الكسائي: ومن دونهما أي أمامهما وقبلهما يدل عليه قول الضحاك:\rالجنتان الأولتان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت، وعلى هذا فهما أفضل من الأولتين، وإلى هذا القول ذهب أبو عبد اللّه الترمذي الحكيم من نوادر الأصول وقال: ومعنى ومن دونهما جنتان أي دون هاتين إلى العرش أي أقرب وأدنى إلى العرش، وقال مقاتل: الجنتان الأولتان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما تكذبان أبشيء مما تفضل به عليكم من الجنات أم بغيره اهـ خطيب.\rقوله: مُدْهامَّتانِ في المختار: دهمهم الأمر غشيهم وبابه فهم، وكذا دهمتهم الخيل ودهمهم بفتح الهاء لغة، والدهمة السواد. يقال: فرس أدهم وبعير أدهم وناقة دهماء، وادهام ادهيماما أي اسود. قال اللّه تعالى: مدهامتان أي سوداوان من شدة الخضرة من الري، والعرب تقول لكل شيء أخضر أسود، وسميت قرى العراق سوادا لكثرة خضرتها، والشاة الدهماء الحمراء الخالصة الحمرة، ويقال للقيد: الأدهم اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي المحسن إليكما بالرزق وغيره، تكذبان أبشيء من تلك النعم أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: نَضَّاخَتانِ النضخ بالخاء المعجمة فوق النضح بالحاء المهملة، لأن النضح بالحاء","part":7,"page":380},{"id":2839,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 381\rوَرُمَّانٌ (68) هما منها وقيل من غيرها\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69)\rفِيهِنَ أي الجنتين وما فيهما خَيْراتٌ أخلاقا حِسانٌ (70) وجوها\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71)\rحُورٌ شديدات سواد العيون المهملة الرش، والنضخ بالخاء المعجمة فوران الماء اهـ سمين.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما المربي البليغ الحكمة في التربية تكذبان أبتلك النعم أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (هما منهما) أي: من الفاكهة وهو ظاهر، وقوله: (و قيل من غيرها) ووجهه كما قاله القرطبي: أن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم والرمان كالشرب، فكان يكثر غرسهما لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم الثمار التي يعجبون بها اهـ خطيب.\rوعبارة الكرخي: قوله: هما منها أي من الفاكهة، وبه قال الشافعي رضي اللّه عنه، وأكثر العلماء، فيحنث بأكل أحدهما من حلف لا يأكل فاكهة، وحينئذ فعطفهما عليها من عطف الخاص على العام تفصيلا، وقوله: (و قيل من غيرها) أي: أنهما ليسا من الفاكهة وعليه أبو حنيفة حيث قال: من حلف لا يأكل فاكهة لم يحنث بأكل النخل والرمان كما قال القاضي اهـ.\rوفي الخازن: وروى البغوي بسنده عن ابن عباس موقوفا قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكرمها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها حللهم، وثمرها مثل القلال أبو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس أهل عجم. وروي أن الرمانة من رمان الجنة كجلد البعير المقتب، وقيل: إن نخل الجنة نضيد وثمرها كالقلال كلما نزعت منها واحدة عادت مكانها أخرى، العنقود منها اثنا عشر ذراعا اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما المحسن إليكما بجليل التربية، تكذبان أبتلك النعم أم بغيرها مما أحسن به إليكم اهـ خطيب.\rقوله: (أي الجنتين وما فيهما) أشار بهذا إلى تصحيح ضمير الجمع نظير ما تقدم.\rقوله: خَيْراتٌ فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع خيرة بوزن فعلة بسكون العين، يقال: امرأة خيرة وأخرى شرة. والثاني: أنه جمع خيرة المخفف بالتشديد، ويدل على ذلك قراءة خيرات بتشديد الياء اهـ سمين.\rوفي الحديث: إن الحور العين يأخذ بعضهم بأيدي بعض، ويتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بأحسن منها ولا بمثلها: نحن الراضيات فلا نسخط أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات فلا نيبس أبدا، ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج كرام». أخرجه الترمذي بمعناه من حديث علي رضي اللّه عنه. وقالت عائشة رضي اللّه عنها: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصليات وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتوضئات وما توضأتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن. قالت عائشة رضي اللّه عنها، فغلبنهن. واختلف أهما أكثر حسنا وأبهى جمالا هل الحور أو الآدميات؟ فقيل: الحور","part":7,"page":381},{"id":2840,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 382\rوبياضها مَقْصُوراتٌ مستورات فِي الْخِيامِ (72) من درّ مجوف مضافة إلى القصور شبيهة بالخدور\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73)\rلَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ قبل أزواجهن وَلا جَانٌ (74)\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75)\rمُتَّكِئِينَ أي أزواجهم، وإعرابه كما تقدم عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ جمع رفرفة لما ذكر من وصفهن في القرآن والسّنة كقوله عليه الصلاة والسّلام في دعائه على الميت في الجنازة:\r«و أبدله زوجا خيرا من زوجه» وقيل: الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، وروي مرفوعا، وذكر ابن المبارك: وأخبرنا رشدين، عن ابن أنعم، عن حبان بن أبي جبلة قال: إن نساء الدنيا من دخل منهن الجنة فضلت على الحور العين بما عملن في الدينا، وقد قيل: إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين يخلقن في الآخرة على أحسن صورة قاله الحسن البصري، والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، وإنما هن مخلوقات في الجنة لأن اللّه قال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ [الرحمن: 56 و74] وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات، ولأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء فلا يصيب كل واحد منهم امرأة»، ووعد الحور العين لجماعتهم فثبت أنهن من غير نساء الدنيا اهـ قرطبي.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما تكذبان أبنعمة ما جعل لكم من الفواكه أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (مستورات) عبارة البيضاوي: مقصورات في الخيام قصرن في خدورهن. يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة أي: مخدرة اهـ.\rوقوله: في الخيام جمع خيم جمع خيمة، فالخيام جمع الجمع اهـ خطيب.\rقوله: (من در مجوف) عبارة القرطبي: وقال عمر رضي اللّه عنه: الخيمة درة مجوفة وقاله ابن عباس وقال: هي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وقال الترمذي الحكيم أبو عبد اللّه في قوله تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ بلغنا في الرواية أن سحابة مطرت من العرش فخلفت الحور من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطى الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس لها باب حتى إذا دخل ولي اللّه الجنة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي اللّه أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدام لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصرها بها عن أبصار المخلوقين واللّه أعلم اهـ.\rقوله: (مضافة إلى القصور) معنى إضافتها إليها أنها في داخلها، فالخيمة في داخل القصر.\rوقوله: شبيهة أي: تلك الخيام بالخدور جمع خدر، وهو الستر الذي يتخذ في البيوت كالناموسية، فتلك الخيام التي من الدر تشابه الخدور التي تكون في داخل القصور اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي نعم ربكما الذي صوركم وأحسن صوركم، تكذبان أبهذه النعم أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم، ربكما الذي جعل لكم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تكذبان أبهذه النعم أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: (و إعرابه كما تقدم) أي: أنه حال عامله محذوف أي: يتنعمون اهـ شيخنا.","part":7,"page":382},{"id":2841,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 383\rأي بسط ووسائد وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76) جمع عبقرية أي طنافس\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77)\rتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (78) تقدم، ولفظ اسم زائد.\rقوله: (جمع رفرفة) أي: اسم جمع أو اسم جنس جمعي، وكذا يقال في عبقري، وعبارة السمين: الرفرف اسم جنس، وقيل: اسم جمع نقلهما مكي، والواحدة رفرفة وهي ما تدلى من الأسرّة من غالي الثياب، واشتقاقه من رفرف الطائر أي: ارتفع في الهواء، انتهت.\rوقوله: عبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب إنه اسم بلد الجن فينسبون إليه كل شيء عجيب.\rقال في القاموس: عبقر موضع كثير الجن وقرية بناؤها في غاية الحسن، والعبقري الكامل من كل شيء، وقال الخليل: هو الجليل النفيس من الرجال وغيرهم، وقال قطرب: ليس هو المنسوب بل بمنزلة كرسي وبختي اهـ خطيب.\rقوله: (أي طنافس) في المصباح: الطنفسة بكسرتين في لغة العالية، وفي لغة بفتحتين وهي بساط له خمل رقيق اهـ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: نعم ربكما المحسن الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه، تكذبان أبشيء من هذه النعم أم بغيرها اهـ خطيب.\rقوله: ذِي الْجَلالِ قرأ ابن عامر ذو الجلال بالواو وجعله تابعا للاسم، وهكذا هو مرسوم في مصحف الشاميين، والباقون بالياء صفة للرب فإنه هو الموصوف بذلك، وأجمعوا على الواو في الأول إلا من ذكرته فيما تقدم اهـ سمين.\rقوله: (تقدم) أي: تقدم شرحه وعبارته فيما سبق، ويبقى وجه ربك ذاته ذو الجلال والإكرام للمؤمنين بأنعمه عليهم، انتهت.\rخاتمة:\rرأيت في تذكرة القرطبي كلاما حسنا يتعلق بشرح هذه الآيات وغالبه في تفسيره، فأحببت نقله لما فيه من كثرة الفوائد. قال رضي اللّه عنه ما نصه: ولما وصف اللّه الجنتين أشار إلى الفرق بينهما فقال في الأوليين: فيهما عينان تجريان وفي الأخريين فيهما عينان نضاختان، أي فوارتان بالماء ولكنهما ليستا كالجاريتين، لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: فيهما من كل فاكهة زوجان فعمّ ولم يخص، وفي الأخريين فيهما فاكهة ونخل ورمان ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين متكئين على فرش بطائنها من استبرق وهو الديباج، وفي الأخريين متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان والعبقري الموشى، ولا شك أن الديباج أعلى من الموشى، والرفرف كسر الخباء، ولا شك أن الفرش المعد للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء، وقال في الأوليين في صفة الحور العين كأنهن الياقوت والمرجان، وفي الأخريين فيهن خيرات حسان وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان، وقال في الأوليين: ذواتا أفنان، وفي الأخريين مدهامتان أي: خضروان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، فوصف الأوليين بكثرة الأغصان والأخريين بالخضرة وحدها. وفي هذا كله تحقيق المعنى الذي قصدنا","part":7,"page":383},{"id":2842,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 384\rبقوله: ومن دونهما جنتان، ولعل ما نذكره من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر.\rفإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من اللّه تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من اللّه تعالى. قلت: فهذا قوله، والقول الثاني: أن الجنتين في قوله تعالى: ومن دونهما أعلى وأفضل من الأوليين ذهب إلى هذا الضحاك، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ياقوت وزمرد، وقوله: ومن دونهما أي: ومن أمامهما ومن قبلهما، وإلى هذا القول ذهب أبو عبد اللّه بن محمد بن علي الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وقال: ومعنى ومن دونهما جنتان أن دون هاتين إلى العرش أي: أقرب وأدنى إلى العرش، وقال مقاتل: الجنتان الأوليان عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. قلت: ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسّلام: «إذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس» الحديث. وقال الترمذي: وقوله:\rفيهما عينان نضاختان أي: بألوان الفواكه والنعم والجواري المزينات والدواب المسرجات والثياب الملونات، وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري. قلت: على هذا تدل أقوال المفسرين. روي عن ابن عباس نضاختان أي: فوارتان بالماء، والنضح بالحاء أكثر من النضخ بالخاء، وعنه أيضا أن المعنى نضاختان بالخير والبركة وقاله الحسن ومجاهد، وعن ابن عباس أيضا، وابن مسعود: ينضخ على أولياء اللّه بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر، وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه، وقوله: فيهن خيرات حسان يعني النساء الواحدة خيرة. قال الترمذي: والخيرة ما اختارهن اللّه فأبدع خلقهن باختياره فاختيار اللّه لا يشبه اختيار الآدميين، ثم قال: حسان فوصفهن بالحسن، وإذا وصف خالق الشيء شيئا بالحسن فانظر ما هناك فمن ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن، وفي الأوليين ذكر أنهن قاصرات الطرف وكأنهن الياقوت والمرجان، فانظركم بين الخيرة وهي مختار اللّه وبين قاصرات الطرف، ثم قال: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ وقال في الأوليين قاصرات الطرف قصرن طرفهن على الأزواج ولم يذكر أنهن مقصورات، فدل على أن المقصورات أفضل وأعلى وقد بلغنا في الرواية أن سحابة مطرت من العرش فخلقهن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطىء الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس بها باب، حتى إذا حلّ ولي اللّه الخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي اللّه أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين واللّه أعلم، ثم قال: متكئين على رفرف اختلف في الرفرف ما هو؟ فقيل: كسر الخباء وجوانب الزرع وما تدلى منها الواحدة رفرفة، وقيل: الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا يتلذذ به مع أنيسته واشتقاقه على هذا من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفرفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء، وربما سمي الظليم أي: ذكر النعام رفرفا بذلك لأنه يرفرف بجناحيه ثم يعود، ورفرف الطائر أيضا إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه. قال الترمذي الحكيم: والرفرف أعظم خطرا من الفرش، فذكر في الأوليين متكئين على فرش بطائنها من استبرق وقال هنا متكئين على رفرف خضر والرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي","part":7,"page":384},{"id":2843,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 385\rرفرف به أي طار به هكذا وهكذا حيثما يريد كالمرجاح. وروي لنا في حديث المعراج أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى مسند العرش، وذكر أنه قال: «طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بين يدي ربي، ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به حفضا ورفعا يهوي به حتى أداه إلى جبريل صلوات اللّه عليهما، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد»، والرفرف:\rخادم من الخدم بين يدي اللّه تعالى له خواص من الأمور في محل الدنو والقرب، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره اللّه لأهل الجنتين الدانيتين هو متكؤهما وفرشهما يرفرف بالولي إلى حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان، ثم قال: وعبقري حسان والعبقري ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش إنها حسان فما ظنك بتلك العباقر، والعبقر قرية بناحية اليمن فيما بلغنا ينسج فيها بسط منقوشة، فذكر اللّه ما خلق في تينك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان والرفرف الخضر، وإنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هنا فبان تفاوت هاتين الجنتين، وقد روي عن بعض المفسرين فإذا هو يشير إلى أن هاتين الجنتين من دونها أي: أسفل منهما وأدون، فكيف تكون مع هذه الصفات أدون فحسبه لم يفهم الصفة. ذكر هذا كله في الأصل التاسع والثمانين من كتاب نوادر الأصول، واللّه سبحانه وتعالى أعلم اهـ بحروفه.","part":7,"page":385},{"id":2844,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 386\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الواقعة مكية لا فَبِهذَا الْحَدِيثِ الآية. وثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ الآية وهي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية\rإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) قامت القيامة\rلَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) نفس تكذب بأن تنفيها كما نفتها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية إلا أفبهذا الحديث) الخ عبارة القرطبي: مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء، وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة وهو قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82] وقال الكلبي: مكية إلا أربع آيات منها آيتان: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة: 81] وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82] نزلتا في سفره إلى مكة، وقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: 39 - 40] نزلتا في سفره إلى المدينة، انتهت.\rفعلى الشارح إنما عبر بالآية دون الآيتين: لكونه يرى أن الآية هي مجموع الآيتين وغيره يرى أن كل جملة آية اهـ شيخنا.\rقال مسروق: من أراد أن يعمل نبأ الأولين والآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ أهل الدنيا ونبأ أهل الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة، وذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد والتعليق، والثعلبي أيضا: أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات منه فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي قال: فما تشتهي؟ قال رحمة ربي قال: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني. قال أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه حبسته عني في حياتي وتدفعه لي عند مماتي. قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفاقة من بعدي إني أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة، فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا اهـ قرطبي.\rقوله: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي: إذا قامت القيامة، وذلك عند النفخة الثانية، والتعبير عنها بالواقعة للإيذان بتحقيق وقوعها لا محالة كأنها واقعة في نفسها اهـ أبو السعود.\rأي: التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال قال: وتاء المبالغة غيرها اهـ خطيب.\rوفي إذا أوجه، أحدها: أنها ظرف محض ليس فيها معنى الشرط والعامل فيها ليس من حيث ما","part":7,"page":386},{"id":2845,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 387\rفي الدنيا\rخافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) أي هي مظهرة لخفض أقوام بدخولهم النار، ولرفع آخرين بدخولهم الجنة\rإِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) حركت حركة شديدة\rوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فتتت فيها من معنى النفي كأنه قيل ينتفي التكذيب بوقوعها إذا وقعت. والثاني: أن العامل فيها اذكر مقدرا.\rوالثالث: أنها شرطية وجوابها مقدر أي: إذا وقعت كان كيت وكيت وهو العامل فيها. والرابع: أنها شرطية والعامل فيها الفعل الذي بعدها ويليها وهو اختيار الشيخ، وتبع في ذلك مكيا قال مكي:\rوالعامل فيها وقعت لأنها قد يجازي بها فعمل فيها الفعل الذي بعدها كما يعمل في ما ومن اللتين للشرط في قولك: ما تفعل أفعل ومن تكرم أكرم. الخامس: أنها مبتدأ وإذا رجت خبرها، وهذا على قولنا إنها تنصرف وقد مضى القول فيه محررا. السادس: أنها ظرف لخافضة رافعة قاله أبو البقاء أي:\rإذا وقعت خفضت ورفعت. السابع: أنها ظرف لرجت، وإذا الثانية على هذا إما بدل من الأولى أو تكرير لها. الثامن: أن العامل فيها ما دل عليه قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8] الخ اهـ سمين.\rوقال الجرجاني: إذا صلة أي: وقعت الواقعة مثل اقتربت الساعة وأتى أمر اللّه، وهو كما يقال:\rقد جاء الصوم أي: دنا واقترب اهـ قرطبي.\rقوله: (كاذبة) اسم ليس، ولوقعتها خبرها مقدم، واللام بمعنى في على تقدير المضاف، أي ليس كاذبة توجد في وقت وقوعها كما أشار له الشهاب اهـ شيخنا.\rقوله: (أي هي مظهرة الخ) أشار به إلى أن خافضة خبر مبتدأ محذوف، وأن الخفض والرفع معناهما هنا إظهارهما. قال أبو السعود: والجملة تقرير لعظمتها وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك أو بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى الدرجات من زلزلة الأشياء، وإزالة الإجرام عن مقارها بنثر الكواكب وإسقاط السماء كسفا وغير ذلك اهـ.\rوفي القرطبي: والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعز والإهانة، ونسب سبحانه وتعالى الخفض والرفع للقيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يكن منه الفعل. يقولون: ليل قائم ونهار صائم، وفي التنزيل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: 33] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو اللّه وحده اهـ.\rقوله: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا يجوز أن يكون بدلا من إذا الأولى أو تأكيدا لها أو خبرا لها على أنها مبتدأ كما تقدم تحرير هذا كله، وأن تكون شرطا والعامل فيها إما مقدرة وإما فعلها الذي يليها كما تقدم في نظيرتها، وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال، لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض اهـ سمين.\rقوله: (حركت حركة شديدة) أي: بحيث يتهدم ما فوقها من بناء وجبل اهـ أبو السعود.\rوقال بعض المفسرين: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى يتهدم ما عليها ويتكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها، والرجة: الاضطراب وارتج البحر وغيره اضطرب اهـ خطيب.\rقوله: (فتتت) في المصباح: بسست الحنطة وغيرها بسا من باب قتل وهو الفت فهي بسيسة فعيلة بمعنى مفعولة اهـ.","part":7,"page":387},{"id":2846,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 388\rفَكانَتْ هَباءً غبارا مُنْبَثًّا (6) منتشرا، وإذا الثانية بدل من الأولى\rوَكُنْتُمْ في القيامة أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً (7)\rفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم مبتدأ خبره ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) تعظيم لشأنهم بدخولهم الجنة\rوَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال بأن يؤتى كل منهم كتابه قوله: (منتشرا) أي: متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه، فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من كوة اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: وقال علي رضي اللّه عنه: الهباء المنبث الرهج الذي يسطع من حوافر الذواب ثم يذهب فجعل اللّه أعمالهم كذلك، وقال مجاهد: الهباء هو الشعاع الذي في الكوة كهيئة الغبار، وروي نحوه عن ابن عباس وعنه أيضا: هو ما تطاير من النار إذا اضطربت يطير منها شرر، فإذا وقع لم يكن شيئا وقاله عطية اهـ.\rقوله: (و إذا الثانية) أي: إذا رجت بدل من إذا الأولى أي: إذا وقعت فهي في محل نصب، ويجوز نصبها بخافضة أو رافعة وباذكر مقدرا اهـ كرخي.\rقوله: وَكُنْتُمْ عطف على رجت والخطاب للخلائق بأسرهم قسمهم ثلاثة أصناف، اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم بينهم فقال: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الخ اهـ زاده.\rوعبارة أبي السعود: وكنتم أزواجا خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليبا، أو للحاضرة فقط اهـ.\rقوله أيضا: وَكُنْتُمْ أي: قسمتم بما كان في جبلاتكم وطبائعكم في الدنيا. أزواجا أي:\rأصنافنا ثلاثة كل صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة. قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر فهو زوج اهـ خطيب.\rقوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الخ هذا شروع في تفصيل وشرح أحوال الأزواج الثلاثة، فذكرت أحوالهم أولا على سبيل الإجمال بقوله: فأصحاب الميمنة الخ. ثم على سبيل التفصيل بقوله:\rأُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ الخ. وبقوله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ الخ. وبقوله: وَأَصْحابُ الشِّمالِ الخ.\rقوله: (مبتدأ خبره) ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ عبارة السمين: أصحاب الأول مبتدأ وما استفهام فيه تعظيم مبتدأ ثان، وأصحاب الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير، ومثله الحاقة ما الحاقة، القارعة ما القارعة، ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم، انتهت.\rفقوله: تعظيم لشأنهم أي: في هذا الاستفهام تعظيم لشأنهم هكذا عبّر غيره وكذا يقال فيما بعده اهـ شيخنا.\rوفي أبي السعود: فقوله تعالى: فأصحاب الميمنة مبتدأ، وقوله: ما أصحاب الميمنة خبره على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان وما بعده خبره، والجملة خبر الأول، والأصل ما هم أي: أي شيء هم في حالهم وصفتهم، فإن ما وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم، والحقيقة لكنها قد يطلب بها الصفة والحال تقول: ما زيد؟ فيقال: عالم أو طبيب فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في التفخيم،","part":7,"page":388},{"id":2847,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 389\rبشماله ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) تحقير لشأنهم بدخولهم النار\rوَالسَّابِقُونَ إلى الخير وهم الأنبياء مبتدأ السَّابِقُونَ (10) تأكيد لتعظيم شأنهم والخبر\rأُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)\rفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)\rثُلَّةٌ وكذا الكلام في قوله تعالى: وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية سوء الحال، وقد تكلموا في الفريقين فقيل: أصحاب الميمنة أصحاب المنزلة السنية، وأصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية أخذا من تيامنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمال، وقيل: الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم، وقيل: الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة والذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وقيل: أصحاب اليمن وأصحاب الشؤم، فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعاصيهم اهـ.\rقوله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ هذا هو القسم الثالث من الأزواج الثلاثة، ولعل تأخير ذكرهم مع كونهم أسبق الأقسام وأقدمهم في الفضل ليقترن ذكرهم ببيان ومحاسن أحوالهم على أن إيرادهم بعنوان السبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الوجوه، وقد تكلموا فيهم أيضا فقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل الكمالات، وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين كما قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التوبة: 100] وقيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات وأيّا ما كان فالجملة مبتدأ وخبر، والمعنى والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت محاسنهم وفيه من تفخيم شأنهم والإيذان بشيوع فضلهم واستغنائهم عن الوصف بالجميل ما لا يخفى، وقيل السابقون إلى طاعة اللّه تعالى السابقون إلى رحمته أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنة، وقوله: أولئك إشارة إلى السابقين وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده أي: أولئك الموصوفون بذلك النعت الجليل المقربون، أي: الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم وأعليت مراتبهم ورقت إلى حظائر القدس نفوسهم الزكية. هذا أظهر ما ذكر في إعراب هذه الجمل وأشهره وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل اهـ أبو السعود.\rقوله: (و هم الأنبياء) تفسير السابقين بهذا يقتضي انقطاع قوله: ثلة من الأولين الخ عنه فيتفكك الكلام، فالأولى تفسيرهم بأنهم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات، وقد ذكر هذين القولين أبو السعود كما تقدم، وعليه فيكون قوله: ثلة الخ خبر مبتدأ محذوف أي: وهم ثلة من الأولين الخ فيكون الكلام مرتبطا بعضه ببعض تأمل، وعبارة أبي السعود: ثلة من الأولين خبر مبتدأ محذوف أي: السابقون ثلة من الأولين، وهم الأمم السالفة من لدن آدم إلى نبينا عليهما السّلام وعلى من بينهما من الأنبياء العظام، وقيل: من الآخرين أي: من هذه الأمة اهـ.\rقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ خبر ثان، أو حال من الضمير في المقربون، أو متعلق به أي: قربوا","part":7,"page":389},{"id":2848,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 390\rمِنَ الْأَوَّلِينَ (13) مبتدأ أي جماعة من الأمم الماضية\rوَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم السابقون من الأمم الماضية وهذه الأمة، والخبر\rعَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) منسوجة بقضبان الذهب والجواهر\rمُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16) حالان من الضمير في الخبر\rيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ إلى رحمة اللّه في جنات النعيم اهـ سمين.\rقوله: (أي جماعة الخ) في القاموس: الثلة بالضم الجماعة من الناس والكثير من الدراهم وقد تفتح، وبالكسر الهلكة والجمع كعنب اهـ.\rقوله: (و هم السابقون) أي: الممدوحون بهذه الأوصاف هم السابقون أي: إلى الإيمان بالأنبياء عيانا وهم الذين اجتمعوا عليهم، ومعنى هذه العبارة أن المؤمنين الذين اجتمعوا على الأنبياء ثلة أي:\rجماعة كثيرة، والذين اجتمعوا على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثلة قليلة، والكل على سرر موضونة الخ. وهذا لا ينافي كون أمة محمد ثلثي أهل الجنة، لأن الكلام هنا في الذين اجتمعوا بالأنبياء مشافهة، والذين اجتمعوا على غير محمد من سائر الأنبياء أكثر من الذين اجتمعوا عليه، وهذا لا ينافي كون أمته على الإطلاق أكثر من الأمم الماضية كذلك كما لا يخفى. وعبارة الخازن: وذلك لأن الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوهم من الأمم الماضية أكثر ممن عاين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وآمن به، انتهت.\rثم إن هذا التفسير من الشارح غير تفسيره للسابقين فيما سبق بالأنبياء وذلك لأنه إعراب ثلة مبتدأ فجعله منقطعا عن الأول تأمل.\rقوله: عَلى سُرُرٍ جمع سرير وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العالية الموضوعة للراحة والكرامة اهـ خطيب.\rقوله: مَوْضُونَةٍ في القاموس وضن الشيء يضنه فهو موضون ووضين ثنى بعضه على بعض وضاعفه والغزل نسجه، والموضونة الدرع المنسوجة أو المتقاربة النسج، أو المنسوجة حلقتين حلقتين، أو بالجواهر، انتهى.\rفقوله: والجواهر متعلق بمحذوف أي: ومشتبكة بالجواهر كما صرح به غيره اهـ شيخنا.\rقوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها أي على السرر على الجنب أو غيره كحال من يكون على كرسي فيوضع تحته شيء آخر للاتكاء عليه اهـ خطيب.\rقوله: مُتَقابِلِينَ أي: فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، وقال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليه تواضع وانخفض له فإذا جلس عليه ارتفع اهـ خطيب.\rقوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ يجوز أن يكون حالا وأن يكون استئنافا، وبأكواب متعلق بيطوف، والأباريق جمع إبريق وهو من آنية الخمر والإبريق ماله خرطوم اهـ سمين.\rقوله: وِلْدانٌ بكسر الواو كصبيان باتفاق القراء جمع وليد بمعنى مولود، والولد يجمع على أولاد كسبب وأسباب اهـ من المصباح.","part":7,"page":390},{"id":2849,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 391\rمُخَلَّدُونَ (17) على شكل الأولاد لا يهرمون\rبِأَكْوابٍ أقداح لا عرى لها وَأَبارِيقَ لها عرى وخراطيم وَكَأْسٍ إناء شرب الخمر مِنْ مَعِينٍ (18) أي خمر جارية من منبع لا ينقطع أبدا\rلا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) بفتح الزاي وكسرها من نزف الشارب وأنزف، أي لا يحصل لهم فيها صداع ولا ذهاب عقل، بخلاف خمر الدنيا\rوَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)\rوَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) قوله: (على شكل الأولاد) أي فهم مخلوقون في الجنة ابتداء كالحور العين ليسوا من أولاد الدنيا هذا هو الصحيح، وقوله: لا يهرمون تفسير لقوله مخلدون، فالمراد بخلودهم عدم تعيرهم عن حالة الولد أن من الطراوة وحسن القد بخلاف أولاد الدنيا، فإنهم يتغيرون بالشيخوخة وبهذا سقط ما يقال:\rإن أهل الجنة كلهم مخلدون فلم نص على خلود الولدان؟ وحاصل الجواب: أن المراد بخلودهم ما عرفته، والمراد بخلود أهل الجنة مطلقا عدم الفناء اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: واختلف في هؤلاء الولدان، فقيل: هم أولاد المؤمنين الذين ماتوا أطفالا وهو ضعيف لأن اللّه أخبر أنه يلحقهم بآبائهم ولأن من المؤمنين من لا ولد له فلو خدمه غير ولده كان منقصة بأبي الخادم، وقيل: هم صغار الكفار الذي ماتوا قبل التكليف، وقيل: هم أطفال ماتوا ليس لهم حسنات فيثابون ولا سيئات فيعاقبون، ومن قال بهذه الأقوال يعلل بأن الجنة ليس فيها ولادة، والصحيح أنهم ولدان خلقوا في الجنة لخدمة أهل الجنة من غير ولادة أحدكما خلقت الحور العين من غير ولادة، وأطلق عليهم اسم الولدان لأن العرب تسمي الغلام وليدا ما لم يحتلم والأمة وليدة وإن أسنت اهـ باختصار.\rقوله: وَأَبارِيقَ جمع إبريق فعيل مشتق من البريق لصفاء لونه، وقوله: (لها عرى) وهي ما يمسك بها المسماة بالآذان، وقوله: وخراطيم وهي ما يصب منها المسماة بالبزابيز اهـ شيخنا.\rقوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها يجوز أن يكون مستأنفا أخبر عنهم بذلك، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في عليهم، ومعنى لا يصدعون عنها أي بسببها. قال الزمخشري: وحقيقة لا يصدر صداعهم عنها، والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه والخمر تؤثر فيه اهـ سمين.\rقوله: (أي لا يحصل لهم منها الخ) لف ونشر مرتب، فقوله: أي: لا يحصل لهم منها صداع أشار به إلى تفسير لا يصدعون، وأن عن بمعنى من أي من أجلها وبسببها، وقوله: ولا ذهاب عقل تفسير لقوله: ولا ينزفون على كل من القراءتين وهما سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أي: يختارون.\rقوله: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ خرّج الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطف على يد ولي اللّه، فيقول أحدها يا ولي اللّه رعيت في مروج تحت العرش وشربت من عيون التسنيم فكل مني فلا يزالن يفتخرن بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها فيخرّ بين يديه على ألوان مختلفة فيأكل منها ما أراد فإذا شبع تجمع عظام الطير فطار يرعى في الجنة حيث شاء، فقال عمر: يا نبي اللّه إنها لناعمة. قال: آكلها أنعم منها» اهـ قرطبي.","part":7,"page":391},{"id":2850,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 392\rوَلهم للاستمتاع وَحُورٌ نساء شديدات سواد العيون وبياضها عِينٌ (22) ضخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء، ومفرده عيناء كحمراء، وفي قراءة بجر حور عين\rكَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) المصون\rجَزاءً مفعول له أو مصدر، والعامل مقدّر، أي جعلنا لهم ما ذكر للجزاء، أو جزيناهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24)\rلا يَسْمَعُونَ فِيها في الجنة لَغْواً فاحشا من الكلام وَلا تَأْثِيماً (25) ما يؤثم\rإِلَّا لكن قِيلًا قولا سَلاماً سَلاماً (26) بدل من قيلا فإنهم وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يخطر على قلبه لحم الطير فيصير بين يديه على ما يشتهي، أو يقع على الصحفة فيأكل منها ما يشتهي ثم يطير اهـ كرخي.\rقوله: حُورٌ عِينٌ مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله: لهم، وقوله: وفي قراءة بجر حور عين وفيه أوجه، أحدها: أنه عطف على جنات النعيم كأنه قيل: هم في جنات النعيم وفاكهة ولحم وحور عين قاله الزمخشري. الثاني: أنه معطوف على بأكواب، وذلك بتجوز في قوله: يطوف إذ معناه يتنعمون فيها بأكواب وبكذا وبحور قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضا فإن فيه لذة لهم اهـ سمين.\rقوله: (شديدات سواد العيون) هذا من جملة تفسير العين فلو أخره بعده لكان أوضح، فالعين شديدات سواد العيون مع سعتها، وأما الحور أي: بياض فمعناه النساء شديدات البياض أي: بياض أجسادهن تأمل اهـ شيخنا.\rثم رأيت في المختار ما نصه: والحور بفتحتين شدة بياض العين في شدة سوادها، وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين، وقال أبو عمرو: والحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقرة. قال: وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور العين تشبها بالظباء والبقر اهـ.\rقوله: (بدل ضمها) أي: الذي هو حقها لأن المفرد عيناء كما قال بوزن حمراء، وما كان كذلك يجمع على فعل بضم الفاء على حد قوله:\rفعل لنحو أحمر وحمرا\rاه شيخنا.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية بجر حور عين اهـ.\rقوله: كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ أي: المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع الشمس والهواء عليه، فيكون في نهاية الصفاء. قال البغوي: ويروى أنه يسطع نور في الجنة فيقولون ما هذا؟ فيقال: ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها، ويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وأن عقد الياقوت في نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصيحان بالتسبيح اهـ خطيب.\rقوله: (لكن) قِيلًا أشار بهذا إلى أن الاستثناء منقطع لأن السّلام لم يندرج تحت اللغو والتأثيم اهـ سمين.\rقوله: (بدل من قيلا) عبارة السمين: قوله: سلاما سلاما في أوجه، أحدها: بدل من قيلا أي: لا","part":7,"page":392},{"id":2851,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 393\rيسمعونه\rوَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27)\rفِي سِدْرٍ شجر النبق مَخْضُودٍ (28) لا شوك فيه\rوَطَلْحٍ شجر الموز مَنْضُودٍ (29) بالحمل من أسفله إلى أعلاه\rوَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) دائم\rوَماءٍ مَسْكُوبٍ (31) جار دائما\rوَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32)\rلا مَقْطُوعَةٍ في زمن وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) بثمن\rوَفُرُشٍ يسمعون فيها إلا سلاما سلاما. الثاني: أنه نعت لقيلا. الثالث: أنه منصوب بنفس قيلا أي: إلا أن يقولوا سلاما سلاما وهو قول الزجاج. الرابع: أن يكون منصوبا بفعل مقدر ذلك الفعل محكي بقيلا تقديره إلا قيلا سلموا سلاما اهـ.\rوفي الخازن: إلا قيلا سلاما سلاما معناه لكن يقولون قيلا وتسمعون قيلا سلاما سلاما يعني يسلم بعضهم على بعض، وقيل: تسلم الملائكة عليهم، وقيل: يرسل الرب السّلام إليهم، وقيل:\rمعناه أن قولهم يسلم من اللغو اهـ.\rقوله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ الخ شروع في تفصيل ما أجمل عند التقسيم من شؤونهم الفاضلة إثر تفضيل شؤون السابقين اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي سِدْرٍ خبر ثان عن المبتدأ الذي هو قوله: وأصحاب اليمين، أو خبر مبتدأ محذوف أي: هم في سدر، والظرفية للمبالغة في التنعم والانتفاع به اهـ شيخنا.\rوقوله: مخضود في المختار خضد الشجر قطع شوكه وبابه ضرب فهو خضيد ومخضود اهـ.\rوفيه أيضا: نضد متاعه وضع بعضه على بعض وبابه ضرب اهـ.\rوفي السمين: المخضود الذي قطع شوكه من خضدته أي: قطعته، وقيل: الموقر من الحمل حتى لا يبين ساقه وتنثني أغصانه من خضدت الغصن أي: ثنيتة، وطلح منضود أي متراكب، وفي التفسير لا يرى له ساق من كثرة ثمره اهـ.\rوفي الخطيب: قال ابن المبارك: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون: إنا لتنفعنا الإعراب ومسائلهم. قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول اللّه لقد ذكر اللّه في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «و ما هي؟» قال: السدر فإن له شوكا مؤذية، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أو ليس يقول في سدر مخضود خضد اللّه شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها ثمر على اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر». وقال أبو العالية، والضحاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد بالطائف مخصب فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا. فنزلت الآية اهـ.\rوليس ثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا مثل الباقلاء والجوز ونحوهما، بل كله مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه اهـ خازن.\rقوله: (دائم) أي لا تنسخه الشمس.\rقوله: (جار دائما) أي: يجري الليل والنهار في غير أخدود لا ينقطع عنهم اهـ قرطبي.\rقوله: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ أي: كثرة الأجناس، وقوله: لا مقطوعة نعت لفاكهة ولا للنفي كقولك:\rمررت برجل لا طويل ولا قصير ولذلك لزم تكرارها اهـ سمين.","part":7,"page":393},{"id":2852,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 394\rمَرْفُوعَةٍ (34) على السرر\rإِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) أي الحور العين من غير ولادة\rفَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع\rعُرُباً بضم الراء وسكونها جمع عروب وهي المحببة إلى زوجها عشقا له أَتْراباً (37) جمع ترب أي مستويات في السن قوله: وَلا مَمْنُوعَةٍ (بثمن) الأولى أن يقول بشيء أي: فلا تتوقف على شيء كثمن أو حائط أو باب أو سلم اهـ شيخنا.\rأي: لا تمنع عن متناولها بوجه كبعد المتناول وانعدام ثمن يشتري به، وشوك في الشجر يؤذي من يقصدها، وحائط يمنع الوصول إلى شجرها، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها بلا تعب.\rقال تعالى: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الإنسان: 14] اهـ زاده.\rقوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال علي: مرفوعة على الأسرة، وقيل: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية. وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله وفرش مرفوعة قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام» أخرجه الترمذي: وقال حديث حسن غريب. قال الترمذي:\rقال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث ارتفاعها كما بين السماء والأرض يقول ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وقيل: أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة، فعلى هذا القول يكون معنى مرفوعة أي: رفعن بالفضل والجمال على نساء الدنيا، ويدل على هذا التأويل قوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَ الخ اهـ خازن.\rقوله: (أي الحور العين من غير ولادة) أشار به إلى أن المراد بالفرش النساء مرفوعات على الأرائك أنهن لسن من نسل آدم عليه السّلام، بل هن مخترعات لم يسبقن بخلق وهو ما جرى عليه أبو عبيدة وغيره، وعبارة الكشاف: أنشأناهن إنشاء ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ولادة، فأما أن يراد اللاتي ابتدئ إنشاؤهن أو اللاتي أعيد إنشاؤهن، وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أن أم سلمة سألته عن قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فقال: «يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا جعلهن اللّه بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا» فلما سمعت عائشة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ذلك قالت: وا وجعاه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس هناك وجع» اهـ كرخي من الآية.\rومن الحديث: أن نساء الدنيا يخلقهن اللّه في القيامة خلقا جديدا من غير توسط ولادة خلقا يناسب البقاء والدوام، وذلك يستلزم كمال الخلق وتوفر القوى الجسمية وانتفاء سمات النقص، كما أنه خلق الحور العين على ذلك الوجه تأمل. قوله: (و لا وجع) أي: يحصل لهن في إزالة البكارة اهـ شيخنا.\rقوله: (بضم الراء وسكونها) سبعيتان وهذا كرسل ورسل فالتسكين للتخفيف، وقوله: جمع عروب كرسول اهـ سمين.\rقوله: (ترب) الترب هو المساوي لك في سنك لأنه يمس جلدهما التراب في وقت واحد وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة لأنه في معنى الصفة إذ معناه مساويك ومثله خدنك لأنه في معنى صاحبك اهـ سمين.","part":7,"page":394},{"id":2853,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 395\rلِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) صلة أنشأناهن أو جعلناهن وهم\rثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39)\rوَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)\rوَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (41)\rفِي سَمُومٍ ريح حارّة من النار تنفذ في المسام وَحَمِيمٍ (42) ماء شديد الحرارة\rوَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) دخان شديد السواد\rلا بارِدٍ كغيره من قوله: (أي مستويات في السن) وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء أتراب وفي الرجال أقران. وروى أبو هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يدخل في أهل الجنة جردا مردا بيضا مردا بيضا مكحولين أبناء ثلاثين أو قال ثلاث وثلاثين على خلق آدم عليه السّلام ستون ذراعا في سبعة أذرع» وروي أيضا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من دخل الجنة من صغير أو كبير يرد إلا ثلاثين سنة في الجنة لا يزاد عليها أبدا وكذلك أهل النار» اهـ خطيب.\rقوله: (صلة أنشأناهن الخ) عبارة السمين: في هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها متعلقة بأنشأناهن أن أنشأناهن لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة بأترابا كقولك: هذا ترب لهذا أي:\rمساو له اهـ.\rقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ خبر مبتدأ محذوف كما قدره، وذهب جماعة إلى أن الثلثين جميعا من هذه الأمة، وهو قول أبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك قالوا: ثلة من الأولين من سابقي هذه الأمة، وثلة من الآخرين من هذه الأمة أيضا في آخر ذلك الزمان يدل على ذلك ما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس في هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «هما جميعا من أمتي» وهذا القول هو اختيار الزجاج قال: معناه جماعة ممن تبع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وآمن به، وجماعة ممن آمن به وكان بعده ولم يعاينه، فإن قلت: كيف قال في الآية الأولى: وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: 14] وقال في هذه الآية: وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ قلت: الآية الأولى في السابقين الأولين وقليل من يلحق بهم من الآخرين، وهذه الآية في أصحاب اليمين وهم كثيرون في الأولين والآخرين اهـ خازن.\rقوله: وَأَصْحابُ الشِّمالِ الخ شروع في تفاصيل أحوالهم التي أشير عند التوزيع إلى هو لها وفظاعتها بعد تفصيل حسن أصحاب اليمين اهـ أبو السعود.\rقوله: فِي سَمُومٍ خبر ثان.\rقوله: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ وزنه يفعول. قال أبو البقاء: من ألحم أو الحميم واليحموم قيل: هو الدخان الأسود إلبهيم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: اسم من أسمائها والأول أظهر اهـ سمين.\rوفي المختار: وحممه تحميما سخم وجهه بالفحم والحمم الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، الواحدة حممة واليحموم الدخان اهـ.\rقوله: (كغيره من الظلال) قضيته أنهما صفتان للظل لا لقوله من يحموم، وتعقب بأنه يستلزم تقديم غير الصريحة على الصريحة فالأولى أن يجعل صفة ليحموم فالجواب: أن الترتيب غير واجب نص عليه الرضى مع أنه هنا يفضي إلى عدم توازن الفاصلتين وجعلهما نعتين ليحموم لا يلائم البلاغة القرآنية، وفي كلامه إشارة إلى أنه كان من حق الظاهر أن يقال: وظل حار ضار فعدل إلى قوله وظل من يحموم ليتبادر منه إلى الذهن أولا الظل المتعارف فيطمع السامع، فإذا نفي عنه ما هو المطلوب من","part":7,"page":395},{"id":2854,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 396\rالظلال وَلا كَرِيمٍ (44) حسن المنظر\rإِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ (45) منعمين لا يتعبون في الطاعة\rوَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الذنب الْعَظِيمِ (46) أي الشرك\rوَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) في الهمزة في الموضعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين\rأَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) بفتح الواو للعطف، والهمزتين للاستفهام وهو في ذلك الظل وهو البرد والاسترواح جاءت السخرية والتهكم والتعريض بأن الذين يستأهلون الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء فيكون أشجى لحلوقهم وأشد لتحسرهم اهـ كرخي.\rقال الرازي: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم السموم وإن استكنوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان بالكن يكونون في ظل من يحموم، فلا انفكاك لهم من العذاب، أو يقال: إن السموم تضربه فيعطش وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء فيقطع أمعاءه فيريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل اليحموم، وذكر السموم والحميم دون النار تنبيها بالأدنى على الأعلى كأنه قال: أبرد الأشياء في الدنيا حار عندهم فكيف أحرها اهـ خطيب.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا الخ تعليل لاستحقاقهم هذه العقوبة. قال الرازي: والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك للتنبيه على أن الثواب منه تعالى فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يوهم بالمتفضل نقصا ولا ظلما، وأما العدل فإنه إن لم يذكر سبب العقاب يظن أنه ظالم، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين جزاء بما كانوا يعملون كما في السابقين، لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه اهـ خطيب.\rقوله: (لا يتعبون في الطاعة) توجيه لكون الترفه أي: التنعم وصف ذم مع أنه في الواقع ليس ذما في حد ذاته، وإنما كان هنا ذما من حيث أنهم جعلوا من جملته القعود عن الطاعات وتركها، فصحّ ذمهم بهذا الاعتبار تأمل. قوله: (أي الشرك) ويعبر بالحنث عن البلوغ، ومنه قولهم: «لم يبلغوا الحنث» وإنما قيل ذلك لأن الإنسان عند بلوغه يؤاخذ بالحنث أي: الذنب، وتحنث فلان أي: جانب الحنث، وفي الحديث: كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتحنث بغار حراء أي يتعبد لمجانبته الاثم فتفعل في هذه كلها للسلب اهـ خطيب.\rقوله: (و ادخال ألف بينهما على الوجهين) هذه العبارة لا تفيد إلا قراءتين كما لا يخفى، وكان عليه أن يقول وتركه أي: ترك الإدخال، فالإدخال وتركه حالتان مضروبتان في حالتي التحقيق والتسهيل بأربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو) أي الاستفهام في ذلك وهو أو آباؤنا وفيما قبله وهو اثنان: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ وقوله: وفي قراءة أي: سبعية وقوله: والمعطوف عليه الخ أي: على كل من القراءتين اهـ شيخنا.","part":7,"page":396},{"id":2855,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 397\rوفيما قبله للاستبعاد، وفي قراءة بسكون الواو عطفا بأو، والمعطوف عليه محل إن واسمها\rقُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49)\rلَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ لوقت يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) أي يوم القيامة\rثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51)\rلَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) بيان للشجر\rفَمالِؤُنَ مِنْهَا من الشجر الْبُطُونَ (53)\rفَشارِبُونَ عَلَيْهِ أي الزقوم المأكول مِنَ الْحَمِيمِ (54)\rفَشارِبُونَ شُرْبَ بفتح الشين وضمها مصدر وقوله: محل إن واسمها أي: بعد ملاحظة تقدم المعطوف على الخبر، والتقدير أئنا وآباؤنا مبعوثون. وفي البيضاوي: أن المعطوف عليه الضمير المستكن في لمبعوثون اهـ.\rوحسن العطف على الضمير في لمبعوثون من غير تأكيد نحن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله: ما أشركنا ولا آباؤنا لفصل لا المؤكدة للنفي قاله في الكشاف، وقد تقدم الكلام على نظائر الآية في سورة الرعد وغيرها اهـ كرخي.\rقوله: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ الخ أي قل لهم ما ذكر ردا لإنكارهم وتحقيقا للحق اهـ أبو السعود.\rقوله: (لوقت) أي: في وقت يوم معلوم، أي: معين عند اللّه والإضافة بيانية اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: قوله: أي يوم القيامة فيه إشارة إلى أن إضافة ميقات يوم للبيان، وكأنه ضمن الجمع معنى السوق فعدى تعديته بإلى وإلّا فكان الظاهر أن يعدى يفي اهـ.\rقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ عطف على إن الأولين داخل تحت القول، وثم للتراخي زمانا أو رتبة، وقوله: المكذبون أي: بالبعث والخطاب لأهل مكة وأضرابهم اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ زَقُّومٍ وهو من أخبث الشجر المر ينبت في الدنيا بتهامة، وفي الآخرة ينبته اللّه في الجحيم وهو في غاية الكراهة وبشاعة المنظر ونتن الريح اهـ خطيب.\rقوله: (بيان للشجر) أي: فمن بيانية وأما من الأولى فهي لابتداء الغاية أو زائدة أي: لآكلون شجرا هو الزقوم اهـ شيخنا.\rقوله: فَمالِؤُنَ مِنْهَا تأنيث الضمير لكون الشجر اسم جنس اهـ خطيب.\rواسم الجنس يجوز تذكيره وتأنيثه لغتان اهـ سمين.\rقوله: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ قال الشيخ: الفاء تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولا لما عطشوا شربوا من الحميم ظنا منهم أنه يسكن عطشهم فازداد عطشهم بحرارة الحميم، فشربوا بعده شربا لا يقع بعده ري أبدا هو شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمشروب منه في فشاربون شرب الهيم محذوف لفهم المعنى تقديره فشاربون منه اهـ.\rوالظاهر أنه شرب واحد بل الذي يعتقد هو هذا فقط، وكيف يناسب أن تكون زيادة العطش بشربه مقتضية لشربهم منه ثانيا فشاربون شرب الهيم تفسير للشرب قبله، ألا ترى أن ما قبله يصلح أن يكون مثل شرب الهيم ومثل شرب غيرها ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم. وفي ذلك فائدتان، إحداهما:\rالتنبيه على شربهم منه. والثانية: عدم جدوى الشرب وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهيم اهـ سمين.","part":7,"page":397},{"id":2856,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 398\rالْهِيمِ (55) الإبل العطاش، جمع هيمان للذكر وهيمى للأنثى كعطشان وعطشى\rهذا نُزُلُهُمْ ما أعد لهم يَوْمَ الدِّينِ (56) يوم القيامة\rنَحْنُ خَلَقْناكُمْ أوجدناكم من عدم فَلَوْ لا هلا وفي الكرخي: وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الآخر من وجه لوجود الأول بدون الثاني في الشرب قليلا، أي: شرب الحميم، الثاني: بدون الأول في شرب البارد فلا اتحاد مع ظهور ترتب الثاني على الأول فإن الشرب بعد الأكل اهـ.\rقوله: (مصدر) أي: على كل من القراءتين وهما سبعيتان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قرأ نافع وعاصم وحمزة بضم الشين، وباقي السبعة بفتحها، ومجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرها فقيل ثلاث لغات في مصدر شرب، والمقيس منها إنما هو المفتوح، وقيل: المصدر هو المفتوح والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب كالرعي والطحن، وقال الكسائي: يقال شربت شربا وشربا، ويروى قول جعفر أيام منى أيام أكل وشرب، ويقال: بفتح الشين والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشاربين اهـ.\rقوله: (جمع هيمان للذكر وهيمى) بالقصر للأنثى أي: أن هيم جمع لهذين المفردين، كما أن عطاشا جمع لعطشان وعطشى بالقصر أيضا، وهذا من الشارح سبق قلم، لأن هيم أصله هيم بضم الهاء بوزن حمر لكن قلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء وفعل بضم الفاء جمع لأفعل وفعلاء على حد قوله:\rفعل لنحو أحمر وحمرا\rولا يصح ما ذكره الشارح إلّا لو كان الذي في الآية هيام كعطاش، فإنه جمع لعطشان وعطشى على حد قوله:\rفعل وفعلة لهما\rإلى أن قال:\rوشاع في وصف على فعلانا ... أو أنثييه أو على فعلانا\r\rوعبارة السمين: والهيم جمع أهيم وهيماء وهو الجمل والناقة التي أصابها الهيام وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت أو تسقم سقما شديدا، والأصل هيم بضم الياء كجمر قلبت الضمة كسرة لتصح الياء وذلك نحو بيض في أبيض وبيضاء، انتهت.\rقوله: هذا أي ما ذكر من المأكول والمشروب، وقوله: ما أعد لهم أي: أول قدومهم كما يعد للضيف أول حلوله كرامة له، وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك بما يأتي بعد ما استقروا في الجحيم وتسمية هذا نزلا تهكم بهم، لأن النزل ما يعد للنازل تكرمة والجملة مسوقة من جهته تعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون الكلام غير داخلة تحت القول اهـ أبو السعود.\rوقوله: بطريق الفذلكة فذلكة الشيء ذكره إجمالا. وفي القاموس: فذلك حسابه أنهاه وفرغ منه مخترعة من قوله: إذا أجمل حسابه فذلك كذا وكذا اهـ.\rكأنه قال: وجملته كذا وكذا أي: حاصله كيت وكيت. قوله: (بالبعث الخ) جواب ما يقال كيف قال ذلك مع أنهم مصدقون بذلك بدليل قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ","part":7,"page":398},{"id":2857,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 399\rتُصَدِّقُونَ (57) بالبعث، إذ القادر على الإنشاء، قادر على الإعادة\rأَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) تريقون المني في أرحام النساء\rأَأَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا ونسهيلها، وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى، وتركه في المواضع الأربعة تَخْلُقُونَهُ أي المني بشرا أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) [لقمان: 25 والزمر: 38] وإيضاحه: أن ذلك تحضيض على التصديق بالبعث بعد الموت بالاستدلال بالخلق الأول، فكأنه قال: هو خلقكم أولا باعترافكم فلا يمتنع عليه أن يعيدكم ثانيا، فهلا تصدقون بذلك أو هم وإن صدقوا بألسنتهم لكن لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق كانوا كأنهم مكذبون به، فينزل تصديقهم منزلة عدمه لفقدان ما يحققه من آثاره الدالة عليه اهـ كرخي.\rقوله: أَفَرَأَيْتُمْ هي بمعنى أخبروني، ومفعولها الأول ما تمنون، والثاني الجملة الاستفهامية اهـ سمين.\rأي: أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما تمنون اهـ خطيب وكذا يقال في البقية.\rقوله: ما تُمْنُونَ ما اسم موصول بمعنى الذي أي: أفرأيتم الذي تقذفونه وتصبونه في الأرحام وهو النطفة، وقرئ بفتح التاء من مني النطفة بمعنى أمناها أي: صبّها اهـ.\rوفي السمين: قرأ العامة تمنون بضم التاء من أمنى يمني، وقرأ ابن عباس بفتحها من منى يمني، وقال الزمخشري: يقال أمنى النطفة ومناها قال تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى [النجم: 46] اهـ.\rوفي المختار: وقد منى من باب رمى وأمنى أيضا اهـ.\rقوله: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه فاعل بفعل مقدر أي: اتخلقونه أنتم، فلما حذف الفعل لدلالة ما بعده عليه انفصل الضمير وهذا من باب الاشتغال. والثاني: أن أنتم مبتدأ والجملة بعده خبره، والأول أرجح لأجل أداة الاستفهام اهـ كرخي.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) في كلامه التنبيه على أربع قراءات مع أنها خمس لأن تحقق الهمزتين إما مع إدخال ألف بينهما ممدودة مدا طبيعيا أو بدون إدخال والخمس سبعية، وقوله: وإبدال الثانية ألفا أي: ممدودة مدا لازما، وقوله: في المواضع الأربعة متعلق بقوله بتحقيق الخ أي: وتجري هذه القراءات الأربعة بل الخمسة في المواضع الأربعة هذا أولها. والثاني: أأنتم تزرعونه. والثالث:\rأأنتم أنزلتموه من المزن. والرابع: أأنتم أنشأتم شجرتها اهـ شيخنا.\rقوله: أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ في أم هذه وجهان، أحدهما: أنها منقطعة لأن بعدها جملة والمتصلة إنما تعطف المفردات. والثاني: أنها متصلة وأجابوا عن وقوع الجملة بعدها بأن الخبر الذي بعد نحن أتي به على سبيل التأكيد لا لتصحيح الكلام، إذ لو قيل أم نحن لا كتفي به بدون الخبر، ويؤيد كونها متصلة أن الكلام يؤول إلى أي الأمرين واقع، وإذا صح ذلك كانت متصلة إذ الجملة في تأويل المفرد اهـ سمين.\rوعبارة الكرخي: وأم في هذه المواضع الأربعة منقطعة لوقوع جملة بعدها والمنقطعة تقدر ببل وهمزة الاستفهام، فيكون الكلام مشتملا علي استفهامين، الأول: أأنتم تخلقونه؟ وجوابه: لا.\rوالثاني: مأخوذ من أم أي: بل أنحن الخالقون؟ وجوابه: نعم اهـ.","part":7,"page":399},{"id":2858,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 400\rنَحْنُ قَدَّرْنا بالتشديد والتخفيف بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) بعاجزين\rعَلى عن أَنْ نُبَدِّلَ أي نجعل أَمْثالَكُمْ مكانكم وَنُنْشِئَكُمْ نخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) من الصور كالقردة والخنازير\rوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى وفي قراءة بسكون الشين فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) فيه إدغام التاء الثانية في الأصل في الذال\rأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) تثيرون الأرض وتلقون البذر فيها\rأَأَنْتُمْ قوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أي: قضينا به وأوجبناه وكتبناه فلم نترك أحدا منكم بغير حصة منه وأقتنا موت كل واحد بوقت معين لا يتعداه، فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج فلو اجتمع الخلق كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخره لحظة، وأطلنا عمر هذا وربما كان في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج فلو تمالؤوا على تقصيره طرفة عين لعجزوا اهـ خطيب.\rأي: والقادر على هذا كله قادر على إعادتكم وبعثكم اهـ.\rوفي القاموس: والأوج ضد الهبوط. قوله: (بالتشديد والتخفيف) سبعيتان.\rقوله: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ يجوز أن يتعلق بمسبوقين وهو الظاهر أي: ولم يسبقنا أحد على تبديلنا أمثالكم أي: يعجزنا. يقال: سبقه إلى كذا أي: أعجزه عنه وغلبه عليه، والثاني: أنه متعلق بقوله: قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أي: تموت طائفة وتخلفها طائفة أخرى قال معناه الطبري، فعلى هذا يكون قوله: وما نحن بمسبوقين معترضا وهو اعتراض حسن. ويجوز في أمثالكم وجهان، أحدهما: أنه جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء أي: نحن قادرون على أن نعدمكم ونخلق قوما آخرين أمثالكم، ويؤيده أن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين. والثاني: أنه جمع مثل بفتحتين وهو الصفة أي: نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقا وننشئكم في صفات غيرها اهـ سمين.\rقوله: فِي ما لا تَعْلَمُونَ أي: في صورة لا تعلمونها في جنسكم كتبديل صوركم بصورة القردة والخنازير قال الحسن: أي: نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم، وما مقطوعة في الرسم على القاعدة من أن الموصولة مفصولة اهـ من الخطيب.\rقوله: النَّشْأَةَ الْأُولى أي: الترابية لأبيكم آدم، واللحمية لأمكم حواء والنطفية لكم وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، فإن الذي شاهدتم قدرته على ذلك قادر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصور، والذي تسبب عما تقدم قوله: فلو لا تذكرون أي: لتعلموا أن من قدر على النشأة الأولى يقدر على الثانية فإنها أقل كلفة من الأولى في العادة اهـ خطيب.\rقوله: (و في قراءة) أي: سبعية بسكون الشين.\rقوله: (تثيرون الأرض الخ) تفسير الحرث بمجموع الأمرين المذكورين هو معناه اللغوي، فقد قال الراغب: الحرث تهيئة الزراعة وإلقاء البذر فيها اهـ.\rولذا قال في الكشاف: تبذرون حبه وتعملون في أرضه اهـ.\rوالمعنى المناسب هنا تفسير ما بالبذر، ومعنى تحرثون البذر تلقونه في الأرض فكأنه قال:","part":7,"page":400},{"id":2859,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 401\rتَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)\rلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً نباتا يابسا لا حب فيه فَظَلْتُمْ أصله ظللتم بكسر اللام حذفت تخفيفا أي أقمتم نهارا تَفَكَّهُونَ (65) حذفت منه إحدى التاءين في الأصل تعجبون من ذلك وتقولون\rإِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) نفقة زرعنا\rبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) ممنوعون رزقنا\rأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68)\rأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب جمع مزنة أَمْ نَحْنُ أفرأيتم البذر الذي تلقونه في الطين أأنتم تزرعونه أي تنبتونه اهـ.\rوفي المختار: الزرع طرح البذر والزرع أيضا الانبات. يقال: زرعه اللّه أي أنبته، ومنه قوله تعالى: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ وبابه قطع اهـ.\rقوله: (نباتا يابسا لا حب فيه) عبارة أبي السعود: لو نشاء لجعلناه حطاما هشيما متكسرا متفتتا بعد ما أنبتناه وجعلناه بحيث طمعتم في حيازة غلاله اهـ.\rوفي الخازن: لو نشاء لجعلناه يعني ما تحرثون وتلقون فيه من البذر حطاما أي تبنا لا قمح فيه، وقيل: هشيما لا ينتفع به في مطعم ولا غيره، وقيل: هو جواب لمعاند يقول نحن نحرث وهو بنفسه بصير زرعا لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا، فردّ اللّه عليه بقوله: لو نشاء لجعلناه حطاما فهل تقدرون أنتم على حفظه أو هو يقدر على أن يدفع عن نفسه بنفسه تلك الآفات التي تصيبه، ولا يشك أحد في أن دفع الآفات ليس إلا بإذن اللّه وحفظه اهـ.\rقوله: (أصله ظللتم) أي فعين الكلمة محذوفة تخفيفا اهـ كرخي.\rقوله: تَفَكَّهُونَ أصل التفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل في الحديث اهـ بيضاوي.\rوفي السمين: والعامة تفكهون بالهاء ومعناه تندمون وحقيقته تلقون الفكاهة عن أنفسكم ولا تلقى الفكاهة إلا من الحزن، فهو من باب تحرج وتأثم وتحزب، وقيل: تفكهون تعجبون، وقل:\rتتلاومون، وقيل: تتفجعون. وهذا تفسير باللازم اهـ.\rقوله: (تعجبون من ذلك) أي من يبسه بعد خضرته اهـ كرخي.\rقوله: (و تقولون) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ وهذا المقدر في محل نصب على الحال تقديره فظللتم تفكهون قائلين أي تقولون إنا لمغرمون أي لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك قاله الزمخشري اهـ سمين.\rوفي الكرخي: والغرم ما ذهب بلا عوض اهـ.\rوقرأ شعبة ائنا بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة على الاستفهام، والباقون بهمزة واحدة مكسورة على الخبر اهـ خطيب.\rقوله: مِنَ الْمُزْنِ فدي القاموس: المزن بالضم السحاب أو أبيضه أو ذو الماء القطعة مزنة اهـ.","part":7,"page":401},{"id":2860,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 402\rالْمُنْزِلُونَ (69)\rلَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ملحا لا يمكن شربه فَلَوْ لا فهلا تَشْكُرُونَ (70)\rأَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) تخرجون من الشجر الأخضر\rأَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها كالمرخ والعفار والكلخ أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72)\rنَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً لنار جهنم وَمَتاعاً بلغة لِلْمُقْوِينَ (73) للمسافرين من أقوى القوم، أي صاروا بالقوى بالقصر والمد، أي القفر، وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء قوله: جَعَلْناهُ أُجاجاً في المختار: ماء أجاج مر شديد الملوحة، وقد أج الماء يؤج أجوجا بالضم اهـ.\rوذكر اللام في جواب لو في الزرع عملا بالأصل وحذفها من هنا اختصارا لدلالة الأول عليه، أو أن أصل هذه اللام للتأكيد وهو أنسب بالمطعوم، لأنه مقدم وجودا ورتبة على المشروب اهـ كرخي.\rقوله: تُورُونَ من أوريت الزند أي قدحته فاستخرجت ناره، ورى الزند يري أي خرجت ناره، وأصل تورون تورين اهـ سمين.\rوفي المصباح: ورى الزند يري وريا من باب وعى، وفي لغة وري يري بكسرهما وأورى بالألف، وذلك إذا أخرج ناره اهـ.\rوفي المختار: وأوراه غيره أخرج ناره اهـ.\rقوله: (تخرجون من الشجر الأخضر) أي: أو من غيره كالزند، واقتصر على الشجر لأنه أبهر وأعظم في الدلالة على قدرة اللّه، وفي زاده: أي تستخرجونها من الزناد وهو جمع زند. يقال: ورى الزند وريا أي خرجت ناره وأوريته أخرجت ناره، والزند: العود الذي يقدح به النار وهو الأعلى والزند السفلى فيها ثقب وهي الأنثى، فإذا اجتمعا قيل زندان والجمع زناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، وعن ابن عباس أنه قال: ما من شجر ولا عود إلا فيه النار سوى العناب اهـ.\rقوله: (كالمرخ والعفار) تقدم الكلام عليهما مستوفى في آخر سورة يس فراجعه إن شئت، وأما الكلخ فلم نجده في القاموس ولا في المختار، غير أنه أخبرنا بعض أهل المغرب والشام بأنه موجود معروف عندهم شبيه بالقصب تؤخذ منه قطعتان وتضرب إحداهما بالأخرى فتخرج النار اهـ شيخنا.\rقوله: (المسافرين) أي: جعلناها ينتفع بها المسافرون وخصوا بالذكر لأن منفعتهم بها أكثر من المقيمين فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع ويهتدي الضال إلى غير ذلك من المنافع، وقال مجاهد:\rللمقوين أي المنتفعين بها من الناس أجمعين في الظلمة، ويصطلون بها من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز إلى غير ذلك من المنافع، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار باللّه منها، وقال ابن زيد:\rللجائعين في إصلاح طعامهم. يقال: أقويت منذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا، وقال قطرب المقوي من الأضداد يقال للفقير: مقو لخلوه من المال، ويقال للغني مقو لقوته على ما يريده، والمعنى جعلناها متاعا ومنفعة للأغنياء والفقراء لا غنى لأحد عنها، وقال المهدوي: الآية تصلح للجميع لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير اهـ خطيب.\rقوله: (من أقوى القوم الخ) أشار به إلى أن المراد بالمقوين المسافرون، وأنه مأخوذ من أقوى","part":7,"page":402},{"id":2861,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 403\rفَسَبِّحْ نزه بِاسْمِ زائد رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) أي اللّه\r* فَلا أُقْسِمُ لا زائدة بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) بمساقطها لغروبها\rوَإِنَّهُ أي القسم بها لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) أي لو كنتم القوم إذا صاروا بالقواء. قال الواحدي: المقوي الذي ينزل بالقواء وهي الأرض الخالية أي القفراء البعيدة عن العمران، يقال: أقوت الدار إذ خلت من سكانها، والمعنى ينتفع بها أهل البوادي والأسفار ومنفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم اهـ كرخي.\rقوله: (أي صاروا بالقواء) أي نزلوا بالقواء بكسر القاف على كل من القصر والمد اهـ خطيب.\rوفي المختار: أنه مع كسر القاف يمد ويقصر، وفي المصباح: أنه مع فتح القاف يمد لا غير اهـ.\rقوله: (زائدة) أي لفظ باسم زائد، وسبح يتعدى بنفسه وبحرف الجر، فالمعنى سبح ربك فالباء زائدة والاسم باق على معناه أو بمعنى الذات أو بمعنى الذكر أو الباء متعلقة بمحذوف، وقيل: الباء زائدة وتعقبه الحلبي بأنه خلاف الأصل، وجوز كونها للحال أي على سبيل التبرك باسم ربك كقوله:\rونحن نسبح بحمدك أو للتعدية اهـ.\rومن ثم قالوا في قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] كما يجب تنزيه ذاته وصفاته تعالى عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب، وهذا أبلغ لما يلزم ذلك بالطريق الأولى على سبيل الكناية الرمزية اهـ كرخي.\rفائدة:\rأثبتوا ألف الوصل هنا في اسم ربك لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه، وهذا معروف لا يجهل وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر ذلك الحذف منه، ولذا لا تحذف مع غير الباء في اسم اللّه ولا مع الباء في غير الجلالة الكريمة من الأسماء، وقد أوضحت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة اهـ خطيب.\rقوله: (لا زائدة) أي: للتأكيد وتقوية الكلام أي: فمعناه أقسم، وقيل: نافية والمنفي محذوف وهو كلام الكافر الجاحد تقديره فلا صحة لما يقول الكافر ثم ابتدأ فقال: أقسم وهي لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، وهي أنا أقسم كقولك لزيد منطلق ثم حذف المبتدأ فاتصلت اللام بخبره تقديره فلأقسم باللام فقط، قال الطيبي: ومعناه فلأنا أقسم وإنما قدر المبتدأ، لأن لام الابتداء لا تدخل على الجملة الفعلية اهـ كرخي.\rقوله: بِمَواقِعِ النُّجُومِ مواقع النجوم مشارقها ومغاربها في قول قتادة وغيره، وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها، وقال الحسن: انكدارها وانتشارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كانت أهل الجاهلية تقول إذا مطروا مطرنا بنوء كذا، وقال الماوردي: ويكون فلا أقسم بمواقع النجوم مستعملا في حقيقته من نفي القسم، وقال القشيري: هو قسم، وللّه أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير اللّه تعالى وصفاته القديمة قلت: يدل على هذا قراءة الحسن فلأقسم، وقال ابن عباس:\rالمراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما ما أنزله اللّه تعالى في اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين، فنجمه السفرة على جبريل في عشرين سنه ونجمه جبريل على النبي عليهما السّلام في","part":7,"page":403},{"id":2862,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 404\rمن ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم\rإِنَّهُ أي المتلو عليكم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)\rفِي كِتابٍ عشرين سنة فهو ينزل على الأحداث من أمته حكاه الماوردي عن ابن عباس والسدي اهـ قرطبي.\rقوله: (بمساقطها لغروبها) لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره ولأنه وقت قيام المتهجدين من عباده الصالحين اهـ كرخي.\rقوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ معترض بين القسم وجوابه مقرر للتوكيد وتعظيم للمحلوف به، واللّه أعلم بسر عظمته وفي أثناء هذا الاعتراض اعتراض آخر وهو قوله: لو تعلمون فإنه اعتراض بين الموصوف وهو قسم وصفته وهي عظيم، والحاصل أنهما اعتراضان أحدهما في ضمن الآخر الأول بين القسم وجوابه، والثاني بين الصفة والموصوف كما جرى عليه الكشاف هنا وليس من باب الاعتراض بأكثر من جملة، كما أوهمه كلام الكشاف في تفسير قوله: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ [آل عمران: 36] اهـ كرخي.\rوفي البيضاوي: عظيم لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى اهـ.\rوقوله: سدى أي هملا والمراد به هنا تكليفهم بالأوامر والنواهي وبيان ما ينتظم به المعاش والمعاد، وهذا توطئة لقوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ وبيان لمناسبة المقسم به للقسم عليه لتضمن القرآن جميع المصالح الدنيوية والأخروية اهـ شهاب.\rقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ جواب لو محذوف أشار إليه وإلى أن الفعل منزل منزلة اللازم بقوله: أي لو كنتم الخ اهـ شيخنا.\rوقوله: إنه لقرآن كريم أي كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد أو حسن مرضي في جنسه اهـ بيضاوي.\rوهذه صفة أولى لقرآن، وفي كتاب صفة ثانية، ولا يمسه ثالثة، وتنزيل رابعة اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ أي: أن الكتاب الذي أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قرآن كريم أي عزيز مكرم لأنه كلام اللّه تعالى ووحيه إلى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: الكريم الذي من شأنه أن يعطي الكثير، وسمي القرآن كريما لأنه يفيد الدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين، وقيل: الكريم اسم جامع لما يحمد، والقرآن كريم لما يحمد فيه من الهدى والنور والبيان والعلم والحكم، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه، والحكيم يستمد منه ويحتج به، والأديب يستفيد منه ويتقوى به، فكل عالم يطلب أصل علمه منه، وقيل: سمي كريما لأن كل أحد يناله ويحفظه من كبير وصغير وذكي وبليد بخلاف غيره من الكتب، وقيل: إن الكلام إذا تكرر مرارا سئمه السامعون ويهون في الأعين وتمله الآذان، والقرآن عزيز كريم لا يهون بكثرة التلاوة ولا يخلق بكثرة الترديد ولا يمله السامعون ولا يثقل على الألسنة، بل هو غض طري أبد الدهر اهـ خازن.","part":7,"page":404},{"id":2863,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 405\rمكتوب مَكْنُونٍ (78) مصون وهو المصحف\rلا يَمَسُّهُ خبر بمعنى النهي إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) أي الذين طهروا أنفسهم من الأحداث\rتَنْزِيلٌ منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80)\rأَفَبِهذَا الْحَدِيثِ القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) متهاونون مكذبون\rوَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ من المطر، أي قوله: (مصون) أي: من التعبير والتبديل على حد قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] اهـ شيخنا.\rقوله: (و هو المصحف) وقيل: هو اللوح المحفوظ، وعبارة البيضاوي: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون وهو اللوح لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدروات الجسمانية وهم الملائكة اهـ.\rفالجملة صفة لكتاب المفسر باللوح المحفوظ ونفي مسه كناية عن لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما عليه، والمراد بالمطهرين حينئذ جنس الملائكة فطهارتهم نقاء ذواتهم عن كدورات الأجسام فهي طهارة معنوية اهـ شهاب.\rقوله: (خبر بمعنى النهي) يؤيد هذا قراءة عبد اللّه بن مسعود ما يمسه بما النافية اهـ سمين.\rوحينئذ فضمة السين إعرابية، وقوله: بمعنى النهي أي: لا يمسوه أي: يحرم عليهم مسه بدون الطهارة، ولم يبق صريحا على خبريته لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى لأنه كثيرا ما يمس بدون طهارة، والخلف في خبره تعالى محال اهـ شيخنا.\rوهذا أحد وجهين ذكرهما السمين، ثم قال: والثاني أنها ناهية والفعل بعدها مجزوم، لأنه لو فكّ عن الادغام لظهر ذلك كقوله تعالى: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران: 174] ولكنه أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب اهـ كرخي.\rوضعف ابن عطية النهي بأن قوله بعد تنزيل من رب العالمين صفة فيلزم الفصل بين الصفات وذلك لا يحسن، وأجيب: بأن قوله تنزيل لا يتعين أن يكون صفة لجواز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل، فلا يمتنع حينئذ أن يكون لا يمسه نهيا ويمسه مجزوم في التقدير، إذ لو فك لظهر الجزم، ولكنه لما أدغم حرك آخره لأجل الادغام وكانت الحركة ضمة اتباعا لضمة الهاء اهـ.\rقوله: (منزل) وسمي المنزل تنزيلا على اتساع اللغة. يقال للمقدور قدر وللمخلوق خلق اهـ خازن.\rقوله: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ مبتدأ وخبره، وقوله: بهذا الحديث متعلق بالخبر مقدم عليه، وقوله:\rوتجعلون معطوف على الخبر، وقوله: رزقكم على حذف المضاف كما قدره أي شكره قوله: أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ مفعول ثان اهـ شيخنا.\rوأصل الإدهان جعل الأديم ونحوه مدهونا بشيء من الدهن، ولما كان ذلك ملينا له لينا محسوسا أريد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له، ولذا سميت المداراة والملاينة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية، فلذا تجوز به هنا عن التهاون أيضا لأن المتهاون","part":7,"page":405},{"id":2864,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 406\rشكره أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) بسقيا اللّه حيث قلتم مطرنا بنوء كذا\rفَلَوْ لا فهلا إِذا بَلَغَتِ الروح وقت النزع الْحُلْقُومَ (83) هو مجرى الطعام\rوَأَنْتُمْ يا حاضري الميت حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) إليه\rوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بالعلم وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) من البصيرة أي لا تعلمون ذلك\rفَلَوْ لا فهلا بالأمر لا يتصلب فيه اهـ شهاب.\rوفي السمين: ومعنى مدهنون متهاونون كمن يداهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به يقال: أدهن فلان أي لاين وهاود فيما لا يحتمل، وقال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد اهـ.\rوفي القرطبي: والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه فإنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره، وقال مقاتل بن سليمان، وقتادة: مدهون كافرون نظيره ودوا لو تدهن فيدهنون، وقال المؤرج: المدهن المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ليخفي كفره، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق وأصله اللين وأن يضمر خلاف ما يظهر، وأدهن وداهن بمعنى واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت، وقال الضحاك: مدهنون معرضون، وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر، وقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يعقل ما حق اللّه عليه ويدفعه بالعلل، وقال بعض اللغويين:\rمدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن اهـ.\rقوله: (بسقيا اللّه) مصدر مضاف لفاعله أي يكون اللّه هو الذي أسقاكم اهـ شيخنا.\rقوله: (حيث قلتم مطرنا بنوء كذا) واختلفوا فيمن قال هذه الكلمة على قولين، أحدهما: أنه كافر إذا قاله معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر آت بالمطر كما كان بعض الجاهلية يزعم ذلك. الثاني: أنه غير كافر لكن إن قاله معتقدا أن الموجد للمطر هو اللّه وأن النوء ميقات له، وأن مراده مطرنا في وقت طلوع نجم كذا اهـ خازن.\rومنه تعلم أن الخلف لفظي ثم قال: واختلفوا في كراهة هذا المقول والأظهر أنها كراهة تنزيه، وسببها أن الكلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بقائلها ولأنها من شعائر الجاهلية اهـ.\rقوله: فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ترتيب الآية الكريمة هكذا فلو لا ترجعونها أي النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، فلو لا الثانية توكيد قاله الزمخشري. قلت: فيكون فلو لا فلو لا ترجعونها من باب التوكيد اللفظي، ويكون إذا بلغت طرفا لترجعونها مقدما عليها إذ لا مانع منه أي فلو لا ترجعون النفس في وقت بلوغها الحلقوم، وقوله: وأنتم حينئذ تنظرون جملة حالية من فاعل بلغت، والتنوين في حينئذ عوض من الجملة المضافة إليها إذ أي إذا بلغت الحلقوم، خلافا للأخفش حيث زعم أن التنويم للصرف والكسر والاعراب، وقد مضى تحقيقه، وقرأ العامة بفتح نون حينئذ لأنه منصوب على الظرف ناصبه تنظرون، وقوله: ونحن أقرب إليه يجوز أن يكون حالا أي تنظرون إليه في هذه الحالة التي تخفى عليكم، وأن تكون مستأنفة فيكون اعتراضا والاستدراك ظاهر اهـ سمين.\rقوله: (من البصيرة) أي أو من البصر أي وأنتم لا تبصرون أعوان ملك الموت اهـ سمين.\rوفي الحديث: أن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئا فشيئا حتى ينتهوا","part":7,"page":406},{"id":2865,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 407\rإِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) مجزيين بأن تبعثوا، أي غير مبعوثين بزعمكم\rتَرْجِعُونَها تردّون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) فيما زعمتم، فلو لا الثانية تأكد للأولى، وإذا ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان، والمعنى: هلا ترجعونها إن نفيتم البعث صادقين في نفيه، أي لينتفي عن محلها الموت كالبعث\rفَأَمَّا إِنْ كانَ الميت مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)\rفَرَوْحٌ بها إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت، وأنتم حينئذ تنظرون أمري وسلطاني، وقيل: تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء اهـ قرطبي.\rقوله: (أي لا تعلمون ذلك) أي: أنا أقرب إليه بالعلم أو لا تعلمون ما هو فيه من المشقة والكرب اهـ شيخنا.\rقوله: (مجزيين) أي فمدينين من الدين بمعنى الجزاء، والباء سببية في قوله: بأن تبعثوا، وقوله:\rأي غير مبعوثين تفسير مراد أي فتجوز بالدين هنا عن البعث اهـ شيخنا.\rقوله: (فلو لا الثانية) أي التي في قوله: فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تأكيد أي لفظي للأولى أي التي في قوله: فلو لا إذا بلغت، وقوله: وإذا ظرف أي لا شرطية على المختار فلا تستحق جوابا هنا خلافا لمن قال به، وقوله: لترجعون أي فقدم الظرف على عامله، وقوله: المتعلق به الشرطان وهما إن كنتم غير مدينين إن كنتم صادقين، ومعنى تعلقهما به أنه جزاء لهما أي لكل منهما، ففي العبارة نوع قلب إذ الجزاء هو الذي يتعلق بالشرط، وقوله: والمعنى هلا ترجعونها لو أخره عن الشرطين بعده لكان أظهر في الفهم بأن يقول إن نفيتم البعث صادقين في نفيه فهلا ترجعونها وهلا تحضيضية فهي للطلب والمعنى ارجعوها، وقوله: إن نفيتم البعث هذا هو شرط الأول المذكور بقوله: إن كنتم غير مدينين، وقوله: صادقين في نفيه هذا هو الشرط الثاني المذكور في قوله: إن كنتم صادقين، وقوله: أي لينتفي علة للجزاء الذي هو قوله هلا ترجعونها، وقوله: عن محلها وهو الجسد. وملخص الكلام إن صدقتم في نفي البعث فردوا روح المحتضر إلى جسده لينتفي عنه الموت فينتفي البعث وهذا على حد قوله:\rوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة: 23] الخ اهـ شيخنا.\rوقوله: إن كنتم صادقين ليس من اعتراض الشرط على الشرط نحو: إن ركبت إن لبست فأنت طالق حتى يجيء فيه ما قدمته في هذه المسألة لأن المراد هنا إن وجد الشرطان كيف كانا فهلا رجعتم بنفس الميت اهـ سمين.\rقوله: (كالبعث) في نسخة فالبعث.\rقوله: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الخ شروع في بيان حال المتوفي بعد الممات أثر بيان حاله عند الوفاة أي: فأما إن كان الذي بيّن حاله من السابقين من الأزواج الثلاثة الخ اهـ أبو السعود.\rوالمراد بالمقربين السابقون لقوله فيما تقدم والسابقون السابقون أولئك المقربون اهـ شهاب.\rوالمراد بأصحاب اليمين الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم كما تقدم تفسيرهم بذلك اهـ.\rقوله: فَرَوْحٌ مبتدأ خبره محذوف كما قدره، وقرأ العامة بفتح الراء ومعناه الاستراحة كما قال","part":7,"page":407},{"id":2866,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 408\rأي فله استراحة وَرَيْحانٌ رزق حسن وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وهل الجواب لأما، أو لإن، أو لهما؟\rأقوال\rوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90)\rفَسَلامٌ لَكَ أي له السلامة من العذاب مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) من جهة أنه منهم\rوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92)\rفَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93)\rوَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)\rإِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) من إضافة الموصوف إلى صفته\rفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) تقدم.\rالشارح، وقرأ بعضهم بضم الراء ومعناه الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم اهـ سمين.\rوفي القاموس: الروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح اهـ.\rوالريحان الرحمة والرزق كما في المختار.\rقوله: وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ترسم جنت هنا مجرورة التاء، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، والباقون بالتاء على الرسم اهـ خطيب.\rقوله: (و هل الجواب لأما) أي وجواب إن محذوف لدلالة المذكور عليه وهذا هو الراجح لأنه عهد حذف جواب إن كثيرا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قال مكي: ومعنى أما عند أبي إسحاق الخروج من شيء إلى شيء أي دع ما كنا فيه وخذ في غيره. قلت: وعلى هذا فيكون الجواب لإن فقط لأن أما ليست شرطا، ورجح بعضهم أن الجواب لأما لأن إن كثر حذف جوابها منفردة فادعاء ذلك مع شرط آخر أولى اهـ.\rقوله: (أي له السلامة) أشار بهذا إلى أن السّلام بمعنى السلامة. قال القاري: وهذا تفسير غريب اهـ.\rوعبارة البيضاوي: فسلام لك يا صاحب اليمين من أصحاب اليمين أي من إخوانك يسلمون عليك، انتهت.\rقال الشهاب: يعني أنه التفات بتقدير القول، ومن للابتداء كما يقال سلام من فلان على فلان أن يقال لك سلام لك اهـ.\rقوله: (من جهة أنه منهم) أشار به إلى أن من تعليلية أي من أجل أنه منهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الخ إنما وصفهم بأفعالهم زجرا عنها وإشعارا بما أوجب لهم هذا العذاب يعني أن مقتضى الظاهر أن يقال: وأما إن كان من أصحاب الشمال لكن عدل عنه لما ذكر تأمل اهـ شيخنا.\rقوله: فَنُزُلٌ مبتدأ خبره محذوف أي له نزل من حميم يشربه بعد أكل الزقوم، أي: له قرى وإكرام بأكل الزقوم وشرب الحميم وتصلية الجحيم وهذا تهكم بهم كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي احتراق بها اهـ.","part":7,"page":408},{"id":2867,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 409\rقوله: إِنَّ هذا أي ما ذكر من قصة المحتضرين أو ما قصصناه عليك في هذه السورة من أولها إلى آخرها اهـ خازن.\rقوله: (تقدم) الذي تقدم في كلامه أن سبح بمعنى نزه وإن لفظ باسم زائد اهـ.\rأي نزه ربك العظيم اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: باسم ربك يجوز أن تكون الباء للحال أي فسبح ملتبسا باسم ربك على سبيل التبرك كقوله: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [البقرة: 30] وأن تكون للتعدية على أن سبح يتعدى بنفسه تارة كقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] وبحرف الجر تارة كهذه الآية وادعاء زيادتها خلاف الأصل، والعظيم يجوز أن يكون صفة للاسم وأن يكون صفة لربك، لأن كلّا منهما مجرور، وقد وصف كل منهما في قوله: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 78] وذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 78] ولتقارب المتضايفين في الإعراب ظهر الفرق في الوصف واللّه أعلم اهـ.","part":7,"page":409},{"id":2868,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 410\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الحديد مكية أو مدنية وهي تسع وعشرون آية\rسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي نزهه كل شيء، فاللام مزيدة، وجيء بما دون من تغليبا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (أو مدنية) قاله ابن عباس وعليه الجمهور، وقال غيره كالزمخشري إنها مكية اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: أنها مدنية في قول الجميع اهـ.\rويرد عليه ما نقل في سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه لما قرأ هذه الآيات من أول هذه السورة إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وكانت مكتوبة في صحيفة عند أخته أسلم، فهذا يقتضي أن هذه الآيات مكية، فعلى هذا تستثنى على القول بأن السورة مدنية تأمل.\rقوله: سَبَّحَ لِلَّهِ عبّر هنا وفي الحشر والصف بالماضي، وفي الجمعة والتغابن بالمضارع، وفي الأعلى بالأمر، وفي الاسراء بالمصدر استيفاء للجهات، المشهورة لهذه الكلمة، وبدأ بالمصدر في الإسراء لأنه الأصل وأبلغ من حيث إنه مشعر بإطلاقه أي بواسطة كونه مطلقا عن التعرض للفاعل والزمان، ثم بالماضي لسبق زمنه، ثم بالمضارع لشموله الحال والاستقبال، ثم بالأمر لخصوصه بالاستقبال مع تأخره في النطق به في قولهم فعل يفعل أفعل اهـ كرخي.\rوفي أبي السعود: التسبيح تنزيه اللّه تعالى اعتقادا وقولا وعملا عما لا يليق بجنابه سبحانه من سبح في الأرض والماء ذهب وابعد فيهما وحيث أسندها هنا إلى غير العقلاء أيضا فإن ما في السموات والأرض يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقرا فيهما أو جزاء منهما كما مرّ في آية الكرسي أريد به معنى عام مجازي شامل لما نطق به لسان المقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين ولسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف بالكمال المنزه عن النقصان، وهو المراد من قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وهو متعد بنفسه كما في قوله تعالى: وَسَبِّحُوهُ واللام إما مزيدة للتأكيد كما في نصحت له وشكرت له، أو للتعليل أي فعل التسبيح لأجل اللّه تعالى وخالصا لوجهه ومجيئه في بعض الفواتح ماضيا، وفي البعض مضارعا للايذان بتحققه في جميع الأوقات وفيه تنبيه على أن حق من شأنه","part":7,"page":410},{"id":2869,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 411\rللأكثر وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (1) في صنعه\rلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي بالإنشاء وَيُمِيتُ بعده وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)\rهُوَ الْأَوَّلُ قبل كل شيء بلا بداية وَالْآخِرُ بعد كل التسبيح الاختياري أن يسبحه تعالى في جميع أوقاته كما عليه الملأ الأعلى حيث يسبحون الليل والنهار لا يفترون اهـ.\rوفي الخازن: سبح للّه ما في السموات والأرض يعني أن كل ذي روح وغيره يسبح للّه تعالى، فتسبيح العقلاء تنزيه اللّه تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وتسبيح غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا فيه، فقيل: تسبيحه دلالته على صانعه فكأنه ناطق بتسبيحه، وقيل: تسبيحه بالقول ويدل عليه قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم أي قولهم، والحق أن التسبيح هو القول الذي لا يصدر إلا من العاقل العارف باللّه تعالى. وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان، أحدهما: أنه يدل على تعظيمه وتنزيهه. والثاني:\rأن جميع الموجودات بأسرها منقادة له يتصرف كيف يشاء، فإن حملنا التسبيح المذكور في الآية على القول كان المراد بقوله ما في السموات من في السموات وهم الملائكة والمسبحون في الأرض هم المؤمنون العارفون باللّه، وإن حملنا التسبيح على التسبيح المعنوي فجميع أجزاء السموات وما فيها من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك وجميع ذرات الأرضين وما فيها من جبال وبحار وشجر ودواب وغير ذلك كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال عظمة اللّه جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته منقادة له يتصرف فيها كيف يشاء اهـ.\rقوله: (أي نزهه كل شيء) أي: من المؤمنين العقلاء وغيرهم من سائر المخلوقات فتنزيه العقلاء المؤمنين بلسان المقال وتنزيه باقي الخلق بلسان الحال اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بضمها اهـ خطيب.\rقوله: مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: فإنه الموجد لهما والمتصرف فيهما ذكره مرتين وليس بتكرار، لأن الأول: في الدنيا كما أشار إليه في التقرير، والثاني: في العقبى لقوله عقبه: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ اهـ كرخي.\rوهذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وقوله: يحيي ويميت مستأنف أيضا أو خبر لمبتدأ مضمر أو حال من الضمير في له والعامل الاستقرار اهـ سمين.\rقوله: هُوَ الْأَوَّلُ (قبل كل شيء) عبارة البيضاوي: هو الأول السابق على جميع الموجودات من حيث أنه موجدها ومحدثها والآخر الباقي بعد فنائها ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها، أو هو الأول الذي تبتدأ منه الأسباب وتنتهي إليه المسببات أو الأول خارجا والآخر ذهنا. والظاهر والباطن: الظاهر وجوده لكثرة دلائلة، والباطن حقيقة ذاته فلا تكتنهها العقول أو الغالب على كل شيء والعالم بباطنه، انتهت.\rوقوله: ولو بالنظر إلى ذاتها يعني أن أبدية بقائه وفناء كل موجود سواه لا ينافي كون بعض","part":7,"page":411},{"id":2870,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 412\rشيء بلا نهاية وَالظَّاهِرُ بالأدلة عليه وَالْباطِنُ عن إدراك الحواس وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)\rهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا، أولها الأحد، وآخرها الجمعة ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الكرسي استواء يليق به يَعْلَمُ ما يَلِجُ يدخل فِي الْأَرْضِ كالمطر والأموات وَما يَخْرُجُ مِنْها كالنبات والمعادن وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالرحمة والعذاب وَما يَعْرُجُ يصعد فِيها كالأعمال الصالحة والسيئة وَهُوَ مَعَكُمْ بعلمه أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)\rلَهُ الموجودات إذا أوجدها اللّه تعالى لا تفنى كالجنة والنار ومن فيهما لما هو مقرر، لأن المراد أنها فانية في حد ذاتها وإن كانت بالنظر إلى استنادها لموجدها باقية كما مرّ في قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: 26] اهـ شهاب.\rقال الزمخشري، فإن قلت: ما معنى الواو؟ قلت: الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة معناها الدلالة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، والوسطى معناها أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: والواو الأولى والأخيرة للجمع بين الوصفين، والوسطى للجمع بين المجموعين اهـ.\rيريد بذلك أن الواو الأولى والثالثة عطفت مفردا على مفرد، وأما الثانية فإنها عطفت مجموع أمرين على مجموع أمرين، وهذه الواو في المفردات كالواو العاطفة قصة على قصة في الجمل لأنها لو عطفت الظاهر وحده على أحد الأولين لم يحسن لعدم التناسب بينهما والمجموع مناسب للمجموع في الاشتمال على أمرين متقابلين اهـ شهاب.\rروى مسلم، عن سهل بن أبي صالح قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، وفي رواية: من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر. وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rقوله: (عن إدراك الحواس) أي: وعن إدراك حقيقة ذاته فلا تكنهها العقول أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة، فاضمحل ما في الكشاف من أن فيه حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة اهـ كرخي.\rقوله: (و السيئة) اعترضه القاري بأن الذي يرفع من الأعمال هو الصالح، كما في قوله تعالى:\rإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ (بعلمه) أي: وقدرته لا ينفك عنكم علمه وقدرته بحال اهـ بيضاوي.","part":7,"page":412},{"id":2871,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 413\rمُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) الموجودات جميعا\rيُولِجُ اللَّيْلَ يدخله فِي النَّهارِ فيزيد، وينقص الليل وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ فيزيد، وينقص النهار وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (6) بما فيها من الأسرار والمعتقدات\rآمِنُوا دوموا على الإيمان بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا في سبيل اللّه مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ من مال من تقدمكم وسيخلفكم فيه من بعدكم، نزل في غزوة العسرة قوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ذكره مع الإعادة كما ذكره مع الإبداء لأنه كالمقدمة لهما، فإن ما قبله حيث جعل كناية عن المجازاة إشارة إلى الإعادة وكذا ما بعده، كما أن قوله: يحيي ويميت إشارة إلى الإبداء اهـ كرخي.\rقوله: تُرْجَعُ الْأُمُورُ قد تقدم في البقرة أن الأخوين وابن عامر يقرؤون بفتح التاء وكسر الجيم مبنيا للفاعل، والباقون مبنيا للمفعول في جميع القرآن اهـ سمين.\rقوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لما ذكر أنواعا من الدلائل الدالة على التوحيد والعلم والقدرة شرع يخطب كفار قريش، ويأمرهم بالإيمان باللّه ورسوله ويأمرهم بترك الدنيا والإعراض عنها والنفقة في جميع وجوه البر اهـ خازن.\rقوله: (دوموا على الإيمان) إشارة إلى أنه خطاب مع من عرف اللّه لا مع من لم يعرفه، فالمقصود من هذا الأمر معرفة الصفات اهـ كرخي.\rقوله: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أي: من الأموال التي جعلكم اللّه خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لا لكم، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها أو التصرف فيها، وفيه حث على الإنفاق وتهوين له على النفس اهـ بيضاوي.\rأي: فالخلافة إما عمن له التصرف الحقيقي وهو اللّه وهو المناسب لقوله: له ملك السموات والأرض أو عمن تصرف فيها قبله ممن كانت في أيديهم وانتقلت لهم، فالحث على الإنفاق وتهوينه على الأول ظاهر لأنه أذن له في الإنفاق من ملك غيره ومثله يسهل إخراجه، وعلى الثاني أيضا لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله علم أنه لا يدوم له أيضا فيسهل عليه إخراجه.\rوما المال والأهلون إلا ودائع\r\rاه شيخنا.\rقوله: مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أي: باستخلاف اللّه لكم فيه أي: جعلكم اللّه خلفاء فيه فظهرت صيغة المفعول على هذا الوجه، وأما على قوله (و سيخلفكم الخ) فظهورها جلي اهـ شيخنا.\rقال الكرخي: وهذا المعنى الثاني أرجح لأنه يندرج في المنفق منه أشياء لا تندرج في الأول وهي أن كل ما نكسبه في زماننا فإنا نقطع بأنا لم نأخذه عمن قبلنا ونقطع بأن من بعدنا يخلفنا فيه، وذكر اللّه وصف الاستخلاف لينبه على أن هذا المال شأنه أن ينتقل ويزول عنا ويأخذه غيرنا بعدنا، فلا ينبغي البخل به فإنه في الحقيقة ليس لنا وإنما نحن فيه بمنزلة الوكلاء نحفظه لمن يأتي بعدنا، فلو صرفناه في الوجوه التي تنفعنا في المعاد لكان صوابا اهـ.\rقوله: (نزل في غزوة العسرة الخ) يشكل هذا على القول بأن السورة مكية وكذا على القول بأنها","part":7,"page":413},{"id":2872,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 414\rوهي غزوة تبوك فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا إشارة إلى عثمان رضي اللّه عنه لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)\rوَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ خطاب للكفار، أي لا مانع لكم من الإيمان بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ بضم الهمزة وكسر الخاء وبفتحهما ونصب ما بعدهما مِيثاقَكُمْ عليه أي أخذه اللّه في عالم الذر حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) أي مريدين الإيمان به فبادروا إليه\rهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ آيات القرآن لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ مدنية على استثناء هذه الآيات اهـ.\rقوله: (و هي غزوة تبوك) مكان على طرف الشام بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وبعضهم يصرفه على إرادة الموضع فقد جاء في البخاري مصروفا وممنوعا من الصرف اهـ شيخنا.\rعن الشيخ عبد البر الأجهوري وكانت هذه الغزوة في السنة التاسعة بعد رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم من الطائف وهي آخر غزواته صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقع فيها قتال، بل لما وصلوا إلى تبوك وأقاموا بها عشرين ليلة وقع الصلح على دفع الجزية، فرجع صلّى اللّه عليه وسلّم على الصلح. وإيضاح هذه القصة مذكورة في سورة براءة عند قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 38] الخ فراجعه إن شئت تأمل.\rقوله: (إشارة إلى عثمان الخ) فإنه جهز في غزوة العسرة ثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها وأحمالها وجاء بألف دينار ووضعها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ كرخي.\rقوله: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مبتدأ وخبر وحال أي: أي شيء احتقر لكم غير مؤمنين اهـ سمين.\rقوله: (أي لا مانع لكم من الإيمان) فيه إشارة إلى أن ما استفهام معناه الإنكار وأن لا تؤمنون حال والعامل معنى الفعل في ما لكم، كما تقول: مالك لا تقوم منكرا عليه عدم قيامه اهـ كرخي.\rقوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ جملة حالية من الواو في تؤمنون ولتؤمنوا متعلق بيدعوكم أي:\rيدعوكم للإيمان، كقولك: دعوته لكذا، وقوله: وقد أخذ ميثاقكم جملة حالية أيضا من الكاف في يدعوكم فهما حالان، وإحداهما داخلة في الأخرى اهـ من السمين.\rقوله: (و بفتحهما) سبعيتان. قوله: (أي أخذه اللّه الخ) تفسير للقراءتين وحمل للأخذ على حقيقته، وهو المأخوذ يوم الذر فهو أولى من قول القاضي كالكشاف أي: وقد أخذ اللّه ميثاقكم بالإيمان قبل ذلك بنصب الأدلة والتمكن من النظر اهـ.\rفكل ما أجازه العقل وورد به السمع وجب الإيمان به اهـ كرخي.\rقوله: (أي مريدين الإيمان به) أشار به إلى جواب كيف قال: وما لكم لا تؤمنون باللّه، ثم قال سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وإيضاحه إن كنتم مريدين فما المانع لكم والرسول يدعوكم إليه وقد أقام البرهان، وقيل: إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى فإن شريعتهما تقتضي الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، أو إن كنتم مؤمنين بالميثاق الذي أخذه عليكم، وقيل: إن بمعنى إذ اهـ كرخي.\rقوله: لِيُخْرِجَكُمْ أي: اللّه أو العبد وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.","part":7,"page":414},{"id":2873,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 415\rالكفر إِلَى النُّورِ الإيمان وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (9)\rوَما لَكُمْ بعد إيمانكم أَلَّا فيه إدغام نون أن، في لام لا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بما فيهما، فيصل إليه أموالكم من غير أجر الانفاق، بخلاف ما لو أنفقتم فتؤجرون لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ لمكة وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا من قوله: وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية اهـ بيضاوي.\rقوله: أَلَّا تُنْفِقُوا أي: في أن لا تنفقوا فموضعه نصب أو جر، وليست أن زائدة بل هي مصدرية والمعنى في عدم الإنفاق اهـ شيخنا.\rوهذا توليخ لهم على ترك الإنفاق المأمور به بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أن يكون لهم في ذلك أيضا عذر من الأعذار وحذف المفعول لظهور أنه الذي بين حاله فيما سبق وتبيين المنفق فيه لتشديد التوبيخ أي: وأي شيء لكم في أن تنفقوا فيما هو قربة إلى اللّه، وقوله: للّه ميراث السموات والأرض حال من فاعل لا تنفقوا أو مفعوله مؤكدة للتوبيخ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقيق ما يوجب الإنكار أشد في القبح وأدخل في الإنكار كأنه قيل: وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل اللّه والحال أنه لا يبقى لكم منها شيء بل تبقى كلها للّه تعالى اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: ألا تنفقوا هو كقوله: أن نقاتل في سبيل اللّه، فالأصل في أن لا تنفقوا فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهود، وأبو الحسن يرى زيادتها كما تقدم تقريره في البقرة، وقوله: وللّه ميراث السموات والأرض فهذه حال منافية لبخلكم اهـ.\rوقوله: فالأصل في أن لا تنفقوا هكذا قدر الحرف المحذوف في، ويصح تقديره من، وعبارة القرطبي: أي: أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل اللّه اهـ.\rقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: طاعته وما يكون قربة إليه اهـ بيضاوي.\rفسبيل اللّه كل خير يوصلهم إليه فهو استعارة تصريحية اهـ شهاب.\rقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: أنهما راجعتان إليه بانقراض ما فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق اهـ قرطبي.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 415\r\rله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: أنهما راجعتان إليه بانقراض ما فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق اهـ قرطبي.\rقوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ الخ بيان لتفاوت درجات المنفقين، وقوله: أولئك الإشارة إلى من أنفق والجمع بالنظر إلى معنى من، كما أن إفراد الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها ومحله الرفع على الابتداء أي: أولئك المنعوتون بهذين النعتين الجليلين أعظم درجة الخ أي: لأن الذين أنفقوا من قبل وقاتلوا من قبل فعلوا من الإنفاق والقتل قبل عزة الإسلام وعزة أهله، فكان ذلك في وقت الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم رسول اللّه: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» وأما الذين أنفقوا وقاتلوا من بعد الفتح فما فعلوه كان بعد ظهور الدين ودخول الناس فيه أفواجا وقلة الحاجة إلى الناس والقتال اهـ سمين.","part":7,"page":415},{"id":2874,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 416\rالفريقين، وفي قراءة بالرفع مبتدأ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الجنة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) فيجازيكم به\rمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ بإنفاق ماله في سبيل اللّه قَرْضاً حَسَناً بأن ينفقه اللّه فَيُضاعِفَهُ وفي قراءة وهذه الآية نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه، فإنه أول من آمن وأنفق في سبيل اللّه وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا شديدا أشرف به على الهلاك اهـ بيضاوي.\rقوله: مَنْ أَنْفَقَ هو فاعل لا يستوي، والاستواء لا يتم إلا بذكر اثنين كقوله: لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [المائدة: 100] فلا بد من حذف مضاف قدره الزمخشري لا يستوي منكم من أنفق من قبل فتح مكة وقوة الإسلام، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لوضوح الدلالة عليه، فإن الاستواء يكون بين الشيئين ومن ثم حذفه الشيخ المصنف وتبعه في كون الفتح فتح مكة، وقد تقدم أنه صلح الحديبية على الراجح وذكر القتال للاستطراد اهـ كرخي.\rقوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قرأ العامة بالنصب على أنه مفعول مقدم وهي مرسومة في مصحفهم وكلا بالألف، وابن عامر برفعه وفيه وجهان، أظهرهما أنه ارتفع على الابتداء والجملة بعده خبر والعائد محذوف أي: وعده اللّه اهـ سمين.\rقوله: مَنْ ذَا الَّذِي من استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء وذا خبره والموصول صفة له أو بدل منه اهـ أبو السعود.\rويصح أن يكون من ذا مبتدأ والموصول خبره كما تقدم، وهذا منه تعالى في غاية اللطف بنا والإحسان إلينا حيث أعطانا الأموال من عنده وجعل رجوعها إليه منا قرضا مع أنه المالك الحقيقي اهـ شيخنا.\rقوله: قَرْضاً حَسَناً سمي قرضا لأن القرض إخراج المال لاسترداد البدل أي: من ذال الذي ينفق في سبيل اللّه حتى يبدله اللّه الأضعاف الكثيرة اهـ قرطبي.\rوفي الشهاب: فيه استعارة تصريحية تبعية حيث شبه الإنفاق في سبيل اللّه بإقراضه والجامع إعطاء شيء بعوض اهـ.\rوفي الخازن: قرضا حسنا أي صادقا محتسبا بالصدقة طيبة بها نفسه، وسمي هذا الإنفاق قرضا للّه من حيث أن اللّه وعد به الجنة تشبيها بالقرض. قال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة، وهي أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وإن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن لا تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه اللّه ولا ترائي بها الناس، وأن تستحقر ما تعطي وإن كثيرا، وأن يكون من أحب أموالك إليك، وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير، فهذه عشر خصال إذ اجتمعت في الصدقة كانت قرضا حسنا اهـ.\rوقيل: القرض الحسن هو أن تقول سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر رواه سفيان عن أبي حيان. قال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل، وقال الحسن: هو التطوع بالعبادات، وقيل: إنه","part":7,"page":416},{"id":2875,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 417\rفيضعفه بالتشديد لَهُ من عشر إلى أكثر من سبعمائة، كما ذكر في البقرة وَلَهُ مع المضاعفة أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) مقترن به رضا وإقبال، اذكر\rيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أمامهم وَيكون بِأَيْمانِهِمْ ويقال لهم بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي ادخلوها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا عمل الخير، والعرب تقول لي عند فلان قرض صدق وقرض سوء اهـ قرطبي.\rقوله: (و في قراءة (؟ فيضعفه)) وعلى كل من القراءتين فالفعل إما مرفوع أو منصوب، فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقال ابن عطية: الرفع هنا على العطف أو الاستئناف والنصب بالفاء على جواب الاستفهام اهـ سمين.\rقوله: وَلَهُ (مع المضاعفة) أَجْرٌ كَرِيمٌ أي: زائد على المضاعفة إلى السبعمائة يعلم اللّه قد رهذا الزائد، فهذا على حد قوله في سورة البقرة: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] وقوله فيها: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: 261]. قوله: (رضا وإقبال) فاعل مقترن اهـ شيخنا.\rقوله: (اذكر) يَوْمَ تَرَى الخ عبارة السمين: قوله: يوم ترى فيه أوجه، أحدها: أنه معمول للاستقرار العامل في وله أجر أي: استقر له أجر في ذلك اليوم. الثاني: أنه مضمر أي اذكر فيكون مفعولا به. الثالث: تقديره يؤجرون يوم ترى فهو ظرف على أصله. الرابع: أن العامل فيه يسعى أي:\rيسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم تراهم هذا أصله. الخامس: أن العامل فيه فيضاعفه قاله أبو البقاء:\rويسعى حال لأن الرؤية بصرية، وهذا إذا لم نجعله عاملا في يوم وبين أيديهم ظرف ليسعى، ويجوز أن يكون حالا من نورهم اهـ.\rقوله: يَسْعى نُورُهُمْ أي: على الصراط بين أيديهم اهـ قرطبي.\rقوله: وَبِأَيْمانِهِمْ أي: ويسعى في جهة أيمانهم، وهذه قراءة العامة أعني بفتح الهمزة جمع يمين وقيل: الباء بمعنى عن أي عن جميع جهاتهم إنما خص الأيمان لأنها أشرف الجهات، وقرأ أبو حيوة، وسهل بن شعيب بكسرها، وهذا المصدر معطوف على الظرف قبله، والباء سببية أي: يسعى كائنا بين أيديهم وكائنا بإيمانهم، وقال أبو البقاء تقديره وبإيمانهم استحقوه أو بإيمانهم يقال لهم بشراكم اهـ سمين.\rوفي الخازن: يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم أي: عن أيمانهم، وقيل: أراد جميع الجهات فعبّر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة، وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن وصنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه». وقال عبد اللّه بن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنحلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا من نوره على إبهامه فيطفأ مرة ويتقد أخرى.\rوقيل في معنى الآية يسعى نورهم بين أيديهم ويعطون كتبهم بأيمانهم اهـ.\rقوله: وَ(يكون) بِأَيْمانِهِمْ هذا التقدير لا داعي إليه بل إبقاء النظم على ظاهره أوضح وهو","part":7,"page":417},{"id":2876,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 418\rالْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)\rيَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا أبصرونا، وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الظاء أمهلونا نَقْتَبِسْ نأخذ القبس والاضاءة مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ لهم استهزاء بهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فرجعوا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ وبين المؤمنين بِسُورٍ قيل هو تسليط يسعى على الظرفين أعني بين أيديهم وبأيمانهم اهـ.\rقوله: (و يقال لهم الخ) أي: تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم بشراكم اليوم أي: بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان اهـ خطيب.\rقوله: (أي دخولها) إيضاح هذا الإعراب ما ذكره السمين بقوله: بشراكم مبتدأ، واليوم ظرف، وجنات خبره على حذف مضاف أي: المبشر به دخول جنات، وهذه الجملة في محل نصب بقول مقدر وهو العامل في الظرف كما تقدم اهـ.\rثم قال: قوله خالدين نصب على الحال، والعامل فيها المضاف المحذوف إذ التقدير بشراكم دخولكم جنات خالدين فيها، فحذف الفاعل وهو ضمير المخاطب وأضيف المصدر لمفعوله فصار دخول جنات، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، ولا يجوز أن يكون بشراكم هو العامل فيها لأنه مصدر قد أخبر عنه قبل ذكر متعلقاته، فيلزم الفصل بأجنبي اهـ.\rومعلوم أن البشرى بمعنى المبشر به اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الإشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة هذا إذا كان قوله ذلك هو الفوز العظيم قول اللّه تعالى لا من جملة مقول الملائكة، وإلّا فالإشارة حينئذ إلى الجنة بتأويل ما ذكر أو لكونها فوزا اهـ كرخي.\rقوله: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ بدل من يوم ترى فيكون معمولا لا ذكر المقدر، وقال ابن عطية:\rويظهر لي أن العامل فيه ذلك هو الفوز العظيم كأنه يقول إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا وكذا، لأن ظهور المرء يوم خمود عدوه أبدع وأفخم اهـ سمين.\rقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا اللام للتبليغ، وقراءة العامة انظرونا أمر من النظر، وقرأ حمزة أنظرونا بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار بمعنى الانتظار أي: انتظرونا لنلحق بكم فنستضيء بنوركم، والقراءة الأولى يجوز أن تكون بمعنى هذه إذ يقال نظره بمعنى انتظره، وذلك أنه يسرع بالخلوص إلى الجنة على نجب، فيقول المنافقون: انتظرونا لأنا مشاة لا نستطيع لحوقكم، ويجوز أن يكون من النظر وهو الإبصار لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيضيء لهم المكان، وهذا أليق بقوله:\rنَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قال معناه الزمخشري، إلّا أن الشيخ قال: إن النظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في الشعر وإنما يتعدى بإلى اهـ سمين.\rقوله: (امهلونا الخ) أي: تمهلوا لنا لندرككم. قوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ أي: قال لهم المؤمنون أو الملائكة الموكلون بهم اهـ قرطبي.\rقوله: وَراءَكُمْ فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب بارجعوا على معنى ارجعوا إلى الموقف","part":7,"page":418},{"id":2877,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 419\rسور الأعراف لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ من جهة المؤمنين وَظاهِرُهُ من جهة المنافقين مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (13)\rيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ على الطاعة قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بالنفاق وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدوائر وَارْتَبْتُمْ شككتم في دين الإسلام وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ الأطماع حَتَّى جاءَ أَمْرُ إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوا هناك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان، أو فارجعوا خائبين وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر سبيل فلا لكم إلى هذا النور.\rوالثاني: أن وراءكم اسم فعل فيه ضمير فاعل أي: ارجعوا ارجعوا قاله أبو البقاء، ومنع أن يكون ظرفا لارجعوا قال لقلة فائدته لأن الرجوع لا يكون إلا إلى وراء، وهذا فاسد لأن الفائدة جليلة كما تقدم شرحها اهـ سمين.\rقوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ العامة على بنائه للمفعول، والقائم مقام الفاعل يجوز أن يكون بسور وهو الظاهر وأن يكون الظرف، والباء مزيدة أي: ضرب بينهم سور اهـ سمين.\rوالظاهر أن قوله: فضرب بينهم الخ معطوف على قوله: قيل ارجعوا وراءكم متفرع عليه، فإن المؤمنين أو الملائكة لما منعوا المنافقين عن اللحوق بهم والاستضاءة بأنوار معارفهم وأعمالهم بقي المنافقون في ظلمة نفاقهم، فصاروا بذلك كأنه ضرب بينهم وبين النور الذي يؤديهم إلى الجنة سور، فعلى هذا يكون قوله: فضرب بينهم بسور من قبيل الاستعارة التمثيلية، وقيل: يضرب بين الجنة والنار حائط موصوف بما ذكر أو هو حجاب الأعراف اهـ زاده.\rقوله: لَهُ بابٌ مبتدأ أو خبر في موضع جر صفة لسور، وقوله: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ هذه الجملة يجوز أن تكون في موضع جر صفة ثانية لسور، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة لباب وهو أولى لقربه، والضمير إنما يعود على الأقرب إلا بقرينة، وقرأ زيد بن علي، وعمر بن عبيد: فضرب مبنيا للفاعل وهو اللّه اهـ سمين.\rقوله: يُنادُونَهُمْ الخ جملة حالية من الضمير في بينهم أو استئناف وهو الظاهر اهـ سمين.\rمبني على سؤال كأنه قيل: فماذا يفعلون بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب؟ فقيل: ينادونهم الخ اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: ينادونهم أي: ينادي المنافقون المؤمنين ألم نكن معكم في الدنيا، يعني نصلي كما تصلون، ونغزو مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون؟ قالوا: بلى أي: يقول المؤمنون بلى قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم فتنتم أنفسكم أي: استعملتموها في الفتنة، وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق، وقيل: بالمعاصي قاله أبو سنان، وقيل: بالشهوات واللذات رواه أبو نمير الهمداني اهـ.\rقوله: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يجوز أن يكون تفسيرا للنداء، وأن يكون منصوبا بقول مقدر اهـ سمين.\rقوله: (الدوائر) أي: الحوادث. قوله: حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قرأ قالون، وأبو عمرو: بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية، والباقون بتحقيقهما اهـ خطيب.","part":7,"page":419},{"id":2878,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 420\rاللَّهِ الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) الشيطان\rفَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ بالياء والتاء مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ أولى بكم وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) هي\r* أَلَمْ يَأْنِ يحن لِلَّذِينَ آمَنُوا قوله: وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ أي: بسعة رحمته. الغرور: بفتح العين في قراءة العامة وهو صفة على فعول، والمراد به الشيطان، وقرأ بعضهم الغرور بالضم وهو مصدر وتقدم نظيره اهـ سمين.\rقوله: (الشيطان) أي: حيث يقول لكم إن اللّه كريم لا يعذبكم إن اللّه غفور رحيم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنده وهو عظيم ومحسن وحليم فلا يزال بالإنسان حتى يوقعه اهـ خطيب.\rقوله: (فاليوم لا يؤخذ) الظرف متعلق بيؤخذ ولا يبالي بلا النافية وهو قول الجمهور، وقرأ ابن عامر: تؤخذ بالتأنيث للفظ الفدية، والباقون بالياء من تحت لأن التأنيث مجازي وللفصل اهـ سمين.\rقوله: (و لا من الذين كفروا) إنما عطف الكافر على المنافق، وإن كان المنافق كافرا في الحقيقة، لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير المنافق بهذا الاعتبار فحسن عطفه على المنافق اهـ خطيب.\rقوله: هِيَ مَوْلاكُمْ يجوز أن يكون مصدرا أي: ولايتكم أي: أي ذات ولايتكم، وأن يكون مكانا أي مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى كقولك: هو مولاه أي: أولى به اهـ سمين.\rوفي أبي السعود: هي مولاكم أي: أولى بكم وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما يقال: هو مئنة الكرم أي: مكانه لقول القائل إنه لكريم، أو مكانكم عن قريب من الولي وهو القرب، أو ناصركم على طريقة قوله:\rتحية بينهم ضرب وجيع\r\rاه.\rوفي الشهاب: قوله: وهو مئنة الكرم يعني أن مولاكم اسم مكان لا كغيره من أسماء الأمكنة فإنها مكان للحدث بقطع النظر عمن صدر عنه، وهذا محل للفضل على غيره الذي هو صفته فهو ملاحظ فيه معنى أولى، لا أنه مشتق منه كأنه المثنة مأخوذة من أن وليست مشتقة منها اهـ.\rوقوله: أو ناصركم فالمعنى لا ناصر لكم إلا النار، كما أن معنى البيت لا تحية لهم إلا الضرب على التهكم، والمراد نفي الناصر ونفي التحية اهـ شهاب.\rقوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا العامة على يأن بسكون الهمزة وكسر النون مضارع أنى من باب رمى فهو معتل حذفت منه الياء التي هي لامه للجازم، وقرأ الحسن البصري: يئن بكسر الهمزة وسكون النون مضارع آن من باب باع فجزم بسكون النون، ثم حذفت الياء التي هي عينه لالتقاء الساكنين فصار ألم يئن مثل ألم يبع اهـ من السمين.\rوقول الجلال: يحن تفسير معنى تفسير إعراب لأنه بصدد تفسير قراءة الجمهور، لأن الفعل عليها معتل وجزمه بحذوف الياء، وحان يحين غير معتل فالفعل المضارع مجزوم بالسكون فهو يناسب قراءة الحسن تأمل. وفي البيضاوي: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه، ألم يأن وقته يقال","part":7,"page":420},{"id":2879,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 421\rنزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ بالتخفيف والتشديد مِنَ الْحَقِ القرآن وَلا يَكُونُوا معطوف على تخشع كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ هم اليهود والنصارى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ الزمن بينهم وبين أنبيائهم فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ لم تلن لذكر اللّه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (16)\rاعْلَمُوا خطاب للمؤمنين المذكورين أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بالنبات، أنى الأمر يأني أنيا كرمى يرمي رميا وأناه وأنى إذا جاء إناه أي: وقته، وقرئ بكسر الهمزة وسكون النون من آن يئين مثل باع يبيع، وقرئ ألما يأن اهـ.\rوفي المختار: وحان له أن يفعل كذا يحين حينا بالكسر أي: آن، وحان حينه أي: قرب وقته اهـ.\rقوله: أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ أي: تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن لذكر اللّه اهـ خازن.\rوأن تخشع فاعل يأن أي ألم يقرب خشوع قلوبهم، واللام قال أبو البقاء للتبيين، فعلى هذا تتعلق بمحذوف أي أعني للذين آمنوا ولا حاجة إليه اهـ سمين.\rقوله: (لما أكثروا المزاح) أي: بسبب لين العيش الذي أصابوه في المدينة فتكاسلوا عن العبادة وأكثروا المزاح، ففي الخازن: نزلت في المؤمنين، وذلك لأنهم لما قدموا المدينة أصابوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا، ونزل في ذلك أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا الآية.\rقال ابن مسعود: وما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللّه بهذه الآية إلا أربع سنين أخرجه مسلم اهـ.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان. قوله: (معطوف على تخشع) أي: فلا نافية، ويجوز أن نكون ناهية ويكون ذلك انتقالا إلى نهي أولئك المؤمنين عن كونهم مشبهين لمن تقدمهم نحو لا يقم زيد اهـ سمين.\rقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ العامة على تخفيف الدال بمعنى الغاية، كقولك: أمد فلان أي غايته، وابن كثير في رواية بتشديدها وهو الزمن الطويل اهـ سمين.\rقوله: فاسِقُونَ أي خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من أجل فرط قسوتهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (خطاب للمؤمنين المذكورين) وهم الصحابة الذين أكثروا المزاح اهـ شيخنا.\rفيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب.\rقوله: أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها هذا تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة، أو لإحياء الأموات ترغيبا في الخشوع وزجرا عن القساوة اهـ بيضاوي.\rيعني أن قوله يحيي الأرض بعد موتها استعارة تمثيلية، والمعنى يلين القلوب بالذكر بعد قساوتها شبه تليين القلوب بالخشوع المسبب عن الذكر، وتلاوة القرآن بإحياء الأرض الميتة بالغيث من حيث اشتمال كل واحد منهما على بلوغ الشيء إلى كماله المتوقع بعد خلوه عنه، ويحتمل أن يكون تمثيلا لإحياء الأموات بأن شبه إحياؤها بإحياء الأرض الميتة، فمن قدر على الثاني فهو قادر على الأول فحقه","part":7,"page":421},{"id":2880,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 422\rفكذلك يفعل بقلوبكم، بردّها إلى الخشوع قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على قدرتنا بهذا وغيره لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)\rإِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ من التصدق أدغمت التاء في الصاد، أي الذين تصدقوا وَالْمُصَّدِّقاتِ اللاتي تصدقن، وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق الإيمان وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً راجع إلى الذكور والإناث بالتغليب، وعطف الفعل على الاسم في صلة أل، فيها حل محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصدق تقييد له يُضاعَفُ وفي قراءة يضعف بالتشديد أي قرضهم لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)\rوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ المبالغون في التصديق وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ على المكذبين من الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ أن تخشع القلوب لذكره وإنما حمل على التمثيل لترتبط هذه الآية بما قبلها اهـ زاده.\rقوله: (بهذا) أي كونه يحيي الأرض بعد موتها، وقوله: وغيره أي من الأفاعيل العجيبة اهـ شيخنا.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تكمل عقولكم اهـ بيضاوي.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بتخفيف الصاد الخ، وقوله: الإيمان أي الذي هو الإيمان. قوله:\r(راجع إلى الذكور والإناث) أي فهو معطوف على مجموع الفعلين لا على الأول فقط، كما قيل لما يلزم عليه من العطف على الصلة قبل تمامها اهـ شيخنا.\rقوله: (في صلة أل) نعت للاسم أي الاسم الكائن في صلة أل، وقوله: (فيها) متعلق بحل بعده فهذا العطف من قبيل قوله:\rواعطف على اسم شبه فعل فعلا\r\rالخ اهـ شيخنا.\rقوله: (و ذكر القرض الخ) جواب عما يقال أن قوله: وأقرضوا يغني عنه قوله: إن المصدقين على قراءة التشديد، لأن المراد بالقرض الصدقة، وحاصل الجواب أنه أعيد ذكره توطئة لوصف بالحسن، فقوله تقييد له أي للتصديق بوسف القرض الذي هو الحسن اهـ شيخنا.\rقوله: يُضاعَفُ لَهُمْ القائم مقام الفاعل فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنه الجار بعده.\rوالثاني: أنه ضمير التصدق ولا بد من حذف مضاف أي ثواب التصدق اهـ سمين.\rقوله: (و في قراءة (؟ يضعف)) أي: سبعية.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ مبتدأ، وأولئك مبتدأ ثان، وهم يجوز أن يكون مبتدأ ثالثا، والصديقون خبرهم وهو مع خبره خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون هم فصلا وأولئك وخبره خبر الأول اهـ سمين.\rقوله: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنه معطوف على ما قبله ويكون الوقف على الشهداء تاما أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون شهداء. والثاني: أنه مبتدأ وفي خبره","part":7,"page":422},{"id":2881,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 423\rكَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (19) النار\rاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ تزيين وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ أي الاشتغال فيها، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة كَمَثَلِ أي هي في إعجابها لكم واضمحلالها وجهان، أحدهما: أنه الظرف بعده، والثاني: أنه قوله لهم أجرهم إما الجملة وإما الجار وحده والمرفوع فاعل به، والوقف لا يخفى على ما ذكرته من الإعراب، والصديق مثال مبالغة ولا يجيء إلا من ثلاثي غالبا اهـ سمين.\rقوله: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ الخ لما ذكر حال الفريقين في الآخرة حقر أمور الدنيا بأنها مما لا يتوصل به إلى الفوز الآجل بأن بين أنها أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جدا إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة، ولهو يلهون به أنفسهم وزينة كالملابس الحسنة والمراكب الهنية والمنازل الرفيعة وتفاخر بالأنساب وتكاثر بالعدد والعدد، ثم قرر ذلك بقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث، أو الكافرون باللّه لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى أمرا معجبا انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجابا، ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاما ثم عظم أمور الآخرة بقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ تنفيرا عن الانهماك في الدنيا وحثا على ما يوجب كرامة العقبى، ثم أكد ذلك بقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ اهـ بيضاوي.\rقوله: (تزيين) أشار به إلى أن الزينة ما يتزين به من اللباس والحلي ونحوهما اهـ بيضاوي.\rقوله: (و تفاخر بينكم) العامة على تنوين تفاخر موصوف بالظرف أو عامل فيه، والسلمي إضافة إليه اهـ سمين.\rقوله: (أي الاشتغال فيها الخ) أشار بهذا إلى تقدير مضاف في المبتدأ، والتقدير اعلموا أنما اشتغال الحياة الدنيا أي: التشاغل وشغل البال بها دائر بين هذه الأمور الخمسة اهـ شيخنا.\rقال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا اهـ.\rوأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة اهـ.\rوقال علي كرم اللّه وجهه لعمار بن ياسر: لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء وهو يستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة وأفضل المركوب الفرس وعليها تقتل الرجال، وأما المنكوح فهو النساء وهن مبال في مبال اهـ خطيب.\rقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أي مثلها أي صفتها كمثل أي صفة غيث الخ، وقوله: أي هي في إعجابها","part":7,"page":423},{"id":2882,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 424\rغَيْثٍ مطر أَعْجَبَ الْكُفَّارَ الزرّاع نَباتُهُ الناشىء عنه ثُمَّ يَهِيجُ ييبس فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً فتاتا يضمحل بالرياح وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن آثر عليها الدنيا وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن لم يؤثر عليها الدنيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ما التمتع فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (20)\rسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لو وصلت إحداهما بالأخرى، الخ أشار به إلى أن كمثل خبر مبتدأ محذوف، ويصح أن يكون خبرا سادسا لأن اهـ من السمين.\rقوله: (مطر) أي حصل بعد جدب وسوء حال اهـ خطيب.\rقوله: (الزراع) أي الذين حصل منهم الحرث والبذر الذي يستره الحارث كما يستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان اهـ خطيب.\rقوله: (ييبس) تفسير يهيج ييبس فيه تسامح، فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له اهـ شهاب.\rفمعنى ثم يهيج ثم يطول جدا، أو لعل الحامل له على تفسيره بما ذكر فتراه مصفرا بالفاء الدالة على التعقيب، وعبارة أبي السعود: ثم يهيج أي يجف بعد خضرته ونضارته اهـ.\rقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لما ذكر الظل الزائل ذكر إثره الثابت الدائم مقسما له إلى قسمين، فقال: وفي الآخرة عذاب شديد هذا أحد القسمين، والقسم الآخر ما ذكره بقوله: ومغفرة من اللّه ورضوان اهـ خطيب.\rوفي الآخرة خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر خبر بأن في الآخرة عذابا شديدا ومغفرة منه ورضوانا وهذا معنى حسن، وهو أنه قابل العذاب بشيئين بالمغفرة والرضوان فهو من باب لن يغلب عسر يسرين اهـ سمين.\rقوله: (و ما الحياة الدنيا) الخ تأكيد لما سبق، وقوله: إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ أي هي في نفسها غرور لا حقيقة لها اهـ خطيب.\rوهذا يقتضي أن الإضافة بيانية، فالمعنى وما التمتع بالدنيا إلا متاع أي تمتع هو الغرور أي الاغترار. وفي المختار: والغرور بالضم ما اغترّ به الشخص من متاع الدنيا اهـ.\rقوله: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ معناه لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه من أمور الدنيا، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة، والمعنى سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار إلى المغفرة أي: إلى ما يوجب المغفرة وهي التوبة من الذنوب وإلى ما يوجب الجنة وهو فعل الطاعات، وقيل: سابقوا إلى ما كلفتم به من الأعمال فتدخل فيه التوبة وغيرها اهـ خازن.\rقوله: (عرضها كعرض السماء) الخ مبتدأ وخبر والجملة صفة لجنة وكذلك أعدت، ويجوز أن يكون أعدت مستأنفا اهـ سمين.\rقوله: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي السموات السبع والأرضين السبع، لو جعلت صفائح","part":7,"page":424},{"id":2883,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 425\rوالعرض السعة أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)\rما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ بالجدب وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ كالمرض وفقد الولد إِلَّا فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها نخلقها، ويقال في النعمة كذلك أَنْ والزق بعضها إلى بعض لكان عرض الجنة في عرض جميعها، وقال ابن عباس: يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة، وقال مقاتل: إن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزقت بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنان. وسأل عمر ناس من اليهود: إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه مثلهما في التوراة، ومعناه أنه حيث شاء اللّه وهذا عرضها، ولا شك أن الطول يكون أزيد من العرض، فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك، وقيل: إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بما تعرفه الناس اهـ خطيب.\rقوله: (و العرض السعة) جواب عما يقال إنه لم يذكر الطول، وإيضاحه: أنه لم يرد بالعرض ضد الطول، بل أراد به السعة كما في قوله تعالى: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: 51] وقيل: إن عرض كل ذي عرض أقل من طوله، فإذا كان هذا العرض فالطول أعظم ولا استبعاد أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، إذ العرش أعظم المخلوقات وهو فوق السماء السابعة اهـ كرخي.\rقوله: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ أي ذلك الموعود به من المغفرة والجنة، وقوله: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي فلا يبعد منه التفضل بذلك وإن عظم قدره اهـ بيضاوي.\rقوله: مِنْ مُصِيبَةٍ فاعل أصاب ومن مزيدة لوجود الشرطين وذكر فعلها لأن التأنيث مجازي اهـ سمين.\rوالمفعول محذوف أي: ما أصابكم من مصيبة الخ، وقوله: في الأرض يجوز أن يتعلق بأصاب، وأن يتعلق بنفس مصيبة، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لمصيبة، وعلى هذا فيصح أن يحكم على موضعه بالجر نظرا إلى لفظ موصوفه، وبالرفع نظرا إلى محله إذ هو فاعل والمصيبة غلبت في الشر وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر وعلى الأول يقال: لم ذكرت دون الخير؟ وأجيب: بأنه إنما خصها بالذكر لأنها أهم على البشر اهـ سمين.\rقوله: (بالجدب) أشار إلى أن في الأرض متعلق بنفس مصيبة، والمعنى ما أصاب من مصيبة صفتها في الأرض كجدب وعاهة زرع وزلزلة اهـ كرخي.\rقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ حال من مصيبة، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصصها إما بالعمل أو بالصفة أي إلا مكتوبة اهـ سمين.\rقوله: (من قبل أن نبرأها) الضمير في نبرأها الظاهر عوده على المصيبة، وقيل: على الأنفس، وقيل: على الأرض أو على جميع ذلك قاله المهدوي وهو حسن اهـ سمين.","part":7,"page":425},{"id":2884,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 426\rذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)\rلِكَيْلا كي ناصبة للفعل بمعنى أن، أي أخبر تعالى بذلك لئلا تَأْسَوْا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا فرح بطر بل فرح شكر على النعمة بِما آتاكُمْ ومن قبل متعلق بمتعلق قوله في كتاب أي إلا ثابتة في كتاب من قبل أن نبرأها.\rقوله: (و يقال في النعمة كذلك) أي ما حصل للخلق نعمة في الأرض كالمطر ولا في أنفسهم كالصحة والولد إلا في كتاب من قبل أن يخلقها اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (لكيلا تأسوا) اللام حرف جر متعلقة بمحذوف قدره بقوله أخبر تعالى الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (كي ناصبة للفعل) أي بنفسها لأجل دخول اللام عليها، فلذلك قال بمعنى أن أي المصدرية في العمل، وإيضاحه قول ابن هشام، ويؤيده صحة حلول أن محلها وأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل آخر اهـ كرخي.\rقوله: (أي أخبر تعالى بذلك) أي بأنه فرغ من التقدير، وفي الخطيب: لكيلا أي أعلمناكم بأنا قد فرغنا من التقدير فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير فلا الحزن يدفعه ولا السرور يجلبه ويجمعه اهـ.\rقوله: تَأْسَوْا مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، وأصله تأسيون تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصارت تأساون فالتقى ساكنان الألف والواو التي هي الفاعل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار وزنه تفعون لان لامه التي هي الياء المنقلبة ألفا قد حذفت والمصدر أسى مقصور، فيقال: أسي أسى مثل جوي جوى فقول بعض النحاة عن الاستشهاد بهذه الآية في باب النواصب، والتقدير لأجل عدم إساءتكم فيه نظر لما علمت من أن مصدر هذا الفعل أسى لا إساءة اهـ شيخنا.\rوفي المصباح: وأسي أسى من باب تعب حزن فهو أسى على فعيل مثل حزين اهـ.\rوفي المختار: وأسى على مصيبته من باب عدا أي حزن وأسى له حزن أي حزن له اهـ.\rقوله: (تحزنوا) أي: حزنا يوجب القنوط، وكان عليه أن يقيد ذلك كما قيد في الفرح، وإلا فالحزن والفرح الطبيعيان لا يخلو منهما الإنسان اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: بل فرح شكر على النعمة أي ليس المراد به الانتهاء عن الحزن والفرح اللذين لا ينفك عنهما الإنسان بطبعه، بل المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه على الصبر والتسليم لأمر اللّه ورجاء ثواب الصابرين، والفرح الملهي عن الشكر نعوذ باللّه منهما. وفي الحديث: «من علم سر اللّه في القدر هانت عليه المصائب» اهـ.\rقوله: عَلى ما فاتَكُمْ (من النعم) أي لأنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم اهـ قرطبي.\rوكذلك لكيلا تحزنوا على ما أصابكم من المصائب لأنه قد حتم وقدر حصوله ونزوله فلا يدفعه الحزن. قوله: بِما آتاكُمْ أي: من النعم أي ولا بما فاتكم من المصائب لأنه لم يقدر لكم ولو قدر","part":7,"page":426},{"id":2885,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 427\rبالمد أعطاكم، وبالقصر جاءكم منه وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ متكبر بما أوتي فَخُورٍ (23) به على الناس\rالَّذِينَ يَبْخَلُونَ بما يجب عليهم وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ به لهم، وعيد شديد وَمَنْ يَتَوَلَ عما يجب عليه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ ضمير فصل، وفي قراءة بسقوطه الْغَنِيُ عن غيره الْحَمِيدُ (24) لأوليائه\rلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا الملائكة إلى الأنبياء بِالْبَيِّناتِ بالحجج القواطع وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ بمعنى الكتب وَالْمِيزانَ العدل لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ لحصل. قوله: (بالقصر) القراءتان سبعيتان، وقوله: منه أي من اللّه أي من قبله. قوله: (بما يجب عليه) أي من المال كزكاة وكفارة ومن تعليم العلم ومن نشره وإذاعة أوصاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وفي القرطبي: الذي يبخلون أي ببيان صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم قاله السدي والكلبي، وقال سعيد بن جبير: الذين يبخلون يعني بالعلم ويأمرون الناس بالبخل أي بأن لا يعلموا الناس شيئا، وقال زيد بن أسلم: إنه البخل بأداء حق اللّه عز وجل، وقيل: إنه البخل بالصدقة والحقوق قاله عامر بن عبد اللّه الأشعري، وقال طاوس: إنه البخل بما في يديه، وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى اهـ.\rقوله: وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ أي كل من يعرفونه اهـ سمين.\rقوله: (لهم وعيد شديد) يشير به إلى أن الذين مبتدأ خبره محذوف، ويصح أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين أو في موضع نصب بدلا من قوله مختال فخور أي: بدل كل من كل، فإن المختال بالمال يضمن به غالبا، ولأنهما واقعان تدليلا لقوله: ولا تفرحوا بما آتاكم لأن من شأن الفرح أن يكون مختالا فخورا وعليه اقتصر في الكشاف اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراءة (؟ بسقوطه)) أي قراءة نافع وابن عامر وهو ساقط من مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون بإثباته وهو ثابت في مصاحفهم فقد وافق كل مصحفه. قال أبو علي: وقراءة إسقاطه تدل على كونه على قراءة الإثبات ضمير فصل لا مبتدأ، إذ المبتدأ لا يسوغ حذفه يعني أن قراءة الحذف ترجح كونه ضمير فصل في القراءة الأخرى إذ لو كان مبتدأ لضعف حذفه لا سيما إذا صلح ما بعده أن يكون خبرا لما قبله اهـ سمين.\rقوله: الْحَمِيدُ (لأوليائه) أي الحامد لهم بالإحسان على طاعتهم وإقبالهم عليه اهـ خطيب.\rقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا لام قسم. قوله: (الملائكة) فيه بعد لأنه لم ينزل بالكتب والأحكام على الرسل إلا جبريل، والحامل له على هذا التفسير تصحيح المعية في قوله: وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ لأن الكتب إنما نزلت مع الملائكة، وهذا تفسير سبقه به الزمخشري لما ذكر وجمهور المفسرين على حمل الرسل على البشر، وعلى التأويل في المعية وأنزلنا الكتاب حال كونه آيلا وصائرا لأن يكون معهم إذا وصل إليهم في الأرض اهـ شيخنا.\rأو على أنها بمعنى إلى كما يشير له صنيع القرطبي.\rقوله: (العدل) وإنزاله من السماء بإنزال الكتاب المتضمن له والوحي الآمر له اهـ شهاب.\rقوله: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ أي ليتعاملوا فيما بينهم بالعدل، وهذا علة لقوله: أرسلنا وأنزلنا","part":7,"page":427},{"id":2886,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 428\rأخرجناه من المعادن فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يقاتل به وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ علم مشاهدة، معطوف على ليقوم الناس مَنْ يَنْصُرُهُ بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه معهم الكتاب والميزان اهـ شيخنا.\rقوله: (أخرجناه:) هذا تأويل في الإنزال وغيره أبقاه على ظاهره، فعن ابن عباس قال: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من حديد، وروي من آلة الحدادين السندال والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة، والميقعة ما يحدد به، وروي ومعه المبرد والمسحاة. وعن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أنزل اللّه تعالى أربع بركات من السماء الحديد والنار والماء والملح» وعن ابن عباس أيضا قال: أنزل اللّه ثلاثة أشياء مع آدم الحجر الأسود وعصا موسى والحديد اهـ خطيب.\rوفي زاده: السندال بفتح السين وكسرها والكلبتان آلة يؤخذ بها الحديد المحمى والميقعة المبرد اهـ.\rقوله أيضا: (أخرجناه من المعادن) أي الأماكن التي خلقه اللّه فيها، وفي القرطبي: وأنزلنا الحديد خلقناه كقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: 6] هذا قول الحسن فيكون من الأرض غير منزل من السماء، وقيل: أنزلنا هنا بمعنى أنشأنا وأحدثنا الحديد، وذلك أن اللّه تعالى أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه وإلهامه اهـ.\rقوله: فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ جملة حالية من الحديد اهـ سمين.\rأي: فيه قوة وشدة، وقوله: يقاتل به فمنه جنة وهي آلة الدفع، ومنه سلاح وهو آلة الضرب، وقوله: ومنافع للناس قال البيضاوي: ما من صنعة إلا والحديد آلتها اهـ خطيب.\rأي له دخل في آلتها وهذا الحصر كلي كما هو مشاهد اهـ.\rقوله: (علم مشاهدة) أي من الخلق أي مشاهدة لآثاره وتعلقاته، وهذا دفع لما يقال هذا التعليل يقتضي إن العلم حادث، وحاصل الجواب أن الحادث إنما هو إطلاعنا وإدراكنا لمتعلقه اهـ شيخنا.\rقوله: (معطوف على ليقوم الناس) لكن المعطوف عليه علة لإرسال الرسل وإنزال الكتاب والميزان، والمعطوفة علة لإنزال الحديد هذا ما ارتضاه السمين في هذا المقام، وإليه يشير صنيع الشارح حيث قال: بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره تأمل. وفي أبي السعود: أنه معطوف على محذوف دلت عليه الجملة الحالية وهي قوله: فيه بأس شديد، وعبارته: عطف على محذوف يدل عليه ما قبله، فإنه حال متضمنة للتعليل كأنه قيل ليستعملوه وليعلم اللّه الخ اهـ.\rقوله: (بآلات الحرب) فيه قصور، وكأن الحامل عليه ملاحظة المقام والسياق اهـ شيخنا.\rقوله: (من هاء ينصره) أي الواقعة على اللّه، وقوله أي غائبا عنهم الضمير لمن ينصره، وقوله:\rفي الدنيا أي وأما في الآخرة فيبصرونه، وقوله: قال ابن عباس الخ أي في تفسير هذه الآية اهـ شيخنا.","part":7,"page":428},{"id":2887,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 429\rإِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) لا حاجة له إلى النصرة، لكنها تنفع من يأتي بها\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ يعني الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فإنها في ذرية إبراهيم فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26)\rثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً هي رفض النساء قوله: (لكنها تنفع من يأتي بها) يعني ليصل بامتثال الأمر فيها إلى الثواب اهـ كرخي.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الخ تكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي وتاللّه لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم الخ اهـ كرخي.\rونوح هو الأب الثاني لجميع البشر، وإبراهيم أبو العرب والروم وبني إسرائيل اهـ خطيب.\rقوله: (و الفرقان) في نسخة والقرآن، وقوله: فإنها في ذرية إبراهيم أي وإبراهيم من ذرية نوح، فبهذا الاعتبار صح قوله في ذريتهما اهـ شيخنا.\rقوله: فَمِنْهُمْ أي من الذرية أو من المرسل إليهم، والأول أولى لتقدم ذكرهم لفظا، وأما الثاني فلدلالة أرسلنا والمرسلين عليه، والمراد بالفاسق ههنا قيل الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن لإطلاق هذا الاسم وهو يشمل الكافر وغيره، وقيل: المراد بالفاسق هنا الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين وهو قضية إطلاق الشيخ المصنف اهـ كرخي.\rقوله: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهينا إلى عيسى عليه السّلام، والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم أو من عاصرهما من الرسل لا الذرية، فإن الرسل المقفى بهم من الذرية اهـ بيضاوي.\rوصنيع أبي السعود يقتضي أن الباء زائدة في المفعول ونصه: أي ثم أرسلنا بعدهم رسلنا اهـ.\rوفي المختار: قفا أثره اتبعه وبابه عدا وسما، وقفى على أثره بفلان أي أتبعه أياه، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا ومنه أيضا الكلام المقفى اهـ.\rقوله: وَقَفَّيْنا أي أتبعنا بعيسى، والمفعول محذوف أي أتبعناهم بعيسى أي جعلناه تابعا لهم أي متأخرا عنهم في الزمان. قوله: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي على دينه يعني الحواريين وأتباعهم رأفة ورحمة أي مودة فكان يواد بعضهم بعضا، وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس، فألان اللّه قلوبهم لذلك بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، والرأفة اللين والرحمة الشفقة، وقيل الرأفة أشد الرحمة اهـ قرطبي.\rقوله: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها في انتصابها وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على رأفة ورحمة وجعل إما بمعنى خلق أو بمعنى صير وابتدعوها على هذا صفة لرهبانية، وإنما خصت بذكر الابتداع لأن الرأفة والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكسب للإنسان فيه بخلاف الرهبانية، فإنها من أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب، إلا أن أبا البقاء منع هذا الوجه بأن ما جعله اللّه لا يبتدعونه. وجوابه ما تقدم من أنها لما كانت مكتسبة صح ذلك فيها، وقال أيضا: وقيل هو معطوف عليها وابتدعوها نعت للمعطوف،","part":7,"page":429},{"id":2888,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 430\rواتخاذ الصوامع ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ما أمرناهم بها إِلَّا لكن فعلوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ مرضاة اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها إذ تركها كثير منهم، وكفروا بدين والمعنى فرضنا عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها، ولهذا قال: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللّه.\rوالوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظاهر فتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة، إلا أن هؤلاء يقولون إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له، فالرأفة والرحمة لما كانتا من فعل اللّه نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل اللّه تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه اهـ سمين.\rقوله: (هي رفض النساء الخ) عبارة البيضاوي: وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان جمع راهب كراكب وركبان اهـ.\rوفي الخازن: وهي ترهبهم في الجبال والكهوف والغيران والديور فارين من الفتنة وحملوا أنفسهم المشاق في العبادة الزائدة وترك النكاح واستعمال الخشن في المطعم والمشرب والملبس مع التقلل من ذلك. روي عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى عليه السلامة بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم جماعة مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين اللّه، فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذي شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون منا إلا ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا فيها ثم أعطونا شيئا ترفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وطائفة قالت: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنو لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم. قال: ففعلوا ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب، فجعل الرجل يقول تكون في مكان فلان نتعبد فيه كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله عز وجل: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها يعني ابتدعها الصالحون، فما رعوها حق رعايتها يعني الآخرين الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني (الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان اللّه وكثير منهم فاسقون هم الذين جاؤا من بعدهم)، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فامنوا به وصدقوه، فقال اللّه تعالى فهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ* الخ اهـ.\rقوله: (و اتخاذ الصوامع) جمع صومعة وهي بناء معقود دقيق الرأس اهـ.\rقوله: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ صفة لرهبانية، ويجوز أن يكون مستأنفا اهـ سمين.\rقوله: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع، ولذا فسره بقوله لكن على عادته، وإلى هذا ذهب","part":7,"page":430},{"id":2889,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 431\rعيسى، ودخلوا في دين ملكهم، وبقي على دين عيسى كثير فآمنوا بنبينا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا به مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بعيسى اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعيسى يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بالنبيين وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ قتادة وجماعة قالوا معناه لم نفرضها عليهم ولكنهم ابتدعوها، وقيل: إن الاستثناء متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة اللّه، ويكون كتب بمعنى قضى وهذا قول مجاهد اهـ سمين.\rقوله: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أي: ما قاموا بها حق القيام، بل ضموا إليها التثليث وكفروا بدين عيسى اهـ خطيب.\rوفي البيضاوي: فما رعوها حق رعايتها بضم التثليث، والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ونحوها إليها اهـ.\rقوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي: بنبينا، وقوله: وكثير منهم أي: من هؤلاء الذين ابتدعوها وضيعوها اهـ خطيب.\rقوله: آمَنُوا (بعيسى الخ) تخصيص الخطاب بهم أحد وجهين للمفسرين، والآخر أنه عام لكل من آمن بالرسل قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وعبارة البيضاوي: يا أيها الذين آمنوا بالرسل المتقدمة اتقوا اللّه فيما نهاكم عنه وآمنوا برسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يؤتكم كفلين نصيبين من رحمته لإيمانكم بمحمد عليه السّلام وإيمانكم بمن قبله، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق، وإن كان منسوخا ببركة الإسلام، وقيل:\rالخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ.\rوقوله: ولا يبعد أن يثابوا الخ لما ورد أن يقال إعطاء الكفلين ظاهر في حق من آمن بعيسى وراعى دينه إلى أن بعث نبينا عليه السّلام، لأنه قد استمر على الدين الحق إلى أن نسخ وتبين عنده حقيقة الدين الناسخ، وحين تبين له ذلك اتبع الحق الثاني فاستحق بذلك أن يعطى كفلين بخلاف اليهود، فإن اليهودية قد انتسخت ببعثة عيسى فليس اليهود على الدين الحق حين آمنوا بنبينا، فكيف يثابون على دينهم السابق؟ أجاب عنه أولا بقوله ولا يبعد الخ، وثانيا بأن الخطاب للنصارى وملتهم غير منسوخة قبل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها، وإنما ضعفه قيل: لأنها نزلت فيمن أسلم من اليهود كما ورد في الأحاديث الصحيحة كعبد اللّه بن سلام وأضرابه، ولذا بنى تفسيره أولا عليه ولأنه لا دليل على التخصيص هنا اهـ زاده وشهاب.\rقوله: يُؤْتِكُمْ أي: يثبكم على اتباعه. كفلين: نصيبين ضخمين من رحمته يحصنانكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره على العجز، وهذا التحصين لأجل إيمانكم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الآصار اهـ خطيب.\rروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ثلاثة لهم","part":7,"page":431},{"id":2890,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 432\rعلى الصراط وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)\rلِئَلَّا يَعْلَمَ أي أعلمكم بذلك ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ التوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أَنَ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والمعنى أنهم أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ خلاف ما في زعمهم أنهم أحباء اللّه وأهل أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق اللّه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران» اهـ خازن.\rقوله: (لإيمانكم بالنبيين) فاستحقاقهم للكفلين ظاهر لأنهم آمنوا بعيسى واستمروا على دينه إلى أن بعث نبينا عليه الصلاة والسّلام لأنهم قد استمروا على الدين الحق إلى أن نسخ، وتبين عندهم حقية الدين الناسخ، وحيث تبين لهم ذلك واتبعوا الحق الثاني استحقوا بذلك أن يعطوا كفلين اهـ.\rقوله: تَمْشُونَ بِهِ (على الصراط) وقال ابن عباس: النور هو القرآن، وقيل: هو الهدى والبيان أي: يجعل لكم سبيلا واضحا في الدين تهتدون به اهـ خازن.\rقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي: ما سلف من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ خازن.\rقوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الخ قيل: لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى:\rأُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: 54] قالوا للمسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابنا وكتابكم، ومن لم يؤمن منا بكتابكم فله أجر كأجركم، فبأي شيء فضلتم علينا؟ فأنزل اللّه: لِئَلَّا يَعْلَمَ الخ اهـ خازن.\rقوله: (أي أعلمكم بذلك) أي: بأن إعطاء الأجر مرتين مرتب على تقوى اللّه والإيمان بمحمد، وأشار الشارح بهذا إلى أن لا زائدة وأن اللام متعلقة بمحذوف هو معنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ التقدير إن تتقوا اللّه وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا ليعلم أهل الكتاب الخ، أي: ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل اللّه وثبوت أن الفضل بيد اللّه، وهذا واضح بيّن ليس فيه إلا زيادة حرف شاعت زيادته اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: ولا مزيدة ويؤيده أنه قرئ ليعلم ولكي يعلم ولأن يعلم بإدغام النون في الياء اهـ.\rقوله: (و المعنى أنهم) (لا يقدرون) الخ هذا التفسير ينافي قوله: واسمه ضمير الشأن، فكان الأولى أن يقول والمعنى أنه لا يقدرون الخ، وعبارة البيضاوي: والمعنى أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالإيمان به، أو لا يقدرون على شيء من فضل اللّه فضلا عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصوا بها من أرادوا، ويؤيده قوله:\rوأن الفضل بيد اللّه الخ اهـ.\rقوله: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي: ومنه الكفلان والمغفرة والنور، وقوله: خلاف بالرفع خبر مبتدأ","part":7,"page":432},{"id":2891,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 433\rرضوانه وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعطيه مَنْ يَشاءُ فأتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين كما تقدم وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29).\rمحذوف أي: وهذا أي: عدم قدرتهم خلاف أي: مخالف لما في زعمهم اهـ شيخنا.\rقوله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ معطوف على أن لا يقدرون. قوله: يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ الظاهر أنه مستأنف، وقيل: هو خبر ثان عن الفضل، وقيل: هو الخبر وحده والجار قبله حال وهي حال لازمة لأن كونه بيد اللّه لا ينتقل البتة اهـ سمين.","part":7,"page":433},{"id":2892,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 434\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة المجادلة مدنية وهي اثنتان وعشرون آية\rقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ تراجعك أيها النبي فِي زَوْجِها المظاهر منها، وكان قال لها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بكسر الدال كما ذكره السعد في حواشي الكشاف اهـ شيخنا.\rوفي الشهاب: بفتح الدال وكسرها والثاني هو المعروف كما في الكشف اهـ.\rقوله: (مدنية) عبارة القرطبي: مدنية في قول الجميع إلا رواية عن عطاء أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي، وقال الكلبي: نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: 7] نزلت بمكة اهـ.\rفائدة:\rهذه السورة أول النصف الثاني من القرآن باعتبار عدد السور فهي الثامنة والخمسون منها وهي أول العشر الأخير من القرآن باعتبار عدد أجزائه، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة مرة أو مرتين أو ثلاثا، وجملة ما فيها من الجلالات خمس وثلاثون.\rقوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي الخ أي: أجاب قولها ومطلوبها بأن أنزل حكم الظهار على ما يوافق مطلوبها، وعلى هذا فقد للتحقيق ومن قال إنها للتقريب والتوقع فلم يلاق المعنى، وقد سمع بإظهار الدال وبإدغامها في السين قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: فِي زَوْجِها أي: في شأنه. قوله: (و كان قال لها أنت علي كظهر أمي) وسببه ما روي أنها كانت حسنة الجسم، فدخل عليها زوجها مرة فرآها ساجدة في الصلاة فنظر إلى عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت من الصلاة طلب وقاعها فأبت فغضب عليها، وكان به لمم فأصابه بعض لممه، فقال لها: أنت عليك كظهر أمي ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية فقال: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، فقالت: واللّه ما ذاك طلاق. فأتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعائشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول اللّه إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات أهل ومال حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني","part":7,"page":434},{"id":2893,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 435\rأنت عليّ كظهر أمي، وقد سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فأجابها: بأنها حرّمت عليه، على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبه فرقة مؤبدة، وهى خولة بنت ثعلبة، وهو أوس بن به، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «حرمت عليه»، فقالت: يا رسول اللّه والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «حرمت عليه»، فقالت: أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي قد طالت له صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أؤمر في شأنك بشيء»، فجعلت تراجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وإذا قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي وشدة حالي، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليّ جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك فرجي، فكان هذا أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فقالت: انظر في أمري جعلني اللّه فداك يا رسول اللّه، فقالت عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك، أما رأيت وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات أي: النوم، فلما قضي الوحي قال: «ادعي لي زوجك» فدعته مثلا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها الآيات الأربع إلى قوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ. وروى الشيخان عن عائشة قالت: الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكلمته وأنا في جانب البيت وما أسمع ما تقول، فأنزل اللّه قد سمع اللّه قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اللّه الآيات، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لزوجها: «هل تستطيع العتق؟» فقال: لا واللّه. فقال: «هل تستطيع الصوم؟» فقال: لا واللّه إني إن أخطاني الأكل في اليوم مرة أو مرتين كل بصري وظننت أني أموت. قال: فأطعم ستين مسكينا. قال:\rلا أجد إلا أن تعينني منك بمعونة وصلة، فأعانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسة عشر صاعا فتصدق بها على ستين مسكينا. وروي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مرّ بها في زمن خلافته وهو على حمار والناس حوله فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق اللّه يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن الحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الموقف، واللّه لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع اللّه قولها من فوق سبع سموات أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر اهـ من الخازن والقرطبي.\rقوله: (عن ذلك) أي: عن حكمه هل هو فراق أو لا؟ اهـ شيخنا.\rقوله: (على ما هو المعهود عندهم) أي العرب في الجاهلية لأنه كان من عاداتهم وخاصا بهم دون سائر الناس اهـ خطيب.\rوجوابه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله لها: حرمت عليه لعله كان باجتهاد، فرأى أن ما اصطلح العرب على تحريمه يحرمه الشرع، فليراجع مستند جوابه صلّى اللّه عليه وسلّم اهـ شيخنا.\rقوله: (و هي خولة بنت ثعلبة) هو أخو عبادة بن الصامت، وقوله: زوجها أوس بن الصامت اهـ كرخي فزوجها ابن عمها اهـ قرطبي.","part":7,"page":435},{"id":2894,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 436\rالصامت وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وحدتها وفاقتها، وصبية صغارا إن ضمتهم إليه ضاعوا، أو إليها جاعوا وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما تراجعكما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) عالم\rالَّذِينَ يُظاهِرُونَ أصله قوله: وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ عطف على تجادلك أي: تتضرع إلى اللّه، وقوله: واللّه يسمع تحاوركما استئناف جار مجرى التعليل لما قبله، فإن إلحاحها في المسألة ومبالغتها في التضرع ومدافعته صلّى اللّه عليه وسلّم إياها من دواعي الإجابة، وقيل: هي حال وهو بعيد اهـ أبو السعود.\rقوله: (وفاقتها) أي: لأنها افتقرت بعد أن كانت غنية، وقوله: وصبية وكانا ولدين، وقوله:\rضاعوا أي: من عدم التعهد بالخدمة، وقوله: جاعوا أي: من عدم النفقة لفقرها، ولعل نفقة الفروع لم تكن إذ ذاك واجبة على الأصول كما أشار له القاري اهـ شيخنا.\rقوله: (تراجعكما) في المصباح: وحاورته راجعته الكلام وتحاوروا وأحار الرجل الجواب بالألف رده وما أحاره ما رده اهـ.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ تعليل لما قبله بطريق التحقيق أي: مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات، ومن قضيته أن يسمع تحاور كما مع ما يقارنه من الهيئات التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء اهـ أبو السعود.\rقوله: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ الخ شروع في بيان شأن المظاهر في نفسه بطرق الاستئناف، وقوله: منكم حل أي حال كونهم منكم أيها العرب، وهذا توبيخ لهم وتهجين لعادتهم، لأن الظهار كان خاصا بالعرب دون سائر الأمم، وقوله: من نسائهم صلة يظهرون أي: يحرمون نساءهم على أنفسهم كتحريم اللّه عليهم ظهور أمهاتهم، وقوله: ما هن أمهاتهم هن اسم ما في محل رفع، وأمهاتهم خبرها فهي عاملة عمل ليس، والجملة خبر المبتدأ الذي هو الموصول. ولما تمم تعالى الإخبار عن إجابته لتلك المرأة وسماع قصتها مع النبي استأنف الإخبار عن حكم سبب هذه الواقعة، وهو قول زوجها لها:\rأنت عليّ كظهر أمي، فبيّن أنه منكر وأنه زور، ولما كانت الواقعة في خصوص العرب والظهار كان عادتهم فقط دون غيرهم من الناس خصص بقوله: مِنْكُمْ ولما كان المقصود بقوله الآتي: والذي يظهرون الخ بيان حكم الظهار من حيث هو لا بقيد كونه واقعا من العرب لم يقيد بقوله منكم اهـ شيخنا.\rوفي القرطبي: وحقيقة الظهار تشبيه ظهر حلال بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته أنت علي كظهر أمي أنه مظاهر فأكثرهم على أنه إذا قال لها: عليّ كظهر أمي أو أختي أو غير ذلك من ذات المحارم أنه مظاهر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما. واختلف فيه عن الشافعي رضي اللّه عنه، فروي عنه نحو قول مالك لأنه شبه امرأته بظهر محرم عليه مؤبد كالأم، وروى عنه أبو ثور أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها وهو مذهب قتادة والشعبي، والأول قول الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري اهـ.","part":7,"page":436},{"id":2895,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 437\rيتظهرون، أدغمت التاء في الظاء، وفي قراءة بألف بين الظاء والهاء الخفيفة، وفي أخرى كيقاتلون، والموضع الثاني كذلك مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي بهمزة وياء وبلا ياء وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ بالظهار لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً كذبا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) للمظاهر بالكفارة\rوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي فيه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر قوله: (و في قراءة (؟ بألف)) نبه على قراءات ثلاث وكلها سبعية وقوله: وفي الموضع الثاني أي قوله: والذين يظهرون من نسائهم كذلك أي: هذه القراءات الثلاث اهـ شيخنا.\rوقوله: الخفيفة نعت للهاء، وأما الظاء فهي مشددة، وعبارة القرطبي: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف يظاهرون بفتح الياء وتشديد الظاء وألف، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب يظهرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء، وقرأ أبو العالية وعاصم وحسين يظاهرون بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء، وقد تقدم هذا في الأحزاب وفي قراءة أبي يتظاهرون وهي معنى قراءة ابن عامر وحمزة اهـ.\rقوله: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ أي: ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ فلا يشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة اهـ أبو السعود.\rقوله: (بهمزة وياء) أي: بوزن رائي، وقوله: وبلا ياء أي بوزن داع هاتان قراءتان سبعيتان، وبقي قراءتان أخريان سبعيتان أيضا وهما تسهيل الهمزة وقلبها ياء ساكنة اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: قرأ قالون وقنبل بالهمزة المكسورة ولا ياء بعدها، وقرأ ورش والبزي وأبو عمرو بتسهيل الهمزة مع المد والقصر، وللبزي وأبي عمرو أيضا وضع الهمزة ياء ساكنة مع المد، والباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء وهم على مراتبهم في المد اهـ.\rقوله: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً أي: شيئا أنكره الشرع. وفي القرطبي: منكرا أي: فظيعا من القول لا يعرف في الشرع والزور الكذب. وإن اللّه لعفو غفور إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم من هذا القول المنكر اهـ.\rفإن قيل: المظاهر إنما قال أنت عليّ كظهر أمي فشبه بأمه ولم يقل إنها أمه، فما معنى كونه منكرا من القول وزورا والزور الكذب وهذا ليس بكذب، أجيب بأن قوله هذا إن كان خبرا فهو كذب وإن كان إنشاء فكذلك لأن جعله سببا للتحريم، والشرع لم يجعله سببا لذلك، وأيضا فإنما وصف بذلك لأن الأم مؤبدة التحريم، والزوجة لا يتأبد تحريمها بالظهار فهو زور محض اهـ خطيب.\rقوله: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ الخ تفصيل لحكم الظهار بعد بيان كونه أمرا منكرا بالطريق الكلي المنتظم فيه حكم الحادثة انتظاما أوليا أي: والذين يقولون هذا القول المنكر ثم يعودون فيه الخ اهـ أبو السعود.\rقوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ما مصدرية أي: يعودون لقولهم بدليل قوله أي: فيه، والعود عند","part":7,"page":437},{"id":2896,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 438\rمنها الذي هو خلاف مقصود الظهار من وصف المرأة بالتحريم فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي اعتاقها عليه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا بالوطء ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)\rفَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أي الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً عليه من قبل أن الشافعي يحصل بإمساك المظاهر منها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة يحصل باستباحة استمتاعها ولو بنظر بشهوة، وعند مالك بالعزم على الجماع، وعند الحسن بالجماع أو بالظهار مرة أخرى اهـ بيضاوي.\rقوله: (بأن يخالفوه بإمساكها) أي: زمنا يسع الفرقة ولا يرد عليه أن ثم تدل على التراخي الزماني والإمساك المذكور معقب لا متراخ لأن مدة الإمساك ممتدة، ومثله يجوز فيه العطف بثم، والفاء باعتبار ابتدائه وانتهائه اهـ شهاب.\rقوله: (من وصف المرأة الخ) بيان للمقصود. قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مبتدأ خبره محذوف كما قدره، والجملة خبر المبتدأ الذي هو الموصول، وكان عليه أن يقول عليهم لأن المبتدأ جمع لفظا ومعنى ودخلت الفاء في الخبر لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط اهـ شيخنا.\rقوله: (بالوطء) هذا قول للشافعي قديم، والجديد أن المراد بالتماس الاستمتاع بما بين السرة والركبة وضمير التثنية للمظاهر والمظاهر منها اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: واختلفوا فيما يحرمه الظهار فللشافعي قولان، أحدهما: أنه يحرم الجماع فقط.\rالثاني: وهو الأظهر أنه يحرم جمع جهات الاستمتاع وهو قول أبي حنيفة اهـ.\rوفي القرطبي: ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفر خلافا للشافعي في أحد قوليه، لأن قوله لها: أنت عليّ كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع، فإن وطئها قبل أن يكفر استغفر اللّه وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة، وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان اهـ.\rقوله: ذلِكُمْ إشارة إلى الحكم المذكور وهو مبتدأ خبره توعظون به أي: تزجرون عن ارتكاب المنكر المذكور، فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات، والمراد بذكره بيان أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علم في استتباع الثواب العظيم، بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه اهـ أبو السعود.\rقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مبتدأ، وقوله: فصيام مبتدأ ثان خبره محذوف أي: عليه، والجملة خبر الأول وسيشير الشارح لهذا اهـ شيخنا.\rقوله: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ فإن أفطر فيهما ولو لعذر انقطع التتابع ووجب استئنافهما، وإن جامع ليلا لم ينقطع التتابع عندنا معشر الشافعية خلافا لأبي حنيفة ومالك اهـ بيضاوي.\rلكن يجب الاستئناف عندنا لأنه وإن لم ينقطع التتابع بالمس ليلا إلا أنه قد فقد كون الكفارة قبل المس وقد شرطنا ذلك اهـ.","part":7,"page":438},{"id":2897,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 439\rيتماسّا حملا للمطلق على المقيد، لكل مسكين مدّ من غالب قوت البلد ذلِكَ أي التخفيف في الكفارة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ أي الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ بها عَذابٌ أَلِيمٌ (4) مؤلم\rإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ يخالفون اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا أذلوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ في مخالفتهم رسلهم وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ دالة على صدق الرسول وَلِلْكافِرِينَ بالآيات عَذابٌ مُهِينٌ (5) ذو إهانة\rيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قوله: (عليه) أي من لم يستطع ومن لم يجد فهو خبر عن كل من قوله فصيام وقوله: فإطعام اهـ شيخنا.\rقوله: (حملا للمطلق) أي: الذي هو وجوب الاطعام أطلق في الآية عن التقييد بكونه من قبل أن يتماسا على المقيد الذي هو وجوب الصيام ووجوب الرقبة قيد بكونه من قبل أن يتماسا، والحمل معناه تقيده المطلق بالقيد الذي في المقيد اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ إلى ما مرّ من البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها وما فيه من معنى البعد قد مرّ سره مرارا، ومحله إما الرفع على الابتداء أو النصب بمضمر معلل بما بعده أي: ذلك واقع أو فعلنا ذلك لتؤمنوا باللّه ورسوله وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم اهـ أبو السعود.\rقوله: وَلِلْكافِرِينَ أي: المنكرين لها اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هم أهل مكة، فإن هذه الآية وردت في غزوة الأحزاب وهي في السنة الرابعة، وقيل: في الخامسة، والمقصود منها البشارة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم يكبتون ويذلون ويتفرق جمعهم فلا تخشوا بأسهم، فقوله: كبتوا بمعنى يكتبون، وعبّر بالماضي على حد أتى أمر اللّه، وقوله: يخالفون اللّه أي يعادون اللّه ورسوله، فإن كلّا من المتعاديين كما أنه يكون في عدوة وشق في غير عدوة الآخر وشقة كذلك يكون في حد غير الحد الذي الآخر اهـ شيخنا.\rوفي زاده: ونقل عن الزجاج أنه قال: المحادة أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، فتكون المحاذة كناية عن المعاداة لكونها لازمة للمعاداة اهـ.\rقوله: كُبِتُوا (أي أذلوا) وقال أبو عبيدة، والأخفش: أي: أهلكوا، وقال قتادة: أخذوا، وقال أبو زيد: عذبوا وقال السدي: لعنوا، وقال الفراء: أغيظوا يوم الخندق، وقيل: يوم بدر اهـ خطيب.\rوفي المصباح: كبت اللّه العدو كبتا من باب ضرب أهانه وأذله وكتبه لوجهه صرعه اهـ.\rقوله: (في مخالفتهم) أي: بسبب مخالفتهم. قوله: وَقَدْ أَنْزَلْنا الخ حال من الواو في كتبوا أي: كبتوا لمحادتهم، والحال أنا أنزلنا آيات بينات تدل على صدق الرسول اهـ أبو السعود.\rقوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ الخ منصوب بمهين فهو ظرف له هذا هو الظاهر من سكوت الشارح عن التنبيه على عامله، وقيل: عامله عذاب، وقيل: عامله الاستقرار في الظرف الواقع خبرا وهو قوله للكافرين، وقيل: منصوب بإضمار اذكر اهـ شيخنا.","part":7,"page":439},{"id":2898,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 440\rشَهِيدٌ (6)\rأَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ بعلمه وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَ قوله: جَمِيعاً أي: كلهم بحيث لا يبقى منهم أحد غير مبعوث أو مجتمعين في حالة واحدة، وقوله: فينبئهم بما عملوا أي: من القبائح إما ببيان صدورها عنهم أو بتصويرها في صورة قبيحة هائلة على رؤوس الأشهاد تخجيلا لهم وتشهيرا لحالهم وتشديدا لعذابهم اهـ أبو السعود.\rقوله: أَحْصاهُ اللَّهُ استنئاف وقع جوابا عما نشأ مما قبله من السؤال إما عن كيفية التنبئة أو عن سببها، كأنه قيل: كيف كان ينبئهم بأعمالهم وهي أعراض منقضية متلاشية؟ فقيل: أحصاه اللّه أي: لم يفته منه شيء، وقوله: ونسوه حال من مفعول أحصى بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور، وقوله: واللّه على كل شيء شهيد اعتراض تذييلي مقرر لإحصائه تعالى، وقوله: ألم تر أن اللّه الخ استشهاد على شمول شهادته في قوله: واللّه على كل شيء شهيد اهـ أبو السعود.\rقوله: وَنَسُوهُ أي: لكثرته أو لتهاونهم به واعتقادهم أنه لا يقع عليه حساب اهـ كرخي.\rقوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ الخ استنئاف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى مبين لكيفيته، ويكون من كان التامة، ومن نجوى فاعلها بزيادة من أي يقع من تناجي ثلاثة، فالنجوى مصدر معناها التحديث سرا وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله، وقوله يعلمه أي: فيعلم نجواهم كأنه حاضر معهم ومشاهد لهم، كما تكون نجواهم معلومة عند الرابع الذي يكون معهم اهـ أبو السعود وخازن.\rقوله: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ كل هذا الجمل بعد إلا في موضع نصب على الحال أي: ما يوجد شيء من هذه الأشياء إلا في حال من هذه الأحوال، فالاستثناء مفرغ من الأحوال العامة، وقرأ أبو جعفر: ما تكون بتاء التأنيث لتأنيث النجوى. قال أبو الفضل: الأكثر في هذا الباب التذكير على ما في قراءة العامة اهـ سمين.\rقوله: (بعلمه) نبه به على ما هو المراد وفيه إشارة إلى أن سبب عمله بذلك هو ذاته أي: بغير سبب خارجي، وخص الثلاثة والخمسة بالذكر لأن قوما من المنافقين تخلفوا للتناجي وكانوا بعدة العدد المذكور مغايظة للمؤمنين فنزلت الآية بصفة حالهم تعريضا بهم أن لأن العدد الفرد أشرف من الزوج، لأن اللّه تعالى وتر يحب الوتر، فخص العددان المذكوران بالذكر تنبيها على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور ثم بعد ذكرهما زيد عليهما ما يعم غيرهما من المتناجين اهـ كرخي.\rقوله: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ أي: المذكور من العددين، فالأدنى من الخمسة الأربعة، والأدنى من الثلاثة الاثنان، ولا يتأتى الواحد لأن النجوى لا تقع إلا من متعدد اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: ولا أدنى من ذلك كالواحد فإنه أيضا يناجي نفسه اهـ.\rوعبارة الخازن: فإن قلت: لم خص الثلاثة والخمسة؟ قلت: لأن أقل ما يكفي في المشاورة ثلاثة حتى يتم الغرض فيكون الاثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحاكم","part":7,"page":440},{"id":2899,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 441\rاللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)\rأَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ هم اليهود نهاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما كانوا يفعلون من تناجيهم أي تحدثهم سرا ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ أيها النبي بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ بينهما، فحينئذ تحمد المشاورة أي: تحمد تلك المشاورة ويتم الغرض، وكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بد من واحد يكون حكما بينهم مقبول القول، وقيل: إن العدد الفرد أشرف من الزوج، فلهذا خص اللّه تعالى الثلاثة والخمسة اهـ.\rقوله: وَلا أَكْثَرَ العامة على الجر عطف على لفظ نجوى، وقرأ الحسن، والأعمش، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، ويعقوب بالرفع وفيه وجهان، أحدهما: أنه معطوف على موضع نجوى لأنه مرفوع ومن مزيدة فيه فإن كان مصدرا كان على حذف مضاف كما تقدم أي من ذوي نجوى، وإن كان بمعنى المتناجين فلا حاجة إلى ذلك. والثاني: أن يكون أدنى مبتدأ، وإلّا هو معهم خبره فيكون ولا أكثر معطوفا على المبتدأ، وحينئذ يكون ولا أدنى من باب عطف الجمل لا المفردات اهـ.\rقوله: أَيْنَ ما كانُوا أي من الأماكن، ولو كانوا تحت الأرض فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت بقرب الأمكنة وبعدها اهـ أبو السعود.\rفأين ظرف للاستقرار المفهوم من المعية في قوله معهم أي مصاحب لهم بعلمه في أي مكان استقروا فيه اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى الخ نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، فنهاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم عادوا لمثل فعلهم اهـ بيضاوي.\rقوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ صيغة المضارع للدلالة على تمكن عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة، وقوله: ويتناجون الخ معطوف عليه، وفي صيغة المضارع ما تقدم، وقوله: بالإثم أي ما هو إثم في نفسه، وقوله: والعدوان أي عداوة الرسول والمؤمنين ومعصية الرسول أي التواصي فيما بينهم بمعصية الرسول اهـ أبو السعود.\rفائدة:\rرسمت معصية هذه والتي بعدها بالتاء المجرورة، وإذا وقف عليها فأبو عمرو وابن كثير والكسائي يقفون بالهاء غير أن الكسائي يقف بالإمالة على أصله، والباقون يقفون بالتاء على الرسم واتفقوا في الوصل على التاء اهـ خطيب.\rقوله: (ليوقعوا في قلوبهم الريبة) أي فيوهموهم أنه قد بلغهم خبر إخوانهم الذين خرجوا في السرايا وأنهم قتلوا أو ماتوا أو هزموا، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقراباتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة فيسؤوهم ذلك، فلكثرة شكواهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهاهم عن النجوى","part":7,"page":441},{"id":2900,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 442\rوهو قولهم: السام عليك أي الموت وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا هلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ من التحية، وأنه ليس بنبي إن كان نبيا حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) هي\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فلم ينتهوا فنزلت، وقال مقاتل: كان بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبين اليهود موادعة، فإذا مرّ بهم رجل من المؤمنين تناجوا به حتى يظن المؤمن شرا فيعرج عن طريقه، فنهاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم ينتهوا فنزلت، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك اهـ.\rقوله: حَيَّوْكَ أي خاطبوك بِما أي بتحية لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ أي لم يشرعه ولم يأذن فيه أو يقال لك، وفي المصباح: وحياة تحية أصله الدعاء بالحياة، ومنه التحيات اللّه أي البقاء، وقيل: الملك ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء ثم استعمله الشرع في دعاء مخصوص وهو سلام عليك اهـ.\rقوله: (و هو قولهم السّلام عليك) أي يوهمون أنهم يقولون السّلام عليك وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يرد فيقول عليكم. وفي البخاري: أن اليهود أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: السام عليك. قالت عائشة: ففهمتها فقلت عليكم السام ولعنكم اللّه وغضب عليكم، فقال عليه الصلاة والسلام: «مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش». قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: «أو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في»، والسام: الموت قال الخطابي: عامة المحدثين يروون إذا سلم عليكم أهل الكتاب فإنما يقولون: السام عليكم فقولوا وعليكم، الحديث فيثبتون الواو في وعليكم. وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو، قال: وهو الصواب لأنه إذا حذفت الواو وصار قولهم الذي قالوه مردودا عليهم بعينه، وإذا أثبتت الواو وقع التشريك معهم لأن الواو تجمع بين الشيئين، والعنف ضد الرفق واللين، والفحش الرديء من القول اهـ خازن.\rتنبيه:\rاختلف العلماء في رد السّلام على أهل الذمة، فقال ابن عباس، والشعبي، وقتادة: هو واجب لظاهر الأمر بذلك، وقال مالك: ليس بواجب، فإن رددت فقل عليك وعندنا يجب أن يقول له وعليك لما مرّ في الحديث، وقال بعضهم: يقول في الرد علاك السّلام أي ارتفع عنك، وقال بعض المالكية:\rيقول في الرد السّلام عليك بكسر السين يعني الحجارة اهـ خطيب.\rقوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي فيما بينهم إذا خرجوا من عند رسول اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (إن كان نبيا) عبارة أبي السعود: هلا يعذبنا اللّه بذلك لو كان محمد نبيا اهـ.\rفقول الشارح إن كان نبيا مرتبط بقولهم لو لا يعذبنا اللّه، والمعنى أنهم يخافون من عذاب اللّه على فرض كونه نبيا، لكن لا يعتقدون ذلك ولا يسلمونه اهـ.\rقوله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ المعنى أن تقديم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة والمصلحة، وإذا لم تقتض المشيئة والمصلحة تقديمه في الدنيا فعذاب جهنم كافيهم اهـ خازن.\rوقوله: يصلونها حال.\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ خاطب للمؤمنين زاجر لهم عن أن يفعلوا مثل ما فعل اليهود","part":7,"page":442},{"id":2901,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 443\rفَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)\rإِنَّمَا النَّجْوى بالإثم ونحوه مِنَ الشَّيْطانِ بغروره لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ هو بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي إرادته وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا توسعوا فِي على حد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: 136] اهـ أبو السعود.\rروى ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه». وعن عبد اللّه بن مسعود أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: إذا كان ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه» فبيّن في الحديث غاية المنع وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن عمر، فإنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعا فقال له وللأول تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة خرّجه في الموطأ، ونبّه على العلة بقوله من أجل أن يحزنه، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا دون واحد لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون المنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى ذلك فيه. قال القرطبي: وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وذهب إليه ابن عمر ومالك والجمهور، وسواء أكان التناجي في واجب أو مندوب أو مباح، فإن الحزن ثابت به، وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك في أول الإسلام لأن ذلك كان حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك، وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر وبالمواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا لأنه يجد من يغيثه بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم الغوث اهـ خطيب.\rقوله: مِنَ الشَّيْطانِ أي: فإنه المزين لها والحامل عليها، والجار والمجرور خبر أول، ومن ابتدائية، وقوله: ليحزن خبر ثان واللام تعليلية اهـ أبو السعود.\rقوله: لِيَحْزُنَ أي الشيطان الذين آمنوا أي ليوهمهم أنها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم، والحزن هم غليظ وتوجع يدق يقال: حزنه وأحزنه بمعنى. قال في القاموس: وأحزنه جعله حزينا، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن والقراءة الأولى أشد في المعنى على ما في القاموس اهـ خطيب.\rوهذا يقتضي أن الموصول مفعول به على كل من القراءتين، وفي السمين: أنه على قراءة ليحزن بفتح الياء فاعل اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ الخ لما نهى اللّه المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر أمرهم الآن بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودة بقوله: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم الخ اهـ خطيب.\rوقيل: وسبب نزولها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسلموا عليه فرد عليهم السّلام، ثم سلموا على","part":7,"page":443},{"id":2902,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 444\rالْمَجالِسِ مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو الذكر حتى يجلس من جاءكم، وفي قراءة المجالس فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ في الجنة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا قوموا إلى الصلاة وغيرها من الخيرات فَانْشُزُوا وفي القوم فردوا عليهم، ثم سلموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فردّ عليهم، ثم سلموا على القوم فردوا عليهم، ثم قاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا، وشق ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان فأقام من المجلس بقدر أولئك الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الكراهية في وجوههم، فأنزل اللّه هذه الآية اهـ خازن.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنه دخل المسجد، وقد أخذ القوم مجالسهم وكان يريد القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للوقر أي للصم الذي كان في أذنيه، فوسعوا له حتى قرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينهم كلام فنزلت، وقد تقدمت قصته في سورة الحجرات، وقال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير سواء كان مجلس حرب أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة وأن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك» فيكون المراد بالمجلس الجنس ويؤيده قراءة الجمع اهـ خطيب.\rوفي القرطبي مسألة إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع لما روي أن أنس بن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه اهـ.\rوأما إذا أرسل سجادة أو نحوها لتفرش له في المسجد حتى يحضر هو فيجلس عليها، فذلك حرام لما فيه من تحجير المسجد بلا فائدة، وقيل: مكروه والأول هو المعتمد كما في حواشي المنهج اهـ.\rقوله: (مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم) فإنهم كانوا يتضامون فيه تنافسا على القرب منه وحرصا على استماع كلامه اهـ كرخي.\rقوله: (أو الذكر) كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا ولا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا» أو المراد مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب قاله ابن عباس اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراءة المجالس) أي سبعية والجمع باعتبار أن لكل واحد منهم مجلسا اهـ سمين.\rقوله: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ مجزوم في جواب الأمر الواقع جوابا للشرط، وكذا يقال في قوله: يرفع اللّه الذي آمنوا منكم تأمل. قوله: (في الجنة) أي وغيرها من كل ما يريدون التفسيح فيه كالمكان والرزق والصدر والقبر اهـ بيضاوي.\rقوله: (قوموا إلى الصلاة وغيرها) عبارة الخازن: وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي إذا قيل ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لاخوانكم فارتفعوا، وقيل: كان رجل يتثاقلون عن الصلاة في الجماعة إذا","part":7,"page":444},{"id":2903,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 445\rقراءة بضم الشين فيهما يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالطاعة في ذلك وَيرفع وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ في الجنة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ أردتم مناجاته فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ قبلها صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ لذنوبكم فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون به نودي لها، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، والمعنى إذا نودي للصلاة فانهضوا إليها، وقيل: إذا قيل لكم أنهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى كل خير فانهضوا إليه ولا تقصروا عنه اهـ.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية بضم الشين فيهما وهما لغتان بمعنى واحد، يقال: نشز أي ارتفع ينشز وينشز كعرش يعرش ويعرش، وعكف يعكف ويعكف من بابي ضرب ونصر اهـ سمين.\rقوله: (بالطاعة) متعلق بيرفع، وقوله: في ذلك أي القيام إلى الصلاة ونحوها. وفي البيضاوي:\rيرفع اللّه الذين آمنوا منكم بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائكم غرف الجنان في الآخرة اهـ.\rقوله: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ معطوف على الذين آمنوا كما أشار له بتقدير العامل فهو من عطف الخاص على العام، لأن الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين، ويجوز أن يكون من عطف الصفات وتكون الصفتان لذات واحدة، كأنه قيل: يرفع اللّه المؤمنين العلماء اهـ سمين.\rوفي البيضاوي: والذين أوتوا العلم درجات أي ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً في هذا الأمر تعظيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وانتفاع الفقراء، والنهي عن الافراط في السؤال والميز بين المخلص والمنافق ومحب الدنيا ومحب الآخرة، واختلف في أنه للندب أو للوجوب، لكنه منسوخ بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولا. وعن علي كرم اللّه وجهه: أن في كتاب اللّه آية ما عمل بها أحد غيري كان لي دينار فصرفته بعشرة دراهم، وناجيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، وهذا على القول بالوجوب لا يقدح في حق غيره من الصحابة، ولعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقاء الوجوب بلا نسخ، إذ روي أنه لم يبق إلا عشرة من الأيام، وقيل: إلا ساعة اهـ بيضاوي.\rوقيل: إلا يوما اهـ قرطبي.\rوعبارة الخازن: وفائدة هذا التقديم تعظيم مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة استعظمه، وإن وجده بسهولة استحقره ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة.\rقال ابن عباس: إن الناس سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأكثروا حتى شق عليه، فأراد اللّه تعالى أن يخفف على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ويزجرهم عن ذلك، فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما أمروا بالصدقة كفوا عن مناجاته، فأما الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئا، وأما الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا، واشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الرخصة. قال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب تصدق","part":7,"page":445},{"id":2904,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 446\rفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمناجاتكم رَحِيمٌ (12) بكم، يعني فلا عليكم في المناجاة من غير صدقة، ثم نسخ ذلك بقوله\rأَأَشْفَقْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي أخفتم من أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الفقر فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا بدنيار وناجاه، ثم نزلت الرخصة فكان عليّ يقول: آية في كتاب اللّه لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة، وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فقال لي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما ترى دينارا. قلت: لا يطيقونه. قال: فنصف دينار. قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت: شعيرة. قال إنك لزهيد. قال:\rفنزلت: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الآية قال: فبي خفف اللّه عن هذه الأمة، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وقوله: قلت شعيرة أي وزن شعيرة من ذهب، وقوله: إنك لزهيد يعني قليل المال قدرت على قدر حالك، فإن قلت: في هذه الآية منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه إذ لم يعمل بها أحد غيره. قلت: هو كما قلت وليس فيها طعن على غيره من الصحابة، ووجه ذلك أن الوقت لم يتسع ليعلموا بهذه الآية ولو اتسع الوقت لم يتخلفوا عن العمل بها وتقدير اتساع الوقت، ولم يفعلوا ذلك إنما هو مراعاة لقلوب الفقراء الذين لم يجدوا ما يتصدقون به لو احتاجوا إلى المناجاة، فيكون ذلك سببا لحزن الفقراء إذ لم يجدوا ما يتصدقون به عند مناجاته، ووجه آخر وهو أن هذه المناجاة لم تكن من المفروضات ولا من الواجبات ولا من الطاعات المندوب إليها، بل إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة اهـ بحروفه.\rقوله: ذلِكَ أي تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم لما فيه من طاعة اللّه ورسوله اهـ خازن.\rقوله: (يعني فلا عليكم الخ) أشار به إلى أن جواب الشرط في الحقيقة محذوف والجملة المذكورة دليل عليه، وقوله: ثم نسخ ذلك أي وجوب تقديم الصدقة، وقوله: بقوله الخ ظاهره أن الاستفهام نفسه هو الناسخ، وبه صرح الخطيب حيث قال: والاستفهام معناه التقرير وهو الناسخ عند الأكثر اهـ.\rوقال قبل ذلك اختلفوا في الناسخ لذلك، فقيل: نسخ بالزكاة، وأكثر المفسرين أنها منسوخة بالآية التي بعدها وهي أأشفقتم كما سيأتي، وقال قبل ذلك أيضا واختلف في مقدار مدة تأخر الناسخ عن المنسوخ في هذه الآية، فقال الكلبي: ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ، وقال مقاتل، وابن حيان: بقي ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ اهـ.\rقوله: (بقوله) أَأَشْفَقْتُمْ فيه تسمح إذ النسخ إنما هو بقوله: وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إذ هذا هو الذي يفيد رفع الجواب، وأما مجرد إشفاقهم وخوفهم فلا يفيد رفع الوجوب لأن كثيرا من التكاليف يخاف منه المكلف ولا يفيده خوفه رفعه تأمل.\rقوله: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ أي أخفتم الفقر من تقديم الصدقة، أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه، الفقر، وجمع صدقات لجمع المخاطبين أو لكثرة التناجي اهـ بيضاوي.","part":7,"page":446},{"id":2905,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 447\rالصدقة وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رجع بكم عنها فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي دوموا على ذلك وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13)\r* أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا هم المنافقون قَوْماً هم اليهود غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ أي المنافقون مِنْكُمْ من المؤمنين وَلا مِنْهُمْ من اليهود بل هم فقوله: أن تقدموا مفعول من أجله، ومفعول أأشفقتم محذوف كما أشار له الشارح بقوله: أي أخفتم من أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات الفقر. قوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) اشتمل كلامه على أربع قراءات كلها سبعية، وبقي خامسة سبعية لم ينبه عليها وذلك لأن تحقيق الهمزتين فيه قراءتان إدخال ألف بين المحققين وتركه اهـ شيخنا.\rقوله: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا في إذ هذه ثلاثة أقوال، أحدها: أنها على بابها من المضي، والمعنى أنكم إن تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة قاله أبو البقاء. الثاني: أنها بمعنى إذا كقوله: إذ الأغلال في أعناقهم، وقد تقدم الكلام فيه. الثالث: أنها بمعنى إن الشرطية وهو قريب مما قبله إلا أن الفرق بين إن وإذ معروف اهـ سمين.\rقوله: وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ جملة حالية أو استئنافية معترضة بين الشرط وجوابه، فهذه الجملة هي التي فيها نسخ الوجوب كما تقدم تأمل. قوله: (رجع بكم عنها) أي عن وجوبها بأن رخص لكم أن لا تفعلوا اهـ بيضاوي.\rأي نسخها عنكم تخفيفا عليكم اهـ خطيب.\rقوله: (دوموا على ذلك) أي المذكور من الأمور الثلاثة اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً الخ تعجيب من حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين اهـ أبو السعود.\rوفي الخازن: نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن نبتل المنافق، وكان يجالس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجرة من حجره إذ قال: يدخل عليكم اليوم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد اللّه بن نبتل وكان أزرق العينين، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف باللّه ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا باللّه ما سبوه، فأنزل اللّه هذه الآية اهـ.\rقوله: ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ يجوز في هذه أوجه، أحدها: أنها مستأنفة لا موضع لها من الاعراب أخبر عنهم بأنهم ليسوا من المؤمنين الخلص ولا من الكافرين الخلص، بل هو كقوله:\rمُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ [النساء: 143] أي بين الإيمان والكفر لا ينتسبون إلى هؤلاء المؤمنين ولا إلى هؤلاء الكافرين، فالضمير في ما هم عائد على الذين تولوا وهم المنافقون، وفي منهم عائد على اليهود أي الكافرين الخلص. الثاني: أنها حال من فاعل تولوا، والمعنى على ما تقدم أيضا. الثالث: أنها صفة ثانية لقوما، فعلى هذا يكون الضمير ما هم عائدا على قوما وهم اليهود، والضمير من منهم عائد على الذين تولوا يعني أن اليهود ليسوا منكم أيها المؤمنون ولا من المنافقين، ومع ذلك تولاهم المنافقون قاله ابن عطية إلا أن فيه تنافر الضمائر، فإن الضمير في ويحلفون عائد على الذين تولوا،","part":7,"page":447},{"id":2906,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 448\rمذبذبون وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أي قولهم إنهم مؤمنون وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أنهم كاذبون فيه\rأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15) من المعاصي\rاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً سترا على أنفسهم وأموالهم فَصَدُّوا بها المؤمنين عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الجهاد فيهم بقتلهم وأخذ أموالهم فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16) ذو إهانة\rلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئاً من الإغناء أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (17) اذكر\rيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ أنهم مؤمنون كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18)\rاسْتَحْوَذَ استولى عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ بطاعتهم له فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أتباعه أَلا إِنَّ حِزْبَ وعلى الوجهين الأولين تتخذ الضمائر لعودها على الذين تولوا، وعلى الثالث تختلف كما عرفت تحقيقية اهـ سمين.\rقوله: (مذبذبون) أي مترددون بين الإيمان الخالص والكفر الخالص، لأن فيهم طرفا من الإيمان بحسب ظاهرهم وطرفا من الكفر بحسب باطنهم.\rقوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ معطوف على الذين تولوا فهو من جملة الصلة اهـ شيخنا.\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ جملة حالية أي يعلمون أنه كذب فيمينهم يمين غموس لا عذر لهم فيها اهـ سمين.\rوفي الكرخي: وفائدة الأخبار عنهم بذلك بيان ذمهم بارتكابهم اليمين الغموس فلا يرد ما فائدة قوله وهم يعلمون اهـ.\rقوله: أَيْمانَهُمْ جُنَّةً مفعولان لا تخذوا اهـ سمين.\rقوله: فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم، وقيل: الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة اهـ بيضاوي.\rقوله: (من عذابه) أشار به إلى تقدير مضاف في الآية، وقوله: شيئا مفعول مطلق كما أشار له بقوله من الاغناء اهـ شيخنا.\rقوله: كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ أي في الدنيا، وقوله: ويحسبون حال من الواو في يحلفون له أي:\rوالحال أنهم يحسبون في الآخرة أن حلفهم فيها ينفعهم من عذابها كما نفعهم في الدنيا بكف القتال عنهم، وفي البيضاوي: ويحسبون أنهم على كل شيء لأن تمكن النفاق في نفوسهم صيرهم بحيث يخيل لهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على اللّه تعالى كما تروجه عليكم في الدنيا اهـ.\rقوله: (استولى) عَلَيْهِمُ من حذت الإبل وحزتها إذا استوليت عليها الأول بالذال والثاني بالزاي وكون استحوذ من الثاني من حيث الاشتقاق الأكبر. قال القاضي: وهو مما جاء في الأصل يعني على خلاف القياس، فإن القياس استحاذ بقلب الواو ألفا كاستعاذ واستقام، ولكن استحوذ ههنا أجود لأن الفعل في هذا المعنى لا يستعمل إلا بزيادة اهـ كرخي.","part":7,"page":448},{"id":2907,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 449\rالشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19)\rإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ يخالفون اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) المغلوبين\rكَتَبَ اللَّهُ في اللوح المحفوظ أو قضى لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي بالحجة أو السيف إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)\rلا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ يصادقون مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا أي المحادّون آباءَهُمْ أي المؤمنين أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ بل يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان، كما وقع لجماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم قوله: فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أي فلا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم اهـ كرخي.\rقوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* أي لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد اهـ بيضاوي.\rقوله: أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أي في جملة الأذلين، أو مع الأذلين أي الذين هم أذل الخلق وهم الكفار مطلقا الخلص والمنافقون اهـ شيخنا.\rقوله: كَتَبَ اللَّهُ الخ ضمن معنى أقسم، ولذا أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: لأغلبن الخ. قوله: (بالحجة أو السيف) أو مانعة خلو فيجوز الجمع، فالرسول يغلب تارة بالدليل وتارة بالسيف وتارة بهما، ومن المعلوم أن الذي يستعمل الحجة والسيف هو الرسول، فنسبة الغلبة إلى اللّه من حيث إنه المعين للرسول والمقدر له على ذلك، فكأنه قال: كتب اللّه لأجعلن رسولي غالبا.\rقوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي إيمانا صحيحا بحيث يتوافق فيه الظاهر مع الباطن، فالمؤمن الموصوف بهذه الصفة لا يمكن أن يصادق الكفار ويحبهم بقلبه، لأنه إن فعل ذلك لم يكن صادقا في إيمانه ولم يكن إيمانه صحيحا، بل يكون نفاقا، فقد نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي لما همّ بقتل أبيه المنافق، وفي أبي بكر الصديق لما صكّ أباه أبا قحافة حيث سمعه يسب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي غيرهما من الصحابة كالذي قتل أباه، والذي قتل ابنه، والذي قتل أخاه لكفرهم.\rقوله: يُوادُّونَ مفعول ثان لتجد إن كان بمعنى تعلم، وإن كان بمعنى تصادف وتلقى، فالجملة حال أو صفة لقوما، والواو في ولو كانوا حالية، وقدم أولا الآباء لأنهم يجب طاعتهم ثم ثنّى بالأنباء لأنهم أعلق بالقلب، ثم ثلث بالإخوان لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع، ثم ربّع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد اهـ سمين.\rقوله: (يصادقون) أي فالمودة المحظورة هي مناصحتهم وإرادة الخير لهم دنيا ودينا مع كفره، وما عدا ذلك لا حظر فيه، لأن الأمة أجمعت على جواز مخالتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم اهـ خازن.\rقوله: (كما وقع لجماعة من الصحابة) عبارة الخازن: روي عن عبد اللّه بن مسعود في هذه الآية قال: ولو كانوا آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد اللّه بن الجراح، أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق دعا ابنه يوم بدر للبراز، وقال: يا رسول اللّه دعني أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: متعنا بنفسك، يا أبا بكر، أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبد بن عمير يوم أحد، أو","part":7,"page":449},{"id":2908,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 450\rأُولئِكَ الذين لا يوادّونهم كَتَبَ أثبت فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ بنور مِنْهُ تعالى وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ يتبعون أمره ويجتنبون نهيه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) الفائزون.\rعشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعلي بن أبي طالب وحمزة وأبو عبيدة قتلوا بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر اهـ.\rقوله: (بنور منه) عبارة القرطبي: قال الحسن بنصر منه، وقال الربيع بن أنس: بالقرآن وحججه، وقال ابن جريج: بنور وبرهان وهدى، وقيل: برحمة من اللّه، وقال بعضهم: أيدهم بجبريل عليه السّلام اهـ.\rقوله: (الفائزون) أي بخيري الدارين اهـ بيضاوي واللّه أعلم.","part":7,"page":450},{"id":2909,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 451\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الحشر مدنية وهي أربع وعشرون آية\rسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي نزهه، فاللام مزيدة، وفي الاتيان بما تغليب للأكثر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وتسمى سورة النضير اهـ خازن.\rقوله: (مدنية) عبارة القرطبي: في قول الجميع روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ سورة الحشر لم يبق شيء من الجنة والنار والعرش والكرسي والسموات والأرض والهوام والريح والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلّوا عليه واستغفروا له، فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيدا» أخرجه الثعلبي. وروى الترمذي، عن معقل بن يسار قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكّل اللّه به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات من يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك» قال: حديث حسن غريب اهـ.\rقوله: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إلى قوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال المفسرون: نزلت هذه الايات في بني النضير، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يكونوا عليه ولا معه، فلما غزا بدرا وظهر على المشركين قالوا هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول اللّه، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة، فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ودخل أبو سفيان في أربعين، وكعب بن الأشرف في أربعين من اليهود المسجد، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل عليه السّلام وأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما عاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة، فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها زهرة، فلما سار إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا له: يا محمد واعية على أثر واعية وباكية على أثر باكية. قال: نعم، فقالوا: ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «اخرجوا من المدينة»، فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك ثم تنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال ودسّ","part":7,"page":451},{"id":2910,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 452\rوَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) في ملكه وصنعه\rهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم بنو النضير المنافقون عبد اللّه بن أبي وأصحابه إليهم أن لا يخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. ثم أنهم أجمعوا على الغدر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا. فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى كانوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تتخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك فإن آمنوا بك آمنا بك وصدقناك. فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر، وأرادوا الفتك برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل من الأنصار مسلم، فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. فلما كان من الغد غزا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف اللّه تعالى في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين لهم فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. قال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما بقي ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشأم إلى أذرعات وأريحا، إلا أهل بيتين من آل الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة، فذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ. قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أحد وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب وكان بينهما سنتان اهـ من الخازن والخطيب.\rوفي القرطبي: وكان خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ربيع الأول أو السنة الرابعة من الهجرة ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان سفيان بن عمير وسعيد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها اهـ.\rقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حال.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ بيان لبعض آثار عزته تعالى وإحكام حكمته إثر وصفه تعالى بالعزة القاهرة والحكمة الباهرة على الإطلاق، والضمير راجع إليه تعالى بذلك العنوان اهـ أبو السعود.\rقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من يجوز أن تكون للبيان فتتعلق بمحذوف أي أعني من أهل الكتاب، والثاني أنها حال من الذين كفروا، وقوله: من ديارهم متعلق بأخرج ومعناها ابتداء الغاية وصحة إضافة الديار إليهم لأنهم أنشؤوها اهـ سمين.\rقوله: (هم بنو النضير من اليهود) وهم من ذرية هارون عليه السّلام نزلوا المدينة في فتن بني","part":7,"page":452},{"id":2911,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 453\rمن اليهود مِنْ دِيارِهِمْ مساكنهم بالمدينة لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هو حشرهم إلى الشام، وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر ما ظَنَنْتُمْ أيها المؤمنون أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ خبر أن حُصُونُهُمْ فاعله به تم الخبر مِنَ اللَّهِ من عذابه فَأَتاهُمُ اللَّهُ أمره وعذابه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين وَقَذَفَ ألقى فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بسكون العين إسرائيل ينتظرون بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لينصروه اهـ أبو السعود.\rقوله: (بالمدينة) أي بقربها، فقد كان بينها وبين المدينة ميلان اهـ شيخنا.\rقوله: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هذه اللام تتعلق بأخرج وهي لام التوقيت، كقوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: 78] أي عند أول الحشر. قال الزمخشري: وهي كاللام في قوله تعالى: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر: 24] وقولك: جئت لوقت كذا. قلت: سيأتي الكلام على هذه اللام في الفجر إن شاء اللّه تعالى اهـ سمين.\rوالكلام من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى، هو الذي أخرج الذين كفروا في وقت الحشر الأول تأمل.\rقوله: (إلى خيبر) صوابه من خيبر كما عبر به غيره، وعبارة الخازن: وقيل: كان هذا أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر، انتهت.\rوقال ابن العربي: للحشر أول ووسط وآخر، فالأول: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء أهل خيبر، والآخر: حشر يوم القيامة اهـ خطيب.\rوعلى هذا فالمراد بحشرهم وإخراجهم من خيبر إخراج الطائفتين اللتين كانتا ذهبتا إلى خيبر من جملة بني النضير، وهم آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر واستمروا بها حتى أجلاهم عمر منها إلى الشام اهـ شيخنا.\rقوله: ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا أي لما كان بكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وقرب بني قريظة منهم، وأهل خيبر أيضا غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم والمنافقون من أنصارهم اهـ خطيب.\rقوله: مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ فيه وجهان، أحدها: أن يكون حصونهم مبتدأ، ومانعتهم خبر مقدم، والجملة خبر أنهم. الثاني: يكون مانعتهم خبر أنهم، وحصونهم فاعل به نحو: إن زيدا قائم أبوه وإن عمرا قائمة جاريته، وتسلط الظن هنا على أن المشددة، والقاعدة أنه لا يعمل فيها ولا في المخففة منها إلا فعل علم ويقين إجراء له مجرى اليقين لشدته وقوته وأنه بمنزلة العلم اهـ سمين.\rقوله: (لم يخطر ببالهم) تفسير لقوله لم يحتسبوا، وقوله: من جهة المؤمنين تفسير لمن حيث، فالجهة هي المؤمنون كانوا لا يخطر ببالهم أن الذل يأتيهم من جهة المؤمنين الضعفاء بالنسبة إليهم في ذلك الوقت اهـ شيخنا.","part":7,"page":453},{"id":2912,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 454\rوضمها، الخوف، بقتل سيدهم كعب بن الأشرف يُخْرِبُونَ بالتشديد والتخفيف من أخرب بُيُوتَهُمْ لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي قوله: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي: أنزله فيها إنزالا شديدا كأنه قد قذف الحجارة فيها اهـ خطيب.\rقوله: (بسكون العين وضمها) سبعيتان، وقوله: بقتل سيدهم أي بسبب قتل الخ. وكان قتله في ربيع الأول من السنة الثالثة، وكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة، وسبب قتله أنه لما رأى ما وقع في غزوة بدر من عز الإسلام والمسلمين ازداد اللعين غيظا وحسدا، وكان شاعرا فصار يهجو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين بشعره، وذهب إلى مكة فحرض قريشا على حرب المسلمين وحزبهم وجمعهم فجاؤوا في وقعة أحد، فلما ظهر أمره للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل له محمد بن مسلمة ومعه أربعة وكلهم من الأوس فقتلوه في حصنه غيلة وخديعة، فألقى اللّه الرعب في قلوب بني النضير وخافوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خوفا شديدا فغزاهم صلّى اللّه عليه وسلّم وأمكنه اللّه منهم تأمل.\rقوله: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ يجوز أن يكون مستأنفا للاخبار به، وأن يكون حالا من ضمير قلوبهم وليس بذلك اهـ سمين.\rوإنما خربوا بيوتهم بخلا بها على المسلمين وكان تخريبهم لهم من داخل الحصون، وأما تخريب المؤمنين فكان من خارجها فكانوا أيضا يخربون حصونهم من ظواهرها للنكاية وتوسيع مجال القتال ليدخلوها اهـ بيضاوي.\rقوله: (بالتشديد والتخفيف) سبعيتان. وقوله: من أخرب راجع للتخفيف، وأما التشديد فهو من خرب اهـ شيخنا.\rقوله: (من خشب) بفتحتين كأسد وبضمتين كعنق وبضم فسكون كقفل، وكل من الثلاثة جمع خشبة بوزن شجرة كما في المختار قوله: بِأَيْدِيهِمْ أي من داخل الحصون وأيدي المؤمنين أي من خارجها ليدخلوها، فإن قيل: ما معنى قوله يخربون بيوتهم بأيدي المؤمنين الذي هو مآل النظم؟\rأجيب: بأنهم لما عرضوا المؤمنين لذلك وكانوا السبب فيه صاروا كأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه اهـ خطيب.\rوفي البيضاوي: يخربون بيوتهم أي ضنا وبخلا بها على المسلمين وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها وأيدي المؤمنين، فإنهم كانوا أيضا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعا لمجال القتال وعطفها على أيديهم من حيث إن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم العهد فكأنهم استعملوهم فيه، والجملة حال أو تفسير للرعب اهـ.\rقوله: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي فاتعظوا بحالهم ولا تغتروا ولا تعتمدوا على غير اللّه اهـ بيضاوي.\rوالاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل","part":7,"page":454},{"id":2913,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 455\rالْأَبْصارِ (2)\rوَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ قضى عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي، كما فعل بقريظة من اليهود وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (3)\rذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا من العين إلى الخد، وسمي علم التعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع، ويقال: السعيد من اعتبر بغيره لأنه ينقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره، ولهذا قال القشيري:\rالاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر اهـ خطيب.\rقوله: وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ أن مصدرية وهي مع ما في حيزها في محل رفع على الابتداء، لأن لو لا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ وخبره محذوف أي لو لا الكتب موجودة اهـ زاده.\rقوله: (الخروج من الوطن) عبارة الخطيب: ولو لا أن كتب اللّه عليهم الجلاء والخروج من الوطن والجولان في الأرض، فأما معظمهم فأجلاهم بختنصر من بلاد الشام إلى العراق، وأما هؤلاء فكان جلاؤهم على يده صلّى اللّه عليه وسلّم، فذهب بعضهم إلى الحيرة وبعضهم إلى الشام مرة بعد أخرى.\rتنبية:\rقال الرازي: الجلاء أخص من الخروج لأنه لا يقال إلا للجماعة، والاخراج يكون للجماعة والواحد، وقال بعضهم: الجلاء ما كان من الأهل والولد والاخراج لا يتقيد بذلك، انتهت.\rوفي المختار: الجلاء بالفتح والمد الأمر الجلي تقول منه جلا الخبر يجلو جلاء وضح، والجلاء أيضا الخروج من البلد والاخراج أيضا وقد جلوا عن أوطانهم وجلاهم غيرهم يتعدى ويلزم اهـ.\rوفي المصباح: والفاعل من الثلاثي جال مثل قاض والجماعة جالية، ومنه قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر رضي اللّه عنه من جزيرة العرب جالية، ثم نقلت الجالية إلى الجزية التي أخذت منهم، ثم استعملت في كل جزية تؤخذ وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه، فيقال: استعمل فلان على الجالية والجمع الجوالي اهـ.\rقوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ استئناف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة اهـ بيضاوي.\rولو كان معطوفا على قوله لعذبهم في الدنيا للزم أن ينجوا من عذاب الآخرة أيضا، لأن لو لا تقتضي انتفاء الجزاء بحصول الشرط اهـ زاده.\rقوله: ذلِكَ أي المذكور من العذابين بسبب أنهم الخ. قوله: وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ من شرطية، وقوله: فإن اللّه الخ إما نفس الجزاء قد حذف منه العائد عند من يلتزمه وقد قدره الشارح بقوله له، أو تعليل للجزاء المحذوف أي يعاقبه اللّه فإن اللّه شديد العقاب، وأيا ما كان فالشرطية تكملة لما قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني، كأنه قيل: الذي حاق بهم من العقاب العاجل والآجل بسبب مشاقتهم اللّه ورسوله، وكل من يشاق اللّه كائنا من كان فله بسبب ذلك عذاب شديد فإذن لهم عذاب شديد اهـ أبو السعود بنوع تصرف.","part":7,"page":455},{"id":2914,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 456\rخالفوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (4) له\rما قَطَعْتُمْ يا مسلمين مِنْ لِينَةٍ نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي خيركم في ذلك وَلِيُخْزِيَ بالإذن في القطع الْفاسِقِينَ (5) اليهود في اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد\rوَما أَفاءَ رد اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ما شرطية في موضع نصب بقطعتم، ومن لينة بيان له وفبإذن اللّه جزاء الشرط، ولا بد من حذف مبتدأ أي فقطعها بإذن اللّه فيكون بإذن اللّه الخبر لذلك المبتدأ واللينة فيها خلاف كثير، فقيل: هي النخلة مطلقا، وقيل: هي النخلة ما لم تكن عجوة ولا برنية، وقيل: هي النخلة الكريمة، وقيل: هي العجوة، وقيل: هي أغصان الشجر للينها. وفي عين لينة قولان، أحدهما: أنها واو لأنها من اللون وإنما قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كديمة وقيمة. الثاني: أنها ياء لأنها من اللين وجمع اللينة لين لأنه من باب اسم الجنس كتمرة وتمر، وقد تكسر على ليان وهو شاذ لأن تفسير ما يفرق فيه بتاء التأنيث شاذ كرطبة ورطب وأرطاب، والضمير في تركتموها عائد على معنى ما اهـ سمين.\rروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء اللّه عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أمن الصلاح قطع الشجر وقطع النخل، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم شيئا وخشوا أن يكون ذلك فسادا، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء اللّه علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه، فأنزل اللّه هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم وأن ذلك كان بإذن اللّه اهـ خطيب.\rقوله: (أي خيركم في ذلك) أي في القطع والترك، وأشار بهذا إلى أن الإذن هنا ليس معناه الإرادة بل معناه الجواز والإباحة اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ اللام متعلقة بمحذوف، والواو عاطفة على علة محذوفة، والتقدير أذن في قطعها ليسر المؤمنين ويعزهم ويخزي الفاسقين تأمل اهـ من السمين.\rقوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ الخ شروع في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان حال ما حلّ بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع اهـ أبو السعود.\rقوله: (رد) اللَّهُ أي ليد رسوله بعد أن كان خروجه عنها بوضع يد الكفرة عليه ظلما وعدوانا، كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدئ منها اهـ خطيب.\rوفي الكرخي: قوله: رد اللّه على رسوله أي فإنه كان حقيقا بأن يكون له، لأن اللّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين وهو صلّى اللّه عليه وسلّم رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع فكان أحق به اهـ.","part":7,"page":456},{"id":2915,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 457\rمِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ أسرعتم يا مسلمين عَلَيْهِ مِنْ زائدة خَيْلٍ وَلا رِكابٍ إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقة وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) فلا حق لكم فيه، ويختص به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه، من أن لكل منهم خمس الخمس، وله صلّى اللّه عليه وسلّم الباقي يفعل فيه ما يشاء، فأعطى منه المهاجرين وثلاثة من قوله: مِنْهُمْ ابتدائية. قوله: فَما أَوْجَفْتُمْ في المصباح: وجف الفرس والبعير وجيفا عدا، وأوجفته بالألف أعديته وهو العنق في السير، وقولهم: ما حصل بإيجاف أي بأعمال الخيل والركاب في تحصيله اهـ.\rقوله: مِنْ خَيْلٍ من زائدة في المفعول، وقوله: ولا ركاب هي ما يركب من الإبل غلب ذلك عليها من بين المركوبات واحدها راحلة ولا واحد لها من لفظها. وقال الرازي: العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارسا، والمعنى لم تقطعوا إليها مسافة ولا لقيتم بها مشقة ولا حربا، فإنها كانت من المدينة على ميلين قاله الفراء، فمشوا إليها مشيا ولم يركبوا إليها خيلا ولا إبلا إلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه ركب جملا، وقيل: حمارا مخطوما بليف فافتتحها صلحا، قال الرازي:\rإن الصحابة طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر اللّه تعالى الفرق بينهما وأن الغنيمة هي متى أتعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيء فهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان الأمر مفوضا فيه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يضعه حيث شاء اهـ خطيب.\rوفي الكرخي: وهذا وإن كان كالغنيمة لأنهم خرجوا أياما وقاتلوا وصالحوا، لكن لقلة تعبهم أجراه اللّه تعالى مجرى الفيء اهـ.\rقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ أي سنته تعالى جارية على أن يسلطهم على من يشاء من أعدائه تسليطا غير معتاد من غير أن يقتحموا مضائق الخطوب ويقاسوا شدائد الحروب اهـ. أبو السعود.\rقوله: (على ما كان يقسمه الخ) متعلق بيختص أي يختص هو ومن ذكر اختصاصا جاريا على الوجه الذي كان يقسمه عليه، وبينه بقوله من أن الخ اهـ شيخنا.\rقوله: (من أن لكل منهم) أي الأربعة المذكورين في الآية الآتية، وقوله: وله الباقي وهو أربعة أخماس الفيء من أصله وخمس خمسه، وهذا كان في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم وبعده صلّى اللّه عليه وسلّم الأخماس الأربعة للمرتزقة، وخمس الخمس لمصالح المسلمين اهـ شيخنا.\rقوله: (فأعطى منه المهاجرين الخ) عبارة المواهب: فقسمها عليه الصلاة والسّلام بين المهاجرين ليرفع بذلك مؤنهم عن الأنصار إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل ابن حنيف لحاجتهما، وفي الأكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق وكان سيفا له ذكر عندهم، انتهت.\rفقوله: لفقرهم أي الثلاثة الذين هم من الأنصار اهـ.","part":7,"page":457},{"id":2916,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 458\rالأنصار لفقرهم\rما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى كالصفراء ووادي القرى وينبع فَلِلَّهِ يأمر فيه ما يشاء وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي صاحب الْقُرْبى قرابة النبي من بني هاشم وبني المطلب وَالْيَتامى أطفال المسلمين الذين هلكت آباؤهم وهم فقراء وَالْمَساكِينِ ذوي الحاجة من المسلمين وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره من المسلمين أي يستحقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والأصناف الأربعة على قوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ الخ بيان لمصارف الفيء بعد بيان رده على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غير أن يكون للمقاتلة فيه حق وأعاده بغير العبارة الأولى لزيادة التقرير اهـ أبو السعود.\rوهذا أعم مما تقدم إذ هو كان في خصوص أموال بني النضير وهذا أعم اهـ شيخنا.\rولم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى فهي منها غير أجنبية عنها اهـ كرخي.\rقوله: (كالصفراء الخ) عبارة القرطبي: من أهل القرى. قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وهما بالمدينة، وفدك وهي على ثلاثة أميال من المدينة، وخيبر وقرى عرينة وينبع اهـ.\rقوله: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ اختلف في قسم الفيء، فقيل: يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم اللّه في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل يخمس لأن ذكر اللّه تعالى للتعظيم ويصرف الآن سهم الرسول إلى الإمام على قول وإلى العساكر والثغور على قول وإلى مصالح المسلمين على قول، وقيل: يخمس خمسة كالغنيمة فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء والآن على خلاف المذكور اهـ بيضاوي.\rوفي القرطبي: قال قوم منهم الشافعي إن معنى الآيتين واحد أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم أربعة منها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب لأنهم منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفيء، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وأما بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فالذي كان من الفيء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المرصدين للقتال في الثغور لأنهم قائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسّلام، وفي قول آخر له يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء فأما السهم الذي كان من خمس الفيء والغنيمة فهو لصالح المسلمين بعد موته صلّى اللّه عليه وسلّم بلا خلاف، كما قال عليه الصلاة والسّلام: «ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيه» اهـ.\rقوله: (قرابة النبي) أي فالقربى مصدر اهـ.\rقوله: (و هم) أي اليتامى (فقراء) قوله: (المنقطع في سفره) أي: المنقطع عن ماله أي الذي ليس عنده مال في سفره اهـ.\rقوله: (أي يستحقه النبي الخ) تفسير لقوله: فلله وللرسول الخ. وظاهرة الآية أن الفيء يخمس خمسة أخماس، وأن للنبي خمسه بل سدسه، ولما كان هذا غير مراد أشار إلى أن الآية من قبيل حمل المطلق على المقيد فهي مطلقة قيدت بآية الأنفال المصرحة بأن اشتراك الأصناف الخمسة إنما هو في","part":7,"page":458},{"id":2917,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 459\rما كان يقسمه من أنّ لكل من الأربعة خمس الخمس وله الباقي كَيْ لا كي بمعنى اللام وأن مقدرة بعدها يَكُونَ الفيء علة لقسمه كذلك دُولَةً متداولا بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ أعطاكم الرَّسُولُ من الفيء وغيره فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (7) الخمس لا في المال من أصله، والمعنى هنا فخمسه للّه وللرسول الخ. فالاشتراك المذكور هنا إنما هو في الخمس فحينئذ تفيد الآية أن للرسول خمس الخمس وكان في صدر الإسلام يأخذ أيضا أربعة أخماس الفيء للمرتزقة وخمس الخمس لمصالحنا اهـ شيخنا.\rقال البقاعي: ومن زعم أن شيئا مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في بدر وهي قبل هذه بمدة اهـ خطيب.\rقوله: كَيْ لا ترسم كي هنا مفضولة من لا اهـ خطيب.\rقوله: (بمعنى اللام) أي لام التعليل والمعلل ما يستفاد مما سبق أن جعل اللّه الفيء لمن ذكر لأجل أن لا يكون لو ترك على عادة الجاهلية دولة أي يتداوله الأغنياء كل من غلب منهم أخذه واستأثر به اهـ خطيب.\rوعبارة الخازن: وذلك أن الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع، ثم يصطفي بعد المرباع منها ما شاء فجعله اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يقسمه على ما أمره اللّه به اهـ.\rقوله: (و أن مقدرة بعدها) أي: فالنصب بأن لابها وهذا هو المشهور، وجوز بعضهم في الآية أن تكون كي مصدرية ويكون قبلها لام التعليل مقدرة اهـ كرخي.\rقوله: يَكُونَ (الفيء) أشار به إلى أن كان ناقصة واسمها ضمير مستتر ودولة خبرها منصوب، وعلى هذه القراءة يكون بالياء التحتية لا غير، وقرئ أيضا برفع دولة على أن كان تامة مع الياء التحتية والتاء الفوقية من يكون، فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rقوله: دُولَةً في المصباح: تداول القوم الشيء تداولا وهو حصوله في هذا تارة وفي يد هذا تارة، والاسم الدولة بفتح الدال وضمها وجمع المفتوح دول مثل قصعة وقصع، وجمع المضموم دول مثل غرفة وغرف، ومنهم من يقول الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب، ودالت الأيام تدول مثل دارت تدور وزنا ومعنى اهـ.\rوفي السمين: وقرأ العامة دولة بضم الدال، وعلي بن أبي طالب والسلمي بفتحها، فقيل: هما بمعنى وهو ما يدول للإنسان أي ما يدور من الغنى والغلبة وغير ذلك، وقال الحذاق من البصريين:\rالدولة بالفتح من الملك بضم الميم، والدولة بالضم من الملك بكسر الميم، أو بالضم في المال وبالفتح بالنصرة، وهذا يرده القراءة المروية عن علي والسلمي، فإن النصرة غير مرادة قطعا هنا وكيلا علة لقوله: فلله وللرسول أي استقراره لهؤلاء لهذه العلة اهـ.\rقوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه وما نهاكم عنه من الأخذ، والقول فانتهوا قاله الحسن وغيره، وقاله السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه وما منعكم منه فلا تطلبوه، وقال ابن جريج: ما أتاكم من طاعتي فافعلوه وما نهاكم عنه من","part":7,"page":459},{"id":2918,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 460\rلِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف أي اعجبوا الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) في إيمانهم\rوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ أي المدينة معصيتي فانتهوا عنه واجتنبوه، وقال الماوردي: إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه لا يأمر إلا بإصلاح ولا ينهى إلا عن فساد، وقال المهدوي: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر من اللّه تعالى وإن كانت الآية خاصة في الغنائم فجميع أوامره صلّى اللّه عليه وسلّم ونواهيه داخلة فيها اهـ قرطبي.\rقوله: (متعلق بمحذوف الخ) قدم عليه أبو البقاء أنه بدل من قوله: ولذي القربى وما بعده، ومقتضاه اشتراط الفقر فيه وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، ومن ثم جعله الزمخشري كذلك وأطال الكلام في ذلك، وتقدير الشيخ المصنف وافق لمذهب إمامه الشافعي وأصحابه من الاستحقاق تشريفا لهم فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى، والذي يؤيد تقدير فعل التعجب كما ذكره الشيخ المصنف كأبي البقاء وتبعه الكواشي مجيء قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ الآيات مصدرا بألم تر وهي كلمة تعجيب لكون ذكرهم جاء مقابلا لذكر أضدادهم اهـ كرخي.\rقوله: (أي اعجبوا) أي: تعجبوا. وهذا خطاب لكل من يصلح منه التعجب والتأمل في حال المهاجرين حيث تركوا أوطانهم وأموالهم وتحملوا الضيق والتغرب في حب النبي والإسلام، وفي هذا نوع تخويف ونوع توبيخ للكفار والمنافقين القاطنين بأوطانهم مع الأمن والسعة ولم يؤمنوا فليتهم اعتبروا بالمهاجرين اهـ شيخنا.\rقوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي حيث اضطرهم كفار مكة وأحوجوهم إلى الخروج وكانوا مائة رجل فخرجوا منها اهـ أبو السعود.\rولما كان المال يستر صاحبه كان كأنه ظرف له فناسب التعبير فيه بالخروج اهـ خطيب.\rقوله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً حال كونهم طالبين منه تعالى فضلا أي: رزقا ورضوانا أي مرضاة في الآخرة، وقوله: وينصرون اللّه ورسوله عطف على يبتغون فهو حال أيضا لكنها مقدرة أي: ناوين نصرة اللّه ورسوله إذ وقت خروجهم لم تكن نصرة بالفعل اهـ أبو السعود.\rقوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (في إيمانهم) قال قتادة: هم المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا للّه ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله دثار غيرها. وروى مسلم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا» اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ مبتدأ خبره يحبون وهو كلام مستأنف مسوق لمدح إيمان الأنصار بخصال حميدة من جملتها محبتهم للمهاجرين اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: والذين تبوأوا الدار الخ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه عطف على الفقراء فيكون مجرورا، ويكون من عطف المفردات، ويكون يحبون حالا. والثاني: أن يكون مبتدأ خبره","part":7,"page":460},{"id":2919,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 461\rوَالْإِيمانَ أي ألفوه وهم الأنصار مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً حسدا مِمَّا أُوتُوا أي آتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المهاجرين من أموال بني النضير المختصة به وَيُؤْثِرُونَ يحبون ويكون حينئذ من عطف الجمل، وقوله: والذين جاؤوا من بعدهم يحتمل الوجهين المتقدمين في الذين قبله، فإن كان معطوفا على المهاجرين فيقولون حال كيحبون أو مستأنف وإن كان مبتدأ فيقولون خبره اهـ.\rقوله: تَبَوَّؤُا الدَّارَ أي: اتخذوها منزلا بإسلامهم من قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين فعصموها وحفظوها بالإسلام فكأنهم استحدثوا بناءها، وقوله: أي ألفوه أشار إلى أن والإيمان معمول لمقدر والعطف عطف جمل، إذ لا يصح تسليط التبوء على الإيمان، وهذا أحد الوجوه المذكورة في نحو:\rعلفتها تبنا وماء باردا.\rوقوله: من قبلهم متعلق بكل من المذكور وهو تبوأوا والمقدر وهو ألفوا أي: حال كون التبوء والإلف من قبل هجرة المهاجرين وقدومهم عليهم اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: قوله: أي ألفوه فيه إشارة إلى أنه من عطف الجمل، والمعنى: وألفوا الإيمان وأخلصوا أو اختاروا الإيمان لأن الإيمان لا يتخذ منزلا فهو من باب علفتها تبنا وماء باردا أي: وسقيتها ماء، اختصر الكلام، أو منصوب بتبوأوا بتضمينه لزموا كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما، أو بلا تضمين على أنه مجاز بجعلهم منزلا لهم لتمكنهم فيه كتمكنهم في المدينة، ففي تبوأوا جمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند الشافعي رضي اللّه عنه اهـ.\rقوله: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ أي: نفوسهم. قوله: (حسدا) أي: ولا غيظا ولا حزازة، فالمراد بالحاجة هذه المعاني وإطلاق لفظ الحاجة عليها من إطلاق الملزوم على اللازم على سبيل الكناية، لأن هذه المعاني لا تنفك عن الحاجة غالبا، فعلى هذا الصنيع الضمير في لا يجدون للأنصار وفي أوتوا للمهاجرين. قال القرطبي: كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم صلّى اللّه عليه وسلّم أموال بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا من المهاجرين من إنزالهم إياهم منازلهم وإشراكهم إياهم في الأموال، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن أحببتم قسمت ما أفاء اللّه علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرين على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم»، فقال سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهم أرحم الأنصار وأبناء الأنصار»، وأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين، أبا دجانة سماك ابن خرشة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة اهـ خطيب.\rوالحزازة بفتحتين بعد الحاء المهملة المفتوحة أصله مرض في القلب ويكنى به عما يضمره الإنسان من الغيظ والعداوة وهو المراد هنا، والحسد تمني زوال النعمة والغبطة تمني مثلها من غير أن تزول اهـ شهاب.\rقوله: (أي آتى النبي) ببيان للفاعل المحذوف، وقوله: المهاجرين بيان لنائبه المذكور وهو","part":7,"page":461},{"id":2920,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 462\rعَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ حاجة إلى ما يؤثرون به وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حرصها على المال فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)\rوَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ من المهاجرين والأنصار إلى يوم الواو، وقوله: من أموال الخ بيان لما اهـ شيخنا.\rقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: في كل شيء من أسباب المعاش حتى أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا من المهاجرين، وقوله: ولو كان بهم خصاصة جملة حالية، والخصاصة: الحاجة والخلة وأصلها خصاص البيت وهي فروجه اهـ أبو السعود.\rوفي القرطبي: الإيثار وهو تقديم الغير على النفس، وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين ووكيد المحبة والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا أي: خصصته به وفضلته ومفعول الإيثار محذوف أي: يؤثرون على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها، فقد روي عن ابن عمر أنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا بعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ثم عادت إلى الأول، فنزلت هذه الآية. وروى الداراني أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم امكث عنده في البيت حتى تنظر ما يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه وقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله اللّه ورحمه ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى فقدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره ووجده قد ربط مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إليه وامكث في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه اللّه ووصله، وقال: يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا، فجاءت امرأة معاذ وقالت: ونحن واللّه مساكين فاعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبر فسّر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض، ونحوه عن عائشة وغيرها اهـ.\rقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ كلام عام ومن شرطية ويوق فعل الشرط، وقوله: فأولئك الخ جزاؤه وفيه رعاية معنى من بعد رعاية لفظها اهـ سمين.\rقوله: (حرصها على المال) فيه إيماء إلى الفرق بين البخل والشح، وأيضاحه: أن الشح اللؤم وهو غريزة، والبخل المنع نفسه فهو أعم لأنه قد يوجد البخل ولا شح له ولا ينعكس. وعن النسائي، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا». فإذن الشح صفة راسخة يصعب معها على الرجل تأتي المعروف وتعاطي مكارم الأخلاق، ويفتقر في التخلص منه إلى معونة اللّه وتوفيقه، وفي الجامع الصغير: «الشحيح لا يدخل الجنة» رواه الخطيب في كتاب البخلاء عن ابن عمر، وفي الصحاح: الشح البخل مع حرص اهـ كرخي.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: الفائزون بما أرادوا. روي أن رجلا قال لابن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: ما ذاك؟ قال: إني أسمع اللّه يقول: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم","part":7,"page":462},{"id":2921,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 463\rالقيامة يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا حقدا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10)\r* أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو النضير وإخوانهم في الكفر لَئِنْ لام قسم في الأربعة مواضع المفلحون، وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، فقال عبد اللّه: ليس ذاك بالشح الذي ذكره اللّه في القرآن، ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما فذاك البخل وبئس الشيء البخل، وقال ابن عمر:\rليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، وقيل: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم، وقيل: من لم يأخذ شيئا نهاه اللّه عن أخذه ولم يمنع شيئا أمره اللّه بإعطائه فقد وقاه اللّه شح نفسه اهـ خازن.\rقوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مبتدأ، وقوله: يقولون ربنا الخ خبر، وقوله: من بعد المهاجرين أي:\rمن بعد هجرة المهاجرين والأنصار أي: بعد إيمان الأنصار وقوته، فحينئذ البعدية تشمل التابعين كما هو ظاهر اهـ شيخنا.\rقوله: وَلِإِخْوانِنَا في المصباح: الأخ لامه محذوفة وهي واو وترد في التثنية على الأشهر، فيقال: إخوان وفي لغة يستعمل منقوصا فيقال: أخان وجمعه أخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما وضمها لغة، وقيل: جمعه بالواو والنون وعلى آخاء وزان آباء أقل، والأنثى أخت وجمعها أخوات وهو جمع مؤنث سالم اهـ.\rقوله: الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ كل واحد من القائلين لهذا القول يقصد بمن سبقهم من انتقل قبله من غير فاصل، وينتهي إلى عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيدخل في أخواته الذين سبقوه بالإيمان جميع من تقدمه من المسلمين، ولا يقصد بالذين سبقوه خصوص المهاجرين والأنصار لقصوره وإن كان أصل سبب النزول اهـ شيخنا.\rقوله: (حقدا) هو حرارة وغليان يوجب الانتقام اهـ خطيب.\rوفي المصباح: الحقد الانطواء على العداوة والبغضاء، وحقد عليه من باب ضرب، وفي لغة من باب تعب والجمع أحقاد اهـ شيخنا.\rقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: مطلق المؤمنين أيا كانوا اهـ شيخنا.\rقوله: رَؤُفٌ بقصر الهمزة ومدها بحيث يتولد منها واو قراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا الخ حكاية لما جرى بين الكفار والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجب منها بعد حكاية أحوال المؤمنين وأقوالهم على اختلاف طبقاتهم، والخطاب لرسول اللّه أو لكل أحد ممن له حظ في الخطاب، وقوله: يقولون الخ استئناف لبيان المتعجب منه وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم أو لاستحضار صورته، واللام في لإخوانهم لام التبليغ اهـ أبو السعود.\rقوله: (لام قسم) أي: تكون مؤذنة بأن الجواب بعدها مبني على قسم مقدر قبلها لا مبني على","part":7,"page":463},{"id":2922,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 464\rأُخْرِجْتُمْ من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ في خذلانكم أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ حذفت منه اللام الموطئة لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (11)\rلَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي جاؤوا لنصرهم لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ واستغنى بجواب القسم المقدر عن شرط تقديره: واللّه لئن أخرجتم الخ. ومن ثم تسمى اللام المؤذنة والموطئة كما قاله الشيخ المصنف بعد لأنها وطأت الجواب للقسم أي: مهدته، وقوله: في الأربعة أي: لئن أخرجتم لئن أخرجوا ولئن قوتلوا ولئن نصروهم اهـ كرخي.\rبل في الخمسة هذه الأربعة والتي ذكرها في قوله: وإن قوتلتم حيث قال حذفت منه اللام الموطئة أي للقسم المقدر اهـ شيخنا.\rقوله: وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ معطوف على جملة لئن أخرجتم، وكذا قوله: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ [الحشرة: 11] فمقولهم ثلاث جمل، وقوله أحدا أي: من رسول اللّه والمؤمنين، وقوله: أبدا ظرف للنفي لا للمنفي كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rالفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ج 7 464\r\rله: وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ معطوف على جملة لئن أخرجتم، وكذا قوله: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ [الحشرة: 11] فمقولهم ثلاث جمل، وقوله أحدا أي: من رسول اللّه والمؤمنين، وقوله: أبدا ظرف للنفي لا للمنفي كما لا يخفى اهـ شيخنا.\rقوله: (حذفت منه اللام الموطئة) أي: كما في قوله: وإن لم ينتهوا عما يقولون وهو قليل في كلام العرب والكثير إثباتها اهـ كرخي.\rقوله: لَكاذِبُونَ أي: فيما ذكر من المقالات الثلاث، وهذا تكذيب لهم على سبيل الإجمال ثم فصله بقوله: لئن أخرجوا الخ هذا تكذيب للمقالة الأولى، وبقوله: ولئن قوتلوا الخ هذا تكذيب للمقالة الثالثة، وأما الثانية فلم يذكر لها تكذيب في التفصيل، وأما قوله: ولئن نصروهم الخ فمن تمام تكذيبهم في المقالة الثالثة اهـ شيخنا.\rقوله: لا يَنْصُرُونَهُمْ وكان كذلك، فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم، وفيه دليل على صحة النبوة حيث أخبر عما سيقع فوقع كما أخبر، وهذا مبني على تقدم نزول الآية على الواقعة وعليه يدل النظم، فإن كلمة إن للاستقبال وإعجاز القرآن من حيث الإخبار عن الغيب اهـ كرخي.\rقوله: (أي جاؤوا لنصرهم) أي: خرجوا لقصد نصرهم ولا يلزم من خروجهم لذلك نصرهم بالفعل، فلا يرد كيف قال أولا وإن قوتلوا لا ينصرونهم، وقال ثانيا: ولئن نصروهم فنفى النصرة أولا وأثبتها ثانيا ولا يرد أيضا كيف قال: ولئن نصروهم، وقال: ليولن الأدبار وكيف ينصرونهم، ويولون الأدبار إذ مقتضى النصرة الثبات وعدم الهزيمة، فأشار الشارح لدفع هذين الإيرادين بقوله: أي: جاؤوا لنصرهم، وبعضهم أشار للدفع بقوله: ولئن نصروهم أي: على سبيل الفرض والتقدير اهـ شيخنا.\rقوله: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ الضمير في هذا الفعل لليهود كالضمير في قوله: ثم لا ينصرون هذا ما جرى عليه الشارح، وقيل: الضميران، وقيل: كل منهما لمجموع اليهود والمنافقين معا اهـ.\rقوله: (و استغنى بجواب القسم) ولذلك رفعت الأفعال المذكورة لأنها وقعت في جواب القسم لا في جواب الشرط اهـ سمين.","part":7,"page":464},{"id":2923,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 465\rجواب الشرط في المواضع الخمسة ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12) أي اليهود\rلَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً خوفا فِي صُدُورِهِمْ أي المنافقين مِنَ اللَّهِ لتأخير عذابه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13)\rلا يُقاتِلُونَكُمْ أي اليهود جَمِيعاً مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ سور، وفي قراءة جدر بَأْسُهُمْ حربهم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مجتمعين وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة خلاف وقوله: المقدر نعت للقسم أي: المقدر وحده، وذلك في المواضع الأربعة التي صرح فيهاب اللام الموطئة أو مع اللام، وذلك في الموضع الذي لم تذكر فيه اللام وهو قوله: وإن قوتلتم الخ اهـ شيخنا.\rقوله: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ إيضاحه: أن الرهبة مصدر رهب المبني للمفعول هنا لأن المخاطبين مرهوب منهم لا راهبون، والمعنى أن رهبتهم في السر منكم أشد من رهبتهم من اللّه التي يظهرونها لكم وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من اللّه فلا يرد كيف يستقيم التفضيل بأشدية الرهبة مع أنهم لا يرهبون من اللّه، لأنهم لو رهبوا منه لتركوا الكفر والنفاق اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة أي: أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول في صدورهم، فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين اهـ.\rأي: يظهرون خوفهم من اللّه، وهذا في المعنى كالتعليل لقوله: ليولن الأدبار الخ كأنه قال: إنهم لا يقدرون على مقاتلتكم لأنكم أشد رهبة الخ اهـ.\rقوله: ذلِكَ أي: ما ذكر من كون خوفهم من المخلوق أشد من خوفهم من الخالق اهـ خطيب.\rقوله: (مجتمعين) أشار به إلى أن جميعا حال، وقوله: إلا في قرى متعلق بيقاتلونكم اهـ.\rوقوله: محصنة أي: بالدروب والخنادق اهـ بيضاوي.\rوالدروب جمع درب وهو الباب الكبير اهـ.\rقوله: (و في قراءة (؟ جدر)) هذه القراءة سبعية، وقراءة جدار سبعية أيضا، لكن صاحبها يلتزم إما الإمالة في جدار، وإما الصلة في بينهم بحيث يتولد منها واو، فمن قرأ جدار بدون أحد هذين الوجهين فقد قرأ بقراءة لم يقرأ بها أحد اهـ شيخنا.\rقوله: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ راجع لقوله: لا يقاتلونكم الخ أي: فعجزهم عن قتالكم ليس لجبنهم، بل هم في غاية القوة والشجاعة إذا حارب بعضهم بعضا، وأما إذا حاربوكم فيضعفوا ويجبنوا للرهبة التي في قلوبهم منكم اهـ من البيضاوي.\rوفي السمين: قوله: بأسهم بينهم شديد متعلق بشديد، وجميعا مفعول ثان أي مجتمعين، وقلوبهم شتى جملة حالية أو مستأنفة للإخبار بذلك، والعامة على شتى بلا تنوين لأنها ألف تأنيث اهـ.\rقوله: وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي: متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم ذلك بأنهم قوم لا","part":7,"page":465},{"id":2924,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 466\rالحسبان ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) مثلهم في ترك الإيمان\rكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً بزمن قريب، وهم أهل بدر من المشركين ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عقوبته في الدنيا من القتل وغيره وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (15) مؤلم في الآخرة مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم\rكَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (16) كذبا يعقلون ما فيه صلاحهم، فإن تشتيت القلوب يوهن قواهم اهـ بيضاوي.\rقوله: (خلاف الحسبان) أي: حال كونهم خلاف أي: بخلاف أي: مخالفين للحسبان أي: ظن أنهم مجتمعون اهـ شيخنا.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ إنما خص الأول بلا يفقهون، والثاني بلا يعقلون، لأن الأول متصل بقوله: لأنتم أشد رهبة في صدورهم من اللّه أي لأنهم يفقهون ظاهر الشيء دون باطنه والفقه معرفة الظاهر والباطن، فناسب نفي الفقه عنهم. والثاني متصل بقوله: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى إذ لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا، فناسب نفي العاقل عنهم اهـ كرخي.\rقوله: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله مثلهم أي: مثل اليهود بني النضير أي: صفتهم الغريبة العجيبة، وهي ما وقع لهم من الإجلاء والذل كمثل وصفة وحال أهل مكة فيما وقع لهم أيضا يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل، والمقصود تشبيه حال اليهود وهي ما حصل لهم في الدنيا من الوبال وما سيحصل لهم في الآخرة من العذاب بحال المشركين في هذين الأمرين، فقول الشارح في ترك الإيمان قد علمت أن المراد بمثلهم ما نزل بهم في الدنيا، وما سينزل بهم في الآخرة فترك الإيمان ليس هو المثل بل هو سببه ففي سببية تعليلية، وقوله: من قبلهم متعلق بالاستقرار المحذوف الذي هو الخبر في الحقيقة، وقوله: قريبا ظرف زمان معمول إما لذاقوا الذي بعده وإما لمضاف مقدر في الخبر أي: كوقوع وحصول مثل الذين من قبلهم قريبا أي: في زمن قريب، إذ بين وقعة بدر ووقعة بني النضير نحو سنة ونصف لما تقدم أنها كانت في ربيع الأول من الرابعة، وبدر كانت في رمضان من الثانية، فالباء في كلام الشارح بمعنى في اهـ.\rقوله: ذاقُوا أي: الذين من قبلهم، وهذا بيان لمثل الذين من قبلهم، والمراد بأمرهم كفرهم، وقول الشارح: عقوبته أي عقوبة أمرهم الذي هو الكفر أي: العقوبة المسببة عنه اهـ شيخنا.\rقوله: (مثلهم أيضا) أي: مثل اليهود، وقوله: في سماعهم بيان لمثلهم أي: اليهود، وقوله:\rوتخلفهم أي: تخلف المنافقين عنهم أي: اليهود، وقوله: كمثل الشيطان المراد به حقيقته لا شيطان الإنس، وقوله: إذ قال للإنسان الخ بيان لمثل الشيطان اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان الخ، انتهت.\rوهي أظهر كما لا يخفى اهـ.\rقوله: إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ المراد به برصيصا العابد لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال الإنسان الذي قال له الشيطان اكْفُرْ راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان ووطئها فحملت ثم قتلها خوفا من أن يفتضح، فدلّ الشيطان قومها على موضعها فجاؤوا فاستنزلوا الراهب","part":7,"page":466},{"id":2925,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 467\rمنه ورياء\rفَكانَ عاقِبَتَهُما أي الغاوي والمغوي، وقرئ بالرفع اسم كان أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (17) الكافرين\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ليوم القيامة وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18)\rوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ تركوا طاعته فَأَنْساهُمْ ليقتلوه فجاء الشيطان فوعده إن سجد له أن ينجيه فسجد له فتبرأ منه اهـ خطيب.\rقوله: قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب، وقوله: كذبا معمول لقال أي: قال إني أخاف اللّه كذبا ورياء إلا فهو لا يخاف اللّه اهـ شيخنا.\rقوله: (أي الغاوي) اسم فاعل من غوى يغوي كرمى يرمي، والغاوي هو الإنسان، وقوله:\rوالمغوي اسم فاعل من أغواه يغويه وهو الشيطان فالشيطان مغو والإنسان غاو اهـ شيخنا.\rقوله: (و قرئ بالرفع) أي: شاذا اهـ شيخنا.\rوقوله: خالِدَيْنِ فِيها حال.\rقوله: وَذلِكَ أي: العذاب المخلد جزاء الظالمين اهـ خطيب.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما انقضى في هذه السورة وصف المنافقين واليهود، وعظ اللّه المؤمنين، لأن الموعظة بعد المصيبة أوقع في النفس لرقة القلوب والحذر مما يوجب العقاب اهـ من النهر.\rقوله: ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي: ما تريد تقديمه، ومعنى تنظر تبحث وتفتش وتحصل كأنه قيل:\rولتبحث النفس عما تقدمه لغد أي ليوم القيامة فتفعله وتحصله اهـ.\rقوله: (ليوم القيامة) إطلاق الغد المتبادر منه أنه عبارة عن يوم بينك وبينه ليلة، ويطلق أيضا على مطلق الزمان المستقبل، وإنما أطلق اسم الغد على يوم القيامة تقريبا له كقوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [النحل: 77] فكأنه لقربه شبه بما ليس بينك وبينه إلا ليلة واحدة، أو لأن الدنيا أي:\rزمانها كيوم والآخرة كغده لاختصاص كل منهما بأحكام وأحوال متشابهة وتعقيب الثاني للأول، فلفظ الغد حينئذ استعارة، وفائدة تنكير النفس ببيان الأنفس الناظرة في معادها قليلة جدا، كأنه قيل: ولتنظر نفس واحدة في ذلك وأين تلك النفس، وفائدة تنكير الغد تعظيمه وإبهام أمره كأنه قيل: لغد لا تعرف النفس كنه عظمته وهو له فالتنكير فيه للتعظيم وفي النفس للتقليل أو للتعريض بغفلة كلهم عن هذا النظر الواجب اهـ كرخي.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ تكرير للتأكيد أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل، فإن ما قدمت لغد عبارة عن أعمال الخير، والثاني في ترك المحارم لاقترابه بقوله: إن اللّه خبير بما تعملون، ورجح هذا الوجه بفضل التأسيس على التأكيد وأنت خبير بأن التقوى تشمل كليهما فإنها على ما مرّ في أول البقرة هي التجنب على كل ما يؤول إلى إثم من فعل أو ترك، ولا وجه للتوزيع بل المقام مقام الاهتمام بأمر التقوى، فالتأكيد أولى وأقوى اهـ كرخي.","part":7,"page":467},{"id":2926,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 468\rأَنْفُسَهُمْ أن يقدموا لها خيرا أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (19)\rلا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (20)\rلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ وجعل فيه تمييزا كالإنسان قوله: (تركوا طاعته) أشار به إلى أن النسيان كما يكون بمعنى عدم الحفظ والذكر يكون بمعنى الترك ومنه الآية اهـ كرخي.\rقوله: (أن يقدموا لها خيرا) أشار به إلى تقدير مضاف أي: فأنساهم تقديم خير لأنفسهم أي:\rجعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يتيقظوا إلى ما يخلصها اهـ كرخي.\rوعلى هذا التفسير يكون قوله: فأنساهم أنفسهم مكررا مع قوله نسوا اللّه لرجوعهما إلى معنى واحد وهو ترك الطاعات، فالأولى ما قاله غيره مما يفيد المغايرة، وعبارة القرطبي: وقيل نسوا حق اللّه فأنساهم حق أنفسهم قاله سفيان، وقيل: نسوا اللّه بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم أن يذكر بعضهم بعضا حكاه ابن عيسى، وقال سهل بن عبد اللّه: نسوا اللّه عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة، ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في أنساهم إيذانا بأن ذلك بسبب أمره ونهيه، كقوله: أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا، وقيل: نسوا اللّه في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدة أولئك هم الفاسقون اهـ.\rوأصل نسوا نسيوا نقلت ضمة الياء إلى ما قبلها بعد سلب حركته ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو، ويقال: نسي ينسى كرضي يرضى اهـ.\rقوله: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ أي: الذين نسوا اللّه فاستحقوا الخلود في النار، وأصحاب الجنة أي: الذين اتقوا اللّه فاستحقوا الخلود في الجنة وقوله: أصحاب الجنة الخ استئناف مبين لكيفية عدم الاستواء بين الفريقين اهـ أبو السعود.\rفهذا كالتذييل لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ الخ وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتقوى التي هي قصارى كرامة اللّه، كما قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: 13] وبالنظر والتيقظ للعاقبة والأخذ في العمل، ثم نهاهم أن يكونوا من الغافلين الذين نسوا اللّه وتركوا الحذر فأهملوا العمل فأنساهم أنفسهم حتى رأوا في العاقبة من الأهوال ما نسوا فيها أنفسهم ذيل الكلام بقوله: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة مزيدا للترغيب فيما يزلفهم إلى اللّه ويدخلهم دار كرامته ويجعلهم من أصحابها، ومن ثم دق ولطف، واستدلال أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وحسن كلام القاضي حيث قال: لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة والذين استمهنوا نفوسهم أي: استعملوها في المهنة والشهوات فاستحقوا النار اهـ كرخي.\rقوله: (و جعل فيه تمييز كالإنسان) أي: لو جعلنا في الجبل على قساوته تمييزا كما في الإنسان ثم أنزلنا عليه القرآن لتشقق خشية من اللّه وخوفا أن لا يؤدي حقه في تعظيم القرآن، والمقصود تنبيه الإنسان على قسوة قلبه وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن وإعراضه عند تدبر زواجره اهـ كرخي.\rوعبارة الخطيب: المعنى أنا لو أنزلنا هذا القرآن على الجبل لخشع وتصدع لوعده، وأنتم أيها","part":7,"page":468},{"id":2927,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 469\rلَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً متشققا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ المذكورة نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) فيؤمنون\rهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ السر والعلانية هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (22)\rهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الطاهر عما لا يليق به السَّلامُ ذو السلامة من النقائص الْمُؤْمِنُ المصدق رسله بخلق المعجزة لهم الْمُهَيْمِنُ من هيمن المعترفون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده. والغرض من هذا الكلام التنبيه على قساوة القلب لهؤلاء الكفار وغلظ طباعهم، ونظيره: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] وقيل: الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت وتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لم تثبت له الجبال، وقيل: إنه خطاب للأمة واللّه تعالى لو انذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية اللّه تعالى، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا فهو يقوم بحقه إن أطاع ويقدر على رده إن عصى، لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب اهـ.\rوفي القرطبي: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا حث على تأمل مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة أي: متشققة من خشية اللّه، والخاشع الذليل والمتصدع المتشقق، وقيل: خاشعا للّه بما كلفه من طاعته متصدعا من خشية اللّه أن يعصيه فيعاقبه، وقيل: هو على وجه المثل للكفار اهـ.\rقوله: (المذكورة) أي: في هذه السورة أو سائر القرآن، ومنها قوله: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ الخ.\rقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي الخ لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفحة تابع لعظم الموصوف أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى فقال: هو أي الذي وجوده من ذاته عدم فلا عدم له بوجه من الوجوه فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره لأنه الموجود دائما أزلا وأبدا، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدع الجبل من خشيته، ولما عبّر عنه بأخص اسمائه أخبر اسمائه أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو مسمى الأسماء كلها بقوله: اللّه أي المعبود الذي لا تنبغي العباد والألوهية إلا له فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء اهـ خطيب.\rقوله: (السر والعلانية) أو المعدوم والموجود، فالمراد بالغيب حينئذ ما غاب عن الوجود اهـ كرخي.\rقوله: (ذو السلامة الخ) أشار به إلى أنه صفة ذات، وقال الخطابي: معناه الذي سلم الخلق من ظلمه فيكون صفة فعل اهـ كرخي.\rوفي القرطبي: قال ابن العربي: اتفق العلماء رحمة اللّه عليهم على أن معنى قولنا في اللّه السّلام","part":7,"page":469},{"id":2928,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 470\rيهيمن إذا كان رقيبا على الشيء، أي الشهيد على عباده بأعمالهم الْعَزِيزُ القوي الْجَبَّارُ النسبة تقديره ذو السلامة، ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال، الأول: معناه الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل نقص، الثاني: معناه السّلام أي: المسلم على عباده في الجنة كما قال:\rسَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. [يّس: 458] الثالث: أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. قلت: وهذا قول الخطابي وعليه والذي قبله يكون صفة فعل، وعلى أنه البريء من العيوب والنقائص يكون صفة ذات، وقيل: السّلام معناه السّلام لعباده اه\rفإن قلت: على تفسير السّلام بالسلامة من النقائص لا يبقى بين القدوس والسّلام فرق، فيكون كالتكرار وذلك لا يليق بفصاحة القرآن. قلت: الفرق بينهما أن كونه قدوسا إشارة إلى براءته من جميع العيوب والنقائص في الماضي والحاضر، والسّلام إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب والنقائص في المستقبل، فإن الذي يطرأ عليه من ذلك تزول سلامته ولا يبقى سليما اهـ خازن.\rقوله: (المصدق رسله الخ) وقيل: المؤمن المصدق للمؤمنين ما وعدهم به من الثواب، والمصدق للكافرين ما أوعدهم به من العقاب، وقيل: المؤمن الذي يأمن أولياؤه من عذابه ويأمن عباده من ظلمه، يقال: آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف، كما قال تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:\r4] فهو مؤمن، وقال مجاهد: المؤمن الذي وجد نفسه بقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:\r18] اهـ قرطبي.\rقوله: (إذا كان رقيبا على الشيء) وقيل: هو القائم على خلقه برزقه، وقيل: هو المصدق، وقيل: هو القاضي، وقيل: هو بمعنى الأمين والمؤتمن، وقيل: العلي، وقيل: المهيمن اسم من اسماء اللّه تعالى هو أعلم بتأويله اهـ خازن.\rقوله: الْجَبَّارُ قال ابن عباس: جبروت اللّه عظمته، فعلى هذا هو صفة ذات، وقيل؛ هو من الجبر يعني الذي يغني الفقير ويجبر الكسير، فعلى هذا هو سبحانه وتعالى كذلك يجبر كل كسير ويغني كل فقير، وقيل: هو الذي يجبر الخلق ويقهرهم على ما أراد. وسئل بعضهم عن معنى الجبار، فقال:\rهو القهار الذي إذا أراد أمرا فعله لا يحجزه عنه حاجز، وقيل: الجبار فو الذي لا ينال ولا يداني، والجبار في صفة اللّه تعالى صفة مدح وفي صفة الناس صفة ذم، وكذلك المتكبر في صفة الناس صفة ذم لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علو بل له الحقارة والذلة، فإذا أظهر الكبر كان كاذبا في فعله فكان مذموما في حق الناس، وأما المتكبر في صفة اللّه تعالى فهو صفة مدح لأن له جميع صفات العلو والعظمة، لهذا قال في آخر الآية سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ كأنه قيل: إن بعض الخلق يتكبر فيكون ذلك نقصا في حقه، أما اللّه تعالى فله العلو والعظمة والعز والكبرياء فإن أظهر ذلك كان ذلك ضم كمال إلى كمال قال ابن عباس: المتكبر هو الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وقيل: هو الذي يتكبر عن كل سوء، وقيل: هو المتعظم عما لا يليق بجماله وجلاله، وقيل: هو المتكبر عن ظلم عباده، وقيل: الكبر والكبرياء الامتناع اهـ خازن.\rقوله أيضا: الْجَبَّارُ استدل به من يقول إن أمثلة المبالغة تأتي من المزيد على الثلاثة، فإنه من","part":7,"page":470},{"id":2929,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 471\rجبر خلقه على ما أراد الْمُتَكَبِّرُ عما لا يليق به سُبْحانَ اللَّهِ نزه نفسه عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) به\rهُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ المنشىء من العدم الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) تقدم أوّلها.\rأجبره على كذا أي: قهره. قال الفراء: ولم أسمع فعالا من أفعل إلا جبار ودراك من أدرك اهـ سمين.\rوتقدم أنه يستعمل ثلاثيا أيضا اهـ.\rقوله: (جبر خلقه) أشار به إلى أنه بمعنى القاهر، وقال ابن عباس: هو العظيم من الجبروت وجبروت اللّه عظمته وعليه فهو صفة ذات اهـ كرخي.\rقوله: (عما يليق به) أي: من صفات الحدوث والذم والكبر في صفات اللّه مدح، وفي صفات المخلوقين ذم وفي الحديث الصحيح: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدة منهما قصته ثم حذفته في النار» وقال حجة الإسلام الغزالي: المتكبر هو الذي يرى الكل حقيرا بالإضافة إلى ذاته ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه فينظر إلى غيره نظر الملوك الى العبيد، فإن كانت هذه الرؤية صادقة كان التكبر حقا وكان صاحبها متكبرا حقا ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا اللّه تعالى اهـ كرخي.\rقوله: الْخالِقُ أي: المقدر لما يوجد فيرجع إلى صفة الإرادة وتعلقها التنجيزي القديم، وقوله: المنشىء أي: المبدع للإعيان والمبرز لها من العدم إلى الوجود فيرجع لتأثير القدرة الحادث، لكن في خصوص الأعيان وقوله: المصور معناه مصور الأمور ومركبها على هيئات مختلفة، فالتصوير آخرا والتقدير أولا والبرء بينهما اهـ كرخي.\rوفي المختار: وبرأ اللّه الخلق من الباب قطع أي: خلقها، وفي المصباح: وأصل الخلق التقدير يقال: خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته له اهـ.\rقوله: (مؤنث الأحسن) أي: الذي هو أفعل تفضيل أي: مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء، في القاموس: ولا تقل رجل أحسن في مقابلة امرأة حسناء وعكسه غلام أمر، ولا يقال جارية مرداء، وإنما يقال هو الأحسن على إرادة أفعل التفضيل وجمعه أحاسن والحسنى بالضم ضد السوأى اهـ.\rوفي البحر في سورة الأعراف عند قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف:\r180] ما نصه: قال الزمخشري: وللّه الأسماء الحسنى التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل على معان حسنة من تحميد وتقديس وغير ذلك اهـ.\rفالحسنى هنا تأنيث الأحسن ووصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الواحدة كقوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: 18] وهو فصيح ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب الحسن على وزن الأخر كقوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] وهو فصيح ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب الحسن على وزن الأخر كقوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184 و185] لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه ويوصف بجمع المؤنثات وإن كان المفرد مذكرا اهـ.","part":7,"page":471},{"id":2930,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 472\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الممتحنة مدنية وهي ثلاث عشرة آية\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أي كفار مكة أَوْلِياءَ تُلْقُونَ توصلون إِلَيْهِمْ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بكسر الحاء أي: المختبرة أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة براءة المبعثرة والفاضحة لما كشفت عن عيون المنافقين، وعلى هذا فالإضافة بيانية أي: السورة الممتحنة ومن قال في هذه السورة الممتحنة بفتح الحاء فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت في شأنها وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال اللّه تعالى: فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ [الممتحنة: 10] الآية، وهي امرأة عبد الرحمن ابن عوف والدة إبراهيم بن عبد الرحمن اهـ قرطبي.\rوفي زاده: الممتحنة بكسر الحاء المختبرة أضيفت السورة إلى الجماعة الممتحنة من حيث إنه ذكر فيها أمر جماعة المؤمنين بالامتحان، وعلى هذا فليست الإضافة بيانية، وإن فتحت الحاء يكون المعنى سورة المرأة المهاجر التي نزلت فيها آية الامتحان اهـ.\rقوله: (مدنية) بالإجماع اهـ قرطبي.\rقوله: عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ هذان مفعولان لتتخذوا، والعدو لما كان بزنة المصادر وقع على الواحد فما فوقه، وأضاف العدو إلى نفسه تعالى تغليظا في جرمهم اهـ سمين.\rقوله: (أي كفار مكة) تفسير للعدو. قوله: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ مفعول محذوف فسّره بقوله: قصد النبي غزوهم، والباء في قوله: بالمودة سببية اهـ.\rوقيل: زائدة في المفعول ولا حذف اهـ سمين.\rومعنى المودة نصيحتهم بإرسال الكتاب إليهم اهـ قرطبي.\rوفي جملة تلقون أربعة أوجه، أحدها: أنها تفسير لموالاتهم إياهم. الثاني: أنها استئناف وإخبار بذلك فلا يكون لها على هذين الوجهين محل من الإعراب. الثالث: أنها حال من فاعل تتخذوا أي: لا تتخذوهم أوليء حال كونكم ملقين المودة. الرابع: أنها صفة لأولياء اهـ سمين.","part":7,"page":472},{"id":2931,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 473\rقصد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غزوهم الذي أسره إليكم وورّى بحنين بِالْمَوَدَّةِ بينكم وبينهم، كتب حاطب بن قوله: (و ورّى بحنين) أي: بغزوة حنين أي: أظهر لعامة الناس أنه يريد غزوة حنين على عادته من أنه كان إذا خرج لغزوة يوري بغيرها، كأن يسأل عن طريق الغير وعن كونه عنده ماء أو لا سترا عن المنافقين، لئلا يرسلوا إلى المطلوب غزوهم فيتنبهوا ويتيقظوا فيفوت تدبير الحرب اهـ شيخنا.\rوفي المختار: وورى الخبر تورية سترة وأظهر غيره، كأنه مأخوذ من وراء الإنسان كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر اهـ.\rويقع في بعض النسخ، وورى بخيبر وهو تصحيف من النساخ فإن غزوة خيبر كانت في المحرم من السنة السابعة، وفتح مكة كان في رمضان من السنة الثامنة، وحنين كانت بعد الفتح في شوال من سنة الفتح، فورى بها على عادته في غزواته فتجهز من غير إعلام أحد بذلك اهـ كرخي.\rقوله: (كتاب حاطب بن أبي بلتعة الخ) وكان حاطب ممن هاجر مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا بيان لسبب نزول قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآيتين إلى قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وفي القرطبي: روى الأئمة واللفظ لمسلم عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنا والزبير والمقداد فقال: ائتوا روضة خاخ بالصرف وتركه موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا فإن ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا نهادى خيلنا أي: نسرعها، فإذا نحن بامرأة فقلنا اخرجي الكتاب، فقالت. ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتقلن الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا حاطب ما هذا؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول اللّه إني كنت أمرأ ملصقا في قريش، قال سفيان: كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وقد علمت أن اللّه ينزل بها بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا وأن اللّه ناصرك عليهم، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صدق فقال عمر رضي اللّه عنه: دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنه شهد بدرا وما يدريك لعل اللّه أطلع على أهل بدر فقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش، وكان في الكتاب: أما بعد، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم باللّه لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره اللّه بكم ولأنجز له موعده فيكم، فإن اللّه وليه وناصره ذكره بعض المفسرين، وذكر القشيري، والثعلبي: أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن، وكان في مكة حليف بني أسد بن عبد العزى رهط الزبير بن العوام، وقيل: كان حليفا للزبير بن العوام، فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمر ابن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتجهز لفتح مكة وقيل: كان هذا في زمن الحديبية فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أمهاجرة جئت يا سارة؟ فقالت: لا: فقال: أمسلمة جئت؟ قالت: لا.\rقال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب بعض الموالي يعني قتلوا يوم بدر، وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني فقال عليه السّلام: فأين","part":7,"page":473},{"id":2932,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 474\rأبي بلتعة إليهم كتابا بذلك لما له عندهم من الأولاد والأهل المشركين فاستردّه لنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ممن أرسله معه بإعلام اللّه تعالى له بذلك، وقبل عذر حاطب فيه وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ أي دين الإسلام والقرآن يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة بتضييقهم عليكم أَنْ تُؤْمِنُوا أي لأجل أن آمنتم بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً للجهاد فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي وجواب الشرط دلّ عليه ما قبله، أنت من شباب أهل مكة وكانت مغنية قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بني عبد المطلب على إعطائها فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريدكم فخذوا حذركم. فخرجت سارة سائرة إلى مكة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فبعث عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية عليا والزبير والمقداد، وفي رواية أرسل عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها.\rفأدركوا في ذلك المكان، فقالوا: أين الكتاب؟ فحلفت ما معها كتاب ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع، فقال علي: واللّه ما كذب رسول اللّه وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا واللّه لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها، وفي رواية من حجزتها، فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأرسل إلى حاطب فقال: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم وذكر الحديث بنحو ما تقدم، وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمن جميع الناس يوم فتح مكة إلا أربعة هي إحداهم اهـ قرطبي.\rوروي أن سارة عاشت إلى خلافة عمر وأسلمت وحسن إسلامها اهـ خازن.\rقوله: (فاسترده النبي) أي: طلب ودّه بأن أرسل عليا ومن معه لرده، وقوله: ممن من واقعة على امرأة والضمير المستتر في أرسل يعود على حاطب، والبارز على الكتاب والضمير في معه يعود على من الواقعة على المرأة، والمعنى فاسترده النبي من المرأة التي أرسله معها حاطب فصلة من جرت على غير من هي له، فكان عليه أن يبرز الضمير فيقول ممن أرسله هو معها، وقوله: بإعلام اللّه له متعلق باسترده أي: استرده بسبب إعلام اللّه بذلك أي: الكتاب، وقوله: وقبل عذر حاطب فيه أي في الكتاب قوله: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون تفسيرا لكفرهم فلا محل لها على هذين، وأن يكون حالا من فاعل كفروا، وقوله: وإياكم عطف على الرسول وقدم عليهم تشريفا له، وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير من القدرة على اتصاله إذ كان يجوز أن يقال يخرجونكم والرسول فيجوز يخرجونكم والرسول في غير القرآن وهو ضعيف اهـ سمين.\rقوله: (لأجل أن آمنتم الخ) أشار به إلى أن تؤمنوا في محل نصب مفعول له أي: يخرجوكم لإيمانكم باللّه الخ اهـ كرخي.\rقوله: (إن كنتم خرجتم) أي: من مكة. قوله: (للجهاد) أشار به إلى النصب على المفعول له، ويجوز أن يكون النصب على الحال أي: حال كونكم مجاهدين، وكذا ابتغاء أي: مبتغين اهـ كرخي.","part":7,"page":474},{"id":2933,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 475\rأي فلا تتخذوهم أولياء تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي إسرار خبر النبي إليهم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (1) أخطأ طريق الهدى والسواء في الأصل الوسط\rإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والضرب وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالسب والشتم وَوَدُّوا تمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)\rلَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ قوله: (و جواب الشرط دل عليه الخ) عبارة السمين: قوله: إن كنتم خرجتم جوابه محذوف عند الجمهور لتقدم لا تتخذوا أو هو لا تتخذوا عند الكوفيين ومن تابعهم وقد تقدم تحريره، وقال الزمخشري: إن كنتم خرجتم متعلق بلا تتخذوا يعني لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، وقول النحويين في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه يريدون أنه متعلق به من حيث المعنى، وأما من حيث الإعراب فكما قاله جمهور النحويين.\rقوله: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بدل من تلقون إليهم بدل بعض، لأن إلقاء المودة أعم من السر والجهر أو هو استئناف ومفعول تسرون على قياس ما تقدم، كما أشار له بقوله: أي: اسرار خبر النبي، والباء في قوله المودة سببية أو زائدة في المفعول كما تقدم، وقوله: وأنا أعلم جملة حالية من فاعل تلقون وتسرون، واعلم أفعل تفضيل أي: من كل أحد، ويصح أن يكون فعلا مضارعا وعدي بالباء لأنك علمت بكذا وقوله: بما أخفيتم أي: في صدوركم، وما أعلنتم أي: بألسنتكم اهـ شيخنا.\rقوله: (طريق الهدى) إشارة إلى أن ضل متعد وسواء السبيل مفعوله، ويجوز أن يجعل قاصرا وينصب سواء السبيل على الظرفية اهـ كرخي.\rقوله: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ في المصباح: ثقف الشيء ثقفا من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة والفاعل ثقيف اهـ.\rقوله: يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً أي: يظهروا العداوة لكم. قوله: وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ معطوف على جملة الشرط والجزاء، ويكون تعالى قد أخبر بخبرين بما تضمنته الجملة الشرطية وبودادتهم كفر المؤمنين، وجعل الشيخ هذا راجحا على غيره من الاحتمالات ه سمين.\rقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ الخ لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم بيّن اللّه عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة اهـ قرطبي.\rوفي الخطيب: لما كانت عداوتهم معروفة وإنما غطاها محبة القرابات، لأن الحب للشيء يعمي ويصم خطأ تعالى رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالهم، فقال مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم أي: لا يحملنكم ذوو أرحامكم وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة على خيانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين وترك مناصحتهم ونقل أخبارهم وموالاة أعدائهم، فإنه لا تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم الذين عصيتم اللّه لأجلهم اهـ.\rقوله: (قراباتكم) القرابة تكون مصدرا واسما بمعنى القريب، وهو محتمل لهما هنا بأن يراد بالارحام ظاهرها أو يقدر ذوو أرحامكم بدليل عطف الأولاد عليه، أو مجازا كرجل عدل اهـ شهاب.","part":7,"page":475},{"id":2934,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 476\rالمشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بالبناء للمفعول والفاعل بَيْنَكُمْ وبينهم فتكونون في الجنة، وهم في جملة الكفار في النار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)\rقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ بكسر الهمزة وضمها في الموضعين قدوة حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ أي به قولا وفعلا وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا جمع بريء كظريف قوله: (من العذاب) متعلق بالمنفى في قوله: لن تنفعكم، وقوله: يوم القيامة الخ استئناف لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد اهـ أبو السعود.\rوفي السمين: قوله: يوم القيامة يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بما قبله أي: لن تنفعكم يوم القيامة فيوقف عليه ويبتدأ بيفصل بينكم. والثاني: أن يتعلق بما بعده أي: يفصل بينكم يوم القيا فيوقف على أولادكم ويبتدأ يوم القيامة اهـ.\rقوله: (بالبناء للمفعول) أي: مع التخفيف والتشديد، وقوله أي: مع التخفيف والتشديد أيضا فالقراءات أربعة وكلها سبعية اهـ شيخنا.\rوفي السمين: والقراء في يفصل بينكم على أربع مراتب، الأولى: لابن عامر بضم الياء وفتح الفاء والصاد مثقلة. الثانية: كذلك إلا أنه بكسر الصاد للأخوين. الثالثة: بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد مخففة لعاصم. الرابعة: بضم الياء وسكون الفاء وفتح الصاد مخففة للباقين وهم نافع وابن كثير وأبو عمر وهذا في السبعة، فمن بناه للمفعول فالقائم مقام الفاعل إما ضمير المصدر أي: يفصل الفصل أو الظرف وبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله: لقد تقطع بينكم في أحد الأوجه أو الظرف وهو باق على نصبه كقولك: جلس عندك اهـ.\rقوله: (و بينهم) الأرحام والأولاد. قوله: (فتكونوا في الجنة الخ) أي: فلا ينبغي منكم موادة لكفار لأجلهم إذ لا التئام بينكم وبينهم ولا اجتماع في الآخرة فلا تقعوا في المحذور لأجلهم اهـ خطيب.\rقوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ الخ لما نهى تعالى عن موالاة الكفار بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا* الخ ذكر قصة إبراهيم وأن سيرته وسيرة أمته التبرؤ من الكفار، أي: فينبغي لكم يا أمة محمد أن تقتدوا بإبراهيم وأمته، فهذا توبيخ لحاطب وغيره ممن والى الكفار اهـ شيخنا.\rقوله: (في الموضعين) أي: هذا وقوله الآتي: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة، والقراءتان في الموضعين سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: فِي إِبْراهِيمَ فيه أوجه، أحدها: أنه متعلق بأسوة تقول لي أسوة فلان وقد منع أبو البقاء أن يتعلق بها قال: لأنها قد وصفت وهذا لا يبالي به لأنه يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره. الثاني:\rأنه متعلق بحسنة تعلق الظرف بالعامل. الثالث: أنه نعت ثان لأسوة. الرابع: أنه حال من الضمير المستتر في حسنه. الخامس: أن يكون خبر كان ولكم تبيين اهـ سمين.\rقوله: (قولا وفعلا) يشير بهذا التمييز إلى بيان جهة الاقتداء بإبراهيم اهـ شيخنا.","part":7,"page":476},{"id":2935,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 477\rمِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ أنكرناكم وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واوا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من أسوة، أي فليس لكم التأسي به في ذلك بأن تستغفروا للكفار، وقوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه وثوابه مِنْ شَيْءٍ كنى به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار، فهو مبني عليه مستثنى من حيث قوله: إِذْ قالُوا أي: حين قالوا، وهذا الظرف بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه هذا أحسن الأعاريب والمذكورة هنا اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: إذ قالوا فيه وجهان، أحدهما: أنه خبر كان. والثاني: متعلق بخبرها قالهما أبو البقاء، ومن جوز في كان أن تعمل في الظرف علقه بها اهـ.\rويصح أن يكون بيانا للمضاف المقدر في قوله: أي إبراهيم أي: في قول إبراهيم وفعله كم أشار له الشارح بالتمييز المذكور فكأنه قال: قد كانت لكم أسوة في قول إبراهيم لقومه إنا برآء منكم الخ اهـ.\rقوله: إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ الخ أي: مع أنهم كانوا أقل منكم وأضعف، وقوله: لقومه أي: الكفار وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى ولهم فيهم أرحام وقرابات اهـ خطيب.\rومع ذلك لم يبالوا بهم بل تبرؤوا منهم اهـ شيخنا.\rقوله: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم اهـ شهاب.\rقوله: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ أي: من دينكم. قوله: وَبَدا أي: ظهر بيننا وبينكم العداوة وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على الآخر، وقوله: والبغضاء وهي المباينة بالقلوب للبغض العظيم، ولما كان ذلك قذ يكون سريع الزوال قالوا أبدا أي على الدوام اهـ خطيب.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) سبعيتان. قوله: (مستثنى من أسوة الخ) عبارة السمين: قوله: إلا قول إبراهيم فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء متصل من قوله في إبراهيم ولكن لا بد من حذف مضاف ليصح الكلام تقديره في مقالات إبراهيم إلّا قوله كيت وكيت. الثاني: أنه مستثنى من أسوة حسنة وجاز ذلك لأن القول أيضا من جملة الأسوة، لأن الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله وأفعاله فكأنه قيل:\rلكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا وهذا عندي واضح غير محوج إلى تقدير مضاف وغير مخرج للاستثناء من الاتصال الذي هو أصله إلى الانقطاع ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره اهـ.\rقوله: (أي فليس لكم التأسي به الخ) أي: لأنه إنما استغفر له لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان أنه لم يسلم تبرأ منه وأنتم لم تظنوا إسلام الكفار الذين واليتموهم اهـ خطيب.\rقوله: (كناية) أي: فهو لفظ استعمل في غير معناه الوضعي، وقد بيّن المعنى الكنائي المراد الآن بقوله عن أنه لا يمكن له غير الاستغفار، وقوله: فهو مبني عليه أي معطوف عليه، وقوله: من حيث","part":7,"page":477},{"id":2936,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 478\rالمراد منه، وإن كان من حيث ظاهره مما يتأسى فيه، قل فمن يملك لكم من اللّه شيئا واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو للّه، كما ذكره في براءة رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) من قول الخليل ومن معه، أي قالوا\rرَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي لا تظهرهم المراد منه وهو المعنى الكنائي الذي علمته، وقوله: وإن كان من حيث ظاهره وهو المعنى الوضعي الظاهر من اللفظ وهو أنه لا يملك له ثوابا ولا عقابا، وهذا الكلام من الشارح تقرير لجواب سؤال صورته: أن قوله: وما أملك لك من اللّه من شيء ثابت لإبراهيم ولغيره فيتأسى به فيه وعطفه على المستثنى يقتضي أنه لا يتأسى به فيه وأنه لا يجوز لغيره. وحاصل الجواب: أنه لم يرد به ظاهره الذي هو مناط الإيراد، بل أريد به معنى آخر خاص بإبراهيم لا يتأسى به فيه وهو أنه يملك الاستغفار دون غيره وملكه الاستغفار لأبيه أي: قدرته عليه شرعا وجوازه له لا يتأسى به فيه، وهذا التقرير لم يسلكه غير الشارح وهو أحسن مما سلكه غيره، وقوله: قل فمن يملك الخ استدلال على قوله: يتأسى به فيه فكأنه قال بدليل قوله الخ اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: وإيضاحه أن الاستثناء مجموع الكلام لكن بعضه مقصود وبالذات والبعض الآخر تابع له، فيكون وما أملك من اللّه من شيء حالا وتتميما لقوله لأستغفرن لك أي: وما عليه إلا بذل الوسع في الاستغفار ومن ثم جيء بها قسيمة اهـ.\rوفي أبي السعود: وقوله تعالى: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من تمام القول المستثنى محله النصب على أنه حال من فاعل لأستغفرن لك أي: أستغفر لك وليس في طاقتي إلا الاستغفار، فمورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذي هو في نفسه من خصال الخير لكونه إظهارا للعجز وتفويضا للأمر إلى اللّه تعالى اهـ.\rوفي زاده: وقوله: فهو مبني عليه أي: مرتب عليه بطريق العطف أو بطريق الحالية، كأنه قال:\rلأستغفرن لك والحال أنه ليس في وسعي وطاقتي إلا الاستغفار، فحكى اللّه عنه هذا الموضوع اهـ.\rقوله: (و استغفاره له الخ) بيان لعذر إبراهيم في استغفاره لأبيه الموعود به هنا بقوله: لأستغفرن لك. والمذكور صريحا في سورة الشعراء بقوله: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: 86] والموعود به في سورة مريم بقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 47] وبيّن في سورة براءة عذره في الوعد بالاستغفار وترتيب الاستغفار على الوعد بقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [مريم: 47] الآية. وحاصل العذر أنه ظن إسلامه وقد تبين خلافه اهـ شيخنا.\rقوله: (من مقول الخليل ومن معه) أي: فهو من جملة المستثنى منه فيتأسى به فيه، فهو في المعنى مقدم على الاستثناء وجملة الاستثناء اعتراضية في خلال المستثنى منه، وقوله: قالوا أي فهو معمول للقول السابق أي: قالوا إنا برآء منكم الخ، وقالوا: ربنا عليك توكلنا الخ، وهذا أحد احتمالين في البيضاوي ونصه: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير متصل بما قبل الاستثناء، أو هو أمر من اللّه للمؤمنين بأن يقولوا تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار اهـ.","part":7,"page":478},{"id":2937,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 479\rعلينا، فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا، أي تذهب عقولهم بنا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) في ملكك وصنعك\rلَقَدْ كانَ لَكُمْ يا أمة محمد جواب قسم مقدر فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ بدل اشتمال من كم بإعادة الجار يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي يخافهما أو يظن الثواب وقوله: أو هو أمر من اللّه الخ يجوز أن لا يكون من جملة مقالة إبراهيم، بل يكون أمرا من اللّه للمؤمنين بإضمار قولوا أي: اظهروا لهم العداوة ولا يهولنكم كثرة عددهم وعددهم، وقوله: ربنا عليك توكلنا الخ أي: قولوا عليك اعتمدنا وإليك رجعنا بالاعتراف من ذنوبنا وإليك المرجع في الآخرة اهـ زاده.\rوقوله: ربنا لا تجعلنا فتنة الخ الظاهر أنه دعاء متعدد لا ارتباط لكل بسابقه كالجمل المعدودة وليس هو وما بعده بدلا مما قبله كما قيل لعدم اتحاد المعنيين لا كلّا ولا جزءا ولا ملابسة بينهما سوى الدعاء اهـ شهاب.\rقوله: (أي لا تظهرهم علينا) أي: لا تنصرهم، وهذا المعنى هو المراد من اللفظ، وقوله: فيفتنوا بنا إشارة إلى المعنى الظاهر من اللفظ إذ ظاهره لا تجعلنا فاتنين لهم، وهذا المعنى لا تصح إرادته إذ المسلم لا يفتن الكافر حتى يتمنى نفي هذا المعنى، فالكلام كناية لأنه أريد لازم معناه، وقوله: أي تذهب عقولهم تفسير لقوله: فيفتنوا بنا ومعنى ذهابها ميلها عن الحق وخطؤها اهـ شيخنا.\rومحصله أن فتنة بمعنى اسم الفاعل أي: لا تجعلنا فاتنين لهم أي: سببا لافتتانهم ومزيد كفرهم، وفي البيضاوي: أنه بمعنى المفعول أي: لا تجعلنا مفتونين بهم، ونصه: بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله اهـ.\rقوله: (في ملكك وصنعك) لف ونشر مرتب.\rقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ الخ هذه الجملة تأكيد لقوله سابقا قد كانت لكم أسوة الخ أتى بها للمبالغة في التحريض على الحكم، واللام موطئة لقسم مقدر، وقوله: فيهم أي: في إبراهيم، ومن آمن به أي:\rبهم في التبري من الكفار اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم ولذلك صدره بالقسم اهـ.\rقوله: (بدل اشتمال) تبع فيه الكواشي وعبارة أبي حيان وغيره: بدل بعض من كل لأن من اسم موصول يطلق على الذوات المتصفة بالرجاء من المخاطبين، ولا شك أن ذلك لبعض المخاطبين لكنه لا بد من ضمير في بدل البعض وتقديره لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر منكم، والذي هو منهم بعضهم، وقد شرط في بدل الاشتمال أن يكون بعضا فإنهم جعلوا ضابط الاشتمال أن يكون بين البدل والمبدل منه ملابسة بغير الجزئية والكلية، فحصل من ذلك التأكيد والتقريع مع الشمول والعموم اهـ كرخي.\rوعبارة أبي السعود: بدل اشتمال من حيث ملاحظة صلة الموصول، أما من حيث ملاحظة نفسه","part":7,"page":479},{"id":2938,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 480\rوالعقاب وَمَنْ يَتَوَلَ بأن يوالي الكفار فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُ عن خلقه الْحَمِيدُ (6) لأهل طاعته\r* عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ من كفار مكة طاعة للّه تعالى مَوَدَّةً بأن يهديهم للإيمان فيصيروا لكم أولياء وَاللَّهُ قَدِيرٌ على ذلك وقد فعله بعد فتح مكة وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم ما سلف رَحِيمٌ (7) بهم\rلا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ من الكفار فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ فهو بدل بعض كما قال بعضهم، وفائدة هذا البدل الإيذان بأن من يؤمن باللّه واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وأن تركه من مخايل عدم الإيمان كما ينبئ عنه قوله: ومن يتول الخ فإنه مما يتوعد بأمثاله الكفرة اهـ.\rقوله: وَمَنْ يَتَوَلَ أي: عن التأسي بإبراهيم وأمته، وقول الشارح: بأن يوالي الكفار تفسير باللازم وجواب الشرط محذوف والمذكر تعليل له أي: فإن وبال توليه على نفسه اهـ شيخنا.\rقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ الخ لما أمر اللّه المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة، وعلم اللّه شدة ذلك على المؤمنين فوعد المسلمين بإسلام أقاربهم الكفار فيوالوهم موالاة جائزة وذلك من رحمة بالمؤمنين ورأفته بهم، فقال: عسى اللّه الخ اهـ من الخازن.\rقوله: مِنْهُمْ حال من الذين أي الحال كون الذين عاديتموهم من جملة الكفار، وقوله: طاعة للّه تعليل لقوله عاديتم أي عاديتموهم لأجل طاعة اللّه الخ اهـ.\rقوله: (على ذلك) أي: الجعل المذكور، وقوله: قد فعله الخ أي: بأن أسلم كثير منهم فصاروا للمؤمنين أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم اهـ خازن.\rقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ (لهم) أي: للذين عاديتموهم اهـ خازن.\rوالمراد أنه يغفر لهم ما سلف منهم في الكفر قبل أن يسلموا، فهذا كقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] اهـ شيخنا.\rوفي البيضاوي: واللّه غفور رحيم لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من الميل للرحم اهـ.\rقوله: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ الخ هذا ترخيص من اللّه تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فهو في المعنى تخصيص لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي [الممتحنة: 1] الخ وقوله: وهذا الأمر بجهادهم أي: كان هذا الحكم وهو جواز موالاة الكفار الذين لم يقاتلوا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: قيل: كان هذا الحكم لعلة وهي للصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى وهي مخصوصة بحلفاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بينهم وبينه عهد لهم لم ينقض قاله الحسن، وقال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحرث بن عبد مناف، وقال مجاهد: هي مخصوصة بالذين آمنوا ولم","part":7,"page":480},{"id":2939,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 481\rتَبَرُّوهُمْ بدل اشتمال من الذين وَتُقْسِطُوا تفضوا إِلَيْهِمْ بالقسط أي بالعدل، وهذا قبل الأمر بجهادهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) العادلين\rإِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عاونوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بدل اشتمال من الذين، أي تتخذوهم أولياء وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ بألسنتهن مُهاجِراتٍ من الكفار بعد يهاجروا، وقيل: يعني به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل فأذن اللّه في برهم حكاه بعض المفسرين، وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال: نعم خرّجه البخاري ومسلم اهـ.\rقوله: فِي الدِّينِ أي: دينكم أي لأجله. قوله: (بدل اشتمال) فالمعنى لا ينهاكم اللّه عن أن تبروهم أي: تحسنوا إليهم اهـ شيخنا.\rقوله: (تفضوا) إنما فسر بذلك ليصح تعدية تقسطوا بإلى: فضمن تقسطوا معنى تفضوا فعدي تعديته اهـ شيخنا.\rقوله: (أي بالعدل) فيه أن العدل واجب فيمن قاتل ومن لم يقاتل قاله ابن العربي، فالأولى تفسيره بأن يقال أي: تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: أي: لا ينهاكم اللّه عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم وهم خزاعة صالحوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا فأمروا ببرهم والوفاء بعهدهم إلى أجلهم حكاه الفراء، وتقسطوا إليهم أي: تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل قاله ابن العربي اهـ.\rقوله: وَأَخْرَجُوكُمْ أي: بأنفسهم وهم عتاة أهل مكة، وقوله: ظاهروا على إخراجكم وهم الذين لم يباشروا الإخراج بل عاونوا عليه من أهل مكة اهـ شيخنا.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما أمر اللّه المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام خوفا من موالاة الكفار، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبيّن أحكام المهاجرات من النساء بقوله: يا أيها الذين آمنوا الخ. قال ابن عباس: لما جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أن من أتى النبي من أهل مكة يرده إليهم وإن كان مسلما، جاءت سبيعة بصيغة التصغير بنت الحرث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي بالحديبية، فأقبل زوجها وكان كافرا وهو صيفي بن الراهب، وقيل: مسافر المخزومي فقال: يا محمد اردد عليّ امرأتي فأنت شرطت ذلك وهذه طية الكتاب لم تجف بعد، فأنزل اللّه: يا أيها الذين آمنوا الخ اهـ خطيب.\rفاستحلفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر بن الخطاب اهـ بيضاوي.\rقوله: (بألسنتهن) متعلق بمؤمنات أي: نطقن بالشهادتين أي: سواء مؤمنات بقلوبهن أو لا،","part":7,"page":481},{"id":2940,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 482\rالصلح معهم في الحديبية، على أن من جاء منهم إلى المؤمنين يرد فَامْتَحِنُوهُنَ بالحلف أنهن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام، لا بغضا لأزواجهن الكفار، ولا عشقا لرجال من المسلمين، كذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم يحلفهن اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ ظننتموهن بالحلف مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَ تردوهن وقوله: من الكفار حال من المؤمنات أي: حال كونهن من جملة الكفار أو متعلق بجاءكم، وقوله: بعد الصلح معهم متعلق بجاءكم أو بمهاجرات، وقوله: على أن من جاء منهم أي جاء مؤمنا اهـ شيخنا.\rقوله: فَامْتَحِنُوهُنَ (بالحلف) أي: التحليف أي: هل هن مسلمات حقيقة أو لا؟ وسبب الامتحان أنه كان من أرادت من الكفار إضرار زوجها قالت سأهاجر إلى رسول اللّه فلذلك أمر بالامتحان اهـ خطيب.\rقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ فائدة هذه الجملة بيان أنه لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج له الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر اللّه بعلمه قاله الزمخشري اهـ سمين.\rقوله: (ظننتموهن من الحلف) أي: بسبب الحلف أي: فالمراد بالعلم الظن وسمي علما إيذانا بأنه كالعلم في وجوب العمل به، ففي الكلام استعاره تبعية اهـ كرخي.\rوقوله مؤمنات أي: بقلوبهن أيضا. قوله: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ هذا ناسخ لشرط الرد بالنسبة للنساء على مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن، وقال بعضهم: ليس من قبيل النسخ، وإنما هو من قبيل التخصيص أو تقييد المطلق لأن العقد أطلق في رد من أسلم فكان ظاهرا في عموم الرجال مع النساء، فبيّن اللّه خروجهن عن عمومه ويفرق بين الرجال والنساء بأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى الخروج منه بإظهار كلمة الكفر مع التورية وإضمار كلمة الإيمان أو طمأنينة القلب عليه، ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته اهـ خطيب وخازن.\rوفي القرطبي: اختلف العلماء هل دخل النساء في عقد الهدنة لفظا أو عموما؟ فقالت طائفة منهم: قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظا صريحا فنسخ اللّه ردهن من العقد ومنع منه وأبقاه في الرجل على ما كان، وهذا يدل على أن للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجتهد في الأحكام ولكن لا يقر على خطأ، وقالت طائفة: لم يشرط ردهن في العقد لفظا وإنما أطلق العقد في رد من أسلم فكان ظاهره العموم لاشتماله عليهن مع الرجال، فبيّن اللّه تعالى خروجهن من عمومه اهـ.\rثم قال: وأكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسّلام عاهد عليه قريشا أن يرد من جاء منهم مسلما فنسخ من ذلك النساء، وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن، وقال بعض العلماء: كله منسوخ في النساء والرجال ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد إليهم من جاءه منهم مسلما لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز وهذا مذهب الكوفيين وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك اهـ.\rوعبارة شرح المنهج: ولو شرط في عقد الهدنة رد من جاءنا منهم أو أطلق بأن لم يشرط رد ولا عدمه لم يرد واصف إسلام بأن نطق بالشهادتين إلا إن كان في الأولى ذكرا حرا غير صبي ومجنون طلبته عشيرته إليها لأنها تذب عنه وتحميه مع قوته في نفسه أو طلبه فيها غيرها أي: غير عشيرته وقدر على","part":7,"page":482},{"id":2941,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 483\rإِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ أي أعطوا الكفار أزواجهن ما أَنْفَقُوا عليهن من المهور وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ بشرطه إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ مهورهن وَلا تُمْسِكُوا بالتشديد قهره ولو بهرب وعليه حمل رد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بصير لما جاء في طلبه رجلان، فقتل أحدهما في الطريق وأفلت الآخر رواه البخاري، فلا ترد أنثى إذ لا يؤمن أن يطأها زوجها أو تزوج كافرا، وقد قال تعالى:\rفَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ولا خنثى احتياطا ولا رقيق وصبي ومجنون، ولا من تطلبه عشيرته ولا غيرها أو طلبه غيرها، وعجز عن قهره لضعفهم، فإن بلغ الصبي أو أفاق المجنون ووصف الكفر ردّ وخرج بالتقييد بالأول وهو من زيادتي مسألة الإطلاق فلا يجب الرد مطلقا، انتهت.\rقوله: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ هذا بمنزلة التعليل لقوله: فلا ترجعوهن والجملة الأولى لنفي الحل حالا والثانية لنفيه فيما يستقبل من الزمان اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله: ولا هم يحلون لهن قيل: هو بأكيد للأول لتلازمهما، وقيل: أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو الحال ما داموا مشركين وهن مؤمنات اهـ.\rقوله: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا خطاب لولاة الأمور والأمر للوجوب، فيكون منسوخا سيذكره الشارح بقوله: ثم رفع هذا الحكم أو للندب كما هو مذهب الشافعي فليس منسوخا اهـ شيخنا.\rووجوب الإيتاء إنما هو في نساء أهل الذمة كما هو مورود الآية، فإنه وردت في شأن نساء أهل مكة الذين هادنهم صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما نساء الحربيين الذين لم يعقد لهم عقد فلا يجب ولا يسن رد مهورهن اتفاقا، وفي القرطبي: وآتوهم ما أنفقوا أمر اللّه تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الإمام ينفقه مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له مصرف، وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء، وقال قتادة في رد الصداق: إنما هو في أهل العهد فأما من لا عهد بينهم وبين المسلمين فلا يرد عليهم الصداق والأمر كما قال اهـ.\rومحل وجوب الرد أو ندبه إنما هو فيما إذا طلب المرأة زوجها الكافر، وعبارة شرح الرملي:\rوالقول الثاني يجب على الإمام إذا طلب الزوج المرأة أن يدفع إليه ما بذله من كل الصداق أو بعضه من سهم المصالح، فإن لم يبذل شيئا فلا شيء له، وإن لم يطلب المرأة لا يعطى شيئا اهـ.\rقوله: (أزواجهن) بدل من الكفار. قوله: (من المهور) أي: لأن المهر في نظير أصل العشرة ودوامها ولم تدم، فلا يجمع على الرجل خسارتان الزوجية والمالية، وأما الكسوة والنفقة فإنهما لما يتجدد من الزمان اهـ خطيب.\rقوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ أي: وإن كان أزواجهن الكفار لم يطلقوهن لا نفساخ العقد بالإسلام، وقوله: إذا أتيتموهن أجورهن ردّ لما يتوهم من أن ردّ المهر إلى أزواجهن الكفار مغن عن تجديد مهر لهم إذا تزوجهن المسلمون، فالمهر المدفوع للكفار لا يقوم مقام المهر الذي يجب على المسلم إذا تزوجهن، والمراد بإيتاء المهر التزامه وإن لم يدفع بالفعل اهـ شيخنا.\rقوله: (شرطه) وهو انقضاء العدة فيما إذا كانت المسلمة مدخولا بها والولي والشاهدان وبقية","part":7,"page":483},{"id":2942,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 484\rوالتخفيف بِعِصَمِ الْكَوافِرِ زوجاتكم لقطع إسلامكم لها بشرطه، أو اللاحقات للمشركين مرتدات لقطع ارتدادهن نكاحكم بشرطه وَسْئَلُوا اطلبوا ما أَنْفَقْتُمْ عليهن من المهور في صورة الارتداد ممن تزوجن من الكفار وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا على المهاجرات كما تقدم أنهم يؤتونه شروط الصحة في المدخول بها وغيرها اهـ شيخنا.\rقوله: (بالتشديد) أي للسين مع فتح الميم وضم التاء، وقوله: والتخفيف أي: للسين مع سكون الميم وضم التاء، والقراءتان سبعيتان اهـ شيخنا.\rقوله: بِعِصَمِ الْكَوافِرِ جمع عصمة وهي هنا عقد النكاح، والكوافر جمع كافرة كضوارب في ضاربة، وقوله: زوجاتكم أي: المتأصلات في الكفر اللآتي أسلمتم عليهن، وهذا النعت المقدر هو المعطوف عليه قوله: واللاحقات الخ وقوله: لقطع إسلامكم لها أي: للعصمة. أي: فصورة المسألة أن الزوج أسلم على زوجته الكافرة أي: فهذا نهي للمؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقيات في دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلا حتى لا يمنع زوجها من نكاح خامسة أو نكاح أختها في العدة، ومحل قطع إسلام الزوج للنكاح إذا لم تكن المرأة كتابية، أما إذا كانت كتابية فإن نكاحها لا ينقطع لأنه يجوز للمسلم ابتدء نكاحها فدوامه أولى، وفي القرطبي: والمراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان ممن لا يجوز للمسلم ابتداء نكاحها فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب اهـ.\rوقوله: بشرطه أي: شرط القطع وهو أن لا يجمعهما الإسلام في العدة فيما إذا كان بعد الدخول، وقوله: أو اللاحقات الخ وصورة هذه أن الزوجين مسلمان ثم أرتدت الزوجه، وقوله: لقطع ارتدادهن نكاحكم بشرطه وهو أن لا ترجع للإسلام في العدة فيما إذا كانت مدخولا بها، أما الردة قبل الدخول فتنجز الفرقة اهـ شيخنا.\rقوله: (في صورة الارتداد) هذا ظاهر فيما إذا كانت الردة قبل الدخول، لأن الفرقة من جهتها فلا تستحق شيئا من الصداق فيرجع عليها بجميعه، وأما إذا كانت بعد الدخول فقد استحقت المهر في مقابلة الوطء فلا يرجع الزوج بشيء منه، وقوله: ممن تزوجهن من الكفار مشكل إذ الرجوع في صورته إنما هو عليها لا على من يتزوجها، فلذلك قال العمادي والشهاب: إن قوله واسالوا ما أنفقتم منسوخ وإن لم ينبه عليه الشارح، وقد عرفت أن النسخ إنما هو بالنسبة للمدخول بها، وأما غير المدخول بها فالرجوع عليها مسلم لا نسخ فيه، فعلى دعوى النسخ تكون الآية منسوخة بالنسبة لإحدى الصورتين دون الأخرى، وخرج بصورة الارتداد صورة كفرهن الأصلي المذكورة بقوله: زوجاتكم لأن التفرقة جاءت من جهة الزوج فلا رجوع له عليها بشيء من الصداق، وهذا مسلم فيما إذا كان الإسلام بعد الدخول، أما إذا كان الإسلام قبل الدخول فإنه يرجع عليها بنصف الصداق إن كان قد دفع لها الكل، لأن الفرقة من جهته وهي تنصف المهر تأمل هذا المقام اهـ شيخنا.\rفإن تقييد الشارح كغيره من المفسرين الرجوع بمسألة الارتداد مشكل، فإن الرجوع إنما هو في إحدى صورتيها دون الأخرى، وكذلك صورة ما إذا أسلم عنها فإن الرجوع في إحدى صورتيهما دون الأخرى، فالحاصل أنه في مسألة ردتها يرجع عليها بكل المهر فيما إذا كانت الردة قبل الدخول ولا","part":7,"page":484},{"id":2943,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 485\rذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ به وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)\rوَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي واحدة فأكثر يرجع بشيء فيما إذا كانت بعده، وأنه في مسألة إسلامه عليها يرجع عليها بالنصف فيما قبل الدخول ولا يرجع بشيء فيما بعده فتأمل.\rقوله: (ممن تزوجهن من الكفار) تبع في هذا الخازن ونصه: يعني إن لحقت امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاطلبوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم اهـ.\rوعلى هذا تكون الآية منسوخة قطعا إذا المقرر في الفروع أن الرجوع عليها لا على من يتزوجها من الكفار فتأمل.\rقوله: وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا هذا راجع لقوله وآتوهم ما أنفقوا، فلذلك قال كما تقدم اهـ شيخنا.\rوفي الخطيب: قال المفسرون كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين: إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة ردوا إلى الكفار مهرها وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالين اهـ.\rقوله: ذلِكُمْ أي: الحكم المذكور في هذه الآيات، وقوله: يحكم بينكم استئناف أو حال بتقدير الرابط، وقد جرى عليه الشارح اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ فيه تفسيران، الأول: إبقاؤه على ظاهره. والثاني:\rحذف المضاف. وقد أشار إليهما بقوله أي: واحدة فأكثر، وبقوله: أو شيء من مهورهن، وفي السمين: قوله: شيء من أزواجكم يجوز أن يتعلق من أزواجكم بفاتكم أي: من جهة أزواجكم، ويراد بالشيء المهر الذي غرمه الزوج، لأن التفسير ورد أن الرجل المسلم إذا فرت زوجته إلى الكفار أمر اللّه المؤمنين أن يعطوه ما غرمه، وفعله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع جمع من الصحابة مذكورين في التفاسير، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لشيء ثم يجوز في شيء أن يراد به ما تقدم من المهور، ولكن على هذا لا بد من حذف مضاف أي: من مهور أزواجكم ليتطابق الموصوف وصفته، ويجوز أن يراد بشيء النساء أي: شيء من النساء أي: نوع وصنف منهن، وهو ظاهر وصفه بقوله: من أزواجكم، وقد صرح الزمخشري بذلك فإنه قال: وإن سبقكم وانفلت منه شيء من أزواجكم أي: أحد منهم إلى الكفار، وفي قراءة ابن مسعود أحد بدل شيء فهذا تصريح بأن المراد بشيء النساء الفارات اهـ.\rفأوفى كلام الشارح للتنويع في تفسير الشيء والتفسير الأول لا يستغني عن الثاني، لأن مدار الغرم على فوات المهر لا على فوات ذات المرأة ذات وإن كان حاصلا اهـ شيخنا.\rقوله: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ الخ راجع لقوله: وأسألوا ما أنفقتم أي: فإذا لم يعطوكم ما أنفقتموه، فيجب على الإمام أن يعوض الزوج الذي ارتدت زوجته مهرها من الغنيمة، فقوله: فآتوا خطاب للإمام اهـ شيخنا.\rروى أنه لما نزل قوله تعالى: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وليسألوا ما أنفقوا أدى المؤمنون مهور المؤمنات المهاجرات إلى أزواجهن المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور المرتدات إلى أزواجهن","part":7,"page":485},{"id":2944,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 486\rمنهن أو شيء من مهورهن بالذهاب إِلَى الْكُفَّارِ مرتدات فَعاقَبْتُمْ فغزوتم وغنمتم فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ من الغنيمة مِثْلَ ما أَنْفَقُوا لفواته عليهم من جهة الكفار وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) وقد فعل المؤمنون ما أمروا به من الايتاء للكفار والمؤمنين، ثم ارتفع هذا الحكم\rيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ كما كان المسلمين، فأنزل اللّه وإن فاتكم شيء الخ اهـ زاده.\rوفي الخازن: قال ابن عباس: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة مرتدات، فأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة اهـ.\rقوله: (مرتدات) حال من أزواج. قوله: (فغزوتم) أي: فهو من العقوبة أي: فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم اهـ سمين.\rقوله: مِثْلَ ما أَنْفَقُوا أي: سواء كانت الردة قبل الدخول أو بعده، فكان الحكم أنه يجب للزوج من الغنيمة جميع المهر. قوله: (لفواته عليهم من جهة الكفار) أي: فلما فوته الكفار على الأزواج اختص العزم بالغنيمة الجائية من جهتهم فيخرج منها قبل التخميس فهو بمنزلة دين واجب على الكفار اهـ شيخنا.\rقوله: (من الإيتاء للكفار) أي: إيتاء مهر من جاءت منهم مسلمة، فهذا راجع لقوله وآتوهم ما أنفقوا، وقوله: والمؤمنين أي: ومن الإيتاء للمؤمنين إيتاء مهر المرأة المرتدة لزوجها من الغنيمة، فهذا راجع لقوله: فآتوا الذين ذهبت أزواجهم وقوله: ثم ارتفع هذا الحكم أي: نسخ بشقيه فلا يجب دفع مهر من جاءت مسلمة للكفار، ولا مهر من ارتدت لزوجها سواء كانت الردة قبل الدخول أو بعده، وإنما التفصيل في رجوعه هو عليها، فإن كان قبل الدخول يرجع عليها بالجميع أو بعده لا يرجع عليها بشيء اهـ شيخنا.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ الخ نزلت لما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من بيعة الرجال يوم فتح مكة وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويبلغهن عنه أن لا يشركن باللّه شيئا، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان منتقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعرفها لما صنعت بحمزة يوم أحد، فقالت: واللّه إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان قد بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: قال عبادة بن الصامت: أخذ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما أخذ على النساء ألّا تشركوا باللّه شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يسخر بعضكم بعضا ولا تعصوني في معروف آمركم به اهـ.\rقوله: إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ الخ ظاهر التركيب أن النساء طلبن المبايعة على هذه الشروط المذكورة أي: أنهن التزمنها قبل أن يبايعهن النبي، وأنه أمر بعد ذلك بمبايعتهن على ما التزمن من هذه الشروط مع أن المقرر في السير أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ابتدأهن بالمبايعة شارطا عليهن هذه الشروط بعد أن","part":7,"page":486},{"id":2945,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 487\rيفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي دفنهن أحياء خوف العار والفقر وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ بايعهن التزمنها، ويمكن أن يقال أن التقدير في الآية: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك فبايعهن على أن لا يشركن باللّه شيئا الخ تأمل.\rقوله: يُبايِعْنَكَ مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والجملة في محل نصب على الحال المقدرة أي: حال كونهن طالبات للمبايعة اهـ شيخنا.\rقوله: شَيْئاً شيئا أي: من الإشراك. قوله: وَلا يَسْرِقْنَ لما قال النبي ولا يسرقن قالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله كذا وكذا، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى فهو حلال، فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفها، فقال لها: إنك لهند بنت عتبة. قالت: نعم واعف عما سلف عفا اللّه عنك، وفي رواية: أنه قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في البيعة: ولا يسرقن قالت هند: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل مسيك فهل عليّ حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي؟ قال: لا إلا بالمعروف، فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناقضة للبيعة المذكورة، فقال: لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف يعني من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة. قال ابن العربي: وهذا إنما فيما لا يخزنه في حجاب ولا يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصي به وتقطع يدها به. فلما قال: ولا يزنين. قالت: أو تزني الحرة؟ فلما قال: ولا يقتلن أولادهن قالت: ربيناهم صغار وقتلتموهم كبارا، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلما قال: ولا يأتين ببهتان الخ قالت: واللّه إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فلما قال: ولا يعصينك في معروف قالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فأقر النسوة بما أخذ عليهن من البيعة. قال ابن الجوزي: وكان جملتهن إذ ذاك أربعمائة وسبعا وخمسين امرأة ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام اهـ من الخازن والقرطبي.\rقوله: (من وأد البنات) في المصباح: وأد يئد وأدا من باب وعد دفن البنت حية فهي مؤودة اهـ.\rقوله: (أي دفنهن أحياء) فكان يفعل بذحك الرجال تارة والنساء تارة أخرى. وفي الخطيب في سورة التكوير ما نصه: قال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة وردت التراب عليها، وإذا ولدت غلاما أبقته، وكان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية أي: بنت ست سنين يقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيذهب بها إلى البئر ويقول لها انظري فيه ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب اهـ.\rقوله: يَفْتَرِينَهُ جملة حالية وفسرها بقوله: ينسبنه إلى الزوج، وقوله: ووصف الخ أي: لأن هذا الوصف أدخل في الحيلة وترويج الكذب، وقوله: فإن الأم الخ تعليل لكون هذا الوصف وصف الولد الحقيقي، وقوله: إذا وضعته أي: وضعت الولد الحقيقي، وقوله: بين يديها ورجليها أي: لأنه","part":7,"page":487},{"id":2946,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 488\rأَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج، ووصف بصفة الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها وَلا يَعْصِينَكَ فِي فعل مَعْرُوفٍ هو ما وافق طاعة اللّه، كترك النياحة، وتمزيق الثياب، وجز الشعور، وشق الجيب، وخمش الوجه فَبايِعْهُنَ فعل سقط بين رجليها إلى جهة أمامها اهـ شيخنا.\rقوله: يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَ ظرف لمحذوف هو حال من الضمير المنصوب في يفترينه أي:\rيختلقنه مقدرا وجوده بين أيديهن الخ اهـ زاده.\rقوله: (أي بولد) أشار به إلى أنه ليس المراد بالبهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن الزنا لتقدم ذكره، بل المراد به الولد تلتقطه المرأة فتنسبه إلى الزوج اهـ كرخي.\rقوله: (و وصف) أي: بقوله: بين أيديهن وأرجلهن اهـ خطيب.\rقوله: فِي (فعل) مَعْرُوفٍ يعني أن المراد بالمعروف ما عرف حسنه من قبل الشرع، وفي النهاية المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه والإحسان إلى الناس وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه اهـ شهاب.\rوفي الكرخي: وقيد بالمعروف في بيعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يكون تنبيها على أن غيره أولى بذلك وألزم يعني أنه إذا قيد معصية الرسول صلوات اللّه عليه بالمعروف مع جلالة قدره وعلو منزلته لأنه لا يأمر بالمعروف، فما ظنك بطاعة غيره في المعصية اهـ.\rوفي القرطبي: مسألة ذكر اللّه عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسّلام في صفة البيعة خصالا ستا صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الأمر وهي ستة أيضا: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة: وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان الاشتراط للتنبيه على الدائم آكد، وقيل: لأن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب فخصت بالذكر لذلك اهـ.\rقوله: (كترك النياحة الخ) أي: ومحادثة الرجال، وبالجملة فالمعنى ولا يعصينك في جميع ما تأمرهن اهـ كرخي.\rقوله: (و خمش الوجه) في المصباح: خمشت المرأة وجهها بظفرها خمشا من باب ضرب جرحت ظاهر البشرة، ثم أطلق الخمش على الأثر وجمع على خموش مثل فلس وفلوس اهـ.\rقوله: فَبايِعْهُنَ جواب إذا في أول الآية أي: التزم لهن ما وعدناهن على ذلك من إعطاء الثواب في نظير ما ألزمن أنفسهن به من الطاعات اهـ خطيب.\rفهو بيع لغوي والبيع في اللغة مقابلة شيء بشيء على وجه العوضية اهـ.\rوفي زاده: سميت المعاهدة مبايعة تشبيها لها بها، فإن الأمة إذا التزموا قبول ما شرط عليهم من تكاليف الشرع طمعا في ثواب الرحمن وهربا من عقابه وضمن عليه السّلام ذلك في مقابلة وفائهم","part":7,"page":488},{"id":2947,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 489\rذلك صلّى اللّه عليه وسلّم بالقول، ولم يصافح واحدة منهن وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم اليهود قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ أي من ثوابها مع إيقانهم بها بالعهد المذكور صار كأن كل واحد منهم باع ما عنده بما عند الآخر. قوله: (فعل ذلك) أي: المبايعة بالقول الخ، وقيل: صافحهن بحائل لما روي أنه بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب. وقالت أم عطية:\rلما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن عليه السّلام، فقال: أنا رسول اللّه إليكن لا تشركن باللّه شيئا الآية. فقلن: نعم فمدّ يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء ثم غمس يده فيه فغمس أيديهن فيه اهـ خطيب.\rوعن أسماء بنت يزيد بن السكن أنها قالت: كنت في النسوة المبايعات فقلت: يا رسول اللّه ابسط يدك نبايعك، فقال: «إني لا أصافح النساء ولكن آخذ عليهن ما أخذ اللّه عليهن» رواه البخاري اهـ كرخي.\rقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ أي: مما سلف منهن ومما يقع منهن في المستقبل اهـ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ لما افتتح السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياء ختمها بمثل ذلك تأكيدا لعدم موالاتهم وتنفيرا للمسلمين عنها قاله أبو حيان، وهذا على منوال رد العجز على الصدر من حيث المعنى اهـ كرخي.\rقوله: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نعت لقوما، وقوله: قد يئسوا نعت ثان أو حال. قوله: (اليهود) هذا هو سبب النزول، وذلك أن أناسا من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود بأخبار المسلمين ليصيبوا من ثمارهم، لكن أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود أنهم اليهود والنصارى أو عامة الكفار اهـ كرخي.\rقوله: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ يرد على هذا أنهم طامعون في ثواب الآخرة لأنهن يعتقدون أنهم على حق وأن تمسكهم بشريعة موسى ينفعهم فلا يكونون آيسين، ويمكن أن يقال المراد باليأس الحرمان أي: قد حرموا من ثواب الآخرة تأمل.\rقوله: مِنَ الْآخِرَةِ من لابتداء الغاية أي: أنهم لا يوقنون بالآخرة البتة. ومن أصحاب القبور فيه وجهان، أحدهما: أنها لابتداء الغاية أيضا كالأولى، والمعنى أنهم لا يوقنون ببعث الموتى البتة فيأسهم من الآخرة كيأسهم من موتاهم لاعتقادهم عدم بعثهم. والثاني: أنها لبيان الجنس يعني أن الكفار هم أصحاب القبور، والمعنى أن هؤلاء يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الذين هم أصحاب القبور من خير الآخرة، فيكون متعلق يئس الثاني محذوفا اهـ سمين.\rقوله: (مع إيقانهم بها) وذلك لأن اليهود وإن كانوا يؤمنون بالآخرة، إلا أنهم لما كذبوا خاتم النبيين حسدا وعنادا مع علمهم بأنه رسول صادق يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة ثواب الجنة اهـ زاده.","part":7,"page":489},{"id":2948,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 490\rلعنادهم النبي مع علمهم بصدقه كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ الكائنون مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (13) أي المقبورين من خير الآخرة إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا وما يصيرون إليه من النار.\rقوله: مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ من تبعيضية، ومدخولها في محل نصب على الحال أي: كما يئس الكفار حال كونهم بعض أصحاب القبور أي: بعض المقبورين، إذ المقبورون فيهم المؤمن والكافر، وهذا الإعراب هو الذي يناسب تقدير الشارح حيث قال: الكائنون، وفسر أصحاب القبور بقوله: أي المقبورين اهـ شيخنا.\rوبقي تفسيران آخران ذكرهما القرطبي ونصه: والمعنى كما يئس الكفار أي: الأحياء من الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم قاله الحسن وقتادة، وقال مجاهد: المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا اهـ.\rقوله: (إذ تعرض عليهم) ظرف ليئسوا، والمراد عرضها عليهم وهم في القبور، وقوله: لو كانوا آمنوا قيد للنسبة في قوله: مقاعدهم أي: التي كانت لهم لو آمنوا قبل الموت، وقوله: وما يصيرون إليه الخ معطوف على مقاعدهم اهـ شيخنا. واللّه أعلم.","part":7,"page":490},{"id":2949,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 491\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الصف مكية أو مدنية وهي أربع عشرة آية\rسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي نزهه، فاللام مزيدة، وجيء بما دون من تغليبا للأكثر وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (1) في صنعه\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ في طلب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية) قاله عكرمة والحسن وقتادة وجزم به الزمخشري، وقوله: أو مدنية هو المختار ونسب إلى الجمهور اهـ كرخي.\rقوله: وَما فِي الْأَرْضِ أعاد الموصول هنا، وفي الحشر، والجمعة، والتغابن جريا على الأصل، وأسقطه في الحديد موافقة لقوله فيها: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الحديد: 2 و5] وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الحديد: 4] اهـ من المتشابه.\rوفي الخطيب: فإن قلت: هلا قيل سبح للّه السموات والأرض وما فيهما فيكون أكثر مبالغة؟\rأجيب: بأن المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها، فإن قيل: ما الحكمة في أنه قال في بعض السور سبح بلفظ الماضي، وفي بعضها يسبح بلفظ المضارع، وفي بعضها سبح بلفظ الأمر؟ أجيب: بأن الحكمة في ذلك تعليم العبد بأن يسبح اللّه على الدوام، لأن الماضي يدل على الزمان السابق، والمضارع يدل على المستقبل، والأمر يدل على حال اهـ.\rقوله: لِمَ تَقُولُونَ استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله أما في الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل فيكون خلفا وكلاهما مذموم. قال الزمخشري: لم لام الجر داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك بم وفيم ومم وعم وإلام، وإنما حذفت الألف لأن ما وحرف الجر كشيء واحد ووقع استعمالها كثيرا في كلام المستفهم محذوفة الألف وجاء استعمال الأصل قليلا اهـ خطيب.\rوعبارة البيضاوي: ولم مركبة من لام الجر وما الاستفهامية والأكثر على حذف ألفها مع حرف الجر لكثرة استعمالها معا، فلذا استحقت التخفيف ولاعتناقهما في الدلالة على المستفهم عنه اهـ.","part":7,"page":491},{"id":2950,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 492\rالجهاد ما لا تَفْعَلُونَ (2) إذ انهزمتم بأحد\rكَبُرَ عظم مَقْتاً تمييز عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا فاعل كبر ما لا تَفْعَلُونَ (3)\rإِنَّ اللَّهَ يُحِبُ ينصر ويكرم الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا قوله: (في طلب الجهاد) قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى اللّه لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فأنزل اللّه عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا وأنزل: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ الآية فأخبروا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين وكرهوا الموت وأحبوا الحياة، فأنزل اللّه تعالى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ وقيل: لما أخبر اللّه تعالى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بثواب أهل بدر قالت الصحابة: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم اللّه بهذه الآية اهـ خازن.\rوفي القرطبي: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. روى الدارمي عن عبد اللّه بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى اللّه تعالى لعلمناه، فأنزل اللّه تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ حتى ختمها. قال عبد اللّه بن سلام: فقرأها علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى ختمها.\rوقال الكلبي: قال المؤمنون: يا رسول اللّه لو نعلم أحب الأعمال إلى اللّه تعالى لسارعنا إليها، فنزلت هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ فمكثوا زمانا يقولون لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهل فدلهم اللّه تعالى عليها بقوله: تؤمنون باللّه ورسوله وتجاهدون في سبيل اللّه الآية.\rفامتحنوا يوم أحد ففروا فنزل: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون تعييرا لهم بترك الوفاء. وقال ابن زيد:\rنزلت في المنافقين كانوا يقولون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا، فلما خرج النبي وأصحابه نكصوا عنهم وتخلفوا. وقال النخعي: ثلاث آيات في كتاب اللّه منعتني أن أقضي على الناس: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 44] وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [هود: 88]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ اهـ.\rقوله: (إذ انهزمتم بأحد) تعليل لقوله: ما لا تفعلون اهـ شيخنا.\rقوله: (تمييز) أي: نصبه على التمييز للدلالة على أن قولهم: هذا مقت خالص، وقوله: فاعل كبر أي والتمييز المذكور محول عنه والأصل كبر مقت قولهم أي: المقت الناشىء والمترتب على قولهم المذكور والمقت أشد البغض، ويجوز أن يكون كبر من باب نعم وبئس فيكون فيه ضمير منهم يفسره التمييز وأن تقولوا هو المخصوص بالذم أي: بئس مقتا قولكم اهـ كرخي.\rوقيل: إن كبر من أمثلة التعجب، وقد عدّه ابن عصفور في التعجب المبوب له في النحو، وإليه نحا الزمخشري، وقال: هذا من أفصح الكلام وأبلغه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله اهـ خطيب.\rوفي السمين: وهذه قاعدة مطردة وهي أن كل فعل يجوز التعجب منه يجوز أن يبنى على فعل بضم العين ويجرى مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام اهـ.","part":7,"page":492},{"id":2951,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 493\rحال أي صافّين كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (4) ملزق بعضه إلى بعض ثابت\rوَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي قالوا إنه آدر أي منتفخ الخصية، وليس كذلك، وكذبوه وَقَدْ للتحقيق تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ الجملة حال، والرسول يحترم فَلَمَّا زاغُوا عدلوا عن الحق بإيذائه أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أمالها عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5) الكافرين في علمه\rوَاذكر إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ لم يقل يا قوم، لأنه لم يكن له فيهم قرابة إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَ قبلي مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ قوله: (حال) أي: من الواو في يقاتلون، وقوله: أي: صافين مفعول محذوف أي أنفسهم، وقوله: كأنهم بنيان حال من الضمير المستتر في صفا بواسطة التأويل المذكور فهي حال متداخلة، وقوله: ملزق بعضه الخ أي: كأنما بني بالرصاص، وفي السمين: والمرصوص قيل المتلائم الأجزاء المستويها، وقيل: المعقود بالرصاص، وقيل: المتضام من تراص الأسنان اهـ.\rوفي البيضاوي: والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه وبابه رد اهـ مصباح.\rقوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الخ لما ذكر تعالى الجهاد المشتمل على المشاق ذكر قصتي موسى وعيسى تسلية لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصبر على أذى قومه مبتدئا بقصة موسى لتقدمه في الزمان، فقال: وإذ قال موسى اهـ خطيب.\rقوله: (و كذبوه) معطوف على قالوا إنه الخ. قوله: وَقَدْ [للتحقيق] أي: تحقيق علمهم أي لا للتقريب لا للتقليل، وفائدة ذكرها التأكيد والمضارع بمعنى الماضي أي: وقد علمتم، وعبّر بالمضارع ليدل على استصحاب الحال كما قال الجملة حال أي: مقررة لجهة الإنكار، فإن العلم برسالته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه لأن من عرف اللّه وعظمته عظم رسوله اهـ كرخي.\rقوله: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ظاهر هذا التركيب أن زيغ قلوبهم وميلها عن الحق سبب لإزاغة اللّه قلوبهم أي: صرفها عن الهدى مع أن الأمر بالعكس، لأن قلوبهم ما زاغت إلا من أجل أن اللّه أزاغها وصرفها عن الهدى فهذا التعليق مشكل، ويمكن أن يقال إن زيغهم المراد منه ترك ما أمروا به من احترامه صلّى اللّه عليه وسلّم، ويشير لهذا بقوله بإيذائه وهذا الترك سبب لصرف اللّه قلوبهم عن الحق وخلق الضلال فيها، وهذا الخلق موافق لما قضاه اللّه وقدره عليهم في الأزل من الشقاوة وعدم الاهتداء فليتأمل، فإن الإيراد أقوى من هذا الجواب. قوله: (في علمه) متعلق بالكافرين، وهذا جواب عما يقال إنه تعالى هدى كثيرا من الكافرين بأن وفقهم للإسلام ويحصل الجواب أن من أسلم منهم لم يكن كافرا في علمه تعالى أي محتوما عليه بالكفر بحيث يموت عليه اهـ شيخنا.\rقوله: (لأنه لم يكن له فيهم قرابة) عبارة الخطيب لأنه لا أب له فيهم، وإن كانت أمة منهم، فإن النسب إنما هو جهة الأب، انتهت.\rوعيسى لا أب له وأمه مريم من أشرفهم نسبا اهـ شهاب.\rقوله: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَ حال من الضمير المستكن في رسول اللّه لتأويله بمرسل وهو","part":7,"page":493},{"id":2952,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 494\rأَحْمَدُ قال تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ جاء أحمد الكفار بِالْبَيِّناتِ الآيات والعلامات قالُوا هذا أي المجيء به سِحْرٌ وفي قراءة ساحر، أي الجائي به مُبِينٌ (6) بيّن\rوَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ أشد ظلما مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته بالسحر وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) الكافرين\rيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة العامل في الحال بهذا الاعتبار، وكذا قوله مبشرا اهـ شيخنا.\rوالمعنى ديني التصديق بكتب اللّه وأنبيائه، وذكر أشهر الكتب الذي حكم به النبيون وأشهر الرسل الذي هو خاتم المرسلين اهـ من البيضاوي.\rقوله: يَأْتِي مِنْ بَعْدِي الجملة نعت لرسول وكذا قوله اسمه أحمد، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة بفتح الياء، والباقون بالسكون اهـ خطيب.\rقوله: اسْمُهُ أَحْمَدُ يحتمل أن يكون أفعل تفضيل من المبني للفاعل أي: أكثر حامدية للّه تعالى من غيره أي: كونه حامدا للّه، ويحتمل أن يكون أفعل تفضيل من المبني للمفعول أي: أكثر محمودية من غيره أي كون الخلق يحمدونه أكثر من كونهم يحمدون غيره، وبالاعتبار الأول قدم عيسى هذا الاسم على اسم محمد لأن كونه حامدا للّه تعالى سابق على حد الخلق له لأنهم لم يحمدوه إلا بعد وجوده في الخارج وحمده لربه كان قبل حمد الناس له، وذكر بعض حواشي البيضاوي: أن له أربعة آلاف اسم، وأن نحو سبعين منها من أسمائه تعالى اهـ شيخنا.\rوفي الكرخي: فإن قلت: كيف خص عيسى أحمد بالذكر دون محمد مع أنه أشهر أسماء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم؟ فالجواب: أنه إنما خصه بالذكر لأنه في الإنجيل مسمى بهذا الاسم، ولأنه اسمه في السماء أحمد فذكر باسمه السماوي لأنه أحمد الناس لربه لأن حمده لربه بما يفتحه اللّه عليه يوم القيامة من المحامد قبل شفاعته لأمته سابق على حمدهم له اهـ.\rقوله: (قال تعالى) جعل الضمير في جاءهم راجعا لأحمد، ويحتمل رجوعه لعيسى بل هو المتبادر من السياق وهما قولان حكاهما المفسرون. قوله: (أي المجيء به) اسم مفعول من جاء، وعبارة غيره: أي المآتي به اهـ.\rوأصل مجيء به مجيؤ به بوزن مضروب نقلت ضمة الياء للساكن قبلها وهو الجيم، فالتقى ساكنان الواو والياء فحذفت الواو فتعسر النطق بالياء بعد الضمة فكسرت الجيم لتسهيل الياء اهـ شيخنا.\rقوله: (و في قراءة ساحر) أي سبعية. قوله: (و وصف آياته) بالجر عطفا على نسبة.\rقوله: وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ جملة حالية أي يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على اللّه اهـ خازن.\rقوله: لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ في هذه اللام أوجه، أحدها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة. قال الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا كما جاء في سورة التوبة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له فيها من معنى الإرادة، وقال ابن عطية: واللام في ليطفئوا لام مؤكدة دخلت على المفعول،","part":7,"page":494},{"id":2953,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 495\rنُورَ اللَّهِ شرعه وبراهينه بِأَفْواهِهِمْ بأقوالهم، إنه سحر وشعر وكهانة وَاللَّهُ مُتِمُ مظهر نُورِهِ وفي قراءة بالإضافة وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (8) ذلك\rهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ يعليه لأن التقدير يريدون أن يطفئوا. الثاني: أنها لام العلة والمفعول محذوف أي: يريدون إبطال القرآن أو رفع الإسلام أو هلاك الرسول ليطفئوا. الثالث: أنها بمعنى أن الناصبة وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر، وإليه ذهب الكسائي أيضا اهـ سمين.\rقوله: (شرعه وبراهينه) أي: فنور اللّه استعارة تصريحية والإطفاء ترشيخ، وقوله: بأفواههم فيه تورية وكذا قوله: نوره، لكن قوله متم تجريد لا ترشيح له، وجعله في الكشاف استعارة تمثيلا لحالهم في اجتهادهم في إبطال الحق بحال من ينفخ الشمس بفيه ليطفئها تهكما وسخرية بهم اهـ شهاب.\rوعبارة القرطبي: يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم. الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه، وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال أخمدت السراج. وفي نور اللّه هنا أقاويل، أحدها: أنه القرآن يريدون ابطاله وتكذيبه بالقول قاله ابن عباس وابن زيد. الثاني: إنه الإسلام يريدون دفعه بالكلام قال السدي. الثالث: أنه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يريدون هلاكه بالأراجيف قاله الضحاك. الرابع: أنه حجج اللّه ودلائله يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم قاله ابن بحر. الخامس: أنه مثل مضروب بمن أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجه مستحيلا ممتنعا كذلك من أراد إبطال الحق حكاه ابن عيسى. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود أبشروا فقد أطفأ اللّه نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم أمره، فحزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه هذه الآية، واتصل الوحي بعدها؛ حكى جميعه الماوردي رحمه اللّه اهـ.\rقوله: (بأقوالهم) أي: التي لا منشأ لها غير الأفواه دون الاعتقاد في القلوب اهـ خطيب.\rقوله: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ جملة حالية من فاعل يريدون أن يطفئوا وقوله: وكره الكافرون حال من هذه الحال فهما متداخلان وجواب لو محذوف أي: أتمه وأظهره، وكذلك قوله: ولو كره المشركون اهـ سمين.\rقوله: (مظهر) نُورِهِ أي: بإظهاره في الآفاق فلا يرد السؤال وهو أن الإتمام لا يكون إلا عند النقصان فما معنى نقصان هذا النور؟ وإيضاح الجواب: أن إتمامه بحسب نقصان الأثر وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب إذ الظهور لا يظهر بالإظهار وهو الإتمام يؤيده قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراء بالإضافة) أي: سبعية. قوله: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (ذلك) أي: إتمام النور، فإن قيل: قال أولا ولو كره الكافرون، وقال ثانيا ولو كره المشركون، فما الحكمة في ذلك؟ أجيب:\rبأنه تعالى أرسل رسوله وهو من نعم اللّه تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء، فلهذا قال:\rولو كره الكافرون، لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق به، وأما قوله: ولو كره المشركون فذلك عند إنكارهم التوحيد","part":7,"page":495},{"id":2954,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 496\rعَلَى الدِّينِ كُلِّهِ جميع الأديان المخالفة له وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) ذلك\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ بالتخفيف والتشديد مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (10) مؤلم، فكأنهم قالوا نعم فقال\rتُؤْمِنُونَ تدومون على الإيمان بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) أنه خير وإصرارهم عليه، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا إله إلا اللّه فلم يقولوها، فلهذا قال: ولو كره المشركون اهـ خطيب.\rقوله: بِالْهُدى أي: بالبيان الشافي بالقرآن أو المعجزات اهـ خطيب.\rقوله: وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (ذلك) أي: إظهاره.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ الخ سبب نزول هذه الآية قولهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى اللّه لعملنا به، والاستفهام إيجاب وإخبار عن المعنى، وذكر بلفظ الاستفهام تشريفا لكونه أوقع في النفس اهـ خطيب.\rوفي القرطبي: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة قال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أذنت لي فطلقت خولة وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ولا أنام الليل أبدا ولا أفطر نهارا أبدا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل اللّه وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» فقال عثمان: وددت يا نبي اللّه أن أعلم أي التجارات أحب إلى اللّه فأتجر فيها فنزلت. وقيل: أدلكم أي: سأدلكم، والتجارة الجهاد قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [التوبة: 111] الآية. وهذا خطاب لجميع المؤمنين، وقيل:\rلأهل الكتاب اهـ.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان.\rقوله: تُؤْمِنُونَ الخ في محل رفع خبر مبتدأ مقدر أي: هي تؤمنون الخ. أو لا محل لها من الإعراب على أنها مستأنفة في جواب سؤال، كأنه قيل: ما هي اهـ سمين.\rوصنيع الشارح يشير إلى الثاني حيث قال: فكأنهم قالوا: نعم الذي هو بمنزلة أن يقولوا وما تلك التجارة اهـ.\rوفي الكرخي: قوله: تؤمنون جملة مستأنفة وقعت جوابا لمن قال نعم أو كيف نعمل، فأخبرهم بقوله: تؤمنون على الإيمان، لأن الخطاب مع المؤمنون ومحلها الرفع خبر مبتدأ مضمر أي: تلك التجارة تؤمنون، والخبر نفس المبتدأ فلا رابط وتؤمنون خبر في معنى الأمر، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه: «آمنوا باللّه ورسوله وجاهدوا» لأنه دلالة على التجارة المنجية وتعليم لها كما أشار إليه، والمعارف في التعليم هو الأمر والنهي، وفائدة العدول الإشعار بوجوب الامتثال وكأنهم امتثلوا فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين، ونظيره: قول الداعي غفر اللّه لك جعلت المغفرة لقوة الرجاء كأنه كانت ووجدت اهـ.\rقوله: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ هذا بمنزلة الثمن الذي يدفعه المشتري، وقوله: يغفر لكم الخ","part":7,"page":496},{"id":2955,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 497\rلكم فافعلوه\rيَغْفِرْ جواب شرط مقدر، أي إن تفعلوه يغفر لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)\rوَيؤتكم نعمة وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ بمنزلة المبيع الذي يأخذه المشتري من البائع في مقابلة الثمن المدفوع له اهـ شيخنا.\rقوله: بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ قدم الأموال على النفس لعزتها في ذلك الوقت، أو لأنها قوام النفس، أو لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق اهـ خطيب.\rقوله: ذلِكُمْ أي المذكور من الإيمان والجهاد، وقوله: خير لكم أي: من كل شيء، وقوله:\rإن كنتم تعلمون أشار الشارح إلى أن الجواب مقدر، إلى أن تعلمون متعد حذف مفعوله، والضمير في أنه وفي فافعلوه يعود لذلكم وقد علمت تفسيره اهـ شيخنا.\rوعبارة الكرخي: قوله: أنه خير لكم فافعلوه جعله كالزمخشري من حذف المفعول للعلم به اختصارا، وجعله القاضي منزلا منزلة اللازم حيث قال: إن كنتم من أهل العلم، لأن الجاهل لا يعتد بفعله فلا يثاب ولا يكون فيه خير، وتفسيره أبلغ وأدل على التوبيخ لدلالته على الشك في كونهم من أهل العلم مطلقا اهـ.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي: من تحت أشجارها وغرفها. روي عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فقال: على الخبير سقطت، سألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنها فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء في كل بيت سبعون سريرا في كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفا أو وصيفة فيعطي اللّه المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله» اهـ خطيب.\rقوله: ذلِكَ أي: المذكور من غفران الذنوب وإدخال الجنات المذكورة اهـ شيخنا.\rقوله: وَ(يؤتكم نعمة) أُخْرى أشار الشارح بتقدير هذا العامل إلى أن وأخرى مفعول بفعل مقدر، وهذا المقدر معطوف على الجوابين قبله وهو جواب ثالث، والمراد يؤتكم في الدنيا فهو إخبار عن نعمة الدنيا بعد الإخبار عن نعمة الآخرة اهـ شيخنا.\rوفي السمين: ويصح أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره تحبونها فيكون من الاشتغال، وحينئذ لا يكون تحبونها نعتا لأنه مفسر للعامل قبله اهـ.\rويصح أن يكون مبتدأ خبره نصر من اللّه وفتح قريب، ويصح خفضها عطفا على تجارة اهـ كرخي.\rقوله: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ خبر مبتدأ مضمر أي: تلك النعمة الأخرى نصر من اللّه، وقوله: قريب أي عاجل وهو فتح مكة أو فارس والروم، وقوله: وبشر المؤمنين معطوف على محذوف أي: قل يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم وبشر المؤمنين اهـ شيخنا.","part":7,"page":497},{"id":2956,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 498\rوَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) بالنصر والفتح\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ لدينه وفي قراءة بالإضافة كَما قالَ الخ، المعنى كما كان الحواريون كذلك الدال عليه قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي أو معطوف على تؤمنون فإنه في معنى الأمر كأنه قال: آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون وبشرهم يا رسول اللّه بما وعدتهم عليه عاجلا وآجلا وهذا ما جرى عليه في الكشاف لما تقدم، لأن سياق الكلام يدل عليه ووضع المؤمنين موضع الضمير للإشعار بأن صفة الإيمان هي التي تقتضي هذه البشارة اهـ كرخي.\rقوله: (و في قراءة بالإضافة) أي: سبعية، وعبارة السمين: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أنصارا منونا للّه جارا ومجرورا، والباقون أنصار اللّه غير منون مضافا للجلالة الكريمة، والرسم يحتمل القراءتين معا، واللام يحتمل أن تكون مزيدة في المفعول لزيادة التقوية لكون العالم فرعا إذ الأصل أنصار اللّه، وأن تكون غير مزيدة، ويكون الجار والمجرور نعتا للأنصار، والأول أظهر. وأما قراءة الإضافة ففرع الأصل المذكور ويؤيد قراءة الإضافة الإجماع عليها في قوله: نحن أنصار اللّه، ولم يتصور جريان الخلاف هنا لأنه مرسوم بالألف اهـ.\rقوله: (كما كان الحواريون كذلك) أي: أنصار اللّه، وقوله: الدال نعت للكون المنسبك المجرور بالكاف أي: ككون الحواريين كذلك، وأشار بهذا إلى جواب سؤال حاصله أن الآية تقتضي أن المشبه كون المؤمنين أنصار اللّه، والمشبه به قول عيسى لأصحابه ما ذكر وهذا لا يستقيم، بل المشبه به هو كون الحواريين أنصار اللّه المأخوذ من جوابهم بقولهم نحن أنصار اللّه. وحاصل الجواب: أن الكلام منظور فيه إلى المعنى، فإن المعنى كما كان الحواريون أنصار اللّه لما سألهم عيسى بقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قوله كما قال عيسى ابن مريم فيه أوجه، أحدها: أن الكاف في موضع نصب على إضمار القول أي: قلنا لهم ذلك كما قال عيسى. الثاني: أنها نعت لمصدر محذوف تقديره كونوا كونا قاله مكي وفيه نظر إذ لا يؤمرون بأن يكونوا كونا. الثالث: أنه كلام محمول على معناه دون لفظه، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى من أنصاري إلى اللّه؟ قلت: التشبيه محمول على المعنى وعليه يصح، والمراد كونه أنصارا اللّه كما كان الحوارين أنصار عيسى حين قال لهم من أنصاري إلى اللّه، وتقدم في آل عمران تعدي أنصاري بإلى، واختلاف الناس في ذلك اهـ.\rقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ظاهره أن النصرة له، وهذا لا يلائم جوابهم بقولهم: نحن أنصار اللّه، فجعلوا النصرة للّه، وأشار الشارح إلى أن الإضافة من إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر لما بينهما من الاختصاص بقوله: أي: من الأنصار الذين يكونون معي أي مصاحبين لي، وأشار إلى أن قوله إلى اللّه متعلق بمحذوف هو حال حيث قال متوجها إلى نصرة اللّه أي: حال كوني متوجها إلى نصرة اللّه اهـ شيخنا.\rوفي السمين: قال الزمخشري، فإن قلت: ما معنى قوله من أنصاري إلى اللّه؟ قلت: يجب أن","part":7,"page":498},{"id":2957,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 499\rإِلَى اللَّهِ أي من الأنصار الذين يكونون معي متوجها إلى نصرة اللّه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ والحواريون أصفياء عيسى، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا، من الحور وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ بعيسى وقالوا: إنه عبد اللّه رفع إلى السماء وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ لقولهم: إنه ابن اللّه رفعه إليه، فاقتتلت الطائفتان فَأَيَّدْنَا قوّينا الَّذِينَ آمَنُوا من الطائفتين عَلى عَدُوِّهِمْ الطائفة الكافرة فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (14) غالبين.\rيكون معناه مطابقا لجواب الحواريين بقولهم: نحن أنصار اللّه، والذي يطابقه أن يكون المعنى من جندي متوجها إلى نصر اللّه، وإضافة أنصاري خلاف إضافة أنصار اللّه، فإن معنى أنصار اللّه نحن الذين ينصرون اللّه، ومعنى من أنصاري من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة اللّه، ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع اللّه لأنه لا يطابق الجواب، والدليل عليه قراءة من قرأ من أنصار اللّه اهـ.\rقلت: يعني أن بعضهم يدعي أن إلى بمعنى مع أي من أنصاري مع اللّه، وقوله: قراءة من قرأ أنصار اللّه أي: لو كانت بمعنى مع لما صح سقوطها في هذه القراءة، وهذا غير لازم لأن كل قراءة لها معنى يخصها إلا أن الأولى توافق القراءتين اهـ.\rقوله: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ من إضافة الوصف إلى مفعوله أي: نحن الذين ننصر اللّه أي: ننصر دينه كما تقدم اهـ شيخنا.\rقوله: (و قيل كانوا قصارين) مقابل لقوله من الحور فهو في قوة قوله، وقيل: من التحوير وهو تبييض الثياب، فعلى هذا الحور قائم بالثياب التي يبيضونها، وعلى الأولى قائم بذواتهم. وفي المختار: والتحوير تبيض الثياب اهـ.\rقوله: فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مرتبط بمحذوف تقديره: فلما رفع عيسى إلى السماء أفترق الناس فيه فرقتين فآمنت طائفة الخ اهـ شيخنا.\rوفي الخازن: فآمنت طائفة قال ابن عباس: لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق، فرقة قالت: كان اللّه فارتفع، وفرقة قالت: كان ابن اللّه فرفعه إليه، وفرقة قالت: كان عبد اللّه ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان حتى بعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية اهـ.\rقوله: (فاقتتلت الطائفتان) أي: وظهرت الكافرة حتى بعث اللّه محمدا فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، وذلك قوله تعالى: فأيدنا الخ. وروى المغيرة عن إبراهيم قال: وأصبحت حجة من آمن بعيسى عليه السّلام ظاهرة بتصديق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن عيسى عليه السّلام كلمة اللّه وعبده ورسوله اهـ خطيب.\rقوله: فَأَصْبَحُوا أي: صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ظاهرين أي؛ غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا ولا يستخفون منه اهـ خطيب.\rانتهى بعونه تعالى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوله سورة الجمعة","part":7,"page":499},{"id":2958,"text":"الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 501\rفهرس محتويات الجزء السابع من الفتوحات الإلهية","part":7,"page":501}],"titles":[{"id":2,"title":"تحميد","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"فائدة:","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"فائدة: السور باعتبار الناسخ والمنسوخ أربعة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"فائدة: في تفصيل حروف القرآن ذكرها الإمام النسفي في كتابه مجموع العلوم ومطلع النجوم.","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"المقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"سورة البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":369,"title":"سورة آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":541,"title":"سورة النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":709,"title":"سورة المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":849,"title":"سورة الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":1021,"title":"سورة يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":1110,"title":"سورة الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":1150,"title":"سورة إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":1188,"title":"سورة الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1221,"title":"سورة النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":1305,"title":"سورة الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1406,"title":"سورة الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":1485,"title":"سورة مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1537,"title":"سورة طه","lvl":1,"sub":0},{"id":1600,"title":"سورة الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":1654,"title":"سورة الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":1708,"title":"سورة المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":1749,"title":"سورة النور","lvl":1,"sub":0},{"id":1810,"title":"سورة الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":1857,"title":"سورة الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1903,"title":"سورة النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":1960,"title":"سورة القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":2013,"title":"سورة العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":2043,"title":"سورة الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":2071,"title":"سورة لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":2090,"title":"سورة السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":2105,"title":"سورة الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":2163,"title":"سورة سبإ","lvl":1,"sub":0},{"id":2201,"title":"سورة فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":2231,"title":"سورة يس","lvl":1,"sub":0},{"id":2273,"title":"سورة الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":2325,"title":"سورة ص","lvl":1,"sub":0},{"id":2371,"title":"سورة الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":2416,"title":"سورة غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":2459,"title":"سورة فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":2495,"title":"سورة الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":2533,"title":"سورة الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":2570,"title":"سورة الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":2593,"title":"سورة الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":2610,"title":"سورة الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":2638,"title":"سورة محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":2663,"title":"سورة الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":2690,"title":"سورة الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":2712,"title":"سورة ق","lvl":1,"sub":0},{"id":2733,"title":"سورة الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":2752,"title":"سورة الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":2769,"title":"سورة النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":2797,"title":"سورة القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":2818,"title":"سورة الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":2844,"title":"سورة الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":2868,"title":"سورة الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":2892,"title":"سورة المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":2909,"title":"سورة الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":2930,"title":"سورة الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":2949,"title":"سورة الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":2958,"title":"فهرس محتويات الجزء السابع من الفتوحات الإلهية","lvl":1,"sub":0}]}