{"pages":[{"id":1,"text":"الترياق النافع بإيضاح وتكميل مسائل\rجمع الجوامع\rللإمام جامع أشتات الفنون * وكشاف سرها المصون\rلسان ميزان المعقول * وجهينة أفنان المنقول\rمولانا السيد الشريف * ذي الحسب المنيف\rفخر الدين والمسلمين\rأبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين\rالعلوي الحسيني الشافعي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rنحمدك اللهم حمداً لا يخرج بفضلك عن دائرة القبول * ونضرع إليك في تيسير الوصول إلى شم مراتب الأصول * ونصلي ونسلم على حبيبك الذي جمعت له جوامع الكلم والبيان * وأقمت الحجة بما جاء به من بينات الهدى والفرقان * سيد المرسلين مولانا محمد المصطفى * وعلى آله وصحبه أهل الصدق والوفا*\r(أما بعد) فإن كتاب جمع الجوامع للعلامة تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في أصولي الفقه والدين * كتاب أجمع فحول صيارفة التحقيق على بلوغه في الاختصار الدرجة التي لا ترام * واتفق عدول سماسرة التدقيق على أنه من الجمع والتهذيب بأرفع مقام * غير أن إجتلاء عرائس معانيه من رموز عباراته بعيد المنال * واقتناء نفائس جواهره من كنوز إشاراته صعب على الكثير من الرجال * وقد جاراه في ذلك السَّنَنْ الذي لا يهتدي غير الخريت إليه * شارحه العلامة جلال الدين المحلي رحمة الله عليه * فكأنهما نحتا من الحجارة العبارة روماً للاختصار * لما لهما في فنون الكلام من القوة والاقتدار * على أن كثيراً من الفضلاء قد بذلوا وسعهم في تحقيق ما للمتن والشرح من المصادر والموارد * واجتهدوا كل الاجتهاد في تفسير المبهم وتفصيل المجمل وتقييد الشوارد * ولكن الهمم خصوصاً في هذه الأزمنة مصابة بعضال داء القصور * والنفوس جانحة إلى الاسترواح في حضيض مذموم التكاسل والفتور * ولهذا أطرحهما جل أهل العصر في زاوية الترك والإهمال * وحرم الانتفاع بهما من قصر جواد فهمه عن اقتحام ذلك المجال (وقد اغتنمت) على حين غفلات من الدهر آناء كنت أذاكر فيها بعض طلبة ذينك الفنين * وانتهزت من بين أنياب العوائق فرصاً أوضحت لهم فيها جل مسائل ذينك الكتابين * ورأيت من البعض التعطش إلى الإطلاع على ما شملاه من المقصود * مع التثاقل عن صعود تلك العقبة الكود * فاستخرت الله سبحانه وتعالى في سبك معانيهما في قوالب عبارات واضحة المسالك * متبادرة المدارك * يجتني الراغب حال عرضها عليه ثمراتها اليانعة * ويتوصل الطالب إلى المقصود منها بمجرد المطالعة * اللهم إلا أن يكون أمياً لم تطرق نجايب ذهنه نادي ذلك الوادي * أو عامياً لا إلمام له بشيء من المبادئ * فالتقصير في ذلك منسوب إليه وخسارة المفرط عائدة بالملام عليه .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":")وقد التزمت) في هذا الكتاب استقصاء جميع مسائل المتن المذكور ، مع تفصيل ما ذكر فيه مجملاً ، وإيضاح ما أورد فيه مبهماً ، ونسبة مالم يعزه المصنف من الأقوال إلى من عرفته من قائليها وإلحاق ما أهمل من المسائل التي تدعو الحاجة إليها ، جارياً على ما جرى عليه من وضع تراجمه وتبويبه ، ولم أغير إلا فيما ندر من المسائل نسق ترتيبه ، ولم أترك من مسائل الشرح المذكور إلا ما يرجع إلى المناقشة في العبارة , أو كان خارجاً عن المقام أومستغنى عنه بذكره في موضع آخر مثلاً أو نحو ذلك وقد ادع عبارة الأصل والشرح بحالها وذلك حيث اتخذ السهولة مركباً ، ورضى الانسجام مذهبا .\r)وسميته الترياق النافع ، بإيضاح وتكميل مسائل جمع الجوامع )\rوالله أسأل أن ينفع به الخاص والعام ، وأن يجعله ذخيرة لمؤلفه يوم الزحام .\r)\rالكلام في المقدمات )\rأصول الفقه في الأصل مركب إضافي ثم نقله الأصوليون وجعلوه لقبا لهذا الفن مشعراً برفعة مسماه وله استمداد وموضوع وفائدة ومسائل وحد .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"( فاستمداده ): علم الكلام والعربية ومعرفة الأحكام ( وموضوعه ): الأدلة السمعية ( وفائدته ): العلم بأحكام الله تعالى المتعلقة بفعل المكلف ( ومسائله ): مطالبة الجزئية التي يطلب إثباتها فيه كمسائل الأمر والنهي وغيره ( وحده ): باعتبار مدلوله اللقبي على ما عرفه المصنف واختاره هو دلائل الفقه الإجمالية أي المسائل الكلية المبحوث فيها عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية، فأدلة الفقه الإجمالية كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي والإجماع والقياس موضوع هذا الفن، والقضايا التي يبحث فيها عن أحوال تلك الموضوعات نفس أصول الفقه كقولهم الأمر للوجوب حقيقة والنهي للتحريم كذلك وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة وهكذا، أما أدلة الفقه التفصيلية كقوله تعالى { أقيموا الصلاة } { ولا تقربوا الزنا } وصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة والإجماع على أن لبنت الابن السدس حيث لا عاصب لها وقياس الأرز على البر في منع بيعه متفاضلاً واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها فليست من أصول الفقه وإنما يذكر بعضها في كتبه للتمثيل، والنظر فيها إنما هو وظيفة الفقيه فإنه يتكلم على أن الأمر في نحو { أقيموا الصلاة } للوجوب والنهي في قوله تعالى { ولا تقربوا الزنا } للتحريم خلاف الأصولي فإنه إنما يتكلم على مقتضى الأمر والنهي من غير نظر إلى مثال خاص ( وقيل ): أصول الفقه معرفة تلك المسائل أي إدراك وقوعها فهي في قولهم مثلاً الأمر للوجوب إدراك وقوع ثبوت الوجوب حقيقة لمطلق الأمر وعلى هذا القياس ( وذهب ) إلى الأول من التعريفين القاضي أبوبكر الباقلاني وإمام الحرمين والإمام الرازي واختاره ابن دقيق العيد لأن الأدلة إذا لم تعلم لم تخرج عن كونها أصولاً ومشى على الثاني البيضاوي وابن الحاجب إلا أنه عبر بالعلم بدل المعرفة ولكل من التعريفين وجه لأن الفقه كما هو متفرع عن أدلته هو متفرع عن العلم بأدلته ( هذا ) تقرير ما اقتصر عليه المصنف في التعريفين وقال","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"الشارح: ما معناه الصواب أن مسمى أصول الفقه ثلاثة أمور ( الأول ): المسائل الكلية السابق ذكرها ( الثاني ): طرق استفادة دلائل الفقه التفصيلية عند تعارضها، وهي المرجحات التي سيذكر معظمها في الكتاب السادس، كتقديم الخاص على العام، والظاهر على المؤول، ونحو ذلك ( الثالث ): طرق مستفيدها، وهي صفات المجتهد المعبر عنها بشروط الاجتهاد المذكورة في الكتاب السابع، ( والأصولي ): العارف بالثلاثة المذكورة .\r( الفقه ): العلم بالإحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية، المراد بالعلم الظن القوي بالقوة أو الفعل والمراد بالحكم نسبة أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً وهي القضايا التي يحسن السكوت عليها والمراد بالشرعية المتوقفة على الشرع المبعوث به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمراد بالعملية المتعلقة بكيفية عمل قلبي كنية الوضوء أو غيره كسنية الوتر والمراد بالمكتسب المأخوذ من دليل والمراد بالتفصيلية المعينة كان ينصب دليل جزئي على حكم فقهي نحو { أقيموا الصلاة } المنصوب على وجوبها كما مر ( فخرج ) بقيد الأحكام العلم بغيرها من الذوات كتصور الإنسان ومن الصفات كتصور السواد (وخرج) بقيد الشرعية العلم بالأحكام العقلية كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين والحسية كالعلم بأن النار محرقة ( وخرج ) بقيد العملية العلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية كالعلم بوحدانية الله تعالى ورؤيته في الآخرة ( وخرج ) بقيد المكتسب علم الله والنبي وجبريل بتلك الأحكام والتفصيلية بيان للواقع .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"( والحكم ) في عرف الأصوليين خطاب الله أي كلامه النفسي المتعلق بفعل المكلف تعلقاً معنوياً قبل وجوده وتنجيزيا بعد البعثة من حيث أنه مكلف ( فخرج ) بفعل المكلف كلام الله المتعلق بذاته تعالى وصفاته وذوات الموجودات كمدلول { أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } { يوم تمور السماء } ( وخرج ) بقولهم من حيث أنه مكلف ما تعلق من الخطاب بفعل المكلف لا من حيث التكليف بل من حيث أنه مخلوق لله مثلاً كمدلول وما تعملون من قوله تعالى { والله خلقكم وما تعملون }\r) ثم الكلام النفسي ) الذي يعبر عنه الأصوليون بخطاب الله تعالى يدل عليه الكتاب والسنة والإجماع والقياس كما سيأتي فهي كاشفة للحكم لا مثبته له .\r( ومن أجل ) كون الحكم المتعارف عند الأصوليين هو خطاب الله كما سبق قال أهل السنة: لا حكم إلا لله أي لا يدرك الحكم إلا من جهة الله بواسطة خطابه فلا حكم قبل الشرع أي بعثة الرسل لقوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } أي ولا مثيبين بل الأمر موقوف إلى وروده ( والعقل ) لا يدرك الحكم من غير افتقار إلى الشرع خلافاً للمعتزلة، فإنهم زعموا أن الأفعال في حد ذاتها بقطع النظر عن أوامر الشرع ونواهيه يدرك العقل أحكامها وتستفاد منه، وإنما يجيء الشرع مؤكداً لذلك، فهو كاشف لتلك الأحكام التي يثبتها العقل، وبنوا عليه تحكيم العقل أي إدراكه الحكم في الأفعال قبل البعثة، قالوا فالضروري منها كالنفس في الهواء مقطوع بإباحته، والاختياري ينقسم إلى الأقسام الخمسة الواجب وغيره، فما أشتمل على مفسدة فعله فحرام كالظلم، أو تركه فواجب كالعدل، أو على مصلحة فعله فمندوب كالإحسان أو تركه فمكروه وإن لم يشتمل على مصلحة أو مفسدة فمباح، فإن لم يدرك العقل فيه مفسدة ولا مصلحة كأكل الفاكهة فلهم أقوال ثلاثة الحظر والإباحة والوقف.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"( والحسن والقبح ) بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته كحسن الحلو وقبح المر وبمعنى صفة الكمال والنقص كحسن العلم وقبح الجهل يحكم بكل منهما العقل، أي يدركه اتفاقاً بيننا وبين المعتزلة، وأما بمعنى ترتب المدح والذم عاجلاً والثواب والعقاب آجلا كحسن الطاعة وقبح المعصية فلا يحكم به إلا الشرع، ولا يؤخذ إلا منه خلافاً للمعتزلة، فإنهم قالوا أن العقل يدرك ذلك، اما ضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار, أو نظرا كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار، والشرع يجئ مؤكداً لذلك، أو باستعانة الشرع فيما خفي على العقل إدراكه كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أول يوم من شوال، ( لكن ) يرد عليهم كون وجوب شكر المنعم جل وعلا بالشرع، إذ لا يصح وجوبه عقلاً لأن العقل إذا خلى ونفسه لم يدرك فيه الحسن بالمعنى المتقدم، لأن المصلحة المشتمل عليها الشكر لا تخلو عن أن تكون راجعة إلى المشكور وهذا واضح البطلان، أو إلى الشاكر وهو كذلك لأن النعمة الواصلة إليه بالنسبة لمسديها حقيرة لا تستوجب شكراً، بل ربما أوجب الشكر عليها ضررا على الشاكر بالقياس على الشاهد، ألا ترى أنه لو شكر السلطان مثلاً على فلس بملأ كان ذلك الشكر ازدراء في حقه موجباً لعقوبة الشاكر، واتّضح أنه لولا أمر الله بالشكر على المنعم لم يكن الشكر واجباً، فهو إنما وجب بالشرع لا بالعقل ( قال ) العلامة البناني في حاشيته ما حاصله: أن مقتضى تعبير المتن والشرح هنا بوجوب الشكر إثم تاركه، وهو خلاف ما يفهم من الفروع، بل المفهوم منها أنه لا إثم على من ترك الشكر وغفل مطلقاً عن كون الله تعالى مولى النعم ولم يتحدث بها ولا لاحظ الخضوع لله انتهى .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"( والصواب ) امتناع تكليف الغافل وهو من لا يدري كالنائم والساهي والمجنون والسكران والمغمى عليه، لأن المطلوب من التكليف بالشيء الإتيان به بقصد الامتثال، وذلك متوقف على العلم بالتكليف والغافل لا يعلم ذلك فيمتنع تكليفه، ووجوب القضاء وضمان ما يتلفه إنما يحصل بعد زوال الغفلة عنه (والصواب ) أيضاً امتناع تكليف الملجاء، وهو من لا مندوحة له عما ألجئ إليه كالملقى من شاهق على شخص يقتله لا سعة له في الانفكاك عن الوقوع علية، لأن تكليفه بما الجئ إليه أو بنقيضه غير مقدور عليه، إذ الأول واجب الوقوع والثاني ممتنعه ( وقيل ) يجوز تكليف الغافل والملجأ وهو من لا مندوحة له عما ألجئ اليه كالملقى من شاهق على شخص يقتله لا سعة له في الانفكاك عن الوقوع عليه ، لأن تكليفه بما ألجئ اليه أو بنقيضه غير مقدور عليه ، إذ الأول واجب الوقوع والثاني ممتنعه ( وقيل ) يجوز تكليف الغافل والملجأ قياساً على التكليف بما لا يطاق كحمل الواحد الصخرة العظيمة، ورد بأن الفائدة منتفية في تكليفهما على ما زعمه الشارح، قال البناني ما معناه وما صرح به المصنف هنا من امتناع تكليف الملجاء مناف لما يأتي له من جواز التكليف بالمحال مطلقاً، وما زعمه الشارح من انتفاء الفائدة مردود، انتهى ( والصحيح ) عند المصنف امتناع تكليف المكره بكل من المكره عليه ونقيضه، ولو كان الفعل المكره عليه قتل مكافئه أو غيره، لأن الإمتثال المطلوب من التكليف لا يحصل بالفعل للإكراه فهو غير مقدور، ولا يمكن الإتيان بالنقيض مع الفعل لما يلزم عليه من الجمع بين النقيضين، وإثم القاتل الذي أجمعوا عليه إنما هو بإيثاره نفسه بالبقاء، والقائل بهذا ناظر إلى تعلق التكليف حال المباشرة ( وقيل) وبه قال الأشاعرة ورجع اليه المصنف أخيرا يجوز تكليف المكره بكل ما أكره عليه ونقيضه لقدرته على الامتثال بأن يأتي بما أكره عليه لداعي الشرع كمن أكره على أداء الزكاة فنواها عند أخذها منه أو","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"يأتي بنقيضه صابرا على ما أكره به كمن أكره على شرب الخمر فامتنع صابرا على العقوبة ، والقائل بهذا ناظر إلى تعلق التكليف قبل المباشرة ومنه يعلم أن القولين لم يتواردا على محل واحد، قال الشارح والتحقيق الأول، وقال البناني وما أشار إليه الشارح خلاف التحقيق وسيأتي الكلام على ذلك فيما بعد .\r( مذهب الأشاعرة ) أنه يتعلق الأمر والنهي والتخيير في الأزل بالشخص المعدوم تعلقاً معنوياً ، فعلى تقدير وجوده وبعثه الرسل وعلمه خطاب الله يكون مأموراً بذلك الكلام النفسي الأزلي ومنهياً به من غير تجدد طلب آخر ، لا تعلقاً تنجيزياً بأن يكون حالة عدمه مأموراً ومنهيا ، خلافاً للمعتزلة فإنهم قائلون بانتفاء التعلق ، لنفيهم الكلام النفسي الموصوف بالمتنوع إلى الأمر وغيره كما يأتي ، ونفي الموصوف يستلزم نفي الصفة .\r( ثم إن كان ) خطاب الله النفسي اقتضاء جازماً للفعل من المكلف بأن لم يجوز له تركه فهذا الخطاب يسمى إيجاباً كمدلول قوله تعالى { أقيموا الصلاة } ، أو كان اقتضاء غير جازم بأن جوز له تركه فيسمى ندباً كمدلول قوله تعالى { فمن عفى وأصلح فأجره على الله } ، أو كان اقتضاء جازماً للترك بأن لم يجوز له فعله فيسمى تحريماً كمدلول قوله تعالى { ولا تقربوا الزنا } أوكان اقتضاء غير جازم للترك بنهي مخصوص بالشيء فيسمى كراهة كالنهي في حديث الصحيحين ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) أو كان اقتضاء غير جازم للترك بنهي غير مخصوص وهو النهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها فيسمى خلاف الأولى كفطر مسافر لا يتضرر بالصوم وترك صلاة الضحى، أو كان الخطاب تخييرا بين فعل الشيء وتركه فيسمى إباحة كقوله تعالى { كلوا من الطيبات } ، (وقد علم ) مما مر حدود أقسام خطاب التكليف فيقال في حد الإيجاب هو خطاب الله المقتضي للفعل من المكلف اقتضاء جازماً وهكذا في سائرها .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"( ولفظا الفرض والواجب ) اسمان لمعنى واحد وهو الفعل المطلوب بالخطاب طلباً جازماً كما يعلم من حد الإيجاب فهما مترادفان عرفاً خلافاً لأبي حنيفة في نفي ترادفهما حيث قال، هذا الفعل المطلوب أن ثبت بدليل قطعي كالقرآن فهو الفرض كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى { فأقرءوا ما تيسر من القرآن، وإن ثبت بدليل ظني فهو الواجب كقراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بحديث الصحيحين ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) فيأثم بتركها ولا تفسد به الصلاة عنده بخلاف ترك القراءة ( قال الولي أبو زرعة العراقي ) في الغيث الهامع قال أصحابنا ونقض الحنفية أصلهم في أشياء، منها جعلهم مسح ربع الرأس والقعدة في آخر الصلاة فرضاً مع أنهما لم يثبتا بدليل قطعي انتهى، والخلاف المذكور عائد إلى اللفظ والتسمية إذ حاصله أن ما ثبت بدليل قطعي هل يسمى واجباً كما يسمى فرضاً وما ثبت بدليل ظني هل يسمى فرضاً كما يسمى واجباً فعنده لا وعندنا نعم، وعدم الفساد بالواجب عنده ليس ناشئاً عن التسمية التي الكلام فيها بل هو ناشئ عن ظنية الدليل الذي دل المجتهد على الحكم وهو أمر فقهي لا يضر في لفظية الخلاف .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"( والمندوب ) والمستحب والتطوع والسنة ومثلها الحسن والمرغب فيه والنفل أسماء لمعنى واحد وهو الفعل المطلوب بالخطاب طلباً غير جازم كما يعلم من حد الندب، فهي مترادفة عرفاً خلافاً للقاضي حسين وغيره كالبغوي والخوارزمي من أصحابنا في نفيهم ترادفها حيث قالوا هذا الفعل إن واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة، أولم يواظب عليه كأن فعله مرة واحدة أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله كالأوراد التي ينشئها الإنسان فهو التطوع، ولم يتعرضوا للمندوب لصحة حمله على كل من الأقسام الثلاثة فهو مرادف لكل منها، ومثل المندوب الحسن والنفل والمرغب فيه، والخلاف المذكور لفظي كسابقه إذ حاصله أن كلاً من الأقسام الثلاثة أعني الفعل الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم والذي لم يواظب عليه، والذي لم يفعله، هل يسمى بغير ما سمي به من الأسماء الثلاثة التي هي السنة للأول والمستحب للثاني والتطوع للثالث أم لا، فقال القاضي وموافقوه لا، إذ السنة الطريقة والعادة، والمستحب المحبوب لعدم تكرره، والتطوع الزيادة وقال الأكثر نعم إذ يصدق على كل قسم من الأقسام الثلاثة أنه طريقة وعادة في الدين ومحبوب للشارع بطلبه وزائد على الواجب ( ولا يجب ) إتمام المندوب بسبب الشروع فيه عند الشافعي، لأنه جائز الترك، ومنه ترك إتمامه المبطل لما فعل منه، خلافاً لأبي حنيفة ومالك في قولهما بوجوب إتمامه مستدلين بقوله تعالى { ولا تبطلوا أعمالكم } ، فيجب عندهما بترك إتمام المندوب قضاؤه وأجيب عن الآية بأنها مخصصة بما صححه الحاكم من رواية الترمذي ((الصائم ))المتطوع ((أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر))، ويقاس على الصوم غيره من المندوبات، وإنما وجب إتمام الحج المندوب لأن نفل الحج كفرضه في كثير من الأحكام، كالنية فإنها في كل من فرضه ونفله قصد الدخول في الحج، وكالكفارة فإنها تجب في كل منهما بالجماع المفسد له، وكعدم الخروج بالفساد فإن كلاً منهما يجب","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"المضي فيه بعد فساده، والعمرة كالحج فيما ذكر، وليس نفل غيرهما وفرضه سواء فيما ذكر كما هو معلوم .\rمطلب خطاب الوضع\r( وان كان الخطاب النفسي ) متعلقاً بكون الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً فيسمى خطاب وضع ، كما يسمى الخطاب المقتضي أو المخير خطاب تكليف ، وقد علم منه حد خطاب الوضع .\r( والسبب ) ما يضاف إليه الحكم لتعلقه به من حيث أنه معرف للحكم فيقال يجب الحد للزنا وتحرم الخمر للإسكار ، والتقييد بهذه الحيثية هو قول أهل الحق ، وهم جمهور أهل السنة ، وقالت المعتزلة من حيث أنه مؤثر فيه بذاته ، وقال الغزالي من حيث أنه مؤثر فيه بإذن الله تعالى ، وقال الآمدي من حيث أنه باعث عليه . ( هذا ما عرفه به في الأصل ) ، وعرفه في شرح المختصر كالآمدي بأنه الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم ، فخرج بقيد الظاهر الخفي كالعلوق بالنسبة للعدة فلا يكون سبباً لها لخفائه بل السبب الطلاق لظهوره ، ومعنى قوله المنضبط أي الموجود في جميع المواد ، كسفر أربعة برد فإنه سبب للقصر لعدم تخلفه ، ويخرج به ما لا ينضبط كالمشقة فيه لتخلفها في بعض الصور ، وخرج بالقيد الأخير المانع فإنه معرف لنقيض الحكم كما يأتي ، والتعريف الأول مبين للماهية بخاصتها ، والثاني مبين لمفهوم السبب ، وتعريف الشرط سيأتي في مبحث المخصص إن شاء الله تعالى .\r( والمانع ) هو الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض حكم السبب ، وذلك كالأبوة في باب القصاص فإنها مانعة من وجوب القصاص المسبب عن القتل ، ( لا يقال ) أن التعريف لا يشمل مانع السبب والعلة فيكون فاسداً ، لأن المراد بالمانع عند الإطلاق مانع الحكم ، وأما مانع السبب والعلة فلا يذكر إلا مقيداً بأحدهما ، وهو الوصف الوجودي المشتمل على ما يخل بحكمة العلة وسأتي في مبحث العلة إن شاء الله تعالى .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"( والصحة ) موافقة وقوع الفعل ذي الوجهين الشرع ، عبادة كان الفعل كالصلاة وإن لم تسقط القضاء ، او عقداً كالبيع ، والوجهان هما موافقة الشرع ومخالفته ، فخرج بموافقة وقوع الفعل مخالفته ، إذ هي البطلان كما يأتي ، وبذى الوجهين ما لا يقع إلا موافقاً كمعرفة الله تعالى فإن موافقته للشرع ليست من مسمى الصحة فلا يسمى هو صحيحاً . ( وقيل ) الصحة في العبادة اسقاط القضاء بمعنى عدم الأحواج إلى الفعل ثانياً فصلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين له حدثه فعل صحيح على الأول لاستجماعها ما يعتبر فيه شرعاً بحسب ظن المكلف ، وإن كان مخاطباً بالقضاء وغير صحيح على الثاني ، ( ويترتب بصحة العقد أثره ) وهو ما شرع له العقد كحل الانتفاع في البيع والاستمتاع في النكاح ، والمعنى أنه حيثما وجد فهو ناشئ عن الصحة ، لا أنها حيثما وجدت نشأ عنها ، حتى يرد عليه البيع قبل انقضاء الخيار مثلاً ، فإنه صحيح ولم يترتب عليه أثره ، ولا يقدح ترتبه على انقضاء الخيار المانع منه في كونه ناشئاً عنها ولو بعد مدة الخيار . ( ويترتب بصحة العبادة اجزاؤها ) وهو على القول الأول كفايتها في سقوط التعبد وإن لم يسقط القضاء ، فالصحة منشأ الإجزاء ، وعلى القول الثاني هو اسقاط القضاء فهي مرادفة للإجزاء ، ويختص الاجزاء بالمطلوب أصالة من العبادة واجباً كان أو مندوباً لا يتجاوزه إلى العقد المشارك في الصحة ( وقيل ) يختص بالمطلوب الواجب لا يتجاوزه إلى المندوب كالعقد ( ومنشأ الخلاف ) ما ورد من الأحاديث الموصوف فيها الفعل بالاجزاء كحديث ابن ماجه (( أربع لا تجزئ في الأضاحي)) ، فمن قال بندب الفعل كالأضحية هنا وهو مذهبنا قال يوصف بالاجزاء الواجب والمندوب ، ومن قال بوجوبها كأبي حنيفة قال لا يوصف به إلا الواجب .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"( ويقابل الصحة البطلان ) فهو مخالفة وقوع الفعل ذى الوجهين الشرع ( وقيل ) هو في العبادة عدم اسقاطها ، فالتقابل على الأول تقابل الضدين ، وعلى الثاني تقابل العدم والملكة ( ولفظا ا لفساد والبطلان ) اسمان لمسمى واحد ، فهما مترادفان خلافاً لأبي حنيفة في قوله ، إن مخالفة وقوع ما ذكر إن كانت بسبب كونه منهياً عنه لأصله وهو ما يتوقف عليه وجود الشيء ركناً كان أو شرطا فهي البطلان ، كما في الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان ، وكما في بيع الملاقيح ، وهي الأجنة لانعدام المبيع أي عدم تحققه وهو ركن في البيع ، وإن كانت مخالفته للشرع بسبب كونه منهياً عنه لوصفه فهي الفساد ، كما في صوم يوم النحر للاعراض عن ضياقة الله تعالى للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه ، ولو نذر صومه صح نذره فيه ويخرج عن عهدة نذره بصومه وإن كان فاسداً ، وكما في بيع الدرهم بالدرهمين لاشتماله على الزيادة فيأثم بالبيع ، ويفيد بالقبض الملك الخبيث ، أما الباطل فلا اعتداد به اتفاقاً .\r( والاداء ) في غير الصلاة فعل كل ما دخل وقته قبل خروجه واجباً كان أو مندوباً، وفيها على الراجح فعل ركعة منها قبل خروج الوقت مع فعل باقيها في الوقت أو بعده، لخبر الصحيحين ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة))، وقيل هو فيها كساير العبادات، والمؤدى على القولين ما فعل من كل العبادة في وقتها، ويزاد فيها على القول الأول وما فعل من الصلاة في الوقت وبعده أي لا ما فعل منها فيه فقط.\r( والوقت ) للمؤدى الزمان المقدر له شرعاً مطلقاً، موسعاً كان وهو ما يزيد على مقدار ما يسع وقوع العبادة كزمان الصلوات الخمس وسننها والضحى، أو مضيقاً وهو ما كان بمقدار وقوع العبادة كزمان صوم رمضان وأيام البيض، ومالم يقدر له زمان في الشرع كالنفل المطلق والنذر وغيره لا يسمى فعله أداء ولا قضاء، وإن كان الزمان ضرورياً لفعله .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"( والقضاء ) في الاصطلاح في غير الصلاة فعل بعض أو كل ما خرج وقت أدائه، واجباً كان أو مندوباً، استدراكاً لما سبق لفعله مقتض مطلقاً، وفيها على الراجح فعل كلها خارجه، أو بعض يكون المفعول معه في الوقت أقل من ركعة استدراكاً لما مر، ( وقيل ) هو فيها كسائر العبادات ( والمقضي ) المفعول الذي علم من تعريف القضاء .\r( والإعادة ) فعل الشيء ثانياً في وقت الأداء له، قيل لخلل في فعله أو لا من فوات شرط أو ركن كالصلاة بدون الطهارة سهواً أو بدون الفاتحة كذلك، وهذا هو المشهور الذي جزم به الإمام الرازي والبيضاوي وغيرهما ورجحه ابن الحاجب، ( وقيل ) لعذر من خلل في فعله أو لا من فوات شرط أو ركن كالصلاة بدون الطهارة سهوا أو بدون الفاتحة كذلك، وهذا هو المشهور الذي جزم به الإمام الرازي والبيضاوي وغيرهما ورجحه ابن الحاجب (وقيل) لعذر من خلل في فعله أو لا أو حصول فضيلة لم تكن في فعله أو لا، كالجماعة بعد الانفراد أو بعد جماعة وكان إمام الثانية أعلم أو أورع مثلاً أو الجماعة أكثر أو المكان أشرف، وهذا القول هو الموافق لاستعمال الفقهاء حيث أطلقوا الإعادة على فعل الصلاة في جماعة بعد أخرى الذي هو مستحب على الصحيح استوت الجماعتان أم لا، تردد فيه المصنف والشارح .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"( والحكم الشرعي ) ينقسم إلى رخصة وعزيمة، فالمتغير من حيث تعلقه التنجيزي من صعوبة على المكلف إلى سهولة، كالمتغير من الحرمة إلى الحل لوجود عذر مع قيام سبب الحكم الأصلي يسمى ما تغير إليه رخصة واجباً كان كأكل الميتة للمضطر، أو مندوباً كالقصر للمسافر لكن في سفر يبلغ ثلاثة أيام فصاعداً، أو مباحاً كالسلم، أو خلاف الأولى كفطر مسافر لا يجهده الصوم في رمضان، فحكم الأربعة الأصلي الحرمة، وأسبابها قائمة وهي الخبث في الميتة، ودخول وقتي الصلاة والصوم في القصر والفطر والغرر في السلم، وأعذارها الإضطرار، ومشقة السفر والحاجة إلى ثمن الغلات قبل ادراكها مثلاً ، والرخصة لغة السهولة . ( والحكم الذي لم يتغير ) كوجوب الصلوات الخمس، وما تغير إليه الحكم من سهولة إلى صعوبة كحرمة الاصطياد بالاحرام بعد إباحته قبله، أو من صعوبة إلى سهولة لا لعذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلاً لمن لم يحدث بعد حرمته بمعنى أنه خلاف الأولى أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي، كإباحة ترك ثبات الواحد مثلاً من المسلمين للعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته وسببها قلة المسلمين ولم تبق حال الإباحة لكثرتهم حينئذ، يسمى عزيمة، وهي لغة القصد المصمم .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"( والدليل ) عند الأصوليين الشيء الذي يمكن التوصل بالنظر الصحيح في حاله ووصفه إلى مطلوب خبري من علم أو ظن ( والنظر ) هنا مجرد الفكر، والفكر حركة النفس في المعقولات، وصحته كونه من الجهة التي من شأنها أن ينتقل الذهن بها إلى المطلوب كحدوث العالم، وهذا هو المسمى وجه الدلالة، والخبرى ما يخبر به، ( فخرج ) بتقييد النظر بالصحيح النظر الفاسد وهو ما انتفى عنه وجه الدلالة. (وخرج ) بتقييد المطلوب بالخبر المطلوب التصورى، فإن الموصل إليه ليس بدليل بل هو الحد والقول الشارح كما يأتي، ( والدليل ) عقلي وحسي وشرعي، والأول قطعي، والثاني والثالث ظنيان، والتعريف شامل للكل، ( فالأول ) كالعالم لوجود الصانع، وتقريره أن تقول: العالم حادث وكل حادث لابد له من صانع، فالعالم لابد له من صانع، ( والثاني ) كالنار لوجود الدخان، وتقريره أن تقول النار شيء محرق، وكل محرق له دخان، فالنار لها دخان، ( والثالث ) كقوله تعالى { أقيموا الصلاة } أمر بالصلاة، وكل أمر بشيء لوجوبه حقيقة، فأقيموا الصلاة لوجوبها أما الدليل عند المناطقة فهو اسم لمجموع المقدمتين الصغرى والكبرى فهو مركب عندهم مفرد كما علمت عند الأصوليين .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"( واختلف ) أئمتنا في العلم بالمطلوب الحاصل عندهم عقب النظر الصحيح هل هو مكتسب للناظر أم لا ( قال الأشعري ) والجمهور: نعم لأن حصوله عن نظره المكتسب له ( وقال الإمام الرازي والأقلون: لا ) لأن حصوله اضطراري لا قدرة له على دفعه والانفكاك عنه، والخلاف لفظي ( قال العلامة البناني: ) اختلف في حصول العلم بالنظر على أربعة أقوال: ( الأول ) أنه عادي يجوز تخلفه كما يجوز تخلف الاحراق عن مماسة النار وهو قول الإمام الأشعري، ( الثاني ) أنه لازم عقلاً لا يجوز انفكاكه فلا يتخلف كوجود الجوهر لوجود العرض، وهذا قول الإمام الرازي وهو المختار عند الجمهور، ( الثالث ) أنه متولد عن النظر كتولد حركة المفتاح عن حركة اليد، فهو عادي يجوز تخلفه وهذا قول المعتزلة، ( الرابع ) أن النظر علة مؤثرة بالذات في حصول العلم عقبه، وهذا قول الفلاسفة انتهى باختصار.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"( والحد ) عند الأصوليين ما يميز الشيء عما عداه، فيلزمه أن لا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود أي المراد بيانه فيكون جامعاً لها، وأن لا يدخل فيه شيء من غيرها فيكون مانعاً من دخول غيرها فيه كالحيوان الناطق حداً للإنسان، وهذا هو معنى قولهم المطرد المنعكس لأن المطرد هو الذي كلما وجد وجد المحدود فيلزمه المنع، أي لا يدخل فيه شيء من غير أفراد المحدود، والمنعكس على ما استظهره الشارع من كلام العضد وهو الذي كلما وجد المحدود وجد فيلزمه الجمع أي لا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود وعلى ما فسره به ابن الحاجب وغيره هو الذي كلما انتفى انتفى المحدود، ومؤداهما واحد لتلازمهما فحد الإنسان مثلا هو الحيوان الناطق، ويصدق عليه كونه جامعا مانعا وكونه مطردا منعكسا، إذ مؤداهما واحد بخلاف حده بالحيوان الكاتب بالفعل، فإنه غير جامع وغير منعكس، وبالحيوان الماشي فإنه غير مانع وغير مطرد، ( وأما الحد ) عند المناطقة فهو مخصوص بما تركب من ذاتيات الشيء، أي جنسه وفصله كالحيوان الصاهل للفرس وأما التعريف بالمركب من الذاتي والعرضي كتعريف الإنسان بالحيوان الضاحك أو بالعرضي فقط كتعريفه بالكاتب بالقوة، فيسمى عندهم رسماً لا حدا، فالحد عند الأصوليين مرادف للتعريف عند المناطقة.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"( والأصح ) أن الكلام النفسي في الأزل يسمى خطاباً حقيقة بتنزيل المخاطب المعدوم الذي سيوجد منزلة الموجود ( وقيل ) لا يسمى خطاباً حقيقة لعدم من يخاطب به إذ ذاك، وإنما يسمى حقيقة فيما لا يزال عند وجود من يفهم واسماعه إياه، والأول محكي عن الأشعري، والثاني عن القاضي أبي بكر الباقلاني، ولهذا قال الأشعري: إن المعدوم مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود، ( والأصح أيضاً ) عند الجمهور أنه يتنوع في الأزل إلى أمر ونهي وخبر وغيرها، ويكون تعلقه بالمخاطب تعلقا معنويا كما تقدم من أن الأمر وغيره يتعلق بالمعدوم تعلقا معنويا، أو يكون تعلقه بالمخاطب تنجيزيا بتنزيل المعدوم منزلة الموجود، لكن ينافيه قولهم لا حكم قبل الشرع، ( وقيل ) لا يتنوع إليها لعدم من تتعلق به هذه الأشياء إذ ذاك، وإنما يتنوع إليها فيما لا يزال عند وجود من تتعلق به فتكون الأنواع حادثة مع قدم المشترك، وهو قول القطان من أهل السنة، ويلزم على هذا القول وجود الجنس مجرداً عن أنواعه وهو محال ( قال الشارح ) وقدم المصنف هاتين المسألتين المتعلقتين بالمدلول في الجملة، على النظر المتعلق بالدليل الذي الكلام فيه لاستتباعه ما يطول، انتهى.\r( والنظر ) هو الفكر المؤدي إلى علم بمطلوب تصوري، أو إلى علم أو ظن بمطلوب خبري، فخرج الفكر غير المؤدي إلى ذلك كأكثر حديث النفس فلا يسمى نظراً.\r( والإدراك ) الذي هو وصول النفس إلى المعنى إن كان بغير مصاحبة حكم يسمى تصوراً فقط، فتصور الإنسان مثلاً هو ارتسام صورة منه في العقل بها يمتاز الإنسان عن غيره عنده ( والادراك ) مع الحكم الذي هو إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلباً تصديق فلابد حينئذ من أمور أربعة، محكوم عليه ومحكوم به ونسبة حكمية وحكم، مثاله إذا قلنا الإنسان كاتب فالإنسان المتصور محكوم عليه، والكاتب المتصور محكوم به، وثبوت الكتابة المتصور هو النسبة الحكمية، وأنها واقعة أو لاواقعة هو الحكم والمجموع تصديق.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"( والحكم ) بمعنى إدراك أن النسبة واقعة أو لاواقعة ينقسم إلى جازم، وهو ما لا يكون معه احتمال نقيض المحكوم به من وقوع النسبة أو لاوقوعها، وإلى غير جازم وهو ما يكون معه احتمال نقيض ما ذكر ( والجازم ) الذي لا يقبل التغير بالتشكيك بأن كان إلهاميا أو لموجب من حس أو عقل أو عادة فيكون مطابقا للواقع علم، كالتصديق بأن زيدا متحرك ممن شاهده متحركا، أو أن العالم حادث أو أن الجبل حجر ( والذي ) يقبل التغير بالتشكيك أو بالاطلاع على ما في نفس الأمر بأن لم يكن إلهاميا ولا لموجب برهاني اعتقاد ( والاعتقاد ) إن كان مطابقاً للواقع كاعتقاد المقلد أن الضحى مندوب فصحيح، وإن لم يطابق الواقع كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم ففاسد، ( والحكم غير الجازم ظن وشك ووهم ) فالظن هو الحكم الراجح على نقيضه لرجحان دليله، والوهم الحكم المرجوح لمرجوحية دليله على نقيضه، والشك هو الحكم على مجموع الأمرين على سبيل البدل لعدم المرجح، فهو بخلاف ما قبله حكمان كما قاله إمام الحرمين والغزالي وغيرهما الشك اعتقاد أن أي غير جازمين يتقاوم سببهما ( وقيل ) ليس الشك والوهم من التصديق، إذ الوهم ملاحظة الطرف المرجوح والشك التردد في الوقوع واللاوقوع ( قال بعضهم وهو التحقيق ) فما أريد مما تقدم من أن العقل يحكم بالمرجوح أو المساوى عنده ممنوع على هذا ( قال ) العلامة الناصر وهذا المنع حق لا شك فيه إذ الحكم إدراك أن النسبة واقعة أو لا واقعة وهذا إلادراك منتف في الشك والوهم قطعاً والحق أحق أن يتبع انتهى.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"( واختلفوا ) في قسم الحكم بالجازم المسمى بالعلم من حيث تصوره بالحقيقة لا من حيث مطلق التصور الشامل لتصوره بالرسم فقال الإمام الرازي في المحصول، هو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب انتهى ( فخرج ) بحكم الذهن الشك والوهم بناء على أنه لا حكم فيهما، وخرج بالجازم الظن وبقوله المطابق الإعتقاد التقليدي الغير المطابق، وبقوله لموجب الاعتقاد التقليدي المطابق، ( ثم قال الإمام ) في المحصول أيضاً هو ضروري، أي يحصل من غير نظر واكتساب، لأن علم كل أحد حتى من لا يتأتى منه النظر كالبله والصبيان بعلمه بوجوده أو التذاذه أو تألمه ضروري بجميع أجزائه التي هي تصور المحكوم عليه، وتصور المحكوم به وتصور النسبة والحكم، ومن جملتها تصور العلم بأنه موجود، والعلم بالوجود مثلا جزءي لمطلق العلم التصديقي، فيلزم أن يكون مطلق العلم التصديقي ضرورياً وهو المدعى ( وأجيب ) بعدم تسليم أن التصديق يعتمد التصور بالكنه والحقيقة، بل التصور بوجه ما كافٍ فيه فيكون الضروري تصور مطلق العلم التصديقي بالوجه لا بالحقيقة الذي هو محل النزاع ( ويجمع ) بين دعوى ضروريته وحده في كلام الإمام الرازي بأنه حده أو لا بناء على قول غيره من الجمهور أنه نظري، ثم قال أنه ضروري اختياراً كما دل عليه قوله في المحصل وعندي أن تصوره بديهي ( وقيل ) هو ضروري فلا يحد، إذ الفائدة في حد الضروري التي هي علم الحقيقة من ذلك الحد منتفية لحصوله من غير حد، نعم قد يحد الضروري لإفادة العبارة عنه، فإن الشخص قد يعرف حقيقة الشيء ولا يحسن التعبير عنها فيؤتى له بالحد ليستفيد بذلك التعبير عنها، فليس الحد المذكور حقيقياً لأن الحقيقة معلومة بدونه ( وقال إمام الحرمين ) هو نظري عسر أي وإنما يعرف بالتقسيم والمثال، ومال المصنف إلى هذا القول فقال فالرأي الإمساك عن تعريفه، أي بسبب عسر تصوره بالحقيقة لأنه لا يحصل إلا بنظر دقيق لخفائه، ( واختلف ) في علم المخلوقين هل يتفاوت في","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"جزئياته أم لا ( قال المحققون ) لا يتفاوت فيها سواء قلنا بإتحاد العلم أو بتعدده كما يأتي فليس العلم في بعضها وإن كان ضرورياً كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين أقوى في الجزم من بعض آخر وإن كان نظرياً كالعلم بأن العالم حادث فهو من قبيل المتواطئ كذا حكى إمام الحرمين في الشامل واختاره الابياري في شرح البرهان ( وقال الأكثرون ) أنه يتفاوت أي يكون علم أجلى من علم فالضروري مثلاً أقوى من النظري ( ثم القائلون ) بعدم تفاوته في جزئياته ذهب بعضهم إلى أنه لا يتعدد المعلوم بل هو صفة واحدة قياساً على علم الله وإنما تتفاوت المعلومات كثرة وقلة وهذا قول بعض الأشاعرة وذهب بعضهم إلى أنه يتعدد بتعدد المعلومات فالعلم بهذا الشيء غير العلم بذلك قالوا والقياس خال عن الجامع وهذا قول الأشعري وكثير من المعتزلة أما علم الله تبارك وتعالى فهو صفة واحدة لا تعدد فيها ولا تفاوت بحسب متعلقاتها اتفاقا، وينبني على قولي التفاوت وعدمه الخلاف في الإيمان بمعنى التصديق هل يزيد وينقص أم لا؟ فالقائل بعدم التفاوت يقول لا يزيد ولا ينقص، والقائل بالتفاوت يقول يزيد وينقص وهو الصحيح عند أهل الكلام .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"( والجهل ) انتفاء العلم بما من شأنه أن يقصد ليعلم وذلك بأن خلا الذهن عنه فلم يدرك أصلا ويسمى الجهل البسيط أو لم يخل وأدرك على خلاف ما هو به في الواقع كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم ويسمى الجهل المركب وسمي مركبا لاستلزامه لجهل آخر لأنه جهل المدرك بما في الواقع مع الجهل بأنه جاهل ( وقيل ) هو تصور ما من شأنه أن يعلم على خلاف ما هو في الواقع فالجهل البسيط على الأول ليس جهلاً على هذا ( وقول المصنف في التعريف الأول ) انتفاء العلم وفي الثاني تصور المعلوم مغن لإخراج البهيمة والجماد وكذا لإخراج النائم والغافل ونحوهما كما في شرح المواقف نقلاً عن الآمدي عن التقييد في قول غيره عدم العلم بعما من شأنه العلم لأن انتفاء العلم والتصور إنما يقالان فيمن من شأنه العلم بخلاف عدم العلم ( ويخرج ) بالتقييد في التعريفين بما من شأنه أن يعلم ما ليس من شأنه أن يعلم كأسفل الأرض وما فيه فلا يسمى انتفاء العلم به جهلاً ( والسهو ) الذهول عن المعلوم الحاصل فيتنبه له بأدنى تنبيه ( والنسيان ) زوال المعلوم بالكلية فيستأنف تحصيله.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"( مسألة ) الحسن هو فعل المكلف المأذون فيه شرعاً والمأذون فيه هو الواجب والمندوب والمباح فلا تخرج أقسام الحسن عن هذه الثلاثة ( وقيل ) أن الحسن ما مر وفعل غير المكلف أيضاً كالصبي والساهي والنائم والبهيمة نظراً إلى أن الحسن مالم ينه عنه لكن قال العلامة البناني: ما حاصله، أن من أبعد البعيد ذهاب أحد إلى أن فعل غير المكلف المنهي عن نوعه كسرقته موصوف بالحسن فالوجه تخصيص فعل غير المكلف الموصوف بالحسن بالمأذون انتهى ( والقبيح ) فعل المكلف المنهي عنه شرعاً ولو كان منهياً عنه بالنهي المستفاد من العموم، كالمستفاد من أوامر الندب، فيدخل فيه خلاف الأولى كما يدخل فيه الحرام و المكروه، ( وقال إمام الحرمين ) في الشامل ليس المكروه ولا خلاف الأولى قبيحاً، لأنه لا يذم عليه، وإنما يلام فقط، ولا حسناً لأنه لا يسوغ الثناء عليه بخلاف المباح فإنه يسوغ الثناء عليه وإن لم يؤمر به، وتبعه المصنف في شرح المختصر، على أن بعضهم جعل المباح واسطة أيضاً كالمكروه نظراً إلى أن الحسن والقبيح ما ترتب عليه طلب المدح والذم كما تقدم.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"( مسألة ) جائز الترك سواء كان واجبه كصوم الحائض أو جائزه كصوم المسافر ليس بواجب الفعل، بل هو إما جائزه كصوم المسافر أو ممتنعه كصوم الحائض، لأنه لو كان واجب الفعل لكان ممتنع الترك، لكنه ليس بممتنع الترك لأنه فرض جائزة فلا يكون واجب الفعل لئلا يجتمع النقيضان ( ومن المسائل الداخلة في هذا الأصل ) أن الحائض والمريض والمسافر لا يجب عليهم صوم شهر رمضان، لأنهم يجوز لهم تركه كما نص عليه الشافعي في الحائض، وخالف في ذلك كثير من الفقهاء فقال يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر، مع جواز الترك لهم، أما الوجوب فلقوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وهؤلاء شهدوه، ولأن وجوب القضاء عليهم بقدر الفائت يدل على أن القضاء بدل عن الفائت، وكونه بدلا يدل على أن الفائت واجب كبدله، وأما جواز الترك لهم فلعذرهم وهو الحيض المانع من الفعل أيضاً، والمرض والسفر الغير المانعين ( وأجيب ) بأن وجوب الصوم له سبب ومانع، ولا يتحقق الوجوب المذكور إلا بوجود سببه وانتفاء مانعه، وهو العذر فالإستدلال بالآية الشريفة على الوجوب حال العذر غير صحيح ( وقيل ) يجب الصوم على المسافر دون الحائض والمريض، لقدرة المسافر عليه وعجز الحائض عنه شرعاً وعجز المريض عنه حسا في الجملة، فإنه قد يعجز عنه وقد يمكنه لكن بمشقة تبيح الفطر، نقله ابن السمعاني عن الحنفية ( وقال الإمام الرازي ) يجب على المسافر دونهما أحد الشهرين الحاضر أو أخر بعده فأيهما اتى به فقد أتى بالواجب كما في خصال كفارة اليمين والخلاف راجع إلى اللفظ دون المعنى أي لا تظهر له فائدة كما قاله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، إذ ترك الصوم حالة العذر جائز اتفاقا والقضاء بعد زواله واجب اتفاقا، وحكى ابن الرفعة عن بعضهم أن الخلاف معنوي تظهر فائدته حيث قلنا يجب التعرض للأداء والقضاء في النية.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"( واختلفوا ) في المندوب هل يسمى مأموراً به تسمية حقيقية أو لا يسمى فقيل نعم، بناء على أن مادة أم حقيقة القدر المشترك بين الإيجاب والندب، أي طلب الفعل، ورجحه الآمدي والغزالي وابن الصباغ وقال القاضي أو الطيب: أنه الصحيح من مذهب الشافعي ( وقيل ) لا يسمى مأموراً به حقيقة بل مجازاً بناء على أن أ م ر حقيقة في القدر المشترك بين الإيجاب والندب أي طلب الفعل ورجحه الآمدي والغزالي وابن الصباغ وقال القاضي أبو الطيب إنه الصحيح من مذهب الشافعي وقيل لا يسمى مأمورا به حقيقة بل مجازا بناء على أن أ م ر حقيقة في الإيجاب كصيغة أفعل ورجحه الإمام الرازي والشيخ أبو حامد، قال الزركشي في شرحه وظاهر كلام المصنف أن الخلاف في كونه مأموراً به أم لا وإنما الخلاف في كونه حقيقة أو مجازاً نقله عنه أبو زرعة ثم قال: إذا قلنا أن الأمر به مجاز صح نفي أنه مأمور به، فإن علامة المجاز صحة النفي فصح ما قاله المصنف انتهى ( والأصح ) أن المندوب ليس مكلفاً به ومثله المكروه وخلاف الأولى، ومن أجل ذلك كان تعريف التكليف إلزام ما فيه كلفة من فعل أو ترك، لا طلب ما فيه كلفة على وجه الإلزام أو لا ويقابله قول القاضي أبي بكر الباقلاني: أن المندوب والمكروه بقسميه مكلف بهما كالواجب والحرام وزاد الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني على ذلك المباح، فقال أنه من حيث وجوب إعتقاد إباحته لتتم به الأقسام الخمسة وإلا فغيره مثله في وجوب الإعتقاد، ورد بأن العلم بحكم الشيء خارج عنه ( والأصح ) أن المباح ليس بجنس للواجب، بل هما نوعان لجنس المأذون في فعله، اختص الواجب بفصل المنع من الترك، واختص المباح بفصل الاذن في الفعل، والترك على السواء، وقيل أنه جنس له، وهذان القولان مبنيان على تفسير المباح، فمن فسره بالتخيير بين الفعل والترك قال: إنه ليس جنساً للواجب، لأنه لو كان جنساً للواجب كان الواجب مخيراً فيه بين الفعل والترك وهو محال، ومن فسره بعدم الحرج","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"قال أنه جنس للواجب، وثبوت عدم الحرج للواجب صحيح، ولهذا كان الخلاف لفظياً ( والأصح ) أن المباح أيضاً غير مأمور به من حيث هو فليس بواجب ولا مندوب، وقال الكعبي: إنه مأمور به فهو واجب مخير، أي من حيث أنه أحد الأمور التي يتحقق بكل منها الواجب الذي هو ترك الحرام كالكف عن نحو الغيبة لا يتحقق إلا بوجود مناف لها كالسكوت أو التكلم بغيرها، وما يتحقق بالشيء لا يتم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما سيأتي والخلاف راجع إلى اللفظ دون المعنى كما هو ظاهر ( والأصح ) أن الإباحة المستعملة في عرف الشرع حكم شرعي، وقال بعض المعتزلة لا، والأول مبني على أنها إذا أطلقت في لسان الشرع فالمراد بها التخيير بين الفعل والترك، ووجوده متوقف على الشرع كغيره من الأحكام، والثاني على أن المراد بها الإباحة الأصلية التي هي انتفاء الحرج عن الفعل والترك الثابت قبل ورود الشرع المستمر بعده اتفاقاً، فالخلاف لفظي ( والأصح ) أن الوجوب لشيء إذا نسخ ولم يبين الحاكم الناسخ بقى الجواز بالمعنى الشامل للمندوب والمكروه والمباح وخلاف الأولى، إذا لا دليل على تعيين أحدها، وبه قال الأكثرون ( وقيل ) تبقى الإباحة إذ بارتفاع الوجوب يرتفع الطلب وإذا ارتفع الطلب ثبت التخيير ( وقيل ) يبقى الاستحباب إذا المتحقق بارتفاع الوجوب انفتاء الطلب الجازم فيثبت الطلب غير الجازم ( وقال الغزالي ) لا يبقى الجواز بل يرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم لكون الفعل مضرة أو إباحة لكونه منفعة كما سيأتي في الكتاب الخامس .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"( مسألة ) الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة بالنوع كما في كفارة اليمين يوجب واحدا منها لا بعينه، ومرادهم بالواحد لا بعينه مفهومه الكلي من حيث تحققه في جزئي غير معين، وهو القدر المشترك بين تلك الاشياء ( وللمعتزلة أقوال ) فقيل أنه يوجب الكل فيثاب بفعلها ثواب فعل واجبات، ويعاقب بتركها عقاب ترك واجبات، ويسقط الكل بفعل واحد منها حيث اقتصر عليه، ( وقيل ) الواجب واحد منها معين عند الله، فإن فعله المكلف فقد صادف الواجب، وإن فعل غيره منها سقط الواجب بفعل ذلك الغير لأنه أتى ببدل الواجب، وهذا هو المسمى قول التراجم، لأن كلا من المعتزلة والأشاعرة ينسبه إلى الآخر والآخر ينكره، فاتفق الفريقان على بطلانه ( وقيل ) الواجب منها ما يختاره المكلف للفعل فالذي يفعله يظهر وجوبه بفعله، وتعرف المسألة على جميع الأقوال بالواجب المخير، ووجه التسمية ظاهر فإن فعل المكلف الكل على القول بأن الواجب واحد لا بعينه وفيها أعلا ثوابا وعقابا فقيل المثاب عليه ثواب الواجب أعلاها ثواباً، كالإعتاق في مسألة الكفارة عند الشافعية وإن ترك الكل بأن لم يأت بواحد منها، فقيل إن عوقب فعلى أدناها عقابا، فإن تساوت ثواباً أو عقاباً فعلى واحد منها، وقيل إن فعلت مرتبة فعلى أولها تفاوتت أو تساوت لتأدي الواجب به قبل غيره.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"( ويجوز ) عند أهل السنة تحريم واحد بعينه من أشياء معينة خلافاً للمعتزلة في منعهم ذلك كمنعهم إيجاب واحد لا بعينه في المخير السابق، فالخلاف هنا كالخلاف في المخير، فيقال على قياس المخير النهي عن واحد من أشياء معينة نحو لا تتناول السمك أو اللبن أو البيض يحرم واحدا منها لا بعنيه، وهو القدر المشترك بينها في ضمن أي معين منها كما سبق وقيل يحرم جميعها، وعلى هذا القياس في الباقي ( وقال ) بعض المعتزلة زيادة على أقوالهم في المخير، ولم ترد اللغة بالنهي عن واحد مبهم من أشياء معينة كما وردت بالأمر بواحد من أشياء وأجاب القائل عن قوله تعالى { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } ، بأنه نهي عن طاعتهما إجماعا، قلنا الإجماع لمستنده صرفه عن ظاهره.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"( مسألة ) الفرض نوعان فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين مهم يقصد حصوله جزماً بالنظر إلى فاعله من كل مكلف به ابتلاء له بتحصيل المطلوب منه، وفرض الكفاية مهم يطلب حصوله جزماً من غير نظر بالذات إلى فاعله، فالتقييد في التعريفين بطلب الحصول مخرج للمباح والمكروه بقسميه والحرام، وبالجزم مخرج للسنة عينا أو كفاية، وباقي التعريف الأول مخرج لفرض الكفاية وباقي التعريف الثاني مخرج لفرض العين، فإنه منظور بالذات إلى فاعله حيث قصد حصوله من كل عين أو من عين مخصوصة كالنبي عليه السلام فيما فرض عليه دون أمته، بخلاف فرض الكفاية فلا ينظر إلى فاعله إلا بالتبع ضرورة أنه لا يحصل بدون فاعل، والحد شامل لفرض الكفاية الديني كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف، وللدنيوي كالحرف والصنايع، وهو أفضل من فرض العين على ما زعمه الأستاذ أو إسحاق الاسفراءيني وإمام الحرمين وأبوه الجويني، لأنه يصان بقيام البعض به جميع المكلفين عن الإثم، وفرض العين إنما يصان بالقيام به عن الإثم، القائم به فقط ( قال الشارح ) والمتبادر إلى الأذهان وإن لم يتعرضوا له فيما علمت أن فرض العين أفضل، لشدة اعتناء الشارع به بقصد حصوله من كل مكلف في الأغلب انتهى ( واختلف ) في وجوب فرض الكفاية هل هو على البعض أو الكل؟ ( فقال الإمام الرازي ) واختاره المصنف أنه على البعض للاكتفاء بحصوله من البعض ( وقال الجمهور ) ومنهم والد المصنف هو على الكل لإثمهم بتركه ولعموم المقتضى، نحو قاتلوا أو يسقط بفعل البعض، ولا استبعاد في سقوط الواجب عن المكلف بفعل غيره، كما لو كان على رجلين دين فأدّاه أحدهما فإنه يسقط بفعل المودي دين غيره عنه وهو ظاهر نص الشافعي في الأم حيث قال، حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه لا يسع عامتهم تركه، وإذا قام به من فيه كفاية أجزأ عنهم إن شاء الله تعالى انتهى، وعلىالقول بوجوبه على البعض فالمختار أن البعض مبهم إذ لا دليل على أنه معين، فمن","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"قام به سقط الفرض بفعله وقيل البعض معين عند الله يسقط الفرض بفعله وبفعل غيره، كما يسقط الدَّين عن الشخص بأدائه وبأداء غيره، وقيل البعض من قام به لسقوطه بفعله، ( ثم التكليف ) بفرض الكفاية منوط بغلبة الظن فإن ظن كل طائفة أن غيره فعله سقط عن الكل، وإن ظن كلٌ أن غيره لم يفعله وجب على الكل ( ويصير ) فرض الكفاية بالشروع فيه مثل فرض العين في وجوب الاتمام على الأصح بجامع الفرضية، فيجب عليه إتمام صلاة الجنازة كما يجب الاستمرار في الكون في صف القتال جزما لما في الانصراف من كسر قلوب الجند، وإنما لم يجب على الأصح الاستمرار في تعلم العلم لمن أنس الرشد من نفسه، لأن كل مسألة مطلوبة برأسها منقعطعة عن غيرها، بخلاف صلاة الجنازة، ومنه يؤخذ أن المسألة الواحدة تتعين بالشروع فيها لارتباط بعضها ببعض، وهو كذلك، وقيل لا يجب إتمامه، والفارق أن القصد بفرض الكفاية حصوله في الجملة فلا يتعين حصوله ممن شرع فيه إلا الجهاد وكذا صلاة الجنازة على ما ذكره البارزي في التمييز تبعا للغزالي ومثلهما الحج والعمرة .\r( وسنة الكفاية ) كفرضها في ما تقدم، فهي مهم يطلب حصوله طلباً غير جازم من غير نظر بالذات إلى فاعله، كابتداء السلام وتشميت العاطس، وهي أفضل من سنة العين عند الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني وإمام الحرمين وأبيه، والمتبادر إلى الأذهان كما يفهم من كلام الشارح المار أن سنة العين أفضل، وهي مطلوبة من الكل عند الجمهور، ( وقيل ) من بعض مبهم وهو المختار، وقيل من بعض قام بها وتصير بالشروع فيها مثل سنة العين في تأكد طلب الاتمام على الأصح.\r( واعلم ) أن الزمان المتعلق بالعبادة إما أن يعين الشارع ابتداءه وانتهاءه وهو المؤقت أو لا وهو المطلق، والأول إما مساوٍ ولفعل العبادة وهو المضيق كصوم رمضان، أو ناقص عن فعلها وقصد إيقاع جميع العبادة فيه فهو تكليف بما لا يطاق، أو زائد على فعلها وهو الموسع وينبني على ذلك المسائل الآتية:","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"( مسألة ) أكثر الفقهاء وأكثر المتكلمين على إثبات الواجب الموسع، وأن جميع وقت الظهر مثلا جواز أو هو الوقت الذي لا يقع بعضها خارجه وقت لأدائه، ففي أي جزء منه أوقع فقد أوقع في وقت أدائه، ولذلك يعرف المؤدى بالواجب الموسع أي وقته، أما ما يقع بعضها خارجه فليس وقتا لأدائه وإن كان الفعل فيه أداء بشرطه، وهو كون المفعول فيه ركعة لا أقل كما تقدم في تعريف الأداء، ومن المعلوم أن الظهر مثال، ومثله كل ماله وقت موسع كبقية الواجبات والسنن المؤقته كصلاة العيد ( ولا يجب ) على مريد التأخير عن أول الوقت العزم فيه على الفعل في أثناء الوقت أو آخره وقال القاضي أبوبكر الباقلاني من المتكلمين وكثير من أهل السنة والقاضي عبد الجبار والجبائي وأبو هاشم من المعتزلة: يجب الفعل أول الوقت أو العزم فيه على الفعل أثناءه أو آخره، وصححه النووي في شرح المهذب ( قال العلامة البناني ) واعلم أن هذا القول هو الراجح عند الأصوليين وعند الفقهاء من الشافعية والمالكية انتهى .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"( وذهب قوم ) كثيرون إلى إنكار الواجب الموسع وقته بناء على أن وقت الأداء لا يفضل عن وقت الوجوب، ثم اختلفوا في وقت الأداء على أربعة أقوال، فقيل وقت أدائه هو القدر الذي يسع فعل العبادة من أول الوقت دون ما زاد على ذلك، لأن الفعل يجب بدخول الوقت فإن أخر عنه فقضاء وإن فعل فيما هو وقت عند غير هذا القائل حتى يأثم بالتأخير عن أوله كما نقله الإمام الشافعي رضي الله عنه عن بعضهم وإن نقل القاضي الباقلاني الإجماع على عدم الإثم، ومن أجل نقل القاضي الإجماع قال بعضهم: أن المفعول بعد أول الوقت قضاء يسد مسد الأداء ( وقيل ) وهو محكى عن الحنفية وقت أدائه الجزء الأخير من الوقت لانتفاء وجوب الفعل المضيق قبله، فإن فعله قبله في الوقت فتقديمه تعجيل للواجب مسقط له، كتعجيله الزكاة قبل وجوبها ( وقيل ) وهو المشهور عند الحنفية، وقت أدائه الجزء الذي وقع فيه فعل العبادة من الوقت على قول غيرهم، وإن لم يقع الفعل في الوقت فوقت أدائه الجزء الآخر من الوقت لتعينه للفعل حيث لم يقع فيما قبله ( وقال الكرخي ) إن قدم الفعل على آخر الوقت بأن فعل أوله أو أثناءه تبين وقوعه واجباً بشرط بقاء فاعله بصفة التكليف آخره فإن لم يبق كذلك كان جن أو مات وقع ما قدمه نفلاً فالأقوال غير الأول منكرة للواجب الموسع كما مر لإتفاقها على أن وقت الأداء بقدر الواجب فقط.\r( ثم من أخر الواجب الموسع ) مع ظن مانع كالموت عقب ما يسعه من الوقت عصى بالتأخير لظنه فوات الواجب به، فإن تخلف ظنه فعاش وفعله في الوقت فقال الجمهور: هو أداء إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه وقال القاضي أبوبكر الباقلاني من المتكلمين والقاضي الحسين من الفقهاء هو قضاء، لأنه فعله بعد الوقت الذي تضيق بظنه وإن بَانَ خطؤه. لكن قال الزركشي: أنه لا يعرف عن القاضي الحسين التصريح بذلك.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"( ومن أخر الواجب ) الموسع مع ظن السلامة إلى آخر الوقت من الموانع ومات فيه قبل أن يفعله فالصحيح أنه لا يعصي، لأن التأخير جائز له والفوات ليس باختياره ( وقيل يعصي ) وجواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة، أما الواجب الذي وقته العمر كالحج والصلاة الفائتة بعذر إذا أخره الشخص بعد القدرة على فعله ولو مع ظن السلامة من الموت إلى مضي وقت يمكن فعله فيه ومات قبل الفعل يكون عاصياً على الصحيح ( وقيل لا يعصي ) مطلقاً لجواز التأخير له ( وقيل ) يعصي الشيخ دون الشاب واختاره الغزالي وحكى ابن الجوزي عن الأصحاب تقدير التأخير المستنكر ببلوغه نحوا من خمسين أو ستين سنة وهو غريب والفرق بين هذا وبين محدود الطرفين خروج الوقت في الحج بالموت بخلاف الصلاة فإن وقتها باق، ونظير الحج أن يموت آخر وقت الصلاة فإنه يعصي بخروج الوقت، وهل العصيان في الحج بآخر سني الإمكان لجواز التأخير إليها، أو بأولها لاستقرار الوجوب حينئذ أو غير مستند إلى سنة بعينها، أقوال أرجحها الأول.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"( مسألة ) الفعل المقدور للمكلف الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب بوجوب الواجب عند الأكثر من العلماء، سببا كان ذلك الفعل أو شرطا، وسواء كانا شرعيين أو عقليين أو عاديين ( والواجب ) المطلق هو الذي يجب في كل وقت عينه الشارع لأدائه على كل مكلف إلا لمانع، ومعنى إطلاقه أنه مالا يكون وجوبه مقيداً بما يتوقف عليه وجود ذلك الواجب وذلك كوجوب الصلاة فإنه مطلق عن التقييد بما يتوقف عليه وجودها كالوضوء والإستقبال بل هو ثابت وإن لم يوجد فهو مطلق بالنسبة لهما، وكوجوب الزكاة فإنه مطلق عن التقييد بما يتوقف عليه وجودها كالافراز، فهو مطلق بالنسبة له، واحترزوا بالمطلق عما يكون نفس وجوبه مقيدا بما يتوقف عليه، كالصلاة وجوبها مقيد بالنسبة لدخول الوقت وكالزكاة وجوبها مقيد بالنسبة لملك النصاب، فإنه لا يوجب وجود مقدمته إذ لا يجب تحصيل النصاب مثلاً اتفاقا، واحترزوا بالمقدور عن غيره كحضور العدد في الجمعة، فإنه غير مقدور لأحآد المكلفين فلا يجب بوجوب الواجب وإن توقف الوجود عليه، وهذا أصح الأقوال، لأنه لو لم يجب لجاز تركه، ولو جاز تركه لجاز ترك الواجب المتوقف عليه، ( وقيل لا يجب بوجوب الواجب مطلقاً ) لأن الدال على الواجب ساكت عنه، ( وقيل ) يجب إن كان سبباً كإمساس النار لزيد فيما إذ أوجب إحراقه فإنه سبب لإحراقه، بخلاف الشرط كالوضوء للصلاة، فلا يجب بوجوب مشروطه بل يجب بوجه آخر والفرق أن ارتباط السبب بالمسبب أشد من ارتباط الشرط بالمشروط ( وقال إمام الحرمين ) واختاره ابن الحاجب يجب الشرط بوجوب مشروطه إن كان شرطاً شرعياً، كالوضوء للصلاة، لا إن كان الشرط عقلياً كترك ضد الواجب، أو عاديا كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه فلا يجب بوجوب مشروطه إذ لا وجود لمشروطه عقلا أو عادة بدونه فلا يقصده الشارع بالطلب، بخلاف الشرعي فإنه لولا اعتبار الشرع له لوجد مشروطه بدونه وسكت الإمام عن السبب، وهو لاستناد المسبب إليه في الوجود","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"كالشرط العادي والعقلي، فلا يجب كما أفصح به ابن الحاجب في مختصره الكبير مختار القول الامام، وقول المصنف في دفعه السبب أولى بالوجوب من الشرط الشرعي ممنوع كما قاله الشارح ( ويؤيد ) المنع أن السبب ينقسم كالشرط إلى شرعي كصيغة الإعتاق له، وعقلي كالنظر للعلم عند الإمام الرازي، وعادي كحز الرقبة للقتل، واعلم أنه دخل فيما لا يتم الواجب إلا به جزء الواجب وليس مراداً هنا لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا بلا خلاف، هذا حاصل ما في المسألة.\r( ومن الواجب ) ترك المحرم فلو تعذر ترك محرم إلا بترك غيره من الجائز وجب ترك ذلك الجائز، لأنه لا يتم الواجب الذي هو ترك الحرام إلا به ، كما لو اختلطت نجاسة بماء قليل طاهر فيجب الكف عن استعماله، كذا مثله الشارح، وهو إنما يتمشى على قواعد أبي حنيفة من أن الماء جوهر طاهر، والطاهر إن ألقيت فيه النجاسة لا يصير نجساً لأن قلب الأعيان ليس في وسع العباد، بل هو باق على أصل الطهارة، وإنما وجب اجتنابه لاختلاطه بالنجاسة، أما على مذهبنا من تنجس الجميع فلا لكن اشتهر أن المثال يتسامح فيه، ويكتفى فيه بالفرض فضلاً عن كونه على قول، ( ومثله ) ما إذا عرض مانع يمكن زواله كما لو اشتبهت منكوحة رجل بأجنبية منه فيحرم قربانهما عليه ما دام الاشتباه، وما لو طلق معينة من زوجتيه ثم نسيها فيحرم قربانهما عليه ما دام ناسياً.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"( مسألة ) مطلق الأمر بكلي لا يتعلق بالمكروه لذاته من جزئياته، خلافا للحنفية في قولهم يتناوله ( دليلنا ) لو تعلق بالمكروه لكان الشيء الواحد مطلوب الفعل والترك من جهة واحدة وذلك تناقض، فلا تصح الصلاة في الأوقات التي كرهت فيها الصلاة التي ليس لها وقت ولا سبب متقدم على الصحيح، سواء أقلنا أنها كراهة تحريم وهو الأصح، أو قلنا أنها كراهة تنزيه فتكون فاسدة غير معتد بها ولو مع جوازها على القول بكراهة التنزيه فلا يثاب عليها ( وقيل ) أنها على كراهة التنزيه صحيحة فيثاب عليها والنهي عنها راجع إلى أمر آخر كموافقة عباد الشمس في سجودهم عند طلوعها وغروبها كما في حديث مسلم، والنهي لأمر خارج لا يفيد الفساد كما سيأتي وبرجوع النهي فيها لأمر خارج تخلص الحنفية والمالكية القائلون بصحتها مع كراهة التحريم من استشكال كونها صحيحة من كون النهي للتحريم كالصلاة في المغصوب، أما الصلاة في الأمكنة المكروهة كأعطان الإبل وقارعة الطريق فصحيحة، والنهي عنها لخارج جزما كنفار الإبل في الأولى ومرور الناس في الثانية، وكل منهما شاغل للقلب ومشوش للخشوع والاحتراز بمطلق الأمر لاخراج المقيد بغير المكروه فلا يتناوله قطعاً.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"( واختلفوا ) في الواحد بالشخص الذي له جهتان لا لزوم بينهما فهل يجوز الأمر به من وجه والنهي عنه من وجه، وذلك كالصلاة في المغصوب فإنها صلاة وغصب ولا لزوم بينهما بل يوجد كل منهما بدون الآخر، فقال الجمهور من العلماء تصح الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً نظراً لجهة الصلاة المأمور بها، ولا يثاب فاعلها عقوبة له من جهة الغصب ( وقيل ) يثاب من جهة الصلاة وإن عوقب من جهة الغصب فقد يعاقب بغير حرمان الثواب أو بحرمان البعض، قال الشارح: وهذا هو التحقيق، والأول تثريب رادع عن إيقاع الصلاة في المغصوب فلا خلاف في المعنى انتهى ( وقال القاضي ) أبوبكر الباقلاني والإمام الرازي لا تصح الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً نظرا لجهة الغصب المنهي عنه، ومع عدم الصحة يسقط طلب الصلاة عندهما لا بها، لأن غالب السلف لم يأمروا بقضائها مع علمهم بها، وقد تقدم أن سقوط الطلب عند القاضي والإمام ليس لازماً للصحة بل يجامع فساد العبادة كما هنا ( وقال الإمام أحمد ) لا صحة لها ولا سقوط للطلب عندها ( وقال إمام الحرمين ) وقد كان من السلف متعمقون في الفتوى يأمرون بقضائها.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"( والخارج ) من المكان المغصوب تائباً من الغصب مسرعاً سالكاً أقرب الطرق وأقلها ضرراً آتٍ بواجب عند الجمهور لوجود حقيقة التوبة بما هو آت به من الخروج حال التوبة، والغيت جهة ضرر شغل ملك الغير بالخروج لدفعه ضرر المكث الذي هو أشد ( وقال أبو هاشم ) من المعتزلة هو آت بحرام لأن الخروج شغل بغير إذن كالمكث، والتوبة إنما تتحقق بالإقلاع ولا إقلاع إلا عند انتهاء الخروج، وهذا يخل بأصله الآتي الذي هو امتناع التكليف بالمحال، لأن الخروج مساو لنقيض المكث وارتفاع الشيء والمساوي لنقيضه محال ( قلت ) وما نقله العلامة البناني عن شيخ الإسلام من تعليل النقض بأنهما ضدان وإن اجتماعهما محل غير مستقيم لأن الخروج والمكث ليسا ضدين ولو كانا ضدين لكان ارتفاعهما المطلوب بالتحريم ممكناً لا محالاً ( وقال إمام الحرمين ) هو مرتبك في المعصية مع إنقطاع تكليف النهي عنه من طلب الكف عن الشغل بخروجه تائباً المأمور به فلا يخلص به منها لبقاء ما تسبب فيه بدخوله من الضرر الذي هو حكمة النهي، قال المصنف وهو دقيق.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"( واختلفوا ) في الساقط على جريح بين جرحى مثلاً، سواء أكان باختياره أو بغير اختياره يقتله استمراره عليه ويقتل كفء الجريح في صفات القصاص انتقاله لعدم موضع يعتمد عليه إلا بدن كفء الجريح الذي سقط عليه، كان سقط عبد مثلاً على حر يقتله الاستمرار عليه ويقتل حرا آخران لم يستمر ( فقيل ) يجب عليه الاستمرار ولا ينتقل إلى كفئه، لأن الضرر لا يزال بالضرر وهو الراجح ( وقيل ) يتخير بين الاستمرار والانتقال لتساوي الضررين ( وقال إمام الحرمين ) لا حكم في ذلك من إذن أو منع لأن إيجاب الاستمرار والتخيير بينه وبين الانتقال يؤدي كل منهما إلى القتل المحرم والمنع منهما لا قدرة على امتثاله، وقد سأله الغزالي عن هذا فقال كيف تقول لا حكم وأنت ترى أنها لا تخلو واقعة عن حكم، فقال حكم الله أن لا حكم، قال الغزالي فقلت له لا أفهم هذا ( قال الأبياري ) وهذا أدب حسن من الغزالي وتعظيم للأكابر إذ لا حكم نفي عام، وكيف يتصور ثبوت الحكم مع نفيه على العموم، فهذا لا يفهم لا لعجز السامع عن الفهم بل لكونه غير مفهوم في نفسه انتهى ( وتوقف الغزالي ) فقال في المستصفى يحتمل كل من المقالات الثلاث واختار الثالثة في المنخول، ونقل عنه أنه اختار في باب الصيد من النهاية المقالة الأولى، واحترزوا بالكفء عن غيره فيجب الانتقال إليه لأن قتله أخف مفسدة، كما لو سقط على مسلم يقتله الاستمرار وهناك كافر يقتله الانتقال.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"( مسألة ) قال أصحابنا يجوز التكليف بالمحال، سواء أكان محالاً لذاته وهو الممتنع عادة وعقلاً كالجمع بين السواد والبياض أم لغيره، وهو الممتنع عادة لا عقلاً كالطيران من الإنسان، والممتنع عقلاً لا عادة كالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن كذا مثله الشارح، لكن قال شيخ الإسلام الذي عليه الغزالي وغيره من المحققين أن ذلك ليس محالاً عقلاً أيضاً بل ممكن مقطوع بعدم وقوعه ولا يخرجه القطع بذلك عن كونه ممكناً بحسب ذاته انتهى، ( ومنع ) الشيخ أبو حامد الاسفرائيني والغزالي وابن دقيق العيد وأكثر المعتزلة التكليف بالمحال الذي ليس استحالته لتعلق علم الله بعدم وقوعه، وهو المحال لذاته والمحال عادة من قسمي المحال لغيره ورجحه ابن الحاجب وحكي عن الشافعي، قالوا لأنه لظهوره للمكلفين لا فائدة في طلبه منهم، بمعنى أنها الحكمة والمنفعة الراجعة إلى المخلوق بالنظر لقول الغزالي ومن معه من أهل السنة والعلة والباعث بالنظر لقول المعتزلة ( وأجيب ) بأنا لا نسلم أنه لابد من اشتمال فعله تعالى على فائدة مع أنه لا يسأل عما يفعل ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم أنه لابد من ظهورها إذ لا يلزم الحكيم إطلاع من دونه على وجه الحكمة ولو سلمنا ذلك فنقول فائدته اختبارهم هل يأخذون في المقدمات فيترتب عليها الثواب أو لا؟ فالعقاب إما التكليف بالممتنع لتعلق علم الله بعدم وقوعه فجائز وواقع اتفاقاً ( ومنع معتزلة ) بغداد والآمدي التكليف بالمحال لذاته دون المحال لغيره ( ومنع إمام الحرمين ) كون التكليف بالمحال لغير تعلق العلم بعدم وقوعه مطلوباً، فالاستحالة عنده مانعة من الطلب فقد وافق القول الثاني حكماً وخالفه مأخذاً، أما ورود صيغة طلب المحال لغير طلبه فلم يمنعه الإمام ولا غيره، بل هو واقع كما في قوله تعالى { كونوا قردة خاسئين } ( واختلف ) القائلون بجواز التكليف بالمحال في وقوعه على ثلاثة أقوال ( أحدها ) وهو مختار الإمام في الشامل وجرى عليه","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"البيضاوي وقال المصنف أنه الحق وقوع التكليف بالممتنع بالغير لا بالذات، أما وقوعه بالأول فلأنه تعالى كلف الثقلين بالإيمان وقال { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } فامتنع أكثرهم لعلمه تعالى بعدم وقوعه وذلك من الممتنع لغيره، وأما عدم وقوعه بالممتنع لذاته فللاستقراء ( والقول الثاني ) وقوع التكليف بالمحال لذاته أيضا ودليله والجواب عنه مذكوران في الشرح ( والثالث ) وهو قول الجمهور كما حكاه الإمام في الشامل عنهم عدم وقوعه بواحد منها إلا في الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه لقوله تعالى { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } ، والممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه في وسع المكلفين ظاهراً.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"( مسألة ) اختلف الأصوليون في أن حصول الشرط الشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعاً كالوضوء في الصلاة هل هو شرط في صحة التكليف بالمشروط أم لا؟ ( والأكثر من العلماء ) على أن حصوله ليس شرطاً في صحة التكليف بمشروطه فيصح التكليف بالمشروط حال عدم الشرط وقد وقع، ويدل على صحته ووقوعه ما تقدم عن الأكثر من العلماء من وجوب الشرط بوجوب المشروط، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل ( وقال أبو حنيفة ) وأصحابه هو شرط فيها، فلا يصح ذلك وإلا لم يمكن امتثاله قال ابن قاسم: ولعل هذا القائل ممن لا يرى جواز التكليف بالمحال، ( ومقتضى هذه الترجمة ) أن الخلاف مطرد في جميع جزئياتها، ونازع الصفى الهندي في ذلك، وقال أن المحدث مكلف بالصلاة بالاجماع، لكن المصنف وغيره قالوا أن هذه المسألة الكلية مفروضة بالإجماع، لكن المصنف وغيره قالوا أن هذه المسألة الكلية مفروضة بين العلماء في جزئي من جزئياتها تقريباً للفهم، وهو تكليف الكافر بالفروع مع انتفاء شرطها في الجملة وهو الإيمان، لتوقفها على النية التي لا تصح من الكافر، فالأكثر على صحة تكليفه ( والصحيح ) وقوعه أيضا، فيعاقب على ترك الامتثال، وسقوطه بالإيمان للترغيب فيه، قال تعالى: { يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين } وقال تعالى: { ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } وتفسير الصلاة بالإيمان والزكاة بكلمة التوحيد خلاف الظاهر ( وقال أبو حامد ) الاسفرائيني وأكثر الحنفية وعبد الجبار من المعتزلة: ليس الكافر مكلفاً بالفروع مطلقاً، لأن المأمورات المتوقفة على النية منها لا يمكن فعلها مع الكفر، ولا يؤمر الكافر بعد الإيمان بقضائها والمنهيات مقيسة على المأمورات فرارا من تبعيض التكليف، وكثير من الحنفية وافقونا، ( وقال قوم ) لا يصح تكليفه بالأوامر فقط لما مر بخلاف النواهي لإمكان امتثالها مع الكفر، لأن متعلقاتها تروك لا تتوقف على النية المتوقفة على","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"الإيمان، بل ادعى بعضهم تكليفهم بالنواهي بلا خلاف، ( وقال آخرون ) لا يصح تكليف من عدا المرتد بها وهم الكفار الأصليون، أما هو فنعم باستمرار تكليف الاسلام، ( قال والد المصنف ) والخلاف السابق إنما هو في خطاب التكليف من الإيجاب والتحريم، وفيما يرجع إليه من خطاب الوضع كالخطاب الوارد بكون الطلاق سبباً لحرمة الزوجة، فالفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أم لا، أما ما كان من خطاب الوضع لا يرجع إلى خطاب التكليف فهم داخلون فيه قطعاً كالخطاب الوارد بكون اتلاف المال والجنايات على النفس وما دونها أسبابا للضمان، لأن الضمان ليس من خطاب التكليف، وكالوارد بصحة العقود المترتبة عليها آثارها كملك المبيع وثبوت النسب والعوض في الذمة، والكافر في ذلك كالمسلم اتفاقاً، كذا نقل المصنف التفصيل عن والده، وتبعه فيه البرماوي واستحسنه لكن قال الزركشي: لا وجه للتفصيل، ولا تصح دعوى الإجماع في نحو الاتلاف والجناية بل الخلاف جار في الجميع، ( نعم ) الكافر الحربي لا يضمن متلفه ولا مجنيه لأنه غير ملتزم لأحكامنا وقيل يضمن المسلم وماله بناء على تكليفه بالفروع، ورد بأن دار الحرب ليست دار ضمان.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"( مسألة ) لا تكليف إلا بفعل، وذلك ظاهر في غالب الأوامر لأن الأمر مقتض للفعل، ولا خلاف في ذلك، وأما في النهي المقتضي الترك ومثله ما يوافقه في اقتضاء الترك من الأوامر نحو دع وذر وكف فقال المصنف وفاقا لوالده المكلف به الكف أي الانتهاء عما نهي عنه، قال: فإذا قلت لا تسافر فقد نهيته عن السفر والنهي يقتضي الانتهاء لأنه مطاوعة يقال نهيته فانتهى والانتهاء هو الإنصراف عن المنهي عنه وهو الترك، قال وذلك الانتهاء فعل يحصل بفعل ضد المنهي عنه انتهى، وفي هذا استشكال لم يجب عنه بجواب شاف فراجعه في الحواشي ( وقيل ) المكلف به في النهي ونحوه فعل ضد المنهي عنه، فإذا قيل لا تتحرك مثلاً فمعناه افعل ما يضاد الحركة وهو السكون، وحكي هذا عن الجمهور ( قال الولي أبو زرعة في الغيث ) وضعف بأن النهي قسيم الأمر والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرا و لكان النهي من الأمر وقسيم الشيء لا يكون قسماً منه انتهى ( وقال قوم ) منهم أبو هاشم المكلف به في النهي ونحوه غير فعل بل هو انتفاء النهي عنه، قالوا وذلك مقدور للمكلف بأن لا يشاء فعله الذي يوجد بمشيئته ( وبيان ) ذلك أنه إذا قيل مثلاً لا تتحرك فالمطلوب منه على القول الأول الانتهاء عن التحرك الحاصل بفعل ضده من السكون، وعلى الثاني المطلوب منه فعل السكون، وعلى الثالث المطلوب منه انتفاء التحرك كأن يستمر سكونه فبالسكون يخرج من عهدة النهي على الجميع ( والأصح ) أنه لا يشترط مع الانتهاء عن المنهي عنه قصد الامتثال بالترك وإنما يشترط لحصول الثبوت، لحديث الصحيحين المشهور (( إنما الأعمال بالنيات ))، أي صحة في المأمورات وكمالا في المنهيات وقيل يشترط قصده فيترتب العقاب إن لم يقصد .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"( واختلف ) في وقت توجيه الأمر للمكلف، فقال الجمهور يتعلق الأمر بفعل المكلف قبل مباشرته له، قبل دخول وقته تعلق اعلام وبعد دخول وقته تعلق الزام ( والتعلق الاعلامي ) كما قال شيخ الإسلام هو اعتقاد وجوب الاتيان بالفعل بعد دخول الوقت ( والتعلق الإلزامي ) هو وجوب الإتيان به وإيجاده، واختلف هؤلاء في التعلق الإلزامي هل يستمر حال مباشرة المكلف للفعل أو ينقطع فقال أكثرهم يستمر، وقال إمام الحرمين والغزالي وجميع المعتزلة ينقطع التعلق الإلزامي حال المباشرة وإلا يلزم طلب تحصيل الحاصل ولا فائدة في طلبه، وأجيب بمنع اللزوم لأن الفعل كالصلاة لا يحصل إلا بالفراغ منه لانتفائه بانتفاء جزء منه، وقال قوم لا يتعلق الأمر بالفعل الزاماً إلا عند المباشرة إذ لا قدرة عليه إلا حينئذ، وادعى المصنف أنه التحقيق ، وحكاه عن الأشعري واختاره الإمام الرازي والبيضاوي وغيرهما وأجابوا عما قيل من أنه يلزم عدم العصيان بتركه بأن الملام الواقع على من ترك الفعل إنما هو التلبس بالكف المنهي عنه، ( وهذا القول ) أعني تعلق الأمر عند المباشرة مشكل جداً كما قاله العلامة البناني وإن قال المصنف أنه التحقيق، لأنه لا خفاء في وجود التعلق قبل المباشرة وإلا لم يعص أحد بالترك، وهو خلاف الإجماع والجواب السابق لا يجدي نفعاً .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"( مسألة ) هل يصح تكليف الإنسان بأمر مع أن شرط وقوعه في وقته منتف فلا يمكن وقوعه لانتفاء شرطه؟ للمسألة أحوال ( أحدها ) أن يعلم الأمر دون المأمور انتفائه كأمر الله رجلاً بصوم يوم وقد علم سبحانه وتعالى موته قبله، وشرط الصوم الحياة فلا يمكن وقوعه لانتفاء شرطه فقال الجمهور: يصح لأنه لو لم يصح لم يعص أحد، وقال إمام الحرمين والمعتزلة لا يصح التكليف، لانتفاء فائدته من الطاعة والعصيان بالفعل أو الترك، ( وأجيب ) بأن اعتبار الفائدة ممنوع على أصلنا معاشر أهل السنة، وعلى التنزل فيجاب بوجودها بالعزم على الفعل أو الترك ( الثاني ) أن يعلم المأمور انتفاء شرط وقوع المأمور به بخبر معصوم حكى الآمدي وغيره الاتفاق على عدم صحته لانتفاء فائدته الموجودة حال الجهل بالعزم على الفعل أو الترك، وصوبه الشارح وجعل المصنف صحته الأظهر مستندا إلى ما استظهره الغزالي في المستصفى من وجوب افتتاح يوم من علمت بالعادة أو بخبر معصوم أنها تحيض في أثنائه بالصوم، وهذا مندفع بأن ما كلفت به هو صوم بعض اليوم الخالي والنقاء عنه جميع اليوم شرط لصوم جميعه لا بعضه أيضاً ( الثالث ) أن يجهل الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته بأن كان الآمر غير الشارع كامر السيد عبده بخياطة ثوب غداً وهذا متفق على صحته ووجوده ( وهل يعلم ) المأمور أنه مكلف بالفعل عقب سماعه للأمر الدال على التكليف قبل التمكن من الامتثال أو لا حتى يمضي عليه زمن الإمكان؟ فعندنا نعم لأنه قد تحقق ورود الأمر وهو يشك في رفعه بانتفاء شرطه قبل وقوعه، وقال إمام الحرمين والمعتزلة أيضاً: لا يعلم ذلك قالوا لأنه قد لا يتمكن من فعله لموت قبله أو عجز عنه، وأجيب بأن الأصل عدم ذلك، وبتقدير وجوده ينقطع تعلق الأمر الدال على التكليف كالوكيل في البيع غدا إذا مات أو عزل قبل الغد ينقطع التوكيل .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"( خاتمة ) قد يتعلق الحكم بأمرين فأكثر على الترتيب فيحرم الجمع بينهما أو يباح أو يسن، ( فالأول ) كأكل المذكى وأكل الميتة فإن كلا منهما يجوز، لكن جواز أكل الميتة عند العجز عن غيرها الذي من جملته المذكى فحرمة الجمع بينهما لحرمة الميتة حيث قدر على غيرها ( والثاني ) كالوضوء والتيمم فإنهما جائزان لكن جواز التيمم عند العجز عن الوضوء وقد يباح الجمع بينهما كأن تيمم للمشقة ثم توضأ متحملاً لها وبطلان التيمم بالوضوء لانتفاء فائدته لا ينافي الجمع، لأن معناه أن يؤتى بكل منهما صحيحاً وليس معناه اجتماعهما صحة ودواماً ( والثالث ) كخصال كفارة الوقاع فإن كلا منها واجب، لكن وجوب الإطعام عند العجز عن الصيام ووجوب الصيام عند العجز عن الاعتاق ويسن الجمع بينها ( وقد يتعلق الحكم بأمرين فأكثر على البدل ) فيحرم الجمع بينهما أو يباح أو يسن فالأول كتزويج المرأة من كُفْئَيْن، فإن كلا من التزويجين يجوز بدلاً عن الآخر ويحرم الجمع بينهما، والثاني كستر العورة بثوبين فإن كلاً من السترين يجب بدلاً عن الآخر ويباح الجمع بينهما، والثالث كخصال كفارة اليمين فإن كلاً منها واجب بدلاً عن غيره ويسن الجمع بينها كما قاله في المحصول.\rالكتاب الأول\rفي مباحث الكتاب والأقوال التي اشتمل عليها الكتاب من الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ونحوها.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"( الكتاب ) لغة إسم للمكتوب، وغلب في الشرع على الكتاب المخصوص وهو القرآن المجيد، والمعني بالقرآن في أصول الفقه اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه المتعبد أبداً بتلاوته، وهذا التعريف لمفهوم كلي والمراد به هنا الفرد الصادق عليه ذلك المفهوم المنحصر فيه من أول سورة الحمد إلى آخر سورة الناس الذي يحتج بابعاضه، وليس المراد المعني بالقرآن في أصول الدين القائم بذاته تعالى الذي هو مدلول هذا كما اشتهر عنهم، أو الدال على ما دل عليه هذا كما هو التحقيق، وإنما حدوا القرآن بما ذكر من أوصافه مع تشخصه بمعنى أن له حكم الشخص الحقيقي في أنه لا تمكن معرفته إلا بالإشارة إليه، ليتميز مع ضبط كثرته عما لا يسمى باسمه من الكلام ( فخرج ) عن أن يسمى قراناً بالمنزل الأحاديث غير الربانية وبعلى محمد التوراة والإنجيل مثلاً وبالإعجاز الأحاديث الربانية، والاقتصار في التعريف على الإعجاز مع أن القرآن منزل لغيره أيضاً لأنه المحتاج إليه في التمييز وقولهم بسورة منه رافع لإيهام العبارة بدونه أن الإعجاز بكل القرآن فقط قال الله تعالى { فأتوا بسورة } الآية، وقولهم المتعبد أبداً بتلاوته حكم لا يدخل في الحد ولكن زادوه للحاجة في التمييز إلى إخراج ما نسخت تلاوته، ومنه الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"( ومن القرآن ) البسملة أول كل سورة غير براءة على الصحيح لأنها مكتوبة في أوائل السور بخطها في مصاحف الصحابة مع مبالغتهم في أن لا يكتب فيها ما ليس منه مما يتعلق به حتى النقط والشكل ( ومقابله ) انكار كونها منه وحكي عن الإئمة الثلاثة ( وتحرير ) مذهب الشافعي أنه لا خلاف في أنها آية من أول الفاتحة، والصحيح أنها آية من جميع السور لما مر وقال القاضي أبوبكر الباقلاني وغيره: ليست منه في أوائل السور وإنما هي في أول الفاتحة لابتداء الكتاب على عادة الله في كتبه ومنه سن لنا ابتداء الكتب بها، وفي غيرها للفصل بين السور قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم، ( واختلف ) القائلون أنها من القرآن هل هي قرآن قطعاً أو حكماً؟ رجح النووي تبعاً للجمهور الثاني، واستدل على ذلك بالإجماع على منع تكفير النافي لها، واحترزوا بقولهم أول كل سورة عن البسملة التي في أثناء سورة النمل فإنها من القرآن اجماعاً، وليست منه أول براءة اجماعاً لنزولها بالقتال الذي لا تناسبه البسملة المناسبة للرحمة والرفق.\r( وليس من القرآن ) ما نقل آحادا قرأنا كأيمانهما في قراءة { والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما } على الأصح، لأن القرآن مما تتوفر الدواعي على نقله تواتراً، وقيل أنه من القرآن حملاً على أنه كان متواتراً في العصر الأول لعدالة ناقله ويكفي التواتر فيه، وجوابه منع الاكتفاء بذلك.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"( والقراءات السبع ) للقراء السبعة أبي عمروا ونافع وابن كثير وعامر وعاصم وحمزة والكسائي متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ولا يضر كون أسانيد القراء آحاداً، لأن تخصيصها بجماعة لا يمنع مجئ القراءات عن غيرهم، ونقل عن المعتزلة أن السبع آحاد، وقال ابن الحاجب: متواترة فيما ليس من قبيل الأداء أمّا ما هو من قبيله بأن كان هيئة للفظ يتحقق بدونها فليس بمتواتر وذلك كزيادة المد على أصله حتى بلغ قدر ألفين مثلاً في نحو { جاء } { وما أنزل } أو أكثر من ذلك أو أقل طرق للقراء، وكمقدار الإمالة التي هي خلاف الأصل محضة أو بين بين وكتخفيف الهمزة الذي هو خلاف الأصل من التحقيق نقلاً وأبداً لا وتسهيلاً واسقاطا، نحو { قد أفلح } و { يؤمنون } و { أئنكم } و { جاء أجلهم } ( وقال أبو شامة ) الألفاظ المختلف فيها بين القراء إن اختلفت الرواة عن أحد القراء بأن كانت قراءة القارئ المخالفة لقراءة غيره بعض الرواة تثبتها لقارئها، وبعض الرواة تنفيها عنه فليس بمتواتر وغير ابن الحاجب وأبي شامة لم يتعرضوا لما قالاه.\r( ولا تجوز ) القراءة بالشاذ لا في الصلاة ولا خارجها، وتبطل صلاة العامد العالم بالقراءة الشاذة إن غيرت المعنى كما قاله النووي في فتاويه ونقل الإمامان الحافظان ابن الصلاح وابن عبدالبر اجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ مطلقاً سواء غير المعنى أم لا، إلا أن يحمل المطلق على المقيد ( والصحيح ) عند المصنف وفاقاً لوالده والبغوي أنه ما وراء العشر السبع السابقة وقراءات يعقوب وأبي جعفر وخلف لأنها لا تخالف رسم السبع من صحة السند واستقامة الوجه في العربية وموافقة خط المصحف الإمام وهذا مذهب الأصوليين، وذهب إليه بعض الفقهاء وقيل أنه ما وراء السبع فتكون الثلاث من الشاذ، وعليه فلا تجوز القراءة بها وهذا قول جمهور الفقهاء.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"( والصحيح ) إجراء الشاذ مجرى الأخبار الآحاد في الاحتجاج به لأنه منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوص قرأ نيته انتفاء عموم خبريته وعليه احتجاج كثير من فقهائنا على قطع يمين السارق بقراءة فاقطعوا أيمانها، والثاني وعليه بعض أصحابنا أنه لا يحتج به لأنه إنما نقل قرآنا ولم تثبت قرآنيتُه ولم ينقل خبراً قرأنا حتى يقال ما سبق واختاره ابن الحاجب وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي لكونه لم يوجب التتابع في كفارة الحنث مع علمه بقراءة ابن مسعود فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات، ( ولا يجوز ) ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة لأنه هذيان يصان عنه كلام العقلاء فكيف بكلام الله تعالى وكلام رسوله خلافاً للحشوية في تجويزهم ورود ذلك فيهما بل قالوا بوقوعه مستدلين بورود الحروف المقطعة أوائل السور وبقوله تعالى: { كأنه رؤوس الشياطين } ( وأجاب ) الجمهور بأن لهذه الحروف المقطعة معاني اختلف في تعيينها منها أنها أسماء للسور وأن رؤوس الشياطين مثل في الاستقباح على عادة العرب في ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحاً، قال امرؤا القيس:\rومسنونة زرق كأنياب أغوال. وتوسط ابن برهان فقال: الحق التفصيل بين الخطاء الذي يتعلق به تكليف فلا يجوز ومالا يتعلق به تكليف فيجوز، ولا يجوز أن يرد فيهما ما يعنى به غير ظاهره إلا مع دليل يصرف اللفظ عن ظاهره سواء أكان معه تعيين المراد كما هو مذهب الخلف أو لا كما هو مذهب السلف خلافاً للمرجئة في تجويزهم ورود ذلك من غير دليل حيث قالوا المراد بالآيات والأخبار الظاهرة في عقاب عصاة المؤمنين الترهيب فقط وإن لم يبين الشرع ذلك بناء على معتقدهم الفاسد أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"( واختلف ) في بقاء المجمل في الكتاب والسنة على إجماله بأن لم يتضح المراد منه إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فقيل لا يبقى على اجماله لأن الله سبحانه وتعالى أكمل الدين قبل وفاته عليه السلام قال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } ( وقيل ) يبقى عليه قال تعالى في متشابه الكتاب: { وما يعلم تأويله إلا الله } على قول من وقف هنا من العلماء والسنة مقيسة عليه لعدم القائل بالفرق بينهما وفصل إمام الحرمين والقشيري وقال المصنف: أنه الأصح بقولهما لا يبقى المجمل المكلف به على إجماله للحاجة إلى بيانه بخلاف غير المكلف به.\r( واختلف ) في الدلالة النقلية هل تفيد اليقين أم لا؟ على أقوال ( أحدها ) أنها تفيده مطلقاً، وحكاه الآمدي عن الحشوية، ( ثانيها ) لا تفيده مطلقاً لتوقف اليقين فيها على أمور لا سبيل إلى القطع بها، ( ثالثها ) وهو مذهب جمهور الأشاعرة ومذهب المعتزلة وهو الحق كما اختاره الإمام الرازي وغيره أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بإنضمام تواتر أو مشاهدة مع عدم العلم بالمعارض العقلي كما في أدلة وجوب الصلاة ونحوها فإن الصحابة علموا معانيها المرادة بقرينة المشاهدة ونحن علمناها بواسطة نقل تلك القرائن إلينا تواتراً.\r( ولما كان الاستدلال ) بالقرآن لكونه عربياً متوقفاً على معرفة اللغة وأقسامها انتدب الأصوليون إلى بيان تلك الأقسام، وهي تنقسم باعتبارات إلى أقسام شتى، فباعتبار المراد من اللفظ إلى منطوق ومفهوم وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات إلى أمر ونهي، وباعتبار عوارضه وهي إما متعلقاته فإلى خاص وعام، أو النسبة بين ذاته ومتعلقاته فإلى مجمل ومبين، أو بقاء دلالته أو رفعها إلى ناسخ ومنسوخ وسنذكرها كما رتبها المصنف.\r( مبحث المنطوق والمفهوم )","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"المنطوق معنى دل عليه اللفظ في محل النطق حكماً كان أو غير حكم كدلالة قوله تعالى { ولا تقل لهما أفٍ } على تحريم التأفيف، وخرج المفهوم فإن دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق بل في محل السكوت، كدلالة هذه الآية على تحريم الضرب.\r( ثم المنطوق يسمى نصاً ) إن أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد في نحو جاء زيد فإنه لا يحتمل غير الذات المشخصة المستفادة منه ( ويسمى ظاهراً ) إن أفاد معنى يحتمل بدله مرجوحاً كأسد فإنه مفيد للحيوان المفترس محتمل للرجل الشجاع بدله، وهو معنى مرجوح لأنه مجازي، والمتبادر إلى الذهن الحقيقي الذي هو الأول ( ويسمى مجملاً ) إن أفاد معنى يحتمل بدله مساوياً له كالجون في ثوب زيد الجون فإنه محتمل لمعنيية الأبيض والأسود على السواء ( قال الولي أبو زرعة في الغيث: ) واعلم أن في النص أربعة اصطلاحات أحدها وهو المذكور هنا ما لا يحتمل التأويل، وثانيها ما احتمله احتمالاً مرجوحاً فهو حينئذ بمعنى الظاهر وهو الغالب في اطلاق الفقهاء وثالثها مادل على معنى كيف كان ذكر هذه الثلاثة القرافي في التنقيح، رابعها دلالة الكتاب والسنة مطلقاً وهو اصطلاح كثير من متأخري الخلافيين وعليه مشى البيضاوي في القياس انتهى.\r( واللفظ الدال بالوضع ) ينقسم إلى مركب ومفرد، فإن أريد دلالة جزء منه على جزء معناه فهو المركب كغلام زيد وإلا فهو المفرد فالمركب إنما يتحقق من أمور أربعة: أن يكون للفظ جزء وأن يكون بمعناه جزء وأن يدل جزؤه على جزء معناه وأن تكون هذه الدلالة مرادة وبانتفاء كل من القيود الأربعة يتحقق المفرد فللمركب قسم واحد وللمفرد أربعة أقسام، مالا جزء للفظه كهمزة الاستفهام ومالا جزء لمعناه كلفظ الجلالة والنقطة، وما لا دلالة لجزئه على جزء معناه كزيد وعبد الله علمين، وما يدل جزءه على جزء معناه لكن الدلالة غير مقصودة كالحيوان الناطق علماً لشخص إنساني.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"( ودلالة اللفظ الوضعية ) وهي كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عارفاً بالوضع تنقسم إلى ثلاثة أقسام ( فدلالته ) على تمام معناه الذي وضع له تسمى مطابقة وتسمى دلالة مطابقة، لأن اللفظ فيها مطابق لما وضع له، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق ( ودلالته ) على جزء معناه الذي وضع له تسمى تضمنا ودلالة تضمن لأن جزء المعنى الذي وضع له ذلك اللفظ دخل في ضمنه، كدلالة الإنسان على الحيوان فقط أو الناطق فقط ( ودلالته ) على لازم معناه الذهني سواء لزمه في الخارج أيضاً أم لا تسمى التزاماً وتسمى دلالة التزام لاستلزام اللفظ للمدلول كدلالة الإنسان على قابل العلم اللازم له ذهناً وخارجاًَ، وكدلالة العمى أي عدم البصر عما من شأنه البصر على البصر اللازم للعمى ذهناً المنافي له خارجاً، ( قال المصنف ) تبعاً لما في المحصول وغيره الأولى لفظية وهي المطابقة والثنتان عقليتان، وهما التضمن والالتزام، وهو أحد أقوال ثلاثة واختاره ابن التلمساني والصفي الهندي وغيرهما، ثانيهما أنهما لفظيتان أيضاً وعليه أكثر المناطقة لأن المقسم دلالة اللفظ فالأقسام الثلاثة لفظية، ثالثها أن التضمنية لفظية كالأولى والإلتزامية عقلية، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب.\r( ثم دلالة ) المنطوق قد تستفاد من الصيغة فقط وهذه واضحة وقد لا تستفاد من الصيغة فقط بل باقتران أمر آخر بها، وتنقسم إلى قسمين دلالة اقضاء ودلالة إشارة.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"( فالأولى وهي دلالة الاقتضاء ) ما إذا توقف الصدق في اللفظ الدال على المنطوق الصريح أو توقفت صحة المنطوق كذلك عقلاً أو شرعاً على إضمار الدال عليه، فمثال توقف الصدق فيه على الإضمار قوله عليه الصلاة والسلام: (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )) فالخطأ والنسيان واقعان في هذه الأمة فيتوقف صحة رفعهما على إضمار الحكم أو المؤاخذة بهما لتعذر الحمل على الحقيقة، ومثال توقف صحة المنطوق عقلاً على الإضمار قوله تعالى: { وأسأل القرية } فالقرية التي هي الأبنية المجتمعة لا يصح سؤالها عقلاً أي بالنظر إلى العادة فتتوقف صحة سؤالها على إضمار أهلها ومثال صحة توقف المنطوق شرعاً على الإضمار قولك لمالك عبد أعتق عني على ألف ففعل فإنه يصح عنك فعتق عبد الغير عنك لا يصح شرعاً لفقد الملك فتوقفت صحته على إضمار ملكه لي فاعتقه عني.\r( الثانية دلالة الإشارة ) وهي ما إذا لم يتوقف الصدق في اللفظ الدال على المنطوق على إضمار ولم تتوقف الصحة عليه، ولكن دل اللفظ المفيد للمنطوق على ما ليس مقصودا منه في الأصل ولكنه من توابعه كدلالة قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } على صحة صوم من أصبح جنباً للزومها للمقصود باللفظ الدال من جواز جماعهن في الليل الصادق بالجماع في آخر جزء منه، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي من أئمة التابعين.\r( والمفهوم ) معنى دل عليه اللفظ لا في محل النطق فيطلق على الحكم فقط كالتحريم الآتي وعلى المحل فقط كالضرب الآتي وعليهما معاً كتحريم الضرب، وخرج بقولهم لا في محل النطق المنطوق، ويفهم من ذلك أن دلالته ليست وضعية وإنما هي انتقالات ذهنية فإن الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"( وينقسم ) المفهوم إلى موافقة وإلى مخالفة، ( فالأول ) ما إذا وافق الحكم المفهوم الحكم المنطوق به ويسمى مفهوم موافقة ثم إن كان الحكم المفهوم الموافق أولى من الحكم المنطوق يسمى فحوى الخطاب كتحريم ضرب الوالدين الدال عليه نظراً للعلة قوله تعالى: { فلا تقل لهما أفٍ } فهو أولى من تحريم التأفيف المنطوق لأشديَّة الضرب من التأفيف في الإيذاء وإن كان الحكم المفهوم مساوياً للحكم المنطوق سمي لحن الخطاب، كتحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه نظراً للعلة آية: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً } ، فهو مساو لتحريم الأكل لمساواة الإحراق للأكل في الإتلاف، وهذا التقسيم مبني على أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة الأولوية وهو مختار المصنف ( وقيل ) يشترط فلا يسمى المساوى موافقة وإن كان مثل الأولى في الاحتجاج به بل يسمى مفهوم مساواه ويكون على هذا القول الموافقة هو الأولى وهو المسمى فحوى الخطاب ولحنه أيضاً، وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الشافعي وعزاه الصفي الهندي للأكثرين، والخلاف في التسمية إذ الاحتجاج بكل منهما متفق عليه ( وفحوى الكلام ما يفهم منه قطعاً ) ولحنه معناه ومنه قوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول } .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"( واختلف ) في دلالة مفهوم الموافقة على ثلاثة أقوال ( الأول ) وهو قول الإمام الشافعي في الرسالة وإمام الحرمين والإمام الرازي دلالة الدليل على المعنى الموافق للحكم المنطوق قياسية، أي بطريق القياس الأولى أو المساوي المسمى بالجلي كما سيأتي، والعلة الجامعة في المثال الأول الإيذاء وفي الثاني الإتلاف، وعلى هذه لا يسمى المعنى الموافق مفهوماً ( الثاني ) أن الدلالة عليه لفظية بطريق المنطوق لا مدخل للقياس فيها لفهم الحكم من غير اعتبار قياس، صرح الغزالي والآمدي من قائلي هذا القول بأن الدلالة عليه فهم مدلولها من السياق والقرائن فلولا دلالتهما في الوالدين على أن المطلوب بها تعظيمهما واحترامهما ما فهم من منع التأفيف منع الضرب لأنه قد يقول ذو الغرض الصحيح لعبده لا تشتم فلاناً ولكن اضربه ولولا دلالتها في آية مال اليتيم على أن المطلوب بها حفظه وصيانته ما فهم من منع أكله منه إحراقه، إذ قد يقول القائل: والله ما أكلت مال فلان ويكون قد أحرقه ولا يحنث فالدلالة حينئذ مجازية، ونوع العلاقة فيها إطلاق الأخص كالمنع من التأفيف في آية الوالدين وكالمنع من أكل مال اليتيم في آيته على الأعم وهو المنع من الإيذاء في الأولى والمنع من اتلاف مال اليتيم في الثانية، وقرينة هذا التجوز المقام كما علم ( الثالث ) أنها لفظية حقيقية نقل اللفظ للدلالة على الأعم عرفاً بدلاً عن الدلالة على الأخص لغة وعلى هذا فالموافقة منطوق أيضاً، قال الشارح وكثير من العلماء منهم الحنفية على أن الموافقة مفهوم لا منطوق ولا قياسي كما هو ظاهر صدر كلام المصنف انتهى.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"( الثاني من قسمي المفهوم المخالفة ) وهو ما إذا خالف الحكم المفهوم الحكم المنطوق به ويسمى مفهوم مخالفة أيضاً، وشرط تحققه أن لا يكون ترك ذكر المسكوت موافقاً للمنطوق لخوف ونحوه كالجهل بحكم المسكوت ( فالأول ) كقول قريب العهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين تصدق بهذا على المسلمين ويريد وغيرهم، وترك ذكر الغير خوفاً من أن يتهم بالنفاق ( والثاني ) كقولك في الغنم السائمة زكاة وأنت تجهل حكم المعلوفة فالخوف أو الجهل هو المانع من الذكر فلا يكون المفهوم متحققاً، ولا يخفى أن الخوف والجهل إنما يتصوران في غير الله تعالى ( وشرطه ) أيضاً أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، كما في قوله تعالى: { وربائبكم اللآتي في حجوركم } فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، وخالف إمام الحرمين في نفيه هذا الشرط، قال: لأن المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا تسقطه موافقة الغالب وسيأتي ما يدفعه، ( وشرطه أيضاً ) أن لا يكون المذكور خرج لجواب سؤال عنه كما لو سئل صلى الله عليه وسلم هل في الغنم السائمة زكاة؟ فقال: ((في الغنم السائمة زكاة))، أو خرج لبيان حكم حادثة تتعلق به، كما لو قيل بحضرته عليه السلام لفلان غنم سائمة فقال ما مر، أو خرج لجهل المخاطب بحكمه دون حكم المسكوت كما لو خاطب من جهل حكم الغنم السائمة دون المعلوفة فقال ذلك ( والضابط ) لهذه الشروط وما في معناها أن لا تظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت وعليه اقتصر البيضاوي في المنهاج كموافقة الواقع في قوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } ، نزلت كما قال الواحدي وغيره في قوم من المؤمنين والوا اليهود دون المؤمنين، وإنما شرطوا التحقق المفهوم انتفاء المذكورات لأنها فوائد ظاهرة وهو فائدة خفية فاخر عنها وبذلك اندفع توجيه إمام الحرمين لما نفاه بما قدمناه عنه ( والمقصود ) من قولهم لا مفهوم للمذكور في الأمثلة السابقة ونحوها عدم","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"الاستناد في حكم المسكوت للعمل بالمفهوم لأنه لم يتحقق وليس المقصود أن لا حكم للمسكوت أصلاً بل يستفاد بأمر خارج موافقة المسكوت للمنطوق في الحكم تارة كما في آيتي الربيبة والموالاة، ومخالفته له فيه أخرى كما في الغنم المعلوفة ( ولا يمنع ) وجود ما يقتضي التخصيص بالذكر المانع لتحقق المفهوم الحاق المسكوت بالمنطوق بطريق القياس بأن كان بينهما علة جامعة كوقوع التباغض بين الربيبة وبين أمها لو أبيحت لعدم معارضة ما يقتضي التخصيص للقياس، وهذا مبني على أن المعروض لا يعم المسكوت، وقيل أن المعروض للتقييد بالصفة ونحوها كالربائب في آية الربيبة يعم المسكوت المشتمل على العلة وهي الربائب اللآتي ليست في الحجور إذ عارضه وهو القيد من صفة ونحوها كالآتي في حجوركم من آية الربيبة بالنسبة إلى المسكوت المشتمل على العلة كأنه لم يذكر ويستغنى عن القياس وتكون الدلالة على هذا لفظية كما أنها على الأول وهو الحق قياسية كما قاله المصنف، لاسيما وقد ادعى بعضهم الإجماع على عدم عمومه لوجود العارض وإنما يلحق به قياساً كما مر.\r( ومفهوم المخالفة بمعنى محل الحكم أنواع )","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"( منها مفهوم الصفة ) وهي في اصطلاح الأصوليين لفظ مقيد لآخر ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، لا النعت فقط لأنهم أدرجوا فيه العدد والظرف مثلاً كالسائمة من في الغنم السائمة زكاة ومن في سائمة الغنم زكاة اتفاقاً لا مجرد السائمة من غير اقتران بالإسم العام كما لو روي في السائمة زكاة فليس القصد به حينئذ التقييد حتى يكون له مفهوم بخلاف المثالين السابقين، ( وقيل ) مجرد السائمة من الصفة لدلالته على الذات والسوم الزائد عليها بخلاف اللقب فيفيد نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقاً غنماً كانت أو غيرها كما يفيد إثباتها في السائمة وعليه الجمهور كما يؤخذ من كلام ابن السمعاني حيث قال: الاسم المشتق كالمسلم والقاتل والكافر والوارث يجري مجرى القيد بالصفة عند الجمهور. قال شيخ الإسلام: فينبغي أن يكون هو الأظهر وهو قوي، لأن تعريف الوصف صادق به انتهى ( واختلفوا ) هل المنفي عن محلية الزكاة في المثالين الأولين وهما في الغنم السائمة وفي سائمة الغنم غير سائمتها، وهو معلوفة الغنم فقط، نظراً إلى السوم في الغنم، أو غير مطلق السوائم وهو معلوفة الغنم وغير الغنم نظراً إلى السوم فقط، لترتب الزكاة عليه في غير الغنم من الإبل والبقر في غير هذا الحديث؟ قولان رجح الأول الإمام الرازي والشيخ أبو حامد وغيرهما وظاهر كلام المصنف استواء المثالين السابقين وقال البرماوي في شرح الألفية: الظاهر التغاير بينهما وأن المقيد في المثال الأول الغنم بوصف السوم وفي المثال الثاني السائمة بوصف كونها من الغنم، وحينئذ فمفهوم الأول عدم وجوب الزكاة في معلوفة الغنم ومفهوم الثاني عدم الوجوب في سائمة غير الغنم من إبل وبقر وقال المصنف في منع الموانع: إنه التحقيق.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"( ومن الصفة بالمعنى السابق العلة ) نحو اعط السائل لحاجته أي السائل المحتاج لا غيره ( والظرف ) زمانا ومكانا نحو سافر يوم الجمعة أي لا في غيره واجلس أمام فلان أي لا خلفه مثلاً ( والحال ) نحو أحسن إلى العبد مطيعاً ( والعدد ) نحو قوله تعالى: { فاجلدوهم ثمانين جلدة } أي لا أكثر منها ونحو حديث الصحيحين (( إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات )) أي لا أقل منها.\r( ومن أنواع مفهوم المخالفة مفهوم الشرط ) وهو تقييد الحكم بما هو مقرون بحرف شرط، وهو أقوى من مفهوم الصفة كما يأتي نحو { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } أي فغير أولات الأحمال لا يجب الإنفاق عليهن.\r( ومنها مفهوم الغاية ) وهو تقييد الحكم بغاية كإلى وحتى نحو { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } أي فإذا نكحت حلت للأول بشرطه.\r( ومنها مفهوم الحصر ) وله صيغ ( منها ) مفهوم إنما نحو { إنما إلهكم الله } أي فغيره ليس بإله والمراد بالإله المعبود بحق لا مطلق المعبود، هذا قول الجمهور وكلام ابن دقيق العيد في شرح العمدة يقتضي الاتفاق عليه واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تأكيد الاثبات فقط، ونقله ابن حبان عن البصريين.\r( ومنها مفهوم ما يشتمل على نفي واستثناء ) سواء كان الاستثناء مفرغاً أو تاماً نحو لا عالم إلأ زيدا وما أحد عالم إلا زيد، منطوق النفي والاستثناء نفي العلم عن غير زيد ومفهومهما اثبات العلم له وهذا هو ما قاله الجمهور وقال البرماوي في شرح الألفية: الصحيح إنه منطوق، لأنه لو قال ما له علي إلا دينار كان اقرارا بالدينار ولو كان مفهوماً لم يكن مقرا لعدم اعتبار المفهوم في الأقارير انتهى وممن صرح أيضا بأنه منطوق أبو الحسين بن القطان والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والقرافي.\r( ومنها مفهوم فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل ) نحو { أم اتخذوا دونه أولياء فالله هو الولي } أي فغيره ليس بولي أي ناصر.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"( ومنها مفهوم تقديم المعمول ) كالجار والمجرور نحو { إياك نعبد } أي لا غيرك { لإلى الله تحشرون } أي لا إلى غيره.\r( مسألة ) اختلف القائلون بمفهوم المخالفة في منشأ حجيته، فقال قوم دليل الحجية اللغة لقول كثير من أئمة اللغة كأبي عبيدة وعبيد تلميذه بها قالا في حديث الصحيحين مثلاً ((مطل الغني ظلم)) أنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم ولم يقولوا في مثل ذلك إلا ما يعرفونه من لسان العرب ( وقيل ) دليل الحجية الشرع لمعرفة ذلك من موارد كلام الشارع ( وقيل ) حجيته من قبل المعنى وهو أنه لو لم ينف المذكور الحكم عن المسكوت لم يكن لذكره فائدة.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"( واحتج الدقاق والصيرفي من الشافعية ) وابن خويزمنداد من المالكية وبعض الحنابلة بمفهوم اللقب وهو الإسم الجامد الشامل للعلم الشخصي واسم الجنس نحو على زيد حج أي لا على عمرو وفي النعم زكاة أي لا في غيرها من الماشية، قالوا: إذ لا فائدة لذكره إلا نفي الحكم عن غيره كالصفة ( وأجاب الجمهور ) بأن فائدته استقامة الكلام إذ بإسقاطه يختل لعدم صحة على حَجٍ وفي زكاة بخلاف إسقاط الصفة ( وجميع مفاهيم ) المخالفة حجة عندنا لا اللقب كما علم مما مر، وأنكرها كثير واختلف المنكرون لها في الجملة على أقوال ( فأنكر أبو حنيفة ) كل أنواع مفاهيم المخالفة وإن قال في المسكوت بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر كإبقاء المعلوفة على الأصل وهو وجه عندنا ذهب إليه ابن سريج والغزالي ونقل ابن الهمام الحنفي في تحريره أن إنكار الإمام أبي حنيفة لمفاهيم المخالفة في جميع أقسامها إنما هو في كلام الشارع فقط وهو أخبر بمذهب إمامه من المخالف له ( وأنكر الكل أيضاً ) قوم في الخبر فقط ومنهم ابن السمعاني نحو رأيت غنماً سائمة فهو إخبار عما شاهده ولا يلزم منه أن يكون لم يشاهد ما ليس على هذه الصفة، بخلاف الإنشاء وما في معناه نحو زكوا عن الغنم السائمة فإنه يفيد نفي الزكاة عن المعلوفة ( وأنكر الكل أيضاً ) والد المصنف في كلام المصنفين والواقفين ونحوهم لغلبة الذهول عليهم لا في الشرع من كلام الله وكلام رسوله ( وأنكر إمام الحرمين ) مفهوم الصفة التي لا تناسب الحكم كأن يقول الشارع في الغنم العفر الزكاة، قال فهي في معنى اللقب بخلاف المناسبة كالسوم لخفته إذ هو الرعي في كلأ مباح ( وأنكر قوم ) مفهوم العد دون غيره من المفاهيم إلا اللقب فقالوا أن مذكور العدد لا يدل على مخالفة حكم الزائد عليه أو الناقص عنه إلا بقرينة، وقد علمت من صريح ما تقدم أن الخلاف السابق إنما هو في مفاهيم المخالفة أما مفهوم الموافقة فقد اتفقوا على أنه حجة فالتمسك به في الأحكام","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"الشرعية صحيح وإن اختلفوا في طريق الدلالة عليه كما تقدم.\r( مسألة ) قيل أن الغاية منطوق بالإشارة كما تقدم لتبادره إلى الأذهان وبه قال القاضي أبوبكر الباقلاني والحق أنه مفهوم كما تقدم ولا يلزم من تبادر الشيء إلى الأذهان أن يكون منطوقاً.\r( ومراتب مفاهيم المخالفة سبع ) وفائدة ترتيبها تظهر عند التعارض فإذا تعارض مفهومان قدم الأعلى رتبة ( وأعلاها ) مفهوم ما يشتمل على نفي واستثناء نحو لا عالم إلا زيد إذ قد نقل عن جمع أنه منطوق صراحة لسرعة تبادره إلى الأذهان ( ثم ما قيل ) أن منطوقه بالإشارة وهو مفهوم الغاية كما مر، وفي رتبته مفهوم إنما لأنه سيأتي قول بأنه منطوق إشارة ( ثم مفهوم الشرط ) إذ لم يقل أحد أنه منطوق لا صريحاً ولا إشارة ومثله مفهوم فصل المبتدأ عن الخبر بضمير الفصل ( ثم مفهوم الصفة المناسبة ) لأن بعض القائلين بمفهوم الشرط كابن سريج خالف في مفهوم الصفة ( ثم مفهوم ) مطلق الصفة غير العدد من نعت وحال وظرف وعلة غير مناسبات ( ثم مفهوم العدد ) لانكار قوم له دونها (ثم مفهوم ) تقديم المعمول وهو آخرها وثبوت هذا النوع بما ادعاه البيانيون من إفادته الاختصاص وهو الحصر أخذاً من موارد الكلام البليغ وخالفهم ابن الحاجب في شرح المفصل وأبو حيان في تفسيره في ذلك، فقال كل منهما أن تقديم المعمول لا يفيد الاختصاص ( وقال والد المصنف ) الاختصاص ثابت لكنه ليس هو الحصر بل قصد الخاص من جهة خصوصه أي قصد المعمول في السياق من حيث معموليته فيقدم لفظه لافادة ذلك نحو زيداً ضربت وقد ينضم إليه الحصر لخارج كما في { إياك نعبد } واختاره المصنف في شرح المختصر.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"( مسألة ) اختلف في إفادة إنما بالكسر للحصر فقال أبو إسحاق الشيرازي والغزالي وأبو الحسن الكيا والإمام الرازي وغيرهم تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور نحو إنما قام زيد أي لا عمروا أو نفي غير الحكم عن المذكور نحو إنما زيد قائم أي لا قاعد بطريق المفهوم كما مر ( وقيل تفيده ) منطوقاً بالإشارة كما تقدم أيضاً لتبادر الحصر إلى الأذهان منها، وقال الآمدي وأبو حيان كقول أبي حنيفة من جملة ما تقدم من إنكاره جميع المفاهيم لا تفيد الحصر لأنها إن المؤكدة وما الكافه الزائدة فلا تفيد النفي الذي يتضمنه الحصر وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط وعلى ذلك حديث مسلم ((إنما الربا في النسئة)) إذ ربا الفضل ثابت إجماعاً واستفادة النفي في بعض المواضع كما في { إنما إلهكم الله } من أمر خارج، وذلك أنه سيق للرد على المخالفين في اعتقادهم آلهة غير الله ( وأجيب ) من جانب الأكثر بأنه لا يعد في إفادة المركب مالم تفده أجزاؤه كالخبر المتواتر فإنه يفيد العلم مع تركبه من آحاد كل منها لا يفيده وعن الحصر في خبر ((إنما الربا في النسيئة)) بما أشار إليه الإمام الشافعي أنه حصر إضافي بالنسبة إلى سؤال جماعة عن الربا في المختلفين كذهب وفضة وتمر وبر، لا حصر حقيقي ( وتظهر فائدة الخلاف ) فيما لو قيل إنما قام زيد ثم قيل وعمروا، فمن قال بالمفهوم جعله تخصيصاً ومن قال بالمنطوق جعله نسخاً كذا قال الولي أبو زرعة.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"( وأما أنما ) بالفتح المركبة من أن المصدرية وما الكافة فالأصح من أقوال ثلاثة أن حرف أن فيها فرع إن المكسورة اللازم له فرعية أنما بالفتح لإنما بالكسر ومن ثم ادعى الزمخشري وتبعه البيضاوي إفادتها الحصر في تفسير قوله تعالى { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } لأن ما ثبت للأصل يثبت للفرع حيث لا معارض والأصل انتفاؤه ونقل المصنف إفادتها الحصر عن التنوخي أيضاً في الأقصى القريب، ( والجمهور ) على بقاء أن فيها على مصدريتها مع كفها بما فلا تفيد الحصر والفرع لا يجب أن يجري على وتيرة الأصل في جميع أحكامه، وقيل المفتوحة أصل للمكسورة، وقيل كل منهما أصل بنفسه.\r( مسألة ) من ألطاف الله تعالى احداث الموضوعات اللغوية ليعبر بها كل من الناس لغيره عما في ضميره مما يحتاج إليه من أمر معاشه ومعاده حتى يعاونه عليه لعدم استقلاله به غالباً وهي أكثر فائدة من الإشارة والمثال لأنها تعم الموجود والمعدوم وهما يخصان الموجود المحسوس وهي أيسر منهما لموافقتها للأمر الطبيعي دونهما، فإنها كيفيات تعرض للنفس الضروري فتدل على المقصود وتفصح عنه من غير كلفة.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"( والموضوع اللغوي ) اللفظ الدال على معنى فخرج اللفظ المهمل ويعرف بثلاث طرق بالنقل تواتر كالسماء والأرض والحر والبرد واللذة والألم لمعانيها المعروفة فإنها تفيد القطع بذلك، وتعرف بالنقل آحاداً كالقرء للحيض والطهر فإنه يفيد الظن بذلك، وتعرف أيضاً باستنباط العقل من النقل ككون ال للعموم في الجمع المعرف الذي لا حصر فيه فإن العموم مستفاد من مقدمتين نقليتين حكم العقل بواسطتهما به إحداهما أنه يدخله الاستثناء والثانية أن الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ ، فحكم العقل عند وجود هاتين المقدمتين بأنه للعموم، ونظم الدليل هكذا الجمع المحلى بأل يدخله الاستثناء وكل ما يدخله الاستثناء عام فينتج من الشكل الأول المحلي بأل عام ( ولا تعرف الموضوعات بمجرد العقل ) إذ لا مجال له في ذلك .\r( ومدلول ) اللفظ ينقسم إلى معنى ولفظ ( والأول ) إما معنى جزئي وهو ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كمدلول لفظ زيد بمعنى ما يصدق عليه من الذات المشخصة، أو كلي وهو ما لا يمنع نفس تصوره وقوع الشركة فيه كمدلول الإنسان أي مفهومه وهو الحيوان الناطق ( والثاني وهو اللفظ ) اما لفظ مفرد مستعمل كمدلول الكلمة بمعنى ما صدقها كرجل وضرب وهل ، فهي القول المفرد والقول اللفظ الموضوع لمعنى ( أو لفظ مفرد مهمل ) كمدلول أسماء حروف الهجاء على ما صدقاتها كالجيم واللام والسين أسماء لحروف جلس أي جه له سه ( أو مركب مستعمل ) كمدلول لفظ الخبر أي ما صدقه نحو قام زيد ( أو مركب مهمل ) كمدلول لفظ الهذيان أي ما صدقه نحو ديز ماق وفي وضع المركب ووجود المهمل خلاف يأتي في مبحث الأخبار.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"( والوضع جعل اللفظ دليلاً على المعنى ) أي جعله متهيئاً لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على وجه مخصوص كتسمية الولد زيداً وعرّفه بعضهم بأنه تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني فيصدق الحدان على الوضع الشرعي والعرفي حقيقة ومجازاً كما يصدقان على اللغوي كذلك خلافاً للقرافي حيث قال أن الشرعي والعرفي في الحقيقة كثرة استعمال اللفظ في المعنى بحيث يصير أشهر منه في غيره، نعم الكثرة المذكورة طريق لمعرفتها، كما أن النقل عن أهل الفن الذي هو الأصل في اللغوي أيضاً طريق أيضاً لمعرفة الوضع العرفي الخاص.\r( ولا يشترط عند الجمهور ) مناسبة اللفظ للمعنى في وضعه له خلافاً لعبَّاد بن سليمان الصيمري من المعتزلة حيث أثبتها بين كل لفظ ومعناه قال وإلا فلم اختص به ( واختلف النقل عنه ) فقيل إن إثباتها عنده بمعنى أنها حاملة على الوضع على وفقها فالوضع على هذا محتاج إليه وهو مقتضى نقل الآمدي عنه وقيل بمعنى أنها كافية في دلالة اللفظ على المعنى فلا يحتاج إلى الوضع يدرك ذلك من خصه الله به كالقافة وهذا هو الصحيح عن عبَّاد ، ( وأجيب ) بأن مناسبة الموضوع للضدين كالجون للأبيض والأسود محال، وبأنها لو كانت دلالة اللفظ ذاتية لما اختلفت باختلاف الأمم ولاهتدى كل إنسان إلى كل لغة.","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"( واللفظ الدال على معنى له جهتان ) جهة إدراكه بالذهن واجهة تحققه في الخارج هل الوضع له باعتبار الجهة الأولى أو الثانية أو من غير نظر إلى شيء منهما ( قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع ) هو موضوع للمعنى باعتبار جهة تحققه في الخارج لا باعتبار جهة إدراكه في الذهن ونصره ابن مالك في شرح المفصل ( وقال الإمام الرازي ) هو موضوع للمعنى الذهني وإن لم يطابق الخارج واختاره البيضاوي لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجودا وعدماً فإن من رأى شبحاً من بعيد تخيله طللا سماه طللا فإذا تحرك وتخيله شجراً سماه شجراً فلما قرب منه ورآه رجلاً سماه رجلاً ( وأجيب بأن ) اختلاف الإسم لاختلاف المعنى في الذهن لظن أنه في الخارج كذلك لا لمجرد اختلافه في الذهن فالموضوع له ما في الخارج والتعبير عنه تابع لادراك الذهن جسما أدرك لكن قال العلامة البناني الظاهر ما قاله الإمام بل هو الحق كما نبَّه عليه غير واحد لأن الجزئيات الخارجية لا تنحصر ولا تنضبط انتهى وقال والد المصنف هو موضوع للمعنى من حيث هو من غير اعتبار جهة بعينها فاستعماله في كل من الذهني والخارجي حقيقي على هذا دون الأولين ( والخلاف ) كما قال المصنف في منع الموانع في إسم الجنس والمراد به النكرة لا بمعنى الفرد الشائع بل ما يقابل المعرفة وهو ما وضع لغير معين سواء كان ماهية أو فرداً شائعاً لأن المعرفة منها ما وضع للخارجي كزيد ومنها ما وضع للذهني كهذا كما سيأتي ( واعترض ) بأن الاسم النكرة موضوع للحقيقة من حيث هي ( وقيل ) موضوع لفرد منتشر يتناول جميع الافراد على البدل وعلى هذين القولين مدلوله كلي والكلي يلزم أن يكون ذهنياً ( ولا يجب ) أن يكون لكل معنى لفظ موضوع للدلالة عليه بل يجوز الوضع وعدمه فإن الروائح مع كثرتها ليس لها ألفاظ لعدم انضباطها ويدل عليها بالتقييد كرائحة كذا ومثلها معظم أنواع الآلام ( نعم ) كل معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه يجب له الوضع لأجل","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"الإفهام بالمخاطبة.\r( والمحكم من اللفظ ) المتضح المعنى من نص أو ظاهر ولو بالقرينة ( والمتشابه ) مالم يتضح معناه من مجمل وما ظاهره غير مراد بل استأثر الله بعلمه ولا مانع من أن يطلع الله عليه بعض أصفيائه ومنه الآيات والأحاديث المشكلة في ثبوت الصفات لله تعالى، وهذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } ( قال الإمام ) الرازي في المحصول: واللفظ الشائع بين العوام والخواص لا يجوز عرفا أن يكون لمعنى خفي على العوام لامتناع تخاطبهم بما هو خفي عليهم كقول مثبتي الأحوال من المتكلمين الحركة معنى توجب تحرك الجسم فإن هذا المعنى خفي التعقل على العوام فلا يجوز أن يكون معنى الحركة الشائعة بين الجميع والمعنى الظاهر لها انتقال الجسم لا أنها معنى أوجب الانتقال.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"( مسألة ) اختلف في واضع اللغات، فقال ابن فورك والجمهور اللغات توقيفية وضعها الله تعالى علمها عباده بالوحي أو خلق الأصوات في بعض الأجسام كشجرة أو خلق العلم الضروري في علم العباد بها، وعزي هذا القول إلى الأشعري ومحققوا كلامه لم يذكروه في المسألة أصلاً، واستدل لهذا القول بقوله تعالى { وعلم آدم الأسماء كلها } وتعليمه تعالى دال على أنه الواضع دون البشر وقال أكثر المعتزلة: هي اصطلاحية بمعنى أن الواضع لها واحد من البشر أو جماعة حصل عرفانها بالإشارة والقرينة كالطفل إذ يعرف لغة أبويه بهما واستدل لهذا القول بقوله تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } أي بلغتهم فهي سابقة على البعثة وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني: القدر المحتاج إليه منها في التعريف للغير توقيفي وغيره محتمل الأمرين وقيل عكسه وتوقف كثير من العلماء عن القول بواحد من هذه الأقوال وعزاه في المحصول لجمهور المحققين ومختار المصنف تبعاً لابن الحاجب الوقف عن القطع بواحد منها لأن أدلتها لا تفيد القطع وإن الأول مظنون لظهور دليله ( وهذا الخلاف ) لا تظهر له فائدة ولهذا قال الأبياري ذكر هذه المسئلة في الأصول فضول انتهى وإنما ذكرناها هنا لئلا يفرط علينا شيء من مسائل الأصل.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"( مسألة ) اختلف في أن اللغة هل تثبت بالقياس أم لا؟ قال القاضي أبوبكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي والآمدي والصيرفي وأكثر الحنفية: لا تثبت وهو ما رجحه ابن الحاجب وخالفهم ابن سريج وابن أبي هريرة وابن السمعاني وأبو إسحاق الشيرازي والقاضي أبو الطيب والإمام الرازي، ( فقالوا تثبت ) اللغة قياساً فإذا اشتمل معنى اسم على وصف مناسب للتسمية ووجد ذلك الوصف في مسمى آخر ثبت له بالقياس ذلك الاسم لغة فيثبت مثلا للنبيذ التسمية بالخمر لغة قياساً لوجود الوصف المناسب وهو تخمير العقل أي تغطيته فيهما، فيجب اجتنابه بنص آية { إنما الخمر والميسر } لا بالقياس على الخمر ( وقيل تثبت ) الحقيقة قياساً لا المجاز لأنه أخفض رتبة منها وللعلامة ابن قاسم استشكال قوي في تصوير القياس في المجاز لم يظهر له جواب فراجعه ( أما الأعلام ) فلا يجري فيها القياس اتفاقاً لأنها غير معقولة المعنى والقياس فرع المعنى وكذلك الصفات كاسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما لأنه لابد في القياس من أصل وهو غير متحقق فيها فإنه ليس جعل البعض أصلاً والبعض فرعاً بأولى من العكس واطرادها في محالها مستفاد من الوضع كوضعهم القايم مثلاً لكل من قام ولفظ القياس يغني عن قول ابن الحاجب محل الخلاف ما لم يثبت تعميمه باستقراء فإن ما ثبت تعميمه بالاستقراء من اللغة كرفع الفاعل ونصب المفعول لا حاجة في ثبوت ما لم يسمع منه إلى القياس حتى يحسب من المختلف في ثبوته .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"( مسئلة ) ينقسم اللفظ إذا نسب للمعنى باعتبار وحدة معناه وتعدده إلى قسمين ( الأول اللفظ الواحد للمعنى الواحد ) ثم إن منع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة فيه سمى جزئياً كالأعلام والضمائر وأسماء الإشارة والمعهود بأل ، وإن لم يمنع الوجود في الخارج كشريك الباري والجمع بين الضدين أو كان ممكنه ولكن لا يوجد كالعنقاء أو كان الموجود واحدا فقط مع امتناع غيره كواجب الوجود أو مع إمكانه كالشمس أو كان الموجود كثيراً متناهياً كالكوكب إذ افراده السبعة السيارة أو غير متناه كالإنسان وما تقدم من تسمية المدلول بالجزئي والكلي هو الحقيقة وما هنا مجاز تسمية الدال باسم المدلول ( ثم إن كان ) حصول معنى الكلي في افراده على السواء كالانسان فإن كل واحد من افراده لا يزيد على الآخر في معنى الإنسانية وهي الحيوانية والناطقية سمى متواطئاً لتواطؤ أفراده أي توافقها في معناه ( وإن كان ) حصوله بأولية أو أولوية أو شدة في بعضها كالوجود في الواجب والممكن وكالبياض في الثلج والعاج والنور في الشمس والسراج سمى مشككا لتشكيكه الناظر فيه في أنه متواطئ نظرا إلى جهة اشتراك الافراد في أصل المعنى أو غير متواطئ نظرا إلى جهة الاختلاف وبعض المناطقة لم يعتبر هذا قسماً على حدة بل جعله من المتواطئ ( والثاني اللفظ الواحد للمعنى المتعدد ) ثم إن كان موضوعاً للمعنيين مثلا على السواء بحيث يكون موضوعاً لكل منهما من غير نظر إلى الآخر كالعين للباصرة والذهب سمى مشتركاً لاشتراك المعنيين فيه ( وإن وضع لأحدهما أو لا ثم نقل إلى آخر ) فإن اشتهر فيه بأن هجر استعماله في المعنى الأول أو قل سمي منقولاً سواء كان الناقل له أهل الشرع أو أهل العرف العام أو أهل العرف الخاص ، فالأول كالصلاة فإنها وضعت لغة للدعاء ثم نقلها صاحب الشرع إلى الأركان المعلومة والثاني كالدابة وضعت في الأصل لكل ما يدب في الأرض ثم نقلها أهل العرف العام إلى ذوات الأربع من الخيل","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"ونحوها والثالث كفعل النحاة وضع في الأصل للحدث الصادر من الفاعل كالأكل والضرب ثم نقله النحاة إلى كلمة دلت على معنى الخ ( وإن نقل بعد وضعه للأول إلى آخر لعلاقة بينهما ) ولم يشتهر استعماله فيه بل كان مستعملاً فيهما كالأسد للحيوان المفترس وللرجل الشجاع سمي إن استعمل في الأول حقيقة وإن استعمل في الثاني مجازاً ( هذا تقسيم ) اللفظ بالقياس إلى نفسه لا بالقياس إلى لفظ آخر وبالنظر إلى نفس معناه لا بالنظر إلى حال معناه ( وأما تقسيمه ) بالنسبة إلى غيره من الألفاظ فاللفظ إذا نسب إلى لفظ آخر فلا يخلو إما أن يتفقا في المعنى أو يختلفا ، فإن اتفقا فاللفظان مترادفان كالأسد والليث وإن اختلفا فاللفظان متباينان كالإنسان والفرس والمراد بالتباين هنا ما هو أعم من التباين كلياً أو في الجملة فيدخل حينئذ تحته العموم والخصوص المطلق والوجهي وحيث أريد بمعنى اللفظ مفهومه دخل المتساويان كالانسان والناطق في المتباينين أو ما صدقه دخلا في المترادفين .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"( والعلم ) لفظ وضع لمعين لا يتناول غيره فخرج بوضع لمعين النكرة لأنها لم توضع لمعين باعتبار تعينه وبلا يتناول غيره ما عدا العلم من أقسام المعرفة فإن كلاً منها وضع لمعين ، وهو أي جزئي يستعمل فيه ويتناول غيره بدلاً عنه فأنت مثلاً وضع لعمرو المخاطب ويتناول زيداً المخاطب بدله وبكراً وهلم وكذا الباقي ( ثم العَلَمُ ) منقسم إلى علم شخص وعلم جنس ( فعلم الشخص ) ما وضع لمعين في الخارج لا يتناول غيره من حيث الوضع له فلا يخرج العلم العارض الاشتراك كزيد مسمى به كل من جماعة ( وعلم الجنس ) ما وضع لمعين في الذهن بشرط ملاحظة التعين فيه كأسامة علم لماهية الأسد الحاضرة في الذهن ( واسم الجنس ) لفظ وضع للماهية من غير أن يلاحظ تعينها في الذهن أو في الخارج كأسد لماهية السبع ، والدال على اعتبار التعين في علم الجنس اجراء أحكام علم الشخص اللفظية عليه حيث منع من الصرف مع تاء التأنيث وأوقع الحال منه نحو هذا أسامة مقبلا ، ومثله في التعين المعرف بلام الحقيقة نحو الأسد أجرأ من الثعلب كما أن مثل النكرة في الإبهام المعرف بلام الجنس بمعنى بعض غير معين نحو ان رأيت الأسد ففر منه أي فر ذا منه .\r( تنبيه ) كل اسم جنس يصح اعتباره نكرة كالعكس فأسد ورجل مثلاً ان اعتبرتهما دالين على الماهية من حيث هي فاسماء جنس ، وإن اعتبرتهما دالين على الفرد الشايع فنكرتان انتهى من البناني .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"( مسئلة ) الاشتقاق أنواع ثلاثة صغير وكبير وأكبر ( فالأول ) وهو المراد عند الإطلاق رد لفظ إلى لفظ آخر بأن يحكم بأن اللفظ المشتق مقتطع من المشتق منه ولو كان الثاني مجاز المناسبة بينهما في المعنى كأن يكون معنى الثاني في الأول وفي الحروف الأصلية بأن تكون فيهما على ترتيب واحد كما في الناطق من النطق بمعنى التكلم حقيقة ، وبمعنى الدلالة مجازاً وقد يمنع الاشتقاق من المجاز كما في الأمر بمعنى الفعل مجازاً كما سيأتي فلا يقال منه آمر ولا مأمور بخلاف الأمر حقيقة بمعنى القول ( والكبير ) رد لفظ لآخر لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية من غير ترتيب للحروف كما في الجبذ وجذب ( والأكبر ) ليس فيه جميع الأصول كما في الثلم وثلب ، ولابد في تحقق الاشتقاق من تغير بين اللفظين تحقيقاً كما في ضرب من الضرب أو تقديرا كما في طلب من الطلب فيقدر أن فتحة اللام في الفعل غيرها في المصدر كما قدر سيبويه أن ضمة النون في جنب جمعاً غيرها فيه مفرداً ، وقد يطرد المشتق لغة كاسم الفاعل نحو ضارب لكل واحد وقع منه الضرب وقد يختص ببعض الأشياء كالقارورة من القرار للزجاجة المعروفة دون غيرها مما هو مقر للمايع كالكوز ولاطراده واختصاصه ضابط مذكور في المطولات .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"( ومن لم يقم به وصف ) لم يجز أن يشتق له من لفظه اسم قال المصنف في الأصل خلافاً للمعتزلة أي في تجويزهم ذلك مع أن المعتزلة لم يصرحوا به وإنما قاله أخذاً من تفهيم عن الله صفاته الذاتية كالعلم والقدرة وموافقتهم على أنه عالم قادر مثلاً أي فيلزمهم التجويز المذكور ، وفي الحقيقة لم يخالفوا فيما مر لأنهم لم يطلقوا عليه المشتق إلا بعد اثبات الصفات له لموافقتهم على تنزيهه عن أضدادها وإنما ينفون زيادتها على الذات فيقولون عالم بذاته لا بصفة زائدة عليها ، أي أن الذات من حيث انكشاف المعلومات بها علم ، ومتكلم بذاته لا بصفة زائدة عليها بل بمعنى أنه خالق الكلام في جسم كالشجرة بناء على نفيهم الكلام النفسي وانحصار الكلام عندهم في الحروف والأصوات الممتنع اتصافه تعالى بها وهكذا في البواقي وإنما قالوا ذلك فرارا من تعدد القدماء على أن تعدد القدماء إنما هو محذور في ذوات ، لا في ذات وصفات ( وما ذكره ) في الأصل من أن قول بعض المعتزلة أن إسماعيل عليه السلام غير مذبوح مع قوله بأن ابراهيم عليه السلام ذابح مبنى على ذلك التجويز لأن القائل بهذا أطلق الذابح على من لم يقم به الوصف المستق منه وهو الذبح لايتم لأن القائل بهذا أطلق الذابح على إبراهيم عليه السلام بمعنى أنه ممر آلته لا قاطع كما توهمه المصنف فالاشتقاق باعتبار اطلاق الذبح على الأمرار مجازا فلم يخالف في الحقيقة لأنه لم يشتق إلا من صفة قائمة بالمشتق ( وعندنا ) لم يمر الخليل آلة الذبح على محله من إبنه لنسخه قبل التمكن منه لقوله تعالى ( وفديناه بذبح عظيم ) فليس إبراهيم عليه السلام ذابحاً ولا اسماعيل عليه السلام مذبوحاً ( وإذا قام ) بالشيء وصف له اسم ثبت الاشتقاق لغة من ذلك الاسم لمن قام به الوصف كاشتقاق العالم من العلم لمن قام به معناه ما لم يمنع منه فلا يطلق على الله عز وجل فاضل وإن كان الفضل ثابت له لعدم وروده ( وإن قام بالشيء ) وصف لا اسم له كانواع","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"الروائح والآلام لم يجز الاشتقاق لاستحالته ، ( واطلاق المشتق ) عند وجود المعنى المشتق منه في محله عليه كالضارب لمباشر الضرب حقيقة اتفاقاً وقبل وجود المعنى كالضارب لمن سيضرب وكقوله تعالى ( إنك ميت ) مجاز اتفاقاً ، أما بعد انقضاء المعنى فالجمهور من العلماء على أن اطلاقه على المحل حقيقة بشرط استمرار وجود المعنى بتمامه إن كان ممكن الاستمرار كالقيام ، أو حصول آخر جزء منه إن لم يمكن استمراره كالتكلم المنقضي شيئاً فشيئاً فإذا لم يبق المعنى أو جزءه الأخير في المحل يكون اطلاق المشتق على محل المعنى مجازاً ( وقيل ) لا يشترط بقاء ما ذكر ، فيكون اطلاق المشتق بعد انقضاء المعنى حقيقة استصحاباً للاطلاق وبه قال الآمدي ونقل عن جماعة من المعتزلة منهم أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وابن سينا ( وثالث الأقوال ) الوقف عن الاشتراط وعدمه لتعارض دليليهما ( ومن أجل اشتراط بقاء المعنى ) إن أمكن أو آخر جزء منه إن لم يمكن في كون المشتق حقيقة كان اسم الفاعل الذي هو من جملة المشتق حقيقة في المتلبس بالمعنى حال تلبسه به أو بجزئه الأخير سواء كان ذلك التلبس في حال النطق أو في الحال التي قبله أو التي بعده فقوله تعالى مثلاً ( الزانية والزاني فاجلدوا ) معناه تعلق الجلد بكل من اتصف بالزنا حال تلبسه به ، فيشمل من كان متصفاً به وقت نزول الآية الذي هو حال النطق ، ومن كان متصفاً به قبله ومن سيتصف بذلك بعده باعتبار حال اتصافه بالزنا وقيام معناه به ولا يشمل من لم يتصف بالزنا حال نزول الآية ولكنه سيتصف بذلك الا مجازاً فإن باشر الزنا بعد كان مشمولاً لها وكذا القول في قوله تعالى والسارق والسارقة واقتلوا المشركين ونحوها ( وخالف القرافي ) فقال معنى الحال في المشتق أن يكون التلبس بالمعنى حال النطق به لكنه قصر قولهم اسم الفاعل حقيقة في الحال على المحكوم به نحو زيد ضارب أما في غير المحكوم به كالآيات الشريفة فحقيقة مطلقاً وسلم","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"له الأسنوي قصرها على المحكوم به نحو زيد ضارب أما في غير المحكوم به كالآيات الشريفه فحقيقة مطلقاً وسلم له الأسنوي قصرها على المحكوم به ( وقال الآمدي ) إن طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الوصف الأول أو يضاده كالسكون بعد الحركة أو السواد بعد البياض لم يسم المحل بالمشتق من إسم الوصف الأول اجماعاً ، وإنما الخلاف في غير ذلك واعتمده الزركشي وتلميذه البرماوي ( قال الشارح ) والأصح جريانه فيه إذ لا يظهر بينه وبين غيره فرق لكن الآمدي حكى اجماع المسلمين وأهل اللسان على أنه لا يجوز تسمية القاعد قائماً والقائم قاعدا للقيام أو القعود السابق وهو مقتضى كلام الإمام واتباعه فإنهم ردوا على الخصوم بأنه لا يصح أن يقال لليقظان نائم باعتبار النوم السابق ( وليس ) في المشتق الموضوع لذات مبهمة باعتبار وصف معين كالأسود اشعار بخصوصية تلك الذات من كونها جسماً أو غير جسم لأن قولك مثلاً الأسود جسم صحيح ولو أشعر الاسود فيه بجسمية الذات لكان في مثابة قولك الجسم ذو السواد جسم وهو غير صحيح لعدم إفادته لأنه تحصيل حاصل .\r( مسئلة ) الأصح أن المترادف واقع في الكلام العربي قرآناً وغيره كالإنسان والبشر ، وقعد وجلس ونعم وجير ولغة العرب طافحة به ( وخالف ) ثعلب وابن فارس والزجاج وابن هلال العسكري في نفيهم وقوعه مطلقاً في الاسماء الشرعية واللغوية قالوا وما يظن مترادفاً كالإنسان والبشر فمتباين بالصفة فالإنسان باعتبار النسيان وأنه يأنس والبشر باعتبار بدو البشرة وهكذا ( وخالف الإمام الرازي ) في نفيه وقوعه في الأسماء الشرعية ، قال لأن المترادف ثبت على خلاف الأصل للحاجة إليه في النظم والسجع مثلاً ، وذلك منتف في كلام الشارع ( ويجاب ) بأن من فوائد الترادف أن أحد اللفظين قد لا يناسب نحو الفواصل دون الآخر وذلك متأت في كلام الشارع لاعتبار الفواصل فيه بل قد تقتضيها البلاغة قاله العلامة بن قاسم .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"( والحد والمحدود ) كالحيوان الناطق والإنسان غير مترادفين على الأصح ، لأن الحد يدل على أجزاء الماهية تفصيلاً والمحدود يدل عليها اجمالاً وما به التفصيل غير ما به الإجمال ، وقيل أن الحد والمحدود مترادفان وقال القرافي في التنقيح هو غير المحدود أن أريد اللفظ ونفسه إن أريد المعنى وأخذ ذلك من قول الغزالي في المستصفى أن ذلك ليس خلافاً بل من نظر إلى الحقيقة في الذهن قال أنه نفسه ، ومن نظر إلى العبارة عنها قال أنه غيره أما الحد اللفظي فمترادف قطعاً ( والإسم وتابعه ) وهو الذي لا يستعمل منفرداً وإنما يستعمل مع متبوعه نحو حسن بسن وخراب بباب وعطشان نطشان غير مترادفين كذلك على الأصح لأن التابع لا يفيد المعنى بدون متبوعه ، ومن شأن كل مترادفين أفادة كل منهما المعنى وحده ، والقائل بالترادف يمنع ذلك ( والحق ) أن التابع يفيد تقوية المتبوع وإلا لم يكن لذكره فائدة وذهب الآمدي إلى أنه لا فايدة للتابع أصلاً ، وهو ظاهر قول البيضاوي والحق أيضاً وهو اختيار ابن الحاجب صحة وقوع كل رديف مكان الآخر إن لم يكن تعبد بلفظه إذ لا مانع من ذلك خلافاً للإمام الرازي وأتباعه في نفيه ذلك من لغتين أو من لغة ( قال والقول الأول ) وهو الجواز أظهر في أول النظر والثاني الحق وخلافاً للبيضاوي والصفي الهندي في نفي ما ذكر إذا كان الرديفان من لغتين لعدم استقامة الكلام لأن ضم لغة إلى أخرى بمثابة ضم مهمل إلى مستعمل ، أما ما تعبد بلفظه كتكبيرة الإحرام عندنا للقادر فلا يقوم مرادفه مقامه قطعاً لعروض التعبد عند الشافعي وأحمد ، وخالف فيه أبو حنيفة فجوزه أيضاً .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"( مسئلة ) في المشترك أقوال ، أصحها أنه واقع في الكلام جوازا خلافاً لثعلب والأبهري والبلخي في نفيهم وقوعه في القرآن والحديث وغيرهما مع تجويزهم له قالوا وما يظن مشتركاً فهو إما حقيقة ومجازاً أو متواطئ كالعين حقيقة في الباصرة مجاز في غيرها كالذهب لصنائه والشمس لضيائه وكالقرء للقدر المشترك بين الطهر والحيض وهو الجمع وقيل المعروف عن هؤلاء الإحالة ( وخلافاً لقوم ) منهم ابن داؤد الظاهري في نفيهم وقوعه في القرآن قالوا لأنه لو وقع فيه مبيناً ففيه طول بلا فائدة أو غير مبين فلا فائدة فيه والقرآن منزه عن ذلك ورد بوقوع نحو القرء وعسعس ( وقيل لا يقع ) في الحديث أيضاً ، والقائل به يقول ما قاله نفاة وقوعه في القرآن ( وأجيب ) باختيار وقوعه غير مبين ويكفي في الإفادة إرادة أحد معنييه مثلاً الذي سيبين فإن لم يبين حمل على المعنيين كما سيأتي ( وقيل هو واجب الوقوع ) لأن المعاني أكثر من الألفاظ الدالة عليها ( وأجيب ) بمنع ذلك إذ ما من مشترك إلا ولكل من معنييه مثلاً لفظ يدل عليه ( وقيل ) وقوعه ممتنع لاخلاله بالفهم المقصود من الوضع للمراد ، وأجيب بأنه يفهم بالقرينة والمقصود من الوضع الفهم التفصيلي أو الإجمالي المستند إلى القرينة فإن انتفت حمل على المعنيين كما سيأتي ( وقال الإمام الرازي ) هو ممتنع بين النقيضين كوجود الشيء وانتفائه ، إذ لو جاز وضع لفظ لم يفد سماعه غير التردد بينهما وهو حاصل في العقل ( وأجيب ) بأنه قد يغفل عنهما فيستحضرهما ثم يبحث عن المراد منهما .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"( مسئلة ) يصح لغة وبه قال الأكثرون اطلاق المشترك على معنييه مثلاً معاً مجازاً بأن يراد به كل منهما من متكلم واحد في وقت واحد كقولك عندي عين ، وتريد الباصرة والذهب مثلا وليست الجون وتريد الأبيض والأسود وإنما كان اطلاقه عليهما مجازا لأنه لم يوضع لهما معاً وإنما وضع لكل منهما من غير نظر إلى الآخر بأن تعدد الواضع أو تعدد وضع الواحد نسياناً للأول أو قصد ابهام ويكون من الله تعالى اختباراً واختيار المصنف مجازيته تبع فيه ابن الحاجب وإليه ميل إمام الحرمين ( ونقل عن الشافعي ) والمعتزلة وقال به القاضي أبوبكر الباقلاني أن اطلاقه عليهما حقيقة نظراً لوضعه لكل منهما ، وزاد الشافعي أنه ظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن المعينة لأحدهما كالمصحوب بالقرائن المعممة لهما فينصرف عند اطلاقه عليهما لظهوره فيهما كقولك عندي عين أشرب منها وانفق منها ( ونقل عن القاضي ) أنه عند التجرد عن القرائن المعينة والمعممة مجمل لم يتضح المراد منه ولكن يحمل عليهما احتياطاً لا حقيقة على ما نقله الإمام الرازي عن القاضي لكن الذي في تقريبه أنه لا يجوز حمله عليهما احتياطاً لا حقيقة على ما نقله الإمام الرازي عن القاضي لكن الذي في تقريبه أنه لا يجوز حمله عليهما ولا على أحدهما إلا بقرينة ( وقال أبو الحسين ) البصري من المعتزلة والغزالي يصح أن يراد بالمشترك كلا معنييه عقلاً لا إن ما يراد منهما لغة ، لا حقيقة كما قاله الشافعي ومن تبعه ولا مجازا كما رجحه المصنف وابن الحاجب وعليه البيانيون والحنفية وغيرهم لمخالفته لوضعه السابق ، إذ قضيته أن يستعمل في كل منهما منفرداً فقط ( وقيل يصح لغة ) أن يراد به المعنيان في النفي ومثله النهي لا في الإثبات ومثله الأمر ، فنحو لا عين عندي يجوز أن يراد به المعنيان بخلاف عندي عين فلا يجوز أن يراد به إلا معنى واحد وزيادة معنى اللفظ في النفي على معناه في الإثبات معهودة كما في عموم النكرة المنفية لا","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"المثبتة .\r( وهل يجوز جمع المشترك باعتبار معنييه مثلاً ) كقولك عندي عيون وتريد مثلاً باصرتين وجارية أو باصرة وجارية وذهبا قيل نعم ورجحه ابن مالك ويؤيده الحديث الايدي ثلاث وقيل لا وبه قال أبو حيان ورجحه ابن الحاجب ( والأكثر من العلماء ) على أن القول بجواز الجمع مبني على صحة الاطلاق وعدم الجواز مبني على المنع ( والأقل ) على أن الجواز المذكور ليس مبنياً على صحة الاطلاق بل يجوز الجمع ولو على القول بمنع اطلاقه على معنييه .\r( والخلاف السابق ) في صحة إرادة المعنيين معاً مثلاً باللفظ المشترك جار في إرادة الحقيقة والمجاز معاً باللفظ الواحد كما في قولك رأيت الأسد وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع فمن قال بالصحة هناك قال بها هنا ومن لا فلا لعدم الفرق لكن القاضي أبوبكر الباقلاني من القائلين بالصحة هناك قطع بعدمها هنا لزعمه الفرق قال لما فيه من الجمع بين متنافيين حيث أريد باللفظ الموضوع له أو لا وغير الموضوع له معاً ( وأجيب ) بأنه لا تنافي بين هذين كذا نقله المصنف عن القاضي ووهمه الزركشي في ذلك ، وقال لم يمنع القاضي استعماله في حقيقته ومجازه وإنما منع حمله عليهما بغير قرينة فاختلطت مسألة الاستعمال بمسئلة الحمل ( وموضوع الخلاف ) كما فرضه ابن السمعاني فيما إذا ساوى المجاز الحقيقة لشهرته وإلا امتنع الحمل قطعياً لأن المجاز لا يعلم تناول اللفظ له إلا بتقييد والحقيقة تعلم بالاطلاق انتهى ، وعلى القول بالصحة يكون اطلاق اللفظ على الحقيقة والمجاز مجازاً أو يكون حقيقة ومجازاً باعتبارين على قياس ما تقدم عن الشافعي وغيره في المشترك ، ويحمل عليهما أن قامت قرينة على إرادة المجاز مع الحقيقة كما حمل الشافعي الملامسة في قوله تعالى ( أو لامستم النساء ) على الجس باليد والوطء .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"( ومن أجل ) الصحة الراجحة المبني عليها حمل اللفظ على حقيقته ومجازه كان الأمر في نحو وافعلوا الخير عاما يصدق على الإيجاب والندب حملاً لصيغة افعل على الحقيقة والمجاز ، بقرينة كون متعلقاتها كالخير شاملاً للواجب والمندوب ، خلافاً لمن خصه بالواجب بناء على أنه لا يراد المجاز مع الحقيقة وخلافاً لمن قال هو للقدر المشترك بين الواجب والمندوب الذي هو مطلوب الفعل بناء على القول الآتي أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو طلب الفعل .\r( والخلاف السابق في المشترك ) جار أيضاً في صحة إرادة المجازين معاً باللفظ الواحد كقولك مثلاً والله لا أشتري وتريد السوم والشراء بالوكيل ، إلا أن قطع القاضي بعدم الصحة في إرادة الحقيقة والمجاز لا يأتي هنا لانتفاء علته ، وعلى القول بالصحة الراجح يحمل اللفظ عليهما إن قامت قرينة على إرادتهما أو تساويا في الاستعمال ولا قرينة تعين أحدهما ( قال الأصفهاني ) وشرطه أن لا يتنافى المجازان كالتهديد والإباحة فإن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز فيهما واطلاق الحقيقة والمجاز على المعنى كما هنا مجازي من اطلاق اسم الدال على المدلول .\r( مبحث الحقيقة والمجاز )","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء فخرج بالمستعمل ما لم يستعمل مما وضع وغيره وبقيد الوضع اللفظ المهمل والغلط كقولك خذ هذا الفرس مشيراً إلى حمار وبقيد الابتداء المجاز وتنقسم باعتبار الواضع إلى ثلاثة أقسام ( لغوية ) وهي ما وضعها واضع اللغة كالأسد للحيوان المفترس ( وعرفية ) وهي ما وضعها أهل العرف العام كالدابة لذوات الأربع كالفرس وهي لغة ما يدب على الأرض أو وضعها أهل العرف الخاص كالفعل للكلمة المعروفة عند النحاة ( وشرعية ) وهي ما وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة ( والأوليان ) وهما اللغوية والعرفية بقسميها وقعتا كما قال المصنف جزما لكن نقل شيخ الإسلام عن القارفي إنكار قوم للعرفية العامة كالشرعية ونفى قوم إمكان الشرعية بناء على اشتراط المناسبة في الوضع بين اللفظ والمعنى المانعة من نقله إلى غيره كما مر ( ونفى القاضي أبوبكر الباقلاني ) وابن القشيري وقوعها لا إمكانها وحكاه الماوردي في الحاوي عن الجمهور قالا ولفظ الصلاة مثلاً مستعمل في الشرع في معناه اللغوي وهو الدعاء بخير لكن اعتبر الشارع في الاعتداد به لا في التسمية على وجه الشرطية لا الشطرية أموراً كالركوع والسجود ( وقال جمهور الفقهاء والمتكلمين والمعتزلة ) وقعت مطلقاً دينية كانت أو فرعية وقال قوم وقعت إلا الايمان فإنه في الشرع مستعمل في معناه اللغوي ، أي تصديق القلب وإن اعتبر الشارع في الاعتداد به لا في التسمية التلفظ بالشهادتين من القادر كما سيأتي قاله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وتوقف الآمدي في وقوعها ( وقال أبو إسحاق الشيرازي ) وإمام الحرمين والإمام الرازي وابن الحاجب واختاره المصنف بوقوع الفرعية كالصلاة والصوم لا الدينية كالايمان والكفر والفسق .","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"( والحقيقة الشرعية ) هي التي وضعها للمعنى من جهة الشرع كالهيئة المسماة بالصلاة ، وقد يطلق الشرعي أيضا على الواجب والمندوب والمباح يقال شرع الله الشيء أي طلبه وجوباً أو ندباً وشرعه أي أباحه ، ولا يخفى مجامعة الأول للاطلاقات الثلاثة إذ يصح أن يطلق على الشيء أنه شرعي ، بمعنى أن اسمه وضع للمعنى من جهة الشرع وأنه شرعي بمعنى أنه واجب أو مندوب أو مباح .\r( والمجاز المراد عند الاطلاق ) اللفظ المستعمل في ما وضع له لغة أو شرعاً أو عرفاً بوضع ثان لعلاقة بين الموضوع لهما ، فخرج بقيد الثانوية الحقيقة فإنها بوضع أول وبالعلاقة العلم المنقول كفضل وزاد البيانيون ومن وافقهم في تعريفه مع قرينة صارفة عن إرادة ما وضع له أولا ، والقائل بهذا قائل بما مر عن الغزالي وأبي الحسين البصري أنه لا يصح أن يراد باللفظ الحقيقة والمجاز معاً لغة ( وقد علم ) من تقييد الوضع بالثانوية وجوب سبق الوضع الاول للمعنى الاول وهو متفق عليه في تحقق المجاز أما استعمال اللفظ في المعنى الأول فالمختار عدو وجوب سبقه في تحقق المجاز إذ لا مانع من أن يتجوز في اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أو لا كالرحمن فإنه مجاز لم يسبق استعماله حقيقة لأنه لم يستعمل إلا لله وحقيقته مستحيلة في حقه تعالى ، فلا يستلزم المجاز الحقيقة كالعكس ( وقيل يستلزمها ) فيجب الاستعمال في المعنى الاول عن الفائدة وأجيب بحصول فيما وضع له ثانياً لأنه لولا الوضع الأول لما وجد الثاني ( ثم ما ذكر ) من عدم وجوب سبق الاستعمال قيل لا تفصيل فيه وهو قول الجمهور وإن حكاه المصنف بصيغة التمريض ، وللمصنف تفصيل تبع فيه الآمدي اختاره مذهبا وقال أنه الأصح إلا أنه لم يسلم له وهو أنه لا يجب سبق الاستعمال إلا في مصدر المجاز فيجب في استعمال مشتقه مجازاً سبق استعماله هو حقيقة فلا يتحقق في المشتق مجاز الا إذا سبق استعمال مصدره حقيقة وإن لم يستعمل المشتق حقيقة وهذا كما قال العلامة","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"اللقاني وغيره منتقض بنحو عسى وليس ونعم وبئس التي لم تستعمل مصادرها لا حقيقة ولا مجازا مع انها مجازات كما قاله السعد والسيد والعضد وغيرهم لاستعمالها في الحدث مجرداً عن الزمان وقد أطبقوا على أن كل فعل موضوع لحدث وزمن من الأزمنة الثلاثة .\r( والمجاز واقع في الكلام ) خلافاً للأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني أو أبي علي الفارسي في نفيهما وقوعه قالا وما يظن مجازا نحو رأيت أسداً يرمي فهو حقيقة وهذا الخلاف إما راجع إلى التسمية فهو لفظي أو يكون قولهما مكابرة وخلافاً للظاهرية كابن داؤد وابن حزم وغيرهما في نفيهم وقوعه في الكتاب والسنة قالوا لأنه كذب بحسب الظاهر لأنه ينفي فيصدق نفيه وكلام الله وكلام رسوله منزه عن الكذب وأجيب بأنه لا كذب مع وجود القرينة على المعنى المجازي لأن النفي لا يصح معه بالنسبة إليه ، وإنما يصح نفي المعنى الحقيقي ( وإنما يعدل المتكلم ) في خطابه إلى المجاز عن الحقيقة التي هي الأصل غالباً أما لثقل الحقيقة على اللسان كالحنفقيق اسم للداهية يعدل عنه إلى الموت مثلا أو لبشاعتها الخرأة يعدل عنها إلى الغائط أو جهلها للمخاطب دون المجاز أو بلاغته نحو زيداً أسداً إذ هو أبلغ من شجاع أو شهرته دونها أو غير ذلك كاخفاء المراد عن غير المتخاطبين الجاهل بالمجاز دون الحقيقة وكعظم معنى المجاز نحو سلام على المجلس العالي فإنه أحسن من سلام عليك ( وليس المجاز غالباً يف كل لغة على الحقيقة ) خلافاً لابن جني في قوله أنه غالب في كل لغة عليها إذ ما من لفظ الا ويشتمل في الغالب على مجاز فيكون استعماله مجازا أكثر من استعماله حقيقة تقول رأيت زيداً وضربته والمرءى والمضروب جزءه قال الصفي الهندي في النهاية قيل وهذا القول هو الحق للاستقراء . ( وليس المجاز معتمداً ) على سبيل الكلية حيث استحالت الحقيقة عقلاً أو عادة وإن اعتبر مع الاستحالة بكثرة خلافاً لأبي حنيفة في قوله بذلك حيث قال فيمن قال لعبده الذي لا","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"يولد مثله لمثله هذا ابني انه يعتق عليه عملاً بالمجاز عند استحالة الحقيقة وإن لم ينو العتق اللازم للبنوة صونا للكلام عن الإلغاء ، وألغيناه كصاحبيه إذ لا ضرورة إلى تصحيحه بما ذكر أما لو نوى العتق أو كان مثل العبد يولد لمثله ولم يكن معروف النسب من غيره فإنه يعتق اتفاقاً أو كان معروف النسب من غيره فأصح الوجهين عندنا كقولهم أنه يعتق عليه مؤاخذة باللازم وإن لم يثبت النسب الملزوم .\r( والمجاز والنقل خلاف الأصل ) فإذا احتمل اللفظ معناه الحقيقي والمجازي فالراجح حمله على الحقيقة لعدم الحاجة فيه إلى قرينة أو احتمل معناه المنقول عنه وإليه فالراجح حمله على المنقول عنه استصحاباً للموضوع له أو لا ( قال العلامة اللقاني ) ينبغي أن يكون الحمل على المنقول عنه بالنسبة إلى غير أهل المنقول عنه وأهل المنقول إليه ، أما بالنسبة إلى أحدهما كأهل اللغة أو أهل الشرع فهو محتمل لمعنييه الحقيقي والمجازي فيقدم الحقيقي حيث كان انتهى مثالهما رأيت اليوم أسداً وصليت أي حيواناً مفترساً ودعوت بخير أي سلامة منه ويحتمل الرجل الشجاع والصلاة الشرعية .\r( ثم إذا تعارض ) من الاحتمالات في اللفظ ما يخل بالفهم فلهم فيه ترتيب قالوا التخصيص أولى من المجاز إذا تعارضا فإذا احتمل الكلام لأن يكون فيه تخصيص ومجاز ، فحمله على التخصيص أولى لتعين الباقي من العام بعد التخصيص ، بخلاف المجاز فإنه قد لا يتعين بأن يتعدد لا قرينة تيعن أحد المجازين مثلاً كقولك والله لا أشتري وقد قامت قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي فبقي الكلام محتملاً لارادة السوم والشراء بالوكيل وكل منهما مجاز ولا قرينة تعين أحدهما دون الآخر .","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"( وإذا تعارض التخصيص والنقل ) فالتخصيص أولى لسلامة التخصيص من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل مثاله قوله تعالى ( وأحل الله البيع ) فقيل هو المبادلة مطلقاً وخص منه الفاسد بالاخراج لعدم حله وقيل نقل شرعا إلى العقد المستجمع شروط الصحة وهما قولان للشافعي ( وما رتبه الشارح ) على هذا من أن ماشك في استجماعه لها أنه يحل ويصح على الأول وعلله بأن الاصل عدم فساده دون الثاني وعلله بأن الأصل عدم استجماعه لشروط الصحة اعترضه العلامة الناصر وغيره بأن بين التعليلين تناقض ، إذا الفساد هو عدم الاستجماع وقد جعله أصلاً مرة وغير أصل آخرى ، وأجاب عنه العلامة بن قاسم بما لا يجدي نفعاً .\r( وإذا تعارض التخصيص والاشتراك ) فالتخصيص أولى من المجاز الذي هو أولى من الاشتراك كما يأتي ، مثاله قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) فقال الحنفي أي ما وطئوه لأن النكاح حقيقة في الوطء فيحرم على الشخص مزنية أبيه ويلزمه الاشتراك لما ثبت في اللغة من أن النكاح حقيقة في العقد لكثرة استعماله فيه حتى أنه لم يرد في القرآن لغيره كما قال الزمخشري أي في غير محل النزاع وقال الشاعفي ومثله ومالك أي ما عقدوا علي فلا تحرم مزنية الأب ويلزمه التخصيص حيث قال تحل للرجل من عقد عليها أبوه فاسداً لتناول العقد للفاسد كالصحيح وقيل لا يتناوله .\r( وإذا تعارض التخصيص والإضمار ) فالتخصيص أولى لأنه أولى من المجاز الذي هو مساو للاضمار على الأصح كما سيأتي مثاله قوله تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) أي في مشروعيته لأن به يحصل الانكفاف عن القتل فيكون الخطاب عاماً أو في القصاص نفسه حياة لورثة القتيل المقتصين بدفع شر القاتل الذي صار عدواً لهم ، فيكون الخطاب مختصاً .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"( وإذا تعارض المجاز والنقل ) فالمجاز أولى لسلامته من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل مثاله قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة ) أي العبادة المخصوصة فقيل هي مجاز فيها عن الدعاء بخير لاشتمالها عليه وقيل نقلت إليها شرعاً .\r( وإذا تعارض المجاز والاشتراك ) فالمجاز أولى فإذا احتمل لفظ هو حقيقة في معنى أن يكون في آخر حقيقة ومجازاً فحمله على المجاز أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك ، لأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء ، مثاله لفظ النكاح فإنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وقيل بالعكس وقيل مشترك بينهما فهو حقيقة في أحدهما محتمل للحقيقة والمجاز في الآخر .\r( وإذا تعارض المجاز والاضمار ) فالاصح أنهما سيان لاحتياج كل منهما إلى قرينة فإذا احتمل الكلام لأن يكون فيه مجاز واضمار حمل عليهما حيث لا مرجح لاحدهما ( وقيل حمله ) على المجاز أولى لكثرته ( وقيل ) حمله على الاضمار أولى لأن قرينته متصلة مثاله قوله لعبده الذي يولد مثله لمثله هذا ابني أي عتيق تعبيرا عن اللازم بالملزوم مجازاً فيعتق أو مثل ابني أي في الشفقة عليه فيكون من باب الاضمار فلا يعتق وهما قولان عندنا كما مر .\r( وإذا تعارض الاضمار والنقل ) فالأصح أن الاضمار أولى لسلامته من نسخ المعنى الأول ( وقيل النقل أولى ) لعدم احتياجه إلى قرينة مثاله قوله تعالى ( وحرم الربا ) ( فقال الحنفي ) أخذه وهو الزيادة في بيع درهم بدرهمين مثلاً فهو من باب الإضمار فإذا أسقطت صح البيع وارتفع الإثم ( وقال الشافعي ومالك ) نقل الربا شرعاً إلى العقد فهو فاسد ، وإن أسقطت الزيادة في الصورة مثلاً والإثم باق .\r( وإذا تعارض الاضمار والاشتراك ) فالاضمار أولى ، لأنه أولى من النقل الذي هو أولى من الاشتراك كما سيأتي ، مثاله قوله تعالى ( واسئل القرية ) أي أهلها ، وقيل القرية حقيقة في الأهل كالأبنية المجتمعة ، كقوله تعالى فلولا قرية آمنت .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"( وإذا تعارض النقل النقل والاشتراك ) فالنقل أولى ، فإذا احتمل لفظ هو حقيقة في معنى أن يكون في آخر حقيقة ومنقولاً حمل على المنقول لأنه لا فراد مدلوله قبل النقل وبعده لا يمتنع العمل به والمشترك لتعدد مدلوله لا يعمل به إلا بقرينة تعين أحد معنييه مثلا الا إذا قيل يحمله عليهما وما لا يمتنع العمل به أولى من عكسه ، ومثاله الزكاة حقيقة في النماء أي الزيادة ، محتمل لأن يكون فيما يخرج من المال حقيقة لغوية ومنقولاً شرعياً ( وهذا آخر العشرة ) التي ذكروها في تعارض ما يخل بالفهم .\r( وقد تقدم ) أنه لابد للمجاز من علاقة جامعة بين معناه وبين المعنى الحقيقي .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"( والعلاقة أنواع ) منها المشابهة وتكون إما في صفة ظاهرة كاطلاق الأسد على الرجل الشجاع دون الأبخر لظهور الشجاعة دون البخر في الأسد المفترس أو في الشكل كاطلاق الفرس على صورته المنقوشة في الجدار وما كان من المجاز علاقته المشابهة يسمى مستعاراً وما عداه يسمى مجازاً مرسلاً ( ومنها ) اعتبار ما كان عليه قبل ، كاطلاق العبد على من عتق على خلاف فيه تقدم في مسألة الاشتقاق ( ومنها ) اعتبار ما يكون في المستقبل إما قطعا نحو إنك ميت أو ظنا كما في قوله تعالى إني أراني أعصر خمراً وقد لا يؤول العصير إلى الخمر ( ومنها ) الضدية كاطلاق المفازة على البرية المهلكة وكقوله تعالى (فبشرهم بعذاب اليم) والمراد الانذار ( ومنها ) المجاورة كاطلاق الروايه على ظرف الماء المعروف تسمية له باسم ما يحمله من جمل او بغل او حمار ( ومنها ) الزيادة نحو قوله تعالى ليس كمثله شيء على قول من قال أن الكاف زائدة أي لأنها بمعنى مثل ولو لم تكن زائدة لكان له تعالى مثلاً وهو محال وإنما قصد بالكلام نفي المثل ( ومنها ) النقصان نحو واسئل القرية أي أهلها وفي التعبير بالعلاقة عن هذين النوعين تسمح إذ لا حاجة إليها لأن اللفظ لم يخرج عن موضوعه إلى استعماله في غيره ولم يصدق عليهما حد المجاز السابق فالمجاز فيها بمعنى المتوسع فيه ( ومنها ) السببية ، نحو للأمير يد أي قدرة فالقدرة مسببة عن اليد لحصولها بها ( ومنها ) المسببية كالموت للمرض الشديد لأنه مسبب له عادة ( ومنها ) الكلية للبعض نحو يجعلون أصابعهم في آذانهم أي أناملهم ، ( ومنها ) البعضية للكل نحو عتبق رقبة أي إنسان ( ومنها ) التعلق بطرفيه ، فيكون التجوز بالمتعلق بالكسر للمتعلق بالفتح ، نحو هذا خلق الله أي مخلوقه ورجل عدل أي عادل وبالعكس نحو بأيكم المفتون أي الفتنة وقم قائماً أي قياماً ( ومنها ) الفعلية لما بالقوة كالمسكر للخمر في الدن والمستيقظ للنايم .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"( واعلم ) أن المجاز المعرف بما مر هو المعروف عندهم بمجاز الافراد وهو المراد عند الاطلاق ( ولهم مجاز آخر ) يسمى بالمجاز العقلي وتقابله الحقيقة العقلية وهو كما عرفه البيانيون اسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول مثاله قوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ، اسندت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكون الآيات المتلوة سبباً لها عادة ( وخالف قوم ) في نفيهم المجاز في الإسناد فمنهم من يجعل المجاز في ما يذكر منه في المسند كابن الحاجب فيكون معنى زادتهم تسببت في الزيادة كما قاله العضد ومنهم من يجعله في المسند إليه كالسكاكي فيكون المعنى زادهم الله اطلاقا لضمير الآيات عليه تعالى لا اسناد فعله إليها .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"( وقد يكون المجاز ) في الأفعال أصالة أي من غير اعتبار تجوز في المصدر وقد يكون في الحروف كذلك أي من غير اعتبار تجوز في المتعلق وفاقاً لابن عبد السلام والنقشواني مثاله في الأفعال ونادى أصحاب الجنة أي ينادي واتبعوا ما تتلوا الشياطين أي تلته ومثاله في الحروف فهل ترى لهم من باقيه أي ما ترى ( وقال الإمام الرازي ) لا يكون في الحروف مجاز افراد لا بالذات ولا بالتبع لمتعلقه لأن الحرف لا يفيد إلا بضمه إلى غيره فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة أو إلى ما لا ينبغي فمجاز تركيب قال النقشواني من أين أنه مجاز تركيب بل ذلك الضم قرينة مجاز الافراد نحو قوله تعالى لأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها ( وقال أيضاً ) لا يكون مجاز الافراد في الفعل والمشتق كاسم الفاعل إلا بالتبع للمصدر وفاقاً للبيانيين ، فإن كان حقيقة فلا مجاز فيهما ( واعترض عليه ) بالتجوز بالفعل الماضي عن المستقبل وبالعكس كما تقدم من غير تجوز في أصلهما وبأن الإسم المشتق يراد به الماضي والمستقبل مجازاً كما تقدم من غير تجوز في اصله ( ولا يكون شيء ) من الاعلام مجازاً في معناه العلمي لأنه إن كان مرتجلاً بأن لم يسبق له وضع في غير العلمية كسعاد وادد ، أو منقولاً لغير مناسبة فواضح لعدم سبق الوضع في الأول وعدم العلاقة في الثاني أو منقولاً لمناسبة كمن سمى ولده بمبارك لما ظنه فيه من البركة فكذلك لصحة اطلاقه على مسماه عند زوال المناسبة ، فلا يصدق عليه حد المجاز لانتفاء العلاقة وخالف الغزالي في متلمح الصفة كالحرث فقال أنه مجاز لأنه لا يراد منه الصفة وقد كان قبل العلمية موضوعاً لها ، والخلاف في التسمية وعدمها أولى لانتفاء العلاقة وغيره .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"( ويعرف المعنى المجازي ) بتبادر غيره من اللفظ لولا القرينة الصارفة كقولك رأيت أسداً يضحك فلولا القرينة وهي الضحك لتبادر إلى الفهم المعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس ( ويعرف أيضاً ) بصحة نفيه مع صدق النفي في الواقع كما في قولك للشجاع هذا أسد فإنه يصح نفي الأسد عنه مع صدق النفي في الواقع ( ويعرف أيضاً ) بعدم وجوب اطراده فيما يدل عليه بأن لا يطرد كما في واسئل القرية أي أهلها ، فلا يقال واسئل البساط أي صاحبه أو يطرد من غير وجوب كما في الأسد للرجل الشجاع فيصح في جميع جزئياته من غير وجوب لجواز أن يعبر في بعضها بالحقيقة بخلاف المعنى الحقيقي فيلزم اطراد ما يدل عليه من الحقيقة في جميع جزءياته لانتفاء التعبير الحقيقي بغيرها هكذا ذكره الأصوليون ومنهم الشارح لكن يشكل عليه كون المعتبر عندهم في العلاقة نوعها لا شخصها مع اطباق النحاة على جواز قولك مثلاً اسئل البساط لأن القرينة وهي تعذر سؤاله موجودة فهو قياسي عندهم لا سماعي كما زعمه الأصوليون ( ويعرف أيضاً ) بجمع اللفظ الدال عليه على خلاف جمع الحقيقة كالأمر بمعنى الفعل مجازاً يجمع على أمور بخلافه بمعنى القول حقيقة فيجمع على أوامر ( ويعرف أيضاً ) بالتزام تقييد اللفظ الدال عليه كجناح الذل أي لين جانب الذل ، وكنار الحرب أي شدتها بخلاف المشترك فإنه وإن قيد لكن من غير لزوم كالعين الجارية ( ويعرف أيضاً ) بتوقف اطلاق اللفظ في بعض مواده على ذكر المسمى الآخر نحو ومكروا ومكر الله وهذا هو المسمى نوع المشاكلة عند البديعيين وهو التعبير عن شيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته فعبر في الآية عن المجازاة على المكر بالمكر لوقوعه في صحبته ( ويعرف أيضاً ) باطلاق اللفظ المستحيل عليه عليه نحو واسئل القرية .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"( والمختار ) اشتراط السمع في نوع المجاز فإذا تجوزت العرب في صورة من صور نوع منه كالسببية مثلاً جاز لنا أن نتجوز في سائر صور ذلك النوع وليس لنا أن تنجوز في نوع لم تسمع من العرب صورة منه مثلاً ( وقيل لا يشترط ) ذلك بل يكتفى بالعلاقة التي نظروا إليها فيكفي السماع في نوع لصحة التجوز في عكسه مثلاً ( وتوقف الآمدي ) عن الاشتراط وعدمه ، أما السماع في شخص المجاز بأن لا يستعمل إلا في الصور التي استعملته العرب فيها فلا يشترط اجماعاً بل هو راجع للمتكلم بشرط عدم خروجه عما اعتبرته العرب من أنواع علاقة المجاز .\r( مسئلة ) المعرب لفظ غير علم استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم ( خرج ) العلم فإنه لا يسمى معرباً على ما ذكره المصنف هنا حيث استثناه ويسمى معرباً على ما مشى عليه في شرح المختصر إذ لم يذكره ( وخرج ) بباقي التعريف الحقيقة والمجاز العربيان إذ كل منهما مستعمل فيما وضع له في لغتهم وليس في القرآن العزيز معرب وفاقاً للشافعي في رسالته وابن جرير الطبري في تفسيره والأكثر من العلماء ، قالوا لأنه لو كان فيه لاشتمل على غير عربي ، فلا يكون كله عربياً لكن كله عربي ، بدليل قوله تعالى : ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً ) ( وقيل ) أنه واقع فيه كاستبرق فارسية للديباج الغليظ ، وقسطاس رومية للميزان ومشكاة هندية للكوة التي لا تنفذ وتحمل الآية عند القائلين به على الغالب مجازاً ( وأجاب ) القائلون بعدمه بأن هذه الألفاظ اتفق فيها لغة العرب وغيرهم كالصابون وفيه بعد مع أنه يلزم الأول أيضاً أن العلم الأعجمي كابراهيم واسماعيل واقع في القرآن بلا خلاف فلا يكون كله عربياً ولا يخفى ما في الجواب عنه من النظر لمن تأمله .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"( مسئلة ) اللفظ باعتبار استعماله في معنى واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام أما حقيقة فقط كالأسد للحيوان المفترس أو مجاز فقط كهو للرجل الشجاع أو حقيقة ومجاز في ذلك المعنى بعينه باعتبارين أي بوضعين لواضعين كما لو وضع لفظ لغة لمعنى عام ثم خصه الشرع أو العرف بنوع منه كالصوم في اللغة للامساك خصه الشرع بامساك جميع النهار وكالدابة في اللغة لكل ما يدب على الأرض خصها العرف العام بذوات الحوافر ، فاستعمال الصوم والدابة في المعنى العام حقيقة لغوية ومجاز شرعي أو عرفي واستعمال كل منهما في الخاص بالعكس ، ويمتنع كونه حقيقة ومجازاً باعتبار وضع واحد من واضع واحد للتنافي بين الوضع ابتداء وثانياً ( والحقيقة والمجاز ) منتفيان عن اللفظ قبل الاستعمال لأنه مأخوذ في حدهما كما تقدم فإذا انتفى لانتفيا المركب بانتفاء بعض أجزائه .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"( ثم اللفظ حيث ورد ) محمول على عرف المخاطب بكسر الطاء الشارع أو أهل العرف أو أهل اللغة قالوا رد في مخاطبة الشارع يحمل على المعنى الشرعي لأنه عرفه لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الأسماء الشرعيات فإذا لم يكن له معنى شرعي أو كان وصرف عنه صارف فيحمل على المعنى العرفي العام الذي يتعارفه جميع الناس زمن الخطاب لأن الظاهر إرادته لتبادره إلى الأذهان ، فإذا لم يكن معنى عرفي عام أو كان وصرف عنه صارف كذلك فيحمل على المعنى اللغوي لتعينه حينئذ ( والحاصل ) كما قال شيخ الإسلام أنه لا ينتقل من معنى من المعاني الثلاثة إلى ما بعده إلا إذا تعذر حمله على حقيقته ومجازه والعرف العام كالخاص فإذا اجتمعا فالظاهر تقديم العام على الخاص انتهى ، وقال الغزالي والآمدي اللفظ الذي له معنى شرعي ومعنى لغوي يحمل على معناه الشرعي في الإثبات وفق ما تقدم مثاله حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلنا لا قال فإني إذاً صايم فيحمل على الصوم الشرعي وهو نفل بنيته من النهار ( أما النهي ) فيما له المعنيان المذكوران فقال الغزالي اللفظ مجمل أي لم يتضح المراد منه إذ يستبعد حمله على الشرعي لوجود النهي ، وعلى اللغوي لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الشرعيات ( وقال الآمدي ) يحمل على المعنى اللغوي لتعذر الشرعي بالنهي ( وأجيب ) بأن المراد بالشرعي ما يسمى شرعاً بذلك الاسم صحيحاً كان أو فاسدا يقال صوم صحيح وصوم فاسد مثاله في النهي حديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر أما الذي له معنى شرعي ومعنى عرفي وما له المعاني الثلاثة فلم يذكراهما وسيأتي في مبحث المجمل ذكر الخلاف في تقديم المجاز الشرعي على المسمى باللغوي من حقيقة أو مجاز ( وإذا تعارض ) المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة بأن غلب استعمال المجاز عليها فالمختار وعزي","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"إلى الشافعي أن اللفظ مجمل فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة لرجحان الحقيقة بالأصالة والمجاز بالغلبة فكل واحد منهما راجح على الآخر من وجه ومرجوح من وجه فيحصل التعادل ( وقال أبو حنيفة ) الحقيقة أولى لأصالتها وأبو يوسف المجاز أولى لغلبته مثاله من حلف لا يشرب من هذا النهر فالحقيقة المتعاهدة الكرع كما يفعل كثير من الرعاء والمجاز الغالب الشرب بما يغترف به منه كالإناء ولم ينو شيئاً فعلى قول أبي حنيفة يحنث بالكرع وأبي يوسف بالشرب من الإناء وعلى المختار لا يحنث بواحد منهما فقط كذا قاله الشارح وهو منتقد لأن الذي في الروضة واصلها الحنث بكل منهما فإن كانت الحقيقة مهجورة قدم المجاز عليها اتفاقاً كمن حلف لا يأكل من هذه النخلة فيحنث بأكل تمرها دون أكل خشبها الذي هو الحقيقة المهجورة إذا لم ينو واحدا منهما وإلا فبما نواه ( وإن تساويا ) قدمت الحقيقة اتفاقاً كما لو كانت غالبة .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"( وإذا ثبت ) مثلاً بالاجماع حكم وأمكن كون ذلك مرادا من خطاب مجازا فلا يدل الثبوت المذكور على أن الحكم هو المراد من الخطاب بل يبقى الخطاب على حقيقته لعدم الصارف عنها خلافاً للكرخي من الحنفية وأبي عبد الله البصري من المعتزلة في قولهما أن الثبوت المذكور يدل على أن الحكم هو المراد فلا يبقى الخطاب على حقيقته إذ لم يظهر مستند للحكم الثابت غيره ، مثاله وجوب التيمم على المجامع الفاقد للماء اجماعاً يمكن كونه مرادا من قوله تعالى : ( أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) لكن على وجه المجاز لان الملامسة مجاز في الجماع فقالا المراد الجماع لتكون الآية مستند الاجماع إذ لا مستند غيرها وإلا لذكر فلا تبقى الملامسة على حقيقتها وهو الجس باليد حتى تدل على أن اللمس ينقض الوضوء ( وأجيب ) بجواز كون المستند غيرها ، وأنه استغنى عن ذكره بذكر الاجماع كما هو العادة فاللمس في الآية باق على حقيقته فتدل على نقضه الوضوء وتدل أيضاً على مسئلة الاجماع إن قامت قرينة على إرادة الجماع أيضاً بناء على الراجح المار أنه يصح أن يراد باللفظ حقيقته ومجازه معاً كما قاله الشافعي حيث جعل الملامسة في هذه الآية عليهما .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"( مسئلة ) الكناية لفظ استعمل في معناه لينتقل من المعنى إلى لازمه نحو زيد طويل النجاد مرادا منه طول القامة إذ طولها لازم لطول النجاد وهو حمائل السيف فهو على هذا حقيقة لاستعمال اللفظ في معناه وإن أريد منه اللازم ( وللبيانيين طريقة أخرى ) وهي أن الكناية لفظ استعمل في لازم معناه الحقيقي مع جواز أردته معه كاطلاق طويل النجاد مرادا طول القامة فقط أو مع طول النجاد وعلى هذا فهي ليست حقيقة لعدم استعمال اللفظ فيما وضع له ولا مجازا لأنه لا يصح معه إرادة المعنى الحقيقي فقط عندهم للزوم القرينة المانعة عن إرادته وحده وتصريح المصنف بأنها في هذا القسم مجاز تبع فيه والده ( والمراد ) باللزوم هنا صحة الانتقال من الشيء إلى غيره لا اللزوم الضروري وإلا لما كان في طول النجاد لزوم طول القامة .\r( والتعريض ) أن تستعمل لفظاً في معناه تدل به على شيء لم تذكره فيختص بالمركب كقول من يتوقع صلى والله إني لمحتاج وكقول الشاعر يعرض بالنصارى :\rولسنا الذي نرضى الزنا في نسائنا ... وخلوة احداهن بالاجنبيينا\rفهو حقيقة في معناه الأصلي أبداً لأن اللفظ فيه لم يستعمل في غير معناه بخلافه في الكناية فإن المراد منه لازم المعنى ( وفي المفتاح ) أن التعريض بالنسبة إلى المعنى قد يكون حقيقة وقد يكون مجازاً وقد يكون كناية وقد أوضحه السيد في حواشي المطول فليطلبه من أراده وأما المعنى التعريضي فإنما يستفاد من سياق الكلام .\r( مبحث الأدوات من الحروف والأسماء ) إنما يذكر الأصوليون منها ما يحتاج الفقيه إلى معرفة معانيها لوقوعها في الأدلة وسنذكرها مرتبة على حروف المعجم تبعاً للمصنف .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"( أحدها اذن ) من نواصب الفعل المضارع المستقبل وضعت للجواب والجزاء كما قاله سيبويه أي جواب كلام تقدم تحقيقاً أو تقديراً وجزاءاً للشرط وهل تكون لهما معاً دايماً أم قد تتمحض للجواب قال بالأول أبو علي الشلوبين ، وقال الفارسي بالثاني فإذا قلت لمن قال غداً أزورك إذن أكرمك فقد أجبته وجعلت أكرامك جزاء زيارته وإذا قلت لمن قال أحبك إذن أصدقك فقد أجبته فقط عند الفارسي ومدخول إذن فيه مرفوع لكونه غير مستقبل ويتكلف الشلوبين في جعل هذا امثالاً للجزاء والاستقبال أيضاً أي إن كنت قلت ذلك حقيقة صدقتك وسيأتي عدها في مسالك العلة .\r( الثاني أن ) بكسر فسكون وضعت للشرط بمعنى تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون أخرى نحو أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وللنفي نحو إن أردنا إلا الحسنى وللزيادة المؤكدة للنفي نحو ما إن رأيت زيداً .\r( الثالث أو ) من حروف العطف للشك من جهة المتكلم ، نحو قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم وللابهام على السامع نحو وإنا وإياكم لعلى هدى وللتخيير بين المعطوفين مع امتناع الجمع بينهما نحو تزوج هنداً أو أختها ، ولاباحة المعطوفين نحو جالس العلماء أو الوعاظ ولمطلق الجمع كالواو نحو :\rوقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها\rولتقسيم الكلي إلى جزءياته نحو الكلمة اسم وفعل وحرف وتقسيم الكل إلى اجزائه نحو قوله :\rفقالوا لنا ثنتان لابد منهما ... صد ورماح أشرعت أو سلاسل\rوبمعنى إلى نحو لالزمنك أو تقضيني حقي ، وبمعنى إلا نحو لاقتلن الكافر أو يسلم وبمعنى كي التعليلية نحو لاطيعن الله أو يغفر لي ، وللاضراب كبل نحو وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال الحريري وللتقريب أيضاً نحو ما أدري أسلم أو ودع فدخول أو لتقريب الزمان ما بين السلام والوداع ( والتحقيق ) كما قاله كثيرون أن أو لأحد الشيئين أو الأشياء وهذه المعاني المذكورة لها إنما يفيدها السياق والقرائن .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"( الرابع أي ) بفتح فسكون تأتي للتفسير في المفرد نحو عندي عسجد أي ذهب ، وهو عطف بيان أو بدل عند البصريين وعطف نسق عند الكوفيين وفي الجملة نحو قوله :\rوترمينني بالطرف أي أنت مذنب\rفأنت مذنب تفسير لترمينني فإن معناه تنظر إلي بطرف عينها نظر مغضب فلا يكون ذلك إلا عن ذنب ولنداء القريب وهو قول المبرد وقيل للبعيد وهو قول سيبويه ( وقيل ) للمتوسط وهو قول ابن برهان بدل للأول ما في حديث الصحيحين في آخر أهل الجنة دخولاً وأدناهم منزلة فيقول أي رب أي رب وقد قال تعالى فأني قريب ( وقيل ) لا يدل لجواز نداء القريب بما للبعيد توكيداً .\r( الخامس أي ) بفتح فتشديد تأتي اسماً للشرط نحو ايما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ، وللاستفهام نحو أيكم زادته هذه إيمانا وموصولة نحو لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ودالة على الكمال فتكون صفة للنكرة وحالاً من المعرفة ولا تستعمل هذه إلا مضافة فإن أضيفت لجامد فهي للمدح بكل صفة وإن اضيفت لمشتق فهي للمدح بالمشتق منه فقط ، نحو مررت برجل أي رجل ، أي كامل في كل ما يمدح به الرجال من الصفات ، أو بعالم أي عالم أي كامل في العلم ومررت بزيد أي رجل وأي عالم أي كاملاً فيما مر ، وتأتي وصلة لنداء ما فيه ال نحو يا أيها الناس بناء على أن المنادى هو المعرف بأل لا نفس أي .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"( السادس أذ ) تأتي اسماً للماضي من الزمان ظرفاً نحو جيتك إذ طلع النهار أي وقت طلوعه ( وتأتي مفعولاً به ) على قول جماعة من النحاة نحو واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم أي واذكروا زمن كونكم قليلاً والأكثر على ملازمتها للظرفية وتأويل ما يوهم خلافها ( وتأتي على ما مر ) بدلاً عن المفعول به نحو واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً الخ أي اذكروا النعمة التي هي الجعل المذكور ( وتأتي مضافاً إليها اسم زمان ) نحو ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ( وتأتي للمستقبل في الاصح ) نحو قوله تعالى فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ( قيل ) هي دايماً للماضي لكن اما حقيقة أو تأويلاً ، واستعمالها في المستقبل في هذه الآية لتحقق وقوعه كالماضي ( وترد للتعليل ) اما حرفاً كاللام أو ظرفاً بمعنى وقت ويكون التعليل على هذا القول مستفاد من قوة الكلام نحو ضربت العبد إذا ساء أي لاساءته أو وقت اساءته وظاهر أنه لأجلها ( وتأتي أيضاً للمفاجأة ) بأن تكون بعد بينما أو بينا حرفاً كما اختاره ابن مالك وقيل ظرف مكان وقال أبو حيان ظرف زمان مثاله بينما أنا واقف إذ جاء زيد أي فاجأ مجيئه وقوفي أو مكانه أو زمانه ( وقيل ) ليست للمفاجأة وهي في المثال ونحوه زائدة ويكون المعنى جاء زيد بين أجزاء زمن وقوفي .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"( السابع إذا ) تأتي للمفاجأة بأن تكون بين جملتين ثانيتهما ابتداءية ( قال ابن الحاجب ) ومعنى المفاجأة حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية كحضور زيد في المثال الآتي في زمن وصفك بالخروج أو مكانه ( واختلف ) في إذا الفجاءية على أقوال والراجح حرفيتها وهو قول الأخفش وابن مالك وقال ابن عصفور والمبرد هي ظرف مكان وقال الزجاج والزمخشري هي ظرف زمان ، ونسب القولان الأخيران لسيبويه مثال ذلك خرجت فإذا زيد واقف أي فاجاء وقوفه خروجي أو مكانه أو زمانه ، وهل الفاء قبلها زائدة لتزيين اللفظ واستظهره بعضهم أو عاطفة لجملة المفاجأة على ما قبلها أو للسببية المحضة كفاء الجواب أقوال أولها للفارسي وثانيها لابن جني وثالثها للزجاج ( وترد إذا ) ظرفاً للمستقبل غالباً مضمنة معنى الشرط في المحقق فيجب تصدير جوابها بالفاء حيث لم يصح جعله شرطاً بأن يكون جملة اسمية أو فعلية طلبية أو جامداً أو مقروناً بقد أو بحرف تنفيس أو بنفي بما أو بلن أو بأن ، نحو إذا جاء نصر الله والجواب فسبح الخ وقد لا تتضمن معنى الشرط نحو آتيك إذا احمر البسر ( وندر ) مجيئها للماضي كقوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها فإنها نزلت بعد الرؤية والإنفضاض ، قال ابن مالك وأنكره الجمهور وتأولوا ما أوهم ذلك ( وندر ) أيضاً مجيئها للحال نحو قوله تعالى والليل إذا يغشى فإن الغشيان مقارن لليل قاله ابن الحاجب وقال غيره كما جردت هنا عن الشرط جردت عن الظرف وهي هنا لمجرد الوقت من غير أن تكون ظرفاً .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"( الثامن الباء ) تأتي للالصاق ، وهو أصل معانيها ولم يذكر لها سيبويه غيره ولهذا قالت المغاربة لا تنفك عنه إلا أنها قد تتجرد له وقد يدخلها مع ذلك معنى آخر ثم قد تكون له حقيقة نحو به داء أي الصق به وقد تكون مجازا نحو مررت بزيد أي بمكان يقرب منه ( وتأتي للتعدية ) وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً نحو ذهب الله بنورهم أي أذهبه وأصله ذهب نورهم ( وتأتي للاستعانة ) بأن تدخل على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم ( وللسببية ) نحو فكلاً أخذنا بذنبه ( وللمصاحبة ) وهي التي تصلح في موضعها مع ويغني عنها وعن مصحوبها الحال نحو وقد جاءكم الرسول بالحق أي مع الحق أو محقا ويعبر عنها بالملابسة أيضاً ( وللظرفية ) بمعنى في للزمان كما في قوله تعالى وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل والمكان كما في قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر ( والبدلية ) وهي التي يصلح في موضعها لفظ بدل نحو ما يسرني أن لي بها الدنيا أي بدلها ( وللمقابلة ) وهي الداخلة على الأثمان والأعواض نحو اشتريت العبد بألف ( وبمعنى عن ) نحو ويوم تشقق السماء بالغمام أي عنه وتكثر بعد السؤال نحو فاسأل به خبيرا ( وبمعنى على ) نحو ومن أهل الكتاب من أنت تأمنه بقنطار أي عليه ، حكاه إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي ( وللقسم ) وهي أصل حروفه نحو بالله لافعلن وبمعنى إلى نحو وقد أحسن بي أي إلي وزايدة للتوكيد نحو كفى بالله شهيداً والأصل كفى الله ( وتأتي أيضاً ) للتبعيض كمن وهو قول الأصمعي والفارسي وابن مالك نحو عيناً يشرب بها عباد الله أي منها ( وقيل لا ترد له ) ويشرب في الآية بمعنى يروى أو يلتذ مجازاً والباء للسببية .","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"( التاسع بل ) ترد للعطف إذا وليها مفرد سواء كان المعطوف عليه موجباً وهو الخبر والأمر أم غيره موجب وهو النفي والنهي ففي الموجب تكون للانتقال بمعنى أنها تنقل حكم المعطوف عليه فيصير كالمسكوت عنه إلى المعطوف نحو جاء زيد بل عمرو واضرب زيدا بل عمرا وفي غير الموجب تقرر حكم المعطوف عليه وتجعل ضده للمعطوف نحو ما قام زيد بل عمرو فتقرر نفي القيام عن زيد وتثبته لعمرو ( وتأتي ) للاضراب إذا وليها جمله ، وهو هنا ابطالي وانتقالي ، فالأول نحو أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق ، فإنها أبطلت ما وليته إذا لجاءي بالحق لا جنون به والثاني نحو ولدينا كتاب ينطق بالحق بل قلوبهم في غمرة من هذا انتقل بها من غرض إلى آخر إذ ما قبل على حاله .\r( العاشر بيد ) وهي اسم ملازم للنصب والإضافة إلى أن وصلتها واختار ابن مالك أنها حرف استثناء أو تعليل وترد بمعنى غير يقال كثير المال بيد أنه بخيل وتأتي بمعنى من أجل وعليه حديث أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش وقيل أن بيد فيه بمعنى غير فتكون من تأكيد المدح بما يشبه الذم ( قلت ) الذي يحكم به الذوق أنها بمعنى مع حيث وردت ومعناها عليه في المثال والحديث واضح .\r( الحادي عشر ثم ) حرف عطف تأتي للتشريك في الاعراب والحكم مع الترتيب والتراخي على الصحيح ، تقول جاء زيد ثم عمرو إذا تراخى مجئ زيد عن عمرو ( وأنكر العبادي ) وجوب إفادتها الترتيب المستلزم إنكاره لافادتها المهلة كما هو واضح كما أنكر بعض النحاة أيضاً وجوب إفادتها المهلة مع قوله بإفادتها الترتيب مستدلين بمجيئها لغيرها كقوله تعالى ، هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها والجعل قبل خلقنا ( وأجيب ) بأنه توسع فيها بايقاعها موقع الواو في الآية .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"( الثاني عشر حتى ) وترد لانتهاء الغاية غالباً وتكون حينئذ إما جارة لاسم صريح نحو حتى مطلع الفجر أو لمصدر مؤول من أن والفعل نحو حتى يرجع إلينا موسى أي إلى رجوعه وإما عاطفة لرفيع أو دنيء بمعنى الواو كما قاله ابن مالك نحو مات الناس حتى الأنبياء وقدم الحجاج حتى المشاة وإما ابتداءية بأن يبتدأ بعدها جملة إسمية نحو قول الشاعر :\rفما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة اشكل\rأو جملة فعلية نحو مرض حتى لا يرجونه ( وترد للتعليل ) نحو أسلم حتى تدخل الجنة أي لندخلها وندر مجيئها للاستثناء نحو :\rليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل\rأي الا تجود وهو استثناء منقطع .\r( الثالث عشر رب ) ترد للتكثير نحو ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ، فإنه يكثر فيهم ذلك يوم القيامة ( وللتقليل ) وعليه الجمهور نحو رب عسل شرب ، وكقول الشاعر :\rألا رب مولود وليس له أب\rيعني به عيسى عليه السلام ( وزعم قوم ) اختصاصها بالتكثير وزعم آخرون أنا للتقليل دايما ، وعلى القول بعدم الاختصاص قال بعضهم التقليل أكثر وقال ابن مالك أنه نادر .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"( الرابع عشر على ) تكون بكثرة حرفا على الأصح للاستعلاء حساً نحو كل من عليها فان أو معنى وفضلنا بعضهم على بعض ( وللمصاحبة ) كمع نحو وأتى المال على حبه ( والمجاوزة كعن ) نحو رضيت عليه أي عنه ( وللتعليل ) نحو ولتكبروا الله على ما هداكم ( وللظرفية ) كفى نحو ودخل المدينة على حين غفلة أي في وقت غلفة ( وللاستدراك ) كلكن نحو فلان كثير الآثام على أنه كثير الاستغفار ( وللتأكيد ) بزيادتها كحديث الصحيحين لا احلف على يمين أي يميناً ( وبمعنى الباء ) نحو حقيق على أن لا أقول ( وبمعنى من ) نحو وإذا اكتالوا على الناس والأصح المشهور عند البصريين أنها قد تكون اسماً بقلة بمعنى فوق بأن تدخل عليها من نحو عدوت من على السطح أي من فوقه ( وقيل ) هي اسم أبد الدخول حرف الجر عليها وبه قال ابن طاهر وابن خروف والشلوبين وابن الطراوة وحكي عن سيبويه ( وقيل حرف أبدا ) ولا مانع من دخول حرف جر على حرف جر ويقدر للأول مجرور محذوف وهو قول الفرا أما علا يعلو ففعل اتفاقاً ومنه أن فرعون علا في الأرض .\r( الخامس عشر الفاء العاطفة ) تجيء للترتيب المعنوي والتعقيب في كل شيء يحسبه تقول قام زيد فعمرو إذا كان قيام عمرو عقب زيد ودخلت البصرة فالكوفة إذا لم تقم في البصرة ولا بينهما .\r( وتجيء أيضاً ) للترتيب الذكري وهو على ما ذكره الشارح تبعاً لابن هشام في عطف مفصل على مجمل وعلى ما نقله شيخ الإسلام عن الرضي غير مختص بذلك قال: هو أن يكون المذكور بعد الفاء كلاماً مرتباً في الذكر عما قبلها سواء كان ما بعدها تفصيلاً لما قبلها نحو: ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا ( أم لم يكن نحو وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين فإن مدح الشيء يصح عقلاً بعد جريان ذكره ( وتجيء للسببية ) ويلزمها التعقيب نحو فوكزه موسى فقضى عليه فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"( تنبيه ) قيدوا الفاء بالعاطفة لتخرج الرابطة للجواب فإنها لا تقتضي التعقيب .\r( السادس عشر في ) تجيء للظرفية المكانية نحو: ( وأنتم عاكفون في المساجد ( وللظرفية الزمانية نحو: ( واذكروا الله في أيام معدودات ( ( وللمصاحبة كمع ) نحو: ( قال ادخلوا في أمم ( أي معهم ( وللتعليل ) نحو: ( لمسكم فيما أفضتم فيه ( أي لأجل ما ( وللاستعلال ) كعلى نحو: ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ( أي عليها كذا ذكره الكوفيون وتبعهم ابن مالك وأنكر ذلك سيبويه والجمهور وجعلها الزمخشري والبيضاوي في هذه الآية للظرف مجازاً ( وتجيء للتوكيد زايدة ) نحو: ( اركبوا فيها ( والأصل اركبوها إذ لم يضمن اركبوا معنى حلوا ( وللتعويض ) عن أخرى محذوفة نحو استحقرت فيما رغبت والأصل استحقرت ما رغبت فيه ويكون من القلب المقبول ( وبمعنى البا ) نحو: ( جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ( أي يكثركم بسبب هذا الجعل ( وبمعنى إلى ) نحو: ( فردوا أيديهم في أفواههم ( أي إليها وبمعنى من نحو لفلان نصف في الدار أي منه .\r( السابع عشر كي ) تجيء للتعليل نحو جيت كي أنظرك ( وتأتي للمصدرية ) بمعنى أن بأن تدخل عليها اللام نحو جئت لكي تكرمني فإنها لو كانت للتعليل لم يدخل عليها حرف تعليل .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"( الثامن عشر كل ) وهي اسم تأتي لاستغراق أفراد المضاف إليه المنكر نحو: ( كل حزب بما لديهم فرحون ( ( كل نفس ذائقة الموت ( ( ولاستغراق أفراد المعرف الجموع ) نحو كل العبيد جاءوا و كل الدراهم صرف ( واستشكل ) بأن ما أفاده كل من إحاطة الأفراد إفادة الجمع المعرف قبلها ( وأجاب ) شيخ الإسلام بأن الجمع المعرف بأل يفيد ظهور العموم وكل الداخلة عليه تفيد النص فيه ( ولاستغراق ) أجزاء المضاف إليه المفرد المعرف نحو كل زيد أو الرجل حسن أي كل أجزائه وعبارة مغني ابن هشام تقتضي أن كل المضاف إليه لا افراده ، قال ومن هنا وجب في قراءة غير أبي عمرو وابن ذكران كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار بترك تنوين قلب تقدير كل بعد قلب ليعم أفراد القلوب كما عم أجزاء القلب انتهى وهو وجيه وإن كان في كلامهم ما يخالفه .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"( التاسع عشر اللام الجارة ) تأتي للتعليل نحو: ( وأنزلنا عليك الذكر لتبين للناس ( أي لأجل أن تبين لهم كذا مثل الشارح وفيه أن أفعال الله جل وعلا لا تعلل بل اللام فيه ونحو زرتك لشرفك أي لأجله ( وللاستحقاق ) نحو: ( النار للكافرين ( ( وللاختصاص ) نحو: ( الجنة للمتقين ( وفرق القرافي بين الاستحقاق والاختصاص بأن الاختصاص أخص فإن ضابطه ما شهدت به العادة كما شهدت للفرس بالسرج والدار بالباب وقد يختص الشيء من غير شهادة عادة نحو هذا ابن لزيد فإنه ليس من لوازم الإنسان أن يكون له ولد ( وللملك ) نحو: ( لله ما في السماوات وما في الأرض ( ( وللصيرورة ) أي العاقبة والمآل نحو: ( فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ( فهذه عاقبة التقاطهم لا علته ( وللتمليك ) نحو وهبت لزيد ثوباً أي ملكته إياه ( ولشبهه ) نحو: ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ( ( ولتوكيد النفي ) وهي المسماة بلام الجحود عند النحاة نحو: ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ( ( وللتعدية ) نحو ما اضرب زيدا لعمرو لصيرورة ضرب بقصد التعجب به لازماً ( وللتأكيد ) نحو: ( إن ربك فعال لما يريد ( والأصل فعال ما يريد ، ( وبمعنى إلى ) نحو: ( فسقناه لبلد ميت ( أي إليه ( وبمعنى على ) نحو: ( يخرون للأذقان ( أي عليها ( وبمعنى في ) نحو: ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ( أي فيه ( وبمعنى عند ) نحو: ( بل كذبوا بالحق لما جاءهم ( بكسر اللام وتخقيف الميم في قراءة الجحدري أي عند مجيئه إياهم ( وبمعنى من ) نحو سمعت له صراخاً أي منه ( وبمعنى بعد ) نحو: ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ( أي بعده ( وبمعنى عن ) نحو: ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ( أي عنهم وفي حقهم قال الشارح وغيره وإلا بأن كانت للتبليغ لقيل ما سبقتمونا انتهى ( قلت ) كونها بمعنى عن بعيد التعقل ولا دليل في الآية عليه لجواز أن تكون للتبليغ ويكون في سبقونا التفات من الخطاب","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"المعلوم من المقام إلى الغيبة وهو سائغ شائع قال الزركشي: واعلم أن مجيئها لهذه المعاني مذهب كوفي وأما حذاق البصريين فهي عندهم على بابها ثم يضمنون الفعل ما يصلح معها ويرون التجوز في الأفعال أسهل من التجوز في الحروف انتهى ( أما اللام ) غير الجارة فالجازمة نحو: ( لينفق ذو سعة من سعته ( وغير العاملة كلام الابتداء والتأكيد نحو: ( لأنتم أشد رهبة ( ( لقد جاءكم رسول (.\r( العشرون لولا ) وهي حرف يدخل على الجملة الاسمية فيفيد امتناع جوابه لوجود شرطه نحو لولا زيد أي موجود لأهنتك امتنعت الإهانة لوجود زيد والجملة المدخول عليها هي زيد وخبره المحذوف وجوباً المقدر بموجود ( ويدخل الجملة الفعلية ) فيفيد في المشتملة على المضارع التحضيض أي الطلب الحثيث نحو: ( لولا تستغفرون الله ( أي استغفروه ولابد وتفيد في الجملة المشتملة على الماضي التوبيخ نحو: ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ( ( وقال الهروي ) إنما ترد للنفي مثل لم وجعل قوله تعالى: ( فلولا قرية آمنت فنفعها إيمانها ( أي فما آمنت قرية أي أهلها والجمهور لم يثبتوا ذلك وقالوا هو في الآية للتوبيخ على ترك الإيمان قبل مجيء العذاب .\r( الحادي والعشرون لو ) هي حرف شرط للماضي وإن دخلت على مضارع صرفته للمضي وهذا عكس ان الشرطية فإنها تصرف الماضي إلى الاستقبال كذا قاله الزمخشري وابن مالك وغيرهما وأنكر بعضهم شرطيتها لأن الشرط في الاستقبال ولو للتعليق في الماضي ( وقال بعضهم ) الخلاف لفظي فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي فهو شرط وإن أريد ما يعمل في الجزءين فلا وقد ترد بقلة للمستقبل بمعنى أن نحو أكرم زيداً ولو أساء .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"( واختلف ) في معانيها على أقوال أحدها وهو قول سيبويه إنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره أي انها تقتضي فعلاً ماضياً متوقع الوقوع لوقوع غيره لكنه لم يقع لعدم وقوع الغير ، فكأنه قال حرف يقتضي فعلاً امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته ( وقال الأكثرون ) وهو عبارة المعربين إنها حرف امتناع لامتناع أي امتناع الجواب لامتناع الشرط ، فقولك لو جئتني لأكرمتك دال على انتفاء المجيء والإكرام ولا خلاف بين هذين القولين في المعنى ومرادهم أن انتفاء الشرط والجواب هو الغالب الكثير فهو الأصل وبقاء الجواب على حاله مع انتفاء الشرط عارض في بعض الصور الآتية وبه يجاب عما قيل كما يأتي من أن الصواب أنها لا تعرض لها إلى امتناع الجواب ولا إلى ثبوته وإنما لها تعرض لامتناع الشرط وقال أبوعلي الشلوبين لا تدل لو على امتناع الشرط ولا على امتناع الجواب وإنما هي لمجرد الربط ، فكما تدل ان على التعليق في المستقبل تدل لو على التعليق في الماضي ، وضعف بأنه جحد للضروريات ، إذ كل من سمع لو فعل فهم منه عدم وقوع الفعل ولهذا جاز استدراكه فتقول لو جاء زيد لأكرمته لكنه لم يجيء .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"( وقال ابن مالك ) وعزاه المصنف لوالده وصححه انها حرف يدل على الامتناع في الماضي لما يليه أي الشرط واستلزام ثبوته لثبوت تاليه أي الجواب ، ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته فإذا قلت لو قام زيد لقام عمرو فقيام زيد محكوم بانتفائه في ما مضى ويكون ثبوته مستلزماً لثبوت قيام من عمرو وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم من قيام زيد أو ليس له لا تعرض لذلك ، ولكن الأكثر كون الأول والثاني غير واقعين ثم للجواب على هذا أحوال ( أحدها ) أن يكون لازم الامتناع مع امتناع المقدم ، وذلك فيما إذا كان بين المقدم والتالي ارتباط عادي أو عقلي أو شرعي ولم يكن للجواب سبب غير المقدم يمكن أن يخلفه كقوله تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( أي السماوات والأرض وكقولنا لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً وهذا ظاهر فإن الفساد ووجود النهار ممتنعين لامتناع التعدد وطلوع الشمس لارتباط الفساد بالتعدد ووجود النهار بطلوع الشمس من غير أن يوجد لكل منهما سبب آخر غير ما ذكر ( ثانيها ) أن لا يلزم فيها امتناع الجواب لامتناع المقدم وذلك فيما إذا كان بين المقدم والتالي ارتباط كذلك لكن يوجد للتالي سبب آخر غير المقدم يخلفه في ارتباط التالي به وترتبه عليه كقولك لو كان هذا الشاخص انساناً لكان حيواناً فالجواب وهو الحيوان غير لازم الامتناع بسبب امتناع المقدم وهو الإنسان وإن كان بينهما ارتباط عقلي إذ الحيوان جزء الانسان لكنه يخلف الإنسان سبب آخر يرتبط به الحيوان عقلاً كالطائر إذ هو جزء له ايضاً فلا يلزم من انتفاء الأخص وهو الإنسان انتفاء الأعم وهو الحيوان ( ثالثها ) أن يكون التالي لازم الثبوت على حاله مع انتفاء المقدم وذلك فيما إذا لم يكن بينهما ارتباط ولا مناسبة بل يناسب أيضاً وجود التالي انتفاء المقدم لكن يوجد وصف آخر يرتبط بوجوده وجود التالي وهذا ثلاثة أقسام ( أحدها ) أن تكون مناسبة ثبوت التالي لانتفاء","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"المقدم أقوى من مناسبة ثبوته لذلك الوصف الآخر المرتبط به كقول عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه فإنه ليس بين عدم الخوف وعدم العصيان ارتباط ومناسبة بل ثبوت التالي وهو عدم العصيان يناسب انتفاء المقدم وهو الخوف لكن هناك وصف آخر يناسب وجوده ثبوت التالي وهو حبه لله ومناسبة عدم العصيان للخوف أقوى منها للحب إذ الخوف أزجر عن العصيان من الحب ( ثانيها ) أن تكون مناسبة ثبوت التالي لانتفاء المقدم مساوية لمناسبة ثبوته لوجود الوصف الثالث كقوله عليه السلام في بنت أم سلمة لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة فليس بين عدم حلها وعدم كونها ربيبة مناسبة بل ثبوت عدم الحل يناسب كونها ربيبة لكن وجود الوصف الثالث وهو أخوة الرضاع يناسب ثبوت عدم الحل وعدم الحل بسبب كونها ربيبة مسا وشرعاً له بسبب أخوة الرضاع ( ثالثها ) أن تكون مناسبة ثبوت التالي لانتفاء المقدم أضعف من مناسبة ثبوته لوجود الوصف الثالث كقولك في أخت النسب والرضاع لو لم تكن أخت رضاع لما حلت لي للنسب فليس بين عدم الحل وعدم أخوة الرضاع مناسبة بل ثبوت عدم الحل يناسب أخوة الرضاع لكن وجود أخوة النسب يناسب ثبوت عدم الحل وعدم الحل سبب كونها أخت رضاع أضعف شرعاً منه بسبب أخوة النسب ( وترد لو لمعان ) أخر غير معناها المشهور وهو الشرط ( منها التمني ) نحو فلو أن لنا كرة فنكون ، ولهذا نصب المضارع في جوابها ، وهل هي امتناعية أشربت معنى التمني أو قسم برأسه أو هي المصدرية أقوال والأخير منها قول ابن مالك ( ومن معانيها ) العرض نحو لو تنزل عندي فتصيب خيراً ( ومنها التحضيض ) نحو لو تسلم فتدخل الجنة أي هلا تسلم ( ومنها التقليل ) نحو قوله صلى الله عليه وسلم ردوا السائل ولو بظلف محرق أي ولو بلغ في القلة إلى ظلف مثلاً ( قال الزركشي ) أثبت هذا المعنى ابن هشام الخضراوي وابن السمعاني في القواطع والحق أنه مستفاد مما بعدها","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"لا من الصيغة انتهى أي لأن الظلف يشعر بالتقليل ( هذه معاني هذا الحرف ) ولصعوبتها أطلنا في بيانها الكلام بما لا أظنك تجده في كتاب أوضح مما هنا فاشدد يديك به .\r( الثاني والعشرون لن ) هي حرف يدل على النفي وينصب الفعل المضارع ويخلصه للاستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تابيدا له ( وزعم الزمخشري ) في الكشاف أنها تفيد توكيد النفي وفي الأنموذج تأبيده وذلك حيث أطلق النفي ، قال فقولك لن أقيم مؤكد بخلاف لا أقيم كما في إني مقيم وأنا مقيم وقولك في شيء لن أفعله مؤكد على وجه التأبيد والمعنى أن فعله ينافي حالي كقوله تعالى لن يخلقوا ذبابا ، أي خلقه من الأصنام مستحيل ينافي أحوالهم انتهى ( قال ابن مالك ) وحمله على ذلك اعتقاد أن الله لا يرى وهو باطل انتهى ( وقال ابن عصفور ) ما ذهب إليه دعوى لا دليل لها بل قد يكون النفي بلا آكد منه بلن لأن النفي بلا قد يكون جواباً للقسم والمنفي بلن لا يكون جواباً له ونفي الفعل إذا أقسم عليه أكد ورده غيره أيضاً بأنها لو كانت للتأبيد لكان ذكر الأبد في قوله تعالى ولن يتمنوه أبدا تكرار والأصل عدمه ولما قيد منفيها باليوم في قوله تعالى فلن أكلم اليوم أنسيا ولما صح التوقيت في قوله تعالى لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ووافق الزمخشري في التأكيد كثير منهم ابن الخباز ووافقه في التأبيد ابن عطية ، بل زعم بعضهم أن منع التأبيد مكابرة ، وقال ابن عصفور وابن السراج وحكاه عن قوم أنها ترد للدعاء كقوله تعالى فلن أكون ظهيرا للمجرمين وكقول الشاعر :\rلن تزالوا كذلكم ثم لازلت ... لكم خالداً خلود الجبال\rوابن مالك وغيره لم يثبتوا ذلك وقالوا لا حجة في البيت لاحتمال أن يكون خبراً وفيه بعد .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"( الثالث والعشرون ما ) قد تكون اسمية وهي التي لها وحدها محل من الإعراب وقد تكون حرفية وهي بخلافها وللاسمية خمسة موارد ( أحدها ) أن تكون موصولة نحو ما عندكم ينفد وما عند الله باق ( ثانيها ) نكرة موصوفة وتقدر بشيء نحو مررت بما معجب لك أي بشيء معجب لك ومنه قول الشاعر :\rرب ما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال\r( ثالثها ) ترد للتعجب نحو ما أحسن زيداً ، فما نكرة تامة مبتدأ وما بعدها خبره أي شيء حسن زيداً أي صيره حسناً وجاز الابتداء بالنكرة للتعجب ( رابعها ) ترد للاستفهام نحو وما تلك بيمينك يا موسى ( خامسها ) ترد شرطية وتكون زمانية وغير زمانية فالأولى نحو ما استقاموا لكم فاستقيموا لهم أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم والثانية نحو وما تفعلوا من خير يعلمه الله ( والحرفية ) ترد مصدرية أي يكون ما بعدها في تأويل المصدر زمانية نحو فاتقوا الله ما استطعتم أي مدة استطاعتكم فهي واقعة موقع الظرف وغير زمانية نحو قوله تعالى فذوقوا بما نسيتم ( وترد نافية ) أما عاملة كقوله تعالى ما هن أمهاتهم أو غير عاملة نحو وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ( وترد زائدة ) أما كافة عن عمل الرفع نحو قل ما يدوم الوصال أو عن عمل النصب والرفع وهي المتصلة بأن وأخواتها ، نحو إنما الله إله واحد أو عن عمل الجر وتتصل بأحرف وظروف مذكورة في محالها نحو ربما دام الوصال ، وأما غير كافة نحو فبما رحمة من الله لنت لهم .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"( الرابع والعشرون من ) بكسر الميم لها معان ( أحدها ) ابتداء الغاية وهذا المعنى هو الغالب عليها حتى أن بعضهم رد سائر معانيها إليه والغاية إما في المكان وهذه محل اتفاق نحو من المسجد الحرام ، وإما في الزمان عند الكوفيين نحو من أول يوم ، وصححه ابن مالك لكثرة شواهده ( ومن معانيها التبعيض ) نحو لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وعلامتها صحة أن يحل محلها بعض ( وترد للتبيين ) نحو ما ننسخ من آية فاجتنبوا الرجس من الأوثان وعلامتها أن يصلح موضعها الذي هو ( وترد للتعليل ) نحو يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق أي لأجلها ( وترد للبدل ) نحو أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة أي بدلها ( وترد لانتهاء الغاية ) مثل إلى نحو قربت منه أي إليه ( وترد ) لتنصيص العموم وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي نحو ما في الدار من رجل فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة ولهذا يصح معه بل رجلان فإذا دخلت تعين لنفي الجنس أما الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو ماجاءني من أحد فهي للتوكيد ( وترد للفصل بين المتضادين ) وتعرف بدخولها على الثاني منهما نحو والله يعلم المفسد من المصلح حتى يميز الخبيث من الطيب ( وترد مرادفة للباء ) نحو ينظرون إليك من طرف خفي قال يونس أي بطرف خفي وتحتمل في الآية ابتداء الغاية كما قال الدماميني ( وترد مرادفة لعن ) نحو قد كنا في غفلة من هذا أي عنه ( وترد مرادفة لفي ) نحو إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي فيه ( وترد مرادفة لعند ) نحو لن تغني منهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أي عنده قاله أبو عبيدة وقيل أنها في الآية للبدل أي بدل طاعة الله أو بدل رحمة الله ( وترد مرادفة لعلى ) نحو ونصرناه من القوم أي عليهم وقيل هي على بابها في الآية وإنما ضمن نصرناه معنى منعناه .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"( الخامس والعشرون من ) بفتح الميم ( تكون شرطية ) نحو من يعمل سوءاً يجز به ( وتكون استفهامية ) نحو من ذا الذي يعصمكم من الله ( وتكون موصولة ) نحو ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ( وتكون نكرة موصوفة ) نحو مررت بمن معجب لك أي بإنسان معجب لك ( قال أبو علي الفارسي ) وتكون نكرة تامة كقوله :\rونعم من هو في سر واعلان\rفقال فاعل نعم مستتر ومن تمييز بمعنى رجلاً والضمير المنفصل هو المخصوص بالمدح وغير أبي علي لم يثبت ذلك ويقولون من موصولة وما بعدها صلتها والمخصوص بالمدح محذوف راجع إلى بشر في البيت قبله .\r( السادس والعشرون هل ) تختص بالدخول على الموجب فتجاب بنعم أو بلا فهي لطلب التصديق مطلقاً إيجاباً أو سلباً ولا تدخل على نفي فلا يقال هل لم يقم زيد ، وقول المصنف تبعاً لابن هشام في المغني هل لطلب التصديق الإيجابي لا التصوري ولا التصديقي السلبي انتقال ذهن من السؤال إلى الجواب سهواً ومبني للسهو المذكور اشتباه الجواب بمدخولها ( وعلم مما مر ) أنها لا تكون لطلب التصديق التصوري كما قاله السكاكي وغيره فلا يقال هل الإنسان وإنما يقال ما الإنسان فيقال في جوابه حيوان ناطق .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"( السابع والعشرون الواو العاطفة ) اختلف في معناها على أقوال ( أصحها ) أنها لمطلق الجمع بين المعطوفين في الحكم ولا تدل على ترتيب ولا معية فإذا قلت قام زيد وعمرو احتمل قيامهما معاً أو قيام زيد قبل عمرو أو عكسه ( ثانيها ) وبه قال قطرب والفرا وأبو عمرو الزاهد وثعلب وهشام وأبو جعفر الدينوري أنها تفيد الترتيب أي تأخر ما بعدها عما قبلها لكثرة استعمالها فيه فهي في غيره مجاز ( ثالثها ) أنها للمعية لأنها للجمع والأصل فيه المعية ونسبه الإمام الرازي في البرهان لبعض الحنفية فهي في غير المعية مجاز فإذا قيل قام خالد وعامر كان محتملاً للمعية والتقدم والتأخر على القول الأول وظاهراً في تأخر قيام عامر على القول الثاني وظاهراً في المعية على القول الثالث .\r(( مبحث الأمر ))","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"هو قسمان لفظي ونفسي الأول اللفظي اعلم أن في ( ا م ر ) أي اللفظ المنتظم من هذه الأحرف المسامة بألف ميم را مذاهب ( أحدها ) أنه حقيقة في القول المخصوص أي الدال على اقتضاء فعل إلى آخر ما سيأتي بأي لفظ كان من صيغة فعل أمر نحو وأمر أهلك بالصلاة أي قل لهم صلوا أو اسم فعل أمر نحو صه أو مضارع مقرون باللام نحو لينفق ذو سعة ومصدر بمعنى الأمر نحو فضرب الرقاب فإن أطلق على الفعل اللغوي كقوله تعالى أتعجبين من أمر الله أي من فعله فهو مجاز وإلا لزم الاشتراك والمجاز أولى منه ( ثانيها ا م ر ) حقيقة في القدر المشترك بين القول والفعل بالاشتراك المعنوي فيكون من باب المتواطئ دفعاً للاشتراك الوضعي والمجاز ( قال الزركشي ) وهذا القول لا يعرف قائله وإنما ذكره في الأحكام على سيبل الفرض والإلزام أي لو قيل به فما المانع منه ولهذا قال ابن الحاجب أنه قول حادث انتهى ( ثالثها أمر ) مشترك بين القول والفعل اللغوي فالقول نحو وأمر أهلك والفعل نحو وشاورهم في الأمر أي الفعل الذي تعزم عليه ( رابعها ) أنه مشترك بينهما وبين الشان والصفة والشيء فيكون مشتركاً بين الخمسة فالشان نحو إنما أمرنا لشيء أي شأننا والصفة نحو :\r( لأمر ما يسود من يسود )\rأي لصفة من صفات الكمال والشيء نحو لا مر ما جدع قصير أنفه والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مشتركاً بينها وأجيب بأنه فيها مجاز إذ هو خير من الاشتراك كما تقدم وقد علم مما مر حد القسم اللفظي إنه قول دال على اقتضاء فعل إلى آخر ما سيأتي .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"( القسم الثاني ) الأمر النفسي ( وحده ) اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف ( فاقتضاء الفعل ) أي طلبه جنس يشمل الأمر والنهي ويخرج الإباحة وغيرها مما يستعمل فيه صيغة الأمر وليس أمراً ( وغير كف ) فصل خرج به النهي فإنه طلب فعل هو كف ( ومدلول غليه بغير كف ) صفة لكف قيد زاده المصنف على ابن الحاجب لادخال نحو قولك كف عن كذا أو أمسك عن كذا فإنه أمر مع أنه مخرج بغير كف وتبين بما زاده أن الكف الذي أريد اخراجه ما دل عليه غير كف ونحوها أما طلب فعل هو كف دل عليه كف فإنه ليس نهياً بل أمر ومثل كف مردافه كاترك ودع وذر .\r( وهذا التعريف ) مبني على الصحيح من اثبات الكلام النفسي ، أما منكروه وهم المعتزلة فعرفوا الأمر بأنه القول الطالب الخ واقتصروا عليه ( والأصح ) أنه لا يعتبر في الأمر علو بأن يكون الطالب أعلا رتبة من المطلوب منه ولا استعلاء بأن يكون الطالب مظهراً التعاظم على المطلوب منه وإن خالف الواقع قال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان :\rأمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن\rهاشم","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"( وقيل يعتبران معاً ) وبه قال القاضي عبد الوهاب وابن القشيري واطلاق الأمر دونهما مجازي ( واعتبرت ) المعتزلة إلا أبا الحسين منهم وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني العلو فقط ( واعتبر ) الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب وابن برهان وأبو الحسين المعتزلي الاستعلاء فقط ، وذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم المعتزليان إلى أنه يعتبر في الأمر زيادة على العلو إرادة الدلالة باللفظ على الطلب لتخرج صيغة التهديد نحو اعملوا ما شئتم ومن سبق في العلم القديم موته فالإرادة هي المميزة ، ولم يعتبر الأكثرون ذلك وقالوا يحصل التمييز بأن الصيغة حقيقة في الطلب فإذا أريد غيره فهو مجاز لابد له من قرينة ( وأورد ) على ذكر الاقتضاء وهو الطلب في تعريف الأمر أن الطلب أخفى من الأمر فهو تعريف بالأخفى وهو ممتنع ( وأجيب ) بأن الطلب بديهي التصور فإن كل أحد يفرق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك والخبر فهو وجداني كالجوع والعطش ( والأمر المحدود بما مر ) غير إرادة الفعل فإن الميت على كفره مأمور بالإيمان بلا شك وهو غير مراد منه لأنه ممتنع لسبق العلم القديم بانتفائه والممتنع غير مراد بالاتفاق ( وذهب المعتزلة ) إلى أن الأمر بالشيء هو إرادة فعله لأنهم لما أنكروا الكلام النفسي ولم يمكنهم إنكار الاقتضاء المحدود به الأمر قالوا أنه الإرادة فراراً من كونه نوعاً من الكلام النفسي وسبق قريباً ما يرد قولهم .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"( مسئلة ) اختلف القائلون بالنفسي هل صيغة أفعل ونحوها من كل ما يدل على الأمر بالصيغة كاسم فعل الأمر مخصوصة بالأمر أم لا المنقول عن الشيخ أبي الحسن الأشعري ومن تبعه أنها ليست مخصوصة به ( ثم اختلف أصحابه ) في تحقيق مذهبه فقيل علة نفيه له الوقف بمعنى عدم الدراية بما وضعت له حقيقة مما وردت له من أمر وتهديد وغيرهما فقول القائل أفعل لا يدري وضع في اللسان العربي لماذا ( وقيل ) علة نفيه له الاشتراك بين ما وردت له من أمر وغيره أي أن اللفظ صالح لجميع المحامل صلاحية اللفظ المشترك بالمعاني التي يرد اللفظ لها وعلى كلا القولين فلا تدل صيغة أفعل ونحوها عند الأشعري ومن تبعه على الأمر بخصوصه إلا بقرينة كان يقال صل لزوماً بخلاف ألزمتك أو أمرتك بكذا فلا ، لأنه يعبر بها عن الأمر القائم بالنفس ( والقول الثاني ) أن صيغة أفعل ونحوها مخصوصة بالأمر لا يفهم منها غيره عند التجرد عن القرائن ، أما المنكرون للكلام النفسي فلا حقيقة للأمر وسائر أقسام الكلام عندهم إلا العبارات ولا يأتي عندهم هذا الخلاف ( وترد هذه ) الصيغ لستة وعشرين معنى كما ذكرها المصنف بل أوصلها بعضهم إلى نيف وثلاثين ( منها الوجوب ) نحو قوله تعالى أقيموا الصلاة ( والندب ) نحو فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ( والإباحة ) نحو كلوا من الطيبات ( والتهديد ) نحو اعملوا ما شئتم ( والإرشاد ) نحو فاستشهدوا شهيدين من رجالكم والفرق بينه وبين الندب تعلقه بمصلحة دنيوية بخلاف الندب فإن مصلحته أخروية فلا ثواب في الإرشاد على المشهور ( وإرادة الإمتثال ) كقولك لآخر عند العطش اسقني ماء ( والأذن ) كقولك لطارق الباب أدخل وكان هذا قسم من الإباحة وقد جعله بعضهم منها ( والتأديب ) نحو قوله صلى الله عليه لعمرو ابن سلمة وكان إذ ذاك صغير وكانت يده تطيش في الصحفة كل مما يليك أما أكل المكلف مما يليه فمندوب ومما يلي غيره مكروه ونص الشافعي رضي الله عنه في مختصر البويطي","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"على أن الأكل من غير ما يليه حرام محمول على المشتمل على الإيذاء ( والإنذار ) نحو قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار قال الشارح ويفارق التهديد بذكر الوعيد انتهى ( والامتنان ) نحو كلوا مما رزقناكم والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد اذن وأنه لابد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه وإن الإباحة قد يتقدمها حظر مثل إذا حللتم فاصطادوا ( والإكرام ) نحو ادخلوها بسلام آمنين ( والتسخير والامتهان ) نحو كونوا قردة خاسئين ( والتكوين ) أي الإيجاد من العدم نحو كن فيكون ( والتعجيز ) أي إظهار العجز نحو قل فأتوا بسورة من مثله ( والإهانة ) نحو ... ذق إنك أنت العزيز الكريم ( والتسوية ) نحو فاصبروا أو لا تصبروا ( والدعاء ) نحو ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ( والتمني ) كقول امرؤ القيس :\rألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\r( والاحتقار ) كقول موسى للسحرة القوا ما أنتم ملقون ( والخبر ) نحو إذا لم تستح فاصنع ما شئت ( والإنعام ) بمعنى تذكير النعم نحو كلوا من طيبات ما رزقناكم والظاهر إن هذا نوع من الإباحة كما تقدم في الامتنان ( والتفويض ) نحو فاقض ما أنت قاض ( والتعجب ) نحو انظر كيف ضربوا لك الأمثال ( والتكذيب ) نحو قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ( والمشورة ) نحو قوله فانظر ماذا ترى ( والاعتبار ) نحو فانظروا إلى ثمره إذا أثمر فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"( ثم اختلفوا ) في ما صيغة افعل حقيقة فيه من هذه المعاني وما هي مجاز فيه على أقوال ( أحدها ) وبه قال الجمهور أنها حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي ، وهل ذلك بوضع اللغة أو بوضع الشرع أو بالعقل أقوال والصحيح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أولها ونقله إمام الحرمين عن الشافعي ووجهه أن أهل اللغة يحكمون باستحقاق مخالف أمر سيده مثلاً بها للعقاب ، والثاني واختاره في البرهان أنها لغة لمجرد الطلب وإن جزم الطلب المحقق للوجوب بأن يترتب العقاب على الترك إنما يستفاد من الشرع في أمره أو أمر من أوجب هو طاعته وأجاب عما مر بأن حكم أهل اللغة المذكور مأخوذ من الشرع لإيجابه على العبد مثلاً طاعة سيده ، والثالث قال أن ما تفيده لغة من الطلب يتعين أن يكون الوجوب لأن حمله على الندب يصير المعنى افعل أن شئت لكن عورض هذا بمثله في الحمل على الوجوب فإنه يصير المعنى افعل من غير تجويز ترك ( ثانيها ) أنها حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره ( ثالثها ) وبه قال أبو منصور الماتريدي من الحنفية أنا موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب فيكون من المتواطيء حذرا من الاشتراك والمجاز ، فاستعمالها في كل منهما من حيث أنه طلب استعمال حقيقي ( رابعها ) أنها مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي فتكون موضوعة لكل منهما وبه قال المرتضى من الشيعة ( خامسها ) وبه قال القاضي أبوبكر الباقلاني والغزالي والآمدي الوقف فيها أي يحتمل أنها حقيقة في الوجوب ويحتمل أنها حقيقة في الندب ويحتمل أنها مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي فلا يحكمون إلا بقرينة وأما بدون القرينة فالصيغة عندهم من المجمل ( سادسها ) أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة وهل الاشتراك معنوي فيكون من المتواطئ أو لفظي قولان ( سابعها ) أنها مشترك بين هذه الثلاثة والتهديد وينقدح طرد القولين اللفظي والمعنوي في هذا أيضاً ( ثامنها ) وبه قال عبد الجبار من المعتزلة تفريعاً","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"على إنكاره الكلام النفسي هي موضوعة لإرادة الامتثال الصادقة بالوجوب والندب ( تاسعها ) أن أمر الله تعالى حقيقة في الوجوب وأمر النبي عليه السلام للندب إذا كان مبتدأ منه أما إن كان موافقاً لنص أو مبيناً لمجمل فهو للوجوب أيضاً حكاه القاضي عبد الوهاب عن شيخه أبي بكر الأبهري من المالكية ، لكن حكى الزركشي في البحر وغيره أن تلميذه القاضي عبد الوهاب المذكور نقل عنه أيضاً أن قوله الذي رجع إليه آخراً موافقة الجمهور من غير فرق بين أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام ( عاشرها ) أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد حكاه الغزالي ( حادي عشرها ) إنها مشتركة بين الأحكام الخمسة المشهورة الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم حكاه في المحصول ( ثاني عشرها ) واختاره المصنف تبعاً للشيخ أبي حامد الاسفرائيني وإمام الحرمين أنها حقيقة لغة في الطلب الجازم وهو ما لا يحتمل التقييد بالمشية والتوعد على تركه بالعقاب ثبت بأمر خارج وهو الشرع فإن صدر الطلب بها من الشارع أو جب الفعل وإن صدر من غيره فلا إلا من أوجب الشرع طاعته كإلزام السيد عبده بفعل فإنه يجب على العبد امتثاله وهذا موافق للقول بأنها حقيقة في الوجوب ولا يوافق أحداً من الأقوال المحكية هناك في أن ذلك باللغة أو الشرع أو العقل بل هو زايد عليها لقوله بثبوته بمجموع اللغة والشرع وكلام الشافعي رضي الله عنه لا ينافيه وعلى كل قول مما مر هي في غير ما ذكر فيه مجاز .","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"( ثم إذا وردت ) صيغة الأمر من الشارع مجردة عن القرائن وفرعنا على انها حقيقة في الوجوب كما قاله الجمهور فهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن كون المراد بها الوجوب أو غيره أو لا قولان كالقولين الآتيين في وجوب اعتقاد العموم حتى يتمسك به قبل البحث عن المخصص والأصح نعم كما سيأتي حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ في العدة ( قيل ) وهي مسئلة غريبة قل من ذكرها وهذه الأقوال المتقدمة إذا لم ترد الصيغة بعد حظر فإن وردت بعد حظر وفرعنا على اقتضاء الأمر للوجوب ففيه مذاهب ( أحدها ) أنها تصير للإباحة حقيقة شرعاً لتبادرها إلى الذهن في ذلك لغلبة استعمالها فيها حينئذ والتبادر علامة الحقيقة مثاله قوله تعالى فإذا حللتم فاصطادوا وهذا هو المحكى عن نص الشافعي ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين ورجحه ابن الحاجب ( ثانيها ) أنه للوجوب حقيقة لأن الصيغة تقتضيه ولا ينافيه وروده بعد الحظر وغلبة الاستعمال في الإباحة لا تدل على الحقيقة فيها ، ومثاله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين فإن قتالهم المؤدي إلى قتلهم المحظور فرض كفاية وهو قول القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي المظفر السمعاني والإمام الرازي والبيضاوي ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا ، ثم قال وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين ورجحه ابن الحاجب ( ثالثها ) الوقف بين الإباحة والوجوب وإليه مال إمام الحرمين .\r( تنبيه ) ذكر الإمام الرازي أن الأمر بافعل بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم فيجري فيه الخلاف المتقدم ومثل له بقوله عليه الصلاة والسلام لما قيل له كيف نصلي عليك قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وفي التمثيل بذلك نظر فإن السؤال هنا عن كيفية وليس فيها استئذان ويمكن التمثيل له بقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الوضوء من لحوم الإبل توضأوا منها .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"( واختلف أيضاً ) في النهي الوارد بصيغة لا تفعل بعد الوجوب على أقوال ( أحدها ) وبه قال الجمهور أنه يقتضي التحريم كما في غير ذلك ونقل القاضي أبوبكر والأستاذ أبو إسحاق الاتفاق عليه وفرقوا بينه وبين الأمر بأن مقتضى النهي وهو الترك موافق للأصل بخلاف مقتضى الأمر وهو الفعل ، وبأن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به واعتناء الشارع بدفع المفسدة أشد من جلب المصلحة ( ثانيها ) أنه لكراهة التنزيه على قياس أن الأمر للإباحة والجامع حمل كل من الصيغتين على أدنى مراتبه حكاه ابن تيمية في المسودة الأصولية عن حكاية القاضي أبي يعلى من الحنابلة ( ثالثها ) أنه للإباحة نظراً إلى أن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه فيثبت الجواز فيه ويدل له قوله تعالى أن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ( رابعها ) أنه يرفع ذلك الوجوب فيكون نسخاً ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبل من تحريم لكون الفعل مضرة أو إباحة لكونه منفعة ( خامسها ) الوقف كمسئلة الأمر قبلها وهو قول إمام الحرمين فلم يحكم بشيء هنا كما لم يحكم هناك ( أما النهي ) بعد الاستئذان فقد نقل عن والد المصنف أنه مرتب على ما فهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضاً خبر لكن القرائن ترشد إلى أن المراد الاستفهام عن الحكم الشرعي ومثل له بحديث سعد أوصي بمالي كله قال لا وبحديث أينحني بعضنا لبعض قال لا والظاهر فيهما التحريم لما فهم منه أن الاستفهام عن الإباحة ومن أمثلته حديث سئل عن لحوم الغنم فقال لا توضؤا منها ، والظاهر أن السؤال عن الوجوب فيكون معنى الجواب لا يجب الوضوء انتهى ونقل العلامة البناني عن شيخ الإسلام أن حكم النهي بعد الاستئذان التحريم كالواقع بعد الواجب انتهى .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"( مسألة ) الأمر اللفظي المطلق أي الذي ليس مقيداً بمرة وتكرار مختلف فيه على أقوال ( أحدها ) وهو مختار الإمام الرازي مع نقله له عن الأقلين ورجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما أنه لطلب فعل الماهية من غير دلالة على تكرار ولا مرة ولكن المرة الواحدة لابد منها في الامتثال فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به وبه قال أبو حنيفة وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأكثر الفقهاء وعن اختيار القاضي أبي الطيب ( وقال الشيخ ) أو حامد أن مقتضى قول الشافعي أنه يدل على المرة بلفظه وأنها مدلوله ، وعلى هذا والذي قبله يكون حمل الأمر على التكرار بقرينة حقيقة بالنسبة للأول مجازاً بالنسبة للثاني ( ثالثها ) وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني والشيخ أبو حاتم القزويني وغيرهما أنه للتكرار مطلقاً سواء علق بشرط أو صفة أم لا ويحمل على المرة بقرينة والمراد بالتكرار فعل مثل الأول لا الأول بعينه فإنه محال قاله الصفي الهندي ( رابعها ) أن علق على شرط أو صفة اقتضى التكرار بحسب تكرار المعلق عليه مثل قوله تعالى فإن كنتم جنباً فاطهروا والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فتكرار الطهارة بتكرار الجنابة وتكرار الجلد بتكرار الزنا وإن كان مطلقاً لم يقتض التكرار ويحمل المعلق المذكور على المرة أيضاً بقرينة كقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً قضية الآية الشريفة على هذا القول وجوب تكرار الحج بتكرار الاستطاعة لكن قامت القرينة الدالة على المرة ، وهي الحديث الغامنا هذا أم للأبد قال لا بل للأبد ( خامسها ) الوقف وهو محتمل لأمرين كلاهما محكي الاحتمال الأول أن يكون مشتركاً بين التكرار والمرة فيتوقف أعماله في أحدهما على القرينة الاحتمال الثاني أنه لأحدهما ولا نعرفه فنتوقف فيه أيضاً لعدم علمنا بالواقع فتكون الأقوال ستة ( وفيه قول سابع ) وهو أن المعلق بصفة يقتضي التكرار دون المعلق بشرط وارتضاه","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"القاضي أبوبكر ورجحه بعض المتأخرين .\r( واختلف ) أيضاً في أن الأمر المجرد عن القرائن هل يقتضي الفور أم لا على أقوال ( أحدها ) أنه لا يقتضي الفور وهو المبادرة عقب ورود الأمر بفعل المأمور به ولا التراخي قال إمام الحرمين ينسب إلى الشافعي واختاره الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم ( ثانيها ) أنه يقتضي الفور وهو قول الحنفية والحنابلة وحكاه القاضي عبد الوهاب عن المالكية وقال به من أصحابنا أبوبكر الصيرفي والقاضي أبو حامد ( ثالثها ) أنه يقتضي الفور أو العزم في الحال على الفعل في المستقبل وبه قال من المعتزلة أبو علي وابنه أبو هاشم وعبد الجبار وحكاه ابن الحاجب عن القاضي الباقلاني ورده ( رابعها ) أن الأمر مشترك بين الفور والتراخي وصححه الأصفهاني ( خامسها ) الوقف عن الفور والتراخي بمعنى لا يعلم لأيهما وضع وعلى هذا الخلاف فالمبادر بالفعل ممتثل للأمر بناء على القول بالفور خلافاً لمن منع امتثاله بناء على قوله الأمر للتراخي وخلافاً لمن وقف عن الامتثال وعدمه بناء على قوله لا نعلم أو ضع للفور أو للتراخي .\r( تنبيه ) قال الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين وغيرهما ليس منع الامتثال معتقد أحد لأن القائلين بالتراخي إنما أرادوا به جوازا لا وجوباً كما صرح به جمع من المحققين .","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"( مسألة ) قال جماعة من الحنفية منهم أبوبكر الرازي والقاضي أبو زيد وشمس الأئمة السرخسي وجماعة من الشافعية منهم الشيخ نجم الدين بن الرفعة وجمع من المعتزلة منهم أبو الحسين البصري والقاضي عبد الجبار الأمر الأول بشيء موقت يستلزم القضاء له أن لم يفعل في وقته المعين له شرعاً لاشعار الأمر الأول بطلب استدراكه لأن القصد منه الفعل ولم يفعل فيطلب قضاؤه بالأمر الأول وعلى هذا فنحو صم يوم الخميس مقتضاه أمران التزام الصوم وكونه يوم الخميس فإذا عجز عن الثاني لفواته بقي اقتضاء الصوم ( وقال ) الأكثر من العلماء وهو الأصح ونقله إمام الحرمين عن الإمام الشافعي وقال به أكثر أصحابه كالشيخ أبي حامد وسليم الرازي وابن الصباغ وغيرهم ليس القضاء بالأمر الأول وإنما هو بأمر جديد كالأمر في حديث الصحيحين من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها وفي حديث مسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة وغفل عنها فليصلها إذا ذكرها والقصد من الأمر الأول الفعل المقيد بكونه في الوقت لا مطلقاً .\r( والأصح ) أن الاتيان بالشيء المأموربه شرعاً يستلزم اجزاء الماتي به لسقوط الطلب ( وقيل لا يستلزمه ) لجواز أن لا يسقط المأتي به القضاء بأن يحتاج إلى الفعل ثانياً كما في صلاة من ظن الطهارة ثم تبين له الحدث وهذا الخلاف مبني على تفسير الأجزاء فمن فسره بأنه الكفاية في سقوط الطلب وهو الراجح قال بالأول ومن فسره بأنه اسقاط القضاء قال بالثاني .","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"( والأصح ) أن أمر المخاطب بأمر غيره بالشيء ليس أمرا لذلك الغير بذلك الشيء مثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر فليس الصبيان مأمورين بذلك بأمر الشارع بل بأمر الأولياء فإن الأولياء مأمورون أن يأمروهم ( وقيل ) الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء وإلا فلا فائدة فيه لغير المخاطب نقله العالمي من الحنفية عن بعضهم ( وحكى سليم الرازي ) ما يقتضي أنه يجب على الناس الفعل جزماً وإنما الخلاف في تسميته أمراً ( وقال ) الإمام في المحصول الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد أوجب على عمرو كذا وقال لعمرو كلما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك فالأمر بالأمر بالشيء أمر بالشيء في هذه الصورة ولكن إنما جاء من قوله كلما أوجب عليك فلان فهو واجب عليك فإن لم يقل ذلك فلا فقوله عليه الصلاة والسلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع لا يقتضي الوجوب على الصبي ( ومحل الخلاف ) إذا لم تقم قرينة على أن غير المخاطب مأمور بذلك الشيء أما إذا قامت فلا خلاف كما في حديث الصحيحين أن ابن عمر رضي الله عنهما طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى لله عليه وسلم فقال مره فليراجعها والقرينة هي قوله فليراجعها فإنه أمر للغايب فيكون ابن عمر مأموراً منه صلى الله عليه وسلم .","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"( والأصح ) عند المصنف أن الأمر إذا ورد بلفظ يتناول الآمر يدخل فيه الآمر فيكون ما أمر به متعلقاً به نظرا إلى عموم اللفظ ومثاله قول السيد لعبده أكرم العلماء وكان السيد عالماً فيدخل السيد في الأمر بالإكرام ( وقيل ) لا يدخل لبعد أن يريد المتكلم نفسه وصححه المصنف في مبحث العام الآتي ولا يخفى ما في التصحيحين من التنافي ( والمعتمد عدم الدخول ) مطلقاً وهو مذهب الشافعي والأكثرين ورجحه ابن الصباغ والشيخ أبو حامد وجرى عليه الرافعي والنووي ( قال الزركشي ) وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن الآمر مأمورا بمخاطبة غيره فإن كان لم يدخل فيه قطعاً قال ولهذا قطع أصحابنا فيما لو وكله ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء أنه ليس له أن يبرئ نفسه انتهى أما إذا لم يتناول اللفظ المتكلم فإنه لا يدخل الأمر تحته قطعاً .\r( واتفقوا ) على جواز النيابة في العبادة المالية ووقوعها كتفرقة الزكاة واختلفوا في جوازها في البدنية ( والصحيح ) كما قاله المصنف تبعاً للآمدي جواز دخول النيابة في الأفعال البدنية عقلاً ووقوعها شرعاً كما في الحج بشرطه إلا لمانع كالصلاة استقلالاً لا تبعاً كركعتي الطواف ( وقالت المعتزلة ) لا تدخل النيابة البدني لأن الأمر به إنما هو لقهر النفس وكسرها بفعله والنيابة غير محصلة لذلك ( وأجيب ) بأن النيابة لا تأباه لما فيه من بذل المؤنة أو تحمل المنة .","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"( واختلف ) المثبتون للكلام النفسي في أن الأمر بشيء معين هل هو نهي عن ضده أم لا على أقوال ( أحدها ) وهو قول أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأطنب في نصرته في التقريب أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده الوجودي تحريماً كان أو كراهة واحد أكان الضد كضد السكون اي التحرك أو أكثر كضد القيام أي القعود وغيره ( ثانيها ) أنه ليس عينه ولكن يتضمنه عقلاً أي يستلزمه وذكر إمام الحرمين أن القاضي الباقلاني صار إليه في آخر مصنفاته وهو قول الإمام الرازي ونقله المصنف عن أبي الحسين البصري وعبد الجبار المعتزليين وفيه نظر فإنهما لا يثبتان الكلام النفسي الذي الكلام فيه اصلاً كغيرهما من المعتزلة وإنما كلامهما في اللساني ( وأما الآمدي ) فإنه قال أن جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يلزمه وإن منعناه استلزمه ( ثالثها ) أنه ليس نهياً عن ضده ولا يتضمنه واختاره ابن الحاجب وإمام الحرمين والغزالي ( رابعها ) التفصيل بين أمر الإيجاب فيتضمن النهي عن ضده وأمر الندب فليس نهياً عن ضده ولا يتضمنه فإن أضداده مباحة غير منهي عنها .\r( أما الأمر ) اللفظي فليس عين النهي اللفظي قطعاً ولا يتضمنه على الأصح ( وقيل ) يتضمنه على معنى أنه إذا قيل أسكن فإنه على معنى لا تتحرك أيضاً لأنه لا يتحقق السكون بدون الكف عن التحرك .","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"( أما النهي النفسي ) عن الشيء تحريماً أو كراهة فقيل هو أمر بضده إيجاباً أو ندباً قطعاً وهي طريقة القاضي في التقريب ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة بلزومها لنفي المباح ( وقيل ) على الخلاف في الأمر أي أن النهي أمر بالضد أو يتضمنه أو ليس عينه ولا يتضمنه أو نهي التحريم يتضمنه دون نهي الكراهة وتوجيهها ظاهر مما مر ، ويقاس النهي اللفظي على الأمر اللفظي وفائدة الخلاف في هذه المسألة أنه إذا كان خالف هل يستحق العقاب بارتكاب الضد أيضاً .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"( مسألة ) إذا صدر أمران من آمر واحد فلا يخلو أن يكونا متعاقبين بأن لا يكون بينهما فصل بسكوت أو غيره أو غير متعاقبين ، فإن كانا غير متعاقبين بأن فصل بينهما فاصل سواء تعلقا بمتماثلين أو بمتخالفين وجب العمل بهما قطعاً وإن كانا متعاقبين فلهما أحوال ( أحدها ) أن يتعلقا بشيئين غير متماثلين سواء عطف أحدهما على الآخر نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أم لا نحو اضرب زيد أعطه درهماً فهي كالأولى في وجوب العمل بهما قطعاً سواء أمكن الجمع بينهما كصل وصم أو امتنع كصل وأد الزكاة ( ثانيها ) أن يتعلقا بمتماثلين والحال أن المأمور به لا يمكن تكراره نحو اقتل زيد اقتل زيد أو اعتق عبدك اعتق عبدك فالثاني تأكيد قطعاً ( ثالثها ) أن يتعلقا بمتماثلين والمأمور به ممكن التكرار ولا يخلو في هذه الحالة أن يكون الثاني معطوفاً على الأول أم لا ( فإن كان غير معطوف ) على الأول نحو صل ركعتين صل ركعتين ففيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه يعمل بهما فيجب التكرار لأن التأسيس أولى من التأكيد ونقله المصنف في شرح المختصر عن الأكثرين وعزاه الصفي الهندي لهم ( والثاني ) أنه تأكيد فلا يجب سوى مرة ولكثرة التأكيد في كلامهم والأصل عدم الزائد وبه قال أبوبكر الصيرفي ( والثالث ) والوقف عن التأسيس والتأكيد لاحتمالهما وبه قال أبو الحسين البصري ( وإن كان معطوفاً ) على الأول نحو صل ركعتين وصل ركعتين ففيه قولان أحدهما وهو الراجح عند المصنف وغيره أنه يجب الحمل على التأسيس فيتكرر المأمور به لاقتضاء العطف المغايرة من غير معارض ( الثاني ) أنه يحمل على التأكيد فيجب مرة لأنه المتيقن قال أبو زرعة في الغيث وفي حكاية المصنف الخلاف في هذه نظر فقد صرح الصفي الهندي وغيره بأنه لا خلاف هنا في الحمل على التأسيس لأن الشيء لا يعطف على نفسه انتهى ( ثم حيث ) وجد مرجح للتأكيد بأمر عادي أي يمنع في العادة من التكرار كاندفاع الحاجة بمرة وكالتعريف نحو اسقني ماء","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"اسقني ماء ، وصل ركعتين صل ركعتين بعطف وبغيره في المثالين قدم التأكيد في غير العطف اتفاقاً لرجحانه وفي المعطوف أيضاً على القول بترجيح التأكيد من باب أولى ، وأما على القول بأرجحية التأسيس فيتعارضان كما قاله ابن الحاجب وغيره وإن كان ظاهر المتن والشرح لا يقتضيه فيحتاج إلى مرجح آخر لأحدهما فإن لم يوجد مرجح فالوقف عن التأكيد والتأسيس لاحتمالهما .\r(( فصل النهي النفسي ))\rاقتضاء كف عن فعل لا بقول كف وما في معناه نحو ذر ودع فالاقتضاء وهو الطلب جنس شامل له وللأمر ( وخرج ) بإضافته إلى الكف الأمر وبقيد لا بقول كف اقتضاء قول القائل كف عن كذا الكف فإنه يطلب كفاً عن فعل وليس نهياً بل هو أمر ( ولا يعتبر ) في النهي علو ولا استعلاء على الأصح كما في الأمر ( والأصح ) أنه يفيد طلب الانتهاء عن الشيء دائماً إلا أن يقيده بمرة مثلاً فإن قيد بها كقولك لا تسافر اليوم فإن السفر فيه مرة من السفر فهي قضية النهي فيحمل عليها وقيل قضيته الدوام مطلقاً وإن قيد بالمرة وتقييده بها صارف له عن قضيته ( وترد صيغة النهي ) وهي لا تفعل لاثنى عشر أمراً ( أحدها ) التحريم نحو قوله تعالى ولا تقربوا الزنا ( ثانيها ) الكراهة نحو قوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ( ثالثها ) الإرشاد نحو لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم والفرق بينه وبين الكراهة أن الإرشاد لدرء مفسدة دنيوية والكراهة لدرء مفسدة دينية والمفسدة في الآية دنيوية وهي سماع ما يسوءهم سماعه ( رابعها ) الدعاء نحو لا تؤاخذنا ( خامسها ) بيان العاقبة نحو ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ( سادسها ) التقليل نحو ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم أي فهو قليل ( سابعها ) الاحتقار نحو لا تعتذروا فقد كفرتم ( ثامنها ) الياس نحو لا تعتذروا اليوم ( تاسعها ) الخبر نحو لا يمسه إلا المطهرون ذكره في المحصول ( عاشرها ) التهديد كقولك لمن لا يمتثل أمرك لا تمتثل","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"أمري ( حادي عشرها ) رفع الإيجاب فهو إباحة الترك كما لو ورد لا تصم للمريض مثلاً ( ثاني عشرها ) الالتماس كقولك لنظيرك لا تفعل هذا ( وهل يعتبر ) في النهي إرادة الدلالة باللفظ على طلب الترك فيه ما في الأمر من الخلاف فقيل لا تدل صيغة النهي على الطلب إلا إذا أريد الدلالة بها عليه كما مر ( وهل صيغة النهي ) حقيقة في التحريم أو الكراهة أو مشتركة بينهما أو موقوفة فيه ما مر من الخلاف في الأمر ( ثم إن النهي ) قد يكون عن شيء واحد وحكمه ظاهر وقد يكون عن متعدد أي شيئين فصاعداً وهو ثلاثة أقسام ( أحدها ) أن يكون النهي عن الجمع بين المتعددين أي عن الهيئة الاجتماعية فله فعل أيهما شاء على انفراده كالحرام المخير نحو لا تفعل هذا أو ذاك فعليه ترك أحدهما فقط فلا مخالفة إلا بفعلهما ( ثانيها ) عكسه وهو النهي عن الافتراق دون الجمع كالنعلين يلبسان جمعاً أو ينزعان كذلك والمنهي عنه لبس أحدهما فقط أو نزعه فقط لا لبسهما ولا نزعهما ومثله النهي عن بيع الجارية وولدها يباعان أو يتركان ولا يباع أحدهما دون الآخر ( ثالثها ) أن يكون نهياً عن الجميع اجتماعاً وانفراداً كالنهي عن الزنا والسرقة .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"( واختلفوا ) هل مطلق النهي عن الشيء يدل على فساده أم لا ( والذي ) رجحه المصنف وحكاه عن الأكثرين وحكاه ابن برهان عن نص الشافعي في الرسالة التفصيل في المنهي عنه ، وهو أن النهي يقتضي الفساد بمعنى عدم الاعتداد بالمنهى عنه إذا وقع فيما عدا المعاملات من العبادات والايقاعات كالطلاق والعتق مطلقاً سواء رجع النهي فيما ذكر إلى نفس الأمر المنهي عنه كصلاة الحائض وصومها ، أو إلى لازم ما ذكر كصوم يوم النحر اللازم عنه الاعراض عن ضيافة الله والصلاة في الأوقات المكروهة ، وفي المعاملات يقتضي الفساد رجع إلى أمر داخل فيها كالنهي عن بيع الملاقيح وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة لانعدام تيقن المبيع وهو ركن من البيع أو رجع إلى أمر خارج لازم لها كالنهي عن بيع درهم بدرهمين لاشتماله على الزيادة اللازمة بالشرط ( قال الشيخ ) عز الدين بن عبد السلام في القواعد وكل تصرف نهى عنه ولم يعلم لماذا نهى عنه فهو باطل حملاً للفظ النهي على الحقيقة انتهى ( وهذا ) يفيد أن ما احتمل رجوعه إلى داخل وخارج يحمل على الداخل فيقتضي الفساد ووجه اقتضائه الفساد أما في العبادات فلمنافاة المنهي عنه لان يكون عبادة أي مأموراً به كما تقدم في مسألة الأمر لا يتناول المكروه ، وأما في المعاملة فلاستدلال الأولين من علماء السلف من غير نكير على فسادها بالنهي عنها ، وأما في غيرهما فظاهر لعدم ترتب ثمرته عليه ( وقال أبو الحسين ) البصري وأختاره الإمام الرازي في المحصول ونقله المصنف عن الغزالي أيضاً أن النهي يقتضي الفساد في العبادات فقط دون المعاملات ففسادها بفوات شرط او ركن عرف من خارج عن النهي ( قال الولي ) أبو زرعة وفي نقل هذا عن الغزالي نظر فقد صرح في آخر المسألة أن المستصفى بأن كل نهي تضمن ارتكابه الاخلال بشرط دل على الفساد من حيث الاخلال بالشرط لا من حيث النهي انتهى ( فإن كان ) مطلق النهي راجعاً إلى أمر خارج عن المنهى عنه غير لازم لم","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"يقتض الفساد عند الأكثر لأن المنهي عنه في الحقيقة ذلك الخارج وذلك كالوضوء بمغصوب فإن النهي عنه لأمر خارج هو اتلاف مال الغير الحاصل بغير الوضوء أيضاً وكالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة فإن راجع إلى تفويت الجمعة الحاصل بغير البيع أيضاً ( وقال الإمام ) أحمد ابن حنبل مطلق النهي يفيد الفساد مطلقاً من غير تفصيل سواء كان لخارج أو لغيره فإن ذلك مقتضاه قال ولفظ النهي حقيقة في الفساد وإن انتفى الفساد فيه لدليل خاص فإنه لا يخرجه عن حقيقته انتهى ( ومثاله النهي ) عن طلاق الحائض فإن الأمر بمراجعتها دال على انتفاء الفساد فيه فيقع الطلاق في حال الحيض فهذا النهي الخاص لا يخرج النهي المطلق عن كونه باقياً على حقيقته لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه من الكف والفساد فهو كالعام الذي خص فإنه حقيقة فيما بقي كما سيأتي ( وقال الإمام ) أبو حنيفة مطلق النهي لا يفيد الفساد مطلقاً سواء كان لخارج أم لم يكن له لكنه قال المنهي عنه لعينه كصلاة الحائض وبيع الملاقيح غير مشروع فلا خلاف في فساده ففساده حينئذ عرضي أي عارض للمنهى عنه لأن المنهى عنه يجب أن يكون متصور الوجود شرعاً وما ليس بمشروع لا يتصور وجوده شرعاً والنهي عن المستحيل عبث فالنهي المتعلق به ليس على حقيقته بل استعمل مجازاً عن النفي الذي الأصل فيه أن يستعمل في غير المشروع اخباراً عن عدمه لانعدام محله ( ثم قال ) أبو حنيفة والمنهي عنه لوصفه كصوم يوم النحر للاعراض به عن ضيافة الله وكبيع درهم بدرهمين لاشتماله على الزيادة يفيد النهي فيه صحة المنهي عنه بدون وصفه لامعه لأن النهي عن الشيء يستدعي إمكان وجوده وإلا كان النهي عنه لغواً فيمتنع كقولك للأعمى لا تبصر فيصح عنده صوم يوم النحر عن نذره ونحوه لخلوه عن وصفه الذي هو الإعراض عن الضيافة أما لو صامه لا عن نذر ونحوه فلا يصح لمجامعته للوصف الفاسد بمعيته له بخلاف الصلاة في الأوقات المكروهة فتصح عنده مطلقاً نذرت أم لا","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"لأن النهي عنها ليس لوصفها بل لخارج غير لازم وهو التشبه بعباد الشمس ويصح عنده بيع الدرهم بالدرهمين إذا أسقطت الزيادة لخلو البيع عن الوصف المنهي عنه له وهو الزيادة أما معها فلا يصح لما مر .\r( تنبيهات ) الأول احترزوا بقولهم مطلق النهي عن النهي المقيد بما يدل على الفساد أو الصحة فيعمل به في ذلك اتفاقاً فالأول نحو لا تصل بغير طهارة والثاني نحو لا تصروا الغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين الحديث .\r( الثاني ) المحل المتفق على جريان الخلاف السابق فيه حيث كان النهي عنه للتحريم فإن كان للتنزيه ففيه خلاف والذي رجحه المصنف أنه كنهي التحريم لأن المكروه مطلوب الترك فلا يعتد به إذا وقع وذلك هو الفساد ويخالف ذلك قول الصفي الهندي محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم وصرح بذلك بعض المصنفين انتهى .","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"( الثالث ) إذا قلنا باقتضاء النهي الفساد فهل ذلك من جهة الشرع أو اللغة أو المعنى أقوال ووجه الأول أن ذلك لا يفهم إلا من الشرع وصححه الآمدي وابن الحاجب وجزم به البيضاوي ووجه الثاني أن أهل اللغة يفهمون ذلك من مجرد اللفظ ووجه الثالث وهو قول طائفة من الحنفية أن الشيء إنما ينهى عنه إذا اشتمل على ما يقتضي فساده ( وإذا ورد من الشارع ) نفي القبول عن عبادة فهل يدل ذلك على صحتها أو على فسادها كقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فيه قولان ( الأول ) وهو إفادته الصحة مبني على أن القبول أخص من الصحة ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ولا ثبوته وإنما دل هنا على ثبوت الصحة لأن ما ليس بصحيح لا يصح نفي القبول عنه كما لا يصح نفي الإبصار عن الحائط ( والثاني ) وهو أن نفي القبول يدل على الفساد مبني على أن القبول مرادف للصحة واختاره ابن دقيق العيد قال إلا ما دل الدليل على صحته ( أما نفي الإجزاء ) كقوله صلى الله عليه وسلم لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فقيل هو كنفي القبول في أنه يفيد الفساد بناء على أن الإجزاء هو الكفاية في سقوط الطلب وهو الرجح أو يفيد الصحة بناء على أن الإجزاء إسقاط القضاء فإن ما لا يسقطه قد يصح كصلاة فاقد الطهورين كذا قاله الشارح ( والحق ) أنه لا دلالة لنفي الإجزاء بمعنى إسقاط القضاء على الصحة كما هو المدعى ، والصحة إن كانت فمن خارج ( وقيل ) نفي الإجزاء أولى بالفساد من نفي القبول لتبادر عدم الاعتداد منه إلى الذهن .\r(( مبحث العام ))","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"العام لفظ يستغرق الصالح له من جزءياته من غير حصر ( فخرج ) بيستغرق المطلق فإنه لا يدل على الإفراد اصلاً ، والنكرة في سياق الإثبات مفردة كانت أو مثناة أو مجموعة أو إسم عدد لا من حيث الآحاد فإنها تتناول كل فرد تصلح له في حال الإفراد وكل اثنين اثنين في حال التثنية وكل جمع جمع في حال الجمع تناول بدل لا تناول شمول واستغراق وخرج بالصالح له ما لا يصلح له اللفظ فعدم استغراق ما لمن يعقل إنما هو لعدم صلاحيتها له أي صدقها عليه لا كونها غير عامة ( وخرج ) بنفي الحصر اسماء العدد فإنها متناولة للصالح لها لكن مع الحصر وهذا مبني على أنها ليست عامة وهو المعروف وبه صرح ابن الحاجب ومقتضى كلامه في الاستثناء وتبعه المصنف أنها عامة إذ الاستثناء معيار العموم كما سيأتي وشمل الحد اللفظ المستعمل في حقيقتيه أو حقيقتيه ومجازه أو مجازيه على الراجح المتقدم من صحته ونقله الآمدي عن الشافعي والقاضي الباقلاني وعليه فلا حاجة لما زاده البيضاوي وغيره في التعريف من قوله بوضع واحد ليخرج المشترك إذا أريد به معنياه فإنه مستغرق لما يصلح له لكن لا بوضع واحد فتناولهما له ليس من العموم على ما زعمه وقد علمت ما فيه .","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"( والصحيح ) أن الصورة النادرة تدخل تحت العام في شمول الحكم لها نظراً للعموم ( وقيل ) لا تدخل ولهذا اختلف الفقهاء في جواز المسابقة على الفيل على وجهين أحدهما وهو الأصح نعم لقوله صلى الله عليه وسلم لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل رواه أبو داؤد فإنه ذو خف ( والثاني ) لا لأنه نادر عند المخاطبين بالحديث والصحيح أيضاً دخول الصورة التي ليست مقصودة فإن اللفظ متناول لها ولا انضباط للمقاصد ( وقيل ) لا تدخل وإليه ميل الحنابلة مثالها ما لو وكله في شراء عبيد فلان وفيهم من يعتق عليه ولم يعلم به فالصحيح صحة الشراء قال المصنف وليست غير المقصودة هي النادرة كما توهمه بعضهم بل النادرة هي التي لا تخطر ببال المتكلم لندرة وقوعها وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال ولو غالباً انتهى وهذا لا يتصور في كلام من لا يعزب عن علمه شيء ( ولو قامت ) قرينة على قصد النادرة دخلت قطعاً أو قصد انتفاء صورة لم تدخل قطعاً ( والصحيح ) أن المجاز كالحقيقة في أنه قد يكون عاماً إذ لم ينقل عن أحد من أئمة اللغة أن الألف واللام أو النكرة في سياق النفي أو غيرهما من صيغ العموم لا تفيد العموم إلا في الحقيقة نحو قولك جاءني الأسود الرماة إلا زيداً ( وخالف ) بعض الحنفية فقال أن المجاز لا يعم بصيغته لأنه ثبت على خلاف الأصل للحاجة إليه وهي تندفع في المقترن بأداة عموم ببعض الإفراد فلا يراد به جميعها إلا بقرينة كما في المثال السابق من الاستثناء ، ومما استدل به على أن العام قد يكون مجازاً قوله عليه الصلاة والسلام الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه الكلام فإن الاستثناء معيار العموم فدل على تعميم كون الطواف صلاة وكون الطواف صلاة مجاز ( ولا خلاف ) في أن العموم من عوارض الألفاظ وإنما الخلاف في أنه من عوارض المعاني أيضاً أم لا قيل نعم واختلف الذاهبون إليه في أن عروضه للمعاني هل هو حقيقة أو مجاز قال بعضهم حقيقة فيكون مشتركاً","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"بينهما بالاشتراك المعنوي أي موضوعاً للقدر المشترك بينهما حقيقة ، فكما يصدق لفظ عام يصدق معنى عام ذهنياً كان المعنى كمعنى الإنسان فإنه من المعاني الكلية التي لا توجد خارجاً أو كان المعنى خارجياً عيناً كان كمعنى المطر أو عرضاً كالخصب ( وقيل ) بعروض العموم في المعنى الذهني فقط حقيقة لوجود الشمول لمتعدد فيه بخلاف الخارج فإنه فيه مجاز والمطر والخصب مثلاً غيرهما في محل آخر فلا عموم فيهما بل هما شخصيان فلا يصدق عليها حد العام الذي هو الأمر الشامل لمتعدد فاستعمال العموم فيها مجازي ( وقيل ) ليس من عوارض المعاني لا حقيقة ولا مجازاً ( وقيل ) من عوارضها مجازاً ونسبه الصفي الهندي إلى الجمهور وعلى القول بعروضه للمعاني فالحد المصدر به المبحث للعام من اللفظ ويقال في اصطلاح الأصوليين للمعنى أعم وأخص وللفظ عام وخاص تفرقة بين صفتي الدال وهو اللفظ والمدلول وهو المعنى وخص المعنى بأفعل التفضيل لأنه أهم من اللفظ .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"( ومدلول ) اللفظ العام كمن وما والجمع المعرف باللام وغيرها من صيغ العموم حيث الحكم عليه كلية أي محكوم فيه على كل فرد من أفراد معناه بحيث لا يبقى فرد مطابقة لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده اثباتاً خبراً كان أو أمراً نحو جاء عبيدي فأكرمهم أو سلباً نفياً كان أو نهياً نحو ما خالفوا فلا تهنهم فإن ذلك في قوة جاء فلان وفلان وهلم وأكرم فلاناً وفلاناً كذلك وما خالف فلان وفلان ولا تهن فلاناً وفلاناً فكل من هذه القضايا محكوم فيه على كل فرد فرد دال عليه مطابقة كذلك ( وما ذكره القرافي ) من أن دلالة اللفظ على مسماه بكماله ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون عليه بالمطابقة ( أجاب ) عنه الاصفهاني في شرح المحصول بأن قوله تعالى اقتلوا المشركين في قوة جملة من القضايا لما قررناه من تناوله لكل فرد فرد فاللفظ لا يدل على قتل زيد المشترك بخصوص كونه زيداً لكنه يتضمن ما يدل عليه فدلالته عليه إنما هي لتضمنه ما يدل عليه وذلك الدال دل عليه مطابقة قال فافهم ما ذكرناه فإنه من دقيق الكلام وليس هو من دلالة التضمن ( وليست ) دلالة العام من باب الكل وهو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء العدد منه كلهم يحمل الصخرة العظيمة أي مجموعهم ولو كان من هذا الباب لكان مثلاً معنى قوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله لا تجتمعوا على قتل النفس لأن نهي المجموع نهي عن الاجتماع وهو واضح البطلان ( وليس أيضاً ) من باب الكلي أي ولا محكوم فيه على الماهية من حيث هي من غير نظر إلى الإفراد نحو الرجل خير من المرأة أي حقيقته أفضل من حقيقتها وكثيراً ما يفضل بعض أفرادها بعض أفراده لأن النظر في العام إلى الإفراد كذا قاله الشارح وفيه بعض غموض .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"( ودلالة العام ) على أصل المعنى قطعية بلا خلاف لأنه لا يحتمل خروجه بالتخصيص بل ينتهي إليه التخصيص كما سيأتي والمراد بأصل المعنى الواحد من أفراد العام حيث كان العام غير جمع ، والثلاثة أو الاثنان حيث كان العام جمعاً على الخلاف في أقل الجمع أهو ثلاثة أم اثنان والأول أصح قال المصنف وهو المشهور عن الشافعي وإنما خصه بالذكر مع أن القول المذكور محل وفاق تنبيهاً على تقييد ما اشتهر عنه من اطلاق القول بأن دلالة العام ظنية قاله شيخ الإسلام ( وأما دلالة ) العام على كل فرد بخصوصه بحيث يستغرق الافراد ففيه قولان ( أحدهما ) وبه قال الشافعية وأبو منصور الماتريدي من الحنفية ومن تبعه من مشايخ سمرقند أنها ظنية لاحتمال التخصيص في الجملة لكثرة التخصيص في الجملة لكثرة التخصيص في العمومات ( ثانيها ) وبه قال أكثر الحنفية ونقله الأبياري في شرح البرهان عن المعتزلة أيضاً أنها قطعية أي أن العام يدل على ثبوت الحكم في جميع الافراد قطعاً للزوم معنى اللفظ له قطعاً حتى يظهر خلافه من تخصيص في العام أو تجوز في الخاص ، فيمتنع التخصيص بخبر الواحد وبالقياس على هذا دون الأول ( وأجاب الشافعية ) بمنع قطعية اللزوم ومحل الخلاف في المتجرد عن القرائن ، أما ما اقترن به ما يدل على التعميم فدلالته على الافراد قطعية بلا خلاف نحو قوله تعالى والله بكل شيء عليم ، لله ما في السماوات وما في الأرض وما اقترن به ما يدل على أن المحل غير قابل للتعميم فهو كالمجمل يجب التوقف فيه إلى ظهور المراد نحو قوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"( والعام في الأشخاص ) المكلفين عام في الأحوال وال.منة والبقاع لأن الأشخاص لا غنى لها عن ذلك فقوله تعالى اقتلوا المشركين يتناول كل مشرك على أي حال كان في أي زمان كان في أي بقعة كانت وخص منه البعض كأهل الذمة ( وعلى هذا ) الاستلزام والد المصنف والإمام الرازي وصرح به من المتقدمين أبو المظفر السمعاني قي القواطع ( وذهب ) القرافي وجماعة من المتأخرين إلى أن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال والبقاع لانتفاء صيغة العموم فيها والمطلق يكتفى بالعمل به في صورة فقوله تعالى اقتلوا المشركين يتناول كل مشرك لكن لا يعم الأحوال حتى يقتل في حال الذمة والهدنة ولا البقاع حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلاً ولا الأزمان حتى يدل على القتل اليوم مثلاً ( قال القرافي ) ويلزم على هذه القاعدة أن لا يعمل بعام في هذه الأزمنة لأنه قد عمل بها في زمن ما والمطلق كما مر يكتفى بالعمل به في صورة ورد ذلك الشيخ تقي الدين في شرح العمدة .\r(( مسألة في صيغ العموم ))\r( هي كل ) وقد تقدمت في مبحث الحروف ، وهي أقوى صيغ العموم سواء تقدمت نحو كل إنسان يموت أو تأخرت نحو فسجد الملائكة كلهم .\r( ومنها ) الذي والتي نحو أكرم الذي يأتيك والتي تأتيك أي كل آت وآتية لك ، ويخالف اطلاق الأصوليين هنا ورودها للعهد وهو الذي تكلم علي النحويون ( والحاصل ) أن للذي والتي استعمالين أن يقعا على كل من يصلح له وهو المراد هنا أو على شخص معهود وهو الذي تكلم عليه النحاة ولا خلاف بين الفريقين في اثبات كل من المعنيين إلا ما سيأتي من تضعيف الاشتراك .\r( ومنها أي وما ) الشرطيتان والاستفهاميتان والموصولتان وتقدمتا في الحروف ، أما أي فتعم فيما تضاف إليه من الأشخاص والأحوال والأزمان والأمكنة والأموال ومنه أيما امرأة نكحت نفسها وأما ما فتعم فيما لا يعقل وأما أي الواقعة صفة لنكرة أو حالاً من معرفة وما الواقعة نكرة موصوفة أو تعجيبية فلا عموم لهما .","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"( ومنها متى ) للزمان المبهم في الاستفهام والشرط نحو متى تجئني ومتى تقم أقم ومعنى العموم في الزمان التوسعة فيه قاله شيخ الإسلام .\r( ومنها أين ) للمكان في الاستفهام والشرط نحو أين كنت وأين تجلس اجلس .\r( ومنها حيثما ) للمكان في الشرط فقط نحو حيثما تجلس اجلس ونحو ذلك من صيغ العموم كجمع الذي والتي وتثنيتهما ، وكمن الاستفهمامية والشرطية والموصولة كما تقدمت وكجميع نحو جميع القوم جاءوا وغيرها ( واختلف ) هل هذه الصيغ ونحوها موضوعة للعموم حقيقة أم لا على أقوال ( أحدها ) وهو الصحيح وبه قال الجمهور أنها للعموم حقيقة لتبادره إلى الذهن ( ثانيها ) أن هذه الصيغ موضوعة للخصوص حقيقة للواحد في غير الجمع والثلاثة أو الاثنين في الجمع لأنه المتيقن واستعملت في العموم مجازاً وهو في غاية البعد بالنسبة لكل ونحوها ( ثالثها ) أنها مشتركة بين العموم والخصوص لأنها تستعمل لكل منهما والأصل في الاستعمال الحقيقة ( رابعها ) الوقف عن واحد منها ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الأشعري ومعظم المحققين واختاره قال وحقيقة ذلك أنهم قالوا سبرنا اللغة فلم نجد صيغة دالة على العموم سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب التأكيد .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"( ومن صيغ العموم ) لا بأصل الوضع بل بالقرينة الجمع المعرف بالألف واللام ومثله اسم الجمع نحو قد أفلح المؤمنون يوم يقوم الناس أو الاضافة نحو عبيدي أحرار ونساءي طوالق وسواء فيه جمع السلامة والتكسير بشرط أن لا يتحقق عهد فإن تحقق عهد صرف إليه المعهود ولا يعم هذا قول الأكثرين ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم في قولنا في التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض ( وقال أبو علي الجباءي ) وابنه أبو هاشم من المعتزلة وجمع من الفقهاء لا يفيد الجمع المعرف باللام أو الإضافة العموم مطلقاً بل يفيد الجنس الصادق بواحد سواء احتمل عهد أم لا كما في قولك تزوجت النساء إذا لم تتزوج إلا واحدة لأنه المتيقن فإن قامت قرينة على العموم صرف إليه كما في الآية السابقة ( وقال إمام الحرمين ) أنه إذا احتمل العموم والعقد ولم يقم دليل على أحدهما فهو مجمل فيهما متردد بينهما حتى تقوم قرينة أما إذا تحقق عهد صرف إلي جزماً وعلى القول بالعموم فقيل افراده جموع وقيل آحاد وعليه الأكثرون من أئمة الأصول والنحو والتفسير وسواء في ذلك الاثبات والنفي فالاثبات نحو والله يحب المحسنين أي يثيب كل فرد منهم والنفي نحو إن الله لا يحب الكافرين أي يعاقب كل فرد منهم ، نعم إن قامت قرينة على إرادة المجموع بالجمع صرف إليه نحو رجال البلد يحملون الصخرة العظيمة .","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"( ومن صيغ العموم ) بقرينة المفرد المحلى بأل كالجمع المحلى بها فيعم إلا أن تحقق عهد كقوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا فيعم بيع وخص منه الفاسد كالربا وهذا القول نص عليه الشافعي في الرسالة وحكاه الآمدي عن الأكثرين ورجحه ابن الحاجب ( وقال الإمام الرازي ) ومن تبعه لا يفيد المفرد المحلى بأل العموم مطلقاً سواء كان واحده بالتاء أم لا وسواء كان عهد أم لا بل هو عنده للجنس الصادق بفرد كما في لبست الثوب وشربت الماء لأنه المتيقن ما لم تقم قرينة على العموم فيحمل عليه كقرينة الاستثناء في قوله تعالى إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعلى هذا فأل في وأحل الله البيع للعهد ( وقال إمام الحرمين والغزالي )(1) أنه لا يفيد العموم إذا لم يتميز الواحد منه عن الجنس بالتاء كالماء فإن ميز واحده عن جنسه بالتاء نحو لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل أفاد الاستغراق وزاد الغزالي فيه أنه قسم ما ليس واحده بالتاء إلى ما يتميز واحده بالوحدة فلا يعم وإلى ما لا يتميز بها كالذهب فيعم كالمتميز واحده بالتاء أما إذا تحقق عهد صرف إليه جزماً ولم يذكر المصنف المفرد المضاف وهو كما قال الإمام في المحصول كالمفرد المحلى بأل في عمومه كقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي كل أمر له وخص منه أمر الندب .\r__________\r(1) التعليق غير واضح .","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"( ومن صيغ العموم ) النكرة الواقعة في سياق النفي ولو معنى فيشمل النهي والاستفهام الإنكاري ، والمراد النكرة المعنوية ليدخل في ذلك المطلق ، وليس المراد النكرة الصناعية المقابلة للمعرفة ويدخل في ذلك ما باشره النفي نحو ما أحد قايماً وما باشر عامله نحو ما قام أحد وشمل النفي جميع أدواته كما ولن وليس ولا وفرق الآمدي بين ما دخل النفي عليها فجعلها للعموم وما كانت في سياقه ولم يباشرها نحو ليس في الدار رجل فقال أنها ليست للعموم وهو خلاف المشهور ( واختلف ) هل دلالتها على العموم وضعاً بمعنى أن اللفظ وضع لسلب كل فرد بالمطابقة وهو ظاهر كلام أصحابنا واختاره القرافي ، أو لزوماً بمعنى أن نفي فرد مبهم يقتضي نفي جميع أفراده ضرورة نظراً إلى أن النفي أولا للماهية ويلزم نفيها نفي كل فرد وهو محكي عن الحنفية واختاره والد المصنف ( ويؤيد الأول ) صحة الاستثناء من هذه الصيغة بالاتفاق فدل على تناولها لكل فرد ويتفرع على الخلاف ما لو قال شخص والله ما أكلت تخصيص الأكل بغير التمر مثلاً فيقبل منه ذلك على القول الأول فلا يحنث بأكل التمر لأن أكلت عام وضعاً فيقبل التخصيص بالنية ولا يقبل منه التخصيص على القول الثاني ولعل وجهه أنه لا يتصور وجود فرد بدون الماهية وحينئذ فلا يتأتى اخراج بعض الأفراد بعد نفي الماهية لاستلزام نفيها نفي الجميع .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"( ثم دلالة النكرة ) في سياق النفي على العموم قسمان نص وظاهر فالنص فيما إذا وقعت بعد لا العاملة عمل ان اوجرت بمن الزائدة نحو لا رجل في الدار وما رأيت من رجل فلا يجوز أن يقال بل رجلان والظاهر فيما عدا ذلك نحو ما في الدار رجل فيحتمل نفي الواحد احتمالاً مرجوحاً لصحة أن يقال ما في الدار رجلا بل رجلان أو بل رجال ( قال إمام الحرمين ) والنكرة في سياق الشرط للعموم نحو من يأتني بمال اجازه قال المصنف في شرح المنهاج مراده العموم البدلي لا الشمولي أي بقرينة المثال انتهى قال الشارح تبعاً للبرماوي وقد تكون للشمولي نحو إن أحد من المشركين استجارك فأجره أي كل واحد منهم .\r( ثم العموم ) قد يستفاد من اللغة وهو الأكثر وقد يستفاد من العرف والعقل ، فاستفادته من العرف في أمرين ( أحدهما ) مفهوم الموافقة الأولى والمساوى بناء على القول المتقدم في مبحث المفهوم من أن الدلالة على الموافقة لفظية عرفية نحو قوله تعالى فلا تقل لهما أف وقوله تعالى إن الذي يأكلون أموال اليتامى ظلماً الآية قيل نقلهما للعرف إلى تحريم جميع الإيذاءات والإتلافات وسبق في مبحث المفهوم أن استفادة ذلك من العرف رأى لم يرتضه المصنف ( ثانيهما ) إضافة الحكم إلى الأعيان نحو قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم نقله العرف من تحريم العين إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء من الوطئ ومقدماته ( وقيل ) أن العموم فيه من باب الاقتضاء لاستحالة تحريم الأعيام فيضم ما يصح به الكلام ويجري فيه الخلاف في عموم المقتضى وقد يترجح هذا بقولهم الاضمار خير من النقل ( وقيل ) أنه مجمل.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"( وأما استفادة العموم ) من العقل ففي أمرين ( أحدهما ) ترتيب الحكم على الوصف فإنه يفيد علية الوصف للحكم كما يأتي في القياس ، وذلك يفيد العموم بالعقل بمعنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول ، وكلما انتفت انتفى مثاله أكرم العالم إذا لم تجعل أل فيه للعموم بأن جعلت للجنس ولا عهد ( ثانيهما ) مقهوم المخالفة عند القائلين به كقوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة فإنه دال على انتفاء الوجوب في غير السائمة كذا في المحصول لكن الذي اختاره في المعالم أن دليل العموم فيه العرف العام وهو كما قال الولي أبو زرعة أظهر ولا متابع للمحصول على أن دلالة المفهوم عقلية ولذلك اقتصر البيضاوي على القسم الأول ( والخلاف ) في أن المفهوم بقسميه لا عموم له راجع إلى اللفظ والتسمية ومنشؤه الخلاف في العموم هل هو من عوارض الألفاظ والمعاني أو من عوارض الألفاظ فقط ، فمن قال بالأول أثبت للمفهوم عموماً لأن العام عنده ما يستغرق في الجملة الشامل لعموم اللفظ والمعنى ومن قال بالثاني نفى عنه العموم لأن العام عنده لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر في محل النطق ( ولا خلاف ) من جهة المعنى من أنه شامل لجميع صور ما عدا المذكور بالعرف وإن صار به منطوقاً أو العقل أو غيرهما مما تقدم ( وقد سبق ) في مبحث الفاهيم ذكر الخلاف في أن العرف هو الدال على عموم مفهوم الموافقة أو أنها لفظية أو قياسية وذكر أن المفاهيم إلا اللقب حجة لغة وقيل شرعاً وقيل معنى أي عقلاً .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"( ومعيار العموم ) صحة الاستثناء من معناه فكل ما صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام للزوم تناوله للمستثنى إذا الاستثناء اخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه فلزم أن تكون كل الأفراد واجبة الاندراج وهذا هو معنى العموم أما ما فيه حصر كأسماء الأعداد فإنه خارج عن مفهوم العموم ولهذا لم يشترط ابن مالك كون الاستثناء من عام بل جوزه من النكرة في الإثبات بشرط الفائدة نحو جاءني قوم صالحون إلا زيداً وخرج عليه الاستثناء من العدد نحو فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً .\r( والأصح ) أن الجمع المنكر في إثبات غير المضاف لا يقتضي العموم نحو جاء عبيد لزيد بل يحمل على أقل الجمع ثلاثة أو اثنين لأنه المحقق ( وقال ) أبو علي الجباءي يقتضي العموم كالجمع المعرف لأنه كما يصدق بالأقل يصدق بجميع الأفراد وبما بينهما فيحمل على جميع الأفراد ويستثنى منه أخذاً بالأحوط ما لم يمنع مانع من العموم كالعقل في نحو رأيت رجالاً فعلى أقل الجمع قطعاً ( قال الصفي ) الهندي الذي أظنه أن الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيد جداً أو هو مخالف لنصهم على أنه للعشرة فما دونها انتهى أما الجمع المنكر المضاف فهو عام كما تقدم .","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"( واختلف ) في أقل الجمع على قولين ( أحدهما ) وهو الأصح وبه قال الشافعي وأبو حنيفة واختاره الإمام الرازي وأتباعه أن أقله ثلاثة ( ثانيهما ) وبه قال مالك واختاره الأستاذ أبو إسحاق والغزالي أن أقله اثنان وأقوى أدلته قوله تعالى ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما أي عائشة وحفصة وليس لهما إلا قلبان ( وأجيب ) بأن ذلك ونحوه مجاز لتبادر الزائد على الاثنين دونهما إلى الذهن والداعي إلى المجاز في الآية كراهة الجمع بين تثنيتين في المضاف ومتضمنة وهما كالشيء الواحد بخلاف نحو جاء عبداً كما ( فإن قيل ) هذا في جمع القلة واضح وأما في جمع الكثرة فمشكل لأن النحاة أطبقوا على أن أقله أحد عشر ( قلنا ) قد أجاب عنه المصنف في شرح المختصر بشيوع العرف في إطلاق الدراهم وهي جمع كثرة على ثلاثة والخلاف هذا جار في ضمير الجمع أيضاً .","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"( والأصح ) أن الجمع تصحيحاً وتكسيراً يصدق على الواحد مجازاً لاستعماله فيه كقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ، فإن المراد عائشة وقيل لا يصدق عليه والمراد بالمحصنات في الآية جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فالجمع في الآية على بابه ( واختلف ) في تعميم العام إذا سبق لغرض كالمدح والذم إذا لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك على أقوال ( أحدها ) وهو الأصح أنه يحمل على العموم إذ لا صارف عنه كقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ، فإن عارضه عام آخر لم يسق لذلك قدم عليه نحو الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فهذه الآية سيقت للمدح ويعم بظاهره إباحة الجمع بين الأختين ولكن عارضها عام آخر لم يسق للمدح ، وهو أن تجمعوا بين الأختين أي بملك اليمين أو النكاح فقدم عليه أما إذا عراضه عام آخر سيق لذلك الغرض فكل منهما عام وظاهر أنهما يتعارضان فيحتاج إلى مرجح كما قاله شيخ الإسلام ( ثانيها ) أنه لا يعم مطلقاً لأنه لم يسق للتعميم بل لغرض المدح أو نحوه ( ثالثها ) انه يعم مطلقاً سواء عارضه عام آخر أم لا وينظر عند المعارضة إلى المرجح ( واختلف أيضاً ) في تعميم نفي الاستواء في مثل قوله تعالى أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة على قولين ( أحدهما ) وهو مذهب الشافعي وصححه المصنف تبعاً لابن برهان والآمدي وابن الحاجب أنه لنفي جميع وجوه الاستواء الممكن نفيها لتضمن الفعل المنفي لمصدر منكر و النكرة في سياق النفي تفيد العموم ( ثانيهما ) أنه لا يعم نظراً إلى أن الاستواء المنفي هو الاشتراك من بعض الوجوه وهو مذهب الحنفية واختاره الإمام الرازي والبيضاوي ( ومن فوائد هذا الخلاف ) الاستدلال بالآية الأولى على أن الفاسق هل يلي عقد النكاح أو لا فلا يلي على الأول ويلي على الثاني ، وبالثانية على أن المسلم هل يقتل بالذمي فعلى الأول لا وعلى الثاني نعم","part":1,"page":161},{"id":162,"text":".\r( واختلف ) في الفعل المتعدي إذا وقع بعد نفي ولم يذكر له مفعول كقولك والله لا أكلت هل هو عام أو لا فيه قولان ( أصحهما ) أنه عام في نفي جميع المأكولات فيحنث بفرد منها وممن رجحه البيضاوي ( ثانيهما ) أنه لا يعم وبه قال أبو حنيفة ورجحه الإمام كالمسألة قبلها وكذا لو كان الفعل المتعدي في سياق الشرط نحو إن أكلت فأنت طالق فهو كالنفي كما ذكره ابن الحاجب فيكون للمنع من جميع المأكولات وإنما أشار المصنف إلى تضعيفه بالتعبير عنه بقيل لما فهم من كلام إمام الحرمين من أن عموم النكرة في سياق الشرط بدلي دايماً وليس الأمر كما فهم كما صرح به الأبياري وغيره بل الغالب كونه شمولياً وقد تقدم التمثيل له بقوله تعالى وأن أحد من المشركين استجارك فاجره ( وفائدة ) الخلاف في المسألتين قبول التخصيص ببعض المأكولات بالنية على الأول فلا يحنث بغيره ويصدق في إرادته ولا يقبل على الثاني لأن التخصيص فرع العموم وهذا نفي الحقيقة وهي شيء واحد ليس بعام فيحنث بواحد منها ( أما الفعل القاصر ) الوارد بعد نفي فظاهر كلام الغزالي والإمام الرازي والآمدي وغيرهم أن الخلاف لا يجري فيه لكن كلام القاضي عبد الوهاب في الإفادة يدل على جريان الخلاف في الفعل القاصر أيضاً .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"( واختلف أيضاً ) في عموم المقتضى وهو ما لا يستقيم من الكلام إلا بتقدير أحد أمور ( والصحيح ) أنه لا عموم له فإذا لم يستقم الكلام إلا بتقدير واحتمل ذلك أموراً فلا يقدر الجميع إذ لا عموم له وإنما يقدر واحد بدليل فإن لم يقم دليل معين على احدهما فهو مجمل ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فلوقوعهما لا يستقيم الكلام بدون تقدير المؤاخذة أو الضمان أو نحو ذلك فقدرنا المؤاخذة لفهمها عرفاً من مثله ( هذا ) ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم ( وقيل ) أن المقتضى عام وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أكثر الشافعية والمالكية واختاره النووي في الروضة في الطلاق ، قال والمختار لا يقع طلاق الناسي لأن دلالة الاقتضاء عامة .\r( والصحيح ) أن العطف على العام لا يقتضي عموم المعطوف ( وقيل يقتضيه ) لوجوب مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم وصفته ، وإليه ذهب الحنفية ( قلنا ) وجوب المشاركة في الصفة ممنوع ومثال ذلك حديث ابي داؤد وغيره لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده فإن قوله بكافر في المعطوف عليه يعم الذمي والحربي فهل يقدر في المعطوف بكافر فيكون عاماً أيضاً قال الحنفية نعم وخص منه غير الحربي بالاجماع ( قلنا ) لا حاجة إلى ذلك بل يقدر بحربي .\r( والصحيح ) أن الفعل المثبت لا يعم نحو قول الصحابي صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة فلا يعم الفرض والنفل لأن الأفعال نكرات كما حكى الزجاجي اجماع النحاة عليه والنكرة لا عموم لها في الإثبات قال القاضي أبو الطيب إلا أن يكون في معرض الامتنان نحو قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهوراً وخالف فيما ذكر من أنه لا عموم له جماعة .","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"( والأصح ) أيضاً أن نحو قول الصحابي كان صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر مثل الذي قبله في عدم العموم لأنه فعل مثبت لكن فيه زيادة كان ( وقد اختلف ) في دلالتها على التكرار على ثلاثة أقوال ( أحدها ) وهو ما صححه ابن الحاجب أنها تقتضيه قال ولهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقرئ الضيف ( ثانيها ) صحح في المحصول أنها لا تقتضيه عرفاً ولا لغة وإليه ذهب المصنف وهو الحق ( ثالثها ) قال عبد الجبار المعتزلي تقتضيه في العرف لا في اللغة فإنه لا يقال في العرف كان فلان يتهجد مثلاً إذا تهجد مرة وكلام الشيخ تقي الدين في شرح العمدة يميل إليه فعلى القول بعدم الدلالة على التكرار تستوي مع التي قبلها وعلى القول بدلالتها عليه هي أولى بالعموم مما قبلها ( الصحيح ) أن الحكم المعلق بعلة كما لو قال الشارع حرمت الخمر لاسكارها لا يعم جميع صور المسكر من جهة اللفظ وإنما يعمها من جهة الشرع ( وقيل يعمها ) من جهة اللفظ فيكون ذلك لغة ( وقيل ) لا يعمها أصلاً وهو المحكي عن القاضي ابي بكر الباقلاني .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"( والأصح ) كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه أن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ، ينزل منزلة العموم في المقال ، مثاله قوله عليه الصلاة والسلام لغيلان لما اسلم على عشر نسوة امسك اربعا وفارق سائرهن ولم يسأله هل ورد العقد عليهن مرتبا اومعا فدل عدم الاستفصال على العموم وعدم الفرق (وقيل) لاينزل منزلة العموم بل هو مجمل فيبقى على الوقف واول الحنفية امسك بابتدئ نكاح اربع منهن في المعية وباستمرعلى الاربع والاول في الترتيب (والاصح ) ان الخطاب المختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو ياايها النبي اتق الله ياايها المزمل لا تدخل الامة تحته كما لايدخل الرسول في الخطاب المختص بالامة اجماعا الا بدليل خارجي من قياس اوغيره (وقيل) تدخل الامة تحته ولاينصرف الحكم عنهم الا بدليل خارجي وهو محكى عن ابي حنيفة واحمد بن حنبل واختاره جمع من اصحاب الشافعي منهم امام الحرمين (اختلف) في الخطاب المتناول للرسول والامة كقوله تعالى ياايها الناس على اقوال (اصحها) وبه قال الاكثرون انه يتناوله مطلقا سواء اقترن بقل ام لا (ثانيها) لايتناوله لانه ورد على لسانه للتبليغ لغيره (ثالثها) التفصيل بين ان يقترن بقل فلايشمله لان الامر بالتبليغ قرينة عدم شموله وان لايقترن بقل فيشمله ونقل عن الصيرفي وزيفه امام الحرمين وغيره\r(والاصح) ان الخطاب المتناول له صلى الله عليه وآله وسلم وللامة يعم العبد ايضا شرعا كما يعمه لغة حكاه ابن برهان عن معظم الاصحاب (وقيل) لايعمه لصرف منافعه الى سيده شرعا واجيب بان ذلك في غير ضيق اوقات العبادات (والاصح) انه يعم الكافر ايضا لانه مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح (وقيل) لايعمه بناء على ان الكفار غير مخاطبين بالفروع","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"(والاصح) أن الخطاب بنحو يا أيها الناس يا أيها الذين آمنوا يختص بالموجودين وقت وروده دون من بعدهم ( وقيل ) يتناولهم أيضاً لماسواتهم للموجودين في حكمه اجماعاً وإليه ذهب الحنابلة ، وأجيب بأن مساواتهم للموجودين في الحكم إنما هو بدليل منفصل وهو مستند الاجماع ، وقول السعد أن اطلاق الناس مثلاً على الموجودين والمعدومين على وجه التغليب سائغ جوابه أن الأصل عدم التغليب والخلاف لفظي للاتفاق على المساواة في الحكم ولكن هل بالصيغة أو بالشرع قياساً أو غيره ( والأصح ) أن الألفاظ التي لا يفرق فيها بين المذكر والمؤنث وكان لها عموم استغراق مثل من وما الشرطيتين والموصولتين وغير ذلك تتناول الإناث وضعاً بدليل قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى ، وقيل تختص بالذكور وإليه ذهب بعض الحنفية وبنى على ذلك عدم قتل المرتدة في حديث البخاري والسنن من بدل دينه فاقتلوه وعلى الأصح السابق تقتل ( والأصح ) وهو قول الجمهور أن جمع المذكر السالم كما لمسلمين في قول القائل وقفت هذا على المسلمين لا تدخل فيه النساء ظاهراً بدليل قوله تعالى أن المسلمين والمسلمات فإن العطف يقتضي التغاير فإن دلت قرينة على الدخول دخلن على الأصح كما لو قال وقفت على بني هاشم فإن القصد فيه الجهة قاله الزركشي في شرحه ( وقيل ) تدخل النساء ظاهراً لمشاركتهن الذكور في غالب الأحكام وإليه ذهب الحنابلة وصححه من أصحابنا المارودي والروياني ( وقال إمام الحرمين ) تدخل الإناث بالتغليب لا بأصل الوضع .","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"( والأصح ) أن خطاب الواحد من الناس يحكم في مسئلة لا يتعداه إلى غيره كما قاله الجمهور ، وقيل يعم بنفسه من جهة العادة لا من جهة اللغة فإن العادة جارية بخطاب الواحد وإرادة الجمع فيما يتشاركون فيه وأجيب بأنه مجاز يحتاج إلى القرينة ( والأصح ) أن الخطاب الوارد من الشارع في الكتاب والسنة على أهل الكتاب كقوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ونحوه لا يشمل الملة الإسلامية لأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى وقيل يشملهم فيما يتشاركون فيه ( قال المجد ابن تيمية ) وهذا في الخطاب على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أما خطابه لهم على لسان أنبيائهم فهي مسألة شرع من قبلنا ( والأصح ) أن المتكلم داخل في عموم متعلق خطابه إن كان خبراً نحو والله بكل شيء عليم فإنه سبحان وتعالى عليم بذاته وصفاته لا إن كان أمراً كقول السيد المحسن لعبده أكرم من أحسن إليك فلا يدخل السيد في هذا ( وعلى هذا ) مشى المصنف هنا وهو اختيار أبي الخطاب الحنبلي والفرق بين الخبر والأمر بعد إرادة الآمر نفسه دون المخبر وقيل يدخل مطلقاً نظراً إلى ظاهر اللفظ وعزاه في المحصول للأكثرين وعليه مشى المصنف في الأوامر حيث قال ، والأصح أن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه انتهى ( وقيل ) لا يدخل مطلقاً لبعد أن يريد المخاطب نفسه إلا بقرينة ( وقال النووي ) في كتاب الطلاق من الروضة أنه الأصح عند أصحابنا في الأصول ( وقال البناني أنه التحقيق ) والنهي كالأمر كما صرح به المصنف في شرح المختصر وإذا كان متعلق المأمور به اسم جنس مجموعاً مجروراً بمن كقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة ونحو ذلك فالاصح انه يقتضي الاخذ من كل نوع من اموالهم إلا أن يخص بدليل من الكتاب والسنة نص عليه الشافعي في الرسالة والبويطي ، ووجهه في الآية أن الجمع المضاف للعموم ( وقال الكرخي ) يكفي أخذ صدقة واحدة من جملة الأموال الدلالة من على التبعيض واختاره ابن الحاجب مع اعترافه بأن","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"الأكثرين على خلافه وتوقف الآمدي عن ترجيح واحد من القولين والله أعلم .\r(( مبحث التخصيص ))\rهو قصر العام على بعض أفراده بأن لا يراد منه البعض الآخر من حيث الحكم سواء أريد عمومه وشموله من جهة تناول اللفظ لها وهو العام المخصوص أم لم يرد شموله لجميع الافراد لا من جهة التناول ولا من جهة الحكم وهو العام المراد به الخصوص ، والمراد بالعام ما هو أعم مما سبق في مبحثه وهو المتعدد لفظاً كان أو معنى مع حصر كالعدد أو بدونه .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"( والقابل للتخصيص ) هو الحكم الثابت باعتبار دلالة الكلام وما يفهم من ظاهره لمتعدد أما من جهة اللفظ وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق أو من جهة المعنى كالمفهوم فالأول نحو قوله تعالى فاقتلوا المشركين فالحكم بالقتل ثابت لكل مشرك لفظاً وخص منه الذمي ونحوه والثاني كمفهوم قوله تعالى ولا تقل لهما أف من سائر أنواع الايذاء فالحكم بعدم الايذاء ثابت لجميع أنواعه معنى وخص منه حبس الوالد بدين الولد فإنه جائز على ما صححه الغزالي وغيره وصحح النووي تبعاً لتصحيح البغوي وغيره المنع ( فلا يدخل التخصيص ) الأفعال المثبتة لأنها لا عموم لها والتخصيص فرع العموم ، ولا الواحد لكن قال القرافي الواحد قد يكون بالشخص واخراج بعض أجزائه صحيح كقولك رأيت زيداً وتريد بعضه ( واختلف ) في الثانية التي يجوز انتهاء التخصيص إليها على أقوال ( أحدها ) وبه قال القفال وقال المصنف أنه الحق جواز التخصيص إلى أقل الجمع إن كان لفظ العام جمعاً كالمسلمين والمسلمات وإلى واحد إن كان غير جمع كمن والمفرد المحلى بأل ( ثانيها ) يجوز التخصيص إلى واحد مطلقاً سواء كان لفظ العام جمعاً أو غيره وبه قال جمع منهم الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين ( ثالثها ) أنه لا يجوز إلا إلى أقل الجمع مطلقاً حكاه ابن برهان وذكر المصنف أنه شاذ ( رابعها ) لا يجوز التخصيص إلا إن كان الباقي من العام غير محصور وصححه الإمام الرازي والبيضاوي وغيرهما ( خامسها ) أنه لا يجوز إلا أن يكون الباقي قريباً من مدلول العام قبل التخصيص فيجوز حينئذ نقله ابن الحاجب عن الأكثرين .","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"( واختلف ) الأصوليون في موضوع دلالة العام من حيث الحكم والتركيب هل هو حقيقة أو مجاز ومحصله أن العام المراد به الخصوص مجاز قطعاً لأن عمومه ليس مراداً حكماً بل ولا تناولا ، وإنما هو كلي استعمل في بعض أفراده ومثاله قوله تعالى الذين قال لهم الناس أي نعيم بن مسعود الاشجعي لقيامه مقام كثير في تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان وأصحابه ( وأما العام المخصوص ) فاختلف فيه على أقوال ( أحدها ) وعزاه المصنف تبعاً للإمام الرازي إلى الأكثرين أنه مجاز مطلقاً لاستعماله في بعض ما وضع له أو لا وهو مختار ابن الحاجب والبيضاوي والصفي الهندي ( ثانيها ) وهو الذي رجحه المصنف وعزاه لوالده ولفقهاء الحنابلة","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وكثير من الحنفية وقال الشيخ أبو حامد أنه مذهب الشافعي واصحابه ونقله إمام الحرمين عن جمهور الفقهاء هو حقيقة في البعض الباقي بعد التخصيص لأن تناول اللفظ للبعض الباقي في التخصيص كتناوله له بلا تخصيص وذلك التناول حقيقي اتفاقاً فليكن هذا التناول حقيقياً أيضاً ، وأجيب من جانب الأكثر بأن التناول لهذا البعض حيث لا تخصيص إنما كان حقيقياً لمصاحبته للبعض الآخر ( ثالثها ) وبه قال أبوبكر الرازي من الحنفية هو حقيقة إن كان الباقي غير منحصر بحيث لا يعسر العلم بعدده لبقاء خاصة العموم وإلا فمجاز ( رابعها ) وبه قال قوم واختاره الإمام في المحصول والكرخي وبو الحسين من المعتزلة هو حقيقة إن خص بما لا يستقل بالإفادة كصفة أو شرط أو استثناء لأن ما لا يستقل جزء من المقيد به كأكرم بني تميم العلماء فعمومه بالنظر لافراد العلماء منهم فقط وكذا القول في الاستثناء ونحوه ( خامسها ) وبه قال إمام الحرمين هو حقيقة باعتبار البعض الباقي بعد التخصيص ومجاز باعتبار الاقتصار على ذلك البعض ( سادسها ) هو مجاز إن استثني منه لأن الاستثناء الذي هو اخراج ما دخل مبين أن المراد بالمستثنى منه ما عدا المستثنى بخلاف غير الاستثناء من الصفة ونحوها من المخصصات المتصلة فإنه يفهم ابتداء أن العموم بالنظر إليه فقط فهو حقيقة وهذا القول منقول عن القاضي ( سابعها ) هو مجاز أن خص بغير لفظ كالعقل بخلاف ما إذا خص باللفظ كالصفة فالعموم بالنظر إليه فقط فهو حقيقة ( وقول المصنف ) والعام المخصوص ـــ مراد تناولا لا حكماً المفيد أنه حقيقة ابدا مبناه دلالة العام في حد ذاته وهو مخالف لما سبق عن الأصوليين إذ هو خارج عن موضوع المسألة مع أن العام المراد به الخصوص وارد عليه في ذلك ولهذا قال العلامة البناني أن عبارته قاصرة عن إفادة المراد موهمة خلافه وبالجملة فهي عبارة غير محررة انتهى .","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"( واختلف ) الأصوليون ايضاً في حجية العام المخصص على أقوال ( أحدها ) وهو قول الأكثر أنه حجة مطلقاً أي عن التقييد بشيء مما في الأقوال الآتية لاستدلال الصحابة به من غير نكير كذا عزاه المصنف للأكثرين تبعاً لابن برهان لكن الآمدي نقل الاتفاق على أن المخصص بمبهم ليس بحجة قال أبو زرعة وهو واضح ( ثانيها ) هو حجة أن خص بمعين كأن يقال اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة بخلاف المبهم نحو إلا بعضهم إذ ما من فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج ( وأجيب ) بأنه يعمل به إلى يبقى فرد ( ثالثها ) وبه قال الكرخي هو حجة إن خص بمتصل كالصفة لما تقدم في القول بأنه حقيقة من أن العموم بالنظر إليه فقط بخلاف المنفصل فإنه يجوز أن يكون قد خص بغير ما ظهر فيشك في الباقي ( رابعها ) أنه إن أنبأ العموم عن الباقي فهو حجة فيه نحو اقتلوا المشركين فإنه ينبئ عن الحربي لتبادر الذهن إليه لكونه متصدياً للقتال ولا ينبئ عن الذمي المخرج إلا من حيث شمول اللفظ له فقط بخلاف ما لا ينبئ عنه العموم نحو والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فإن العموم لا ينبئ عن السارق للنصاب من حرز مثله كما لا ينبئ عن السارق لدونه المخرج إذ لا يعرف خصوص هذا التفصيل إلا من الشارع فالباقي في نحو ذلك يشك فيه باعتبار احتمال قيد آخر ككون النصاب نقداً مثلاً لا عرضاً ( خامسها ) هو حجة في أقل الجمع لأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه لاحتمال التخصيص بناء على القول المتقدم أنه لا يحوز التخصيص إلى أقل من أقل الجمع مطلقاً وبه قال الغزالي وأبو قشير وطائفة ( وقيل هو غير حجة ) مطلقاً لأنه مشكوك فيما يراد منه لاحتمال أن يكون قد خص بغير ما ظهر فلا يتبين إلا بقرينة وبهذا قال جمع منهم أبو ثور وعيسى ابن أبان ، ومعناه أنه يصير مجملاً ويصير كما لو خص بمبهم فلا يستدل به في البقية إلا بدليل قاله الشيخ أبو إسحاق ( ويجوز التمسك ) بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البحث عن","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"المخصص اتفاقاً كما قاله أبو إسحاق الاسفرائيني وكذا بعد وفاته عليه السلام على الراجح كما ذكره صاحب الحاصل والبيضاوي ومال إليه الإمام الرازي خلافاً لابن سريج ومن تبعه في قوله لا يجوز العمل به قبل البحث عن المخصص بل نقف حتى نبحث عن المخصص فإن وجد مخصص عمل به وإلا عمل بالعموم وحكاه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق وغيرهما عن عامة أصحابنا وأجيب بأن الأصل عدم المخصص ( ثم يكفي ) في البحث على قول ابن سريج غلبة الظن بأن لا مخصص على ما قاله الجمهور ( وقال القاضي أبوبكر الباقلاني ) وطائفة لابد من القطع بذلك ويحصل بتكرير النظر والبحث واشتهار كلام الأئمة من غير أن يذكر أحد منهم مخصصاً وعلى قول ابن سريج لو اقتضى العام عملاً مؤقتاً وضاق الوقت عن البحث هل يعمل بالعموم احتياطاً أم لا خلاف .\r(( المخصص ))\rهو بالبناء للفاعل بمعنى اللفظ المفيد للتخصيص قسمان :\r( الأول المتصل ) وهو ما لا يستقل بالإفادة بنفسه من اللفظ أن لا يستعجل إلا مقارنا للعام وهو خمسة أشياء :","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"( أحدها الاستثناء ) بمعنى اللفظ الدال والاستثناء نفسه هو الاخراج من متعدد ولو محصوراً بألا أو باحدى أخواتها حال كون الإخراج والمخرج منه صادرين من متكلم واحد كما رجحه الصفي الهندي وصححه القاضي أبوبكر في التقريب بناء على رأيه أن شرط الكلام صدوره من متكلم واحد وضعفه ابن مالك ( وقيل مطلقاً ) فعلى الأول قول القائل إلا زيداً بعد قول غره جاء الرجال لغو على الثاني استثناء نعم لو قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً إلا أهل الذمة عقب نزوله قوله تعالى فاقتلوا المشركين كان استثناء اتفاقاً وإن لم يكن ذلك قرآنا لأنه مبلغ عن الله تعالى فالكل من متكلم واحد بحسب المعنى وهو الله تعالى ( ويشترط ) في الاعتداد بالاستثناء واعتباره مخصصاً أن يكون متصلاً عادة فلا يضر انفصاله بتنفس أو سعال وعن ابن عباس أنه يجوز انفصاله إلى شهر ( وقيل ) إلى سنة ( وقيل أبداً ) روايات عنه وعن سعيد بن جبير يجوز انفصاله إلى اربعة اشهر وعن عطاء والحسن بجوز انفصاله ما دام المجلس ( وعن مجاهد ) يجوز انفصاله إلى سنتين ( وقيل يجوز ) انفصاله ما لم يأخذ المتكلم في كلام آخر ( وقيل يجوز ) انفصاله إن نوى في الكلام أولاً ( وقيل ) يجوز انفصاله في كلام الله تعالى فقط لأنه تعالى لا يغيب عنه شيء فهو مراد له أولاً ويمكن أن يستدل للأخيرين ولقول عطاء والحسن أيضاً بما ذكره المفسرون من أن قوله تعالى غير أولي الضرر نزل بعد قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في المجلس والأصل فيما روى عن ابن عباس وغيره ما عدا الأخيرين قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت أي إذا نسيت قول إن شاء الله وتذكرت فاذكره ولم يعين وقتاً ويقاس عليه الاستثناء فاختلفت الآراء فيه على ما تقدم من غير تقييد بنسيان توسعا .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"( وردت أقوال الانفصال ) باتفاق أهل العربية على اشتراط الاتصال وبأنه صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ولم يقل أو ليستثن وبأنه لو صح ذلك لبطل الطلاق والاقرار والعتاق ولادى إلى أنه لا يعلم صدق من كذب لاحتمال الاستثناء بعد ومن الفروع المترتبة على أنه لا يضر طول الفصل أنه لو قال علي ألف أستغفر الله إلا مائة كما في زيادة الروضة .\r( ثم الاستثناء ) السابق تعريفه بما مر وهو المراد عند الاطلاق يسمى متصلاً بمعنى أن المستثنى بعض من المستثنى منه ، ويقابله الاستثناء المنقطع بمعنى أن المستثنى فيه ليس بعض المستثنى منه نحو قام القوم إلا حماراً وفيه أقوال ( الأول ) وهو الأصح أنه مجاز لتبادر المتصل إلى الذهن ( والثاني ) أنه حقيقة فيه كالمتصل لأن الحقيقة أصل في الاستعمال ( والثالث ) أن لفظه متواطئ فيه وفي المتصل أي موضوع للقدر المشترك بينهما أي المخالفة بألا أو احدى أخواتها من غير اشتراط اخراج حذراً من الاشتراك الآتي والمجاز المار ( والرابع ) مشترك بينهما ويحد بالمخالفة المذكورة بقيد عدم الاخراج فهو مكرر لأنه بمعنى الثاني ( والخامس ) الوقف أي لا يدري أهو حقيقة فيهما أم في أحدهما أم في القدر المشترك بينهما .","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"( ولما كان ) في الكلام الاستثنائي شبه التناقض حيث يدخل المستثنى وضمن المستثنى منه ثم يخرج صريحاً احتيج لدفع ذلك ببيان المراد به على اختلاف أقوالهم ، ولكونه في العدد أظهر من غيره لنصوصيته على آحاده جعلوه معيارا ومثالاً ( فالأصح عند المصنف ) وفاقاً لابن الحاجب أن المراد بعشرة في قولك مثلاً لزيد علي عشرة إلا ثلاثة العشرة باعتبار الآحاد جميعها ثم أخرجت ثلاثة بقولك إلا ثلاثة ثم أسندت لزيد علي إلى الباقي وهو سبعة تقديراً وإن كان الإسناد قبل إخراج ثلاثة ذكرا فكأنك قلت له على ما بقي من عشرة أخرج منها ثلاثة وليس في هذا إلا الاثبات ولا نفي أصلا ولا شبه تناقض ( وقال الأكثر ) المراد بعشرة في المثال سبعة وإلا ثلاثة قرينة إرادة الجزء وهو السبعة باسم الكل وهو العشرة مجازاً ( وقال القاضي ) أبوبكر الباقلاني عشرة إلا ثلاثة وسبعة مترادفان أحدهما مركب والآخر مفرد فلا نفي على القولين أيضاً ( ويشترط ) في الاعتداد بالاستثناء المخصص أيضاً أن لا يكون مستغرقاً فلا أثر للاستثناء المستغرق في الحكم نحو علي عشرة إلا عشرة فتلزم العشرة خلافاً لقول شاذ نقله الغرافي عن المدخل لابن طلحه فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً أنه لا يقع عليه طلاق في أحد القولين ( قيل ) ولا أثر في الحكم لاستثناء أكثر من الباقي نحو له علي عشرة إلا ستة بخلاف المساوى للباقي كعشرة إلا خمسة والأقل كعشرة إلا أربعة ( وقيل ) لا أثر فيه لاستثناء الأكثر والمساوى بخلاف الأقل ( وقيل لا أثر ) لاستثناء الأكثر إن كان عدداً صريحاً كما في المثال السابق بخلاف غير الصريح نحو خذ الدراهم إلا الزيوف وهي في الواقع أكثر حكاه ابن الحاجب في الأكثر والعضد في المساوى ( وقيل ) لا يستثنى من العدد عقد صحيح نحو له مائة إلا عشرة بخلاف مائة إلا تسعة ( وقيل ) لا يستثنى منه مطلقاً لا عقد ولا غيره وهو قول ابن عصفور وأجاب عن قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"خمسين عاماً بأن الألف يستعمل للتكثير كقولك لمن يستعجلك اصبر ألف سنة فمعناه في الآية زمن طويل وكل قائل بحسب استقرائه ( والأصح ) جواز استثناء الأكثر من الباقي مطلقاً وعليه معظم الفقهاء حيث قالوا لو قال له علي عشرة إلا تسعة لزمه واحد .\r( والاستثناء ) من النفي اثبات ومن الإثبات نفي فنحو ما قام أحد إلا زيد يدل على اثبات القيام لزيد ونحو قام القوم إلا زيداً يدل على نفيه عنه وهذا ما ذهب إليه الجمهور والشافعي في المسألتين ( وخالف أبو حنيفة ) فيهما كما قال الصفي الهندي وقال الإمام الرازي في المعالم خلاف أبي حنيفة في الأولى فقط قال السعد التفتازاني المذكور في كتب الحنفية أنه لا يدل الاستثناء من النفي على الاثبات ولا عكسه فزيد في المثالين مسكوت عنه من حيث القيام وعدمه ( ومبني الخلاف ) أن المستثنى في مثل قولك قام القوم إلا زيدا هل هو مخرج من القيام أو من الحكم به فالجمهور يقولون من القيام فيدخل في نقيضه وهو لا قيام والحنفية يقولون من الحكم به فيدخل في نقيضه وهو لا حكم إذ القاعدة أن ما خرد من شيء دخل في نقيضه ( جعل أبو حنيفة ) الاثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع وفي المفرغ نحو ما قام إلا زيد بالعرف العام وفيه أن الشارع أمر من لم يعرف الشرع ولم يتقرر عنده بالاتيان بهذه الكلمة واكتفى بها منه ولولا أن الاثبات فيها يعرف بغيره ما حسن ذلك ( والاستثناءات ) المتعددة إن تعاطفت مع اتحاد المستثنى منه فهي عائدة إليه نحو له علي عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين فيلزمه واحد فقط أما إذا تعددت وتعاطفت مع تعدد المستثنى منه نحو علي عشرة وعشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين فقال العلامة ابن قاسم ينبغي أخذا من كلامهم وكلام الفقهاء رجوع هذه المستثنيات لكل من العشرتين فيلزمه اثنان وعلى قياس ذلك يقال فيما إذا تعددت المستثنيات بعد الجمل انتهى ( وإذا تعددت ) الاستثناءات ولم تتعاطف ولا استغراق فيها فكل منها","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"عائد لما يليه نحو له علي عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة فيلزمه ستة وإن استغرق كل ما يليه نحو له علي عشرة إلا عشرة إلا عشرة بطل الكل فتلزمه العشرة ، وإن استغرق غير الأول كل ما يليه نحو له على عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة عاد الكل للمستثنى منه فيلزمه واحد فقط وإن استغرق الأول نحو له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة قيل يلزمه عشرة لبطلان الأول والثاني تبعاً ، وقيل أربعة اعتبارا لاستثناء المستثنى الثاني من الاستثناء الأول وهذا هو الأصح كما في نظيره من الطلاق وقيل ستة اعتبار للثاني دون الأول .","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"( واختلف ) في الاستثناء الوارد بعد متعدد من الجمل متعاطف على أقوال ( أحدها ) يعود للكل حيث صلح عوده له مطلقاً لأنه الظاهر وهو مذهب الشافعي إلا أن يقوم الدليل على إرادة البعض وفي بعض نسخ المتن بعد قوله للكل زيادة تفريقاً وقيل جمعاً ، ولم يتعرض له الشارح وهو إشارة إلى أن الخلاف في أن المفرق يجمع أو يبقى على تفريقه فإن جمعناه أعدنا الاستثناء للمجموع منهما وإن أبقيناه على تفريقه وهو الأصح جعلنا الاستثناء من كل منهما وفرع عليه أبو زرعة ما لو قال أنت طالق ثلاثاً ثلاثاً إلا أربعاً فإن قلنا أن المفرق لا يجمع وهو الأصح أوقعنا الثلاث لأن قوله إلا أربعاً مستغرق من كل منهما وهو باطل لاستغراقه وإن جمعنا المفرق كان كقوله ستاً إلا أربعاً فتقع ثنتان قال ولم أر من تعرض لهذا التفريع وإن كان الخلاف في التفريق والجمع معروفاً ( ثانيها ) إن سيق الكل لغرض واحد عاد الاستثناء للكل نحو سلم على قريش واخلع عليهم وامدحهم إلا أن ينابذوا ، فالغرض من جملة سلم واخلع وامدح واحد وهو الإكرام وإن لم يكن الغرض واحداً عاد الاستثناء للجملة الأخيرة فقط إن لم تتفق مع غيرها في الغرض ، وإلا فلها مع ما اتفقت معها فيه نحو أكرم بنات عوف واستأمرهن واستولدهن إلا القصار منهن وهو مذهب أبي الحسين البصري من المعتزلة ( ثالثها ) ان عطف كل الجمل بالواو عاد للكل أو بالفاء أو ثم مثلاً عاد للأخيرة ، وعلى هذا القول الآمدي حيث فرض المسألة في العطف بالواو وبه قال إمام الحرمين وابن الحاجب ( رابعها ) وبه قال أبو حنيفة والإمام الرازي في المعالم يعود للأخيرة فقط مطلقاً سواء سيق لغرض واحد أم لا عطف بالواو أم بغيرها لأنه المتيقن ولهذا قال أبو حنيفة أن شهادة القاذف مردودة وإن تاب ( خامسها ) أنه مشترك بين عوده للكل وعوده للأخيرة لاستعماله في كل منهما والأصل في الاستعمال الحقيقة وبه قال المرتضى من الشيعة ( سادسها ) الوقف لعدم العلم بمدلوله","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"فلا يدري ما الحقيقة منهما وبه قال القاضي أبوبكر الباقلاني والغزالي واختاره الإمام الرازي في المحصول ويتبين المراد على القولين الأخيرين بالقرينة ( وحيث وجدت ) القرينة على عوده للكل أو للبعض كأن قام الدليل على ذلك انتفى أثر الخلاف كما في قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا إلى قوله إلا الذين تابوا فإنه عائداً إلى الجميع ، قال ابن السمعاني اجماعاً وكما في قوله تعالى ومن قتل مؤمناً خطأ إلى قوله إلا أن يصدقوا فإنه إلى الأخيرة أي الدية دون تحرير الرقبة قطعاً ، ومثال ما أمكن للكل وللبعض الذي هو محل الخلاف قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء إلى قوله إلا الذين تابوا فإنه عائدا إلى الجملة الأخيرة وهي قوله وأولئك هم الفاسقون غير عائد إلى الأولى وهي الجلد اتفاقاً لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة وفي عوده إلى الثانية وهي قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً الخلاف السابق فعندنا نعم لأنا نقول بعود الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة إلى جميعها عند عدم القرينة على عدم العود في بعضها وعند أبي حنيفة لا لأنه يخصه بالأخيرة .","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"( وأما الاستثناء ) الوارد بعد مفردات فأولى بعوده للكل من الوارد بعد جمل لعدم استقلال المفردات ولهذا اقتضى كلام جماعة الاتفاق فيها مثاله تصدق على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل إلا الفسقة منهم والقران بين الجملتين مثلاً لفظاً وهو عطف بعض الجمل على بعض لا يقتضي التسوية بينهما في حكم غير مذكور علم لأحدهما من الخارج عند الجمهور بدليل عطف الواجب على المباح في نحو قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه خلافاً بأبي يوسف من الحنفية والمزني من الشافعية في قولهما أنه يقتضي التسوية في ذلك الحكم الذي لم يذكر لأن العطف يقتضي الشركة مثاله حديث أبي داؤد لا يبولن أحدكم في الماء الدايم ولا يغتسل فيه من الجنابة فتنجيس البول للماء بشرطه غير مذكور وإنما علم من خارج والقران بين الجملتين لا يقتضي التسوية بينه وبين الغسل من الجنابة في ذلك التنجيس عند الجمهور وقال أبو يوسف ينجسه للقران ووافقه أصحابه لدليل غير القران وخالفه المزني فيه لما ترجح في طهارة المستعمل في حدث على ما يفيده القران من التسوية ويكفي في حكمه النهي ذهاب الطهورية .\r(( الثاني من أقسام المخصص المتصل صيغة الشرط ))\rوالشرط من حيث هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ( خرج ) بالقيد الأول المانع فإنه لا يلزم من عدمه شيء ( وبالثاني ) السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود والمانع أيضاً فإنه يلزم من وجوده العدم ( واندفع ) بالثالث أمران ، أحدهما توهم لزوم الوجود من وجود الشرط إذا اقترن السبب لأن ترتب الوجود حينئذ على السبب لا على الشرط وتوهم لزوم العدم من وجود الشرط إذا قارن المانع لأن ترتب العدم حينئذ على وجود المانع لا على وجود الشرط والأمر الثاني الشرط الأخير فإنه يحصل معه المشروط لكن لا لذاته بل لضرورة كونه أخيراً كالحياة والعقل والاشتغال فهي شروط للعلم يحصل عند الأخير منها وهو الاشتغال وإن كان الحصول بالمجموع .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"( وينقسم الشرط ) إلى عقلي كالحياة للعلم وشرعي كالطهارة للصلاة وعادي كنصب السلم لصعود السطح ولغوي وهو تعليق أمر على آخر بأداة شرط وهو المراد هنا إذ هو المخصص كما في أكرم بني تميم إن جاءوا أي الجائين منهم فينعدم الأمر بالإكارم بانعدام المجيء ويوجد بوجوده ( والأصح ) أنه كالاستثناء في الخلاف السابق في وجوب اتصاله بالكلام وعدمه لما تقدم من أن أصل الخلاف في الاستثناء عن ابن عباس ومن معه في قوله إن يشاء الله وهو صيغة شرط ( وقيل ) لا خلاف في وجوب اتصال الشرط ( والأصح ) أيضاً أنه أولى من الاستثناء بالعود إلى كل الجمل والمفردات المتعاطفة عليه نحو أكرم بني هاشم وأحسن إلى العلماء واخلع على الشعراء إن جاءوك ( وقيل ) لا خلاف في أنه يعود إلى الكل ( ويجوز ) اخراج الأكثر به نحو أكرم بني تميم إن كانوا علماء حال كون جهالهم أكثر وفاقاً لمن منعه في الاستثناء كما تقدم .\r( الثالث من أقسام المخصص المتصل الصفة ) نحو أكرم بني تميم العلماء فيخرج بالعلماء غيرهم ( والأصح ) أنها كالاستثناء في العود إلى كل المتعدد ولو كانت متقدمة على الموصوف فالوصف في قولك مثلاً وقفت على أولادي وأولادهم المحتاجين عائد إلى الكل ومثله قولك وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم فيشترط الحاجة في أولاد الأولاد في الصيغتين ( وقيل لا يعود ) أما المتوسطة نحو وقفت على أولادي المحتاجين وأولادهم فقال المصنف لا نعلم فيها نقلاً والمختار اختصاصها بما وليته ويدل لما اختاره ما حكاه الرافعي في الايمان عن ابن كج فيما لو قال عبدي حر إن شاء الله تعالى وامرأتي طالق ، ونوى صرف الاستثناء إليهما فإن مفهومه أنه إذا لم ينو لا يحمل الاستثناء عليهما ، وإذا ثبت هذا في الشرط فالصفة أولى .","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"( الرابع من أقسام المخصص المتصل الغاية ) وحكم ما بعدها مخالف لما قبلها قاله الشافعي والجمهور ( وقيل ) يدخل فيما قبله مطلقاً ( وقيل ) يدخل إن كان من الجنس ( وقيل ) إن كان معه لفظ من لم يدخل وإن لم يكن معه دخل ، نحو أكرم بني تميم إلى أن يعصوا خرج على قول الجمهور حال عصيانهم إن كان من الجميع والأشخاص العاصون إن كان من البعض فلا أمر بإكرامهم ( وهي كالاستثناء ) في العود إلى كل ما تقدمها على الأصح نحو أكرم بني تميم وأحسن إلى ربيعة واخلع على مضر إلى أن يرحلوا والمراد بالغاية المخصصة غاية يتقدمها عموم لو لم تأت لشملها كالأمثلة السابقة وكقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية فلولا الغاية لكنا مأمورين بقتالهم اعطوا أم لا أما التي لم يشملها عموم ما قبلها نحو سلام هي حتى مطلع الفجر مما كانت الغاية فيه من غير المغيا فهي لتحقيق العموم أي الليل جميعه لا للتخصيص والغاية التي شملها العموم صريحاً نحو قولهم قطعت أصابعه من الإبهام إلى الخنصر مما كانت الغاية فيه من المغيا صريحاً فهي لتأكيد العموم أي أصابعه جميعها فالغاية في الأول وهي الفجر أو زمنه خارجة قطعاً وفي الثاني وهي الخنصر داخلة قطعاً فليستا من محل الخلاف .\r(( الخامس من أقسام المخصص المتصل بدل البعض من الكل ))\rنحو أكرم الناس قريشاً ذكره ابن الحاجب وأنكره عليه الأصفهاني في شرح المحصول والصفي الهندي ولم يذكره الأكثرون وصوبهم والد المصنف لكون المبدل منه في نية الطرح فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه فلا تخصيص به ( وفيه ) أن معنى كونه في نية الطرح أنه غير معتمد عليه لوجود ماهيته في البعض لا لأنه لا يذكر فلا وجه للتصويب المذكور كما قاله البناني .","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"( فائدة ) قال القرافي وقد وجدت أقسام المخصص المتصل بالاستقراء اثنى عشر هذه الخمسة وسبعة أخرى وهي الحال وظرف الزمان والمكان والمجرور مع الجار والتمييز والمفعول لأجله والمفعول معه فهذه اثنى عشر ليس فيها واحد يستقل بنفسه ومتى اتصل بما يستقل بنفسه عموماً كان أو غيره صار غير مستقل بنفسه .\r( القسم الثاني من المخصص المنفصل )\rوهو ما يستقل بنفسه بأن لا يحتاج إلى مقارنة العام له ( وهو حسي ) كقوله تعالى اخبارا عن الريح المرسلة إلى عاد تدمر كل شيء فإنا ندرك بالحس ما لا تدمير فيه كالسماء والأرض ( وعقلي ) كما في قوله تعالى الله خالق كل شيء فإنا ندرك بالعقل قائلين أن ما نفى العقل حكم العام عنه كالذات العلية في المثال لا يتناوله العام لأنه لا تصح إرادته ، ويرده ما تقدم من أن العام المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما ومنع الإمام الشافعي رضي الله عنه تسميته تخصيصاً وإن كان اللفظ متناولا له ( والخلاف لفظي ) للاتفاق على الرجوع إلى العقل فيما نفى عنه حكم العام لكن هل يسمى ذلك النفي تخصيصاً فعلى الأول نعم وعلى الأخيرين لا ( ويأتي ) مثل هذا كله في التخصيص بالحس .\r( ونقلي ) وهو ما كان المخصص فيه النقل كما ستأتي أمثلته .\r( والأصح ) جواز تخصيص الكتاب العام بالكتاب الخاص لوقوعه كتخصيص قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الشامل لاولات الأحمال بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( وقال بعض الظاهرية ) لا يجوز لقوله تعالى وأنزلنا عليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فوض البيان إلى رسوله عليه السلام والتخصيص بيان فلا يحصل إلا بقوله أو بفعله ( وأجيب ) بمنع النتيجة لصدق بيان الرسول عليه السلام بما نزل عليه من القرآن كما قال تعالى ونزلنا عليك القرآن تبياناً لكل شيء .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"( والأصح أيضاً ) جواز تخصيص السنة العامة بالسنة الخاصة لوقوعه كذلك كتخصيص حديث الصحيحين فيما سقت السماء العشر بحديثهما ليس فما دون خمسة أوسق صدقة ( وقيل لا يجوز ) بل يتعارضان وهو قول داؤد وطائفة لقوله تعالى وأنزلنا عليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وأجيب بأنه لا وجه لقصر البيان هنا على القرآن .\r( والأصح جواز ) تخصيص السنة العامة بالكتاب الخاص لقوله تعالى ونزلنا عليك القرآن تبياناً لكل شيء ، وإن خص من عمومه ما خص بغير القرآن من سنة أو غيرها ولوقوعه كذلك كتخصيص حديث الحاكم وغيرهما أبين من حي فهو ميت قوله تعالى ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها الآية ( وقيل لا ) لقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم جعله مبيناً للقرآن فلا يكون القرآن مبيناً للسنة وأجيب بأنه لا مانع من ذلك لأنهما من عند الله .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"( ويجوز تخصيص الكتاب ) بالسنة المتواترة القولية اجماعاً وكذا بالفعلية كما حكاه الصفي الهندي وقال الآمدي لا أعلم فيه خلافاً ومنهم من حكى خلافاً في جوازه بالمتواترة الفعلية ( وفي جواز ) تخصيص الكتاب بخبر الواحد أقوال ( أحدها ) وبه الجمهور يجوز مطلقاً سواء خص بقاطع أم لا خص بمنفصل أم لا ـــ كتخصيص قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ــ الشامل للولد الكافر بحديث الصحيحين لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وحكاه ابن الحاجب عن الأئمة الأربعة قال الزركشي لكن الحنفية ينكرونه ( ثانيها ) وحكاه بن برهان عن طائفة من المتكلمين لا يجوز مطلقاً وإلا لترك القطعي وهو الكتاب بالظني وهو خبر الواحد ( وأجيب ) بأن القطعى إنما هو متن العام وأما مدلوله فظني ـــ بالظنيين أولى من إلغاء أحدهما ( ثالثها ) وهو قول عيسى بن أبان يجوز تخصيص العام من الكتاب بخبر الواحد إن كان قد ــــ سابقاً بقاطع كالعقل لضعف دلالته حينئذ بالتخصيص بخلاف ـــ يخص أصلاً أو خص بظني ( قال المصنف ) وعندي عكسه ـــ ينبغي إن قيل بالتفريق بين القطعي والظني أن يقال لا يجوز ان خص بقطعي لأن المخرج بالقطعي لما لم تصح إرادته كان كأن العام لم يتناوله ــــــ بما لم يخص ( رابعها ) وبه قال الكرخي يجوز إن كان قد خص ــــ قطعي أو ظني لضعف دلالته حينئذ لكونه مجازاً في الباقي بخلاف ــــ يخص أو خص بمتصل فالعموم في المتصل بالنظر إليه فقط وهذا ــــ على قول تقدم أن المخصص بما لا يستقل حقيقة فتكون دلالته ــــ ( خامسها الوقف ) عن القول بالجواز وعدمه بمعنى عدم العلم أو بمعنى ـــ وقوع التعارض في القدر الذي دل العموم على إثباته والخصوص على نفيه فيتوقف عن العمل وهذا ظاهر كلام القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب ( ويأتي الخلاف ) المذكور في تخصيص المتواترة بخبر الواحد كما يؤخذ من كلام القاضي الباقلاني ثم البيضاوي .","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"( وفي جواز التخصيص للكتاب ) أو السنة بالقياس الذي دليل حكم الاصل فيه نص خاص ولو كان خبر واحد أقوال ( أحدها ) وبه قال الأئمة الأربعة والأشعري جوازه مطلقاً لوقوعه كالتخصيص بقياس العبد على الأمة في نصف الجلد الدال عليه قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما الشامل للأمة المخصص بقوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ( ثانيها ) منع التخصيص بالقياس مطلقاً وهو قول الإمام الرازي في التقريب بعد تجويزه إياه في المحصول حذراً من تقديم القياس على النص الذي هو أصل له في الجملة ( ثالثها ) المنع إن كان القياس خفياً لضعفه بخلاف الجلي فيجوز التخصيص به وحكاه المصنف عن الجبائي لكن قال الشارح وهذا التفصيل منقول عن ابن سريج والمنقول عن الجبائي المنع مطلقاً وقد مشى المصنف على ذلك في شرحيه أي للمختصر والمنهاج انتهى ( رابعها ) وبه قال عيسى ابن أبان المنع أن لم يخص العام مطلقاً وعليه الحنفية بخلاف ما إذا خص سابقاً فيجوز لضعف دلالته حينئذ ( خامسها ) المنع إن لم يكن المقيس عليه مخصصاً من العموم بنص بأن لم يخصص العام أو خص منه غير المقيس عليه فإنه كان المقيس عليه مخرجاً منه جزا التخصيص بالقياس وكان التخصيص بنصه ( سادسها ) وبه قال الكرخي من الحنفية المنع إن لم يخص بمنفصل سابقاً لم يخص أو خص سابقاً بمتصل لخلاف ما إذا خص بمنفصل لضعف دلالة العام حينئذ ( سابعها ) الوقف عن القول بالجواز وعدمه في القدر الذي تعارضا فيه والرجوع إلى دليل آخر غيرهما وهو قول إمام الحرمين في كتبه الأصولية .","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"( ويجوز ) التخصيص بمفهوم الموافقة بقسميه الأولى والمساوى كأن يقال كل من أساء إليك فعاقبه ثم يقال إن أساء إليك زيد فلا تقل له أف أي ولا تضربه من باب أولى ، ومقتضى كلام المصنف الاتفاق عليه وصرح به الآمدي ( وكذا يجوز ) التخصيص بمفهوم المخالفة في الأرجح كما في حديث ابن ماجة وغيره الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه حيث خص بمفهوم حديث ابن ماجه وغيره إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ( وقيل لا يجوز ) لأن دلالة العام وهو في المثال الماء على الفرد الذي دل عليه المفهوم وهو ما دون القلتين كائنة بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم ويجاب بأن المقدم عليه منطوق دل عليه اللفظ بخصوصه لا ما هو من افراد العام وما هنا من هذا القبيل ( ويجوز التخصيص ) بفعله عليه السلام وتقريره في الأصح فيما كما لو قال الوصال حرام على كل مسلم ثم فعله أو أقر من فعله وقيل لا يخصصان بل ينسخان حكم العام لأن الأصل تساوي الناس في الحكم ودليل أصحية الأول أن التخصيص أولى من النسخ لما فيه من أعمال الدليلين بخلاف النسخ .\r( تنبيه ) قال الولي أبو زرعة في الغيث لم يذكر المصنف هنا التخصيص بالاجماع مع كونه في المختصر والمنهاج لان المخصص دليل الاجماع لا نفس الإجماع ( وكان في أصل المصنف هنا ) والأصح أن مخالفة الأمة تتضمن ناسخاً ثم ضرب عليه وألحقه بباب النسخ وسيأتي هناك وكان ينبغي أن يقول هنا وإن عمل الأمة في بعض أفارد العام بما يخالفه يتضمن تخصيصاً انتهى .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"( والأصح ) إن عطف العام على الخاص وعكسه لا يخصص العام ( وقيل ) يخصصه اي يجعله مقصوراً على ذلك الخاص ، وبه قال الحنفية بناء على القول بوجوب الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته ( قلنا ) وجوبه في الصفة ممنوع كما مر مثاله حديث أبي داؤد وغيره لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده يعني بكافر حربي بدليل الاجماع على قتله بغير الحربي ( فقال الحنفي ) يقدر الحربي في المعطوف عليه لوجوب الاشتراك بين المعطوفين في صفة الحكم وهي الحرابة فلا ينافي ما قال به من قتل المسلم بالذمي ومثال العكس أن يقال لا يقتل الذمي بكافر ولا المسلم بكافر فالمراد بالكافر الأول الحربي ويقول الحنفي المراد بالكافر الثاني الحربي أيضاً لوجوب الاشتراك ( والأصح ) إن رجوع الضمير إلى بعض أفراد العام لا يخصصه بذلك البعض وهو مذهب الأكثرين واختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم مثاله قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الشامل للرجعيات والبوائن مع قوله تعالى بعده وبعولتهن أحق بردهن العائد فيه الضمير للرجعيات ( وقيل يخصصه ) حذراً من مخالفة الضمير لمرجعه ويؤخذ حكم البوائن في المثال من دليل آخر وبه قال أكثر الحنفية وحكاه القرافي عن الشافعي ( وأجيب ) بأن لا محذور في المخالفة لقرينة واختار الإمام في المحصول الوقف .\r( والأصح ) أن مخالفة مذهب الراوي للحديث العام ولو صحابياً لا تخصصه وهو قول الشافعية والجمهور مثاله حديث البخاري من رواية ابن عباس من بدل دينه فاقتلوه مع قوله إن ثبت عنه أن المرتدة لا تقتل ( وقيل ) يخصصه مطلقاً سواء كان الراوي صحابياً أم لا ( وقيل ) يخصصه إن كان الرواي صحابياً ( وقال الحنفية ) والحنابلة أن مخالفة مذهب الصحابي غير الراوي للعام تخصصه أيضاً لأنها إنما تصدر عن دليل ( قلنا ) في ظن المكلف لا في نفس الأمر وليس لغيره اتباعه لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً كما سيأتي .","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"( والأصح ) أن ذكر بعض أفراد العام والحكم عليه بحكم العام لا يخصص العام إن كان الفرد المذكور لا مفهوم له بأن كان لقباً كما صرح به العضد مثاله حديث الترمذي وغيره ايما اهاب دبغ فقد طهر مع حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا إنها ميتة فقال إنما حرم أكلها وقيل يخصصه أي يقصر العام على ذلك البعض بمفهومه إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك وهو مذهب أبي ثور قلنا مفهوم اللقب ليس بحجة وفائدة ذكر البعض نفي احتمال تخصيصه من العام .","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"( واختلف ) النقل في أن العادة هل تخصص العام أم لا فنقل الإمام الرازي وأتباعه أنها تخصص ونقل الآمدي وابن الحاجب أنها لا تخصص ولم يتوارد النقلان على محل واحد أما ما نقله الإمام الرازي فهو فيما إذا جرت العادة بترك بعض المأمور به ايجاباً بصيغة العموم أو بفعل بعض المنهي عنه تحريماً بها هل يخصص جريانها العام بمعنى أنه يقصره على ما عدا المتروك في صورة الأمر وعلى ما عدا الفعول في صورة النهي الأصح نعم سواء تقدمت العادة على ورود الأمر أو النهي أو تأخرت إن أقرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن كانت في زمنه وعلم بها ولم ينكرها أو أقرها الاجماع بأن فعلها الناس من غير إنكار عليهم والمخصص في الحقيقة التقرير أو الإجماع الفعلي بخلاف ما ليست كذلك كأن لم تكن في زمنه عليه الصلاة والسلام ولم يجمعوا عليها لأن فعل الناس ليس بحجة في الشرع مثاله النهي عن بيع الطعام بالطعام متفاضلاً لو جرت العادة بشرطها السابق ببيع بعض الأطعمة كالأرز متفاضلاً فتكون العادة مخصصة ودالة على جواز التفاضل في بيع الأرز بالأرز مثلاً على الأصح فالكلام هنا في اخراج المعتاد بالتخصيص عن غير المعتاد أما ما نقله الآمدي وابن الحاجب فهو فيما إذا جرت العادة بأن لا يباع من الطعام إلا البر مثلاً وورد النهي عن بيع الطعام بالطعام فهل يختص النهي بالبر أو يشمل كل ما صدق عليه اسم الطعام الاصح وهو قول الجمهور لا يخصص جريانها الحكم بالمعتاد ولا بما وراءه بل تطرح له تلك العادة ويؤخذ بالعموم والكلام هنا في ادخال غير المعتاد وهو غير البر في المثال مع المعتاد وهو البر في حكمه وهو التحريم ( وقال أبو حنيفة ) تخصص النهي فتقصر التحريم في المثال على البر مثلاً ( نعم ) قال الكوراني في شرحه في كلام المصنف نظر لأن الخلاف إنما هو في قصر العام على المعتاد مثل البر في المثال المذكور لا على ما عداه بأن يكون الربا محرماً في غيره دونه فإنه لم يذهب إليه أحد مع","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"أن قول المصنف ولا على ما وراءه صريح في كونه محل الخلاف والعجب إن شارحي كلامه لم يتنبهوا له انتهى ( وهو من الاعتبار بمكان ) وإن أطال العلامة ابن قاسم في رده بما لا يجدي في دفع النظر .\r( والأصح ) أن حكاية الصحابي حالاً بلفظ ظاهره العموم لا يعم فقول الصحابي مثلاً أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار وقول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر لا يعم كل جار وكل غرر وفاقاً للأكثر ( وقيل ) يعم ذلك لأن قائله عدل عارف باللغة والمعنى فلولا ظهور عموم الحكم فيما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت هو في الحكاية له بلفظ عام ونصر هذا القول العضد وابن الحاجب وغيرهما ( وأجاب الجمهور ) بأن ظهور عموم الحكم بحسب ظنه فروى العموم بذلك والاحتجاج بالمحكي لا بالحكاية ولا يلزمنا اتباع ظنه في ذلك .","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"( مسألة ) الجواب الذي لا يستقل بالافادة دون السؤال تابع له في عمومه وخصوصه مثال التبعية في العموم حديث الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص التمر إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذاً فيعم كل بيع للرطب بالتمر ومثال التبعية في الخصوص ما لو قال قائل للنبي صلى الله عليه وسلم توضأت من النبيذ فقال يجزئك فلا يعم غيره أي السائل كما قاله شيخ الإسلام والكمال أو الوضوء المسئول عنه كما قاله الشهاب ، ولعل الأخير أولى ( أما الجواب المستقل ) بحيث لو ورد ابتداء كان مفيداً دون السؤال فثلاثة أقسام أخص من السؤال ومساوله وأعم منه ( فالجواب ) الأخص من السؤال جائز الوقوع إذا أمكنت معرفة حكم المسكوت منه بأن يكون في المذكور تنبيه على حكم ما لم يذكر وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وأن يكون السائل أهلا للتنبه لذلك أي من أهل الاجتهاد وإلأا لم يفد التنبيه وإن يبقى من وقت العمل زمن يسع التأمل الذي يتوقف عليه التنبه لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق على القول بعدم جوازه كما لو سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أفطر في نهار رمضان ماذا عليه فأجاب من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالمظاهر فيفهم من المذكور وهو قوله جامع أن الإفطار بغير الجماع لا كفارة فيه فإذا لم تمكن معرفة المسكوت من الجواب أو كان السائل غير مجتهد أو ضاق الوقت فلا يجوز وقوعه لما مر ( والجواب المساوي ) للسؤال في عمومه وخصوصه واضح كان يسئل ماذا على من جامع في نهار رمضان فيجيب من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالظهار وكأن يقال لمن قال جامعت في نهار رمضان ماذ علي إن جامعت في نهار رمضان عليك كفارة كالظهار ( والجواب الأعم ) من السؤال داخل في القاعدة الآتية وهي قولهم العام الوارد لأجل سبب خاص في جواب سؤال وغيره معتبر عمومه ولا عبرة بخصوص السبب نظراً لظاهر لفظ العام حيث لا قرينة للعموم أو الخصوص وهذا هو مذهب","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"الأكثرين وبه قال الشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب والمارودي وغيرهما مثاله حديث الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قيل يا رسول الله أتتوضأ من بير بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال ان ماء طهور ولا ينجسه شيء أي مما ذكره وغيره من بقية النجاسات اعتباراً لعموم الشيء في الحديث قال الشافعي وكانت بير بضاعة لا تتغير بما يلقى فيها من النجاسات لكثرة مائها ومقابل مذهب الأكثرين أن السبب يخصص فيصير معنى الحديث لا ينجسه شيء من المذكورات وينجسه غيرها ( وقيل ) لا ينجسه شيء مما ذكر وهو ساكت عن غيره ( ومحل الخلاف ) حيث لم تكن قرينة دالة على العموم فإن وجدت قرينة دالة على التعميم فاعتبار العموم من باب أولى كقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما الواردة بسبب رجل سرق رداء صفوان فذكر السارقة قرينة على أنه لم يرد بالسارق خصوص ذلك الرجل وكقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها الوارد على رد مفتاح الكعبة لعثمان فذكر الأمانات بالجمع قرينة على إرادة العموم ( وإذا وجدت ) قرينة الخصوص فهو المعتبر كتخصيص الشافعي رضي الله عنه النهي عن قتل النساء والصبيان لخروجه على سبب هو مروره صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته بامرأة مقتولة فقال لم قتلت وهي لا تقاتل ونهى عن قتل النساء والصبيان فعلم أنه أراد الحربيات فلا يتناول المرتدات ( وصورة السبب ) الوارد لأجلها العام قطعية الدخول فيه عند الأكثر من العلماء لوروده فيها فلا تخصص من ذلك العام بالاجتهاد ولا غيره بخلاف الزائد عليها فقد يدخله التخصيص ( وقال والد المصنف ) وغيره هي ظنية كغيرها من أفراده فيجوز اخراجها منه بالاجتهاد كما لزم اخراج ولد الأمة المستفرشة من قول أبي حنيفة أنه لا يلحق سيدها ما لم يقر به نظرا إلى أن الأصل في اللحاق الاقرار من حديث الصحيحين وغيرهما الولد للفراش وهو عام وارد في ابن أمة زمعة وقد قال صلى","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"الله عليه وسلم هو أخوك يا عبد بن زمعة وقال والد المصنف أيضاً يقرب من صورة السبب في كونه قطعي الدخول أو ظنيه خاص واقع في القرآن تلاه في رسمه عام وإن لم يتله في النزول للمناسبة بين التالي والمتلو كما في قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت فإنه إشارة إلى علماء اليهود حيث قالوا لقريش أنتم أهدى سبيلا من محمد مع علمهم بما في كتابهم أنه أهدى فهو أمانة لم يودوها وذلك مناسب لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فهذا عام في كل أمانة وذاك خاص بأمانة هي بيان أنه أهدى والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول بست سنين .","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"( مسألة ) إذا تعارض نصان أحدهما عام مطلقاً والآخر خاص فله أحوال ( حدها ) أن يعلم تأخر الخاص عن وقت العمل بالعام فيكون حينئذ ناسخاً للعام بالنسبة لما تعارضا فيه وهو ما دل عليه الخاص من افراد العام لا لجميع افراد العام فإنه لا خلاف في العمل بالعام في بقية افراده في المستقبل لاستلزام التخصيص هنا تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو ممتنع ( ثانيها ) أن يتأخر الخاص عن ورود الخطاب بالعام دون وقت العمل به فالأكثرون على أنه تخصيص للعام وأحال المعتزلة ذلك لمنعهم تأخير البيان عن وقت الخطاب ( ثالثها ) أن يتأخر العام عن ورود الخطاب بالخاص سواء تأخر عن وقت العمل به أم لا فيقدم الخاص فيما تعارضا فيه ويكون مخصصاً له، وقالت الحنفية وإمام الحرمين المتأخر عن الخاص ناسخ له كالخاص المتأخر عن العام المعمول به بجامع التأخر في كل قلنا الفرق أن العمل بالخاص المتأخر عن العام المعمول به لا يلغي العام بالكلية بل افراد الخاص فقط بخلاف العكس فإنه يلغي الخاص بالكلية ، والخاص أقوى دلالة من العام فوجب تقديمه عليه ( رابعها ) أن يتقارنا بأن يعقب أحدهما الآخر كأن يقول فيما سقت السماء العشر ويقول عقبه لا زكاة فيما دون خمسة أوسق من ذلك أو بالعكس فيقدم الخاص أيضاً فيما تعارضا فيه ( وحكى ) في المحصول قولاً أنهما أن تقارنا تعارضا في قدر الخاص كالنصين المختلفين إذا تواردا على مدلول واحد فيحتاج الخاص حينئذ إلى مرجح له ( وأجيب ) بأن الخاص أقوى من العام في الدلالة على ذلك البعض لأنه لا يجوز أن يراد ذلك البعض من العام بخلاف الخاص فلا حاجة إلى مرجح له ( خامسها ) أن لا يعلم تاريخهما فيعمل بالخاص أيضاً أي يقدم فيما تعارضا فيه وحكى ابن الحاجب عن الحنفية فيما إذا جهل التاريخ التساقط وحكى عنهم صاحب البديع الوقف عن العمل بواحد منهما ولاختلاف النقل عنهم تردد المصنف بين القولين ( وإن كان ) كل من الدليلين المتعارضين عاماً من وجه","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"وخاصاً من وجه فالترجيح بينهما من دليل خارج واجب لتعادلهما تقارنا أو تأخر أحدهما ولو احتمالاً بأن جهل التاريخ خلافاً للحنفية في قولهم أن المتأخر منهما ناسخ للمتقدم قياس ما تقدم عنهم مثال ذلك حديث البخاري من بدل دينه فاقتلوه وحديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء فالأول عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردة والثاني خاص بالنساء وعام في الحربيات والمرتدات .\r(( مبحث المطلق والمقيد ))\rالمطلق عرفه المصنف بأنه الدال على الماهية بلا اعتبار قيد من وحدة أو تعدد كقولنا الرجل خير من المرأة وقوله بلا اعتبار قيد مخرج للمعرفة لأنها تدل على الماهية مع التعيين وللنكرة لأنها تدل عليها مع وحدة غير معينة وهذا صريح في الفرق بين النكرة والمطلق ( وعرفه الآمدي ) بأنه النكرة في سياق الاثبات وابن الحاجب بأنه ما دل على شايع في جنسه فعلى الأول هو اسم الجنس المتقدم بيانه وعلى الأخيرين هو نوع من النكرة فيدخل فيه الدال على الماهية من حيث هي والدال على واحد غير معين ( وصرح العلامة الناصر ) بفساد حد المصنف السابق قال لصدقه على الفعل بأقسامه وليس الفعل بمطلق عند أحد لتصريحهم بأن اللفظ في النكرة والمطلق واحد انتهى والفرق بينهما إنما هو باعتبار الواضع فإن اعتبر في اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد سمي مطلقاً عند المصنف ومن وافقه والوحدة ضرورية له أو مع قيد الشيوع فهو نكرة وهو المطلق عند الآمدي وابن الحاجب لانكارهما الأول لما مر ( قال الزركشي ) في شرحه وقول المصنف وزعم الآمدي وابن الحاجب دلالته على الوحدة الشايعة توهماه النكرة ممنوع بل تحققاه وما صنعاه خير مما صنعه المصنف فإن مفهوم الماهية بلا قيد ومفهومها مع قيد الوحدة لا يخفى على أحد ولكن لم يفرق الأصوليون بينهما لعدم الفرق بينهما في تعلق التكليف فإن التكليف لا يتعلق إلا بالموجود الخارج والمطلق الموجود في الخارج واحد غير معين في الخارج لأن","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"المطلق لا يوجد والمطلق الموجود في الخارج إلا في ضمن الآحاد ووجوده في ضمنه هو صيرورته بعينه بانضمام مشخصاته إليه فيكون المطلق الموجود واحدا غير معين وذلك هو مقهوم النكرة والأصولي إنما يتكلم فيما يقع به التكليف وأما الاعتبارات العقلية كما فعله المصنف فلا تكليف بها إذ لا وجود لها في الخارج لأن المكلف به يجب إيقاعه والإتيان بما لا يقبل الوجود في الخارج لا يمكن فلا يكلف به انتهى ( قال المصنف ) ومن ثم أي من أجل ما زعماه من دلالة المطلق على الوحدة الشايعة قالا الأمر بمطلق الماهية كالضرب من غير قيد أمر بجزئ من جزءياتها كالضرب بعصا ونحوه لا بالكلي المشترك أي لأن مطلق الماهية أمر كلي يستحيل وجوده في الخارج فلا يكون مأموراً به إذ من شرط المأمور به الإمكان فينصرف الأمر عن مطلق الماهية المأمور بها بحسب الظاهر إلى جزءي من جزءياتها لأن الأصل براءة الذمة عما زاد عليه ( والحق كما أفاده العلامة الناصر ) وغيره أن قولهما أن الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي من جزئياتها ليس مبنياً كما زعمه المصنف على قولهما أن المطلق هو النكرة بل الموجب عندهما لصرف الأمر بها إلى جزءي استحالة وجودها كما تقرر ( ثم قال المصنف ) وليس قولهما ذلك بشيء أي لأنا نفرق بين الماهية بشرط شيء وبشرط لا شيء ولا بشرط شيء وإذا فرق بين هذه الأمور علم أن المطلوب الماهية من حيث هي أي لا بشرط شيء لا جزءية ولا كلية وصحة الأمر بمطلقها مبنية على القول بأنها موجودة بوجود جزءيها لأنها جزؤه وجزء الموجود موجود وهذا أعني وجود الماهية بوجود جزءياتها مذهب قوم من الحكما ولكن الحق الذي ذكره المحققون كالسيد في شرح المواقف وغيره هو الأول وهو استحالة وجودها قالوا أن الماهية الكلية لا يمكن وجودها في الخارج مطلقاً لأن الموجود في الخارج محسوس والمحسوس جزءي والموجود في الجزئيات صور مطابقة للماهية لا نفس الماهية كما سبقت الإشارة إليه في تقرير كلام الآمدي","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وابن الحاجب ( وذهب الإمام الرازي ) إلى أن الأمر بمطلقها أمر بالمشترك بين الأفراد لا يجزئ معين فهو أمر بكل جزءي لها لاشعار عدم التقييد بالعموم ( وقيل ) الأمر بمطلقها إذن للمكلف في كل جزءي أن يفعله ويخرج عن العهدة بواحد من جزءيات تلك الماهية قاله الصفي الهندي .\r( مسألة ) المطلق والمقيد في الأحكام كالعام والخاص جوازا وامتناعا فكل ما جاز تخصيص العام به يجوز تقييد المطلق به وما لا فلا ( فيجوز ) تقييد الكتاب به بالسنة وتقييد السنة بها وبالكتاب وتقييد كل منهما بالقياس وبكل من المفهومين وبفعل النبي عليه الصلاة والسلام وبتقريره وبتقرير الاجماع على الأصح في الجميع ما عدا مفهوم الموافقة فإنه لا خلاف فيه كما مر في التخصيص ومخالفة مذهب الراوي للمطلق ولو صحابياً لا تقيده على الأصح وذكر بعض أفراد المطلق بحكم المطلق لا يقيده على الأصح أيضاً .","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"( ويزيد المطلق والمقيد على العام والخاص ) أنهما إن اتحد المحكوم به فيهما واتحد موجب حكمهما ( فإن كانا مثبتين ) كاطلاق الرقبة في كفارة في موضع وتقييدها في موضع آخر بالإيمان وتأخر المقيد يقيناً عن وقت العمل بالمطلق فالمقيد ناسخ للمطلق بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد وإلا يتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق بأن تأخر المطلق عن المقيد مطلقاً عمل به أم لا أو تأخر المطلق عن وقت الخطاب لا وقت العمل أو تقارنا بأن عقب أحدهما الآخر أو جهل تاريخهما حمل المطلق على المقيد جمعاً بين الدليلين ، ولا يكون ناسخاً للمطلق في الأصح ( وقيل ) أن تأخر المقيد عن وقت الخطاب بالمطلق فهو ناسخ له كما لو تأخر عن وقت العمل به بجامع التأخر ( وأجيب ) بأنه قياس مع قيام الفارق إذ المتأخر عن وقت العمل يستلزم تأخير البيان عنه وذلك ممتنع بخلاف التأخر عن وقت الخطاب دون العمل ، وقيل يلغى القيد ويحمل المقيد على المطلق ( وإن كانا منفيين ) نحو لا يجزئ عتق مكاتب لا يجزئ عتق مكاتب كافر أو منهيين نحو لا تعتق مكاتباً لا تعتق مكاتباً كافراً فالقائل بحجية مفهوم المخالفة كالشافعي وهو الراجح يقيد المطلق بالقيد في ذلك ونافي حجية المفهوم كأبي حنيفة يلغي القيد ويجري المطلق على اطلاقه وهذه المسألة عام مخصص وليست من المقيد والمطلق في شيء لعموم المطلق في سياق النفي والتعبير فيها بالمطلق والمقيد بالنسبة إلى الاصطلاح مجاز ( وإن كان ) أحدهما أمراً والآخر نهياً نحو اعتق رقبة لاتعتق رقبة كافرة، اعتق رقبة مؤمنة لا تعتق رقبة فالمطلق من ذلك مقيد بضد الصفة التي في المقيد ليجتمع الدليلان في العمل فالمطلق في المثال الأول مقيد بضد الكفر وهو الإيمان وفي الثاني مقيد بضد الإيمان وهو الكفر .","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"( وان اختلف الموجب وهو السبب واتحد الحكم ) كاطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى فتحرير رقبة وتقييدها بالايمان في كفارة القتل في قوله فتحرير رقبة مؤمنة إذ الحكم فيها وهو وجوب الاعتاق واحد والسبب وهو الظهار والقتل مختلف ( فقال أبو حنيفة ) لا يحمل المطلق على المقيد في ذلك لاختلاف السبب بل يبقى المطلق على اطلاقه ( وقيل ) يحمل عليه لفظاً من غير حاجة إلى جامع ( وقال الشافعي رضي الله عنه ) يحمل المطلق على المقيد قياساً فلابد من جامع بينهما وهو في المثال المذكور حرمة سببيهما وهما الظهار والقتل فيحمل المطلق على المقيد قياساً لوجود الجامع ولا يحمل المطلق على المقيد حيث وجد الفارق بينهما .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"( وإن اتحد موجبهما واختلف حكمهما ) كاطلاق اليدين في قوله في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم وتقييدهما في قوله تعالى في الوضوء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، إذ موجبهما وهو الحدث متحد وحكمهما وهو مسح المطلق وغسل المقيد مختلف ففيه الخلاف المتقدم من أنه على المرجوح لا يحمل المطلق على المقيد أو يحمل عليه بمجرد ورود اللفظ من غير احتياج إلى جامع أو قياساً وهو الراجح والجامع في المثال المذكور اشتراك التيمم والوضوء في سبب حكمهما وهو الحدث ، ومحل حمل المطلق على المقيد إذا لم يكن هناك قيدان متنافيان ( أما المقيد في موضعين بمتنافيين ) وقد أطلق في موضع كما في قوله تعالى في كفارة الظهار فصيام شهرين متتابعين بقيد التتابع وفي التمتع فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم بقيد التفريق بين الثلاثة والسبعة وفي قضاء أيام رمضان فعدة من أيام أخر من غير تقييد بتتابع ولا تفريق فيستغني المطلق عن المقيدين بمتنافيين فيبقى على اطلاقه لامتناع تقييده بهما لتنافيهما وبواحد منهما لانتفاء مرجحه فلا يجب في قضاء رمضان تتابع ولا تفريق هذا إذا لم يكن المطلق أولى بأحد المقيدين من الآخر قياساً كما في المثال فإن كان أولى بالتقييد بأحدهما من الآخر من حيث القياس بأن وجد الجامع بينه وبين مقيد دون آخر قيد به بناء على الراجح من أن حمل المطلق على المقيد قياسي ( أما على القول ) بأنه لفظي فلا يقيد بأحد المقيدين المتنافيين بل يبقى على حاله .\r( مبحث الظاهر والمؤول )","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"( الظاهر ) في اصطلاح الأصوليين لفظ دل على معنى دلالة ظنية أي راجحة فيه مرجوحة في غيره سواء كانت تلك الدلالة لغوية كالأسد فإنه راجح في الحيوان المفترس مرجوح في الرجل الشجاع أو عرفية كالغائط فإنه راجح في الخارج المستقذر مرجوح في المكان المطمئن الموضوع له لغة أولاً ، أو شرعية كالصلاة فإنها راجحة في ذات الركوع والسجود مرجوحة في الدعاء ( فخرج بالظنية ) القطعية وهي دلالة النص كزيد فإن دلالته على معناه قطعية والمجمل لكون دلالته مساوية والمؤول لكون دلالته مرجوحة .\r( والمؤول في اصطلاحهم ) لفظ دل على معنى دلالة مرجوحة فيه والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فإن حمل على المرجوح لدليل قطعي أو ظني مقتض للحمل فهو تأويل صحيح أو حمل على المرجوح لما يظن دليلاً وليس بدليل في الواقع فهو تأويل فاسد أو حمل على المرجوح لا لشيء أصلاً ــ غير معتد به لأنه إنما سمي مؤولاً لأنه يؤول إلى الظهور عند قيام الدليل عليه فإذا لم يكن دليل قائم ولا مظنون فلا تأويل .","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"( ثم التأويل ) قريب يترجح على الظاهر بأدنى دليل وبعيد لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه ( فمن القريب ) حمل القيام في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة على العزم على القيام إليها ووجه قربه قيام الإجماع على أن المراد بذلك ( ومن البعيد ) حمل الحنفية أمسك من قوله عليه السلام لغيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر نسوة أمسك اربعاً وفارق سائرهن على ابتدئ نكاح أربع منهن فيما إذا كان نكحهن معاً لبطلانه كالمسلم وعلى استمر على الأربع الأول فيما إذا كان نكحهن مرتباً ( ووجه ) بعده أن المخاطب بمحل التأويل وهو أمسك قريب عهد بالإسلام لم يسبق له بيان شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك ولم ينقل عنه ولا عن غيره تجديد نكاح مع كثرة اسلام الكفار المتزوجين وتوفر دواعي حملة الشريعة على نقله لو وقع ( ومن البعيد ) تأويل الحنفية أيضاً ستين مسكيناً من قوله تعالى فاطعام ستين مسكينا على ستين مدا على حذف مضاف ، والتقدير اطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا فيجوز اعطاؤه لمسكين واحد في ستين يوماً كما يجوز اعطاؤه لستين مسكينا في يوم واحد ( ووجه ) بعده أنه يلزم عليه إبطال المنصوص عليه وهو ستون مسكيناً ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يبطله واعتبار ما لم يذكر من المضاف ( ولا يقال ) حاجة واحد في ستين يوماً مثل حاجه ستين في يوم واحد لأنه يفوت فيه دعاء الجمع الكثير وهو أقرب إلى الإجابة ( ومن البعيد أيضاً ) تأويل الحنفية أيضاً المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل رواه أبو داؤد وغيره على الصغيرة ثم على الأمة ثم على المكاتبة حمل المرأة بعضهم أو لا على الصغيرة لصحة تزويج الكبيرة نفسها عندهم فاعترض بأن الصغيرة ليست امرأة في لسان العرب كما أن الصغير ليس رجلاً فحملها بعض آخر على الأمة فاعترض برواية البيهقي في الحديث فإن اصابها فلها مهر مثلها فإن مهر الأمة لسيدها لا لها فحملها بعض","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"آخر من متأخريهم على المكاتبة فإن المهر لها ( ووجه بعده ) على كل من التأويلات أنه قصر للعام على صورة نادرة منافية لما قصده الشارع من عموم منع استقلال المرأة بالنكاح الذي لا يليق بمحاسن العادات ( ومن البعيد ) تأويل الحنفية أيضاً الصيام في حديث أبي داؤد وغيره من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له على صوم القضاء والنذر لصحة غيرهما من الصيام عندهم بنيته من النهار ( ووجه بعده ) أنه قصر للعام النص في العموم على نادر ( ومن البعيد ) تأويل أبي حنيفة دون صاحبيه حديث ابن حبان وغيره ذكاة الجنين أمه برفع ذكاة الثانية ونصبها على التشبيه قدر الرفع على حذف مضاف والأصل مثل ذكاة أمه ، وقدر النصب على حذف حرف التشبيه والأصل كذكاة أمه فيكون المراد الجنين الحي لحرمة الميت عنده وأحله صاحباه كالشافعي ( ووجه بعده ) ما فيه من التقدير المستغنى عنه بأن يحمل على رواية الرفع على التقديم والتأخير والاصل ذكاة أم الجنين ذكاة له ويدل له رواية ذكاة الجنين بذكاة أمه ويحمل على رواية النصب على حذف حرف الظرفية والأصل في ذكاة أمه ويدل له حديث البيهقي ذكاة الجنين في ذكاة أمه فيكون المراد الجنين الميت على الروايتين وإن ذاكة أمه التي أحلتها أحلته تبعاً لها فلا يحتاج إلى تذكية إذا لم تدرك فيه حياة مستقرة ( ومن البعيد ) تأويل الحنفية ومالك وأحمد قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء الآية على محل الصرف دون استيعاب الاصناف بالعطاء كما ذهب إليه الشافعي خلافاً للحنفية والمالكية والحنابلة في جواز صرفها لأي صنف من المذكورين ( ووجه بعده ) ما فيه من صرف اللفظ عن ظاهره من استيعاب جميع الاصناف واستحقاق الجميع حيث أضاف الصدقة إليهم بلام الاستحقاق وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك ( ومن البعيد ) أيضاً تأويل الشافعية ذا الرحم من قوله صلى الله عليه وسلم من ملك ذا رحم من محرم عتق عليه وفي رواية فهو حر على الاصول والروع دون بقية الارحام","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"المحارم ( ووجه بعده ) ما فيه من صرف العام عن العموم لغير صارف لأن للأب أو الإبن مثلاً اسماً يعرف هو أبلغ في تعريفه ، فالعدول عنه إلى لفظ عام لا معنى له إلا شموله لجميع ما دل عليه اللفظ ( ويجاب ) بأن المقتضى لتأويله بذلك هو الاضطراب في الحديث قال النساءي منكر وقال الترمذي لا يتابع ضمرة عليه وقال الحاكم صحيح وبتقدير صحته فهو مخصص عندنا بالقياس على النفقة فإنها لا تجب عند الشافعي لغير الأصول والفروع ( ومن البعيد ) أيضاً تأويل يحيى بن أكتم وغيره البيضة والحبل من حديث الصحيحين لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده على بيضة الحديد التي فوق رأس المقاتل وعلى حبل السفينة ليوافق أحاديث اعتبار النصاب في قطع اليد ( ووجه بعده ) ما فيه من صرف صيغة اللفظ عما يتبادر منه من بيضة الدجاجة والحبل المعهود والمراد بذلك اللعن التوبيخ لسارق القليل دون الكثير كما جرى عرف الناس بذلك لجرها إلى سرقة ما يقطع فيه ( ومن البعيد ) تأويل بعض السلف حديث أنس في الصحيحين أمر بلال أن يشفع الأذان على أن يجعله شفعاً لأذان ابن أم مكتوم بأن يؤذن قبله للصبح من الليل لا على جعل كلمات الأذان شفعاً ( ووجه بعده ) ما فيه من صرف اللفظ عما يتبادر منه من تثنية كلمات الأذان ولأن بلالا كان أذانه متقدم على اذان ابن أم مكتوم لقوله عليه السلام إن بلالا كان يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فكيف يكون أذانه شفعاً لأذان ابن مكتوم وهو متقدم عليه .\r(( مبحث المجمل ))","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"هو قول أو فعل له دلالة غير واضحة خرج ما لا دلالة له كالمهمل وما له دلالة واضحة كالمبين ، وإذا كان كذلك فلا اجمال في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما لا في اليد ولا في القطع ( وخالف ) بعض الحنفية في قوله بالاجمال فيهما قال لأن اليد تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب والقطع يطلق على الجرح وعلى الإبانة ولم يتضح شيء من ذلك وفعل الشارع وهو الإبانة من الكوع مبين لذلك ( ودفع ذلك ) بأن اليد ظاهر في العضو إلى المنكب حقيقة فيه والقطع ظاهر في الإبانة واطلاق اليد إلى الكوع مجاز من باب اطلاق اسم الكل على البعض وفعله صلى الله عليه وسلم دال عليه ( ولا اجمال كذلك ) في نحو حرمت عليكم أمهاتكم وحرمت عليكم الميتة مما أسند الحكم فيه إلى الأعيان لأن العرف قاض بأن المراد في الأول تحريم الاستمتاع بوطء ونحوه وفي الثاني تحريم الأكل ونحوه فهو من المبين ( وخالف ) الكرخي والبصري وبعض الشافعية في قولهم باجمال ذلك قالوا لأن الاسناد إلى الأعيان لا يصح إذ الحكم إنما يتعلق ـــ فلابد من تقديره وذلك المقدر محتمل لأمور لا حاجة لجميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملا قلنا المرجح موجود وهو قضاء العرف بما مر ( وكذلك لا اجمال ) في قوله تعالى وامسحوا برؤسكم خلافاً لبعض الحنفية في قوله باجماله قال لتردد المسح بين كل الرأس وبعضه فيكون مجملاً ومسح الشارع الناصية مبين لذلك الاجمال ومنع الشافعية التردد من أصله لأن المسح في الآية لمطلقه وهو صادق بأقل ما يطلق عليه اسم المسح وبغيره كمسح الناصية والكل ومسح الناصية مما يصدق به مطلق المسح ( ولا اجمال أيضاً ) فيما صححه الترمذي وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي ولا في حديث الصحيحين لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب خلافاً للقاضي أبي بكر الباقلاني في قوله بالاجمال فيهما قال لعدم صحة النفي لنكاح بدون ولي وصلاة بدون فاتحة مع وجودهما حسا","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"بناء على تسمية الفاسد نكاحا وصلاة فلابد لصحة النفي من تقدير شيء والشيء متردد بين الصحة والكمال ولا مرجح لواحد منهما فكان مجملاً ( وأجاب الجمهور ) بعدم اجماله بناء على ثبوت الحقائق الشرعية هو التام الأركان المتوفر الشروط وعلى تسليم ما ذكره فالمرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات فإن ما انتفت صحته لا يعتد به فيكون كالمعدوم بخلاف ما انتفى كما له فيتعتد به ولا اجمال كذلك فيما رواه أخو عاسم في مسنده والبيهقي في الخلافيات من قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه خلافاً لبعض الحنفية وبعض القدرية ولأبي الحسين وأبي عبد الله البصريين في قولهم باجماله قالوا لأن رفع المذكورات لا يصح مع وجودها حساً فلابد من تقدير شيء والمقدر متردد بين أمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملاً ودفع بأن المرجح موجود وهو قضاء العرف بأن المراد منه رفع المؤاخذة .","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"( وإنما الاجمال ) في مثل القرء لتردده بين الطهر والحيض لاشتراكه بينهما فحمله الشافعي على الطهر وأبو حنيفة على الحيض وكل منهما موافق لجمع من الصحابة والتابعين ( وفي النور ) لصلاحيته للعقل ونور الشمس لتشابههما من حيث الاهتداء بكل منهما في الجملة ( وفي الجسم ) لصلاحيته للسماء والأرض وغريهما لتماثلها ( وفيما صورته بعد الاعلال واحدة ) مع اختلاف معناه باختلاف أصله كالمختار والمحتار ونحوهما لترددهما بين اسم الفاعل فيكون أصلاهما مختير وممتير بكسر التحتانية بوزن مقتدر واسم الفعول فيكون أصلاهما مختير وممتير بفتح التحتانية بوزن معتبر ويتميز بحرف الجر وبالاسناد بأن تقول في اسم الفاعل مختار لكذا وزيد ممتار وفي اسم المفعول مختار من كذا والبر ممتار ( وفي قوله تعالى ) أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح لتردده بين الزوج والولي وعلى الأول الشافعي وأبو حنيفة لما قام عندهما وعلى الثاني مالك لذلك ( قال أبو زرعة في الغيث ) كذا ذكره ابن الحاجب ولا اجمال فيه عندنا لمقام الدليل على أن المراد به الزوج وذلك مبسوط في موضعه انتهى ( وفي قوله تعالى ) أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ووجه اجماله أنه استثناء مجهول من معلوم واستثناء المجهول من المعلوم يصير الكل مجهولاً ومبينه قوله تعالى حرمت عليكم الميتة الآية ( وفي قوله تعالى ) وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به لتردد لفظ والراسخون بين العطف والابتداء حمله السلف على الابتداء لما قام عندهم وحمله الخلف على العطف والوقوف على العلم لذلك وصحح النووي وكثير الثاني ( وفيما رواه الشيخان ) أنه صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره لتردد ضمير جداره بين عوده إلى صاحب الخشبة وهو الجار لأنه أقرب مذكورا وإلى الأحد لأنه المحدث عنه ، وجمله الشافعي بعد تردده على الأول لحديث خطبة الوداع لا يحل لامرء من مال أخيه إلا ما","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"أعطاه عن طيب نفس ولهذا منع في الجديد اجبار الجار على وضع جذوع جاره ( وفي قولك مثلاً ) زيد طبيب ما هو لتردد ماهر بين كونه وصفاً للطبيب المخبر به عن زيد فتكون مهارته في الطب فقط وكونه خبراً عن زيد فتكون مهارته عامة في الطب وغيره ( وفي قولك مثلا ) الثلاثة زوج وفرد لتردد الثلاثة فيه بين أن يكون الحكم على جزءيها وهما الواحد والاثنان أو على صفتيها وهما الفردية والزوجية وأن تعين الأول لصون الكلام عن الكذب لكون اتصاف الثلاثة بالفردية والزوجية مما قضية كاذبة لاستحالة ذلك بما بينهما من التضاد وفي عد هذا من المجمل نظر لا يخفى .\r( والأصح وقوع المجمل ) في الكتاب والسنة كالأمثلة المتقدمة خلافاً لداؤد الظاهري في نفيه ذلك ولم يتابع عليه .\r( والأصح ) أنه لا اجمال في لفظ له مسمى شرعي ومسمى لغوي كالصلاة والصوم بل المعنى الشرعي أوضح ، فيحمل عليه أمرا كان أو نهيا بناء على الصحيح من ثبوت الحقائق الشرعية إلا أن يقوم دليل على إرادة المعنى اللغوي ( مقابل الأصح ) أنه لا يحمل عليه في النهي بناء على أن الشرعي لا يطلق إلا على الصحيح والنهي يقتضي الفساد ، قيل أنه مجمل وعليه الغزالي وقيل يحمل على اللغوي وعليه الآمدي وقد تقدم جميع ذلك في مسألة اللفظ أما حقيقة أو مجاز ( فإن تعذر ) في لفظ مسماه الشرعي حقيقة كمسمى الصلاة شرعاً في قوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام رد إليه بتجوز محافظة على الشرعي ما أمكن بأن يقال في المثال الطواف حكمه حكم الصلاة في الطهارة وستر العورة والنية ويدل على التجوز قوله إلا أن الله أحل فيه الكلام وهذا القول هو المختار وقيل هو مجمل لتردده بين مجازه الشرعي وحقيقته اللغوية وقيل يحمل على معناه اللغوي وهو الدعاء بخير لاشتماله على ذلك تقديماً للحقيقة على المجاز .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"( وإذا ورد من الشارع ) لفظ له استعمالان على السواء أحدهما لمعنى واحد والثاني لمعنيين ليس ذلك المعنى أحدهما وقد أطلق ففيه قولان ( أحدهما ) وهو مختار المصنف أنه مجمل لتردده بين المعنى الواحد والمعنيين ( وثانيهما ) واختاره الآمدي أنه يحمل على ما يفيده معنيين لأنه أكثر فائدة كما لو دار أمر متردد بين ما يفيد وما لا يفيد مثاله حديث مسلم لا ينكح المحرم ولا ينكح بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء فإن النكاح إن حمل على الوطء استفيد به معنى واحد وهو أن المحرم لا يطأ ولا يوطئ أي لا يمكن غيره من وطئه وإن حمل على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشرتك وهو أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره وليس الوطء أحد هذين المعنيين ( فإن كان ذلك المعنى الواحد ) أحد المعنيين فيعمل به جزما لوجوده في الاستعمالين لأنه إن كان هو تمام المراد باللفظ فلا اشكال وإلا فهو أحد الأمرين ويوقف المعنى الآخر للتردد فيه وقيل يعمل به لأنه أكثر فائدة مثاله حديث مسلم الثيب أحق بنفسها من وليها فالأحقية صادقة بأمرين الأول أن تعقد لنفسها لا غير والثاني أن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها ولا يجبرها والمعنى الأول أحد هذين المعنيين وبه قال أبو حنيفة وكذلك بعض أصحابنا لكن حيث كانت بمكان لا ولي لها فيه ولا حاكم قال العلامة بن قاسم ويحتمل أن يكون المراد بالمعنى الواحد الذي يستعمل فيه اللفظ تارة هو أن تأذن لوليها وأن المعنيين إن تأذن لوليها أو تعقد لنفسها وهو أولى كما لا يخفى .\r(( مبحث البيان ))","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"هو بمعنى التبيين كالكلام بمعنى التكلم اخراج الشيء من حيز الاشكال والاجمال إلى حيز التجلي والوضوح فالاتيان بالظاهر من غير سبق اشكال لا يسمى بيناً اصطلاحا ( وعلى القول ) بمنع التكليف بما لا يطاق وهو قول بعض المعتزلة فالبيان لمن أريد فهمه المشكل وهو المكلف به لابد منه باتفاق القائلين بذلك لحاجته إليه بأن يعمل به أو يفتي به غيره بخلاف غيره ( أما على القول ) بجواز التكليف بما لا يطاق وهو الحق فلا يتمشى هذا ولا خلاف في البيان أن يكون بالقول سواء كان من الله كقوله تعالى صفراء فاقع لونها فإنه مبين لقوله تعالى أولاً بقرة أو من الرسول عليه السلام كقوله فيما سقت السماء العشر فإنه مبين لقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده .\r( واختلف في البيان ) بفعله صلى الله عليه وسلم على قولين أصحهما أنه قد يكون بالفعل كالقول كقوله عليه الصلاة والسلام صلوا كما رأيتموني اصلي فصلاته صلى الله عليه وسلم مبينة لقوله تعالى أقيموا الصلاة ومقابل الأصح أنه يمتنع أن يكون البيان بالفعل لطول زمن الفعل فيتأخر البيان به من إمكان تعجيله بالقول وذلك ممتنع قلنا المقدمات والنتيجة غير مسلمات .\r( والأصح ) على ما اختاره الإمام الرازي والقاضي أبوبكر الباقلاني ونقله الصفي الهندي عن الجمهور أن البيان المظنون متناً يبين المجمل المعلوم متنا ( وقيل يجب ) كون البيان أقوى دلالة من المبين واختاره الكوفي وابن الحاجب وقيل يجوز أن يكون مساوياً واختاره الكرخي ( وقيل ) إن عم وجوبه سائر المكلفين كالصلاة ونحوها وجب أن يكون بيانه معلوماً متواتراً وإن لم تعم به البلوى واختص العلماء بمعرفته كنصاب السرقة واحكام المكاتب قبل في بيانه خبر الواحد حكاه القاضي أبوبكر عن العراقيين .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"( وإذا ورد بعد المجمل بيانان ) قول وفعل واتفقا بياناً فالأصح أن المتقدم منها وإن جهلنا عينه هو البيان للمجمل والمتأخر تأكيد للبيان المتقدم وإن كان دونه في القوة كما لو طاف النبي عليه الصلاة والسلام بعد نزول آية الحج طوافاً واحدا وأمر بطواف واحد وقيل إن كان المتأخر دون المتقدم في القوة فهو البيان لأن توكيد الشيء بما هو دونه ممتنع ودفع بأن المنع خاص بالمفردات دون الجمل وما جرى مجراها .\r( وإذا ورد ) بعد المجمل قول وفعل وكل منهما صالح أن يكون بياناً ولم يتفقا كان زاد الفعل على مقتضى القول كما لو طاف عليه السلام بعد نزول آية الحج طوافين وأمر بواحد فالبيان القول على الصحيح وفعله صلى الله عليه وسلم الزائد على مقتضى قوله من خصائصه أما ندب له أو واجب عليه سواء كان القول متقدماً على الفعل أو متأخرا عنه جمعاً بين كما في قسم اتفاقهما فإن كان المتقدم القول فحكم الفعل ما سبق من كونه من الخصائص أو الفعل فالقول ناسخ للزائد منه ولو نقص الفعل عن مقتضى القول كان طاف واحد أو أمر باثنين فقياس ما سبق أن القول هو البيان على الصحيح ونقص الفعل تخفيف في حقه عليه السلام تأخر الفعل أو تقدم ( وقياس ما مر ) لأبي الحسين أن المتقدم هو البيان فإن كان القول فحكم الفعل ما سبق من إنه تخفيف أو الفعل فما زاده القول عليه مطلوب بالقول .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"( مسألة ) تأخير البيان لمجمل وظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الفعل الممتثل به الخطاب غير واقع وإن جاز وقوعه عند أهل السنة بناء على الراجح عندهم من جواز التكليف بما لا يطاق خلافاً للمعتزلة ( وتأخير البيان ) عن وقت الخطاب جائز واقع عند الجمهور مطلقاًٍ سواء أكان للمبين ظاهر يعمل به كعام يبين تخصيصه وكمطلق يبين تقييده وكدال على حكم يبين نسخه أم لم يكن له ظاهر وهو المجمل من مشترك يبين أحد معنييه مثلاً أو متواطئ يبين أحد ما صدقاته ( وهذا ) أصح الأقوال ( ثانيها ) يمتنع تأخير البيان مطلقاً لاخلاله بفهم المراد عند الخطاب فلا يقع شيء محتاج إلى البيان إلا ومعه بيانه وعلى هذا القول جمع منهم الصيرفي وأبوبكر المرزوي من أصحابنا وداؤد الظاهري والمعتزلة وكثير من الحنفية ( ثالثها ) يمتنع تأخير البيان في غير المجمل وهو ما له ظاهر لايقاعه المخاطب في فهم غير المراد ويجوز فيما لا ظاهر له إذ لا يحصل فيه تجهيل فيه تجهيل وعلى هذا القول القاضي أبو الطيب وجمع من الحنفية منهم الكرخي وحكى الأبياري في شرح البرهان قولاً بعكسه وعلله بأن للعام فائدة في الجملة بخلاف بيان المجمل ( رابعها ) يمتنع تأخير البيان الاجمالي فيما له ظاهر كهذا العام مخصوص وهذا المطلق مقيد وهذا الحكم منسوخ ببدل لوجود المحذور قبله في تأخير البيان الاجمالي دون البيان التفصيلي إذا قارن البيان لاجمالي ورود الخطاب بخلاف ما ليس له ظاهر يعمل به كالمشترك والمتواطئ فيجوز تأخير بيانها الاجمالي قياساً على التفصيلي فالاجمالي كأن يقال المراد احد المعنيين مثلا في المشترك واحدا لما صدقات في المتواطئ لانتفاء المحذور المتقدم وهو ايقاع المخاطب في فهم غير المراد ( خامسها ) يمتنع تأخير البيان في غير النسخ لاخلاله بفهم المراد من اللفظ بخلاف النسخ فيجوز لأن النسخ اما رفع للحكم أو بيان لانتهاء أمده على الخلاف الآتي وبه قال الجبائي وقيل يجوز تأخير البيان في النسخ","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"اتفاقاً وهو مقتضى كلام الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي ( سادسها ) وهو فرع عن الجواز في الكل لا يجوز تأخير بعض من البيان دون بعض لأن تأخير البعض بفهم المخاطب أن المتقد جميع البيان وهوغير المراد بخلاف تأخير البيان جميعه فإنه يجوز والأصح الجواز في البعض والوقوع .\r( والمختار ) على القول بالمنع من تأخير البيان جميعه عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل أنه يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم تأخير تبليغ ما أوحى إليه من الأحكام في قرآن وسنة إلى وقت الفعل لانتفاء المحذور السابق عنه وهو الاخلال بفهم المراد فإن معرفته إنما هي لوجوب العمل ولا عمل قبل الوقت ( وقيل ) لا يجوز بل تجب المبادرة لقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أي على الفور وظاهر كلام الرازي والآمدي وابن الحاجب يقتضي أن الخلاف في غير القرآن أما القرآن فيجب تبليغه على الفور قطعاً لأنه متعبد بتلاوته ولم يوخر النبي تبليغه دون غيره لما علم من أنه كان يسئل عن الحكم فيجيب تارة من عنده ويقف أخرى إلى أن ينزل الوحي .\r( والمختار على القول بالمنع أيضاً ) أنه يجوز أن يعلم المكلف بالعام ويتأخر علمه بالتخصيص بأن لا يعلم المكلف الموجود وقت البيان بذات الوصف المخصص ولا يوصف أنه مخصص ولو مع علمه بذاته كما وقع لسيدتنا فاطمة رضوان الله عليها إنها علمت عموم قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر الآية ولم تعلم وجود المخصص وهو قوله صلى الله عليه وسلم إنا معاشر الأنبياء لا نورث فالبيان لم يتأخر وإنما تأخر علم المكلف به ومنع الجبائي وقوع ذلك في المخصص السمعي دون العقلي وخرج بالموجود من ليس موجوداً حال ورود التخصيص فلا خلاف في جواز تأخر علمه لعدم امكانه .\r(( مبحث النسخ ))","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"اختلف في التعبير عنه ( فقال الأستاذ أبو إسحاق ) وطائفة أنه بيان لانتهاء أمد الحكم أي أنه انتهى بذاته ثم حصل حكم آخر بعده لأنه عند الله مغيا بغاية معلومة ( وقال القاضي أبوبكر ) وطائفة هو رفع تعلق الحكم الشرعي بخطاب أي أن مزيل الحكم الأول هو الناسخ إذ لولا وروده لاستمر وهذا هو مختار المصنف لشموله النسخ قبل التمكن من الفعل ( فخرج ) بالشرعي رفع البراءة الاصلية المأخوذة من العقل كتحريم أو ايجاب ما هو على البراءة والاصلية ولم يرد فيه قبل ذلك حكم فإنه أولاً يسمى نسخاً ( وخرج ) بقيد الخطاب الرفع بالموت والجنون والغفلة وكذا بالعقل والاجماع فلا يسمى شيء من ذلك نسخاً اصطلاحاً فلا نسخ بالعقل لأنه ليس خطاباً شرعياً وقول الإمام الرازي في المحصول لو جاز التخصيص بالعقل فهل يجوز النسخ به قلنا نعم لأن من انكسرت رجلاه سقط عنه فرض غسل الرجلين وذلك إنما عرف بالعقل انتهى قال المصنف مدخول ، أي معيب حيث جعل رفع وجوب الغسل بالعقل لسقوط محله نسخاً وذلك مخالف للاصطلاح ( ولا نسخ ايضاً ) بالاجماع لعدم انعقاده في حياته صلى الله عليه وسلم لأن الحجة في حياته بقوله لا بالاجماع ولا نسخ بعد وفاته ( نعم ) مخالفة المجمعين لنص دال على حكم تتضمن ناسخاً لذلك النص وهو مستند اجماعهم فالنسخ بدليله لا به وعلى هذا يحمل قول الشافعي أن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالاجماع .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"( ويجوز على الصحيح ) نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما اتفاقاً أو احدهما من تلاوة فقط أو حكم فقط على الصحيح ( وقال أبو مسلم ) الاصفهاني من المعتزلة لا يجوز نسخ بعضه كما لا يجوز نسخ كله المجمع عليه ( وقيل ) لا يجوز في البعض نسخ التلاوة دون الحكم ولا نسخ الحكم دون التلاوة لأن الحكم مدلول اللفظ وإذا فرض انتفاء أحدهما لزم انتفاء الآخر قلنا إنما يلزم ذلك لو لوحظ في الحكم كونه مدلولاً للفظ وفي اللفظ كونه دالاً على الحكم وما نحن فيه لم يلاحظ فيه ما ذكر وقد وقعت الأقسام الثلاثة ( فمثال المنسوخ ) الحكم والتلاوة حديث عائشة رضي الله عنها كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحر من نسخن بخمس معلومات رواه مسلم ( ومثال منسوخ التلاوة ) دون الحكم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة قال عمر فإنا قد قرأناها رواه الشيخان والمراد بهما المحصن والمحصنة فالحكم باق لامره صلى الله عليه وسلم برجم المحصنين ( ومثال منسوخ الحكم ) دون التلاوة نسخ عدة الوفاة بالحول المدلول عليها بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لازواجهم متاعاً إلى الحول غير اخراج بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة اشهر وعشرا لتأخره في النزول عن الأول كما قال أهل التفسير وإن تقدمه في التلاوة .","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"( ويجوز على الصحيح ) عند الجمهور نسخ الفعل بعد وجوبه أو ندبه قبل التمكن من الفعل بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسعه ( وقال ) المعتزلة والحنفية لا يجوز لعدم استقرار التكليف ورد بأنه يكفي في النسخ وجود أصل التكليف فينقطع به وبوقوعه ليلة الاسراء برفع الصلوات الخمسين إلى الخمس ووقوعه كذلك في قصة الذبيح فإنه نسخ قبل التمكن من الذبح لقوله تعالى وفديناه بذبح عظيم أما نسخه بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه وكذلك في الوقت بعد مضي زمن يسعه كما صرح بنفي الخلاف فيه ابن برهان وإمام الحرمين والغزالي لكن مقتضى كلام ابن الحاجب في اثبات الخلاف جريان الخلاف فيه ، وحكى الصفي الهندي أيضاً المنع في هذه الصورة عن الكرخي .\r( ويجوز النسخ ) للقرآن بالقرآن كما تقدم مثاله في عدة الوفاة قال أبو زرعة اجماعاً ( ويجوز ) بالقرآن للسنة على الصحيح كنسخ التوجه في الصلاة لبيت المقدس إن قلنا أنه ثابت بالسنة بقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وكذا مباشرة الصائم ليلاً حرمت بالسنة تم نسخ تحريمها بالقرآن ( وقيل لا يجوز ) نسخ السنة بالقرآن وسيأتي قريباً ما يوفق هذا القول والذي بعده عن الشافعي رحمه الله ودفع ذلك بوقوعه كما مر .","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"( ويجوز النسخ ) بالسنة المتواترة والآحاد للقرآن على الصحيح لقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم ( وقيل لا يجوز ) لقوله تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاه نفسي والنسخ بالسنة ــــ منه وأجيب بأنه ليس من تلقاء نفسه بل باتباع ما أوحى إليه على وفق قوله تعالى أن اتبع إلا ما يوحى إلي والوحي لا يتعين كونه قرآناً قال تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ( وقيل يمتنع ) نسخ القرآن بالآحاد لأن القران قطعي والآحاد ظني ولا ينسخ القطعي بالظني قلنا محل النسخ الحكم ودلالة القرآن عليه ظنية ( والحق أنه ) لم يقع إلا بالسنة المتواترة إذ هما موجبان للعلم والعمل بل حكى إمام الحرمين اجماع الأمة عليه لكنه مدفوع بما ذهب إليه القاضي أبوبكر الباقلاني والغزالي من وقوعه في زمنه عليه الصلاة والسلام دون ما بعده ( ويقول ) بعض الظاهرية أنه وقع بالآحاد كحديث الترمذي وغيره لا وصية لوارث فإنه ناسخ لقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خير الوصية للوالدين والأقربين ( وأجيب ) بأنه متواتر للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقرب زمنهم من النبي صلى الله عليه وسلم .\r( وذهب ) قوم إلى امتناع نسخ الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب ونقل عن الشافعي وأنكره عليه جماعة واستعظموه ونص عبارته في الرسالة لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه ثم قال وهكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسخها إلا سنته وقد فهمه المصنف على معنى أنه حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلابد أن يكون معها قرآن عاضد لها أو نسخ السنة بالقرآن بالسنة فلابد أن يكون معها قرآن عاضد لها أو نسخ السنة بالقرآن فلابد أن يكون معه سنة عاضدة له وما فهمه دافع لمحل الاستعظام .","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"( ويجوز نسخ السنة المتواترة ) بمثلها والآحاد بمثلها وبالمتواترة وكذا المتواترة بالآحاد على الصحيح كما تقدم في نسخ القرآن بالآحاد ( ومن نسخ السنة ) بالسنة نسخ حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قيل له الرجل يعجل عن امرأته لم يمن ماذا يجب عليه فقال إنما الماء من الماء بحديث الصحيحين إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل زاد مسلم في رواية وإن لم ينزل لتأخر هذا عن الأول .\r( وهل يجوز نسخ النص ) بالقياس كما لو فرض وجود نص بجواز الربا في القول ثم ورد بعد ذلك نص بحرمة الربا في العدس ثم قيس على العدس الفول لوجود اتخاذ الناس له طعاماً وادخاره كالعدس بل أكثر منه فهل يكون حكم الفول الثابت له بقياسه على العدس ناسخاً لحكمه الأول أم لا فيه أقوال ( أحدها ) يجوز نسخ النص بالقياس مطلقاً جلياً كان أو خفياً على الصحيح لاستناده إلى النص فكأنه الناسخ ( ثانيها ) لا يجوز مطلقاً حذرا من تقديم القياس على النص وبه قال الأكثرون كما حكاه القاضي الباقلاني واختاره وحكاه أبو إسحاق المرزوي عن نص الشافعي وقال القاضي حسين أنه المذهب ( ثالثها يجوز ) إن كان القياس جلياً لأنه في معنى النص بخلاف الخفي لضعفه ( رابعها ) واختاره الآمدي يجوز أن كان القياس في زمنه عليه الصلاة والسلام والعلة فيه منصوصة بخلاف قياس وجد بعد زمنه عليه السلام لانتفاء النسخ حينئذ وبخلاف ما كانت علته مستنبطة لضعفه قلنا تبين بالقياس أن مخالفه كان منسوخاً في زمنه عليه الصلاة والسلام بالنص الذي أسند إليه القياس .","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"( ويجوز عند الجمهور ) نسخ القياس الموجود في زمنه عليه السلام بنص أو بقياس ( فالأول ) كما لو قال عليه السلام المفاضلة في البر حرام لأنه مطعوم فيقاس عليه الأرز ثم يأتي نص بجواز الربا في الأرز ( والثاني ) كما لو ورد بعد النص بتحريم الربا في البر المذكور وقياس الأرز عليه في ذلك نص آخر بجواز الربا في الذرة فيقاس عليها حينئذ الأرز فيكون الحكم الثابت للأرز بقياسه على الذرة ناسخاً للحكم الثابت بقياسه على البر ( وقال القاضي ) عبد الجبار وغيره لا يجوز نسخ القياس مطلقاً لأنه مستند إلى نص فيدوم بدوامه قلنا لا نسلم لزوم دوامه كما لا يلزم دوام حكم النص نفسه بأن ينسخ ( وشرط نسخ القياس ) الموجود في زمنه عليه السلام بالقياس على القول بجوازه أن يكون القياس الناسخ أجلى من القياس المنسوخ بأن ترجح إمارته على إمارة الأول وفاقاً للأم الرازي وخلافاً للآمدي في اكتفائه بالمساوي فلا يكفي الأدون جزما ولا المساوي عند الإمام ( قال الشارح ) ويجوز أن يقول الآمدي تأخر نصه مرجح إذ لابد من تأخر نص القياس الناسخ عن نص القياس المنسوخ به وعن النص المنسوخ به كما لا يخفى انتهى ( وصحح المصنف ) في الاصل جواز نسخ الفحوى وهو مفهوم الموافقة بقسميه الأولى والمساوى دون أصله وهو المنطوق كما لو نسخ تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى دون التأفيف دون بقية أنواع الاذى أي لأن الفحوى واصله مدلولان متغايران فجاز نسخ كل منهما وحده ولعله اختيار له لتصريحه كغيره بأن الأكثر على أن نسخ الاصل يفيد نسخ الفحوى ونسخ الفحوى يفيد نسخ الأصل وهو اختيار البيضاوي فلا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر للملازمة بينهما وإن الأقل وهم القائلون بالجواز يمنعون الملازمة واختار ابن الحاجب امتناع نسخ الفحوى دون أصله لامتناع بقاء الملزوم مع نفي اللازم بخلاف العكس لجواز بقاء اللازم مع نفي الملزوم وقال ابن برهان في الأوسط أنه المذهب أما نسخ الفحوى مع اصله فيجوز","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"اتفاقاً ويجوز النسخ بالفحوى قال الإمام الرازي والآمدي اتفاقا وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع المنع بناه على أنه قياس وإن القياس لا يكون ناسخا وحكى ابن السمعاني المنع عن الشافعي ( ويجوز ) نسخ مفهوم المخالفة مع اصلها وهو المنطوق وبدونه مثال الأول ما لو نسخ وجوب الزكاة في السائمة ونفيه في المعلوفة ويرجع الأمر في المعلوفة إلى ما كان قبل كما يرجع في السائمة ومثال الثاني نسخ مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم إنما الماء من الماء بقوله عليه السلام إذا التفى الختانان فقد وجب الغسل مع بقاء منطوقه على حكمه وهو وجوب الغسل بالانزال ( ولا يجوز ) نسخ أصل المخالفة بدونها في الأظهر من احتمالين للصفي الهندي لأنها تابعة للأصل في الثبوت فتتبعه في الانتفاء ( والثاني يجوز ) وتبعيتها للاصل من حيث دلالة اللفظ عليها معه لا من حيث ذاته ورد بأنه إذا ارتفع حكم المنطوق سقط اعتبار دلالة اللفظ عليه ( ولا يجوز النسخ ) بمفهوم المخالفة لضعفها عن مقاومة النص لكن قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع المذهب الصحيح الجواز لأنها في معنى النطق .","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"( ويجوز نسخ الإنشاء ) ولو كان الانشاء بلفظ القضاء نحو فاقض ما أنت قاض خلافاً لبعض المفسرين فيه معللا له بأن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه ، نحو وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه اي أمر بذلك ( قال الزركشي ) في شرحه وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول وإنما أخذه المصنف من كتب التفسير أو كان الانشاء بلفظ الخبر فيجوز نسخه باعتبار معناه عند الجمهور نحو والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين أي ليرضعن المنسوخ بقوله تعالى فإن تعاسرتم فسترضع له أخرى وخالف في ذلك أبوبكر الدقاق لكون لفظه لفظ الخبر والخبر لا يبدل ودفع بأن ذلك في الخبر حقيقة لا فيما المراد منه الانشاء ( ويجوز ) كذلك نسخ الانشاء المقيد بالتابيد وغيره مما هو في معناه على الأصح عند الجمهور نحو صوموا يوم عاشوراء ابدا وصوموا رمضان حتماً ( والثاني ) لا يجوز لمنافاة النسخ للتأبيد والتحتيم وعليه بعض المتكلمين وبعض الحنفية كالماتريدي وأبو زيد الدبوسي وأجيب بأن الناسخ مبين أن المراد افعلوا إلى وجود الناسخ كما يقل لازم غريمك أبدا إلي أن يقضيك قال ابن برهان فإن القصد به المبالغة لا الدوام ( وكذا يجوز ) عند الجمهور نسخ قول القائل مثلاً الصوم واجب مستمر أبدا إذا كان المراد به الانشاء خلافاً لابن الحاجب في منعه نسخه دون ما قبله وعلمه بأنه خبر فيلزم من نسخه تطرق الخلف إليه بخلاف صوموا أبدا فإنه أنشأ لفظا ومعنى ( ويجوز ) نسخ إيجاب الاخبار بشيء مما يتغير كما لو فرض إيجاب الاخبار بقيام زيد مثلاً بإيجاب الاخبار بنقيضه وهو عدم قيامه لكن قيل الاخبار بقيامه اتفاقا لجواز أن يتغير حال زيد من القيام إلى عدمه أما بعد الاخبار بقيامه فلا يتأتى النسخ ، وإن كان المخبر مما لا يتغير كحدوث العالم فأهل السنة يجوزونه ، ومنعه المعتزلة قالوا لأنه تكليف بالكذب والكذب قبيح فينزه الباري عنه قلنا التكليف غير تابع للمصلحة كما زعموا وعلى التنزل معهم فقد","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"يدعوا إلى الكذب غرض صحيح فيجب تارة ويندب أخرى فلا يكون التكليف نقصاً .\r( أما الخبر فلا يحوز نسخ مدلوله ) وإن كان مما يتغير لأنه يوهم الكذب حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه وذلك محال على الله وهذا مختار المصنف تبعاً لابن الحاجب وحكاه في المحصول عن أكثر المتقدمين ( وقيل يجوز ) في المتغير مطلقاً سواء كان ماضياً أو مستقبلاً وعليه الإمام الرازي والآمدي وهو مشكل ( وقيل يجوز ) إن كان الإخبار عن شيء مستقبل لجواز المحو لله فيما يقدره والاخبار تتبعه بخلاف الخبر عن ماض وعلى هذا القول البيضاوي وقال الخطابي أنه الصحيح .","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"( ويجوز النسخ ) ببدل مساوٍ للمنسوخ أو أخف منه اتفاقا فالمساوى كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة وإلا خف كنسخ وجوب ثبات مائة صابرة من المسلمين لألف من الكفار بقوله تعالى وإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ( وكذا يجوز ) النسخ ببدل أثقل من المنسوخ كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية كما قال تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين بتعيين الصوم كما قال تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ( وقال بعض الظاهرية ) لا يجوز لعدم المصلحة في الإنتقال من سهل إلى عسر ورد بأنا لا نسلم رعاية المصلحة وعلى تسليمها فلا نسلم انتفاءها في النسخ إلى بدل أثقل إذ منها كثرة الثواب ( ويجوز النسخ ) بلا بدل خلافاً لأكثر المعتزلة لما مر مع دفعه ( ثم اختلف ) القائلون بجوازه في وقوعه فقال أكثر أصحابنا بوقوعه كصدقة النجوى فإنا وجبت ثم نسخت لا إلى بدل وتوهم بعضهم أنها أبدل منها الزكاة وهو مردود لأنه تعالى قرن بها الصلاة والطاعة بقوله تعالى فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله وهما فرضان قبل ذلك ولتوقفه على معرفة التاريخ وإنما المعنى رفعناه عنكم فتمسكوا بما لابد منه من الصلاة والزكاة وسائر الطاعات ( وذهب الشافعي ) إلى أنه لم يقع قال في الرسالة وليس ينسخ فرض أبداً إلا إذا ثبت مكانه فرض ووافقه المصنف والشارح أيضاً لكن أوله أبوبكر الصيرفي على أن المراد بالفرض الحكم اي إذا نسخ لابد أن يعقبه حكم آخر وليس مبايناً لكلام أهل الأصول لأنه يرجع إلى ما كان عليه وهو حكم فإن صدقة النجوى لما نسخ إيجابها عاد إلى ما كان عليه من التخيير .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"( مسألة ) النسخ واقع عند كل المسلمين واختلفت اليهود فالشمعونية أحالته عقلا والعنانية أجازته ومنعت وقوعه والعيسوية اعترفت بالجواز والوقوع وهم أصحاب عيسى الأصفهاني المعترفون ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى بني إسماعيل خاصة وهم العرب كذا ذكره ابن برهان والآمدي وغيرهما ( وخالف ) أبو مسلم الاصفهاني المعتزلي في التسمية فإنه يسمي النسخ تخصيصاً قال لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان فهو تخصيص في الأزمان كالتخصيص في الأشخاص ، وقيل خلافه في وجود النسخ حيث لم يذكره باسمه المشهور والحق الأول لأن أبامسلم يجعل ما كان معيناً في علم الله تعالى كالذي هو معين في اللفظ ويسمي الكل تخصيصاً فلا فرق عنده بين أن يقول وأتموا الصيام إلى الليل وبين أن يقول صوموا مطلقاً مع علمه تعالى بأنه سينزل لا تصوموا ليلاً ( والمختار ) أن نسخ حكم الأصل وهو المقيس عليه لا يبقى معه حكم الفرع وهو المقيس بل يرتفع حكمه بزوال علته وقالت الحنفية يبقى لأن القياس مظهر للحكم لا مثبت ( والمختار ) أن كل حكم شرعي يقبل النسخ فيجوز عليه نسخ جميع الأحكام الستة المذكورة أول الكتاب ونسخ بعضها ( ومنع الغزالي ) والمعتزلة نسخ جميع التكاليف لأنه على تقدير وقوعه يتوقف العلم به على معرفة النسخ والناسخ وهو من التكاليف ولا يتأتى نسخها (ومنعت المعتزلة ) نسخ وجوب معرفة الله تعالى كما قال المصنف وهي مثال ولا يختص الحكم بذلك عندهم بل منعوا النسخ في كل ما كان بذاته أو بلازم ذاته حسنا أو قبيحاً لا يختلف باختلاف الأزمنة وهو مبني على أصلهم في التقبيح والتحسين العقليين والمعرفة عنده محسنة لذاتها لا تتغير بتغير الزمان فلا يقبل حكمها النسخ ( ودفع ) بأن الحسن الذاتي باطل والخلاف في المسألتين في الجواز العقلي والاجماع على عدم الوقوع فيهما من نسخ جميع التكاليف ووجوب المعرفة .","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"( ثم الناسخ ) قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم سواء نزل به جبريل إلى الأرض أم لم ينزل لا يثبت له حكم النسخ قطعاً ، وفيما وقع ليلة الإسراء بعد بلوغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل نزوله إلى الأرض احتمالان أحدهما وهو ظاهر كلام المصنف أن يقال المختار أنه لا يثبت وكلام ابن السمعاني يقتضي ثبوته ( أما الناسخ ) إذا بلغه جبريل إلى النبي عليه السلام وقيل أن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم الأمة فالمختار عند المصنف تبعاً لابن الحاجب وغيره وهو قول الجمهور أنه لا يثبت في حقهم لا بمعنى التأثيم ولا بمعنى الاستقرار في الذمة لعدم علمهم به ( وقيل يثبت ) بمعنى الاستقرار في الذمة والناسخ بعد تبليغ النبي إياه الأمة يثبت في حق من بلغه ومن لم يبلغه ممن تمكن من علمه قطعاً أما من لم يتمكن من علمه فلا يتعلق به حكم على المشهور عند الجمهور لا بمعنى وجوب الامتثال ولا بمعنى الاستقرار في الذمة ( وزيادة الخبر ) على النص الوارد في عبادة كزيادة ركعة أو ركوع في صلاة أو في غيرها كزيادة جلدات في حد ليست بنسخ لحكم المزيد المنصوص خلافاً للحنفية في قولهم أنه نسخ للنص ( ومحل مثار الخلاف ) بيننا وبينهم هو الخلاف في أن الزيادة المذكورة هل رفعت حكماً شرعياً فعندنا لا فليست بنسخ وعندهم نعم ، فيقولون نسخاً نظراً إلى أن الأمر بما دون الزيادة اقتضى تركها فهي رافعة لما اقتضاه الأمر ، وأجيب بأنا لا نسلم اقتضاء الأمر تركها بل المقتضى لتركها البراءة الاصلية ( وإلى ما خذ ) الخلاف بيننا وبينهم عود أقوال المفصلين في هذه المسألة كقول القاضي عبد الجبار المعتزلي أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه بحيث لو اقتصر عليه لوجب استئنافه كجعل الصلاة الثلاثية رباعية فهي نسخ وإن لم تغير حكم المزيد عليه كزيادة التتريب على الجلد في حد الزنا فليست بنسخ واختاره القاضي وكقول الغزالي أن الزيادة إن اتصلت بالمزيد عليه اتصال اتحاد كزيادة","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"ركعتين في الصبح فهي نسخ وإن لم تتصل بذلك كزيادة عشرين جلدة في حد القذف فليست بنسخ ( وإلى المأخذ المذكور ) عود الفروع التي بينها العلماء حاكمين فيها أن الزيادة نسخ أو لا كزيادة الشاهد واليمين الثابتة بحديث مسلم على نص القرآن من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ( والخلاف المار ) في الزيادة هل هي نسخ أو لا جار كذلك في نقص جزء من العبادة كنقص ركعة من صلاة أو نقص شرط من الشروط كنقص الوضوء هل هو نسخ لتلك العبادة فقال الجمهور من الشافعية لا والنسخ للجزء أو الشرط فقط وقال غيرهم نعم وهو نسخ منته إلى ذلك الناقص لجوازه أو وجوبه بعد تحريمه ( وقال عبد الجبار ) نقص الجزء نسخ ونقص الشرط ليس بنسخ ووافقه الغزالي في الجزء وتردد في الشرط بين المتصل وهو المصاحب لكل العبادة كالاستقبال والمنفصل وهو المتقدم عليها كالوضوء ( وقيل ) نقص المنفصل ليس بنسخ اتفاقاً .\r(( خاتمة لمسائل النسخ يعرف بها الناسخ من المنسوخ ))","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"يتعين الناسخ للشيء بتأخره عن منسوخه ( وطريق العلم ) بتأخره الاجماع على أن هذا متأخر لما قام عندهم على تأخره أو قوله عليه الصلاة والسلام هذا ناسخ لذلك أو قوله هذا بعد ذلك أو قوله كنت نهيت عن كذا فافعلوه أو أمرت بكذا فاجتنبوه كما في حديث مسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها أو نص منه عليه الصلاة والسلام بذكر الشيء على خلاف ما ذكره به أولا كأن يقول في شيء أنه مباح ثم يقول أنه حرام مع تعذر الجمع أو قول الراوي للخبر هذا سابق على ذاك أو قوله كان آخر الأمرين كذا كقول جابر رضي الله عنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ، أو تعيين كل من لاروايتين بالتاريخ ولا أثر لموافقة أحد النصين للبراءة الأصلية في طريق العلم بتأخره عن النص الآخر المخالف لها خلافاً لمن زعم ذلك نظرا إلى أن الأصل مخالفة الشرع لها فيكون المخالف هو السابق على الموافق ورد بأن ذلك لا يلزم لجواز العكس ( ولا أثر ) لثبوت احدى الآيتين في رسم المصحف بعد الأخرى في طريق العلم بتأخر نزولها فلا تكون المتأخرة في الترتيب ناسخة للمتقدمة لأن العبرة بالتأخر في النزول لا في الترتيب كما سبق في آيتي عدة الوفاة ( ولا أثر ) في ذلك لتأخر اسلام راوي أحد الدليلين عن اسلام راوي الدليل الآخر فلا يكون مروي متأخر الاسلام ناسخاً لمروي متقدمه خلافاً لزاعم ذلك نظراً منه إلى أنه الظاهر ورد بعدم لزومه لجواز أن يسمع متقدم الاسلام بعده ( ولا أثر ) لقول الراوي في ذلك هذا ناسخ بالتنكير خلافاً لزاعمه بخلاف قوله هذا الناسخ بالتعريف لشيء علم أنه منسوخ وجهل ناسخه فإن له أثراً في تعيين الناسخ والفرق بين التنكير والتعريف أنه في صورة التنكير يحتمل أن يكون قوله هذا ناسخ عن اجتهاد منه وليس اجتهاده حجة على مجتهد آخر .\r(( الكتاب الثاني في السنة ))","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"السنة لغة الطريقة واصطلاحاً أقوال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته ( قال الزركشي ) ينبغي أن يزاد في التعريف وهمه فقد احتج الشافعي في الجديد على استحباب تنكيس الرداء في الاستسقاء بجعل أعلاه أسفله بأنه عليه الصلاة والسلام هم فتركه لثقل الخميصة عليه انتهى وقد يقال الهم خفي فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل فيكون الاستدلال بأحدهما فلا حاجة إلى زيادته حينئذ والله أعلم .\r( والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون ) لا يصدر عنهم ذنب أصلاً لا صغيرة ولا كبيرة لا عمداً ولا سهواً وفاقاً للأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني وأبي الفتح الشهرستاني والقاضي عياض ووالد المصنف وهو الأصح عند القاضي حسين وحكاه ابن برهان عن اتفاق المحققين ، وتبعهم النووي في زوائد الروضة ، وهذا المذهب أنزه المذاهب ( وقال جماعة ) يجوز عقلاً صدور الصغيرة عنهم سهواً إلا الدالة على الخسة كسرقة لقمة وتطفيف بتمرة بشرط أن ينبهوا عليها وهذا القول ضعيف وإن عزاه الشارح إلى الأكثر بل يجب اعتقاد الطريقة الأولى وطرح ما عداها كما عليه جمهور المتكلمين .\r( وحيث ) تقررت العصمة لهم فلا يقول سيدهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم باطلا ولا يفعله ولا يقر أحدا على أمر باطل من عبادة أو غيرها وسكوته عليه السلام على فعل ولو من غير استبشار به دليل على جوازه مطلقاً للفاعل وكذا لغيره لأن التقرير يجري مجرى الخطاب في العموم خلافاً للقاضي الباقلاني في قوله أنه لا يعم غير الفاعل قال لأن السكوت ليس بخطاب حتى يعم وأجيب بأنه في فوته فيعم ( وقيل سكوته ) على فعل من يغريه الانكار على الفعل لا يكون دليلا على الجواز قال الشاعر :\rإذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة وقال الأظهر أنه يجب انكاره ليزول توهم الاباحة ( وقيل سكوته ) على فعل الكافر ولو منافقا لا يدل على جوازه بناء على القول بعدم تكليفه بالفروع ( وقيل سكوته ) على فعل الكافر غير المنافق ليس دليلا لأن المنافق تجري عليه أحكام المسلمين في الظاهر فسكوته على فعله دليل على جوازه ، أما ما فعل في عصره ولم يعلم هل اطلع عليه أم لا فقال الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني اختلف فيه قول الشافعي ولهذا جرى له قولان في اجزاء الأقط في الفطرة محل الخلاف ما لم يكن سكوته عليه السلام مسبوقاً ببيانه قبح الفعل كسكوته على مضي الذمى إلى الكنيسة للتعبد فلا يدل حينئذ على الجواز جزماً لأنه لأمر آخر شرعي .\r( وحيث عرف ) انقسام السنة إلى قول وفعل فمباحث القول سبقت في الكلام على الكتاب .","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"( وأما الفعل ) فليس في أفعاله عليه الصلاة والسلام محرم لعصمته من ذلك ولا مكروه ولا خلاف الأولى لندرة وقوعهما من أتقياء أمته فكيف يقعان منه مع عظمة منصبه الشريف على كل منصب ولأن التأسي به مطلوب فلو وقعا لطلب التأسي به واللازم باطل ( وما فعله ) لبيان الجواز لا يكون مكروهاً في حقه ولا خلاف الأولى بل هو أفضل في حقه لأنه مأمور ببيان المشروع كما حكاه النووي عن العلماء في وضوئه عليه السلام مرة مرة ومرتين مرتين أنه أفضل في حقه من التثليث للبيان ( ثم مطلق ) أفعاله صلى الله عليه وسلم أقسام ( فما كان منها جبلياً ) محضاً كقيامه وقعوده وأكله وشربه فواضح انا لسنا متعبدين به وقيل يندب اتباعه وجزم به الزركشي ( وما كان بياناً لنص ) مجمل كصلاته المبينة لقوله تعالى أقيموا الصلاة أو لنص لم يرد ظاهره كقطعه يد السارق من الكوع المبين لمحل القطع في آية السرقة فهو دليل في حقنا واجب عليه صلى الله عليه وسلم لوجوب التبليغ عليه وإن كان مخيراً في التبليغ بين القول والفعل إذ الواجب المخير يوصف كل من خصاله بالواجب ( وما كان مخصصاً ) به عليه السلام كزيادته في النكاح على أربع نسوة ووجوب الضحى عليه والمشاورة فلا استدلال به ولا تعبد ( وما كان متردد ) بين الجبلي والشرعي كحجه راكباً واضطجاعه بعد ركعتي الفجر فيه تردد ، فقيل يحمل على الجبلي لأن الأصل عدم التشريع فلا يسن لنا ، وقيل يحمل على الشرعي لأنه صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات فيسن لنا وهذاهو الراجح وعليه الأكثرون ( وما سوى ما ذكر ) من فعله صلى الله عليه وسلم لا يخلو من أن يكون معلوم الصفة أو مجهولها ( فإن كان معلوم الصفة ) من وجوب أو ندب أو إباحة فحكم أمته كحكمه في ذلك في الأصح للقطع بأن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم الصفة عبادة كان كالصلاة أو غيرها كالبيع والشراء وقيل مثله في العبادة فقط وقيل لا مطلقاً فيكون كمجهول الصفة ويجري فيه الخلاف","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"الآتي ( وطريق معرفة ) صفة فعله عليه السلام من وجوب أو ندب أو إباحة إما نص عليها كقوله هذا واجب مثلاً أو تسوية لذلك الفعل بمعلوم الصفة كقوله هذا مساو لكذا أو مثله في حكمه المعلوم أو وقوعه بياناً لمجمل أو امتثالاً لأمر دال على وجوب أو ندب أو إباحة فيكون حكمه تابعاً لحكم المبين أو الممتثل ( ويميز الوجوب ) عن غيره من ندب أو إباحة اماراته كالصلاة المصحوبة بالأذان والإقامة لأنهما شعار الصلاة الواجبة بخلاف ما لا يؤذن لها كالعيد والكسوف وككون الفعل ممنوعاً منه لو لم يجب كالختان والحدود فإن كلاً منهما عقوبة وقد يتخلف الوجوب عن هذه الإمارة لكن لدليل معارض كما في سجود السهو وسجود التلاوة في الصلاة فإن الأصل المنع منهما ومع هذا لم يدل فعلهما على وجوبهما ( ويميز الندب ) عن الوجوب والإباحة قصد القربة بذلك الفعل مجرداً عن قيد الوجوب بأن لم يكن دليل وجوب ولا قرينته وهو كثير في التطوعات من صلاة وصوم وذكر ونحوها .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"( وإن كان فعله ) عليه الصلاة والسلام مجهول الصفة من وجوب وندب وإباحة ( فقيل يحمل ) على الوجوب في حقه وحقنا لأنه الأحوط وبه قال من الشافعية ابن سريج وأبو علي بن خيران والأصطخري وصححه ابن السمعاني وقال أنه الأشبه بمذهب الشافعي ( وقيل يحمل على الندب ) لأنه المتحقق بعد الطلب وحكي هذا عن الشافعي وقيل يحمل على الإباحة لأن الأصل عدم الطلب وحكي هذا عن مالك واختاره إمام الحرمين في البرهان وقيل بالوقف في الوجوب والندب والإباحة لتعارض أوجه الكل حتى يقوم دليل على حكم وحكي هذا القول عن جمهور المحققين كالصيرفي والغزالي وأتباعهما وصححه القاضي أبو الطيب واختاره الآمدي والبيضاوي ( وقيل بالوقف ) في الوجوب والندب فقط ان ظهر قصد القربة وإلا فللإباحة ( وقيل بالوقف ) فيهما فقط مطلقاً أي سواء ظهر قصد القربة أم لا لأنهما الغالب من فعله عليه السلام ( واختار الآمدي ) وابن الحاجب أنه إن ظهر قصد القربة حمل على الندب وإلا فعلى الإباحة فإن قيل كيف يتصور اجتماع القول بالإباحة مع ظهور قصد القربة للتنافي بين استواء الطرفين ورجحان أحدهما أجيب بأن المراد بالإباحة هنا عدم الحرج كما نبه عليه الآمدي وما أجاب به المصنف معترض .\r( وإذا تخالف ) قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر فينقسم باعتبار العلم بتقدم أحدهما وتأخر الآخر والجهل بالتاريخ إلى ثلاثة أقسام ( وفي كل قسم ) اما أن يدل دليل على وجوب تكرير الفعل وعلى وجوب التأسي به عليه السلام معا أو على تكرر الفعل فقط أو على وجوب التأسي به عليه السلام معاً أو على تكرر الفعل فقط أو على وجوب التأسي به فقط أو لا يدل على شيء منهما دليل ( وعلى كل التقديرات ) أما أن يكون القول خاصاً به عليه السلام أو خاصاً بالأمة أو شاملاً لهما .\r( القسم الأول أن يعلم تقدم القول ) حيث دل الدليل على تكرر مقتضاه وقد تقدم أن أصنافه الأول أربعة .","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"( أحدها أن لا يدل ) دليل على تكرار الفعل ولا على التأسي وفي القول حينئذ الاحتمالات الثلاثة ( فإن كان القول ) خاصاً به عليه السلام مثل أن يقول لا يجوز لي الفعل في وقت كذا ثم يفعله فيه كان الفعل ناسخاً لحكم القول بناء على الصحيح من جواز النسخ بالفعل خلافاً للمعتزلة ولا معارضة في حق الأمة لعدم تناول القول لهم ( وإن كان خاصاً بنا ) كأن قال يجب عليكم صوم عاشوراء في كل سنة ثم أفطر فيه في سنة فلا معارضة في حقه عليه السلام لعدم تناول القول له ولا في حقنا لعدم ثبوت حكم الفعل في حقنا بما يدل على التأسي كما هو فرض المسألة ( وإن كان شاملاً له ولنا ) كأن قال يجب علي وعليكم صوم عاشوراء في كل سنة ثم أفطر فيه كان الفعل لتأخره ناسخاً لحكم القول في حقه عليه السلام ، ولا تعارض في حقنا لعدم الدليل على التأسي أما إذا لم يدل دليل على تكرر متقضى القول كما لو لم تقيد الأمثلة السابقة بكل سنة فلا نسخ لدلالة الفعل المتأخر على أن غاية القول وقوع الفعل لعدم دليل يدل على تكرر مقتضى القول .","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"( ثانيها أن يدل ) دليل على تكرر الفعل وعلى التأسي وفي القول الاحتمالات الثلاثة ( فإن كان خاصاً به ) فلا معارضة في حق الأمة لما مر وأما في حقه فالفعل ناسخ لحكم القول كما تقدم ( وإن كان خاصاً بنا ) فلا معارضة في حقه عليه السلام لما مر وأما في حقنا فالفعل لتأخره ناسخ لحكم القول لوجود الدليل على التأسي كما هو الفرض ( وإن كان شاملاً تناوله ) فالفعل ناسخ لحكم القول في حقه وكذا في حقنا للدليل على التأسي ( وثالثها أن يدل ) الدليل على تكرار الفعل دون التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصاً به ) فالفعل لتأخره ناسخ لحكم القول في حقه ولا تعارض في حق الأمة لعدم تناول القول لهم ( وإن كان خاصاً بنا ) فلا تعارض في حقه لعدم تناول القول له ولا في حقنا لعدم الدليل على التأسي فلا يثبت حكم الفعل في حقنا ( وإن كان القول ) عاماً له وللأمة فلا تعارض في حق الأمة لعدم الدليل على التأسي وأما في حقه عليه السلام فالفعل لتأخره لناسخ للقول .\r( رابعها أن يدل ) الدليل على التأسي دون تكرار الفعل وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصاً به ) فلا تعارض في حق الأمة لما مر وأما في حقه فالفعل لتأخره ناسخ للقول ( وإن كان خاصاً بنا ) فلا معارضة في حقه وأما في حقنا فالفعل لتأخره ناسخ لحكم القول لوجوب التأسي ( وإن كان عاماً له ) ولنا فالفعل لتأخره ناسخ لحكم القول في حقه وكذا في حقنا لثبوت التأسي .\r( القسم الثاني ) أن يعلم تقدم فعله صلى الله عليه وسلم على قوله وقد تقدم أن أصنافه الأول أربعة .","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"( أحدها ) أن لا يدل دليل على تكرر الفعل ولا على وجوب التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصاً به ) مثل أن يفعل فعلاً ثم يقول لا يجوز لي مثل هذا الفعل فلا نسخ في حقه ولا في حقنا إذ لا تعارض لأن القول في هذا الوقت لا تعلق له بالفعل الماضي إذ الحكم يختص بما بعده ولا في المستقبل لأن الفرض عدم وجوب التكرار هذا ما ذكره الجمهور ومنهم العضد والمصنف في شرح المنهاج وغيرهما ( وظاهر المتن ) والشرح يقتضي أن القول هنا ناسخ للفعل ووجهه الشارح بدلالة الفعل على الجواز المستمر فلا يتوقف النسخ حينئذ على وجود دليل يدل على تكرار الفعل المفروض هنا ( وإن كان عاماً لنا وله ) فلا معارضة في حق الأمة لعدم دليل التأسي وأما في حقه ففيه ما مر قريباً فيما إذا كان القول خاصاً به .\r( ثانيها ) أن يدل دليل على تكرر الفعل وعلى التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصاً به ) فلا تعارض في حق الأمة وأما في حقه فالقول لتأخره ناسخ للفعل ( وإن كان خاصاً بنا ) فلا تعارض في حقه وأما في حق الأمة فالقول لتأخره ناسخ للفعل ( وإن كان عاماً له ولنا ) فالقول لتأخره ناسخ للفعل في حقه وكذا في حق الأمة لدليل التأسي .\r( ثالثها ) أن يدل الدليل على التكرار دون التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصاً به ) فلا تعارض في حق الأمة لعدم التأسي وأما في حقه فالقول لتأخره ناسخ للفعل ( وإن كان خاصاً بالأمة ) فلا تعارض أصلاً ( وإن كان عاماً لنا وله ) فلا تعارض في حق الأمة لما مر وفي حقه بنسخ القول الفعل .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"( رابعها ) أن يدل الدليل على التأسي دون التكرار وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصا به ) فلا تعارض في حق الأمة وأما في حقه فعلى ما نقل عن الجمهور كما مر لا تعارض وعلى ما في ظاهر المتن والشرح أن القول لتأخره ناسخ للفعل ( وإن كان خاصا بنا ) فلا معارضة في حقه وأما في حق الأمة فالقول لتأخره ناسخ للفعل ( وإن كان عاما له ولنا ) فالقول ناسخ للفعل في حق الأمة وأما في حقه ففيه ما مر فيما إذا كان القول خاصا به عليه السلام .\r( القسم الثالث ) أن يجهل تاريخ المتقدم من قوله عليه السلام وفعله وقد تقدم أن أصنافه الأول كقسيمية أربعة .","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"( أحدها ) ان لا يدل على تكرار الفعل ولا على التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصا به ) فلا تعارض في حق الأمة واما في حقه عليه السلام فاختلف فيه على أقوال صحح المصنف منها الوقف عن ان يرجح أحدهما على الأخر إلى تبين التاريخ لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الأخر ( وقيل يرجح ) القول لأنه أقوى دلالة من الفعل لوضعه لها ( وقيل يرجح ) الفعل لأنه أقوى في البيان ونظر العضد في اختيار الوقف في هذا وفي نظيره من الصنف الرابع الآتي قال فإنه لا تعارض مع تقدير تقدم الفعل فنأخذ بمقتضى القول حكما بتقدم الفعل لئلا يقع التعارض المستلزم لنسخ أحدهما انتهى . قال المولى التفتازاني والاعتراض ظاهر الورود لاشتراكهما أي الصنفين في عدم تكرر الفعل دون الثاني والثالث انتهى ( وإن كان خاصا بنا ) فلا معارضة في حقه عليه السلام ، أما في حق الأمة فالأصح من الأقوال الثلاثة العمل بالقول وإنما صحح المصنف في هذه القول وفيما سبق الوقف لاحتياج الأمة للعمل بواحد من القول والفعل ، والقول أقوى فقدم على الفعل ( واما ) في حقه عليه السلام فقد انقطع العمل فلا ضرورة للترجيح فكان الأحوط الوقف ( وإن كان عاما له ولنا ففيه الأقوال الثلاثة ، وأصحها حقه الوقف وفيه ما مر عن العضد في حقنا العمل بالقول لما سبق\r( ثانيها أن يدل ) دليل على تكرر الفعل وعلى التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان ) خاصا به ففي حقه الاقوال الثلاثة وأصحها الوقف ولا تعارض في حقنا لعدم شمول القول لنا وإن كان خاصا بنا فلا تعارض في حقه لعدم شمول القول له وفي حقنا الأقوال الثلاثة وأصحها العمل بالقول ( وإن كان عام ) له ولنا ففيه الأقوال وأصحها في حقه الوقف في حقنا العمل بالقول .","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"( ثالثها ) أن يدل دليل على التكرار دون التأسي وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاصا به ) فلا تعارض في حقنا وأما في حقه فالأقوال الثلاثة والأصح الوقف ( وإن كان خاص بنا ) فلا تعارض في حقه وأما في حقنا فالأقوال الثلاثة والأصح العمل بالقول وإن كان عاما له ولنا فالأقوال كذلك والمختار في حقه الوقف وفي حقنا العمل بالقول\r( رابعها ) أن يدل دليل على التأسي به دون تكرر الفعل وفي القول الاحتمالات ( فإن كان خاص به ) فلا تعارض في حق الأمة وأما في حقه فالأقوال الثلاثة وأصحها على ما في ظاهر المتن والشرح الوقف وفيه النظر السابق نقله عن العضد والسعد ( وإن كان خاصا بنا ) فلا تعارض في حقه وأما في حقنا ففيه الأقوال وأصحها العمل بالقول .\r( وإن كان عاما له ولنا ) ففيه الأقوال وأصحها في حقه الوقف على ما مر فيه ، وفي حقنا العمل بالقول ( وجميع ما مر ) من التعارض بين القول والفعل في حقه صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان القول العام نصا فيه عليه السلام أما لو كان ظاهرا فيه كما لو قال يجب على كل واحد صوم عاشورا إلى آخر المثال السابق فالفعل تخصيص للقول العام في حقه تقدم الفعل أو تأخر أو جهل ذلك ، ولا نسخ حينئذ لأن التخصيص أهون فهذه ست وثلاثون صورة في تخالف قوله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله أطلنا في تفصيلها بما لا يناسب هذا المختصر حرصا على الوفاء بالبيان والإيضاح الذي التزمناه .","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"( تنبيه ) صرحوا بثبوت التأسي به عليه السلام فيما علمت صفته حيث قالوا فامته مثله وإن لم يدل عليه دليل اكتفاء بالدليل العام وهو قوله تعالى { لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة } وقيدوا التأسي به بدلالة الدليل عليه هنا ووجه ذلك كما قاله العلامة ابن قاسم أن الكلام هنا فيما إذا ثبت حكم في حقنا ثم وقع منه عليه السلام فعل يخالفه فلا نترك ما ثبت في حقنا ويثبت تأسينا به إلا بدليل ، والكلام هناك حيث لم يثبت في حقنا ما يخالف الفعل فيطلب تأسينا به لعدم المعارض فيه في حقنا انتهى .\r( تنبيه ) أخر ما تعارض القولين فسيأتي الكلام عليه في التعادل والتراجيح واما تعارض الفعلين ففي المختصر والمنهاج الجزم بأنهما لا يتعارضان لأنه يجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا وفي غيره بخلافه لأن الأفعال لا عموم لها واستثنى ابن الحاجب وغيره من الفعلين ما إذا دل دليل من خارج على وجوب تكرير الفعل له أو لأمته فإن الفعل الثاني حينئذ ناسخ لكن العمل في الحقيقة بذلك الدليل والله أعلم .\r( الكلام في الأخبار )","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"اللفظ المركب إما مهمل وهو مالا معنى له فليس موضوعا للعرب اتفاقا ولا تجوز نسبته إليهم لا حقيقة ولا مجازا ، وهو موجود كما صدقات مدلول لفظ الهذيان كما مثله البيضاوي وغيره خلافا للإمام الرازي في نفيه وجوده حيث قال الأشبه أنه غير موجود لأن الغرض من التركيب الإفادة وتبعه صاحبا التحصيل والحاصل فالخلاف مبني على تفسير التركيب فمن قال أنه ضم لفظ إلى لفظ أفاد أم لم يفد قال بوجود ومن شرط فيه الافادة قال بعدم وجوده والخلف لفظي لأنه راجع إلى أن ما ذكر من ما صدقات مدلول الهذيان هل يسمى مركبا أو لا وإما مستعمل وهو ما كان له معنى ( والصحيح ) عند ابن مالك وابن الحاجب وغيرهما أن المركب ليس موضوعا والا لتوقف استعمال الحمل على النقل عن العرب وإنما الموضوع مفرداته ( ومختار ) المصنف تبعا للقرافي أنه موضوع بالنوع لا بالشخص لأن العرب حجرت في التركيب كما حجرت في المفردات ( ومن المركب الكلام) وعرفه المصنف تبعا لابن مالك في التسهيل بأنه ما تضمن من الكلم اسنادا مفيدا مقصودا لذاته .\r( فقوله ) ما تضمن كالجنس ( وقوله ) من الكلم فصل أول تخرج به الدوال الأربع ( وقوله ) إسنادا فصل ثان تخرج به المفردات والمركبات التقييدية والمزجية ( وقوله ) مفيدا فصل ثالث يخرج به مالا يفيد من الإسنادات كالمجعول علما كبرق نحره ( وقوله ) مقصوداً فصل رابع يخرج غير المقصود كالصادر من النائم ( وقوله ) لذاته فصل خامس يخرج به ما كان مقصوداً لغيره كصلة الموصول هذا تعريف الكلام اللساني ( وأما الكلام النفساني ) فهو القائم بالنفس المعبر عنه بما صدقات اللساني قال الله تعالى { ويقولون في أنفسهم } الآية وقال الأخطل :\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"( وقالت المعتزلة ) إن الكلام حقيقة اللساني لأنه المتبادر إلى الذهن وانكرت النفساني ( وقال أبو الحسن الأشعري ) مرة أنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني وهذا هو المختار ( وقال مرة أخرى ) إنه مشترك بين اللساني والنفساني لأنه يطلق عليهما والأصل في الإطلاق الحقيقة وحكاه الإمام الرازي عن المحققين والصفي الهندي عن الأكثرين والأصوليون إنما يتكلمون في أصول الفقه في اللساني لأن بحثهم في اللفظ لا في المعنى النفسي الذي الكلام عليه وظيفة المتكلم في أصول الدين .\r( ثم الكلام ) إما أن يفيد بصغيته الوضعية طلبا أو لا يفيد.","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"( والأول وهو الطلب) إما استفهام وهو طلب ذكر الماهية نحو ما الإنسان أو تعيين فرد من أفرادها نحو من عندك أزيد أم عمرو أو بينان حاله نحو كيف زيد أو زمانه نحو متى السفر أو مكانه نحو أين زيد أو التصديق نحو هل الحركة الموجودة دائمة أو وصفه نحو هل حصد الزرع وأما أمر وهو طلب تحصيل الماهية في الخارج نحو قم وأما نهي وهو طلب تحصيل الكف عن الماهية نحو لا تقعد ولو كان طلب تحصيلها أو طلب تحصيل الكف عنها من مساو للمطلوب منه في الرتبة أو أدنى منه فيها فاللفظ المفيد للطلب فيهما يسمى أمرا ونهيا بناء على أنه لا يشترط فيهما علو ولا استعلاء ( وقيل لا يسمى بواحد منهما بل يسمى من المساوى التماسا ومن الأدنى سؤالا ( وخرج ) بالصغية الوضعية الطلب باللازم كقولك أطلب منك أن تذكر حقيقة زيد وأن تقوم وإن لا تقعد فلا يسمى الأول استفهاما ولا الثاني أمرا ولا الثالث نهيا ( والثاني ) وهو ما لا يفيد بصيغته الوضعية طلبا أما أن لا يحتمل الصدق والكذب في مدلوله أو يحتملهما ، فالأول يسمى تنبيها ويمسى انشاء ، ولا فرق في ذلك بين ما لا يكون فيه طلب أصلا نحو أنت طالق وما فيه طلب يلازمه لا بوضعه كالتمني والترجي نحو ليت الشباب يعود لعل الله يرحمني، فإن معنى كل منها ملزوم للطلب لا نفس الطلب إذ معناهما التلهف والتوقع ويلزمهما الطلب ( والثاني ) وهو ما يحتمل الصدق والكذب في مدلوله من حيث هو يسمى خبرا فعدم احتمال الكذب في بعض الأخبار كقولنا محمد رسول الله وعدم احتمال الصدق في بعض أخر كقولنا الواحد نصف العشرة ليس من حيث كونه خبرا بل باعتبار أمور خارجة عنه كقيام الدليل القاطع على الرسالة وكتصور مدلول العشرة والواحد ( وأبى قوم ) منهم الإمام الرازي في المحصول والسكاكي تعريف الخبر قيل لأن تصوره ضروري فلا يعرف وقيل لعسر تعريفه كما أبوا أيضا تعريف العلم والوجود والعدم حيث قالوا في الثلاثة بما قيل في الخبر ( وما ذكر ) من تقسيم الكلام","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"إلى خبر وإنشاء وطلب وتقسيم الطلب إلى استفهام وأمر ونهي هو ما عليه الإمام الرازي وأتباعه ( وقد يقال ) أن التحقيق ما عليه البيانيون من تقسيمه إلى خبر وإنشاء فقط ( فيقال ) الانشاء الكلام الذي يحصل مدلوله في الخراج به لا بغيره نحو أنت طالق وقم فإن مدلولهما من إيقاع الطلاق وطلب القيام يحصل بالكلام لا بغيره فالانشاء بهذا المعنى يعم الطلب فهو عليه قسم من الانشاء وعلى الأول قسيم له .\r( والخبر ) الكلام الذي يحصل مدلوله في الخارج بغيره وهو كل كلام له خارج صدق أو خارج كذب نحو قام زيد فإن مدلوله وهو قيام زيد حاصل قبل التكلم بالخبر فإن وافق الخارج فالخبر صدق وإن لم يوافقه فالخبر كذب وهذا معنى قول بعضهم الانشاء يتبعه مدلوله والخبر يتبع مدلوله .\r( والأصح ) أنه لا مخرج للخبر عن الصدق والكذب أي أنه لا واسطة بينهما بل هو محصور فيهما لأنه إما أن يطابق الخارج فهو الصدق أو لا يطابقه فهو الكذب وهو قول الجمهور ( وقيل بالواسطة ) بين الصدق والكذب واختلف القائلون بها ( فقال الجاحظ ) الخبر إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر المطابقة وهو الصدق وإما غير مطابق للواقع مع اعتقاد المخبرعدم المطابقة و هو الكذب وأما مطابق للواقع مع اعتقاد عدم المطابقة أو مطابق للواقع مع عدم اعتقاد شيء أو غيره مطابق للواقع مع اعتقاد المطابقة أو غير مطابق للواقع مع عدم اعتقاد شيء وهو الواسطة ( وقال النظام ) ومتابعوه صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر سواء طابق اعتقاده الخارج أو لا وكذبه عدم مطابقته لاعتقاد المخبر سواء طابق اعتقاده الخارج أولا والساذج وهو خبر الشاك واسطة بين الصدق والكذب سواء طابق الواقع أم لا .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"( وقال الراغب ) الاصفهاني الصدق التام ما طابق الواقع مع اعتقاد المخبر المطابقة كقول الجاحظ والكذب التام ما لم يطابق الواقع مع اعتقاد عدم المطابقة وما طابق الواقع مع اعتقاد عدم المطابقة صدق من جهة مطابقة الواقع كذب من جهة عدم المطابقة للاعتقاد وما طابق الاعتقاد دون الواقع صدق من جهة مطابقة الاعتقاد كذب من جهة عدم مطابقة الواقع وما طابق الواقع مع عدم اعتقاد شيء أو لم يطابق الواقع مع عدم اعتقاد واسطة فالصور ست أيضا .","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"( ومدلول الخبر ) في الإثبات الحكم بالنسبة التي تضمنها أي إدراك أنها واقعة كقيام زيد في قام زيد مثلا لا كون القيام ثابتا في الخارج لزيد وفاقا للإمام الرازي في أنه الحكم بها وخلافا للقرافي في قوله إن مدلوله ثبوت النسبة ( ويلزم ) على قول القرافي أنه لم يكن شيء من الخبر كذبا بل يكون كله صدقا فلو قيل مثلا زيد عالم ثبت عليه علمه في الخارج فلا يتصور كذب في خبر واللازم باطل لاتفاق العقلاء على أن من الخبر كذبا أي غير ثابت النسبة خارجا ( وأجيب ) من طرف القرافي بان كذب الخبر بأن لم تثبت نسبته في الخارج ليس من مدلوله حتى ينافي ما جعل مدلوله من ثبوت النسبة وإنما هو احتمال عقلي غاية الأمر أن الخبر الكذب تخلف فيه المدلول عن الدليل لأن دلالته وضعية يجوز تخلفها لمانع كما في المجاز لا عقلية وارتضاه التفاتازاني ونصره في المطول ورد ما رجحه الإمام واستوجهه كثير ( ومدلول الخبر ) في النفي مقيس على مدلوله في الإثبات ، فيقال على قول الإمام مدلول الخبر في النفي الحكم بانتفاء النسبة أي إدراك أنها لا واقعة وعلى قول القرافي مدلوله انتفاء النسبة خارجا ومورد صدق الخبر وكذبه النسبة الاسنادية التي تضمنها الخبر كالنسبة التي تضمنها قائم في زيد بن بكر قائم لا ما يقع في أحد الطرفين من النسب التقييدية كبنوة زيد لبكر في المثال ( ومن أجل ذلك ) قال الإمام مالك وبعض الشافعية الشهادة بتوكيل فلان بن فلان فلانا شهادة بالتوكيل دون نسب الموكل ( والمذهب ) الراجح عندنا ما ذكره الماوردي في الحاوي والروياني والهروي أنها شهادة بالنسب للموكل ضمنا وبالتوكيل أصلا لتضمن ثبوت التوكيل المقصود لثبوت نسب الموكل لغيبته عن مجلس الحكم .","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"( مسألة ) الخبر لذاته يحتمل الصدق والكذب كما مر وبالنظر إلى أمور خارجة عنه ( إما مقطوع ) بصدقة كالمعلوم ضرورة كالواحد نصف الاثنين والنار حارة أو استدلالا كقول أهل السنة العالم حادث وسيأتي ( وأما مقطوع ) بكذبه كالمعلوم خلافه ضرورة كقولك ( الواحد نصف العشرة والنار باردة أو استدلالا كقول الفلاسفة العالم قديم فإنه يعلم كذبه بالاستدلال على حدوث العالم ( وكل خبر نقل ) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوقع في الوهم أمرا باطلا ولم يقبل التأويل لمعارضته الدليل العقلي فهو إما مذكوب عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو الموضوع في اصطلاح أهل الحديث أو منقوص منه من جهة الراوي ما يزيل الوهم الحاصل بالنقص منه ( فمن المكذوب ) ما اختلقه بعض الزنادقة من أنه تعالى أجرى فرسا ثم خلق نفسه من عرقها تعالى الله عن ذلك فإنه يوهم الحدوث الباطل بالدليل العقلي القاطع على تنزهه تعالى عن ذلك والشرع إنما ورد بما يجيزه العقل دون ما يحيله .","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"( ومن المنقوص منه) قوله عليه السلام فيما رواه الشيخان أرايتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد نقص الرواي ممن هو اليوم ( ومن الخبر المقطوع بكذبه ) خبر مدعي الرسالة أنه رسول الله إلى الناس بلا معجزة تبين صدقه أو بلا تصديق الصادق له وقيل لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقه أما مدعي النبوة أي مجرد الإيحاء دون الأمر بالتبليغ فلا يقطع بكذبه كما قاله إمام الحرمين وهذا مفروض فيما قبل البعثة ونزول قوله خاتم النبيين وقوله عليه السلام لا نبي بعدي أما بعد ذلك فالقطع بكذبه معلوم من الدين بالضرورة ( ومن المقطوع بكذبه ) على الصحيح ما فتش عنه من الحديث فلم يوجد عند أهله من رواة الحديث وقيل أنه لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدق ناقله وهذا مفروض بعد استقرار الاخبار وتدوينها في الصحف إما قبل ذلك كما في عصر الصحابة فقال الإمام الرازي يجوز أن يروى أحدهم ما ليس عند غيره .\r( ومن المقطوع بكذبه ) بعض الأخبار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإبهام لما روي أنه عليه السلام قال سيكذب علي فإن قال ذلك فلابد من وقوعه لامتناع الخلف في خبره وإلا فبه كذب عليه وهو الواقع لأنه لا يعرف لهذا اللفظ إسناد فهو كما قال المصنف حديث لا يعرف ( ومن المقطوع بكذبه ) على الصحيح المنقول أحادا فيما تتوفر دواعي الناس على نقله تواتراً إما لغرايته كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة وأما لتعلقه بأصل من أصول الدين كالنص على الإمامة فعدم تواتره دليل على عدم صحته وخالفت الرافضة في قولهم لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقه وبنوا عليه استحقاق علي كرم الله وجهه للإمامة الكبرى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال أنت الخليفة بعدي ولم يتواتر وشبهوه بما لم يتواتر من المعجزات كحنين الجذع وتسليم الحجر وتسبيح الحصى ورده أهل السنة بما ذكر .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"( وأسباب الوضع ) في الحديث النبوي كثيرة .\r( منها النسيان ) من الراوي لمرويه لطول عهده فيذكر غير مرويه ظانا أنه مرويه أو يزيد فيه أو يغير معناه أو يرفعه وهو موقوف .\r( ومنها ) افتراء الزنادقة تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة كوضعهم أربعة عشر الف حديث تخالف المعقول قاله حماد بن زيد بن ثابت وكم وضع بعد حماد ( ومنها غلط الراوي ) بان يسبق إلى لسانه غير ما رواه أو يضع مكانه ما يظن أنه يؤدي معناه وغير ذلك كوضع الرافضة والخطابية أحاديث نصرة لأرائهم وكوضع الكرامية أحاديث في الترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية .","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"( ومن المقطوع بصدقة) خبر الصادق وهو الله تعالى لتنزهه عن الكذب ورسوله عليه السلام لعصمته عن الكذب ، ومنه بعض الأخبار المنسوبة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن جهلنا عينه ( ومنه المتواتر ) معنى فقط أو معنى ولفظا ( فالمتواتر المعنوي ) هو رواية الجمع قضايا متعددة بينها قدر مشترك كنقل بعضهم عن حاتم أنه أعطى جملا وأخر أنه أعطى غنما وأخر أنه أعطى فرسا وهكذا فهذه القضايا المختلفة متفقة على معنى كلي مشترك وهو الإعطاء الدال على وجود جود حاتم ( والمتواتر اللفظي ) ما اتفق على نقل قضية واحدة بلفظها خبر جمع يمتنع في العادة تواطوهم على الكذب عن شيء محسوس كمشاهدة أو سماع ( فخرج خبر الآحاد ) ومن لا يمتنع تواطؤهم وما كان خبرا عن معقول أي بدليل عقلي فإنه يجوز الغلط فيه كخبر الفلاسفة بقدم العالم وقيد الامتناع بالعادة لأن التجويز العقلي بدون نظر إلى العادة لا يمتنع وإن بلغ العدد ما عسى أن يبلغ ( والجمهور على ) أنه لا يشترط للمخبرين عدد بل حصول العلم بمضمون خبر علامة اجتماع الأمور المحققة للتواتر في ذلك الخبر وهي كونه خبر جمع وكون الجمع يمتنع تواطؤهم على الكذب ، وكون الخبر عن محسوس ولا يكفي في عدد الجمع أربعة وفاقا للقاضي الباقلاني ولاكثر الشافعية كما حكاه عنهم ابن السمعاني لاحتياج الأربعة عندهم إلى التزكية فيما لو شهدوا بالزنا فلا يفيد قولهم العلم ولو اكتفى بذلك لاستغنى عن تزكيتهم الشهود وما زاد على الأربعة صالح للكفاية من غير تعيين عدد وتوقف القاضي في الخمسة هل تكفي أم لا ؟ ( وقال الاسطخري ) أقل الجمع الذي يفيد خبره العلم عشرة لأن ما دونها أحاد أو جمع قلة (وقيل أقله اثناء عشر) كعدد النقباء في قوله تعالى { وبعثنا منهم أثني عشر نقيباً } ( وقيل أقله عشرون ) لقول تعالى { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ماتين } ( وقيل أربعون ) لقوله تعالى { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"} وكانوا كما قال أهل التفسير أربعين رجلا كملهم عمر رضي الله عنه ( وقيل أقله سبعون ) لقول تعالى { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا } ( وقيل أقل ثلاثمائة ) وبضع عشرة عدد أهل غزوة بدر لحصول العلم بخبرهم للمشركين أو لأن الواقعة تواترت بهم ( وهذه الأقاويل ) ضعيفة جدا فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالاخبار وبتقدير أن يكون لها بها تعلق ليس فيها ما يدل على كون ذلك العدد شرطا لتلك الوقائع ولا على كونه مفيدا للعلم ( والأصح ) أنه لا يشترط في المتواتر إسلام الرواة فيجوز كونهم كفار اخلافا لابن عبدان من الشافعية ولا يشترط عدم احتواء بلد عليهم فيجوز كونهم في بلد واحدة لأن المانع الكثرة وقد وجدت خلافا لقوم ألا ترى أن أهل الجامع لو اخبروا بسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة لا فاد العلم .","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"( والأصح ) إن العلم في المتواتر ضروري يحصل بمجرد سماعه بلا نظر ولا كسب لحصوله لمن لا يتأتى منه النظر وبه قال الجمهور ( وقال الكعبي ) المعتزلي وإمام الحرمين هو نظري ( وفسر إمام الحرمين ) كونه نظريا وأفصح به الغزالي تابعا له بتوقفه على مقدمات حاصلة عند السامع محققة لكون الخبر متواترا وتلك المقدمات هي كونه خبر جمع وكونهم حيث لا يمكن تواطؤهم على كذب وكونه عن محسوس لا بمعنى الاحتياج إلى النظر والاستدلال عقيب سماع المتواتر فالخلاف لفظي فإن توقفه على تلك المقدمات لا ينافي كونه ضروريا ( وتوقف الآمدي ) والشريف المرتضى عن القول بواحد من القولين لتعارض دليليهما ( ثم الناقلون ) الخبر المتواتران أخبروا به عن معاينة بان كانوا طبقة فذاك ظاهر في حصول التواتر لوجود القيود الثلاثة المتقدمة وإن لم يخبروا عن معاينة بان كانوا طبقات ولم يخبر عن معاينة إلا الطبقة الأولى منهم فيشترط في كل طبقة ما تقدم من كونهم جمعا يمتنع تواطؤهم على الكذب فإذا لم يكونوا كذلك لم يفد خبرهم العلم ( ومن هذا ) يتبين أن المتواتر قد ينقلب أحادا فيما عدا الطبقة الأولى وهي محمل القراءات الشاذة كما تقدم .","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"( وإذا ثبت ) العلم بالمتواتر فهل يجب حصوله لكل من السامعين مطلقا أو لا يجب للكل مطلقا أو يفصل في السبب أقوال والصحيح منها أن العلم الحاصل منه أن كان لكثرة عدد الرواة فهو حاصل لكل السامعين ، وإن كان للقرائن الزائدة على أقل العدد الصالح له بان تكون لازمة لحال الخبر كاتفاق المجمعين على لفظ واحد وتركيب واحد او لحال المخبر ككونهم موسومين بالصدق مباشرين للأمر الذي أخبروا به أو لحال المخبر به ككونه أمرا مستقرب الوقوع يحصل باخبار أقل عدد أو بعيد الوقوع فيحتاج إلى أكثر فقد يختلف فيحصل لزيد دون عمرو مثلا من السامعين لأن القرائن قد تقوم عند شخص دون آخر ( قال ) الولي أبو زرعة وفيه نظر فإن الخبر الذي لم يحصل العلم فيه إلا بانضمام القرينة اليه ليس من المتواتر بل لابد أن يكون حصول العلم المجرد روايتهم انتهى أما الخبر المفيد للعلم بالقرائن المنفصلة عنه فليس بمتواتر جزما ( وقيل يجب ) حصول العلم لكل السامعين لأن القرائن في مثل ذلك ظاهرة لا تخفى على أحد منهم ( وقيل لا يجب ) ذلك بل قد يحصل العلم لكل منهم ولبعضهم فقط لجواز أن لا يحصل العلم لبعض بكثرة العدد كالقرائن .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"( والصحيح ) إن انعقاد الاجماع على حكم موافق لمعنى خبر وارد لا يدل على صدق نسبة الخبر اليه عليه السلام سواء تلقى بالقبول أم لا لاحتمال أن يكون للاجماع مستند غيره ( وقيل يدل ) على ذلك مطلقاً لأن الظاهر استنادهم اليه وبه قال الكرخي (وقيل يدل) على صدق نسبته اليه إن تلقاه المجمعون على وفق ما يستفاد منه بالقبول بأن صرحوا بالاستناد اليه فإن لم يتلقوه بالقبول بان سكتوا عن الاستناد اليه فلا يدل على صدق النسبة حكاه إمام الحرمين عن ابن فورك ( وكذلك لا يدل ) على صدق نسبة الخبر إلى قائلة بقاء خبر تتوفر دواعي سامعية أحادا على إبطاله ولم يبطلوه خلافا للزيدية في قولهم يدل على صدق ذلك معللين له بالاتفاق على قبوله قلنا الاتفاق على القبول لا يدل على الصدق لاحتمال أنهم إنما سلموه على وجه غلبة الظن بصدقة لا يلزم من ذلك صدقة في نفس الأمر ، مثاله قوله عليه السلام لعلي كرم الله وجهه أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وقول عليه السلام يوم غديرخم من كنت مولاه فعلى مولاه فهذان الحديثان قد اشتهر نقلهما في أيام بني أمية وتوفرت دواعيهم على إبطالهما لدلالتهما على خلافة علي كرم الله وجهه كخلافة هارون عن موسى بقوله اخلفني في قومي وإن مات قبله ولم يبطلوه ( وكذلك لا يدل ) على صدق الخبر افتراق العلماء فيه بين مؤول له ولم يحتج به ومحتج به خلافا لقوم منهم ابن السمعاني في قولهم أنه يدل عليه والأكثرون على خلافة لأن المظنون كالمقطوع في العمل به .","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"( والأصح ) ان المخبر بحضرة قوم بالغين عدد التواتر عن محسوس يعلمونه ولم يكذبوه ولا حامل لهم ثمة على سكوتهم عن تكذيبه من خوف أو طمع في شيء صادق فيما أخبر به لأن سكوتهم تصديق له عادة وهذه المسألة من أفراد الإجماعه السكوتي ، إما لو لم يبلغوا عدد التواتر أو كان الخبر عن معقول أو مما يحتمل أن لا يعلموه كخبر غريب لا يعرفه إلا الأفراد منهم أو كذبه أحد منهم أو كان لهم حامل على السكوت لم يدل سكوتهم على صدقه ( وقيل ) لا يلزم من سكوتهم تصديقه مطلقا لجواز أن يسكتوا عن تكذيبه لا لشيء واختاره الآمدي والإمام فخر الدين الرازي ( وكذا لو كان ) الخبر بمسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينكر عليه ولا حامل للنبي على التقرير ولا للمخبر على الكذب فإن المخبر صادق فيما أخبر به دينيا كان أو دنيويا لأن النبي عليه السلام لا يقر أحدا على كذب خلافا للمتأخرين كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما في قولهم لا يدل سكوته صلى الله عليه وآله وسلم على صد الخبر مطلقا، أما في الديني فلجواز ان يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه أو أخر بيانه بخلاف ما أخبر به المخبر وأما في الدنيوي فلجواز أن لا يكون النبي يعلم حاله كما قال في حال القاح النخل أنتم اعلم بأمر دنياكم ( وقيل يدل ) على صدقه إن كان أخبر عن أمر دنيوي لأن النبي لم يبعث لبيان الدنيويات وإن كان عن ديني فلا يدل على صدقه وعليه الصفي الهندي وفي شرح المختصر للمصنف عكس هذا التفصيل بدله ونسبه ابو زرعة العراقي إلى المحصول وهو أقرب من حيث التعليل أما إذا وجد حامل على الكذب أو التقرير كما إذا كان معاند للنبي ولا ينفع فيه الإنكار فلا يدل السكوت على صدقه جزما .","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"( وأما مظنون الصدق ) فهو الخبر الأحادي وهو ما لم ينته المخبر به إلى حد التواتر سواء كان رواية واحدا أو أكثر وسواء فاد العلم بالقرائن المنفصلة أم لا ( ومنه المستفيض ) وهو لغة المنتشر واصطلاحا هو الشائع عن أصل أي إمام ترجع اليه النقلة فخرج الشائع لا عن أصل فإنه مقطوع بكذبه وذهب الماوردي إلى أن المستفيض قسم ثالث غير المتواتر والأحاد ( وقال ) ابن فورك أن المستفيض يفيد القطع فجعله من أقسام المتواتر وقد يسمى المستفيض مشهورا وأقل عدد رواة المستفيض اثنان وقيل ثلاثة ، وحكى الرافعي في الشهادات عن الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق المروزي وأبي حاتم القزويني إن أقل ما تثبت به الاستفاضة سماعه من اثنين واليه ميل إمام الحرمين قال واختار ابن الصباغ وغيره سماعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب ، قال وهو أشبه بكلام الشافعي وهو الذي جزم به أهل الحديث فلم يذكروا سواه انتهى .\r( مسألة ) خبر الواحد لا يفيد العلم إلا إذا حفت به قرينة فأكثر بحيث يقطع السامع مع وجودها بصدق الخبر كأخبار رجل بموت ولده المعلوم لنا اشرافه على الموت مع قرينة الصياح واحضار الكفن والنعش فإن لم تحتف به قرينة لم يفد العلم هذا ما عليه الآمدي وابن الحاجب وإمام الحرمين والغزالي والبيضاوي واختاره المصنف .","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"( وقال الأكثرون ) لا يفيد خبر الواحد العلم مطلقا ولو احتفت به القرائن ورجحه المصنف في شرح المختصر وقال أنه الحق ( وقال الإمام أحمد ) ابن حنبل وابن خويز منداد يفيد خبر الواحد العلم وإن لم تحتف به القرائن بشرط العدالة لوجوب العمل به كما سيأتي والعمل إنما يجب بما يفيد العلم لنهي الله تعالى عن أتباع غير العمل به كما سيأتي والعمل إنما يجب بما يفيد العلم لنهي الله تعالى عن اتباع غير العلم بقوله ولا تقف ما ليس لك به علم وذمه متبعي الظن بقوله أن يتبعون إلا الظن ( وأجيب ) بأن هذه النصوص وإن كانت ظاهرة في العموم لكنها مخصصة بما يطلب فيه اليقين من أصول الدين كوحدانيته تعالى وتنزهه عما لا يليق به لما ثبت من العمل بالظن في الفروع ، وبإن لا نسلم أنه لو لم يفد العلم لكان العمل به اتباعا لغير المعلوم للاجماع القاطع على وجوب اتباع الظواهر قاله العضد ( وقال الأستاذ ) أبو إسحاق الاسفرائيني وأبوبكر بن فورك الخبر المستفيض يفيد علما نظريا بخلاف غير المستفيض من خبر الواحد فإنه يفيد علما ظنيا وبخلاف المتواتر فإنه يفيد علماً ضروريا فالمستفيض عندهما واسطة بين المتواتر والأحاد ومثله الأستاذ بما يتفق عليه أئمة الحديث كأن يتفق البخاري ومسلم وغيرهما على حديث مروي عن واحد فقط مثلا :\r( مسألة ) يجب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والحكم أي يجب العمب بما يفتي به المفتي به ولو كان واحدا وبما يشهد به الشاهدان بشرطه وبما يحكم الحاكم الواحد إجماعا وكذا يجب العمل بخبر الواحد في سائر الأمور الدينية كاخبار عدل بتنجيس ماء ودخول وقت صلاة وغير ذلك ومثلها بالأولى الأمور الدنيوية كما صرح به البيضاوي كأخبار طبيب بمضرة شيء أو نفعه ( قيل وجوبه ) بالسمع لا بالعقل وعليه أكثر القائلين بوجوب العمل به لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث الأحاد إلى القبائل لتبليغ الأحكام فلولا أنه يجب العمل يخبرهم لم يكن لخبرهم فائدة .","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"( واعترض ) بأن في هذا الدليل مصادرة عن المطلوب لأن المستدل به خبر أحاد أيضا فكيف تثبت به حجية خبر الآحاد وأجيب بان التفاصيل الحاصلة من بعث الأحاد وإن كان أحادا تفيد بجملتها التواتر المعنوي كالأخبار الدالة على شجاعة علي كرم الله وجهه وكرم حاتم .\r( وقيل يجب ) بالعقل أيضا عند عدم ورود السمع به وكذا عند وجوده أيضا لأنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالاحاد وهي كثيرة جدا ولا سبيل إلى القول بذلك ، وهذا القول منقول عن الإمام أحمد والقفال وابن سريج من أصحاب الشافعي وأبي الحسين البصري من المعتزلة ( وقال بعض ) الظاهرية يمتنع العمل به في غير الفتوى والشهادة والحكم مطلقا عن التفصيل الآتي لأنه على تقدير حجيته إنما يفيد الظن وقد نهى عن أتباعه وذم عليه وقد تقدم جوابه قريبا ( وقال الكرخي ) لا يجب العمل به في الحدود لأن احتمال الكذب في الأحاد شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ، ورد بأنا لا نسلم أنه شبهة لان احتمال خبر العدل الكذب ضعيف ( وقال بعض الحنفية ) لا يجب العمل بخبر الواحد في ابتداء نصب الزكاة دون ثوانيها فإذا ورد خبر أحاد بان في خمسة أوسق زكاة لم يعمل به عند هذا القائل بخلاف ما لو ورد خبر الأحاد بأن فيما زاد على ذلك زكاة والحال أن وجوب الزكاة في النصاب الأول وهو الخمسة الأوسق قد ثبت بالمتواتر فإنه حينئذ يعمل بخبر الأحاد بوجوب الزكاة في ذلك الزائد ( وقال قوم ) لا يجب العمل بخبر الواحد فيما عمل الأكثر فيه بخلافه لأن عملهم بخلافه حجة مقدمة عليه ، وأجيب بعدم تسليم حجيته كذلك ( وقالت الحنفية ) لا يجب العمل به في ثلاث مسائل ( أحدها ) فيما تعم به البلوى بأن يحتاج الناس كلهم اليه حاجة متأكدة مع كثرة تكرره كحديث من مس ذكره فليتوضأ ، لأن ما تعم به البلوى يكثر السؤال عنه فتقضى العادة بنقله تواترا لتوفر الدواعي على نقله فلا يعمل فيه بالاحاد وأجيب بمنع قضاء العادة بذلك ( والثانية )","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"لا يجب العمل به عندهم فيما إذا خالف خبر الواحد راوية لأنه إنما خالفه لدليل ولهذا لم يوجبوا السبع في الغسل من ولوغ الكلب لأن أبا هريرة راوي السبع كان يخالف مروية فيفتى بثلاث وأجيب بأنه إنما خالفه لدليل في ظنه فلا يتابع عليه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا ومحل الخلاف فيما إذا علم تقدم الرواية وإلا بأن علم تأخرها أو جهل الحال فيجب العمل به اتفاقا ( والثالثة ) لا يجب العمل به عندهم فيما إذا عارض خبر الواحد القياس ولم يكن راوية فقيها لأن مخالفته ترجح احتمال الكذب ، قلنا لا نسلم ذلك لكن لهم فيما عارض القياس ثلاثة أقوال أحدها ما مر من كونه لا يقبل مطلقا ثانيها يقبل مطلقا ثالثها التفصيل وهو أنه إن عرفت العلة في الأصل المقيس عليه بنص راجح في الدلالة على الخبر المعارض للقياس ووجدت قطعا في الفرع المقيس لم يقبل الخبر المعارض للقياس لرجحان القياس عليه حينئذ أو وجدت ظنا في الفرع المقيس فالوقف عن القول بقبول الخبر وعدم قبوله لتساوي الخبر والقياس حينئذ وإن عرفت العلة باستنباط أو نص مساو في الدلالة أو مرجوح قبل خبر الواحد مثال خبر الواحد المعارض للقياس حديث أبي هريرة في التصرية فإن أبا هريرة قاله وأبا حنيفة لم يقل به قالت الحنفية لمعارضته قياس الأصول المعلومة من أوجه ثلاثة: الأول أن رد التمر بدل اللبن مخالف القياس فيما يضمن به من مثل أو قيمة الثاني أن الضمان فيه مقدر بمقدار واحد وهو الصاع مطلقا الثالث أن اللبن التألف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه وذلك مانع من الرد وإن كان حادثا بعد الشراء فقد حدث على ملك المشترى فلايضمن وإن كان مختلطا فما كان موجودا عند العقد منع الرد وما كان حادثا لم يجب ضمانه ( وقال أبو علي الجبائي ) لابد في قبول خبر الاحاد من رواية اثنين أو اعتضاد مروي الواحد بظاهر أو بعمل بعض الصحابة به أو انتشاره فيهم لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يقبل خبر المغيرة بن","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"شعبة أنه عليه السلام اعطى الجدة السدس وقال هل معك غيرك وعموم لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع وقال اقم البينة وأجيب بان طلب التعدد منهما ليس لعدم قبول خبر الواحد بل للتثبت كما في رواية مسلم في خبر الإستئذان قال عمر إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت (وقال عبد الجبار) لا بد في قيول خبر الواحد من أربعة في الزنا فلا يقبل خبر ما دونها فيه كالشهادة عليه والذي في المعتمد لابي الحسين المعتزلي أن عبد الجبار حكاه عن الجبائي وهو اعرف بمذهبم .","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"( مسألة ) مختار المصنف وفاقا للسمعاني أن الأصل المروي عنه لو كذب الفرع الراوي عنه في كونه روى عنه هذا الحديث مثلا لا يسقط ذلك الحديث المروي عن درجة القبول في الاستدلال به وغيره لاحتمال نسيان الأصل للخبر بعد روايته للفرع فلا يكون التكذيب قدحا في الراوي ولا في المروي عنه فلو اجتمعا في شهادة لم ترد تلك الشهادة ( ومقابل المختار ) ما جزم به المتأخرون كالامام الرازي والآمدي وابن الحاجب والعضد وغيرهم من أن تكذيب الأصل الفرع يسقط المروي لأن أحدهما كاذب ولابد ولا يصير التكذيب على هذا أيضا قدحا في أحدهما خلافا لما يفهمه كلام المصنف لأن كلا منهما يظن أنه صادق فلا جرح ( قال العلامة اللقاني ) وما قاله المتأخرون هو الوجه إذا القبول يتوقف على ظن الصدق والسقوط على نفي ذلك الظن لا على ظن نفي الصدق انتهى ( وإن شك ) الأصل المروي عنه في أنه رواه للفرع أو ظن عدم روايته له والحال أن الفرع جازم بروايته عن اصل فذلك الخبر أولى بالقبول مما جزم فيه الأصل بالنفي ( وعلى القبول ) أكثر العلماء لما تقدم من احتمال نسيان الأصل ( وقيل لا يقبل ) قياسا على نظيره في شهادة الأصل وبه قال أكثر الحنفية واجيب بالفرق بأن باب الشهادة أضيق لأنه يعتبر فيه معا لا يعتبر في الرواية من الذكورة والحرية وغيرهما أما لو لم يجزم الفرع بها فلا تقبل روايته قطعا ( ولو ظن ) الفرع الرواية وظن الأصل نفيها تعارضا والأصل العدم والأشبه القبول قال العلامة لأن سهو الإنسان بأنه سمع ولو يسمع بعيد بخلاف سهوه عما سمع فإنه كثير انتهى ( ولو جزم الأصل بنفيها وظن الفرع وجودها تعين الرد كما قاله في المحصول .","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"( وزيادة العدل ) الواحد فيما رواه على عدول أخرين كالورود أنه عليه السلام دخل البيت فقط وانفرد عدل بزيادة وصلى فيه مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس الذي سمع فيه الراوون سواء علم تعدده أو جهل لجواز إن يكون الأًل ذكرها في مجلس وسكت عنها في أخر وإن علم اتحاد المجلس ففيه أقوال ( الأول ) منها القبول مطلقا وهو الصحيح ونص عليه الشافعي وحكاه الخطيب البغدادي عن جمهور العلماء والمحدثين لجواز غفلة غير من زاد الزيادة ( والثاني ) عدم القبول لجواز خطاء من زاد فيها وهو محكي عن الحنفية قال الابهري وتحمل الزيادة على الغلط ( والثالث ) الوقف عن القول بقبول الزيادة وعدمه للتعارض فإن من أثبت الزيادة يعارض من ينفيها .\r( والرابع ) عدم قبول الزيادة إن كان غير من زادها لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة وإلا قبلت وبه قال الآمدي وابن الحاجب ( والخامس ) وهو مختار المصنف وفاقا لابن المسعاني منع قبول الزيادة إن كان من لم يزد لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة أو كانت تتوفرا لدواعي على نقلها فإن لم يغفل عن مثلها أو لم تتوفر الدواعي على نقلها قبلت .","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"( قال المصنف تبعا للإمام الرازي ) فإن كان الساكت عن رواية الزيادة وهو من لم يذكرها أضبط ممن ذكرها أو كان صرح بنفي الزيادة على وجه يقبلها بأن كان نفيه محصورا كان قال ما سمعتها ولم يمنع مانع من سماعها تعارض الخبر إن خبر الزيادة والمجرد عنها ولم تقدم الزيادة فإن صرح الساكت بنفي الزيادة على وجه لا يقبلها بان كان النفي لها غير محصور كان قال لم يقلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا أثر لذلك ومقتضى ما قالاه اخراج هذه الصورة عن محل الخلاف لكن نقل الابياري في شرح البرهان الخلاف فقال قائلون هو تعارض ، وقال أخرون الإثبات مقدم ، قال وهذا هو الظاهر عندنا فإنه إذا لم يكن بد من تطرق الوهم إلى أحدهما لاستحالة صدق حديثيهما وامتنع على كل تعمد الكذب لم يبق إلا الذهول والنسيان والعادة ترشد إلى أن نسيان ما جرى أقرب من تخيل ما لم يجر وحينئذ فالمثبت أولى انتهى .","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"( ولو روى العدل ) الواحد الزيادة مرة وترك ذكرها مرة فكرا ويبين روى أحدهما الزيادة دون الأخر فإن اسند الزيادة وتركها إلى مجلسين أو سكت قبلت او إلى مجلس واحد كان قال حدثا يوم الخميس وقت غروب الشمس ثاني رمضان وذكر مرة زيادة في المروي فقيل تقبل لجواز السهو في الترك وقيل لا تقبل مطلقا لجواز الخطأ في الزيادة وقيل بالوقف عنهما ( ولو غيرت ) زيادة العدل اعراب الباقي من الخبر كما لو روى أحد العدلين في أربعين من الغنم شاة وروى العدل الأخر نصف شاة تعارض خبر الزيادة والمجرد عنها فلا يقبل أحدهما الا بمرجح وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين خلافا لأبي عبدالله البصري في قوله تقبل الزيادة كما إذا لم يتغير الاعراب كقوله عليه السلام جعلت في الأرض مسجدا وجعلت تربتها طهورا رواه مسلم من رواية أبي مالك والأشجعي وباقي الرواة جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ( ولو انفرد عدل ) واحد عن عدل أخر بزيادة فيما روياه عن أصل واحد قبل العدل المنفرد بتلك الزيادة عن الأكثر لأن معه زيادة علم وقيل لا لمخالفته صاحبه وهذا محكي عن الجبائي .","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"( ولو اسند الخبر ) إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحد من رواته وأرسله الباقون منهم بأن لم يذكروا الصحابي أو رفعه الواحد الى النبي عليه السلام ووقفه الباقون على الصحابي أو من دونه فحكم كل من الإسناد والرفع كحكم الزيادة في متن الحديث فيما تقدم فيجري فيهما كل ما يمكن جريانه من التفصيل في الزيادة وهو إن علم تعدد مجلس السماع من الأصل قبل إسناد الراوي أو رفعه على الراجح وكذا إن جهل بأن لم يعلم تعدد ولا اتحاد وإن علم اتحاد المجلس ففيه الخمسة الأقوال: ( أولها ) وهو الصحيح قبول الإسناد والرفع مطلقا ( وثانيها ) عدمه مطلقا ( وثالثها ) الوقف عن قبولها وعدمه ( ورابعها ) إن كان مثل الواقفين والمرسلين لا يغفل مثلهم عن مثل الإسناد والرفع عادة لم تقبل وإلا قبلت فإن كان المرسلون أو الواقفون أضبط من المسند أو الرافع أو صرحوا بنفي الإسناد أو الرفع على وجه يقبل أحدهما كأن قالوا ما سمعنا الإسناد أو الرفع تعارض الصنيعان ، ولا يمكن جريان التفصيل في القول الخامس المار ( ويقاس حكم ) ما لو اسند الراوي الواحد لحديث مرة وأرسله أخرى أو رفعه مرة ووقفه أخرى على حكم ما لو روى الواحد الزيادة وتركها أخرى كما مر ( ويجوز في الرواية ) حذف بعض الخبر عند الأكثر من العلماء إلا أن يكون بعضه متعلقا بالبعض الأخر فلا يجوز حذفه اتفاقا لاخلاله بالمعنى المقصود ومعنى التعلق أن يكون غاية لما قبله أو صفة له أو مستثنى منه أو نحو ذلك فالأول كنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الثمرة حتى تزهي أي يبدو صلاحها فلو حذفت الغاية لاختل المراد من الحديث والثاني كقوله عليه السلام في الغنم السائمة زكاة فلو حذفت الصفة لاختل المعنى كذلك ، والثالث كقوله عليه السلام لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء فلو حذف الاستثناء منه لاختل المعنى أيضا ، أما إذا لم يتعلق به فيجوز حذفه لأنه كخبر مستقل مثاله","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"حديث أبي داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته فإن كلا من جملتي الحديث المذكور لا تعلق لها بالأخرى ( ومقابل ) قول الأكثر فيما حكاه إمام الحرمين وغيره قولان الجواز مطلقا والمنع مطلقا والتجويز مع تعلق المذكور بالمحذوف بعيد وصرح الابياري والصفي الهندي بانه لا خلاف في منعه وهو الحق انتهى ( وإذا كان للمروي ) محملان مثلا كلفظ القرء فحمل الصحابي قيل أو التابعي مرويه على أحد محمليه المتنافيين كالطهر أو الحيض في المثال فالظاهر اتباع الراوي في حمله على ما حمله عليه كما قاله أبو منصور وابن فورك ونقله القاضي أبو الطيب عن مذهب الشافعي وتوقف فيه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي كما قال المصنف حيث قال في كتابه اللمع وإذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا فصرفه الراوي إلى أحدهما كما روى عن عمر رضي الله عنه أنه حمل قوله عليه السلام الذهب بالذهب ربا الا هاء وهاء على القبض في المجلس ( فقد قيل أنه يقبل ) لأنه أعرف بمعنى الخطاب وفيه عندي نظر انتهى . والظاهر أن كلامه لا يدل على التوقف وإنما يدل على تضعيف القول بالقبول ، وإنما لم يساوِ التابعي الصحابي على الراجح لأن ظهور القرينة للصحابي أقرب ( هذا كله ) إذا تنافى المحملان أما إذا لم يتنافيا فيحمل على معنييه كالمشترك على الراجح السابق ولا يختص بما حمله عليه الصحابي إلا على القول بأن مذهب الحصابي يخصص ( وعلى القول ) بمنع حمل المشترك على معنييه يكون الحكم كما لو تنافى المحملان فيحمل على ما حمله عليه الصحابي كما قال صاحب البديع أنه المعروف عند الأصوليين قال ولا يبعد أن يقال لا يكون تاويله حجة على غيره أي فلا يحمل على محمل الراوي انتهى ( أما إذا كان ) اللفظ ظاهرا وحمله الصحابي على غير ظاهره كان حمل اللفظ على المعنى المجازي دون الحقيقي أو حمل الأمرعلى الندب دون الوجوب فأكثر العلماء على اعتبار","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"ظاهر اللفظ المروي دون حمل الصحابي وهو الأصح وفيه قال الإمام الشافعي رضي الله عنه كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته ومذهب المالكية أن قول الصحابي حجة ( وقيل يحمل ) ما رواه الصحابي إن صار إلى ذلك التأويل لظنه لقصد النبي اليه لمشاهدة قرائنة تقتضي ذلك وعليه أبو الحسين البصري قلنا ظنه ذلك ليس لغيره اتباعه فيه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا ( نعم ) ان قال أخبرني النبي عليه السلام أنه أراد ذلك فلا كلام في قبوله وهو ليس من باب العمل بحمل الراوي كما هو ظاهر .","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"( مسألة ) في ذكر شروط من تقبل روايته ، شرط من تقبل روايته ( العقل ) فلا تقبل رواية مجنون سواء أطبق جنونه أم تقطع وأثر في زمن افاقته لأنه لا يمكنه الاحتراز عن الخلل ( والإسلام ) فلا تقبل رواية كافر ولو علم منه التدين والتحرز عن الكذب لعلو منصب الرواية لشرفها عن الكفر ، هذا في الكافر المخالف في القبلة أما الموافق فيها كالمبتدع الذي يكفر ببدعته كالمجسمة إن كفرناهم فسيأتي الكلام فيه ، فإن تحمل فاسلم فادى قبل على الصحيح كما قاله المصنف في شرح المنهاج وقال العراقي اتفاقا ومثله الفاسق يتحمل فيتوب فيؤدي يقبل ( والبلوغ ) فلا تقبل رواية صبي غير مميز بلا شك وكذا المميز في الأصح لنقصه وادعى القاضي أبوبكر الباقلاني الاجماع عليه لكن يستثنى من ذلك الأذن في دخول الدار وحمل الهدية فيقبل قوله فيهما على الصحيح إن لم يجرب عليه الكذب وكذا اخباره بطلب صاحب الوليمة لإنسان فإنه تجب به الإجابة كما صرح به الماوردي وكذا الروياني إلا أنه اشترط أن يقع في قلب المدعو صدقه ( وقيل ) إن علم تحرز الصبي عن الكذب قبل وفي شرح المهذب للنووي عن الجمهور قبول روايته فيما طريقة المشاهده ، دون ما طريقه الاجتهاد وسبقه إلى ذلك المتولي ( وهذا ) حيث تحمل الرواية وأداها في حال الصبا ، إما إذا تحمل الرواية حال الصبا وأدى بعد البلوغ فتقبل روايته عند الجمهور للاجماع على قبول رواية أحداث الصحابة رضوان الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كابن عباس وابن الزبير من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده وأدي بعده ( وقيل لا تقبل ) لأن الصبا مظنة عدم الضبط ويستمر المحفوظ المشتمل على عدم الضقبط إلى ما بعد بلوغه ( وتقبل رواية مبتدع ) لا يكفر ببدعته يحرم الكذب على نفسه لا منه في الحديث مع تأويله في الابتداع سواء ادعى الناس إلى بدعته أم لا على أصح الأقوال ، قال الشافعي رضي الله عنه أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"الشهادة بالزور لموافقيهم واختاره المصنف تبعا للإمام الرازي والبيضاوي ( وثانيها ) لا تقبل روايته مطلقا لابتداعه المفسق له وهو قول القاضي أبي بكر واختاره الآمدي وعزاه للأكثر وابن الحاجب ( وثالثها ) قول الإمام مالك تقبل روايته إلا الذي يدعو الناس إلى بدعته لأنه لا يؤمن أن يضع الحديث على وفقها وهذا القول عزاه الخطيب للإمام أحمد بن حنبل وعزاه ابن الصلاح للأكثرين وقال إنه أعدل المذاهب وأولاها وتبعه النووي ونقل ابن حبان عن المحدثين الاتفاق عليه ( أما الذي ) لا يحرم الكذب على نفسه فلا يقبل كفر ببدعته أم لا وكذا من يحرم الكذب ويكفر ببدعته كالمجسمة فلا تقبل روايته جزما كما قاله ابن الصلاح ، وكلام الشارح مصرح بان الخلاف جار فيه وإن الأكثر على عدم قبوله لعظم بدعته والإمام الرازي واتباعه على قبوله لا من الكذب فيه لتحريمه .\r( ولا يشترط ) في الراوي الفقه فتقبل رواية غير الفقيه لقوله عليه السلام فرب حامل فقه غير فقيه خلافا للحنفية فيما يخالف القياس وقد تقدم تمثيله بحديث المصراة والجواب عنه ( ولا يشترط ) في الراوي عدم التساهل في غير الحديث النبوي فتقبل رواية المتساهل في غير الحديث المتحرز فيه لا من الخلل فيه فإن تساهل فيه ردت روايته كما جزم به النووي تبعا لابن الصلاح وقال في المحصول لا خلاف أنه لا يقبل ( وقيل ) ترد روايتة المتساهل مطلقا لأن التساهل في غير الحديث يجر إلى التساهل فيه نص عليه الإمام أحمد ، وتقبل أيضا رواية المكثر من الرواية وإن ندرت مخالطته للمحدثين بشرط إمكان تحصيل ذلك القدر الكثير الذي رواه في ذلك الزمان الذي خالط فيه المحدثين فإن لم يمكن تحصيله ردت من مروياته كلها لظهور كذبه في بعض مجهول المعنى ذكره في المحصول .","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"( وشرط الراوي العدالة ) أيضا وهي ملكة أي هيئة راسخة في النفس تمنع صاحبها من اكتساب الكبائر الآتي تفسيرها ومن اكتساب صغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف بتمرة ومن الرذائل الجائزة مباحة كانت كالأكل في السوق لغير سوقي أو مكروهة كالبول في الطريق فباكتساب فرد من أفراد ما تقدم تنتفي العدالة ، وخرج صغائر غير الخسة ككذبة لا يتعلق بها ضرر ونظرة إلى أجنبية فإن اقتراف الفرد منها لا ينفي العدالة ( ولابد ) من تحقق شرط العدالة فلا يقبل المجهول حاله باطناً ، وهو مستور العدالة لانتفاء تحقق شرطها خلافاً لأبي حنيفة وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية في قولهم بقبول المجهول باطناً اكتفاء بظن حصول الشرط وقال ابن الصلاح يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقدم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة ( وقال إمام الحرمين ) بوقف ما رواه المجهول باطناً عن قبوله ورده إلى أن يظهر حاله بالبحث عنه ( قال ) ويجب الانكفاف عما ثبت حله بالأصل إذا روى المجهول باطناً تحريمه إلى ظهور حاله احتياطاً واعترضه المصنف بأن الحل الثابت بالأصل لا يرفع بالتحريم المشكوك فيه كما لا يرفع استصحاب اليقين بالشك بجامع الثبوت في كل منهما ( وقال الزركشي ) حرمة الانكفاف محلها فيما إذا أمكن البحث عنه فلو فرض اليأس من ذلك فهذه مسألة اجتهادية والظاهر أنه لا يجب الانكفاف وتنقلب الإباحة كراهة انتهى ( أما المجهول ظاهراً ) وباطناً فمردود قال المصنف اجماعاً لانتفاء تحقق العدالة وظنها واعترض حكاية الاجماع بحكاية ابن الصلاح الخلاف وتبعه جماعة ( ومجهول العين ) مردود اجماعاً كذلك كقول الراوي حدثني رجل أو امرأة لما مر ( فإن وصف ) مجهول العين إمام من أئمة الحديث كالشافعي بالثقة كقوله حدثني الثقة فالوجه قبوله لتوثيقه وعليه إمام الحرمين لأن الظاهر أنه لا يصفه بالثقة إلا وهو كذلك في نفس الأمر خلافاً لأبي","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"بكر الصيرفي والخطيب البغدادي والماوردي والروياني في قولهم بعدم قبوله لاحتمال أن يكون فيه جارح لم يطلع عليه الواصف وأجيب بأن مثل الإمام الشافعي لا يخفى عليه مثل ذلك ( وإن قال مثل ) الشافعي أخبرني من لا اتهمه قبل كذلك خلافاً للصيرفي وغيره لما تقدم وعلى القبول يكون هذا اللفظ توثيقاً خلافاً للذهبي في قوله أنه نفي للإتهام فقط وليس توثيقاً ( قال المصنف ) في منع الموانع هو صحيح غير أن مثل هذا إذا صدر من مثل الشافعي محتجاً به على مسألة في دين الله فهو والتوثيق سواء في اصل الحجة وإن كان دونه في الرتبة ( وتقبل ) رواية من أقدم حال كونه جاهلاً على مفسق لمرتكبه لو لم يكن جاهلاً سواء كان مظنوناً كشرب النبيذ أو مقطوعاً كشرب الخمر على الأصح فيهما سواء أعتقد الإباحة أم لم يعتقد شيئاً لعذره بالجهل ( ومقابل الأصح ) وجهان أحدهما عدم القبول وان اعتقد الإباحة ، والثاني القبول في المظنون لا في المقطوع ( قال الولي ) أبو زرعة كان ينبغي أن يستثني من قبول المقطوع بفسقه المتدين بالكذب وقد استثناه الشافعي بقوله إلا الخطابية انتهى ، أما المقدم على المفسق عالماً بتحريمه أو ظانا له فلا يقبل قطعاً .","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"( وقد اضطرب ) العلماء في تعريف الكبيرة على أقوال ( فقيل هي ) ما ورد الوعيد الشديد عليه بخصوصه بنص الكتاب والسنة ( وقيل هي ) الذنب الموجب حداً ( قال الإمام الرافعي ) والأصحاب إلى ترجيح هذا أميل والأول ما يوجد لاكثرهم ، وهو الموافق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر إذ عدوا منها أكل مال اليتيم وعقوق الوالدين ونحوهما مع أنها لا توجب حداً واعتمد صاحب الحاوي الصغير الثاني لما مر عن الرافعي من أن الأصحاب إلى ترجيحه أميل ( وحكى الرافعي أيضاً ) عن أبي سعيد الهروي أنها ما نص الكتاب على تحريمه أو وجد في جنسه حد وترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين ( وقال الأستاذ ) أبو إسحاق الاسفرائيني هي كل ذنب مطلقاً ولا صغيرة في الذنوب نظراً إلى عظمة من عصى بالذنب وشدة عقابه فإن مخالفته لا تعتبر أمراً صغيراً وبه قال القاضي أبوبكر الباقلاني والإمام الرازي وابن القشيري وحكاه ابن فورك عن الأشاعرة وحكاه المصنف عن والده ( ولهذا يقال ) في تعريف العدالة هي ملكة تمنع من اكتساب أكبر الكبائر وكبائر الخسة لأن بعض الذنوب لا يقدح في العدالة اتفاقاً فالخلاف كما قال بعضهم راجع إلى التسمية لا الى المعنى ( وضبط إمام الحرمين ) ما يبطل العدالة من المعاصي بقوله في الإرشاد كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة انتهى ، وما نقله المصنف عن الإمام واختاره من ضبط الكبيرة بذلك فيه تسمح ( وقال الواحدي ) الصحيح أنها ليس لها حد يعرفه العباد بل أخفاها الله عنهم ليجتهدوا في اجتناب المناهي خشية الوقوع فيها كإخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر .\r( فمن الكبائر ) القتل عمداً أو شبه عمد كما صرح به شريح الروياني أما الخطأ فلا اشكال في أنه ليس بمعصية فضلاً عن كونه ليس كبيرة .\r( ومنها الزنا ) بالزاي والنون لقوله تعالى ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون .","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"( ومنها اللواط ) لأنه مضيع لماء النسل الوطء محرم كالزنا بل هو أفحش وقد أهلك الله قوم لوط بسببه كما قصه تعالى في كتابه العزيز .\r( ومنها شرب الخمر ) وإن لم تسكر لقلتها وهي المشتدة من ماء العنب وكل مسكر كالنبيذ قال عليه السلام ان على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال رواه مسلم ، أما شرب ما لا يسكر من غير الخمر لقلته فصغيرة كما ذكره الشارح لكن المقرر في الفروع أنه كبيرة أيضاً ( ومنها السرقة ) لما تبلغ قيمته بربع مثقال أما سرقة القليل فصغيرة قال الحليمي إلا إذا كان المسروق منه مسكيناً لا غنى به عن ذلك فتكون كبيرة .\r( ومنها الغصب ) للوعيد عليه بقوله عليه السلام من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين ، ولعن فاعله بقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله من غير منار الأرض أو سرق منار الأرض وقيده العبادي وشريح الروياني وغيرهما بغصب ما قيمته ربع دينار ويأتي فيما دونه ما سبق عن الحليمي فيما إذا كان المغصوب مسكيناً فيكون غصب التافه منه كبيرة .\r( ومنها القذف ) وهو الرمي بالزنا في معرض التعيير قال الله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ( قال الحليمي ) قذف الصغيرة المملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الايذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة غير المتهتكة ( وقال ابن عبد السلام ) قذف المحصن في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله تعالى والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة ( قال الزركشي ) وإنما يظهر ذلك في الصادق دون الكاذب لجراءته على الله تعالى ( وقال البلقيني ) الظاهر أنه كبيرة مطلقاً أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه فمباح ، وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب .","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"( ومنها النميمة ) وهي نقل الكلام من بعض إلى بعض على وجه الإفساد بينهم قال تعالى مشاء بنميم ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة نمام رواه الشيخان ، أما نقل الكلام على وجه النصح للمنقول إليه كاخبار من عزم على قتله بغير حق بذلك فواجب ( وأما الغيبة ) وهي ذكر الشخص أخاه بما يكره وإن كان فيه فقال صاحب العدة أنها صغيرة وأقره الرافعي ومن تبعه لعموم لابلوى بها فقل من يسلم منها، ونقل بعض المتأخرين عن نص الشافعي أنها كبيرة ، ونقل القرطبي في تفسيره أنها كبيرة لا خلاف ، وتباح الغيبة في مواضع مذكورة في كتب الفروع .\r( ومنها شهادة الزور ) وهي الكذب على المشهود عليه ، ولو كان الثابت بها فلسا لعده صلى الله عليه وسلم إياها من الكبائر في حديث وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان .\r( ومنها اليمين الفاجرة ) قال صلى الله عليه وسلم من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقى الله تعالى وهوعليه غضبان رواه الشيخان وفي الصحيح من اقتطع حق مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار قيل يا روسل الله ولو كان يسيرا فقال ولو كان قضيباً من أراك .\r( ومنها قطيعة الرحم ) اي القرابة من جهة الأب أو من جهة الأم بلا تقييد بالمحرمية قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قاطع رحم رواه الشيخان .\r( ومنا عقوق الوالدين ) لعده صلى الله عليه وسلم إياه في حديث من الكبائر ، وفي حديث من أكبر الكبائر رواهما الشيخان .\r( ومنها الفرار من الزحف ) لعده صلى الله عليه وسلم إياه من السبع الموبقات رواه الشيخان ، وفي التنزيل ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير نعم يجب إذا علم أنه ثبت يقتل من غير نكاية في العدو لانتقاء اعزاز الدين بثباته .","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"( ومنها أكل مال اليتيم ) لقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا الآية ، ولعده صلى الله عليه وسلم إياه من السبع الموبقات .\r( ومنها الخيانة ) في الكيل والوزن والذرع في غير الشيء التافه قال الله تعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون والذرع مقيس عليهما ( قال الزركشي ) ومطلق الخيانة أيضاً من الكبائر قال تعالى إن الله لا يحب الخائنين .\r( ومنها تقديم الصلاة على وقتها ) وتأخيرها عن وقتها من غير عذر يبيح ذلك كالسفر ونحوه لقوله صلى الله عليه وسلم من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر رواه الترمذي وتركها أولى بذلك .\r( ومنها الكذب ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله عليه الصلاة والسلام من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعهده من النار رواه الشيخان وقال الشيخ أبو محمد الجويني أن الكذب عليه كفر لكن قال الزركشي لا شك أن تعمد الكذب به عليه عليه السلام في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض وإنما الخلاف في سوى ذلك ويقاس عليه الكذب على سائر الأنبياء قاله شيخ الإسلام أما الكذب على غيرهم فصغيرة .\r( ومنها ضرب المسلم بغير حق ) كما نقله الرافعي عن صاحب العدة قال صلى الله عليه وسلم صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس الحديث رواه مسلم .\r( ومنها سب الصحابة ) رضوان الله عليهم قال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي الحديث رواه الشيخان وقال في حديث آخر رواه مسلم لا تسبوا أحداً من أصحابي أما سب واحد من غيرهم فصغيرة .\r( ومنها كتمان الشهادة ) لقوله تعالى ومن يكتمها إنه آثم قلبه .","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"( ومنها أخذ الرشوة ) وهي أن يأخذ مالاً ليحق باطلاً أو يبطل حقاً لقوله صلى الله عليه وسلم لعنة الله على الراشي والمرتشي رواه ابن ماجه وغيره أما بذل المال لمن يتكلم مع السلطان مثلاً في جائز فجعالة جائزة .\r( ومنها الدياثة ) وهي استحسان الرجل على أهله وفي أصل الروضة عن التتمة أن الديوث من لا يمنع الناس عن الدخول على زوجته قال صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يدخلون الجنة وعد منهم الديوث ( ومنها القيادة ) قياساً على الدياثة وهي استحسان الرجل على غير أهله وفي اصل الروضة ويشبه أن لا تختص بالأهل بل هي الجمع بين الرجال والنساء في الحرام فهي على هذا أعم من الدياثة .\r( ومنها السعاية ) وهي أن يذهب إلى ظالم ليؤذي مسلماً بما يقوله له في حقه وإن كان صادقاً وفي حديث الساعي مثلث أي مهلك بسعايته نفسه والمسعي به وإليه .\r( ومنها منع الزكاة ) عنادا لا جحد لوجوبها فإن جحدها كفر قال عليه السلام ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فاحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره الحديث رواه الشيخان .\r( ومنها اليأس من رحمة الله تعالى) بمعنى استبعادها لا إنكار سعة رحمته تعالى فإنه كفر كما قال تعالى أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .\r( ومنها أمن مكر الله تعالى) بالاسترسال في المعاصي والاتكال على العفو قال تعالى فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .\r( ومنها الظهار ) وهو تشبيه الرجل زوجته ببعض محارمه في التحريم قال تعالى فيه وأنهم ليقولون منكراً من القول وزورا .\r( ومنها أكل لحم الخنزير ) وأكل الميتة لغير ضرورة قال تعالى حرمت عليكم الميتة ولحم الخنزير الآية .\r( ومنها فطر رمضان ) من غير عذر لأن صومه من أركان الإسلام وفي الحديث من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر .","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"( ومنها الغلول ) قال أبو عبيدة هو الخيانة من الغنيمة وقال الأزهري وغيره هو الخيانة من بيت المال أو زكاة أو غنيمة قال تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة وقال أحمد ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا الغال وقاتل نفسه .\r( ومنها محاربة الله ) وهي قطع الطريق على المارين بإخافتهم قال تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية .\r( ومنها السحر ) لعده صلى الله إياه من السبع الموبقات .\r( ومنها الربا ) وهو معروف وفي الصحيح عده صلى الله عليه وسلم له من السبع الموبقات وفي التنزيل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ومثل الكبيرة في إسقاط العدالة إدمان الصغيرة أي المواظبة عليها من نوع واحد أو من أنواع نقل الرافعي عن الجمهور أن من غلبت طاعاته معاصيه كان عدلاً ومن غلبت معاصيه طاعته كان مردود الشهادة وسكت عن استوائهما لأنه لا يكاد يتحقق ( والكبائر ) غير منحصرة فيما ذكر وقد قال ابن عباس فيما رواه الطبري عنه هي إلى السبعين أقرب وسعيد بن جبير هي إلى السبعمائة أقرب أي باعتبار أصناف أنواعها .","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"الترياق النافع بإيضاح وتكميل مسائل جمع الجوامع\rللعلامة السيد\rأبي بكر بن عبدالرحمن بن شهاب\r\rالطبعة الأولى\rبمطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة بمحروسة\rحيدر أباد الدكن عمرها الله إلى أقصى الزمن\rسنة ( 1317 ) هجرية .","part":2,"page":1},{"id":280,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r(مسألة في الفرق بين الرواية والشهادة وتعريفها ؟)\r( فالرواية ) هي الإخبار عن شيء عام لكل الناس لا ترافع فيه إلى الحكام غالباً وذلك كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إنما الأعمال بالنيات)) * فإن معناه لا يختص بأحد * ومن غير الغالب ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره كأجزاء العناق عن أبي بردة في الأضحية فإنه مختص بمعين (و ما في المروي ) من أمر ونهي وتنبيه قال القاضي أبو بكر الباقلاني: يرجع إلى الخبر بالإضافة إلى نقلتها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة يخبر عن الله بأنه قال: { أقيموا الصلاة } وبأنه قال: { ولا تقربوا الزنا } * وتارة يقول افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا والصحابة يخبرون أنه قال ذلك والتابعون يخبرون أن الصحابة أخبروا عنه وهلم جرا\r(والشهادة: ) هي الإخبار بلفظ أشهد عن خاص ببعض الناس يمكن الترافع فيه إلى الحكام كقول القائل: أشهد بأن لفلان على فلان كذا وخرج بلفظ أشهد المزيد على تعريف المصنف الدعاوي والأقارير فإن كلا منهما خاص ببعض الناس يمكن الترافع فيه إلى الحكام لكن لا بلفظ أشهد ( وأختلف ) في قول القائل: أشهد بكذا. هل هو إنشاء تضمن الأخبار بالمشهود به أو محض أخبار أو محض إنشاء ؟\r( فالأول ) وهو مختار المصنف ناظر إلى اللفظ لوجود مضمونه في الخارج به وهو تأدية الشهادة عند الحاكم فهو إنما وجد في الخارج بلفظ أشهد وناظر أيضا إلى متعلقه وهو المشهود به وهو خبر لصدق حد الخبر عليه ( والثاني ) ناظر إلى المتعلق فقط وهو المشهود به وهو ظاهر كلام أهل اللغة * قال ابن فارس في المجمل: الشهادة خبر عن علم وقال الإمام الرازي قوله أشهد إخبار عن الشهادة وهي الحكم الذهني المسمى كلام النفس ( والثالث ) ناظر إلى اللفظ فقط وإليه ميل القرافي وهو التحقيق كما قاله الشارح وغيره لأنه المعنى الموضوع له اللفظ دون المتعلق ولا تنافي بين الأقوال الثلاثة إذ لم تتوارد على محل واحد لأن كل قائل بمذهب نظر إلى ما لم ينظر إليه غيره فلا خلاف في المعنى .\r( وصيغ العقود ) كبعت واشتريت والفسوخ كطلقت وأعتقت إنشاء لوجود مضمونها في الخارج بها نقلها الشارع عن معناها اللغوي وهو الإخبار إلى الإنشاء خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن الصيغ المذكورة أخبار على أصله فلا يكون التلفظ بها صادقا إلا بتقدير وجود مضمونها من البيع والطلاق ونحوهما قبيل التلفظ ( هكذا أعزاه المصنف ) عن أبي حنيفة وسكت عنه الشارح لكن قال الولي أبو زرعة: في حكايته عنه نظر فإنه لا يعلم له فيه نص وقد أنكره القاضي شمس الدين السروجي وقال: لا أعرفه لأصحابنا والمعروف عندهم إنها أنشاآت ( واختلف ) في إشتراط العدد في الجرح والتعديل .","part":2,"page":2},{"id":281,"text":"( فقال القاضي ) أبوبكر الباقلاني: يثبت الجرح والتعديل بواحد في الرواية والشهادة نظر إلى أن ذلك خبر ( وقيل يثبتان ) بواحد في الرواية لا في الشهادة نظرا للتناسب فيهما فإن الواحد يقبل في الرواية دون الشهادة حكاه الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين ورجحه الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما قال العلامة البناني: وهذا هو المعتمد ( وقيل لا يثبتان ) بواحد فيهما نظرا إلى أن ذلك شهادة فلابد فيه من العدد ( وقال القاضي ) أبوبكر الباقلاني أيضا: يكفي في الجرح والتعديل الإطلاق فلا يحتاج إلى ذكر الجارح والمعدل سببهما في الرواية والشهادة اكتفاء بعلم الجارح والمعدل به * هكذا نقله المصنف عن القاضي تبعا للإمام والآمدي ونقل عنه إمام الحرمين والغزالي في المنخول القول واشتراط بيان سبب التعديل دون الجرح والموجود في مختصر التقريب له ذكر سبب الجرح دون التعديل ( وقيل لا يكفي ) الإطلاق بل يذكر الجارح والمعدل سبب الجرح والتعديل لاحتمال أن يجرح بما ليس بجارح وأن يعدل من هو مجروح باطنا ( وقيل ) بذكر المعدل سبب التعديل ولا يذكر الجارح سبب الجرح لأن مطلق التعديل لا يحصل العدالة لجواز الاعتماد في التعديل على الظاهر ومطلق الجرح يبطل الثقة ( وعكس الشافعي ) رضي الله عنه ذلك فقال يذكر سبب الجرح لا سبب التعديل لأن سبب الجرح مختلف فيه دون سبب التعديل وما قاله الشافعي هو مختار المصنف في الشهادة وأما الرواية فيكفي فيها إطلاق الجرح والتعديل إذا عرف مذهب الجارح من أنه لا يجرح إلا بقادح تنزيلا لذلك منزلة ذكر السبب ولا يكتفي بمثل ذلك في الشهادة لتعلق الحق فيها بالمشهود له .","part":2,"page":3},{"id":282,"text":"( ونقل ابن الحاجب ) وغيره عن الإمام الرازي وإمام الحرمين القول بأنه يكفي إطلاق الجرح والتعديل من العالم بسببهما فلا يكفي من غير العالم به واعترضهم في المتن بأنه هو رأي القاضي المتقدم عينه إذ لا تعديل ولا جرح إلا من العالم بالسبب فلا ينبغي أن يذكر معه ( وإذا تعارض ) الجرح والتعديل فالجرح مقدم على التعديل أن زاد عدد الجارح على عدد المعدل إجماعا للإطلاع على زيادة لم ينفها المعدل وكذا أن تساوى عدداهما أو كان الجارح أقل من عدد المعدل لإطلاع الجارح على مالم يطلع عليه المعدل ( نعم ) جزم النووي في المنهاج تبعا لأصله أنه لو أطلع المعدل على سبب الجرح وعلم توبته منه قدم على الجارح انتهى * ومثله ما لو عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق معتبر بأن قال الجارح قتل فلانا ظلما يوم كذا فقال المعدل: رأيته حياً بعد ذلك أو كان القاتل في ذلك الوقت عندي فإنهما يتعارضان. ذكره الولي أبو زرعة ( وقال ابن شعبان ) المالكي: يطلب الترجيح فيما إذا تساويا أو كان الجارح أقل .\r( ثم التعديل ) يكون صريحا كما تقدم أو ضمنيا فمن التعديل الضمني لشخص حكم مشترط العدالة بشهادة الشخص إذ لو لم يكن عدلا عنده لما حكم بشهادته فالحكم يتضمن عدالته بل قال القاضي إنه أقوى من التعديل ( ومنه أيضا ) عمل العالم المشترط العدالة في الراوي برواية شخص فإنه تعديل لذلك الشخص في الأصح وإلا لما عمل بروايته وهو أدون من الذي قبله في العدالة ( قال العلامة البناني: ) قال السيوطي: المصحح في كتب الحديث خلافه وإنه ليس تعديلا للراوي ولا تصحيحا المروي وبه جزم النووي في التقريب تبعا لابن الصلاح انتهى ( وقيل ) ليس عمل العالم بروايته الراوي تعديلا لجواز أن يكون العمل بروايته احتياطا وهذا هو الموافق لما نقله السيوطي ( ومن التعديل ) رواية من لا يروي إلا عن عدل بأن صرح بذلك أو استقرى من عادته كشعبة ومالك ويحيى القطان فروايته تعديل للمروي عنه .","part":2,"page":4},{"id":283,"text":"( وقيل لا ) لجواز أن يترك عادته ( وليس ) من جرح الشخص ترك العالم العمل بمرويه وترك الحاكم الحكم بمشهوده لجواز أن يكون الترك فيهما لمعارض وهاتان المسألتان عكس المسألتين قبلهما وهما عمل العالم بروايته والحكم بشهادته .\r( وليس من الجرح ) حد الشخص لشهادة الزنا بأن لم يكمل نصابها لأنه النقص نصاب الشهادة لا لمعنى في الشاهد ولا حده فيما اختلف فيه من المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ ولهذا قال الشافعي أُحِدُ شَارِبَهُ وأقبل شهادته وكنكاح المتعة لجواز أن يعتقد الإباحة فيهما .\r( وليس من الجرح ) في شخص تدليسه في الشيوخ المروى عنه بتسمية غير مشهورة حتى لا يعرف إذ لا خلل أما التدليس في المتون فإنه قادح كما سيأتي وقال ابن السمعاني: إلا أن يكون بحيث لو سئل عن اسم الشيخ المشهور لم يبينه فإن صنيعه حينئذ جرح له لظهور الكذب فيه وأجيب بمنع ذلك فالأظهر ترك الاستثناء .","part":2,"page":5},{"id":284,"text":"( وليس من الجرح ) التدليس بإعطاء الراوي شخصا اسم شخص آخر تشبيها له به كقول المصنف في بعض تصانيفه: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ يعني به شيخه شمس الدين الذهبي تشبيها له بالحاكم كما يقول البيهقي: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ يعني به شيخه الحاكم لظهور المقصود ببعد عصر المصنف من عصر الحاكم ( وليس من الجرح ) التدليس بإيهام اللقي وهو من تدليس الإسناد الذي هو إسقاط الراوي شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه كقول من عاصر الزهري مثلا وسمع ممن سمع منه قال الزهري: كذا أما إذا لم يعاصره فهو إرسال وهو إرسال مقبول ولا التدليس بإيهام الرحلة كقول الشخص حدثنا فلان وراء النهر موهما نهر جيحون ببلخ والمراد نهر مصر كأن يكون بالجيزة مثلا لأن ذلك من المعاريض ولا كذب فيه ( أما تدليس متون ) الحديث وهو إدراج الراوي كلامه في كلامه صلى الله عليه وآله وسلم أوله أو وسطه أو آخره بحيث لا يتميزان فجارح لإيهامه أن الجميع من المدرج والمدرج فيه كلامه صلى الله عليه وآله وسلم فيوقع غيره في الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .","part":2,"page":6},{"id":285,"text":"( مسألة ) الصحابي من اجتمع حال كونه مؤمنا بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتماعا متعارفا في حياته ومات مؤمنا ذكراً كان أو أنثى بصيرا كان أو أعمى حرا كان أو عبدا صغيرا كان أو كبيرا وإن لم يرو عنه شيئا ولم يطل اجتماعه به ( فخرج ) من اجتمع به كافراً ومن اجتمع به من الأنبياء ليلة الإسراء ومن اجتمع به من الملائكة ومن رآه بعد وفاته ومن مات مرتداً كعبد الله بن خطل فليسوا بصحابيين وهل يشترط التمييز في الصحابي كما يشعر به لفظ الاجتماع أم لا ؟ وعلى الأول لا يدخل في الصحابي من حنَّكه صلى الله عليه وآله وسلم من الأطفال كعبد الله بن الحارث بن نوفل أو مسح على وجهه كعبد الله بن ثعلبة وهو ظاهر كلام ابن معين وأبي حاتم وابن داود وغيرهم القائلين بأن لهم رؤية وليس لهم صحبة * وعلى الثاني وهو عدم اشتراط التمييز يعدان هما وأمثالهما من الصحابة واختاره البرماوي وغيره ( وقيل يشترط ) في صدق اسم الصحابي الرواية وإطالة الاجتماع نظرا في الأول إلى أن المقصود من صحبة النبي عليه الصلاة والسلام تبليغ الأحكام وفي الثاني إلى العرف ( وقيل يشترط ) إطالة الاجتماع فقط ( وقيل ) تشترط الرواية فقط ولو لحديث واحد كما حكاه بعض المتأخرين ( وقيل ) يشترط في صدق اسم الصحابي أحد أمرين إما الغزو معه عليه السلام أو مضي سنة على الاجتماع به وهذا القول محكي عن سعيد بن المسيب وعليه يلزم إخراج مثل جرير بن عبدالله ووايل بن حجر ومعاوية بن الحكم وغيرهم ممن لم يشهد معه غزوا ولا أقام معه سنة مع إن الاجماع على عدهم من الصحابة ( قلت ) المسألة لفظية لأن لكل قوم ومقام عرفا واصطلاحا ولا مناقشة فيه ولو أريد المعنى اللغوي لدخل في التعريف كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو كافرا قال تعالى { وما صاحبكم بمجنون } .","part":2,"page":7},{"id":286,"text":"( وأما التابعي ) وهو صاحب الصحابي فلا يكفي في صدقه اجتماعه بالصحابي من غير مخالطة وإطالة للاجتماع به نظراً للعرف في الصحبة هذا مذهب جماعة منهم الخطيب البغدادي والذي عليه العمل عند أهل الحديث ورجحه ابن الصلاح وتبعه النووي أنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم يطل الصحبة * والفرق بين اشتراط طول الصحبة في التابعي وعدمها في الصحابي أن اجتماع الصحابي بالنبي ولو مرة يؤثر من النور القلبي المودي إلى انطباع القلب على الاستقامة أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي من الأخيار فالأعرابي الجلف بمجرد ما يجتمع بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا ينطق بالحكمة ببركة رؤية وجهه صلى الله عليه وآله وسلم ( ولو ادعى الشخص ) العدل المعاصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم صحبته للنبي قبلت دعواه كما قاله القاضي أبوبكر الباقلاني ووافقه المصنف لأن عدالته تمنعه من الكذب في ذلك وقال أبوبكر الصيرفي: لا تقبل دعواه كما لو قال أنا عدل فإنه لا تقبل دعواه العدالة قال البرماوي وعلى ذلك النووي تبعا لابن الصلاح .","part":2,"page":8},{"id":287,"text":"( والأكثر من العلماء ) على أن الصحابة كلهم عدول فلا يبحث عن عدالتهم رواية ولا شهادة وادعى الجويني الإجماع على ذلك لما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم كتابا وسنة كقوله تعالى { كنتم خير أمة } وقوله تعالى (والذين معه أشداء علىالكفار رحماء بينهم ) وقوله عليه الصلاة والسلام ((خير القرون قرني )) ومع ذلك فمن طرأ له منهم قادح كسرقة أو زنا عمل بمقتضاه وقيل هم كغيرهم فيبحث عن عدالتهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها ( وقيل كلهم عدول ) إلى حين قتل عثمان رضي الله عنه لوقوع الفتن بينهم من حين قتله ومنهم الممسك عن خوضها كابن عمرو والخايض على وجه سايغ لم يفارق فيه الحق كعلي كرم الله وجهه والمخطئ كمعاوية فيبحث عن عدالتهم من حينئذ ( وقيل كلهم عدول ) إلا من قاتل عليا كرم الله وجهه فهم فساق لخروجهم على الإمام الحق ورد باحتمال أنهم مجتهدون في قتالهم له كما سيأتي في العقائد إن شاء الله قال العلامة ابن قاسم: لا يخفى أنه لم يصل كلهم حد الاجتهاد لأن الصحابة تنقسم إلى مجتهدين وعوام وحينئذ فيمكن أن يقال من كان مجتهدا فذاك وإلا فهو فاسق انتهى .\r( مسألة ) المرسل في اصطلاح الأصوليين هو قول غير الصحابة من الرواة تابعيا كان أو من بعده قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذا مسقطا الواسطة بينه وبين النبي عليه السلام ( وأما في اصطلاح المحدثين ) فهو قول التابعي فقط قال النبي كذا فإن كان القائل قال رسول الله من تابع التابعين فمنقطع أو ممن بعدهم فمعضل كذا ذكره الشارح وفيهما عند أهل الحديث أقوال غير هذا ( وفهم ) مما مر أن رواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا توصف بالارسال وإن لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو كذلك من حيث الحكم كما سيأتي أما الصورة فإذا روى قضية لم يدركها فيه مرسلة.","part":2,"page":9},{"id":288,"text":"( واختلف في حجية المرسل ) في اصطلاح الأصوليين فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه واختاره الآمدي يحتج به مطلقا أي سواء كان المرسل له من أئمة النقل وهم الذين لقوا جمعا كثيرا من الصحابة كسعيد بن المسيب والشعبي أو كان من غيرهم وهو من لم يلق من الصحابة إلا واحدا أو اثنين كأبي حازم * قالوا لأن العدل لا يسقط الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا وهو عدل عنده وإلا كان ذلك تلبيسا قادحا فيه ( وقال عيسى ) ابن أبان: واختاره ابن الحاجب وصاحب البدائع إن كان مرسله من أئمة النقل احتج به وإلا فلا .\r( ثم الحديث ) المرسل على القول بالاحتجاج به أضعف من الحديث المسند فلو تعارضا قدم المسند عليه خلافا لقوم من الحنفية في قولهم أنه أقوى من المسند قالوا لأن العدل لا يسقط إلا من يجزم بعدالته بخلاف من يذكره فيحيل الأمر فيه على غيره وأجيب بمنع ذلك .","part":2,"page":10},{"id":289,"text":"( والصحيح رد الاحتجاج ) بالمرسل وعليه الجمهور منهم الإمام الشافعي والقاضي الباقلاني وكذا أهل العلم بالأخبار كما قاله مسلم في صدر صحيحه للجهل بعدالة الساقط نعم إن عرف من عادة المرسل أنه لا يروي إلا عن عدل كسعيد ابن المسيب وأبي سلمة فإنهما لا يرويان إلا عن أبي هريرة قبل مرسله للعلم بأن المسقط أبو هريرة وهو حينئذ في حكم المسند فيقبل كذا قاله المصنف: وأقره الشارح وغيره ( لكن قال النووي ) في الإرشاد اشتهر عند أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي وليس كذلك وإنما قال الشافعي كما في مختصر المزني وإرسال ابن المسيب عندنا حسن فذكر صاحب التهذيب وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في معنى كلامه وجهين أحدهما أن مراسليه حجة لأنها فتشت فوجدت مسنايد * والثاني ليس بحجة بل هي كغيرها وإنما رجح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح وحكاه الخطيب ( ثم قال ) والصحيح عندنا الثاني لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح وذكر البيهقي نحوه قال: فإن الشافعي لم يقبل مراسيل ابن المسيب حيث لم يجد لها ما يؤكدها وإنما يزيد ابن المسيب على غيره أنه أصح الناس إرسالا فيما زعم الحافظ ( قال النووي ) فهذا كلام الخطيب والبيهقي وهما في معرفة نصوص الشافعي بمكان * وأما قول القفال في شرح التلخيص قال الشافعي مرسل ابن المسيب عندنا حجة فهو محمول على ما قاله الخطيب والبيهقي انتهى من الغيث ( وإن عضد ) مرسل كبار التابعين وهم أئمة النقل كقيس ابن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وأبي رجاء العطاردي ضعيف لا يصلح للاحتجاج به على انفراده ويصلح للترجيح بإنضامامه إلى غيره كفعل صحابي أو قوله أو قول الأكثر من علماء غير الصحابة أو إرسال من شخص يروي عن غير شيوخ الأول أو قياس في معنى الأصل * أو انتشار له من غير نكير أو عمل جل أهل العصر على وفقه كان المجموع من المرسل والعاضد له حجة كما قاله الشافعي رحمه الله لا مجرد المرسل وحده ولا مجرد ما","part":2,"page":11},{"id":290,"text":"ضم إليه لضعف كل منها على انفراده ولا يلزم من ذلك ضعف المجموع لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن قال الشاعر :\rلا تقابل بواحد أهل ب\rضعيفان يغلبان قويا?\rأما مرسل صغار التابعين وهم من لم يلق من الصحابة إلا واحدا أو اثنين وإن أكثر الرواية عن التابعين كالزهري فباق على الرد مع العاضد لشدة ضعفه ( وإذا تجرد ) المرسل عن العاضد وكان مدلوله يدل على المنع من شيء مباح فالأظهر وجوب الانكفاف عن ذلك الشيء لأجل المرسل احتياطا لأنه يحدث شبهة توجب التوقف ( وقيل لا يجب ) الانكفاف لأنه والحالة هذه ليس بحجة حكى الأول عن الشافعي الماوردي والثاني البيهقي .","part":2,"page":12},{"id":291,"text":"( مسألة ) الحديث المتعبد بلفظه كالأذان والتشهد والتكبير والتسليم وما هو من جوامع الكلم التي أوتيها عليه الصلاة والسلام نحو الخراج بالضمان العجماء جبار لا يجوز نقلها بغير ألفاظها إجماعا واختلفوا فيما سوى ذلك ( قال أكثر العلماء ) ومنهم الأئمة الأربعة يجوز نقل الحديث بالمعنى للعارف بمدلول اللفظ الوارد واللفظ المأتي به بدله وبمواقع الكلام أي الأغراض والأحوال الداعية إلى إيراد الكلام على وفقها ومقتضاها بحيث يأتي بلفظ بدل لفظ النبي مساو له في المعنى جلاء وخفاء من غير زيادة ولا نقص فيه لأن المقصود المعنى واللفظ آله وروى ابن مندة في معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن سليمان بن أكثمة الليثي قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أوديه كما أسمعه منك يزيد حرفا أو ينقص حرفا فقال: ((إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا أما غير العارف فلا يجوز له تغيير اللفظ قطعا ( ولا فرق ) في الجواز بين الناسي للفظ وغيره ( وقال الماوردي ) في الحاوي يجوز نقل الحديث بالمعنى أن نسي اللفظ فإن لم ينسه فلا يجوز لفوات فصاحة كلام النبي ( وقيل يجوز ) إن كان مقتضى الحديث اعتقاد كحديث مسلم ((لن يرى أحدكم ربه حتى يموت)) فتجوز روايته لن يبصر فإن كان مقضتاه عملا فمنه مالا يجوز الإخلال بلفظه كحديث أبي داود وغيره تحليلها التكبير وتحريمها التسليم وحديث الصحيحين خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم الحديث حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا وقيل يجوز إبداله بلفظ مرادف مع بقاء التركيب وموقع الكلام على حاله وعليه الخطيب البغدادي .","part":2,"page":13},{"id":292,"text":"( وقال محمد بن سيرين ) وأحمد بن يحيى وثعلب وأبو بكر الرازي الحنفي نقل الحديث بمعناه ممنوع مطلقا ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر رضي الله عنهما حذراً من التفاوت وإن ظن الناقل عدمه واختلف في جواز رواية مصنفات العلماء بالمعنى فمنعه ابن الصلاح مطلقا وابن دقيق العيد إن أدى لتغيير شيء من التصنيف .\r( مسألة ) أعلى الصيغ التي يعبر بها الصحابي فيما ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بلفظ صريح في الاتصال كحدثني وأخبرني وسمعته يقول ونحوها وهذه لا خلاف في الاحتجاج بها وإنما الخلاف فيما يأتي * فيحتج بقول الصحابي قال صلى الله عليه وآله وسلم على الصحيح لأنه ظاهر في سماعه منه ( وقيل لا يحتج به ) لاحتمال أن يكون بينه وبينه واسطة غير صحابي أو صحابي وقلنا بالبحث عن عدالة الصحابة وكذا ويحتج بقوله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال كذا على الأصح عند ابن الصلاح والبيضاوي والصفي الهندي والآمدي وغيرهم * وفي المحصول لم يذكر ترجيحا لأحد الوجهين ومقتضى كلامه أن مقابل الأصح هنا التوقف لا الجزم بالمنع ( وقيل ) لا يجوز لظهروه في الواسطة ( وكذا يحتج ) بقوله سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بكذا أو نهى عن كذا وبقوله أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وأوجب كذا وحرم كذا أو رخص في كذا ببناء أمرنا وما بعده للمفعول لظهور أن الفاعل في الجميع هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبه قال الجمهور .\r( وقيل لا يحتج ) بذلك لاحتمال أن يكون الآمر أو الناهي بعض الولاة والموجب والمحرم والمرخص قائل ذلك استنباطا .\r( ويحتج أكثر العلماء ) ومنهم الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما بقول الصحابي من السنة كذا لظهروه في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( وقيل ) لا لجواز إرادة سنة الخلفاء أو سنة البلد وبه قال الصيرفي والكرخي .","part":2,"page":14},{"id":293,"text":"( واحتج الأكثر أيضا ) لكن دون ما قبله بقول الصحابي كنا معاشر الناس أو كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وآله وسلم كذا ( ثم دونه ) في الرتبة قوله كنا نفعل كذا في عهده عليه السلام لأن الكل ظاهر في تقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( وقيل ) لا لجواز أن لا يعلم به ( فبقوله ) كان الناس يفعلون فبنحو قول عائشة: كانوا لا يقطعون اليد في سرة الشيء التافه لظهور قوله لا يقطعون في جميع الناس الذي هو إجماع وقيل لا لجواز إرادة أناس مخصوصين .\r( خاتمة في مراتب التحمل وألفاظ التأدية )\rالغائب في مستند الصحابة رضوان الله عليهم السماع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومستند غير الصحابي في الرواية قراءة الشيخ عليه إملاء وتحديثا وهذه المرتبة هي الغاية في التحمل لأنها طريقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كان يحدث أصحابه وهم يسمعون وهي أبعد عن الخطاء والسهو وللتلميذ في هذه المرتبة أن يقول حدثني وأخبرني وأسمعني وسمعته يقول ويحدث .\r( وبعدها ) قراءة التلميذ على الشيخ وهو يسمع وأكثر المحدثين يسمون هذا عرضا وهي طريق صحيحة ورواية معمول بها وقد عرض همام بن ثعلبة شعائر الإسلام التي سمعها من رسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه وهو يصدقه على ذلك ( واشترط ) إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ لحن أو تحريف لرده الشيخ وتقديم المصنف السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه وهو الصحيح لما مر وحكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق (وقيل) أن القراءة عليه أعلى وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ذئب وحكاه ابن فارس والخطيب عن مالك وحكى أيضا عن ابن جريج والليث ابن سعد وغيرهم .\r( وقيل ) أنهما سواء وهو المشهور عن مالك وأصحابه وإليه ذهب معظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وحكاه الصيرفي في كتاب الدلائل عن الشافعي ويقول التلميذ في هذه الطريقة قرأت على فلان أو أخبرني أو حدثني قراءة عليه .","part":2,"page":15},{"id":294,"text":"( وبعدها سماعه ) قراء غيره على الشيخ من كتاب أو حفظ قال الولي أبو زرعة في الغيث وجعل المصنف هذا قسما غير الذي قبله فيه نظر فالحق أنه قسم منه .\r( وبعدها المناولة ) مع الإجازة كأن يدفع الشيخ لتلميذه صحيفة ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني قال القاضي عياض: تجوز الرواية بهذه الطريقة بالإجماع وروى عن مالك وأحمد أن هذه كالسماع ( ويقول ) التلميذ في هذه ناولني فلان كذا أو أجازني بما فيه أو أخبرني لو حدثني مناولة فإن اقتصر على أخبرني أو حدثني امتنع في الأصح ( ومثلها الكتابة ) المقترنة بالإجازة صحة وقوة كان يكتب الشيخ إلى التلميذ سمعت من فلان كذا وقد أجزت لك أن ترويه عني وكان خط الشيخ معروفا أما إذا تجردت عن الإجازة كانت أقوى وهي عند كثير من المتقدمين بمنزلة السماع وبذلك جزم في المحصول وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبلغ بالكتاب إلى الغائبين كما يبلغ بالخطاب للحاضرين ويقول التلميذ كتب إلي أو أخبرني كتابة .\r( وبعدها الإجازة ) من غير مناولة ولا كتابة وهي أنواع ولأقواها الإجازة لراوٍ خاص في مروي خاص كأجزت لك أو لفلان أو لجمع عينهم في رواية كذا وتليها الإجازة لراو خاص في مروي عام نحو أجزت لك رواية جميع مسموعاتي ( فالإجازة ) لراو عام في مروي خاص نحو أجزت لمن أدركني رواية مسلم مثلا ( فالإجازة ) لراو عام في مروي عام نحو أجزت لمن عاصرني رواية جميع مروياتي .\r( فالإجازة ) لفلان ومن سيوجد من نسله تبعا له .\r( وبعد الإجازة ) في الصحة والقوة المناولة من غير إجازة بأن يناول الشيخ تلميذه الكتاب ويقول هذا سماعي وهذه الطريقة بالغ النووي وغيره في رد جواز الرواية بها فقال: لا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون وعابوا المحدثين المجوزين لها .","part":2,"page":16},{"id":295,"text":"( وبعدها الأعلام ) كان يقول هذا الكتاب من مسموعاتي على فلان وجواز الرواية بالإعلام هو ما قاله كثير من أهل الحديث والفقه والأصول والذي نقله النووي كابن الصلاح عن غير واحد من المحدثين وقال أنه الصحيح أنه لا تجوز الرواية به قاله ابن قاسم .\r( وبعده الوجادة ) كان يجد كتابا أو حديثا بخط شيخ معروف قال النووي: وأما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء والمالكيين وغيرهم أنه لا يجوز وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذا الزمان غيره ( ومنع إبراهيم بن إسحاق ) الحربي والحافظ ابن حبان الأصفهاني والقاضي الحسين والماوردي الإجازة بأقسامها السابقة قالوا: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة ورواه الربيع عن الشافعي ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك وحكى عن أبي حنيفة أيضا (ومنع قوم الإجازة العامة ) منها سواء كان العموم في الراوي فقط أو في المروي فقط أو فيهما ( ومنع القاضي ) أبو الطيب إجازة المعدوم ابتداء كإجازة من يوجد من نسل زيد وهو الصحيح والإجماع منعقد على منع إجازة من سيوجد من غير تقييد بنسل فلان .\r( الكتاب الثالث في الإجماع )\rوهو الثالث من الأدلة الشرعية ( الإجماع لغة ) العزم قال تعالى { فاجمعوا أمركم } وقال عليه السلام ((لا صيام لمن يجمع من الليل)) .\r( واصطلاحا ) اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته في عصر من الأعصار على أي أمر كان ( فالاتفاق ) كالجنس والمراد به الاشتراك في اعتقاد أو قول أو فعل أو سكوت أو تقرير .\r( ويخرج بقولهم ) مجتهدي أمة محمد اتفاق العوام فإنه لا عبرة بوفاقهم واتفاق بعض المجتهدين ( وبأمة محمد ) اتفاق الأمم السالفة فليس بحجة في الأصح على أن الكلام فيما هو حجة الآن ( وبقولهم ) بعد وفاته الإجماع الواقع في عصره عليه السلام فإنه لا اعتبار به .","part":2,"page":17},{"id":296,"text":"( وبقولهم ) في عصر من الأعصار توهم أن المراد جميع مجتهدي الأمة في جميع الأعصار إلى يوم القيامة فإن هذا توهم باطل والمراد عصر من كان من أهل الاجتهاد في العصر الذي حدثت فيه المسألة ثم يصير حجة عليهم وعلى من بعدهم ( وقولهم ) على أي أمر كان يتناول الإثبات والنفي في الشرعيات والعلقيات والعرفيات واللغويات فهو حجة فيها .\r( وفي الإجماع أبحاث يعلم أكثرها من التعريف )\r( منها اختصاصه ) باتفاق المجتهدين فلا عبرة باتفاق غيرهم دونهم اتفاقا ( واختلف ) في وفاق العوام وهم من عداء المجتهدين من العلماء للمجتهدين فقال الأكثرون لا عبرة بقول العوام من وفاق ولا خلاف .\r( واعتبروه قوم ) مطلقا أي في المسائل المشهورة والخفية وقوم في المشهور من الأحكام دون الخفي كدقائق الفقه * وعلى كلا القولين فمعنى اعتبار وفاقهم إنما هو لصحة إطلاق أن الأمة أجمعت لا إن قيام الحجة اللازمة للإجماع مفتقر إليهم وبهذا يظهر أنه لا خلاف في المعنى ( وقال بعض المتكلمين ) واختاره الآمدي وفاق العوام بمعنى افتقار الحجة إليهم لأنهم من جملة الأمة قيل ويؤيده التفرقة بين المشهور والخفي لأنه على تقدير كون الخلاف بمعنى أن الأمة أجمعت لا يظهر فيه فرق ( واعتبر قوم آخرون ) وفاق الأصولي للمجتهدين في الفروع الموقف استنباطها على الأصول والصحيح المنع لأنه في الفروع كالقاضي .\r( ومنها اختصاصه بالمسلمين ) لأن الإسلام قيد في المجتهد المأخوذ في تعريفه فلا اعتبار بقول الكافر في علم من العلوم ولو بلغ رتبة الاجتهاد فيه سواء في ذلك المعترف بالكفر ومن نكفيره ببدعته كالمجسمة وأما من لا يكفر بها فالأصح اعتباره فلا ينعقد الإجماع بدونه لدخوله في مسمى الآية وهو قول أكثر أهل السنة وأئمة الحديث .","part":2,"page":18},{"id":297,"text":"( وقيل ينعقد ) دونه فلا عبرة به خلافا ولا وفاقا ( وقيل ) لا ينعقد عليه بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع من عداه ولا يجوز ذلك لغيره وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس ونسبه إلى الجمهور وتابعهم إمام الحرمين والغزالي .\r( ومنها هل يعتبر وفاق الفاسق غير المتأول ) فيه أقوال ( الأول ) لا يعتبر مطلقا وهذا مبني على اشتراط العدالة في المجتهد ونسبه الولي أبو زرعة للأكثرين ( الثاني ) يعتبر مطلقا بناء على عدم اشتراط العدالة فيه وهذا هو الراجح كما سيأتي في كتاب الاجتهاد تصحيح عدم اشتراط العدالة والثالث يعتبر وفاق الفاسق في حق نفسه دون غيره فيكون إجماع العدول حجة عليه إن وافقهم وعلى غيره مطلقا .\r( الرابع ) يعتبر وفاقه إن بين مآخذه في مخالفته للعدول فإن لم يبين مآخذه لم يعتبر وفاته إذ ليس عنده عدالة تمنعه عن أن يقول شيئا من غير دليل * أما الفاسق المتأول فكالعدل وقد تقدم عن نص الشافعي قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية .","part":2,"page":19},{"id":298,"text":"( ومنها أنه لابد من اتفاق كل المجتهدين ) وهو أصح الأقوال وعليه الجمهور فلا ينعقد الإجماع مع مخالفة البعض ولو واحداً ( والثاني ) تضر مخالفة الاثنين دون مخالفة الواحد ( الثالث ) تضر مخالفة الثلاثة لا ما دونها حكاه الإمام عن محمد بن جرير الطبري وأبي بكر الرازي وأبي الحسن الخياط من المعتزلة ( الرابع ) تضر مخالفة بالغي عدد التواتر دون من لم يبلغه إذا كان المتفقون أكثر منهم إما أن تعادل الجانبان فلا إجماع قطعا ( خامسها ) تضر مخالفة من خالف ولو واحدا بشرط أن يسوغ الاجتهاد فيما خالف فيه الإجماع بأن كان للاجتهاد فيه مجال لعدم ورود نص فيه كقول ابن عباس بعدم العول فإن لم يسغ كقوله أيضا بجواز ربا الفضل فلا نضر مخالفته لورود النص في الصحيحين وغيرهما إذ لا يسوغ الاجتهاد في مقابلة النص ( السادس ) تضر مخالفة الواحد فما فوقه في أصول الدين لخطره دون غيره من العلوم حكاه القرافي عن بعض المعتزلة ( السابع ) لا يكون الاتفاق مع مخالفة البعض إجماعا بل يكون حجة اعتبارا للأكثر وصححه ابن الحاجب وقضية هذا عدم انحصار الأدلة في الخمسة ( الثامن ) إنه إجماع وحجة ( التاسع ) أنه ليس بحجة ولا إجماع ( العاشر ) إنه لا تضر مخالفة الأقل حكاه البيضاوي ( الحادي عشر ) أنه إن دفع المخالفة نص لم تعتبر وإلا اعتبرت جزم به الروياني في البحر ( الثاني عشر ) لا يعتبر خلاف تابعي مع الصحابة .\r( ومنها عدم اختصاص الإجماع بالصحابة ) رضوان الله عليهم وخالف داود الظاهري في قوله: يختص الإجماع بإجماع الصحابة وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه وهو المشهور عن الإمام أحمد وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا أجمعت الصحابة على شيء سلَّمنا وإذا أجمع التابعون زاحمناهم .\r( ومنها ) عدم انعقاد الإجماع في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه إن كان من المجمعين فالحق في قوله أو فعله أو تقريره وإلا فلا اعتبار بقولهم دونه .","part":2,"page":20},{"id":299,"text":"( ومنها أن التابعي ) المجتهد في عصر الصحابة معتبر معهم لأنه من مجتهدي الأمة في عصر فإن نشأ اجتهاده بعد اتفاقهم بأن لم يصر مجتهد إلا بعد ذلك جرى في اعتبار وفاقه لهم الخلاف في اشتراط انقراض العصر فإن اشترط اعتبر وإلا فلا والصحيح أنه لا يشترط فلا يعتبر .\r( ومنها أن إجماع كل من أهل البيت النبوي ) رضوان الله عليهم ومن أهل المدينة النبوية ومن الخلفاء الأربعة ومن الشيخين أبي بكر وعمرو من أهل الحرمين مكة والمدينة ومن أهل المصرين البصرة والكوفة غير حجة في الجميع وهو الصحيح ( وقيل ) أنه حجة في كل من الست المسائل ( أما الأولى ) فلقوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } والخطأ رجس فيكون منفيا عنهم .","part":2,"page":21},{"id":300,"text":"( وأجيب ) بمنع أن الخطأ رجس والرجس قيل هو العذاب وقيل هو الإثم وقيل كل مستقذر وبهذا القول جزمت الزيدية والإمامية تمسكاً بالآية وبما زاده الطبراني في حديث مسلم وأمثاله من قوله عليه السلام ((لا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم)) ( وأما في الثانية ) فلحديث الصحيحين ((إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)) والخطاء خبث فيكون منفيا عن أهلها ( وأجيب ) بجواز صدوره منهم لانتفاء عصمتهم والحديث مسوق لبيان فضيلة المدينة وقول الإمام مالك رحمه الله: إذا اجمعوا إلى أمر لم يعتد بخلاف غيرهم قال الباجي: إنما أراد فيما كان طريقهُ النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقضي العادة بان يكون في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم ( وأما في الثالثة ) فلقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) رواه الترمذي وصححه فقد حث على أتباعهم فينتفي عنهم الخطاء ( وأجيب ) بمنع انتفائه ( وأما في الرابعة ) فلقوله عليه السلام ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وحسنه أمر بالاقتداء بهما فينتفي عنهما الخطاء ( وأجيب ) بمنع انتفائه .\r( وأما في الخامسة والسادسة ) فلان إجماع من ذكر فيهما إجماع الصحابة لأنهم كانوا بالحرمين وانتشروا بالمصريين ( وأجيب ) بعد التسليم وعلى تقديره بأنهم بعض المجتهدين في عصرهم على أن في ذلك تخصيص الدعوى بعصر الصحابة والإجماع لا يختص بعصر .","part":2,"page":22},{"id":301,"text":"( ومنها أن الإجماع المنقول بالاحاد حجة ) كنقل السنة لصدق التعريف به وهو الصحيح * وحكى الإمام عن الأكثرين: أنه لا يكون حجة إلا إذا نقل إلينا بطريق التواتر ( وفيه ) أنه كيف يمكن النقل بالتواتر من كل من يعتبر من علماء الدنيا * ولهذا قال الأصفهاني: الحق تعذر الإطلاع على الإجماع إلا إجماع الصحابة حيث كانوا في قلة وأما الآن وبعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به انتهى ( ومنها أنه لا يشترط ) في المجمعين عدد التواتر لصدق مجتهدي الأمة بما دون ذلك وخالف إمام الحرمين نظرا إلى أن العادة تحكم بان هذا العدد الكثير من العلماء المحققين لا يجمعون على القطع في شرعي إلا عن قاطع فوجب الحكم بوجود قاطع بلغهم في ذلك .\r( ومنها أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد ) لم يكن قوله إجماعا لانتفاء الاتفاق المأخوذ في تعريف الإجماع وهل يكون قوله حجة أم لا قولان المختار منهما عدم الاحتجاج بقوله ( وقيل يحتج بقوله ) وإن لم يكن إجماعا لانحصار الاجتهاد فيه وقد دل الدليل السمعي على أن الحق لا يخرج عن هذه الأمة وبه قال أبو إسحاق وعزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين وجزم به ابن شريح .","part":2,"page":23},{"id":302,"text":"( ومنها أنه لا يشترط ) في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين بموت أهله لصدق التعريف مع بقاء المجمعين ومعاصريهم والأدلة السمعية قائمة على ما تناوله التعريف ( وخالف الإمام أحمد ) وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية وابن برهان فاشترط في حجية إجماع أهل العصر انقراضهم وهل المراد انقراض كلهم أو غالبهم أو انقراض علمائهم كلهم أو غالبهم؟ فيه الأقوال السابقة في اعتبار العامي والنادر هل يعتبران أو لا يعتبران أو يعتبر العامي دون النادر أو النادر دون العامي فينبني عند مشترطي الانقراض على اعتبار وفاق العامي والنادر اشتراط انقراض جميع أهل العصر وينبني على عدم اعتبار وفاقهما اشتراط انقراض غالب علماء العصر وينبني على اعتبار وفاق العامي دون النادر اشتراط إنقارض غالب أهل العصر وينبني على اعتبار وفاق النادر دون العامي اشتراط انقراض علماء العصر كلهم ( واستدلوا ) على اشتراط الانقراض في الجملة بأنه يجوز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاد الأول فيرجع عنه جوازاً بل وجوبا ( وأجيب ) بمنع جواز الرجوع عنه للإجماع عليه .\r( وقيل يشترط ) انقراض أهل العصر في الإجماع السكوتي لضعفه دون غيره وبه قال الأستاذ واختار الآمدي لأنه مع ذلك يبعد أن يكون السكوت لا عن رضا به قال الرافعي: وهو أصح الأوجه ( وقيل يشترط ) الانقراض إن كان في الأمر المجمع عليه مهلة بخلاف ما لا مهلة فيه كقتل نفس واستباحة بضع فلا يشترط فيه انقراض عصر المجتهدين لأنه إنما يصدر بعد فحص وإمعان نظر .\r( وقيل يشترط ) انقراضهم إلى أن يبقى قليل دون عدد التواتر إذ لا اعتبار بالقليل .\r( ومنها أنه لا يشترط ) في انعقاد الإجماع طول الزمن عليه لصدق التعريف مع انتفائه كإن مات المجمعون عقيب اجتماعهم بسقوط سقف أو غرق أو نحو ذلك واشترطه إمام الحرمين في الإجماع الظني ليستقر الرأي عليه كالإجماع القطعي وسيأتي التمييز بينهما والمدار عنده في طول الزمن على العرف .","part":2,"page":24},{"id":303,"text":"( ومنها إن إجماع ) كل من الأمم السابقة على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير حجة في ملتنا وهو الأصح عند الجمهور لاختصاص دليل حجية الإجماع بهذه الأمة كقوله عليه السلام ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة)) رواه ابن ماجه وغيره ( نعم ) هو حجة في مللهم ( وقيل هو حجة ) في ملتنا بناء على أن شرعهم شرع لنا وسيأتي بيانه في الكتاب الخامس في الاجتهاد ( ومنها أن الإجماع ) لا يكون إلا عن دليل لأن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام ( وحكي عن قوم ) جوازه بغير مستند وهو ضعيف ( وكما يقع ) عن دليل من الكتاب أو السنة قد يقع عن القياس وهو قول الشافعي والجمهور ( ومنع الظاهرية جوازه ) مطلقا لإنكار القياس ( وقيل ) لا يجوز في الخفي دون الجلي ( ومنع الظاهرية جوازه ) مطلقا لإنكارهم القياس الجلي والخفي وبعضهم في الخفي دون الجلي وسيأتي التمييز بينهما ووجه المنع في الجملة أن القياس لكونه ظنيا في الأغلب تجوز مخالفته لأرجح منه فلو جاز الإجماع عنه لجاز مخالفة الإجماع .\r( وأجيب ) بأنه إنما تجوز مخالفة القياس إذا لم يجمع على ما ثبت به وقد أجمع على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وعلى إراقة نحو الزيت إذا وقعت فيه فاره قياسا على السمن .\r( ومنها أن اتفاق المجتهدين ) في عصر على أحد القولين مثلا لهم قبل استقرار الخلاف بينهم بأن كان بين اختلافهم واتفاقهم زمن يسير جائز وكذا لو كان الاتفاق من الحادث بعدهم بأن مات المجمعون ونشاء غيرهم فإنه جائز أيضا لصدق تعريف الإجماع على كل من الاتفاقين وقد أجمعت الصحابة على دفنه صلى الله عليه وآله وسلم في بيت عائشة بعد اختلافهم الذي لم يستقر ( وأما اتفاق) المجتهدين أنفسهم بعد استقرار الخلاف فجوزه الإمام الرازي ومنعه الآمدي مطلقا سواء كان مستند اختلافهم على القولين دليلا قطعيا أم لا.","part":2,"page":25},{"id":304,"text":"( وقيل يجوز ) إلا أن يكون مستندهم في الاختلاف دليلا قاطعا فلا يجوز حذرا من إلغاء القاطع * والأصح المنع كما نقله ابن برهان عن الشافعي وذهب إلى الجواز طائفة كثيرة ورجحه النووي في شرح مسلم ومحل الخلاف إذا لم يشترط انقراض العصر فإن اشترطناه جاز قطعا .\r( وأما اتفاق ) غير المختلفين في قولين مثلا بعد استقرار الخلاف بأن مات المختلفون ونشاء غيرهم فالأصح امتناعه إن طال زمن الاختلاف لا إن قصر والفرق إن استمرار الخلاف يقضي العرف فيه بأنه لو كان لسقوط أحد القولين وجه لظهر بخلاف ما إذا قصر فقد لا يظهر لهم ويظهر لغيرهم ( وقيل يجوز ) بالاتفاق من غيرهم مطلقا طال الزمن أو قصر .\r( ومنها أن التمسك بأقل ما قيل ) من أقوال العلماء حيث لم يوجد دليل سواه حق واعتمده الشافعي ووافقه القاضي الباقلاني والجمهور لأنه تسمك بما أجمع عليه مع ضميمة البراءة الأصلية في الزائد على الأقل مثاله اختلاف العلماء في دية الذمي الكتابي الواجبة على قاتله فقيل كدية مسلم وقيل كنصفها وقيل كثلثها وبه أخذ الشافعي للاتفاق على وجوب الأخذ بأقل ما قيل في الدية ونفي وجوب الزائد عليه بالبراءة الأصلية فإن دل دليل على وجوب الأكثر وجب التمسك به كما في غسلات ولوغ الكلب فقيل هي ثلاث وقيل سبع ودل حديث الصحيحين على السبع فأخذ به .","part":2,"page":26},{"id":305,"text":"( أما الإجماع السكوتي ) وهو أن يقول بعض المجتهدين حكما في مسألة اجتهادية تكليفية ويبلغ كل مجتهدي عصره فيسكتون عن التصريح بموافقة أو إنكار مع مضي مهلة النظر عادة سكوتا مجردا عن إمارة رضا وسخط قبل استقرار المذاهب فلو كان الحكم في مسألة غير اجتهادية بأن كانت قطعية أو اجتهادية ولم تكن تكليفية نحو عمار أفضل من حذيفة وبالعكس أو لم تبلغ المسألة كل المجتهدين أو بلغتهم ولم تمض مدة النظر عادة فلا يكون من الإجماع السكوتي ( ولو اقترن ) بإمارة الرضا كان إجماعا قطعا أو بإمارة السخط كالاسترجاع فليس بإجماع قطعا ولو كان بعد استقرار المذاهب لم يدل على الموافقة قطعا كما قاله العضد وابن الحاجب إذ لا عادة بإنكار فلم يكن حجة .","part":2,"page":27},{"id":306,"text":"( وقد اختلفوا فيما صدق عليه التعريف ) على أقوال ( أولها ) إنه ليس بحجة ولا إجماع لاحتمال السكوت لغير الموافقة كالخوف والمهابة والتردد في المسألة ونسب هذا القول للشافعي أخذا من قوله لا ينسب إلى ساكت قول وبه قال داود الظاهري وابنه ( وثانيها ) أنه حجدة وإجماع لأن سكوت العلماء في مثل ذلك يظن منه الموافقة عادة ويوافقه استدلال الشافعي بالإجماع السكوتي في مواضع وأجاب من نقل عنه الأول بانه إنما استدل به في وقائع تكررت كثيرا بحيث انتفت فيها الاحتمالات التي أعتل بها من منع كونه حجة ( ثالثها ) إنه حجة لا إجماع لاختصاص مطلق الإجماع عند القائل به بالقطعي وبه قال الصيرفي وأبو هاشم واختاره الآمدي ووافقه ابن الحاجب في مختصره الكبير وتردد في مختصره الصغير بين القول بكونه إجماعا والقول بكونه حجة ( قال الصفي ) الهندي ولم يصر أحد إلى عكسه يعني إنه إجماع لا حجة ويمكن القول به الإجماع المروي بالاحاد عند من لم يقل بحجيته ( رابعها ) أنه حجة بشرط انقراض العصر لا من ظهور المخالفة بينهم بعده بخلاف ما قبله وبه قال البندنيجي من الشافعية وأبو علي الجباءي من المعتزلة وفي اللمع للشيخ أبي إسحاق أنه المذهب قال فأما قبل انقراضه فهل نقول ليس اجماعا قطعا أو على الخلاف طريقان ( خامسها ) إنه حجة إن كان فتيا لا حكما لأن الفتيا يبحث فيها عادة فالسكوت عنها رضا بها بخلاف الحكم قال ابن أبي هريرة إنا نحضر مجلس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ننكر ذلك فلا يكون سكوتنا ضامنا بذلك ( سادسها) وبه قال أبو إسحاق المروزي إنه حجة إن كان حكما لا فتيا لصدوره عادة بعد البحث مع العلماء واتفاقهم بخلاف الفتيا ( سابعا ) إنه حجة إن وقع في شيء يفوت استدراكه كإراقة دم وإستباحة فرج لأن ذلك لخطره لا يسكت عنه إلا راض به بخلاف غيره حكاه ابن السمعاني ( ثامنها ) إنه حجة إن وقع في عصر الصحابة لأنهم في الدين لا يسكتون عما لا يرضون به","part":2,"page":28},{"id":307,"text":"بخلاف غيرهم فقد يسكتون حكاه الماوردي ( تاسعها ) إنه حجة إن كان الساكتون أقل من القائلين بناء على إن مخالفة الأقل لا تضر حكاه السرخسي من الحنفية ( عاشرها ) إنه حجة إن وقع فيما يدوم ويتكرر وقوعه والخوض فيه وبه قال االجويني والصحيح إنه حجة مطلقا وهو ما اتفق عليه القول الثاني والثالث ( وقال الرافعي ) في كتاب القضاء إنه المشهور عند الأصحاب ثم قال وهل هو إجماع فيه وجهان .\r( ومثار الخلاف في حجيته ) أنه هل يغلب احتمال موافقة الساكتين للقائلين وقيل نعم نظر للعادة في مثل ذلك فيكون إجماعا حقيقة لصدق تعريف الإجماع عليه وإن نفى بعضهم مطلق اسم الاجماع عنه وقيل لا فلا يكون إجماعا حقيقة فلا يحتج به ( والخلاف جار أيضا ) فيما إذا حكم بعض المجتهدين بحكم ولم ينتشر بأن لم يبلغ الكل ولم يعرف له مخالف فقيل إنه حجة لعدم ظهور خلاف فيه وقال الأكثر ليس بحجة لاحتمال أن لا يكون غير القائل خاض فيه ولو خاض فيه احتمل أن يقول بخلافه وقال الإمام الرازي ومن تبعه إنه حجة فيما تعم به البلوى كنقض الوضوء بمس الذكر لأنه لابد من خوض غير القائل فيه فيوافقه على ذلك فإن لم تعم به البلوى لم يكن حجة فيه وبه جزم البيضاوي .\r( ومن أبحاث الإجماع ) إنه قد يكون في أمر دنيوي كتدبير الجيوش والحروب وأمور الرعية وديني كالصلاة والزكاة وحل النكاح وقد يكون في أمر عقلي لا تتوقف صحة الإجماع عليه كحدوث العالم ووحدة الصانع لامكان تأخر معرفتها عن الإجماع فإن توقفت صحة الإجماع عليه كإثبات الصانع والنبوة لم يحتج فيه بالإجماع * وإلا لزم الدور .","part":2,"page":29},{"id":308,"text":"( ومنها إنه لابد لحجيته من مستند ) وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد المأخوذ في تعريفه معنى وهو الصحيح لأن القول في دين الله لا يجوز بغير دليل ولهذا كانت الصحابة رضوان الله عليهم لا يرضى بعضهم من بعض بل يتباحثون حتى أحوج بعضهم القول في الخلاف إلى طلب المباهلة ( وقيل يجوز ) أن يحصل من غير مستند بأن يلهموا الاتفاق على صواب وهو ضعيف لما مر على أن القائل به وافق على عدم وقوعه كما قاله الآمدي .\r( ومنها أنه ممكن في نفسه على الصحيح ) وقال قوم باستحالته عادة كالإجماع على أكل طعام واحد وقول كلمة واحدة في آنٍ واحد وبه قال النظام وبعض الشيعة (وأجيب) بأن هذا لا جامع لهم عليه لاختلاف شهواتهم ودواعيهم بخلاف الحكم الشرعي إذ يجمعهم عليه الدليل واعترف بعضهم بإمكانه ولكن لا سبيل إلى الإطلاع عليه .\r( ومنها أن الصحيح أنه بعد إمكانه حجة )) في الشرع لتظافر أدلة الكتاب والسنة عليه قال تعالى ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ) الآية لوعد فيها على اتباع غير سبيل المؤمنين فيحب العلل به على كل مكلف خلافا للشيعة وبعض الخوارج وبعض المعتزلة لقوله تعالى ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول ) اقتصر على الرد إلى الكتاب والسنة قلنا وقد دل الكتاب على حجيته كما تقدم .\r( ومنها إنه قطعي الحجة على الصحيح ) حيث اتفق المعتبرون على كونه اجماعا كأن صرح كل من المجمعين بالحكم الذي أجمعوا عليه من غير أن يشذ منهم أحد لا حالة العادة خطاءهم جملة لا حيث لم يتفقوا كالإجماع السكوتي وكالإجماع الذي ندر مخالفة على القول بأنه إجماع كإجماع غير ابن عباس على العول فكل منهما ظني ( وقال ) الإمام الرازي والآمدي وجماعة إنه ظني مطلقا عن التفصيل السابق لأن المجمعين عن ظن لا يستحيل خطاءهم والإجماع عن قطع غير متحقق .","part":2,"page":30},{"id":309,"text":"( ومنها أن خرق الإجماع بالمخالفة حرام ) للتوعد عليه في الآية السابقة وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على تحريمها ووجوب المتابعة ( وعلم من تحريم المخالفة ) تحريم أحداث قول ثالث في مسألة اختلف فيها أهل عصر على قولين وتحريم أحداث التفصيل الإجماع بأن خالف ما اتفق عليه أهل العصر بخلاف ما إذا لم يخرقاه فلا يحرمان ( مثال القول ) الثالث الخارق للإجماع ما حكى عن ابن حزم إن الاخ يسقط الجد ( وقد اختلف الصحابة ) فيه على قولين قيل يسقط بالجد وقيل يشاركه كأخ فالقول بإسقاطه الجد إحداث قول ثالث خارق لما اتفق عليه القولان الأولان من أن له نصيبا ( ومثال التفصيل الخارق ) ما لو قيل بتوريث العمة دون الخالة أو الخالة دون العمة وقد اختلفوا في توريثهما مع اتفاقهم على أن العلة في توريثهما أو عدمه كونهما من ذوي الأرحام فتوريث إحداهما دون الأخرى إحداث تفصيل خارق للاتفاق ( ومثال الثالث غير الخارق ) ما قيل أنه يحل متروك التسمية سهوا لا عمدا وعليه أبو حنيفة ومالك وقد قيل يحل مطلقا وعليه الشافعي وقيل يحرم مطلقا فالفارق بين السهو والعمد موافق لمن لم يفرق في بعض ما قاله ( ومثال التفصيل غير الخارق ) ما قيل تجب الزكاة في مال الصبي دون الحلى المباح وعليه الشافعي وقد قيل تجب فيهما وقيل لا تجب فيهما فالمفصل موافق لمن لم يفصل في بعض ما قاله .\r( وقيل أن القول الثالث ) والتفصيل خارقان أبدا فيحرمان قال الكيا وهو الصحيح وبه الفتوى وجزم به الشاشي والروياني والطبري وقالوا لأن الاختلاف على قولين يستلزم الاتفاق على امتناع العدول عنهما ( وأجيب ) بمنع الاستلزام فيهما إذ لا يخفى أن عدم القول بالشيء ليس قولا بعدم ذلك الشيء ( وقيل ) يجز إحداثه مطلقا حكاه الشوكاني عن بعض الحنفية والظاهرية ومثل الاختلاف على قولين الاختلاف على ثلاثة وأربعة أو أكثر من ذلك .","part":2,"page":31},{"id":310,"text":"( وعلم من حرمة الإجماع أيضا ) أنه يجوز عند الأكثر إظهار دليل لحكم أو تأويل لدليل ليوافق غيره من الأدلة أو إظهار علة أخرى لحكم غير ما ذكره المجمعون من دليل وتأويل وعلة لجواز تعدد ذلك ( فالأول ) كان يجمعوا على أن النية واجبة بدليل قوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ثم يقول شخص الدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم [ إنما الأعمال بالنيات ] ( والثاني ) كما لو قال المجمعون في قوله عليه الصلاة والسلام وعفروه الثامنة بالتراب أن تأويله عدم التهاون بالسبع بأن ينقص عنها فيووله من بعدهم على أن معناه أن التراب لما صحب السابعة صار كأنه ثامنة ( والثالث ) كجعلهم علة الربا في البرالاقتيات فيجعلها من بعدهم الإدخار وإنما يجوز ذلك إن لم يخرق ما أجمعوا عليه فإن خرقه بأن قال المجمعون لا دليل ولا تأويل ولا علة غير ما ذكرناه لم يجز ( وقيل ) لا يجوز إحداث ما ذكر مطلقا لمخالفة سبيل المؤمنين وأجيب بأن المخالفة لما ذكروه لا لما لم يتعرضوا له كالذي نحن فيه .\r( وعلم من تحريم خرق الإجماع ) إنه يمتنع سمعا ارتداد جميع الأمة في عصر لخرقة إجماع من قبلهم على وجوب استمرار الإيمان والخرق بصدق بالقول والفعل كما يصدق الإجماع بهما ولا يمتنع ارتدادهم عقلا قطعا وامتناع ارتدادهم سمعا هو الصحيح لحديث الترمذي وغيره إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة والردة من أكبر الضلالات ( وقيل ) لا يمتنع ارتدادهم سمعا بمعنى أنه لم يرد في الحديث ما يدل على عدم وقوعه لأنهم بالاترداد خرجوا عن كونهم أمته وقبله لم يجتمعوا على ضلالة ( وأجيب ) بأن معنى الحديث أنه لا يجمعهم على أن يوجد منهم ما يضلون به الصادق بالارتداد .\r( ولا يمتنع مطلقا اتفاق الأمة على جهل شيء ليست مكلفة بالعمل به ) كتفضيل عمار على حذيفة أو عكسه على الأصح لعدم اجتماعهم على الخطاء فيه وقيل يمتنع الجهل عليهم بذلك لأنه نقص .","part":2,"page":32},{"id":311,"text":"( وأجيب ) بالمنع ( ما جهل ) ما كلفت العلم به كالعلم يكون الوتر واجبا أو مندوبا فيمتنع جهلها به قطعا وهل يجوز انقسام الأمة إلى فرقتين في كل من مسألتين متشابهتين كل فرقة منهما مخطئة في مسألة من تينك المسألتين كاتفاق فرقة على وجوب الترتيب في الوضوء وعدم وجوبه في قضاء الصلوات واتفاق الأخرى على عكس ذلك وكان الصواب وجوبه أو عدمه فيهما فيه تردد للعلماء ( ومثاره ) هل تكون بذلك متفقه على الخطاء نظرا إلى مجموع المسألتين فلا يجوز انقسامها إلى ذلك لانتفاء الخطاء عنها بالحديث السابق وهذا القول رجحه الأكثرون أو لا يكون مخطئا إلا بعضها نظرا إلى كل مسألة على حدة فيجوز ما ذكر ورجحه الآمدي .\r( وعلم من حرمة خرق الإجماع ) أنه لا يجوز الإجماع على شيء قد وقع الإجماع على خلافه لأنه يستلزم تعارض قاطعين بناء علىان الإجماع قطعي وتعارض القطعيين محال وجوزه أبو عبد الله البصري عقلا قال لأنه لا مانع من كون الأول مغيا بوجود الثاني مع أنه قائل بعدم وقوعه .\r( ومن أبحاث الإجماع ) أنه لا يعارضه دليل آخر لا قطعي ولا ظني بناء على الصحيح أنه قطعي أيضا إذ لا تعارض بين قاطعين لأنه مستحيل ولا بين قاطع ومظنون لالغاء المظنون في مقابلة القاطع أما الإجماع الظني فتجوز معارضته .\r( ومنها أن موافقة الإجماع ) خبراً لا تدل على أنه ناشيء عن ذلك الخبر لجواز أن يكون عن غيره ولم ينقل لنا استغناء بنقل الإجماع عنه والظاهر كونه عنه إن لم يوجد خبر بينه بمعناه إذ لا بد للاجماع من مستند كما تقدم فإن وجد غيره فلا لجواز أن يكون الإجماع عن ذلك الغير وقال أبو عبد الله البصري يتعين أن يكون عنه ومحل الخلاف كما قال القاضي عبد الوهاب في خبر الأحاد فإن كان متواترا فهو عنه جزما .","part":2,"page":33},{"id":312,"text":"( ومنها هل يمكن وجود دليل لا معارض له ) اشترك أهل الإجماع في عدم العلم به ( قيل ) يجوز أن كان عمل الأمة موافقا له ويمتنع أن كان عملهم مخالفا له واختاره الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي وقيل بالمنع مطلقا .\r( فائدة قول القائل لا أعلم خلافا بين أهل العلم في كذا ) قال الصيرفي لا يكون إجماعا لجواز الاختلاف وكذا قال ابن حزم ونص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وقال ابن القطان قول القائل لا أعلم خلافا أن كان من اهل العلم فهو حجة وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة .\r( خاتمة ) جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والخمر كافر قطعا لأن جحده يستلزم تكذيب الشارع والمراد بالمعلوم من الدين بالضرورة ما يشبه المعلوم الضروري من حيث استواء العوام والخواص في معرفته وعدم قبوله التشكيك وإن كان بحسب الأصل نظريا مستفادا من الأدلة وجاحد المجمع عليه المشهور بين الناس المنصوص كحل البيع كافر في الأصح لما تقدم ( وقيل لا ) لجواز أن يخفى عليه قال البناني وهذا هو المعتمد في الفروع وفي غير المشهور من المنصوص تردد فقيل يكفر جاحده لشهرته وصححه النووي في باب الردة وقيل لا يجوز أن يخفى عليه وهو المعتمد ولا يكفر جاحد المجمع عليه الخفى الذي لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف لخفائه ولو كان الخفى منصوصا عليه كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب تكملة الثلثين فإنه أجمع عليه وفيه نص فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به كما رواه البخاري ( أما جاحد المجمع عليه ) من غير الدين كوجود بغداد مثلا فلا يكفر قطعا .\rالكتاب الرابع في القياس","part":2,"page":34},{"id":313,"text":"وهو الرابع من الأدلة الشرعية ( عرفه المصنف) في المتن بأنه حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل ( قال جواباً عما أورد عليه من انه جعل الحمل جنسا للقياس مع أنه غير صادق عليه لأنه ثمرة القياس وثمرة الشيء غيره أن المراد بالحمل التسوية والتسوية نفس القياس لا ثمرته انتهى ( والمعلوم ) الأول هو الفرع والثاني هو الأصل والمراد بالعلم هنا مطلق الإدراك المتناول لليقين والاعتقاد والظن وبالمساواة أن يساوي الأول الثاني في علة حكمه بأن توجد بتمامها في الأول والمراد بالحامل المجتهد ( ودخل في الحد القياس في الصحيح ) وهو ما وافق نفس الأمر والفاسد وهو ما خالف نفس الأمر بأن ظهر غلطه وأن أريد تخصيص التعريف بالقياس الصحيح حذف من الحد القيد الآخير وهو قوله عند الحامل فلا يتناول الفاسد حينئذ لانصراف المساواة الملطقة إلى ما في نفس الأمر ( والفاسد ) قبل ظهور فساده معمول به عند المجتهد ومقلديه كالصحيح .","part":2,"page":35},{"id":314,"text":"( وعرفه ابن الحاجب ) كالآمدي بأنه مساواة فرع الأصل في علة حكمه قال بعضهم أحسن ما يقال في حده أنه استخراج مثل حكم المذكور لما لم يذكر لجامع بينهما ( والقياس حجة ) في الأمور الدنيوية كالادوية والأغذية قال الإمام الرازي اتفاقا ( واتفقوا ) أيضا على حجية القياس الصادر منه صلى الله عليه وآله وسلم واختلفوا في حجيته في الأمور الشرعية على أقوال تأتي ( والصحيح أنه حجة ) كما ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والتكلمين إلى أنه أصل من أصول الشريعة يستدل به على الأحكام التي يرد بها السمع وقد عمل به كثير من الصحابة عملا متكرر شابعا مع سكوت الباقين ولأنه أيضا مأمور به في قوله تعالى فاعتبروا يا أولى الأبصار ومن الاعتبار قياس الشيء ( نعم ) لا يجوز القياس فيما يرجع منها إلى العادة والخلقة كأقل الحيض أو النفاس أو الحمل أو أكثرها فلا يقال فلانه تحيض سبعا مثلا فيقاس بها غيرها * لأنها لا يدرك المعنى فيها فيرجع فيها إلى قول الصادق وصحح الماوردي والروياني جواز القياس في المقادير كأقل الحيض وأكثره .\r( ولا يجوز عندهم ) على الصحيح أيضا إثبات كل الأحكام بالقياس لأن منها مالا يدرك معناه كوجوب الدية على العاقلة ( وقيل يجوز ) بمعنى أن كلا من الأحكام يصلح لأن يثبت بالقياس بأن يدرك معناه ووجوب الدية على العاقلة له معنى يدرك وهو إعانة الجاني فيما هو معذور فيه كما يعان الغارم لإصلاح ذات البين بما يصرف اليه من الزكاة .\r( ولا يجوز ) عندهم القياس على منسوخ لانتفاء اعتبار الجامع بالنسخ وقيل ) يجوز لأن القياس مظهر لحكم الفرع الكمين .","part":2,"page":36},{"id":315,"text":"( ومسخ الأصل ) ليس نسخا للفرع وفيه نظر فإن المنسوع لم يبق له وجود في الشرع فتلتحق به الأحكام لا بقياس ولا غيره قاله البرماوي فهذه الأمور الثلاثة مستثنيات على الصحيح في كل منها من عموم جواز القياس عند الجمهور ( قال قوم ) منهم النظام من المعتزلة والإمامية من الشيعة أن العقل يقتضي المنع منه قالوا لأنه طريق لا يؤمن فيه الخطاء والعقل مانع من سلوك ذلك ( قلنا ) بمعنى أنه مرجح لتركه حيث لم يظن فيه الصواب وكيف يمنعه إذا ظن فيه ( ومنعه ) ابن حزم الظاهري في الأحكام الشرعية قال لأن النصوص تستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية من غير احتياج إلى استنباط وقياس ( قلنا ) لا نسلم ذلك ( ومنع أبو سليمان ) داود الظاهري القياس غير الجلي الصادق بقياس الأولى والمساوي كما يعلم مما سيأتي قال الأستاذ أبو منصور أما داود فزعم أنه لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه في الكتاب والسنة أو معدول عنه بفحوى النص ودليله وذلك مغن عن القياس انتهى أما الجلى وهو ما كان الملحق أولى بالحكم فيه من الملحق به فهو غير ممتنع عنده كما حكاه عند الآمدي وابن حزم وأن نقل إمام الحرمين والغزالي عنه المنع مطلقا إذا النقل الأول أثبت ( ومنعه أبو حنيفة ) في أربعة في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات قال لأنها لا يدرك المعنى فيها ( وأجيب ) بأن عدم إدراك المعنى غير مطرد فإنه مدرك في بعضها فيجرى فيه القياس ( ومثاله في الحدود ) قياس النباش على السارق في وجوب القطع بجامع أخذ المال من حرزه خفية ( وفي الكفارات ) قياس القاتل عمداً على القاتل خطاء في وجوب الكفارة بجامع القتل بغير حق ( وفي الرخص ) قياس غير الحجر من كل جامد طاهر قالع غير محترم عليه في جواز الاستنجاء بجامع الجمود والطهارة والقلع ( وفي التقديرات ) قياس نفقه الزوجة على الكفارة في تقديرها بمدين كما في فدية الحج على الموسر وبمد كما في كفارة الوقاع على المعسر بجامع أن كلا منهما مال","part":2,"page":37},{"id":316,"text":"يجب بالشرع ويستقر في الذمة والثابت بالقياس مجرد التقدير المذكور دون أصل التفاوت فإنه مأخوذ من قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته الآية ( وأشار الشافعي ) رحمه الله إلى أن الحنفية ناقضوا أصلهم فأوجبوا الكفارة بالإفطار بالأكل قياسا على الإفطار بالجماع وفي قتل الصيد خطاء قياس على قتله عمدا .\r( وقاسوا ) في التقديرات حتى قالوا الدجاجة إذا ماتت في البير يجب نزح كذا وكذا دلوا وفي الفارة أقفل من ذلك وليس هذا التقدير عن نص ولا إجماع فيكون قياسا ومنع أبو الفضل بن عبدان من الشافعية القياس ما لم يضطر اليه بوقوع حادثة لا نص فيها فيجوز القياس فيها للحاجة بخلاف ما لم تقع فلا يجوز القياس فيه لانتفاء فائدته ( وأجيب ) بأن فائدته جواز العمل به إذا وقعت تلك المسألة قال ابن الصلاح في طبقاته ويأباه أي منع القياس وضع الأئمة الكتب الطافحة بالمسائل القياسية من غير تقييد بالحادثة ( ومنع جماعة ) من الأصوليين القياس في الأسباب كقياس اللواط على الزنا في جعله سببا للحد بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا وفي الشرائط كقياس الغسل على الوضوء في توقف الصلاة عليه كالوضوء وفي الموانع كقياس منع المحرم من استدامة ملك الصيد قياسا على منعه لبس المحيط بجامع حرمة الإحرام ( قالوا لأن القياس في الثلاثة يخرجها عن أن تكون أسباب أو شروطا أو موانع إذ يكون السبب والشرط والمانع هو المعنى المشترك بينها وبين المقيس عليه لا خصوص المقيس أو المقيس عليه ( وأجيب ) بأن القياس لا يخرجها عما ذكر فالمعنى المشترك فيه كما هو علة لها يكون علة لما تترتب عليها ( ومنعه قوم ) في أصول العبادات فنفوا جواز الصلاة بإيماء الطرف قياسا على إيماء الرأس بجامع العجز ( وحكى ) عن الحنفية قالوا لأنه لو جاز لأمكن إثبات عبادة مستقلة قياسا على العبادات المشروعة بجامع المصالح المتعلقة بالعبادة .","part":2,"page":38},{"id":317,"text":"( وأجاب أصحابنا ) عن إثبات عبادة زايدة بأنه تشريع باطل لا قياس ( ومنع قوم القياس الجزئي ) الذي تدعوا الحاجة إلى مقتضاه أو إلى خلافه ( فالأول ) كصلاة الإنسان على من مات من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وغسلوا وكفنوا في ذلك اليوم فإن القياس يقتضي جوازها وعليه الروياني لأنها صلاة على غائب والحاجة داعية لذلك لنفع المصلي والمصلى عليهم ولم يرد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيان لذلك ( والثاني ) كضمان الدرك وهو ضمان الثمن للمشتري أن خرج المبيع مستحقا فإن القياس يقتضي منعه لأنه ضمان ما لم يجب وعليه ابن سريج ( والأصح صحته ) عند اهل الفروع لعموم الحاجة اليه لمعاملة الغرباء وغيرهم لكن بعد قبض الثمن والحاجة داعية إلى خلاف القياس ( ووجه منع ) القياس في الشق الأول الاستغناء عنه بعموم الحاجة وفي الثاني معارضة عموم الحاجة له والمجيز قال لا مانع من ضم دليل إلى آخر في الأول وقدم القياس على عموم الحاجة في الثاني .","part":2,"page":39},{"id":318,"text":"( ومنعه قوم من الحشوية ) وغلاة الظاهرية في العقليات كقياس رؤية البارئ على رؤية خلقه بجامع الوجود وهو علة الرؤية فقيل لا يجوز فيها القياس للاستغناء عنها بالعقل وقيل يجوز ولا مانع من ضم دليل إلى آخر وهو قول أكثر المتكلمين ( ومنع قوم آخرون القياس ) في البراءة الأصلية وهي بقاء الشيء على ما كان عليه من انتفاء الحكم فيه قبل ورود الشرع فلو وجت صورة لا حكم لله فيها بأن لم يجده المجتهد بعد البحث عنها واستصحب فيها البرءاة الأصلية ثم وجدت صورة أخرى تشبهها لا حكم فيها فقيل لا تقاس عليها استغناء عن القياس بالبراءة الأصلية ( وقيل تقاس عليها ) ولا مانع من ضم دليل إلى آخر ومنع قوم آخرون القياس في اللغات * وقد تقدم قياس اللغة في مبحثها فالمنع رأي إمام الحرمين والجواز رأي الإمام الرازي ( وليس النص على علة الحكم ) أمر بالقياس لا في جانب الفعل كقولك لشخص اعتق غانما لحسن خلقه فإنه ليس أمرا بعتق غير غانم ممن اتصف بحسن الخلق ولا في جانب الترك كقولك اترك صحبة العوام لحماقتهم فإنه ليس أمرا بترك صحبة غير العوام من الحمقا * بالقياس على العوام فلا يتعدى الحكم بالنص على علته إلى غير محل الحكم المنصوص عليه وهذا قول الجمهور ( وخالف أبو الحسين البصري ) والشيخ أبو إسحاق وأبو بكر الرازي والإمام الرازي وغيرهم فقالوا إن النص على العلة أمر بالقياس في جانبي الفعل والترك إذ لا فائدة لذكر العلة إلا ذلك حتى لو لم يرد التعبد بالقياس استفيد من هذه الصورة ( وأجيب ) بمنع الحصر لجواز أن يكون فائدته بيان مدك الحكم ليكون أوقع في النفس ( وقال أبو عبد الله ) البصري بالتفصيل بين الترك والفعل قال هو أمر بالقياس في جانب الترك دون الفعل والفرق أن العلة في الترك المفسدة وإنما يحصل الغرض من انعدامها بالامتناع عن كل فرد مما تصدق عليه العلة والعلة في الفعل المصلحة ويحصل الغرض من حصولها بفرد قلنا قوله عن كل فرد مما تصدق عليه العلة","part":2,"page":40},{"id":319,"text":"ممنوع بل يكفي الامتناع مما يصدق عليه متعلق المعلل وهو في المثال العوام .\r( فائدة ) قال العلامة الشوكاني في إرشاد الفحول ما حاصله أعلم أن نفاة القياس لم يقولوا باهدار كُلما يسمى قياسا وإن كان منصوصا على علته أو مقطوعا فيه بنفي الفارق بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولا عليه بدليل الأصل مشمولا به مندرجا تحته وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ويقرب لديك ما بعدوه لأن الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظيا وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه واختلاف طريقة العمل لا تستلزم الخلاف المعنوي لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا انتهى .\r( وللقياس أركان أربعة ) لابد منها في كل فرد من أفراده مقيس عليه وهو الأصل ومقيس وهو الفرع ومعنى مشترك بينهما وهو العلة الجامعة وحكم للمقيس عليه من جواز أو منع يتعدى بواسطة المشترك إلى المقيس .\r( الأول الأصل ) واختلف في المراد به على أقوال الأصح منها عند الفقهاء وكثير من المتكلمين أن الأصل هو محل الحكم المشبه به .","part":2,"page":41},{"id":320,"text":"( وقيل ) هو دليل الحكم من كتاب أو سنة أو إجماع وبه قال بعض المتكلمين ( وقيل ) هو حكم المحل لا نفس المحل وبه قال الإمام الرازي فإذا قيل مثلا النبيذ مسكر فيحرم قياسا على الخمر بدليل قوله حرمت الخمر لاسكارها فالأصل على القول الأول الخمر لأنه محل الحكم الذي يشبه به النبيذ وعلى الثاني حرمت الخمر لاسكارها لأنه دليل الحكم وعلى الثالث التحريم لأنه حكم المحل ( ولا يشترط عند الجمهور ) في الأصل الذي يقاس عليه أن يدل دال على جواز القياس عليه بخصوصة أما بنوعه أو شخصه خلافاً لعثمان بن مسلم البتي في قوله لابد للأصل من دليل على جواز القياس عليه فعنده لا يقاس في مسائل البيع مثلا إلا إذا قام دليل على جواز القياس فيه ( ولا يشترط في الأصل ) عند الجمهور كذلك الاتفاق على وجود العلة فيه بل يكفي قيام الدليل على وجودها فيه خلاف لبشر بن غياث المريسي في قوله لا يقاس على ما اختلف في وجود العلة فيه بل يشترط بعد الاتفاق على أن حكم الأصل معلل الاتفاق على كون علته كذا وما اشتراطاه مردود بأنه لا دليل عليه .","part":2,"page":42},{"id":321,"text":"( الثاني من أركان القياس ) حكم الأصل من جواز او منع وله عند الجمهور شروط ( منها ) أن يكون ثبوته بكتاب أو سنة أو إجماع لا بقياس لأنه لو ثبت حكم الأصل بقياس ثم قيس عليه ثانيا فعلة القياس الثاني أما أن تكون هي علة القياس الأول فيكون الثاني له والاستغناء عنه بقياس الفرع فيه على الأصل في القياس الأول كقياس الغسل على الصلاة في وجوب النية بجامع أن كلا منهما عبادة ثم قياس الوضوء على الغسل فيما ذكر للاستغناء عنه بقياس الوضوء على الصلاة ابتداء وأما أن تختلف علة القياسين فيكون الثاني غير منعقد لعدم اشتراك الأصل والفرع فيه في علة الحكم كقياس الرتق على جب لذكر في جواز فسخ النكاح به بجامع فوات الاستمتاع ثم قياس الجذام على الرتق فيما ذكر فالقياس الثاني غير منعقد لأن فوات الاستمتاع غير موجود فيه ( وقيل يشترط ) أن يكون ثابتا بغير الإجماع أيضا إلا ان يعلم مستنده من كتاب أو سنة ليستند القياس إليه كما حكاه الأستاذ أبو إسحاق وهذا القول مردود بأنه لا دليل عليه واحتمال كون الإجماع عن قياس فيكون مانعا مدفوع بأن الأصل عدم المانع .","part":2,"page":43},{"id":322,"text":"( ومن شروط حكم الأصل ) كونه غير متعبد فيه بالقطع أي مكلف باعتقاده اعتقادا جازما كما ذكره الغزالي لأن الذي تعبد فيه باليقين إنما يقاس على محله ما يطلب فيه اليقين كالعقائد والقياس لا يفيد اليقين ( ومن شروط حكم الأصل ) كونه شرعيا أن طلب به إثبات حكم شرعي ولا يشترط كون حكم الأصل شرعيا في اللغويات والعقليات على القول بجواز القياس فيهما بل لابد أن يكون غير شرعي ( ومن شروط ) حكم الأصل أن لا يكون فرعا لقياس آخر إذا لم يظهر للوسط وهو الذي جعل فرعا في القياس الأول واصلا في القياس الثاني فائدة كقياس التفاح على السفرجل والسفرجل على البطيخ والبطيخ على البر في الربا لأن العلة في القياسين مثلا أن اتحدت كان القياس الثاني لغوا وإن اختلفت كان القياس الثاني غير منعقد كما تقدم فإن ظهرت للوسط فائدة جاز كون حكم الأصل فرعا لقياس آخر كان يقال انتفاح ربوى قياسا على الزبيب بجامع الطعم والزبيب ربوى قياسا على التمر بجامع الطعم مع الكيل والتمر ربوي قياسا على الأرز بجامع الطعم والكيل مع القوت والارز ربوي قياسا على البر بجامع الطعم والكيل والقوت الغالب ثم يسقط الكيل والقوت عن الاعتبار في العلية بطريق الاسقاط وهي السبر بإن يقال لا نسلم أن علة الربا الكيل لوجوده في الجبس مثلا مع أنه ليس بربوي ولا نسلم أن علة الربا القوت لتخلف ذلك في الخوخ مثلا فإنه ربوي مع كونه غير مقتات فيثبت أن العلة الطعم وحده وان التفاح ربوى كالبر ولو قيس ابتداء عليه بجامع الطعم لم يسلم ممن يمنع عليه الطعم في هذا القياس فقد ظهر للوسط بالتدريج فائدة وهي السلامة من منع عليه الطعم فيما ذكر فتكون تلك القياسات صحيحة ( هذا تقرير ) ما ذكره المصنف في المتن وغيره في هذا الشرط وفيه مع الشرط السابق الذي هو ثبوت الحكم لا بقياس تكرار واضح كما صرح به الشارح وغيره إذ هما عبارتان معناهما واحد وإن اختلف لفظهما قال وتقييده للثاني بما إذا لم يظهر للوسط","part":2,"page":44},{"id":323,"text":"فائدة لا طائل تحته ( ومن شروط حكم الأصل ) أن يكون جاريا على سنن القياس وطريقته بأن يكون مشتملا على معنى يوجب تعديته من الأصل إلى الفرع فما عدل عن ذلك بأن لم يشتمل على المعنى المذكور لا يقاس على محله لتعذر التعدية حينئذ كالحكم الثابت لخزيمة بن ثابت رضي الله عنه وهو قبول شهادته وجعلها كشهادة رجلين لقوله صلى الله عليه وآله وسلم من شهد له خزيمة فحسبه فلا يثبت هذا الحكم لغيره وإن كان أعلى منه رتبة لأن العلة في ذلك تصديقه وعلمه بإنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول الا حقا وسبقه إلى فهم حل الشهادة بالإستناد إلى ذلك وظاهر أن هذا غير موجود في غيره ضرورة أن السبق لا يتصور في غيره بعد ثبوته له","part":2,"page":45},{"id":324,"text":"(ومن شروط حكم الأصل) ان لا يكون دليله شاملاًلحكم الفرع للاستغناء عن القياس بذلك الدليل مثاله الاستدلال على ربوية البر بقوله عليه السلام الطعام شامل للذره كالبر على السواء فيستغنى عن القياس بالدليل على أن جعل البر مثلاً أصلاً للذرة ليس أولى من العكس (ومن شروك حكم الأصل) كونه متفقاً عليه في الأصل لئلا يحتاج عند المنع الى اثبات ينتقل به الى مسألة أخرى وينتشرا الكلام ويفوت المقصود واختلف في المراد اتفاق الخصمين فقط لأن البحث لا يعدوهما وقيل بين الأمة حتى لا يتاتى المنع بوجه محل اشتراط الإتفاق حيث لم يرم المسند لإثبات الحكم والعلة والا فلا يشترط الاتفاق على الأصح لأن اثبات الحكم بمنزلة اعتراف الخصم به (وقيل) لا يقبل اثابته بل لا بد من اتفاقهما على الأصل صوناً للكلام على الإنتشار (وعلى القول) باشتراط اتفاق الخصمين فقط فالأصح أنه لا يشترط مع اتفاقهما لختلاف الأمة غيرهما في الحكم بل يجوز اتفاقهم فيه كالخصمين (وقيل) يشترط اختلافهم ليمكن الخصم الباحث منع حكم الأصل لأن المتفق عليه لا يمكن الخصم منعه وهو رأي الآمدي وسمي بعضهم المتفق فيه الخصمين فقط بالقياس المركب (ويندرج تحته) نوعان مختلف فيهما أحدهما مركب الأصل والثاني مركب الوصف (فإن كان حكم الأصل) متفقاً فيه بين الخصمين ولكن ثبت لعلتين مختلفتين كما في قياس حلة البالغة على حلي الصبية متفق عليه بين الشافعي والحنفي والعلة فيه عند الشافعي كونه حلياً مباحاً وعند الحنفي كونه مال صبيه فالقياس المشتمل على الحكم المذكور يسمى مركب الأصل لتركيب كل من الخصمين الحكم فيه على علة (أو كان الأصل) متفقاً عليه بين الخصمين لعله واحدة يمنع الخصم وجودها في الأصل المقيس عليه فيسمى مركب الوصف مثاله منع الشافعي تعليق طلاق هند الأجنبية قبل نكاحها لكونه تعليقاً للطلاق قبل ملكه فإذا تزجها لا يقع الطلاق قياساً على زينب التي تزوجها طالق حيث لا يقع الطلاق إذا","part":2,"page":46},{"id":325,"text":"تزوجها بإتفاق الشافعي والحنفي فيقول الحنفي الوصف الذي جعل علة في الفرع وهو التعليق مفقود عندي في الأصل وهو زينب التي اتزوجها طالق فان الطلاق فيه تنجيز وهو في الأجنبية لغو فلا يصح الحاق الفرع الذي وجدت فيه هذه العلة بالاصل الذي فقدت هذه العلة فيه (والمشهور عند الأصوليين ) أن هذين القياسين المركبين لا يقبلان ولا ينهضان * أما الأول فلان الخصم اما أن يمنع عدم العلة في الفرع او الحكم في الأصل فلا يتم القياس واما الثاني فلان الخصم اما ان يمنع الأصل أو حكمه انا بالنسبة للقائس ومقلديه فمعتد بهما (وخالف) اصحاب علم الخلاف وهم مقلدوا ارباب المذاهب المجتهدين الذين يحتج كل منهم لقوله أمامه على خصمه المقلد لأمام آخر قالوا يقبل القياسان لإتفاق الخصمين المتناظرين على حكم الأصل في القياسين المذكورين ولو سلم الخصم العلة التي ذكرها المستدل في الحكم وأنكر وجودها في الفرع كان سلم أن العلة في الربا الطعم مثلاً ولم يسلم وجودها في الأرز فأثبت المستدل وجودها في الفرع وهو الأرز في المثال أو سلم الخصم المناظر وجودها في الفرع انهض الدليل عليه لقيام الدليل عليه في الأول وتسليمه في الثاني .\r{ والصحيح } انه لا يشترط في القياس الإجماع على أن حكم الأصل معلل أو يرد نص دال على عين العلة المستلزم تعليله لأنه لا دليل على اشتراط ذلك بل يكفي اثبات التعليل بدليل وخالف فيه بشر المريسي فاشترط احد الأمرين اما قيام الإجماع على تعليل حكم الأصل أو كون علته منصوصه حكاه البيضاوي.\r{ الثالث من أركان القياس الفرع } وهو المحل المشبه بالاصل كالنبيذ المشبه بالخمر وهو قول الفقهاء وهو الأصح وقيل الفرع حكم المحل المشبه وهو في المثال تحريم النبيذ وهو قول المتكلمين والأول مبني على الأول من أقوال الأصل والثاني على الثالث منها .","part":2,"page":47},{"id":326,"text":"( وللفرع شروط ) منها أن يساوي في العلة علة الأصل فيما يقصد من نوع أو جنس بأن توجد حقيقة العلة بتمامها في الفرع بحيث لا يكون اختلاف إلا في العدد والشخص حتى لو كان العلة ذات أجزاء يشترط اجتماع أجزائها ليتعدى الحكم إلى الفرع فلا تجب المساواة في قوة وضعف ولا في قطع أو ظن ونحو ذلك .\r( وأن يساوي حكمه حكم الأصل ) فيما يقصد من نوع أو جنس كذلك ( مثال المساواة ) في نوع العلة قياس النبيذ على الخمر بجامع الشدة المطربة فإنها موجودة في النبيذ نوعا لا شخصا .\r( ومثال المساواة ) في جنس العلة فرض قياس الطرف على النفس في ثبوت القصاص بجامع الجناية فإنها جنس لإتلافهما .","part":2,"page":48},{"id":327,"text":"( ومثال المساواة ) في نوع الحكم قياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في ثبوت القصاص فإنه فيهما واحد نوعا والجامع كون القتل عمدا عدوانا ( ومثال المساواة ) في جنس الحكم قياس بضع الصغيرة على ما لها في ثبوت الولاية للأب أو الجد بجامع الصغر فإن الولاية جنس لولايتي النكاح والمال فإن خالف الفرع الأصل في نوع العلة أو جنسها أو خالف حكمه حكم الأصل في نوعه او جنسه فسد القياس لانتفاء العلة عن الفرع في الأول وانتفاء حكم الأصل عن الفرع في الثاني ( ولو عورض ) المستدل في مساواة حكم الفرع حكم الأصل في قياسه بمخالفة حكم فرع القياس حكم أصله يكون الجواب ببيان الاتحاد بأن يقيم المستدل الدليل على عدم مخالفة الفرع أصله وذلك كقياس الشافعي ظهار الذمي على ظهار المسلم في حرمة الوطئ فيعترض الحنفي بأن الحرمة في المسلم غير مؤبدة لانتهائها بالكفارة وفي الكافر مؤبدة لأنه ليس من أهل الكفارة إذ لا يمكنه الصوم لفساد نيته فخالف حكم الفرع حكم أصله نوعا إذ هو في الفرع حرمة بتأييد وفي الأصل حرمة بلا تأييد فلا يصح القياس فيجيب الشافعي ببيان الاتحاد بأن يقول لا نسلم أن الذمي ليس من أهل الكفارة مطلقا بل هو من اهلها بإن يسلم ويأتي بالصوم وأما عتقه وإطعامه فيصحان مع الكفر اتفاقا فاتحد حكم الفرع والأصل وصح القياس ( ثم إن كانت ) علة الأصل قطعية كالإسكار في قياس النبيذ على الخمر والإيذاء في قياس الضرب على التأفيف فقياسها قطعي فكان دليل الأصل تناول الفرع فكان دليله قطعيا فالحكم في الفرع قطعي أو ظنياً فهو فيه كذلك وهو شامل لقياس الأولى والمساوي .","part":2,"page":49},{"id":328,"text":"( وإن كانت علة الأصل ظنية ) بأن ظن علية الشيء في الأصل وفي الفرع أو قطع بها في واحد فقط فذلك القياس ظني ويسمى بالقياس الادون وذلك كقياس التفاح على البر في باب الربا بجامع الطعم الذي جعله الشافعي علة الأصل مع احتمال كون العلة في البر الكيل أو القوت كما قيل به فثبوت الربا في التفاح المشتمل على الطعم فقط ادون من ثبوته في البر المشتمل على الطعم والكيل والقوت فدونية القياس من حيث الحكم لا من حيث العلة لما سبق من أن الشرط وجود نوعها أو جنسها بتمامه في الفرع ( قال ) العلامة بن قاسم هذا واضح في نحو هذا المثال وإلا فقد يكون القياس ظنيا ويكون الحكم في الفرع أولى منه في الأصل لنحو أشدية العلة في الفرع فالوجه أن القياس الظني قد يكون أولى ومساويا كما يؤخذ من كلام الصفي الهندي انتهى .","part":2,"page":50},{"id":329,"text":"( وتقبل المعارضة ) في الفرع بقياس مقتض نقيض الحكم أو قياس مقتض ضده على المختار لما تقرر أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان كالقيام وعدمه وأن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض لا بقياس مقتض خلاف الحكم قطعا لما تقرر ان الخلافيين يجتمعان ويجوز ارتفاعهما كالسواد والطول ( وصورة المعارضة ) أن يقول المعارض للمستدل ما ذكرت من الدليل وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي دليل آخر يقتضي نقيضه أو ضده ( مثال النقيض) أن يقول المستدل المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل فيقول لمعارض مسح في الوضوء فلا يسن تثليثه كمسح الخف لكن للمستدل أن يدفعه في المثال بالفرق بابداء خصوصية في الخف لأجلها امتنع التثليث * وهي اداء إلى إتلاف مالية الخف ( ومثال الضد ) أن يقول المستدل الوتر واظب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجب كالتشهد الآخير بجامع مواظبة النبي عليهما * فيقول المعارض هو مستحب قياسا على ركعتي الفجر بجامع ان كلا منهما يفعل في وقت معين لفرض معين من فروض الصلاة فالوتر في وقت العشاء وركعتا الفجر في وقت الصبح ولم يعهد من الشرع وضع صلاتي فرض في وقت واحد ( وقيل وهو مقابل المختار ) لا تقبل المعارضة في الفرع وإلا صار المعترض مستدلاً والمستدل معترضاً وفي ذلك خروج عن القصد من معرفة صحة نظر المستدل في دليله على الفرع إلى غيره ( وأجيب ) بأن قصد المعترض بالمعارضة هدم دليل المستدل لا إثبات مقتضاها المؤدى إلى صيرورة المعترض مستدلا وعكسه (مثال المعارضة) مقضتى خلاف الحكم أن يقول المستدل اليمين الغموس قول بأثم قائله فلا يوجب الكفارة كشهادة الزور * فيقول المعارض قول مؤكد للباطل يظن به حقيته فيوجب التعزير كشهادة الزور فهذا لا يقدح قطعا إذ لا منافاة بين وجوب التعزير ونفي الكفارة .","part":2,"page":51},{"id":330,"text":"( والمختار في دفع المعارضة ) المذكورة في الفرع زيادة على أنها تندفع ابتداء بكل قادح من قوادح العلة التي تعترض بها على المستدل قبول ترجيح دليل المستدل على دليل المعترض بمرجح من المرجحات الآتية في كتاب التعادل والتراجيح كقطعية العلية أو كون مسلكها أقوى للإجماع على وجوب العمل بالراجح ( ومقابله ) عدم قبول الترجيح لأن المعتبر في المعارضة حصول أصل الظن وأصل الظن لا يندفع بالترجيح ( ورد بأنه ) لو صح هذا الدليل لاقتضى منع قبول الترجيح مطلقا لأن الترجيح إنما يفيد رجحان ظن على ظن بخلافه واللازم باطل للإجماع على قبول الراجح مطلقا ( والمختار أيضا ) على القول بقبول الترجيح أنه لا يجب على المستدل الإيماء إلى الترجيح في دليل المستدل قبل ورود المعارضة عليه (ومقابل المختار) وجوب الإيماء لأن الدليل لا يتم بدون دفع المعارض ( ورد ) بأنه لا معارض حينئذ فلا حاجة إلى دفعه قبل وجوبه .\r( ومن شروط الفرع ) أن لا يقوم الدليل القاطع على خلافه لأن القياس ظني فلا يعارض بالقاطع اتفاقا ( وأن لا يقوم ) خبر الواحد على خلاف حكم الفرع عند الأكثر فإن قام على خلافه قدم على القياس كما سبق في تعارض خبر الواحد والقياس ( نعم ) يجوز القياس مع قيام القاطع أو خبر الواحد على خلافه لتجربة نظر المستدل وتمرين فهمه ورياضته على استعمال القياس في الأحكام لا غير فيمتنع العمل به وإن كان قياسا صحيحا لما مر .","part":2,"page":52},{"id":331,"text":"( ومن شروط الفرع ) أن لا يكون حكمه منصوصاً عليه بموافق للقياس من كتاب أو سنة أو إجماع للاستغناء عن القياس بالنص الموافق له خلافا لمن جوز إقامة دليلين فأكثر على مدلول واحد فإنه لا يشترط أن يكون حكم الفرع منصوصا عليه لجواز توارد النص والقياس عنده على حكم واحد ( قيل وهو مشكل ) فإنه إن أراد أن كلا منها يفيد العلم بالمدلول فغير معقول كما هو مقرر لأنه تحصيل حاصل وإن أراد الاستظهار على المدلول فهذا لا يخالفه فيه أحد ( وأجيب ) بأن فائدة القياس عنده معرفة العلة وتقوية الظن أو العلم لا لإثبات حكم الفرع وهذا هو الحق كما يأتي أيضا عن الآمدي والغزالي وسيأتي في الأصل ما يخالف الأول .\r( ومن شروط الفرع ) أن لا يكون ظهور حكمه للمكلفين متقدما على ظهور حكم الأصل لهم كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية فإن الوضوء تعبد به قبل الهجرة والتيمم إنما تعبد به بعدها فلو جاز تقدم حكم الفرع للزم تقدم ثبوت حكم الفرع وهو الوضوء في المثال حال تقدمه من غير دليل وهو ممتنع لأنه تكليف لا يعلم ( وجوزه الإمام الرازي ) عند وجود دليل آخر يستند اليه الفرع المتقدم بناء على جواز دليلين أو أدلة على مدلول واحد وإن تأخر بعضها عن بعض كالاستدلال على نبوته صلى الله عليه وسلم بما انزل من القرآن في المدينة وإن سبق الإستدلال على نبوته بالمعجزة المقارنة لابتداء الدعوة (ولا يشترط) ثبوت حكم الفرع بالنص جملة خلافاً لقوم منهم أبو هاشم في قولهم يشترط ذلك ويطلب بالقياس تفصيله (واستدلوا على ذلك) بقولهم لولا ورود الشرع بميراث الجد جملة لما استعمل الصحابة القياس في كيفية توريثه مع الأخوة .","part":2,"page":53},{"id":332,"text":"( ورد الجمهور ) اشتراطهم ذلك بأن الصحابة وغيرهم قاسوا أنت علي حرام تارة على الطلاق فتحرم وهو قول علي رضي الله تعالى عنه وتارة على الظهار فيوجب الكفارة وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وتارة على اليمين فيكون إيلاء وهو قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يوجد فيه نص لا جملة ولا تفصيلا ( ولا يشترط في الفرع ) انتفاء نص أو إجماع موافق له في حكمه بل يجوز القياس مع موافقتهما أو أحدهما له كذا قاله المصنف وهو مخالف لما ذكره من اشتراط أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه بموافق كما سبقت الإشارة اليه .\r( وقال الغزالي والآمدي ) مع كونهما قائلين بجواز دليلين فأكثر على مدلول واحد يشترط انتفاؤهما نظراً إلى أن الحاجة إلى القياس إنما تدعوا عند فقد النص والإجماع وإن لم تقع مسألته بعد بخلاف ما تقدم عن ابن عبدان من منعه القياس ما لم يضطر اليه ( قال الشارح ) وأجيب بان أدلة القياس مطلقة عن اشتراط ذلك .\r( الرابع من أركان القياس العلة )","part":2,"page":54},{"id":333,"text":"ويعبر عنها بالوصف الجامع بين الأصل والفرع وفي معنى لفظ العلة حيثما أطلقت على شيء في كلام أئمة الشرع أربعة أقوال تنبني عليها المسائل الآتية ( الأول ) وهو قول أهل السنة وهو الحق إنها المعرف للحكم بمعنى أنها علامة للمجتهد يحصل بالإطلاع عليها علمه بالحكم وتختلف التعريف بالنسبة للعارف بها لا يخرجها عن كونها علامة فمعنى كون الإسكار علة أنه علامة على حرمة المسكر كالخمر والنبيذ وحكم الأصل على هذا القول ثابت بها لا بالنص خلافا للحنفية في قولهم أن حكم الأصل ثابت بالنص لأنه المفيد للحكم ( وأجيب ) بأن الكلام فيما يفيد كون محل الحكم أصلا يقاص عليه والمفيد لذلك إنما هو العلة لا النص فإنها منشاء التعدية الناشيء عنها القياس حتى لو وجدت في محل آخر ثبت فيه الحكم أيضا وعلى قول أهل السنة بنى الشافعي رحمه الله هذه المسألة وقول ( وقول ابن الحاجب ) تبعا للآمدي أن مراد الشافعية بقولهم أن حكم الأصل ثابت بالعلة أنها باعثة عليه وأما المعرف له فهو النص وإن مراد الحنفية بقولهم أن حكم الأصل ثابت بالنص أن النص معرف للحكم وإن الباعث عليه هو العلة فالخلاف بين الفريقين سهو .\r( الثاني ) وهو قول المعتزلة العلة هي المؤثر بذاته في الحكم بناء على قاعدعتهم أن الحكم حادث وإن الحكم على الشيء يتبع المصلحة والمفسدة في التحسين والتقبيح العقليين ( الثالث ) وهو قول الغزالي هي المؤثر في تعلق الحكم لا بذاته ولا بصفة فيه بل بإذن الله تعالى أي بجعله إياها مؤثرة وزيفه الإمام الرازي بان الحكم قديم والعلة حادثة والحادث لا يؤثر في القديم ( الرابع ) وهو قول الآمدي وابن الحاجب العلة هي الباعث على الحكم والمراد بالباعث كونها مشتملة على حكمة مخصوصة صالحة أن تكون مقصود للشارع من شرع الحكم لا بمعنى أنه لأجلها شرعه حتى تكون باعثا وغرضا يلزم منه المحذور .","part":2,"page":55},{"id":334,"text":"( ثم العلة قد تكون دافعة للحكم ) غير رافعة له كالعدة فإنها تدفع حل النكاح ابتداء من غير الزوج ولا ترفع حل نكاح الزوج في الأثناء كما لو كانت موطوة بشبهة فإنها تعتد وهي باقية على الزوجية .\r( أو تكون ) رافعة للحكم غير دافعة له كالطلاق فانه يرفع حل الاستمتاع ولا يدفعه لجواز النكاح بعد الطلاق بعقد جديد ( أو تكون ) دافعة للحكم ورافعة له كالرضاع يدفع حل النكاح ابتداء ويرفعه لو طرأ عليه ( وتكون العلة ) وصفا حقيقيا وهو ما يتعقل في نفسه لا يتوقف تعقله على غيره من عرف أو شرع أو لغة ظاهر الا خفيا منضبطا لا مضطربا كالطعم في الربويات ولا خلاف في التعليل به .\r( أو تكون ) وصفا عرفيا ويشترط فيه أن يكون مطرد الا يختلف بإختلاف الأوقات كالشرف والخسة في الكفاءة في باب النكاح فإنه لو لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون ذلك العرف حاصلا في زمنه عليه الصلاة فلا يجوز التعليل به ( وكذا تكون ) العلة في الأصح وصفا لغويا كتعليلهم حرمة النبيذ بأنه يسمى خمرا كالمشتد من عصر العنب بناء على ثبوت اللغة بالقياس ومقابل الأصح يمنع تعليل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي .\r( وفي كون العلة حكما شرعيا أقوال ) أصحها نعم سواء كان المعلول حكما شرعيا أيضا كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه أم كان أمرا حقيقا كتعليل حياة الشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح ( وثانيها ) لا تكون العلة حكما شرعيا لأن الحكم لا يكون علة وإنما يكون معلولا ( ورد ) بأن جهة معلوليته غير جهة عليته ( وثالثها ) التفصيل في المعلول بين الشرعي والحقيقي فإن كان المعلول حكما شرعيا جاز كون العلة حكما شرعيا وإن كان المعلول أمرا حقيقيا امتنع أن تكون العلة حكما شرعيا .","part":2,"page":56},{"id":335,"text":"( ثم العلة تنقسم إلى بسيطة ) وهي ما لاجزء لها كالأسكار ومركبة وهي التي لها جزء ( في التعليل ) بالمركبة ثلاثة أقوال ( أصحها ) جوازه كتعليل وجوب القصاص بأنه قتل عمد عدوان لمكافي غير ولد ( وثانيها ) لا تكون العلة وصفا مركبا لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال فإنه بانتفاء جزء منه تنتفي عليته فبانتفاء جزاء آخر يلزم تحصيل الحاصل لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية ( وأجيب ) بأن هذا اللزوم إنما يأتي في العلل العقلية أما لمعرفات كما هنا فلا ولو سلم أنه علة فحيث لم يسبقه انتفاء جزء آخر كنواقض الوضوء ( وثالثها ) يجوزان يكون أصفا مركبا بشرط أن لا يزيد المركب على خمسة أجزاء كما في مثال تعليل وجوب القصاص السابق قال الإمام الرازي ولا أعرف لهذا الحصر حجة .\r( ومن شروط الالحاق ) بسبب العلة اشتمالها من حيث ترتب الحكم عليها على حكمة تبعث المكلف على امتثال الحكم وتصلح دليلا وسببا لتعلق الحكم بعلته والحكمة أما جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها كحفظ النفوس فإنه حكمة ترتب وجوب القصاص على علته من القتل العمد العدوان لمكافئ غير ولد فمن علم أنه يقتص منه أن قتل الكف عن قتل غيره وقد لا ينكف موطنا نفسه على تلفها فهذه الحكمة باعثة للمكلف من القاتل وولي الأمر على امتثال الأمر الذي هو إيجاب القصاص الدال عليه قوله تعالى ( كتب عليكم القصاص ) واستفيدت الحكمة من قوله تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) وتصلح دليلا وسببا لتعلق وجوب القصاص بعلته وهو القتل ويحصل الامتثال بتمكين كل من القاتل وولي الأمر وارث القتيل من الاقتصاص فقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد إملة مشتركة بينهما مشتملة على الحكمة السابقة ( وعلم بهذا ) أن المراد يكون العلة باعثا أنها باعثة للمكلف على الامتثال لا للشارع على شرع الحكم إذ الشارع قادر على حفظ النفوس مثلا بدون ذلك .","part":2,"page":57},{"id":336,"text":"( ومن أجل اشتراط اشتمال العلة ) على الحكمة المذكورة لجواز الالحاق بسببها كان مانع العلة وصفا وجوديا يخل بحكمتها كالدين على المرجوح من جعله مانعا وجوب الزكاة على المدين فالدين وصف وجودي يخل بحكمة العلة وهي الاستغناء بملك النصاب الذي هو العلة في وجوب الزكاة فإن المدين ليس مستغنيا بملكه لاحتياجه إلى وفاء دينه به ولا يضر خلو المثال عن الإلحاق الذي الكلام فيه .\r( واعلم أن مانع العلة ) هو الذي عبر عنه الأصوليون بمانع السبب فإنهم جعلوا من خطاب الوضع الحكم على الوصف بالمانع وقسموه إلى مانع الحكم وقد تقدم ذكره في صدر الكتاب ومانع السبب وهو المذكور هنا .\r( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) كونها وصفا ضابطا لحكمة بمعنى شاملا لها وهي المصلحة المقصودة من شرع الحكم كالسفر المعلل به جواز القصر والجمع والفطر فإنه مشتمل على حكمة هي المشقة وقد تطلق الحكمة على الوصف الضابط لها مجازا من تسمية الدال باسم المدلول .\r( وهل يجوز ) التعليل بنفس الحكمة فيه مذاهب ( أحدها ) المنع وهو ظاهر كلام المصنف وحكاه الآمدي عن الأكثرين فلا يعلل القصر بنفس الحكمة وهي المشقة على أصح الأقوال لعدم انضباطها بتفاوتها ( وقيل يجوز ) كون العلة نفس الحكمة لأنها المشروع لها الحكم واختاره الإمام الرازي والبيضاوي ولا فرق عليه بين كونها منضبطة أم لا ( وقيل ) ان انضبطت الحكمة جاز كون العلة نفسها لانتفاء المحذور وهو عدم انضباطها واختاره الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي ومنعوا التعليل بها أن لم تنضبط كالمشقة فهي حقيقة غير منضبطة إذ قد تحصل للحاضر وتنتفي عن المسافر .\r( ومن شروط الإلحاق بها ) أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي كان يقول الشارع مثلا حكمت بكذا لعدم كذا وفاقا للآمدي وابن الحاجب وخلافا للإمام الرازي والبيضاوي في تجويزهما تعليل الثبوتي بالعدمي لصحة أن يقال ضرب فلان عبده لعدم امتثاله أمره .","part":2,"page":58},{"id":337,"text":"( وأجيب ) يمنع صحة التعليل بعدم الامتثال في المثال المذكور والأصح التعليل بالعدم ممن لا يتأتى منه الفعل كالجمادات وهو فاسد * وإنما يصح في المثال بالكف عن الإمتثال وهو أمر ثبوتي ( ويجري ) الخلاف كما ذكره ابن الحاجب فيما جزؤه عدمى بأن تكون العلة مركبة من جزئين أحدهما عدمي كتعليل الدية المغلظة في شبه العمد بانه قتل بفعل مقصود لا يقتل غالبا .\r( والجائز اتفاقا ثلاث ) تعليل الثبوتي بالثبوتي كتعليل حرمة الخمر باسكارها * وتعليل العدمى بالعدمي كتعليل عدم نفوذ التصرف بعدم العقل وتعليل العدمى بالثبوتي كتعليل عدم نفوذ التصرف بالإسراف ( وإلاضافيان ) وهما ما يتوقف تعقل كل منهما علىلا الآخر عدميان عند المتكلمين أي لا جود لهما في الخارج وإن كانا ثابتين في الذهب كالأبوة والبنوة وسيأتي تصحيحه أواخر الكتاب * ففي تعليل الثبوتي به الخلاف المتقدم كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة كذا قال الرازي والآمدي ومثل المصنف في مبحث المانع للوجودي بالأبوة كما تقدم وهو صحيح عند الفقهاء نظرا إلى أنها ليست عدم شيء إذا لوجودي عندهم ما ليس العدم داخلا في مفهومه ومرجع القياس إليهم لا إلى المتكلمين والمناسب أن يقال الاضفيان وجوديان .\r( ويجوز التعليل ) بما لا يطلع على حكمته ظاهرا بمعنى أنه لا يخلو عنها في نفس الأمر كتعليل الربوى بالطعم أو الكيل أو القوت .\r( فإن قطع ) بانفتاء الحكم في صورة من الصور كوجوب استبراء الصغيرة المشروع لبراءة الرحم المقطوع بها فيها فقال الغزالي وتلميذه محمد بن يحيى النيسابوري يثبت الحكم فيها للمظنة * وقال الجدليون لا يثبت الحكم فيها لانتفاء الحكمة التي هي روح العلة ولا عبرة بالمظنة عند تحقق المثنة أي العلامة ( والجدليون ) هم أصحاب علم الجدل وهو تعارض يجري بين متنازعين لتحقيق حق أو لإبطال باطل أو لتغليب ظن .","part":2,"page":59},{"id":338,"text":"(واختلف) في جواز التعليل بالعلة القاصرة وهي التي لا تتعدى محل نصها كتعليل الربا في النقدين بنحو نقديتهما وتحريم الخمر بكونه خمرا على أقوال ( أحدها ) منع التعليل بها وبه قال قوم من فقهاء العراق فقالوا لا تعليل بها مطلقا سواء ثبتت بنص أو إجماع أم لا حكاه عنهم القاضي عبد الوهاب في ملخصه* وهو يرد على نقل القاضي الباقلاني والآمدي وابن الحاجب وغيرهم الاتفاق في المنصوصة ( ثانيها ) المنع أن لم تكن ثابتة بنص أو إجماع وهو قول الحنفية وجوزوها أن ثبتت بهما وبه قال أبو عبد الله البصري من المعتزلة وحكاه الشيخ أبو إسحاق والنووي في شرح المهذب وجها لبعض أصحابنا قالوا جميعا لعدم فائدتها لأن الحكم في الأصل ثابت بغيرها وليس لها فرع لقصورها ( وثالثها ) الجواز مطلقا وهو الصحيح وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل واختاره الآمدي والإمام الرازي وأتباعهما ( وفائدتها ) تظهر من وجوه أربعة ( الأول ) معرفة المناسبة بين الحكم ومحله فإن النفس إلى قبول ما تعرف علته أميل منها إلى قبول ما تجهل ( والثاني ) منع الإلحاق بمحل معلولها المشتمل محله على وصف متعد إلى آخر كالخمر في المثال فإنه يشتمل على وصف متعد كالاسكار فاختيار التعليل بالخمرية يمنع الحاق النبيذ بمحل الحكم المذكور باعتبار الاسكار لمعارضة القاصرة وهي الخمرية للمتعدية إلا أن يثبت استقلال تلك العلة المتعدية بالعلية فيصح الإلحاق لانتفاء المعارضة ( والثالث ) تقوية النص الدال على معلولها بأن كان ظاهرا فينتفي بالتعليل بها احتمال خلاف الظاهر ( والرابع ) على ما قاله والد المصنف زيادة الأجر للمكلف عند قصد الامتثال لأجلها فيزداد النشاط فيه بقوة الإذعان لقبول معلولها .","part":2,"page":60},{"id":339,"text":"( والعلة لا تعدى لها ) عند واحد من ثلاثة أمور ( الأول ) عند كونها محل الحكم كتعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبا وفي الفضة كذلك ( والثاني ) عند كونها جزء محل للحكم الخاص بأن لا يوجد في غيره كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما بخلاف الجزء العام وهو المشترك بين محل الحكم وغيره كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة فجزءه المشترك وهو عقد المعاوضة شامل للبيع وغيره وذلك خاص بالمتعدية ( والثالث ) عند كونها وصف محل الحكم اللازم له المساو كتعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء بخلاف غير اللازم كتعليل ربوية البر لطعم فإنه وصف غير لازم للبر ولوجوده في غير البر من المطعومات فلا ينتفي التعدي عنه .\r( ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب ) وفاقا لأبي إسحاق الشيرازي * ومثله الشارح بتعليل الشافعي رضي الله عنه نجاسة بول ما يؤكل لحمه بأنه بول كبول الأدمي وخالف الإمام الرازي في نفيه ذلك حاكيا فيه الاتفاق قائلا بانا نعلم بالضرورة أنه لا أثر في حرمة الخمر لتسميته خمرا بخلاف مسماه من كونه مخامر للعقل فهو تعليل بالوصف انتهى .","part":2,"page":61},{"id":340,"text":"على أن القول الأول معترض بمخالفته لما مر من أن شرط الإلحاق بالعلة اشتمال ترتب الحكم عليها على حكمة باعثة للمكلف على الامتثال وصالحة لإناطة الحكم بالعلة * وترتب الحكم على مجرد الاسم خلي عن ذلك * وتعليل الشافعي الذي مثل به الشارح لا يتعين فيه التعليل باللب بل الظاهر منه أنه تعليل بكونه فردا من أفراد ماهية البول كالأصل فهو تعليل بالوصف لا باللقب ( أما المشتق ) بمعنى المأخوذ من الفعل اللغوي وهو الحدث الصادر من الفاعل كالسارق والقاتل فمتفق على صحة التعلييل به ( وأما نحو الأبيض ) من المأخوذ من الصفة القائمة بالموصوف بغير اختياره كالبياض فشبه صوري ووجه أنه لا مناسبة فيه لجلب مصلحة ولا لدر مفسدة فالتعليل به من باب التعليل الصوري وسيأتي أن الشافعي جوز التعليل به ومنعه غيره .\r( واختلف ) في جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر على أقوال ( أحدها ) وبه قال الجمهور جوازه مطلقا لأن العلل الشرعية علامات ولا مانع من اجتماع علامات على شيء واحد وادعوا مع تجويزه وقوعه كما في المس واللمس والبول المانع كل منها من الصلاة مثلا ( وثانيها ) وبه قال ابن فورك واختاره الغزالي والإمام الرازي وأتباعهم جوازه في العلة المنصوصة دون المستنبطة لأن الأوصاف المنصوصة دل الشارع على تعديها واستقلال كل منها فكانت إمارات بخلاف الأوصاف المستنبطة الصالح كل منها للعلية فإنه يجوز أن يكون مجموعها هو العلة عند الشارع فلا يتعين استقلال كل منها بالعلية .","part":2,"page":62},{"id":341,"text":"( وأجيب ) بأنه يتعين الاستقلال بالاستنباط أيضا ( وحكى ) ابن الحاجب عكس هذا وهو الجواز في السمتنبطة دون المنصوصة قطعية فلو تعددت لزم الجمع بين النقيضين أو تحصيل الحاصل بخلاف المستنبطة لجواز أن تكون العلة عند الشارع مجموع الأوصاف ( وثالثها ) وبه قال إمام الحرمين منع التعدد مطلقا في المنصوصة والمستنبطة على التعاقب وعلى المعية شرعا مع تجويزه اباه عقلا * قال لأنه لو جاز شرعا لوقع ولو نادرا ولو وقع لعلم ولو علم لنقل لكنه لم يقع .","part":2,"page":63},{"id":342,"text":"( وأجيب ) على تقدير تسليم اللزوم بمنع عدم الوقوع وسند المنع ما تقدم من أسباب الحدث من النقض في كل منها ( رابعها) يجوز التعدد في التعاقب أي أحداهما في وقت والأخرى في وقت ولا يجوز التعليل بهما في حالة واحدة للزوم إجتماع النقيضين لها دون التعاقب فإن الذي يوجد في الثانية مثلا منهما مثل الذي يوجد بالأولى لا عينه فلم يلزم جمع النقيضين ( خامسها ) ما صححه المصنف تبعا للقاضي في التقريب واختاره الآمدي وحكاه إمام الحرمين أيضا وهو القطع بامتناع التعدد مطلقا عقلا وشرعا في المنصوصة والمستنبطة وعلى المعية والتعاقب قال للزوم المحال من وقوع تعدد العلل فإن الشيء المستند إلى كل واحدة من علتين مستقلتين متعاقبتين أم لا يستغنى عن الأخرى فيلزم كونه مستغنيا عن كل منهما وغير مستغني عنه وذلك جمع بين النقيضين ومنهم من قصر الجمع بين النقيضين على المعية * واستدل على المنع في التعاقب بلزوم تحصيل الحاصل حيث يوجد بالثانية مثلا نفس الموجود بالأولى ( وأجيب ) من جهة الجمهور بأن المحال المذكور إنما يلزم في العلل العقلية المفيدة وجود المعلول وليس الكلام فيها وأما الشرعية التي هي معرفات مفيدة للعلم بالمعلول فلا ( وعلى المنع ) حيث قيل به فما يذكره المجيز من التعدد أما ان يقال فيه العلة مجموع الأمرين مثلا أو أحدهما لا بعينه كما قيل بذلك أو يقال فيه بتعدد الحكم كما قال به إمام الحرمين ومال إليه المصنف ( ومحل الخلاف ) كما قال الآمدي والصفي الهندي وغيرهما في الواحد بالشخص أما الواحد بالنوع المختلف بالشخص فتعدد العلل فيه متفق عليه كتعليل إباحة قتل زيد بردته وقتل عمرو بزناه محصنا وقتل خالد بترك الصلاة عمدا ومحله أيضا في تعدد العلل الشرعية أما تعدد العلل العقلية فممتنع قطعا ويجوز اتفاقا كما قاله الآمدي وابن الحاجب على القول بتفسير العلة بالمعرف وقوع حكمين بعلة واحدة في الإثبات والنفي كغروب الشمس فإنه علة لجواز الإفطار","part":2,"page":64},{"id":343,"text":"ولوجوب المغرب وأما على المرجوح من تفسيرها بالباعث ففيه أقوال ( أحدها ) وهو الصحيح واختاره المصنف وقوعهما بعلة واحدة في الإثبات كالسرقة فإنها علة لوجوب القطع زجرا للسارق حتى لا يعود ولغيره حتى لا يقع ولوجوب غرم المال والمروق إذا تلف جبرا لصاحب المال وفي النفي كالحيض فإنه علة مانعة للصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام ( والثاني يمتنع ) تعليل حكمين بعلة واحدة مطلقا بناء على اشتراط المناسبة فيها ( والثالث يجوز ) تعليل حكمين بعلة واحدة إذا لم يتضاد كتحريم الصلاة والصوم بالحيض ويمتنع أن تضادا كالتأبيد لصحة البيع ولبطلان الإجارة لأن العلة الواحدة لا تناسب أمرين متضادين .","part":2,"page":65},{"id":344,"text":"( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن يكون ثبوتها متأخرا عن ثبوت حكم الأصل بل يقارنه سواء فسرت بالمعرف أو الباعث لامتناع تأخر كل منهما عن ذلك الشيء كقولنا في عرق الكلب هو عرق حيوان نجس فيكون نجسا كلعا به فيمنع كونه نجسا فيقال لأنه مستقذر فإن استقذاره إنما يحصل بعد العلم بنجاسته خلافا لما قاله قوم من العراقيين من تجويزهم تأخر ثبوت العلة عن حكم الأصل بناء على تفسيرها بالمعرف كتعليلهم ولاية الأب على الصغير الذي طرأ له الجنون بالجنون مع أن الولاية ثابتة متقدمة على طروه حكاه القاضي عبد الوهاب قال الصفي الهندي والحق الجواز أن أريد بالعلة المعرف فإن أريد بها الموجب أو الباعث فلا ( ومن شروط الإلحاق ) أن لا تعود على حكم الأصل المعلل بها المستنبطة منه بالإبطال لأنها فرعه والفرع لا يبطل أصله إذ لو أبطل أصله لأبطل نفسه وذلك كتعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقير ودفع حاجة الفقير مجوز لإخراج قيمة الشاة وإخراج قيمة الشاة مفض لإبطال حكم الأصل وهو وجوبها على التعيين بالتخيير بين دفعها أو دفع قيمتها ( وفي عودها ) على حكم الأصل بالتخصيص له لا بالتعميم قولان للشافعي بالجواز وعدمه مستنبطان من اختلاف قوليه في نقض الوضوء بلمس المحارم ( أحدهما ) عدم النقض وهو اظهر قوليه نظرا إلى أن المحارم لسن من مظنة الاستمتاع فقد عادت العلة على حكم الأصل بالتخصيص ( والثاني ) النقض تمسكا بعموم قوله تعالى { أو لآمستم النساء } ومثله تعليل الحكم في بيع اللحم بالحيوان بأنه بيع الربى فإنه يقتضي جواز البيع بغير الجنس من مأكول وغيره كما أحد هو قولي الشافعي فقد عادت العلة على حكم الأصل بالتخصيص والثاني لمنع نظرا لعموم النهي وهو أظهر قوليه ولاختلاف الترجيح في الفروع بين التخصيص تارة والتعميم أخرى لم يرجح المصنف أحد القولين ( أما عود العلة ) على أصلها بالتعيميم فهو جائز بالاتفاق وهو غالب الاقيسة كتعليل الحكم في","part":2,"page":66},{"id":345,"text":"حديث الصحيحين لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب مما يشوش الفكر كالفرح الشديد ونحوه .\r( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن لا تكون العلة التي يستنبطها المجتهد معارضة بمعارض مناف لمقتضاها موجود ذلك المنافي في الأصل المقيس عليه وهو صالح للعلية ومفقود في الفرع إذ لا عمل لها مع وجوده إلا بمرجح ومثله المصنف بقول الحنفي في نفي وجوب تبييت النية في صوم رمضان صوم عين فيجعل بنيته قبل الزوال كالنفل فيعارضه الشافعي فيقول صوم فرض فيحتاط فيه ولا يبني على السهولة انتهى ( واعترض الشارح ) تمثيل المصنف بأنه غير مطابق للمسألة فإنه مثال لمعارض العلة في الجملة فلا يفيد كون المعارض منافيا لمقتضى العلة ولا موجودا في الأصل أي لأن الفرضية التي عارضت العينية ليست موجودة في النفل الذي هو الأصل ( قيل ) والأول وهو كونه غير مناف ممنوع بأن البناء على الاحتياط الذي هو مقتضى العلة المعارض بها ينافي البناء على السهولة الذي هو مقتضى القياس المذكور والثاني مسلم .","part":2,"page":67},{"id":346,"text":"( قال الشيخ خالد الأزهري ) ولم أقف على مثال مطابق لهذه المسألة وقد قال المصنف ليس في هذا الكتاب أشكل منها ( قيل ) ويشترط أن لا تكون العلة معارضة بمعارض مناف موجود في الفرع أيضا بأن تثبت فيه علة أخرى توجب خلاف الحكم الثابت بالقياس على أصل آخر لأن المقصود من ثبوتها ثبوت الحكم في الفرع ومع وجود المنافي فيه المستند إلى قياس آخر لا يثبت ( ومثله المصنف ) بقول الشافعي مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه فيعارضه الخصم بأنه مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين انتهى ( واعترض الشارح ) وغيره هذا المثال بأنه مثال للمعارض في الجملة وليس منافيا أي لأنه لا تنافي بين الركن والمسح ( قيل ) وفي الاعتراض نظر لحصول المنافاة بينهما بأن الأول يقتضي استحباب التثليث والثاني يقتضي عدم استحبابه وإنما ضعفوا هذا الشرط وإن كان حكم الفرع غير ثابت عند انتفاء هذا الشرط لرجوع هذا إلى كونه شرطا لثبوت حكم الفرع لا العلة التي الكلام فيها ويؤخذ من محله في مبحث الفرع وإنما قيدوا المعارض بالمنافي لأن منه ما لا ينافي كما سيأتي فلا يشترط انتفاؤه بل يكون هو علة أيضا بناء على الراجح من جواز التعليل بعلتين .\r( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن لا تخالف العلة نصا لأنها لا تقاومه فيقدم عليها كقول الحنفي المرأة مالكة لبعضها فيصح نكاحها بغير إذن وليها قياسا على بيع سلعتها فيقول الشافعي هذه العلة مخالفة للنص وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم أيما امراءة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل رواه أبو داود وغيره ( وإن لا تخالف ) إجماعا لتقدمه على القياس كذلك كقياس صلاة المسافر على صومه في عدم الوجوب بجامع السفر الشاق فهذه العلة مخالفة للإجماع لقيامه على وجوب أدائها على المسافر مع مشقة السفر .","part":2,"page":68},{"id":347,"text":"( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن لا تتضمن العلة زيادة على النص إن نافت مقتضاه بأن يدل النص على علية وصف ويزيد بالاستنباط فيه منافيا للنص فلا يعمل بالاستنباط لأن النص مقدم عليه .\r( قال العلامة اللقاني ) ويمكن التمثيل له بأن ينص على أن عتق العبد الكتابي لا يجزي لكفره فيعلل بأنه عتق كافر يتدين بدين فهذا القيد ينافي حكم النص المفهوم منه وهو أجزاء عتق المؤمن المفهوم من المخالفة وعدم أجزاء المجوسي المفهوم بالموافقة الأولى انتهى وهذا الشرط وافق المصنف فيه الآمدي بقيده وأطلقه غيره وقال المصنف والصفي الهندي إنما يتجه الإطلاق بناء على أن الزيادة على النص نسخ للنص وهو قول الحنفية كما تقدم .\r( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن تكون وصفا معينا لأن العلة منشاء التعدية المحققة للقياس الذي هو الدليل ومن شأن الدليل أن يكون معينا لا مبهما فكذلك منشاء المحقق له خلافا لمن اكتفى بعلية وصف مبهم من أمرين فأكثر مشترك بين المقيس والمقيس عليه فإنه يقول المبهم المشترك يحصل المقصود ( ومثاله ) أن يقال يحرم الربا في البر للطعم أو القوت أو الإدخار أو الكيل قال الصفي الهندي وقد أطبق الجمهور على فساده فإنه يلزم منه مساواة العامي للمجتهد في إثبات الأحكام بأن يعلم مساواة ذلك الفرع لأصل من الأصول في وصف عام في الجملة .\r( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن لا تكون وصفا مقدرا لا حقيقة وفاقا للإمام الرازي حيث قال في المحصول الحق أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة خلافا لبعض الفقهاء العصريين * مثاله قولهم الملك معنى مقدر شرعي في المحل أثره إطلاق التصرفات انتهى * فهذا عنده من الوصف المحقق وليس من لوازم المحقق كونه محسوماً بدليل جعل المتكلمين العلم ونحوه كالقدرة من الموجودات المحققة .","part":2,"page":69},{"id":348,"text":"( ومن شروط الإلحاق بالعلة ) أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه على المختار في المسألتين للاستغناء حينئذ من القياس بذلك الدليل ( مثال العموم ) قياس التفاح على البر بجامع الطعم في باب الربا فإن النص وهو حديث مسلم الطعام بالطعام مثلا بمثل دال على عليه الطعم فلا حاجة في إثبات ربوية التفاح مثلا إلى قياسه على البر بجامع الطعم للاستغناء عنه بالعموم ( ومثال الخصوص ) قياس الحنفي القي والرعاف في نقض الوضوء بهما على الخارج من السبيلين بجامع الخارج النحس فإن النص وهو حديث من قاء أو رعف فليتوضاء دال على عليه الخارج النجس في نقض الوضوء فلا حاجة للحنفي إلى قياسهما على الخارج من السبيلين للاستغناء عنه بخصوص النص ولضعف الحديث المذكور لم يقل الشافعي ولا مالك ينقض الوضوء بهما ( وهذا الشرط ) مستغنى عنه بما تقدم في موضعين كلام المصنف أحدهما قوله في شروط الأصل وإن لا يكون دليل حكمه شاملا لحكم الفرع * والآخر قوله في شروط الفرع وأن لا يكون الفرع منصوصا بموافق وإنما ذكرناه هنا مجاراة للمتن وقد سبق التنبيه على تكراره أيضا في شروط الفرع .","part":2,"page":70},{"id":349,"text":"( ولا يشترط ) في العلة المستنبطة على الصحيح كون دليل الأصل قطعي الدلالة من كتاب أو سنة متواتر بل يجوز القياس على الأصل الثابت حكمه بدليل ظني لأن أكثر الأصول ظنية * ومقابل الصحيح اشتراط كون دليل حكم الأصل قطعيا ( والصحيح ) أنه لا يشترط في العلة المستنبطة أن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي لأن قول الصحابي ليس بحجة على المجتهد * وعلى القول بأنه حجة فليس أرجح من القياس ( والصحيح ) أنه لا يشترط القطع بوجودها في الفرع بل يكفي الظن بوجودها فيه لأن القياس ظني فيكفي وجودها بحسب ظن المجتهد ( ومقابل الصحيح ) اشتراط القطع بوجودها في الفرع لأن الظن يضعف بكثرة المقدمات فربما يضمحل فلا يكفي * أما انتفاء المعارض للعلة غير المنافي لها فمبنى على جواز التعليل لحكم واحد بعلتين فعلى القول بالجواز كما هو رأي الجمهور لا يشترط انتفاوه وعلى القول بالمنع يشترط .","part":2,"page":71},{"id":350,"text":"( والمعارض هنا ) بخلافه فيما تقدم حيث وصف بالمنافي هو وصف صالح للعلية كصلاحية ما عورض لها وإن لم يكن مثله من كل وجه من غير منافاة بين الوصفين بالنسبة إلى الأصل المقيس عليه لأنهما وصفان ليس بينهما تضاد ولا تناقض ولكن يوؤل الأمر إلى الاختلاف بين المتناظرين في الفرع كالطعم مع الكيل في البر مثلا * فكون كل منهما صالح لعلية الربا فيه لا ينافي الآخر بالنسبة اليه ولكن يوؤل الأمر إلى الاختلاف بين المتناظرين في التفاح مثلا في جريان الربا فيه * فعند أحد المتناظرين كالشافعي هو ربوي كالبر لعلة الطعم * وعند الآخر القائل بأن العلة الكيل ليس بربوي لانتفاء الكيل فيه فكل من المتناظرين يحتاج في ثبوت مدعاه من أحد الوصفين الطعم والكيل إلى ترجيحه على الآخر ( ولا يلزم ) المعترض بيان انتفاء الوصف الذي عارض به وهو الكيل في المثال عن الفرع وهو التفاح فيه سواء صرح بالفرق بين الأصل والفرع في الحكم بان قال لا ربا في التفاح مثلا بخلاف البر أم لم يصرح بأن سكت عن حكم الفرع لحصول مقصوده من هدت علة المستدل بمجرد المعارضة على أصح الأقوال ( وثانيها ) يلزمه ذلك مطلقا ليفيد انتفاء الحكم عن الفرع الذي هو المقصود ( ورد ) بأن حصول المقصود من الهدم يصيرهما متعارضين ولا حكم مع التعارض ( وثالثها ) يلزمه أن صرح بالفرق بين الأصل والفرع في الحكم لأنه بتصريحه بالفرق التزمه فعليه الوفاء به وإن لم يلتزمه ابتداء بخلاف ما إذا لم يصرح بالفرع وهذا هو مختار الآمدي وابن الحاجب ( ولا يلزم المعترض ) أبداء دليل يشهد لوصفه الذي عارض به الاعتبار في العلية على المختار عند المصنف ( وقيل يلزمه ) لتقبل معارضته كان يقول العلة في البر الطعم دون القوت بدليل الملح فيكون التفاح في المثال ربويا ( ورد من جهة المختار ) بان مجرد معارضته بوصف صالح للعلة كاف في المقصود من الهدم والتعرض لحكم الفرع زيادة استظهار .","part":2,"page":72},{"id":351,"text":"( ثم للمستدل ) بعد تقرير المعارضة وقبولها من المعترض دفع المعارضة باحد وجوه أربعة (الأول ) الدفع بمنع وجود الوصف المعارض به في الأصل كما لو علل المستدل على ربوية الجوز مثلا بكونه مطعوما فعورض بأن العلة كونه مكيلا فمنع المستدل كون معياره الكيل بأن العبرة في المعيار بعادة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان الجواز إذ ذاك موزونا أو معدودا ( الثاني ) الدفع بالقدح في علية الوصف المعارض به ببيان خفائه أو عدم انضباطه أو كونه عدمياً أو نحو ذلك من مفسدات العلة وليس المراد بذلك مطلق القدح وإلا لدخل فيه المنع المذكور قبله والمطالبة بالتأثير والشبه المذكور بعده فإن كلا منهما قدح وإنما المراد خصوص القدح في العية بإفسادها ( مثال القدح ) بالخفاء أن يعلل المستدل مثلا وجوب الحد في الزنا بإيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا فيقول المعترض العلة إنما هي العلوق فيقدح المستدل في هذه العلة بكونها خفية ( ومثال القدح ) بعدم الانضباط أن يعلل المستدل جواز القصر بسفر أربعة برد فيقول المعترض إنما العلة المشقة فيقدح المستدل في هذه العلة بكونها غير منضبطة ( الثالث ) الدفع بمطالبة المستدل للمعترض ببيان تأثير الوصف الذي أبداه المعترض معارضا لوصف المستدل إن كان مناسبا وببيان شبهه لما عارض به إن كان غير مناسب * كان يقال للمن عارض القوت بالكيل لم قلت إن الكيل مؤثر فيجيبه ببيان أنه مؤثر بالدليل وإلا اندفعت المعارضة ( وإنما تسمع المطالبة ) بالتأثير أو الشبه إن لم يكن دليل المستدل على العلة سبراً و تقسيما بان كان كما تقدم مناسبة أو شبهه لتحصل معارضة الشيء بمثله بخلاف ما إذا كان سبرا فليس له مطالبة المعترض لأن الوصف يدخل في السبر بمجرد احتمال كونه مناسبا وإن لم يثبت مناسبته وهو كاف في دفع السبر والتقسيم ( نعم ) على المستدل بيان الحصر فيما ذكره بطريقه لتتم له طريق السبر ( والرابع ) الدفع ببيان استقلال ما عدا","part":2,"page":73},{"id":352,"text":"الوصف المعترض به في صورة من الصور ولو كان البيان بظاهر عام كما يكون بالإجماع إذا لم يتعرض المستدل للتعميم بأن بين استقلال الطعم المعارض بالكيل في صورة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم الطعام بالطعام مثلا بمثل رواه مسلم فإذا بين ذلك فالوصف المستقل مقدم على غيره لئلا يلزم الغاء المستقل واعتبار غيره * أما أن تعرض المستدل للتعميم بأن قال فثبتت ربوية كل مطعوم فقد خرج عما هو فيه من إثبات القياس الذي هو بصدد الدفع عنه إلى الاستدلال بالنص .","part":2,"page":74},{"id":353,"text":"( ولو أبدى المعارض ) وصفا على سبيل الاستقلال بدليل لآخر فقال المستدل للمعترض ثبت الحكم في هذه الصورة مع انتفاء وصفك الذي عارضت به وصفى عنها لم يكف ذلك في الدفع إن لم يوجد مع انتفاء وصف المعترض عنها وصف المستدل فيها لاستوائهما في انتفاء وصفيهما في تلك الصورة فكما يفسد علة المعترض يفسد علة المستدل فإن وجد وصف المستدل فيها كفى في الدفع بناء على ما صححه المصنف من امتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين مثاله ان يقول المستدل يحرم الربا في التمر لعله القوت * فيقول المعترض بل لعلة الوزن فيقول المستدل ثبت الحكم في الملح مع انتفاء وصفك وهو الوزن عنها فيقول المستدل ثبت الحكم في الملح مع انتفاء وصفك وهو الوزن عنها فهذا الدفع غير كاف لاستوائهما في انتفاء وصفيهما وهما القوت والوزن في المثال عن الصورة المنقوض بها وهي الملح فيه بخلاف ما لو وجد وصف المستدل كما لو كان بدل الملح في المثال المذكور البر فإنه يكفي في الدفع ( وقيل لم يكف مطلقا ) سواء وجد فيها وصف المستدل أم لا بناء على جواز تعليل الحكم بعلتين كما هو رأي الجمهور ( قال المصنف ) وعندي أن المستدل في حالة انتفاء وصفه ينقطع بإيراد الصورة العارية عن وصفه وإن جوزنا التعليل بعلتين لاعترافه بالغاء وصفه فيها حيث ساوى وصفه وصف المعترض فيما قدح هو به فيه ولعدم انعكاس وصف المستدل وهو كلما انتفت العلة انتفى المعلول إذ لم ينتف الحكم مع انتفاء الوصف كذا قال لكن الانقطاع لا يترتب على عدم الانعكاس لاحتمال أن يكون المستدل ممن يجوز التعليل بعلتين .","part":2,"page":75},{"id":354,"text":"( ولو أبدى المعترض ) في الصورة التي الغى المستدل فيها وصف المعترض وصفا يخلف وصفه المغي بقيامه مقامه في التعليل سمى أبداه ذلك تعدد الوضع لتعدد الموضوع المبنى عليه الحكم عند المعترض من ذكره وصفا بعد آخر وزالت بما أبداه المعترض فائدة الالغاء وهي سلامة وصف المستدل عن القدح فيه ( مثاله ) ما لو علل المستدل ربوية البر بالطعمية فعارضه المعترض بأن العلة الكيل فقدح المستدل فيها بثبوت الحكم دونها في التفاح فيكون الكيل ملغى فأبدى المعترض علة أخرى تخلف هذه العلة التي ألغاها المستدل بأن قال أن التفاح وإن لم يكن مكيلا فهو موزون فقد خلف الكيل فيه الوزن والعلة عندي أحد الشيئين من الكيل والوزن فتزول فائدة الغاء المستدل الكيل بثبوت الحكم في التفاح دونه فلا تسلم علته وهي الطعم عن القدح (ومحل كون الخلف المذكور ) وهو في المثال الوزن مزيلا لفائد الإلغاء من سلامة علة المستدل وهي في المثال الطعم من القدح إذا سكت المستدل عن إلغاء ذلك الخلف أصلا أو الغاه بدعوى كونه قاصرا أو بدعوى ضعف المظنة فيه فيستمر الإعترض منتهضا على المستدل في الثلاث المسائل * خلافا لمن زعم إلغاء المستدل الخلف بدعوى كونه قاصرا أو بدعواه بعد تسلمه وجود المظنة المعلل بها فيه كون المعنى فيها ضعيفا بناء على امتناع التعليل بالعلة القاصرة في الأولى وعلى تأثير ضعف المعنى في المظنة في الثانية أما إذا الغاه بغير هذين كان الغاه بانتفائه عن صورة مع وجود الحكم فيها كان يقول ثبتت ربوية البيض مع كونه غير موزون فلا تزول حينئذ فائدة إلغائه وينتهض الدليل على المعترض ( ويكفي ) في دفع المعارضة رجحان وصف المستدل على الوصف الذي أبداه المعترض بمرجح من المرجحات الآتية في الكتاب السادس ككون وصف المستدل انسب أو أشبه من وصف المعترض ( وهذا مبنى ) على ما صححه المصنف من منع تعدد العلة أما من قال بجواز التعدد وهو الراجح كابن الحاجب فلم يكتف بالمرجح في دفع","part":2,"page":76},{"id":355,"text":"المعارضة بل يجوز أن يكون كل من الوصفين علة * ورجحان أحدهما لا ينافي عليه الآخر إذ يجوز أن يكون بعض العلل أرجح من بعض ( وقد يقع الاعتراض ) على المستدل باختلاف جنس الحكمة المقصودة من شرع الحكم في الأصل والفرع وهو القدر المشترك بينهما كقول المستدل يحد اللائط كالزاني بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا فيعترض الخصم بان الحكمة مختلفة فإنها في حرمة الفرع وهو اللواط الصيانة عن رذيلته * وفي حرمة الأصل وهو الزنا دفع اختلاط النساب المودي الزنا اليه فيجوز لذلك أن يختلف حكم الزنا واللواط بأن يقصر الشارع الحد على الزنا فيكون خصوصه معتبرا في علة الحد( فيجاب ) عن هذا الإعتراض بحذف خصوص الأصل وهو في المثال اختلاط الأنساب عن درجة الاعتبار في العلة بطريق من الطرق الآتية في إبطال العلة فتبقى العلة هي القدر المشترك فقط وهو في المثال الإيلاج بقيده لا مع خصوص الزنا فيه ( واما علة انتفاء الحكم ) إذا كانت وجود مانع من ثبوت الحكم كنفي وجوب القصاص عن الأب بقتل ولده لمانع وجودي وهو الأبوة أو كانت انتفاء شرط كانتفاء وجوب رجم البكر بعدم الإحصان الذي هو شرط في وجوب الرجم فلا يلزم من كونها كذلك وجود المقتضي للحكم وهو القتل في المثال الأول والزنا في الثاني عند المصنف وفاقا للإمام الرازي وأتباعه * لأنه إذا انتفى الحكم مع وجود المقتضى للحكم لأنه إذا انتفى الحكم مع وجود المقتضى كان إنتفاؤه مع عدمه احق (وقال الجمهور) يلزم وجود المقتضى للحكم إذ لو جاز انتفاؤه كان انتفاء الحكم حين انتفاء المقتضى لانتفائه أي المقتضى لا لما فرض من وجود مانع او انتفاء شرط .\r( مبحث مسالك العلة )\rالمراد بها الطرق الدالة على علية الشيء .","part":2,"page":77},{"id":356,"text":"( الأول منها الإجماع ) فإذا اجمعوا على علية وصف لحكم إجماعا قطعيا أو ظنيا ثبت كونه علة كاجماعهم في حديث الصحيحين لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان على أن علته تشويش الغضب الفكر فيقاس على الغضب غيره مما يشوش الفكر .\r( الثاني منها النص ) والمراد به هنا دلالة الكتاب أو السنة وهو قسمان صريح وظاهر ( فالأول ) منهما الصريح وهو مالا يحتمل غير العلة بدلالته عليها بالوضع فلا يحتاج لنظر واستدلال وهو مراتب ( وأعلاها ) أن يقال لعلة كذا فيما لو ورد هذا وجب لعلة كذا مثلا ( ويليه في الرتبة ) أن يقال لسبب كذا ( ويليه فيها ) أن يقال من أجل كذا نحو قوله تعالى { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائل } الآية ( ويليه نحو كي ) وإذن نحو كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } (الثاني) من قسمي النص الظاهر وهو ما يحتمل غير العلية احتمالاً مرجوحاً (والفاظه مراتب ) أيضا ( واعلاها اللام ) حال كونها ظاهرة نحو قوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ( وتليها اللام مقدرة ) كقوله تعالى { ولا تطع كل حلاف مهين } الآيات ( وتليها الباء ) نحو فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( وتليها الفاء ) في كلام الشارع أي ترتب الحكم على الوصف بالفاء لأنها ظاهر في التعقيب ويلزم من ذلك العلية غالباً لأنه لا معنى لكون الوصف علة إلا ثبوت الحكم عقبه وترتبه عليه كذا قرره الزركشي في شرحه ( لكن قال الولي ) أبو زرعة فيه وفي كلام المصنف نظر لأن العلة على هذا التقدير إنما هي بالإيماء لا بالنص الظاهر انتهى ثم قد توجد الفاء في كلام الشارع في الحكم وقد توجد في الوصف فالأول كقوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } والثاني كحديث الصحيحين في المحرم الذي وقصته ناقته لا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ( وتليها الفاء في كلام الراوي ) المجتهد فغير المجتهد كقول","part":2,"page":78},{"id":357,"text":"عمران بن حصين سها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسجد رواه أبو داود وغيره فالسهو علة للسجود ( وإنما لم تكن المذكورات ) من النص الصريح لمجيئها لغير التعليل كالعاقبة في اللام نحو { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } * وكالتعدية في الباء نحو { ذهب الله بنورهم } وكالعطف في الفاء نحو { الذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى } وقد تقدم ذلك في مبحث الحروف ( ومن الظاهر أن المكسورة ) المشددة نحو قوله تعالى حاكيا { وما أبرئ نفسي أن النفس لأمارة بالسوء } ( ومنه إذ ) نحو ضربت العبد إذا ساء ( ومنه ما مضى ) في مبحث الحروف مما يأتي للتعليل غير المذكور هنا وهو بيد وحتى وعلى وفي ومن .\r( الثالث من مسالك العلة الإيماء إليها ) من الإيماء ما اتفقوا على كونه ................... ما اختلف في كونه إيماء ( فالمتفق ) على كونه إيماء هو اقتران ................ حقيقةً أو تقيدراً بحكم منصوص كذلك لو لم يكن ذلك الوصف أو نظيره ذكر لتعليل الحكم أو نظيره كان ذلك الاقتران بعيدا من الشارع لا يليق بفصاحته وإتيانه بالألفاظ في مواضعها وستاتي له أمثلة كثيرة ( والمختلف في كونه ) إيماء نوعان أحدهما اقتران وصف منصوص بحكم منستنبط لو لم يكن الخ والثاني من المختلف فيهما إقتران وصف مستنبط بحكم منصوص لو لم يكن الخ وعلى القول بأنهما إيماء يقدمان عند التعارض على المستنبط بلا إيماء أما إذا كان الوصف والحكم مستنبطين فليس اقترانهما بإيماء قطعا .","part":2,"page":79},{"id":358,"text":"( ثم الاقتران المذكور أنواع ) منها حكم الشارع بعد سماع وصف المحكوم عليه وإنهاء المحكوم عليه للشارع حاله فإنه يدل على علية ذلك الوصف للحكم كما في حديث الأعرابي واقعت أهلي في نهار رمضان فقال له النبي اعتق رقبة فحكمه على الأعرابي بعتق الرقبة عقب علمه بوقاعه زوجته في نهار رمضان دليل على أن الوقاع علة العتق وإلا لخلا السؤال عن الجواب وذلك بعيد فيقدر السؤءال في الجواب فكانه قال واقعت فكفر ( ومنها ) أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يكن علة للحكم لعرى عن الفائدة كقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان )) رواه الشيخان * فتقييده منع الحكم بحالة الغضب المشوش للفكر دليل على أنه علة للمنع وإلا لخلا ذكره عن الفائدة وفي ذلك بعد ( ومنها ) أن يفرق الشارع بين حكمين بصفة مع ذكرهما أو ذكر أحدهما فقط فالأول كحديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل للفرس سهمين وللرجل أي صاحبها سهما فتفريقه بين هذين الحكمين بهاتين الصفتين الفرسية والرجولية لو لم يكن لعلية كل منهما لكان بعيدا * والثاني كحديث الترمذي القاتل لا يرث * فذكر عدم إرث القاتل وترك إرث غير القاتل المعلوم إرثه * فتفرقته بين عدم الإرث المذكور وبين الإرث المعلوم بصفة القتل المذكورة مع عدم الإرث لو لم يكن لعليته لكان عيدا ( ومنها تفرقة الشارع ) بين حكمين بشرط كحديث مسلم الذهب بالذهب والفضة بالفضة الحديث بطوله إلى قوله فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد * فتفرقته بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلا وبين جوازه عند اختلاف الجنس بالشرط المذكور لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز لكان بعيدا .","part":2,"page":80},{"id":359,"text":"( ومنها ) تفرقة الشارع بين حكمين بالغاية كقوله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن ) والحكم والوصف في هذا المثال مقدران أي فإذا طهرن فأقربوهن كما صرح به تعالى عقبه فتفريقه بين المنع من قربانهن في الحيض وبين جوازه بالطهر في الغاية لو لم يكن لعلية الطهر للجواز لكان بعيداً ومنها تفرقة الشارع بين حكمين بالاستثناء كقوله تعالى { فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون } أي الزوجات المطلقات عن ذلك النصف والحكم فيه مقدر أي فلا شيء عند عفوهن * فتفرقته تعالى بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه عند عفوهن عنه بالاستثناء لو لم يكن لعلية العفو للانتفاء لكان بعيدا (ومنها تفرقة الشارع ) بين حكمين بإستدراك كقوله تعالى { لا يواخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يواخذكم بما عقدتم الأيمان } فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالإيمان وبين المؤاخذة عند تعقيدها بالاستدراك لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة لكان بعيدا .","part":2,"page":81},{"id":360,"text":"( ومن أنواع الاقتران ) أن يذكر عقب الكلام أو في سياقه شيئا لو لم يعلل به الحكم المذكور لم ينتظم الكلام كقوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } وذكروا البيع فالبيع لا يمنع منه مطلقا فلو لم يكن علة المنع منه مظنة تفويت الجمعة لكان بعيدا ( ومنها ترتيب الحكم على وصف ) مشتق نحو أكرم العلماء فترتيب الإكرام على العلم لو لم يكن لعلية العلم له لكان بعيدا ( وهذه الأمثلة ) التي في هذه الأنواع كلها مما اتفق على كونه إيماء وهو ما كان الوصف والحكم فيه منصوصان كما تقدم * وأما ما كان الوصف فيه منصوصا والحكم فيه مستنبطا فالأصح أنه إيماء لإستلزام الوصف للحكم مثاله قوله تعالى { واحل الله البيع } فحله وهو الوصف الملفوظ به في الآية مستلزم لصحته وهي الحكم المستنبط منه * وأما ما كان الوصف فيه مستنبطا والحكم منصوصا فالراجح أنه ليس بإيماء لجواز كون الحكم أعم من الوصف مثال الوصف المستنبط لا تبيعوا البر إلا مثلا بمثل فالوصف وهو الطعم الذي علق به الحكم وهو تحريم البيع ليس منصوصا ومن هذا القسم أكثر العلل لأن الأكثر في الشرعيات ذكر الأحكام دون عللها فيستنبط المجتهدون تلك العلل ومثال النظير حديث الصحيحين أن امراءة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفاصوم عنها فقال : أرايت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك فإنه يؤدي عنها سألته عن دين الله على الميت وجواز قضائه عنه فذكر لها دين الآدمي عليه وقررها على جواز قضائه عنه وهما نظيران فذكره صلى الله عليه وآله وسلم لنظير المسئول عنه مع ترتيب الحكم عليه وهو جواز القضاء لو لم يكن لعلية الدين له لكان بعيدا وأركان القياس مجتمعة فيه فالأصل دين الآدمي والفرع الصوم وهو دين الله والحكم جواز قضاء دين الميت والعلة الجامعة الدينية .","part":2,"page":82},{"id":361,"text":"( ولا يشترط ) في التعليل بالإيماء مناسبة الوصف المؤمى اليه للحكم في الأنواع السابقة عند الأكثر من العلماء بناء على أن العلة بمعنى المعرف وهو الراجح ( وقيل يشترط ) المناسبة مطلقا بناء على أنها بمعنى الباعث وعليه الجويني والغزالي وذهب قوم إلى التفصيل فقالوا تشترط المناسبة أن فهم التعليل منها واختاره ابن الحاجب كحديث لا يقضي القاضي وهو غضبان والخلاف بالنسبة إلى الظاهر وهي معتبرة في نفس الأمر قطعا للاتفاق على امتناع خلوا الأحكام عن الحكمة فضلا أو وجوبا على الخلاف المعروف .","part":2,"page":83},{"id":362,"text":"( الرابع من مسالك العلة السبر والتقسيم ) هما لقب لشيء واحد وهو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه وإبطال مالا يصلح منها للعلية حتى يستقر على وصف واحد فيتعين لها كأن يحصر مثلا أوصاف الخمر في قياس النبيذ عليها في الاتخاذ من العنب والميعان واللون المخصوص والطعم المخصوص والرائحة المخصوصة والإسكار ثم يبطل ما عداء الإسكار بطريقه بأن يقال الاتخاذ من العنب ليس بعلة لوجوده في العصير بدون الحرمة والميعان ليس بعلة لوجوده في العصير بدون الحرمة والميعان ليس بعلة لوجوده في الشيرج بدونها وكذلك البواقي ما عداء الإسكار فيتعين للعلية ( ثم إن أقام ) المستدل دليلا على الحصر دايرا بين النفي والإثبات فهو أكمل كقولنا ولاية الإجبار في النكاح أما إن لا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصغرأوبغيرهما وعدم التعليل والتعليل بغيرهما باطلان بالإإجماع * والدليل على بطلان الدليل بالصغر أنه يقتضى إجبار الصغيرة الثيبب ويرده قوله عليه الصلاة والسلام (( الثيب أحق بنفسها )) فيتعين تعليله بالبكارة ( ويكفي ) في حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه قول المجتهد في منصب المناظرة وإن لم يقم دليلا حاضرا بحثت عن أوصاف الأصل فم أجد غير ما ذكرته لوقه الأصل عدم ما سوى الأوصاف التي ذكرتها * لعدالته مع أهلية النظر فيندفع بذلك منع المعترض حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه فإن بين المعترض وصفا آخر لزمه إبطاله حتى يتم استدلاله ( ونازع ) بعضهم في ذلك قال الأصفهاني قول المستدل في جواب طالب الحصر بحثت وسبرت فلم أجد غير هذا فاسد لأن سبره لا يصلح دليلا وجهله لا يوجب على الخصم أمرا واختار ابن برهان التفصيل بين المجتهد وغيره ( والمجتهد الناظر لنفسه ) يرجع في حصر الأوصاف إلى ظنه الحصر فيها ويلزمه الأخذ بما غلب على ظنه ولا يكابر نفسه فإن كان كل من حصر الأوصاف وإبطال ماعدا الوصف المدعى عليته قطعيا بأن قطع العقل أن لا علة","part":2,"page":84},{"id":363,"text":"إلا كذا فهذا السبر قطعي وإلا يكن كل من الحصر الإبطال قطعيا بأن كانا ظنيين أو كان احدهما قطعيا والآخر ظنيا فهذا السبر ظني ويتعين التعليل بالباقي من الأوصاف .\r( وفي حجية السبر الظني ) أقوال أربعة ( أحدها ) أنه حجة مطلقا للناظر لنفسه وهو المجتهد والمناظر غيره وهذا قول الأكثر لوجوب العمل بالظن واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني وقال إنه من أقوى ما يثبت العلل ( وثانيها ) ليس بحجة مطلقا لجواز بطلان الباقي حكاه في البرهان عن بعض الأصوليين ( ثالثها ) هو حجة للناظر والمناظر أن أجمع على تعليل ذلك الحكم في الأصل المقيس عليه وإلا فلا يكون حجة وعليه إمام الحرمين حذرا من أداء بطلان الباقي إلى خطاء المجمعين ( ورابعها ) هو حجة للناظر نفسه لا المناظر غيره لأن ظنه لا يقوم حجة على خصمه واختاره الآمدي (ثم للمعترض ) بعد اتمام المستدل السبر والتقسيم أبداء وصف زائد على الأوصاف التي ذكرها المستدل في الأصل * فإذا أبدى وصفا زايدا على ما حصره المستدل منها في الأصل لم يكلف المعترض بيان صلاحية الوصف الزائد للتعليل لأن بطلان حصر المستدل بإبداء وصف المعترض كاف في الاعتراض بل إبطال صلاحية الزائد للتعليل وظيفة المستدل لا يتم دليله إلا بذلك فعليه دفعه بإبطال التعليل به (والأصح) أنه لا ينقطع المستدل بإبداء المعترض وصفا زائدا على ما حصره المستدل من الأوصاف حتى يعجز عن إبطال ذلك الوصف الزائد فإن غاية ما أبداه المعترض منع مقدمة من دليل المستدل وهو لا ينقطع بالمنع ولكن يلزمه دفع منع مقدمة الدليل بدليل يبطل به علية وصف المعترض ليتم دليله فإن عجز عن إبطاله انقطع .","part":2,"page":85},{"id":364,"text":"( ومقابل الأصح ) أن المستدل ينقطع بمجرد إبداء المعترض الوصف لأنه أدعى حصرا أظهر المعترض بطلانه ( ثم المتناظران ) قد يتفقان على إبطال علية أوصاف الأصل ما عداء وصفين مثلا منها ويختلفان في تعين أحدهما للعلية فيكفى المستدل في السبر والتقسيم الترديد فيما بينهما ولا يحتاج إلى ضم ما عداهما إليهما في الترديد لاتفاقهما على إبطاله بل يقول العلة أما هذا أو ذاك لا جائز أن تكون ذاك لكذا فيتعين أن تكون هذا ( ومن طرق إبطال علية الوصف ) بيان طرديته بأن كان من جنس ما علم من الشارع الغاؤه ( والطرد قسمان ) وكلاهما مبطل ( طرد خاص ) في الحكم المعلل فقط كالذكورة والأنوثة في حكم العتق فلا تفاوت بينهما فلا يعلل بهما شيء من أحكام العتق وإن اعتبر التفاوت بينهما في القضاء والشهادة والإرث وولاية النكاح ( وطرد عام ) في جميع الأحكام كالطول والقصر في الأشخاص والسواد والبياض فلا اعتبار لشيء منها في الأحكام أصلا لا في قصاص ولا إرث ولا كفارة ولا عتق ولا غيرها .","part":2,"page":86},{"id":365,"text":"( ومن طرق إبطال علية بعض الأوصاف ) أن لا تظهر مناسبة الوصف الذي يريد المستدل حذفه واسقاطه إذا لم يجده بعد البحث عن المناسبة مناسبا للحكم لانتفاء مثبت العلية بخلاف عدم الظهور في مسلك الإيماء فإنه لا يقدح فيه كما تقدم ويكفي في الإبطال بعدم ظهور مناسبة قول المستدل بحثت في الوصف الذي حذفته فلم أجد فيه مناسبة ولا موهم مناسبة للحكم لعدالة المستدل مع أهلية النظر فإن ادعى المعترض أن الوصف الذي استبقاء المستدل واعتبره ولم يحذفه لم تظهر مناسبته للحكم كذلك فليس للمستدل بيان مناسبة الوصف المستبقى لأن بيانه المناسبة انتقال من طريق السبر إلى طريق المناسبة والانتقال في المناظرة ممتنع لأنه يؤديى إلى الانتشار المحذور في الجدل عندهم ولكن للمستدل ترجيح سبره على سبر المعترض المنافي لعلية الوصف المستبقى كغيره بأن يبين ان سبره موافق لتعدية الحكم حيث يكون المستبقى متعديا محل الحكم ويكون سبر المعترض قاصرا على محل الحكم أو كون وصف المعترض موافقا لعدم التعدية لأن التعدية أولى لعموم حكمها وكثرة فائدتها .","part":2,"page":87},{"id":366,"text":"( الخامس من مسالك العلة المناسبة والإخالة ) سميت مناسبة الوصف للحكم أخالة لأنه يخال بها أي يظن أن الوصف علة للحكم ويسمى استخراجها أي العلة المناسبة تخريج المناط لأنه إظهار ما نيط به الحكم ( ويعرف تخريج المناط ) بانه تعيين العلة التي في الأصل بابداء مناسبة بينها وبين الحكم مع الاقتران بينهما والسلامة من القوادح كتعيين الاسكار للعلية في حديث مسلم كل مسكر حرام فإنه وصف مناسب للحرمة لإزالته العقل المطلوب حفظه وقد اقترن بالحرمة في دليل الأصل وسلم من القوادح ويتحقق استقلال الوصف المناسب في العلية بعدم ما سواه من الأوصاف بطريق السبر لا بقول المستدل بحثت فلم أجد غيره أو الأصل عدم ما سواه كما تقدم في السبر وإلا لزام الاكتفاء به ابتداء في كل مسلك ولا قائل به والفرق بين هذا وبين السبر أن المقصود هنا إثبات وصف صالح للعلية وهناك نفي ما لا يصلح من الأوصاف للعلية .","part":2,"page":88},{"id":367,"text":"( والمناسبة لغة الملائمة ) والمناسب الملائم وهو هنا الملائم ضمه مع الحكم لافعال العقلاء في العادات أي بحيث يقصد العقلاء تحصيله على مجاري العادة كما يقال هذه اللؤلؤة مناسبة لهذه الؤلؤة بمعنى أن ضمها اليها في سلك موافق لعادة العقلاء في فعل مثله ( وقيل المناسب ) ما يجلب للإنسان نفعا كاللذة أو يدفع عنه ضررا كالالم * وقيد بالإنسان كما فعله البيضاوي لتعالي الرب سبحانه وتعالى عن الضرر والانتفاع ( وقال أبو زيد ) الدبوسي المناسب ما لو عرض على العقول السليمة لتلقته بالقبول وهذا التعريف قريب من الأول بل هو في الحقيقة إيضاح له * ولا يقدح في المناسب بهذا المعنى قول الخصم لا يتلقاه عقلي بالقبول لأن المدار ليس على عقل المتناظرين بل إذا تلقته العقول السليمة بالقبول انتهض دليلا على المناظر ( وقال ابن الحاجب ) تبعا للامدي المناسب وصف ظاهر منضبط بحيث يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصودا للشارع في شرعية الحكم من حصول مصلحة أو دفع مفسدة وهذا أيضا عند التحقيق بسط وإيضاح للأول بل الأقوال الأربعة كلها متحدة ما صدقا وإن اختلفت مفهوما * فإن كان الوصف خفيا أو غير منضبط اعتبر في العلية ملازمة العادي الذي هو ظاهر ومنضبط وذلك الملازم هو مظنة المناسب فيكون هو العلة كالسفر فإنه مظنة للمشقة المرتب عليها الترخص في الأصل لكن اعتبرها متعذر لعدم انضباطها واختلافها بحسب الأشخاص والأحوال والأزمان فنيط الترخص بلازمها وهو السفر لكونه مظنة المشقة المرتب عليها الترخيص في الأصل .","part":2,"page":89},{"id":368,"text":"( ثم لحصول المقصود من شرع الحكم مراتب ) أحدها أن يحصل من شرعه يقينا كالحكمة المقصودة من ترتب حل البيع على وصفه وهو الاحتياج إلى المعاوضة فإنه إذا صح ترتب عليه مقصوده من حل الانتفاع يقينا ( ثانيها ) أن يحصل المقصود من شرعه ظنا كالحكمة المقصودة من ترتب حكمها لقصاص وهو الوجوب على وصفه وهو القتل العمد العدوان وهي الانزجار عن القتل ظنا فإن حصول الانزجار به عن القتل ليس قطعيا لاقدام البعض على القتل مع وجوب القصاص ( ثالثها ) أن يكون حصول المقصود من شرع الحكم وانتفائه محتملين على حد سواء كالحكمة المقصودة من ترتب وجوب الحد على الشرب وهي الإنزجار عن شربها فإن حصولها وانتفاءها متساويين بتساوي الممتنعين عن شربها والمقدمين عليه بالنسبة إلى ما يظهر للناظر لا إلى ما في نفس الأمر لتعذر الاطلاع عليه ( رابعها ) أن يكون انتفاء حصول المقصود من شرع الحكم أرجح من حصوله كنكاح الآيسة التي انقطع حيضها للتوالد الذي هو المقصود من شرع النكاح فإن انتفاء حصول التوالد في حقها أرجح من حصوله عادة لبعده فيها وإن أمكن عقلا ( والأصح ) وفاقا لابن الحاجب وغيره جواز التعليل بالثالث وهو محتمل الحصول والانفاء على السواء وبالرابع وهو المرجوح الحصول كما يجوز القصر للمترفهين من السلاطين وذوي الثروة في سفرهم المنتفي فيه المشقة التي هي حكمة الترخيص ( وقيل ) لا يحوز التعليل بالثالث والرابع لن الثالث مشكوك الحصول والرابع مرجوح الحصول * أما الأول والثاني فالتعليل بهما جائز قطعا ( ثم المقصود ) قد يكون في بعض الصور النادرة فائتا قطعا والأصح عند الجمهور عدم اعتباره للقطع بانتفائه سواء ما كان فيه تعبد وما لم يكن وقالت الحنفية يعتبر المقصود القطعي الفوات فيقبت فيه الحكم وما يترتب عليه ( مثال ) ما لا تعبد فيه من الأحكام وهو المعقول المعنى رجل بالمشرق تزوج امراءة بالمغرب بوكالة فاتت بولد فلا شك أن الحكمة المقصودة من ترتب جواز","part":2,"page":90},{"id":369,"text":"التزوج على علته وهي الاحتياج اليه التي هي حصول نطفة الزوج في الزوجة ليحصل العلوق فيحصل النسب منتفية قطعا * فالحنفية يعتبرونه لوجود مظنة اللحوق وهو التزوج وغيرهم لا يعتبرون مظنته مع القطع بانتفائه فلا لحوق ( ومثال ما فيه تعبد ) لكونه غير معقول المعنى جارية باعها صاحبها ثم اشتراها ممن باعها له في مجلس البيع فلا شك أن المقصود من ترتب وجوب الاستبراء على علته من انتقال الملك الذي هو أي المقصود المذكور معرفة براءة الرحم المسبوقة بجهل البراءة منتف في المثال المذكور قطعا للعلم بشان رحمها فالحنفية يعتبرونه تقديرا لوجود الحكمة فيه فيثبت الاستبراء وغير الحنفية لم يعتبروه فيها وقالوا الاستبراء في الجارية المذكورة تعبد كما في الجارية المشتراه من امراءة لأن المغلب في الاستبراء جانب التعبد وليس معللا باحتمال شغل رحمها .\r( ثم المناسب ) من حيث شرع الحكم له ثلاثة أقسام ( ضروري ) وهو ما كانت مصلحته في محل الضرورة (وحاجي) وهو ماكان مصلحته في محل الحاجة ( وتحسيني ) وهو ما كانت مصلحته مستحسنة في العادات ويقدم الأقوى فالأقوى عند التعارض وهو الأول فالثاني فالثالث وقد اجتمعت الأقسام الثلاثة في النفقة فنفقة النفس ضرورية ونفقة الزوجة حاجية * ونفقة القريب تحسينية * ولذلك ترتبت في الوجوب هكذا .","part":2,"page":91},{"id":370,"text":"( والضروري ) وهو المتضممن حفظ مقصود من الكليات الخمس التي انتفت الأمم على حفظها ( وهي حفظ المدين ) وهو أقواها المشروع له عقوبة المبتدعين وقتل الكفار الدال عليه قوله تعالى { قاتلوا الذي لا يؤمنون } ( فحفظ النفس ) المشروع له القصاص الدال عليه قوله تعالى { ولكم في القصاص حياة } فإنه لولا ذلك لتهارج الناس واختل النظام ( فحفظ العقل المشروع له حد السكر الدال عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم من شرب الخمر فأجلدوه ( فحفظ النسب ) المشروع له حد الزنا الدال عليه قوله تعالى { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( فحفظ المال ) المشروع له حد السرقة الدال عليه قوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } وحد قطع الطريق والضمان على المتعدي ( وزاد الطوفي ) سادسا وهو حفظ العرض * فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم ودق شرع له حد القذف والتعزير في الإيذاء بغير القذف ( ويلحق بالضروري ) مكمله فيكون في رتبه وهو مالا يستقل بالضرورة بنفسه بل تكون ضروريته تابعة لضروري كايجاب الحد على شارب قليل المسكر فإن قليله يدعوا الى كثيره المفوت لحفظ العقل فبولغ في حفظه بالمنع من القليل والحد عليه كالكثير كما بولغ في حفظ الدين بتحريم البدعة وفي حفظ النسب بتحريم النظر واللمس والتعزير عليهما .","part":2,"page":92},{"id":371,"text":"( والحاجي ) وهو ما يحتاج اليه ولا يصل إلى حد الضرورة كما مر كالبيع والإجارة المشروعين للملك المحتاج اليه إذ لا يلزم من عدمهم فوات شيء من الضروريات السابقة * وذكر إمام الحرمين أن البيع ضروري فإن الناس لو لم يبادلوا ما بأيديهم جر ذلك ضرورة فيلحق بالقصاص ( ثم المناسب ) الحاجي قد تكون مناسبته جلية فتنتهي إلى القطع كالضروريات كالإجارة لتربية الطفل حيث لم توجد أمة مملوكة تربية أو متبرع ولم تمكن مباشرته بنفسه * فإن ملك المنفعة فيها لو لم يشرع لفات بفواته حفظ نفس الطفل وقد تكون خفية كالمعاني المستنبطة لا لدليل إلا مجرد احتمال اعتبار الشرع لها ويختلف تأثيرها بالنسبة إلى الجلا والخفا ( ويلحق بالحاجي ) مكمله كخيار البيع المشروع للتروي في المبيع كمل به البيع ليسلم من الغبن فيه .\r( والتحسيني ) وهو ما استحسن عادة ولم يصل إلى مرتبة الحاجة * وهو قسمان ( أحدهما ) أن لا يعارضه شيء من القواعد الشرعية كسلب العبد أهلية الشهادة فإنه غير محتاج اليه فيها لوجود القائمين بها من الأحرار ولو ثبتت له الأهلية ما ضر لكنه مستحسن لانحطاطه عنها لأنها منصب شريف ( ثانيها ) أن يعارض قاعدة من القواعد الشرعية كالكتابة فإنه غير محتاج اليها إذ لو منعت ما ضر لكنها مستحسنة في العادة للتوصل بها إلى فك الرقبة من الرق * وهي معارضة لقادعة الشرع من امتناع بيع الإنسان ماله بماله .\r( ثم المناسب ) ينقسم أيضا بحسب اعتبار الشارع له وعدم اعتباره إلى ثلاثة أقسام لأنه إما أن يعلم اعتبار الشارع له او يعلم الغاؤه له أو لا يعلم واحد منهما .","part":2,"page":93},{"id":372,"text":"( فالقسم الأول ) وهو ما علم اعتبار الشارع له ولو ظنا منقسم إلى أربعة أقسام ( أحدها ) أن يعلم اعتبار عين الموصوف في عين الحكم بنص أو إجماع وهذا القسم يسمى المؤثر سمي بذلك لتأثيره بما اعتبر به من نص أو إجماع والمراد بالعين النوع لا الاعتبار الشخصي * مثال اعتبار عين الوصف في عين الحكم بالنص اعتباره عين مس الذكر في عين الحدث بنصه عليه السلام من مس ذكره فليتوضا ( ومثاله ) بالإجماع اعتبار عين الصغر في عين ولاية المال فإنه مجمع عليه ( ثانيها ) أن يعلم اعتبار عين الوصف في جنس الحكم بواحد منهما كاعتبار عين الصغر في ولاية النكاح وان اختلف في أن الولاية له أو للبكارة أو لهما فإنه لم يعلم من الشارع اعتباره في عين ولاية النكاح بل علم في جنس الولاية لاعتباره في ولاية المال بالإجماع كما تقدم ( ثالثها ) أن يعتبر جنس الوصف في عين الحكم كاعتبار المشقة في عين جواز الجمع بالمطر على القول به فإنه لم يعلم من الشارع اعتبارها في جواز الجمع بالمطر بل في جنس الجمع لاعتبار في جواز الجمع في السفر بالنص ( رابعها ) أن يعتبر جنس الوصف في جنس الحكم كاعتبار القتل العمد العدوان بمثقل في القصاص بمثقل فإنه لم يعلم من الشارع اعتبار القتل العمد العدوان بمثقل ولا اعتبار القصاص بمثقل وإنما علم اعتبار الشارع جنس القتل المذكور بمثقل وهو الجناية الجامعة له وللقتل بمحدد وجنس القصاص الجامع له بمحدد وبمثقل بالإجماع وهذه الثلاثة الأخيرة تسمى بالملائم لملائمتها للحكم وأعلاها ما أثر فيه عين الوصف في جنس الحكم ثم عكسه ثم الجنس في الجنس .","part":2,"page":94},{"id":373,"text":"( القسم الثاني ما علم الغاء الشارع له بدليل ) فلا يجوز التعليل به أتفاقا ويسمى هذا المناسب الغريب لغرابته وبعده عن الاعتبار وذلك كوجوب صوم شهرين متتابعين ابتداء على ملك جامع في نهار رمضان فإن الصوم يناسب هذا الملك ليرتدع به من الجماع المذكور لمشقة الصوم عليه دون الاعتاق فإنه يسهل عليه بذل المال في شهوته ولا يرتدع عما وقع فيه وهذا مناسب لكن الغاه الشرع بتقديم الاعتاق على الصيام بلا تفرقة بين ملك وغيره فكان اعتباره مصادما لصاحب الشرع وتصرفا بالتشهي في أمور الدين .\r( القسم الثالث مالا يعلم اعتبار الشارع له ولا الغاؤه ) ويسمى بالمرسل وبالمصالح المرسلة وفيه مذاهب ( أحدها ) رده مطلقا وهو قول الأكثرين ( والثاني قبوله ) مطلقا في العبادات وغيرها علية للمصلحة وهو قول مالك قال المصنف وكاد إمام الحرمين يوافقه مع مناداته عليه بالنكير انتهى يعنى أن كلا منهما اعتبر ما لم يعلم اعتبار الشارع له ولا الغاوه لكن قيده إمام الحرمين بكونه مشبها لما علم اعتباره شرعا وأطلق الإمام مالك حتى جوّز ضرب المتهم بالسرقة ليقر وعورض بأنه قد يكون بريا وترك الضرب لذنب أهون من ضرب برئ .","part":2,"page":95},{"id":374,"text":"( والثالث رده في العبادات ) وقبوله في المعاملات لأنه لا نظر فيها للمصلحة بخلاف غيرا كالبيع والحد والنكاح قاله الابياري في شرح البرهان وقال أنه الذي يقتضيه مذهب مالك ( نعم ) للتعليل بالمرسل قيود ثلاثة ذكرها البيضاوي تبعا للغزالي وهي أن يشتمل على مصلحة ضرورية قطعية كلية * قال الغزالي في المستصفى والظن القريب من القطع بالمصلحة كالقطع بها ( وقال الإمام الرازي ) والآمدي وتبعهما المصنف أن المناسب المشتمل على القيود الثلاثة لابد من إخراجه من المرسل لأنه مما دل الدليل على اعتباره بخلاف المرسل لأنه لم يدل دليل على اعتباره ولا على الغاؤه * والمصلحة المشتملة على ذلك حق قطعا * ومثل للمصلحة الضرورية القطعية الكلية برمي الكفار المتترسين بأسرى المسلمين في الحرب إذا حصل قطع أو ظن قريب من القطع بانا إذا رمينا الترس قتلنا بعض المسلمين في الحرب بلا ذنب صدر منه وإلا قطعنا باستئصال الكفار المسلمين بالقتل الترس وغيره فيجوز رمي الترس للضرورة لما علم من الاستقراء الشرعي أن حفظ الكل مقدم على حفظ البعض ( واحترز ) بالضرورية عن تترس أهل قلعة بمسلمين فلا نرميهم لأن فتحها ليس ضروريا وبالكلية عن رمي بعض المسلمين في بحر لنجاة باقيهم فيحرم رميهم لأن نجاة الباقين ليست مصلحة كلية متعلقة بكل الأمة بل ببعضهم وبالقطعية عن التترس بمسلمين حال الحرب لم نقطع أو نظن ظنا قريبا من القطع باستئصال الكفار المسلمين فيحرم رميهم .\r( مسألة ) إذا اشتمل الوصف المناسب على مفسدة معارضة لما فيه من المصلحة لازمة للحكم سواء كانت راجحة على مصلحة الوصف المناسب أو مساوية لها فهل تنخرم بها المناسبة مذهبان ( أحدهما ) نعم لزوال المصلحة بوجود المفسدة وإنما انخرمت بها لقضاء العقل بأن لا مصلحة مع وجود المفسدة لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح واختار هذا المصنف تبعا لابن الحاجب والصفي الهندي .","part":2,"page":96},{"id":375,"text":"( والثاني ) لا تنخرم به وهو قول الإمام الرازي والبيضاوي مع موافقتهما على انتفاء الحكم فانتفاؤه عندهما لوجود المانع وعلى الأول لانتفاء المقتضى فالخلاف لفظي ( مثاله ) مسافر له طريقان طويل وقصير فسلك الطويل لغير غرض لم يقصر في أظهر القولين لأن المناسب وهو السفر الطويل عورض بمفسدة وهي العدول عن القريب لا لمعنى فكأنه حصر قصده في تفويت ركعتين من الرباعية مدة السفر فانتفاء القصر على الأول لانتفاء المقتضى وهو طول السفر وانتفاوه على الثاني لوجود المانع وهو المفسدة .\r( السادس من مسالك العلة الشبه ) وهو منزلة متوسطة بين المناسب بالذات المتقدم والطرد الآتي لأن الوصف إن ناسب بالذات فهو المناسب وإن ناسب بالالتزام فهو الشبه وإن لم يناسب فهو الطرد وإنما كانت منزلته بين منزلتيهما لأنه يشبه المناسب من حيث التفات الشرع اليه في الحكم كالذكورة والأنوثة في القضاء والشهادة ويخالفه بأنه ليست فيه مناسبة عقلية ويشبه الطرد لعدم المناسبة بالذات ويخالفه باعتباره في بعض الأحكام بخلاف الطرد فإن وجوده كالعدم عند الأكثر كما سيأتي ( وعرفه القاضي أبوبكر الباقلاني ) بأنه المناسب بالتبع أي بأن يكون الجلب والدفع لا لكونه ذلك الوصف بل لاستلزامه أمرا مناسبا للحكم بالذات كالطهارة لاشتراط النية في قياس الوضوء على التيمم فإن الطهاراة من حيث هي لا تناسب النية ولهذا لم تشترط في طهارة الخبث بل من حيث كونها مستلزمة للعبادة المناسبة بالذات لاشتراط النية ولا يصار إلى الأخذ به مع إمكان قياس العلة المشتمل على المناسب بالذات كما حكى القاضي أبوبكر الإجماع عليه ( واختلف ) في العمل بقياس الشبه حيث تعذر قياس العلة ولم يوجد إلا قياس الشبه فحكى عن الشافعي أنه حجة نظر الشبهه بالمناسب الذاتي ( وقال أبوبكر الصيرفي ) وأبو إسحاق الشيرازي والمروزي وأبو زيد الدبوسي مردود نظراً لشبهه بالطرد .","part":2,"page":97},{"id":376,"text":"( ثم قياس الشبه ) على القول بحجيته مراتب ( أعلاها ) ما له أصل واحد لسلامة أصله من معارضة أصل آخر .\r( ثم قياس غلبة الاشتباه ) في الحكم وفي الصفة وهو أن يتردد الفرع بين أصلين ويلحق بالغالب شبهه به في الحكم وفي الصفة على شبهه بالآخر فيهما * مثاله الحاق الشافعي الرقيق بالمال لأنه يباع ويشتري ويضمن بالقيمة كالبهيمة في إيجاب القيمة بقتله بالغة ما بلغة ولو زادت على قيمة الحر ولم يلحقه بالأصل الآخر وهو الحر لأن شبهه بالمال في الحكم من جواز البيع والهبة ونحوها وفي الصفة من تفاوت قيمته مثلا بالجودة وضدها أغلب من شبهه بالحر فيهما ( ثم القياس الصوري ) كقياس الخيل على البغال والحمير في عدم وجوب الزكاة للشبه الصوري بينهما ( وقال الإمام ) في المحصول المعتبر أي في قياس الشبه ليكون صحيحا حصول المشابهة فيما يظن كونه علة الحكم أو مستلزما لها سواء كان في الصورة أو في الحكم عملا بمقتضى الظن .","part":2,"page":98},{"id":377,"text":"( السابع من مسالك العلة الدوران ) وسماه الآمدي وابن الحاجب الطرد والعكس وسماه الأقدمون الجريان * وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف وينتفي عند انتفائه فيكون كليا طردا وعكسا بخلاف الطرد الآتي فإنه كلي طردا فقط فالوصف هو المدار والحكم هو الداير * وقد يوجد الدوران في محل واحد * وقد يوجد في محلين * فالأول كعصير العنب فإنه مباح فإذا صار مسكرا حرم ولما زال الإسكار بصيرورته خلا حل فدار التحريم مع الإسكار وجودا وعدما والثاني كالقمح لما كان مطعوما جرى فيه الربا والكتان لما لم يكن مطعوما لم يجر فيه الربا فدار جر بأن الربا مع الطعم ( واختلف ) في إفادته العلية فقيل لا يفيدها أصلا وهو مختار ابن الحاجب تبعا للآمدي والغزالي ونقل عن الحنفية وأكثر المعتزلة قال العضد لأن الوصف المتصف بالطرد والعكس إنما يكون مجردا إذا خلا عن السبر وهو أخذ غيره معه وإبطاله وعن غير ذلك من مناسبة أو شبه * وإذا خلا عن هذه الأشياء فكما يجوز كونه علة يجوز كونه ملازما للعلة كالرائحة المخصوصة الملازمة للمسكر فإنها معدومة في العصير قبل الإسكار وتوجد معه وتزول بزواله * ومع ذلك فليست بعلة قطعا ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع بالعلية ولا ظنها .","part":2,"page":99},{"id":378,"text":"( وقيل يفيدها قطعا ) وبه قال بعض المعتزلة قال الشارح وكان قائل ذلك قاله عند مناسبة الوصف كالإسكار لحرمة الخمر انتهى وقضيته خلاف ما مر عن العضد من أن الدوران إنما يكون مستقلا إذا خلا عن السبر ويغره من مناسبة أو شبه ( والمختار عند المصنف ) وفاقا للأكثر من العلماء ومنهم إمام الحرمين والقاضي أبوبكر الباقلاني والإمام الرازي أن الدوران ليس قطعيا لقيام الاحتمال السابق بل هو ظني وعليه أطبق الجدليون ( ولا يلزم المستدل ) بالمدار بيان انتفاء ما هو أولى منه بإفادة العلية بل يصح الاستدلال به مع إمكان الاستدلال بما هو اولى منه بخلاف ما تقدم في الشبه من أنه لا يمكن الاستدلال به مع إمكان قياس العلة * وذهب القاضي أبوبكر الباقلاني إلى أنه يلزمه ذلك قال الغزالي وهوبعيد في حق المناظر متجه في حق المجتهد فإن علية تمام النظر لتحل له الفتوى ( فإن أبدى المعترض على المستدل بالمدار وصفا آخر غير المدار ( فإن كان الوصف ) الذي أبداه المعترض قاصرا ترجح جانب المستدل بتعدية وصفه حيث كان متعديا بناء على ترجيح المتعدية على القاصرة ( مثاله ) أن يقول المستدل أن علة الربا في الذهب النقدية فيقول المعترض بل العلة الذهبية فكل من العلتين يدور معها الحكم وجود أو عدما لكن العلة التي أبداها المعترض قاصرة على محل الحكم وهو الأصل وعلة المستدل متعدية فتترجح بالتعدية إلى الفرع على علة المعترض ( وإن كان وصف المعترض ) متعديا أيضا إلى الفرع المتنازع فيه بينهما بنى على جواز التعليل بعلتين فإن منعناه ضر إذ لا يمكن على القول بالمنع التعليل بكل منهما * وإن جوزناه لم يضر لإمكان كون كل منهما علة ( مثاله ) أن يقول المستدل يحرم الربا في التفاح لعلة الطعم ويقاس عليه الجوز في ذلك فيقول المعترض بل العلة في التفاح الوزن ويقاس عليه الجوز فكل من العلتين متعدية إلى الفرع المتنازع فيه وهو الجوز في المثال فيطلب المستدل حينئذ ترجيح علته على","part":2,"page":100},{"id":379,"text":"علة المعترض فإن عجز انقطع عند مانعهما * وإن كان وصف المعترض متعديا إلى فرع آخر غير المتنازع فيه طلب الترجيح من خارج لتعادل الوصفين حينئذ وهذا أيضا عند مانع التعليل بعلتين أما عند مجوزهما فإنما يطلب الترجيح حيث اختلف مقتضى الوصفين بأن اقتضى أحدهما الحل والآخر الحرمة وإلا فلا حاجة عنده إلى الترجيح .\r( الثامن من مسالك العلة الطرد ) وهو مقارنة الحكم للوصف من غير مناسبة بالذات ولا بالتبع كقول من يرى طهورية الماء المستعمل مائع تبنى القنطرة على جنسة فتصح الطهارة به فالوصف وهو بناء القنطرة ليس بينه وبين صحة الطهارة مناسبة أصلا وإن كان هذا الوصف مطردا (وقد اختلف ) في القول به على مذاهب ( أحدها ) وبه قال الآمدي وابن الحاجب وحكاه إمام الحرمين وغيره عن الأكثرين رده لانتفاء المناسبة عنه وبالغ القاضي أبوبكر في الإنكار على القائل به * وقال إنه هازئ بالشريعة * ومثله الحليمي بمن رأى غبارا فقال وراءه حريق وما حكاه المصنف عن علمائنا هو الذي أورده ابن السمعاني في القواطع فقال قياس المعنى تحقيق وقياس الشبه تقريب وقياس الطرد تحكم أي فلا يفيد ثبوت الحكم في الفرع لعدم الاعتداد به ( ثانيها) واليه ذهب الإمام الرازي وعزاه للكثير والبيضاوي وصاحب الحاصل إنه يفيد العلية إذا قارن الحكم الوصف فيما عدا صورة النزاع إلحاقا للفرد النادر بالأعم الأغلب فهو عندهم دال على ثبوت ذلك الحكم مع ذلك الوصف في محل النزاع أيضا ( ثالثها ) أنه يكفي في إفادة العلية ولو قارنه في صورة واحدة قال البيضاوي وهو ضعيف أي لأن الظن لا يحصل إلا بالتكرار ( رابعها ) وبه قال الكرخي أنه يفيد المناظر المدافع عن مذهب إمامه دون الناظر لنفسه المجتهد ( ورده ) في البرهان بأن المناظرة تجب عن المآخذ الصحيحة فإذا لم يصلح في مذهبه ماخذا فهو مراد خصمه في الجدل وليس في الجدل ما يقبل مع الاعتراف ببطلانه ( التاسع من مسالك العلة تنقيح المناط ) وهو تلخيص","part":2,"page":101},{"id":380,"text":"الوصف الذي ناط الشارع به الحكم وربطه به وهو قسمان ( أحدهما ) أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف فيحذف بالاجتهاد خصوص ذلك الوصف عن درجة الاعتبار ويتعين به الباقي بعد حذف الخصوص للتعليل به ويناط تعلق الحكم بعد حذف الخصوص بما في الوصف من العموم ( مثاله ) حذف الحنفية والمالكية خصوص الأجماع في حديث الأعرابي الذي واقع في نار رمضان وعلقا الكفارة بوصف عام وهو مطلق الإفطار ( ثانيها ) أن يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف فيحذف بعضها عن درجة الاعتبار بالاجتهاد اما لأنه طردي او لثبوت الحكم مع بقية الأوصاف بدونه ويناط الحكم بالباقي كحذف الشافعي لاعتبار الكفارة الأوصاف التي في حديث الوقاع من كونه اعرابيا وكون المؤطوة زوجة وكون الوطء في القبل وأناط الكفارة بالإجماع .\r( أما تحقيق المناط ) فنو إثبات الوصف المتنف على عليته بنص أو إجماع أو غيرهما في الصورة المتنازع فيها فالتعليل به متفق عليه والقصد بيان وجوده في الفرع كتحقيق إن النباش للقبور لأخذ الأكفان منها سارق * فإن علة قطع السارق أخذ المال خفية من حرزه وهو موجود في النباش فيقطع خلافا للحنفية .\r( وأما تخريج المناط ) فقد مر في مبحث المناسبة وهو الاجتهاد في استنباط علة الحكم بطريق دالة على ذلك كقوله عليه الصلاة والسلام لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل فاستنبط المجتهد أن العلة الطعم فكأنه أخرج العلة من خفاء * وفي تنقيح المناط هي مذكورة في النص فلم يستخرجها بل نقح النص وأخذ منه ما يصلح للعلية وترك مالا يصلح لها .","part":2,"page":102},{"id":381,"text":"( العاشر من مسالك العلة الغاء الفارق ) وهو بيان أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر فيلزم اشتراكهما في المؤثر سواء كان الغاؤه عن دليل قطعي أو ظني ( فالأول ) كالحاق صب البول بالبول في الماء الراكد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد )) فصب البول في الماء الراكد كذلك إذ لا فرق بينه وبين البول فيه ( والثاني ) كالحاق الأمة بالعبد في سراية العتق الثابتة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم من اعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق علية ما عتق * فالفار بين العبد والأمة والأنوثة * ولا تأثير لها في منع السراية فثبتت السراية فيها لما شاركت العبد في الوصف الذي هو الرقبة ولم يجعل هذا من القطعي لنه قد يتخيل في الذكورة احتمال ملاحظة الشرع في عتق العبد استقلاله بنفسه في الجهاد والجمعة وغيرهما مما لا مدخل للإناث فيه ولكن الظن القوي نظر التخلص من الرق والغاء الفارق والدوران والطرد على القول بإفادته العلية ترجع ثلاثتها إلى نوع من الشبه فغنها اشتركت في حصول ظن العلية فيها في الجملة ولا تعين جهة المصلحة المقصودة من شرع الحكم بخلاف بقية المسالك وهذا حقيقة الشبه .\r( خاتمة )","part":2,"page":103},{"id":382,"text":"ذكر بعض الأصوليين مسلكين ضعيفين زعم أنهما يدلان على العلية والصحيح خلاف ما ذكروهما تأتي القياس بعلية وصف والعجز عن إفساده ( فالأول ) أن يقال إذا كان هذا الوصف علة تاتي القياس على النص وإذا لم يكن علة تعذر القياس عليه والقياس مأمور به بقوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } والعمل بما يستلزم إمتثال الأمر بالقياس أولى * وهو مردود بأنَّ تأتي القياس متوقف على ثبوت العلة * فلو أثبتنا عليته به لتوقف ثبوت العلية عليه ولزم الدور المحال ( والثاني ) أن يقال إذا عجزنا عن إقامة الدليل على فساد التعليل بوصف دل ذلك على أنه علة نظير ما في المعجزة من أنها دلت على صدق الرسل للعجز عن معارضتها .\r( وأجيب ) بانه لم يقم دليل على أنه علة فكيف تثبت عليته بلا دليل وبالفرق بين ما هنا وبين العجزة فإن العجز هناك من الخلق وهنا من الخصم وحده * فلا جامع بين المنظر والمنظر به إذ لا يلزم من اعتبار ما عجز عنه الخلق اعبار ما عجز عنه الخصم لكيلته هناك وخصوصه هنا فقد ينتفي العجز عن خصم آخر .\r( مبحث القوادح)\rجمع قادح والمراد بها ما يقدح أي يؤثر في الدليل مطلقا سواه العلة وغيرها * وهي أنواع :\r( منها تختلف الحكم عن الوصف ) المدعي عليته بوجودها في بعض الصور بدون الحكم * وسماه الشافعي النقض والحنفية تخصيص العلة وفي القدح به مذاهب ( أحدثنا ) أنه قادح مطلقا واختاره المصنف وعزاه للشافعي رضي الله عنه اعتمادا على قول ابن السمعاني في القواطع أنه مذهبه وجميع أصحابه إلا القليل منهم لكن قال الغزالي في شفاء العليل لا يعرف للشافعي فيه نص ويمكن أن يحمل على ما اطلع عليه ومقتضى اطلاق المصنف وتقدير الشارح أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون العلة منصوصة قطعا أو ظنا أو مستنبطة ولا بين أن يكون التخلف لفقد شرط أو لوجود مانع أو لغيرهما فالأقسام تسعة ( قيل ) وهو مشلك في المنصوصة إذ القدح فيها بذلك رد للنص .","part":2,"page":104},{"id":383,"text":"( قال العلامة ابن قاسم) ما حاصله الظاهر أنه لا يتصور التخلف في المنصوصة ولا يكون لوجود مانع ولا فقد شرط ولا يقتصر على مجرد الاستبعاد فيكون من باب فرض المحال أو مستثنى من إطلاقهم ( ومثاله ) قول الشافعي من لم يبيت النية في صوم يعرى أول صومه عن النية فلا يصح فينقضه الحنفي بصوم التطوع فإنه يصح بلا نية فقد وجدت العلة وهي العروعن النية بدون الحكم وهو عدم الصحة .\r( ثانيها ) وهو مذهب مالك وأحمد أنه غير قادح * وعزاه المصنف للحنفية وأنهم لا يسمونه نقضا كما مر بل تخصيص العلة لكن ابن السمعاني إنما نقله عن العراقيين منهم بخلاف الخراسانيين منهم فإنهم قائلون بالأول حتى قال أبو منصور الماتريدي تخصيص العلة باطل ومن قال به فقد وصف الله سبحانه وتعالى بالسفه والعبث * فأي فائدة في وجود العلة بلا حكم ( ومثاله ) لو قال المعترض للمستدل على حرمة الربا بعلة الطعم قد وجدت العلة المذكورة في الرمان وليس بربوي لم يكن قوله المذكور قادحا عند الحنفية ووجود العلة المذكورة مخصص لها بما وجدت فيه غير الرمان فكأنه قيل العلة الطعم إلا في الرمان ( ثالثها ) أنه لا يقدح في العلة المستنبطة ويقدح في المنصوصة واختاره القرطبي وحكاه إمام الحرمين عن معظم الأصوليين لأن دليل المستنبطة اقتران الحكم بها ولا وجود للاقتران المذكور في صورة التخلف فلا يدل على علية الوصف فيها بخلاف المنصوصة فإن دليلها النص الشامل لصورة التخلف وانتفاء الحكم فيها يبطله بأن يوقفه عن العمل به * والحنفية تقول يخصص النص بما تخلف فيه ( ويجاب ) من طرف الأول عن دليل عدم القدح في المستنبطة بأن اقتران الحكم بالوصف يدل على عليته في جميع صوره كدليل المنصوصة ( رابعها ) لا يقدح في المنصوصة ويقدح في السمتنبطة عكس سابقه لأن الشارع له أن يطلق العام ويريد بعضه مؤخرا بيان ما خرج منه إلى وقت الحاجة إلى البيان بخلاف غير الشارع إذا علل بشيء ونقض عليه ليس له أن يقول","part":2,"page":105},{"id":384,"text":"أردت غير ذلك لسده باب إبطال العلة ( خامسها ) أنه يقدح في المنصوصة ويقدح في المستنبطة إلا أن يكون التخلف لوجود مانع الحكم أو فقد شرطه فلا يقدح وهو اختيار البيضاوي والصفي الهندي قال المصنف وعليه أكثر الشافعية فالأول كتخلف وجوب القصاص عن علته من القتل العمد العدوان في صورتي قتل الأب ابنه والسيد عبده لوجود المانع وهو أبوة القاتل وسيادته والثاني كتخلف وجوب الزكاة عن علته من ملك النصاب في صورة ما إذا لم يتم حول النصاب المذكور لفقد الشرط وهوتمام الحول .","part":2,"page":106},{"id":385,"text":"( سادسها ) يقدح فيها إلا أن يرد الاعتراض بذلك التخلف المذكور على جميع المذاهب التي في العلة فلا يقدح كبيع العرايا فإن تخلف الحكم وهو الحرمة بجوازه وارد على كل قول في علة الربا من الطعم والقوت والكيل والمال إذ حرمة الربا لا تعلل إلا بأحد الأمور الأربعة وعليه الإمام الرازي ونقل الإجماع على أن حرمة الربا لا تعلل إلا بأحد الأمور الأربعة ( سابعها ) وهو قول بعض المعتزلة يقدح في العلة الحاظرة دون المبيحة لأن الحظر على خلاف الأصل فيقدح فيه بخلاف العكس * كان يقال يحرم الربا في البر لكونه مكيلا فينتقض بالجبس مثلا لأنه مكيل وليس بربوي ولو قيل يباح الربا في التفاح لأنه موزون لم ينتقض بالتمر ( ثامنها ) يقدح التخلف المذكور في العلة المنصوصة إلا إذا ثبتت بظاهر عام فإنه يقبل التخصيص كحديث الطعام بالطعام ربا * وإنما قيد بالظاهر لأنه لو كان بقاطع لم يتخلف الحكم عنه وبالعام لأنه لو كان خاصا بمحل الحكم لم يثبت التخلف وهو خلاف المفروض كما لو قيل مطعوم الفواكه بمطعومها ربا ويقدح في المستبطة أيضا إلا أن يكون التخلف لمانع أو فقد شرط فلا يقدح فيها * واختاره ابن الحاجب ( تاسعها ) وهو قول الآمدي لا يقدح التخلف إن كان لمانع للحكم كالابوة للقصاص أو فقد شرط له كالاحصان للرجم أو في معرض الاستثناء كتخلف حكم الربا في العرايا مع وجود علة الربا فيها وهي الطعم سواء كانت العلة في الصور الثلاث منصوصة أو مستنبطة ( ولا يقدح أيضا ) إن كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل كان يقال يحرم الربا في كل مطعوم فلا يدل التخلف في هذه الصور الأربع على بطلان العلة أما إذا كانت مستنبطة وليس معها واحد من الثلاثة فالتخلف فيها قادح وإذا كانت منصوصة بما يقبل التأويل وهو النص الظاهر فتؤول للجمع بين الدليلين ولا توصف بقدح ولا عدمه .","part":2,"page":107},{"id":386,"text":"( ثم اختلف ) وفي هذا الخلاف المذكور في الأقوال التسعة هل هو لفظي أو معنوي ( قال بالأول ) ابن الحاجب والبيضاوي تبعا لإمام الحرمين والغزالي لاتفاق المجوز لتخصيص العلة والمانع له على ان اقتضاء العلة للحكم لابد فيه من عدم التخصيص وأنه لو ذكر القيد في ابتداء التعليل استقامت العلة فرجع الخلاف إلى أن القيد العدمي هل يسمى جزء علة أو لا (وقال بالثاني ) الإمام في المحصول وهو مختار المصنف ( قال ) ومن فروعه أي فروع أن الخلاف معنوي التعليل بعلتين أي فيمتنع التعليل بهما أن قدح التخلف وإلا لم يمتنع ( قال الشارح ) وهذا التفريع نشاء عن سهو فإنه يتأتى في تخلف الحكم عن العلة والكلام في عكس ذلك انتهى ( ومن فروعه ) انقطاع المستدل إن قلنا ان التخلف قادح ولا يسمع قوله بعد ذلك أردت باللفظ المطلق ما وراء التخلف لأنه يشبه الدعوى بعد الإقرار وإن قلنا أنه غير قادح لم ينقطع وتسمع دعواه قال الزركشي وفيه نظر ففي البرهان لإمام الحرمين أنه لا يكون منقطعا لكنه خالف الأحسن انتهى ( ومن فروعه ) انخرام المناسبة بمفسدة إن قلنا أن التخلف قادح فتبطل به مناسبة الوصف للحكم فلا يصلح مقتضيا لترتب الحكم عليه وإلا بان قلنا إنه غير قادح فلا تنخرم به المناسبة ويكون نفي الحكم لوجود المانع إذ لا عمل للمقتضى مع وجوده وسيق أن الوصف المناسب إذا اشتمل على مفسدة انتفت المصلحة فانخرمت المناسبة كالصلاة في دار مغصوبة فهي صحيحة بجهة كونها صلاة يتقرب بها وهي مشتملة على كونها مفسدة بجهة كونها شاغلة لملك الغير * ولكون الخلاف معنويا فروع غير ما ذكر كتخصيص العلة فإن قدح التخلف امتنع تخصيصها وإلا فلا .","part":2,"page":108},{"id":387,"text":"( ثم للنقض المذكور أجوبة يدفع بها في المناظر ) منها أن يمنع المستدل وجود العلة فيما اعترض به لا عناد أو لا مكابرة بل بأن يبدي في العلة قيدا معتبرا في الحكم موجوداً في محل التعليل مفقوداً في صورة النقض كقولنا في النباش أخذ النصاب من حرز مثله عدواناً فهو ... القطع فإن نقض بما إذا سرق الكفن من قبر بمفازة حيث لا يجب القطع في الأصح فجوابه منع وجود العلة فيه لكونه ليس من حرز مثله ( ومنها ) منع انتفاء الحكم في الصورة المنقوض بها كقولنا السلم عقد معارضة فلا يشترط فيه التأجيل فيصح أن يكون حالا فإن اعترض الخصم بالإجارة لكونها عقد معاوضة والتأجيل شرط فيها فجوابه منع انتفاء الحكم وهو شرط التأجيل في صحة الإجارة لأن اشتراط الأجل فيها ليس لصحة العقد بل ليستقر المعقود عليه وهو المنفعة فإن استقرارها في الحال وهي معدومة محال * ومحل صحة الجواب بذلك أن لا يكون انتفاء الحكم في صورة النقض مذهب المستدل وإلا فلا يتاتى الجواب بمنعه سواء أكان مذهب المعترض أيضا أم لا * وجواب القدح بالتخلف عند من يرى أن التخلف لمانع لا يقدح إن يبين المستدل في صورة النقض مانعا يمنع من ثبوت الحكم فيها فيبطل النقض كقولنا يجب القصاص في القتل بالمثقل كالمحدد * فإن نقض بقتل الأب ابنه فإن الحكم تخلف فيه وهو وجوب القصاص مع وجود العلة فجوابه ان التخلف لمانع وهو كون الأب سببا لإيجاد الابن فلا يكون الابن سببا لإعدام الأب فإن لم يجب المستدل عن التخلف صار منقطعا .","part":2,"page":109},{"id":388,"text":"( وإذا منع المستدل ) وجود العلة في صورة النقض فهل لمعترض الاستدلال على وجودها في محل النقض أم لا فيه مذاهب ( أحدها وهو الصحيح ) وبه قال الأكثرون من علماء النظر وجزم به الإمام الرازي والبيضاوي أنه ليس للمعترض الاستدلال المؤدي للانتشار ( ثانيها ) له ذلك ليتم مطلوبه من إبطال علة المستدل ( ثالثها ) وبه قال الآمدي للمعترض الاستدلال أن تعين ذلك طريقا له في دفع كلام المستدل وإن أمكنه الدفع بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فليس له الاستدلال ( وإذا قلنا بالأول ) وأقام المستدل الدليل على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض لكن منع المستدل وجودها في محل النقض فقال له المعترض ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلة حيث وجدت في محل النقض بمقتضى منعك وجودها فيه كقول الحنفي يصح صوم رمضان بنيته قبل الزوال للامساك والنية فينقضه الشافعي بالنية بعد الزوال بإنها لا تكفي في صوم رمضان فيمنع الحنفي وجود العلة في هذه الصورة فيقول الشافعي ما أقمته دليلا على وجود العلة في محل التعليل دال على وجودها في محل النقض فهل يسمع ذلك من المعترض أم لا * فيه مذهبان ( أحدهما ) وهو الذي صوبه المصنف واختاره الآمدي وابن الحاجب والصفي النهدي أنه لا يسمع قول المعترض لأنه انتقال من نقض العلة إلى نقض دليلها والانتقال ممتنع ( ثانيها ) انه يسمع وهو ظاهر عبارة الإمام في المحصول فإنه علل منع الانتقال فيما تقدم بأنه نقل إلى مسألة أخرى ( تنبيه ) لو قال المعترض يلزمك أما نقض العلة أو نقض الدليل الدال على وجودها في الفرع كان مقبولا يحتاج المستدل إلى الجواب عنه والله أعلم .","part":2,"page":110},{"id":389,"text":"( وإذا منع المستدل ) تخلف الحكم عن العلة لم يسمع منه إن كان عدم الحكم في الصورة المنقوض بها مجمعا عليه أو مذهبه وإلا سمع منه ( وحيث سمع ) فهل للمعترض الاستدلال على تخلف الحكم فيه أقوال ( أحدها ) وهو الأصح وعليه أكثر النظار أنه ليس له الاستدلال على تخلف الحكم عن العلة في محل النقض لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا والمعترض مستدلا ( وثانيها ) له ذلك لأن نقض العلة يتحقق به ورجحه ابن الهمام من الحنفية ( وثالثها ) له ذلك إن لم يكن له طريق أولى بالقدح في كلام المستدل من ذلك فإن كان له طريق آخر أفضى إلى المقصود فلا ( وإذا قلنا ) بالنقض فهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله منه ابتداء أم لا فيه أقوال ( أحدها ) وهو ما اختاره لمصنف أنه يجب الاحتراز منه على المناظر مطلقا * أما الناظر المجتهد فيجب عليه الاحتراز منه في غير ما اشتهر من المسائل المستثنيات كالعرايا ورد الصاع من التمر من المصراة فتنزل شهرته منزلة ذكره فلا يحتاج إلى التصريح به ( ثانيها ) يجب الاحراز منه مطلقا على الناظر والمناظر حتى في المستثنيات المشهورة ( ثالثها ) يجب الاحتراز منه على الناظر والمناظر إلا في المستثنيات مطلقا مشهورة كانت أو غير مشهورة ( رابعها ) أنه لا يجب مطلقا لأنه إنما يطلب منه ذكر الديل واما نفي المانع فمن قبيل دفع المعارض فلم يجب * وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين وعلى ذلك جرى المصنف في شرح المختصر .","part":2,"page":111},{"id":390,"text":"( ثم دعوى الحكم ) قد تكون في بعض الصور وقد تكون في جميعها ( الحالة الأولى )أن تكون في بعض الصور وهذه تنقسم إلى أربعة أقسام لأنها قد تكون في صورة معينة وقد تكون في صورة مبهمة وعلى كلا التقديرين فقد يكون المدعي ثبوت الحكم وقد يكون نفيه ( الأول ) دعوى ثبوته في صورة معينة فينقضه النفي عن جميع الصور وهو السلب الكلي لأن نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية ولا ينتقض بنفيه عن بعض الصور لأن الجزئيتين غير متناقضتين مثاله زيد عالم ينقضه لا شيء من الإنسان بعالم ( الثاني ) دعوى ثبوته في صورة مبهمة فينقضه السلب الكلي كالتي قبلها * فلو قيل إنسان ما كاتب نقضه لا شيء من الإنسان بكاتب ( الثالث ) دعوى نفيه عن صورة معينة فينقضه الإثبات في جميع الصور لا في بعضها وهو الإيجاب الكلي لما تقرر من تناقض الجزئية والكلية لا الجزئيتين * مثاله لو قيل النبيذ ليس بنجس قياسا على الزبيب فينقضه كل نبيذ مسكر وكل مسكر نجس ينتج النبيذ نجس ( الرابع ) دعوى نفيه عن صورة مبهمة وهذه كالتي قبلها ينقضه الإيجاب الكلي فلو قيل إنسان ما ليس بناطق نقضه كل إنسان ناطق .\r( الحالة الثانية ) دعوى ثبوت الحكم في جميع الصور أو نفيه في جميعها أيضا ( والأول ) ينتقض بالنفي في صورة معينة أو مبهمة لنه إيجاب كلي فينقضه السلب الجزئي * فلو قيل كل إنسان عالم نقضه زيد ليس بعالم أو إنسان ما ليس بعالم ( والثاني) ينتقض بالإثبات في صورة معينة أو مبهمة لأنه سلب كلي فينقضه الإيجاب الجزئي فلو قيل لا واحد من الإنسان بعالم نقضه زيد عالم أو إنسان ما عالم ( الثاني من قوادح العلة الكسر ) اتفق أكثر أهل العلم من الأصوليين والجدليين على صحته وإفساد العلة به ويسمونه النقض من طريق المعنى والإ لزم من طريق الفقه * وانكره طائفة من الخراساينين قاله الشيخ أبو إسحاق في الملخص .","part":2,"page":112},{"id":391,"text":"( عرفه المصنف ) بانه إسقاط وصف من أوصاف العلة أي المركبة أي بيان أنه ملغى لا أثر له في التعليل وفيه اقتصار على أحد جزئ التعريف استغناء عنه بذكر الجزء الآخر في سياق الكلام بعد ( وعرفه البيضاوي ) كالإمام الرازي بانه عدم تأثير احد جزئي الوصف المظنون عليته ونقض الجزء الآخر .\r( وذكر له المصنف صورتين أحدهما ) أن يجعل بدل الوصف المسقط وصف أعم منه ثم ينقض الوصف الآخر كما يقال في إثبات صلاة الخوف هي صلاة يجب قضاؤها إجماعا تركت فيجب أداؤها قياسا على صلاة إلا من فيعترض بأن خصوص الصلاة في العلية ملغى إذ وجوب الأداء لوجوب القضاء غير مختص بالصلاة لأن الحج كذلك يجب أداوه لوجوب قضائه فيبقى بعد إلغاء الخصوصية الوصف العام وهو كونها عبادة يجب قضاؤها ثم ينقض بصوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم ( ثانيها ) أن لا يجعل بدل الوصف المسقط عام بل يقتصر على الباقي بعد إسقاطه فلا يبقى علة للمستدل إلا قوله يجب قضاؤها فيقال عليه وليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه دليله الحائض فإنه يجب عليها قضاء الصوم دون أدائه كما تقدم ( واختار القدح بالكسر الآمدي وابن الحاجب إلا أنهما عرفاه بالنقض المكسور وجعلا الكسر أسما لتخلف الحكم عن الحكمة المقصودة منه * ونقلا عن الأكثرين أنه غير قادح واختاراه ورجحه الشارح لأنه لم يرد على العلة وقيل يقدح لاعتراضه المقصود من العلة وهو الحكمة ومثاله أن يقول الحنفي العاصي بسفره مسافر فيترخص كغير العاصي لحكمة المشقة فيعترض عليه بذي الحرفة الشاقة في الحضر كمن يحمل الأثقال ويضرب بالمعاول فإنه لا يترخص له .","part":2,"page":113},{"id":392,"text":"( الثالث من قوادح العلة تخلف العكس ) والمراد بالعكس القادح تخلفه انتفاء الحكم لانتفاء العلة وقد مرا أنه شرط في العلة عند مانع تعليل الحكم الواحد بعلتين فإنه عنده لا يكون للحكم إلا دليل واحد فمتى انتفى ذلك الدليل انتفى الحكم فإن ثبت مقابله المسمى بالطرد فهو أبلغ في العكسية مما لم يثبت مقابله ( واستشهاد المصنف هنا ) للعكس في صحة الاستدلال به بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب قول بعض أصحابه ويأتي أحدنا شهوته وله فيها اجرا أرايتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر فكأنهم قالوا نعم فقال فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ليس هذا محل ذكره * والشاهد فيه استنتاجه عليه السلام من ثبوت الحكم وهو الوزر في الوطء الحرام انتفاء الحكم في الوطء الحلال الصادق بحصول الأجر حيث عدل بوضع الشهوة عن الحرام إلى الحلال وهذا الاستنتاج يسمى قياس العكس الآتي في الكتاب الخامس لا العكس الذي الكلام فيه وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة ( إذا علمت ذلك ) فقادح العلة إنما هو تخلف العكس بأن يوجد الحكم بدون العلة وهو إنما يكون قادحا عند مانع تعدد علتين مثلا على معلول واحد بخلاف مجوزهما فليس تخلف العكس بقادح عنده لجواز أن يكون وجود الحكم للعلة الأخرى كما أنه لا يجعل العكس من شروط العلة ( والمراد بانتفاء الحكم ) انتفاء العلم والظن به لا انتفاؤه في نفسه إذ لا يلزم من انتفاء دليله انتفاؤه فإنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول كما لا يلزم من انتفاء الدليل على الصانع جل وعلا وهو العالم مثلا انتفاء الصانع بل يلزم انتفاء العلم به .","part":2,"page":114},{"id":393,"text":"( الرابع من قوادح العلة عدم التأثير ) وهو كما عرفه المصنف أن لا يكون في الوصف مناسبة لإثبات الحكم ولا نفيه ومن أجل ذلك اختص القدح به بقياس المعنى وهو ما ثبتت فيه علية الوصف المشترك بين الأصل والفرع بالمناسبة بخلاف غيره كالشبه أو الطرد فلا يتأتي في كل منهما القدح بعدم التأثير واختص أيضا بالمستنبطة المختلف فيها في القياس المعنى فلا يقدح في المنصوصة ولا في المستنبطة المجمع عليها .\r( وعدم التأثير ) عند الجدليين على أربعة أقسام مترتبة .","part":2,"page":115},{"id":394,"text":"( أحدها ) عدم التأثير في الوصف المعلل به بكونه وصفا طرديا لا مناسبة فيه ولا شبه كقول الحنفي في الصبح صلاة لا تقصر فلا يقدم إذ أنها على وقتها كالمغرب بجامع عدم القصر فيهما * فإن عدم القصر بالنسبة لعدم تقديم الأذان طردي لا مناسبة فيه ولا شبه * وعدم التقديم موجود فيما يقصر كالظهر وحاصل هذا القسم طلب الدليل على علية الوصف ( الثاني ) عدم التأثير في حكم الأصل المقيس عليه بأن يستغني عنه بإبداء علة أخرى لإثبات حكم الأصل * كان يقال في بيع الغائب مبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء بجامع عدم الروية فيقول المعترض لا أثر في الأصل لكونه غير مرئؤ فإن العجز عن التسليم فيه كاف في عدم صحة غير المرئي فلا حاجة لقوله غير مرئي وإن كان مناسبا لنفي الصحة ولكن لا تأثير له هنا وحاصل هذا القسم معارضة في الأصل بإبداء علة أخرى غير علة الأصل وهي في المثال العجز عن التسليم بناء على منع التعليل بعلتين فإن قلنا بجوازه لم يقدح والأقدح ( الثالث ) عدم التأثير في الحكم وهو ثلاثة أضرب لأن الوصف الذي اشتملت عليه العلة أما إن لا يكون لذكره فائدة أصلا أوله فائدة ضرورية أو غير ضرورية ( فالضرب الأول ) وهو ملا فائدة لذكره كقول الحنفية في المرتدين المتلفين لمالنا في دار الحرب حيث استدلوا على نفي الضمان عنهم في ذلك * مشركون اتلفوا مالنا في دار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي المتلف مالنا فدار الحرب عند الحنفية وصف طردي فلا فائدة لذكره إذ لا تأثير له في أصل ولا فرع لأن من أوجب الضمان من العلماء في اتلاف المرتد مال المسلم كالشافعية أوجبه وإن لم يكن الإتلاف في دار الحرب وكذا من نفاه من العلماء في ذلك كالحنفية نفاه وإن لم يكن الإتلاف في دار الحرب * أي سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب في الشقين وأد كان الوصف في هذا الضرب طرديا فالاعتراض فيه راجع إلى القسم الأول من أقسام عدم التأثير الأربعة لأن كون الإتلاف في دار الحرب","part":2,"page":116},{"id":395,"text":"لا تأثير له في الأصل ولا في الفرع فالمعترض يطالب المستدل ببيان كون الإتلاف في دار الحرب موثرا أي له دخل في العلية وإنما ذكره لضرورة التقسيم إلى الاضرب الثلاثة .\r( والضرب الثاني وهو ما يكون لذكر الوصف المشتمل على العلة فائدة ضرورية مع كونه طرديا كالذي قبله كقول معتبر العدد في الاستجمار بالاحجار عبادة متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد كالأحجار في رمي الجمار فقول معتبر العدد لم تتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والفرع لكنه مضطر إلى ذكره لئلا ينقض الحكم الذي علل به عند حذف التقييد به الاحجار في رجم المحصن فإنه عبادة متعلقة بالاحجار ولم يعتبر فيها العدد ومع زيادة القيد المذكور لا نقض بالرجم لتقدم المعصية فيه ( والضرب الثالث ) وهو ما يكون لذكر الوصف المشتمل على العلة فائدة غير ضرورية مع كونه طرديا كسابقيه فينظر فإن لم يفتقر للمستدل ذكر الضرورية بأن صح الاعتراض بمحلها فلا يغتفر للمستدل ذكر الضرورية بأن صح الاعتراض بمحلها فلا يغتفر له ذكر غير الضرورية من باب أولى بل هو مجرد حشو وإن اغتفر له ذكر الضرورية ففي غيرها خلاف بين الأصوليين هل تغتفر أم لا مثاله الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم كالظهر فإن قولهم مفروضة حشو لا فائدة فيه إذ لو حذف مما على به كان التعليل صحيحا ولم ينتقض الباقي من التعليل لأن النفل كذلك لا يفتقر في إقامته إلى إذن الإمام الأعظم لكن فائدة ذكره تقريب الفرع وهو الجمعة من الأصل وهو الظهر تقوية للشبهة بينهما إذ كل منهما فرض والفرض بالفرض أشبه منه بغيره ( الرابع ) عدم التأثير في الفرع لكون الوصف لا يطرد في جميع صور النزاع مثل أن يقال في ولاية المرأة زوجت نفسها بغير كفو فلا يصح كما لو زوجها وليها من غير كفو فكون التزويج من غير كفو لا يطرد في صورة النزاع وهو تزويجها نفسها ولو من كفو فهو كالقسم الثاني إذ لا أثر في مثاله","part":2,"page":117},{"id":396,"text":"للتقييد بغير الكفوء كما لا أثر في مثال الثاني للتقييد بكون المبيع غير مرئي وإن كان نفي الأثر في هذا بالنسبة إلى الفرع والثاني بالنسبة إلى الأصل ( والكلام في هذا ) مبني على الخلاف في الفرض وهو تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج فيه وإقامة الدليل عليه كان يقول الخصم في المرأة المزوجة نفسها إنما أفرضه في التزويج بغير كفؤ وأقيم الدليل عليه خاصة فقد خص الخصم دليله ببعض صور النزاع * إذ المدعي منع تزويج المرأة نفسها مطلقا فمن منع الفرض رد هذا ومن أجازه قبله وفي قبول الفرض مذاهب (الأصح ) منها جوازه ملطقا وبه قال الجمهور لأنه يستفاد به غرض صحيح وهو دفع الاعتراض في بعض الصور حيث لا يساعد الدليل في كلها ( وقيل ) لا يجوز مطلقا وبه قال ابن فورك قال شرط الدلييل إن يكون عاما لجميع صور النزاع ليكون مطابقا للسؤال دافعا لاعتراض الخصم () وقيل يجوز بشرط بناء ما خرج عن محل الفرض على محل الفرض ثم اختلف في كيفية هذا البناء فقيل يكفيه أن يقول إذا ثبت في بعض الصور ثبت في جميعها إذ لا قائل بالفرق ( وقيل ) لا يكفي بل يحتاج إلى رد ما خرج عن محل الفرض اليه بجامع صحيح بينهما على قاعدة القياس ( وقيل ) إن فرض الاستدلال في صورة السؤال فلا يحتاج إلى البناء وإن فرضه في غيره اشتراط بناء صورة السؤال على محل الفرض بطريق السؤال .","part":2,"page":118},{"id":397,"text":"( الخامس من قوادح العلة القلب ) عرفه المصنف مشيا على ما عليه الصفي الهندي وغيره بأنه دعوى المعترض أن ما استدل به المستدل في المسألة المتنازع فيها على ذلك الوجه الذي استدل به المستدل دليل على أن المستدل لا دليل له إن صح الدليل المستدل به بأن سلم القالب وهو المعترض صحته على سبيل التنزل ( فخرج ) بقوله في المسألة المتنازع فيها أن يدعي المعترض أن ما استدل به المستدل عليه لا له لكن في مسألة أخرى لا تنازع فيها لا في تلك المسألة بعينها ( وبقوله ) على ذلك الوجه ما إذا كان استدلال المستدل على المسألة بذلك الدليل من جهة الحقيقة واستدلال المعترض عليها بطريق المجاز كاستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله عليه الصلاة والسلام الخال وارث من لا وارث له فيقول المعترض هذا الحديث يدل عليك لا لك لأن معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة أي إن الخال لا يرث كما يقال الجوع زاد من لا زاد له * والصبر حيلة من لا حيلة له * أي ليس الجوع زادا ولا الصبر حيلة ( وقيل ) هذا لا يسمى قلبا على ما تقدم * لكن مقتضى كلام الآمدي أنه من القلب حيث عرفه بقوله * قلب الدليل هو إن يبين القالب إن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له أو يدل عليه وله باعتبارين قال والنوع الأول قل أن يتفق له مثال في الأقيسة ومثل له من النصوص بحديث الخال وارث من لا وارث له * وعلى قول الآمدي يكون التقييد بعلى ذلك الوجه مستدركا بخلافه على ما قبله فهو قيد لابد منه عليه ( وقول المصنف ) في التعريف إن صح أي على سبيل التنزل * ولهذا يمكن مع القلب تسليم صحة الدليل والمراد بصحته إن يكون الدليل صحيحا في نفسه لا ما يتوهم من صحته من حيث دلالته على مذهب المستدل لأن ذلك ينافي دعوى المعترض أنه يدل عليه لا له قاله البناني ( وقيل ) القلب تسليم لصحة ما استدل به المستدل مطلقا ووجه أن الجامع دليل صحيح وإنما اختلف في أنه دليل للمستدل أو عليه ( وقيل ) إفساد لما استدل به","part":2,"page":119},{"id":398,"text":"المستدل مطلقا لأن الشيء الواحد لا يجمع بين ضدين وهما حكم المستدل والقالب وعلى القولين الأخيرين ليس قولهم إن صح من الحد * أما على القول الأول فلابد من ذكره للإشارة إلى تسليم الصحة وعدمها مع القلب ( ثم القلب ) على القول بأنه تسليم للصحة معارضة لا تقدح في العلة بل يجاب عنها بالترجيح وعلى القول بإفساده الدليل قادح في العلة وليس معارضة حتى يجاب عنه بالترجيح وعلى المختار الأول من إمكان التسليم وعدمه فهو مقبول معارضة عند تسليم الصحة وقادحا عند عدمه ( وقيل ) القلب غير صحيح لأنه شاهد زور يشهد للقالب حيث استدل به على خلاف دعوى المستدل ويشهد عليه حيث سلم للمستدل دليله وهذا هو القول المحكي أولا بالإفساد كما تقدم .\r( ثم القلب قسمان ) أحدهما ما يراد به تصحيح مذهب المعترض والثاني ما يراد به إبطال مذهب المستدل ( والأول ضربان ) أحدهما أن يكون فيه مع تصحيح مذهب المعترض إبطال مذهب المستدل في تلك المسألة حال كونه صريحا في الاستدلال كان يقال من جانب المستدل كالشافعي في منع بيع الفضولي * عقد في حق الغير بلا ولاية ولا نيابة فلا يصح كما لو اشترى لغيره بغير إذنه فيقول المعترض كالحنفي عقد بلا ولاية ولا نيابة فيصح كشراء الفضولي فإنه صحيح إلا أنه لا يقع لمن سمي له بل للفضولي وتلغوا التسمية وهو موافق لأحد وجهين عند الشافعي بشرط أن لا يشتري الفضولي بعين مال من عقد له ولم يضف العقد لذمته ( الضرب الثاني ) أن لا يكون فيه إبطاله صريحا كوقوف عرفة فإنه ليس قربة بل بإنضمام الإحرام اليه * والاعتكاف أيضا يكون قربة بإنضمام الصوم اليه فيقول المعترض كالشافعي لبث فلا يشترط فيه الصوم كوقوف عرفة فإنه لا يشترط فيه الصوم فالقالب وهو الشافعي صحح مذهب نفسه وهو عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف ودل على بطلان مذهب الأخر التزاما لأن الصوم لازم عند الحنفي في الاعتكاف ففيه إبطال لمذهب الخصم وهو اشتراط الصوم ولم يصرح به في الدليل .","part":2,"page":120},{"id":399,"text":"( القسم الثاني من قسمي القلب ) وهو ما يراد به إبطال مذهب المستدل من غير تعرض لمذهب المعترض * وهو ضربان أيضا :\r( أحدهما ) أن يكون إبطال ذلك بالصراحة أي دلالة المطابقة كقول الحنفي مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه لا يكفي في غسله ذلك فيقال من جانب المعترض كالشافعي مسح الرأس ركن من أركان الوضوء * فلا يتقدر مسحه بالربع كالوجه لا يتقدر غسله بذلك ( الضرب الثاني ) أن يكون إبطال مذهب المستدل فيه بالالتزام بأن يرتب على الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل كقول الحنفي في بيع الغائب عقد معاوضة فيصح بدون رؤية المعقود عليه كالنكاح فإنه يصح بدون رؤية المنكوحة فيقال من جانب المعترض كالشافعي عقد معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح فنفي المعترض ثبوت خيار الرؤية يلزم منه نفي الصحة لأن كل من قال بالصحة بثوبت الخيار عند رؤيته ( ومن هذا ) القسم الأخير وهو ما يراد به إبطال مذهب المستدل ضمنا نوع يسمى قلب المساوات لتضمنه التسوية بين الأصل والفرع ( وهو أن يكون ) في الأصل المقيس عليه حكمان أحدهما منتف عن الفرع باتفاق الخصمين والأخر متنازع فيه بينهما فإذا أراد المستدل أن يثبت المختلف فيه في الفرع قاسه على الأصل فيقول المعترض تجب التسوية بين الحكمين في الفرع كما أنهما مستويان في الأصل مثاله قول الحنفي في نية الوضوء طهارة بالمائع فلا تجب فيها النية كإزالة النجاسة فإنها لا تجب النية في الطهارة لها بخلاف طهارة التيمم فتجب فيها النية لأنها بالجامد فيقول المعترض كالشافعي كل منها طهارة فيستوي جامدها وهو التيمم ومايعها وهو الوضوء كالنجاسة يستوي جمدها ومايعها وحكمها وقد وجدت النية في التيمم فلتجب في الوضوء ( والأكثرون على قبول قلب المساواة ) منهم الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وذهب القاضي أبوبكر الباقلاني إلى رده لأنه لا يمكن","part":2,"page":121},{"id":400,"text":"التصريح فيه بحكم العلة فإن الحاصل في الأصل نفي وفي الفرع إثبات ( وأجاب ) الأكثرون بانه لا يضر اختلاف حكمهما فإن ذلك لا ينافي أصل الاستواء الذي جعل جامعا .\r( ومن القوادح القول بالموجب ) بفتح الجيم أي بما أوجبه دليل المستدل واقتضاه وهو غير مختص بالقياس وقد وقع في التنزيل في قوله تعالى { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } في جواب قول المنافق عبد الله بن أبي بن سلول وغيره لأصحابه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } أي صحيح ذلك لكن هم الأذل والله ورسوله الأعز وقد أخرجاهم منها وذه الآية ليست من القول بالموجب القادح في القياس .","part":2,"page":122},{"id":401,"text":"( والقول بالموجب ) هو ما عرفه المصنف تبعا لابن الحاجب بأنه تسليم مدلول الدليل مع بقاء النزاع * وعبر البيضاوي بتسليم مقتضى الدليل وصوبه بعضهم لأن تسليم الخصم إنما هو لمقتضى الدليل وهو موجبه لا لنفس الدليل لأن الدليل ليس مرادا لذاته بل لكونه وسيلة إلى معرفة المدلول ( ويقع القول ) بالموجب على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يستنتج المستدل من دليله ما يتوهم انه محل النزاع أو ملازم محله والأمر ليس كذلك * كما يقال من جانب المستدل كالشافعي في ثبوت وجوب القصاص في القتل بمثقل قتل بما يقتل غالبا لا ينافي وجوب القصاص كالاحراق بالنار فإنه لا ينافي وجوب القصاص * فيقول المعترض كالحنفي أنا أقول بموجبه وأسلم عدم المنافاة بين القتل بالمثقل والقصاص لكن لا يلزم من ذلك وجوب القصاص الذي هو محل النزاع * وكون الشيء لا ينافي الشيء لا يلزم منه أنه يقتضيه ( الوجه الثاني ) أن يستنتج المستدل من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنه مأخذ الخصم وبمنى مذهبه وهو يمنع كونه مبني لمذهبه * فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه * وذلك كما يقال في القصاص بالقتل بالمثقل أيضا التفاوت في الوسيلة التي هي آية القتل بالمثقل والمحدد وغيرهما لا يمنع القصاص بالقياس على التفاوت في المتسول اليه وهو التفاوت في المقتولين من الصغر والكبر والشرف والخسة فإنه لا يمنع وجوب القصاص اتفاقا فيقول المعترض كون التفاوت في الوسيلة غير مانع من وجوب القصاص مسلم ولكن لا يلزم منه وجوب القصاص الذي هو محل النزاع إذ لا يلزم من إبطال مانع وهو التفاوت في الوسيلة انتفاء كل الموانع ووجود كل الشرائط والمقتضى وثبوت القصاص متوقف على جميع ذلك لأن الحكم لا يثبت إلا بانتفاء جميع الموانع ووجود جميع الشرائط ووجود المقتضى (وهل يصدق) المعترض في قوله ليس هذا الذي نفيته باستدلالك تعريضا بي في منافاة القتل بالمثقل للقصاص ماخذي في نفي القصاص بالمثقل ( فيه مذهبان ) أحدهما وهو","part":2,"page":123},{"id":402,"text":"المختار الراجح عند الجدليين نعم * لأن المعترض أعلم بمذهبه وعدالته تمنعه من الكذب ( ثانيها ) لا يصدق إلا ببيان مأخذ آخر لأنه قد يقول ذلك عنادا * قال الكمال وغيره وأكثر القول بالموجب من هذا القبيل لخفاء مآخذ الأحكام وقل ما يقع الأول لشهرة محل الخلاف وتقدم تحريره غالبا ( الوجه الثالث ) أن يسكت المستدل عن مقدمة غير مشهورة من مقدمتي دليله مخافة ورود المنع لها لو صرح بها ويقتصر على الأخرى فيرد القول بموجب المقدمة المذكورة مثاله استدلال الشافعي على وجوب النية في الوضوء بذكره المقدمة الكبرى من القياس المنطقي فيقول كلما ثبت أنه قربة يشترط فيه النية كالصلاة ويسكت عن الصغرى وهو قوله الوضوء قربة خشية أن تمنع هذه المقدمة فيعترض الخصم بالقول بالموجب فيقول ما ذكرته من أن كل قربة تجب فيه النية مسلم * ولكن مقدمة واحدة لا تنتج المدعى فلا يلزم اشتراط النية في الوضوء ( وإنما ورد ) هذا الاعتراض لحذف المستدل صغرى القياس فيه وهي غير مشهورة للاختلاف فيها ولو صرح بالصغرى كان القياس هكذا الوضوء قربة وكلما ثبت كونه قربه اشترط فيه النية ينتج من الشكل الأول الوضوء يشترط فيه النية فيرد عليه منع الصغرى كان يقول المعترض أن الوضوء للنظافة ولا قربة فيه ويخرج الإيراد المذكور عن القول بالموجب لأن القول بالموجب تسليم للدليل وهذا منع له ( وإنما قيدت ) المحذوفية بغير المشهورة لأن المشهورة كالمذكورة فيمنع المعترض إلا أن يكون متفقا عليها فلا يمكن منعها ولو صرح بذكرها وهذا المنع ليس من القول بالموجب .\r( ومن القوادح ) القدح في مناسبة الوصف المعلل به بإظهار مفسدة راجحة أو مساوية بناء على ما مر من انخرام المناسبة بذلك خلافا للإمام الرازي * وجوابه ببيان رجحان تلك المصلحة على تلك المفسدة تفصيلا أو إجمالا .","part":2,"page":124},{"id":403,"text":"( ومن القوادح ) القدح في صلاحية الحكم لإفضائه إلى الحكمة المقصودة من شرعه كان يقال ترحيم المحرم بالمصاهرة مؤبدا صالح لأن يفضي إلى عدم الفجور بها المقصود من شرع التحريم فيعترض بأنه ليس صالحا لذلك بل للافضاء إلى الفجور * فإن النفس مائلة إلى الممنوع منه وجوابه بيان أن التأبيد في المثال مانع من ذلك في العادة لإنسداد باب الطمع فيها به فلا يبقى المحل مشتهى كالأمهات .\r( ومن القوادح ) القدح في انضباط الوصف المعلل به كالقدح في المشقة إذا علل بها جواز القصر بأنها يغر منضبطة لاختلافها باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان * وجوابه بيان الانضباط بحسب سببها وهو السفر وإن لم تكن في نفسها منضبطة .\r(ومن القوادح) القدح في الوصف بعدم ظهوره كالقدح في المراضاة المعلل بها انعقاد البيع بانها أمر خفي لا يطلع عليه وجوابه ببيان أن ظهور المراضاة بسبب ظهور ما يدل عليها من الصيغ كبعتك وزوجتك وأشتريت وقبلت.","part":2,"page":125},{"id":404,"text":"( ومن القوادح الفرق ) وهو إظهار المعترض معنى يحصل به الفرق بين الأصل والفرع حتى لا يلتحق الفرع بالأصل في حكمه وهو ضربان ( الأول ) أن يجعل المعترض الخصوصية التي في أصل القياس علة لحكمه كقول الحنفي الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء بالقياس على ما خرج منهما * والجامع الخارج النجس فيقول المعترض الفرق بينهما أن الخصوصية التي في الأصل وهي خروج النجاسة من السبيلين هي العلة في انتقاض الوضوء لا مطلق خروجها ( الضرب الثاني ) أن يجعل الخصوصية التي في الفرع مانعا من ثبوت حكم الأصل فيه كقول الحنفي يجيب القصاص على المسلم بقتل الذمي قياسا على غير المسلم والجامع هو القتل العمد العدوان فيقول المعترض الفرق بينهما أن تعين الفرع وهو كونه مسلما مانع من وجوب القصاص وهو الضرب الأول راجع إلى المعارضة في الأصل بإبداء خصوصية فيه تجعل شرطا للحكم بأن تجعل جزاء من علته * والثاني راجع إلى المعارضة في الفرع بإبداء خصوصية فيه تجعل مانعا من الحكم وذهب كثير من المتقدمين إلى أن الفرق راجع إلى المعارضة فيهما بإبداء الخصوصيتين فيهما معاً ( وفي قبول ) الفرق قولان :","part":2,"page":126},{"id":405,"text":"( أصحهما ) أنه مقبول وأنه قادح لأنه على أي وجه ورد يوهن غرض المستدل من الجمع ويبطل مقصوده وحكاه إمام الحرمين عن جماهير الفقهاء وقال الشيخ أبو إسحاق في الملخص أنه أفقه شيء يجري في النظر وبه يعرف فقه المسألة ( والثاني ) مردود لا يقدح وحكاه ابن السمعاني عن بعض المحققين ( واختلف) هل الفرق سؤال واحدا وسوالأن ( قيل ) أنه سؤال واحد أي اعتراض واحد لاتحاد المقصود منه وهو قطع الجمع ( وقال ابن سريج ) سؤالان بناء على رجوع الفرق إلى المعارضتين في الأصل والفرع إذ لكل معارضة سؤال وهو مقبول على الأول قطعا والخلاف إنما هو إذا قلنا بالثاني فمنهم من رده وقال ينبغي أن يورد كل سؤال على حياله * والصحيح قبوله وجواز الجمع بينهما لأنه أضبط وأجمع لتفرق الكلام واختاره إمام الحرمين وقال ليس المقصود منه المعارضة بل مناقضة الجمع ( ثم جواب ) الاعتراض بالفرق بمنع كون المبدئ في الأصل جزاء من العلة وفي الفرع مانعا من الحكم وما أشبه ذلك والصحيح على القول بأن الفرق قادح أنه يمتنع تعدد الأصول المقيس عليها لافضائه إلى الانتشار مع إمكان حصول المقصود بواحد منها * ولو جوزنا تعليل الحكم الواحد بعلتين ( قيل ) يجوز التعدد مطلقا وصححه ابن الحاجب لما فيه من تكثير الأدلة وهو أقوى في إفادة الظن وإذا جوزنا تعدد أصول المستدل فهل يجب التعرض في الفرق لجميع الأصول أو يكفى المعترض بيان الفرق بين أصل وبين الفرع فيه مذاهب ( أصحها ) أنه لو فرق بين الفرع وأصل منها كفى في القدح فيها لأنه يرخم غرض المستدل في إلحاقه بجميع تلك الأصول .","part":2,"page":127},{"id":406,"text":"( قال العلامة ابن قاسم ) وجه بطلان هذا الجمع بالفرق المذكور ظاهر فيما إذا كان الإلحاق بمجموعها وأما إذا كان بكل منها فمحل خفاء لأن التمسك ببعضها كاف في إثبات حكمه فكيف حكم بالقدح على وجه الإطلاق ( وثانيها ) لا يكفى لاستقلال كل منها في نفسه وإن قصد الإلحاق بالمجموع ( وثالثها ) واختاره الصفي الهندي أنه إن كان غرض المستدل من الأقيسة المتعددة إثبات المطلوب بصفة الرجحان وغلبة الظن كفى التفريق في أصل واحد وإن كان غرضه إثبات أصل المطلوب لم يكف لأنه متى سلم عن القدح قياس واحد بقى غرض المستدل ( وإذا قلنا ) أنه لابد من الفرق بين الفرع وبين كل واحد من الأصول فهل يكفى المستدل في الجواب الاقتصار على أصل واحد فيه قولان فمن اكتفى به قال يحصل به مقصود المستدل ومن لم يكتف به قال قد التزم المستدل صحة القياس على كل الأصول فإذا عورض في الجميع وجب الجواب عن الكل .","part":2,"page":128},{"id":407,"text":"( ومن القوادح فساد الوضع ) وهو أن لا يكون الدليل موضوعا على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه * كان يكون صالحا لضد ذلك الحكم أو نقيضه أو يكون وصفا طرد بالا يصلح للعلية وإنما سمى فساد الوضع لأن وضع القياس أن يكون كذلك فمتى خلا عن ذلك فسد وضعه وذلك كاستنباط التحقيق من دليل التغليظ واستنباط التوسيع من دليل التضييق واستبناط الإثبات من دليل النفي واستنباط النفي من دليل الإثبات ( فالأول ) مثل قول الحنفية القتل العمد جناية عظيمة فلا تجب له كفارة كغيره من الكبائر نجو الردة فيعترضه الشافعي بان عظم الجناية يناسب تغليظ الحكم لا تخفيفه باسقاطها ( والثاني ) كقولهم في أن الزكاة على التراخي مال واجب على وجه الإرفاق للمالك ودفع حاجة المستحق فهو على التراخي كالدية على العاقلة فالتراخي الموسع لا يناسب دفع الحاجة المضيق بل المناسب له الفور ( والثالث ) كقول من يرى صحة انعقاد البيع في المحقر وغيره بالمعاطاة لمن يرى الانعقاد بها في المحتقر خاصة بيع لم توجد فيه الصيغة فينعقد كالمحقر فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد لا الإنعقاد ( والرابع ) كقولنا في المعاطاة في المحقرات بيع لم يوجد فيه سوى الرضا فلا ينعقد بها بيع كما في غير المحقرات فالرضا الذي هو مناط البيع لا يناسب عدم الانعقاد بل يناسب الانعقاد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إنما البيع عن تراض )) ( ومن فساد الوضع قسم آخر ) اخص من الأول وهو كون الجامع بين الأصل والفرع في قياس المستدل ثبت اعتباره بنص أو اجماع في نقيض الحكم في ذلك القياس إذ الوصف الواحد لا يثبت النقيضين مثال الجامع في النص قول الحنفية في تنجيس سور الهرة سبع لذو ناب فسورها نجس كالكلب فيقول الشافعي السبعية اعتبرها الشارع علة لنقيض الحكم وهو اللطهارة بالنص وهو ما رواه الإمام احمد أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعى إلى دار قوم فأجاب ودعى إلى دار أخرى فامتنع وقال إن في","part":2,"page":129},{"id":408,"text":"دارهم كلبا فقيل له في دار الذين أجبتهم هرة فقال الهرة سبع فجعل السبعية علة الطهارة وقد سبق أن القياس المخالف للنص باطل ( ومثال الجامع ) ذي الإجماع قول الشافعي في مسح الرأس في الوضوء هو مسح فيسن الإيتار فيه كالاستنجاء بالحجر حيث يستحب الإيتار فيه فيعترضه الحنفي بان مسح الخف لا يسن تكراره اجماعا كما قيل وسبق أن القياس المخالف للإجماع باطل ( وجواب النوع الأول ) من فساد الوضع وهو عدم كون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه بتقرير كون الدليل صالحا لاعتباره في ترتيب الحكم عليه فيقال في التغليظ الوصف له جهتان يناسب بأحدهما التغليظ ويناسب باحدهما التخفيف فينظر المستدل لأحدهما والمعترض للآخر كالارتفاق ودفع الحاجة في الزكاة ويجاب عن القتل بانه غلظ فيه بالقصاص فلا يغلظ فيه بالكفارة ويجاب عن المعاطاة بان عدم الانعقاد بها لم يترتب على الرضا بل على عدم الصيغة ( وجواب النوع الثاني ) وهو كون الجامع ثبت اعتباره في نقيض الحكم بنص أو إجماع بتقرير كون الجامع الذي قال المعترض أنه معتبر في نقيض الحكم معتبرا في ذلك الحكم وتخلف الحكم عنه بوجوده مع نقيضه لمانع في أصل المعترض كمسح الخف فإن تكراره يفسده كغسله .","part":2,"page":130},{"id":409,"text":"( ومن القوادح فساد الاعتبار ) بان يخالف القياس نصا من كتاب وسنة أو يخالف إجماعا فيفسد اعتباره مثال مخالفته نص الكتاب أن يقال في وجوب تبييت النية في الصوم الاداء صوم مفروض فلا يصح بنية من النهار كالقاضاء فيعترض الخصم بانه قياس فاسد الاعتبار لمخالفته لقوله تعالى { والصائمين والصائمات } الآية فإنه دال على ترتب الأجر العظيم على الصوم من غير تعرض للتبييت فيه وذلك مستلزم لصحة الصوم دون التبييت كذا مثله الشارح واعترض بان عدم التعرض للشيء لا يستلزم الصحة بدونه ولو صح لاستلزم عدم التعرض للنية الصحة بدونها ودفع الاستلزام شيخ الإسلام بأنه أن اريد أنه مستلزم لصحته دونه في الجملة كما في النفل فمسلم ولا يفيد وأن أريد مستلزم لصحته دائما فمممنوع لمخالفته خبر من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له انتهى والحق أنه ليس في الآية معارضة أصلا إذ لا يؤخذ منها ما يقتضي التبييت ولا عدمه إذ ليست مسوقة لبيان الصوم بل لبيان أجر فاعله كغيره مما ذكر معه ( ومثال مخالفة نص السنة ) أن يقال لا يصح القرض في الحيوان لعدم انضباطه كالمختلطات فيعترض بأنه مخالف لحديث مسلم عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وآله وسلم استلف بكرا ورد رباعيا وقال أن خيار الناس أحسنهم قضاء ومثال مخالفته الإجماع قول الحنفي لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته الميتة لحرمة النظر إليها كالأجنبية فيعترض بأنه قياس فاسد الاعتبار لمخالفته الإجماع السكوتي أن عليا غسل فاطمة عليهما رضوان الله وسلامه ولم ينكره أحد من الصحابة فكان إجماعا ( وبين فساد الاعتبار ) وفساد الوضع المذكور قبيله عموم وخصوص وجهي على ما يقتضيه تعريفاهما وإن كان ظاهر كلام المصنف والشارح يقتضي عموم الأخير مطلقا لصدقهما معا بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه مع معارضة النص والإجماع وصدق فساد الاعتبار فقط حيث ليكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب","part":2,"page":131},{"id":410,"text":"الحكم عليه وصدق فساد الوضع فقط بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه بلا معارضة النص ولا إجماع ( ثم المعترض بفساد الاعتبار ) مخيرين تقديمه على المنوعات في المقدمات وتأخيره عنها ( وتوجيه ) التقديم إن فساد الاعتبار يغني عن منع المقدمات ( وتوجيه ) التأخير أنه يطالب أولا بتصحيح مقدمات القياس فإذا صححها رده بفساد الاعتبار وقال بعضهم يجب تقديمه عليها لأنه أقوى الاعتراضات لدلالته على بطلان القياس بخلاف بقية الاعتراضات فإنها توجع إلى المطالبه بتصحيح الدليل أو إلى المعارضة له .\r( ثم للمستدل الجواب ) عن الاعتراض بفساد الاعتبار بأمور ( منها الطعن ) في النص الذي ادعى المعترض كون القياس على خلافه اما بمنع صحته لضعف إسناده بإرسال أو غيره أو بمنع دلالته ( ومنها ) معارضته النص بنص آخر مثله فيتساقطان ويسلم قياس المستدل له ( ومنها ) منع المستدل ظهور دلالة ذلك النص الذي وقع الاعتراض به على ما يلزم منه فساد قياسه ( ومنها التأويل ) لذلك الدليل يحمله على غير ظاهره بدليل يرجحه كقول المستدل كالشافعي في متروك التسمية ذبح صدر من أهله في محله فيحل أكهل كذبح ناسي التسمية فيعترض الحنفي بأنه قياس فاسد الاعتبار لمخالفته للنص وهو قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق * فيقول الشافعي هذا مؤول بحمله على مذبوح عبدة الأوثان فإن عدم ذكر اسم الله غالب عليهم ومرجح هذا التأويل ما صح في الحديث من أن قوما قالوا يا رسول الله إن قوما بايعون للحم ما ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال صلى الله عليه وآله وسلم سموا عليه وكلوا .","part":2,"page":132},{"id":411,"text":"( ومن القوادح ) منع كون الوصف المدعي عليته علة قال ابن الحاجب وهو من أعظم الأمثلة المتوجهة على القياس لعمومه في كل ما يدعي عليته ويسمى المطالبة بتصحيح العلة * والمعروف عند الإطلاق في عرف الجدليين تسميته بسؤال المطالبة وأن أريد غيره في عرفهم قيل المطالبة بوجود الوصف أو بثبوت الحكم من الأصل أو نحو ذلك * واختلف في قبول الاعتراض به والأصح قبوله وإلا لأدى الحال لتمسك المستدل بما شاء من الأوصاف كالتمسك بوصف طردي من بياض وسواد طول وقصر ونحوها .\r( وقيل لا يقبل ) لأدائه إلى الانتشار بمنع كل وصف تدعى عليته وجواب الاعتراض به بإثبات كون الوصف هو العلة بمسلك من مسالكها المتقدمة من نص أو إجماع أو غيرهما كان يقول المستدل يحرم الربا في الذرة كالبر بجامع الطعم فيقول المعترض لا أسلم أن العلة الطعم بل هي الكيل مثلا فيجبه المستدل بقوله ثبتت علية الطعم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم الطعام بالطعام ربا .","part":2,"page":133},{"id":412,"text":"( ومن المنع المطلق) منع كون خصوص الوصف معتبرا في كونه علة لذلك الحكم وهذا مقبول جزما مثاله قول الشافعية في أن فساد الصوم بغير الجماع في شهر رمضان لا يوجب الكفارة * الكفارة شرعت للزجر عن ارتكاب الجماع الذي هو محذور في الصوم فاختصت به كالحد فإنه شرع للزجر عن الجماع زنا وهو مختص به فيقول المعترض لا نسلم أن الكفارة شرعت للزجر عن الجماع بخصوصه بل للزجر عن الإفطار المحذور في الصوم سواء كان بجماع أو بغيره وجوابه بتبيين المستدل اعتبار خصوصية الوصف في العلة كان يبين اعتبار خصوصية الجماع في وجوب الكفارة بان الشارع رتبها على الإفطار بالجماع فإن الأعرابي لما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الجماع في نهار رمضان أوجب عليه الكفارة فكان كقوله جامعت في نهار رمضان فكفر وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية ومقتضاه أن تكون العلة خصوصيته لا مطلق الإفطار وكان المعترض بهذا الاعتراض ينقح المناط بحذف خصوصية الوصف وهي الجماع في رمضان عن اعتبار كونه علة للكفارة وإناطة الحكم بالأعم وهو مطلق الإفطار وكان المستدل يحقق المناط بتبيينه اعتبار خصوصية الوصف ( فإن قيل ) تنقيح المناط وتحقيقه كلاهما من مسالك العلة كما تقدم فتعارضا ( أجيب ) بترجيح تحقيق المناط فإنه يرفع النزاع ( ومن المنع المطلق ) منع المعترض ثبوت حكم الأصل وهو مسموع على الأصح لأن القياس على أصل لا يقام عليه دليل ولا يعتقده الخصم لا ينهض دليلا على الخصم ( وقال الشيخ ) أبو إسحاق الشيرازي لا يسمع أصلا ولا يلزم ذكر دليل الأصل كذا حكاه عنه ابن الحاجب كالآمدي لكن الموجود كما قال المصنف في الملخص والمعونة للشيخ أبي إسحاق السماع * مثاله أن يقول الشافعي في عدم صحة إزالة النجاسة بالخل الخل مايع لا يرفع حدثا فلا يزيل خبثا كالدهن فيقول حنفي لا أسلم حكم الأصل فإن الدهن عندي يزيل النجاسة وإن يقول حنفي الإجارة عقد على منفعة فتبطل بالموت كالنكاح فيقول","part":2,"page":134},{"id":413,"text":"الشافعي لا أسلم حكم الأصل فإن النكاح عندي لا يبطل بالموت بل ينتهي به كما تنتهي الصلاة مثلا بالفراغ منها وليس ذلك إبطالا لها ( وعلى سماع ) الاعتراض بمنع حكم الأصل فهل ينقطع بذلك لأنه منع مقدمة من مقدمات القياس فيمكن المستدل من إثباته وإنما ينقطع إذا ظهر عجزه عن إثباته بالديل ( وثانيها ) ينقطع به للانتقال عن إثبات حكم الفرع الذي هو بصدده إلى إثبات حكم الأصل ( وثالثها ) إن كان المنع ظاهرا يعرفه أكثر الفقهاء صار منقطعا وإن كان خفيا لا يعرفه إلا الخواص منهم فلا وهو اختيار الإستاذ أبي إسحاق الاسفرائينى ونقل ابن برهان في الأوسط عن الأستاذ أنه استثنى من الظاهر ما إذا قال في نفس الاستدلال أن سلمت وإلا نقلت الكلام عليه فلا يعد منقطعا ( رابعها ) وبه قال الغزالي يعتبر عرف ذلك المكان الذي وقع فيه الجدل فإن الجدل لا مدخل له فيا لشرع بل هو أمر وضعي وللجدل عرف في كل مكان فإن عده أهل ذلك المكان منقطعا انقطع وإلا فلا قال البناني ولا يخفى بعد هذا القول ( ثم على القول بالسماع ) ثم بعدم الانقاطاع أن اتى المستدل بعد منع المعترض حكم الأصل بدليل عليه لم ينقطع المعترض بمجرد الدليل على المختار بل له أن يعود ويعترض دليل المستدل إذ لا يلزم من وجود صورة الدليل صحته فيأتي باعتراض آخر وآخر إن ينقطع ( وقيل ينقطع ) بمجرد إقامة المستدل جليله لأن اشتغاله بذلك خارج عن المقصود الأصلي ( وأجيب من طرف المختار ) بمنع خروجه عن المقصود إذ المقصود لا يتم إلا به وقد يقال في الاتيان من طرف المعترض بمنوع كل منها مرتب على تسليم ما قبله ما سيظهر لك في المثال * كان يقول المستدل النبق ربوي لعلة الكيل كالتمر فيقول له المعترض لا نسلم أن التمر ربوي ( سلمنا ) ربويته لكن لا نسلم أن هذا الحكم من الأأحكام التي يجري فيها القياس ( سلمنا ) أنه من الأحكام التي يجري فيها القياس لكن لا نسلم أنه معلل لجواز كونه تعبديا ( سلمنا ) أنه معلل","part":2,"page":135},{"id":414,"text":"لكن لا نسلم أن الوصف المشترك وهو الكيل هنا علته ( سلمنا ) أن العلة الكيل لكن لا نسلم وجوده في التمر ( سلمنا ) وجود العلة وهي الكيل في التمر لكن لا نسلم أنها متعدية إلى غيره كالنبق لجواز أن يكون الكيل قاصرا على التمر ( سلمنا ) تعدية العلة وهي الكيل لكن لا نسلم وجودها في الفرع وهو النبق في المثال أي لا نسلم أنه مكيل ( فهذه ) سبعة منوع تتعلق الثلاثة الأول منها بالأصل من منع حكمه أو كونه مما لا يقاس عليه أو كونه غير معلل ويتعلق الرابع والامس بالعلة مع الأصل من منع كون ذلك الوصف علة في حكم الأصل أو منع وجوده فيه ويتعلق السادس بالعلة فقط أي بمنع كونا متعدية ويتعلق السابع بالعلة مع الفرع من منع كونها موجودة فيه ( فإن قصد المستدل الجواب ) عن هذه المنوعات على ترتيبها السابق أجاب أولا عن منع حكم الأصل ثم عن كونه مما لا يقاس عليه وهكذا إلى أخر السبعة ويكون الجواب عنها بالدفع لكل منها بما عرف من الطرق المذكورة في منع المنوع المفهومة مما تقدم وإن لم يقصد الجواب على ترتيبها لم يكلف ذلك بل يكفيه الاقتصار على دفع آخرها .\r( وعلم مما سبق ) من ذكر تعدد المنوعات جواز إيراد الاعتراضات من نوع كالنقوض أو المعارضات في الأصل أو الفرع كان يقول المعترض للمستدل وضعك منقوض بكذا وكذا ومعارض بكذا وكذا لأنها كسؤال واحد مترتبة كانت أو لا وهذا الاخلاف فيه .","part":2,"page":136},{"id":415,"text":"( فإن كانت الاعتراضات ) من أنواع مختلفة كالنقض وعدم التأثير والمعارضة كان يقول المعترض وصفك منقوض بكذا أو غير مؤثر لكذا ففيه مذاهب ( أحدها ) وبه قال الجمهور الجواز وإن كان مترتبة ( الثاني ) وهو محكي عن أهل سمرقند المنع مطلقا للانتشار فيجب الاقتصار على سؤال واحد ( والثالث التفصيل ) فإن كانت الأسئلة مترتبة أي يستدعي تاليها تسليم متلوه كالمعارضة بعد منع وجود الوصف في الأصل امتنع فإن السؤال الثاني يتضمن تسليم الأول ومتى سلم الأول كان ذكره ضايعا وإن كانت غير مترتبة كالنقض وعدم التأثير جاز فإنه لا ترتيب بينهما ( وأجيب ) من طرف المجيز مطلقا بأن التسليم ليس بحقيقي وإنما هو تقديري معناه لو سلمنا الأول والقضية الشرطية لا تستلزم الوقوع .","part":2,"page":137},{"id":416,"text":"( ومن القوادح ) دعوى المعترض اختلاف الضابط في الأصل والفرع والمراد بالضابط الوصف المشتمل على الحكمة المقصودة من شرع الحكم وإنما كان هذا الاختلاف قادحا لعدم الثقة معه بوجود الجامع في الأصل والفرع أو بمساواته فيهما وإن كان موجودا وذلك راجع إلى منع وجود علة الأصل في الفرع ( مثاله) أن يقول في شهود الزور بالقتل هؤلاء الشهود تسببوا في القتل بشهادتهم فيجب عليهم القصاص كما يجب على من أكره غيره على القتل عدوانا فيعترض الخصم بان الضابط مختلف لأنه في الأصل الإكراه وفي الفرع الشهادة فلم يتحقق الجامع بينهما ولا المساواة بين الضابطين لأن سببية الإكراه مغئرة لسببية الشهاة وإن اشتركا في الإفضاء إلى المقصود من ترتب الحكم على العلة وهو حفظ النفس هنا لكنهما متفاوتين فيه إذ هو في الإكراه أشد منه في شهادة الزور ( وجواب ) اختلاف الضابط يكون بأحد طريقين ( أحدهما ) بيان ان الجامع هو عموم القدر المشترك بينهما وهو التسببفي المثال وهو وصف منضبط عرفا فيصلح مظنة يناط بها الحكم ( ثاينهما ) بيان أن أفضاه الضابط في الفرع إلى المقصود من شرع القصاص كحفظ النفس مساو لإفضائه في الأصل اليه ( ولا يكفي ) في الجواب الغاء التفاوت بين الضابطين في الحكم فإنه لا يلزم امن إلغاء هذا التفاوت إلغاء كل تفاوت فإنه قد يلغى كما في العالم يقتل بالجاهل أو قد لا يلغى كما في الحر لا يقتل بالعبد فلا يصح أن يكون مناطا .","part":2,"page":138},{"id":417,"text":"( تنبيه ) الاعتراضات المعبر عنها بالقوادح كلها راجعة عند أكثر الجدليين إلى المنع في المقدمات وهو طلب الدليل على مقدمة الدليل أو المعارضة وهي كما مر إقامة دليل يقتضي نقيض أو ضد ما أقتضاه دليل المستدل لأن غرض المستدل من إثبات مدعاه بدليله يكون بصحة مقدماته ليصلح للشهادة له وبسلامته عن المعارض لتنفذ شهادته وغرض المعترض من هدم ذلك يكون بالقدح في صحة الدليل بمنع مقدمة منه أو معارضته بما يقاومه ( وقال المصنف ) وفاقا لبعض الجدليين أنها ترجع إلى المنع فقط لأن المعارضة منع العلة عن الجريان فهي راجعة اليه ومقدم الاعتراضات الاستفسار فإنه طليعة جيش المقدمات وإنما كان مقدمها لأن الخصم إذا لم يعرف مدلول اللفظ استحال منه المنع أو المعارضة .\r( والاستفسار في الاصطلاح ) طلب ذكر معنى لفظ المستدل حيث كان فيه غرابة أما من حيث الوضع كقوله لا يحل السيد أي الذئب أو من حيث الاصطلاح كذكر لفظ الدور والتسلسل أو نحوهما أو كان فيه إجمال كذكر مشترك بلا قرينة كقوله يلزم المطلقة العدة بالإقراء فإن لم يكن ثم إجمال ولا غرابة فلا يسمع سؤال الاستفسار لأنه تعنت مفوت لفائدة المناظرة إذ يأتي في كل لفظ ويتسلسل ( والأصح ) فيما إذا كان في لفظ المستدل غرابة أو إجمال إن بيانهما على المعترض بمعنى إثبات الغرابة والإجمال بان يبين أنه غير مشهور الاستعمال لغة ولا شرعا في الغرابة ويبين أن له معاني متعددة في الإجمال ( وقيل ) على المستدل بيان عدمهما ليظهر دليله لا بيانهما فإنه يضره ولا يكلف المعترض بالإجمال بيان كون إطلاق اللفظ على تلك المعاني متساويا لم يترجح بعضها ويكفيه أن تبرع ببيان المحامل أن يقول إن الغالب عدم تفاوتها إن عورض بان الأصل عدم الإجمال .","part":2,"page":139},{"id":418,"text":"( وحيث تم الاعتراض ) بالغرابة أو الإجمال على المستدل فعليه بيان عدمهما بطريقه بأن يثبت ظهور اللفظ في مقصده بالنقل عن أئمة اللغة أو الشرع أو العرف ما لوقال أن الوضوء قربة فتجب فيه النية فاعترضه الخصم بان الوضوء يطلبع على النظافة وعلى الأفعال المخصوصة فيقول حقيقته الشرعية الثاني أو يفسر اللفظ الواقع في دليله بما يلصح له لغة أو عرفا ( قال العضد ) وإلا كان من اللعب فيخرج عما وضعت له المناظرة من إظهار الحق انتهى ( فإن فسره ) بما لا يصلح له لغة أو عرفا فالأصح أنه لا يقبل لأن مخالفة ظاهر اللفظ من غير قرينة بعيد عن الإشارة وفي قبوله فتح باب لا ينسد ( وقيل ) يقبل لأن غاية المر أنه نطق بلغة جديدة ولا محذور في ذلك بناء على أن اللغة اصطلاحية ورد بما مر ( ولو قال المستدل ) للمعترض بالإجمال اللفظ غير ظاهر في غير مقصدي اتفاقا مني ومنك فليكن ظاهرا في مقصدي لئلا يلزم الإجمال لو لم يكن ظاهرا في مقصدي أيضا وهو خلاف الأصل ( فيه خلاف ) بلا ترجيح عند المصنف فقيل يقبل دفعا للإجمال الذي هو خلاف الأصل وصوبه بعض الجدليين ( وقيل ) لا يقبل لأن دعواه الظهور بعد بيان المعترض الإجمال لا أثر له ولأنه لا يلزم من عدم ظهوره في المعنى الأخر ظهوره في مقصده لجواز عدم ظهوره فيهما جميعا قال ابن الهمام في تحريره وهذا هو الحق .","part":2,"page":140},{"id":419,"text":"( ومن القوادح التقسيم ) وهو كون اللفظ الواقع في الدليل مترددا بين أمرين فأكثر على السوء في ظاهر النظر أحدهما مسلم للمستدل والأخر ممنوع فيمنعه المعترض أما مع سكوت عن الأخر لأنه لا يضره أو مع تسليمه ومثال ذلك أن يستدل على ثبوت الملك للمشتري في زمن الخيار بوجود سببه وهو البيع الصادر من أهل في محله فيقول المعترض السبب مطلق البيع أو البيع المطلق الذي لا شرط فيه والأول ممنوع والثاني مسلم لكنه مفقود في محل النزاع ضرورة أنه مشروط بالخيار ( ومثاله ) في أكثر من أمرين لو استدل في المرأة المكلفة بأنها عاقلة يصح منها النكاح كالرجل فيقول المعترض العاقلة أما بمعنى أن لها تجربة أو لها حسن رأي وتدبير أو لها عقل غريزي والاولان ممنوعان والثالث مسلم ولكنه لا يكفي لأن الصغيرة لها عقل غريزي ولا يصح منها النكاح * ( واختلف ) في ورود القدح بالتقسيم على قولين المختار منهما وردوده لعدم إتمام الدليل معه لكن بعد أن يبين المعترض الاحتمالين ( وقيل ) لا يرد استغناء عنه بالاستفسار ( وجواب ) الاعتراض بالتقسيم على القول بقبوله يكون باحد أمور ( الأول ) بيان أن اللفظ موضوع حقيقة في المعنى المقصود إثباته بالنقل عن أئمة اللغة أو بالاستعمال فإنه دليل الحقيقة ولا فرق في الحقيقة بين اللغوية والعرفية ( ثانيها ) بيان أنه ظاهر فيه ( ثالثها ) بيان ظهور أحد الاحتمالين بقرينة لفظية أو عقلية أو حالية ( ثم الاعتراض ) لا يتوجه على حكاية المستدل للأقوال ولو مع أدلتها في المسألة المبحوث فيها حتى يختارالمستدل منا قولا ويقيم الدليل عليه فيمنعه المعترض ( والمنع تارة يكون ) قبل تمام الدليل لبعض مقدماته أي قبل استنتاجه وتارة يكون بعد تمامه والأول قد يكون مجردا عن ذكرمستند المنع وقد يكون مع ذكر المستند وهو ما يبنى عليه المنع كقوله لا نسلم كذا ولم لا يكون الأمر كذا ولا نسلم كذا أو إنما يلزم لو كان الأمر كذا ويسمى الأول في اصطلاح","part":2,"page":141},{"id":420,"text":"الجدليين المناقضة سواء ذكر المستند أم لا * ويسمى أيضا بالنقض التفصيلي ( فإن أقام المعترض ) الحجة على انتفاء تلك المقدمة التي منعها فاحتجاجه لذلك يمسى غصبا لأن ذلك من وظيفة المستدل ولهذا كان غير مسموع عند المحققين من أهل النظر لاستلزامه الخبط في البحث فلا يستحق جوابا ( نعم ) إن أقام المستدل دليلا على تلك المقدمة التي منعها المعترض فللمعترض حينئذ الاستدلال على انتفائها ( والقسم الثاني ) وهو المنع بعد استنتاج الدليل له حالتان ( أحدهما ) أن يكون منع الدليل فيختلف الحكم لتخلف الدليل ويمسى النقض الإجمالي وصورته أن يقال ما ذكرته من الدليل غير صحيح لتخلف الحكم عنه في كذا ووصف بالإجمالي لأن جهة المنع فيه غير معينة بخلاف التفصيلي الذي هو منع في مقدمة معينة من الدليل ( ثانيهما ) منع الحكم مع تسليم دليله والاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول بان يقول المعترض ما ذكرته من الدليل وإن دل على ما تدعيه فعندي ما نيفي مدلوله أو يدل على نقيضه ويبين ذلك بطريقه وهذا هو المعارضة وينقلب بها المعترض مستدلا والمستدل معترضا والصحيح قبوله كما مر مثاله مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيقال مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين ( ثم على الممنوع ) وهو المستدل دفع الاعتراض بدليل ليسلم دليله الأصلي * ولا يكفيه المع المجرد فإن ذكر دليله فمنعه المعترض ثانيا فكما مر من دفع الإعتراض ثانيا ويستمر المر هكذا منعا ودفعا ثالثا ورابعا إلى أن ينتهي إلى افحام المستدل أي انقطاعه بالمنع والمعارضة أو إلى الزام المعترض بان ينتهي دليل المستدل إلى مقدمات ضرورية أو مشهورة بحيث يلزم المعترض الاعتراف بها ولا يمكنه جحده ( مثال ) ما ينتهي إلى ضروري أن يقول المستدل العالم حادث وكل حادث له صانع فيقول المعترض لا أسلم الصغرى فيدفع المستدل ذلك المنع بالدليل على حدوث العالم فيقول العالم متغير وكل متغير حادث فيقول المعترض لا أسلم","part":2,"page":142},{"id":421,"text":"الصغرى فيقول له المستدل ثبت بالضرورة تغير العالم لأنه منحصر في الإجرام والاعراض وتغير الاعراض مشاهد كالتغير بالسكون والحركة والاجرام ملازمة لها وملازم الحادث حادث .\r( ومثال ما ينتهي إلى المشهورات ) وهي القضايا التي تطابق فيها آراء الكل كحسن الإحسان وقبح العدوان أن يقول المستدل هذا ضعيف والضعيف ينبغي الإعطاء اليه فيقول المعترض لا أسلم الكبرى فيقول له المستدل مراعاة الضعيف تحصل بالإعطاء اليه والإعطاء اليه محمود عند جميع الناس فمراعاة الضعيف محمودة عند جميع الناس .\r( خاتمة تشتمل على مسائل )\r( الأولى ) هل القياس من الدين فيه أقوال ثلاثة ( أصحها ) نعم مطلقا به قال القاضي عبد الجبار لقوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ( وثانيها ) ليس القياس من الدين مطلقا وبه قال أبو الهذيل قال لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت مستمر والقياس ليس كذلك لأنه قد لا يحتاج اليه ( ثالثها ) وبه قال أبو علي الجبادي التفصيل بين ما إذا لم يكن في المسألة دليل غيره فهو من الدين بخلاف ما إذا وجد دليل غيره لعدم الحاجة .\r( الثانية هل القياس من أصول الفقه ؟ ) المشهور نعم كما عرف من تعريف أصول الفقه وخالف إمام الحرمين في قوله أنه ليس منه قال لأن الدليل إنما يطلق على المقطوع به والقياس لا يفيد إلا الظن .\r( الثالثة ) يجوز أن يقال في حكم المقيس كما قال ابن السمعاني أنه دين الله ودين رسوله وشرعهما ولا يجوز أن يقال في حكم القياس أنه قول الله ولا قول رسوله .( الرابعة القياس فرض كفاية ) أن احتيج اليه وتعدد المجتهدون وفرض عين على مجتهد واحد احتيج اليه في واقعة ولم يوجد غيره ومندوب فيما لا يحتاج اليه في الحال لكن يتوقع الاحتياج اليه مألا .","part":2,"page":143},{"id":422,"text":"( وينقسم القياس ) باعتبار قوته وضعفه إلى جلى وخفى ( فالجلي ) ما قطع فيه بنفي الفارق أي بالغائة كالغاء الإنوثة الفارقة في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق بينهما لأنها وصف طردي أو كان تأثير الفارق فيه محتملا احتمالا مرجوحا ضعيفا كقياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية الثابت بحديث السنن الأربع أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها الخ فإنه قد يتخيل على بعد احتمال الفرق بينهما من جهة أن العمياء ترشد إلى مكان الرعى الجيد فترعى فتسمن والعوراء توكل على بصرها وهو ناقص فلا تسمن فإن هذا احتمال ضعيف ( قال الولي أبو زرعة ) في الغيث قتل وفيه نظر * فالذي يظهر أن هذا المثال من قسم القطعي انتهى ( والخفي ) ما كان احتمال تأثير الفارق فيه أقوى كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص وقد قال أبو حنيفة بعدم وجوب القتل في المثقل وجعله كشبه العمد وفرق بينه وبين المحدد بأن المحدد وهو المفرق للاتصال آلة موضوعة للقتل والمثقل كالعصا آلة موضوعة للتأديب بالأصلاة لعدم تفريق الاتصال .\r( ورد ) بان المراد بالمثقل ما يقتل غالبا كالحجر والرمي بالرصاص والدبوس الكبير .\r( وقسم القياس ) بعضهم إلى ثلاثة أقسام جليى وخفي وواضح * فالجلي ما تقدم والخفي قياس الشبه وهو منزلة بين المناسب والطرد كما تقدم والواضح ما كان بينهما ( وقيل الجلي قياس الأولى وهو ما كان فيه ثبوت الحكم في الفرع أولى من الأصل كقياس الضرب على التافيف في التحريم ( والواضح ) ما كان مساويا كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم ( والخفي ) ما كان دونه كقياس التفاح على البر في باب الربا والجلي على التفسير الأول أعم من الجلي بالتفسير الثالث لأنه يتناوله ويتناول الواضح أيضا .","part":2,"page":144},{"id":423,"text":"( وينقسم القياس ) باعتبار علته إلى ثلاثة أقسام * قياس العلة وقياس الدلالة والقياس في معنى الأصل ( فقياس العلة ) ما صرح بالعلة فيه كان يقال يحرم النبيذ كالخمر للاسكار ( وقياس الدلالة ) ما صرح فيه بلازم العلة او بإثرها أو بحكمها وكل من الأخيرين دون ما قبله فالأول كان يقال النبيذ حرام كالخمر يجامع الرائحة المشتدة وهي لازمة للاسكار ومثال الثاني أن يقال القتل بمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد بجامع الإثم وهو اثر العلة التي هي القتل العمد العدوان ومثال الثالث أن يقال تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى والقتل منهم في الصورة الثانية وحاصل ذلك استدلال بأحد موجبي الجناية من القصاص والدية الفارق بينهما العمد على الآخر ( والقياس في معنى الأصل ) هو الجمع بنفي الفارق ويسمى بالجلي كما تقدم كقياس البول في إناء وصبه في الماء الراكد على البول فيه في المنع بجامع أن لا فارق بينهما في مقصود المنع الثابت بحديث مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يبال في الماء الراكد .\r( الكتاب الخامس في الاستدلال )","part":2,"page":145},{"id":424,"text":"هو لغة طلب الدليل ويطلق في العرف على معنيين ( أحدهما ) إقامة الدليل مطلقا من نص أو إجماع أو غيرهما * والثاني نوع خاص من الدليل وهو المراد هنا ( وهو كما عرفه المصنف ) دليل ليس بنص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس شرعي ( وهذا تعريف ) على سبيل الإجمال إذ ليس فيه إفصاح عن كل ما دخل فيه وإنما يتبين بالتفصيل فيدخل فيه أمور ( منها القياس المنطقي ) بقسمية الاقتراني والاستثناءي وعرفه المناطقة بانه قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر وهو النتيجة ( ثم إن كانت النتيجة ) أو نقيضها مذكورا فيه بالفعل بأن يذكر على الوجه الذي ذكر عليه في النتيجة من الترتيب واتصال الطرفين ببعضها فهو القياس الاستثناءي وإن لم يكن مذكورا فيه بالفعل بل بالقوة فهو القياس الاقتراني .\r( مثال الاستثناءي ) إن كان النبيذ مسكرا فهو حرام لكنه مسكر ينتج من الأول النبيذ حرام والنتيجة بعينها مذكرورة في القياس * وإن كان النبيذ مباحا فهو ليس بمسكر لكنه مسكر ينتج النبيذ ليس بمباح * فنقيض النتيجة وهو قولنا النبيذ مباح مذكور في القياس ( ومثال الاقتراني ) كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ينتج كل نبيذ حرام فليست النتيجة مذكورة في القياس ولا نقيضها بالفعل وإنما هي مذكورة فيه بالقوة فهي موجودة فيه بمادتها فقط أعني الموضوع والمحمول دون الصورة لأنها إنما تحصل بعد الانتاج ويسمى النوع الأول استثنائيا لاشتماله على حرف الاستثناء وهو لكن والثاني اقترانيا لاقتران الحدود فيه حيث لم يفصل بينها بحرف الاستثناء .","part":2,"page":146},{"id":425,"text":"( ومنها قياس العكس ) وهو إثبات عكس حكم شيء لمثله لتعاكسهما في العلة والمراد بعكس الحكم ضده أو نقيضه ومثاله حديث مسلم المتقدم أياتي أحدنا شهوته وله فيها أجر قال أرايتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر فالحكم في الحديث ثبوت الأجر والشيء الوضع في الحرام ومثله الوضع في الحلال الثابت له العكس المذكور وجعل الوضع في الحلال والوضع في الحرام مثلين من حيث أن كلا منهما وضع وإلا فهما ضدان في الحقيقة .\r( ومنها الدليل) المسمى بالنافي وذلك كقولنا الدليل يقتضي أن يكون الأمر كذا إلا أنه خولف في كذا المعنى مفقود في صورة النزاع فتبقى صورة النزاع على الأصل الذي اقتضاه الدليل مثاله أن يقال الدليل يقتضى منع تزويج المراءة مطلقا وهو ما في التزويج من إذلالها بالوطء وغيرها والإذلال تاباه نفس الإنسان لشرفها الثابت بقوله تعالى { ولقد كرمنا بني آدم } إلا أنه خولف هذا الدليل في جواز تزويج الولي لها لمعنى هو كمال عقله وهذا المعنى مفقود في صورة النزاع وهي تزويجها نفسها فيبقى على ما اقتضاه الدليل من الامتنا فيصورة النزاع بين الشافعية والحنفية .\r( ومنها انتفاء الحكم الشرعي ) لانتفاء دليله بأن لم يجده المجتهد بعد الفحص الشديد فعدم وجدانه المغلب على ظن المجتهد انتفاءوه دليل على انتفاء الحكم خلافا للاكثر كقولنا للخصم في إبطال الحكم الذاكر له في مسألة الحكم الشرعي لابد له من دليل فإنه لو ثبت بغير دليل وكلف به لزم تكليف الغافل أو لم يكلف به فلا معنى لثبوته من غير تكليف به ولا دليل على حكم الخصم بالسبر فإنا سبرنا الأدلة من نص أو إجماع أو قياس ولم يوجد شيء ولا دليل على حكمه بالأصل فإن الأصل المستصحب عدم الدليل عليه ( وقال ) الأكثر لا يلزم من عدم وجدان الدليل انتفاؤه .","part":2,"page":147},{"id":426,"text":"( ومنها الاقتصار ) على أحدى المقدمتين اعتمادا على شهرة الأخرى كقول الفقهاء وجد المقتضي أي السبب فيوجد المسبب أو وجد المانع فينتفي الحكم او فقد الشرط فينتفي الحكم أيضا فإنه ينتج في كل منها مع مقدمة أخرى هي في الأول وكل ما وجد المقضتى وجد الحكم وفي الثاني وكلما وجد المانع انتفى الحكم وفي الثالث وكلما فقد الشرط انتفى الحكم ولم تذكر في كل من الثلاثة لظهورها كما لم تظهر في قوله تعالى { لو كان فيهما إلا الله لفسدتا } فإن حصول النتيجة منه متوقف على مقدمة أخرى ظاهرة وهي لكنهما لم يفسدا ( وقد اختلف ) في هذا والأكثرون على أنه ليس بدليل كما نقله المصنف وإنما هو دعوى دليل وإنما يكون دليلا عند تعيين المقتضي والمانع والشرط وتبيين وجود الأولين ولا حاجة إلى بيان فقد الثالث وهو الشرط لأنه على وفق الأصل قال شيخ الإسلام قول الأكثر هو المعتمد انتهى * واختار المصنف أنه دليل فإنه يلزم من ثبوته ثبوت المطلوب .","part":2,"page":148},{"id":427,"text":"( مسألة ) من أنواع الاستدلال الاستقراء وهو تصفح جزئيات ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزؤيات فهو استدلال بثبوت الحكم للجزيات على ثبوته الكلي عكس القياس المنطقي ( وهو نوعان ) تام وناقص ( فالأول ) ما تتبع فيه جميع جزيات كلي إلا صورة النزاع ليحكم بمثل حكمها على ذلك الكلي كقولنا كل جسم متحيز فإنها استقرئت جميع الأجسام فوجدت كذلك ولاخلاف في حجيته والأكثرين على أنه مفيد للقطع في إثبات الحكم في صورة النزاع وقيل ليس بقطعي فيها لاحتمال مخالفتها لغيرها على بعد واجيب بتنزيل هذه المخالفة منزلة العدم ( والثاني ) ما تتبع فيه أكثر جزئيات كلي ليحكم بمثل حكمها على ذلك الكلي وخلا الأكثر عن صورة النزاع كقولنا إذا ررأينا حيوانا ولم ندر هل حكم كليه من تحريك فكه الأسلف عن المضغ ثابت له أو لا * كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ لأن الإنسان كذلك والخيل والأنعام إلى غيرها مما رأيناه من أصناف الحيوان * وهذا لا يفيد إلا الظن إذ من الجايز أن يوجد من الحيوانات التي لم نصادفها ما يتحرك فكه الأعلى عند المضع كما نسمع في التمساح * ولا يخفى أن القول بأن الثاني لا يفيد إلا الظن إنما يصح إذا كان المطلوب الحكم الكلي وأما إذا كان المطلوب الحكم على جزئي لثبوته في جزئي أخر بجامع فهو القياس الشرعي وأما هذا فإنه الحاق للفرد بالأغلب بغير جامع وبهذا تسمية الفقهاء .","part":2,"page":149},{"id":428,"text":"( مسألة ) ومن أنواع الاستدلال الاستصحاب وهو الحكم ببقاء أمر كان في الزمن الأول ولم يظن عدمه وقد اشتهر أنه حجة عندنا دون الحنفية ( وله صور الأولى ) استصحاب العدم الأصلي وهو انتفاء ما استند العقل في نفيه إلى الأصل ولم يثبته الشرع كنفي وجوب صلاة سادسة دل العقل على انتفائه وإن لم يرد في الشرع تصريح به لانتفاء المثبت للوجوب وهذا حجة جزما عند الشافعية ( الثانية ) استصحاب مقتضى العموم والنص إلى أن يرد المغير من نص أو ناسخ وهو حجة كذلك جزما فيعمل بهما إلى وروده ( الثالثة ) استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه لوجود سببه كثبوت الملك عند وجود سببه وهو الشراء وكشغل الذمة عن فرض لم يعرف وفاؤه وهو حجة ملطقا أي رفعا ودفعا عارضه ظاهر أم لا ( وقيل ) ليس بحجة مطلقا ولا يثببت حكم شرعي إلا بدليل وعزاه الإمام للحنفية وقيل هو حجة دفعا لا رفعا أي حجة لابقاء ما كان على ما كان عليه لا لإثبات أمر لم يكن كاستصحاب حياة المفقود قبل الحكم بموته فإن استصحاب حياته دفع إرث الحاضرين لابقاء ما كان من حياته على ما كان عليه وليس استصحاب حياته رافعا إرث المفقود من الحاضرين للشك في حياته فلا يثبت استصحابها له ملكا جديد إذ الأصل عدمه ( وقيل ) هو حجة بشرط أن لا يعارضه ظاهر مطلقا فإن عارضه ظاهر عمل بالظاهر سواء كان غالبا أم لا ( وقيل حجة ) بشرط أن لا يعارضه ظاهر غالب وعلى هذا القول قيل ظاهر غالب مطلقا وقيل ظاهر غالب ذو سبب فإن عارضه ظاهر مطلقا أو ذو سبب قدم الظاهر على الأصل وهو المرجوح من قولي الشافعي في تعارض الأصل والظاهر بناء على ان الأصح الأخذ بالأصل دائما * وهو الذي أطلق الرافعي ترجيحه في باب الاجتهاد في الأواني * وإنما قيد بالسبب ليخرج من الاعتبار استصحاب طهارة ماء كثير وقع فيه بول فوجد متغيرا واحتمل كون التغير به وكونه بغيره مما لا يضر كطول المكث فاستحصاب طهارة الماء التي هي الأصل عارضه نجاسته الظاهر ذات","part":2,"page":150},{"id":429,"text":"السبب * فقدمت النجاسة على الطهارة على قول اعتبار الظاهر كما تقدم الطهارة على قول اعتبار الأصل ( وقيل يفصل ) قال المصنف وهو الحق والتفصيل هو سقوط الأصل وهو الطهارة أن قرب العهد بعدم تغيره واعتماد الأصل أن بعد العهد تغيره قاله القفال والجرجاني .\r( الرابعة من صور الاستصحاب ) استصحاب حال الإجماع على حكم في محل الخلاف بأن أجمع على حكم في حال من الأحوال واختلف في ذلك الحكم في حال أخرى * واستصحاب تلك الحال المجمع على حكمها في هذه الحال المختلف في حكمها ليس بحجة عند الأكثرين وقال بحجيته من الشافعية المزني وأبوبكر الصيرفي وابن سريج وذهب اليه الآمدي * كان يقال الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء عندنا استصحابا لما قبل الخروج من عدم النقض المجمع فيه على البقاء أو يقال التيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة لم تبطل صلاته لانعقاد الإجماع على صحة صلاته قبل الرؤية فنستصحب الصحة بعدها حتى يقوم دليل على أن الرؤية قاطعة .","part":2,"page":151},{"id":430,"text":"( إذا تقرر ) ذلك علم أن الاستصحاب الذي قلنا به دون الحنفية ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الزمن الأول لانتفاء ما يصلح أن يتغير به الحكم من الأول إلى الثاني بعد البحث التام * فلا زكاة عند الشافعي في عشرين مثقالا ناقصة زواج الكاملة حال عليها الحول استصحابا للحكم الأول ( أما عكسه ) وهو ثبوت الأمر في الزمن الأول لثبوته في الزمن الثاني فهو الاستصحاب المقلوب كان يقال المكيال الموجود الآن كان على عهده صلى الله عليه وآله وسلم باستصحاب الحال في الماضي ( والطريق ) في تقرير الاستصحاب المقلوب أن يقال فيه لو لم يكن الحكم الثابت الآن ثابتا أمس لكان غير ثابت أمس إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه وإذا كان غير ثابت أمس اقتضى الاستصحاب أنه يكون الآن غير ثابت لكنه ثابت الآن فدل على أنه كان ثابتا أمس أيضا .( قال والد المصنف ) ولم يقل الاصحاب به إلا في مسألة واحدة وهي ما لو اشترى شيئا فباعه لأخر وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة فقالوا يثبت له الرجوع على البائع وهو استصحاب للحال في الماضي فإن البينة لا تثبت الملك ولكنها تظهره فيبجب أن يكون الملك سابقا على إقامتها وتقدر له لحظة لطيفة ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي ولكنهم استصحبوا مقلوبا وهو عدم الانتقال منه انتهى وكان البلقيني يرجح عدم الرجوع ويقول أنه الصواب المتعين والمذهب الذي لا يجوز غيره .","part":2,"page":152},{"id":431,"text":"( مسألة ) هل يطالب النافي للشيء بالدليل على انتفائه ينظر فإن ادعى علما ضروريا بانتفائه لم يطالب لأنه لعدالته صادق في دعواه والضروري لا يشتبه حتى يطلب الدليل عليه لينظر فيه وإن ادعى علما نظريا او ظنا بانتفائه ففيه أقوال ( أصحها ) وبه قال الأكثرون أنه يطالب بالدليل عليه كالإثبات لأن المعلوم بالنظر أو المظنون قد يشتبه فيطلب دليله لينظر فيه وقيل لا يطالب مطلقاً ( وقيل يجب ) في العقليات دون الشرعيات ( وقال ) الصفي الهندي بعد إطلاق الخلاف لا يتجه فيها خلاف لأنه إن أريد بالنافي من يدعي العلم أو الظن بالنفي فهذا يجب عليه الدليل وإن أريد من يدعي عدم علمه أو ظنه فهذا لا دليل عليه لأنه يذكر جهله بالشيء والجاهل بالشيء غير مطالب بالدليل على جهله .\r( وإذا تعارض ) مذاهب أو أقوال أو احتمالات ناشئة عن إمارات وجب الاخذ بأقل المقول فيها وحقيقته كما قال ابن السمعاني ان يختلف المختلفون في مقدر بالاجتهاد على أقاويل فيؤخذ باقلها أن لم يدل دليل على الزيادة وقد مر في كتاب الإجماع أن التمسك باقل ما قبل حق ( وإذا تعارضت ) المذاهب أو أقوال الرواة أو الاحتمالات الناشئة عن الإمارات فهل يجب الأخذ بأخفها لقوله تعالى { يريد الله بكم اليسر } ويكون ذلك من طرق الاستدلال كما قيل بوجوب الأخذ بأقل ما قيل أو يجب الأخذ بأثقلها وأشدها لأنه الأحوط كما قيل هناك يجب الأخذ بالأكثر أو لايجب شيء منها بل يجوز لأن الأصل عدم الوجوب ثلاثة أقوال أقربها الثالث أما ما تعارضت فيه أخبار الرواة فسيأتي أنه يرجح فيه خبر الحظر .\r( مسألة ) اختلف العلماء هل كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم متعبدا قبل النبوة أو بعدها يشرع أحد ممن تقدم من الأنبياء أم لا أما قبل النبوة فأقوال ( الأول نعم ) واختاره البيضاوي كابن الحاجب .","part":2,"page":153},{"id":432,"text":"( الثاني لا ) ونقله القاضي الباقلاني عن جمهور المتكلمين وانتفاؤه بالعقل أو النقل خلاف ( والثالث الوقف ) عن النفي والإثبات وبه قال إمام الحرمين والغزالي وكثير ( وعلى القول الأول ) فالمثبتون مختلفون في تعيين هذا الشرع لاختلافهم في تعيين صاحبه فقيل كان متعبدا بشريعة أدم وقيل بشريعة نوح لقوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } وقيل بشريعة إبراهيم لقوله تعالى { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } وقال الرافعي أنه الصحيح وقيل بشريعة موسى لقوله تعالى { أقم الصلاة لذكري } فإن المراد به موسى وقيل بشريعة عيسى لقربه منه وقال بعضهم بما ثبت انه شرع من غير تعيين لنبي ذلك الشرع والمختار الوقف عن التعيين كما مر نظيره قال إمام الحرمين وهذا ترجع فائدته إلى ما يجري مجرى التواريخ ولا يخفى أن الخلاف في الفروع التي تختلف فيها الشرائع اماما اتفقوا عليه كالتوحيد فلا شك في التعبد به ( هذا فيما قبل النبوة ) وأما فيهما بعدها فالمانع هناك مانع هنا بالأولى وحيث جوز هناك فأكثر الأشاعرة والمعتزلة على المنع هنا عقلا عند المعتزلة ونقلا عند غيرهم وهو مختار المصنف والإمام الرازي والآمدي ( وقيل ) كان متعبدا بما لم ينسخ من شرع من قبله على أنه موافق لا متابع واختاره ابن الحاجب قال إمام الحرمين وللشافعي ميل إلى هذا وبنى عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه ( مسألة ) تقدم في أوائل الكتاب حكم المنافع والمضار قبل البعثة حيث قيل لا حكم قبل ورود الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده وأما حكمها بعد وروده ففيه خلاف ( والصحيح ) أن الأصل في المضار التحريم وفي المنافع الأذن أما الأول فلحديث ابن ماجه (( لا ضرر ولا ضرار )) أي في ديننا بمعنى لا يجوز ذلك وأما الثاني فلقوله تعالى { خلق لكم ما في الأرض جميعا } ووجه الدلالة أنها سيقت في معرض الامتنان فلا يمتن إلا بالجائز ( واستنثى والد المصنف ) من أن أصل","part":2,"page":154},{"id":433,"text":"المنافع الحل الأموال قال والظاهر فيها التحريم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام )) وهو أخص من الأدلة التي يستدل بها على الإباحة فيكون قاضيا عليها لأنه أصل طارئ على أصل سابق فإن المال من حيث كونه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالأدلة السابقة ومن حيث خصوصيته الأصل فيه التحريم لهذا الحديث انتهى .\r( قال أبو زرعة في الغيث ) قلت في هذا الكلام نظر والدعوى عامة والدليل خاص فإنه ادعى أن الأصل في الأموال التحريم والدليل الذي ذكر خاص بالأموال المختصة فإذا وجدنا مباحا في البرية ونحوها فليس في الحديث ما يدل على تحريمه وكون المال الذي تعلق به حق الغير حراما لا ينافي كون الأصل في الأموال الإباحة لأن ذلك إنما حرم لعارض وهو تعلق حق الغير وذلك لا ينافي أن الأصل فيها الإباحة والله أعلم * والى مثل ذلك أشار شيخ الإسلام ( ومقابل الصحيح ) إطلاق بعضهم أن الأصل في الأشياء التحريم وإطلاق بعضهم أن الأصل فيها الحل .","part":2,"page":155},{"id":434,"text":"( مسألة ) من الأدلة المختلف فيها الاستحسان نقل المصنف انكاره عن العلماء إلا أبا حنيفة وهو خلاف ما قاله ابن الحاجب من قول الحنابلة به أيضا وذكر المصنف في تفسيره ثلاث مقالات ( أحدها ) أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد وتفصر عنه عبارته أي في المناظرة لا في النظر ورد ابن الحاجب تفسيره بما ذكر بأنه أي الديل المنقدح في نفس المجتهد ان ثبت عنده فمعتبر اتفاقا * ولا يضر قصور عبارته عنه * وإن لم يتحقق كونه دليلا فمردود اتفاقا ورده البيضاوي بأنه لابد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده وإن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهما لا عبرة به ( ثانيها ) أنه عدول عن قياس إلى قياسي أقوى منه وهو بهذا المعنى لا خلاف فيه فإن الأقوى من القياسين المتعارضين مقدم على الآخر اتفاقا ( ثالثها ) أنه العدول عن حكم الدليل إلى حكم العادة لمصلحة الناس كدخول الحمام بلا تعيين أجرة وزمان مكث وقدر ماء فإنه معتاد على خلاف الدليل للمصلحة * ومثله شرب الماء من السقاء بعوض من غير تعيين قدره ورد هذا التفسير بأن العادة إن ثبت إنها حق لجريانها في زمنه عليه السلام فهو ثابت بالسنة * أو بعده من غير إنكار من المجتهدين فهو اجماع فيعمل بهذا اتفاقا وإلا فهو مردود .","part":2,"page":156},{"id":435,"text":"( وقد ظهر بما مر ) أنه لم يتحقق معنى للاستحسان مما ذكر يصلح محلا للنزاع فإن تحقق استحسان مختلف فيه فمن قال به فقد شرع كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه من استحسن فقد شرع قال الروياني معناه أنه ينصب من جهة نفسه شرعا غير شرع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال أصحابنا ومن شرع فقد كفر انتهى أي ان استحل ذلك وإلا فقد ارتكب كبيرة ( فإن قيل ) قد استحسن الإمام الشافعي رضي الله تعه في مسائل كثيرة كاستحسان التحليف على المصحف والحظ في نجوم الكتابة وإن تكون المتعة ثلاثين درهما ( أجيب ) بأنه ليس من الاستحسان المختلف فيه أن تحقق وإنما قال ذلك لمآخذ فقهية مبينة في محالها * والمراد باستحسانها المعنى اللغوي وهو عد الشيء حسنا ولا ينكر التعبير بذلك عن حكم ثبت بدليل وفي التنزيل وأمر قومك بأحسنها .\r( مسألة ) مذهب الصحابي ليس بحجة على صحابي آخر اتفاقا * وقيد بعض الحنابلة الصحابي بالعالم ولم يقيده به المصنف لأن غير العالم لا قول له لأنه نشا عن غير نظر ( واختلفوا ) هل هو حجة على من بعده من التابعين وغيرهم على أقوال ( أصحها ) وهو الجديد من قولي الشافعي أنه ليس بحجة لأن قول المجتهد ليس بحجة في نفسه إذ ليس من هو الأدلة الشرعية المستقلة ( وقد شنع العلامة ) الشوكاني على القائلين بخلاف هذا وبالغ في الانكار عليهم ( وقد استثنى ) والد المصنف تبعا للإمام الرازي في المحصول الحكم التعبدي فقال مذهب الصحابي حجة فيه لأنه لا مجال للقياس فيه بل مستنده التوقيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الشافعي رضي الله عنه روي عن علي كرم الله وجهه أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات ولو ثبت ذلك عن على لقلت به لأنه لا مجال للقياس فيه والظاهر أنه إنما فعله توقيفا انتهى .","part":2,"page":157},{"id":436,"text":"( وقد نقل الحافظ العراقي ) عن الحاكم وابن عبد البر وغيرهما أنهم جعلوا ذلك من المرفوع وحينئذ فالعمل به من السنة ( وعلى القول ) بعدم حجية مذهب الصحابي فهل يجز لغير المجتهد تقليده فيه خلاف حكاه إمام الحرمين ( وقال ) إن المحققين على الامتناع وليس هذا لأنهم دون المجتهدين غير الصحابة فهم أجل قدرا بل لأن مذاهبهم لا يوثق بها فإنها لم تثبت حق الثبوت كما ثبتت مذاهب الأئمة الأربعة الذين لهم اتباع وبه جزم ابن الصلاح ولم يخصه بالصحابة بل عداه إلى كل من لم يدون مذهبه كالزهري والثوري ( وقيل ) يجوز تقليده لأنه لا ينقص اجتهاده عن اجتهادهم ( قال ابن برهان ) في الأوسط الخلاف مبنى على جواز الانتقال في المذاهب فمن منعه منع تقليدهم لأن فتاويهم لا يقدر على استحضارها في كل واقعة انتهى ( ثانيها أن مذاهبهم حجة على من بعدهم فوق القياس حتى تقدم عليه عند التعارض وعلى هذا فهل يخصص العموم به أو وجهان حكاهما الرافعي في الأقضية من غير ترجيح * أحدهما ) الجواز لأنه حجة شرعية والثاني المنع لأنه محجوج بالعموم وقد كان الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم ( رابعها ) أنه حجة أن انتشروا لم يخالف وإلا فلا قاله الشافعي في القديم ( خامسها ) أنه حجة إن خالف القياس لأنه لا يخالفه إلا الدليل غيره بخلاف ما إذا وافقه فإنه يحتمل أن يكون عنه فهو الحجة لا المذهب ( قال ابن برهان ) في الوجيز أنه الحق المبين وإن نصوص الشافعي تدل عليه ( سادسها ) أنه حجة أن انضم اليه قياس تقريب يعضده كقول عثمان في البيع بشرط البراءة من كل عيب أن البائع يبرأ به من عيب لم يعلمه في الحيوان فقط وعلله الشافعي بأن الحيوان يغتذي في حالتي الصحة والسقم ونحول طباعه وقلما يخلو عن عيب ظاهر لو خفى بخلاف غيره فيبرأ البائع من خفى بشرط البراءة المحتاج هو اليه ليثق باستقرار العقد فهذا قياس تقريب قرب قول عثمان المخالف لقياس التحقيق والمعنى من أنه لا يبرأ من","part":2,"page":158},{"id":437,"text":"شيء للجهل بالبراءة منه ( سابعها ) قول الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حجة بخلاف غيرهما لقوله عليه السلام اقتدوا بالذين بعدي أبي بكر وعمر حسنه الترمذي ( ثامنها ) قول الخلفاء الأربعة حجة دون غيرهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين )) الحديث صححه الترمذي ( قال المصنف ) وعن الشافعي إلا عليا انتهى وهذا الاستثناء لم يصرح به الشافعي وإنما فهم كما قال ابن قاسم من قوله في الرسالة القديمة إذا اختلف الصحابة وفي أحد الطرفين أبوبكر أو عمر أو عثمان رجح ولم يذكر عليا ( قال ) ابن القاص حكمه كحكمهم وإنما تركه اختصار أو اكتفاء بذكر الأكثر ( وقيل ) لا لأنه خرج إلى الكفوفة ومات كثير من الصحابة الذين كان أبوبكر وعمر وعثمان يستشيرونهم كما فعل أبوبكر في مسألة الجدة وعمر في مسألة الطاعون فكان قول كل واحد منهم قول كثير من الصحابة فعدم ذكر الشافعي لعلى لا لنقص اجتهاده بل لاجتماع الصحابة مع الثلاثة وتفرقهم عنه .","part":2,"page":159},{"id":438,"text":"( قلت ) نسبة هذا القول للإمام الشافعي رضي الله عنه غلط لا يسوغ ولا يصح لأن الاستثناء من أصله لا يفهم من كلام الشافعي إذ هو مفهوم لقب والجمهور يمنعونه كما هو مقرر وغابة ما فيه إن الشافعي ذكر الثلاثة وسكت عن علي وقد علمت منع مفهوم اللقب مخالفة ( وعلى قول الدقاق ) والصيرفي بمفهوم اللقب فكونه مفهوم موافقة أولى أقرب كما أشار اليه ابن القاص لأن عليا كرم الله وجهه من العلم والتحقيق بالمنزلة السامية وما نقل من سؤال أكابر الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة والمعضلات مشهور فقد قال له سيدنا عمر رضي الله عنه لا أبقاني الله لمعضلة بعدك ، وقال لولا علي لهلك عمر وقال ابن عباس رضي الله عنهما أعطي علي تسعة أعشار العلم ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي قال وإذ اثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره وقال ابن المسيب ما كان أحد يقول سلوني غير علي إلى غير ذلك فبهذا تعلم أنه لا قول للشافعي باستثناء علي أصلا وإن نسبة ذلك اليه غلط واضح والله أعلم ( فإن قيل ) إذا كان الصحيح من مذهب الشافعي أن قول الصحابي ليس بحجة فكيف احتج بقول زيد بن ثابت في الفرائض حتى تردد حيث ترددت الرواية عن زيد ( أجيب ) بأنه لم يأخذ بقوله على سبيل التقليد ، بل لدليل قام عنده فوافقه واستانس به لقوله عليه الصلاة والسلام أفرضكم زيد ، ولأنه لم يهجر له قول في الفرائض بخلاف غيره من الصحابة","part":2,"page":160},{"id":439,"text":"( مسألة ) الإلهام ايقاع شيء في القلب يثلج له الصدر يخص الله تعالى به بعض أصفيائه وليس الملهم به حجة عند أهل السنة والجماعة لعدم ثقة من ليس معصوما من الأولياء بخواطره لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان فيها ( واستدل ) أهل السنة على عدم الإلهام بادلة منها قوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } وقوله تعالى { أفلا ينظرون } إلى غير ذلك من الأمر بالاستدلال ولم يأمر بالرجوع إلى القلب ( وخالف بعض الصوفية ) كالسهروردي في قوله أنه حجة في الملهم دون غيره ، ومال اليه السعد في أول شرح العقائد .\r( وقال ) بعض الجبرية أنه بمنزلة الوحي المسموع من النبي واحتج بقوله تعالى { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } وبقوله تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدرا ضيقا حرجاً } وبقوله عليه السلام (( اتقوا فراسة المؤمن )) قوله أيضا (( الإثم ما حاك في قلبك فدعه وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك )) إلى غير ذلك مما يشاكل هذا ( قال الولي أبو زرعة ) في الغيث قلت ولا حجة في شيء مما استدلوا به لأنه ليس المراد لإيقاع في القلب بلا دليل بل الهداية إلى الحق بالدليل كما قال سيد الأولياء علي كرم الله وجهه إلا أن يؤتى الله عبدا فهما في كتاب الله تعالى انتهى .\r( وقال أبوبكر الدقاق) كل حقيقة لا تتبع شريعة فهي كفر ( أقول ) ومن هذا الباب دخل كثير من المتصوفة الكذابين إلى التخريق في أمور الشريعة وادعوا أن ذلك إلهاما من الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ( وأما الملهم المعصوم ) في خواطره كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالإلهام حجة في حقه وحق غيره إذا تعلق بهم كالوحي .\r( خاتمة ) ذكر القاضي حسين أن مبنى الفقه على أرقع قواعد :","part":2,"page":161},{"id":440,"text":"( القاعدة الأولى ) أن اليقين لا يرفع بالشك ، وأصلها قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا )) ( ومن فروعها ) من تيقن الطهارة وشك في الحدث يأخذ بالطهارة وعكسه وهذه القاعدة متوغلة في أكثر أبواب الفقه بل تجري في أصوله أيضا ككون الاستصحاب حجة وإنه ليس على المانع في المناظرة دليل .\r( القاعدة الثانية ) الضرر يزال لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا ضرر ولا ضرار)) ( ومن فروعها ) وجوب رد المغصوب وضمانه بالتلف وهذه أيضا كثيرة التوغل في أبواب الفقه كالحدود فهي لدفع الضرر عن الضروريات الخمس المجمع على اعتبارها .\r( القاعدة الثالثة ) المشقة تجلب التيسير لقوله تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( ومن فروعها ) القعود في الصلاة عند مشقة القيام وجواز الجمع والقصر في السفر الطويل وهذه داخلة في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات .\r( القاعدة الرابعة ) العادة محكمة ، لقوله تعالى { خذ العفو وأمر بالعرف } قابل ابن السمعاني العرف ما يتعارفه الناس بينهم .\r( ومن فورعها ) أقل الحيض وأكثره ( وذكر بعضهم ) أن القاضي أهمل قاعدة خامسة وهي الأمور بمقاصدها لقوله عليه الصلاة والسلام (( إنما الأعمال بالنيات )) ، واستحسنه بعضهم لقول الشافعي رضي الله عنه أنه يدخل في الأعمال بالنية ثلث العلم ( ومن فروعها ) وجوب النية في الطهارة ورجع المصنف في الاشباه والنظائر هذه الخامسة إلى الأولى فإن الشيء إذا لم يقصد فاليقين عدم حصوله شرعا ورجع العزا بن عبد السلام الفقه كله إلى قاعدتين اعتبار جلب المصالح ودرء المفاسد .\r( الكتاب السادس في التعادل والتراجيح )","part":2,"page":162},{"id":441,"text":"بين الأدلة عند تعارضها ( والتعادل ) التقابل بأن يدل كل من الدليلين على منافى ما يدل عليه الآخر ( فالتعادل ) بين الدليلين القاطعين ممتنع سواء كانا عقليين أو نقليين حيث لا نسخ أو عقلي ونقلي وإلا ثبت مقتضاهما فيجتمع المتنافيان فلا وجود لقاطعين متنافيين كدال على حدوث العالم ودال على قدمه وكذا لا تعادل بين القطعي والظني لانتفاء الظن عند القطع بالنقيض ( أما التعادل ) بين الامارتين وهما الدليلان الظنيان فإن كان في نظر المجتهد فمتفق على جوازه وإن كان في نفس الأمر فالصحيح عند المصنف امتناعه وبه قال الكرخي ( وحكى ) عن أحمد حذرا من التعارض في كلام الشارع ( والثاني ) الجواز وبه قال الأكثرون كما حكاه الإمام والآمدي وابن الحاجب واختاره إذ لا محذور في ذلك .\r( وإذا قلنا بالجواز ) ووقع في وهم المجتهد تعارض الامارتين في نفس الأمر حيث عجز عن مرجح لهما ففيما يصنعه المجتهد مذاهب :\r( أحدها ) أنه يتخير بينهما في العمل والقضاء ويحصل في الفتوى الخيرة للمستفتي وبهذا قال القاضي أبوبكر وأبو علي وابنه وجزم به الإمام والبيضاوي في الكلام على تعارض النصين ( ثانيها ) أنهما يتساقطان ويرجع إلى غيرهما وهو البراءة الأصلية ( ثالثها ) الوقف عن العمل بواحد منها كتعارض البينتين ( رابعها ) التفصيل فإن كان في الواجبات يخير لأنه قد خير فيها بينهما كمالك مئتين من الإبل يخرج أربع حقاق أو خمس بنات لبون ، وكما في خصال كفارة اليمين وإن كان في غير الواجبات كتعارض الإباحة والتحريم تساقطا ورجع إلى البراءة الأصلية .","part":2,"page":163},{"id":442,"text":"( وإذا تعارض ) قولا مجتهد فتعارضهما في حق مقلديه كتعارض الإمارتين في حق المجتهدين ، فإذا نقل عن مجتهد قولان في مسألة واحدة ( فإن كانا متعاقبين ) وعلم المتأخر منهما فهو قوله المستمر المعمول به والمتقدم مرجوع عنه وإن جهل الحال حكى عنه القولان ولا يحكم على أحدهما بعينه أنه مرجوع عنه وإن كنا نعلم أن أحدهما مرجوع عنه ( وإن كانا غير متعاقبين ) بأن قالهما معا فإن ذكر مع أحدهما ما يشعر بترجيحه على الآخر كتفريعه عليه أو قوله هذا الشبه فهو مذهبه المستمر ويكون الآخر مرجوحا وفائدة ذكره بيان مرجوحيته لئلا يتوهم رجحانه وإن لم يذكر مع احدهما مشعر بالترجيح فهو متردد بينهما ثم يحتمل أن يكونا احتمالين له تردد بينهما لتعارض الأدلة عنده ويحتمل أن يكونا قولين للعلماء ( ولم يقع للشافعي ) رضي الله عنه ذكر قولين في وقت واحد من غير ترجيح لأحدهما إلا في بضع عشر مسألة كما نقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع عن القاضي أبي حامد ونقل القاضي أبوبكر عن المحققين أنها لا تكاد تبلغ عشرا وليس في ترديده رضي الله عنه دلالة على قصور نظره وإنما هو دليل على علو شأنه في العلم حيث تردد بلا ترجيح لاتساع نظره ودوام اجتهاده وفي الدين حيث أظهر من نفسه العجز من الترجيح ولم يستنكف عن الاعتراف بعد العلم به وفائدة ذكر القولين بلا ترجيح التنبيه على أنه لا يؤخذ بغيرهما .","part":2,"page":164},{"id":443,"text":"( ثم إن لم يوجد ) للشافعي ترجيح شيء من القولين وكان أحدهما مخالفا لأبي حنيفة والأخر موافقا له ففيه أقوال ثلاثة ( أحدها ) وبه قال الشيخ أبو حامد الاسفرائيني أن مخالف أبي حنيفة أرجح من موافقة لأن الشافعي إنما خالفه لاطلاعه على دليل أقوى ( والثاني ) وبه قال القفال أن موافق أبي حنيفة أرجح وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب ( قال الولي ) أبو زرعة وكانه بناء على طريقته في الترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية وهو ضعيف انتهى على أن القوة إنما تنشأ عن الدليل ( والثالث ) وهو الأصح عند المصنف أنه ينظر في أرجحهما بالطرق المعتبر فما اقتضى النظر ترجيحه من القولين كان هو الراجح فإن لم يظهر لنا الراجح توقفنا عن الحكم برجحان واحد منها .؟\r( وإذا لم يعرف ) للمجتهد قول في مسألة وإنما عرف له مثله في نظيرها فهل يجوز أن يخرج من نصه في تلك إلى هذه ويعرف حكمها منه ( قال الجمهور نعم ) وقال الشيخ أبو إسحاق لا يجوز ولا يعجل ما يقتضيه قوله قولا له إلا إذا لم يحتمل فرق كقوله تثبت الشفعة في الدار فيقال قوله في الحانوت كذلك ( وإذا قلنا ) بالأول فهل ينسب القول المخرج إليه ( الأصح ) المنع لاحتمال أن يذكر فرقا بين المسألتين لو روجع في ذلك ( ومأخذ الخلاف ) أن لازم المذهب هل هو مذهب والمختار أنه ليس بمذهب ( نعم ) ينسب اليه مقيدا بالتخريج فيقال قول مخرج أو قياس قوله أو قياس أصله ولا يطلق لئلا يلتبس بالقول المنصوص .","part":2,"page":165},{"id":444,"text":"( ومقابل الأصح ) ينسب اليه بلا قيد لأنه قد جعل قوله ( وتنشأ الطرق ) في المذهب من كون الشافعي مثلا ينص في المسألة على شيء وينص في نظيرها على ما يعارضه ولا يظهر بينهما فرق فيختلف الأصحاب في نقل المذهب في المسألتين فمنهم من يقرر النصين فيهما ويتكلف الفرق بينهما ومنهم من يخرج كل نص منهما في الأخرى حاكيا في كل منهما قولين منصوصا ومخرجا فالمنصوص في أحداهما هو المخرج في الأخرى وعكسه ( وعلى هذا ) فتارة يرجح في كل مسألة نصها ويفرق بينهما وتارة يرجح في أحداهما نصها وفي الأخرى المخرج ويذكر ما يرجحه على نصها ( والترجيح ) تقوية أحد الدليلين الظنيين المتعارضين بمرجح من المرجحات الآتية فيعمل بالقوي وحيث تبين أن أحد الدليلين أرجح من الآخر فقال الأكثرون يجب العمل بالراجح ويمتنع بالمرجوح سواء كان الرجحان قطعيا أم ظنيا ( وفصل القاضي ) أبوبكر الباقلاني فقال يجب العمل بالراجح إذا ترجح بقطعي كتقديم النص على القياس فإن ترجح بظني كالأحوال والأوصاف وكثرة الأدلة فلا يجوز العمل به عنده إذا الترجيح عنده إنما يكون بالقطعي ولا ترجيح بظن عنده فلا يعمل بواحد منهما ( وقال أبو عبد الله ) البصري من المعتزلة أن رجح بظن كالترجيح بكثرة الرواة والأدلة الظنية فالتخيير بينهما في العمل وإنما يجب العمل عنده وعند القاضي بما رجح قطعا وهذا إنكار منه للترجيح بالظن وذهاب عند التعارض إلى التخيير وإن تفاوت الظنيان ( قال إمام الحرمين ) كذا حكاه القاضي عنه ولم أره في كلامه وقال غيره إن صح عنه لم يلتفت اليه ( ولا مدخل ) للترجيح في الدلائل القطعيات عقلية كانت أو نقلية لعدم التعارض بينها إذ لو تعارضت لاجتمع المتنافيات كما تقدم وهو محال والترجيح فرع التعارض والمتأخر من النصين المتعارضين للمتقدم منهما آيتين كانا أو حديثين أو آية وحديثا عند من يجوز النسخ عند اختلاف الجنس ، وإن نقل التأخر بالآحاد عمل به أيضا لأن الذي يرفع بالمتأخر","part":2,"page":166},{"id":445,"text":"إنما هو دوام المتقدم واستمراره ودوامه مظنون لا مقطوع به فلم يلزم اسقاط المتواتر بالاحاد لأن الدوام غير متواتر ( ولبعضهم ) احتمال بالمنع قال لأن الجواز يودي إلى إسقاط المتواتر بالاحاد في بعض الصور ( والأصح ) جواز الترجيح بكثرة الأدلة عند الشافعي ومالك والجمهور خلافا للحنفية ، لأن الكثرة تفيد تقوية الظن والظنان لقربهما من القطعي أقوى من الظن الواحد ( والأصح أيضا ) جواز الترجيح بكثرة الرواة عند من مر لما مر مثاله قول الشافعي في الرسالة أن الأخذ بحديث عبادة في ربا الفضل أولى من الأخذ بحديث أسامة لا ربا إلا في النسية لأن مع عبادة عمر وعثمان وأبا سعيد وأبا هريرة فالخمسة أولى من واحد انتهى .\r( ومقابل الأصح ) أن الكرثة لا تفيد الترجيح كالبينتين فإن كثرة عدد أحداهما تفيدها قوة على الأخرى الأقل عددا منها ( قال ) أبو زرعة في الغيث والخلاف في الثانية أضعف من الأولى ولهذا وافق هنا بعض المخالفين هناك ( والأصح ) أن محل جواز ترجيح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن من الجمع بينهما فلو أمكن الجمع بينهما كان يخصص العام منهما بالأخر أو يقيد المطلق بالآخر صير إليه لأن أعمالهما أولى من الغاء أحدهما بترجيح الأخر عليه ( مثاله ) حديث الترمذي إيما أهاب دبغ فقد طهر مع حديث أبي داود والترمذي لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب الشامل للاهاب المدبوغ وغيره فحمل المنع على غير المدبوغ والإباحة عليه جمعاً بين الدليلين .","part":2,"page":167},{"id":446,"text":"( ومقابل الأصح ) لا يحمل بل يصار إلى الترجيح ( ولو كان ) أحد الدليلين المتعارضين سنة والآخر كتابا فالحكم كذلك فلا يقدم أحدهما على الأصح ( وقيل ) يقدم الكتاب لأنه أرجح لحديث معاذ المشتمل على أنه يقضي بكتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله ورضا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ( وقيل ) تقدم السنة على الكتاب لقوله تعالى { لتبين للناس ما أنزل إليهم } مثاله قوله عليه الصلاة والسلام في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه أبو داود وغيره فإنه عام في ميتة البحر حتى خنزيره مع قوله تعالى { قل لا أجد فيما \"أوحي إلي محرما } إلى قوله { أو لحم خنزير } فإنه شامل لخنزير البحر فتعارض عموم الكتاب والسنة في خنزير البحر ، فحمل الكتاب على خنزير البر المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق جمعا بين الدليلين .\r( وإذا تعذر ) الجمع بين الدليلين المتعارضين فلا يخلو أن يعلم تقدم أحدهما وتأخر الآخر أو يعلم تقارنهما أو يجهل التاريخ ( فإن علم ) المتأخر منهما فهو ناسخ للمتقدم أن قبل حكمه النسخ فإن لم يقبل حكمه النسخ بأن كان من العقائد وجب الرجوع إلى غيرهما كذا قاله الإمام الرازي واعترضه النقشواني بأنه إذا لم يقبل حكمه النسخ امتنع العمل بالمتأخر فيتعين المتقدم ( وإن تقارنا ) في الورود من الشارع في زمن واحد فهو مخير في العمل بأيهما شاء إن تعذر الترجيح لتعذر الجمع بينهما ( وإن اختلف ) تاريهخما وجهل فإن كان الحكم قابلا للنسخ وجب الرجوع إلى غيرهما لإمكان التقدم في كل منهما فلا يعمل به فإن لم يقبل النسخ فحكمه حكم المتقارنين ( وهذا كله ) إذا كان المتعارضان متساويين عموما وخصوصا فإن كان احدهما أعم من الأخر عموما مطلقا أو من وجه فكما سبق في آخر مبحث التخصيص من أه يصار إلى الترجيح بينهما .\r( مسألة ) وجوه ترجيح بعض الأخبار علىبعض أنواع :-\r( منها الترجيح) بحسب حال الراوي وذلك باعتبارات .","part":2,"page":168},{"id":447,"text":"( أحدها ) كثرة الرواة كما تقدم ( ثانيها ) علو الإسناد لتضمنه قلة الوسائط بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقل احتمال الخطاء فيه ( ثالثها ) فقه الراوي سواء كانت باللفظ أو المعنى لتمييزه بين ما يجوز أجراءه على ظاهره وغيره ، وقال بعضهم أن روى باللفظ فلا ترجيح بذلك ( رابعها ) علمه باللغة والنحو لأن العالم بهما أدرى بمواقع ألفاظ العربية فيمكنه التحفظ من مواقع الزلل فكان الوثوق بروايته أكثر ( خامسها ) رجحانه على الراوي الأخر يوصف بغلب ظن الصدق كالورع والضبط والفطنة واليقظة ولو كان الراجح بأحد هذه الأمور روى الحديث بالمعنى ورواه المرجوح باللفظ (وقيل ) أن روي باللفظ فلا ترجيح ( سادسها ) حسن الاعتقاد بان لا يكون مبتدعا فترجح روايته على رواية المبتدع ( سابعها ) شهرة عدالته وكذا شهرته بالأوصاف السابقة فإنه يغلب على الظن بذلك صدقه ( ثامنها ) كون الراوي مزكي بالاختبار والممارسة ، فيقدم على من عرفت عدالته بالتزكية فالاختبار أقوى من الأخبار ( تاسعها ) كثرة المزكين للراوي فيترجح الخبر الذي عرفت عدالة رواية بتزكية جمع كثير على الخبر الذي عرفت عدالة رواية بتزكية جمع قليل لأن الظن الحاصل من قول الأكثر أقوى من الظن الحاصل بقول الأقل ( عاشرها ) كونه معروف النسب فتقدم روايته على رواية مجهول النسب قاله في المحصول وزاد الآمدي وابن الحاجب أن يقدم مشهور النسب وإن ضعفه المصنف لأن احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة أكثر ( حادي عشرها ) تقدم رواية من صرح بتزكيته على رواية من حكم بشهادته أو عمل بروايته لأن الحكم والعمل قد يبنيان على الظاهر من غير تزكية ( ثاني عشرها ) حفظ المروي فيقدم مروي الحافظ له على مروي من لم يحفظه كقول أبي محذورة لقنني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأذان تسع عشر كلمة ورواية عبد الله بن زيد لا ترجيع فيها وهو لا يحكيه لفظا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ثالث","part":2,"page":169},{"id":448,"text":"عشرها ) ذكر السبب فيقدم الخبر المشتمل على ذكر السبب على ما لم يشتمل عليه لاهتمام راوي الأول به ( رابع عشرها ) تقدم رواية من تعويله على الحفظ دون الكتابة لاحتمال أن يزاد في كتابه أو نيقص منه واحتمال النسيان والاشتباه في الحافظ كالعدم ( خامس عشرها ) ظهور طريق روايته كالسماع بالنسبة إلى الإجازة فيقدم المسموع على المجاز .\r( قال أبو زرعة ) كذا ذكره الصنف ولم أره في كلام غيره انتهى ( سادس عشرها ) كون سماعه شفاها من غير حجاب كرواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا فهي مقدمة على رواية الأسود عنها أنه كان حرا فإن القاسم سمع منها بلا حجاب لأنها عمته والأسود سمع منها من وراء حجاب ( سابع عشرها ) كون الراوي من أكابر الصحابة في علو المنزلة كقربة من مجلس النبي عليه السلام وليس المراد بذلك كبر السن فيقدم خبر أحدهم على خبر غيره لشدة ديانتهم وقد كان علي رضي الله عنه يحلف الرواة ويقبل رواية الصديق من غير تحليف ، وعن احمد رواية أنه لا ترجيح بذلك ، ومثله تقديم من هو أكثر صحبة من غيره ( ثامن عشرها ) كونه ذكرا فترجح رواية الذكر على رواية الأنثى لأنه أقوى ضبطا وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني أنه لا يرجح بها وصوبه الزركشي والبرماوي والولي أبو زرعة ، وقال ابن السمعاني أنه ظاهر المذهب وحكى الطبري الاتفاق عليه فقال لم يقل أحد أن رواية الرجال مرجحة على رواية النساء ، وقال بعضهم يرجح الذكر في غير أحكام النساء وتقدم رواية المرأة إذا كان المروي في أحكامهن، ( تاسع عشرها ) كونه حرا فيقدم خبره على خبر العبد لأنه لشرف منصبه يحترز عمالا يحترز عنه الرقيق وهو ضعيف كالذي قبله ، قال ابن السمعاني والحرية لا تأثير لها في قوة الظن ( عشروها ) كونه متأخر الإسلام لظهور تأخير خبره ، ولهذا قدم حديث ابن عباس في التشهد على وراية ابن مسعود وعكسه الآمدي قال لأن متقدم الإسلام لأصالته فيه أشد تحرزا","part":2,"page":170},{"id":449,"text":"من متأخره وجزم بهذا ابن الحاجب في الترجيح بحسب الراوي وبما قبله في الترجيح بحسب الرواية ، وهو خارج عن الراوي فلا تناقض في كلامه كما ألزمه المصنف في شرحه على مختصره لاختلافهما جهة ( الحادي والعشرون ) أن يكون متحملا ما وراه بعد التكليف فتقدم روايته على المتحمل في حال صباه فقط وعلى المتحمل في الحالتين لاحتمال كون هذا المروي من المتحمل في الصباء ، ( الثاني والعشرون ) كونه غير مدلس لان الوثوق به أقوى من المدلس حيث قبل وإلا فليس من باب الترجيح ( الثالث والعشرون ) أن لا يكون له اسمان فروايته مقدمة على رواية من اشتهر باسمين لأن صاحبهما يتطرق اليه الخلل بأن يشاركه ضعيف في أحدهما ( الرابع والعشرون ) كونه مباشرا لوقعة مروية فإنه أعرف بها من غيره ، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع أنه صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة حلالا وبنى بها حلالا قال وكنت الرسول بينهما على رواية ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو محرم لأن أبا رافع كان السفير بينهما ( الخامس والعشرون ) كونه صاحب الواقعة كرواية ميمونة رضي الله عنها انه صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهو حلال مع رواية ابن عباس المذكورة ( السادس والعشرون ) كونه راويا للحديث بلفظه فيقدم على من رواه بالمعنى أو شك هل رواه بلفظ أو بمعنه لسلامة المروي باللفظ عن تطرق الخلل في المروي بالعنى .\r( السابع والعشرون ) كون ذلك الخبر لم ينكر الأصل فيه رواية الفرع وإن لم يقبل انكاره فيقدم على الخبر الذي أنكر الأصل روايته لأن الظن الحاصل من الأول أقوى ( الثامن والعشرون ) كونه في الصحيحين فيقدم على ما هو في أحدهما وعلى ما كان على شرطهما ولم يخرجاه لتلقي الأمة لهما بالقبول ، ومثله ما في أحدهما على ما في غيرهما أخذا مما عللوا به ( فهذه الأصناف ) الثمانية والعشرون في الترجيح بحسب حال الراوي .","part":2,"page":171},{"id":450,"text":"( النوع الثاني ) الترجيح بحسب المتن المروي ، ويكون بأمور :\r( أحدها ) كونه قولا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقدم الخبر الناقل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم على الخبر الناقل لفعله إذا تعارض معه لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع ولاحتمال الفعل الاختصاص به .\r( ثانيها ) يقدم فعله عليه السلام على تقريره لكونه أقوى من التقرير لأنه يطرقه من الاحتمالات مالا يطرق الفعل الوجودي ولذا كان في دلالة التقرير على التشريع خلاف ( ثالثها ) يقدم الخبر الفصيح اللفظ على الخبر الركيك اللفظ لأن الفصيح مقبول اتفاقا ، والركيك مختلف فيه وإن كان الحق قبوله لاحتمال رواية روايه له بالمعنى ( رابعها ) لا يقدم زايدا الفصاحة على الفصيح على الأصح لأن المتكلم الفصيح لا يجب استواء كلماته في الفصاحة ( وقيل ) يقدم الأفصح على غيره لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أفصح العرف فيبعد نطقه بغير الأفصح فيكون مرويا بالمعنى فيتطرق اليه الخلل ( ورد ) بأنه لا بعد في نطقه بغير الأفقصح لا سيما إذا خاطب به من لا يعرف غيره وقد كان يخاطب العرب بلغاتهم ( خامسها ) كونه مشتملا على زيادة فيقدم على غيره لما فيه من زيادة العلم كخبر التكبير في العيد سبعا مع خبر التكبير فيه أربعا كذا مثله الشارح وغيره ( وفيه نظر ) من وجهين الأول أنه مخالف لما تقدم في باب الإجماع من أن التمسك بأقل ما قيل حق ، الثاني أن الزيادة التي اشتمل عليها إنما هي في المدلول الخارجي لا في الخبر وهي غير معتبرة لأنها لا تفيد زيادة علم ولو قيل بترجيح المشتمل على زيادة في المتن ولو نقص به المدلول الخارجي لكان وجيها لإفادتها زيادة العلم والله أعلم ( سادسها ) كونه وأردا بلغة قريش فيقدم على الوارد بغير لهتهم لنه محتمل أن يكون مرويا بالمعنى فيتطرق اليه الخلل ( سابعها ) يقدم الخبر المدني على الخبر المكي لأن الأكثر في المكي كونه قبل الهجرة فيلحق الأقل بالأكثر .","part":2,"page":172},{"id":451,"text":"( ثامنها ) يقدم الخبر المشعر بعلو شان النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الخبر الذي لا يشعر بذلك لأن علو شأنه عليه السلام لم يزل يتجدد وقتا بعد وقت فالمشعر بان شأنه أعلى يكون متأخرا ( تاسعها ) يرجح الخبر الذي ذكرت فيه العلة مع الحكم على الخبر الذي لم تذكر فيه معه لأن الأول أقوى في الاهتمام بالحكم من الثاني كحديث من بدل دينه فاقتلوه مع حديث النهي عن قتل النساء علل الحكم في الأول بالردة ولا علة في الثاني فيرجح الأول ( عاشرها ) يقدم ما ذكرت فيه العلة قبل الحكم على ما ذكرت فيه بعده ولم يذكر هذا الأصوليون في التراجيح وإنما أخذه المصنف من قول الإمام في المحصول يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى في الأشعار بالعلية من الثاني ( وعكس ) النقشواني مقالة الإمام وعلله بان الحكم إذا تقدم تطلبت نفس السامع العلة فإذا سمعتها ركنت اليه ولم تطلب غيرها والعلة إذا تقدمت تطلب النفس الحكم فإذا سمعته فقد تكتفي بنفس العلة وقد لا تكتفى بها وتطلب غيرها ( حادي عشرها ) يقدم ما فيه تهدتيد على ما ليس كذلك مثاله حديث البخاري عن عمار من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم فهو لتضمنه التهديد مقدم على أحاديث الترغيب في صوم النفل .\r( ثاني عشرها ) يقدم ما في دلالته تأكيد على الخالي من ذلك مثاله حديث أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين مع حديث مسلم الايم أحق بنفسها من وليها ؟","part":2,"page":173},{"id":452,"text":"( ثالث عشرها ) إذا تعارض عامان أحدهما وارد على سبب والأخر مطلق فإن كان تعارضهما في غير محل السبب قدم المطلق وإن كان في محل السبب قد ذو السبب لأن ذا السبب يحتمل إرادة قصره على السبب فهو دون المطلق في القوة في الصورة الأولى ، وأما في صورة محل السبب فذوا السبب فيها أقوى لأنها قطعية الدخول في العام عند الأكثر كما تقدم ( رابع عشرها ) يقدم العام الشرطي كمن وما الشرطيتين على النكرة المنفية على الأصح لأن الأول فيه معنى التعليل فهو أدل على المقصود مما ليس بمعلل ( وجزم الصفي الهندي ) بتقديم النكرة المنفية على غيرها من أدوات العموم لبعد التخصيص بها لقوة عمومها دون غيرها ، وتقدم النكرة المنفية على الأصح أيضا على غيرها من باقي العمومات كالمعرف بالأداة أو الإضافة لأن النكرة المنفية تدل على العموم بالوضع في الأصح كما تقدم والباقي إنما يدل عليه بالقرينة اتفاقا وما دل بالوضع أقوى مما دل بالقرينة ، ويقدم الجمع المعرف باللام أو الإضافة على من وما الاستفهاميتين لأنه أقوى منهما في العموم لامتناع أن يخص إلى الواحد دونهما على الراجح في كل كما تقدم ، ويقدم الجمع المعرف باللام ومن وما على الجنس المعرف باللام أو الإضافة لاحتمال العهد احتملا قريبا بخلاف من وما فلا يحتملانه أصلا والجمع يحتمله على بعد ( خامس عشرها) يقدم العام الذي لم يدخله تخصيص على العام الذي دخله التخصيص لأن الأول حقيقة والثاني مجاز ( قال المصنف ) كالصفي الهندي وعندي عكسه ، وعلله المصنف بأن الغالب في العمومات التخصيص فكون الشيء من الغالب أقوى من كونه على خلاف الغالب ، وعلله الصفي الهندي بان العام الذي خص منه قد صار خاصا ويبعد تخصيصه مرة أخرى فهو من حيث كونه خاصا راجح على العام انتهى ( سادس عشرها ) يقدم ما قل تخصيصه على ما كثر تخصيصه لأن العام كل ما زاد تخصيصا ازداد ضعفا ( سابع عشرها ) ترجح دلالة الاقتضاء على دلالة الإشارة لترجحها","part":2,"page":174},{"id":453,"text":"بقصد المتكلم وعلى دلالة الإيماء لتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليها ( ثامن عشرها ) ترجح دلالة الإشارة والإيماء على دلالة المفهومين لأن دلالة الأولين في محل النطق بخلاف المفهومين ( تاسع عشرها ) يرجح مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة للاتفاق على دلالة الأول والخلف في دلالة الثاني ( وقيل عكسه ) واختاره الصفي الهندي لأن المخالفة تفيد تأسيسا بخلاف الموافقة فإنه تفيد تأكيدا .\r( النوع الثالث ) الترجيح باعتبار مدلول الخبر ويكون بأمور :","part":2,"page":175},{"id":454,"text":"( أحدها ) إذا كان أحد الخبرين ناقلا عن حكم الأصل والبراءة الأصلية والأخر مقررا له فيقم الناقل عند الجمهور لأن فيه زيادة على الأصل لإفادته حكما شرعيا ليس موجودا في الأصل ، مثاله حديث من مس فرجه فليتوضأ ، مع حديث لا إنما هو بضعة منك جوابا لمن سأله عن نقض الوضوء بمس الذكر واختار الإمام الرازي والبيضاوي تقديم المقرر للبراءة الأصلية لأنه إن قدر سابقا في الزمن على الناقل لم يكن له فائدة لاستفادته من البراءة الأصلية فتعين تقديره متأخرا فيكون ناسخا والعمل بالناسخ واجب ( ثانيها ) إذا كان أحدهما مثبتا للحكم والأخر نافيا له فيرجح المثبت على النافي على أصح الأقوال لأن مع المثبت زيادة علم كحديث بلال أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى داخل البيت مع حديث أسامة أنه لم يصل ، فيقدم المثبت وهو الأول ( وقيل ) يرجح النافي على المثبت لاعتضاد النافي بالأصل ( وقيل ) يتساويان لمعارضة زيادة العلم في المثبت باعتضاد النافي بالأصل وهو قول القاضي عبد الجبار ( وقيل ) يقدم المثبت إلا في الطلاق والعتاق فيرجح النافي لهما على المثبت ، وقد يعكس كما قاله ابن الحاجب فيرجح المثبت للطلاق والعتق على النافي لهما لموافقة النفي الأصلي إذ الأصل عدم الزوجية والرقية ( ثالثها ) ترجيح النهي على الأمر لأن الأول لدفع المفسدة والثاني لجلب المصلحة ، والاعتناء بدفع المفسدة أشد ( رابعها ) ترجيح الأمر الإيجابي على الإباحة على الأصح لأنه أحوط ، وقيل بترجيح الإباحة ورجحه الصفي الهندي ( خامسها ) ترجيح الخبر على الأمر والنهي لأن دلالته على الثبوت أقوى من دلالة غيره عليه ولأنه لو لم يقل به لزم الخلف في خبر الصادق ( سادسها ) ترجيح الحظر على الإباحة على الأصح للاحتياط ( وقيل ) عكسه لاعتضاد الإباحة بالبراءة الأصلية ، وقيل هما سواء ورجحه الغزالي في المستصفى وحكاه الصفي الهندي عن أبي هاشم وعيسى بن إبان ( سابعها ) يرجح الخبر المقتضى للوجوب","part":2,"page":176},{"id":455,"text":"على ما يقتضي الندب احتياطا ( ثامنها ) يرجع ما يقتضي الكراهة على ما يقتضي الندب لدفع اللوم ( تاسعها ) يرجع ما يقتضي الندب على ما يقتضي الإباحة لأنه أحوط ، وقيل عكسه لموافقة المباح للأصل من عدم الطلب ( عاشرها ترجيح ) الخبر الدال على نفي الحد على ما يدل على إثباته لأن الحدود تدرأ بالشبهات وقال قوم من المتكلمين يرجح المثبت للحد على النافي لأن المثبت يفيد التأسيس بخلاف النافي ورجح الغزالي أنهما سواء ( حادي عشرها ) يقدم الخبر المعقول معناه على المتعبد بمقتضاه الذي لا يعقل معناه لأن معقول المعنى ادعى للانقياد وأفيد بالقياس عليه ( ثاني عشرها ) يقدم المثبت للحكم الوضعي على المثبت للحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من الفعل فهو أولى ( وقيل ) يقدم التكليفي لأنه مقصود بالذات والثواب مترتب عليه حكاه الصفي الهندي .\r( النوع الرابع ) الترجيح بالأمور الخارجية ويكون من وجوه :","part":2,"page":177},{"id":456,"text":"( أحدها ) يقدم ما وافقه دليل أخر من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس على ما لم يوافقه دليل أخر لأن الظن مع الموافق أقوى ، ومثاله ترجيح خبر عائشة في التغليس بالصبح على خبر نافع في الاسفار به لموافقته لقوله تعالى { حافظوا على الصلوات } ومن المحافظة عليها إيقاعها أول الوقت ( ثانيها ) موافقة خبر مرسل في الأصح وإن لم نقل بحجيته وقيل لا يرجح به لأنه ليس بحجة ( ثالثها ) موافقة قول بعض الصحابة على الأصح وقيل لا يرجح به لما مر ، وقيل إن كان ذلك الصحابي قد ميزه النص على غيره كزيد بن ثابت في الفرائض كانت موافقته مرجحة وإلا فهو كغيره من الصحابة وقيل إن كان أحد الشيخين رجح بموافقته دون غيرهما من الصحابة سواء خالفهما معاذ ونحوه أم لا ، وقيل يرجح بموافقة الشيخين إلا أن يخالفهما معاذ بن جبل في مسائل الحلال والحرام أو يخالفهما زيد في الفرائض أو علي رضي الله عنه في القضاء ونحوهم ، فلا يرجح بموافقة أحدهما حينئذ لأن المخالف لهما ميزه النص فيما ذكر ، حكى عن الشافعي أن الخبرين المتعارضين في الفرائض يرجح منهما الموافق لزيد فإن لم يكن فيها قول له فالموافق لمعاذ فإن لم يكن لمعاذ فيها قول فالموافق لعلى وفي الحلال والحرام الموافق لمعاذ فلعلي رضوان الله عنهم اجمعين ( رابعها ) موافقة عمل أهل المدينة على الأصح أيضا وإن لم نجعله حجة كتقديم رواية إفراد الإقامة على حديث أبي محذورة في تثنيتها وقيل لا يرجح به لما مر من أنه ليس بحجة ( خامسها ) موافقة فتوى الأكثرين في الأصح عند المصنف لأنه أقرب إلى الصواب كذا قاله جماعة منهم البيضاوي وحكاه الإمام الرازي في المحصول عن عيسى ابن أبان ومنع أخرون منهم الغزالي الترجيح به لأنه لو ساغ الترجيح بمذاهب المجتهدين لأنسد باب الاجتهاد على البعض الأخر وليس قول الأكثر حجة .","part":2,"page":178},{"id":457,"text":"( النوع الخامس ) ترجيح الاجماعات بعضها على بعض ( يرجح الإجماع ) على النص من كتاب أو سنة ولو متواترة لامن الإجماع من النسخ بخلاف النص ( ثم إذا تعارض ) إجماعان قدم الأول منهما كاجماع الصحابة على إجماع التابعين والتابعين على تابعيهم وهكذا أو يرجح إجماع الكل من المجتهدين والعوام على ما خالف فيه العوام لضعف الثاني بالخلاف في حجيته على ما حكاه الآمدي وفيه مع قول المصنف في الإجماع أنه لم يخالف أحد في عدم اعتبر قول العامة نظر ويندرج في ذلك تقدم إجماع المنقرض عصرهم على إجماع من لم ينقرض للخلاف في حجية الثاني وتقديم الإجماع الذي لم يسبق بخلاف على الإجماع المسبوق به للخلاف في الثاني أيضا ، وقيل المسبوق بخلاف أقوى مما لم يسبق به لزيادة إطلاعهم على المأخذ وقيل هما سواء في الرتبة لتساوي مرجحيهما ( وإذا تعارض ) المتواتر من كتاب وسنة واستوت دلالتهما في الرتبة بان كان ظنية فيهما فأصح الأقوال تساويهما والثاني يقدم الكتاب عليها لأنه أشرف منها والثالث تقدم السنة عليه لقوله تعالى { لتبين للناس ما أنزل إليهم } وضعفه إمام الحرمين بأنه ليس الخلاف في السنة المفسرة وإنما الخلاف في السنة المعارضة أما المتواتر ان من السنة فمتساويان قطعا كالآيتين .","part":2,"page":179},{"id":458,"text":"( النوع السادس ) ترجيح الاقيسة بعضها على بعض، وهو الغرض الأعظم من كتاب التراجيح ( ترجيح القياس ) على قياس آخر قد يكون بحسب الأصل وقد يكون بحسب العلة وقد يكون بحسب الفرع وقد يكون لخارج عن ذلك ، والأول يكون بحسب قوة دليل الحكم الأصل كان يدل في أحد القياسين بالمنطوق وفي الأخر بالمفهوم أو يكون قطعيا في أحدهما وظنيا في الأخر فيرجح الأول لقوة الظن بقوة الدليل ويكون أيضا بكون أحد القياسين على سنن القياس بأن يكون أصله من جنس الفرع المتنازع فيه والأخر ليس كذلك فيقدم الأول مثاله قياس الشافعي ما دون أرش الموضحة عليها في تحمل العاقلة له فهو أولى من قياس الحنفي ذلك على ضمان الأموال في عدم تحملها له لأن ارش ما دون الموضحة من جنس المختلف فيه فكان الفرع على سنن الأصل والجنس بالجنس أشبه ( والثاني الترجيح ) بحسب العلة ويكون من وجوه ( أحدها ) يقدم القياس المقطوع بوجود علته على القياس المظنون وجودها فيه ومثله ما لو كانت مظنونة الوجود فيهما وكان الظن في أحدهما أغلب فيقدم كذلك .","part":2,"page":180},{"id":459,"text":"( ثانيها ) يقدم ما كان مسلم علته أقوى من الأخر كان يكون قطعيا كما تقدم في ترتيب مسالك العلة ( ثالثها ) يرجح ما كانت فيه العلة مردودة إلى أصلين فأكثر على ما كانت فيه العلة مردودة إلى الأصل واحد وقيل هما سواء قال ابن السمعاني والأول أصح ومثاله قياس العارية على السوم والغصب في الضمان بجامع الأخذ لغرض النفس والحنفي يقول العلة في السوم الأخذ للتملك وهي لا توجب الضمان فيقيس العارية عليه في عدم الضمان فيشهد للشافعي أصلان السوم والغصب وللحنفي أصل واحد وهو السوم بناء على أن العلة فيه الأخذ للتملك ( رابعها ) يقدم ما كانت العلة فيه وصفا ذاتيا للمحل كالطعم والإسكار على ما كانت العلة فيه حكمية أي ثابتة للمحل شرعا كالطهارة النجاسة لأن الذاتية الزم من الحكمية وعكسه ابن السمعاني فقال يرجح ما كانت علته حكمية على ما كانت علته ذاتيه لأن الحكم بالحكم أشبه منه بغيره مثاله قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار وقياسه عليه بجامع النجاسة فيقدم الأول ( خامسها ) يقدم ما كانت العلة فيه أقل أوصافا على ما كانت فيه أكثر اوصفا لأن قليلة الأوصاف أسلم من الاعتراض وقيل يقدم ما كانت أوصاف العلية فيه أكثر لأن الكثيرة أكثر شبها وقال القاضي عبد الوهاب وعندي أنهما سواء ، مثاله تعليله وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لمكافيئ غير ولد وتعليله بالعمد العدوان فقط ( سادسها ) يقدم ما كانت العلة فيه تقتضي احتياطا في الفرض بالفا كما ضبطه المصنف على ما كانت العلة فيه لا تقتضي الاحتياط فيه لأن التي تقتضيه انسب مما لا تقتضيه وعبر ابن السمعاني في القواطع بالغرض بالغين المعجمة وتعبير المصنف أوضح لأن الفرض محل الاحتياط ، مثاله تعليل نقض الوضوء باللمس مطلقا فإنه أحوط من تعليله باللمس بشهوة لعدم الاحتياط فيه للفرض .","part":2,"page":181},{"id":460,"text":"( سابعها )يقدم ما كانت العلة فيه تعم أصله بأن توجد في جميع جزءياته على ما كانت العلة فيه خاصة ببعض جزئيات الأصل لأن العامة أكثر فائدة مما لا تعم مثاله تعليل الربا في البر بالطعم فإنه يقتضي اطراد الحكم في قليله وكثيره بخلاف تعليله بالكيل فإنه لا يطرد في قليل البر ( ثامنها ) يقدم ما كانت العلة فيه متفقا على تعليل حكم أصلها أي دليلها على ذي العلة المختلف في تعليل حكم أصلها ( تاسعها ) يقدم ما كانت العلة فيه موافقة لأصول عديدة في الشريعة على ما كانت موافقة فيه لأصل واحد لشهادة كل واحد من تلك الأصول باعتبار تلك العلة حيث لم تبطل شهادتها فإن بطلت رجحت موافقة أصل واحد مثاله تثليث مسح الرأس في الوضوء فإنه إن قيس بالتيمم والخف فلا تثليث وإن قيس على أصل واحد وهو بقية أفعال الوضوء ثلث فيقدم الأول لكن للقائس ابطال شهادة الأصلين في المثال بالفرق بتشويه الوجه في التيمم وبان تثليث مسح الخف يفسد ما ليته ولا كذلك مسح الرأس ( عاشرها ) حكى ابن السمعاني قولا أنه يرجح ما كانت العلة فيه موافقة لعلة أخرى بناء على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين على ما ليس كذلك ( وقال الأصح ) انه لا يرجح بذلك وإن الشيء إنما يتقوى بصفة في ذاته لا بانضمام غيره اليه ( حادي عشرها ) يقدم القياس الذي ثبتت عليته بالاجماع على ما ثبتت عليته بالنص لقبول النص التأويل بخلاف الإجماع قال في المحصول ويمكن تقديم النص لأن الإجماع فرعه انتهى وجزم بهذا البحث صاحب الحاصل والبيضاوي هذا حيث كانا قطعيين أو ظنيين وإلا فيقدم ما ثبتت عليته بالنص القطعي على ما ثبتت عليته بالإجماع الظني ( ثاني عشرها ) يرجح ما ثبتت عليته بالإيماء على ما ثبتت عليته بالسبر ووجه ذلك واضح من تعريفيهما السابقين ( ثالث عشرها ) يرجح ما ثبتت عليته بالسبر على ما ثبتت بالمناسبة لما في السبر من إبطال ما لا يصلح للعلية فيدل على نفي المعارض بخلاف المناسبة واختاره الآمدي","part":2,"page":182},{"id":461,"text":"وابن الحاجب خلافا للبيضاوي ( رابع عشرها ) يرجح ما ثبتت عليته بالمناسبة مرجح على أعلى الاشباه ( خامس عشرها ) يرجح ما ثببتت عليته بالشبه على ما ثبتت عليته بالدوران لقربه من المناسبة ( وقال إمام الحرمين ) يرجح ما ثبتت عليته بالدوران على ما ثبتت عليه بالمناسبة لأنه يفيد اطراد العلة وانعكاسها دون المناسبة والعلل الشرعية إمارات والعقلية موجبة فلا يمكن اعتبار هذه بتلك ويرجح ما ذكر من المسالك على ما لم يذكر منها ووجه ذلك واضح من تعاريفها السابقة ( سادس عشرها ) يرجح قياس المعنى على قياس الدلالة لما علم في مبحث الطرد من اشتمال قياس المعنى على المعنى المناسب وفي خاتمة القياس من اشتمال قياس الدلالة على لازم المناسب أو أثره أو حكمه ( سابع عشرها ) يرجح القياس غير المركب على القياس المركب الوصف للاختلاف في قبول المركب كما مر في شروط حكم الأصل وعكس الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني فرجح المركب على غيره لقوته باتفاق الخصمين على حكم الأصل فيه ( ثامن عشرها ) يرجح ما علل فيه بالوصف الحقيقي وقد مر أنه ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره على ما علل فيه بالوصف العرفي وقد مرا أنه ما يتوقف فيه على الإطلاع على العرف ( تاسع عشرها ) يرجح ما التعليل فيه بالوصف العرفي على ما التعليل فيه بالوصف الشرعي لأن العرفي متفق على صحة التعليل به والشرعي مختلف في صحته به كما مر ( عشروها ) يرجح ما التعليل فيه بالوصف الوجودي على ما التعليل فيه بالوصف العدمي كقولنا السفر جل مطعوم فهو ربوي كالبر مع قولهم ليس بمكيل ولا موزون فليس بروبوي ( الحادي والعشرون ) يرجح التعليل بالعلة البسيطة كتعليل الربا بالطعم على التعليل بالمركبة كالطعم مع التقدير بكيل أو وزن لكثرة فروع البسيطة وفوائدها وقيل ترجح المركبة وقيل هما سواء ( الثاني والعشرون ) تقدم العلة الباعثة والمراد بها هنا ذات المناسبة الظاهرة على العلة التي بمعنى","part":2,"page":183},{"id":462,"text":"الإمارة والمراد بها ما لم تظهر مناسبته لأن الأولى أسرع قبولا وللاتفاق على صحة التعليل بالوصف الباعث والخلاف في الإمارة كما مر ( الثالث والعشرون ) يرجح ما العلة فيه مطرده منعكسة على مالعلة فيه مطردة فقط لضعف الثانية بالخلاف فيها (الرابع والعشرون) يرجح ما العلة فيه مطردةغير منعكسة على ما العلة فيه منعكسه غير مطردةلأن ضعف الثانية بعدم الاطراد أشد من ضعفف الأولى بعدم الانعكاس ( الخامس والعشرون ) هل تقدم العلة المتعدية على القاصرة أو بالعكس أو يستويان فيه ثلاثة أقوال أحدها ترجيح المتعدية لأنها أفيد بالالحاق بها ، والثاني ترجيح القاصرة لأن الخطأ فيها أقل والثالث استواؤهما لتساويهما فيما ينفرد كل منهما به من الإلحاق في المتعدية وعدمه في القاصرة ( السادس والعشرون ) هل ترجيح العلة التي هي أكثر فروعا من المتعديتين على التي هي أقل فروعا منهما قولان كقولي المتعدية والقاصرة فمن رجح المتعدية رجح التي هي أكثر فروعا ومن رجح القاصرة رجح التي هي أقل فروعا ولا يأتي القول هنا بالتساوي لانتفاء علته .","part":2,"page":184},{"id":463,"text":"( النوع السابع الترجيح في الحدود ) وهي قسمان عقلية كتعريف الماهيات وهو غير مراد هنا وسمعية وهي المسموعة من الشارع وهي المراد هنا ويكون ذلك من وجوه ( أحدها ) يرجح الأعرف على الأخفى لأن الأعرف أفضى إلى المقصود من غير الأعرف ( ثانيها ) يرجح الحد الذاتي على الحد العرضي لأن الذاتي يفيد كنه الحقيقة بخلاف العرضي ( ثالثها ) يرجح الحد الصريح وهو المشتمل على لفظ صريح على غيره مما اشتمل على لفظ مجازي ، أو مشترك بناء على جواز استعمال كل منهما في الحدود لتطرق الخلل إلى التعريف بالثاني والحق جواز التعريف بالمجاز الشهير بحيث لا يتبادر غيره ( رابعها ) يرجح الحد الأعم معنى على الحد الأخص معنى لأن الأعم يتناول ما يتناوله الأخص ويزيد عليه وقيل يرجح الأخص للاتفاق على ثبوت مدلوله والاختلاف في الزيادة التي في الأعم ( خامسها ) يرجح الحد الموافق للنقل السمعي أو اللغوي على الحد المخالف لهما لأن التعريف بما يخالفهما إنما يكون لنقل عنهما والأصل عدمه ( سادسها ) يرجح الحد الذي طريق اكتسابه قطعي على ما كان طريق اكتسابه ظنيا لأن القطعي أقوى من الظني .\r( واعلم ) أن المرجحات كثيرة لا مطمع في حصرها ويرجح جميعها إلى غلبة الظن فما يكون فيه الظن أغلب يكون راجحا على غيره وقد سبق منها كثير في أبواب متفرقة ولم يعده المؤلف هنا حذرا من التكرار فقد سبق في بحث المفهوم تقديم بعض مفاهيم المخالفة على بعض وفي بحث الحقيقة تقديم المعنى الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي في خطاب الشرع وتقديم بعض ما يخل بالفهم على بعض كالمجاز على الاشتراك ، وفي مسالك العلة تقديم مدخول الفاء في كلام الشارع أو الراوي الفقيه وغيره وفي بحث المناسبة تقديم بعض أنواع المناسبة على بعض كالضروري على الحاجي وحفظ الدين على حفظ النفس وغير ذلك والله أعلم .\r( الكتاب السابع في الاجتهاد )","part":2,"page":185},{"id":464,"text":"( الاجتهاد ) لغة بذل الوسع فيما فيه كلفة وفي الاصطلاح استفراغ الفقيه وسمعه في النظر في الأدلة لتحصيل ظن بحكم من الأحكام الشرعية ( فالاستفراغ ) جنس وهو بذل تمام الطاقة بحيث تحث النفس بالعجز عن الزيادة ( وخرج ) بالفقيه المقلد وعبر المصنف كغيره بالظن لأنه لا اجتهاد في القطعيات ( والظن المحصل ) من الاجتهاد هو الفقه المعرف أول الكتاب بأنه العلم بالأحكام الخ ( والفقيه ) المجتهد من حيث ما يتحقق به تعتبر فيه أوصاف ( احدها) البلوغ لأن غير البالغ لم يكمل عقله حتى يعتبر ( ثانيها ) العقل لأن ير العقل لا تمييز له يهتدي به لما يقوله حتى يعتبر ( واختلف ) في تعريف العقل في المجتهد فقيل لمكة أي هيئة راسخة في النفس يدرك بها ما من شأنه أن يعلم ( وقيل) أنه نفس العلم أي الإدراك مطلقا ضروريا كان أو نظريا وهو محكي عن الأشعري وحكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أهل الحق قالوا واختلاف الناس في العقول ككثرة العلوم وقلتها ( وقيل ) هو العلم الضروري فقط وصدق العاقل على ذي العلم النظري على هذا لأجل العلم الضروري الذي لا ينفك عن الإنسان كعلمه بوجود نفسه كما يصدق لذلك على من لا يتأتى منه النظر كالأبله ( ثالثها ) أن يكون فقيه النفس شديد الفهم بالطبع لمقاصد الفقه قال الأستاذ أبو إسحاق ومن كان موصوفا بالبلادة والعجز عن التصرف فليس من أهل الاجتهاد وقال الغزالي إذا لم يتكلم الفقيه على مسألة لم يسمعها كلامه على مسألة سمعها فليس بفقيه ( وهل ) يخرج منكر القياس عن فقاهة النفس ( قيل لا ) يخرج فيعتبر وهو مقتضى كلام أصحابنا حيث ذكروا خلاف الظاهرية في تعاليقهم وحاجوهم ( وقيل ) نعم فلا يعتبر قوله وبه قال القاضي أبوبكر وإمام الحرمين وقيل يخرج بإنكاره القياس الجلي لظهور جموده وهو كلام ابن الصلاح وغيره ( الرابع ) أن يكون عارفا بالدليل العقلي وهو البراءة الأصلية وبانا مكلفون بالتسمك به ما لم يرد دليل ناقل عنه من نص أو إجماع أو","part":2,"page":186},{"id":465,"text":"غيرها ( الخامس ) أن يكون عارفا بلغة العرب وبالنحو أعرابا وتصريفا ، وبأصول الفقه ليتقوى على معرفة الأدلة وكيفية الاستنباط وبالبلاغة من معان وبيان لأن الكتاب والسنة في غاية من البلاغة فلابد من معرفتها ليتمكن من الاستنباط والمعتبر في معرفة هذه الأمور توسط درجته فلا يكفى في ذلك الأقل ولا يشترط بلوغه الغاية في ذلك بل يكون بحيث يميز العبارة الصحيحة عن الفاسدة والراجحة عن المرجوحة وقال الأستاذ أما الحروف التي تخلف عليها المعاني فيجب فيها التبحر والكمال نعم يجب أيضا في معرفة اللغة الزيادة على التوسط لئلا يشذ عنه المستعمل في الكلام في غالب اللغة وأما أصول الفقه فكلما كان أكمل في معرفته كان أتم في اجتهاده ( السادس ) كونه عارفا بأيات الأحكام من الكتاب وما يتعلق بالأحكام أيضا من السنة ويكفيه أن يكون عنده أصل مصحح يجمع أحاديث الأحكام ، ولا يشترط حفظ المتون وبه صرح الإمام فخر الدين لكن نقل القيرواني عن الشافعي أنه يشترط حفظ جميع القرآن وقال والد المصنف المجتهد من هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم المجتهد بها مقصود الشارع وهذا ليس مخالفا لما تقدم ولكنه تمهيد له وتقرير نعم قد يقتضى أنه لا يكتفي بالتوسط في ذلك .","part":2,"page":187},{"id":466,"text":"( ويعتبر كما قال والد المصنف ) أيضا لايقاع الاجتهاد على الوجه المعتبر لا لكونه صفة في المجتهد يتوقف صدق اسم الاجتهاد عليها أمور ( أحدها ) كونه خبيرا بمواقع الإجماع كي لا يخرقه بمخالفته إياه وخرقه حرام ( ثانيها ) معرفة الناسخ والمنسوخ ليقدم الناسخ على المنسوخ لأن غير الخبير بهما قد يعكس ( ثالثها ) معرفة أسباب النزول في آيات الأحكام ليعلم الباعث على الحك والعلم به يرشد إلى فهم المراد ( رابعها ) معرفة شرط المتواتر والأحاد ليقدم الأول عند التعارض ( خامسها ) أن يميز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ليحتج بالصحيح ويطرح الضعيف ( سادسها ) معرفة حال الرواة في القبول والرد ليعتمد المقبول ويطرح المردود ( سابعها ) معرفة سير الصحابة ومراتبهم في السن والعلم ليقدم رواية أكابر الصحابة على غيرهم وموافق قول الا علم على قول غيره وليس المراد معرفة أنهم كلهم عدول على قول الجمهور ( قال المصنف ) ويكفى في الخبرة بحال الرواة في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك من المحدثين كالإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبي داود والدار قطني وغيرهم ليعتمد عليهم في التعديل والتجريح لتعذرهما في زماننا هذا إلا بواسطة وهم أولى من غيرهم فالخبرة في هذه الأمور اعتبروها في المجتهد لما تقدم وبين والد المصنف أنها شرط في الاجتهاد لا صفة له وهو ضاهر ( ولا يشترط ) في المجتهد معرفة علم الكلام قاله الأصوليون وقال الرافعي عد الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد قال الغزالي وعندي أنه يكفى اعتقاد جازم ولا يشترط معرفتها على طريق المتكلمين وبأدلتهم التي يحررونها ولا يشترط معرفة تفاريع الفقه كوجوب النية في الوضوء وسنية الوتر لأنها إنما تمكن بعد الاجتهاد فكيف تشترط فيه وصحح ابن الصلاح اشتراط ذلك في المفتى الذي يتادى به فرض الكفاية وإن لم يشترط في المجتهد ( ولا يشترط ) فيه للذكورة والحرية لجواز أن يكون لبعض النساء قوة الاجتهاد وأن كن","part":2,"page":188},{"id":467,"text":"ناقصات عقل وكذا لبعض العبيد ( وفي اشتراط العدالة ) خلاف والأصح عدم اشتراطها فيأخذ الفاسق باجتهاد نفسه وقيل يشترط ليعتمد على قوله والخلاف لفظي لأن الفاسق لا يعتمد على قوله اتفاقا ( وينبغي للمجتهد ) أن يبحث عن المعارض كالبحث في العام هل له مخصص وفي المطلق هل له مقيد وفي النص هل له ناسخ وهكذا وإن يبحث عن اللفظ هل معه قرينة تصرفه عن ظاهره فيعمل بمقتضاها أو يغلب على الظن عدمها فيعمل بما يقتضيه ظاهر اللفظ ( وقد علم ) أن جميع ما سبق من التعريف والشروط إنما هي في المجتهد المطلق أما مجتهد المذهب فهو المقلد لإمام من الأئمة المتمكن من تخريج الوجوه التي يبديها على نصوص إمامه كان يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه أو يستخرج حكم المسكوت من دخوله تحت عموم ذكره إمامه أو قاعدة قررها وهذا لا يشترط فيه إلا معرفة قواعد إمامه فإذا سئل عن حادثة لم يعرف لإمامه فيها نصا اجتهد فيها على مذهبه وخرجها على أصوله وهو دون المجتهد المطلق في الرتبة وأما مجتهد الفتيا فهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول له على أخر وقد أطلقهما إمامه وهذه أدنى مراتب الاجتهاد وما بقى بعدها إلا العامي ومن في معناه ( والصحيح ) جواز تجزئ الاجتهاد بأن تحصل لبعض الناس قوة الاجتهاد في بعض الأبواب كالفرائض دون بعض بأن يعلم أدلته باستقراء منه أو من مجتهد كامل وينظر فيها فما تمكن من الاجتهاد فيه اجتهد فيه وما لم يتمكن فيه قلد فيه مجتهدا وقد سئل الإمام مالك رحمه الله عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها لا أدري ( وقيل لا يجوز ) تجزيه لتعلق البعض بالبعض وهو ممنوع واحتمال أن يكون فيما لا يعلمه من الأدلة معارض لما علمه بعيد جدا .","part":2,"page":189},{"id":468,"text":"( والصحيح أيضا ) جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول الأكثرين وحكى عن الشافعي وأحمد وغيرهما ( وقيل ) يمتنع له الاجتهاد لقدرته على اليقين بالتلقي من الوحي بأن ينتظره والقادر على اليقين في الحكم لا يجوز له الاجتهاد جزما ورد بأن إنزال الوحي ليس في قدرته ( وقيل ) يجوز في الآراء والحروب فقط ويمنع في غيرها جمعا بين الأدلة المجوزة والمانعة ( وقيل ) بالوقف وحكاه الإمام في المحصول عن أكثر المحققين وعلى القول بجوازه ففي وقوعه أقوال ثلاثة الأصح الوقوف وهو اختيار ابن الحاجب والآمدي وغيرهم لقوله تعالى { ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } { عفى الله عنك لم أذنت لهم } ، عوتب عليه السلام على استبقاء أسرى بدر بالفداء وعلى الأذن لمن ظهر نقاقهم في التخلف عن غزوة تبوك ولا يكون العتاب فيما صدر عن وحي فيكون عن اجتهاد والثاني لم يقع ، والثالث الوقف .","part":2,"page":190},{"id":469,"text":"( الوقف ) ذكر القرافي أن محل الخلاف في الفتوى دون القضاء فيجوز فيه قطعا وتبعه غير واحد ويشهد له ما في سنن أبي داود عن أم سلمة رضي الله عنها قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه وإذا قلنا بجوازه ووقوعه فالصواب أنه صلى الله عليه وآله وسلم معصوم من الخطأ فيه وقال الإمام وغيره أنه الحق واختار الآمدي جوازه لكن لا يقر عليه بل ينبه عليه كما تقدم في الآيتين ونقله الآمدي عن أكثر الشافعية والحنابلة وأصحاب الحديث ( واختلف ) في جواز الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال ( أحدها ) الجواز وهو الصحيح وبه قال الأكثرون ( ثانيها ) لا للقدرة على اليقين في الحكم بتلقيه منه واعترض بأنه لو كان عنده وحي في ذلك لبلغه الناس ( ثالثها ) أنه يجوز بإذنه عليه السلام ويمتنع بغير إذنه وعلى هذا فمنهم من اعتبر صراحة الإذن ومنهم من نزل السكوت عن المنع مع العلم بوقوعه منزلة الاذن ( رابعها ) جوازه للبعيد عنه ولا يجوز للحاضر وحكى في الغائب الإجماع الأستاذ أبو منصور وجعله البيضاوي موضع وفاق والمشهور جريان الخلاف فيه ثم هل المراد الغيبة عن مجلس النبي عليه السلام أو عن بلده أو إلى مسافة القصر فما فوقها أو باعتبار مشقة الارتحال للسؤال ، قال أبو زرعة لم أر في ذلك نقلا وكل محتمل ( خامسها ) جوازه للغائب عنه بشرط كونه من الولاة كعلي ومعاذ لما بعثهما النبي إلى اليمن حفظا لمنصبهم عن استنقاص الرعية لهم لو لم يجز لهم بأن يراجعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يقع لهم بخلاف غيرهم حكاه الغزالي والآمدي وابن الحاجب ( والأصح ) على القول بالجواز مطلقا أنه وقع لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم سعد بن معاذ في بنى قريظة فقال سعد تقتل مقاتلتهم وتسبي ذريتهم فقال صلى الله عليه وآله وسلم لقد حكمت عليهم بحكم الله رواه","part":2,"page":191},{"id":470,"text":"الشيخان وهو ظاهر في أن حكم سعد كان عن اجتهاد وهو مختار الغزالي والآمدي وابن الحاجب ( وقيل ) بأنه لم يقع وأجاب بأن خبر الأحاد إنما يفيد ظن الوقوع لا القطع به ( وقيل ) لم يقع للحاضر في قطره عليه السلام لكن وقع للغائب ( وقيل ) بالوقف عن الوقوع وعدمه واختاره البيضاوي وقال لم يثبت وقوعه ، وفيه نظر ظاهر لثبوته من أبي بكر رضي الله عنه في قضية أبي قتادة ومن سعد في قضية بني قريظة والثبوت وإن كان آحدا لكن تلقته الأمة بالقبول ، فجاز أن يقال أنه قطعي قال الإمام والخوض في هذه المسألة قليل الفائدة لأنه لا ثمرة له في الفقه .\r( مسألة ) المصيب من المختلفين في العقليات واحد وهو من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع والمراد بالعقليات ما يدرك بالعقل من غير توقف على ورود السمع كحدوث العالم وثبوت البارئ وصفاته وبعثة الرسل .\r( ونفاة الإسلام ) كاليهود والنصارى سواء في ذلك نفاة كل الإسلام كبعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بعضه المعلوم منه ضرورة كوجوب الصلوات الخمس مخطئون آثمون كفار وإن بالغوا في النظر لأنهم لم يصادفوا الحق واشترط الأشعري في تكفيرهم البلوغ وبلوغ الدعوة بالسمع إليهم ، وقال المعتزلة مطلقا بعد البلوغ وقبله بعد التأهل للنظر ولا عبرة بمخالفة عمروالجاحظ وعبدالله بن الحسن العنبري حيث قالا لا يأثم المجتهد في العقليات ومن النقلة من أطلق ذلك عنهما ومنهم من قيده عنهما فقال بشرط الإسلام وهو الأليق بهما على أن تصويره مشكل إذ كيف يكون مسلما مع نفيه للإسلام كله أو بعضه .\r( قيل ) وزاد العنبري على نفي الأثم عن نافي ذلك أن كلا مصيب فإن صح النقل فلابد من تأويل كيف وقد حكى الإجماع على خلاف قولهما قبل ظهورهما .","part":2,"page":192},{"id":471,"text":"( أما المسائل ) غير العقلية وهي التي ليست من أصول الشرع المجمع عليها بل من مسائل الفقه فلها حالتان ( أحداهما ) أن لا يكون فيها نص قاطع ، وفيها مذهبان ( الأول ) منهما أن كل مجتهد مصيب وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبوبكر الباقلاني وصاحبا أبي حنيفة محمد ابن الحسن وأبو يوسف وأبو العباس أحمد بن سريج البغدادي من أصحاب الشافعي ( ثم على القول ) بتصويب كل مجتهد اختلف القائلون به فقال الشيخ أبو الحسن والقاضي أبوبكر حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد فما ظنه فهو حكم الله تعالى في حقه وفي حق مقلده ( قلت ) ما أبشع هذه المقالة فإن جعل حكم الله تعالى متعدد بتعدد المجتهدين تابعا لما يصدر عنه من الاجتهادات مخالفة أدب مع الله سبحانه وتعالى ومع شريعته المطهرة مع أن سلف الأمة وخلفها ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاده ويعترض بعضهم على بعض والحق أحق أن يقال والله أعلم وقال الصاحبان وابن سريج في أصح الروايات عنه ان في كل حادثة أمرا مغيبا عنا لو حكم الله فيها لكان بذلك الأمر ويسمى هذا بالقول الأشبه قال في المنخول وهذا حكم على الغيب ومن أجل قول هؤلاء أن الحكم في الحادثة مغيب قالوا فيمن اجتهد ولم يصادف ذلك الحكم أنه مصيب في اجتهاد مخطئ في الحكم وربما قالوا أصاب ابتداء لا انتهاء فهو مخطئء عندهم حكما وانتهاء ( ثاني المذهبين ) وهو الصحيح وبه قال الجمهور أن المصيب فيها واحد فقط قال ابن السمعاني في القواطع أنه ظاهر مذهب الشافعي ومن حكى عنه غيره فقد أخطأ قالوا ولله تعالى في كل حادثة حكم سابق قبل الاجتهاد إلا أنهم اختلفوا هل جعل عليه دليلا أم لا ؟ ( قال ) بعضهم لا دليل عليه وإنما هو كدفين يصيبه من شاء الله ويخطئه من شاء والصحيح أن عليه دليل ظني وبه قال الأئمة الأربعة وأكثر الفقهاء وكثير من المكتلمين وعلى هذا قيل المجتهد مكلف بإصابته أم لا قولان الصحيح منهما أنه مكلف بإصابته لإمكانها فإن أخطاء لم","part":2,"page":193},{"id":472,"text":"يأثم على خطئه لعذره بل يؤجر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران فإن أخطأ فله أجر )) وهل اجر المخطئ على قصده الصواب والاجتهاد أو على قصده الصواب فقط وجهان اختار المزني الثاني وقيل يأثم المخطئ لعدم إصابته الذي هو مكلف بها وقيل لا يكلف المجتهد إصابة الحق لخفائه عليه وغموضه ( الحالة الثانية ) أن يكون في تلك المسألة الجزئية دليل قاطع من لص أو إجماع واختلف فيها لعدم الوقوف عليه فالمصيب فيها واحد وهو من وافق ذلك القاطع قيل وفاقا وقيل على الخلاف فيما لا قاطع فيها والثاني غريب وبعيد ثم على القول بأن المصيب واحد إن قصر المجتهد المخطئ في اجتهاده وأخطأ الدليل القاطع في الجزئية فهو آثم اتفاقا لتركه الواجب عليه من بذل وسعه وإن لم يقصر بل بذل مجهوده ولم يقع على القاطع فلا إثم عليه على الأصح ومقابل الأصح أنه يأثم والله أعلم .","part":2,"page":194},{"id":473,"text":"( مسألة ) المسائل الاجتهاديتات وهي ما لا يعد المخطئ فيها آثما لا يجوز نقض الحكم فيها لا من الحاكم نفسه إذا تغير اجتهاد ولا من غيره اتفاقا لما يلزم من نقضه من التسلسل ، إذ لو جاز النقض لجاز نقض النقض وهكذا إلى مالا نهاية له فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومات ولكن يعمل بالاجتهاد الثاني فيما عدا الأحكام المبنية على الاجتهاد الأول ( نعم ) إن خالف الحكم الناشئ عن الاجتهاد نص كتاب أو سنة أو إجماعا أو ظاهرا جليا ولو قياسا بأن قطع فيه بنفي الفارق نقض ذلك الحكم وكذا إذا حكم حاكم مجتهد على خلاف اجتهاد نفسه بأن قلد غيره فإنه ينقض لمخالفته ما وجب عليه العمل به من الظن أو حكم حاكم مقلد لبعض الأئمة بخلاف اجتهاد إمامه والحال إنه غير مقلد لغير إمامه من المجتهدين حيث قلنا يجوز لمقلد إمام تقليد إمام غير امامه فانه ينقض لمخالفته لنص إمامه الذي هو في حقه لا لإلتزامه تقليده كالدليل في حق المجتهد إما إذا قلد في حكمه غير إمامه حيث يجوز تقليده فلا ينقض حكمه لأنه لعدالته إنما حكم لرجحانه عنده ( ويتفرع ) على ما مر أنه لو تزنوج رجل امراءة بغير ولي باجتهاد منه أدى إلى صحة تزويجه بها ثم تغير اجتهاده واعتقد بطلانه فالمختار عند ابن الحاجب وحكاه الرافعي عن الغزالي وأقره وصححه المصنف تحريمها ( ومقابله ) التفصيل بين أن يتصل به حكم بصحة التزج فلا تحرم وإلا كان نقضا للاجتهاد بالاجتهاد وإلا حرمت وجزم به البيضاوي والصفي الهندي ( ويجري الخلاف ) المذكور فيما إذا قلد المجتهد المذكور مقلد وتزوج بغير ولي لرؤية إمامه صحة ذلك ثم تغير اجتهاد إمامه إلى عدم الصحة فتحرم عليه على الأصح .","part":2,"page":195},{"id":474,"text":"( وإذا أفتى ) المجتهد بشيء ثم تغير اجتهاده بعد إفتائه وجب عليه إعلام المستفتي بتغير اجتهاده ليكف عن العمل بما أفتاه به أولا إن لم يكن قد عمل به وفي الروضة وأصلها في باب القضاء أنه يلزمه إعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض ولا ينقض معموله إن كان قد عمل به لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ومحله إذ كان في محل الاجتهاد فإن تغير بدليل قاطع وجب نقضه كما صرح به الصيمري والصفي الهندي وغيرهما وهو واضح ( ومن اجتهد ) وأفتى بإتلاف شيء فأتلف لا يضمنه المفتي بسبب فتواه بإتلافه إن تغير اجتهاده إلى عدم الاتلاف بدليل ظني لأنه معذور وإن تغير بدليل قاطع ضمن لتقصيره ونقل النووي عن الأستاذ أبي إسحاق أنه إنما يضمن إذا كان أهلا للفتوى وإلا فالمستفتي له مقصر ولم يقيد المصنف هنا لأن الكلام في المجتهد .","part":2,"page":196},{"id":475,"text":"( مسألة ) يجوز أن يقال من قبل الله تعالى لنبي أو عالم على لسان نبي أحكم بما شئت في الوقائع وما حكمت به فهو صواب موافق الحكمي بأن يلهمه الله إياه فيصير قوله من جملة المدارك الشرعية إذ لا مانع من جواز هذا القول ويسمى تفويضا لدلالة القول المذكور على تفويض الحكم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو للعالم ( وقال جمهور المعتزلة ) بمنعه وقال أبو علي الجبائي في أحد قوليه يجوز ذلك للنبي دون العالم واختاره السمعاني لأن رتبة العالم لا تبلغ أن يقال له ذلك وتردد الشافعي في التفويض واختلف في محل تردده فقال إمام الحرمين في الجواز وقال الجمهور في الوقوع مع جزمه بالجواز والمختار على القول بجواز التفويض عند المصنف تبعا لابن الحاجب وغيره إنه لم يقع ولهذا لم يذكررها المصنف في باب الاستدلال ( ومقابل ) المختار ما جزم به موسى بن عمران من المعتزلة من الوقوع مستند إلى حديث الصحيحين لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة أي لأوجبته عليهم والى حديث مسلم (( يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا )) فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ( وأجيب ) بأن ذلك لا يدل على المدعي لجواز أن يكون خير في إيجاب السواك وعدمه وتكرير الحج وعدمه أو يكون ذلك القول بوحي لا من تلقاء نفسه .\r( وفي تعليق ) الأمر باختيار المأمور نحو أفعل كذا إن شئت فعله تردد للاصوليين ( قيل ) بالمنع للتنافي بين طلب الفعل والتخيير فيه .\r( وقيل ) بالجواز وهو الظاهر والتخيير قرينة على أن الطلب غير جازم ويؤيده حديث البخاري أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال (( صلوا قبل المغرب )) قال في الثالثة لمن شاء أي ركعتين كما في رواية أبي داود وهذه المسألة تذكر هنا استطرادا للتنظير وكان حقها أن تذكر في باب الأوامر .","part":2,"page":197},{"id":476,"text":"( مسألة ) التقليد تلقي قول المجتهد بالاعتقاد من غير معرفة دليله من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس وأما أخذ القول مع معرفة دليله فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل كما يقال أخذ الشافعي بقول مالك في كذا وأخذ أحمد بقول الشافعي في كذا ويلزم غير المجتهد المطلق تقليد مجتهد سواء كان المقلد عاميا وهو من لم يبلغ رتبة الاجتهاد أو غيره لقوله تعالى { فأسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإن كان عاميا قلد في جميع المسائل وإن كان لا يقدر على الاجتهاد في بعض المسائل قلد فيما لا يقدر على الاجتهاد فيه بناء على القول بتجزئ الاجتهاد وهو الراجح وعلى عدم التجزئي يقلد في الجميع ( وقيل) إن كان المقلد عالما لزمه التقليد بشرط أن يبين المجتهد للعالم صحة اجتهاده بدليل يدل على صحته ليسلم من لزوم أتباعه في الخطاء الجائز عليه ( ومنع الأستاذ ) أبو إسحاق الاسفرائيني التقليد في المسائل القواطع التي هي أصول الشريعة كالعقائد المتعلقة بوجود الباري وصفاته ( وقيل ) لا يجوز للعالم التقليد وإن لم يكن مجتهدا بل يلزمه معرفة الحكم بدليله لأن له صلاحية المعرفة بخلاف العامي ( وقال الجبائي ) يجوز التقليد في المسائل الاجتهادية دون ما عداها كالعبادات الخمس وكاد أن يدعي الإجماع على النهي عن التقليد وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عنه وقال فهاهنا مالك ينهي عن التقليد وكذلك أبو حنيفة ولم يزل الشافعي في جميع كتبه ينهي عن تقليده وتقليد غيره وقال القاضي أبوبكر الباقلاني ليس في الشريعة تقليد فإنه قبول القول من غير حجة وأقوال المفتين أحكام مقبولة بإجماع لقيام الدليل الشرعي على وجوب العمل بها والله أعلم .","part":2,"page":198},{"id":477,"text":"( اما المجتهد الذي ) اجتهد وظن الحكم باجتهاده فيحرم عليه التقليد ويجب عليه العمل بما ظنه وهذا متفق عليه وإن لم يكن اجتهد ففيه أقوال ( أحدها ) أنه يحرم عليه التقليد في الحادثة مطلقا لقدرته على الاجتهاد وهو الأصح وبه قال أكثر الأصوليين ( ثانيها ) يجوز له التقليد في الحادثة مطلقا لعدم علمه الآن بها وبه قال الإمام أحمد وسفيان الثوري وإسحاق ( ثالثها ) أنه يجوز التقليد للقاضي دون غيره لاحتياجه لفصل الخصومة المطلوب نجازها بخلاف غيره ( رابعها ) يجوز له تقليد الأعلم منه لا المساوى ولا الادون لرجحانه عليه بخلافهما وبه قال محمد ابن الحسن ( خامسها ) جوازه عند ضيق الوقت لو اشتغل بالاجتهاد فيه كصلاة مؤقتة بخلاف ما لم يضق وقته وبه قال ابن سريج ( سادسها ) يجوز له في خاصة نفسه ويمتنع عليه فيما يفتى به غيره ( سابعها ) لا يقلد إلا صحابيا أرجح من غيره فإن استووا تخير حكاه ابن الحاجب عن الشافعي ( ثامنها ) يجوز له تقليد الصحابة فقط ( تاسعها ) يجوز له تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم ( عاشرها ) يجوز التقليد لغيرهم كالقاضي والمفتي فيما أشكل عليه ( قال الشاشي ) حادي عشرها الوقف كما يشعر به كلام إمام الحرمين .","part":2,"page":199},{"id":478,"text":"( مسألة ) إذا تكررت الواقعة للمجتهد فهل يلزمه تجديد الاجتهاد لها أم لا ؟ للمسألة أحوال ( أحدها ) أن يتجدد له ما يقتضى الرجوع عن ظنه فيها ولم يكن ذاكرا للدليل الأول فيجب عليه قطعا كما قاله المصنف وصرح به البرماوي تبعا للزركشي تجديد النظر فيها ويعمل بما أدى اليه اجتهاده ثانيا سواء وافق اجتهاده الأول أم لا لكن حكى الأصوليون قولا بعدم الوجوب بناء على قوة الظن السابق فيعمل به لأن الأصل عدم رجحان غيرها ( ثانيها ) أن لا يتجدد له ما يقتضي الرجوع ولم يكن ذاكرا للدليل الأول فكذلك يلزمه أن يجتهد ثانيا ويعمل بما أداه اليه اجتهاده الثاني وافق الأول أم خالفه ( ثالثها ) أن يكون ذاكر للدليل الأول فلا يلزمه التجديد قطعا سواء تجددله ما يقتضي الرجوع أم لا إذ لا حاجة اليه ومثله العامي الذي يستفتي العالم في واقعة ثم تجددت له تلك الواقعة وقلنا إن المجتهد يعيد اجتهاده فيجب على العامي إعادة السؤال على الأصح لأن المفتي قد يتغير ظنه( وقيل ) لا ومحل الخلاف إذا عرف أن الجواب عن رأي أو قياس أو شك والمقلد حي فإن عرف أن الجواب عن نص أو إجماع فلا حاجة للسؤال كما جزم به الرافعي قال وكذلك إن كان المقلد ميتا وجوزنا أن لا يعيد السؤال قطعا ومقتضى كلام المصنف جريان الخلاف والميت وهو خلاف مقتضى كلام الرافعي .","part":2,"page":200},{"id":479,"text":"( مسألة ) هل يجوز تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل ؟ فيه أقوال ( أحدها ) وهو المشهور ورجحه ابن الحاجب جوازه لوقوعه في زمن الصابة وغيرهم مشتهرا متكررا من غير إنكار فقد كانوا يسألون أحاد الصحابة مع وجود أفاضلهم ( ثانيها ) لا يجوز لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهد فكما يجب الأخذ بالراجح من الأدلة يجب أخذ الراجح من الأقوال والراجح منها قول الفاضل وبه قال أحمد وابن سريج واختاره القاضي حسين وغيره ( ثالثها ) واختاره المصنف أنه يجوز تقليد المفضول لمن يعتقده فاضلا أو مساويا لغيره بخلاف من اعتقد مفضولا كما في الواقع فيمتنع تقليده ( قال المصنف ) ولهذا لا يجب البحث عن الأرجح من المجتهدين لعدم تعين الأرجح للتقليد فإن اعتقد العامي رجحان واحد من المجتهدين على آخر تعين الراجح للتقليد وإن كان مرجوحا في نفس الأمر الذي بنى عليه تعين التقليد وعلى هذا لو اعتقد العامي واحد أرجح علما وواحدا أرجح ورعا فالراجح علما فوق الراجح ورعا على الصح فإنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع ( وقيل ) يقدم الأورع ولا يبعد القول بالتساوي لأن لكل منها مرجحا ( والأصح ) وهو قول الجمهور جواز تقليد الميت لبقاء قوله لان المذاهب لا تموت بموت أربابها كما قاله الشافي رحمه الله ( وقال الإمام الرازي ) بالمنع قال لأنه لابقاء لقول الميت بدليل انعقاد الإجماع بعد موت المخالفين وعورض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين ( وقيل يجوز ) مع فقد مجتهد حي ولا يجوز مع وجوده ( وقال الصفي الهندي ) إن كان الناقل لقول المجتهد الميت مجتهدا في ذلك المذهب جاز تقليده لأنه لمعرفته مداركه يميز بين ما استمر عليه وما لم يستمر عليه فلا ينقل لمن يقلده إلا ما استمر عليه بخلاف غيره قال المصنف وهو غير محل النزاع لأن الكلام فيما إذا ثبت أنه مذهب الميت .","part":2,"page":201},{"id":480,"text":"( ويجوز استفتاء ) من عرف بأهلية الإفتاء أو ظنت أهليته ، وتعرف أهليته باشتهاره بالعلم والعدالة يحصل ظن أهليته بسبب انتصابه والناس مستفوتون معظمون له بالعلم ولا فرق في ذلك بينم أن يكون قاضيا أو لا ( وقيل ) إنما يفتي القاضي في العبادات دون المعاملات لاستغنائه بقضائه فيها عن الإفتاء فعن القاضي شريح أنا أقضي ولا أفتي .\r( ولا يجوز ) استفتاء من جهل أمره أما بالنسبة للعلم والجهل أو بالنسبة للعدالة والفسق على الصحيح لأن الأصل عدم العلم والعدالة ( والأصح ) في جواز استفتائه وجوب البحث عن علمه بالسؤال عنه ممن يعلم حاله ( وقيل تكفى ) الاستفائة بين الناس بوصفه بالعلم وهو ما حكاه في الروضة عن الأصحاب ورجحه ( والأصح ) الاكتفاء بظاهر العدالة عن البحث عنها ( وقيل ) لابد من البحث عنها وهذا إن الوجهان في شخص ظاهر العدالة ولم يخبر باطنه كما قاله النووي .\r( وإذا وجب ) البحث فالأصح الاكتفاء بخبر الواحد العدل بعلمه وعدالته قاله الشيخ أبو إسحاق قال النووي وهو محمول على من عنده معرفة يميز بها الأهل من غيره ولا يعتمد في ذلك خبر أحاد العامة لكثرة ما يتطرق اليه من التلبيس في ذلك يجوز للعامي أن يسأل المفتي عن دليل ما أفتاه به استرشاد الأن بيان الديل ادعى للقبول ولا يجوز سؤاله تعنتا ويلزم العالم ذكر الدليل له إن كان مقطوعا به ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعا به لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه فهم العامي .\r( مسألة ) هل يجوز الإفتاء لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد الملطق ؟ فيه تفصيل ( فمن وصل ) إلى رتبة الاجتهاد المقيد واشتغل بتقرير المذهب إمام معين كما في صفة أصحاب الوجوه جاز له ذلك قطعا .","part":2,"page":202},{"id":481,"text":"( وإن لم يصل ) إلى هذا الرتبة ففيه مذاهب ( اصحها ) أنه يجوز له ذلك إذا كان قادرا على التفريع على الأصول والترجيح للأقوال والوجوه على مذهب إمامه على التفريع على الأصول والترجيح للأقوال والوجوه على مذهب إمامه وكان فقيه النفس حافظا لمذهبه وهو الذي اختاره الآمدي وابن الحاجب وحكي عن الأكثر لوقوع ذلك في الأعصار متكررا شائعا من غير إنكار ( وثانيها ) لا يجوز له الافتاء ولو كان بهذه الصفة لانتفاء وصف الاجتهاد عنه ( وثالثها ) يجوز له الإفتاء عند عدم المجتهد للحاجة اليه لا مع وجوده للاستغناء عنه ( ورابعها ) أنه يجوز للمقلد الإفتاء مطلقا وإن لم يكن قادرا على التفريع والترجيح لأنه ناقل عن إمامه ما يفتي به وإن لم يصرح بنقله عنه كما في زماننا قال العلامة البناني وهذا هو الراجح إنتهى أما العامي إذا عرف حكم حادثة بدليل ليس له الفتيا بها وقيل يجوز وقيل إن كان دليلها من الكتاب أو السنة جاز وإلا فلا ( ويجوز ) خلوا الزمان عن مجتهد مطلقق ومقيد كما ذهب اليه الأكثر خلافا للحنابلة في منعهم خلوا الزمان عن مجتهد مطلق ومقيد كما ذهب اليه الأكثر خلافا للحنابلة في منعهم خلوا الزمان عنه مطلقا وقال ابن دقيق العيد يمتنع خلوا الزمان من المجتهد ما لم يتداع الزمان بتزلزل القواعد الشرعية كما صرح بذلك في شرح العنوان فإن تداعى الزمان بان جاء اشراط الساعة الكبرى كطلوع الشمس من مغربها وتتابع بعد جواز الخلو لم يثبت وقوعه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( لا تزال طائفة من أمتي طاهرين على الحق حتى ياتي أمر الله )) أي الساعة كما صرح بها في بعض الطرق قال البخاري وهم أهل العلم وقيل يقع ويدل له حديث الصحيحين إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا هذا لفظ البخاري وفي مسلم حديث ان بين يدي الساعة أياما يرفع فيها","part":2,"page":203},{"id":482,"text":"العلم ويترك فيها الجهل وفي البخاري إن من اشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل والمراد برفع العلم قبض أهله ويمكن رد الحديث الأول إلى هذه الأحاديث بان يراد بالساعة ما قرب منها فيكون الوقوع ثابتا لسلامة الأحاديث الدالة عن المعارض .\r( وإذا وقعت ) لعامي حادثة فاستفتى فيها مجتهدا فله حالات :\r( الأولى ) أن يكون عقد عمل فيها بفتوى ذلك المجتهد فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في مثل تلك الحادثة بعينها إجماعا كما نقله ابن الحاجب وغيره لأنه قد التزم ذلك القول بالعمل به .\r( الحالة الثانية ) ما إذا لم يشرع في العمل وفيها أقوال ( أحدها ) له الرجوع إلى قول غيره من المجتهدين ( ثانيها ) يلزمه العمل بفتواه بمجرد الافتاء لأنه في حقه كالدليل في حق المجتهد ( ثالثها ) يلزمه العمل بها إذا شرع في العمل الحاقا له بالفراغ منه بخلاف ما إذا لم يشرع فيه وهو احتمال لابن السمعاني ( رابعها ) يلزمه العمل به إن التزمه بأن صمم على التمسك به وإلا فلا ( خامسها ) أنه يلزمه إن وقع في نفسه صحة ذلك وحقيته وإلا فلا حكاه ابن السمعاني وقال انه أقوى الأوجه ( سادسها ) قال ابن الصلاح الذي تقتضيه القواعد أنه يلزمه العمل بفتواه وإن لم يلتزمه ولم تسكن فنفسه لصحته إذا لم يجد مفتيا أخر لتعين الأخذ بقوله وإن وجد مفتيا أخر لزمه تقليد الأعلم الأوثق بناء على وجوب تقليد الأفضل وإن لم يتبين له الأعلم الأوثق تخير ولا يلزمه العمل بقول الأول وقال النووي في الروضة المختار ما نقله الخطيب وغيره أنه إن لم يكن هنالك مفت أخر لزمه بمجرد فتواه وإن لم تسكن نفسه اليه وإن كان هناك مفت أخر لم يلزمه بمجرد فتواه إذ له أن يسأل غيره وحينئذ فقد يخالفه فيجري فيه الخلاف السابق في اختلاف المفتين .","part":2,"page":204},{"id":483,"text":"( الحالة الثالثة ) أن تقع له حادثة غير تلك الحادثة السابقة والأصح أنه يجوز أن يستفتي فيها غيرمن استفتاه في الحادثة السابقة واختاره ابن الحاجب (وقيل) لايجوز له الرجوع بل يتعين عليه استفتاءه لأن سؤاله والعمل بقوله التزام لمذهبه ( وقيل ) يجوز في عصر الصحابة والتابعين ويمتنع في غيره من الأعصار التي استقرت فيها المذاهب واليه ميل إمام الحرمين .\r( وهل يجب ) على العامي أن يلتزم مذهبا معينا أن لا الأصح أنه يجب عليه التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين المقررة وبه قطع الكيا الهراسي واختار المصنف أنه يجب ذلك ولا يفعله تشهيا بل يختار مذهبا يقلده في كل شيء يعتقده أرجح من غيره أو مساويا له لا مرجوحا وإن كان في نفس الأمر كذلك والثاني لا يجب عليه ذلك فيأخذ بما يقع له بهذا المذهب تارة وبغيره أخرى ( ثم ) في المساوي ينبغي للمقلد السعي في اعتقاد أرجحيته فيتجه اختياره على غيره .\r( وإذا التزم ) مذهبا معينا فهل يجوز له الخروج عنه في أقوال ثلاثة ( أحدها ) لا يجوز لأنه قد التزمه وإن لم يجب التزامه ( وثانيها ) لا يجوز ذلك والتزام ما لا يلزم غير ملزم وصححه الرافعي وقال النووي أنه مقتضى الدليل وإن كان على خلاف كلام الأصحاب ( وثالثها ) لا يجوز في بعض المسائل دون بعض ويجوز في جميعها هذا ظاهر عبارة المتن لكن قررها الشارح بأنه لا يجوز في بعض المسائل وهو ما اتصل بالتقليد فيه العمل ويجوز في بعضها وهو ما ليس كذلك ( وعلى القول ) بجواز الخروج فالأصح أنه يمتنع على المقلد تتبع الرخص بأن يختار من كل مذهب ما هو أهون عليه ( قال المصنف ) وخالف أبو إسحاق المروزي أي فجوزه والمنقول في الروضة وأصلها في كتاب الغصب عن أبي إسحاق المذكور متتبع الرخص يفسق وعن أبي هريرة لا يفسق فما نقله المصنف عن أبي إسحاق من التجويز سهو كما قاله الشارح والله أعلم .\r( الفن الثاني علم أصول الدين )","part":2,"page":205},{"id":484,"text":"حيث انتهى الكلام على أصو الفقه فلنشرع تبعا للمصنف في مباحث علم أصول الدين .\r( وهو علم ) يبحث فيه عن ذات الله تعالى وما يجب له ويمتنع من الصفات وأحوال الممكنات والمبداء والمعاد على قوانين الإسلام( ولنقدم ) قبل الخوض في ذلك ما قدمه المصنف من ذكر الخلاف في جواز التقليد في أصول الدين فنقول ( اختلف ) في التقليد على أقوال ( أحدها ) وبه قال الجمهور ورجحه الإمام الرازي والآمدي وغيرهما لا يجوز التقليد فيه بل يجب النظر وجوب عين لأن المطلوب فيه اليقين وقد ذمه الله تعالى في التنزيل بقوله حاكيا عن الكفارا { إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } وحث عليه في الفروع بقوله { فأسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ( ثانيها ) قال العنبري وغيره يجوز التقليد فيه ولا يجب النظر على الاعيان اكتفاء بالعقد الجازم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلا للنظر بالتلفظ بالشهادتين المنبي عن العقد الجازم ويقاس غير الإيمان عليه ودفع الدليل بأنا لا نسلم أن الأعراب ليسوا أهلا للنظر فإن المعتبر النظر على طريق العامة كما أجاب الأعرابي الأصمعي عن سؤاله بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على اللطيف الخبير ؟ وما يذعن أحد من الأعراب أو غيرهم للإيمان فيأتي بكلمتيه إلا بعد أن ينظر فيهتدي لذلك ( أما النظر ) على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وتدقيقها ودفع الشكوك والشبه عنها ففرض كفاية في حق المتأهلين له يكفى قيام بعضهم به وأما غيرهم ممن يخشى عليه من الخوض فيه الوقوع في الشبه والضلال فليس له الخوض فيه ( قال الشارح ) وهذا محمل نهي الشافعي وغيره من السلف عن الاشتغال بعلم الكلام وهو العلم بالعقائد الدينية من الأدلة اليقينية ( وقال البيهقي ) أن نهي الشافعي وغيره عن ذلك إنما هو لاشفاقهم على الضعفة أن لا","part":2,"page":206},{"id":485,"text":"يبلغوا ما يريدون فيضلوا ( وثالثها ) النظر فيه حرام لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار وبخلاف التقليد ( وعلى كل ) من الأقوال الثلاثة تصح عقائد المقلد وإن كان آثما بترك النظر على الأول ، وعلى القول الأول فقد حكى عن الشيخ أبي الحسن الأشعري قول أنه لا يصح إيمان المقلد لعدم حصوله عن النظر وشنع عليه أقام بانه يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين لكن قال الأستاذ عبد الكريم القشيري أنه مكذوب على الأشعري وأنه من تلبيسات الكرامية انتهى وبتقير صحته عنه فقد حمله بعضهم على أنه أراد به أن من اختلج في قلبه شيء من السمعيات القطعية من حدوث العالم أو الحشر أو النبوة وجب أن يجتهد في إزالته بالدليل القطعي فإن على ذلك لم يصح إيمانه والتحقيق كما قاله المصنف في دفع التشنيع في هذه المسألة أن يقال أن أريد بالتقليد الأخذ بقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم كما في تقليد إمام في الفروع مع جويز أن يكون الحق في خلافه فهذا لا يكفى في الإيمان عند أحد لا الأشعري ولا غيره لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن أريد به الاعتقاد الجازم لا لموجب وهو المعتمد فهذا كاف في الإيمان عند الأشعري وغيره ولم يخالف في ذلك إلا أبو هاشم من المعتزلة حيث قال لا يكفي بل لابد لصحة الإيمان من الاستدلال .\r( وقال الآمدي ) وصار أبو هاشم إلى أن من لم يعرف بالله بالدليل فهو كافر لأن ذد المعرفة النكرة والنكرة كفر وأصحابنا مجمعون على خلافه انتهى أي وإنما اختلفوا في معتقد الحق بغير دليل فمنم من قال هو عاص ومنهم من قال ليس بعاص .","part":2,"page":207},{"id":486,"text":"( إذا علمت ما مر ) فأعلم أنه يجب على المكلف أن يعتقد اعتقادا جازما أن الله سبحانه وتعالى موجود لا يجوز عليه العدم لا سابقا ولا لاحقا ( والدليل على وجوده ) وجود العالم وهو ما سواه تعالى علويا كان أو سفليا جوهرا أو عرضا وطريق الاستدلال به أن تقول العالم متعير بالمشاهدة وكل متغير حادث فالعالم حادث وكل حادث لابد له من محدث فالعالم له صانع محدث له، وذلك الصانع هو الله تعالى كما جاء به السمع ودل عليه العقل فإن أحدنا لا يقدر على خلق جارحة لنفسه ولا لغيره وهذه طريقة الخليل عليه السلام حيث استدل على حدوث الكواكب بتغيرها وأفولها وقد سماها الله تعالى حجة قال تعالى { وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه } ( فمن شاهد ) هذا العالم وإحكام صنعته وترتيب خلقته استدل وعلم يقينا أنه لابد له من صانع متصف بكل كمال ألا ترى أن من رأى ثوبا حسن النسج والتأليف ، متناسب التطريز والتطريف ثم توهم حدوثه وانفعاله بنفسه كان مخلوعا عن غريزة العقل منخرطا في سلك أهل الغباوة والجهل قال الله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحياء به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لأيات لقوم يعقلون } .","part":2,"page":208},{"id":487,"text":"( ويجب اعتقاد ) انه سبحانه وتعالى واحد لا ثاني له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ( ومعنى الواحد ) الشيء الذي لا ينقسم بوجه لا بالفرض ولا بالوهم ولا بأجزاء الحد ( فمعنى ) وحدانيته جل وعلا في ذاته أن ذاته الكريمة ليست مركبة من أجزاء وأنه ليست هناك ذات تشاكل ذاته تعالى ( ومعناها ) في صفاته أنه ليس له صفتين من جنس واحد كقدرتين أو إرادتين أو علمين وهكذا وأنه ليس لغيره صفة تشابه صفاته تعلاى من علم أو قدرة أو إرادة أو غير ذلك ( ومعناها ) في الأفعال أنه ليس لغيره فعل من الأفعال ولا شريك له فيها .\r( والديل على ذلك ) عقلا أنه لو كان للعالم صانعان مثلا لجاز أن يريد أحدهما شيئا ويريد الأخر نقيضه كحركة زيد وسكونه فيمتنع وقوع مراديهما لاستلزامه اجتماع النقيضين وعدم وقوعهما لامتناع ارتفاع النقيضين فيتعين وقوع أحدهما فيكون مريده هو الإله له دون الأخر لعجزه فلا يكون الإله إلا واحد ( وأولى ما استلد به ) كلام الله تعالى قال عز وجل { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } وقال تعالى { إنما إلهكم إله واحد } وقال تعالى { قل هو الله أحد } إلى غير ذلك .\r( ويجب ) اعتقاد أنه تعالى قديم بذاته وصفاته لا تتطرق اليه سمات الحدوث أي لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له ( ودليله ) أنه لو كان لوجوده ابتداء لكان حادثا لاحتاج إلى محدث ومحدثه إلى محدث ويتسلسل وهو محال .","part":2,"page":209},{"id":488,"text":"(ويجب ) اعتقاد أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحوادث مخالفة مطلقة من جميع الوجوه فليس مماثلا لشيء منها لا في الذات ولا في الصافت ولا في الأفعال ( ودليله ) أنه لو كان مماثلا لشيء من الحوادث لكان حادثا مثله لكن كونه حادثا محال لما تقدم من وجوب قدمه تعالى ( قال المحققون ) ليست حقيقته تعالى معلومة للخلق في الدنيا واليه ذهب القاضي أبوبكر الباقالاني وإمام الحرمين والغزالي والكيا الهراسي وحكاه الإمام فخر الدين الرازي عن جمهور المحققين قال وكلام الصوفية يشعر به ولهذا قال الجنيد والله ما عرف الله إلا الله ( وذهب ) كثير من المتكلمين إلى أنها تعلم للناس في الدنيا لأنهم مكلفون بالعلم بوحدانيته وهو متوقف على العلم بحقيقته .\r( ورد ) بمنع التوقف بل الحق الواضح أنه لا سبيل إلى معرفة ذاته تعالى ولا يحاط بكنه عظمته لا بديهة ولا حدا ولا رسما ، وقد أرشدنا سبحانه وتعالى إلى قطع الطمع عن معرفة ذاته فقال عمز من قائل ولا يحيطون به علما وإذا قصرت عقولنا عن معرفة الروح والنفس والعقل التي هي معنا لا تفارقنا فكيف نطمع في معرفة الذي خلقا ، قال الصديق رضوان الله عليه العجز عن درك الإدراك إدراك وقد قيل :\rحقيقة المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفية الجبار في القدم","part":2,"page":210},{"id":489,"text":"وإنما يعرف الخالق جل وعلا بصفاته ولذلك أعرض موسى عليه الصلاة والسلام حين سأله فرعون الحقيقة حيث قال ومأرب العالمين أي شيء هو فأجاب بالصفة إرشادا له إلى أن الحقيقة لا تدرك قائلا رب السماوات والأرض وما بينهما ( واختلفوا أيضا ) هل يمكن العلم بالحقيقة في الآخرة فمن ذهب إلى تجويز ذلك في الدنيا فهو في الآخرة أشد تجويزا ومن منعه في الدنيا فاختلفوا فقال بعضهم نعم لحصول الرواية فيها كما سيأتي وقال بعضهم لا والرؤية لا تفيد الحقيقة قال الكمال والصحيح كما قال البلقيني أنه لا سبيل للعقول إلى ذلك مطلقا وهذا هو الحق بلا ريب ( ويندرج في وجوب اعتقاد مخالفته تعالى للحوادث وجوب اعتقاد أنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لأنه تعالى منزه عن الحدوث وهذه كلها حادثة إذ هي أقسام العالم القطعي الحدوث كما مر ( وأنه تعالى ) لم يزل وحده ولا زمان ولا مكان ولا قطر ولا أو أن ولا خلا ولا ملا وفي الحديث كان الله ولا شيء معه ثم أحدث الله هذا العالم من سماوات وأضين وأفلاك وأبراج من غير احتياج اليه لأن الاحتياج نقص والله جل وعلا منزه عن النقائص ولو شاء لما اخترعه إذ هو فاعل بالاختيار كما قاله أهل الحق لا بالطبع ولا بالعلة كما يقول الفلاسفة ولم يحدث بابتداعه في ذاته حادث فليس كغيره محلا للحوادث لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبه شيء ويدل على أنه فاعل بالاختيار قوله تعالى في كتابه العزيز فعال لما يريد وعلى عدم المشابهة قوله تعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .","part":2,"page":211},{"id":490,"text":"( ويجب اعتقاد ) إن القدر خيره وشره منه تعالى بخلقه وإرادته والدليل على عموم القدر للخير والشر قوله تعالى { ونبلوكم بالخير والشر فتنة } وقوله عزو من قائل { وإذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له } ( وقد خالف المعتزلة وجنحوا عن الحق في قولهم إن الله تعالى مقدر الخير لا الشر كما أشار إلى مذهبهم في ذلك قاضيهم عبد الجبار مخاطبا للأستاذ أبي إسحاق الاسفراءيني في مجلس الصاحب ابن عباد بقوله سبحان من تنزه عن الفحشاء فأجابه الأستاذ بقوله سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشا فقال عبد الجبار أيشاء ربنا أن يعصى فقال الأستاذ يعصي ربنا قهرا فقال المعتز لي أرأيت أن منعني الهدى وقضى على بالردى أحسن إلى أم أمساء فقال أن منعك ما هو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء فانقطع المعتزلي عن المناظرة وانصرف الحاضرون وهم يقولن والله ما عن هذا جواب .","part":2,"page":212},{"id":491,"text":"( ويجب ) اعتقاد أن علمه تعالى شامل لجمعي المعلومات الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة في الليلة الظلماء محيط علمه بجميع الأشياء كما قال تعالى { أحاط بكل شيء علما } { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } وإن قدرته تعالى شاملة لكل المقدورات متعلقة بجميع الممكنات وما علم الله أنه بكون فقد أرد وجوده وما علم أنه لا يكون فلا يريد وجوده فإرادته تعالى تابعة لعلمه عند أهل الحق ( وخالف ) المعتزلة وجعلوا الإرادة تابعة للأمر وقالوا إن الله لا يريد الشرورو والقبائح وأنه أراد من الجميع الإيمان فأجاب المؤمن وامتنع الكافر وقد ضلوا بذلك عن سواء السبيل ويلزمهم على ذلك أن المعاصي الواقعة في الكون إن كان الله لا يريدها وإنما هي جارية على وفق مراد عدوه إبليس اللعين أن الجاري على وفق إرادة العدوا أكثر من الجاري على وفغق إرادته تعالى وهذا غاية العجز والضعف تعالى رب الأرب عما يقول الظالمون علوا كبيرا قال تعالى } يضل من يشاء } { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } وقال تعالى { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } .","part":2,"page":213},{"id":492,"text":"( ثم صفات الذات ) الواجب اعتقاد وجوبها له سبحانه وتعالى واستحالة أضدادها عليه منقسمة إلى قسمين ما يدل عليها فعله المتوقف عليها وهي أربع ( القدوة ) وهي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى يوجد بها ويعدم ما أراد إيجاده أو إعدامه من الممكنات ( وضدها ) المستحيل عليه سبحانه وتعالى العجز والدليل على ذلك أنه لو كان في الإمكان أن يكون عاجزا لم يوجد شيء من هذه المخلوقات ( والعلم ) وهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى يعلم بها الأشياء الواجبات والجائزات والمستحيلات ما جود منها وما لم يوجد على ما هي به ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالذهول والغفلة والظن والشك والوهم كيف لا وهو القائل وهو بكل شيء عليم ( ودليله ) العقلي أنه لو لم يكن عالما لكان جاهلا ولو كان جاهلا لم يكن مريدا ولم يكن مريدا لكان كارها ولو كان كارها لم يكن قادرا وقد تقدم أنه محال ( والإرادة ) وهي صفة وجودية قائمة بذاته يخصص بها الممكن ببعض ما يجوز عليه كتخصيصه زيدا بالوجود وعمرا بالفانا وكتخصيصه بعض عباده بالغنى وبعضهم بالفقر وبعضهم بالعلم وبعضهم بالجهل إلى غير ذلك من الممكنات المتقابلات ( وضدها ) المستحيل عليه تعالى الكراهية لشيء أوجده أو اعدمه بعمنى عدم الإرادة له ( والدليل ) على ذلك أنه لو كان كارها لكان عاجزا وكونه عاجزا محال ( والحياة ) وهي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى تصحح له أن يتصف بصفات المعاني ( ويستحيل ) عليه ما يضادها لأنه لو لم يكن حيا لم يصح كونه مريدا ولا عالما ولا قادرا وعدم كونه كذلك محال .","part":2,"page":214},{"id":493,"text":"( والقسم الثاني ) ما يدل عليه تنزيهه تعالى عن النقائص وهي أربع ( السمع والبصر ) وهما صفتان وجوديتان قائمتان بذاته تعالى ينكشف بهما الموجود فيسمع سبحانه ويرى ذوات الكائنات كلها وجميع صفاتها الوجودية سواء كانت أجساما أو ألوانا أو أصواتا أو أكوانا أو غيرها ولانكشاف بهما ليس على سبيل التوهم أو التخيل أو تأثر حاسة أو وصول هواء أو شعاع والانشكاف بكل منهما مغاير للانكشاف بالاخر وللانكشاف بالعلم إلا أنا لا نعلم كيفية التقارير والعقل لما لم يدرك الكنه التجاء إلى السمع والمسع إنما دل على مجرد إثباتهما فقط ( ويستحيل ) عليه ضد كل منهما ( والدليل ) على ذلك الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى { إني معكما أسمع وأرى } وقال تعالى { وهو السميع البصير } وقال عليه السلام (( أربعوا على أنفسكم فإنمكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا بصيرا )) إلى غير ذلك ( والكلام ) وهو صفة وجودية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت دالة على جميع الأمور وهو غير مخلوق ولا حادث وكما يطلق كلام الله على الصفة القديمة كما ذكرنا يطلق أيضا حقيقة لا مجازا على الألفاظ المقروة بالألسن وعلى المحفوظ في القلوب وعلى المكتوب في المصاحف ( وأنكر المعتزلة ) الكلام النفسي وقالوا إن الله متكلم بمعنى خالق للكلام في غيره كما لشجرة مثلا ومشأ هذا من زعمهم أن الكلام لا يكون الا حروفا وأصواتا وأسقط أهل السنة حصرهم الكلام في الحروف والأصوات عن الاعتبار لإطلاق العرب الكلام على ما في النفس وهو ليس بحروف ولا أصوات ففي التنزيل ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول وقال عمر رضي الله عنه يوم السقيفة زورت في نفسي مقالة وقال الأخطل :\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا","part":2,"page":215},{"id":494,"text":"( والدليل ) على اتصافه تعالى به قوله تعالى { وكلم الله موسى تكليما } وقوله عز وجل { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ( والبقاء ) وهو استمرار الوجود إلى ما لانهاية له فيستحيل عليه الفناء ( والدليل ) على ذلك أنه لو كان في الإمكان أن يكون فانيا لكان حادثا وكونه حادثا محال ( فهذه ثمان صفات ) الأربع الأولى منها ما دل عليه فعله تعالى والأربع الثانية ما دل عليها التنزيه ( وذهب الفلاسفة ) وقدماء المعتزلة إلى نفي صفات الذات وقالوا لو ثبتت لكانت قديمة فيلزمه تعدد القديم وهو محال ( وأجيب ) بأن المحال إنما هو تعدد الذوات القديمة لا الذات مع الصفات .\r( أما صفات الأفعال ) كالخلق والرزق والأحياء والإماتة فليست أزلية بل هي عند الأشعري حادثة متجددة ولا يصح عنده وصفه بها في الأزل فإن الخالق حقيقة من صدر منه الخلق فلو كان قديما لزم قدم الخلق ( وذهب ) الحنفية إلى قدمها أيضا ، وقالوا لا يجوز أن تحدث له صفة لم يكن متصفا بها والحق أنه لا محذور في اتصافه تعالى بذلك مع حدوثه فالخالق من شأنه الخلق أي هو الذي بالصفة التي يصح بها الخلق وهي القدرة كما يقال للسيف وهو في الغمد قاطع ، ويقال للماء وهو في الكوز مرو أي الذي شأنه القطع والارواء ( ولا تنحصر ) صفات الله تعالى فيما مر ذكره منها بل يجب أن نعتقد أن له سبحانه وتعالى كمالات لا تنحصر ولا تتناهى ، ثم كل ما ورد في الكتاب العزيز والسنة نعتقد ما كان ظاهر المعنى منه لا إشكال فيه في حق الله تعالى كما ورد","part":2,"page":216},{"id":495,"text":"( وإن ) كان مشكل المعنى كان اوهم ظاهره الحدوث والمشابهة نعتقد أنه من عند الله جاء به رسول الله ونعتقد مع ذلك تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الشبيه والمماثل وكل نقص وذلك كقوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } ويبقى وجه ربك } { ولتصنع على عيني } { يد الله فوق أيديهم } { يا عيسى إني رافعك إلى } ، وكقوله عليه الصلاة والسلام (( إن قلوب بني أدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ينزل ربنا إلى السماء الدنيا )) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث .\r( ولأئمتنا ) أهل السنة بعد اعتقاداته من عند الله وتنزيه الله عن الشبيه والمماثل مع اتفاقهم على أن الجهل بتفصيله لا يقدح في عقيدتنا قولان ( أحدهما ) تفويض العلم إلى الله وعدم التأويل وهذا مذهب السلف وهو أسلم ( والثاني ) التأويل لما ظاهره لا يليق بجلال الله وكماله فإن وجد للتأويل محل يسوغه العقل حمل عليه وإلا فوض العلم إلى الله وهذا مذهب الخلف ومن بعدهم وهذا القول أعلم .\r( والمؤولون قسمان ) فألاقدمون كانب فورك يحملون ما ظاهره إيهام أمر لا يليق به تعالى على مجازاتها الراجعة إلى الصفات الثابتة له فحملوا الاستواء على الإستيلاء والميد في الآية على القدرة أو النعمة والعين على الإدراك أو الحفظ والوجه على الذات وجعلوا الأحاديث من باب التمثيل وهكذا كل مشكل يؤول بما نياسب المقام ( والقسم ) الثاني من المؤولين وأكثرهم من الحنابلة جعلوا هذه المشكلات صفات له تعالى فقالوا في الاستقراء أنه يتصف بصفة تسمى الاستواء وفي اليد أنها صفة تسمى اليد لأنها استعارة من القدرة بل كما أنه يتصف بصفة تسمى قدرة مثلا يتصف بصفة تسمى يدا وهكذا ولكن لا نعرف معناها وكلهم سالمون إن شاء الله والمذهبان الأولان هما المعول عليهما عند اهل التحقيق والله أعلم .","part":2,"page":217},{"id":496,"text":"( ويجب ) اعتقاد أنه سبحانه وتعالى يثيب من أطاعه على الطاعة فضلا منه لا وجوبا عليه خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوبه عليه تعالى الله عن ذلك ويعاقب من عصاه إلا أن يغفر غير الشرك عدلا وإن الشرك لا يغفر لقوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به } وله سبحانه وتعالى إثابة العاصي في قوله تعالى { فأما من طغى وأثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي الماوى ، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي الماوى } ( وله سبحانه وتعالى ) إيلام الدواب والأطفال بالقصاص في الآخرة لأنهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم (( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء )) رواه مسلم وليس التعذيب والإيلام بظلم منه تعالى فإنه يستحيل اتصافه بالظلم لقوله تعالى { ولا يظلم ربك أحدا } وقوله { إن الله لا يظلم الناس شيئا وما ربك بظلام للعبيد } ( وأن رؤيته ) سبحانه وتعالى في الآخرة جائزة فيراه المؤمنون بأبصارهم قبل دخول الجنة وبعدها رؤية تليق به من غير جهة ولا جرمية ولا تحيز لأنه سبحانه علق الرؤية باستقرار الجبل واستقرار الجبل جائز فيكون المعلق عليه من الرؤية جائز ولقوله تعالى { وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة } ( واختلف ) في جوازها في الدنيا يقظة فقيل نعم لأن موسى طلبها حيث قال { رب أنني أنظر اليك } وهو لا يجهل ما يجوز ويمتنع على ربه ( وقيل لا ) وهو قول المعزلة لأن قوم موسى طلبوها فعوقبوا ودفع بأن عقابهم لعنادهم ( واختلف أيضا ) هل تجوز رؤيته في المنام فقيل نعم وعليه معبروا الرؤيا كما روى عن الإمام أحمد أنه قال رأيت رب العزة في المنام الخ وقيل لأن المرئ في المنام خيال ومثال وذلك على القديم محال ودفع بأنه لا استحالة لذلك في المنام .","part":2,"page":218},{"id":497,"text":"( والسعيد ) هو من كتبه الله في علمه القديم الأزلي سعيدا والشقي من كتبه الله في الأزل قشيا ثم المكتوبان في الأزل من اسعاد واشقاء لا تيبدلان أما المكتب في غير الأزل كاللوح المحفوظ فقد يتبدل فيمكن أن ينقلب السعيد شقيا والشقي سعيدا قال الله تعالى { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( وذكر الواحدي) من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمحوا الله ما يشاء ويثبت إلا الاسعاد والشقاوة والموت وهذا أصح نص في الباب ( ومن علم الله ) سبحانه وتعالى موته مؤمنا فليس بشقي بل هو سعيد وإن تقدم منه كفر وقد غفر ( ومن ) علم موته كافرا فليس بسعيد بل هو شقي وإن تقدم منه إيمان وقد حبط وفي قول للأشعري تبين أنه لم يكن إيمانا فالسعادة الموت على الإيمان والشقاوة الموت على الكفر ( ويترتب ) على السعادة الخلود في الجنة وعلى الشقاوة الخلود في النار قال تعالى { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها } وقال { وأما الذين شقوا ففي النار خالدين فيها } ( وقال الأشعري ) وأبوبكر الصديق رضي الله عنه ما زال بعين الرضا منه تعالى وهذا مرتب على ما سبق من عدم التبديل في السعادة والشقاوة قال أبو زرعة وظن بعض الحنفية أن الأشعري يقول كان مؤمنا قبل البعثة وليس كذلك ، ثم قال والأظهر اطراده في كل من مات مؤمنا .\r( والرضا والمحبة ) منه تعالى غير المشيئة والإرادة على ما اختاره المصنف أي فإن معنى الأولين المترادفين أخص من معنى الثانيين المترادفين إذ الرضا المحبة والمشيئة والإرادة من غير اعتراض والأخص غير الأعم ( وحيث ثبتت ) المغايرة بينهما فلا يرضى لعباده الكفر مع وقوعه من بعضهم بمشيئته وإرادته { ولو شاء ربك ما فعلوه } .","part":2,"page":219},{"id":498,"text":"( وذهب الجمهور ) كما حكاه الآمدي إلى أن الكل بمعنى واحد وأجاب عن قوله تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } بجوابين ، أحدهما أنه لا يرضاه دينا وشرعا بل يعاقب عليه ، ثانيهما أن المراد بالعباد المؤمنين ولهذا شرفهم بالإفاضة الىيه في قوله عز وجل { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } وبقوله تعالى { عينا يشرب بها عباد الله } ( وقالت المعتزلة ) الرضا والمحبة نفس المشيئة والإرادة وقد سبق ما فيه .\r( والله سبحانه هو الرزاق ) كما قال تعالى { إن الله هو الرزاق ذوا القوة المتين } وقالت المعتزلة من حصل له رزق بتعب فهو الرزاق لنفسه أو بغير تعب فالله الرزاق له ( وذهب الأشاعرة ) إلى أن الرزق ما ينتفع به سواء كان حلالا أو حراما ، وقالت المعتزلة لا يكون الرزق إلا حلالا وقالوا إن الرحام ليس من رزق الله للعبد وهو مبني على أصلهم الفاسد في التقبيح العقلي ، وقالوا الرزق ما يملكه العبد والحرام غير مملوك .\r( ويلزمهم ) أن من لم يأكل طول عمره إلا حراما لم يرزقه الله تعالى شيئال وإن الدواب لم ترزق لأنه لا يتصور لها الملك ، ويرده قوله تعالى { وما من دابة في الأرض على الله رزقها } ( وقد تمرد ) بعض المعتزلة في بعض المجالس لنصرة مذهبه مغالطا فقال الرزق مأمور بالاتفاق منه ولا شيء من المأمور به بحرام ينتج أن الرزق ليس بحرام ودليل الصغرى قوله تعالى { وانفقوا مما رزقناكم } ودليل الكبرى الإجماع ( وكشف ) هذه المخالطة أن قضية القياس الصغرى مهملة وهي في حكم الجزئية والقياس المركب من غصرى موجبة جزئية وكبرى سالبة كلية تكون نتيجته من الشكل الأول سالبة جزئية فتكون نتيجة قياسه ليس بعض الرزق بحرام كما هو مقرر في كتب الميزان .","part":2,"page":220},{"id":499,"text":"( ونعتقد ) ان بيده سبحانه وتعالى الهداية لمن يشاء والإضلال لمن يشاء والهداية خلق الاهتداء وهو الإيمان قال الله تعالى { يضل من يشاء } وقال تعالى { وأضله الله على علم } وقال تعالى { من يهدي الله فهو المهتد } ( وزعمت ) المعتزلة أن الضلال والإهتداء بيد العبد بهدي نفسه ويضلها بناء على قولهم أن العبد يخلق أفعال نفسه ( واختلف ) في معنى التوفيق أيضا فقال الأشعري والأكثر هو خلق القدرة والداعية إلى الطاعة في العبد وقال إمام الحرمين خلق الطاعة لا خلق القدرة لأن القدرة الحادثة لا تأثير لها في متعلقها قال الآمدي والأول أوفق بالمعنى اللغوي ( والخذلان ) ضد التوفيق فيعود فيه الخلاف في أنه خلق قدرة المعصية أو خلق المعصية ( واللطف ) ما يقع عنده صلاح العبد في آخرته بالطاعة والإيمان دون فساده بالكفر والعصيان وهذا مذهب أهل السنة ( وقالت المعتزلة ) اللطف ما يختار المكلف عنده الطاعة تركا أو اتيانا ( والختم والطبع ) والأكنة والاقفال الواردة في القرآن نحو ختم الله على قلوبهم طبع الله عليها بكفرهم جعلنا على قلوبهم أكنة أم على قلوب أقفالها مترادفة فهي عبارات عن معنى واحد وهو خلق الضلالة في القلب ( وخالف ) المعتزلة بناء على مذهبهم من أن الشر من النفس وأولوا هذه الألفاظ بتأويلات مردودة في محالها .\r( وفي كون ما هيات الممكنات ) مجعولة أي مخلوقة لله أوجدها بعد إن لم تكن أقوال ثلاثة ( أصحها ) وهو قول أهل السنة انها مجعولة .","part":2,"page":221},{"id":500,"text":"( والثاني ) وهو قول الفلاسفة والمعزلة أنها غير مجعولة ورده الفخر الرازي بأنه يلزم منه انكار الصانع ( وثالثها ) التفصيل وهو أن المركبة كالسواد الملتئم من اللونية وما يجمع البصر مجعولة والبسيطة كالجواهر غير مجعولة ( ومعنى هذا الخلاف ) أن المعدومات الممكنة قبل دخولها في الوجود هل تأثير الفاعل هو في جعلها ذوات وفي جعل تلك الذوات موجودة قال شارح المواقف وهذا الخلاف مبني على الخلاف الآتي في المعدوم هل هو شيء أم لا فمن قال كأهل السنة أنه ليس بشيء ولا ثابت جعل الماهية مجعولة ومن قال كالمعتزلة أنه شيء جعل الماهية ثابتة في حالة العدم ولا تأثير للصانع في المعدوم إذا أوجده إلا في إعطاء صفة الوجود فلم يجعل الماهية مجعولة وإنما المجعول وجودها ومن فصل بين البسيط والمركب قال أن المركب محتاج إلى ضم أجزائه بعضها إلى بعض فيكون مجعنولا بخلاف البسيط فإن الجوهر جوهر وجد الغير أم لا انتهى ( وكان ) حق هذه المسألة أن تذكر عقب مسألة المعدوم الآتية وإنما ذكرنا هنا مجاراة لسياق المتن .","part":2,"page":222},{"id":501,"text":"( ومما يجب اعتقاده ) أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأيدهم بالمعجزات الخارقات والآيات الباهرات لتقوم بذلك حجته الظاهرة على الخلق ( وانكر ذلك ) طوائف من الفلاسفة وغيرهم وانكروا ما تيرتب عليه من الحشر والنشر والجنة والنار أعاذنا الله من هذه الضلالات المهلكات ( ثم ) إنه عز وجل خص من بينهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه خاتم النبيين ، وبانه المبعوث إلى الخلق أجمعين كما في حديث مسلم وأرسلت إلى الخلق كافة وفسر بالإنس والجن والصحيح أنه عليه السلام لم يرسل إلى الملائكة رسالة تكليف بل رسالة تشريف ( وخص أيضا ) بأنه المفضل على جميع العالمين من الأنبياء والملائكة وغيرهم فلا يشاركه غيره من الأنبياء فيما ذكر والمفضل بعده عليه الصلاة والسلام الأنبياء فإنهم أفضل من الملائكة وفي المسألة خلاف والأصح ما هنا ثم الملائكة على سائر البشر غير الأنبياء وفي عقائد النفسي رسل البشر أفضل من رسل الملائكة ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة ( والمعجزة ) التي أيد الله بها الرسل هي أمر خارق للعادة بأن يظهر على خلافها مقرون ذلك الأمر الخارق بالتحدي من الرسل مع عدم المعارضة من المرسل إليهم بان لا يظهر منهم مثل ذلك الخارق والتحدي دعوى الرسالة والحث على المعارضة كقوله تعالى { فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين } ( فخرج ) بالخارق غيره كطلوع الشمس كل يوم ( وخرج ) الخارق الذي لم يقترن بتحد فإنه ليس معجزة بل إن وقع لولي فكرامة أو لغيره فمعونة او استدراج والخارق المقتدم على التحدي كتسليم الحجر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظلال الغمام له قبل البعثة فإنه إرهاص ( وخرج بقيد المعارضة السحر والشعبدة من المبعوث إليهم إذ لا معارضة بذلك .\r( وأركان الدين ) ثلاثة الإيمان والإسلام والإحسان .","part":2,"page":223},{"id":502,"text":"( فالإيمان ) هو تصديق القلب بكل ما علم بالضرورة مجيئ الرسول به من عند الله كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وكافتراض المكتوبات الخمس والزكاة والصيام والحج ( فإن قيل ) التصديق من الكيفيات النفسانية لا يتعلق التكليف بحصولها لأنها غير اختيارية ( قلنا ) المراد بالتكليف بالإيمان التكليف بأسبابه كالقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس ورفع الموانع ولا يعتبر التصديق المذكور في الخروج به عن عهدة التكليف بالإيمان إلا مع التلفظ بالشهادتين من المكلف القادر على التلفظ بهما لأن تصديق القلب أمر خفي لا إطلاع لنا عليه فأناط الشارع ثبوته بالنطق بالشهادتين حتى يكون المنافق مؤمنا فيما بيننا كافرا عند الله قال الله تعالى { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا } ( وهل التلفظ ) بالشهادتين شرط في الإيمان في إجراء أحكام الإيمان الدنيوية من التوارث والمناكحة وغيرهما غير داخل في مسمى الإيمان أو شطر من الإيمان أي جزء من مسمى الإيمان فيه تردد للعلماء ( وذهب ) جمهور المحققين إلى أنه شرط له فيكون من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه مع تمكنه من الإقرار كأبي طالب مؤمنا عند الله قال الغزالي كيق يعذب من قلبه معلق بالإيمان وهو المقصود الأصلي غير أنه لخفائه يناط الحكم بالإقرار الظاهر انتهى وعلى هذا فهو مؤمن عند الله غير مؤمن في أحكام الدينا عكس المنافق وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في الإرشاد ( وذهب ) بعضهم كشمس الأئمة وفخر الإسلام و الحنفية وكثير من الفقهاء إلى أنه شطر للإيمان وعليه فمن اخترمته المنية وهو مصدق بقلبه قبل اتساع وقت الإقرار بلسانه يكون كافرا قال القاضي عياض في الشفا والصحيح أنه مستوجب للجنة .","part":2,"page":224},{"id":503,"text":"( والإسلام ) أعمال بالجوارح من الطاعات وبذلك فسره النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله جبريل عنه فقال (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا )) هذا لفظ رواية مسلم ولكن لا تعتبر الأعمال المذكورة ولا يخرج بها عن عهدة التكليف بالإسلام إلا مع الإيامن الذي هو التصديق القلبي فالإيمان شرط للاعتداد بالعبادات فلا ينفك الإسلام المنجي عن الإيمان .\r( والإحسان ) أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك هكذا فسره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جبريل فالإيمان مبدأ والإسلام وسط والإحسان كمال والدين الخالص شامل للثلاثة ( والفسق ) بارتكاب كبيرة أو اصرار على صغيرة لا يزيل الإيمان عند أهل السنة خلاف للمعتزلة في زعمهم أنه يزيله بمعنى أنه واسطة بين الإيمان والكفر بناء على زعمهم أن الأعمال جزء من الإيمان والشيء ينتفي بانتفاء جزئه وعلى الأول فمن مات من المؤمنين على فسقه غير تائتب فهو تحت مشيئة الله تعلاى إن شاء عاقبه ثم يدخل الجنة وإن شاء سامحه وأدخله الجنة بغير عقوبة والمسامحة إما بمجرد فضل الله تعالى من غير واسطة وإما بواسطة الشفاعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .","part":2,"page":225},{"id":504,"text":"( وقالت المعتزلة ) لا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه بل يخلد الفاسق في النار قال بعض العلماء يكفي منكر الشفاعة أن يحرم منها ففي الحديث عن أنس (( من كذب بالشفاعة لم يكن له نصيب منها )) وأما ما احتجوا به من قوله تعالى { وما لللظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } فمخصوص بالكفار جمعا بين الأدلة ( وأول شافع ) يوم القيامة وأولاه بالشفاعة حبيب الله سيدنا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله عليه السلام (( أنا أول شافع وأول مشفع )) رواه الشيخان ( وله عليه الصلاة والسلام ) شفاعات خمس أعظمها في تعجيل الحساب والإراحة من طول الوقوف وهي مختصة به عليه الصلاة والسلام اتفاقا وهذه لا ينكرها المعزلة ولا غيرهم ( الثانية ) في إدخال قوم الجنة بلا حساب ولا عقاب وجعلها النووي كالقاضي عياض مختصة به عليه السلام وتردد ابن دقيق العيد في ذلك ووافقه والد المصنف وقال لم يرد فيه شيء ( الثالثة ) فيمن استوجب النار حتى لا يدخلها كما تقدم ( الرابعة ) في إخراج من أدخل النار من الموحدين ويشاركه في هذه الأنبياء والملائكة والمؤمنون ( الخامسة ) في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وجوز النووي اختصاصها به عليه السلام .\r( ولا يموت أحد ) إلا بأجله والأجل هو الوقت الذي كتب الله في الأزل انتهاء الحياة فيه وهذا في غير المقتول بالاجماع وفي المقتول على المعتمد وهو قول أهل السنة وبعض المعتزلة كأبي علي الجبائي وابنه ابي هاشم لقوله تعالى { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ( وزعم كثير ) من المعتزلة أن القاتل قطع بقتله أجل المقتول وأنه لو لم يقتل لعاشر أكثر من ذلك متمسكين بحديث الطبراني أن المقتول يتعلق بقاتله يوم القيامة ويقول رب ظلمني وقتلني وقطع أجلي ( وأجيب ) عنه بانه متكلم في إسناده وعلى تقدير صحته فهو محمول على الأجل الموهوم كما قاله شيخ الإسلام .","part":2,"page":226},{"id":505,"text":"( والنفس ) وهي هنا الروح الحيواني باقية بعد موت البدن منعمة أو معذبة لقوله تعالى { قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } والقول إنما يصح من الحي وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم وخالفت الفلاسفة بناء على انكارهم المعاد الجسماني وفي بقائها عند القيامة تردد قيل تفنى عند النفخة الأولى كغيرها توفية لقوله تعالى { كل من عليها فان } ثم تعاد بعد ذلك قال والد المصنف والأظهر أنها لا تفنى أبدا لأن الأصل في بقائها بعد الموت استمرار ذلك البقاء فتكون من المستثنى بقوله تعالى { إلا من شاء الله } ( وفي فناء عجب الذنب ) قولان أشهرهما أنه لا يبلى لحديث الصحيحين ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة وقال اسماعيل المزني الصحيح أن عجب الذنب يبلى كغيره لقوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } وتأول الحديث المتقدم بانه لا يبلى بالتراب بل بلا تراب كما يميت الله ملك الموت بلا ملك الموت .","part":2,"page":227},{"id":506,"text":"( وحقيقة الروح ) وهي النفس الحيواني لم يتكلم عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله عنها اليهود كما أخبر الله به في كتابه في قوله تعالى { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } ولهذا افترق الناس فرقتين فرقة أمسكت كما أمسك عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدبا قال الجنيد الروح شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فلا يجوز لعباده البحث فيه وغاية ما يقال فيه أنه موجود وهذا هو الحق وفرقة خاضت وتكلمت وبحثت عن حقيقته وأجابوا عن الآية بجوابين أحدهما أن اليهود كانوا قد قالوا إن أجاب عنه فليس بنبي وإن لم يجب فهو صادق لأن الله لم يأذن له فيه ولا أنزل عليه بيانه في ذلك القوت تأكيدا لمعجزته وتصديقا لما تقدم من وصفه في كتبهم لا لأنه لا يمكن الكلام فيه ثانيهما أن سؤالهم إنما كان سؤال تعجين وتغليط فإن الروح مشترك بين روح الحيوان وجبريل وملك آخر يقال له الروح وصنف من الملائكة وعيسى ابن مريم فأراد اليهود أن كل ما أجابهم عنه يقولون ليس هو المراد فجاء الجواب مجملا فإن كونه من أمر الله يصدق على كل معاني الروح .","part":2,"page":228},{"id":507,"text":"( ولنحك قول الخائضين ) إنهما جسم لطيق مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر ( وقال بعضهم ) ليست بجسم وإنما هي عرض وأنه هو الحياة التي صار البدن بوجودها حيا واليه ميل القاضي أبي بكر قال شهاب الدين السهرودي ويدل للأول وصفها في الأخبار بالهبوط والعروج والتردد في البرزخ إذا العرض لا يوصف بهذه الأوصاف ( وقال العلامة ) وكثير من الصوفية أنها ليست بجسم ولا عرض وإنما هي جوهر مجرد عن المادة قائم بنفسه غير متحيز وله تعلق خاص بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل في البدن ولا خارج عنه ( وقال بعضهم ) هي الدم ألا ترى أن من نزف دمه ولم ينقطع يموت واليمت لا يفقد من جسمه غير الدم ( وقال بعضهم ) هي استنشاق الهوى ألا ترى أن المخنوق ومن منع من شم الهوى يموت وكلها أقوال واهية لا معول عليها .","part":2,"page":229},{"id":508,"text":"( ويجب ) اعتقاد أن كرامات الأولياء حق أي جائزة وواقعة عند أهل الحق ، والولي هو العارف بالله تعالى وصفاته على حسب الإمكان المواظب على الطاعة المجتنب للمعاصي بمعنى أنه لا يرتكب معصية ثم لا يتوب وليس المراد أنه لا تقع منه معصية ( ودليل جوازها لهم ) إمكانها لأنه لا يلزم من وقوعها محال ( والدليل ) على وقوعها بالفعل أمران ( أحدهما ) ما حكاه الكتاب من ذلك كقصة مريم وولادتها عيسى عليه السلام من دون زوج مع كفالتة زكرياء لها وإغلاقه عليها سبعة أبواب وكقصة أصحاب الكهف ولبثهم فيه سنين وكقصة آصف بن برخيا وإتيانه بعرش بلقيس في أسرع من طرفة عين ( والثاني ) ما تواتر معناه من كرامات الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقتنا هذا ممالا ملأ الأفاق وسارت به الزقاق قال القشيري في الرسالة ولا ينتهون إلى ولد دون والد وقلب جماد بهيمة انتهى قال الحافظ بن حجر وهذا أعدل المذاهب وقال المصنف وهذا حق يخصص قول غيره ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي لا فارق بينهما إلا التحدي انتهى والجمهور على خلافه ( ثم إن الولي ) ما دام عاقلا قادرا لا يصل وإن بلغ ما بلغ في الولاية إلى مرتبة سقوط التكليف عنه بالأوامر والنواهي لعمومات الخطابات الواردة بالتكليف وإجماع الأئمة المجتهدين على ذلك ولا يسوغ له ولا لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار الكتاب والسنة ( ومنع أكثر المعتزلة ) الخوارق من الأولياء وكذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني قال كل ما جاز تقديره معجزة لنبي لا يجز ظهور مثله كرامة لولي وإنما مبلغ الكرامات إجابة دعوة أو موافاة ماء في بادية من غير توقع المياه أو نحو ذلك مما ينحط عن خرق العادات .","part":2,"page":230},{"id":509,"text":"( ولا نكفر نحن من أم قبلتنا ) بسبب بدعته التي هي معصية كمكري صفات الله وخلقه أفعال عباده وجواز رؤيته يوم القيامة ومن أهل السنة من كفرهم ( أما الخارج ) ببدعته عن أهل القبلة كمكر حشر الأجسام ومنكر علمه بالجزءيات فكافر لإنكاره ما علم مجئ الرسول به ضرورة وإن صلى وصام ( قال السبكي ) غير أني أقول إن الإنسان ما دام يعتقد الشهادتين فتكفيره صعب وما يعرض في قلبه من بدعة إن لم تكن مضادة فلا يكفر وإن كانت مضادة فإذا فرض غفلته عنها واعتقاده للشهادتين مستمر فأرجوا أن يكفيه ذلك في الإسلام وأكثر أهل الملل كذلك ويكون كمسلم ارتد ثم أسلم ( ولا نجوز معاشر أهل السنة ) الخروج على السلطان ولو جائرا وهو ظاهر نص الشافعي وظاهر كلام الرافعي تخصيص المنع بالعادل ( وجوزت المعتزلة ) الخروج على الجائر لأنه ينعزل عندهم بالجور ( ونعتقد ) أن عذاب القبر حق للكافر والفاسق إذا اريد تعذيبهما وقد اجمع عليه سلف الأمة وقال به جميع علماء السنة لمجئي الآيات به وتكاثر الأحاديث فيه ( ونعتقد ) أن سؤال الملكين منكر ونكير للمقبور بعد رد روحه اليه حق فيسألان الميت عن ربه ودينه ونبيه فيجيبهما بما يوافق ما مات عليه من إيمان وكفر ولا يدفع ما ورد فيه من الأخبار بما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال فإن النائم ساكن بظاهر ومدرك بباطنه من اللذات والآلام ما يحس بأثره عند التنبيه وكان عليه السلام يسمع كلام جبريل ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ( ونعتقد ) أن الحشر للخلق حق وذلك بان يجيبهم الله بعد فنائهم ويجمعهم للعرض والحساب قيل بأجسادهم وهو الراجح وقيل في بدن يخلقه الله مشابها للأول ( ونعتقد ) أن السراط حق لقوله عليه السلام يضرب الصراط بين ظهراني جهنم قيل هو جسر ممدود علتى متن جهنم يرده الأولون والآخرون وفي بعض الروايات أنه أدق من الشعر وأحد من السيف وبه جزم القرطبي لكن قال البيهقي والعز بن عبد السلام والبدر","part":2,"page":231},{"id":510,"text":"الركشي والقرافي ويغرهم أنه ليس كذلك وعلى فرض الصحة فهو مؤول بأنه كناية عن الشدة والمشقة زاد القرافي والصحيح أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين واهل الشسقاوة يسلك بهم ذات الشمال انتهى وتؤيده الأحاديث الدالة على قيام الملائكة على جنبتيه وكون الكلاليب والحسك فيه وأعطاء كل من المارين عليه من النور قدر موضع قدميه ( قال النووي ) المراد في قوله تعالى { وإن منكم إر واردها } المرور على الصراط وهو مروي عن ابن عباس وجمهور المفسرين وانكر المعتزلة الصراط قالوا لعدم إمكان المرور عليه وهو مردود ( ونعتقد ) أن الوزن والميزان حق لقوله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ولقوله تعالى { والوزن يومئذ الحق } الآية وقد يلفت أحاديثه مبلغ التواتر ولا عبرة بإنكار المعتزلة ذلك بعدما وردت به الأخبار ( ونعتقد ) أن الجنة والنار حق وأنهما مخلوقتان اليوم بالفعل للنصوص الدالة على ذلك نحو أعدت للمتقين أعدت للكافرين .\r( وزعم المعتزلة ) أنهما غير مخلوقتين اليوم وإنما يخلقان يوم الجزاء ورد بقصة آدم وأشباهها .\r( ومما يجب ) شرعا عندنا على الناس نصب إمام يقوم بمصالحهم من سد ثغورهم وتدبير جيوشهم وقهر المتغلبين عليهم وغير ذلك لإجماع الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم تزل الأمة في كل عصر على ذلك وقالت الإمامية أن ذلك واجب على الله تعالى الله عن ذلك ( ونعتقد ) إمامة المفضول على الصحيح عند جمهور أصحابنا وذهب الأشعري وطائفة من القدماء إلى منعه فإن عقدت له مع وجود أفضل منه لم نعتقد إلا أن يكون ملكا لا إماما فنمضي أحكامه .\r( ولا يجب ) على الرب سبحانه وتعالى شيء ومن يوجب عليه ولا حكم إلا له وكيف يجب على خلق الخلق لهم شيء .","part":2,"page":232},{"id":511,"text":"( وقال المعتزلة ) يجب عليه اللطف وهو فعل ما يقرب العبد إلى الطاعة والثواب على الطاعة والعقوبة على الكبائر قبل التوبة وفعل الأصلح لعباده فيالدين ( والمعاد الجسماني ) بعد الإعدام بأجزائه وعوارضه كما كان حق والقرآن مشحون بالأدلة على ذلك قال تعالى { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } { كما بدأنا أول خلق نعيده } { كما بدأكم تعودون } ( وأنكر الفلاسفة ) وطائفة من النصارى إعادة الأجسام وقالوا إنما تعاد الأرواح بمعنى أنها بعد موت البدن تعاد إلى ما كانت عليه من الترجد متلذذة بالكمال ومتالمة بالنقص وأنكر الملحدة والدهرية الجسماني والروحاني وكلاهما واضحا البطلان ( وأفضل الأمة ) بعد نبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخلفاء الراشدون الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي اتفاقا ثم إفضل الخلفاء عند أهل السنة أبوبكر ثم عمر رضي الله عنهما قالوا لما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر ثم الأفضل بعدهما على قول الجمهور عثمان ثم علي رضي الله عنهما وذهب قوم إلى الوقوف بينهما وهو قول للإمام مالك وقوم إلى تفضيل علي على عثمان منهم أبو الطفيل من الصحابة وهو قول أهل الكوفة ونقل عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من تابع التابعين وهو أحد قولي مالك وبه جزم اليافعي وغيره وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة الأفضل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ونقل ابن عبد البر أن جمعا من الصحابة نصوا على تفضيله على الإطلاق منهم سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدري وزيد بن أرقم واجاب الجمهور عنه بانه لم يثبت بطريق صحيحة قال المحدث الدهلوي ولا نعني بالأفضلية الأفضلية من جميع الوجوه حتى تعم النسب والشجاعة والعلم وأمثالها من التي كانت في علي مثلا بل هي بمعنى عظم النفع في الإسلام فأميرا أمة النبي عليه السلام ووزيراه أبو بكر وعمر باعتبار الهمة","part":2,"page":233},{"id":512,"text":"البالغة في إشاعة الحق بعده أفضل دون اعتبار النسب والعلم والشجاعة وغيرها مما كانت في علي رضي الله عنه أكثرو وأوفر منهما بإقرارهما وبهذا يحصل التوفيق بين الروايات المختلفة والأدلة المتباينة انتهى .\r( ووقف ) بعضهم عن القول بالتفضيل وقال للكل فضل ولا ندري من فضله الله على غيره وليس هذا أمر يؤخذ فيه بالقياس والرأي فوجب الإمساك عن الخوض فيه ، قال بعض الأكابر وما بهذا القول من بأس لأن تفويض ما لا يعلم حقيقته إلا الله إلى علمه تعالى غير مستنكر انتهى على أن مسألة التفضيل ليست مما يجب اعتقاده ولا مما نحن مكلفون به وقد نبه شراح المتن على سهوء المصنف في جعل هذه المسألة في هذا الكتاب من قسم ما يجب اعتقاده إذ ليست مما يضل فيها المخالف قال العلماء ولا يشكل هذا التفضيل بالذرية الشريفة لأنه لا من حيث البضعية المكرمة أما باعتبارها فلا يفضل أحد على ذريته صلى الله عليه وآله وسلم كائنا من كان اتفاقا والله أعلم ( ونعتقد ) براءة عائشة رضي الله عنها مما قذفت به لنزول القرآن ببراءتها قال تعالى { إن الذين جاؤا بالأفك } الآيات إلى قوله تعالى { لهم مغفرة ورزق كريم } ( ونمسك ) عما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من المنازعات والمحاربات الذي قتل بسببها كثير منهم سئل(1) ميمون بن مهران عن أهل صفين فقال تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أخضب لسانب بها ( ونرى ) الكل مأجورين إن شاء الله لأنه مبني على الاجتهاد وللمخطئ فيه أجر واحد على اجتهاده كما في حديث\r__________\r(1) مراد ميمون رحمه الله بقوله تلك دماء طهر الله يدى الخ دماء حزب الإمام الحق سيدنا ومولانا علي كرم الله وجهه إذ هي التي يمكن وصف اليد السالمة منها بالطهارة لا دماء الحزب الأخضر فلا يمكن وصف الأيدي السالمة منها بالطهارة وكيف وأول يد نطخت بها يد الإمام علي رضي الله عنه مع أن النص والإجماع على أنه محق في سفكها وأن قتال البغاة واجب ما جوز فاعله انتهى مؤلف .","part":2,"page":234},{"id":513,"text":"الصحيحين إن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ( ونرى ) أن إمامنا الشافعي ومالكا وأبا حنيفة وسفيان الثوري وسفيان ابن عيينة وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي وإسحاق بن راهية وداود الظاهري والليث بن سعد وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم في العقائد وغيرها ونرى أن أبا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري إمام في السنة أي الطريقة المعتقدة مقدم فيها على غيره من أئمة أهل السنة كأبي منصور المارتيدي ( ونرى ) أن طريق الشيخ أبي القاسم الجنيد النهاوندي سيد الطائفة الصوفية وطريق أصحابه طريقا مستقيما لأنه خال عن البدع دائر على التسليم والتفويض والتبرئ من شهوات النفس سلك الله بنا طريقهم وحشرنا في زمرتهم أمين .\r( ومما لا يضر جهله ) في العقائد ولكن تنفع معرفته فيها باعتبار معرفة اصطلاح القوم الذي يؤول أمره إلى العقائد ما سيذكر إلى الخاتمة ( فمن ذلك ) أن وجود كل شيء واجبا كان وهو الله أو ممكنا وهو العالم هل هو عينه أي ليس زائدا عليه أو غيره زائد عليه الأصح الأول وهو قول الأشعري وقال كثير من التكلمين بالثاني أن الوجود زائد على الماهية كقيام الوجود بشيء من حيث هو أي من غير اعتبار وجوده ولا عدمه وإن لم يخل ذلك الشيء عنهما ( وعلى الأول ) وهو القول بأن الوجود عين الموجود فالمعدوم ليس بشيء وأنه متى زال الوجود لزم القطع بزوال الماهية فلو كان شيئا لزم إجتماع النقيضين وهما الوجود والعدم وإن قلنا بالثاني وهو ان الوجود غير الموجود فقيل أنه شيء لانفكاك أحدهما عن الآخر وقال الآخر ليس بشيء لتلازمهما ومحل الخلاف في المعدوم الذي هو ممكن الوجود أما ممتنع الوجود لذاته كاجتماع الضدين وقلب الحقائق فليس بشيء اتفاقا","part":2,"page":235},{"id":514,"text":"(والأصح أن الاسم ) عين المسمى وهو منقول عن الأشعري ويدل له قوله تعالى { سبح اسم ربك الأعلى } وقوله تعالى { ما تبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } وقيل الاسم غير المسمى ويدل له قوله تعالى { له الأسماء الحسنى } ولابد من المغايرة بين الشيء وما هو له ولتعدد الأسماء مع اتحاد المسمى ولو كان عينه لاحترق فم من ققال نار مثلا إلى غير ذلك ( والتحقيق ) أنه أن أريد منه المدلول فهو عينه قطعا أو أريد منه الدال فهو غيره كذلك فلا خلاف في الحقيقة وإطالة الخوض في ذلك تعد من العبث كما قيل ( والأصح ) أن أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية فلا يطلق عليه اسم إطلاقه عليه تعالى اتفاقا وإن أوهم نقصا كالرحيم والصبور ويؤول بأن القصد منه غايته وثمرته فإن لم يرد فيهما فإن أوهم نقصا امتنع اتفاقا وإن لم يوهم نقصا ففيه خلاف أجازه المعتزلة والقاضي الباقلاني من أهل السنة ومنعه بقية أهل السنة وفصل الغزالي فجوز الصفة وهي ما دلت على معنى زائد على الذات دون الاسم وهو ما دل على الذات ( والأصح ) ان المرء يجوز له أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله خوفا من سوء الخاتمة لا شكا في الإيمان في الحال والعياذ بالله تعالى من ذلك وإن اشتمل على التعليق بالمشيئة بل يؤثره على الجزم وهو قول أكثر السلف وبه قال الشافعية والمالكية والحنابلة والأشعري وأهل الحديث وقد حكى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له إن فلانا يقول أنا مؤمن ولا يستثنى فقال قولوا له فهو في الجنة فقال الله أعلم فقالوا له هلا وكلت في الأولى كما وكلت في الثانية قال أبو زرعة : والعجب من مخالفة أبي حنيفة لذلك وقال به من الحنفية أبو منصور المارتدي ( والأصح ) أن ملاذ الكافر استدراج من الله له لقوله تعالى { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ( وقالت المعتزلة ) هي نعم أنعم الله بها عليه له لقوله تعالى { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } ( والأصح ) عند جمهور المتكلمين إن المشار اليه بالنا","part":2,"page":236},{"id":515,"text":"الهيكل المخصوص المشتمل على النفس وقال أكثر المعتزلة وغيرهم المشار اليه بانا النفس لأنها المدبرة ( والأصح ) عند المتكلمين أن الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ أي لا يقبل القسمة لا حسا ولا عقلا ولا وهما ثابت في الخارج وإن لم يشاهد عادة إلا بإنضمامه إلى غيره ( وخالف في ذلك معظم الفلاسفة والنظام والكندى من المعتزلة وقالوا التقدير أن ينتهي إلى حد لا يقبل القسمة بالفعل فلابد أن يكون قابلا بالوهم والتعقل وهو مذهب فاسد لأنه مود إلى وجود اتصالات لا نهاية لها والى أن تكون أجزاء الخردلة مساونية لأجزاء الجبل لأن كل واحد منهما لا يتناهى ( ووقف ) الفخر الرازي عن هذه المسألة وهو مقتضى كلام إمام الحرمين ( والقصد ) من إثبات الجوهر الفرد أنه من مقدمات حدوث العالم فإن الجسم إذا ثبت أنه مركب من أجزاء مفردات استحال خلوه عن الأكوان التي هي عبارة عن الحركة والسكون والإجتماع والافتراق وهي معان حادثة فيترتب عليه أن ما لا يخلو عن الأكوان الحادثة لا يسبقها وما لا يسبق الحادث فهو حادث أو يؤدي إلى مالا أول له من الحوادث وهو محال ( والأصح ) عند الجمهور أنه لا حال أي لا واسطة بين المعدوم والموجود وأثبت بعض المعتزلة بينهما واسطة سموها بالحال وهو أحد قولي القاضي أبي بكر الباقلاني وبه قال إمام الحرمين في الشامل ورجع عنه في المدرك وقطع بنفي الحال ( وعرفها المثبتون ) بأنها صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم كالعالية واللونية للسواد مثلا وعلى الأول ذلك ونحوه من المعدوم لأنه أمر اعتباري وهو الحق .\r( والأصح ) عند أكثر المتكلمين أن النسب أي المفهومات التي تعلقها بالنسبة والإضافات أمور اعتباريه أي يعتبرها العقل وليست وجودية بالوجود الخارجي ، وهي سبع من جملة المقولات العشر :","part":2,"page":237},{"id":516,"text":"( أحدها ) الاين وهو كون الجسم في مكان ( ثانيها ) المتى وهو كون الجسم في زمان ( ثالثها ) الوضع وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الأمور الخارجة عنه كالقيام والمراد منه نسبة جزء أعلاه إلى جزء أسفله والى الخارج عنه كنسبة الرأس إلى جهة العلو والرجلين إلى جهة السفل ( ورابعها ) الملك وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار ما يحيط به وينتقل بانتقاله كالتقمص والتعمم وبالقيد الأخير فارق الاين ( خامسها ) الفعل وهو تأثير الشيء في غير ما دام يؤثر ( سادسها ) الانفعال وهو تأثر الشيء عن غيره ما دام يتأثر كحال المسخن ما دام يسخن والمتسخن ما دام يتسخن ( سابعها ) الإضافة وهي نسبة تعرض للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كالينة والأبوة والأخوة واستثنى المتكلمون الابن من النسب فإنهم اعترفوا بوجوده وسموه الكون وأنواعه أربعة الحركة والسكون الإجتماع والافتراق ( والثلاث الباقية ) من المقولات العشر الجوهر والكم والكيف تسع منها للعرض وواحدة للجوهر وقد نظمها بعضهم في قوله :\rزيد الطويل الأزرق بن مالكذ ... في بيته بالأمس كان متكي\rبيده سيق لواه فالتوى ... فهذه عشر مقولات سوا","part":2,"page":238},{"id":517,"text":"( والأصح ) أن العرض إنما يقوم بالجوهر الفرد وبالجسم ولا يقوم العرض بالعرض ( وجوز ) الحكماء قيام العرض بالعرض واختاره الإمام في المحصول لأن السرعة والبطء في حركته ولا يقال بطئ في جسميته ( وأجاب ) المانعون بأن السرعة والبطء قائمان بالمتحرك بواسطة الحركة لا بنفس الحركة ( والأصح ) أن العرض كالسواد الحال في الجسم لا يبقى زمانين بل ينقضي ويتجدد مثله بإرادة الله تعالى في الزمن الثاني وهكذا على التوالي حتى يتوهم من حيث المشاهدة أنه باق على استمرار هذا مذهب الأشاعرة ورتبوا عليه نفي قدم العالم لأنه إذا لم يبق زمانين لم يستقل بنفسه بل يفتقر إلى الصانع على مرور الأزمان فالجوهر مفتقر إلى الفاعل في إيجاده ثم بقائه بإمداده بالاعراض ولو بقى العرض لما احتاج في بقائه إلى الفاعل ( وقالت ) الحكماء جميع الأعراض تبقى إلا الحركة والسكون والأزمنة والأصوات ( وذهب ) الجبائي وابنه إلى بقاء الألوان والطعوم والروائح دون العلوم والادراكات والأصوات ( والأصح ) أن العرض لا يحل محلين فسواد أحد المحلين غير سواد الأخر فإنه لو جاز قياس العرض الواحد بمحلين لأمكن حلول الجسم الواحد في مكانين في حالة واحدة وهو محال ( وقال ) قدماء الفلاسفة القرب ونحوه مما يتعلق بطرفين يحل محلين وعلى الأول قرب أحد الطرفين مخالف لقرب الأخر بالشخص وإن تشاركا في الحقيقة وكذا نحو القرب كالجوار ( والمعلومات ) غير الله سبحانه وتعالى منحصرة في أربعة أنواع المثلين والضدين والخلافين والنقيضين لأن المعلومين إن أمكن اجتماعهما فهما الخلافان وإن لم يمكن اجتماعهما فإن لم يمكن ارتفاعهما فهما النقيضان وإن أمكن ارتفاعهما فإما أن يختلفا في الحقيقة فهما الضدان أو لا يختلفا فيها وهما المثلان ( والأصح ) أن العرضين المثلين وهما ما يسد أحدهما مسد الأخر بأن يكونا من نوع واحد كالبياض والبياض لا يجتمعان في محل واحد لأن المحل الواحد لو قبل المثلين للزم أن","part":2,"page":239},{"id":518,"text":"يقبل الضدين لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن مثله أو عن ضده فلو قبل المثلين لجاز وجود أحدهما في المحل وانتفاء الأخر فيخلفه ضده فيجتمع الضدان وهو محال ( وجوزت المعتزلة ) اجتماع المثلين محتجين بأن الجسم المغموس في الصبغ ليسوده مثلا يعرض له سواد ثم أخر وأخر إلى أن يبلغ غاية السواد بالمكث ( وأجيب ) بان عروض السوادات ليس على وجه الاجتماع بل على البدل فيزول الأول ويخلفه الثاني بناء على عدم بقاء العرض زمانين ( والنوع الثاني ) الضدان كالسواد والبياض وهما كذلك لا يجتمعان وقد يرتفعان ( والنوع الثالث ) الخلافان وهما اللذان يجتمعان ويرتفعان كالطول والبياض مثلا ، والنوع الرابع النقيضان وهما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان وهما عبارة عن إيجاب شيء وسلبه فيكون دائما أحدهما وجوديا والأخر عدميا كقيام زيد وعدم قيامه ولا يخرج عن هذه الأربعة إلا ما توحد الله به وتفرد فإنه ليس بضد شيء ولا مثله ولا خلافه ولا نقيضه لتعذر الرفع والجمع ( والأصح ) أن أحد طرفي الممكن من الوجود والعدم ليس أولى به من الطرف الأخر بل هما سواء بالنظر إلى ذاته جوهر أكان الممكن أو عرضا ( وقيل ) العدم أولى به مطلقا لأنه أسهل وقوعا في الثبوت لتحققه بانتفاءشيء من أجزاء العلة التامة للوجود المفتقر في تحققه إلى تحقق جميعها ( ورد ) بأن سهولة العدم بالنظر إلى غيره لا تقتضي أولويته لذلك كما أشار له شيخ الإسلام .\r( وقيل ) الوجود أولى به عند وجود العلة وانتفاء الشرط وبد بأن تلك الأولوية مستندة إلى الغير لا إلى ذات الممكن .","part":2,"page":240},{"id":519,"text":"( والأصح ) كما قاله الأكثرون أن الممكن بعد وجوده حالة بقائه يحتاج إلى السبب المؤثر في دوام بقائه كما يحتاج اليه في ابتدأ وجوده ( وزعم الفلاسفة ) أنه إذا وجد الفعل من الفاعل لم يبق إلى الفاعل حاجة كبناء البناء وركبوا في ذك أمرا شنيعا وهو انه لم جاز عدم الصانع لما ضر ذلك وجود العالم فإنه قد أخرجه من العدم إلى الوجود فانقضت حاجته اليه ( وهذا الخلاف ) مبني على مسألة هي أن علة احتياج الأثر إلى المؤثر هل هي الإمكان فقط أو الحدوثفقط أو الإمكان والحدوث معا على أنهما جزاء علة أو الإمكان فقط بشرط الحدوث ( والأول ) قول الحكماء واختاره الإمام الرازي وحكاه عن أكثر الأصوليين وعليه يحتاج الممكن في بقائه إلى المؤثر لأن الإمكان لا ينفك عنه بخلافه على الأقوال الباقية فإن الممكن عليها إنما يحتاج إلى المؤثر في الخروج من العدم إلى الوجود لا في البقاء وكان المصنف اشار بتقديم هذا القول إلى أنه ينبغي ترجيحه وإن كان جمهور المتكلمين على ترجيح القول بانه الحدوث فقط حتى لا يخالف التصحيح في المبني وهو احتياج الممكن في حالة البقاء التصحيح في المبنى عليه وإن كانت مخالفة التصحيحين مدفوعة بما قالوا من أن شرط بقاء الجوه والعرض والعرض لا يبقى زمانين فيحتاج في كل زمان إلى المؤثر .","part":2,"page":241},{"id":520,"text":"( والثاني ) وهو كون العلة الحدوث أي الخروج من العدم إلى الوجود مذهب الأشعري وأصحابه ( والثالث ) وهو كون العلة مجموع الإمكان والحدوث تكون العلة عليه مركبة منهما ( والرابع ) وهو كون العلة الإمكان فقط بشرط الحدوث تكون بسيطة عليه والفرق بين الإمكان والحدوث أن الحدوث هو كون الموجود مسبوقا بعدم والإمكان كون الشيء في نفسه بحيث لا يمتنع وجوده ولا عدمه امتناعا واجبا ذاتيا ( والمكان ) موجود بدليل أن الجسم ينتقل عنه وإليه ويسكن فيه فيلاقيه ولابد بالمماسة أو النفوذ كما سيأتي ( وقد اختلف ) علماء الحكمة في ماهيته ( فقيل ) أنه السطح الباطن للجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى كالسطح الباطن من الكون المماس للسطح الظاهر من الماء الكائن فيه وهو على هذا عرض قائم بما له طول وعرض ولا عمق له وهذا هو مذهب أرسطا طاليس وعليه متأخروا الحكماء كابن سينا والفارابي وأتباعهما ( وجنح الغزالي ) إلى تصويبه وقال أنه الذي رجع اليه الكل ( وقيل ) هو بعد موجود قائم بنفسه ينفذ فيه الجسم الحال فيه بنفوذ بعد الجسم القائم به في ذلك البعد الموجود بحيث ينطبق بعد المكان على بعد الجسم وخرج بقيد النفوذ فيه بعد الجسم وهذا هو مذهب إفلاطون وغيره قيل والامارات تساعد عليه فإنا نحكم بأن الماء فيه بين أطراف الإناء وإن الماء يزول ويفارق فإذا زال حصل الهواء في ذلك البعد بعينه ( وقيل ) المكان بعد مفروض فيه ما ذكر من نفوذ بعد الجسم فيه وهو الخلاء أي الفضاء الخالي عن الشاغل وهذا قول المتكلمين والقولان قبله للحكماء كما مر ( والخلاء ) وهو حصول جسمنين لا يتلاقيان ولا يتوسط بينهما ما يلاقيهما جائز عند أكثر المتكلمين وممتنع عند الحكماء .","part":2,"page":242},{"id":521,"text":"( واختلف علماء الحكمة ) أيضا في تعريف الزمان ، على أقوال الأول هو جوهر قائم بنفسه مجرد عن المادة غني عن وجود حركة وليس بجمس ولا حال في الجسم واستدل قائله على عدم الجسمية فيه أنه لو كان جسما لكان قريبا من جسم وبعيدا من أخر وبديهة العقل شاهدة بأن نسبة جميع الزمان إلى جميع الأشياء على السوية ، وهذا قول قدماء الفلاسفة ( وقيل ) هو فكل معدل النهار والليل وهذا الفلك جسم سميت دائرته أي منطقة البوج منه بمعدل النار والليل لتعادل الليل والنهار في جميع البقاع عند كون الشمس على سحت تلك الدائرة وهو على هذين القولين جوهر ( وقيل ) أنه عرض واختلف القائلون بعرضيته فقيل هو حركة فلك معدل الليل والنهار أي حركة إدارة الفلك المستقيم فالشمس تطلع كل يوم وتغرب ولولا ذلك لاختلف الليل والنهار ( وقيل ) هو مقدار الحكة المذكورة من حيث التقدم والتأخر العارضين للحركة باعتبار قطع المسافة وهذه كلها أقوال الحكماء وأصحها عندهم الأخير منها ( والمختار ) وهو قول المتكلمين أنه عرض وأنه اقتران متجدد موهوم بمتجدد معلوم إزالة للإبهام من الأول باقترانه بالثاني كما في قوله أتيك وقت طلوع الشمس فالإتيان متجدد موهوم وطلوع الشمس متجدد معلوم والإتيان مقترن بالطلوع .","part":2,"page":243},{"id":522,"text":"( قال الزركشي ) والقصد من هذه المباحث أن العالم يمتنع أن يكون مختصا بشيء من الأمكنة أو الأزمنة ( ويمتنع ) تداخل الأجسام أو الجواهر بمعنى دخول بعضها في بعض والملاشاة له بأسره من غير زيادة في الحجم وإنما يمتنع ذلك لما فيه من مساواة الجزء للكل في العظم ( ويمتنع ) أيضا خلوا الجوهر فردا كان أو مركبا عن عرض من الأعراض بأن لا يقوم به واحد منها بل يجب أن يقوم به عند تشخصه عرض من الأعراض لأنه لا يوجد جوهر بدون تشخص وتشخصه إنما يكون بإعراضه ( وخالف ) بعض الفلاسفة لقولهم بقدم الجواهر دون الإعراض ( والجسم غير مركب ) من الاعراض على قول الجمهور لأنه لو تركب منها لما قامت به لكنها قائمة به أما الشرطية فلأنها لو قامت الأعراض بالجواهر لكانت قائمة بالأعراض وهو محال وأما الاستثنائية فللاتفاق على أن الجوهر يصح اتصافه بالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الأعراض ( وخالف ) في ذلك النظام والنجار فقالا أن الجواهر أعراض مجتمعة ( وأبعاد ) الجواهر الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق متناهية أي لها نهاية وحد وهو الطرق الذي لا يوجد بعده شيء أخر ( وخالف فيه بعض الأوائل حيث أثبتوا أبعاد ألا نهاية لها ).\r( وتقدم العلة ) على المعلول في الترتب متفق عليه وأما في الزمان ففيه خلاف قال الأكثرون يقارن علته زمانا عقلية كانت كحركة الأصبع لحركة الخاتم أ وضعية ومنها الشرعية كقولك لعبدك إن دخلت الدار فأنت حر وهذا هو المصحح في أصل الروضة وبه أجاب إمام الحرمين وارتضاه ونسبه للمحققين ونقله عنه الرافعي ( وقيل ) وهو مختار المصنف وفاقا لوالده أن العلة تسبق المعلول وهو يعبها مطلقا ( وقيل ) بالتفصيل وهو ان الوضعية التي منها الشرعية تسبق المعلول ويعقبها والعلة العقلية مقارنة لكونها مؤثرة بذاتها وهذا ظاهر نص الشافعي في الأم في كتاب الطلاق .","part":2,"page":244},{"id":523,"text":"( ونقل المصنف ) هنا عن الإمام الرازي وعن والده ان اللذة الدنيوية محصورة في معرفة الأشياء والوقوف على حقائقها لكن عبارة الإمام تدل على أنه لم يحصرها في المعرفة وإنما جعلها أعلاها فإنه قال اللذات المطلوبة في هذه الحياة العاجلة محصورة في ثلاث ( أدناها ) اللذات الجسمية الحسية وهي قضاء الشهوتين ويشارك فيها الأدمي غيره من الحيوانات ( وأوسطها ) اللذات الخيالية وهي الحاصلة من الاستعلاء والرئاسة بدفع الم القهر والغلبة وهي أشد التصاقا بالعقلاء إذا لم ينالوا أرتب الأولياء ولذلك قال بعضهم أخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة ( وأعلاها ) اللذة العقلية وهي الحاصلة بسبب معرفة الأشياء والوقوف على حقائقها وهي اللذة على الحقيقة انتهى ( وقال ) ابن زكريا الطبيب الرازي اللذة الخلاص من الألم بدفعه ( ورد ) بأنه قد يلتذ بشيء من غير سبق ألم بضده كمن وقف على مسألة علم أو كنز مال فجاءه من غير خطورهما بالبال وألم التشوف اليهما ( وقيل ) اللذة إدراك الملائم من حيث الملائمة وبه قال ابن سيناء في الشفا ( وقال ) الصنف تبعا للمسرقندي في الصحائف الحق أن الإدراك ليس نفس اللذة بل ملزومها لأن الإدراك سبب اللذة وقال الإمام في المحصول أن الصواب أن اللذة لا تحد لأنها من الأمور الوجدانية ومشى عليه في الطالع ( ويقابل اللذة ) الألم على الأقوال الثلاثة فهو على قول ابن زكريا وجودي وهو الوقوع في المل وعلى قول ابن سينا عدمى وهو إدراك غير الملائم .\r( وينحصر جميع ) ما يتصوره العقل في ثلاثة أقسام واجب وممتنع وممكن وذلك لأن ذات المتصور إما أن تقتضي وجوده في الخارج بحيث لا يعقل انفاكها عنه وهو الواجب ، أو تقتضى عدمه في الخارج بحيث لا يتصور وجودها فيه وهو الممتنع أو لا تقتضي شيئا من وجوده وعدمه بأن استوى طرفاه وهو الممكن وكل من هذه الثلاثة يمتنع انقلابه إلى الأخر والله سبحانه وتعالى أعلم .","part":2,"page":245},{"id":524,"text":"( خاتمة في ما يذكر من مبادئ التصوف المصفى للقلوب )\rللقوم في تعريف التصوف عبارات كثيرة منها ما قاله الغزالي هو تجريد القلب لله واحتقار ما سواه من حيث أنه سواه قال وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح ( فأول ) الواجبات معرفة الله تعالى بمعنى معرفة وجوده وصفاته حسب الإمكان لا معرفة كنه ذاته فإن ذلك ممتنع عقلا وشرعا لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علما وهذا هو قول الأشعري لقوله تعالى واعلم انه لا إله إلا الله ولتعلموا أنما هو إله واحد ( قال ابن السمعاني ) وهو قول عامة أهل الحديث .\r( وقال الأستاذ ) أبو إسحاق الاسفرائيني أول الواجبات النظر المؤدؤ إلى المعرفة فإنه لا يتوصل اليها إلا بالنظر وقد دلت الآيات القرآنية على وجوب النظر منها قوله تعالى { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء } ( وقيل ) وعزاه المصنف للقاضي أبي برك الباقلاني أول الواجبات أول النظر لتوقف النظر على أجزائه وهو أحد قوليه ( وقال ابن فورك ) وإمام الحرمين والقاضي الباقلاني كما نقله عنه صاحب المواقف أن أول الواجبات قصد النظر لتوقف النظر على قصده .","part":2,"page":246},{"id":525,"text":"( وذوا النفس الأبية ) التي لا تريد إلا العلو الأخروي يربأ بها أصحابها عن سفاسف الأمور من الأخلاق وقلة الاحتمال وغيرها ويجنح بها إلى معالي الأمور من الخلاق المحمودة كالتواضع والصبر وسلامة الباطن والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال ، روى البيهقي في شعب الإيمان عن سهل بنسعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها )) ( وقال ) بعضهم من عرف ربه بما يعرف به من الصفات وأنه الغني المطلق القادر على كل شيء تصور تبعيده لعبده بإضلاله وتقريبه له بهدايته ، فخاف عقابه ورجا ثوابه وأصغى بإذن واعية إلى أوامر الله تعالى فامتثلها وجد في التحلي بها والى نواهي الله عز وجل فاجتنبها واجتهد في التخلي عنها ، فأحبه مولاه فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، واتخذه وليا إن سأله أعطاه وإن استعاذ به أعاذه كما جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى من أذى لوليا فقد أذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها إن سألني أعطيته ولئن استعاذ بي لأعيذنه )) قال بعضهم في معنى الحديث أن الله يتولى من أحبه في جميع أحواله كما يتولى الوالد أن جميع أحوال الطفل فلا يمشي إلا برجل أحدهما ولا يأكل إلا بيده ففنيت صفاته وقامت صفات الوالدين مقامها لشدة اعتنائهما بحفظه فكذلك حال الولي مع الرب تعالى .\r( وذوا الهمة الدنية ) وهو الجانح إلى سفاسف الأمور والعادل عن معاليها لا يبالي أبعده الله تعالى أو قربه فيتبع هواه ونفسه الموقعين له في المهلكات فيجهل فوق جهل الجاهلين ويدخل تحت ربقة المارقين من الدين","part":2,"page":247},{"id":526,"text":"( وإذا عرفت ) أيها الأخ المخاطب الفرق بين الحاين فدونك صلاحا لنفسك ورضا من الله عنك وقربا منه وسعادة ونعيما وإياك ثم إياك فساد لنفسك وسخطا من الله عليك وبعدا منه وشقاوة وجحيما أعاذنا الله تعالى من جميع ذلك .\r( وإذا خطر لك ) أيها الأخ أمر من المور فزنه بالميزان المعتبر في الشرع فإن حال ذلك الخاطر بالنسبة اليك لا يخلو من أحد حالات ثلاث وهي إما أن يكون مأمور به أو منهيا عنه او مشكوكا فيه .\r( الحالة الأولى ) أن يكون مأمور به فإذا كان كذلك فبادر إلى فعله فإنه أمر من الرحمن أخطره ببالك وأراد لك الخير وإن توقفت برد الأمر وهبت ريح التكاسل عن فعله فإن خشيت أن يقع منك على صفة منهية كعجب أو رياء فلا يكن ذلك مانعا لك من المبادرة اليه ولا بأس عليك في وقوعه عليها من غير قصد لها وإنما المحذور إيقاعه على الصفة المنهية بان علمت من نفسك أنك إنما تقوم للرياء فإن ذلك لخاطر شيطاني ( قال الفضيل ) ابن عياض العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء والإخلاص أن يعافيه الله منهما ( واحتياج ) استغفارنا إلى استغفار كما نقل عن رابعة العدوية لا يوجب ترك الاستغفار بل نأتي به وإن احتاج إلى استغفار لأن اللسان إذا ألف ذكرا يوشك أن يألفه القلب فيوافقه فيه ( ومن ثم ) قال السهرودي وقد سأله بعض أئمة خراسان فقال القلب مع الأعمال يداخله العجب ومع ترك الأعمال يخرجه إلى البطالة فأجاب بقوله لا تترك الأعمال ودوا العجب بان تعلم أن ظهروه من النفس فاستغفر الله تعالى فإن ذلك كفارته ولا تترك العمل رأسا ( وقال الإمام ) الرازي في المطالب من مكايد الشيطان ترك العمل خوفا من أن يقول الناس انه مراء وهذا باطل فإن تطهير العمل من نزغات الشيطان بالكلية متعذر ولو وقفنا العبادة على الكمال لتعذر الاشتغال بشيء من العبادة وذلك أقصى غرض الشيطان ولقد أحسن من قال سيروا إلى الله عرجا ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة (","part":2,"page":248},{"id":527,"text":"وحكي عن الإمام) الشافعي رضي الله عنه وفي أي نعيم ترغب ومن أي عقاب ترهب وأي عافية تشكر وأي بلاء تذكر فإنك إذا فكرت في واحدة من هذه الخصال حقر في عينك عملك .\r( الحالة الثانية ) أن يكون ما خطر لك منهيا عنه شرعا فإياك أن تفعله فإنه من تسويل الشيطان لك فإن ملت إلى فعله فاستغفر الله تعالى من هذا الميل ليكون الاستغفار كفارة له ولا تيأس بسببه من الرحمة قال تعالى { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروه لذنوبهم } الآية وما يقع في النفس من المعاصي له خمس مراتب .\r( الأولى ) الهاجس وهو الملقى في النفس ولا مؤاخذة به إجماعا لأنه ليس من فعل العبد وإنما هو وارد لا يستطاع دفعه ( والثانية ) الخاطر وهو ما يجول في النفس بعد القائه فيها وهو مغفور ( والثالثة ) حديث النفس وهو ترددها بين الفعل والترك وهو مغفور أيضا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل )) .\r( والرابعة ) الهخم وهو قصد الفعل وهو مغفور كذلك لقوله تعالى { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } ولو كانتا كانتا مواخذتين لم يكن الله وليهما ولقوله عليه السلام ومن هم بسيئة لم يعملها لم تكتب أي عليه بخلاف الثلاث الأول فإنه لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب .\r( الخامسة ) العزم وهو قوة القصد والجزم به قال بعضهم وهو مغفور كالأقسام قبله والمحكي عن المحققين المواخذة لقوله عليه السلام إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه .","part":2,"page":249},{"id":528,"text":"( فإن لم تطعك ) أيها الأخ نفسك الأمارة بالسوء على اجتناب فعل الخاطر المذكور فجاهدها وجوبا بقدر ما يمكنك فإنها أكبر أعدائك لقصدها بك الهلاك الأبدي كما في الحديث أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك فإن غلبتك النفس وفعلت الخاطر المذكور فتب إلى الله تعالى وجوبا على الفور ليرتفع عنك إثم فعله بالتوبة التي وعد الله بقبولها فضلا منه إذا تحقق منك الإقلاع ، فإن لم تقلع النفس عن المعصية فإن كان لاستلذاذها بها أو تكاسلها عن الخروج فعالجها بذكرها ذم اللذات ومفرق الجماعات فإن تذكره منكد للعيش ومقصر للأمل وباعث على العمل كما قال عليه الصلاة والسلام أكثروا من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات رواه الترمذي زاد ابن حبان فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه ولا ذكره في سمة إلا ضيقها عليه وإن كان عدم الإقلاع لقنوط ويأس من رحمة الله تعالى فهذا ذنب أخر ضممته إلى الذنب الأول فخف مقت الله تعالى على ذلك قال تعالى { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } وقال تعالى { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } وعلاج ذلك باستحضار سعة رحمة الله تعالى كيف لا وقد قال عز من قائل { يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } وفي الحديث الصحيح والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وفيه لله أفرح بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه الحديث المشهور ( وعالج ذلك ) أيضا بعرض التوبة ومحاسنها من العفو والغفران وما ورد فيها على نفسك لتتوب عما فعلت فتقبل التوبة ويتفضل الكريم بالعفو والغفران ( والتوبة هي الندم ) على المعصية من حيث أنها معصية فالندم على شرب الخمر لاضراره بالبدن وعلى السرقة للحد ليس بتوبة والندم لا يتحقق ولا يعتبر إلا بالإقلاع عن المعصية والعزم على أن لا يعود إلى ذلك أبدا ثم إن تعلقت بحق أدمي","part":2,"page":250},{"id":529,"text":"اعتبر شرط أخر وهو الخروج عن تلك الظلامة بتدارك ما يمكن تداركه من الحق الناشئ عن المعصية كحد القذف فيتداركه بتمكين مستحقه من المقذوف أو وارثه ليستوفيه أو يبرئ منه إما إذا لم يمكن التدارك كان لم يكن مستحقه موجود أو لا وارثه سقط هذا الشرط كما يسقط في توبة معصية لا ينشاء عنها حق لأدمي ( قال بعضهم ) ويكفيه في هذه الحالة أن يستغفر الله لصاحب الحق وكذا يسقط الإقلاع في معصية قد فرغ منها كرب خمر ومن تاب ثم نقض التوبة لم يقدح ذلك في صحة التوبة الأولى المبادرة إلى نجد يد التوبة من المعاودة قال الله تعالى { إن الله يحب التوابين } وهي صيغة مبالغة لا تصدق إلا على من تكررت منه التوبة وفي الحديث ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة ( وكما تجب ) التوبة من الكبائر تجب أيضا من الصغائر خلافا لأبي هاشم وتوقف والد المصنف في وجوب التوبة منها علينا وقال لعل وقوعها مكفرة بالصلاة واجتناب الكبائر يقتضي أن الواجب إما التوبة وإما فعل ما يكفرها ( وتصح ) التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب أخر ولو كبيرة خلافا للمعتزلة بناء على أصلهم من التقبيح العقلي لأن الكل في القبح على حد سواء ويرده عليهم قوله تعالى وأخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وأخر سيئا } وقوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( وقيل لا تصح ) التوبة مع الإصرار على ذنب .\r( وقال ) الصوفية لا تكون توبة السالك مفتاحا للمقامات حتى يتوب عن جميع الذنوب لأن كدورة بعض القلب وأسوداده بالذنوب يمنع من السير إلى الله .","part":2,"page":251},{"id":530,"text":"( الحالة الثالثة ) أن يكون ما خطر لك مشكوكا فيه أمامور به أم منهي عنه وإذا كان كذلك فأمسك عنه حذرا من الوقوع في المنهي وتورعا فإنه من باب الشبهة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )) ( ومن ثم ) قال الشيخ أبو محمد الجويني في المتوضي يشك أيغسل غسلة ثالثة فيكون مأمورا بها أم رابعة فيكون منهيا عنها لا يغسل خوف الوقوع فيالمنهي عنه ( وقال ) غيره بغسل لأن التثليث مأمور به ولم يتحقق قبل هذه الغسلة فيأتي بها .\r( فهذه الحالات ) الثلاث كما قيل نصف العلم وعليها يدور العمل قال عليه السلام (( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات )) الحديث .\r( وكل واقع في الوجود ) خيرا كان أو شرا واقع بقدرة الله تعالى وإرادته وهو سبحانه وتعالى خالق كسب العبد أي فعله الاختياري قدر له قدرة تصلح للكسب لا للابداع وهو التأثير بالإيجاد بخلاف قدرة الله تعالى فإنها للابداع لا للكسب فالله سبحانه وتعالى خالق غير مكتسب والعبد مكتسب غير خالق فأفعال العبد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس لقدرة العباد تأثير فيها بل الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بان يوجد في العبد قدرة واختيارا فيكون فعل العبد مخلوقا لله أبداعا واحداثا ومكسوبا للعبد فيثاب العبد ويعاقب على مكتسبه الذي يخلقه الله عقب قصده وهذا هو مذهب الأشعري وهو متوسط بين قول المعتزلة ان العبد خالق لفعله لأنه يثاب ويعاقب عليه وبين قول الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلا وهو آلة محضة كالسكين في يد القاطع والحاصل أنه لابد من القول بالكسب تصحيحا للتكليف والثواب والعقاب إذا الجمع بين اعتقاد الجبر المحض والتكليف ممتنع فالأفعال تنسب للخلق شرعا لإقامة الحجة عليهم ولا فاعل في الحقيقة إلا الله ( ولهذا ) قال سيدنا علي كرم الله وجهه القدر سر الله في الأرض لا جبر ولا تفويض .","part":2,"page":252},{"id":531,"text":"( وسئل علي الرضى ) بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهم السلام أيكاف الله العباد مالا يطيقون ؟ قال : هو أعدل من ذلك فقيل أيستطيعون أن يفعلوا ما يريدون قال هم أعجز من ذلك ( وحكى القاضي ) أبو يعلى عن الإمام أحمد ابن حنبل أنه قال أن للعبد كسبا وقد دل القرآن على ذلك فإنه تعالى نسب الفعل إلى نفسه فقال { والله خلقكم وما تعملون } ونسب الكسب إلى العبد فقال } جزاء بما كانوا يكسبون } وقال تعالى { بما كسبت أيديكم } .","part":2,"page":253},{"id":532,"text":"( فالكسب ) ليس ابراز أمن العدم إلى الوجود بل نسبة يعلمها العبد بين قدرته وقمدوره في محل ضرورة وكل أحد يفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار فتلك بمجرد فعل الله لا كسب للعبد فيها وهذه منسوبة اليه وخصتباسم الكسب فالله خالق أفعال العباد وهي مكتسبة لهم وحجة الله قائمة عليهم فلا يسئل عما يفعل ولا مطمع في الوصول إلى كشف ذلك خاليا عن الإشكال والمور إذا تعارضت صرنا إلى أقرب الاحتمالات والله الموفق ( ومن أجل كون العبد ) مكتسبا لا خالقا لفعله كما تزعمه المعتزلة ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري وأكثر أصحابه إلى أن قدرة العبد على الفعل لا تصلح للتعلق بالضدين وإنما تصلح للتعلق بأحدهما الذي يقصد قالوا لو صلحت للضدين لزم اجتماعهما لوجوب مقارنتهما لتلك القدرة المتعلقة بهما بل قالوا إن القدرة الواحدة لا تتعلق بمقدورين مطلقا سواء كانا متضادين أو متماثلين أومختلفين لا معا ولا على سبيل البدل بل القدرة الواحدة لا تتعلق إلا بمقدور واحد وذلك لانها مع المقدور ولا شك أن ما نجده عند صدور أحد المقدورين لا نجده عند صدور الخر ( وقيل ) تصلح للتعلق بهما على سبيل البدل أي تتعلق بهذا بدلا عن تعلقها بالأخر وبالعكس ومعناه أنها أن اقترنت بالإيمان صلحت له دون الكفر وإن اقترنت بالإيمان ( إما على القول ) بأن العبد خالق لفعله فقدرته كقدرة الله في وجودها قيل الفعل وصلاحيتها للتعلق بالضدين على سبيل البدل ويلزم عليه الاستغناء عن تجديد الإمداد وهو محال وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم (( وإنا على عهدك ووعدك ما استطعت )) فأشار إلى أنه لا يستغني عن ربه طرفة عين لافتقاره إلى استطاعة يجعلها الله عنده .","part":2,"page":254},{"id":533,"text":"( ويقابل القدرة ) العجز واختلف في حقيقته والصحيح عند المتكلمين أنه صفة وجوبة قائمة بالعاجز تضاد القدرة ، فيكون التقابل بينهما على هذا من تقابل الضدين وقال الفلاسفة هو عدم القدرة عما من شانه أن يكون قادرا فيكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة وتوقف الإمام الرازي في المحصول في ذلك واختار في المعالم الثاني .\r( تنبيه ) وجه ادخال المصنف هذه المسألة في مسائل التصوف وهي من مسائل الكلام شدة تعلقها بالحقيقة الباعثة على العمل ومنع من سبقت له الشاقوة في علمه من الطاعة والأعمال بالخوايتم ومبناها على السابقة والشريعة خطابه عباده بتكاليفه والحقيقة تصرفه في خلقه كيف يشاء وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى { لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين } فالحقيقة باطن الشريعة ولا يغني ظاهر عن باطن ولا باطن عن ظاهر .","part":2,"page":255},{"id":534,"text":"( واختلف القوم ) في التوكل والاكتساب أيهما أرجح على أقوال ( فقال بعضهم ) التوكل أرجح لأنه حاله صلى الله عليه وآله وسلم وحال أهل الصفة ولأنه ينشاء عن مجاهدات والأجر على قدر النصب ( وقال بعضهم ) الاكتساب أرجح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ما أكل أحد طعاما أطيب مما كسبت يده رواه البخاري ولأنه فعل الأكابر من الصحابة وغيرهم من السلف الصالح ( والثالث ) وهو المختار أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال ممن كان في توكله لا يتسخط عند ضي الزرق عليه ولا تتطلع نفسه لسؤال أحد من الخلق فالتوكل في حقه أرجح لما فيه من المجاهدة للنفس والصبر ومن يكون في توكله بخلاف ما ذكر فالاكتساب في حقه أرجح حذرا من التسخط والاستشراف ( وقال ) بعضهم التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاكتساب سنته فمن ضعف عن حاله فليسلك سنته ( ومن أجل ) هذا التفضيل قال الشيخ تاج الدين ابن عطاء الله في كتاب التنوير في اسقاط التدبير قال طلبك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية وطلبك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الذروة العلية فالأصلح لمن جعل الله فيه داعية الأسباب سلوكها دون التجريد ولمن جعل الله فيه داعية التجريد سلوكه دون الأسباب ( وقد يأتي ) الشيطان اللعين للإنسان فيها هو فيه فيحقره عنده ليطلب غير ما أقامه الله تعالى فيه فيشوش قلبه ويكدر وقته بأن يأتي أهل الأسباب فيقول لهم لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت أنواركم ، وصفت قلوبكم وأسراركم فيترك الأسباب من لا طاقة له بالتجريد فيتزلزل إيمانه ويذهب إيقانه ويتوجه إلى التشوف والتطلع إلى الخلق والاهتمام بالرزق ويأتي المتجردين ويقول لهم إلى متى تتركون الأسباب الم تعلموا أن تركها يطمع القلوب إلى ما في أيدي الناس ولا يمكنكم الإتيان والقيام بالحقوق ، وعوض ما تكونون متنظرين ما يفتج به عليكم يبقى غيركم لو دخلتم في الأسباب منتظرا ما يفتح به عليه منكم","part":2,"page":256},{"id":535,"text":"فيترك الترجيد من طاب وقته وانبسط نوره ووجد الراحة بالانقطاع من الخلق ولا يزال به حتى يعود إلى الأسباب فتصيبه كدورتها وتغشاه ظلمتها ويعود الدائم في سببه أحسن حالا منه ( وإنما ) قصد الشيطان بذلك عدم الرضا عن الله تعالى فيما هم فيه وإن يخرجهم عما اختار لهم إلى ما اختاروا همم لأنفسهم وما أدخلك الله فيه يتولى أعانتك عليه وما أدخلت نفسك فيه وكلك اليه ، وقل رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل من لدنك سلطانا نصيرا } انتهى مع تصرف قليل ( والموفق ) يبحث عن هذين الأمرين اللذين يأتي بهما الشيطان في صورة غيرهما كيدا منه لعله أن يسلم منهما ، ويعلم مع بحثه عنهما أنه لا يكون إلا ما يريد الله تعالى وجوده من المرين المذكورين وغيرهما لا ما يؤيده الشيطان ، ولا ينفعنا علمنا بذلك إلا أن يريد الله سبحانه وتعالى نفعنا بأن يوفقنا للاتيان به خالصا من العجب ويغره من الآفات المفسدة للأعمال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .\r( قال جامعه كان الله له ، وختم بالصالحات عمله )","part":2,"page":257},{"id":536,"text":"( هذا غاية ما جمعه جالينوس الذهب من مركبات هذا الترياق النافع ، ونهاية ما ناس به لسان بيان التعبير عن غوامض جمع الجوامع ، مبتهلا إلى من وفقني له أن يجعل ذلك من مشكور السعي ومبرور العمل ، وملتمسا ممن وقف من أهل العلم عليه إصلاح ما لا يقبل التأويل فيه من الخلل ( وها أنا قد ) بسطت أكف الاعتذار إلى رجال هذه الوظيفة الشريفة ورفعت رأية الاعتراف بالعجز عن رقي هذه الدرجة المنيفة ، لكن كل مجتهد كما ورد مأجور ، والميسور كما جاء لا يسقط بالمعسور ، على أنني حررته وأنا جاثم بين أنياب نوائب الاضطراب في شرك الأكدار عائم في عباب غرائب الاغتراب عن الأحبة والديار ، حكما جرى به قلم القدر والقضاء ، وأمرا لا يستغني فيه إلا التسليم والرضا ، لكني انخت ركاب الأمال برحاب من بيده الأمر نفعا وضرا ، وجزمت العقيدة بإنتاج مقدمة أن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ، وكأني ببهيم ليل الهموم قد أذن بالبلج ، وبغميم الغموم قد انقشع عن سماء الفرج ، فإن الله جل شأنه لا يخيب أمل آمل ، ولا يضيع عمل عامل ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم والحمد لله رب العالمين .\r( خاتمة الطبع )\rنحمدك اللهم على ما أوضحت من السنن ، ونشكرك على ما انهجت من السنن ، حتى قيضت لنا من مرابط جهلنا القفول ، وسهلت علينا الوصول إلى معالم الأصول ، والصلاة والسلام على حبيبك المنقذ من الضلال ، ونبيك الراقي ذروة المجد والكمال ، وعلى آله الوارثين منه ما ورث سليمان من داود ، وأصحابه الباذلين في نصرته كل المجهود ، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى اليوم الموعود .","part":2,"page":258},{"id":537,"text":"( أما بعد ) فيقول المفتقر إلى لطف الله الخفي الحسن بن أحمد الحنفي مصحح المطبعة ومديرها عامله الله بالإحسان ، وأفاض عليه سوابغ الامتنان ، قد كمل بعون الملك الخلاق ، طبع الكتاب المسمى بالترياق لمؤلفه العلامة مولانا السيد أبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين العلوي الحسيني الشافعي أعلى الله كملته ، وأطال لنفع أمة جده مدته ، وقد بذلنا المجهود في تصحيح طبعه وتحريره ، وأدركنا المقصود من اتقان تنميقه وتحبيره مع مراجعة المؤلف صحائفه قبل الطبع للاستظاهر والاحتياط ، وملاحظته بعد ذلك ما فرط من السقطات والاغلاط ( وكان ) ذلك الطبع الرائق بمطبعة دائرة المعارف النظامية الكائنة بمحروسة حيدر آباد دكن الهند قاعدة سلطنة النظام حرسها الله عن الآفات والعاهات إلى يوم القيام ، في أيام الملك الرافع الوية الفضل والكمال ، واللابس مطارف الهيبة والجلال ، أعظم الملوك همة أو منعها وأرقامها في سماء العز وأرفعها ، سلطان الديار الهندية ، وأمير الملة الحنيفية مليك السلطنة الأصفية .\r( مظفر الممالك فتح جنك نظام الدولة نظام الملك اصفحاه مير محبوب علي خان بهادر )\rلازال بعين الله مرعيا ومنظورا ولا برح على الأعداء مظفرا ومنصورا ،\r( ولما بدر ) من أفق الطبع بدره التمام وجاء بحمد الله على ما يرغب ويرام ، أرخ طبعه مؤلفه نفع الله به بأبيات أبية أدبية ، شاهدة بما للكتاب وفنه من المزايا السمية ، قال أطال الله بقاه :\rأسمى الذي تصبوبه العشاق ... ويحن نحو حسانه المشتاق\rويبيت كل أبي نفس ساهرا ... سعيا اليه ودمعه مهراق\rوالغاية القصوى التي ما فوقها ... شرف تحاول نيله السباق\rهو منصب العلم المنيع المعتلي ... في الخافقين لواؤه الخفاق\rفبه يسود المستوى في عرشه ... ويجله المخلوق والخلاق\rوعلى ذويه لنشره وبيانه ... أخذن عهود الله والميثاق\rأن العلوم على اختلاف فنونها ... لذوي البصائر والنهي رستاق","part":2,"page":259},{"id":538,"text":"فبها الفضائل تقتني وبدرسها ... تزكوا النفوس وتحسن الأخلاق\rوأجلها بين العلوم مزية ... ما نحوه تتطاول الأعناق\rعلما أصول الدين والفقه اللذين ... لنور شمس هداهما إشراق\rعلم صفات الله من موضوعه ... وبه فحسب من اللظى الاعتاق\rوكذا المنوط بدركه التحليل وا ... لتحريم والاحقاق والإزهاق\rناهيك من علمين من يدركهما ... يختصه ذو القوة الرزاق\rبهما النجاة وفيهما يتنافس ال ... متنافسون ويحفد الحذاق\rهين على باغيهما الأغوار وال ... ابجاد والاشئام والاعراق\rفعن المشائخ خذهما واعكف على ... الكتب التي ملئت بها الآفاق\rواستسقها العذرب الزلال فإنما ... يروي الأنوام معينها الدفاق\rوإذا ردت أرقها معنى وار ... قاها فذاك وربك الترياق\rسفر يروق الناظرين كأنه ... روض سقاه الوابل الغيدلق\rتقضى المعاطس من شذاه لبانة ... وبحسنه تتنزه الأحداق\rعن غيره في فنه يغني وإن ... يخبر فذاك جهينة المصداق\rهذا مغاص اللؤلوء الرطب الذي ... أوراقة لنفيسه أسو اق\rلو قلت ليس كمثله ما كان في ... قولي مبالغة ولا اغراق\rأضحى به جمع الجوامع مسفرا ... من بعد أن قتمت به الأعماق\rحسن البيان به لكل خريدة ... رتقاء من تعبيره فتاق\rقد اطرب الاسماع من تحبيره ... وبديعه ما استحلت الأذواق\rفالزمه واعن به فإنك للأولى ... سبقوا إذا لازمته لحاق\r( هذا ) ولما تم قام بنشره ... قدم من العون المتاح وساق\rوكسته أيدي الطبع قشب مطارف ... خضرا وفاح عبيره العباق\rوالفال أفصح معلنا تاريخه ... راقي السموم بطبعه الترياق","part":2,"page":260}],"titles":[{"id":1,"title":"الترياق النافع الجزء الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":279,"title":"الترياق النافع الجزء الثاني","lvl":1,"sub":0}]}